Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
فلا يقع الزائد على الواحدة بالشك، بخلاف ما إذا أخر الشرط لأنه يغير صدر الكلام، فيتوقف الأول عليه فيقعن جملة، ولا مغير فيما إذا قدم الشرط فلم يتوقف، ولو عطف بحرف الفاء فهو على هذا الخلاف فيما ذكر الكرخي ﵀، وذكر الفقيه أبو الليث أنه يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء للتعقيب وهو الأصح.
وأما الضرب الثاني وهو الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بالنية أو بدلالة الحال؛
ــ
[البناية]
أنت طالق واحدة واحدة حيث لا يقع إلا واحدة بالاتفاق لعدم المحلية للثانية م: (فلا يقع الزائد على الواحد بالشك، بخلاف ما إذا أخر الشرط لأنه) ش: أي لأن الشرط م: (يغير صدر الكلام فيتوقف الأول عليه) ش: أول الكلام على الشرط م: (فيقعن جملة) ش: كان ينبغي أن يقول يقعان جملة م: (ولا مغير فيما إذا قدم الشرط فلم يتوقف) ش: فيقع على الترتيب فتبين بالأولى ولا تقع الثانية لعدم المحلية.
م: (ولو عطف بحرف الفاء) ش: بأن قال: أنت طالق واحدة فواحدة إن دخلت الدار م: (فهو على هذا الخلاف) ش: يعني عند أبي حنيفة ثنتان، وعندهما واحدة م: (فيما ذكره الكرخي) ش: فإن جعل العطف بالفاء والواو سواء.
وقال: إن حرف العطف يجعلها كلامًا واحدًا فتعلقتا كما في صورة الواو سواء قدم الشرط أو أخره عندهما خلافًا له. وفي " المبسوط ": الطحاوي مكان الكرخي.
م: (وذكر الفقيه أبو الليث أنه يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء للتعقيب) ش: فتقع الأولى ولا محل للثانية م: (وهو الأصح) ش: أي الاتفاق أصح؛ لأن الفاء للعطف على التعقيب لغة لا مطلق العطف، فيقتضي التعليق على التعقيب فينزمن كما علقت بالأولى تبين، فلا تقع الثانية، كذا في المبسوط، وفيه لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق في المدخول بها تعلقت الأولى ووقعت الثانية، لغت الثالثة عند أبي حنيفة، ولو أخرت الشرط وقعت الأولى والثانية في الحال تعلقت الثالثة في المدخولة وغير المدخولة يقع واحدة في الحال، وبلغو ما سوى ذلك عنده وعندهما، وللشافعي ومالك وأحمد يتعلق الثالث بالشرط سواء قدم أو أخر في المدخولة وغيرها، وعند وجود الشرط إن كانت مدخولة يقع الثلاث وإلا تطلق واحدة.
[وقوع الطلاق بالكناية]
م: (وأما الضرب الثاني وهو الكنايات) ش: هذا عطف على ما ذكر بقوله فالصريح مثل قوله أنت طالق في أول باب إيقاع الطلاق؛ لأنه قسم الطلاق ثمة إلى صريح وكناية، وقد فرغ من بيان الصريح، والآن شرع في بيان الكتابة.
والصريح ما هو المشكوف المراد، والكناية ما هو مستتر المراد من قولهم كنيت أو كنوت الشيء إذا سترته م: (لا يقع بها) ش: أي الكناية م: (الطلاق إلا بالنية أو بدلالة الحال) ش: إذ هي دليل على المراد كما في البيع بالدراهم المطلقة يصرف إلى غالب نقد البلد، وكذا لو أطلق النية في الحج
стр. 2697
لأنها غير موضوعة للطلاق، بل تحتمل الطلاق وغيرها، فلا بد من التعيين أو دلالته. قال: وهي على ضربين: منها ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي ولا تقع بها إلا واحدة، وهي قوله: اعتدّي واستبرئي رحمك، أنت واحدة. أما الأولى: فلأنها تحتمل الاعتداد عن النكاح، وتحتمل اعتداد نعم الله تعالى. فإن نوى الأولى تعين بنيته فيقتضي طلاقا سابقا، والطلاق يعقب الرجعة، وأما الثانية فلأنها تستعمل بمعنى الاعتداد لأنه صريح بما هو المقصود منه فكان بمنزلته وتحتمل الاستبراء لتطليقته.
ــ
[البناية]
يصرف إلى الفرض بدلالة الحال، ولهذا جعل أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دلالة الحال مقام النية في جميع الكنايات في حالة الغضب وغيره بلا نية من الزوج.
وقال الشافعي: لا يقع الطلاق بشيء من الكنايات في حالة الغضب وغيره بلا نية من الزوج ومن المرأة، وعندنا يكفي نية الزوج، لاحتمال إرادة غير الطلاق فيها في جميع الأمور. وقال مالك: يقع الطلاق بلا نية في الكنايات الظاهرة، كقوله: بائن، بتة، حرام. فإذا قال ما نويت الطلاق لا يصدق؛ لأن ظاهرها في الطلاق.
م: (لأنها) ش: أي لأن الكنايات م: (غير موضوعة للطلاق بل تحتمل الطلاق وغيرها فلا بد من التعيين) ش: بالنية م: (أو دلالة) ش: أي أو دلالة معنى التعيين، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الحال؛ لأن الحال مما يذكر ويؤنث ودلالة الحال بأن تكون في مذكرة الطلاق، وكان اللفظ لا يصلح ردًا.
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (وهي على ضربين) ش: أي نوعين؛ وأراد بهما الرجعي والبائن، أجمل أولًا ثم فصل ذلك بقوله م: (منها) ش: أي من الكنايات م: (ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي ولا يقع بها إلى واحدة، وهي قوله: اعتدى، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة أما الأولى) ش: وهي لفظة اعتدى م: (فلأنها تحتمل الاعتداد عن النكاح، وتحتمل اعتداد نعم الله تعالى، فإذا نوى الأولى تعين بنيته) ش: أي نية الأولى، ويجوز أن يقال بنية الزوج م: (فيقتضي طلاقًا سابقًا، والطلاق يعقب الرجعة) .
م: (وأما الثانية) ش: هي لفظة استبرئي رحمك م: (فلأنها تستعمل بمعنى الاعتداد؛ لأنه صريح بما هو المقصود منه) ش: أي من الاعتداد م: (فكان بمنزلته) ش: أي بمنزلة الاعتداد، أي في حق إثبات الرجعة لا في حق احتمال الاعتداد بنعم الله تعالى م: (وتحتمل الاستبراء لتطليقته) ش: والاستبراء طلب براءة الرحم من الولد، كذا في " المغرب "، وإنما يحتاج إلى النية؛ لأن قوله استبرئي رحمك يحتمل أن يكون معناه اطلبي براءة رحمك حتى تعلمي أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك، وإلا فلا، فلو كانت نيته هكذا لا يقع الطلاق، ولو كانت نيته الاعتداد عن النكاح يقع الطلاق سابقًا كما في قوله اعتدى، فلذلك احتاج إلى النية.
стр. 2698
وأما الثالثة فلأنها تحتمل أن تكون نعتا لمصدر محذوف معناه تطليقة واحدة، فإذا نواه جعل كأنه قاله. والطلاق يعقب الرجعة، وتحتمل غيره وهو أن يكون واحدة عنده أو عند قومها. ولما احتملت هذه الألفاظ الطلاق وغيره يحتاج فيه إلى النية ولا يقع بها إلا واحدة؛ لأن: قوله أنت طالق منها مقتضى أو مضمر. ولو كان مظهرا لا تقع بها إلا واحدة، فإذا نوى مضمرا أولى، وفي قوله " واحدة " وإن صار المصدر مذكورا، لكن التنصيص على الواحدة ينافي نية الثلاث
ــ
[البناية]
م: (وأما الثالثة) ش: أي لفظ أنت واحدة م: (فلأنها تحتمل أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، معناه تطليقة واحدة، فإذا نواه جعل كأنه قاله) ش: أي قال مصدرًا محذوفًا م: (والطلاق يعقب الرجعة) ش: أراد بهذا أنه طلاق رجعي، والطلاق من الرجعي فيه الرجعة م: (ويحتمل غيره) ش: أي غير ما ذكر م: (وهو أن يكون واحدة عنده) ش: أراد بها اعتدِّي واستبرئي رحمك وأنت واحدة م: (الطلاق وغيره يحتاج فيه إلى النية) ش: لأجل التمييز م: (ولا يقع بها إلا واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق منها مقتضى) ش: في قوله اعتدي واستبرئي رحمك م: (أو مضمر) ش: في قوله أنت واحدة كان تقديره أنت طالق طلقة واحدة، وعند الشافعي لا يقع شيء بقوله أنت واحدة وإن نوى، لأنه نعت المرأة وليس فيه معنى احتمال الطلاق أصلًا.
قلنا: إذا نوى يقع؛ لأنه أمكن حمل كلام العاقل على الفائدة فيحمل عليه. وعند زفر يقع بائنًا بقوله أنت واحدة كما في سائر الكنايات.
وبعض المشايخ جعل الطلاق في اعتدي بعد الدخول بالاقتضاء، وقبله بطريق الاستعارة المحضة.
فإن قبل: قلت: الأمر بالاعتداد إنما يصح بعد وقوع الطلاق، فكيف يكون قبله؟
قلت: قوله اعتدي قبل الدخول جعل مستعارًا عن الطلاق، لأن الطلاق سبب لوجوب العدة على ما هو الأصل، إذ الطلاق قبل الدخول إنما وقع لعارض أن النكاح لم يوضع لهذا والعوارض غير داخلة ي القواعد، فيكون الطلاق سببًا لوجوب العدة، فاستعير الحكم لسببه.
م: (ولو كان مظهرًا) ش: يعني لو كان الطلاق وقال أنت طالق م: (لا تقع بها) ش: يعني بلفظة أنت طالق م: (إلا واحدة) ش: أي إلا طلقة واحدة م: (فإذا نوى) ش: أي الطلاق م: (مضمرًا) ش: في قوله أنت واحدة م: (أولى) ش: أن لا يقع إلا واحدة، وذلك أن الأصل في الكلام الصريح لكونه أولى على المراد، بخلاف المضمر لأن فيه قصورًا، ولهذا لا يثبت حكمه إلا بالنية.
م: (وفي قوله واحدة وإن صار المصدر مذكورًا) ش: هذا سؤال بيانه أن يقال لما المصدر مذكورًا ينبغي أن يصح نية الثلاث، فأجاب بقوله م: (لكن التنصيص على الواحدة ينافي نية الثلاث) ش: بيانه أن نية الثلاث لا تصح، وقوله أنت واحدة وإن ذكر المصدر بأن قيل أنت طالق واحدة؛
стр. 2699
ولا يعتبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ وهو الصحيح؛ لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب. قال: وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا كانت ثلاثا، وإن نوى ثنتين كانت واحدة بائنة، وهذا مثل قوله: أنت بائن، وبتة، وبتلة، وحرام، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وخلية، وبرية،
ــ
[البناية]
لأن التنصيص على الواحدة ينافي نية الثلاث للمنافاة بين الواحد والعدة فلا يحتمل لفظًا لا حقيقة؛ لأنه ليس بموضوع له ولا مجازًا للمنافاة. م: (ولا يعتبر إعراب الواحدة عند عامة المشايخ) ش: يعني سواء قال أنت واحدة بالرفع أو بالنصب أو بالسكون م: (وهو الصحيح) ش: احترز به عن قول بعض المشايخ المذكور في شرح " الجامع الصغير " أنه إذا أعرب الواحدة بالرفع لم يقع شيء، وإن نوى لأنها صفة شخصها، إذا أعرب بالنصب يقع من غير نية، لأنه نعت مصدر محذوف، وإن سكن ولم يحرك يحتاج إلى النية، وإن نوى كان على الاختلاف، يعني عندنا يقع واحدة رجعية، وعند الشافعي لا يقع شيء.
وقيل: عدم الوقوع في الرفع قول محمد. والصحيح أن الكل سواء، فلا اعتبار للإعراب م: (لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب) ش: فلا يحتاج إلى التفصيل.
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (وبقية الكنايات) ش: أراد بها ما سوى الألفاظ الثلاثة المذكورة م: (إذا نوى بها) ش: بلفظ فيها م: (الطلاق كانت واحدة بائنة) ش: أي طلقة واحدة بائنة م: (وإن نوى ثلاثًا) ش: أي ثلاث تطليقات م: (وإن نوى ثنتين) ش: أي طلقتين م: (كانت واحدة) ش: أي كانت الطلقة واحدة.
وقال زفر ومالك والشافعي يقع ما نوى. وقال أحمد: هو عندي ثلاث لكني أكره. م: (وهذه) ش: أي المذكور من بقية الكنايات م: (مثل قوله) ش: أي قول الزوج م: (أنت بائن) ش: أي من البينونة وهو القطع، وهو نعت للمرأة، ويحتمل أن يكون استبرئي عن النكاح وعن المعاصي وعن الخيرات ونحو ذلك م: (وبتة) ش: من البت وهو القطع أيضًا، وفيه الاحتمالات المذكورة م: (وبتلة) ش: أي بتلت الشيء إذا ابتله عن غيره، ويه الاحتمالات المذكورة م: (وحرام) ش: أصله المصدر كالحرمة، ويراد به النعت ومعناه الممنوع، وفيه الاحتمالات المذكورة م: (وحبلك على غاربك) ش: وهو استعارة عن التخلية، والغارب بالغين المعجمة ما تقدم من الظهر وارتفع عن العنق فيحتمل الخلو من الخيرات لكونك غير مطيعة ويحتمل الخلو عن قيد النكاح لكونك بائنة.
م: (والحقي بأهلك) ش: الحقي: أمر من لَحِقَ، من حَدِّ علم، وفتح الألف وكسر الحاء خطأ فإنه يصير من الإلحاق وهو فعل متعد، والصحيح أن يجعل من اللحوق فيحتمل لأني طلقتك الحقي بأهلك، ويحتمل سيري بسير أهلك م: (وخلية) ش: من الخلو، بضم الخاء من حد دخل، فيحتمل الخلو عن الخيرات أو عن قيد النكاح م: (وبرية) ش: من البراءة من حد علم، فيحتمل
стр. 2700
ووهبتك لأهلك، وسرحتك، وفارقتك، وأمرك بيدك، واختاري، وأنت حرة، وتقنعي، وتخمري، واستتري، واغربي، واخرجي واذهبي وقومي وابتغي الأزواج.
ــ
[البناية]
البراءة عن حسن الثناء أو عن قيد أهلك، م: (ووهبتك لأهلك) ش: لأني طلقتك م: (وسرحتك) ش: يحتمل التسريح بالطلاق أو بغيره م: (وفارقتك) ش: تحتمل المفارقة بالطلاق أو بغيره.
قال الشافعي: هما صريحان لا يحتاجان إلى الطلاق، فيكون تفويضًا له إليها، ويحتمل غيره في تصرف آخر.
م: (وأمرك بيدك، واختاري) ش: يحتمل اختيار نفسها بالفراق من النكاح أو في أمر آخر، وفي هذين اللفظين لا تطلق حتى تطلق نفسها م: (وأنت حرة) ش: يحتمل عن حقيقة الرق أو رق النكاح م: (وتقنعي) ش: هذا أمر بأخذ القناع على وجهها، فيحتمل لأنك بتت مني بالطلاق وحرم علي نظرك أو عن الأجنبي لأنظر إليك م: (وتخمري) ش: هو أمر بأخذ الخمار، فيحتمل ما يحتمله تقنعي م: (واستتري) ش: هو أمر بالسترة، فيحتمل ما احتمل تخمري م: (واغربي) ش: هو بالغين المعجمة والراء المهملة، أي تباعدي عني لأني طلقتك.
واغربي لزيارة أهلك، ويروى اعربي بالعين المهملة، والثاني من العروبة وهو النقد م: (واخرجي) ش: يحتمل اخرجي من عندي لأني طلقتك، واخرجي أمر لشيء آخر م: (واذهبي، وقومي، وابتغي الأزواج) ش: أي اطلبيهم، فيحتمل لأني طلقتك، أو ابتغي الأزواج من النساء؛ لأن لفظ الأزواج مشترك بين الرجال والنساء، وهذه اثنتان وعشرون لفظًا.
وفي شرح " الأسبيجابي " " وجوامع الفقه " هي كنايات ومدلولات. وفي " الينابيع " ثلاث كنايات ومدلولات وتفويضات، أما الكنايات فقوله أنت بائن وبتة وخلية وبرية وحرام. وما الحق بها القاضي أبو يوسف في رواية الطحاوي وهي أربعة ذكرها السروجي في " المبسوط " وقاضي خان ي " الجامع الصغير "، وهي لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك، خليت سبيلك وفارقتك، خرجت عن ملكي.
