Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
ولو قال لرجل طلقها إن شئت، فله أن يطلقها في المجلس خاصة، وليس للزوج أن يرجع. وقال زفر ﵀: هذا والأول سواء؛ لأن التصريح بالمشيئة كعدمه؛ لأنه يتصرف عن مشيئته، فصار كالوكيل بالبيع إذا قيل له بعه إن شئت. ولنا أنه تمليك؛ لأنه علقه بالمشيئة، والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، والطلاق يحتمل التعليق، بخلاف البيع؛ لأنه لا يحتمل.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا، فطلقت واحدة فهي واحدة؛ لأنها ملكت إيقاع الثلاث، فتملك إيقاع الواحدة ضرورة. ولو قال لها: طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء، عند أبي حنيفة. وقالا: تقع واحدة؛
ــ
[البناية]
م: (ولو قال لرجل طلقها إن شئت، فله أن يطلقها في المجلس خاصة، وليس للزوج الرجوع، وقال زفر: هذا) ش: أي هذا الحكم م: (والأول) ش: أي القول الأول، وهو قوله لأجنبي: طلق امرأتي بدون ذكر مشيئة م: (سواء) ش: في الحكم، وبه قال أصحاب الشافعي م: لأن التصريح بالمشيئة كعدمه) ش: لأنها لغو م: (لأنه) ش: أي لأن الرجل الذي قال له طلق امرأتي إن شئت م: (يتصرف عن مشيئته) ش: لا محالة م: (فصارت) ش: أي حكم هذا م: (كالوكيل بالبيع) ش: يعني إذا وكل رجلا يبيع شيئا م: (إذا قيل له) ش: يعني إذا قال له م: (بعه إن شئت) ش: يكون توكيلا لا تمليكا، ولا يخرج كلامه ذكر المسألة عن التوكيل، فكذا هذا.
م: (ولنا أنه) ش: أي قول الزوج للرجل م: (تمليك، لأنه علقه بالمشيئة، والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، والطلاق يحتمل التعليق) ش: على وجه الشرط يصح ذكر المشيئة، ويعتبر لازما: (بخلاف البيع) ش: أي بخلاف التوكيل بالبيع، لأنه ذكر المشيئة على وجه الشرط فلا يمشي م: (لأنه) ش: أي لأن البيع م: (لا يحتمله) ش: أي لا يحتمل الشرط، يعني ليس من مقتضيات البيع فلا يصح ذكر المشيئة، وبدون ذكر المشيئة لا يصير لازما، وبقولنا قال الثوري والليث وقيل الوكيل يتصرف عن مشيئته واختياره.
قلنا: نشأ ذلك الاختيار عن عدم نفاذ الأمر عليه، لعدم الأولوية لا من الصيغة، لأن الصيغة مذمة إذا صدرت من ذي ولاية، فمتى قال الأجنبي إن شئت، فالمشيئة جاءت من الصيغة صريحا، وأثبت خاصية الملكية، فكان هذا الكلام تمليكا لا إلزاما.
[قال لها طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة]
م: (ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا، فطلقت واحدة، فهي واحدة) ش: بالاتفاق، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يقع شيء، لأنها أتت بغير ما فوض إليها، م: (لأنها ملكت إيقاع الثلاث) ش: أي ثلاث تطليقات بمقتضى كلامه م: (فتملك إيقاع الواحدة ضرورة) ش: لأن من يملك الكل يملك أجزاءه.
م: (ولو قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا لم يقع شيء عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) وبه قال زفر ومالك م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (تقع واحدة) ش: وبه
стр. 2732
لأنها أتت بما ملكته وزيادة، فصار كما إذا طلقها الزوج ألفا. ولأبي حنيفة أنها أتت بغير ما فوض إليها، فكانت مبتدأة، وهذا لأن الزوج ملكها الواحدة، والثلاث غير الواحدة، لأن الثلاث اسم لعدد مركب مجتمع، والواحد فرد لا تركيب فيه، فكانت بينهما مغايرة على سبيل المضادة،
ــ
[البناية]
قال الشافعي وأحمد م: (لأنها) ش: أي لأن المرأة م: (أتت بما ملكته وزيادة) ش: عطفا على قوله: بما وهذا لأن الواحدة موجودة في الثلاث، فصارت كما إذا قالت طلقت نفسي واحدة وواحدة وواحدة، وكما إذا قال لها طلقي نفسك، فطلقت نفسها وضرتها، أو قال لعبده أعتق نفسك فأعتق نفسه وصاحبه، وكذا لو قال لأجنبي بع عبدي هذا فباعه مع عبد آخر، فالذي فوض إليها يقع، وما زاد على ذلك لغو.
م: (فصار كما إذا طلقها الزوج ألفاً) ش: فإن الثلاث الذي يفوض إليها شرعاً يقع، والثاني لغو لأنه لا يملكه شرعاً م: (ولأبي حنيفة أنها أتت بغير ما فوض إليها، فكانت مبتدأة) ش: في كلامها لا مجيبة لكلام الزوج م: (وهذا) ش: أشار به إلى توضيح ذلك بقوله م: (لأن الزوج ملكها الواحدة، والثلاث غير الواحدة، لأن الثلاث اسم لعدد مركب مجتمع، والواحد فرد لا تركيب فيه، فكانت بينهما) ش: أي بين الواحدة والثلاث م: (مغايرة على سبيل المضادة) ش: لأن الواحدة ليست بمركبة، والثلاث مركب من الآحاد، والثلاث عدد، والواحدة ليس بعدد، بخلاف قولها واحدة وواحدة وواحدة، لأنها بالكلام الأول تكون ممتثلة لما فوض إليها، وفي الكلام الثاني والثالث مبتدأة، وكذا لو ردت على نفسها وضرتها.
فإن قيل: فكذلك هنا بقولها طلقت نفسي متمثلة لو اقتصرت عليه، وتكون مبتدأة بقولها ثلاثاً فتلغو الزيادة.
قلنا: الطلاق متى قرن بالعدد كان الوقوع بالعدد وإلا لم يقع الثلاث على غير الموطوءة بقوله أنت طالق ثلاثاً، والحال أنه يقع ثلاثاً بالإجماع، وكذا لو ماتت قبل قولها ثلاثاً لا يقع الثلاث.
فإن قيل: قد ذكر من " المبسوط " أول فصل الأمر باليد أن الزوج إذا قال لها أمرك بيدك ونوى الواحدة وهي طلقت نفسها ثلاثاً يقع واحدة عندنا، خلافاً لابن أبي ليلى، فعلى ما ذكره أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ينبغي أن لا يقع شيء، لأنها أتت بغير ما فوض إليها، لأن الثلاث غير الواحدة.
قلنا: التفويض لم يتعرض لشيء فقد يكون خاصاً، وقد يكون عاماً، فإذا نوى فقد نوى تفويضاً خاصاً، وهو غير مخالف للظاهر، فلما وقعت ثلاثاً فقد وقعت فيما هو أصل للتفويض، وهو لا يكون أقل من الواحدة، فتقع الواحدة.
стр. 2733
بخلاف الزوج؛ لأنه يتصرف بحكم الملك، وكذا هي في المسألة الأولى؛ لأنها ملكت الثلاث، أما هاهنا لم تملك الثلاث وما أتت بما فوض إليها فتلغى، وإن أمرها بطلاق تملك الرجعة فيه فطلقت بائنة، أو أمرها بالبائن فطلقت رجعية وقع ما أمر به الزوج، فمعنى الأول، أن يقول لها الزوج طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة، فتقول: طلقت نفسي واحدة بائنة فتقع رجعية؛
ــ
[البناية]
فإن قيل: مذهبنا أن الواحدة لا عين العشرة ولا غيرها، فينبغي أن يقع من حيث إنها لا غير الثلاث.
قلنا: المغايرة بين أسماء الأعداد أصلها ونفسها فوق المغايرة بين ألفاظ العموم والخصوص جرى مجرى المجاز بين العام والخاص، ولا يجري بين أسماء الأعداد، لأنها بمنزلة الإعلام، فيقال ستة ضعف ثلاثة بغير تنوين للعلمية والتأنيث، ولا يجوز إطلاق لفظ الثلاث على غيرها لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، فعلم أن المغايرة بينهما ثابتة من كل وجه.
وأما قولنا لا غيرها فباعتبار عدم تصور الأكثر منها بدل الأول منه، وهذا الاعتبار لا يقدح ثبوت المغايرة بينهما بحسب العرف والاستعمال، مع أن الواحد في العشرة الموجودة، وأما الثلاث هاهنا فمعدوم، والواحد الموجود غير الثلاث المعدوم لا محالة.
م: (بخلاف الزوج لأنه يتصرف بالملك) ش: أي بحكم الملك م: (وكذا هي) ش: أي المرأة م: (في المسألة الأولى) ش: أي وكذا تصرفت المرأة بحكم الملك في المسألة الأولى، وهي فيما إذا طلقت نفسها واحدة.
وقد قال لها طلقي نفسك ثلاثاً م: (لأنها ملكت الثلاث) ش: فكانت مالكة للواحدة لأن الثلاث تدل على الواحدة تضمناً، بخلاف ما إذا أمرها بالواحدة وقد بانت بالثلاث، لأن الواحدة لا دلالة لها على الثلاث لا حقيقة ولا مجازاً، لعدم التضمن والالتزام، فكانت المرأة مخالفة، فلم يقع شيء.
م: (أما هاهنا) ش: أي في قوله طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً م: (لم تملك الثلاث، وما أتت بما فوض إليها، فتلغى) ش: لعدم الموافقة بين قوله وجوابها م: (وأن أمرها بطلاق تملك الرجعة فيه) ش: أي وإن أمر الزوج امرأته بأن تطلق نفسها بطلاق حال كونها تملك الرجعة فيه م: (فطلقت بائنة) ش: أي فطلقت نفسها طلقة بائنة م: (أو أمرها بالبائن) ش: أي أو أمرها بأن تطلق نفسها طلقة بائنة م: (فطلقت رجعية) ش: أي طلقت رجعية م: (وقع ما أمر به الزوج، فمعنى الأول) ش: وهو قوله بطلاق تملك م: (أن يقول لها الزوج طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة، فتقول طلقت نفسي واحدة بائنة فتقع رجعية) ش: بالنصب عطفاً على الحال من الضمير الذي وقع، أو من المجرور، أعني قوله بالصفة، أي تقع الطلقة بالصفة التي عينها الزوج بائنة.
стр. 2734
لأنها أتت بالأصل وزيادة وصف، كما ذكرنا فيلغو الوصف ويبقى الأصل. ومعنى الثاني أن يقول لها طلقي نفسك واحدة بائنة فتقول: طلقت نفسي واحدة رجعية فتقع بائنة؛ لأن قولها "واحدة رجعية"، لغو منها؛ لأن الزوج لما عين صفة المفوض إليها فحاجتها بعد ذلك إلى إيقاع الأصل دون تعيين الوصف، فصار كأنها اقتصرت على الأصل فيقع بالصفة التي عينها الزوج بائنا أو رجعيا.
وإن قال لها طلقي نفسك ثلاثا إن شئت، فطلقت واحدة لم يقع شيء؛ لأن معناه إن شئت الثلاث، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث فلم يوجد الشرط. ولو قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثا، فكذلك عند أبي حنيفة؛ لأن مشيئة الثلاث ليست بمشيئة للواحدة كإيقاعها. وقالا: تقع واحدة؛ لأن مشيئة الثلاث مشيئة للواحدة، كما أن
ــ
[البناية]
قلت: هذا كله تعسف، ولو قال بائنة منصوب على أنه صفة الواحدة لسلم من هذا التعسف تقع رجعية.
م: (لأنها أتت بالأصل) ش: أي بأصل الطلاق م: (وزيادة وصف) ش: أي وأتت أيضاً بزيادة وصف، وهو قولها: بائنة م: (كما ذكرنا) ش: عند قوله لأنها أتت بما ملكت وزيادة م: (فيلغو الوصف) ش: وهو البينونة م: (ويبقى الأصل) ش: أي أصل الطلاق.
م: (ومعنى الثاني) ش: وفي بعض النسخ م: (ومعنى الثانية) ش:، أي المسألة الثانية م: (أن يقول لها طلقي نفسك واحدة بائنة، فتقول) ش: بالنصب أيضاً عطف على أن تقول م: (طلقت نفسي واحدة رجعية فتقع بائنة؛ لأن قولها واحدة رجعية لغو منها؛ لأن الزوج لما عين لها صفة المفوض إليها فحاجتها بعد ذلك إلى إيقاع الأصل دون تعيين الوصف، فصار كأنها اقتصرت على الأصل، فيقع بالصفة التي عينها الزوج بائناً أو رجعياً) ش: لأن الزوج فوض إليها ذات الطلاق مع الوصف، وأنها أتت بما فوض إليها وخالفت في الوصف، فثبت الأصل دون الوصف.
[قال لها طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت فطلقت واحدة]
م: (وإن قال لها طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت فطلقت واحدة لم يقع شيء) ش: وبه قال الشافعي ومالك م: (لأن معناه إن شئت الثلاث، وهي بإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث، فلم يوجد الشرط) ش: لأن قوله إن شئت شرط، فلا بد له من الجزاء، أو لم يذكر بعد فكان جزاؤه ما ذكر قبل الشرط، والمذكور قبل الشرط ثلاث، فصار كما إذا قال إن شئت الثلاث، وبإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث، بل شاءت الواحدة ولم يوجد الشرط، فلم يقع شيء.
م: (ولو قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثاً فكذلك عند أبي حنيفة) ش: أي لم يقع شيء وبه قال أصحاب الشافعي م: (لأن مشيئة الثلاث ليست بمشيئة للواحدة كإيقاعها) ش: أي كإيقاع الواحدة فيما لو قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً لم يقع شيء عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لما بيناه م: (وقالا: تقع واحدة، لأن مشيئة الثلاث مشيئة للواحدة، كما أن
стр. 2735
إيقاعها إيقاع للواحدة فوجد الشرط.
ولو قال لها أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت، فقال الزوج: شئته ينوي الطلاق بطل الأمر، لأنه علق طلاقها بالمشيئة المرسلة، وهي أتت بالمعلقة فلم يوجد الشرط، وهي اشتغلت بما لا يعنيها، فخرج الأمر من يدها، ولا يقع الطلاق بقوله شئت، وإن نوى الطلاق، لأنه ليس في كلام المرأة ذكر الطلاق، ليصير الزوج شائيا طلاقها، والنية لا تعمل في غير المذكور، حتى لو قال: شئت طلاقك يقع إذا نوى، لأنه إيقاع مبتدأ؛ إذ المشيئة تنبئ عن الوجود، بخلاف قوله: أردت طلاقك؛ لأنه لا ينبئ عن الوجود.
ــ
[البناية]
إيقاعها) ش: أي إيقاع الثلاث م: (إيقاع للواحدة فوجد الشرط) ش: وترتب عليه الجزاء، وهو وقوع الواحدة.
[قال لها أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت فقال الزوج شئته ينوي الطلاق]
م: (ولو قال لها أنت طالق إن شئت، فقالت شئت إن شئت، فقال الزوج: شئته ينوي الطلاق بطل الأمر) ش: يعني لا يقع الطلاق م: (لأنه علق طلاقها بالمشيئة المرسلة) ش: يعني غير المعلقة بشيء م: (وهي) ش: أتت بالمعلقة يعني المرأة أتت بالمشيئة المعلقة بمشيئة الزوج م: (فلم يوجد الشرط وهي) ش: أي المرأة م: (اشتغلت بما لا يعنيها) ش: بمخالفتها زوجها م: (فخرج الأمر من يدها) ش: لوجود دليل الإعراض.
