← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وجه الظاهر أن الجماع إدخال الفرج في الفرج ولا دوام للإدخال، بخلاف ما إذا أخرج ثم أولج؛ لأنه وجد الإدخال بعد الطلاق، إلا أن الحد لا يجب بشبهة الاتحاد بالنظر إلى المجلس والمقصود، وإذا لم يجب الحد وجب العقر، إذ الوطء المحرم لا يخلو عن أحدهما. ولو كان الطلاق رجعيا يصير مراجعا باللباث عند أبي يوسف ﵀ خلافا لمحمد ﵀ لوجود المساس، ولو نزع ثم أولج صار مراجعا بالإجماع لوجود الجماع، والله تعالى أعلم بالصواب. ــ [البناية] لا يخلو عن عقر أو حد، وعلى هذا الخلاف إذا قال لأمته إن جامعتك فأنت حرة. م: (وجه الظاهر) ش: أي ظاهر الرواية م: (أن الجماع إدخال الفرج في الفرج) ش: ولم يوجد ذلك بعد الطلقات والعتق م: (ولا دوام للإدخال) ش: حتى يكون لدوامه حكماً لابتداء، كمن حلف أن لا يدخل هذه الدار هو فيها لا يحنث باللبث ساعة، وكذا لو حلف لا يدخل فرسه الاصطبل وهو فيها فأمسكها فيه لا يحنث م: (بخلاف ما إذا أخرج ثم أولج، لأنه وجد الإدخال بعد الطلاق، إلا أن الحد لا يجب بشبهة الاتحاد) ش: أي بين الإخراج والإبلاج م: (بالنظر إلى المجلس) ش: أي بالنظر م: (والمقصود) ش: هو قضاء الشهوة. م: (وإذا لم يجب الحد وجب العقر) ش: أي مهر المثل. وفي ديوان الأدب: العقر مهر المرأة إذا وطئت على شبهة، والمراد منه المثل، وبه فسر العتابي العقر في " شرح الجامع الصغير " م: (إذ الوطء المحرم) ش: أي لأن الوطء المحرم م: (لا يخلو عن أحدهما) ش: أي عن أحد العقر والحد. م: (ولو كان الطلاق رجعياً يصير مراجعاً باللباث) ش: أي باللبث والمكث م: (عند أبي يوسف ﵀ خلافاً لمحمد) ش: فإنه لا يصير مراجعاً عنده، لأنه نظير الدخول والدوام على المدخول ليس بدخول م: (لوجود المساس) ش: وهو دليل أبي يوسف، وأي المقصود المساس بشهوة م: (ولو نزع ثم أولج صار مراجعا بالإجماع لوجود الجماع) ش: النزع: الإخراج والإيلاج: الإدخال، قال الله تعالى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [لقمان: ٢٩] (لقمان: الآية٢٩) . فروع: لو قال أنت طالق إن دخلت الدار، كان شرطاً مثل "إن" عند أحمد ﵀ وروي ذلك عن أبي يوسف، وقيل لا يتعلق لأنها للمضي، كأنه قال أمس. وفي " جوامع الفقه " لا يقع. وقال بعض أصحاب الشافعي ﵏ يقع في الحال، ولا يتعلق. وكذا لو قال أنت طالق لولا دخولك الدار لا يقع. وفي " المغني " قال: أنت طالق أو دخلت الدار يقع وأو للمضي، ويحتمل أن لا يقع كقوله أمس، وعندنا يقع فيهما. وفي " جوامع الفقه " قال: ادخلي الدار وأنت طالق تطلق، لأن جواب الأمر كالشرط بالفاء. وفي " المبسوط " والذخيرة " قال: أدي إلى الفاء وأنت طالق لا يقع حتى تؤدي، لأنه جواب الأمر. وفي " المبسوط " لأن الواو للحال. ولو قال: أدي الفاء فأنت طالق يقع في الحال،

стр. 2767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] لأن الفاء للتعليل. ولو قال إن وطئتك فيمينه على الجماع. وقال ابن قدامة: وعن محمد بن الحسن: يمينه على الوطء بالقدم. ولو قال أردت به الجماع لم يقبل، وقد غلط ابن قدامة في النقل عن محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فإن محمداً ذكر في " الجامع ": ولو قال لها إن وطئتك فهو على الجماع في فرجها بذكره، ولو نوى الدوس بالقدم لا يصدق في الصرف عن الجماع ويحنث بالدوس بالقدم أيضاً لاعترافه به على نفسه. ولو قال: إن وطئت من غير ذكر امرأة فهو على الدوس بالقدم وهو اللغة والعرف، وذلك باتفاق أصحابنا، ولو قال رجل لامرأة غيره إذا دخلت الدار فأنت طالق فبلغ الزوج فأجازه صح، حتى لو دخلت بعد الإجازة تطلق وبعدها لا.

стр. 2768

فصل في الاستثناء وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلا لم يقع الطلاق ــ [البناية] [فصل في الاستثناء] [قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلا] م: (فصل في الاستثناء) ش: أي هذا فصل في بيان حكم الاستثناء وهو التكلم بالباقي بعد الاستثناء وهو الاستفعال من المثنى وهو العرف، يقال ثنيته أي عطفته، وألحق الاستثناء بالتعليق، لأنها في بيان التفسير، ولأن الشرط يمنع كل الكلام، والاستثناء بعضه، والجزء مقدم على الكل. م (وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلاً لم يقع الطلاق) ش: قيل: كان ينبغي أن يذكر هذه المسألة في الفصل المتقدم، لأنها ليست باستثناء، بل هي تعليق. وأجيب: بأن التعليق - بمشيئة الله تعالى - شبهاً قوياً بالاستثناء بمنع حكم صدر الكلام عما كان قبل الاستثناء بحيث لا يتوقف وجوده على وجود الشرط، فكذا حكم صدر الكلام يمتنع أصلا في التعليق بمشيئة الله تعالى، ولا يتوقف على وجود الشرط، فلهذه المناسبة ذكر التعليق بالمشيئة في فصل الاستثناء. قوله: متصلا نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قولاً متصلاً، والمراد من الاتصال أن لا يقطع قوله إن شاء الله تعالى قبل قوله أنت طالق بكلام آخر أو سكوت. وأما الفصل لانقطاع النفس فلا عبرة به لعدم إمكان التحرز عنه. ولو أتى بحروف الاستثناء بحيث لا يسمع يقع الاستثناء صحيحاً، وهو اختيار الكرخي، لأن السماع ليس بشرط صحة الكلام، ولهذا يصح استثناء الأصم، وإن لم يسمع هو أيضاً، وعلى شرط الاتصال جمهور العلماء، وهو قول الأئمة الأربعة، ومنهم من جوز الاستثناء ما لم يقم من المجلس، وبه قال الحسن البصري، وطاوس وعن ابن عباس ﵁ جوازه إلى مدة سنة، وعنه جوازه أبداً. وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وقال قتادة: بعد سنتين. وقال أحمد: له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر. ولو جرى على لسانه إن شاء الله من غير قصد لا يقع طلاقه، لأن الاستثناء وجد حقيقة، وهو صريح في بابه، والصريح لا يفتقر إلى النية كقوله أنت طالق ومطلقة وطلقتك، وفيه خلاف الشافعية. قوله: لم يقع الطلاق به قال طاوس وإبراهيم النخعي والحكم والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وهو قول عطاء ومجاهد والزهري والشعبي وحماد وعبد الرزاق وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعثمان البتي، وبه قالت الظاهرية وأبو سليمان. وقال مالك ومكحول وقتادة وغيره قال أصحابنا: لا شيء عليه، وبه قال الشعبي وابن أبي

стр. 2769

لقوله ﷺ «من حلف بطلاق أو عتاق وقال إن شاء الله تعالى متصلا به فلا حنث عليه» . ــ [البناية] ليلى وإسحاق وأبو عبيد. وقال مالك: لا استثناء في الطلاق والعتاق والصدقة ويعتبر اليمين والنذر. وعند أحمد لا يرفع الطلاق خاصة ويرفع العتاق والأيمان، ثم اختلفوا في عمله أي في عمل الاستثناء فقال أبو يوسف إبطال، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال محمد: تعليق. وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵏. وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا قدم المشيئة فقال: إن شاء الله تعالى أنت طالق، فعند أبي يوسف ﵀ أنه لإبطال الكلام، سواء قدم أو أخر بحرف الفاء أو بغيره. وعن محمد ﵀ يقع، لأنه للتعليق، فإذا قدم الشرط ولم يذكر حرف الجزاء لم يتعلق نفي الطلاق بلا شرط، كذا في " الجامع الكبير " لقاضي خان. وذكر في " الفتاوى الصغرى " الفتوى على قول أبي يوسف، وذكر في " الإيضاح " الاختلاف على العكس. ثم اختلف أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في الطلاق المقرون بالاستثناء في موضع يقع الاستثناء هل يكون يمينا؟ قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: يكون يمينا، حتى لو قال لها: إن حلفت بطلاقك فعبدي حر، ثم قال لها: أنت طالق - إن شاء الله - يحنث في يمينه عند أبي يوسف. وقال محمد ﵀: لا يكون يميناً ولا يحنث ولا يقع الطلاق، وكذا العتاق لو قال لعبده: إن حلفت بعتقك فأنت حر، ثم قال: أنت حر إن شاء الله تعالى. م: (لقوله ﷺ (من حلف بطلاق أو عتاق وقال: إن شاء الله تعالى متصلا فلا حنث عليه) ش: أي لقول النبي ﷺ ، وهذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وروى أصحاب السنن الأربعة من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه» بلفظ الترمذي وقال: هذا حديث حسن.

стр. 2770

ولأنه أتى بصورة الشرط، فيكون تعليقا من هذا الوجه، ولأنه إعدام قبل الشرط، والشرط لا يعلم هاهنا، فيكون إعداما من الأصل، ولهذا يشترط أن يكون متصلا به، ــ [البناية] وقد روي عن نافع عن ابن عمر ﵄ موقوفاً. وروي عن سالم عن ابن عمر موقوفاً، ولا نعلم أحداً رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيوب أحياناً يرفعه، وأحياناً لا يرفعه، ولفظ أبي داود فيه: فقد استثنى. وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن سليمان ﷺ قال: لأطوفن الليلة به". وفيه لو قال: إن شاء الله تعالى لكان كما قال» . وروى ابن عدي في " الكامل" عن إسحاق بن أبي يحيى الكعبي عن عبد العزيز بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: من قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله، أو لغلامه أنت حر أو علي المشي إلى بيت الله إن شاء الله فلا شيء عليه، وهو معلول بإسحاق الكعبي. فإن قلت: ليس في الحديث الذي رواه أصحاب "السنن" متصلاً به، وقد روي أن النبي ﷺ قال: «لأغزون قريشاً " ثم قال بعد سنة: "إن شاء الله تعالى» . قلت أجيب: بمنع صحة هذا وبعد التسليم بصحته نقول: إن الاستثناء كان من قوله لأغزون قريشاً الذي سبق قبل سنة، لأنه يحتمل أن الاستثناء كان منه، لكن لا نسلم أن قصد النبي ﷺ كان من قوله: "لأغزون" الاستثناء فلم يجز أن يكون قصده الاستدراك المأمور به الثابت من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٤] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (الكهف: الآيتان ٢٣، ٢٤) . م: (ولأنه) ش: أي ولأن المستثني بكسر النون م: (أتى بصورة الشرط) ش: أي بحرف صريح دون حقيقة الشرط، لأن حقيقة الشرط عبارة عما يكون على خطر وتردد ومشيئة الله تعالى ليست كذلك لثبوتها قطعا أو انتفائها كذلك، وما هو كذلك م: (فيكون تعليقاً من هذا الوجه) ش: يعني من حيث الصورة م: (ولأنه) ش: أي قوله: إن شاء الله تعالى م: (إعدام) ش: للعلية م: (قبل) ش: وجود م: (الشرط، والشرط) ش: وهو مشيئة الله تعالى م: (لا يعلم هاهنا) ش: أي في صورة التعليق بمشيئة الله تعالى لأنا لا نطلع عليها م: (فيكون إعداماً) ش: أي للجزاء م: (من الأصل) ش: أي من ابتداء العدم العلم بالمشيئة، فصار كأنه لم يقل أنت طالق أصلاً، فكان إبطالاً للكلام. م: (ولهذا) ش: أي ولأن في الاستثناء معنى الشرط م: (يشترط أن يكون متصلاً به) ش: وعليه