قالوا: هو بمنزلة خليت سبيلك. وفي " الينابيع " وألحق أبو يوسف بالخمسة ستة أخرى، وهي الأربعة المتقدمة، وزاد خالعتك، والحقي بأهلك.
وقال السروجي: ينبغي أن يزاد فيها: أنت بتلة، ولا سلطان لي عليك، فتصير ثلاثة عشر. أما المدلولات، قيل: قومي واذهبي واخرجي وتقنعي وتخمري واستبرئي والحقي وانتقلي واغربي وابتغي الأزواج، لا نكاح بيني وبينك، وحبلك على غاربك ووهبتك لأهلك، وما أنا بزوج لك، وبنت مني.
ولو قال فسخت نكاحك أو النكاح الذي بيني وبينك، وأنا بريء من نكاحك ونجوت مني أو
стр. 2701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
تخلصت أو نزلت لك طلاقًا يقع بالنية.
وفي " التكملة " تحرمي ونوى به الطلاق كانت طلقة بائنة إذا لم ينو ثلاثًا.
وفي " المرغيناني " قال أنا براء من نكاحك يقع، وأطلق في الكتاب وهو محمول على النية. ولو قال ابتداء وهبت لك طلاقك أو وقعت به يقع بالنية عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وقال أبو يوسف هو تمليك إن نوى بها تمليكًا كان تمليكًا بلا خلاف.
وفي " الذخيرة " عن أبي يوسف إذا قال لها وهبتك لأهلك أو لأبيك أو لأمك أو لابنك أو للأزواج فهو طلاق بالنية. وإن قال: وهبتك لأختك أو لعمتك أو لخالتك وما أشبه ذلك فليس بطلاق، وإن نواه، ولا يشرط القبول لوقوع الطلاق عندنا، ولو قال: اذهبي ألف مرة ونوى به الطلاق فثلاث.
ولو قال: خذي طلاقك فقالت أخذت يقع، كذا اخرجي إن شئت، ونوى فقالت شئت يقع. ولو قال: تزوجي زوجًا ليحلك فهو إقرار بالثلاث.
وأما التفويضات فقوله أمرك بيدك، والطلاق إليك - بخلاف الطلاق منك فإنه كناية يقع بالنية. وفي " البدائع ": أو أنت طالق إن شئت أو طلقي نفسك. ولو قال: لم أتزوجك أو لم تكوني بامرأة، وما أنت بامرأة إلي، أو نوى، لا يقع، وكذا لو قال له لك امرأة فقال لا لم يقع.
وأجمعوا على أنه لو قال لم أتزوجك أو لم يكن بيننا لا يقع وإن نوى، وإن قال لا نكاح بيننا يقع إذا نوى، قال المرغيناني: ولو قال لم يبق بيني وبينك شيء ونوى لا يقع.
وفي " الفتاوى " لم يبق بيني وبينك ونوى يقع. ولو قال لها أعرتك طلاقك، وأنا بريء من طلاقك. أو بريت لك من طلاقك، أو أعرضت أو صفحت عن طلاقك لا يقع، وإن نوى.
وفي " الحاوي " قال: بريت إليك من طلاقك الأصح أنه يقع بالنية. وفي المرغيناني قال أعرتك طلاقك صار بيدها. وعن أبي حنيفة يقع. وعن محمد ولو قال: أقرضتك طلاقك يقع ولو قال: رهنتك، قال المتأخرون لا يقع، وقيل يقع، ولو قال: بعتك طلاقك فقالت: اشتريت يقع رجعيًا، وبه قال مالك. وقال أحمد وإسحاق: لا يقع، ونحن نعتبر بالهبة، ولو قال: أبحتك طلاقك لا يقع، وبمهرك بائن، وكذا بعتك نفسك، ولو زوج امرأته من غيره لا يكون طلاقًا، قاله أبو حامد وغيره.
وقال أبو جعفر ( ... ) وأنى يقع إن نواه. ولو أراد أن يطلقها فقالت: هب لي طلاقي فقال: وهبت لا يقع، ولو قال: أربع طرق مفتوحة لك لا يقع وإن نوى ما لم يقل: خذي أو اذهبي أيها شئت. وفي " المبسوط " اذهبي وبيعي ثوبك ونوى الطلاق لا يقع عند أبي يوسف،
стр. 2702
لأنها تحتمل الطلاق وغيره فلا بد من النية. قال إلا أن يكون في حال مذاكرة الطلاق فيقع بها الطلاق في القضاء، ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن ينويه. قال ﵁ سوى بين هذه الألفاظ، وقال: ولا يصدق في القضاء
ــ
[البناية]
وعند زفر يقع، وبه قال الشافعي، ولو قال لآخر: أحل إليها طلاقها أو أخبرها به طلقت فيه الحال.
وقال في " المبسوط ": لو قال لها: أنت علي كالميتة أو كالخمر أو كلحم الخنزير ونوى الطلاق وقع، وبه قال الشافعي. وفي الكافي قال لامرأته هذه أختي أو بنتي أو أمي من الرضاع وثبت عليه فرق بينهما. ولو قال أخطأت أو وهمت أو نسيت لم يصدق قياسًا لأنه أقر بالتحريم ويصدق استحسانًا، لأن هذا إيجاب بالتحريم فلا يقع إلا بقرينة، وهي الدوام بأن يقول ما قلت حق.
ولو قال طلقك الله، أو لعبده أعتقك الله وقعا بلا نية، وبه قال الشافعي. ولو قال طلاقك علي واجب، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وفي قوله: لازم واجب تطلق عند الجميع، وقيل: لا يقع شيء، وهو رواية عن أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وقيل يقع عند أبي حنيفة خلافًا لهما إلا في قوله: لازم، فإنه يقع به.
وقال أكثر أصحاب الشافعي يقع بلا نية بمنزلة الصريح، ومع النية يقع عند جميعهم، وبه قال مالك وأحمد، وقيل على عكسه. وقيل في قوله: واجب يقع بلا نية، والصحيح أنه يقع في الكل، بخلاف ما لو قال لعبده: عتقك علي لازم أو واجب لا يعتق، ولو قال لها: قولي أنا طالق تطلق إذا قالت، وإذا لم تقل لا. ولو قال: نساء أهل الري، أو قال نساء أهل الدنيا أو عبيد أهل الدنيا أحرار يقعان بالنية، وبه أخذ عصام بن يوسف، وعليه الفتوى، وعن محمد يقعان بلا نية، وبه أخذ الشافعي، ولو قال: أنت طالق ونوى يقع، وإلا فلا. ولو قال: يا طال بكسر اللام تقع بقرينة، وهذا كله في حالة الرضاء، وفي حالة الغضب. وفي مذاكرة الطلاق يقع، وإن لم يذكر اللام مكسورًا.
م: (لأنها) ش: أي لأن هذه الألفاظ م: (تحتمل الطلاق وغيره، فلا بد من النية) ش: لأجل التعيين م: (إلا أن يكون) ش: وفي بعض النسخ م: (قال: إلا أن يكون) ش: أي قال القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلا أن يكون أي المتكلم بهذه الألفاظ م: (في حالة مذاكرة الطلاق) ش: وفي بعض النسخ م: (إلا أن يكونا) ش: بضمير الاثنين، أي إلا أن يكون الزوجان، وهو استثناء من قوله وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة إلا في حال مذاكرة الطلاق م: (فيقع بها الطلاق في القضاء، ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى، إلا أن ينويه) ش: أي الطلاق.
م: (قال) ش: أي المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (سوى) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (بين هذه الألفاظ وقال: لا يصدق في القضاء) ش: يعني سوى القدوري بين هذه الألفاظ
стр. 2703
إذا كان في حال مذاكرة الطلاق وهذا فيما لا يصلح ردّا، والجملة في ذلك أن الأحوال ثلاثة حالة مطلقة، وهي حالة الرضا وحالة مذاكرة الطلاق وحالة الغضب.
والكنايات ثلاثة أقسام ما يصلح جوابا وردّا، وما يصلح جوابا لا ردّا لا غير، وما يصلح جوابا ويصلح سبّا وشتيمة، ففي حالة الرضا لا يكون شيء منها طلاقا إلا بالنية، والقول قوله في إنكار النية لما قلنا، وفي حالة مذاكرة الطلاق لم يصدق فيما يصلح جوابا ولا يصلح ردّا في القضاء مثل قوله خلية وبرية بائن بتة حرام اعتدي أمرك بيدك اختاري، لأن الظاهر أن مراده الطلاق عند سؤال الطلاق ويصدق فيما يصلح جوابا وردّا مثل قوله: اذهبي، اخرجي، قومي، تقنعي، تخمري، وما يجري هذا المجرى؛
ــ
[البناية]
في وقوع الطلاق بلا نية في م: (حال مذاكرة الطلاق وهذا) ش: أي الذي قاله من التسوية م: (فيما لا يصلح ردًّا) ش: إذا سوى للمرأة ثم شرع يبين تفصيل ذلك بقوله م: (والجملة في ذلك) ش: أي في بيان ذلك م: (أن الأحوال ثلاثة حالة مطلقة وهي حالة الرضا) ش: وهي حالة ابتداء الزوج بالطلاق، وليست بحالة مذاكرة الطلاق ولا حالة الغضب م: (وحالة مذاكرة الطلاق) ش: وهي أن تسأل المرأة أو غيرها طلاقها زوجها م: (وحالة الغضب) ش: وهو الغضب من الجانبين.
[أقسام الكنايات في الطلاق]
م: (والكنايات ثلاثة أقسام) .
الأول: م: (ما يصلح جوابًا وردًّا لا غير) ش: أي جوابًا لسؤال المرأة الطلاق وردًّا لكلامها عند سؤالها.
الثاني: م: (وما يصلح جوابًا لا ردًّا) ش: أي لا يصلح ردًّا.
الثالث: م: (وما يصلح جوابًا ويصلح سبًّا وشتيمة) ش: فإذا عرف هذا يعرف حكم هذه الأقسام م: (ففي حال الرضا لا يكون شيء منها) ش: أي من هذه الألفاظ م: (طلاقًا إلا بالنية) ش: للاحتمال وعدم دلالة الحال: (والقول قوله) ش: أي قول الزوج: م: (في إنكار النية لما قلنا) ش: إشارة غلى قوله لأنها غير متنوعة للطلاق بل يحتمله وغيره.
م: (وفي حال مذاكرة الطلاق لم يصدق) ش: أي الزوج م: (فيما يصلح جوابًا ولا يصلح ردًّا في القضاء) ش: يتعلق بقوله يصدق، أي لا يصدق قضاء في أنه لم ينو الطلاق م: (مثل قوله خلية برية بائن بتة حرام اعتدي أمرك بيدك اختاري) ش: هذه ثمانية ألفاظ ومثله يصلح جوابًا ولا يصلح ردًّا في حال مذاكرة الطلاق، وقد ذكرنا معانيها عن قريب م: (لأن الظاهر أن مراده الطلاق عند سؤال الطلاق) ش: لأن كلامه جواب لسؤالها الطلاق والسؤال يصلح مفادًا في الجواب، والقاضي مأمور باتباع الظاهر م: (ويصدق فيما يصلح جوابًا وردًّا مثل قوله: اذهبي، اخرجي، قومي، تقنعي، تخمري، وما يجري هذا المجرى) ش: أراد ما يصلح جوابًا وردًّا كالألفاظ المذكورة، وفي قوله: اغربي واستبرئي.
стр. 2704
لأنه يحتمل الرد وهو الأدنى فحمل عليه، وفي حالة الغضب يصدق في جميع ذلك لاحتمال الرد والسب إلا فيما يصلح للطلاق، ولا يصلح للرد والشتم كقوله: اعتدي واختاري، وأمرك بيدك، فإنه لا يصدق فيها؛ لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق. وعن أبي يوسف ﵀ في قوله لا ملك لي عليك، ولا سبيل لي عليك، وخليت سبيلك، وفارقتك، أنه يصدق في حالة الغضب لما فيها من احتمال معنى السب ثم وقوع البائن بما سوى الثلاث الأول مذهبنا. وقال الشافعي ﵀: يقع بها رجعي؛ لأن الواقع بها طلاق، لأنها كنايات عن الطلاق؛ ولهذا تشترط النية وينتقض بها العدد.
ــ
[البناية]
وقال شمس الأئمة في " المبسوط ": لو قال: اذهبي ونوى به الطلاق كان طلاقًا موجبًا للبينونة، لأنه لا يلزمها الذهاب إلا بعد زوال الملك م: (لأنه يحتمل الرد، وهو الأدنى فحمل عليه) ش: أي على الأدنى، لأن الأدنى متيقن، وذلك لأن الرد رافع، والجواب رافع، لأن الطلاق رافع لقيد النكاح والدفع أسهل من الرفع فيكون الرد أدنى في الجواب.
م: (وفي حالة الغضب يصدق في جميع ذلك) ش: أي فيما يصلح جوابًا ولا يصلح ردًّا، وفيما يصلح جوابًا وردًّا م: (لاحتمال الرد) ش: في السبعة المذكورة مثل اخرجي ... إلى آخره.
م: (والسب) ش: أي لاحتمال السب في الخمسة المذكورة في أوائل الثمانية، وهي خلية ... إلى آخره م: (إلا فيما يصلح للطلاق ولا يصلح للرد والشتم) ش: الاستثناء في قوله: يصدق في جميع ذلك م: (كقوله: اعتدي، اختاري، وأمرك بيدك، فإنه لا يصدق فيها) ش: أي في هذه الثلاثة م: (لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق) ش: ألا ترى أنه من قال لغيره في حالة الرضا لا يكون قاذفًا، ولو قال حالة الغضب يكون قاذفًا.
م: (وعن أبي يوسف في قوله: لا ملك لي عليك، ولا سبيل لي عليك، وخليت سبيلك، وفارقتك؛ أنه يصدق في حالة الغضب لما فيها من احتمال معنى السب) ش: لأن معنى لا ملك لي عليك لأنك أدون من أن تملك ومعنى لا سبيل لي عليك لسوء خلقك واجتماع أنواع الشر فيك.
ومعنى فارقتك أي في المسكن اتقاء لشرك م: (ثم وقوع البائن بما سوى الثلاث الأول) ش: وهي المذكورة في أول الكنايات بقوله اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة م: (مذهبنا) ش: وهو مذهب عامة الصحابة. كذا في الحصر؛ منهم علي وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
م: (وقال الشافعي: يقع بها) ش: أي بالكنايات م: (رجعي) ش: أي طلاق رجعي، وهو مذهب عمر وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وبه قال أحمد في رواية وفي أخرى كقولنا، وبه قال مالك م: (لأن الواقع بها) ش: أي بألفاظ الكنايات م: (طلاق؛ لأنها كنايات عن الطلاق، ولهذا تشترط النية) ش: أي ولكونها كناية عن الطلاق يشترط النية في وقوع الطلاق م: (وينتقض بها العدد)
стр. 2705
والطلاق معقب للرجعة كالصريح. ولنا أن تصرف الإبانة صدر من أهله مضافا إلى محله عن ولاية شرعية، ولا خفاء في الأهلية والمحلية، والدلالة على الولاية أن الحاجة ماسة إلى إثباتها كيلا ينسد عليه باب التدارك ولا يقع في عدتها بالمراجعة من غير قصد وليست بكنايات على التحقيق
ــ
[البناية]
ش: أي ينتقض عدد الطلاق بوقوع واحدة منها م: (والطلاق معقب للرجعة كالصريح) ش: أي كما هو معقب للرجعة في الطلاق الصريح.
م: (ولنا أن تصرف الإبانة صدر من أهله) ش: وهو الزوج، لأنه يملك تصرف البينونة، ولهذا إذا أخذ العوض يقع البائن بالإجماع فعلم أن الإبانة مملوكة للزوج وإلا لم يجز الاعتياض عنه م: (مضافًا إلى محله) ش: أي محل التصرف وهو المرأة م: (عن ولاية شرعية) ش: لأن الشارع جعل ولاية الطلاق إليه م: (ولا خفاء في الأهلية) ش: أي في أهلية الزوج م: (والمحلية) ش: أي محلية المرأة للبينونة اللفظية بالاتفاق م: (والدلالة على الولاية) ش: وهذا جواب عما يقال لم قلتم إن له ولاية شرعية في تصرف الإبانة؟ فأجاب بقوله والدلالة على الولاية م: (أن الحاجة ماسة إلى إثباتها كيلا ينسد عليه باب التدارك) ش: قال بعض الشراح أي التدارك بإيقاع الثلاث، والأوجه ما قاله صاحب " النهاية " تدارك دفع المرأة عن نفسه، وذلك لأنه لو لم تقع البينونة عند نيته فتثبت الرجعة والزوج يريد فراقها.