م: (ولا يقع الطلاق بقوله شئت وإن نوى الطلاق، لأنه ليس في كلام المرأة ذكر الطلاق ليصير الزوج شائياً طلاقها، والنية لا تعمل في غير المذكور) ش: لأن النية تعمل في الملفوظ لا في غيره، والطلاق ليس بمذكور إلا في قوله: شئت إن شئت، فلا يقع شيئاً. م: (حتى لو قال: شئت طلاقك يقع إذا نوى، لأنه إيقاع مبتدأ، إذ المشيئة تنبئ عن الوجود) ش: لأنها مأخوذة من الشيء، والشيء اسم للوجود، فكان قوله - شئت - بمعنى أوجدت، بخلاف الطلاق بإيقاعه م: (بخلاف قوله أردت طلاقك لأنه) ش: أي لأن لفظ أردت م: (لا ينبئ عن الوجود) ش: لأن معنى الإرادة عبارة عن الطلب، قال ﵇: «الحمى رائدة الموت» ، أي طالبة.
وقال الأكمل: فإن قيل ذهب علماؤنا في أصول الدين أن الإرادة والمشيئة واحدة، فما هذه التفرقة؟ فالجواب: يجوز أن يكون بينهما تفرقة بالنسبة إلى العباد، والتسوية بالنسبة إلى الله تعالى، لأن ما يطلبه تعالى يوجد كما يوجد ما شاء، بخلاف العباد، انتهى.
قلت: هذا الذي ذكره من " الفوائد الظهيرية ".
стр. 2736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال الكاكي: فإن قيل لأن الله تعالى طلب الإيمان من فرعون وأبي جهل، وأمثالهما بالأمر، ولم يوجد منهم، وطلب التقوى من جميع المؤمنين ولم يوجد من أكثرهم، قلنا: الطلب من الله تعالى على نوعين: طلب التكليف، وطلب لا تعلق له باختيار العبد، وهو المسمى بالمشيئة والإرادة والوجود من لوازمها، إذ لو لم يكن ملزم العجز، وهو منزه عنه، بخلاف العباد.
قال شيخي العلامة: هذا ما أشير إليه في عامة الكتب في بيان هذه المسألة، ولكنه مشكل، لأن ما ذكروه يشير إلى أن الإيجاد هو المغني الأصلي للمشيئة، وليس كذلك، فإن المشيئة مفسرة في أكثر كتب اللغة بالإرادة لا بالإيجاد، ومستعملة في القرآن والحديث، وفي تراكيب كلام الناس بمعنى الإرادة دون الإيحاء، قال الله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء: الآية ٤٨) ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] (الشورى: الآية٨) ، وقال ﵇: «إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» وأطال الكلام. وملخصه أن القائل يقول شئت طلاقك لا يرى الإيقاع جعل الذي هو بمعنى الوجود مصدراً، وأخذ منه الفعل، لأن المشيئة مصدر شاء بمعنى أراد فهذا الطريق يحتمل أن يكون المشيء بمعنى الإيجاد، وشئت بمعنى أوجدت، فلأن الإيجاد محتمل هذا اللفظ لا يوجد، فيحتاج إلى النية، بخلاف الإرادة فإنها لا تحتمل معنى الإيجاد فلا يقع به الطلاق وإن نوى، لأن النية لم تصادف محلاً، كما في قولك هويت طلاقك وأجبت الطلاق.
وفي " المبسوط " ولو قال لها شيئي الطلاق ينوي به الطلاق، فقالت شئت فهي طالق، وإن لم يكن له نية لا تطلق.
ولو قال لها أريدي الطلاق أو أهوى الطلاق، فقالت قد فعلت، كان باطلاً وإن نوى، لأن الإرادة من العبد نوع ثمن، فلو قالت ثمنية لا يقع، وهذا لأن المشيئة في صفات المخلوقين ألزم من الإرادة والهوى لغة، ألا ترى أن المشيئة لا تذكر مضافة إلى غير العقلاء وقد تذكر الإرادة، قال الله تعالى ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] (الكهف: الآية ٧٧) ، وليس إلى الجدار إرادة، وفيه تأمل.
قال الأترازي: هذا الذي قالوه من الفرق بين الإرادة والمشيئة ضعيف، لأن من أهل اللغة كالجوهري وصاحب " الديوان "، وغيرهما، لم يفرقوا بينهما.
قال الجوهري في " الصحاح " في كتاب الألف المهموزة: المشيئة هي الإرادة.
وقال في باب الدال: الإرادة هي المشيئة، وكذا قال في " الديوان "، وقد صرح أصحابنا في كتب الكلام أن لا فرق عند أهل السنة بين الإرادة والمشيئة وقول شمس الأئمة أن المشيئة لا تذكر
стр. 2737
وكذا إذا قالت شئت إن شاء أبي، أو شئت إن كان كذا - الأمر لم يجئ بعد - لما ذكرنا أن المأتي به مشيئة معلقة، فلا يقع الطلاق ويبطل الأمر.
وإن قالت قد شئت إن كان كذا الأمر قد مضى طلقت؛ لأن التعليق بشرط كائن منجز. ولو قال لها أنت طالق إذا شئت ، أو إذا ما شئت، أو متى شئت؛ أو متى ما شئت فردت الأمر
ــ
[البناية]
مضافة إلى غير العقلاء فيه نظر؛ لأن ابن السكيت أنشد في الإصلاح:
يا مرحباً هجمار عفراء إذا أتى قربة ... لما شاء من الشعير والحشيش والماء.
وشرحه أبو محمد بن الحسن بن عبد الله السيراني الزيرج، وهو مشهور عند أهل اللغة، وإسناد الإرادة إلى الحمى مجاز، وكلامنا في الحقيقة، ولا نسلم أن المشيئة لا تستعمل في مثل ذلك مجازاً، وقد فسروا الإرادة بتخصيص أحد المقدورين بالوجود، فتكون هي أيضاً مبنية على الوجود، ثم يقع الطلاق بقوله شئت طلاقك بالاتفاق، فينبغي أن يقع بقوله أردت طلاقك أيضاً، لأنهما مترادفان، سواء في المعنى، يؤيده ما ذكره في " خلاصة الفتاوى " بقوله وقال في " المنتقى " وفي " القياس " كل ذلك سواء. انتهى.
والحاصل أن لا نتبع كلام شمس الأئمة الذي في الأصل وقد ذكرناه، م: (وكذا إذا قالت شئت إذا شاء أبي، أو شئت إن كان كذا، المر لم يجيء بعد) ش: أي وكذا لا يقع الطلاق أيضاً في هاتين الصورتين، قوله: (الأمر لم يجيء بعد) نحو قولها شئت إذا دخل إلى الدار ونحوه م: (لما ذكرنا أن البائن به مشيئة معلقة) ش: والزوج فوض إليها بمشيئة مرسلة، فبطل الأمر من يدها م: (فلا يقع الطلاق، ويبطل الأمر) ش: لأنها خالفت زوجها فيما فوض إليها.
[قال لها أنت طالق إذا شئت]
م: (وإن قالت قد شئت إن كان كذا الأمر قد مضى طلقت) ش: يعني إذا علقت مشيئتها بأمر ماض، بأن قالت إن كان أبي في الدار، وهو في الدار يقع الطلاق م: (لأن التعليق بشرط كائن منجز) ش: يعني في الحال لا تعليق، كقوله أنت طالق إن كانت السماء فوقنا.
فإن قيل: يرد على هذا حلف الرجل وقال هو يهودي إن فعل كذا، وهو يعلم أنه فعل حيث لا يحكم بكفره، فلو كان التعليق بشرط كان تحقيقاً لكان كافراً، وأجيب: بأنه لا يرد لأنه لا يكفر على ما روي عن محمد بن مقاتل الرازي أنه يكفر فاطرد الأصل، ولئن سلمنا أنه لا يكفر على ما روي عن ابن شجاع.
وعن أبي يوسف أيضاً فنقول إنما لا يكفر، لأن الكفر إنما يكون بتبديل الاعتقاد، وهو بهذا الكلام لم يقصد تبديل الاعتقاد بل قصد أن يصدق في مقالته، أو نقول هذا وأمثاله كناية عن اليمين عرفاً، فيحمل عليهما تحامياً عن تكفير المسلم.
م: (ولو قال لها أنت طالق إذا شئت، أو إذا ما شئت، أو متى شئت، أو متى ما شئت؛ فردت الأمر
стр. 2738
لم يكن ردا، ولا يقتصر على المجلس، أما كلمة متى ومتى ما؛ فلأنهما للوقت، وهي عامة في الأوقات كلها، كأنه قال في أي وقت شئت، فلا يقتصر على المجلس بالإجماع، ولو ردت الأمر لم يكن ردا؛ لأنه ملكها الطلاق في الوقت الذي شاءت، فلم يكن تمليكا قبل المشيئة حتى يرتد بالرد، ولا تطلق نفسها إلا واحدة، لأنها تعم الأزمان دون الأفعال، فتملك التطليق في كل زمان، ولا تملك تطليقا بعد تطليق.
وأما كلمة: إذا وإذا ما، فهما "ومتى" سواء عندهما، وعند أبي حنيفة ﵀ وإن كانت تستعمل للشرط كما تستعمل للوقت، لكن الأمر صار بيدها، فلا يخرج بالشك.
ــ
[البناية]
لم يكن رداً) ش: فلها أن تطلق نفسها واحدة بعد ذلك م: (ولا يقتصر على المجلس) ش: بالإجماع، حتى إذا قامت من المجلس أو أخذت في عمل آخر أو كلام آخر، فلها أن تطلق نفسها واحدة لا غير، ثم شرع في بيان كيفية الأمر في هذه الصور المذكورة بقوله م: (أما كلمة: متى ومتى ما؛ فلأنهما للوقت، وهي عامة في الأوقات كلها) ش: أي كلمتا متى ومتى ما عامة، فتعم الأوقات كلها، وليست لتعميم الفعل، فلم يكن ردها رداً، لأن الزوج فوض إليها الطلاق في أي وقت شاءت م: (كأنه قال في أي وقت شئت فلا يقتصر على المجلس بالإجماع) ش: لعموم الوقت.
م: (ولو ردت الأمر لم يكن رداً؛ لأنه ملكها الطلاق في الوقت الذي شاءت) ش: فأي وقت شاءت تطلق نفسها فيه م: (فلم يكن تمليكاً قبل المشيئة حتى يرتد بالرد، ولا تطلق نفسها إلا واحدة لأنها) ش: لأن كلمة متى م: (تعم الأزمان دون الأفعال، فتملك التطليق في كل زمان) ش: لعموم متى في الأزمان م: (ولا تملك تطليقاً بعد تطليق) ش: حاصلة لا تملك إلا تطليقة واحدة متى شاءت لأنا قلنا متى لتعميم الوقت، لا لتعميم الفعل.
[قال لها أنت طالق كلما شئت]
م: (وأما كلمة: إذا وإذا ما،؛ فهما ومتى سواء عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد م: (وعند أبي حنيفة ﵀ إن كانت تستعمل للشرط كما تستعمل للوقت، لكن الأمر صار بيدها فلا يخرج بالشك) ش: فإن قلت: يحمل على الشرط هنا تصحيحاً للرد.
قلت: إنما يحمل على الشرط إذا صدر الرد ممن وجب أن صدر عنه التعليق، لأن إرادة الشرط تختص بمن كان التعليق منه لا بمن صدر الرد منه، فلهذا لا يحمل على الشرط تصحيحاً للرد.
فإذا قلت: في قوله: إذا شئت ومتى شئت ينبغي أن لا يبقى لها المشيئة بعد القيام عن المجلس أو إذا انقطع المجلس بقوله لا أشاء، لأن المفوض إليها مشيئة واحدة حتى لا يبقى لها المشيئة مرة أخرى بعد قوله شئت واحدة، كما في قوله إن شئت فأنت طالق، فقالت لا أشاء، قيل في جوابه: الثابت بها مشيئة واحدة في حق الحنث، لأن الحنث تعليق بإيجاد مشيئة واحدة، لأن البر تعلق بنفي مشيئة نكرة، فإن قوله: إن شئت - يقتضي مشيئة، فالبر بمعنى هذه المشيئة،
стр. 2739
وقد مر من قبل. ولو قال لها أنت طالق كلما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة بعد واحدة حتى تطلق نفسها ثلاثا؛ لأن كلمة "كلما" توجب تكرار الأفعال، إلا أن التعليق يصرف إلى الملك القائم، حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر فطلقت نفسها لم يقع شيء؛ لأنه ملك مستحدث. وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا بكلمة واحدة؛ لأنها توجب عموم الانفراد لا عموم الاجتماع. فإن كان كذلك فلا تملك الإيقاع جملة وجمعا.
ولو قال لها: أنت طالق حيث شئت ، أو أين شئت؛ لم تطلق حتى تشاء.
ــ
[البناية]
والنكرة في النفي تعم. وفي الإثبات تخص، وإذا كانت النكرة تعم في النفي فإنما يتم البر بنفي المشيئة، ولم يوجد فتبقى اليمين.
م: (وقد مر من قبل) ش: يعني في فصل إضافة الطلاق إلى الزمان في قوله: أنت طالق إذا لم أطلقك.
م: (ولو قال لها أنت طالق كلما شئت، فلها أن تطلق نفسها واحدة بعد واحدة، حتى تطلق نفسها ثلاثاً) ش: هذه من مسائل الجامع الصغير، وصورتها فيه: محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في رجل قال لامرأته أنت طالق كلما شئت، قال لها أن تطلق نفسها وإن قامت من مجلسها وأخذت في عمل آخر أو كلام آخر واحدة بعد واحدة، حتى تطلق نفسها ثلاثاً م: (لأن كلمة "كلما" توجب تكرار الأفعال) ش: والدليل عليه قَوْله تَعَالَى م: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] (النساء: الآية ٥٦) فلما كان كذلك لها مشيئة بعد مشيئة إلى أن تستوفي الثلاث.
م: (إلا أن التعليق) ش: أي غير أن التعليق، وهو قوله أنت طالق كلما شئت م: (يصرف إلى الملك القائم) ش: يعني في عصمته م: (حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر فطلقت نفسها لم يقع شيء؛ لأنه ملك مستحدث) ش: يعني متجدد بعد الملك القائم بالزواج الأول م: (وليس لها) ش: أي لهذه المرأة التي قال لها زوجها أنت طالق كلما شئت م: (أن تطلق نفسها ثلاثاً بكلمة واحدة لأنها) ش: أي لأن كلمة "كلما" م: (توجب عموم الانفراد) ش: أي فرداً لا جملة م: (لا عموم الاجتماع) ش: أي لا توجب عموم الاجتماع بأن تطلق نفسها ثلاثاً بكلمة واحدة بأن تقول طلقت نفسي ثلاثاً.
م: (فإن كان) ش: يعني كلمة "كلما" م: (كذلك فلا تملك) ش: أي المرأة م: (الإيقاع) ش: أي إيقاع الطلاق م: (جملة وجمعاً) ش: قيل: معناهما واحد، وقيل: أراد بالجملة أن تقول: طلقت نفسي ثلاثاً، وأراد بالجمع أن تقول: طلقت وطلقت، والأول أصح.