стр. 2771

بمنزلة سائر الشروط. ولو سكت يثبت حكم الكلام الأول، فيكون الاستثناء أو ذكر الشرط بعده رجوعا عن الأول. قال: وكذا إذا ماتت قبل قوله إن شاء الله تعالى، لأن بالاستثناء خرج الكلام من أن يكون إيجابا، والموت ينافي الموجب دون المبطل، بخلاف ما إذا مات الزوج، لأنه لا يتصل به الاستثناء ــ [البناية] جمهور العلماء، وقد ذكرنا الخلاف فيه عن قريب م: (بمنزلة سائر الشروط) ش: لكونه بيان تغيير، وشرطه هو الاتصال. [قدر النفس بين قوله أنت طالق وبين قوله إن شاء الله] م: (ولو سكت) ش: أي المتكلم زيادة على قدر النفس بين قوله: أنت طالق وبين قوله: إن شاء الله م: (يثبت حكم الكلام الأول) ش: وهو وقوع الطلاق، لأنه لا يصح الاستثناء المنفصل على مذهب الجمهور م: (فيكون الاستثناء) ش: على قول محمد ﵀ والاستثناء بالنصب، لأنه يكون بالتعليق بمشيئة الله تعالى استثناء عن الكلام الأول، ويجوز بالرفع على أن تكون تامة أو ناقصة يكون خبرها الجار والمجرور، أعني قوله عن الأول م: (أو ذكر الشرط) ش: على قول أبي يوسف ﵀، أي ويكون ذكر الشرط وهو قوله: إن شاء الله م: (بعده) ش: أي بعد قوله: أنت طالق م: (رجوعاً عن الأول) ش: أي عن الكلام الأول. وإنما قلنا لكون الاستثناء على قول محمد ﵀ والشرط على قول أبي يوسف ﵀ لأن محمداً يقول: إن قوله إن شاء الله إعدام، لأنه بمنزلة الاستثناء. وأبو يوسف ﵀ يقول: إنه شرط، ولهذا قال في " الفتاوى الصغرى " أنت طالق إن شاء الله فهو يمين عند أبي يوسف ﵀ حتى لو قال لامرأته إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها أنت طالق إن شاء الله يحنث عند أبي يوسف، وعند محمد لا يكون يميناً حتى لا يحنث به عنده. م: (قال: وكذا إذا ماتت) ش: وفي بعض النسخ وكذا إن ماتت، وليس فيه لفظ قال: وهو معطوف على قوله: لم يقع في أول الفعل، يعني إذا ماتت المرأة بعد قوله: أنت طالق م: (قبل قوله: إن شاء الله تعالى) ش: أي لا يقع الطلاق م: (لأن بالاستثناء خرج الكلام من أن يكون إيجاباً) ش: فإذا بطل الإيجاب بطل الحكم م: (والموت ينافي الموجب) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: الموت ينافي قوله: أنت طالق حتى لا يقع الطلاق به بعد موتها، فينبغي أن يكون منافياً للاستثناء وهو المبطل، فيقع الطلاق. فأجاب بقوله: الموت ينافي الموجب، وهو قوله: أنت طالق م: (دون المبطل) ش: وهو الاستثناء، أعني قوله: إن شاء الله، لأن الموجب يستدعي المحل، ولهذا لو قال لامرأته: أنت طالق واحدة كانت قبل قوله واحدة لا يقع، لأن الموت ينافي المحلية، والاستثناء يبطل، وأنه يستدعي صحة الإيجاب الذي يقوم بالزوج، والموت يلائمه في الإبطال. م: (بخلاف ما إذا مات الزوج لأنه لا يتصل به الاستثناء) ش: أي بخلاف ما إذا مات الزوج قبل

стр. 2772

وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة طلقت ثنتين، وإن قال إلا ثنتين طلقت واحدة. ــ [البناية] قوله إن شاء الله، حيث يقع الطلاق، لأنه لم يتصل المغير وهو الاستثناء بأول كلامه فإنما يعلم إرادة الاستثناء بقوله قبل ذلك: إني أطلق امرأتي وأستثني. [قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة] م: (ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة طلقت ثنتين، وإن قال: إلا ثنتين) ش: أي وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين م: (طلقت واحدة) ش: وفي ذكر المثالين إشارة إلى القليل والكثير سواء، خلافاً للفراء، فإنه لا يجوز الأكثر ويدعي أنه لم تتكلم به العرب. وفي " الغاية ": ذهب النحاة من أهل الكوفة والبصرة إلى أن استثناء الأكثر غير جائز، واختلفوا في جواز استثناء النصف، وتبعه أحمد فيها، وذهب بعض المالكية إلى هذا أيضاً، وفي " البدائع " " والميزان " روي عن أبي يوسف وهو قول الفراء أنه لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وصوابه من الكل. وفي " الإسبيجابي " روي عن أبي يوسف ﵀ لا يجوز استثناء الأكثر وهو الصواب، وزعموا أن العرب لم يوجد في كلامهم له (علي عشرة إلا تسعة) ، ولم تتكلم به، ولا يصح استثناء الكل من الكل، وذكر ابن طلحة في مختصره المعروف " بالمدخل " قولين في جواز استثناء الكل من الكل. وقال الأموي: منع بعض أهل اللغة استثناء العقد، ولا يقال: له علي مائة إلا عشرة إلا خمسة. وذكر أبو بكر من الحنابلة أن الاستثناء لا يكون في الطلاق، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وقع الثلاث وهذا باطل. ولو قال: أنت طالق أربعاً إلا ثلاثاً صح الاستثناء ويقع واحدة. وفي " المحيط ": لو قال: أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثنتين إن نوى استثناء الأولى والأخيرة لا يصح، لأنه استثنى الكل فيقع الثلاث، وإن نوى واحدة من الأولى وواحدة من الثانية صح ويقع ثنتان، وكذا عند عدم النية، خلافاً لزفر وأحمد - رحمهما الله -، وفي " الذخيرة ": وهذا قول أبي يوسف. وروى هشام عن محمد: لو قال: أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثلاثاً يقع الثلاث، لأنه نوى استثناء الكل. ولو قال: ثلاثاً إلا نصفا يقع ثنتان عند أبي يوسف، وعند محمد ﵀ يقع الثلاث، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ﵏ ولو قال: أنت طالق واحدة ونصفا إلا واحدة ونصفا يقع ثنتان عند أبي يوسف، وهو رواية عن محمد، وعنه يقع واحدة. وفي " الذخيرة " قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة بطل الاستثناء ووقع الثلاث عند أبي حنيفة، وعندهما يقع ثنتان. وعن أبي يوسف يقع واحدة. ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثاً بطل الاستثناء. ولو قال: أنت طالق ثنتين وواحدة وواحدة وثنتين إلا ثنتين فهي ثلاث. ولو قال: أنت طالق واحدة وثنتين إلا واحدة يقع ثنتان، ويصير مستثنياً الواحدة من الثنتين. ولو قال: ثنتين وأربعاً إلا خمسا يقع الثلاث، ذكره القدوري. وفي " المنتقى " قال: أنت طالق ثلاثاً وثلاثا إلا أربعا فهي ثلاث عند أبي حنيفة، ويرى عن

стр. 2773

والأصل أن الاستثناء تكلم حاصل بعد الثنيا هو الصحيح، ومعناه أنه تكلم بالمستثنى منه، إذ لا فرق بين قول القائل لفلان علي درهم وبين قوله عشرة إلا تسعة، فيصح استثناء البعض من الجملة لأنه يبقى التكلم بالبعض بعده، ولا يصلح استثناء الكل من الكل لأنه لا يبقى بعده شيء ليصير متكلما به وصارفا اللفظ إليه، ــ [البناية] محمد ويصير قوله: وثلاثاً ثانياً لغوا فاصلا. وقال أبو يوسف: تطلق ثنتين، وهو الظاهر من قول محمد. ولو قال: أنت طالق عشراًِ إلا أربعا إلا تسعا يقع واحدة. ولو قال: إلا ثمانيا يقع ثنتان، ولو قال إلا سبعا يقع الثلاث، ولو قال هذه طالق وهذه طالق إلا هذه كان الاستثناء باطلاً. ولو قال: أنت طالق خمساً إلا واحدة يقع الثلاث. وفي وجه للحنابلة يقع ثنتان. [قال كل نسائي طوالق إلا زينب وعمرة وبكرة وسلمى] م: (والأصل أن الاستثناء تكلم بالحاصل بعد الثنيا) ش: بضم الثاء المثلثة وسكون النون وهو اسم بمعنى الاستثناء، ومعناه إن صدر الكلام بعد الاستثناء يصير عبارة عما وراء الاستثناء يدل عليه قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] (العنكبوت: الآية١٤) ، معناه: لبث فيهم تسع مائة وخمسين عاماً م: (هو الصحيح) ش: احترز عما قال البعض: إنه إخراج، وفيه معنى المعارضة، وهو صفة الأصول. م: (ومعناه) ش: أي معنى الثنيا م: (أنه تكلم بالمستثنى منه، إذ لا فرق بين قول القائل لفلان علي درهم، وبين قوله عشرة إلا تسعة فيصح استثناء البعض من الجملة، لأنه يبقى التكلم بالبعض بعده ولا يصح استثناء الكل من الكل، لأنه لا يبقى بعده شيء ليصير متكلما به وصارفا اللفظ إليه) ش: الضمير في: بعده، يرجع إلى استثناء الكل، وفي: به يرجع إلى شيء، وكذا في: إليه وهذا كما إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً تطلق ثلاثاً لبطلان الاستثناء. وقال شمس الأئمة السرخسي في "مبسوطه ": وعن بعض مشايخنا أن استثناء الكل رجوع، وأن الرجوع عن الطلاق باطل، وليس كذلك لأنه يبطل استثناء الكل من الوصية، مع أن الوصية تحتمل الرجوع. وذكر المصنف في "زياداته" إذا استثنى الكل من الكل إنما لا يصح إذا كان بمعنى ذلك اللفظ، وأما إذا استثنى بغير ذلك اللفظ فيصح، وإن كان استثناء الكل من الكل من حيث المعنى، فإنه لو قال: كل نسائي طوالق إلا كل نسائي لا يصح الاستثناء، بل يطلق كلهن. ولو قال: كل نسائي طوالق إلا زينب وعمرة وبكرة وسلمى لا تطلق واحدة منهن، وإن كان هو استثناء الكل من الكل، وهذا لأن الاستثناء تصرف لفظي، فيصح فيما صح فيه اللفظ كلما استثنى الجزء عن الكل، وصح لفظاً، فكذا فيما بقي، فلو كان الاستثناء يتبع الحكم الشرعي لما صح في قوله: أنت طالق عشراً إلا تسعاً، لأنه لا يزيد على الثلاث شرعاً وهو الصحيح بلا خلاف.

стр. 2774

وإنما صح الاستثناء إذا كان موصولا به كما ذكرنا من قبل، وإذا ثبت هذا ففي الفصل الأول بقي منه "ثنتان" فيقعان، وفي الثاني "واحدة" فتقع واحدة، ولو قال إلا ثلاثا يقع الثلاث لأنه استثناء الكل من الكل، فلم يصح الاستثناء، والله أعلم. ــ [البناية] م: (وإنما صح) ش: أي الاستثناء م: (إذا كان موصولاً به) ش: أي بالاستثناء م: (لما ذكرنا من قبل) ش: أي في قوله: أنت طالق إن شاء الله يعني كما لا يصح قوله: إن شاء الله إلا متصلاً، لا يصح قوله: أنت طالق إلا واحدة، وقوله: إلا ثنتين إلا متصلاً. م: (وإذا ثبت هذا ففي الفصل الأول) ش: أراد به استثناء الواحدة من الثلاث م: (بقي منه) ش: أي بقي من المستثنى منه م: (ثنتان فيقعان، وفي الثاني) ش: أي في الفصل الثاني، أراد به استثناء الثنتين من الثلاث م: (واحدة فتقع واحدة. ولو قال: إلا ثلاثاً يقع الثلاث) ش: يعني إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً يقع الثلاث م: (لأنه استثناء الكل من الكل، فلم يصح الاستثناء) ش: لعدم بقاء شيء بعد الاستثناء، ويصير الكلام عبارة عنه، والله أعلم.

стр. 2775

باب طلاق المريض إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقا بائنا فمات وهي في العدة ورثته، وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها ــ [البناية] [باب طلاق المريض] [طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقا بائنا فمات وهي في العدة] م: (باب طلاق المريض) ش: أي هذا باب في بيان أحكام طلاق المريض، ولما فرغ من بيان طلاق الصحيح شرع في بيان طلاق المريض، لأن المرض عارض، والأصل عدمه، والمرض معنى يزول بحلوله في بدن الحي اعتدال الطبائع. م: (وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقاً بائناً فمات وهي في العدة ورثته) ش: أي ورثت المرأة زوجها المطلق ميراثها الشرعي م: (وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها) ش: في هذه أربعة عشر قولاً: الأول: أنه يقع طلاقه، وعزاه ابن حزم إلى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. الثاني: يقع طلاقه وترثه بشرط قيام العدة، وهو قول عمر، وابنه، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وعائشة ﵃، وبه قال المغيرة، والنخعي، وابن سيرين، وعروة، والشعبي، وشريح، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وطاوس، والأوزاعي، وابن شبرمة، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وحماد بن أبي سليمان والحارث العكلي. الثالث: ترثه ما لم تتزوج زوجاً آخر، وإن انقضت عدتها، وهو قول ابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد. الرابع: ترثه، وإن تزوجت عشرة أزواج، وبه قال مالك ﵀، والليث في رواية عنه، وذكره ابن رشيد في " الفوائد ". الخامس: ترثه ويرثها، وبه قال الحسن البصري. السادس: إن صح منه، ومات من مرض آخر لا ترثه عندنا. وقال الزهري والثوري والأوزاعي وزفر وأحمد وإسحاق: ترثه إن مات قبل انقضاء عدتها منه، ذكره عنهم ابن حزم في " المحلى ". السابع: ترثه ويرثها إذا كان لها حمل أو قصد المضارة، وهو قول عروة بن الزبير. الثامن: ترثه وتنتقل عدتها إلى عدة الوفاة ما لم تنكح، وبه قال الشعبي. التاسع: تعتد بأبعد الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله.