م: (ولا يقع) ش: بالنصب عطفًا على قوله - كيلا ينسد - م: (في عدتها) ش: وفي بعض النسخ في عهدتها م: (بالمراجعة من غير قصد) ش: فيقع في فرطها بالمراجعة إذا كانت فاجرة أو بها سلاطة، وما رأيت شارحًا حرر هذا الموضع كما ينبغي، غير أن الأكمل تعرض لكلام الصنف بغير جدوى، حيث قال ما ملخصه أن هاهنا وجهين، وأراد بهما قوله: والدلالة على الولاية - إلى قوله: التدارك-.
وقوله: ولا يقع ... إلى آخره - وقد جعلهما واحدًا، لأن الأول بعينه تفسير الوجه الثاني، وإن جعل الثاني تفسير الأول فلا يستقم، لأن وقوع المراجعة من غير قصد لا يستقيم على مذهبه، وإذا فسد التفسير فسد المفسر، والحال الكلام فيه ويراد دعواه للوجهين، لأن قوله - لا يقع.. إلى آخره - تتمة الكلام الذي قبله وإيضاح له، وقوله: لا يستقيم، غير مستقيم، لأن الطلاق الرجعي يعقب الرجعة، والرجعة أعم من أن تكون بالقول أو بالفعل ووقوع نظره إلى داخل فرجها فعل منه فتقع به الرجعة.
م: (وليست بكنايات على التحقيق) ش: هذا جواب عن قول الشافعي أنها كنايات، فأجاب بالمنع بأنا لا نسلم أن ألفاظ الكنايات على التحقيق، أي على الحقيقة لأنها معلومة المعاني، ولا استتار في حقائقها وإنما سميت كنايات مجازًا للاستتار فيما يتصل بهذه الألفاظ لا للاستتارة في
стр. 2706
لأنها عوامل في حقائقها والشرط تعيين أحد نوعي البينونة دون الطلاق وانتقاص العدد لثبوت الطلاق بناء على زوال الوصلة، وإنما تصح نية الثلاث فيها لتنوع البينونة إلى غليظة وخفيفة، وعند انعدام النية يثبت الأدنى، ولا تصح نية الثنتين عندنا، خلافا لزفر ﵀؛ لأنه عدد، وقد بيناه من قبل،
وإن قال لها: اعتدي اعتدي اعتدي، وقال: نويت بالأولى طلاقا، وبالباقي حيضا دين في القضاء.
ــ
[البناية]
نفسها، فلما زال ذلك الاستتار بينة الطلاق عملت في حقائقها وهو معنى قوله م: (لأنها) ش: أي لأن الكنايات م: (عوامل في حقائقها) ش: لانعدام مضي التردد بنية الطلاق، فاللفظ هو عامل في حقيقة موجبته حتى تحصل به الحرمة والبينونة.
م: (والشرط تعيين أحد نوعي البينونة دون الطلاق) ش: هذا جواب عن قوله ولهذا تشترط النية، أي نية الطلاق، تقرير اشتراط النية لو كان لأجل الطلاق كان دليلًا على ما ذكرتم، وليس كذلك، بل هو لتعيين أحد نوعي البينونة الغليظة والخفيفة لا للطلاق، يعني النية شرط للطلاق البائن لا للطلاق المجرد م: (وانتقاص العدد) ش: جواب عن قول الشافعي وينتقص به العدد، تقرير أن انتقاص العدد من الطلاق م: (لثبوت الطلاق) ش: في ضمن البينونة م: (بناء على زوال الوصلة) ش: أي على وصلة النكاح. ومنه يلزم وقوع الطلاق ولا منافاة بين نقص العدد والطلاق البائن، فكان النقص من حيث كونه طلاقًا بائنًا م: (وإنما تصح نية الثلاث) ش: هذا جواب عما يقال إن البائن لو كان عاملًا بنفسه ينبغي أن لا تصح نية الثلاث.
م: (وإنما تصح نية الثلاث) ش: أي ثلاث تطليقات م: (فيها) ش: أي في الكنايات م: (لتنوع البينونة إلى غليظة وخفيفة) ش: فالخفيفة هي الطلقة الواحدة البائنة والغليظة هي الطلقات الثلاث م: (وعند انعدام النية) ش: أي نية الثلاث م: (يثبت الأدنى) ش: وهي الواحدة البائنة لأنها متيقنة م: (ولا تصح نية الثنتين) ش: أي الطلقتين م: (عندنا خلافًا لزفر) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في الكنايات الخفيفة م: (لأنه عدد) ش: أي لأن الثنتين عدد، وإنما ذكر الضمير باعتبار المذكور، أو باعتبار لفظ الخبر وهذا دليلنا، لأن الثنتين عدد في حق الحرة.
وقوله: أنت بائن لا يحتمل العدد، لأنه فرد إلا إذا كانت المرأة أمة لأنه جنس طلاقها م: (وقد بيناه من قبل) ش: يعني في أوائل باب إيقاع الطلاق، وهو وقوله ونحن نقول نية الثلاث إنما صحت لكونها جنسًا إلى آخره.
[قال الرجل لامرأته اعتدي ثلاث مرات]
م: (وإن قال لها اعتدي اعتدي اعتدي) ش: أي قال الرجل لامرأته اعتدي ثلاث مرات م: (وقال نويت بالأولى) ش: أي باللفظة الأولى من قوله اعتدي ثلاث مرات م: (طلاقًا وبالباقي) ش: وهو الثنتان الباقيان م: (حيضًا دين في القضاء) ش: يعني يصدق في قوله في الحكم، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد م: (لأنه نوى حقيقة كلامه) ش: مثل اللفظة الثانية والثالثة، ونوى محتمل
стр. 2707
لأنه نوى حقيقة كلامه، ولأنه يأمر امرأته في العادة بالاعتداد بعد الطلاق، وكان الظاهر شاهدا له، وإن قال: لم أنو بالباقيتين شيئا فهي ثلاث؛ لأنه لما نوى بالأولى الطلاق صار الحال حال مذاكرة الطلاق، فتعين الباقيتان للطلاق بهذه الدلالة فلا يصدق في نفي النية، بخلاف ما إذا قال: لم أنو بالكل الطلاق حيث لا يقع شيء، لأنه لا ظاهر يكذبه، وبخلاف ما إذا قال: نويت بالثالثة الطلاق دون الأوليين حيث لا يقع إلا واحدة ولأن الحال عند الأوليين لم تكن حال مذاكرة الطلاق،
ــ
[البناية]
كلامه بالأولى، لأن لفظة اعتدي تحتمل معنيين، أحدهما اعتدي لا في طلقتك، والأخرى اعتدي نعمي عليك أو نعم الله تعالى عليك، أو اعتدي خباياتك تهديدًا لها.
وفي اللفظ المحتمل لا يتعين الطلاق إلا بالنية أو بما يدل عليه من غضب أو مذاكرة الطلاق، وهاهنا قد صرح بأنه نوى الطلاق باللفظة الأولى وبالباقيتين الحيض فيصدق لما ذكرنا م: (ولأنه) ش: دليل آخر لتصديقه، أي ولأن الرجل م: (يأمر امرأته في العادة بالاعتداد بعد الطلاق وكان الظاهر) ش: أي ظاهر الحال م: (شاهدًا له) ش: فيما يقول.
م: (وإن قال لم أنو بالباقيتين شيئًا فهي ثلاث) ش: أي ثلاث طلقات م: (لأنه لما نوى بالأولى) ش: أي باللفظة الأولى م: (الطلاق صار الحال حال مذاكرة الطلاق، فتعين الباقيتان للطلاق بهذه الدلالة ش: أي بدلالة الحال لأنها حال مذاكرة الطلاق م: (فلا يصدق في نفي النية) ش: أي في قوله لم أنو بالباقي شيئًا م: (بخلاف ما إذا قال لم أنو بالكل الطلاق حيث لا يقع شيء لأنه لا ظاهر بكذبه، وبخلاف ما إذا قال نويت بالثالثة الطلاق دون الأولين حيث لا يقع إلا واحدة؛ لأن الحال عند الأوليين لم تكن حالة مذاكرة الطلاق) .
ش: قال الإمام السرخسي وقاضي خان المسألة على اثني عشر وجهًا، أحدها: أن يقول: لم أنو الطلاق بشيء، فالقول قوله مع اليمين، وبه قال الشافعي وأحمد.
والثاني: قال نويت بالأولى ولم أنو بالباقي شيئًا فهي ثلاث.
الثالث: قال لم أنو بالثالثة شيئًا فهي ثلاث، وفيه خلاف زفر والشافعي ومالك، فعندهم واحدة.
الرابع: قال: نويت بكلها الطلاق فهي ثلاث بالإجماع.
الخامس: قال: نويت بالأولى والثانية الطلاق، وبالثالثة الحيض فهو يدين قضاء أيضًا بالإجماع. (....
....
) .
والسابع: قال: نويت بالأولى الطلاق، وبالثالثة الحيض، ولم أنو بالثانية شيئًا فإنها تطلق ثنتين، وبه قال أحمد، وعن الشافعي ومالك وزفر واحدة.
стр. 2708
وفي كل موضع يصدق الزوج على نفي النية إنما يصدق مع اليمين لأنه أمين في الإخبار عما في ضميره والقول قول الأمين مع اليمين
ــ
[البناية]
والثامن: من قال: نويت بالأولى الطلاق وبالثانية ولم أنو بالثالثة شيئًا فإنها تطلق طلقتين أيضًا.
والتاسع: أن يقول: لم أنو بالأولى والثانية شيئًا، ونويت بالثالثة الطلاق يقع واحدة بالإجماع.
والعاشر: قال: لم أنو بالأولى شيئًا، ونويت بالثانية طلاقًا وبالثالثة حيضًا فهي طلقة واحدة.
الحادي عشر: قال: لم أنو الأولى شيئًا ونويت بالثانية الطلاق ولم أنو بالثالثة شيئًا فهو ثنتان عندنا وعند أحمد وزفر والشافعي ومالك يقع واحدة.
والثاني عشر: لو قال: اعتدي ثلاثًا، وقال: نويت بقولي اعتدي طلاقًا وبالثلاث ثلاث حيض فهو كما قال بالإجماع.
وزاد السرخسي الثالثة عشر: قال: اعتدي اعتدي اعتدي فنوى واحدة فهي كذلك ديانة ولا يصدق قضاء. وفي " المبسوط " قال لها: اعتدي فاعتدي أو اعتدي واعتدي، أو قال اعتدي اعتدي ونوى به الطلاق يقع ثنتان في القضاء.
وقال زفر: تعمل نية الواحدة في القضاء. وعن أبي يوسف في قوله: اعتدي فاعتدي كذلك، بخلاف الواو، لأن الفاء للوصل، فيكون معناه فاعتدي بذلك الإيقاع، والواو للعطف، فكان الثاني غير الأول، وفي " مصنف " ابن أبي شيبة أن اعتدي طلقة عند ابن مسعود وعطاء ومكحول والنخعي والأوزاعي، وقال أبو حنيفة: واحدة رجعية إذا نوى الطلاق، وبه قال الشعبي والثوري وأحمد. وقال الحسن والشعبي هو على ما نوى إلا أن يقول لم أنو شيئًا فهي واحدة. وإن قال اعتدي اعتدي اعتدي قال قتادة: ثلاث، وبه قال الحسن والشعبي. وقال أحمد والحكم هي واحدة. ولو قالت أنت طالق يقع واحدة رجعية، فإن قال: واعتدي، ثنتان عندنا.
م: (ثم في كل موضع يصدق الزوج على نفي النية) ش: أي يصدق م: (وإنما يصدق مع اليمين لأنه أمين في الإخبار عما في ضميره، والقول قول الأمين مع اليمين) ش: لنفي التهمة عنه، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأحمد في الكنايات الخفية كذلك لا في الظاهر، واشتراط اليمين لأن في قوله إلزامًا على الغير وفيه ضعف، فاحتيج إلى المؤكد وهو اليمين.
стр. 2709
باب تفويض الطلاق فصل في الاختيار
وإذا قال لامرأته: اختاري، ينوي بذلك الطلاق ، أو قال لها: طلقي نفسك؛ فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك،
ــ
[البناية]
[باب تفويض الطلاق] [فصل في الاختيار] [قال لامرأته اختاري ينوي بذلك الطلاق]
م: (باب تفويض الطلاق)
ش: أي هذا باب في بيان تفويض الطلاق إلى غيره، ولما ذكر بيان الطلاق بنفسه إذ هو الأصل شرع في بيان الطلاق بالنيابة
م: (فصل في الاختيار)
ش: أي هذا فصل في بيان الاختيار، والاختيار من الخيرة على وزن الغيبة، وهو اسم من قولك: اختاره الله ، وقال الجوهري الخيار اسم من الاختيار، وقال أيضًا: الاختيار الاصطفاء، وقال تاج الشريعة اختيار الميل إلى الخير وإلى ما هو الأفضل، والأولى. والباب المذكور يشتمل على ثلاثة فصول، فصل في الاختيار، وفصل في الأمر باليد، وفصل في المشيئة، وقدم فصل الاختيار على الفصلين المذكورين لأنه يؤيد بإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين-.
م: (وإذا قال لامرأته اختاري) ش: حال كونه م: (ينوي بذلك) ش: أي بقوله اختاري م: (الطلاق أو قال لها: طلقي نفسك فلها أن تطلق نفسها) ش: في الصورتين جميعًا م: (ما دامت في مجلسها ذلك) ش: أي الذي وقع فيه هذا القول من الرجل، وهذا الشرط بإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - على ما يأتي. قال الكاكي: ما دامت في مجلسها ذلك يدل على أن المجلس وإن تطاول يومًا أو أكثر لا يبطل خيارها، لأن المجلس قد يطول، وقد يقصر، كذا في " المبسوط ".
فإن قيل: إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - في أن الخيار يقتصر على المجلس خلاف النص، لأنه ﷺ «قال لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - حين نزلت آية التخيير: " فلا تجيبي حتى تستأمري أبويك» ، وأبواها ليسا بحاضرين في المجلس، فهذا دليل على أن الخيار لا يبطل بالقيام عن المجلس كما قال الشافعي في القديم.
قلنا: إحسان الظن بالصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فرض، لأنا تلقينا الشرع منهم بالقبول فلا يجوز مخالفتهم بلا دليل. وهاهنا لا دليل لأنه ﵇ أثبت لها الخيار مطلقًا ومنعها إلى غاية استثمارها لأبويها.
стр. 2710
فإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحاية ﵃ أَجْمَعِينَ - ولأنه تمليك الفعل منها، ولأن التمليك يقتضي جوابا في المجلس كما في البيع؛
ــ
[البناية]
م: (فإن قامت منه) ش: أي من مجلسها م: (أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها، لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -) ش: فيه عن عبد الله بن مسعود، رواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن ينقضي شيء، فلا أمر لها.
وعن جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رواه عبد الرزاق أيضًا أخبرنا ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: إذا خير الرجل امرأته فلم يخير مجلسها ذلك فلا خيار لها.
وعن عمر وعثمان وعبد الله بن عمرو بن العاص رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في " مصنفيهما " حديثنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قالا: أيما رجل ملك امرأته أمرها وخيرها ثم افترقا من ذلك المجلس فليس لها خيار، وأمرها إلى زوجها انتهى، وخالف الجماعة وشد الحكم وأبو ثور حيث لم يشترطا فيه المجلس، واختاره ابن المنذر في " الأشراف ".
وفي " المغني ": لا يقتصر على مجلسها ذلك وإن تطاول ما لم يفسخ أو يطأها وهذا قول أحمد أيضًا.
ويروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهو قول الحسن وقتادة، وقال السروجي: وهذا الخلاف في الأمر باليد. وفي " المغني " وأكثر أهل العلم على أن الخيار على الفور، روي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود وجابر، وبه قال عطاء وجابر بن زيد ومجاهد والشعبي والأوزاعي والنخعي ومالك والشافعي، وهو قول أصحابنا. وقال الزهري وقتادة وأبو عبيد وابن المنذر: على التراخي، وهو رواية عن مالك.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن قوله اختاري وطلقي نفسك م: (تمليك الفعل منها) ش: يعني لا توكيل لها، لأن الوكيل عامل لغيره م: (ولأن التمليك يقتضي جوابًا في المجلس) ش: لأن خطاب، فإذا أخذت في عمل آخر يبطل التفويض، وكذا لو خاضت في كلام آخر يبطل التفويض، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠] (النساء: الآية ١٤٠) ، علم أن الخوض في عمل آخر بمنزلة الإعراض، وليس بتوكيل، لأن الوكيل من يعمل لغيره، وهي عاملة لنفسها بأن تخلص نفسها عن ذل رق النكاح، بخلاف ما لو قال لأجنبي: طلق امرأتي فإنه توكيل، لأنه أمر لغيره.