[قال لها أنت طالق حيث شئت]
م: (ولو قال لها أنت طالق حيث شئت، أو أين شئت لم تطلق حتى تشاء) ش: لأنه علق وقوع الطلاق في الحقيقة بالشرط، لأن حيث وأين من الظروف المكانية، ولا تعلق للطلاق بالمكان، لأن الواقع في مكان واقع في جميع الأمكنة، فيصير ذكر المكان لغواً، فبقي الطلاق معلقاً للشرط
стр. 2740
وإن قامت من مجلسها فلا مشيئة لها، لأن كلمة "حيث" و"أين" من أسماء المكان، والطلاق لا تعلق له بالمكان فيلغو ويبقى ذكر مطلق المشيئة، فيقتصر على المجلس بخلاف الزمان؛ لأن له تعلقا به، حتى يقع في زمان دون زمان، فوجب اعتباره خصوصا وعموما. وإن قال لها أنت طالق كيف شئت طلقت تطليقة تملك الرجعة، ومعناه قبل مشيئة المرأة،
ــ
[البناية]
تشبيهاً فلا يقع حتى تشاء، فكأنه قال: أنت طالق، إن شئت. م: (وإن قامت من مجلسها فلا مشيئة لها) ش: كما في قوله: أنت طالق إن شئت م: (لأن كلمة "حيث" و"أين" من أسماء المكان) ش: كلمة حيث للمكان اتفاقاً. وقال الأخفش: وقد ترد للزمان، ويلزم الإضافة إلى الجملة الاسمية كانت أو فعلية، وندرت إضافتها إلى المفرد، وإن اتصلت بما الكافة ضمنته معنى الشرط وكلمة أين سؤال عن المكان.
وإن قلت: أين زيد؟ فإنما تسأل عن مكانه (والطلاق لا تعلق له بالمكان فيلغو) ش: أي يلغو ذكر حيث وأين م: (ويبقى ذكر مطلق المشيئة) ش: فكأنه قال: أنت طالق إن شئت م: (فيقتصر على المجلس) ش: كما في قوله: أنت طالق إن شئت.
فإن قلت: إذا ألغى ذكر المكان فيبقى قوله: أنت طالق إن شئت، فينبغي أن يقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق دخلت الدار، فإنه يقع الطلاق الساعة فمن أين فيهما معنى الشرط؟
قلت: قالوا: إن حيث وأين يفيدان ضرباً من التأخير، وحروف الشرط أيضاً تفيدان ضرباً من التأخير، فيشتركان في معنى التأخير، فيجعلان مجازاً عن حرف الشرط.
فإن قلت: إذا جعلا مجازاً عن إذا، فلا يبطل بالقيام عن المجلس، فلم يجعلا مجازاً عن إذا؟
أجيب: بأن جعلهما مجازاً عن أن أولى، لتمحضها في معنى الشرط، فكانت أصلاً في الباب، والاعتبار بالأصل أولى من غيره.
م: (بخلاف الزمان؛ لأن له تعلقاً به) ش: أي لأن للطلاق تعلقاً بالزمان، لأن الزمان جزء داخل في ماهية الفعل، ليدل فعل الطلاق على الزمان م: (حتى يقع في زمان دون زمان) ش: يعني يقع في زمان مستقبل دون زمان ماض م: (فوجب اعتباره) ش: أي اعتبار الزمان م: (خصوصاً) ش: كما لو قال: أنت طالق وغداً م: (وعموماً) ش: لو قال: أنت طالق في أي وقت شئت، وانتصابهما على التمييز من اعتباره، وعامله الفعل، أعني وجب. م: (وإن قال لها: أنت طالق كيف شئت طلقت تطليقة تملك الرجعة) ش: قوله: تملك الرجعة، جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت صفة لقوله: تطليقة. وقوله م: (ومعناه) ش: أي معنى قول محمد، لأنه ذكر المسألة في " الجامع الصغير ". وقال: طلقت تطليقة تملك الرجعة فيها م: (قبل مشيئة المرأة) ش: أما
стр. 2741
فإن قالت: قد شئت واحدة بائنة أو قالت ثلاثا. وقال الزوج: ذلك نويت فهو كما قال؛ لأن عند ذلك تثبت المطابقة بين مشيئتها وإرادته. أما إذا أرادت ثلاثا والزوج أراد واحدة بائنة أو على القلب تقع واحدة رجعية، لأنه لغا تصرفها لعدم الموافقة، فبقي إيقاع الزوج،
وإن لم تحضره النية تعتبر مشيئتها - فيما قالوا - جريا على موجب التخيير. قال ﵀ قال في الأصل هذا قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما لا يقع ما لم توقع المرأة فتشاء رجعية أو بائنة أو ثلاثا.
ــ
[البناية]
إذا شاءت المرأة الواحدة البائنة أو الثلاث يقع ذلك إذا نواه الزوج وهو معنى قوله: م: (فإن قالت: قد شئت واحدة بائنة) ش: يعني عقيب قوله: أنت طالق كيف شئت م: (أو قالت) ش: أي أو قالت شئت م: (ثلاثاً) ش: طلقات م: (وقال الزوج ذلك نويت) ش: أي والحال قال الزوج: نويت ما قالته المرأة من البينونة بالواحدة وبالثلاث م: (فهو كما قال) ش: أي فالأمر كما قال الزوج م: (لأن عند ذلك) ش: أي لأن عند قول الزوج ذلك نويت م: (تثبت المطابقة بين مشيئتها وإرادته) ش: أي بين مشيئة المرأة وإرادة الزوج، فيكون الواقع على ما ذكر م: (أما إذا أرادت ثلاثاً) ش: أي ثلاث طلقات م: (والزوج أراد واحدة بائنة) ش: أي وأراد الزوج طلقة واحدة بائنة م: (أو على القلب) ش: بأن أرادت المرأة واحدة بائنة، وأراد الزوج ثلاثاً م: (يقع واحدة رجعية لأنه ألغى تصرفها لعدم الموافقة) ش: أي المطابقة بين قولها وقول الزوج م: (فبقي إيقاع الزوج) ش: يعني في قوله: أنت طالق كيف شئت، لأنه أصل الطلاق، فلا يعتد بوصفه.
[الزوج خيرها في وصف الطلاق بقوله كيف شئت]
م: (وإن لم تحضره النية) ش: يعني إذا لم ينو الزوج شيئاً م: (تعتبر مشيئتها) ش: فيقع ما شاءت سواء شاءت الواحدة البائنة أو الثلاث م: (فيما قالوا) ش: أي فيما قال المتأخرون م: (جريا على موجب التخيير) ش: لأن الزوج خيرها في وصف الطلاق بقوله: كيف شئت، فيجري على موجب تخييره، وإنما قال المصنف فيما قالوا: لأنه لم يرد فيه نص من المتقدمين.
قال الأترازي: والظاهر أنه يقع الرجعي إذا لم ينو الزوج شيئاً على إشارة الجامع الصغير، لأنه وقع الواحدة البائنة أو الثلاث بمشيئتها إذا نوى الزوج، فعلم أنه إذا لم ينو شيئاً لا يقع البائن والثلاث، فبقي إيقاع أصل الطلاق، وهو الرجعي.
م: (قال ﵀) ش: أي المصنف: م: (قال في الأصل) ش: أي قال محمد في المبسوط م: (هذا قول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ش: أي المذكور من الأحكام المذكورة قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إنما قال المصنف ذلك لأن محمداً ﵀ لم يذكر الخلاف في الجامع الصغير، وإنما ذكره في الأصل م: (وعندهما لا يقع ما لم توقع المرأة) ش: يعني: لا يقع شيء ما لم تشأ المرأة م: (فتشاء) ش: أي المرأة م: (رجعية) ش: أي تطليقة رجعية م: (أو بائنة) ش: أو تشاء بائنة م: (أو ثلاثاً) ش: أي أو تشاء ثلاث تطليقات، والحاصل أنها مخيرة بين هذه الأشياء.
стр. 2742
وعلى هذا الخلاف العتاق. لهما أنه فوض التطليق إليها على أي صفة شاءت، فلا بد من تعليق أصل الطلاق بمشيئتها لتكون لها المشيئة في جميع الأحوال، أعني قبل الدخول أو بعده. ولأبي حنيفة ﵀ أن كلمة "كيف" للاستيصاف، يقال كيف أصبحت، والتفويض في وصفه يستدعي وجود أصله، ووجود الطلاق بوقوعه،
ــ
[البناية]
فإن قيل: كيف يباح لها أن تطلق نفسها ثلاثا، والزوج لا يسعه أن يطلقها ثلاثا.
أجيب: بأنه يجوز أن يكون المراد بقوله: إن شاءت نفسها ثلاثا بمشيئة القدرة لا بمشيئة الإباحة، كما في قوله ﵎: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] على أنه روي عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن ذلك يباح لها في التخيير، وفي " الفوائد الظهيرية ": لو طلقت نفسها ثلاثا على قولهما أو ثنتين على قول أبي حنيفة لا يكره، لأنها مضطرة إلى ذلك، لأنها لو فرقت خرج الأمر من يدها، بخلاف ما لو أوقع الزوج ذلك.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (العتاق) ش: يعني إذا قال لعبده أنت حر كيف شئت يعتق عبده في الحال ولا مشيئة له، وعندهما: لا يعتق قبل المشيئة، وبه قال الشافعي.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أنه فوض التطليق إليها على أي صفة شاءت، فلا بد من تعليق أصل الطلاق بمشيئتها) ش: لأنه إذا لم يتعلق أصله لا يقع كيف شاءت، لأن الوصف لا يتحقق بدون الأصل م: (لتكون لها المشيئة في جميع الأحوال) ش: يعني سواء كان م: (أعني قبل الدخول أو بعده) ش: وقد فسره بقوله: أعني قبل الدخول وبعده، فلا يقع الطلاق بدون مشيئتها عندهما، كما في قوله: أنت طالق إن شئت أو كم شئت أو حيث شئت أو أين شئت.
م: (ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن كلمة كيف للاستيصاف) ش: أي للسؤال عن وصف الشيء م: (يقال: كيف أصبحت؟) ش: أي: صحيح أم بك تشويش، وهو اسم ويستعمل على وجهين: أحدهما: أن يكون شرعا نحو كيف تضع، والثاني: هو الغالب فيه أن يكون استفهاما حقيقة، نحو كيف زيدا، وغير حقيقي نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] (البقرة: الآية ٢٨) ، فإنه خرج مخرج التعجب، فإنه كان وضع كيف لسؤال الحال، لأن الذات كان لوصف الطلاق في البينونة والعدد متعلقا بالمشيئة دون أصله، ولكن في غير المدخول بها، لا مشيئة لها بعد وقوع أصل الطلاق، لحصول البينونة. وفي المدخول بها يقع ما شاءت إذا وافقت نية الزوج، وإذا خالفت يقع الطلاق الرجعي.
م: (والتفويض في وصفه) ش: أي وصف الطلاق م: (يستدعي وجود أصله) ش: أي أصل الطلاق، لأن الوصف قائم به م: (ووجود الطلاق بوقوعه) ش: أي بوقوع الطلاق.
стр. 2743
وإن قال لها أنت طالق كم شئت أو ما شئت ، طلقت نفسها ما شاءت، لأنهما يستعملان للعدد، فقد فوض إليها أي عدد شاءت، فإن قامت من المجلس بطل، وإن ردت الأمر كان ردا، لأن هذا أمر واحد، وهو خطاب في الحال، فيقتضي الجواب في الحال.
ــ
[البناية]
فإن قلت: لما كان تفويضاً في وصفه إلى مشيئتها، فيجب أن يكون في مستقبله في إثبات ما شاءت بلا نية الزوج، كما في سائر التفويضات.
أجيب: بأن أبا بكر الرازي ذكر أن لها المشيئة في إثبات وصف البينونة أو الثلاث بلا نية الزوج، وما ذكر في الكتاب قول الجصاص.
[قال لها أنت طالق كم شئت أو ما شئت]
م: (وإن قال لها أنت طالق كم شئت، أو ما شئت؛ طلقت نفسها ما شاءت؛ لأنهما) ش: أي لأن كم وما م: (يستعملان للعدد، وقد فوض إليها أي عدد شاءت) ش: أما كم فإنه كناية عن العدد لا على سبيل التعيين، ألا ترى إلى قولهم: كم درهماً عندك، وكم غلام ملكت في الاستفهامية والخبرية، فوقعت عامة لإبهامها، كان لها أن تطلق إن شاءت واحدة، وإن شاءت ثنتين، وإن شاءت ثلاثاً.
م: (فإن قامت من المجلس بطل) ش: أي لا يقع شيء، لأن هذا تمليك والتمليكات تقتصر على المجلس، فإذا وجد دليل إعراض من القيام عن المجلس، ومن الاشتغال بعمل آخر به، حيث يقع المجلس بطلت مشيئتها، ولم يقع بعد ذلك شيء بمشيئتها م: (وإن ردت الأمر كان رداً، لأن هذا أمر واحد) ش: هذا احتراز عن كلما وقوله م: (وهو خطاب في الحال) ش: احتراز عن إذا ومتى، يعني "إذا" تمليك في الحال؛ لأنه ليس في كلامه ذكر الوقت م: (فيقتضي الجواب في الحال) ش: لا يقال: إن كم تستعمل في العدد والواحد ليس بعدد، فينبغي أن يملك الواحد، لأنا نقول أن الواحد أصل العدد، وفي الفرق يستعمل في العدد، ألا ترى لو قيل: كم معك استفهام الجواب عن الواحد.
فإن قيل: كلمة ما تستعمل للعدد، وتستعمل للوقت، كقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (مريم: الآية ٣١) فوقع الشك في تفويض العدد، فلا يثبت العدد بالشك.
أجيب: بأن هذا معارض بمثله، فأما لو عملنا بمعنى الوقت لا يبطل بالقيام عن المجلس. ولو علمنا بمعنى العدد يبطل، فوقع الشك بكونه مما وراء المجلس فلا يثبت بالشك، ثم رجحنا جانب العدد بأصل آخر، وهو أن التفويض بمعنى التمليك، والتمليكات تقتصر على المجلس، وإنما يكون لو كانت معمولاً، وبمعنى العدد لا بمعنى الوقت. قال الأكمل: فيه نظر، لأن فيه معنى التعليق، فيتوقف على ما وراء المجلس، فيتعارض جهتا الترجيح. والجواب أنه تمليك فيه معنى التعليق، والأول كالأصل، فالترجيح به أولى.
стр. 2744
وإن قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت ، فلها أن تطلق نفسها واحدة أو ثنتين، ولا تطلق ثلاثا عند أبي حنيفة ﵁ وقالا: تطلق ثلاثا إن شاءت؛ لأن كلمة "ما" محكمة في التعميم، وكلمة من قد تستعمل للتمييز فيحمل على تمييز الجنس، كما إذا قال كل من طعامي ما شئت، أو طلق من نسائي من شئت. ولأبي حنيفة ﵀ أن كلمة (من) حقيقة للتبعيض، (ما) للتعميم، فيعمل بهما، وفيما استشهدا به ترك التبعيض لدلالة إظهار السماحة أو لعموم الصفة، وهي المشيئة، حتى لو قال من شئت كان على هذا الخلاف. والله تعالى أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
[قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت]
م: (وإن قال لها: طلقي نفسك من ثلاث ما شئت، فلها أن تطلق نفسها واحدة أو ثنتين، ولا تطلق ثلاثاً عند أبي حنيفة ﵁ وقالا: تطلق ثلاثاً إن شاءت؛ لأن كلمة "ما" محكمة للتعميم، وكلمة "من" قد تستعمل للتمييز) ش: أي للبيان، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (الحج: الآية ٣٠) ، وقد تكون لغيرهما، فإذا عرفت ذلك قد اجتمع في كلامه المحتمل والمحكم، فيحمل المحتمل على المحكم، كما هو الأصل، وقال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (فيحمل على تمييز الجنس) ش: أي يجعل بيان العموم لعموم الجنس، أي لتمييز الطلاق من سائر الأشياء في التفويض، أو هو صلة، كذا في المبسوط.