стр. 2776

وقال الشافعي ﵀ لا ترث في الوجهين، لأن الزوجية قد بطلت بهذا العارض وهي السبب، ولهذا لا يرثها إذا ماتت، ولنا أن الزوجية سبب إرثها في مرض موته، والزوج قصد إبطاله، فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمان انقضاء العدة دفعا للضرر عنها، وقد أمكن؛ لأن النكاح في العدة يبقى في حق بعض الآثار، ــ [البناية] العاشر: ترثه قبل الدخول، وعليها العدة، وهو قول الحسن وإسحاق وأبي عبيد (....) . الثاني عشر: لو خيرها فطلقت نفسها ثلاثاً أو اختلعت منه أو حلف بطلاقها على دخولها الدار، وهو صحيح عند الحلف مريض عند الدخول أو قال وهو صحيح: إن قدم فلان، فأنت طالق ثلاثاً فقدم وهو مريض طلقت ثلاثاً، لا ترثه عندنا وعند مالك: ترثه في الكل. الثالث عشر: يجب الصداق لها كاملاً، ولا ميراث لها ولا عدة عليها، وبه قال جابر بن زيد. الرابع عشر: لا ترثه أصلاً قبل الدخول وبعده، وهو قول الظاهرية وأبي ثور، واختاره ابن المنذر في الأشراف، وهو الجديد للشافعي. وفي القديم: الزوج فار والميراث فيه ثلاثة أقوال: الأول: مثل قولنا. الثاني: مثل قول أحمد. والثالث: مثل قول مالك أبداً. م: (وقال الشافعي: لا ترث في الوجهين) ش: أي قبل العدة وبعدها. وفي شرح الأقطع والشافعي أقوال: أحدها: أنها لا ترث في الوجهين، سواء مات في العدة أو بعد العدة، والآخر: أنها ترث ما لم تتزوج بزوج آخر، وإن انقضت العدة، وهو قول مالك. والآخر: أنها ترث وإن تزوجت بزوج آخر، وهو قول ابن أبي ليلى م: (لأن الزوجية قد بطلت بهذا العارض) ش: أي بعارض الطلاق البائن م: (وهي السبب) ش: أي الزوجية هي سبب الميراث. م: (ولهذا) ش: إيضاح لقوله: لأن الزوجية بطلت بهذا العارض م: (لا يرثها إذا ماتت) ش: لأن سبب الإرث قد زال، فلا يثبت الحكم بلا سبب. م: (ولنا أن الزوجية سبب إرثها في مرض موته، والزوج قصد إبطاله) ش: أي إبطال إرثها (فيرد عليه قصده) ش: أي يرد على الزوج قصده، وهو قصد إبطال الإرث م: (بتأخير عمله) ش: أي عمل الطلاق م: (إلى زمان انقضاء العدة دفعاً للضرر عنها) ش: أي لأجل دفع الضرر عن المرأة، وكأن الطلاق لم يوجد في حق الإرث م: (وقد أمكن) ش: جواب عما يقال: إن كان سبب تأخير العمل دفع الضرر عنها، وجب أن يستوي في ذلك الموطوءة وغيرها وما قبل انقضاء العدة وما بعدها، فأجاب بقوله: وقد أمكن دفع الضرر، وتقديره إنما يصح توريثها منه إذا أمكن تأخير عمل الطلاق، ليكون السبب وهو النكاح قائماً، وقد أمكن ذلك إلى زمان انقضاء العدة. م: (لأن النكاح في العدة يبقى في حق بعض الآثار) ش: من حرمة التزويج وحرمة الخروج

стр. 2777

فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه، بخلاف ما بعد انقضاء العدة، لأنه لا إمكان، والزوجية في هذه الحالة ليست بسبب لإرثه عنها، فتبطل في حقه خصوصا إذا رضي به ــ [البناية] والبروز، وحرمة نكاح الأخت ونكاح أربعة سواها م: (فجاز أن يبقى في حق إرثها منه) ش: دفعاً للضرر عنها م: (بخلاف ما بعد انقضاء العدة؛ لأنه لا إمكان) ش: أي لا إمكان لتأخير عمل الطلاق، لعدم بقاء النكاح أصلاً م: (والزوجية في هذه الحالة) ش: هذا جواب عن قوله: ولهذه لا يرثها إذا ماتت أي الزوجة فيما إذا كان الزوج مريضاً مرض الموت م: (ليست بسبب لإرثه عنها) ش: لأنه لم يتعلق حقه بمالها لكونها صحيحة (فتبطل في حقه) ش: قال السغناقي: فيبطل بالنصب لأنه جواب النفي. وقال الأكمل: وقال بعض الشارحين بالرفع لا غير، ولكل منهما وجه خلا قوله: لا غير، فإنه لا وجه له، انتهى. قلت: أراد بقوله: بعض الشارحين الأترازي، فإنه قال في شرحه: فقوله يبطل في حقه بالرفع لا غير، أي فتبطل الزوجية بالطلاق البائن في حق الرجل حقيقة وحكما، فلا يرثها إذا ماتت لبطلان الزوجية أصلاً، بخلاف ما إذا مات الزوج حيث ترثه المرأة، لأن الزوجية وإن بطلت بالطلاق البائن حقيقة جعلت باقية في حقها دفعاً للضرر عنها، لأنه قصد إبطال حقها. ولا يجوز أن يقال بالنصب جواباً للنفي، لأنه حينئذ ينعكس الغرض، لأنه يكون معناه: لو كانت الزوجية سبب إرث الزوج عنها لبطلت، ولكنها ليست بسبب، فإذا لم تبطل الزوجية يجب أن يرثها ولا يقول به أحد لا نحن ولا الشافعي ﵁، والذي وقع في بعض الشروح بنصب اللام سهواً، انتهى. قلت: الكاكي تبع السغناقي فقال: فيبطل بالنصب، لأنه جواب النفي، والذي قاله الأكمل هو الوجه، فافهم. م: (خصوصاً إذا رضي به) ش: أي لا سيما أن الزوج إذا رضي بحرمانه من الإرث، حيث أقدم على الطلاق. واعلم أن أصحابنا استدلوا في هذا الباب بالنقل والعقل، وصاحب الهداية لم يذكر شيئاً من النقل، فنقول بإجماع الصحابة توريث امرأة الفار، بيانه أن عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - طلق امرأته تماضر في مرض موته فورثها عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، فحل محل الإجماع. فإن قلت: لا نسلم الإجماع، لأنه روي عن عبد الله بن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في حديث تماضر أنه قال: لو كان الأمر إلي لما ورثتها. قلت: أجيب: بأنه قد صح عن ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أنه قال هذا الكلام في وقت إمارته بعد سبق الإجماع، والخلاف المتأخر لا يرفع الإجماع السابق، ولئن سلمنا أنه قاله

стр. 2778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وقت توريث تماضر، فنقول: ما ورثها لخفاء وجه الاستحسان عليه، أو نقول: كانت تماضر سألت الطلاق فاعتقد ابن الزبير ﵁ أن سؤالها يسقط الإرث، وبه نقول، ولكن عثمان إنما ورثها عند وجود سؤال الطلاق فعند عدمه أولى. انتهى. وفي السروجي: وأجابوا عن قول ابن الزبير في خلافته: لو كنت أنا لم أقل بتوريثها إن لم يكن في ذلك الوقت من الفقهاء. وفي " البدائع ": وكان الإجماع قد انعقد على ذلك، وخلافه بعد وقوع الإجماع من الصحابة لا يقدح فيه، لأن انقراض العصر ليس بشرط لصحة الإجماع، أو خالفه لتوريثه بعد سؤالها، وقد روي ذلك، ولعل عثمان كان يرى أن ذلك لا يسقط إرثها، وفي " الجوهر " و" المحلى " في رواية كان توريث عثمان ﵁ بعد انقضاء العدة، وروى هشام عن أبي مسلم عن أبيه أنه كان بعد العدة، وروى عنه أبو عمر أنه كان في العدة، وقال ابن حزم وعمر: هذا ضعيف، لكن ثبت من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي مليكة أنه سأل عبد الله بن الزبير قال: طلق عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بنت الأصبع الكلبية فبتها، ثم مات في العدة فورثها عثمان، رواه عنه الحجاج بن المنهال وسعيد بن منصور، وقد اتفقا على أن توريثها كان في العدة، وهو قول الجمهور. ويحتمل قول من قال: إنه ورثها بعد انقضاء العدة مع ضعفه أنه كان تأخير المخاصمة والقسمة وقع بعد العدة، وكان موته قبل انقضاء العدة يدل عليه قوله: فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات، وتماضر بضم التاء المثناة من فوق، وتخفيف الميم، وكسر الضاد المعجمة في آخره، بنت عمر بن الشريد السلمية. قال أبو عمر: وهي الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد بن رباح بن ثعلبة بن جفاف بن امرئ القيس بن نهبة بن سليم قدمت على النبي ﷺ مع قومها فأسلمت فذكروا أن رسول الله ﷺ كان يستشهد بها ويعجبه شعرها، فكانت تنشده، وهو يقول فيه بأجناس ويومئ بيده ﵇ وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم يكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها. وقالوا: اسم الخنساء تماضر، وكانت حضرت حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، واستشهد الأربعة فيها، وكان عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد مائتي درهم حتى قبض - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وفي السروجي: وروي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لما قضى بتوريثها قال: فر من كتاب الله، وروي عنه أنه قال: ما فررت من كتاب الله أي ما قصدت الفرار، وحصل لها بالصلح عن ربع سهمها ثمانون ألفاً. وذكر بعض أهل الحديث أنها كانت دنانير. وذكر عبد المغني في الأربعين أن ورثته كانوا يقطعون مسائل الذهب بالقوس ويقتسمونها. ومن الدليل في هذا الباب ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: جاء عروة البارقي إلى

стр. 2779

وإن طلقها ثلاثا بأمرها أو قال لها اختاري، فاختارت نفسها، أو اختلعت منه، ثم مات وهي في العدة لم ترثه؛ ــ [البناية] شريح من عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بخمس خصال منهن: إذا طلق المريض امرأته ثلاثاً ورثته إذا مات وهي في العدة. وعن الشعبي: أن أم البنين بنت عيينة بن حصن كانت تحت عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فارقها بعدما حوصر فجاءت إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فأخبرته بذلك، فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها، فورثها منه، وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أن امرأة الفار ترث. ثم اعلم أن الذي ذكره صاحب " الهداية " مع الخلاف فيه أنه إذا كان طلاق المريض بائناً، كما إذا صرح به، وأما إذا كان رجعياً فبالأولى أن ترث، لأن حكم النكاح قائم. فإن قلت: على ما ذكرت كان ينبغي أن الإرث أيضاً في البائن. قلت: زمن مرض الموت زمن تعلق حق الوارث بمال الموروث. ولهذا يمنع من التبرع بما زاد على الثلث، فبقي النكاح في حق الإرث. فإن قلت: يمنع النكاح أصلاً، ولهذا ثمه يجب عليه الحد إذا وطئها ولا ترث إذا كان الزواج برضاها، وكذلك إذا كان الطلاق قبل الدخول، وكذا الإرث إذا مات بعد انقضاء العدة، وكذا لا ترث إذا برأ ثم مات وهي في العدة. قلت: أجيب: أن وجوب الحد باعتبار ارتفاع الحل، ولم يدل على ارتفاع النكاح أصلاً، بل هو قائم من وجه، ولهذا لا يجوز للمعتدة أن تتزوج بزوج آخر، وأن الطلاق برضاها يبطل حقها، والإقرار منه، وأن الطلاق قبل الدخول باعتبار عدم وجوب العدة، فلم يمكن إبقاء النكاح حكماً، وأن انقضاء العدة يمكنها من التزوج بزوج آخر، فوجد المنافي للنكاح الأول، فلم يجعل قائماً حكماً، وإن في البراءة لم يكن حقها متعلقاً بمال الزوج زمان الطلاق، ولم يوجد قصد إبطال الحق، وإن موت المرأة لا يبقي الزوجية في حقه لا حقيقة ولا حكماً. وفي " مختصر الكافي ": وإن كانت المرأة أمة أو يهودية أو نصرانية فأبانها في مرضه بغير أمرها، ثم أعتقت الأمة وأسلمت الكافرة ثم مات، وهي في العدة، فلا ميراث لها منه، لأنه لم يكن فاراً من ميراثها يوم طلق، لأنه لم يتعلق حقها بماله. [قالت له طلقني ثلاثا فطلقها ثلاث تطليقات في مرض موته] م: (وإن طلقها ثلاثاً بأمرها) ش: أي قالت له: طلقني ثلاثاً فطلقها ثلاث تطليقات في مرض موته م: (أو قال لها: اختاري) ش: أي أو خيرها في مرض موته م: (فاختارت نفسها) ش: أي قالت: اخترت نفسي م: (أو اختلعت منه) ش: أي أو اختلعت المرأة من الزوج م: (ثم مات) ش: أي الزوج والحال أنها في العدة، وهو معنى قوله م: (وهي في العدة لم ترثه) ش: جواب المسائل الثلاث، أي