م: (كما في البيع) ش: أي كما يقتضي الخطاب جوابًا في البيع، لأن الأصل فيه خيار القبول
стр. 2711
لأن ساعات المجلس اعتبرت ساعة واحدة، إلا أن المجلس تارة يتبدل بالذهاب عنه، وتارة بالاشتغال بعمل آخر، إذ مجلس الأكل غير مجلس المناظرة، ومجلس القتال غيرهما، ويبطل خيارها بمجرد القيام؛ لأنه دليل الإعراض بخلاف الصرف والسلم لأنه المفسد هناك الافتراق من غير قبض ثم لا بد من النية في قوله: اختاري؛ لأنه يحتمل تخييرها في نفسها، ويحتمل تخييرها في تصرف آخر غيره، فإن اختارت نفسها في قوله اختاري: كانت واحدة بائنة
ــ
[البناية]
في المجلس م: (لأن ساعات المجلس اعتبرت ساعة واحدة) ش: لرفع الضرورة، قال الحاكم الشهيد في الكافي: إذا خير الرجل امرأته فلها الخيار في ذلك المجلس، وإن تطاول يومًا أو أكثر م: (إلا أن المجلس) ش: أي غير أن المجلس م: (تارة يتبدل بالذهاب عنه) ش: أي عن المجلس م: (ومرة بالاشتغال بعمل آخر، إذ مجلس الأكل غير مجلس المناظرة، ومجلس القتال غيرهما) ش: أي غير مجلس الأكل، وغير مجلس المناظرة.
والحاصل من هذا الكلام بيان أن انقطاع المجلس تارة يكون سببًا حسيًا وهو نحوها من ذلك المكان، وتارة بسبب حكمي وهو اشتغالها بعمل آخر، ألا ترى أن الرجلين إذا كانا يتناظران في مجلس يكون مجلسهما مجلس النظر، ثم إذا اشتغلا بالأكل يكون مجلسهما مجلس الأكل، ثم إذا اشتغلا بشيء آخر يكون مجلس ذلك الشيء.
م: (ويبطل خيارها بمجرد القيام، لأنه دليل الإعراض) ش: لأنها لو اختارت لما قامت، وكذا إذا اشتغلت بعمل آخر م: (بخلاف الصرف والسلم، لأن المفسد هناك) ش: أي في باب الصرف والسلم م: (بالافتراق من غير قبض، ثم لا بد من النية) ش: أي من نية الطلاق م: (في قوله: اختاري لأنه يحتمل تخييرها في نفسها، ويحتمل تخييرها في تصرف آخر غيره) ش: لا شك أن الاختيار يحتمل وجوهًا أخر سوى اختيار النفس بأن يراد اختاري الكسوة أو النفقة أو الدار للسكنى، فلا بد من نية الطلاق ليزول الاحتمال.
م: (فإن اختارت نفسها في قوله: اختاري كانت واحدة بائنة) ش: قال الكاكي: وهو قول علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وقال الشافعي وأحمد: رجعية وهو قول عمر وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في سائر الكنايات، وعند زيد ثلاث، وكأنه حمل على إثم يكون من الاختيار، وبه قال مالك وعمر وابن مسعود حملًا على أدنى ما يكون منه، وهو طلاق رجعي. وجه قول علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن اختيارها لنفسها إنما يتحقق بزوال ملك الزوج حتى تصير مالكة أمر نفسها لا يختلف بالثلاث والواحدة البائنة، ولهذا قلنا: لو نوى الثلاث بهذا اللفظ لا يقع إلا واحدة بائنة. وقال الترمذي: اختلف أهل العلم في الخيار، فروي عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود أن اختيارها لنفسها طلقة بائنة، وكذا عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - واحدة بائنة، لكن إن اختارت زوجها فواحدة رجعية، ومثله عن زيد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلا أنه
стр. 2712
والقياس أن لا يقع بهذا شيء، وإن نوى الزوج الطلاق لأنه لا يملك الإيقاع بهذا اللفظ فلا يملك التفويض إلى غيره، إلا أنا استحسناه لإجماع الصحابة ﵃، ولأنه بسبيل من أن يستديم نكاحها أو يفارقها
ــ
[البناية]
قال: إن اختارت نفسها فثلاث، وعنه واحدة بائنة. وقال الترمذي: وذهب أكثر أهل العلم إلى قول عمر وابن مسعود من بعدهم من أهل العلم والوقفة وهو قول الثوري والكوفيين، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، فإن طلقت نفسها ثلاثًا، فليس للزوج أن ينكر لك عند مالك وأكثر أصحابه. وقال ابن جهم وسحنون: له ذلك. وقال طاوس: اختيارها نفسها ليس بطلاق، لأن الطلاق لا يكون إلى النساء. وقال ابن عمر: ومثله قال أبو حنيفة في التخيير لا يقع به الطلاق، وأخطأ في النقل عنه.
فإن قلت: لو قال: لها أمرك بيدك أو طلقي نفسك أو أنت بائن يصح نية الثلاث، وهاهنا لا يصح مع أن فيها لفظ الأمر، مع أن الاختيار متنوع أيضًا، وهو الأدنى والأعلى لما قال زيد بن ثابت.
قلت: أجاب بعضهم بأن الوقوع بلفظ الاختيار على خلاف القياس، وإنما يثبت ذلك بإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، والإجماع انعقد بالطلقة الواحدة، بخلاف تلك المسائل. قلت: فيه نظر وقوع تأمل. وأشار شيخ الإسلام بأن الأمر اسم عام يتناول كل شيء، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] أراد به الأشياء كلها، فصلح اسمًا لكل فعل، فإذا نوى الطلاق صار كأنه قال طلاقك بيدك، والطلاق يحتمل العموم والخصوص. فأما اختيار اسم لفعل خاص وهو الخلوص والصفوة وثبوت البينونة، وفيه مقتضى الصفوة، فلم يصح فيه العموم. ثم لو اختارت المرأة زوجها لا يقع به شيء عندنا، وبه قال الشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي الدرداء وغيرهم غير علي، «فقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه» ولم يكن ذلك طلاقًا. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في رواية تقع رجعية، وبه قال الحسن البصري وربيعة.
م: (والقياس أن لا يقع بهذا) ش: أي يقتضي القياس أن لا يقع بقوله اختاري م: (شيء) ش: كما ذهب إليه طاوس م: (وإن نوى الزوج الطلاق) ش: واصل بما قبله م: (لأنه) ش: أي لأن الزوج م: (لا يملك الإيقاع بهذا اللفظ) ش: أي بقوله - اختاري - م: (فلا يملك التفويض إلى غيره) ش: لأن من لا يملك الشيء كيف يتصرف فيه.
م: (إلا أنا استحسناه) ش: أي قلنا بالاستحسان م: (لإجماع الصحابة) ش: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - م: (ولأنه) ش: أي ولأن الزوج م: (بسبيل من أن يستديم نكاحها أو يفارقها) ش: أي للزوج التصرف في امرأته إن شاء يبقيها بحسب ما يريد، وإن شاء فارقها ولا حجر عليه
стр. 2713
فيملك إقامتها مقام نفسه في حق هذا الحكم، ثم الواقع بها بائن؛ لأن اختيارها نفسها بثبوت اختصاصها بها، وذلك في البائن. ولا يكون ثلاثا وإن نوى الزوج ذلك؛ لأن الاختيار لا يتنوع، بخلاف الإبانة لأن البينونة قد تنوع. قال ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو في كلامها حتى لو قال لها: اختاري فقالت: قد اخترت فهو باطل؛ لأنه عرف بالإجماع، وهو في المفسرة من أحد الجانبين، ولأن المبهم لا يصلح تفسيرا للمبهم ولا تعيين مع الإبهام
ــ
[البناية]
في ذلك، فإن كان كذلك م: (فيملك إقامتها مقام نفسه في حق هذا الحكم) ش: أراد به حكم استدامة النكاح، وحكم مفارقتها م: (ثم الواقع بها) ش: أي بلفظة اختاري م: (بائن) ش: أي طلقة بائنة م: (لأن اختيارها نفسها بثبوت اختصاصها بها) ش: أي بثبوت اختصاص المرأة نفسها م: (وذلك) ش: أي ثبوت الاختصاص م: (في البائن) ش: أي في وقوع الطلقة الواحدة البائن.
م: (ولا يكون) ش: أي الواقع بلفظ اختاري م: (ثلاثًا) ش: أي ثلاث طلقات م: (وإن نوى الزوج ذلك) ش: أي الثلاث م: (لأن الاختيار لا يتنوع) ش: وفيه نظر، لأنه الأدنى والأعلى كما قال زيد بن ثابت، وقد مر عن قريب م: (بخلاف الإبانة، لأن البينونة قد تتنوع) ش: إلى غليظة وخفيفة.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو كلامها، حتى لو قال لها اختاري فقالت اخترت فهو باطل) ش: يعني لا يقع شيء م: (لأنه) ش: أي لأن وقوع الطلاق بلفظ الاختيار م: (عرف بإجماع الصحابة) ش: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - م: (وهو في المفسرة من أحد الجانبين) ش: من الزوج والمرأة لا في اللفظة المبهمة من الجانبين جميعًا م: (ولأن المبهم) ش: وهو قولها اخترت م: (لا يصلح تفسيرًا للمبهم) ش: وهو قوله اختاري لأن كل واحد منها مبهم ليس فيه ذكر النفس م: (ولا تعيين مع الإبهام) ش: أي لا يتعين الطلاق مع وجود الإبهام في الجانبين، والكلام الذي يقوم مقام النفس كالتطليقة، والاختيار كذكر النفس.
وفي المحيط ولا بد من ذكر النفس والتطليقة، والاختيار في أحد الكلامين، لأن الاختيار يحتمل المعاني فلا بد له من تفسير وهو ذكر لنفسه أو ما يدل عليها، وعند مالك والشافعي وأحمد وذكر النفس ليس بشرط، وأما عند مالك فأي الكلام صدر منه مع النية يقع به الطلاق وإن لم يشعر به. وأما عند الشافعي وأحمد فلا بد أن يكون في كلامه أو جوابها يصرف الكلام إليه عند عدم ذكر النفس في كلامها أو جوابها ما يصرف الجواب إليه، ولو قال اختاري فقالت فعلت لا يقع شيء، ولو قال اختاري نفسك فقالت فعلت يقع، ومثله في البدائع، وزاد تكرار الاختيار في كلام الزوج، وكذا لو قال اختاري فقالت أبي وأمي وأهلي، والأزواج يقع استحسانًا.
وفي " جوامع الفقه " بخلاف اخترت أختي أو عمتي أو قالت اخترت نفسي وزوجي فالعبرة
стр. 2714
ولو قال لها اختاري نفسك فقالت اخترت تقع واحدة بائنة، لأن كلامه مفسر، وكلامها خرج جوابا له فيتضمن إعادته. وكذا لو قال اختاري اختيارة فقالت قد اخترت، لأن الهاء في الاختيارة تنبئ عن الاتحاد، والانفراد واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة ويتعدد أخرى فصار مفسرا من جانبه. ولو قال لها اختاري فقالت اخترت نفسي يقع الطلاق إذا نوى الزوج، لأن كلامها مفسر، وما نواه الزوج من محتملات كلامه. ولو قال اختاري فقالت أنا أختار نفسي فهي طالق، والقياس أن لا تطلق، لأن هذا مجرد وعد ويحتمله،
ــ
[البناية]
للسابق. وإن قالت أو زوجي أو عمي بطل. ولو قال لها اختاري فقالت طلقت نفسي تقع بائنة. وفي البدائع قال لها اختاري فقالت اخترت الطلاق يقع واحدة رجعية.
[قال لها اختاري نفسك فقالت قد اخترت]
م: (ولو قال لها اختاري نفسك فقالت قد اخترت يقع واحدة بائنة، لأن كلامه مفسر، وكلامها خرج جوابًا له) ش: أي لكلام الزوج م: (فيتضمن إعادته) ش: أي يتضمن كلام المرأة إعادة كلام الزوج، لأن الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال م: (وكذا) ش: أي وكذا تقع واحدة بائنة.
م: (ولو قال) ش: لامرأته م: (اختاري اختيارة فقالت قد اخترت، لأن الهاء) ش: أي الهاء سماها لتصورها بصورة الهاء، ولكونها عند الوقف م: (في الاختيارة تنبئ عن الاتحاد والانفراد) ش: أما الاتحاد فإنما يكون في اختيارها م: (واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة) ش: بأن قال لها اختاري نفسك بتطليقة م: (ويتعدد أخرى) ش: بأن قال لها اختاري نفسك ما شئت أو بثلاث، وأما الانفراد فلكونها للمرأة م: (فصار مفسرًا من جانبه) ش: بخلاف خيارها الزوج، فإنه لا يتعدد لكونه عبارة عن إيقاع النكاح وهو غير متعدد.
وادعى الأترازي أن في كلام المصنف تناقضًا، لأنه ذكر قبل هذا بقوله - لأن الاختيار لا يتنوع - وهاهنا يشعر كلامه بأنه يتنوع، وأجاب بعضهم بأن لا تناقض، لأن الاختيار هنا غير الاختيار ثمة، لأن الاختيار هنا اختيارها نفسها، وثمة يجوز أن يكون اختيارها زوجها، وحط الأترازي على هذا المجيب بأن الاختيار في الموضعين هو اختيارها نفسها، فالتناقض باق والسياق لهذا المجيب أن يكون مراده في اختياره الذي لا يتنوع مطلق الاختيار، وأما المقيد من أحد الجانبين فيتعدد.
م: (ولو قال لها اختاري، فقالت اخترت نفسي يقع الطلاق إذا نوى الزوج، لأن كلامها مفسر، وما نواه الزوج) ش: أي الذي نواه الزوج وهو الطلاق م: (من محتملات كلامه) ش: أي كلام الزوج، لأن كلامه وهو قوله - اختاري - يحتمل الطلاق بأن يكون مراده النفس.
م: (ولو قال لها اختاري فقالت أنا أختار نفسي فهي طالق، والقياس أن لا تطلق، لأن هذا) ش: أي قول المرأة أختار نفسي م: (مجرد وعد) ش: إن كان مرادها بهذا الاستقبال م: (أو يحتمله) ش: أي أو يحتمل الوعد، لأن الصيغة مشتركة بين الحال والاستقبال، ولا يقع الطلاق بالوعد
стр. 2715
فصار كما إذا قال لها طلقي نفسك فقالت أنا أطلق نفسي، وجه الاستحسان حديث عائشة ﵂، فإنها قلت لا بل أختار الله ورسوله، واعتبره النبي ﵇ جوابا منها ولأن هذه الصيغة حقيقة في الحال، وتجوز في الاستقبال كما في كلمة الشهادة وفي أداء الشهادة، بخلاف قولها أطلق نفسي لأنه تعذر حمله على الحال؛
ــ
[البناية]
والاحتمال م: (فصار هذا كما إذا قال لها طلقي نفسك، فقالت أنا أطلق نفسي) ش: أي فلا يقع الطلاق قياسًا واستحسانًا، وبه قال الشافعي إلا إذا قال أردت إنشاء الطلاق، فحينئذ يقع.
م: (وجه الاستحسان حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، فإنها قالت لا بل أختار الله ورسوله، واعتبره رسول الله ﷺ جوابًا منها) ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن ابن شهاب عن أبي سلمة «عن عائشة قالت لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبواي يأمراني بفراقه، قال إن الله تعالى قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] إلى قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] (الأحزاب: الآية ٢٨) ، فقلت ففي هذا أستأمر أبواي، فإني أريد رسول الله ﷺ والدار الآخرة، ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل الذي فعلت» . وفي لفظ لمسلم «بل أختار الله ورسوله» . وروى الأئمة الستة في كتبهم عن مسروق «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعدده علينا شيئًا» . وفي لفظ لهما فلم يعد ذلك طلاقًا.
م: (ولأن هذه الصيغة حقيقة في الحال، ويجوز في الاستقبال) ش: قال الأترازي فيه نظر، لأن أهل اللغة قالوا إن صيغة المضارع مشتركة بين الحال والاستقبال، وكلامهم فيما يتعلق بالوضع والمشترك يدل على المعنيين جميعًا بسبيل الحقيقة، لكن يترجح أحد المعنيين بالدليل، وقد دل على إرادة الحال فيما نحن فيه انتهى.