م: (كما إذا قال كل من طعامي ما شئت) ش: يعم الإذن م: (أو طلق من نسائي من شئت) ش: فله أن يطلق من شاء من نسائه م: (ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن كلمة من حقيقة للتبعيض) ش: فيه نظر، لأن من تأتي بخمسة عشر معنى الغالب عليها ابتداء الغاية، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه م: (و"ما" للتعميم) ش: أي كلمة ما للتعميم م: (فيعمل بهما) ش: لأن الأصل أن يعمل بحقيقة الكلام ما لم يدل دليل المجاز. وقال الأترازي: لا يقال ينبغي على هذا أن لا تطلق نفسها واحدة، لأن الواحدة ليس فيها معنى العموم أصلاً، وهي بعض حرف، لأنا نقول لما ملكت الثنتين بحكم الأمر ملكت الواحدة أيضاً، وهذا ما سنح به خاطري في هذا المقام. قلت: سبق لهذا غيره، لأن الأكمل سأل هذا، وأجاب بقوله بأنه يتناول الواحدة دلالة.
م: (وفيما استشهدا به) ش: هذا جواب عن قول أبي يوسف، ومحمد مستشهدين بقوله، كما إذا قال: كل من طعامي تقريره أن فيه قام الدليل على إرادة المجاز، وهو أنه م: (ترك التبعيض) ش: بدليل خارجي، وهو قوله م: (بدلالة إظهار السماحة) ش: لأن في العرف يراد بمثل هذا الكلام إظهار السماحة والكرم، وذلك بالعموم م: (أو لعموم الصفة، وهي المشيئة) ش: لأن النكرة إذا وصفت بصفة عامة تعم م: (حتى لو قال من شئت) ش: يعني لو قال: طلق من نسائي من شئت م: (كان على هذا الخلاف) ش: المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه، ثم عنده إن طلقت نفسها ثلاثاً لا يقع.
стр. 2745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فروع: لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً، إلا أن تشائي واحدة، فشاءت واحدة يقع واحدة عند أبي يوسف. وقال محمد: لا يقع شيء ولو قال: طلقها إن شاء الله وشئت، أو قال: أنت طالق إن شاء الله وفلان أو شئت ما شاء الله وفلان لا يقع بالمشيئة شيء. ولو قال: إن شئت وشاء فلان يقع بمشيئتها. ولو قال: إن شئت فأنت طالق، إن شئت أو متى شئت أو حين شئت، فلها مشيئتان مشيئة في الحال ومشيئة في عموم الأحوال.
ولو قال لامرأتيه: إن شئتما فأنتما طالقتان فشاءت إحداهما أو شاء بإطلاق إحداهما لا يقع لعدم وجود الشرط. ولو قال: طلقها ثلاثاً، فطلقها أحدهما واحدة، والآخر ثنتين وقع الثلاث. ولو قال لها إن شئت فأنت طالق ثم قال لأخرى طلاقك مع طلاق هذا يقع عليهما بمشيئة الأولى إن نوى الزوج وإلا لم يقع. ولو قالت أنت طالق واحدة إن شئت فقالت: شئت نصف واحدة لم تطلق عند أبي يوسف ﵀. ولو قالت طلقني وطلقني وطلقني، فقال الزج: طلقت فهي ثلاث، ولو قالت: طلقني طلقني طلقني بغير واو فطلق الزوج، فإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى ثلاثاً فثلاثاً.
وفي " الأشراف " لابن المنذر: اختلفوا في الرجل يملك أمر امرأتي رجلين يشترط اجتماعهما على الطلاق، قاله الحسن والأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد ﵏.
وقال زفر: ينفرد أحدهما به، فإن طلق إحداهما ثلاثاً والأخرى واحدة يقع واحدة عندنا، وبه قال أحمد وابن راهويه، واختاره عند مالك وأصبغ من المالكية. وقال مالك ﵀: لا يقع شيء. وقال الزهري: هي طالق والله أعلم بالصواب.
стр. 2746
باب الأيمان في الطلاق وإذا أضاف الطلاق إلى النكاح وقع عقيب النكاح، مثل أن يقول لامرأة إن تزوجتك فأنت طالق أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فعند الشافعي ﵀ لا يقع لقوله ﷺ : «لا طلاق قبل النكاح» .
ــ
[البناية]
[باب الأيمان في الطلاق] [أضاف الطلاق إلى النكاح]
م: (باب الأيمان في الطلاق) ش: أي هذا باب في بيان حكم الأيمان في الطلاق. ولما فرغ من ذكر الطلاق بالتخيير بالصريح والكناية، شرع في ذكره بسبيل التعليق قدم التخيير، لأنه هو الأصل والتعليق مركب من ذكر الطلاق، وحرف الشرط والمركب فرع المفرد، ثم اليمين يقع على الحلف بالله حقيقة، ويقع على التعليق مجازاً، لأن اليمين لغة القوة، قال الشاعر:
إن المقادير بالأوقات نازلة ... ولا يمين على دفع المقادير
أي لا قوة، واليمين في الطلاق عبارة عن تعليقه بأمر يدل على معنى الشرط، فهو في الحقيقة شرط وجزاء، سميا يميناً مجازاً، لما فيه من معنى التشبيه، وإضافة ما يحتمل التعليق في الشرط كالطلاق والعتاق والظهار إلى المالك جائزة، سواء كانت على الخصوص كما إذا قال لامرأته: إذا تزوجتك فأنت طالق أو على العموم، كقوله: كل امرأة تزوجتها فهي طالق.
فإن قلت سميت اليمين بالله يميناً لزيادة القوة، لأن الإنسان منقلب البال، فربما لا يثبت على ما يقصده، فيذكر اسم الله تعالى على وجه الحمد أو المنع فيتقوى بذلك على ما يريده، فما معنى اليمين في ذكر الشرط والجزاء.
قلت وفيه معنى الحمد أو المنع، فسمي لذلك فافهم.
م: (وإذا أضاف الطلاق إلى النكاح وقع عقيب النكاح، مثل أن يقول لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق) ش: وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو بكر بن عمرو بن حزم وأبو بكر بن عبد الرحمن وشريح والزهري وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي ومكحول وسالم بن عبد الله وعطاء وحماد بن أبي سليمان في آخرين، وهو قول مالك وربيعة والأوزاعي والقاسم وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى، لكن قالوا: هذا إذا لم يعين بل عين امرأة أو قال: كل امرأة أتزوجها من بني تميم أو بني أسد.
فإن عين قبيلة أو بلدة م: (فعند الشافعي ﵀ لا يقع) ش: وبه قال أحمد، ويروى ذلك عن علي وابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وهو قول الظاهرية، وفيه قول آخر، وهو أنه إذا نكح لم يؤمر به، قاله أبو عبيد، وفيه قول آخر، وهو أنه يصح تعليق العتق بالملك دون الطلاق، وهو رواية عن أحمد ﵀ م: (لقوله ﷺ : «لا طلاق قبل النكاح»
стр. 2747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ش: هذا الحديث رواه ابن ماجه في "سننه " عن هشام بن سعيد عن الزهري عن عروة عن المسور ابن مخرمة عن النبي ﷺ قال: «لا طلاق قبل نكاح ولا عتاق قبل ملك» وضعفه ابن عدي، وقال: رواه الزهري عن عروة مرة مرفوعاً، ومرة عن عروة مرسلاً.
وفي هذا الباب روي عن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، ومعاذ، وجابر، وابن عباس، وأبو ثعلبة، الخشني - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين -، فحديث علي عند ابن ماجه من رواية جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي عن النبي ﷺ : «لا طلاق قبل نكاح» . وجويبر هو ابن سعيد أبو القاسم الأزدي الخراساني البلخي ضعفه علي بن المديني ويحيى بن سعيد. وقال أحمد: لا يشتغل بحديثه. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال النسائي والدارقطني: متروك.
وحديث عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عند الدارقطني في "سننه " عن أبي خالد الواسطي عن أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر «عن النبي ﷺ أنه سئل عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق، قال: طلق ما لا يملك» . قال صاحب التنقيح: هذا حديث باطل، وأبو سعيد الواسطي هو عمرو بن خالد، وهو وضاع. وقال أحمد ويحيى: كذاب.
وحديث عبد الله بن عمر ﵁ عند أبي داود والترمذي وابن ماجه عن عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك» .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
стр. 2748
ولنا أن هذا تصرف يمين لوجود الشرط والجزاء، فلا يشترط لصحته قيام الملك في الحال؛
ــ
[البناية]
قلت: قال ابن العربي: أخبارهم ليس لها أصل في الصحة، فلا يشتغل بها، ولئن صح فهو محمول على التخيير، ولا يلزم من بطلان التخيير بطلان التعليق، ولم يقل ﷺ لا تعليق طلاقاً. فإن قالوا: هو مضمر، فنقول: الأصل عدم الإضمار. وقال صاحب " الاستذكار ": روي من وجوه إلا أنها عند أهل الحديث معلولة.
فإن قلت: قال البخاري: هذا الحديث أصح ما في الباب.
قلنا: تركه إياه وعدم تخريجه في " الصحيح " يرد ما ذكر عنه من هذا.
وحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عند الدارقطني من رواية الوليد بن سلمة الأزدي عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: «بعث النبي ﷺ أبا سفيان بن حرب، فكان فيما عهد إليه أن لا يطلق الرجل ما لم يتزوج ولا يعتق ما لم يملك» . قال الأزدي وابن حبان: الوليد بن سلمة: كان يضع الحديث على الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال: هو كذاب.
وحديث معاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عند الدارقطني من رواية عبد المجيد، وهي ابن داود عن ابن جرير عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن معاذ بن جبل أو رسول الله ﷺ قال: «لا طلاق قبل نكاح، ولا نذر فيما لا يملك» ، ورواه أيضاً من رواية يزيد بن عياض عن الزهري عن سعيد بن المسيب وطاوس عن معاذ بن جبل مرسلاً، وكذا سعيد بن المسيب، ورواه أيضاً ابن عدي في "الكامل " من رواية عمرو بن عمرو عن أبي فاطمة النخعي وعمرو بن عمرو يروي الموضوعات، وأبو فاطمة مجهول لا يعرف.
وحديث ابن عباس ﵄ عند الحاكم عن أيوب بن سليمان الجريري عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس مرفوعاً. وقال عبد الحق في "أحكامه ": إسناده ضعيف، وسليمان بن أبي سليمان شيخ ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء.
وحديث أبي ثعلبة الخشني عند الدارقطني من رواية بقية بن الوليد عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال لي ﷺ ... الحديث، وفيه: «لا طلاق إلا بعد نكاح» .
م: (ولنا أن هذا) ش: أي التعليق بالشرط م: (تصرف يمين) ش: من الحالف في ذمة نفسه م: (لوجود الشرط والجزاء فلا يشترط) ش: وهو التعليق م: (لصحته قيام الملك في الحال) ش: كاليمين
стр. 2749
لأن الوقوع عند الشرط، والملك متيقن به عنده، وقيل ذلك أثره المنع وهو قائم بالتصرف. والحديث محمول على نفي التنجيز، والحمل مأثور عن السلف كالشعبي والزهري وغيرهما.
وإذا أضافه إلى شرط وقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق، وهذا بالاتفاق؛
ــ
[البناية]
بالله تعالى، والنذر المعلق بالعتق م: (لأن الوقوع عند الشرط) ش: أي لأن وقوع الطلاق عند وجود الشرط لا يقع قبل وجوده، فحين وجود الشرط يحصل ملك الطلاق، لأن التزوج سبب لملك الطلاق وذمة الحال كافية لصحة اليمين لأهليته م: (والملك متيقن به عنده) ش: أي عند الشرط، ويصح مع احتمال الملك عند الشرط، فمع المتيقن بالملك أولى، وبيانه أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار، وإن احتمل عند وجود الشرط بأن تصير مطلقة فلأن يصح هنا هو التيقن أولى.
م: (وقيل ذلك أثره المنع) ش: أي قبل وجود الشرط أثر الشرط لم يمنع السبب من أن يتصل بالمحل م: (وهو قائم بالتصرف) ش: أي تصرف اليمين الحلف قائم بالمتصرف، ولا حاجة إلى اشتراط المحل، بل ذمة الحالف كافية م: (والحديث) ش: أي الحديث الذي احتج به الشافعي ﵀ ومن معه المذكور م: (محمول على نفي التنجيز) ش: أي لا طلاق قبل النكاح منجزاً، والمنجز هو الطلاق حقيقة لا المعلق. وتحقيقه أنهم سألوه ﷺ عن كون ذلك الطلاق، فقال: لا طلاق قبل النكاح وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في تعليق الطلاق بالنكاح جائز أو ليس بجائز، وليس في الحديث ما يدل على نفيه أم إثباته.
م: (والحمل) ش: أي حمل الحديث على التخيير م: (مأثور عن السلف) ش: أي مروي عنهم م: (كالشعبي) ش: هو عامر بن شراحيل من كبار التابعين نسبته إلى شعيب الأصغر بطن بالكوفة م: (والزهري) ش: هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب، ونسبته إلى م: (غيرهما) ش: أي غير الشعبي والزهري مثل سالم والقاسم وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والأسود وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول. فإن أبا بكر بن أبي شيبة ﵁ خرج عن هؤلاء في "مصنفه" في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق أو يوم أتزوجها فهي طالق، قالوا: هو كما قال. وفي لفظ: يجوز ذلك عليه.
[أضاف الرجل الطلاق إلى شرط]
م: (وإذا أضافه) ش: أي أضاف الرجل الطلاق م: (إلى شرط وقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق) ش: لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط م: (وهذا بالاتفاق) ش: احترز به عن المسألة المتقدمة أعني قوله: إن تزوجتك فأنت طالق، لأن فيها خلاف الشافعي ﵀ كما مر.
قال الأترازي: يجوز أن يكون احترازاً عن المسألة التي بعد هذه، أعني قوله لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم تزوجها فدخلت الدار لم تطلق، لأن فيها خلاف ابن أبي ليلى، فعنده
стр. 2750
لأن الملك قائم في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط فيصح يمينا أو إيقاعا.
ولا تصح إضافة الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكا، أو يضيفه إلى ملكه، لأن الجزاء لا بد أن يكون ظاهرا ليكون مخيفا،
ــ
[البناية]
تطلق.
م: (لأن الملك قائم في الحال) ش: هذا جواب عما يقال: سلمنا أن الطلاق يقع عقيب الشرط إذا كان الملك حينئذ قائماً، أما إذا زال فلا ينبغي أن يصح يمينه أصلاً لاحتمال زوال الملك، فأجاب بقوله: لأن الملك قائم في الحال لكونه تحققاً في الحال م: (والظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط) ش: لأن الأصل في كل ثابت استمراره، خصوصاً النكاح الذي هو عقد العمر، ومجرد احتمال الزوال لا يلتفت إليه، لأنه ليس بناشئ عن الدليل، فلما صح تعليقه بالنظر إلى بقاء الملك ظاهراً وقع كلامه المعلق يميناً على أصلنا، لأن التعليقات ليست بإثبات في الحال عندنا، وإنما تنقلب أسباباً عند الشرط، وعلى أصل الشافعي إيقاعاً لأن للتعليقات أسباباً عنده في الحال والملك في الحال موجود.
م: (فيصح) ش: أن تعليقه على الأصلين م: (يميناً) ش: أي من حيث أنه يمين عندنا م: (أو إيقاعاً) ش: أي أو صح من حيث الإيقاع عنده. وقال الكاكي: مستدلاً لأصحابنا في هذه المسألة، ولنا قوله ﷺ : «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون» وقد صح سنده، فلا يخرج ذلك من العموم بما لا يثبت، فإن أحاديثهم ضعيفة، وقد ضعفها ابن حنبل والقاضي أبو بكر بن العربي الأشبيلي، فقال أبو بكر: أحاديثهم ليس لها أصل في الصحة فلا يشتغل بها، ولهذا ما عمل بها مالك وربيعة والأوزاعي من أهل الحديث انتهى.