стр. 2780

لأنها رضيت بإبطال حقها، والتأخير لحقها. وإن قالت طلقني للرجعة فطلقها ثلاثا ورثته؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل النكاح، فلم تكن بسؤالها راضية بإبطال حقها. وإن قال لها في مرض موته: قد كنت طلقتك ثلاثا في صحتي وانقضت عدتك فصدقته، ثم أقر لها بدين أو أوصى لها بوصية فلها الأقل من ذلك ومن الميراث عند أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-: يجوز وصيته وإقراره لها، وإن طلقها ثلاثا في مرضه بأمرها، ثم ــ [البناية] لم ترث الزوج م: (لأنها رضيت بإبطال حقها، والتأخير) ش: أي تأخير عمل الطلاق في بطلان إرثها، أي انقضاء عدتها م: (لحقها) ش: وقد رضيت سقوطه. وفي " المحيط ": لو جاءت الفرقة من قبلها في مرضه لم ترث منه، لأنها باشرت سبب بطلان حقها. ولو جاءت الفرقة منها في مرضها ورثها الزوج. قيل: ينبغي أن يرثها لأنا جعلنا قيام العدة كقيام النكاح في حقها، ولا عدة هاهنا عند موتها فلم يبق النكاح كما بعد العدة. قيل في جوابه: لما صارت محجورة عن إبطال حقه أيقنا النكاح في حق الإرث دفعاً للضرر عنه أو رداً لقصدها إبطال حقه كما حكمنا في مستعجل الإرث بحرمانه رداً لقصده. وكذا لو حصلت الفرقة بسبب الجب والعنة، وخيار البلوغ والعتق في مرضه لا يرث لرضاها بالمبطل، فإن كانت مضطرة، لأن سبب الإضرار لم يكن من جهة الزوج فلم يكن جانياً في الفرقة. وفي " الجامع ": لو فارقته في مرضها في خيار العتق والبلوغ ورثها الزوج لأنها جاءت من قبلها، ولهذا لم يكن طلاقها. وفي " الينابيع " جعل هذا قول أبي حنيفة ومحمد ﵀. م: (وإن قالت: طلقني للرجعة فطلقها ثلاثاً ورثته، لأن الطلاق الرجعي لا يزيل النكاح، فلم تكن بسؤالها راضية بإبطال حقها) ش: والسؤال مصدر سأله الشيء، وهو إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول متروك، أي بسؤال المرأة الطلاق الرجعي، وفي بعض النسخ: بسؤاله بتذكير الضمير المضاف إليه، وهو من إضافة المصدر المضاف إلى المفعول والفاعل متروك، أي بسؤال الطلاق الرجعي كذا قرره الأترازي والتقدير على هذا الوجه بسؤال المرأة إياه الطلاق الرجعي. [قال لامرأته في مرض موته قد كنت طلقتك ثلاثا في صحتي وانقضت عدتك فصدقته] م: (وإن قال لها) ش: أي وإن قال الرجل لامرأته م: (في مرض موته قد كنت طلقتك ثلاثاً في صحتي وانقضت عدتك فصدقته) ش: أي المرأة صدقت زوجها بذلك، ولا ميراث لها أن الثابت بالتصادق كالثابت بالبينة م: (ثم أقر لها بدين) ش: بأن قال لها في ذمتي كذا وكذا، وربما مثلاً م: (أو أوصى لها بوصية) ش: من تركته م: (فلها الأقل من ذلك) ش: أي من المقربة والوصية م: (ومن الميراث عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: يجوز وصيته وإقراره لها) ش: يعني لها جميع ما أقر لها وأوصى لها، سواء كان أقل من الميراث أو أكثر. م: (وإن طلقها ثلاثاً في مرضه بأمرها) ش: بأن قالت له طلقني وهو مريض فطلقها ثلاثاً م: (ثم

стр. 2781

أقر لها بدين، أو أوصى لها بوصية فلها الأقل من ذلك، ومن الميراث في قولهم جميعا إلا على قول زفر ﵀ فإن لها جميع ما أوصى وما أقر به؛ لأن الميراث لما بطل بسؤالها زال المانع من صحة الإقرار والوصية. وجه قولهما في المسألة الأولى أنهما لما تصادقا على الطلاق وانقضاء العدة صارت أجنبية عنه، حتى جاز له أن يتزوج أختها، وانعدمت التهمة؛ ألا ترى أنه تقبل شهادته لها، ويجوز وضع الزكاة فيها، بخلاف المسألة الثانية لأن العدة باقية، وهي سبب التهمة، والحكم يدار على دليل التهمة، ولهذا يدار على النكاح والقرابة، ولا عدة في المسألة الأولى. ولأبي حنيفة ﵀ في المسألتين أن التهمة قائمة؛ لأن المرأة قد تختار الطلاق لينفتح باب الإقرار والوصية عليها، فيزيد حقها، والزوجان قد يتواضعان ــ [البناية] أقر لها بدين أو أوصى لها بوصية فلها الأقل من ذلك، ومن الميراث في قولهم جميعاً) ش: أي في قول أبي حنيفة وصاحبيه. وفي " الجامع ": جعل هذا قول أبي حنيفة وحده م: (إلا على قول زفر، فإن لها جميع ما أوصى به وما أقر؛ لأن الميراث لما بطل بسؤالها زال المانع من صحة الإقرار والوصية) ش: ولا ميراث لها، لأنها أسقطته بسؤالها. م: (وجه قولهما) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد م: (في المسألة الأولى) ش: أي فيما إذا قال لها في مرضه كنت طلقتك ثلاثاً في صحتي وانقضت عدتك فصدقته م: (أنهما) ش: أي الزوجين م: (لما تصادقا على الطلاق) ش: أي على وقوعه م: (وانقضاء العدة) ش: أي وعلى انقضاء العدة م: (صارت أجنبية عنه) ش: أي عن الزوج. م: (حتى جاز له أن يتزوج أختها وانعدمت التهمة) ش: لوجود التصادق م: (ألا ترى) ش: إيضاح لانعدام التهمة م: (أنه) ش: أي أن الشأن م: (تقبل شهادته لها ويجوز وضع الزكاة إليها) ش: لأن إقراره صار كإقراره لسائر الأجانب، وكذا وصيته لعدم التهمة، فهذه الأحكام م: (بخلاف المسألة الثانية) ش: وهي ما إذا طلقها ثلاثاً في مرضه بأمرها. م: (لأن العدة باقية، وهي سبب التهمة، والحكم يدار على دليل التهمة) ش: أي الحكم يترتب على دليل التهمة ويثبت به م: (ولهذا) ش: أي ولكون الحكم دائراً على دليل التهمة م: (يدار على النكاح) ش: حيث لا يجوز شهادة أحد الزوجين للآخر للتهمة م: (والقرابة) ش: حيث لا يجوز شهادة القريب للقريب، يعني قرابة الولاد، لأنه يجوز شهادة الأخ للأخ لانعدام التهمة، هكذا أطلقوا، والمراد إذا لم يكن الأخ في عيال أخيه م: (ولا عدة في المسألة الأولى) ش: لتصادقهما على انقضاء العدة، وليس فيها دليل التهمة. م: (ولأبي حنيفة في المسألتين أن التهمة قائمة) ش: بسبب التواضع م: (لأن المرأة قد تختار الطلاق لينفتح باب الإقرار والوصية عليها) ش: أي على المرأة، وهو يتعلق بقوله لينفتح م: (فيزيد حقها) ش: بالرفع لأنه فاعل م: (والزوجان قد يتواضعان) ش: من التواضع، وهو عبارة عن وضع الشخصين

стр. 2782

على الإقرار بالفرقة وانقضاء العدة ليبرئها الزوج بماله زيادة على ميراثها، وهذه التهمة في الزيادة، فرددناها ولا تهمة في قدر الميراث، فصححناه، ولا مواضعة عادة في حق الزكاة والتزوج والشهادة، فلا تهمة في حق هذه الأحكام. قال: ومن كان محصورا أو في صف القتال، فطلق امرأته ثلاثا لم ترثه، وإن كان قد بارز رجلا أو قدم ليقتل في قصاص، أو رجم؛ ورثت إن مات في ذلك الوجه أو قتل، ــ [البناية] رأيهما على شيء واحد، وكذا المواضعة م: (على الإقرار بالفرقة وانقضاء العدة ليبرئها الزوج بماله زيادة) ش: أي لأجل الزيادة م: (على ميراثها، وهذه التهمة في الزيادة فرددناها) ش: أي الزيادة م: (ولا تهمة في قدر الميراث فصححناه) ش: أي قدر الميراث. م: (ولا مواضعة عادة) ش: جواب عن مسألة أيهما، بيانه أن المواضعة عادة لا تكون م: (في حق الزكاة والتزوج والشهادة، فلا تهمة في حق هذه الأحكام) ش: لأن الإقرار وتهمة الإثمار يتحقق في حق الإرث لا في حق هذه الأحكام، فاعتبرت في حق الإرث دون غيره. وفي " الذخيرة ": لا بد من تحكيم الحال إذا كان حال خصومة وغضب يقع الطلاق عليها بهذا الإقرار، وإن لم يكن كذلك لم يقع. م: (قال: ومن كان محصوراً) ش: وفي أكثر النسخ أي قال محمد في " الجامع الصغير ": ومن كان محصراً هذا لبيان أن حكم الفرار غير منحصر في المرض، بل قال: كل شيء يقربه إلى الهلاك غالباً، فهو في معنى مرض الموت م: (أو في صف القتال) ش: أي لو كان في صف القتال في الحرب م: (فطلق امرأته ثلاثاً لم ترثه) ش: أي لم ترث المرأة زوجها م: (وإن كان) ش: أي الذي في صف القتال م: (قد بارز رجلاً) ش: من المبارزة في الحرب، وهي الخروج من الصف لطلب القتال م: (أو قدم) ش: على صيغة المجهول، أي أو قدم الرجل م: (ليقتل في قصاص) ش: كلمة في هاهنا للتعليل، أي لأجل قصاص نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] (يوسف: الآية٣٢) ، وفي الحديث: أن «امرأة دخلت النار في هرة» أي لأجل هرة م: (أو رجم) ش: أي أو قدم لأجل رجم بسبب الزنا. م: (ورثت إن مات في ذلك الوجه أو قتل) ش: أي أو قتل بسبب آخر، وفيه دليل على أنه لا فرق بينهما إذا مات بذلك السبب أو بسبب آخر كصاحب الفراش بسبب المرض إذا قتل، هذا ظاهر الرواية عن أصحابنا، وهو المذكور في " مختصر الكافي " " والمبسوط " و" الشامل ". وقال شمس الأئمة السرخسي في "مبسوطه ": كان عيسى بن أبان يقول: لا ميراث لها لأن مرض الموت ما يكون سبباً للموت، ولما مات بسبب آخر علمنا أن مرضه لم يكن مرض الموت. ولنا أن الموت اتصل بالمرض والسبب الآخر يكون متمماً له، ولا منافاة فيثبت الفرار فترث.

стр. 2783

وأصله ما بينا أن امرأة الفار ترث استحسانا، وإنما يثبت حكم الفرار بتعلق حقها بماله، وإنما يتعلق بمرض يخاف منه الهلاك غالبا، كما إذا كان صاحب الفراش، وهو أن يكون بحال لا يقوم بحوائجه كما يعتاده الأصحاء، وقد يثبت حكم الفرار بما هو في معنى المرض في توجه الهلاك الغالب، وما يكون الغالب منه السلامة لا يثبت به حكم الفرار، فالمحصور والذي في صف القتال الغالب منه السلامة، لأن الحصن لدفع بأس العدو، ــ [البناية] [امرأة الفار طلقها في مرض الموت] م: (وأصله) ش: أي أصل ثبوت حكم الفرار م: (ما بينا) ش: أي في أول الباب م: (أن امرأة الفار ترث استحساناً) ش: لا قياساً كما هو أحد أقوال الشافعي، لأن سبب الإرث انتهاء النكاح بالموت ولم يوجد لارتفاعه بالطلقات، والحكم لا يثبت بدون السبب. وجه الاستحسان ما مر وهو اتفاق الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - على ذلك كما ذكرناه مفصلاً. م: (وإنما يثبت حكم الفرار بتعلق حقها بماله) ش: أي بمال الزوج م: (وإنما يتعلق) ش: أي الفرار م: (بمرض يخاف منه الهلاك غالباً كما إذا كان صاحب الفراش، وهو أن يكون بحال لا يقوم بحوائجه) ش: كالذهاب إلى المسجد وإلى قضاء حاجته. وعن شمس الأئمة السرخسي: أن المعتبر في حق الفقيه أن لا يقدر على الخروج إلى المسجد، وفي السوق أن لا يقدر على الخروج إلى الدكان. ٥٠ وفي المرأة: أن لا يخرج إلى السطح، ولو كان المريض يقوم بحوائجه في البيت كالمشي إلى الخلاء ولا يقوم بحوائجه خارج البيت على التفصيل الذي ذكرنا فهو في حكم مرض الموت عند عامة مشايخ البخاري. وعند عامة مشايخ بلخ هو في حكم الصحيح. وقال بعض المشايخ من المتأخرين: إذا كان بحال يمكنه أن يخطو ثلاث خطوات من غير أن يستعين بغيره، فهو بمنزلة الصحيح، وهذا ضعيف، فإن المريض جداً لا يعجز عن هذا، وقيل: الذي يتعذر عليه أداء الصلاة جالساً. وقيل: الذي لا يقدر أن يقوم إلا أن يقيمه إنسان. وقيل: أن لا يقدر على الشيء إلا أن يهادى بين اثنين. وفي المرأة أن تعجز عن القيام بمصالح بيتها. والمرأة في حال الطلاق في حكم المرض. م: (كما يعتاده الأصحاء) ش: أي من القيام بحوائجه، والأصحاء جمع صحيح م: (وقد يثبت حكم الفرار بما هو في معنى المرض في توجه الهلاك الغالب) ش: فيكون ذلك سبباً في حكم مرض الموت، فالآن يوضحه المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (وما يكون الغالب منه السلامة لا يثبت به حكم الفرار) ش: وإن كان يخاف منه الهلاك، فلا يعطي له حكم المرض م: (فالمحصور) ش: إلى قوله: ولهذا أخوات إيضاح لما قبله، وبيان له، فلذلك ذكره بالفاء والمحصور هو المحبوس يقال حصره إذا حبسه م: (والذي في صف القتال) ش: أي في الصف للقتال م: (الغالب منه السلامة) ش: أي في كل واحد من المحصور والذي في صف القتال السلامة غالباً، وإن كان يمتنع الهلاك نادراً م: (لأن الحصن لدفع بأس العدو) ش: وهذا تعليل