قلت: إطلاق النظر فيه غير مسلم، لأن فيه خلافًا، منهم من قال مثل قول المصنف، ومنهم من قال بالعكس، ومنهم من قال بالاشتراك، وهو قول مرجوح، لأن اللفظ إذا دار بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى، لأن الاشتراك مخل بالفهم. ومعنى قول المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حقيقة في الحال يعني بحسب استعمال الشرع والعرف، ويقال فلان يختار كذا، وأنا أختار كذا، ويقال أنا أملك كذا من العبيد وغيرها، والمراد الحال، وأشار إلى ذلك بقوله. م: (كما في كلمة الشهادة، وفي أداء الشهادة) ش: أي يدل على الحال لفظ أشهد في كلمة الشهادة، وفي أداء الشهادة فإن لفظ أشهد فيها يدلان على الحال شرعًا، فإن الرجل إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يعتبر ذلك منه إيمانًا، لا وعدًا بالإيمان. وكذا الشهادة إذا قال شهد بكذا فلا يعاد إلى المجاز م: (بخلاف قولها) ش: أي قول المرأة م: (أنا أطلق نفسي) ش: في الجواب عن قول الزوج اختاري م: (لأنه تعذر حمله على الحال) ش: لأنه الطلاق ليس من عمل
стр. 2716
لأنه ليس بحكاية عن حالة قائمة، ولا كذلك قولها أنا أختار نفسي، لأنه حكاية عن حالة قائمة، وهو اختيار نفسها،
ولو قال لها اختاري اختاري اختاري فقالت اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة طلقت ثلاثا في قول أبي حنيفة ﵀ ولا يحتاج إلى نية الزوج. وقالا تطلق واحدة، وإنما لا يحتاج إلى نية الزوج لدلالة التكرار عليه، إذ الاختيار في حق الطلاق هو الذي يتكرر لهما أن ذكر الأولى وما يجري مجراه وإن كان لا يفيد من حيث الترتيب، ولكن يفيد من حيث الإفراد فيعتبر فيما يفيد
ــ
[البناية]
القلب، بل إيجاب وإيقاع بنفس هذه الصيغة لأنه إخبار عن معنى ثابت، وهو قوله م: (لأنه ليس حكاية عن حالة قائمة) ش: أي ثابتة، لأن الطلاق يتعلق بالصيغة لا بالقلب، كما ذكرنا، ولهذا لو أراد الطلاق في قلبه لا تطلق. م: (ولا كذلك) ش: أطلق نفسي مثل م: (قولها أنا أختار نفسي) ش: أي ليس مثل قولها أطلق نفسي مثل قولها أنا أختار نفسي، م: (لأنه حكاية عن حالة قائمة وهو اختيار نفسها) ش: لأن الاختيار من عمل القلب، فيكون الذكر باللسان حكاية عن أمر قائم.
[قال لها اختاري اختاري اختاري فقالت قد اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة]
م: (ولو قال لها اختاري اختاري اختاري، فقالت قد اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة طلقت ثلاثًا في قول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ولا يحتاج إلى نية الزوج) ش: ولا إلى ذكر النفس م: (وقالا) ش: أي أبي يوسف ومحمد وبه قال الشافعي م: (تطلق واحدة) ش: أي طلقة واحدة م: (وإنما لا يحتاج إلى نية الزوج لدلالة التكرار عليه) ش: أي على الطلاق م: (إذ الاختيار في حق الطلاق، هو الذي يتكرر) ش: دون اختيار الزواج.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن ذكر الأولى وما يجري مجراه) ش: أراد به الوسطى والأخيرة والضمير في مجراه رجع إلى ذكر الأولى م: (وإن كان لا يفيد من حيث الترتيب ولكن يفيد من حيث الإفراد فيعتبر فيما يفيد) ش: أي في الإفراد فيبقى الإفراد، فكأنها قالت اخترت التطليقة الأولى، لأن معنى قولها اخترت اخترت ما صار إلي بالكلمة الأولى، والذي صار إليها بالكلمة الأولى تطليقة، فكأنها صرحت بذلك، وفي ذلك يقع واحدة، فكذا هنا، وهذا لأن الأولى تأنيث الأول، وهو اسم لفرد سابق، والوسطى تأنيث الأوسط، وهو اسم لفرد تقدم عليه مثلما تأخر، والأخيرة اسم لفرد لاحق، فكان لقولها معنيان الفردية والسبق، فلو بطل معنى السبق الذي يقتضي الترتيب بالاتفاق، فبقي الفرد، فصار كقوله اخترت تطليقة الأولى، فوقعت واحدة.
فإن قلت: ينبغي أن يقع هنا شيء، لأنه لا يقع شيء بلفظ اخترت بدون ذكر النفس أو ما يقوم مقامها.
قلت هذا إذا لم يكن في لفظ الزوج ما يدل على تخصيص الطلاق، وهنا ما يدل عليه، وهو تكرار لفظ الاختيار.
стр. 2717
وله أن هذا الوصف لغو؛ لأن المجتمع في الملك لا ترتيب فيه، كالمجتمع في المكان، والكلام في الترتيب، والإفراد من ضروراته، فإذا لغا في حق الأصل، لغا في حق البناء. ولو قالت: اخترت اختيارة فهي ثلاث في قولهم جميعا؛ لأنها للمرة، فصار كما إذا صرحت بها. ولأن الاختيارة للتأكيد، وبدون التأكيد تقع الثلاث فمع التأكيد أولى. ولو قالت: قد طلقت نفسي أو اخترت نفسي بتطليقة فهي واحدة تملك الرجعة، لأن هذا اللفظ يوجب الانطلاق بعد انقضاء العدة،
ــ
[البناية]
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (أن هذا) ش: إشارة إلى ذكر الأولى والوسطى والأخيرة م: (الوصف لغو) ش: أي وصف لغو م: (لأن المجتمع في الملك لا ترتيب فيه كالمجتمع في المكان) ش: فإن القوم إذا اجتمعوا في مكان لا يقال هذا أول وهذا آخر، وإنما الترتيب في فعل الأعيان، يقال هذا جاء أولًا وهذا جاء آخرًا م: (والكلام في الترتيب) ش: وهو الأول ( ... ) م: (والإفراد من ضروراته) ش: أي من ضرورات الكلام.
م: (فإذا لغا) ش: أي الكلام م: (في حق الأصل) ش: وهو الترتيب م: (لغا في حق البناء) ش: وهو الإفراد، لأن الترتيب فيه أصل، بدلالة الاشتقاق. وإذا لغا في حقها بقي قولها: اخترت، وهو يصلح جوابًا للكل، فيقع الثلاث، قيل: فيه نظر من وجهين، أحدهما: أنه أطلق الكلام على الأولى والوسطى والأخيرة، وكل مفرد فلا يكون كلامًا، والثاني أن الأولى اسم لفرد سابق، فكان الإفراد أصلًا والترتيب بناء لكونه يفهم من وصفه. والجواب عن الأول أن أهل اللغة ربما يطلقون الكلام على المركب من الحروف المسموعة المتميزة، وإن لم يكن مفيدًا، وهذا على ذلك الاصطلاح، ويجوز أن يكون مجازًا من باب ذكر الكل وإرادة الجزء.
وعن الثاني بأن كلًا من ذلك صفة، وما ذكر عن ذات باعتبار معنى، فيكون الأولى دالة على الفرد السابق، ومعنى السبق هو المقصود.
م: (ولو قالت اخترت اختيارة، فهي ثلاث في قولهم جميعًا) ش: يعني لو قالت المرأة: اخترت اختيارة في جواب قول الرجل اختاري اختاري اختاري فهي ثلاث طلقات في قول أبي حنيفة وصاحبيه م: (لأنها) ش: أي لأن لفظ اختيارة م: (للمرأة، فصار كما إذا صرحت بها) ش: أي بالمرة بأن قالت اخترت نفسي مرة في جواب قوله اختاري ثلاث مرات، فكذا إذا ذكرت اللفظ الذي يدل على المرة.
م: (ولأن الاختيارة للتأكيد) ش: لكونه مصدرًا م: (وبدون التأكيد تقع ثلاثًا، فمع التأكيد أولى) ش: بأن يقع الثلاث م: (وكما لو قالت قد طلقت نفسي أو اخترت نفسي بتطليقة فهي واحدة) ش: أي فهي طلقة واحدة م: (تملك الرجعة، لأن هذا اللفظ يوجب الانطلاق) ش: أي البينونة م: (بعد انقضاء العدة) ش: لكونه من ألفاظ الصريح، وما يوجب البينونة بعد انقضاء العدة كان عند الوقوع رجعيًا.
стр. 2718
فكأنها اختارت نفسها بعد العدة. وإن قال لها أمرك بيدك في تطليقة، أو اختاري تطليقة، فاختارت نفسها فهي واحدة تملك الرجعة؛ لأنه جعل لها الاختيار لكن بتطليقة وهي معقبة للرجعة.
ــ
[البناية]
فإن قيل: إذا لا يكون الجواب مطابقًا للتفويض، لأن المفوض إليها الاختيار، وهو يفيد البينونة.
أشار إلى الجواب بقوله م: (فكأنها اختارت نفسها بعد العدة) ش: فكان مطابقًا من حيث إن الاختيار وجد منها، قيل قوله يملك الرجعة غلط وقع من الكاتب، لأن المرأة إنما تتصرف حكمًا للتفويض، والتفويض بتطليقة بائنة لكونه من الكنايات، فتملك الإبانة لا غير، والأصح أن الرواية فهي واحدة لا يملك الرجعة، لأن روايات " المبسوط " و" الجامع الكبير "، و" الزيادات " وعامة نسخ " الجامع الصغير "، هكذا سوى " الجامع الصغير " لصدر الإسلام، فإنه ذكر فيه مثل ما ذكر في الكتاب. قلت فعلى هذا ينبغي أن يكون المذكور في " الجامع الصغير " لصدر الإسلام سهوًا أيضًا من الكاتب، ويمكن أن يحمل على تعدد الرواية، فيتفق الكل.
م: (وإن قال لها أمرك بيدك في تطليقة أو اختاري تطليقة، فاختارت نفسها فهي واحدة تملك الرجعة؛ لأنه جعل لها الاختيار لكن بتطليقة وهي معقبة للرجعة) ش: قيل: لو كان كذلك كان قوله هذا بمنزلة قوله طلقي نفسك، وقد مر أن قولها: اخترت لا يصلح جوابًا، لقوله طلقي نفسك وأجيب: بأن آخر كلامه لما صار تفسيرًا للأول كان العامل هو المفسر والمفسر هو الأمر باليد والتخيير، وقولها اخترت يصلح جوابًا له كذا في " جامع " قاضي خان.
стр. 2719
فصل في الأمر باليد وإن قال لها: أمرك بيدك ينوي ثلاثا فقالت: قد اخترت نفسي بواحدة فهي ثلاث؛ لأن الاختيار يصلح جوابا للأمر باليد لكونه تمليكا كالتخيير والواحدة صفة الاختيار، فصارت كأنها قالت اخترت نفسي بمرة واحدة، وبذلك يقع الثلاث.
ولو قالت قد طلقت نفسي واحدة، أو اخترت نفسي بتطليقة فهي واحدة بائنة؛ لأن الواحدة نعت لمصدر محذوف، وهو في الأولى الاختيارة، وفي الثانية التطليقة إلا
ــ
[البناية]
[فصل في الأمر باليد] [قال لها أمرك بيدك]
م: (فصل في الأمر باليد)
ش: فصل الأمر باليد عن فصل الاختيار، لأن ذلك مؤيد بإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين.
م: (وإذا قال لها: أمرك بيدك) ش: وهذه من مسائل " الجامع الصغير " م: (ينوي ثلاثًا) ش: أي حال كونه ينوي ثلاث تطليقات قيد بثلاث، لأنه لم ينو ثلاثًا يقع واحدة بائنة عندنا، ورجعية عند الشافعي وأحمد وعند أبي ليلى ومالك يقع ثلاث ولا يصدق قضاء إذا نوى واحدة، وكذا الخلاف لو نوى الطلاق فقط، ولو نوى ثنتين يقع واحدة عندنا خلافًا لمالك والشافعي وأحمد م: (فقالت قد اخترت) .
ش: وفي بعض النسخ اخترت بدون لفظ قد م: (نفسي بواحدة) ش: أي بطلقة واحدة م: (فهي ثلاث) ش: أي بلا خلاف بين الأئمة الأربعة م: (لأن الاختيار) ش: أي قولها اخترت نفسي م: (يصلح جوابا للأمر باليد) ش: أي لقوله: أمرك بيدك م: (لكونه) ش: أي لكون قوله أمرك بيدك م: (تمليكًا) ش: لأنه مالك لأمرها فيملكها ما هو مملوك له، فيصح قياسًا واستحسانًا م: (كالتخيير) ش: أي كما في قوله لها اختاري تمليك لها م: (والواحدة) ش: أي الواحدة التي في قولها اخترت نفسي بواحدة. وهو مبتدأ، وهو قوله م: (صفة الاختيار) ش: خبره، أي صفة الاختيار المقدرة، لأن الواحدة صفة فلا بد لها من موصوف، وهو لفظ الاختيار، والتقدير اخترت نفسي باختيارة واحدة م: (فصارت كأنها قالت اخترت نفسي بمرة واحدة، وبذلك) ش: أي بقوله مرة واحدة م: (يقع الثلاث) ش: لأنها إنما تصير مختارة بمرة واحدة، وإذا وقع الثلاث ويجيء مزيد الكلام فيه.
[قالت قد طلقت نفسي واحدة أو اخترت]
م: (ولو قالت قد طلقت نفسي واحدة أو اخترت) ش: أي أو قالت اخترت م: (نفسي بتطليقة فهي واحدة بائنة) ش: وهاتان المسألتان جوابهما واحد، ثم علل ما ذكره من المسائل بقوله م: (لأن الواحدة نعت لمصدر محذوف، وهو) ش: أي المصدر المحذوف م: (في الأولى) ش: أي في الصورة الأولى أو في المسألة الأولى، وهو قولها اخترت نفسي بواحدة، أي باختيارة واحدة م: (الاختيارة، وفي الثانية التطليقة) ش: هو قولها قد طلقت نفسي بواحدة، أي بتطليقة واحدة م: (إلا
стр. 2720
أنها تكون بائنة، لأن التفويض في البائن ضرورة ملكها أمرها، وكلامها خرج جوابا له فتصير الصفة المذكورة في التفويض مذكورة في الإيقاع، وإنما تصح نية الثلاث في قوله: أمرك بيدك؛ لأنه يحتمل العموم والخصوص، ونية الثلاث نية التعميم، بخلاف قوله: اختاري، لأنه يحتمل العموم، وقد حققناه من قبل.
ولو قال لها أمرك بيدك اليوم وبعد غد لم يدخل فيه الليل، ولو ردت الأمر في يومها بطل أمر ذلك اليوم وكان الأمر بيدها بعد غد، لأنه صرح بذكر الوقتين بينهما وقت من جنسهما لم يتناوله الأمر؛ إذ ذكر اليوم بعبارة الفرد لا يتناول الليل، فكانا أمرين، فبرد أحدهما لا يرتد الآخر.
ــ
[البناية]
أنها) ش: أي إلا أن التطليقة الواحدة م: (تكون بائنة، لأن التفويض في البائن) ش: أي لأن التفويض كائن في البائن، فقوله في البائن خبر أن م: (ضرورة ملكها أمرها) ش: أي لضرورة أنه ملكها أمرها، فإن تمليكها إياها أمرها يقتضي البينونة لكون الأمر باليد من ألفاظ الكناية.
م: (ولكلامها) ش: أي وكلام المرأة م: (خرج جوابًا له) ش: أي للتفويض أو الكلام الزوج م: (فتصير الصفة المذكورة في التفويض) ش: يعني البينونة في التفويض م: (مذكورة في الإيقاع) ش: أي في إيقاع المرأة، لكون كلامها مطابقًا لكلامه، م: (وإنما تصح نية الثلاث) ش: أشار به إلى الفرق بين الأمر باليد والاختيار، حيث يصح في الأول نية الثلاث، ولا يصح في الثاني، فقال: إنما تصح نية الثلاث م: (في قوله: أمرك بيدك، لأنه) ش: أي لأن أمرك بيدك م: (يحتمل العموم والخصوص) ش: فالعموم في الثلاث، والخصوص في واحدة، لأن الأمر اسم عام يصلح اسما لكل فعل، فإذا سوى الطلاق صار كناية عن قوله: طلاقك بيدك، والطلاق مصدر يحتمل العموم والخصوص.
م: (ونية الثلاث نية التعميم، بخلاف قوله: اختاري، لأنه يحتمل العموم) ش: لأن الاختيار هو الخصوص، وإنه لا يتنوع، وقد مر فيما مضى، أشار إليه بقوله م: (وقد حققناه من قبل) ش: أشار به إلى ما ذكره في فصل الاختيار، بقوله إذ الاختيار لا يتنوع.
[قال لها أمرك بيدك اليوم وبعد غد]
م: (ولو قال لها: أمرك بيدك اليوم وبعد غد لم يدخل فيه الليل) ش: حتى لو اختارت في الليل لا يقع شيء م: (ولو ردت الأمر في يومها بطل أمر ذلك اليوم، وكان الأمر بيدها بعد غد، لأنه صرح بذكر الوقتين) ش: يعني اليوم وبعد غد، م: (بينهما وقت من جنسهما) ش: يعني الغد م: (لم يتناوله الأمر) ش: فإنها لو اختارت نفسها في الغد لا تطلق م: (إذ ذكر اليوم بعبارة الفرد لا يتناوله الليل) ش: هذا دليل قوله لم يدخل في الليل، وفيه تلبيس، وإن كان ظاهرًا م: (فكانا أمرين) ش: أي فكان الوقتان اللذان بينهما وقت فاصل أمرين م: (فبرد أحدهما لا يرتد الآخر) ش: يعني إذا ارتد الأمر في اليوم لا يكون ذلك ردًّا فيما بعد.