قلت: هذا الحديث ذكره المصنف في فصل بعد طلاق السنة، وهذا حديث غريب، وكيف يقول الكاكي وقد صح سنده، وأعاده المصنف أيضاً في باب الحجر بلفظ المعتوه عوض المجنون.
وأخرج الترمذي عن عطاء بن عجلان عن عكرمة بن خالد المخزومي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله» . وقال هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث.
[قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق]
م: (ولا تصح إضافة الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكاً) ش: يعني إلا إذا حلف في الملك م: (أو يضيفه) ش: أي أو يضيف الطلاق م: (إلى ملكه؛ لأن الجزاء لا بد أن يكون ظاهراً) ش: أي ظاهر الوجود أو غالب الوجود م: (ليكون) ش: أي الجزاء م: (مخيفاً) ش: أي بوقوع الجزاء فيما إذا كان
стр. 2751
فيتحقق معنى اليمين وهو القوة والظهور بأحد هذين، والإضافة إلى سبب الملك بمنزلة الإضافة إليه؛ لأنه ظاهر عند سببه. فإن قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها فدخلت الدار لم تطلق؛ لأن الحالف ليس بمالك، وما أضافه إلى الملك أو سببه ولا بد من واحد منهما
ــ
[البناية]
المقصود منه المنع بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فعلى تقدير الإقدام على دخول الدار يقع الطلاق، لأنه دار نفقتها وكفايتها، فكان وقوعه مطلقاً لها، فأما إذا كان للحمل بحرف الشرطية يدخل على المنهي، كما في قوله: إن لم تدخلي الدار فأنت طالق.
فإن قيل: لو قال لها إن حضت فأنت طالق يصح مع أنه لا يكون فيها فائدة اليمين، وهو المنع لما أنها غير قادرة على منع حيضها. قيل: الاعتبار للغالب لا للنادر، لأن الكلام في الكليات لا في الأفراد والتخلف في الأفراد لا يضرنا، قيل فيه نظر، لأن الكلي ينبغي أن يكون شاملاً للأفراد، فإذا لم يشملها لا يكون كلياً، انتهى.
قلت: السؤال والجواب للكاكي، والنظر للأترازي، ولكن فيه نظر لا يخفى على المتأمل.
م: (فيتحقق معنى اليمين) ش: بالنصب عطفاً على قوله ليكون م: (وهو القوة) ش: أي قوة خوف نزول الجزاء والخوف إنما يحصل بكون الجزاء غالب الوجود عند الشرط م: (الظهور) ش: أي ظهور الجزاء م: (بأحد هذين) ش: وهو كون الحالف مالكاً أو مضيفاً إلى الملك م: (والإضافة إلى سبب الملك) ش: أي إضافة الطالق إلى سبب الملك وهو التزوج م: (بمنزلة الإضافة إليه) ش: أي إلى الملك، وذلك فيما إذا قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق.
وهو بمنزلة إضافة الطلاق إلى الملك، لأن الجزاء جزء من الوجود عند وجود الشرط فيصير قوله: إن تزوجتك بمنزلة قوله: إن ملكتك بالتزويج م: (لأنه) ش: أي لأن الجزاء م: (ظاهر عند سببه) ش: أي عند سبب الملك.
م: (فإن قال لأجنبية) ش: هذا تفريع على ما مهد من الأصل، يعني إذا قال الرجل لامرأة أجنبية: م: (إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها فدخلت الدار لم تطلق؛ لأن الحالف ليس بمالك، وما أضافه إلى الملك أو سببه ولا بد من واحد منهما) ش: يعني الحالف في هذه المسألة لم يكن مالكاً ولا مضيفاً إلى الملك وسببه، ولا بد منهما.
وقال ابن أبي ليلى: يقع التزوج إذا دخلت بعد التزوج، قيل كان ينبغي أن يقع الطلاق في هذه الصورة، لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجوده.
أجيب: بأن المعلق إنما يكون كالمنجز إذا صح التعليق، ولم يصح في هذه الصورة، ولا يقدر في تصحيح كلامه إن تزوجتك ودخلت الدار فأنت طالق؛ لأن كلامه صحيح بدون تقدير التزوج، ولا يخفى ذلك.
стр. 2752
وألفاظ الشرط إن وإذا، وإذا ما، وكل، وكلما، ومتى، ومتى ما؛
ــ
[البناية]
[ألفاظ الشرط في تعليق الطلاق]
م: (وألفاظ الشرط) ش: إنما لم يقل حروف الشرط، لأن كلمة "إن" هو الحرف وحده، والباقي أسماه وكلمة م: (إن) ش: وهو الأصل في باب الشرط لدخوله على الفعل، وفيه حظر، بخلاف سائر الألفاظ، فإنها تدخل على الاسم وليس فيه حظر، فيرد لثلاثة معان أخرى:
الأول: معنى المعنى نحو ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] (الملك: الآية ٢٠) .
الثاني: أن تكون مخففة من الثقيلة نحو ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] (الأعراف: الآية ١٠٢) .
الثالث: أن تكون زائدة نحو إن طبا حين.
م: (وإذا) ش: اعلم أن إذا ترد على وجهين.
أحدهما: أن تكون للمفاجأة، فتختص بالجملة الاسمية، نحو خرجت فإذا زيد.
والأخرى: أن يكون ظرفاً للمستقبل متضمنة معنى الشرط، فيختص بالجملة الفعلية، ويكون الفعل بعدها ماضياً كثيراً أو مضارعاً دون ذلك.
م: (وإذا ما، ومتى) ش: متى ترد على أربعة أوجه استفهام نحو ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] (البقرة: الآية ٢١٤) ، واسم شرط كقوله متى أضع العمامة تعرفوني، واسم مرادف للوسط، يقال وضعت متى كمي أوسط كمي.
وحرف بمعنى من أدنى، وذلك في لغة هذيل، ويقولون أخرجها متى كمه، أي منه م: (ومتى ما) ش: دخلت ما في متى وكلاهما يلزمان م: (وكل) ش: لفظية "كل" اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (آل عمران: الآية ١٨٥) .
والمعرف المجموع نحو قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥] (مريم: الآية ٩٥) ، وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن م: (وكلما) ش: وقد ذكر المصنف ألفاظ الشرط هنا سبع كلمات.
وفي " جوامع الفقه " حروف الشرط: إن، وإذا، ومتى، ومتى ما، ولولا. وقال ابن نفيس في " شرح المفصل ": الأسماء التي يجازى بها إحدى عشر: من، وما ومهما، وأي، والظروف: أين، وإن، ومتى، ومتى ما، وحيثما، وإذا، وإذا ما. زاد عليها في " المحلل في شرح الجمل " أيا وكيفما عند الكوفيين، ولم يذكروا كلاً وكلما. وجميعاً يجزم مثل أن.
وفي الروضة للنووي ﵀ الألفاظ التي تعلق بها الطلاق بالشرط من وإذ وإذا ومتى ومتى ما وكيفما وأي، وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا كلما، وإنما لم يذكر المصنف كلمة
стр. 2753
لأن الشرط مشتق من العلامة
وهذه الألفاظ مما تليها أفعال،
ــ
[البناية]
لو مع أنه للشرط وضعاً، ذكر في شرح المفصل باعتبار أنه يعمل عمل الشرط معنى لا لفظاً، وغيرها يعمل لفظاً، وغيرها يعمل لفظاً ومعنى حتى يجزم في مواضع الجزم، وفي غير مواضع الجزم لزم دخول الفاء في جزائهن.
م: (لأن الشرط مشتق من العلامة) ش: هذا الكلام لا يستقيم، لأن معنى الاشتقاق هو أن ينتظم الصيغتان معنى واحداً من لفظ الشرط ومن لفظ العلامة، غير أن الشراح تكلفوا وقالوا الشرط بالتحريك العلامة، فتقدير كلامه الشرط مشتق من العلامة، أي من الشرط الذي هو بمعنى العلامة.
ثم اعلم أن الشرط مشتق من أشرط بفتح الراء الذي بمعنى العلامة، لا من شرط الحاكم وشرط اليمين فإنه بسكون الراء على شروط في الكثرة، وأشرط في القلة كفلوس وأفلس في جمع فلس.
وأما الشرط بالتحريك فيجمع على أشراط، ومنه ذكر أشراط الساعة، أي علامتها، والشرط هنا عبارة عن أمر منتظر على حظر الوجود يقصد نفيه وإثباته، كقولك إن زرتني أكرمتك، وإن لم تشمتني أجبتك، فمن هذا يعرف أن كلمة إن هي الأصل في باب الشرط لدخولها على الفعل، وفيه حظر بخلاف سائر الألفاظ، فإنها تدخل على الاسم، وليس فيها حظر وإنما لمجازاة باعتبار تضمنها معنى إن، فكان ينبغي على هذا أن لا تستعمل كل في مجازاة الدخول على الاسم خاصة، إلا أن الاسم الذي يتعقبه يوصف بفعل لا محالة، فيكون ذلك الفعل في معنى الشرط، كقولك: كل عبد اشتريته فهو حر، وكل امرأة تزوجتها فهي طالق، فألحق كل بحرف الشرط.
ثم اعلم أن الشروط شرعية وعقلية وعرفية ولغوية.
فالشريعة كالضوء للصلاة، والعقلية كالحياة مع العلم، يلزم من وجود العلم وجود الحياة دون العكس. والعرفية، ويقال لها الشروط العادية أيضاً، كالسلم مع صعود السطح يلزم من وجود صعود السطح وجود نصب السلم.
واللغوية مثل التعليقات كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنه يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، فيلزم من دخول الدار وقوع الطلاق.
م: (وهذه الألفاظ) ش: أي إن وإذا...... إلى آخرها م: (مما تليها أفعال) ش: يستثنى منها كلمة كل، لأنها ليست شرطاً حقيقة، لأن ما يليها اسم الشرط يتعلق به الجزاء، والأجزية تتعلق بالأفعال، إلا أنه ألحق بالشرط لتعلق الفعل بالاسم الذي يليها مثل: كل عبد اشتريته، وكل امرأة
стр. 2754
فتكون علامات على الحنث، ثم كلمة إن حرف للشرط؛ لأنه ليس فيها معنى الوقت، وما وراءها ملحق بها، وكلمة "كل" ليست شرطا حقيقة؛ لأن ما يليها اسم، والشرط ما يتعلق به الجزاء، والأجزية تتعلق بالأفعال، إلا أنه ألحق بالشرط لتعلق الفعل بالاسم الذي يليها، مثل قولك: كل عبد اشتريته فهو حر. قال: ففي هذه الألفاظ إذا وجد الشرط انحلت اليمين وانتهت؛ لأنها غير مقتضية للعموم، والتكرار لغة فبوجود الفعل مرة يتم الشرط، ولا بقاء لليمين بدونه، إلا في كلمة "كلما"، فإنها تقتضي عموم الأفعال، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] الآية (النساء: الآية ٥٦) ، ومن ضرورة التعميم التكرار.
ــ
[البناية]
أتزوجها، ولهذا لم يذكره النحاة في أدوات الشرط م: (فيكون علامات على الحنث) ش: أي فتكون الأفعال علامات على الحنث، أي على الجزاء.
م: (ثم كلمة "إن" حرف للشرط) ش: أي خالص الشرط م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (ليس فيها معنى الوقت) ش: لكونها أصلاً في باب الشرط بدخولها على الفعل وفيه حظر.
فإن قلت: قد جاء دخولها على الاسم أيضاً كقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] (التوبة: الآية ٦) ، وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] (النساء: الآية ١٧٦) ، فينبغي أن يكون أصلاً.
قلت: الفعل فيه مضمر يفسره الظاهر تقديره إن استجارك أحد، إن هلك امرؤ، وإنما حذف لئلا يلزم الجمع بين المفسر والمفسر.
م: (وما وراءها) ش: أي ما وراء كلمة إن م: (ملحق بها) ش: أي بأن باعتبار تضمنها معنى إن م: (وكلمة "كل" ليست شرطاً حقيقة؛ لأن ما يليها) ش: أي لأن الذي يليها م: (اسم) ش: ولا يليها فعل م: (والشرط ما يتعلق به الجزاء، والأجزية تتعلق بالأفعال، إلا أنه ألحق بالشرط لتعلق الفعل) ش: أي لملازمة الفعل م: (بالاسم الذي يليها، مثل قولك كل عبد اشتريته فهو حر) ش: وكذا إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (ففي هذه الألفاظ إذا وجد الشرط انحلت اليمين وانتهت؛ لأنها) ش: أي لأن هذه الألفاظ، أي إن وما ذكر معها م: (غير مقتضية للعموم والتكرار لغة، فبوجود الفعل مرة يتم الشرط ولا بقاء لليمين بدنه) ش: أي بدون الشرط، وذلك لأن اليمين تعليق جزاء معدوم، والشرط إذا انتهى بوجوده مرة، لعدم دلالة اللفظ على التكرار، لا يبقى اليمين لا محالة م: (إلا في كلمة "كلما"، فإنها تقتضي عموم الأفعال) ش: وفي بعض النسخ: تعميم الأفعال م: (قال الله تعالى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] ... الآية (النساء: الآية ٥٦) ، م: (ومن ضرورة التعميم التكرار) ش: بخلاف سائر ألفاظ الشرط، فإنها تدل على جنس الفعل لا التكرار، وجنس الفعل يتحقق في المرة الواحدة، فإذا وجد الفعل مرة انحلت اليمين، ولا يقع الجزاء إذا وجد الفعل ثانياً لارتفاع اليمين.
стр. 2755
قال فإن تزوجها بعد ذلك- أي بعد زوج آخر- وتكرر الشرط لم يقع شيء، لأن باستيفاء الطلقات الثلاث المملوكات في هذا النكاح لم يبق الجزاء، وبقاء اليمين به وبالشرط، وفيه خلاف زفر ﵀ وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى. ولو دخلت على نفس التزوج، بأن قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق، يحنث بكل مرة، وإن كان بعد زوج آخر؛ لأن انعقادها باعتبار ما يملك عليها من الطلاق بالتزوج، وذلك غير محصور. قال: وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها؛
ــ
[البناية]
[تزوجها بعد زوج آخروتكررالشرط]
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (فإن تزوجها بعد ذلك- أي بعد زوج آخر- وتكرر الشرط) ش: أي الدخول م: (لم يقع شيء؛ لأن باستيفاء الطلقات الثلاث المملوكات في هذا النكاح لم يبق الجزاء، وبقاء اليمين به وبالشرط) ش: أي بالجزاء وبالشرط؛ لأن اليمين ذكر شرط وجزاء.
وفي " المنتقى " عن أبي يوسف لو قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق فتزوجها مرة طلقت، ولو تزوجها ثانياً لا تطلق ولا يحنث، وفي هذا مرتين، كما في قوله: المرأة التي أتزوجها طالق.
فالحاصل أن عند أبي يوسف أن كلما إذا دخلت على المعينة فوجب التكرار، وفي غير المعينة لا تقتضي، واستدل على ذلك بما لو قال كلما اشتريت هذا الثوب فهو صدقة في كذا، وسكنت هذه الدار فعلي صدقة، كذا يلزمه لكل مرة.
ولو قال كلما اشتريت ثوباً أو ركبت دابة فعلي صدقة، كذا لا يلزمه إلا مرة، ذكره في " الذخيرة ".
م: (وفيه خلاف زفر) ش: أي فيما إذا تزوجها بعد زوج آخر وتكرار الشرط خلاف زفر فعنده يقع الطلاق، وهو بناء على التخيير في مطلق التعليق عندنا، خلافاً له، وبه قال مالك والشافعي في "الجديد" وأحمد م: (وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى) ش: أي سنقرر خلاف زفر بعد، في قوله وإن قال لها إن دخلت الدار لم يقع شيء.