стр. 2784

وكذا المنعة فلا يثبت به حكم والفرار الذي بارز أو قدم ليقتل الغالب منه الهلاك، فيتحقق به الفرار، ولهذا أخوات تخرج على هذا الحرف. وقوله إذا مات في ذلك الوجه أو قتل، دليل على أنه لا فرق بين ما إذا مات بذلك السبب أو بسبب آخر كصاحب الفراش بسبب المرض إذا قتل، وإذا قال الرجل لامرأته وهو صحيح. إذا جاء رأس الشهر، أو إذا دخلت الدار، أو إذا صلى فلان الظهر، أو إذا دخل فلان الدار، فأنت طالق، فكانت هذه الأشياء والزوج مريض لم ترث، ــ [البناية] للمحصور، لأن الغالب الذي في الحصن يأمن من شدة العدو. م: (وكذا المنعة) ش: تعليل للذي في صف القتال، لأن حوله من يمنع كل من العدو، والمنعة بالفتحات، ويقال: فلان في منعة من قومه، أي في عز وأمن م: (فلا يثبت به حكم الفرار) ش: نتيجة لما قبله م: (والذي بارز) ش: أي الذي خرج للمبارزة م: (أو قدم) ش: على صيغة المجهول م: (ليقتل) ش: في قصاص أو رجم م: (الغالب منه الهلاك) ش: والخلاص نادر م: (فيتحقق به الفرار) ش: نتيجة لما قبله م: (ولهذا) ش: أي ولهذه الصورة المذكورة م: (أخوات) ش: يعني من الصورة الأخرى م: (تخرج على هذا الحرف) ش: أي على هذا الأصل المذكور وحرف كل شيء حده وناحيته، والأصل المذكور هو ثبوت حكم الفرار بما هو في معنى المرض في توجه الهلاك الغالب وعدم ثبوته فيما كان الغالب منه السلامة، فمن الأول النازل في السبعة والراكب في السفينة وبقي على لوح، وكذا في " المحيط ". وفي " جوامع الفقه " كان في سفينة فاضطربت الأمواج، وكان الغالب منه الغرق فهو كمرض الموت، وكذا الواقع في فم السبع والمسلول والمفلوج والمقعد ما دام يزاد ما به فهو من الثاني وإلا فهو من الأول، وصاحب جرح وقرحة أو وجع لم يصبه على الفراش بمنزلة الصحيح في الطلاق وغيره. م: (وقوله) ش: أي قول محمد في " الجامع الصغير " م: (إذا مات في ذلك الوجه أو قتل دليل على أنه لا فرق بين ما إذا مات بذلك السبب أو بسبب آخر كصاحب الفراش بسبب المرض إذا قتل) ش: وقد مر الكلام فيه عن قريب. [قال لامرأته إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق] م: (وإذا قال الرجل لامرأته وهو صحيح) ش: أي والحال أنه صحيح م: (إذا جاء رأس الشهر أو إذا) ش: أي أو قال لها إذا م: (دخلت الدار، أو إذا صلى فلان الظهر، أو إذا دخل فلان الدار) ش: وهذه أربع صور تعليقه وقوله م: (فأنت طالق) ش: جوابها، أي طالق بائن لأن حكم الفرار يثبت بالبائن م: (فكانت) ش: أي وجدت وحدثت فكانت تامة م: (هذه الأشياء) ش: أي مجيء رأس الشهر، ودخول المرأة الدار، وصلاة فلان الظهر، ودخول فلان الدار م: (والزوج مريض) ش: أي والحال أن الزوج كان مريضاً وقت وجود هذه الأشياء م: (لم ترث) ش: جواب إذا في الصور المذكورة إلا في صورة المستثناة، على ما يجيء الآن. وقال زفر: ترث، لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط. قلنا: لا ترث، لأنه لم يوجد منه الفرار، فلا ترث بيانه أنه كان حين

стр. 2785

وإن كان القول في المرض ورثت إلا في قوله: إذا دخلت الدار، وهذا على وجوه أربعة: إما أن يعلق الطلاق بمجيء الوقت، أو بفعل الأجنبي، أو بفعل نفسه، أو بفعل المرأة، أو كل وجه، على وجهين، أما إن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كلاهما في المرض، أما الوجهان الأولان، وهو ما إن كان التعليق بمجيء الوقت بأن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو بفعل الأجنبي بأن قال إذا دخل فلان الدار أو صلى فلان الظهر فإن كان التعليق والشرط في المرض فلها الميراث، لأن القصد إلى الفرار قد تحقق منه بمباشرة التعليق في حال تعلق حقها بماله، وإن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لم ترث. وقال زفر ﵀: ترث، لأن المعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز فكان إيقاعا في المرض. ــ [البناية] علق صحيحا ولم يكن حق المرأة متعلقا بماله، فلم يوجد الفرار، وحين وجد الشرط لم يوجد فعل من الزوج، لأن الشرط أمر سماوي أو فعل الأجنبي، والزوج ليس بقادر على إبطال التعليق، ولا على منع الفعل السماوي، ولا منع الأجنبي من إيجاد الشرط، فلم يكن قادرا فلم ترث لعدم قصد العدوان من الزوج. م: (وإن كان القول في المرض ورثت إلا في قوله: إذا دخلت الدار) ش: هذه الصورة المستثناة من الصور الأربعة المذكورة م: (وهذا) ش: إشارة إلى المذكور من الصور المذكورة، منها: أي من قوله: إذا دخلت الدار، الخطاب إلى المرأة أو إلى نفسه م: (على وجوه أربعة) ش: الأول: هو قوله م: (إما أن يعلق الطلاق بمجيء الوقت) ش: بأن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، والثاني: هو قوله م: (أو بفعل الأجنبي) ش: بأن قال: إذا صلى فلان الظهر أو إذا دخل فلان هذه الدار. والثالث: هو قوله م: (أو بفعل نفسه) ش: بأن قال: إذا دخلت هذه الدار بالإخبار عن نفسه، والرابع: هو قوله م: (أو بفعل المرأة) ش: بأن قال مخاطبا لها: إن دخلت هذه الدار م: (أو كل وجه) ش: أي من الوجوه المذكورة. م: (على وجهين) ش: أحدهما قوله: م: (أما إن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض) ش: والآخر هو قوله م: (أو كلاهما) ش: أي التعليق والشرط وجدا كلاهما م: (في المرض. أما الوجهان الأولان وهو ما إن كان التعليق بمجيء الوقت بأن قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو بفعل الأجنبي بأن قال: إذا دخل فلان الدار، أو صلى فلان الظهر، فإن كان التعليق والشرط في المرض فلها الميراث، لأن القصد إلى الفرار قد تحقق منه) ش: أي من الزوج م: (بمباشرة التعليق في حال تعلق حقها بماله) ش: وهو حال المرض الذي يخاف منه الهلاك، ولهذا لا يجوز له أن يوصي بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة. م: (وإن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لم ترث. وقال زفر ﵀: ترث، لأن المعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز، فكان إيقاعا في المرض) ش: أي فكان المعلق بالشرط

стр. 2786

ولنا أن التعليق السابق يصير تطليقا عند الشرط حكما لا قصدا، ولا ظلم إلا عن قصد، فلا يرد تصرفه. وأما الوجه الثالث: وهو ما إذا علقه بفعل نفسه، فسواء كان التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كانا في المرض والفعل، ومما له منه بد، أو لا بد له منه، فيصير فارا لوجود قصد الإبطال، إما بالتعليق أو بمباشرة الشرط في المرض، وإن لم يكن له من فعل الشرط بد، فله من التعليق ألف بد، فيرد تصرفه دفعا للضرر عنها. وأما الوجه الرابع وهو ما إذا علقه بفعلها، فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل مما لها منه بد ككلام زيد ونحوه لم ترث، لأنها راضية بذلك، وإن كان الفعل لا بد لها منه كأكل الطعام وصلاة الظهر، ــ [البناية] إيقاعا في المرض. م: (ولنا أن التعليق السابق يصير تطليقا عند الشرط حكما لا قصدا) ش: يعني من حيث الحكم لا من حيث القصد، يعني يسلم قول زفر يصير كالمنجز لكن حكما لا قصدا، ولهذا لو كان عاقلا عند التعليق ومجنونا عند الشرط يقع الطلاق. فلو كان التعليق تطليقا عند وجود الشرط لما ارتفع لعدم القصد منه، وكذا لو حلف بعد التعليق بأن لا يطلق ثم وجد الشرط لم يحنث، فلو كان التعليق تطليقا عند وجود الشرط ينبغي أن يحنث م: (ولا ظلم إلا عن قصد، فلا يرد تصرفه) ش: لأنه علق ولم يتعلق حقها بماله، فلم يوجد من جهته منع بعد وجود الشرط، ولا يقدر على إبطال التعليق ولا على منع الأجنبي عن إيجاد الشرط. م: (وأما الوجه الثالث: وهو ما إذا علقه بفعل نفسه، فسواء كان التعليق في الصحة والشرط في المرض، أو كانا) ش: أي أو كان التعليق والشرط م: (في المرض والفعل، مما له منه بد) ش: أي الفعل شيء للزوج من ذلك الشيء بد، ككلام زيد مثلا م: (أو لا بد له منه) ش: أي أو الفعل شيء لا بد للزوج منه، كالأكل والصلاة ونحو ذلك م: (فيصير فارا لوجود قصد الإبطال، إما بالتعليق أو بمباشرة الشرط في المرض، وإن لم يكن له من فعل الشرط بد، فله من التعليق ألف بد، فيرد تصرفه دفعا للضرر عنها) ش: أي عن المرأة. م: (وأما الوجه الرابع: وهو ما إذا علقه بفعلها، فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل) ش: أي أو كان الفعل م: (مما لها منه بد ككلام زيد ونحوه) ش: مثل دخول الدار م: (لم ترث، لأنها راضية بذلك) ش: أي بإسقاط حقها، حيث باشرت الشرط م: (وإن كان الفعل) ش: مما ليس لها منه بد. وفي أكثر النسخ، فإن كان الفعل م: (لا بد لها منه كأكل الطعام وصلاة الظهر) ش: قال الأترازي: تقييد صلاة الظهر اتفاقي لا احترازي، لأن الحكم في سائر المكتوبات كذلك، وتخصيصها باعتبار أنها أسبق في الظهر، بحيث الأولية، لأنها أول صلاة فرضت، قلت: هذه الوجه ذكره السغناقي.

стр. 2787

وكأم الأبوين ترث، لأنها مضطرة في المباشرة لما لها في الامتناع من خوف الهلاك في الدنيا أو في العقبى، ولا رضاء مع الاضطرار. وأما إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض، إن كان الفعل مما لها منه بد، فلا إشكال أنه لا ميراث لها، وإن كان مما لا بد لها منه، فكذلك الجواب عند محمد ﵀ وهو قول زفر، لأنه لم يوجد من الزوج صنع بعد ما تعلق حقها بماله، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ترث، لأن الزوج ألجأها إلى المباشرة فينتقل الفعل إليه، كأنها آلة له كما في الإكراه. قال: وإذا طلقها ثلاثا وهو مريض، ثم صح، ثم مات لم ترث، وقال زفر ﵀: ترث لأنه قصد الفرار حين أوقع الطلاق في المرض، وقد مات وهي في العدة، ولكنا نقول المرض إذا تعقبه برء فهو بمنزلة الصحة، لأنه ينعدم به مرض. ــ [البناية] م: (وكأم الأبوين ترث، لأنها مضطرة في المباشرة لما لها في الامتناع من خوف الهلاك في الدنيا) ش: كالأكل، فإن لم تأكل تخاف على نفسها الهلاك في الدنيا م: (أو في العقبى) ش: أي العقوبة في الآخرة م: (ولا رضاء مع الاضطرار، وأما إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض، إن كان الفعل مما لها منه بد فلا إشكال أنه) ش: أي أن الشأن م: (لا ميراث لها وإن كان مما لا بد لها منه فكذلك الجواب عند محمد ﵀) ش: أي لا ميراث لها م: (وهو قول زفر) ش: أي قول محمد ﵀ قول زفر أيضاً. م: (لأنه لم يوجد من الزوج صنع بعد ما تعلق حقها بماله، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ترث، لأن الزوج ألجأها إلى المباشرة) ش: أي إلى جعل فعلها الذي لا بد لها منه علة لإسقاط حقها م: (فينتقل الفعل إليه) ش: أي كأن المرأة م: (آلة له كما في الإكراه) ش: يعني إذا أكره زيد عمرا على إتلاف مال الغير فأتلفه عمرو يضمن زيد، لأن المكره بفتح الراء صار كأنه آلة للمكره بكسر الراء، فانتقل فعل المكره إلى المكره، فكذا فيما نحن فيه، فلما كانت المرأة مضطرة انتقل فعلها إلى الزوج، فصار كأنه فعل الشرط في مرض موته فورثت لكونه فارا. [طلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات والحال أنه مريض] م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": وليس في كثير من النسخ لفظ قال: م: (وإذا طلقها ثلاثا وهو مريض) ش: أي وإذا طلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات، والحال أنه مريض م: (ثم صح، ثم مات لم ترث، وقال زفر ﵀: ترث) ش: ولم يذكر في " الجامع الصغير " خلافا زفر، وكذا لم يذكر في الأصل، ولا ذكره الحاكم في مختصره، وإنما ذكره شمس الأئمة السرخسي في " شرح المختصر "، وبقول زفر قال الثوري والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق بن راهويه. ودليل زفر هو قوله م: (لأنه) ش: أي لأن الزوج م: (قصد الفرار حين أوقع الطلاق في المرض وقد مات) ش: والحال أنه قد مات م: (وهي في العدة) ش: ولا يعتبر البرء المتخلل، فكأنه لم يبرأ بين الطلاق والموت م: (ولكنا نقول: المرض إذا تعقبه برء فهو بمنزلة الصحة، لأنه ينعدم به مرض