стр. 2721
وقال زفر ﵀: هما أمر واحد بمنزلة قوله أنت طالق اليوم وبعد غد. قلنا الطلاق لا يحتمل التأقيت، والأمر باليد يحتمله، فيتوقت الأمر بالأول، ويجعل الثاني أمرا مبتدأ.
ولو قال أمرك بيدك اليوم وغدا يدخل الليل في ذلك، فإن ردت الأمر في يومها لا يبقى الأمر في يدها في الغد، لأن هذا أمر واحد؛ لأنه لم يتخلل بين الوقتين المذكورين وقت من جنسهما لم يتناوله الكلام، وقد يهجم الليل ومجلس المشورة لا ينقطع، فصار كما إذا قال أمرك بيدك في يومين. وعن أبي حنيفة ﵀.
ــ
[البناية]
م: (وقال زفر هما) ش: يعني الأمر الذي بيدها اليوم، والأمر الذي بيدها غدا م: (أمر واحد) ش: لأنها إذا ردت الأمر في اليوم لا يبقى الأمر بعدها في الغد أيضا، وذلك م: (بمنزلة قوله أنت طالق اليوم وبعد غد) ش: تكون طلقة واحدة لاثنتين، لكون أحدهما معطوفا على الآخر من غير تكرار لفظ الأمر.
م: (قلنا: الطلاق لا يحتمل التأقيت) ش: فكان الطلاق اليوم طلاقا غدا وبعد غد وغيره م: (والأمر باليد يحتمله) ش: أي يحتمل التأقيت م: (فيتوقت الأمر بالأول) ش: أي لكون الأمر موقتا بالوقت الأول، وهو اليوم، حتى يخرج ذلك بمجيء الليل م: (ويجعل الثاني) ش: أي الوقت الثاني، وهو قوله وبعد غد م: (أمرا مبتدأ) ش: أي أمر آخر ابتداء، وقال الشيخ أبو المعين النسفي في " شرح الجامع الصغير والكبير": ذكر إبراهيم بن رستم، أنه لو قال أنت طالق اليوم وغدا طلقت واحدة. ولو قال أنت طالق اليوم وبعد غد طلقت طلاقين، فعلى هذه الرواية لا يصح قياس زفر مسألة الأمر باليد على مسألة الطلاق.
[قال أمرك بيدك اليوم وغدا]
م: (ولو قال أمرك بيدك اليوم وغدا يدخل الليل في ذلك) ش: لأن الليل المتوسط يدخل تحت الأمر م: (فإن ردت الأمر في يومها لا يبقى الأمر في يدها في الغد، لأن هذا أمر واحد، لأنه لم يتخلل بين الوقتين المذكورين) ش: وهذا اليوم والغد م: (وقت من جنسهما لم يتناوله الكلام وقد يهجم الليل) ش: أي يدخل من قولك زحمت على القوم للمجلس، وكون الغد قريبا إذا دخلت عليهم هذا لبيان الليل المتخلل بين اليوم والغد لا يكون قاطعا للمجلس، وكون
الغد قريبا من اليوم حيث لم يدخل بينهما زمان قاطع، فلم يجعلهما كما لو قتل، فكان الغد ملحقا باليوم، لأن الأصل في العطف وقوع الشركة فيهما فيما تم به المعطوف عليه من غير أن يتفرد العطف بخبر آخر.
م: (ومجلس المشورة لا ينقطع) ش: الواو للحال والمشورة، بفتح الميم وضم الشين المعجمة المشورى وجاء فيها فتح الميم وسكون الشين م: (فصار كما إذا قال أمرك بيدك في يومين) ش: حيث يدخل الليل فيهما.
م: (وعن أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ش: رواية أبي يوسف عنه في " الأمالي " وكذا قال
стр. 2722
أنها إذا ردت الأمر في اليوم لها أن تختار نفسها غدا، لأنها لا تملك رد الأمر كما لا تملك رد الإيقاع. وجه الظاهر أنها إذا اختارت نفسها اليوم لا يبقى لها الخيار في الغد، فكذا إذا اختارت زوجها برد الأمر؛ لأن المخير بين الشيئين لا يملك إلا اختيار أحدهما. وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا قال أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك غدا أنهما أمران لما ذكر لكل وقت خبرا على حدة، بخلاف ما تقدم.
وإن قال أمرك بيدك يوم يقدم فلان، فقدم فلان ولم تعلم بقدومه حتى جن الليل، فلا خيار لها؛ لأن الأمر اليد مما يمتد فيحمل اليوم المقرون به على بياض النهار، وقد حققناه من قبل، فيتوقف به ثم ينقضي بانقضاء وقته.
ــ
[البناية]
شمس الأئمة السرخسي في " المبسوط ": م: (أنها إذا ردت الأمر في اليوم لها أن تختار نفسها غدا، لأنها لا تملك رد الأمر كما لا تملك رد الإيقاع) ش: بيانه أن الزوج لو قال لها طلقتك يقع الطلاق، ولا تملك المرأة رد الإيقاع، فكذلك لا تملك رد الأمر باليد م: (ووجه الظاهر أنها إذا اختارت نفسها اليوم لا يبقى لها الخيار في الغد، فكذا إذا اختارت زوجها برد الأمر) ش: لأنها خيرت بين شيئين اختيارها نفسها واختيار زوجها، فإذا اختارت نفسها اليوم خرج الاختيار من يدها في الغد م: (وذلك لأن المخير بين شيئين لا يملك إلا اختيار أحدهما) ش: لأنه لا يملكها جميعا بل يملك أحدهما.
م: (وعن أبي يوسف أنه إذا قال: أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك غدا أنهما أمران لما ذكر لكل وقت خبرا على حدة) ش: حتى إذا ردت الأمر اليوم كان لها أن تختار نفسها غدا، لأنه لما ذكر لكل وقت خبر عرف أنه لم يرد اشتراك الوقتين في خبر الواحد.
وقال شمس الأئمة: هذه هي الرواية الصحيحة، وجعل قاضي خان هذه الرواية، أصل الرواية ولم يذكر خلاف أحد م: (بخلاف ما تقدم) ش: أراد به قوله أمرك بيدك اليوم وغدا يفيد أن التكرار في الاختيار لم يوجد فلم يتجدد الأمر.
[قال أنت طالق يوم يقدم فلان فقدم ليلا]
م: (إن قال أمرك بيدك يوم يقدم فلان فقدم فلان ولم تعلم بقدومه حتى جن الليل) ش: أي أظلم، يقال له جن عليه الليل جنونا، ويقال واجنه الليل وأجنه بمعنى، وإجنان الليل ادلهامه، وقال ابن السكيت: ويروى جنون الليل، أي سده ما يستره من ظلمته م: (فلا خيار لها، لأن الأمر باليد مما يمتد فيحمل اليوم المقرون به) ش: أي بالأمر باليد م: (على بياض النهار) ش: فحينئذ لا يبقى لها الخيار بعد الغروب لانقضاء مدة الأمر.
وقال الرافعي: إذا قال أنت طالق يوم يقدم فلان، فقدم ليلا لا تطلق، ومنهم من حكم بوقوعه وحمل اليوم على مطلق الزمان كقولنا، وإذا لم يعلم بقدومه حتى جن الليل خرج وقت خيارها فلا يبقى بعده م: (وقد حققناه من قبل) ش: أي في آخر فصل إضافة الطلاق إلى الزمان م: (فيتوقت به) ش: أي فيتوقت الأمر باليد ببياض النهار م: (ثم ينقضي بانقضاء وقته) ش: أي ثم
стр. 2723
وإذا جعل أمرها بيدها أو خيرها فمكثت يوما لم تقم فالأمر في يدها ما لم تأخذ في عمل آخر، لأن هذا تمليك التطليق منها؛ لأن المالك من يتصرف برأي نفسه، وهي بهذه الصفة والتمليك يقتصر على المجلس، وقد بيناه من قبل. ثم إذا كانت تسمع فيعتبر مجلسها ذلك، وإن كانت لا تسمع فمجلس علمها وبلوغ الخبر إليها؛ لأن هذا تمليك فيه معنى التعليق فيتوقف على ما رواه المجلس ولا يعتبر مجلسه؛ لأنه لازم في حقه، بخلاف البيع، لأنه تمليك محض لا يشوبه التعليق.
وإذا اعتبر مجلسهما فالمجلس تارة يتبدل بالتحول، ومرة بالأخذ في عمل آخر على ما بيناه في الخيار، ويخرج الأمر من يدها بمجرد القيام؛ لأنه دليل الإعراض، إذ القيام يفرق الرأي بخلاف ما إذا مكثت يوما لم تقم ولم تأخذ في عمل
ــ
[البناية]
ينقضي وقت الأمر باليد بانقضاء بياض النهار.
م: (وإذا جعل أمرها بيدها) ش: يعني إذا قال أمرك بيدك م: (أو خيرها) ش: أي أو قال لها اختاري نفسك م: (فمكثت يوما لم تقم فالأمر في يدها) ش: يعني فلها الخيار في المجلس م: (ما لم تأخذ في عمل آخر) ش: لأن الأخذ في عمل آخر دليل الإعراض م: (لأن هذا) ش: أي جعل الأمر باليد م: (تمليك التطليق منها) ش: أي من المرأة، وليست بإبانة م: (لأن المالك من يتصرف برأي نفسه، وهي) ش: أي المرأة م: (بهذه الصفة) ش: أي بتصرف معرفته برأي نفسها م: (والتمليك يقتصر على المجلس وقد بيناه من قبل) ش: يعني في فصل الاختيار في قوله التمليكات تقتضي جوابا في المجلس كما في البيع.
م: (ثم إن كانت تسمع) ش: يعني هذا الذي ذكرنا فيها إذا كانت المرأة حاضرة تسمع م: (فيعتبر مجلسها ذلك، وإن كانت غائبة لا تسمع فمجلس علمها) ش: أي فيعتبر حينئذ مجلس علمها م: (وبلوغ الخبر إليها لأن هذا) ش: أي الأمر باليد م: (تمليك فيه معنى التعليق) ش: لأنه تعليق بالطلاق باختيارها نفسها م: (فيتوقف على ما وراء المجلس ولا يعتبر مجلسه) ش: أي مجلس الزوج حتى إذا قام بعد أن جعل إليها الأمر لا يبطل خيارها.
م: (لأنه) ش: أي لأن التعليق م: (لازم في حقه) ش: ولهذا ليس له أن يرجع ويفسخ الخيار م: (بخلاف البيع) ش: حيث يعتبر مجلس البائع والمشتري، حتى إنه أيهما قام عن المجلس قبل قبول الآخر بطل البيع م: (لأنه) ش: أي: لأن البيع م: (تمليك محض لا يشوبه التعليق) ش: وبهذا إذا رجع أحدهما عن كلامه قبل قبول الآخر فله ذلك.
م: (وإذا اعتبر مجلسهما فالمجلس تارة يتبدل بالتحول) ش: إلى مجلس آخر م: (ومرة بالأخذ في عمل آخر، على ما بيناه في الخيار) ش: وهو قوله أن مجلس الأكل غير مجلس المناظرة، ومجلس القتال غيرهما م: (ويخرج الأمر من يدها بمجرد القيام لأنه دليل الإعراض، إذ القيام يفرق الرأي بخلاف ما إذا مكثت يوما ولم تقم) ش: أي حال كونها لم تقم عن مجلسها م: (ولم تأخذ في عمل
стр. 2724
آخر؛ لأن المجلس قد يطول وقد يقصر فيبقى إلى أن يوجد ما يقطعه أو يدل على الإعراض، وقوله: مكثت يوماً ليس للتقدير به، وقوله ما لم تأخذ في عمل آخر يراد به عمل يعرف أنه قطع لما كان فيه، لا مطلق العمل.
ــ
[البناية]
آخر، لأن المجلس قد يطول وقد يقصر فيبقى) ش: أي المجلس م: (إلى أن يوجد ما يقطعه أو يدل على الإعراض) ش: وقطع المجلس بقيامها عنه، والإعراض يأخذها في عمل آخر، سواء كان دينيا أو دنياويا، وكان القياس أن يكون لها الخيار أبدا لإطلاق الأمر، ولكنه ترك وأخذ بالاستحسان لإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بقولهم للمخيرة المجلس.
م: (وقوله) ش: أي قول " الجامع الصغير " م: (مكثت يوما ليس للتقدير به) ش: أي ليس لتقدير الخيار باليوم بل المراد منه المكث الدائم، سواء كان قليلا أو كثيرا، ما لم يوجد ما يدل على الإعراض، وفي " المغني " للحنابلة: الأمر باليد لا يقتصر على المجلس بقول علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حتى الكل، وقال ابن قدامة: لا نعرف له مخالفا في ذلك، فيكون إجماعا، ولأنه توكيل في الطلاق فيكون على التراخي كما لو جعله في يد أجنبي.
قلت: دعواه الإجماع غير صحيح، لأن قول جماعة من الصحابة والتابعين - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أن لها الخيار ما دامت، فمن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وجابر وغيرهم - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ومن التابعين: إبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وطاوس، والشعبي، وأحرز ذلك كله ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وقال أصحابنا: هم إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وعدم علمه مخالفا لعلي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لا يستلزم عدم علم غيره، لأن إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إلى خلاف ذلك مع عدم شهرة ما نسب إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وقوله أنه توكيل غير صحيح، لأنه تمليك عند الأئمة، وقوله كما لو جعله في يد أجنبي باطل، لأنه يقتصر على المجلس في الأجنبي أيضاً، إلا إذا كان وكيلا عنه.
م: (وقوله) ش: أي قول محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (ما لم تأخذ في عمل آخر يراد به عمل يعرف به أنه قطع لما كان فيه) ش: أي قطع المجلس الذي كان المجلس واقعا فيه ذكر الشيء، واللام في لما زائدة، كما في قَوْله تَعَالَى ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] (النمل: الآية ٧٢) أي ردفكم م: (لا مطلق العمل) ش: أي ليس مراد محمد مطلق العمل، حتى لو لبست ثيابها من غير قيام أو أكلت أو شربت أو قرأت قليلا من القرآن أو ما أشبه ذلك، ما هو من عمل الفرقة، فكانت هي على خيارها، وهذا كما يكون في قوله أمرك بيدك، يكون في قوله اختاري، وفي قوله طلقي نفسك.
стр. 2725
ولو كانت قائمة فجلست فهي على خيارها؛ لأنه دليل الإقبال فإن القعود أجمع للرأي، وكذا إذا كانت قاعدة فاتكأت أو متكئة فقعدت؛ لأن هذا انتقال من جلسة إلى جلسة، فلا يكون إعراضا كما إذا كانت محتبية، فتربعت. قال ﵁: وهذا رواية " الجامع الصغير "، وذكر في غيره أنها إذا كانت قاعدة فاتكأت، لا خيار لها؛ لأن الاتكاء إظهار التهاون بالأمر، فكان إعراضا، والأول هو الأصح، ولو كانت قاعدة فاضطجعت، ففيه روايتان عن أبي يوسف ﵀. ولو قالت: ادع أبي أستشيره أو شهودا أشهدهم فهي على خيارها؛ لأن الاستشارة لتحري الصواب والإشهاد للتحرز عن الجحود والإنكار، فلا يكون دليل الإعراض
ــ
[البناية]
[كانت قائمة فجلست بعد قوله لها أمرك بيدك]
م: (ولو كانت قائمة فجلست فهي على خيارها، لأنه دليل الإقبال، فإن القعود أجمع للرأي) ش: للتمكن منه م: (وكذا إذا كانت قاعدة فاتكأت أو متكئة) ش: أي أو كانت متكئة م: (فقعدت، لأن هذا انتقال من جلسة إلى جلسة فلا يكون إعراضا كما إذا كانت محتبية فتربعت) ش: يقال احتبى الرجل إذا جمع ظهره وساقيه بعمامة أو يديه.
م: (قال) ش: أي المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (هذا) ش: أي هذا الذي قلنا من كونها على خيارها فيما إذا كانت قاعدة فاتكأت م: (رواية " الجامع الصغير ") ش: لأن الاتكاءة نوع جلسة، فكأنها كانت متربعة، فاجتبأت أو كانت مجتبئة فتربعت م: (وذكر في غيره) ش: أي في غير " الجامع الصغير "، وهي رواية الأصل م: (أنها إذا كانت قاعدة فاتكأت لا خيار لها، لأن الاتكاء إظهار التهاون بالأمر، فكان إعراضا) .
ش: وذكر المرغيناني: لو كانت قاعدة فاتكأت، قال الحلواني: لا يبطل خيارها في ظاهر الرواية.
وفي " الذخيرة " عن أبي يوسف يبطل م: (والأول هو الأصح) ش: أي رواية " الجامع الصغير " أصح من رواية غيره.