م: (ولو دخلت) ش: أي لفظة كلما م: (على نفس التزوج، بأن قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق يحنث بكل مرة) ش: لوجود الشرط أبدا م (وإن كان بعد زوج آخر) ش: وهذا واصل بما قبله م: (لأن انعقادها) ش: أي انعقاد اليمين م: (باعتبار ما يملك عليها من الطلاق بالتزوج) ش: أي بسبب التزوج م: (وذلك غير محصور) ش: ٍأي التزوج غير محصور، فلا يكون الطلاق محصوراً أيضاً، لأن وجود السبب متكرر يقتضي وجود المسبب متكرراً، بخلاف كلمة كل لأنه يوجب تعميم الأسماء بالأفعال.
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (وزوال الملك بعد اليمين) ش: أي زوال ملك الرجل عن عصمة امرأته بأن طلقها بائنة بعد اليمين م: (لا يبطلها) ش: أي لا يبطل اليمين
стр. 2756
لأنه لم يوجد الشرط، فبقي والجزاء باق لبقاء محله، فبقي اليمين. ثم إن وجد الشرط في ملكه انحلت اليمين ووقع الطلاق؛ لأنه وجد الشرط، والمحل قابل للجزاء، فينزل الجزاء ولا تبقى اليمين لما قلنا. وإن وجد في غير الملك انحلت اليمين لوجود الشرط، ولم يقع شيء لانعدام المحلية.
وإن اختلفا في الشرط فالقول قول الزوج، إلا أن تقيم المرأة البينة؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو عدم وجود الشرط، ولأنه ينكر وقوع الطلاق وزوال الملك والمرأة تدعيه. وإن كان الشرط لا يعلم إلا من جهتها فالقول قولها في حق نفسها، مثل أن يقول إن حضت فأنت طالق وفلانة، فقالت: قد حضت طلقت هي ولم تطلق فلانة، ووقوع الطلاق استحسان،
ــ
[البناية]
صورته: قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم أبانها تبقى اليمين م: (لأنه لم يوجد الشرط، فبقي) ش: أي اليمين م: (والجزاء باق لبقاء محله) ش: لأن الثلاث لم توجد م: (فبقي اليمين) ش: كما كان في ذمة الحالف.
م: (ثم إن وجد الشرط) ش: وهو دخول الدار م: (في ملكه) ش: يعني بعد أن تزوجها ثانياً. م: (انحلت اليمين) ش: لأن اللفظ لا يدل على التكرار، فبوجود الشرط مرة انتهت اليمين، بخلاف كلمة كلما م: (ووقع الطلاق؛ لأنه وجد الشرط، والمحل قابل للجزاء) ش: المحل هي المرأة والملك فيها موجود والجزاء ووقوع الطلاق م: (فينزل الجزاء ولا يبقى اليمين) ش: لأنها انتهت لعدم دلالة اللفظ على التكرار م: (لما قلنا) ش: إشارة إلى قوله فبوجود الفعل مرة يتم الشرط م: (وإن وجد) ش: أي الشرط، وهو دخول الدار م: (في غير الملك) ش: يعني بعد زوال الملك قبل التزوج ثانياً م: (انحلت اليمين لوجود الشرط ولم يقع شيء) ش: من الطلاق م: (لانعدام المحلية) ش: أي محل الطلاق لعدم الملك.
[اختلف الزوج والزوجة في وجود الشرط في الطلاق]
م: (وإن اختلفا في وجود الشرط) ش: بأن قال الزوج لم يوجد الشرط ولم يقع الطلاق، وقالت الزوجة: قد وجد الشرط ووقع الطلاق، م: (فالقول قول الزوج) ش: لأن الأصل عدم الشرط والقول لمن يتمسك بالأصل م: (إلا أن تقيم المرأة البينة) ش: على وجود الشرط حينئذ يكون القول قولها م: (لأنه) ش: أي لأن الزوج م: (متمسك بالأصل وهو عدم وجود الشرط) ش: لدلالة الظاهر على ملك كالمدعى عليه إذا أنكر المال.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الزوج م: (ينكر وقوع الطلاق وزوال الملك والمرأة تدعيه) ش: أي تدعي وقوع الطلاق، فالقول قول الزوج إلا إذا أقامت المرأة البينة م: (وإن كان الشرط لا يعلم إلا من جهتها، فالقول قولها في حق نفسها) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه، ثم أوضح الذي لا يعلم إلا من جهتها بقوله م: (مثل أن يقول) ش: أي الزوج م: (إن حضت فأنت طالق وفلانة) ش: يعني ضرتها م: (فقالت: قد حضت طلقت هي ولم تطلق فلانة، ووقوع الطلاق استحسان،
стр. 2757
والقياس أن لا يقع؛ لأنه شرط فلا تصدق، كما في الدخول وجه الاستحسان أنها أمينة في حق نفسها، إذ لم يعلم ذلك إلا من جهتها، فيقبل قولها كما يقبل في حق العدة والغشيان، لكنها شاهدة في حق ضرتها، بل هي متهمة فلا يقبل قولها في حقها،
ــ
[البناية]
والقياس أن لا يقع ش: أي الطلاق م: (لأنه) ش: أي لأن الحيض م: (شرط فلا تصدق) ش: أي المرأة م: (كما في الدخول) ش: أي في دخول الدار، فكان ينبغي أن يكون القول قول الزوج، ولا يقع الطلاق لأنه ينكر وقوعه متمسكاً بالأصل.
م: (وجه الاستحسان أنها أمينة في حق نفسها) ش: لأن النساء أمينات بإظهار ما في أرحامهن مأمورات بذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (البقرة: الآية ٢٢٨) ، م: (إذا لم يعلم ذلك إلا من جهتها) ش: لأنه لم يعلم الحيض إلا منها م: (فيقبل قولها) ش: في حقها م: (كما يقبل في حق العدة) ش: أي في انقضائها م: (والغشيان) ش: أي وكما قيل قولها في الغشيان، وإذا قالت أنا حائض حيث يجب الزوج عن غشيانها، وهو كناية عن الوطء.
م: (لكنها) ش: أي لكن المرأة م: (شاهدة في حق ضرتها) ش: بوقوع الطلاق عليها م: (بل هي متهم) ش: لأنها ليست بأمينة في حق ضرتها م: (فلا يقبل قولها في حقها) ش: لأن شهادة المتهم مرودة، وهذا إذا كذبها الزوج.
أما إذا صدقها يقع الطلاق على ضرتها أيضاً، قيل فيه بحث، وهو أن المرأة لا تخلو من الحيض وعدمه، والحال شمول طلاقها، وشمول عدمه لأنها إن كانت حائضة فقد وجد الشرط، ويقع طلاقها وإن لم تحض لم يوجد الشرط فلا يقع طلاق واحدة منهما. فأما أن يوجد الحيض في حقها دون ضرتها فإنه يستلزم كون الشيء موجوداً معدوماً في حالة واحدة وهو محال.
وأجيب: بأن الشرع أثبت بقولها حضت في هذه الصورة وصفين متعاقدين الأمانة والشهادة، ورتب على ذلك حكمين بحسب اقتضائهما.
وليس ذلك ببدع في الشرع، فإنه رتب على النكاح، وهو أمر واحد الحل للزوج والحرمة لغيره، وفيه نظر لأن الحل والحرمة لا يقتضي أحدهما الوجود والآخر العدم بخلاف ما نحن فيه.
والجواب أن اقتضاء الوجود والعدم إنما هو بالنسبة إلى الحيض بعينه، وليس الكلام فيه لأنه أمر خفي لا يطلع عليه، وإنما الكلام في الأمر الدال عليه، وهو قولها: حضت وليس فيه اختلاف في مقتضى وجوده وعدمه، انتهى.
قلت: هذا ذكره الأكمل ناقلاً عن كلام السغناقي، وهذا تطويل كان يكتفى عنه بشيء مختصر، بأن يقال الحيض أمر خفي لا يطلع عليه إلا الله تعالى، والمرأة هنا متهمة، والشرع رتب عليه الحكم بحسب ما يقتضيه ظاهر الحال.
стр. 2758
وكذا لو قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله في نار جهنم فأنت طالق وعبدي حر، فقالت أحبه، أو قال إن كنت تحبيني فأنت طالق وهذه معك، فقالت أحبك. طلقت هي ولم يعتق العبد ولا تطلق صاحبتها، لما بينا ولا يتيقن بكذبها، لأنها لشدة بغضها إياه قد تحب التخليص منه بالعذاب، وفي حقها أن تعلق الحكم بإخبارها وإن كانت كاذبة ففي حق غيرها بقي الحكم على الأصل وهو المحبة.
ــ
[البناية]
[قال لها إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم]
م: (وكذا) ش: أي وكذا الحكم في أن القول قول المرأة في حقها دون حق غيرها م: (لو قال) ش: الزوج لامرأته: م: (إن كنت تحبين أن يعذبك الله في نار جهنم فأنت طالق وعبدي حر فقالت: أحبه) ش: فالقول قولها في حق نفسها فتطلق ولا يقبل في حق غيرها، فلا يعتق العبد.
م: (أو قال) ش: أي أو قال زوج لامرأته: م: (إن كنت تحبيني) ش: يجوز بنون العماد وبتركه أيضاً لأنه ليس بلازم في المضارع الذي في آخره نون الإعراب م: (فأنت طالق وهذه معك) ش: وأشار بهذه إلى ضرتها وعبدي حر م: (فقالت: أحبك، طلقت هي) ش: أي المرأة المخاطبة ولم يعتق العبد ولم تطلق صاحبتها) وهي ضرتها، أطلق عليها صاحبتها باعتبار الظاهر.
وفي الحقيقة هي عدوتها م: (لما بينا) ش: إشارة إلى قوله أمينة في حق نفسها، شاهدة في حق ضرتها.
م: (ولا يتيقن بكذبها لأنها لشدة بغضها إياه) ش: أي زوجها، والبغض ضد الحب واستعمل بمعنى الإبغاض، حيث ذكر له مفعولاً، وهو قوله: إياه، أي لشدة إبغاض المرأة زوجها.
م: (قد تحب التخليص منه) ش: أي من الزوج م: (بالعذاب) ش: أي بعذاب نار جهنم، لأن الجاهل قد يختار عذاب الآخرة على صحبته من بغضه فلم يتيقن بكذبها م: (وفي حقها) ش: أي وفي حق المرأة المخاطبة م: (أن تعلق الحكم بٍإخبارها) ش: أن بفتح الهمزة يجوز أن تكون زائدة كما في قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ﴾ [يوسف: ٩٦] (يوسف: الآية٩٦) .
ويقال: لما أن جاء أكرمته، ويجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون مخففة من الثقيلة على أن ضمير الشأن فيها مستتر.
م: (وإن كانت كاذبة) ش: كلمة إن هذه بالكسر واصلة بما قبله م: (ففي حق غيرها بقي الحكم على الأصل، وهو) ش: أي الأصل م: (المحبة) .
ش: وبقولنا قال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه، وعنه إن كذبها لا يقع. ولو قال لها: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق، فقالت أحبك بقلبي، أو قالت أحبك، وكذبها الزوج طلقت عندهما.
وقال محمد: إن كانت كاذبة فيما بينها وبين الله تعالى لا تطلق.
стр. 2759
وإذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لم يقع الطلاق حتى يستمر بها ثلاثة أيام، لأن ما ينقطع دونها لا يكون حيضا. فإذا تمت ثلاثة أيام حكمنا بالطلاق من حين حاضت؛ لأنه بالامتداد عرف أنه من الرحم فكان حيضا من الابتداء.
ولو قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من حيضها؛ لأن الحيضة - بالهاء - هي الكاملة منها، ولهذا حمل عليه في حديث الاستبراء
ــ
[البناية]
م: (وإذا قال لها إذا حضت فأنت طالق، فرأت الدم لم يقع الطلاق حتى يستمر بها ثلاثة أيام، لأن ما ينقطع دونها لا يكون حيضاً) ش: لأن ما دون ثلاثة أيام لا يكون حيضاً م: (فإذا تمت ثلاثة أيام حكمنا بالطلاق من حين حاضت لأنه) ش: أي لأن الذي رأته عن الدم م: (بالامتداد عرف أنه من الرحم فيكون حيضاً من الابتداء) ش: أي من أول الأمر، وفائدته تظهر في غير الموطوءة، فإنها لما رأت دماً وتزوجت بزوج آخر فاستمر بها الدم ثلاثة أيام، كان النكاح صحيحاً، ويظهر فيما إذا قال إن حضت فعبدي حر. والمسألة بحالها كان العبد حراً من حين رأت الدم، ويظهر في حق الجناية من العبد، وقيل يجب على المفتي أن يجيب بقوله كانت مطلقة من أول ثلاثة أيام إذا سئل بعد الاستمرار، ولا يقول يقع الطلاق لوهم فهم الحال والاستقبال.
وعند الشافعي ﵀ لو انقضى يوم وليلة يقع الطلاق وفيه وجه مشهور أنه يقع من أول الرواية، وبه قال أحمد ﵀.
وقال ابن المنذر: لا يعلم أحد قال غير ذلك إلا مالكاً وابن القاسم حيث قال فتنجيزه قبل الحيض، ولو كانت حائضاً لم يقع حتى تطهر ثم تحيض، وكذا لو قال للطاهرة: أنت طالق إذا طهرت لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر، وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله- ذكره في " المغني ".
[قال لها إن حضت حيضة فأنت طالق]
م: (ولو قال لها إن حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من حيضها، لأن الحيضة بالهاء هي الكاملة منها) ش: أي من الحيضة، لأن الفعلة بالفتح للمرة، والمرة من الحيض لا يكون إلا بكماله وكماله بانتهائه وانتهاؤه بالطهر م: (ولهذا) ش: أي ولأجل أن الحيضة بالهاء هي الشيء الكامل أو الدم الكامل من الحيضة م: (حمل عليه) ش: أي على الكامل م: (في حديث الاستبراء) ش: أي قوله ﷺ «لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن، ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة» .
رواه أبو داود في "سننه " عن شريك عن قيس بن وهب عن أبي الدرداء عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا
стр. 2760
وكمالها بانتهائها، وذلك بالطهر،
وإذا قال لها: أنت طالق إذا صمت يوما طلقت حين تغيب الشمس في اليوم الذي تصوم فيه؛ لأن اليوم إذا قرن بفعل ممتد يراد به بياض النهار، بخلاف ما إذا قال لها إذا صمت لأنه لم يقدره بمعيار، وقد وجد الصوم بركنه. ومن قال لامرأته إذا ولدت غلاما فأنت طالق واحدة، وإذا ولدت جارية فأنت طالق ثنتين،
ــ
[البناية]
غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» . ورواه الحاكم في " المستدرك "، وقال صحيح على شرط مسلم، وأعله ابن القطان في كناية شريك، وقال: إنه مدلس وهو ممن ساء حفظه بالقضاء. وروى أبو داود أيضاً من حديث رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة» .
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه " من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله ﷺ أن توطأ الحامل حتى تضع، أو الحامل حتى تستبرأ بحيض» انتهى.
والأوطاس واد في بلاد هوازن وهو موضع حرب حنين.
م: (وكمالها) ش: أي وكمال الحيضة م: (بانتهائها وذلك) ش: أي الانتهاء م: (بالطهر) ش: لأن الشيء ينتهي بضده، ثم الطهارة عن الحيض تثبت بالانقطاع عن العشرة بمضي العشرة، وفيما دونها تثبت بالاغتسال أو بمضي وقت صلاة، فما لم يثبت، أحدهما، لم يثبت الانقطاع، كذا في " مبسوط شيخ الإسلام "، ولهذا قالوا لو كان الطلاق في الأولى بدعياً. وكان في الثانية: سبباً لوقوعه في الطهر بعد الحيض، ذكره التمرتاشي.