стр. 2788

الموت، فتبين أنه لا حق لها، يتعلق بماله، فلا يصير الزوج فارا. ولو طلقها فارتدت - والعياذ بالله تعالى - ثم أسلمت، ثم مات الزوج من مرضه، وهي في العدة لم ترث، وإن لم ترتد بل طاوعت ابن زوجها في الجماع ورثت. ووجه الفرق بين المسألتين أنها بالردة أبطلت أهلية الإرث، إذ المرتد لا يرث أحدا، ولا بقاء له بدون الأهلية، وبالمطاوعة ما أبطلت الأهلية، لأن المحرمية لا تنافي الإرث وهو الباقي، بخلاف ما إذا طاوعت في حال قيام النكاح، لأنها تثبت الفرقة، فتكون راضية ببطلان السبب، وبعد الطلقات الثلاث لا تثبت الحرمة بالمطاوعة لتقدمها عليها، ــ [البناية] الموت، فتبين أنه لا حق لها، يتعلق بماله، فلا يصير الزوج فارا) ش: قيل: هذا إذا كان به حمى ربع، وصاحب فراش، فانقطعت وصح منها، ثم مات بحمى غب أو غيرهما من الأمراض، أما لو صح من حمى الربع ثم عادت حمى ربع، ومات يجعل الثاني عين الأول، ولا يحكم بزوالها، فينبغي أن ترثه على هذا، وفيه نظر، لأنه لو حكم بزوالها لم يحكم لما بقي تعلق حقها بماله فلا يتحقق قصد الفرار. م: (ولو طلقها) ش: أي ثلاثا أو بائنا م: (فارتدت - والعياذ بالله تعالى - ثم أسلمت، ثم مات الزوج من مرضه وهي في العدة) ش: أي والحال أنها في العدة م: (لم ترث) ش: لأن الردة منافية للإرث م: (وإن لم ترتد بل طاوعت ابن زوجها في الجماع ورثت، ووجه الفرق بين المسألتين أنها بالردة أبطلت أهلية الإرث، إذ المرتد لا يرث أحدا ولا بقاء له) ش: أي للإرث م: (بدون الأهلية، وبالمطاوعة) ش: أي بمطاوعة ابن زوجها م: (ما أبطلت الأهلية، لأن المحرمية لا تنافي الإرث وهو الباقي) ش: أي الإرث هو الباقي. م: (بخلاف ما إذا طاوعت في حال قيام النكاح، لأنها تثبت الفرقة، فتكون راضية ببطلان السبب) ش: أي سبب الإرث وهو النكاح م: (وبعد الطلقات الثلاث لا تثبت الحرمة بالمطاوعة لتقدمها عليها) ش: أي لتقدم الطلقات على المطاوعة يعني أهلية الإرث لم تثبت بالمطاوعة فأمكن إبقاء النكاح في استحقاق الإرث في هذه الحالة كما كانت. فإن قيل: ينبغي أن لا ترث لأنا تيقنا النكاح حكما في حق الإرث والنكاح الباقي حقيقة يبطل بالمحرمية، فهذا أحق وصار كما إذا طاوعت ابن زوجها قبل الطلاق كالمسألة الأولى. أجيب: بأن الردة تنافي نفس الحق وهو الإرث كما أن المرتد لا يرث أحدا، فلم يتصور بقاء النكاح بدون الأهل، فأما المحرمية فإنها يبطل بها الإرث بسبب بطلان النكاح مضافا إليها، ولم يوجد، لأن النكاح قد يبطل بالثلاث، وإنما بقي في حق الإرث خاصة، وبالمطاوعة في حال قيام النكاح تقع الفرقة مضافا إليها فلا يجب إبقاء النكاح في حق الاستحقاق نظرا لها مع رضاها ببطلان السبب، كذا في " الكافي ".

стр. 2789

فافترقا، ومن قذف امرأته وهو صحيح، لاعن في المرض ورثت. وقال محمد ﵀: لا ترث، وإن كان القذف في المرض ورثته - وفي قولهم جميعا - وهذا ملحق بالتعليق بالفعل لا بد لها منه، إذ هي ملجئة إلى الخصومة لدفع عار الزنا عن نفسها، وقد بينا الوجه فيه. وإن آلى من امرأته وهو صحيح ثم بانت بالإيلاء وهو مريض لم ترث، وإن كان الإيلاء أيضا في المرض ورثت، لأن الإيلاء في معنى تعليق الطلاق بمضي أربعة أشهر خالية عن الوقاع، فيكون ملحقا بالتعليق بمجيء الوقت، وقد ذكرنا وجهه. ــ [البناية] م: (فافترقا) ش: وارتداد المرأة بعد للإبانة، حيث لم ترث في الأولى، وورثت في الثانية. م: (ومن قذف امرأته وهو صحيح) ش: أي والحال أنه في الصحة م: (ولاعن في المرض ورثت) ش: منه م: (وقال محمد ﵀: لا ترث) ش: وبه قال زفر لعدم الفرار لأن سبب الفرقة قذف الرجل ولم يكن قذفه في زمان تعلق حقها بماله م: (وإن كان القذف في المرض ورثته - في قولهم جميعا - وهذا) ش: أي هذا الحكم م: (ملحق بالتعليق بالفعل الذي لا بد لها منه، إذ هي ملجئة إلى الخصومة) ش: يعني مضطرة إليها م: (لدفع عار الزنا عن نفسها) ش: فلم تكن راضية ببطلان حقها، فجعل الزوج مطلقا في المرض حكما باعتبار الشرط، فكان لها الميراث لوجود الفرار منه بالطلاق في المرض م: (وقد بينا الوجه فيه) ش: أي بينا وجه هذه المسألة في التعليق بفعل لا بد لها منه عند قوله: وإن كان مما لا بد لها منه فكذلك الجواب عند محمد ... إلى آخره. [آلى من امرأته وهو صحيح وبانت بالإيلاء وهو مريض] م: (وإن آلى من امرأته وهو صحيح) ش: أي وإن آلى رجل من امرأته والحال أنه صحيح م: (ثم بانت بالإيلاء) يعني تمت الأربعة الأشهر م: (وهو مريض) ش: أي والحال أنه مريض م: (لم ترث) ش: لأن البينونة مضافة إلى إيلاء الزوج وقد وقع ذلك في حال الصحة، ولم يوجد من الزوج في المرض شيء آخر من مباشرة علة أو شرط، فلا يكون فارا، وهو فرع التعليق بمجيء الوقت. م: (وإن كان الإيلاء أيضاً في المرض ورثت، لأن الإيلاء في معنى تعليق الطلاق بمضي أربعة أشهر خالية عن الوقاع، فيكون ملحقا بالتعليق بمجيء الوقت) ش: فإن قيل: لا نسلم أن الإيلاء نظير تعليق الطلاق بمجيء الوقت إن كان الإيلاء في الصحة لما أنه ممكن من إبطال الإيلاء بالنفي، وإذا لم يبطل في حالة المرض صار كأنه إنشاء الإيلاء في المرض وهناك ترث، فكذلك هنا. فكان نظير من وكل وكيلا بالطلاق في صحته، فطلقها الموكل في المرض، فكان فارا لتمكنه من العزل، فإذا لم يعزل يجعل كأنه ألجأه، فكذلك هاهنا. أجيب: بأن الفرق بينهما ثابت وهو أنه لا يمكنه إبطال الإيلاء إلا بضرر يلزمه، فلم يكن ممكنا مطلقا، بخلاف مسألة الوكالة م: (وقد ذكرنا وجهه) ش: أي وجه التعليق بمجيء الوقت.

стр. 2790

قال - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - والطلاق الذي يملك فيه الرجعة ترث به في جميع الوجوه لما بينا أنه لا يزيل النكاح حتى يحل الوطء، فكان السبب قائما. قال: وكل ما ذكرنا أنها ترث إنما ترث إذا مات وهي في العدة، وقد بيناه، والله تعالى أعلم بالصواب ــ [البناية] م: (قال) ش: أي قال المصنف ﵀ م: (والطلاق الذي يملك فيه الرجعة ترث به في جميع الوجوه) ش: أي في جميع الصور، سواء نجز أو علق بالوجوه الأربعة المذكورة في التعليق م: (لما بينا) ش: فيما مضى م: (أنه) ش: أي أن الطلاق الرجعي م: (لا يزيل النكاح حتى يحل الوطء، فكان السبب) ش: أي سبب الإرث م: (قائما) ش: وهو النكاح حكما م: (وكل ما ذكرنا أنها ترث إنما ترث إذا مات) ش: أي الزوج م: (وهي في العدة) ش: أي والحال أنها في العدة م: (وقد بيناه) ش: في أول الباب بقوله: وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقا بائنا فمات وهي في العدة ورثته، وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها.

стр. 2791

باب الرجعة وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة رجعية أو تطليقتين، فله أن يراجعها في عدتها، رضيت بذلك أو لم ترض، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] (البقرة: الآية ٢٣١) من غير فصل. ولا بد من قيام العدة، لأن الرجعة استدامة الملك ألا ترى أنه سمي إمساكا. ــ [البناية] [باب الرجعة] [مراجعة من طلق امرأته تطليقة رجعية أو تطليقتين] م: (باب الرجعة) ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجعة. ولما كانت الرجعة متأخرة عن الطلاق طبعا أخره وضعا، ليناسب الوضع الطبع من قولهم: رجع يرجع رجعا ورجوعا ورجعته إلى أهله، أي ردته إليهم. ويقال: إلى الله مرجعك ورجوعك ورجعاك، وربما قالوا: رجعناك، وطلق فلان امرأته بملك الرجعة والرجعة قاله ابن دريد. قلت: يعني بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، وفي المنافع: رجع يستعمل لازما ومتعديا، فالرجوع مصدر اللازم، كالقعود والجلوس والدخول، فمن اللازم قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] (المنافقون: الآية ٨) ، ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ [يوسف: ٦٣] (يوسف: الآية ٦٣) ، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] (البقرة: الآية ١٥٦) ، ومن المتعدي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] (التوبة: الآية ٨٣) ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٤] (الملك: الآية ٤) . والرجع مصدر المتعدي، وهي في الشريعة استدامة ملك النكاح، ولها شرائط، أحدها: تقديم صريح لفظ الطلاق وبعض ألفاظ الكناية كما تقدم. والثانية: أن لا يكون بمقابلة مال. والثالثة: أن لا يستوفي الثلاثة من الطلاق. والرابعة: أن لا تكون المرأة مدخولا بها. والخامسة: أن تكون العدة قائمة، ولا خلاف لمشروعيتها لأحد لثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع. م: (وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة رجعية أو تطليقتين فله أن يراجعها في عدتها، رضيت بذلك أو لم ترض) ش: وهذا بإجماع أهل العلم م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ش: م: (البقرة: الآية ٢٣١) ش: الإمساك هو الإبقاء، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] يعني إذا بلغن منتهى عدتهن، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك من غير ضرار، وإن شئتم فالمفارقة من غير ضرار، وروى أبو داود عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن النبي ﷺ طلق حفصة ﵂ ثم راجعها. وفي حديث ابن عمر أنه ﷺ قال له: "مر ابنك فليراجعها» ... " الحديث متفق عليه م: (من غير فصل) ش: يعني أن إطلاق النص لم يفصل بين رضا المرأة وعدمه، بل أثبت الرجعة مطلقا. م: (ولا بد من قيام العدة، لأن الرجعة استدامة الملك) ش: ولا ملك بعد انقضاء العدة م: (ألا ترى أنه سمي إمساكا) ش: توضيح لما قبله، بيانه إن شاء الله تعالى سمى الرجعة إمساكا، وذلك بإجماع