م: (ولو كانت قاعدة فاضطجعت ففيه روايتان عن أبي يوسف) ش: في رواية الحسن بن زياد عنه، قال لا يبطل خيارها. وفي رواية الحسن بن أبي مالك: ويبطل، وبه قال زفر، وفي " المحيط، وهو ظاهر الرواية.
م: (ولو قالت: ادع أبي) ش: أي لو قالت المرأة لخادمها أو لأحد ادع أبي، أي اطلبه م: (استشره) ش: أي: اطلب منه الرأي في أمري م: (أو شهودا) ش: أي أو قالت ادع لي شهودا م: (أشهدهم فهي على خيارها، لأن الاستشارة لتحري الصواب والإشهاد للتحرز عن الجحود والإنكار، فلا يكون دليل الإعراض) ش: الأشياء دلالة على الإعراض، لأنها من إثبات الاختيار.
وفي " الذخيرة " والمرغيناني إن لم تجد أحدا يدعو لها الشهود فقامت بنفسها ولم تنتقل
стр. 2726
وإن كانت تسير على دابة أو في محمل فوقفت فهي على خيارها، وإن سارت بطل خيارها؛ لأن سير الدابة ووقوفها مضاف إليها. والسفينة بمنزلة البيت؛ لأن سيرها غير مضاف إلى راكبها، ألا ترى أنه لا يقدر على إيقافها وراكب الدابة يقدر.
ــ
[البناية]
لتدعو بالشهود، قيل لا يبطل خيارها لعدم ما يدل على الإعراض، وقيل يبطل لتبدل المجلس.
م: (وإن كانت تسير على دابة أو في محمل فوقفت فهي على خيارها، وإن سارت بطل خيارها، لأن سير الدابة ووقوفها مضاف إليها) ش: لأنها تجري حسب سوق الراكب ومسيرها دليل الإعراض، وإذا قادها الجمال وهما فيه لا يبطل، ولا يبطل بالنزول عن الدابة، بخلاف القعود عن القيام، وكذا لو كانت قائمة فركبت أو راكبة فانتقلت إلى دابة أخرى بطل، ولو أخبرت بالسفينة ينبغي أن تقول اخترتها م: (والسفينة بمنزلة البيت) ش: يعني أنها إذا سارت لا يبطل خيارها م: (لأن سيرها غير مضاف إلى راكبها، ألا ترى أنه لا يقدر على إيقافها، وراكب الدابة يقدر) ش: لأن السفينة لا يجريها راكبها، بل تجري براكبها، قال الله تعالى ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] (هود: الآية ٤٢) فلم يدل على إعراض المرأة، ولكن كلما يبطل في البيت يبطل الخيار في السفينة، سواء كان عمل الدنيا أو عمل الدين.
стр. 2727
فصل في المشيئة ومن قال لامرأته: طلقي نفسك ولا نية له، أو نوى واحدة فقالت: طلقت نفسي فهي واحدة رجعية، وإن طلقت نفسها ثلاثا وقد أراد الزوج ذلك وقعن عليها، وهذا لأن قوله: طلقي، معناه افعلي فعل التطليق، وهو اسم جنس فيقع الآخر مع احتمال الكل، كسائر أسماء الأجناس، فلهذا تعمل فيه نية الثلاث، وينصرف إلى الواحدة عند عدمها،
ــ
[البناية]
[فصل في المشيئة] [طلقت نفسها ثلاثا وقد أراد الزوج ذلك]
م: (فصل في المشيئة) ش: أي هذا فصل في بيان المشيئة، قال الجوهري: المشيئة الإرادة، قال ابن الأثير: المشيئة مهموزة الإرادة، وقد شئت المشيئة إشاءة، ويقال المشيئة مصدر كالمسير والمجيء.
قلت: مصدر في الأصل، ولكنه استعمل استعمال الاسم، وهو اسم للوجود، وعند أهل السنة والفرق بين المشيئة والإرادة أن المشيئة عامة، والإرادة ليست كذلك، حتى لو قال الزوج شئت طلاقك ونوى يقع، بخلاف قوله أردت طلاقك فلا يقع، ولو نواه لأنه لا يبني عن الوجود.
م: (ومن قال لامرأته: طلقي نفسك ولا نية له) ش: أي والحال أنه لا ينوي الطلاق، م: (أو نوى واحدة فقالت: طلقت نفسي، فهي واحدة رجعية، وإن طلقت نفسها ثلاثا وقد أراد الزوج ذلك) ش: أي والحال أن الزوج أراد الثلاث م: (وقعن عليها) ش: أي وقعت الثلاث على المرأة، سواء طلقت نفسها ثلاثا جملة أو متفرقة، ولو نوى ثنتين لا يصح، وفيه خلاف الشافعي ومالك وأحمد، وعن الظاهرية لا يجوز إيقاعها، وتوكيل غيره بالطلاق ولا إضافة الطلاق إلى الزمان المستقبل، وقال الأكمل: ترجم الفعل بالمشيئة وكان الابتداء فيه بمسألة فيما ذكر المشيئة أولى.
وقال الأترازي: النظر إلى المشيئة ليس من المسألة التي ابتدأها ذكر المشيئة، ثم أجاب بقوله المشيئة، وإن كانت غير مذكورة لفظا مذكورة معنى، لأن قوله: طلقي نفسك تفويض الطلاق إليها بمشيئتها واختيارها، ولهذا يقتصر على المجلس، انتهى.
قلت: فيه بعد جدا، والفقهاء لا يراعون هذه الأشياء، لأن مقصودهم بيان المسائل بالدلائل مع قطع النظر عن التركيب الوضعي.
م: (وهذا) ش: أي وقوع الواحدة في المسألة الأولى والثلاث في المسألة الثانية م: (لأن قوله: طلقي معناه افعلي فعل التطليق، وهو) ش: أي التطليق م: (اسم جنس) ش: لأنه مصدر يحتمل أدنى الجنس وكله م: (فيقع الآخر) ش: وهو الواحدة م: (مع احتمال الكل كسائر أسماء الأجناس، ولهذا) ش: أي ولأجل أن التطليق اسم جنس م: (تعمل فيه) ش: أي في قوله طلقي م: (نية الثلاث) ش: لأنه يحتمل ويقع بالنية م: (وينصرف إلى الواحدة) ش: أي الطلقة الواحدة م: (عند عدمها) ش: أي
стр. 2728
وتكون الواحدة رجعية؛ لأن المفوض إليها صريح الطلاق، وهو رجعي، ولو نوى الثنتين لا يصح؛ لأنه نية العدد إلا إذا كانت الزوجة أمة؛ لأنه جنس في حقها.
وإن قال لها: طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي طلقت، ولو قالت: قد اخترت نفسي لم تطلق؛ لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه لو قال أبنتك ينوي به الطلاق، أو قالت أبنت نفسي فقال الزوج: قد أجزت ذلك بانت، فكانت موافقة للتفويض في الأصل، إلا أنها زادت فيه وصفا، وهو تعجيل الإبانة فيلغو الوصف الزائد ويثبت الأصل، كما إذا قالت طلقت نفسي تطليقة بائنة، وينبغي أن تقع تطليقة رجعية،
ــ
[البناية]
عند عدم النية م: (وتكون الواحدة رجعية، لأن المفوض إليها صريح الطلاق، وهو رجعى) ش: وصريح الطلاق يعقب الرجعة.
م: (ولو نوى الثنتين لا يصح) ش: وقال زفر والشافعي ومالك وأحمد يصح م: (لأنه نية العدد) ش: أي لأن ما نواه نية العدد والثنتان غير عدد، لأن العدد ما له كل شيئان م: (إلا إذا كانت الزوجة أمة) ش: أي إلا إذا كانت امرأته أمة م: (لأنه) ش: أي لأن الثنتين، وإنما ذكر الضمير باعتبار المذكور والتقدير، لأن لفظ الثنتين م: (جنس في حقها) ش: أي في حق الأمة لقوله ﷺ «طلاق الأمة ثنتان» .
[قال لها طلقي نفسك فقالت أبنت نفسي]
م: (وإن قال لها طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي، طلقت) ش: أي رجعية، لأن المفوض رجعي، وقد أتت بزيادة وصف وهو البينونة، فيلغو ذلك م: (ولو قالت قد اخترت نفسي لم تطلق؛ لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق) ش: فصلحت جوابا لقول الرجل طلقي نفسك، بخلاف ما إذا قالت اخترت نفسي، لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق.
م: (ألا ترى) ش: أشار به إلى إيضاح الفرق بين المسألتين م: (أنه) ش: أي أن الزوج م: (لو قال) ش: أي لامرأته م: (أبنتك ينوي به الطلاق، أو قالت: أبنت نفسي فقال الزوج قد أجزت ذلك، بانت) ش: أي بانت المرأة بتطليقة بائنة م: (فكانت موافقة للتفويض في الأصل) ش: أي كانت المرأة موافقة لتفويض الرجل بقولها أبنت نفسي في أصل الطلاق دون وصفه، وهو البينونة فيثبت الأصل بموافقتها، ويلغو الأصل لمخالفتها، وهو معنى قوله: م: (إلا أنها زادت فيه) ش: أي في التفويض، ويجوز أنه يقال في الجواب م: (وصفا، وهو تعجيل الإبانة فيلغو الوصف الزائد) ش: وهو البينونة م: (ويثبت الأصل) ش: وهو وقوع الطلاق الرجعي.
م: (كما إذا قالت) ش: في جواب طلقي نفسك م: (طلقت نفسي تطليقة بائنة) ش: فإنها زادت وصفا فيلغو الوصف ويثبت الأصل م: (وينبغي أن تقع تطليقة رجعية) ش: يعني في قولها أبنت نفسي في جواب قول الرجل طلقي نفسك، وإنما قال بلفظ ينبغي؛ لأن هذه المسألة من خواص " الجامع الصغير "، ومحمد لم ينص فيه على الرجعي، بل قال هي طالق.
стр. 2729
بخلاف الاختيار لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه لو قال لامرأته: اخترتك، أو اختاري ينوي الطلاق لم يقع، ولو قالت ابتداء اخترت نفسي فقال الزوج أجزت لا يقع شيء إلا أنه عرف طلاقا بالإجماع إذا حصل جوابا للتخيير، وقوله طلقي نفسك ليس بتخيير فيلغو، وعن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه لا يقع شيء بقولها: أبنت نفسي؛ لأنها أتت بغير ما فوض الزوج إليها، إذ الإبانة تغاير الطلاق.
وإن قال لها: طلقي نفسك فليس له أن يرجع عنه؛ لأن فيه معنى اليمين؛ لأنه تعليق الطلاق بتطليقها، واليمين تصرف لازم.
ــ
[البناية]
ولفظ محمد في " الجامع الصغير " عن يعقوب عن أبي حنيفة في رجل يقول لامرأته: طلقي نفسك، فتقول أبنت نفسي، قال: هي طالق.
م: (بخلاف الاختيار) ش: متعلق بقوله لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق م: (لأنه) ش: أي لأن لفظ معنى الاختيار م: (ليس من ألفاظ الطلاق) ش: ثم أوضح ذلك بقوله م: (ألا ترى أنه لو قال لامرأته: اخترتك أو اختاري نوى الطلاق لم يقع، ولو قالت ابتداء) ش: أي من أول الأمر م: (اخترت نفسي فقال الزوج: قد أجزت لا يقع شيء) ش: لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، م: (إلا أنه عرف طلاقا) ش: استثناه من قوله بخلاف الاختيار، لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، والاستثناء منقطع بمعنى لكن م: (بالإجماع) ش: أي بإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كما مر بيانه م: (إذا حصل جوابا للتخيير) ش: بأن يقول اختاري، فتقول هي اخترت نفسي.
م: (وقوله: طلقي نفسك ليس بتخيير) ش: بأن يقول اختاري م: (فيلغو) ش: ولا يصلح قولها اخترت جوابا له م: (وعن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه لا يقع شيء بقولها أبنت نفسي، لأنها أتت بغير ما فوض الزوج إليها إذ الإبانة تغاير الطلاق) ش: لأنها تحصل بدون الطلاق، فيكون مغايرا له، فما أتت بما فوض إليها، وكذا في سائر ألفاظ الكنايات، وبه قال ابن خيران من أصحاب الشافعي.
[قال لها طلقي نفسك]
م: (وإن قال لها: طلقي نفسك فليس له أن يرجع عنه) ش: إذا طلقت نفسها بعد إذنها يقع الطلاق، وبه قال مالك وابن خيران من أصحاب الشافعي، وعند الشافعي وأحمد يملك الرجوع، لأن فيه معنى التوكيل والتمليك، وباعتبار التوكيل صح الرجوع كما في سائر التوكيلات، وباعتبار التمليك يصح الرجوع قبل القبول، كما في سائر التمليكات م: (لأن فيه) ش: أي في قوله طلقي نفسك م: (معنى اليمين، لأنه تعليق الطلاق بتطليقها) ش: فيكون يمينا، لأن الطلاق مما يحلف، وفي كل تعليق يعني اليمين لما فيه من المنع والحمل م: (واليمين تصرف لازم) ش: لا يقع الرجوع بإجماع الصحابة، لأن اليمين يعقد للزجر والحل على وجه التأكيد، فلو طلبت الرجوع ما أفادت فائدتها.
стр. 2730
ولو قامت عن مجلسها بطل؛ لأنه تمليك، بخلاف ما إذا قال لها: طلقي ضرتك؛ لأنه توكيل وإنابة فلا يقتصر على المجلس ويقبل الرجوع. وإن قال لها طلقي نفسك متى شئت، فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده؛ لأن كلمة "متى" عامة في الأوقات كلها، فصار كما إذا قال: في أي وقت شئت،
وإذا قال لرجل: طلق امرأتي ، فله أن يطلقها في المجلس وبعده، وله أن يرجع؛ لأنه توكيل واستعانة فلا يلزم ولا يقتصر على المجلس، بخلاف قوله لامرأته: طلقي نفسك؛ لأنها عاملة لنفسها، فكان تمليكا لا توكيلا.
ــ
[البناية]
م: (ولو قامت عن مجلسها بطل) ش: أي قوله طلقي نفسك م: (لأنه تمليك) ش: لأنها تتصرف لنفسها لا لغيرها، فيقتصر على المجلس م: (بخلاف ما إذا قال لها طلقي ضرتك، لأنه توكيل وإنابة، فلا يقتصر على المجلس ويقبل الرجوع) ش: لأن فيه نوع سند على الموكل، وفي ذلك ضرر عليه، فيجوز دفع ذلك الضرر عن نفسه بالرجوع.
م: (وإن قال لها طلقي نفسك متى شئت فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده) ش: أي بعد المجلس، ولا خلاف للأئمة الأربعة فيه م: (لأن كلمة "متى" عامة في الأوقات كلها) ش: فلا يملك الرجوع، خلافا للشافعي وأحمد م: (فصار كما إذا قال في أي وقت شئت) ش: أي فصار هذا كما إذا قال لها طلقي نفسك في أي وقت شئت، فيعم.
وقال الأترازي: هذه من مسائل القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لفظه بعينه، إلا أنها وقعت مكررة في " الهداية "، لأن صاحب " الهداية، ذكرها بعد هذا قريبا من ورقة عند قوله: إذا قال لها أنت طالق إذا شئت، وذكر ثمة وضع " الجامع الصغير "، وذكر هنا وضع القدوري كان ينبغي أن يذكرهما في موضع إما هنا، وإما ثمة.
فإن قال القائل التمليك في هذه الصورة موجود أولا، فإن كان الثاني لا يقدر على الطلاق، وليس كذلك، وإن كان الأول يقتصر على المجلس لكونه لازم التملك، وأجيب: بأن الاقتصار على المجلس من أحكامها التمليك، وقد يتأخر المانع كما في شرط الاختيار، وهي تطليقة تخصص العلة وموضعه الأصول.
[قال لرجل طلق امرأتي]
م: (وإذا قال لرجل طلق امرأتي فله أن يطلقها في المجلس وبعده، وله أن يرجع، لأنه توكيل واستعانة، فلا يلزم ولا يقتصر على المجلس) ش: أما جواز التطليق للوكيل فلأنه أقامه مقام نفسه، وأما جواز ذلك بدون قيد المجلس، فلأن الوكيل أجنبي وقد يقدر على أن يعين الوكيل في المجلس، وقد لا يقدر، فلم يقتصر على المجلس، وأما جواز رجوعه عن ذلك، فظاهر من كلام المصنف م: (بخلاف قوله لامرأته طلقي نفسك، لأنها عاملة لنفسها، فكان تمليكا لا توكيلا) ش: فليس له الرجوع عن قوله.