[قال لها أنت طالق إذا صمت يوما]
م: (وإذا قال لها: أنت طالق إذا صمت يوماً، طلقت حين تغيب الشمس في اليوم الذي تصوم فيه، لأن اليوم إذا قرن بفعل ممتد يراد به بياض النهار) ش: والصوم فعل ممتد م: (بخلاف ما إذا قال: لها صمت) ش: يعني من غير زيادة عليه فإنها إذا شرعت في الصوم يقع الطلاق بمجرد الشروع م: (لأنه لم يقدره بمعيار) ش: أي لأن الزوج لم يقدر الصوم باليوم، والمراد من المعيار الوقت المثبت لقدر الفعل، حيث يطول بطوله ويقصر بقصره.
ووقت الصوم للصوم معيار لا ظرف بخلاف الصلاة، فإن وقتها ظرف لا معيار كما ذكر في الأصول م: (وقد وجد الصوم بركنه) ش: وهو الإمساك عن المفطرات الثلاث نهاراً وركنه، وهو النية والطهارة من الحيض والنفاس.
م: (ومن قال لامرأته إذا ولدت غلاماً فأنت طالق واحدة وإذا ولدت جارية فأنت طالق ثنتين،
стр. 2761
فولدت غلاما وجارية ولا يدري أيهما أول لزمه في القضاء تطليقة، وفي التنزه تطليقتان وانقضت العدة؛ لأنها لو ولدت الغلام أولا وقعت واحدة وتنقضي عدتها بوضع الجارية ثم لا تقع أخرى به؛ لأنه حال انقضاء العدة ولو ولدت الجارية أولا وقعت تطليقتان، وانقضت عدتها بوضع الغلام، ثم لا يقع شيء آخر به؛ لما ذكرنا أنه حال الانقضاء، فإذا في حال تقع واحدة، وفي حال تقع ثنتان، فلا تقع الثانية بالشك والاحتمال. والأولى أن يأخذ بالثنتين تنزها واحتياطا، والعدة منقضية بيقين لما بينا.
وإن قال لها: إن كلمت أبا عمرو وأبا يوسف فأنت طالق ثلاثا، ثم طلقها واحدة فبانت وانقضت عدتها، فكلمت أبا عمرو ثم تزوجها، فكلمت أبا يوسف؛ فهي طالق ثلاثا مع الواحدة أولى.
ــ
[البناية]
فولدت غلاماً وجارية، ولا يدري أيهما أول) ش: أي ولم يعلم أي الولدين ولد أولا.
الغلام: اسم لذكر لم يبلغ، فإذا بلغ صار شاباً، والجارية اسم لأنثى لم تبلغ، وقد سمى الجارية غلاماً م: (لزمه في القضاء تطليقة، وفي التنزه) ش: التباعد عن السوء والتورع عن مظان الحرمة؛ لأن ترك وطء امرأة بحل وطأها خير من أن يطأ امرأة محرمة عليه حتى لو كانت عنده بتطليقتين لا تتزوج إلا بعد زوج آخر احتياطاً، كذا في " المبسوط ".
م: (تطليقتان) ش: أي لزمه تطليقتان م: (وانقضت العدة) ش: بالولد الأخير م: (لأنها لو ولدت الغلام أولاً وقعت واحدة وتنقضي عدتها بوضع الجارية، ثم لا تقع أخرى به؛ لأنه حال انقضاء العدة) ش: والطلاق لا يقع مع انقضاء العدة، لأنه حال الزوال والمزيل لا يعمل حال الزوالٍ.
م: (ولو ولدت الجارية أولاً وقعت تطليقتان وانقضت عدتها بوضع الغلام، ثم لا يقع شيء آخر به)
ش: أي بوضع الغلام م: (لما ذكرنا أنه حال الانقضاء) ش: أي انقضاء العدة م: (فإذا في حال تقع واحدة، وفي حال تقع ثنتان فلا تقع الثانية بالشك والاحتمال، والأولى أن يأخذ) ش: على صيغة المعلوم، أي أن يأخذ الزوج، أو أن يأخذ القاضي أو يأخذ المفتي.
م: (بالثنتين تنزهاً) ش: أي تورعاً م: (واحتياطاً) ش: واقتضاء فيها على التعليل.
فقال الأترازي: ويجوز أن يقال بناء الغائب على صيغة المجهول بإسناد الفعل إلى الجار والمجرور م: (والعدة منقضية بيقين لما بينا) ش: أي لأنها لو ولدت الغلام؛ أولا تنقضي عدتها بوضع الجارية، ولو وضعت الجارية أولا تنقضي عدتها بوضع الغلام؛ لأنها الحامل عدتها بوضع الحمل بالنص.
[الملك شرط لوقوع الطلاق]
م: (وإذا قال إن كلمت أبا عمرو وأبا يوسف فأنت طالق ثلاثاً، ثم طلقها واحدة فبانت وانقضت عدتها، فكلمت أبا عمرو ثم تزوجها، فكلمت أبا يوسف؛ فهي طالق ثلاثاً مع الواحدة الأولى) ش: أي الطلقة الأولى التي تنجزها بعد التطليق.
стр. 2762
وقال زفر ﵀ لا يقع. وهذه على وجوه، أما إن وجد الشرطان في الملك فيقع الطلاق وهذا ظاهر، أو وجدا في غير الملك فلا يقع في الملك والثاني في غير الملك، فلا يقع أيضا؛ لأن الجزاء لا ينزل على غير الملك فلا يقع، أو وجد الأول في غير الملك، والثاني في الملك، وهي مسألة الكتاب الخلافية، له اعتبار الأول بالثاني إذ هما في حكم الطلاق كشيء واحد.
ولنا أن صحة الكلام بأهلية المتكلم إلا أن الملك يشترط حالة التعليق ليصير الجزاء غالب الوجود لاستصحاب الحال
ــ
[البناية]
م: (وقال زفر: لا يقع، وهذه) ش: أي هذه المسألة م: (على وجوه)
ش: الأولى: هي قوله م: (أما إن وجد الشرطان في الملك فيقع الطلاق، وهذا ظاهر) ش: أي وقوع الطلاق ظاهر لوجود الشرط في الملك، وهذا لا خلاف فيه.
والثانية: هي قوله م: (أو وجدا) ش: أي الشرطان م: (في غير الملك فلا يقع) ش: أي الشرط الأول م: (في الملك والثاني) ش: أي وجد الشرط الثاني م: (في غير الملك فلا يقع) ش: أي الطلاق م: (أيضاً؛ لأن الجزاء) ش: وهو الطلاق م: (لا ينزل على غير الملك فلا يقع) ش: لأنه غير محل، وفيها خلاف ابن أبي ليلى، ذكره في " المبسوط ".
والرابعة: وهي قوله م: (أو وجد الأول) ش: أي الشرط الأول م: (في غير الملك والثاني) ش: أي وجد الشرط الثاني م: (في الملك، وهي مسألة الكتاب الخلافية) ش: بيننا وبين زفر م: (له) ش: أي لزفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (اعتبار الأول بالثاني) ش: أي اعتبار الوصف الأول بالوصف الثاني، كذا فسره الأترازي، ثم قال: بيانه أن الوصف الثاني لو وجد في غير الملك لا ينزل الجزاء، فكذا إذا وجد الأول في غير الملك ينبغي أن لا ينزل الجزاء، لأن كلام أحدهما بعد الشرط كلام الآخر، وفي أحدهما يشترط الملك، فكذا في الآخر.
وقال تاج الشريعة: قوله اعتبار الأول بالثاني، يعني أن الملك شرط لوقوع الطلاق عند وجود الشرط الثاني، فكذلك عند وجود الشرط الأول م: (إذ هما) ش: أي الشرطان م: (في حكم الطلاق كشيء واحد) ش: من حيث إنه لا يقع إلا بهما.
م: (ولنا أن صحة الكلام بأهلية المتكلم) ش: أي صحة هذا الكلام الذي هو اليمين بأهلية المتكلم، وهو كونه عاقلاً بالغاً، وهي قائمة به فيكون صحة الكلام قائمة به، ومحله الذمة، فإذا كان كذلك كان ينبغي أن لا يشترط الملك وقت التعليق، فأجاب عن ذلك بقوله م: (إلا أن الملك يشترط حالة التعليق ليصير الجزاء غالب الوجود لاستصحاب الحال) ش: لأن استصحاب الحال عبارة عن إبقاء ما كان على ما كان لعدم الدليل المزيل، فإذا كان الملك باقياً عند وجود الشرط بالنظر إلى الاستصحاب ينزل الجزاء عنده غالباً، لأن الأصل في كل ثابت دوامه.
стр. 2763
فيصح اليمين، وعند تمام الشرط لينزل الجزاء؛ لأنه لا ينزل إلا في الملك، وفيما بين ذلك الحال حال بقاء اليمين فيستغني عن قيام الملك إذ بقاؤه بمحله وهو الذمة،
وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا فطلقها ثنتين وتزوجها رجل آخر فدخل بها، ثم عادت إلى الأول، فدخلت الدار. طلقت ثلاثا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀ هي طالق ما بقي من الطلاق وهو قول زفر ﵀ وأصله أن الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث عندهما، فتعود إليه بالثلاث. وعند محمد وزفر - رحمهما الله- لا يهدم ما دون الثلاث فتعود إليه بما بقي من الطلاق، وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى. وإن قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق ثلاثا فتزوجت غيره ودخل بها ثم رجعت إلى الأول فدخلت
ــ
[البناية]
وإن كان يحتمل الملك الزوال حينئذ، فإذا كان كذلك م: (فيصح اليمين) ش: لأن الجزاء الذي هو غالب الوجود يتحقق حينئذ فيحصل اليمين وهو القوة.
م: (وعند تمام الشرط) ش: أي شرط بقاء الملك أيضاً عند تمام الشرط م: (لينزل الجزاء لأنه لا ينزل إلا في الملك) ش: ولا ينزل في غير الملك م: (وفيما بين ذلك الحال) ش: أي بين حالة التعليق، وتمام الشرط م: (حال بقاء اليمين فيستغني عن قيام الملك إذ بقاؤه) ش: أي بقاء اليمين م: (بمحله وهو الذمة) ش: أي ذمة الحالف، وإنما ذكر الضمير الراجع إلى اليمين، وإن كانت مؤنثة على تأويله التعليق، لأن تعليق الطلاق والعتاق بين عند الفقهاء.
[قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا]
م: (وإن قال لها) ش: أي وإن قال رجل لامرأته م: (إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً فطلقها ثنتين وتزوجها رجل آخر ودخل بها ثم عادت إلى الأول) ش: أي الزوج الأول م: (فدخلت الدار طلقت ثلاثاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-) ش: قال ابن المنذر هذا قول ابن عمر وابن عباس ﵃، وبه قال عطاء وشريح والنخعي. وفي " المبسوط ": وهو وقول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
م: (وقال محمد هي طالق ما بقي من الطلاق، وهو قول زفر) ش: وهو قول جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - والتابعين، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم- ﵏ م: (وأصله) ش: أي أصل هذا الخلاف م: (أن الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (فتعود إليه بالثلاث) ش: أي فتعود المرأة إلى الزوج الأول بثلاث تطليقات م: (وعند محمد وزفر لا يهدم ما دون الثلاث، فتعود إلى ما بقي من الطلاق وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى) ش: أي في آخر فصل مما تحل به المطلقة.
م: (وإن قال لها) ش: أي وإن قال رجل لامرأته م: (إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، ثم قال له أنت طالق ثلاثاً فتزوجت غيره ودخل بها ثم رجعت إلى الأول) ش: أي إلى الزوج الأول م: (فدخلت
стр. 2764
الدار لم يقع شيء. وقال زفر والشافعي يقع الثلاث؛ لأن الجزاء ثلاث مطلق لإطلاق اللفظ، وقد بقي احتمال وقوعها، فيبقى اليمين. ولنا أن الجزاء طلقات هذا الملك؛ لأنها هي المانعة؛ إذ الظاهر عدم ما يحدث واليمين تنعقد للمنع أو للحمل، وإذا كان الجزاء ما ذكرناه وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية، فلا تبقى اليمين،
ــ
[البناية]
الدار لم يقع شيء) ش: عند علمائنا الثلاثة.
وبه قال الشافعي ﵀ في "الجديد" على لمنصوص، ومالك وأحمد.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ذلك.
م: (وقال زفر والشافعي) ش: في قوله م: (يقع الثلاث؛ لأن الجزاء ثلاث مطلق) ش: لأنه الثلاث المملوكات، فيتناول ثلاث طلقات مطلقاً، سواء كانت مملوكة في الحال أو مستحدثة في المآل م: (وذلك لإطلاق اللفظ) ش: واللفظ المطلق لا يتناول المقيد، لأنه ضده حكماً م: (وقد بقي احتمال وقوعها) ش: أي احتمال طلقات ثلاث مطلق م: (فتبقى اليمين)
ش: فإذا وجد المحل يقع الجزاء، والدليل على أنه لم يصرف إلى الطلقات الثلاث المملوكات مسألة الهدم، فلو انصرف إلى الملك قائم يوقع بما بقي، وكما لو قال كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثاً فتزوجها بعد زوج آخر يبقى اليمين.
وبدليل: ولو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه ودخل الدار يعتق، فلو تقيد الجزاء بهذا الملك لما عتق، ولهذا لو قال إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثاً ثم عادت إليه بعد زوج آخر يكون مظاهراً عنها، وكيف يبطل التطليق التخيير، لأن ما صادفه التخيير طلاق، وما صافه التعليق ما يصير طلاقاً.
م: (ولنا أن الجزاء طلقات هذا الملك) ش: بدلالة الحال م: (لأنها) ش: أي لأن طلقات هذا الملك. م: (هي المانعة إذا الظاهر عدم ما يحدث) ش: وكل ما كان مانعاً من وجود الشرط وحاملاً عليه فهو الجزاء م: (واليمين تنعقد للمنع أو للحمل) ش: وهنا عقدت للمنع، فيكون الجزاء هذا الملك.
م: (وإذا كان الجزاء ما ذكرناه) ش: وهو قوله إن طلقات هذا الملك إلى آخره م: (وقد فات) ش: أي والحال أن الجزاء قد فات م: (بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية) ش: يعني لا يبقى محلاً للطلاق.
م: (فلا تبقى اليمين) ش: لأن بفوات محل الجزاء يبطل اليمين لفوات محل الشرط بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، ثم جعلت الدار بستاناً لا يبقى اليمين، فهذا مثله.
فإن قلت: انعقاد اليمين لو انحصر في المنع والحمل لم يصح أن يقال إن حضت فأنت طالق، لأنه لا يتصور فيه منع ولا حمل لكون الحيض عارضاً سماوياً.
стр. 2765
بخلاف ما إذا أبانها لأن الجزاء باق لبقاء محله.
ولو قال لامرأته إذا جامعتك فأنت طالق ثلاثا فجامعها ، فلما التقى الختانان طلقت ثلاثا، وإن لبث ساعة لم يجب عليه المهر، وإن أخرجه ثم أولجه وجب عليه المهر. وكذا إذا قال لأمته: إذا جامعتك فأنت حرة. وعن أبي يوسف ﵀ أنه أوجب المهر في الفصل الأول أيضا لوجود الجماع بالدوام عليه، إلا أنه لا يجب عليه الحد للاتحاد.