стр. 2792

وهو الإبقاء، وإنما تتحقق الاستدامة في العدة، لأنه لا ملك بعد انقضائها. والرجعة أن يقول راجعتك أو راجعت امرأتي، وهذا صريح في الرجعة، ولا خلاف فيه بين الأئمة. قال: أو يطأها، أو يقبلها، أو يلمسها بشهوة، أو ينظر إلى فرجها بشهوة، وهذا عندنا. وقال الشافعي ﵀: لا تصح الرجعة إلا بالقول مع القدرة عليه، ــ [البناية] أهل التفسير م: (وهو الإبقاء) ش: أي الإمساك م: (وإنما تتحقق الاستدامة في العدة، لأنه لا ملك بعد انقضائها) ش: فإذا انتقضت العدة لم يبق محل الإمساك والطلاق والرجعي في الحال سبب لزوال الملك عند انقضاء العدة، والزوال محل حل المحلية عند استيفاء عدد الطلاق. م: (والرجعة أن يقول) ش: أي كيفية الرجعة أن يقول للذي طلقها طلقة أو تطليقتين م: (لامرأته: راجعتك) ش: بالخطاب لها م: (أو راجعت امرأتي) ش: أي أو يقول: راجعت امرأتي بالغيبة م: (وهذا صريح في الرجعة، ولا خلاف فيه) ش: أي في هذا يعني بالقول م: (بين الأئمة) ش: أراد أن الرجعة بالقول تصح بالإجماع. وفي " المحيط ": وكذا إذا قال: ارتجعتك أو رجعتك أو رددتك أو مسكتك، وهذه الألفاظ صريحة في الرجعة غير مفتقرة إلى النية. ومن الكنايات في الرجعة: أنت عندي كما كنت، أو قال: أنت امرأتي ونوى به الرجعة صار مراجعا، ذكره في " الذخيرة ". وفي " الحاوي ": عزاه إلى محمد بن مقاتل الرازي قاضي قضاة بغداد، وفي " الروضة ": في حصول الرجعة ب راجعتك بلا نية قولان لمالك، كنكاح الهازل، واختلفوا في الإمساك والنكاح والتزوج. وفي " الذخيرة ": لو قال راجعتك بمهر ألف درهم وقبلت صحت، وإلا فلا، لأنها زيادة في المهر، ويشترط قبولها. وفي " المرغيناني " و " الحاوي ": راجعتك على ألف، قال أبو بكر: لا يجب الألف ولا يصير زيادة في المهر، كما في "الإقالة". [يطأ التي طلقها أو يقبلها] م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (أو يطأها) ش: أي أو يطأ التي طلقها م: (أو يقبلها، أو يلمسها بشهوة، أو ينظر إلى فرجها بشهوة) ش: وفي " المبسوط " و " الذخيرة " والتقبيل بشهوة والنظر إلى داخل فرجها بشهوة رجعة، ولم يقيد الشهوة في التقبيل في الكتاب. وفي البدائع: وهو قول محمد المرجوع إليه. وأما النظر إلى موضع الجماع من دبرها فليس برجعة، واختلفوا في الدبر، قيل ليس برجعة، إليه أشار القدوري، والفتوى على أنه رجعة. م: (وهذا عندنا) ش: أي كون الرجعة بالوطء أو بالمس بالشهوة أو بالنظر إلى فرجها بالشهوة عند أصحابنا الحنفية، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري ومحمد بن سيرين وطاوس وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وجابر والشعبي وسليمان التيمي. وقال مالك وإسحاق: إن أراد به الرجعة فهو رجعة. م: (وقال الشافعي: لا تصح الرجعة إلا بالقول مع القدرة عليه) ش: أي على القول بأن لم يكن

стр. 2793

لأن الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح عنده حتى يحرم وطؤها، وعندنا هي استدامة النكاح على ما بيناه، وسنقرره إن شاء الله تعالى. والفعل قد يقع دلالة على الاستدامة كما في إسقاط الخيار والدلالة فعل يختص بالنكاح، وهذه الأفاعيل تختص به، خصوصا في حق الحرة، بخلاف النظر والمس بغير شهوة، فإنه قد يحل بدون النكاح كما في القابلة والطبيب وغيرهما، والنظر إلى غير الفرج قد يقع بين المساكنين والزوج يساكنها في العدة، فلو كان رجعة لطلقها فتطول العدة عليها. ــ [البناية] أخرس أو معتقل اللسان، أما إذا كان كذلك فيصح بالإشارة، وبه قال أبو ثور والظاهرية، وقول أحمد مضطرب. وفي " الحلية ": هو رجعة كقولنا م: (لأن الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح عنده) ش: أي عند الشافعي م: (حتى يحرم وطؤها) ش: أي عنده م: (وعندنا هي) ش: أي الرجعة. وفي بعض النسخ: هو على تأويل الرجوع، وتذكير المؤنث على التأويل سائغ، كما في قوله: ولا أرض أثقل أثقالها، أي ولا مكان م: (استدامة النكاح على ما بيناه) ش: أي قوله ألا ترى أنه سمي إمساكا م: (وسنقرره إن شاء الله تعالى) ش: أي في آخر هذا الباب عند قوله: والطلاق الرجعي لا يحرم الوطء م: (والفعل) ش: نحو اللمس. م: (قد يقع دلالة على الاستدامة كما في إسقاط الخيار) ش: فإن باعه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم وطئها في مدة الخيار يكون وطؤها دليلا على استدامة الملك، فيسقط الخيار، فكذلك في الطلاق الرجعي يدل الوطء على استدامة النكاح، بل أولى، لأن هناك يحتاج إلى فسخ السبب المزيل وهو البيع، وهنا لا يحتاج إلى فسخ السبب المزيل، وهو الطلاق، لأنه لا يقبل الفسخ. م: (والدلالة فعل يختص بالنكاح) ش: أي الدلالة تتحقق بفعل مخصوص بالنكاح لا بكل فعل م: (وهذه الأفاعيل) ش: أي النظر إلى الفرج الداخل بشهوة والمس بشهوة والتقبيل بشهوة م: (تختص به) ش: أي بالنكاح فيقع دلالة م: (خصوصا في حق الحرة) ش: قيد بالحرة احترازا عن الأمة، لأن الحرة لا تحل هذه الأفاعيل بلا ثبوت نكاح، فكانت مختصة بالنكاح، فدلت على استدامة ملك النكاح، بخلاف الأمة، فإن هذه الأفاعيل تحل فيها بملك المتعة، وملك اليمين أيضا. م: (بخلاف النظر والمس بغير شهوة، فإنه قد يحل بدون النكاح كما في القابلة والطبيب وغيرهما) ش: مثل الختانة والشاهد في الزنا إذا احتاج إلى تحمل الشهادة م: (والنظر إلى غير الفرج قد يقع بين المساكنين والزوج يساكنها في العدة، فلو كان) ش: أي لو كانت هذه الأفاعيل من غير شهوة م: (رجعة لطلقها) ش: لأنه لا يريدها لتخلف الواقع م: (فتطول العدة عليها) ش: وفيه ضرر بالمرأة، فلا يجوز لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] (البقرة: الآية ٢٣١) . فإن قلت: قد ذكر هنا تقبيل الرجل ومسه إياها بشهوة ونظره إلى فرجها بشهوة، فإن قبلته

стр. 2794

قال ويستحب أن يشهد على الرجعة شاهدين، فإن لم يشهد صحت الرجعة. وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه: لا تصح، وهو قول مالك ﵀ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق: الآية ٢) ، والأمر للإيجاب. ولنا أن الطلاق المنصوص عربي عن قيد الأشهاد؛ ــ [البناية] المرأة بشهوة أو لمسته أو نظرت إلى فرجه بشهوة كيف يكون حكمه؟ قلت: قال شمس الأئمة في " المبسوط ": تثبت الرجعة عندهما، ولا تثبت عند أبي يوسف؛ لأن هذا الفعل من الزوج دليل استبقاء الملك، وليس لها ولاية استبقاء الملك، ولا يكون فعلها به رجعة، وهما يقولان فعلها به كفعله بها، فإن الحل مشترك بينهما، ولهذا تثبت المصاهرة بفعلها بهذه الأشياء، فكذلك الرجعة. [الإشهاد على الرجعة] م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (ويستحب أن يشهد على الرجعة شاهدين) ش: صورة الإشهاد أن يقول لاثنين من المسلمين اشهدوا أني قد راجعت امرأتي. وفي " المبسوط " استحباب الإشهاد على الرجعة قول ابن مسعود ﵁ وعمار م: (فإن لم يشهد صحت الرجعة) ش: وبه قال مالك. م: (وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تصح) ش: أي لا تصح الرجعة بلا إشهاد، وهو قوله القديم، وقوله الجديد: أن الإشهاد مستحب فيها كقولنا، ذكره في " المبسوط " وفي " الروضة " الإشهاد ليس بشرط على الأظهر. وفي " المحيط ": الإشهاد لازم عند الشافعي، ولا يصح بمهر عنده. وفي " المبسوط ": وفي أحد قولي الشافعي الإشهاد واجب، وعن أحمد روايتان في الإشهاد، وذكرهما في " المغني " ولا يفتقر إلى ولي لا مهر ولا رضاها، وهو إجماع. وقال ابن حزم: الإشهاد عند الرجعة شرط، وإذا رجع ولم يشهد أو أشهد ولم يعلمها حتى انقضت عدتها بانت منه. وفي " الأشراف ": لم يختلف أهل العلم أن الإشهاد فيه سنة، وأن الرجعة إلى الرجل ما دامت في عدتها وإن كرهت، وذلك بغير مهر ولا عوض. م: (وهو قول مالك) ش: أي قول الشافعي، وهو قول مالك، وقد ذكرنا أن قول مالك كقولنا م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق: الآية ٢) والأمر للإيجاب) ش: في الحقيقة الاستدلال بهذه الآية للظاهرية ومن تابعهم، لأن مذهب الشافعي في الأظهر وأحمد ومالك كقولنا إلا في رواية عن أحمد كقولهم. م: (ولنا أن الطلاق المنصوص عري عن قيد الإشهاد) ش: المنصوص في قَوْله تَعَالَى

стр. 2795

ولأنه استدامة للنكاح والشهادة ليست بشرط فيه في حالة البقاء، كما في الفيء في الإيلاء، إلا أنها تستحب لزيادة الاحتياط كيلا يجري التناكر فيها، وما تلاه محمول عليه، ألا ترى أنه قرنها بالمفارقة، وهو فيها مستحب، ويستحب أن يعلمها كيلا تقع في المعصية. ــ [البناية] ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (البقرة: الآية ٢٢٨) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (البقرة: الآية ٢٢٩) . وقوله ﵇ «مر ابنك فليراجعها» قاله ﵇ لعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حين طلق ابنه عبد الله امرأته وكل هذا عارية عن قيد الإشهاد. وفي " الكافي " وفي اشتراط الإشهاد زيادة على النص المطلق، وهي فسخ فلا يجوز. م: (ولأنه) ش: أي ولأن الرجعة ذكر الضمير باعتبار الرجوع م: (استدامة للنكاح) ش: أي طلب الدوام للنكاح م: (والشهادة ليست بشرط فيه) ش: أي في النكاح م: (في حالة البقاء) ش: أي بقاء النكاح م: (كما في الفيء في الإيلاء) ش: حيث يصح بلا إشهاد م: (إلا أنها) ش: أي إلا أن الشهادة م: (تستحب لزيادة الاحتياط كيلا يجري التناكر فيها) ش: أي في الرجعة م: (وما تلاه) ش: الشافعي وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق: الآية ٢) م: (محمول عليه) ش: أي على الاستحباب. م: (ألا ترى) ش: توضيح لما قبله م: (أنه) ش: أي أن الله تعالى م: (قرنها) ش: أي قرن الرجعة م: (بالمفارقة) ش: حيث قال الله تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا﴾ [الطلاق: ٢] (البقرة: الآية ٢٣١) ، اعترض بأن القران في التكلم لا يوجب القران في الحكم، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] (البقرة: الآية ٤٣) . وأجيب: بأن ذلك فيما إذا حكم على إحدى الجملتين المتقاربتين بحكم الجملة الأخرى، وما نحن فيه ليس كذلك بل فيه كل من الجملتين مستقل بحكمها، وإنما يعقبا جملة أخرى تعلقت بهما أو إحداهما، فتقتضي تعلقها بها من حيث الاستحباب، فكذلك الأخرى لئلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مختلفين م: (وهو فيها مستحب) ش: أي الإشهاد يستحب في الرجعة، وهو من وجه تكرار، لأنه علم مما قبله. [إعلام المرأة بالرجعة] م: (ويستحب أن يعلمها) ش: أي يعلم المرأة بالرجعة م: (كيلا تقع في المعصية) ش: وذلك أن المرأة إذا لم تعلم بالرجعة ربما تتزوج على زعمها أن زوجها لم يراجعها، وقد انقضت عدتها ويطأها الزوج، فكانت عاصية وزوجها يكون مسيئا بترك الإعلام، ولكن مع هذا لو لم يعلمها صحت الرجعة، لأنها استدامة القائم، وليست بإنشاء، فكان الزوج متصرفا في خالص حقه، وتصرف الإنسان في خالص حقه لا يتوقف على علم الغير للغير، قال: فإن قيل: كيف تكون

стр. 2796

وإذا انقضت العدة فقال كنت راجعتك في العدة فصدقته فهي رجعة، وإن كذبته فالقول قولها، لأنه أخبر عما لا يملك إنشاءه في الحال، فكان متهما إلا أن بالتصديق ترتفع التهمة ولا يمين عليها عند أبي حنيفة ﵀ وهي مسألة الاستحلاف في الأشياء الستة، وقد مر في كتاب النكاح. وإذا قال الزوج قد راجعتك في العدة فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي ، لم تصح الرجعة عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: تصح لأنها صادفت العدة، إذ هي باقية ظاهرا إلى أن تخبر وقد سبقته الرجعة، ــ [البناية] عاصية بغير علم؟ أجيب: بأنها إذا تزوجت بغير سؤال وقعت في المعصية، لأن التقصير جاء من جهتها. م: (وإذا انقضت العدة) ش: أي عدة المرأة المطلقة بالطلاق الرجعي م: (فقال) ش: أي الزوج: م: (كنت راجعتك في العدة فصدقته) ش: أي فصدقت المرأة زوجها في ذلك م: (فهي رجعة) ش: أي مقالة الزوج بذلك، وتصديق المرأة إياه تكون رجعة لظهورها بتصادقها م: (وإن كذبته فالقول قولها، لأنه) ش: أي لأن الزوج م: (أخبر عما لا يملك إنشاءه في الحال) ش: لأن العدة منقضية م: (فكان متهما) ش: في دعوى الرجعة م: (إلا أن بالتصديق) ش: أي بتصديق المرأة إياه م: (ترتفع التهمة) ش: وهذا كالوكيل إذا قال بعد العزل: قد كنت بعت حيث لا يقبل قوله، بل يكون القول قول الموكل إلا إذا صدقه الموكل، بخلاف ما إذا قال في العدة قد كنت راجعتك أمس فأنكرت المرأة حيث يكون القول قوله، لأنه أخبر بما يملك إنشاءه في الحال، فإذا لم تثبت الرجعة في الأمس يصير كأنه راجعها في الحال. م: (ولا يمين عليها عند أبي حنيفة ﵀ وهي مسألة الاستحلاف في الأشياء الستة وقد مر في كتاب النكاح) ش: لم يبين هذه المسألة في كتاب النكاح، بل قال في مسألة دعوى السكوت على البكر، فلا يمين عليها عن أبي حنيفة، وهي مسألة الاستحلاف في الأشياء الستة، ثم قال: وسيأتيك في الدعوى، ومثل هذا لا يقال مر لأنه لم يكن ثمة للرجعة أثر. [قال الزوج قد راجعتك في العدة فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي] م: (وإذا قال الزوج: قد راجعتك في العدة، فقالت مجيبة له) ش: أي للزوج م: (قد انقضت عدتي لم تصح الرجعة عند أبي حنيفة ﵀) ش: هذا إذا قالت متصلا بكلام الزوج حتى لو سكتت ساعة ثم قالت: انقضت عدتي، وقال الزوج مجيبا لها موصولا: راجعتك لا تصح الرجعة بالاتفاق، ذكره في " شرح الطحاوي "، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد. م: (وقالا: تصح الرجعة لأنها صادفت العدة) ش: أي زمان العدة م: (إذ هي باقية ظاهرا إلى أن تخبر) ش: أي المرأة عملا باستصحاب الحال، والرجعة في العدة صحيحة م: (وقد سبقته الرجعة) .