стр. 2731
ولو قال لرجل طلقها إن شئت، فله أن يطلقها في المجلس خاصة، وليس للزوج أن يرجع. وقال زفر ﵀: هذا والأول سواء؛ لأن التصريح بالمشيئة كعدمه؛ لأنه يتصرف عن مشيئته، فصار كالوكيل بالبيع إذا قيل له بعه إن شئت. ولنا أنه تمليك؛ لأنه علقه بالمشيئة، والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، والطلاق يحتمل التعليق، بخلاف البيع؛ لأنه لا يحتمل.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا، فطلقت واحدة فهي واحدة؛ لأنها ملكت إيقاع الثلاث، فتملك إيقاع الواحدة ضرورة. ولو قال لها: طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء، عند أبي حنيفة. وقالا: تقع واحدة؛
ــ
[البناية]
م: (ولو قال لرجل طلقها إن شئت، فله أن يطلقها في المجلس خاصة، وليس للزوج الرجوع، وقال زفر: هذا) ش: أي هذا الحكم م: (والأول) ش: أي القول الأول، وهو قوله لأجنبي: طلق امرأتي بدون ذكر مشيئة م: (سواء) ش: في الحكم، وبه قال أصحاب الشافعي م: لأن التصريح بالمشيئة كعدمه) ش: لأنها لغو م: (لأنه) ش: أي لأن الرجل الذي قال له طلق امرأتي إن شئت م: (يتصرف عن مشيئته) ش: لا محالة م: (فصارت) ش: أي حكم هذا م: (كالوكيل بالبيع) ش: يعني إذا وكل رجلا يبيع شيئا م: (إذا قيل له) ش: يعني إذا قال له م: (بعه إن شئت) ش: يكون توكيلا لا تمليكا، ولا يخرج كلامه ذكر المسألة عن التوكيل، فكذا هذا.
م: (ولنا أنه) ش: أي قول الزوج للرجل م: (تمليك، لأنه علقه بالمشيئة، والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، والطلاق يحتمل التعليق) ش: على وجه الشرط يصح ذكر المشيئة، ويعتبر لازما: (بخلاف البيع) ش: أي بخلاف التوكيل بالبيع، لأنه ذكر المشيئة على وجه الشرط فلا يمشي م: (لأنه) ش: أي لأن البيع م: (لا يحتمله) ش: أي لا يحتمل الشرط، يعني ليس من مقتضيات البيع فلا يصح ذكر المشيئة، وبدون ذكر المشيئة لا يصير لازما، وبقولنا قال الثوري والليث وقيل الوكيل يتصرف عن مشيئته واختياره.
قلنا: نشأ ذلك الاختيار عن عدم نفاذ الأمر عليه، لعدم الأولوية لا من الصيغة، لأن الصيغة مذمة إذا صدرت من ذي ولاية، فمتى قال الأجنبي إن شئت، فالمشيئة جاءت من الصيغة صريحا، وأثبت خاصية الملكية، فكان هذا الكلام تمليكا لا إلزاما.
[قال لها طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة]
م: (ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا، فطلقت واحدة، فهي واحدة) ش: بالاتفاق، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يقع شيء، لأنها أتت بغير ما فوض إليها، م: (لأنها ملكت إيقاع الثلاث) ش: أي ثلاث تطليقات بمقتضى كلامه م: (فتملك إيقاع الواحدة ضرورة) ش: لأن من يملك الكل يملك أجزاءه.
م: (ولو قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) وبه قال زفر ومالك م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (تقع واحدة) ش: وبه
стр. 2732
لأنها أتت بما ملكته وزيادة، فصار كما إذا طلقها الزوج ألفا. ولأبي حنيفة أنها أتت بغير ما فوض إليها، فكانت مبتدأة، وهذا لأن الزوج ملكها الواحدة، والثلاث غير الواحدة، لأن الثلاث اسم لعدد مركب مجتمع، والواحد فرد لا تركيب فيه، فكانت بينهما مغايرة على سبيل المضادة،
ــ
[البناية]
قال الشافعي وأحمد م: (لأنها) ش: أي لأن المرأة م: (أتت بما ملكته وزيادة) ش: عطفا على قوله: بما وهذا لأن الواحدة موجودة في الثلاث، فصارت كما إذا قالت طلقت نفسي واحدة وواحدة وواحدة، وكما إذا قال لها طلقي نفسك، فطلقت نفسها وضرتها، أو قال لعبده أعتق نفسك فأعتق نفسه وصاحبه، وكذا لو قال لأجنبي بع عبدي هذا فباعه مع عبد آخر، فالذي فوض إليها يقع، وما زاد على ذلك لغو.
م: (فصار كما إذا طلقها الزوج ألفاً) ش: فإن الثلاث الذي يفوض إليها شرعاً يقع، والثاني لغو لأنه لا يملكه شرعاً م: (ولأبي حنيفة أنها أتت بغير ما فوض إليها، فكانت مبتدأة) ش: في كلامها لا مجيبة لكلام الزوج م: (وهذا) ش: أشار به إلى توضيح ذلك بقوله م: (لأن الزوج ملكها الواحدة، والثلاث غير الواحدة، لأن الثلاث اسم لعدد مركب مجتمع، والواحد فرد لا تركيب فيه، فكانت بينهما) ش: أي بين الواحدة والثلاث م: (مغايرة على سبيل المضادة) ش: لأن الواحدة ليست بمركبة، والثلاث مركب من الآحاد، والثلاث عدد، والواحدة ليس بعدد، بخلاف قولها واحدة وواحدة وواحدة، لأنها بالكلام الأول تكون ممتثلة لما فوض إليها، وفي الكلام الثاني والثالث مبتدأة، وكذا لو ردت على نفسها وضرتها.
فإن قيل: فكذلك هنا بقولها طلقت نفسي متمثلة لو اقتصرت عليه، وتكون مبتدأة بقولها ثلاثاً فتلغو الزيادة.
قلنا: الطلاق متى قرن بالعدد كان الوقوع بالعدد وإلا لم يقع الثلاث على غير الموطوءة بقوله أنت طالق ثلاثاً، والحال أنه يقع ثلاثاً بالإجماع، وكذا لو ماتت قبل قولها ثلاثاً لا يقع الثلاث.
فإن قيل: قد ذكر من " المبسوط " أول فصل الأمر باليد أن الزوج إذا قال لها أمرك بيدك ونوى الواحدة وهي طلقت نفسها ثلاثاً يقع واحدة عندنا، خلافاً لابن أبي ليلى، فعلى ما ذكره أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ينبغي أن لا يقع شيء، لأنها أتت بغير ما فوض إليها، لأن الثلاث غير الواحدة.
قلنا: التفويض لم يتعرض لشيء فقد يكون خاصاً، وقد يكون عاماً، فإذا نوى فقد نوى تفويضاً خاصاً، وهو غير مخالف للظاهر، فلما وقعت ثلاثاً فقد وقعت فيما هو أصل للتفويض، وهو لا يكون أقل من الواحدة، فتقع الواحدة.
стр. 2733
بخلاف الزوج؛ لأنه يتصرف بحكم الملك، وكذا هي في المسألة الأولى؛ لأنها ملكت الثلاث، أما هاهنا لم تملك الثلاث وما أتت بما فوض إليها فتلغى، وإن أمرها بطلاق تملك الرجعة فيه فطلقت بائنة، أو أمرها بالبائن فطلقت رجعية وقع ما أمر به الزوج، فمعنى الأول، أن يقول لها الزوج طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة، فتقول: طلقت نفسي واحدة بائنة فتقع رجعية؛
ــ
[البناية]
فإن قيل: مذهبنا أن الواحدة لا عين العشرة ولا غيرها، فينبغي أن يقع من حيث إنها لا غير الثلاث.
قلنا: المغايرة بين أسماء الأعداد أصلها ونفسها فوق المغايرة بين ألفاظ العموم والخصوص جرى مجرى المجاز بين العام والخاص، ولا يجري بين أسماء الأعداد، لأنها بمنزلة الإعلام، فيقال ستة ضعف ثلاثة بغير تنوين للعلمية والتأنيث، ولا يجوز إطلاق لفظ الثلاث على غيرها لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، فعلم أن المغايرة بينهما ثابتة من كل وجه.
وأما قولنا لا غيرها فباعتبار عدم تصور الأكثر منها بدل الأول منه، وهذا الاعتبار لا يقدح ثبوت المغايرة بينهما بحسب العرف والاستعمال، مع أن الواحد في العشرة الموجودة، وأما الثلاث هاهنا فمعدوم، والواحد الموجود غير الثلاث المعدوم لا محالة.
م: (بخلاف الزوج لأنه يتصرف بالملك) ش: أي بحكم الملك م: (وكذا هي) ش: أي المرأة م: (في المسألة الأولى) ش: أي وكذا تصرفت المرأة بحكم الملك في المسألة الأولى، وهي فيما إذا طلقت نفسها واحدة.
وقد قال لها طلقي نفسك ثلاثاً م: (لأنها ملكت الثلاث) ش: فكانت مالكة للواحدة لأن الثلاث تدل على الواحدة تضمناً، بخلاف ما إذا أمرها بالواحدة وقد بانت بالثلاث، لأن الواحدة لا دلالة لها على الثلاث لا حقيقة ولا مجازاً، لعدم التضمن والالتزام، فكانت المرأة مخالفة، فلم يقع شيء.
م: (أما هاهنا) ش: أي في قوله طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً م: (لم تملك الثلاث، وما أتت بما فوض إليها، فتلغى) ش: لعدم الموافقة بين قوله وجوابها م: (وأن أمرها بطلاق تملك الرجعة فيه) ش: أي وإن أمر الزوج امرأته بأن تطلق نفسها بطلاق حال كونها تملك الرجعة فيه م: (فطلقت بائنة) ش: أي فطلقت نفسها طلقة بائنة م: (أو أمرها بالبائن) ش: أي أو أمرها بأن تطلق نفسها طلقة بائنة م: (فطلقت رجعية) ش: أي طلقت رجعية م: (وقع ما أمر به الزوج، فمعنى الأول) ش: وهو قوله بطلاق تملك م: (أن يقول لها الزوج طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة، فتقول طلقت نفسي واحدة بائنة فتقع رجعية) ش: بالنصب عطفاً على الحال من الضمير الذي وقع، أو من المجرور، أعني قوله بالصفة، أي تقع الطلقة بالصفة التي عينها الزوج بائنة.
стр. 2734
لأنها أتت بالأصل وزيادة وصف، كما ذكرنا فيلغو الوصف ويبقى الأصل. ومعنى الثاني أن يقول لها طلقي نفسك واحدة بائنة فتقول: طلقت نفسي واحدة رجعية فتقع بائنة؛ لأن قولها "واحدة رجعية"، لغو منها؛ لأن الزوج لما عين صفة المفوض إليها فحاجتها بعد ذلك إلى إيقاع الأصل دون تعيين الوصف، فصار كأنها اقتصرت على الأصل فيقع بالصفة التي عينها الزوج بائنا أو رجعيا.
وإن قال لها طلقي نفسك ثلاثا إن شئت، فطلقت واحدة لم يقع شيء؛ لأن معناه إن شئت الثلاث، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث فلم يوجد الشرط. ولو قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثا، فكذلك عند أبي حنيفة؛ لأن مشيئة الثلاث ليست بمشيئة للواحدة كإيقاعها. وقالا: تقع واحدة؛ لأن مشيئة الثلاث مشيئة للواحدة، كما أن
ــ
[البناية]
قلت: هذا كله تعسف، ولو قال بائنة منصوب على أنه صفة الواحدة لسلم من هذا التعسف تقع رجعية.
م: (لأنها أتت بالأصل) ش: أي بأصل الطلاق م: (وزيادة وصف) ش: أي وأتت أيضاً بزيادة وصف، وهو قولها: بائنة م: (كما ذكرنا) ش: عند قوله لأنها أتت بما ملكت وزيادة م: (فيلغو الوصف) ش: وهو البينونة م: (ويبقى الأصل) ش: أي أصل الطلاق.
م: (ومعنى الثاني) ش: وفي بعض النسخ م: (ومعنى الثانية) ش:، أي المسألة الثانية م: (أن يقول لها طلقي نفسك واحدة بائنة، فتقول) ش: بالنصب أيضاً عطف على أن تقول م: (طلقت نفسي واحدة رجعية فتقع بائنة؛ لأن قولها واحدة رجعية لغو منها؛ لأن الزوج لما عين لها صفة المفوض إليها فحاجتها بعد ذلك إلى إيقاع الأصل دون تعيين الوصف، فصار كأنها اقتصرت على الأصل، فيقع بالصفة التي عينها الزوج بائناً أو رجعياً) ش: لأن الزوج فوض إليها ذات الطلاق مع الوصف، وأنها أتت بما فوض إليها وخالفت في الوصف، فثبت الأصل دون الوصف.
[قال لها طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت فطلقت واحدة]
م: (وإن قال لها طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت فطلقت واحدة لم يقع شيء) ش: وبه قال الشافعي ومالك م: (لأن معناه إن شئت الثلاث، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث، فلم يوجد الشرط) ش: لأن قوله إن شئت شرط، فلا بد له من الجزاء، أو لم يذكر بعد فكان جزاؤه ما ذكر قبل الشرط، والمذكور قبل الشرط ثلاث، فصار كما إذا قال إن شئت الثلاث، وبإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث، بل شاءت الواحدة ولم يوجد الشرط، فلم يقع شيء.
م: (ولو قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثاً فكذلك عند أبي حنيفة) ش: أي لم يقع شيء وبه قال أصحاب الشافعي م: (لأن مشيئة الثلاث ليست بمشيئة للواحدة كإيقاعها) ش: أي كإيقاع الواحدة فيما لو قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً لم يقع شيء عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لما بيناه م: (وقالا: تقع واحدة، لأن مشيئة الثلاث مشيئة للواحدة، كما أن
стр. 2735
إيقاعها إيقاع للواحدة فوجد الشرط.
ولو قال لها أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت، فقال الزوج: شئته ينوي الطلاق بطل الأمر، لأنه علق طلاقها بالمشيئة المرسلة، وهي أتت بالمعلقة فلم يوجد الشرط، وهي اشتغلت بما لا يعنيها، فخرج الأمر من يدها، ولا يقع الطلاق بقوله شئت، وإن نوى الطلاق، لأنه ليس في كلام المرأة ذكر الطلاق، ليصير الزوج شائيا طلاقها، والنية لا تعمل في غير المذكور، حتى لو قال: شئت طلاقك يقع إذا نوى، لأنه إيقاع مبتدأ؛ إذ المشيئة تنبئ عن الوجود، بخلاف قوله: أردت طلاقك؛ لأنه لا ينبئ عن الوجود.
ــ
[البناية]
إيقاعها) ش: أي إيقاع الثلاث م: (إيقاع للواحدة فوجد الشرط) ش: وترتب عليه الجزاء، وهو وقوع الواحدة.
[قال لها أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت فقال الزوج شئته ينوي الطلاق]
م: (ولو قال لها أنت طالق إن شئت، فقالت شئت إن شئت، فقال الزوج: شئته ينوي الطلاق بطل الأمر) ش: يعني لا يقع الطلاق م: (لأنه علق طلاقها بالمشيئة المرسلة) ش: يعني غير المعلقة بشيء م: (وهي) ش: أتت بالمعلقة يعني المرأة أتت بالمشيئة المعلقة بمشيئة الزوج م: (فلم يوجد الشرط وهي) ش: أي المرأة م: (اشتغلت بما لا يعنيها) ش: بمخالفتها زوجها م: (فخرج الأمر من يدها) ش: لوجود دليل الإعراض.
م: (ولا يقع الطلاق بقوله شئت وإن نوى الطلاق، لأنه ليس في كلام المرأة ذكر الطلاق ليصير الزوج شائياً طلاقها، والنية لا تعمل في غير المذكور) ش: لأن النية تعمل في الملفوظ لا في غيره، والطلاق ليس بمذكور إلا في قوله: شئت إن شئت، فلا يقع شيئاً. م: (حتى لو قال: شئت طلاقك يقع إذا نوى، لأنه إيقاع مبتدأ، إذ المشيئة تنبئ عن الوجود) ش: لأنها مأخوذة من الشيء، والشيء اسم للوجود، فكان قوله - شئت - بمعنى أوجدت، بخلاف الطلاق بإيقاعه م: (بخلاف قوله أردت طلاقك لأنه) ش: أي لأن لفظ أردت م: (لا ينبئ عن الوجود) ش: لأن معنى الإرادة عبارة عن الطلب، قال ﵇: «الحمى رائدة الموت» ، أي طالبة.
وقال الأكمل: فإن قيل ذهب علماؤنا في أصول الدين أن الإرادة والمشيئة واحدة، فما هذه التفرقة؟ فالجواب: يجوز أن يكون بينهما تفرقة بالنسبة إلى العباد، والتسوية بالنسبة إلى الله تعالى، لأن ما يطلبه تعالى يوجد كما يوجد ما شاء، بخلاف العباد، انتهى.
قلت: هذا الذي ذكره من " الفوائد الظهيرية ".
следующие страницы →