ــ
[البناية]
قلت: أجيب: بأن الاعتبار للغالب الشائع دون النادر، وفيه نظر، لأن السؤال لم ينحصر في صورة الحيض حتى يكون نادراً، وإنما هو في الوجه كالمحبة والكراهة والجزع وغيره.
والصواب: أن يقال إن الشرط في مثل ذلك هو إخبارها عن ذلك المحل، والمنع فيه متصور.
م: (بخلاف ما إذا أبانها) ش: يتعلق بقوله - وقد فات بتخيير الثلاث - أي فات الجزاء بتخيير الثلاث المبطل للمحلية، بخلاف ما إذا أبانها بطلقة أو بطلقتين م: (لأن الجزاء باق لبقاء محله) ش: أي محل الجزاء، ولهذا إذا عادت إليه بعد زوج آخر عادت بطلقات ثلاث عند أبي حنيفة ﵀ وعند أبي يوسف ﵀ وهي مسألة الهدم، لأن في صورة الإبانة طلقة أو طلقتين يزول الحل لا الملك. والدليل على بقاء الملك أن الزوج الأول تزوجها بلا تحليل زوج آخر.
والجواب عن مسألة الهدم أن اليمين بقيت ببقاء الجزاء، لأن اليمين لا ينقسم على الجزاء كما لا ينقسم على الشرط، ولما بقيت اليمين بالملكية صار كأنه قائل عند الدخول أنت طالق ثلاثاً، وهو يملك الثلاث فيقع. وعن مسألة العبد أن تعليق عتقه إنما لا يبطل اليمين بعد البيع، لأن محلية العتق لم تبطل بالبيع، وقد كان محلاً للعتق بصفة الرق، والرق باق بعد البيع، حتى إذا أعتقه لا يبقى اليمين لفوات المحل، وعن مسألة الظهار أن محل الظهار لم يفت بتنجيز الطلقات الثلاث، لأن حرمة الظهار غير الطلاق، لأن الأولى متناهية بالتكفير، والثانية بالزوج الآخر، وإنما لا يصير مظاهراً بعد التطليقات الثلاث، لأن الظهار تشبيه المحللة بالمحرمة ولا يتحقق ذلك إلا بالتزوج.
[قال لامرأته إذا جامعتك فأنت طالق ثلاثا فجامعها]
م (ولو قال لامرأته: إذا جامعتك فأنت طالق ثلاثاً فجامعها، فلما التقى الختانان طلقت ثلاثاً، وإن لبث ساعة لم يجب عليه المهر) ش: أي العقر، وهو مهر المثل م: (وإن أخرجه ثم أولجه) ش: من الإيلاج وهو الإدخال م: (وجب عليه المهر، وكذا) ش: أي وكذا لا يجب المهر باللبث والمكث م: (إذا قال لأمته: إذا جامعتك فأنت حرة. وعن أبي يوسف أنه أوجب المهر في الفصل الأول أيضاً) ش: وهو ما إذا لبث ساعة بعد الإدخال م: (لوجود الجماع بالدوام عليه) ش: أي على اللبث، ومعناه أنه جعل الدوام على اللبث بعد الدخول بمنزلة الدخول الابتدائي م: (إلا أنه لا يجب عليه الحد للاتحاد) ش: أي لاتحاد الإيلاج الحال مع اللبث الحرام من حيث المقصود، وهو قضاء الشهوة، فكان الجماع واحداً من وجه، وأوله غير موجب للحد، فسقط الحد ووجب العقر، لأنه الوطء المحرم
стр. 2766
وجه الظاهر أن الجماع إدخال الفرج في الفرج ولا دوام للإدخال، بخلاف ما إذا أخرج ثم أولج؛ لأنه وجد الإدخال بعد الطلاق، إلا أن الحد لا يجب بشبهة الاتحاد بالنظر إلى المجلس والمقصود، وإذا لم يجب الحد وجب العقر، إذ الوطء المحرم لا يخلو عن أحدهما. ولو كان الطلاق رجعيا يصير مراجعا باللباث عند أبي يوسف ﵀ خلافا لمحمد ﵀ لوجود المساس، ولو نزع ثم أولج صار مراجعا بالإجماع لوجود الجماع، والله تعالى أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
لا يخلو عن عقر أو حد، وعلى هذا الخلاف إذا قال لأمته إن جامعتك فأنت حرة.
م: (وجه الظاهر) ش: أي ظاهر الرواية م: (أن الجماع إدخال الفرج في الفرج) ش: ولم يوجد ذلك بعد الطلقات والعتق م: (ولا دوام للإدخال) ش: حتى يكون لدوامه حكماً لابتداء، كمن حلف أن لا يدخل هذه الدار هو فيها لا يحنث باللبث ساعة، وكذا لو حلف لا يدخل فرسه الاصطبل وهو فيها فأمسكها فيه لا يحنث م: (بخلاف ما إذا أخرج ثم أولج، لأنه وجد الإدخال بعد الطلاق، إلا أن الحد لا يجب بشبهة الاتحاد) ش: أي بين الإخراج والإبلاج م: (بالنظر إلى المجلس) ش: أي بالنظر م: (والمقصود) ش: هو قضاء الشهوة.
م: (وإذا لم يجب الحد وجب العقر) ش: أي مهر المثل. وفي ديوان الأدب: العقر مهر المرأة إذا وطئت على شبهة، والمراد منه المثل، وبه فسر العتابي العقر في " شرح الجامع الصغير " م: (إذ الوطء المحرم) ش: أي لأن الوطء المحرم م: (لا يخلو عن أحدهما) ش: أي عن أحد العقر والحد.
م: (ولو كان الطلاق رجعياً يصير مراجعاً باللباث) ش: أي باللبث والمكث م: (عند أبي يوسف ﵀ خلافاً لمحمد) ش: فإنه لا يصير مراجعاً عنده، لأنه نظير الدخول والدوام على المدخول ليس بدخول م: (لوجود المساس) ش: وهو دليل أبي يوسف، وأي المقصود المساس بشهوة م: (ولو نزع ثم أولج صار مراجعا بالإجماع لوجود الجماع) ش: النزع: الإخراج والإيلاج: الإدخال، قال الله تعالى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [لقمان: ٢٩] (لقمان: الآية٢٩) .
فروع: لو قال أنت طالق إن دخلت الدار، كان شرطاً مثل "إن" عند أحمد ﵀ وروي ذلك عن أبي يوسف، وقيل لا يتعلق لأنها للمضي، كأنه قال أمس. وفي " جوامع الفقه " لا يقع. وقال بعض أصحاب الشافعي ﵏ يقع في الحال، ولا يتعلق. وكذا لو قال أنت طالق لولا دخولك الدار لا يقع. وفي " المغني " قال: أنت طالق أو دخلت الدار يقع وأو للمضي، ويحتمل أن لا يقع كقوله أمس، وعندنا يقع فيهما. وفي " جوامع الفقه " قال: ادخلي الدار وأنت طالق تطلق، لأن جواب الأمر كالشرط بالفاء.
وفي " المبسوط " والذخيرة " قال: أدي إلى الفاء وأنت طالق لا يقع حتى تؤدي، لأنه جواب الأمر. وفي " المبسوط " لأن الواو للحال. ولو قال: أدي الفاء فأنت طالق يقع في الحال،
стр. 2767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
لأن الفاء للتعليل. ولو قال إن وطئتك فيمينه على الجماع.
وقال ابن قدامة: وعن محمد بن الحسن: يمينه على الوطء بالقدم. ولو قال أردت به الجماع لم يقبل، وقد غلط ابن قدامة في النقل عن محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فإن محمداً ذكر في " الجامع ": ولو قال لها إن وطئتك فهو على الجماع في فرجها بذكره، ولو نوى الدوس بالقدم لا يصدق في الصرف عن الجماع ويحنث بالدوس بالقدم أيضاً لاعترافه به على نفسه.
ولو قال: إن وطئت من غير ذكر امرأة فهو على الدوس بالقدم وهو اللغة والعرف، وذلك باتفاق أصحابنا، ولو قال رجل لامرأة غيره إذا دخلت الدار فأنت طالق فبلغ الزوج فأجازه صح، حتى لو دخلت بعد الإجازة تطلق وبعدها لا.
стр. 2768
فصل في الاستثناء وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلا لم يقع الطلاق
ــ
[البناية]
[فصل في الاستثناء] [قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلا]
م: (فصل في الاستثناء) ش: أي هذا فصل في بيان حكم الاستثناء وهو التكلم بالباقي بعد الاستثناء وهو الاستفعال من المثنى وهو العرف، يقال ثنيته أي عطفته، وألحق الاستثناء بالتعليق، لأنها في بيان التفسير، ولأن الشرط يمنع كل الكلام، والاستثناء بعضه، والجزء مقدم على الكل.
م (وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلاً لم يقع الطلاق) ش: قيل: كان ينبغي أن يذكر هذه المسألة في الفصل المتقدم، لأنها ليست باستثناء، بل هي تعليق.
وأجيب: بأن التعليق - بمشيئة الله تعالى - شبهاً قوياً بالاستثناء بمنع حكم صدر الكلام عما كان قبل الاستثناء بحيث لا يتوقف وجوده على وجود الشرط، فكذا حكم صدر الكلام يمتنع أصلا في التعليق بمشيئة الله تعالى، ولا يتوقف على وجود الشرط، فلهذه المناسبة ذكر التعليق بالمشيئة في فصل الاستثناء.
قوله: متصلا نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قولاً متصلاً، والمراد من الاتصال أن لا يقطع قوله إن شاء الله تعالى قبل قوله أنت طالق بكلام آخر أو سكوت.
وأما الفصل لانقطاع النفس فلا عبرة به لعدم إمكان التحرز عنه. ولو أتى بحروف الاستثناء بحيث لا يسمع يقع الاستثناء صحيحاً، وهو اختيار الكرخي، لأن السماع ليس بشرط صحة الكلام، ولهذا يصح استثناء الأصم، وإن لم يسمع هو أيضاً، وعلى شرط الاتصال جمهور العلماء، وهو قول الأئمة الأربعة، ومنهم من جوز الاستثناء ما لم يقم من المجلس، وبه قال الحسن البصري، وطاوس وعن ابن عباس ﵁ جوازه إلى مدة سنة، وعنه جوازه أبداً.
وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وقال قتادة: بعد سنتين. وقال أحمد: له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر. ولو جرى على لسانه إن شاء الله من غير قصد لا يقع طلاقه، لأن الاستثناء وجد حقيقة، وهو صريح في بابه، والصريح لا يفتقر إلى النية كقوله أنت طالق ومطلقة وطلقتك، وفيه خلاف الشافعية.
قوله: لم يقع الطلاق به قال طاوس وإبراهيم النخعي والحكم والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وهو قول عطاء ومجاهد والزهري والشعبي وحماد وعبد الرزاق وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعثمان البتي، وبه قالت الظاهرية وأبو سليمان.
وقال مالك ومكحول وقتادة وغيره قال أصحابنا: لا شيء عليه، وبه قال الشعبي وابن أبي
стр. 2769
لقوله ﷺ «من حلف بطلاق أو عتاق وقال إن شاء الله تعالى متصلا به فلا حنث عليه» .
ــ
[البناية]
ليلى وإسحاق وأبو عبيد.
وقال مالك: لا استثناء في الطلاق والعتاق والصدقة ويعتبر اليمين والنذر. وعند أحمد لا يرفع الطلاق خاصة ويرفع العتاق والأيمان، ثم اختلفوا في عمله أي في عمل الاستثناء فقال أبو يوسف إبطال، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال محمد: تعليق. وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵏.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا قدم المشيئة فقال: إن شاء الله تعالى أنت طالق، فعند أبي يوسف ﵀ أنه لإبطال الكلام، سواء قدم أو أخر بحرف الفاء أو بغيره. وعن محمد ﵀ يقع، لأنه للتعليق، فإذا قدم الشرط ولم يذكر حرف الجزاء لم يتعلق نفي الطلاق بلا شرط، كذا في " الجامع الكبير " لقاضي خان. وذكر في " الفتاوى الصغرى " الفتوى على قول أبي يوسف، وذكر في " الإيضاح " الاختلاف على العكس.
ثم اختلف أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في الطلاق المقرون بالاستثناء في موضع يقع الاستثناء هل يكون يمينا؟ قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: يكون يمينا، حتى لو قال لها: إن حلفت بطلاقك فعبدي حر، ثم قال لها: أنت طالق - إن شاء الله - يحنث في يمينه عند أبي يوسف. وقال محمد ﵀: لا يكون يميناً ولا يحنث ولا يقع الطلاق، وكذا العتاق لو قال لعبده: إن حلفت بعتقك فأنت حر، ثم قال: أنت حر إن شاء الله تعالى.
م: (لقوله ﷺ (من حلف بطلاق أو عتاق وقال: إن شاء الله تعالى متصلا فلا حنث عليه) ش: أي لقول النبي ﷺ ، وهذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وروى أصحاب السنن الأربعة من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه» بلفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن.
стр. 2770
ولأنه أتى بصورة الشرط، فيكون تعليقا من هذا الوجه، ولأنه إعدام قبل الشرط، والشرط لا يعلم هاهنا، فيكون إعداما من الأصل، ولهذا يشترط أن يكون متصلا به،
ــ
[البناية]
وقد روي عن نافع عن ابن عمر ﵄ موقوفاً. وروي عن سالم عن ابن عمر موقوفاً، ولا نعلم أحداً رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيوب أحياناً يرفعه، وأحياناً لا يرفعه، ولفظ أبي داود فيه: فقد استثنى.
وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن سليمان ﷺ قال: لأطوفن الليلة به". وفيه لو قال: إن شاء الله تعالى لكان كما قال» . وروى ابن عدي في " الكامل" عن إسحاق بن أبي يحيى الكعبي عن عبد العزيز بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: من قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله، أو لغلامه أنت حر أو علي المشي إلى بيت الله إن شاء الله فلا شيء عليه، وهو معلول بإسحاق الكعبي.
فإن قلت: ليس في الحديث الذي رواه أصحاب "السنن" متصلاً به، وقد روي أن النبي ﷺ قال: «لأغزون قريشاً " ثم قال بعد سنة: "إن شاء الله تعالى» .
قلت أجيب: بمنع صحة هذا وبعد التسليم بصحته نقول: إن الاستثناء كان من قوله لأغزون قريشاً الذي سبق قبل سنة، لأنه يحتمل أن الاستثناء كان منه، لكن لا نسلم أن قصد النبي ﷺ كان من قوله: "لأغزون" الاستثناء فلم يجز أن يكون قصده الاستدراك المأمور به الثابت من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٤] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (الكهف: الآيتان ٢٣، ٢٤) .
م: (ولأنه) ش: أي ولأن المستثني بكسر النون م: (أتى بصورة الشرط) ش: أي بحرف صريح دون حقيقة الشرط، لأن حقيقة الشرط عبارة عما يكون على خطر وتردد ومشيئة الله تعالى ليست كذلك لثبوتها قطعا أو انتفائها كذلك، وما هو كذلك م: (فيكون تعليقاً من هذا الوجه) ش: يعني من حيث الصورة م: (ولأنه) ش: أي قوله: إن شاء الله تعالى م: (إعدام) ش: للعلية م: (قبل) ش: وجود م: (الشرط، والشرط) ش: وهو مشيئة الله تعالى م: (لا يعلم هاهنا) ش: أي في صورة التعليق بمشيئة الله تعالى لأنا لا نطلع عليها م: (فيكون إعداماً) ش: أي للجزاء م: (من الأصل) ش: أي من ابتداء العدم العلم بالمشيئة، فصار كأنه لم يقل أنت طالق أصلاً، فكان إبطالاً للكلام.
م: (ولهذا) ش: أي ولأن في الاستثناء معنى الشرط م: (يشترط أن يكون متصلاً به) ش: وعليه
следующие страницы →