стр. 2797

ولهذا لو قال لها: طلقتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي يقع الطلاق، ولأبي حنيفة ﵀ أنها صادفت حالة الانقضاء، لأنها أمينة في الإخبار عن الانقضاء، فإذا أخبرت دل ذلك على سبق الانقضاء، وأقرب أحواله حال قول الزوج. ومسألة الطلاق على الخلاف، ولو كانت على الاتفاق فالطلاق يقع بإقراره بعد الانقضاء والمراجعة لا تثبت به. وإذا قال زوج الأمة بعد انقضاء عدتها: قد كنت راجعتها في العدة وصدقه المولى وكذبته الأمة، فالقول قولها عند أبي حنيفة ﵀. ــ [البناية] ش: أي وقد سبقت أخبارها الرجعة بانقضاء العدة، فصحت الرجعة وسقطت العدة. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل سبق إخبارها م: (لو قال لها طلقتك فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي يقع الطلاق) ش: لسبق إخبارها، وقيل مثله الطلاق على الخلاف، والأصح أنه يقع لإقرار الزوج بالوقوع، كما لو قال بعد انقضاء العدة كنت طلقتها في العدة، كان مصدقا بخلاف الرجعة. وفي " الروضة ": لو اتفقا على انقضاء العدة، واختلفا في الرجعة، والصحيح أن القول لها، وعليه الجمهور، ولو اتفقا على الرجعة يوم الجمعة، وقالت: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال الزوج: يوم السبت قيل يصدق بيمينه أم هي أم السابق بالدعوى فيه ثلاثة أوجه: الصحيح الأول. ولو كانت العدة باقية فالصحيح أن القول قوله، لأنه يملك الإنشاء فلا تهمة في الإخبار، وقيل: القول قولها. م: (ولأبي حنيفة ﵀ أنها) ش: أي الرجعة م: (صادفت حالة الانقضاء) ش: أي صادفت زمان انقضاء العدة، فلا تصح الرجعة زمان الانقضاء م: (لأنها) ش: أي لأن المرأة م: (أمينة في الإخبار عن الانقضاء) ش: أي أمينة في الإخبار عما في أرحامهن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (البقرة: الآية ٢٢٨) م: (فإذا أخبرت دل ذلك على سبق الانقضاء، وأقرب أحواله) ش: أي أقرب أحوال الانقضاء م: (حال قول الزوج) ش: لأن الإخبار يقتضي سبق المخبر عنه، ولا دليل على مقدار معين، فيعتبر حال قول الزوج، بخلاف ما إذا سكتت ساعة، فإن أقرب أحوال الانقضاء حال السكوت. م: (ومسألة الطلاق على الخلاف) ش: هذا منع لاستشهادهما بما لو قال لها: طلقتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي، يقع الطلاق، يعني: لا نسلم أن مسألة الطلاق على الخلاف ثم أشار إلى الجواب بطريق التسليم بقوله م: (ولو كانت على الاتفاق فالطلاق يقع بإقراره بعد الانقضاء) ش: أي بعد انقضاء العدة إن طلقها في العدة م: (والمراجعة لا تثبت به) ش: أي أو بالإقرار بعد الانقضاء، فإن فيه تهمة، لأنه تصرف على حق الغير. [قال زوج الأمة بعد انقضاء عدتها قد كنت راجعتها في العدة] م: (وإذا قال زوج الأمة بعد انقضاء عدتها قد كنت راجعتها في العدة وصدقه المولى وكذبته الأمة، فالقول قولها) ش: أي قول الأمة م: (عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال زفر والشافعي ومالك

стр. 2798

وقالا: القول قول المولى، لأن بضعها مملوك له، فقد أقر بما هو خالص حقه للزوج، فشابه الإقرار عليها بالنكاح، وهو يقول حكم الرجعة يبتني على العدة، والقول في العدة قولها، فكذا فيما يبتني عليها، ولو كان على القلب فعندهما القول قول المولى، وكذا عنده في الصحيح، لأنها منقضية العدة في الحال، وقد ظهر ملك المتعة للمولى، فلا يقبل قولها في إبطاله، بخلاف الوجه الأول، لأن المولى بالتصديق في الرجعة مقر بقيام العدة عندها، ولا يظهر ملكه مع العدة. وإن قالت قد انقضت عدتي وقال الزوج والمولى لم تنقض عدتك فالقول قولها، لأنها أمينة في ذلك، إذ هي العالمة به. وإذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة لعشرة أيام انقطعت الرجعة، وإن لم تغتسل. ــ [البناية] وأحمد وأبو ثور. م: (وقالا: القول قول المولى، لأن بضعها مملوك له) ش: أي للمولى م: (فقد أقر بما هو خالص حقه للزوج) ش: فلا مرد له م: (فشابه الإقرار عليها بالنكاح) ش: أي شابه إقرار المولي على الأمة بالنكاح بأن قال: زوجت أمتي من فلان حيث يكون القول قوله م: (وهو يقول) ش: أي أبو حنيفة م: (حكم الرجعة يبتني على العدة) ش: إبقاء وانقضاء م: (والقول في العدة قولها) ش: دون قول المولى م: (فكذا فيما يبتني عليها) ش: أي على العدة ولم يذكر الجواب عن الإقرار بالتزويج لظهوره. م: (ولو كان على القلب) ش: أي لو كان الأمر أو الخلاف على القلب بأن صدقته الأمة وكذبه المولى م: (فعندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد م: (القول قول المولى، وكذا عنده) ش: أي وكذلك القول قول المولى عند أبي حنيفة م: (في الصحيح) ش: من الرواية عنه م: (لأنها منقضية العدة في الحال، وقد ظهر ملك المتعة للمولى) ش: لأن منافع بضعها في الحال خالص حق المولى م: (فلا يقبل قولها في إبطاله) ش: أي في إبطال حق المولى م: (بخلاف الوجه الأول) ش: وهو الوجه الذي فيه صدق المولى الزوج وكذبته الأمة حيث يكون القول فيه قولها. م: (لأن المولى بالتصديق في الرجعة) ش: أي بتصديقه الزوج في الرجعة م: (مقر بقيام العدة عندها) ش: أي عند الرجعة م: (ولا يظهر ملكه) ش: أي ملك المولى م: (مع العدة) ش: فلا يعتبر قوله م: (وإن قالت) ش: أي الأمة م: (قد انقضت عدتي، وقال الزوج والمولى: لم تنقض عدتك، فالقول قولها، لأنها أمينة في ذلك) ش: أي في قولها قد انقضت عدتي م: (إذ هي العالمة به) ش: أي لأن الأمة هي العالمة بالانقضاء، وهو تعليل لكونها أمينة، فيقبل قولها: انقضت عدتي. م: (وإذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة لعشرة أيام انقطعت الرجعة، وإن لم تغتسل) ش: لأن انقطاع الرجعة تعلق بانقضاء العدة، وهو تعلق بالخروج عن الحيضة الثالثة، وهو تعلق بشرط حصول الطهارة، فإن كان أيام حيضها عشرا تحصل الطهارة بمجرد الانقطاع، لأن الحيض لا يحتمل الزيادة على العشرة، فلما حصلت الزيادة انقطعت الرجعة، وإن لم تغتسل. وقال أبو بكر

стр. 2799

وإن انقطع لأقل من عشرة أيام لم تنقطع الرجعة حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل، لأن الحيض لا مزيد له على العشرة، فبمجرد الانقطاع خرجت من الحيض فانقضت العدة وانقطعت الرجعة، وفيما دون العشرة يحتمل عود الدم، فلا بد أن يعتضد الانقطاع بحقيقة الاغتسال أو بلزوم حكم من أحكام الطاهرات بمضي وقت الصلاة، بخلاف ما إذا كانت كتابية، لأنه لا يتوقع في حقها أمارة زائدة فاكتفي بالانقطاع، وتنقطع الرجعة إذا تيممت وصلت، عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وهذا استحسان. ــ [البناية] الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي في باب العدة: وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله وآخرين من الصحابة ﵃ ثم اعتبار الغسل من الحيضة الثالثة. م: (وإن انقطع) ش: أي الحيض م: (لأقل من عشرة أيام لم تنقطع) ش: أي الرجعة م: (حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل) ش: بالرفع، لأنه صفة الوقت. وفي " الينابيع ": أو يمضي عليها وقت أقرب الصلاة مع القدرة على الاغتسال م: (لأن الحيض لا مزيد له على العشرة) ش: هذا تعليل لانقطاع الدم من الحيضة لعشرة أيام، أي لأن الحيض لا يزيد على عشرة أيام، لأن ما زاد على العشرة استحاضة، إلا إذا كان لها عادة تزيد على أيام عادتها، فيجوز أن تنقضي عدتها على العشرة إذا لم ينقطع على العشرة. م: (فبمجرد الانقطاع) ش: أي بمجرد انقطاع الحيض لعشرة أيام م: (خرجت من الحيض فانقضت العدة وانقطعت الرجعة) ش: لأنها تنقضي بخروجها من الحيضة الثالثة وانقطعت الرجعة لعدم بقاء المحلية م: (وفيما دون العشرة) ش: أي انقطاع الحيض فيما دون العشرة أيام م: (يحتمل عود الدم) ش: لأنه في مدة الحيض م: (فلا بد أن يعتضد الانقطاع) ش: أي يبرأ م: (بحقيقة الاغتسال أو بلزوم حكم من أحكام الطاهرات) ش: وهو وجوب الصلاة م: (بمضي وقت الصلاة) ش: يعني أن الوقت إذا مضى صارت الصلاة فرضا في زمنها، وهو من أحكام الطاهرات مع القدرة على الاغتسال، وفيه خلاف زفر. م: (بخلاف ما إذا كانت) ش: أي المرأة م: (كتابية) ش: نصرانية أو يهودية م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لا يتوقع في حقها) ش: من التوقع عبارة عن انتظار وقوع أمر عن م: (أمارة زائدة) ش: بفتح الهمزة، أي أمارة زائدة على انقطاع حقها عند تمام مدة حيضها م: (فاكتفي بالانقطاع) ش: أي بمجرد الانقطاع، لأنها لا تتكلف بالاغتسال ولا تجب عليها الصلاة م: (وتنقطع الرجعة إذا تيممت وصلت) ش: يعني إذا انقطع دم المعتدة لأقل من عشرة أيام، فتيممت وصلت مكتوبة أو تطوعا م: (عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ وهذا استحسان) ش: أي قولهما: استحسان يعني الانقطاع لا يكون إلا بالتيمم والصلاة أيضاً.

стр. 2800

وقال محمد ﵀ إذا تيممت انقطعت، وهذا قياس، لأن التيمم حال عدم الماء طهارة مطلقة حتى يثبت به من الأحكام ما يثبت بالاغتسال فكان بمنزلته. ولهما أنه ملوث غير مطهر، وإنما اعتبر طهارة ضرورة لا تتضاعف الواجبات، وهذه الضرورة تتحقق حال أداء الصلاة لا فيما قبلها من الأوقات والأحكام الثابتة أيضا ضرورية اقتضائية، ثم قيل تنقطع بنفس الشروع عندهما، وقيل: بعد الفراغ، ليتقرر حكم جواز الصلاة: وإذا اغتسلت ونسيت شيئا من بدنها لم ــ [البناية] [انقطاع الرجعة للمطلقة] م: (وقال محمد: إذا تيممت انقطعت) ش: أي بمجرد التيمم تنقطع الرجعة عنده، وبه قال زفر وأحمد م: (وهذا قياس) ش: أي قول محمد هو القياس م: (لأن التيمم حال عدم الماء طهارة مطلقة) ش: لأنه يقوم مقام الماء عند عدمه م: (حتى يثبت) ش: بالرفع لأن حتى هذه ليست للغاية م: (به) ش: أي بالتيمم م: (من الأحكام) ش: نحو دخول المسجد وقراءة القرآن ومس المصحف وجواز أداء الصلاة م: (ما يثبت بالاغتسال) ش: أي الذي يثبت به وهو فاعل يثبت الذي بعد حتى م: (فكان) ش: أي التيمم م: (بمنزلته) ش: أي بمنزلة الاغتسال. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (أنه) ش: أي التيمم م: (ملوث غير مطهر) ش: يعني حقيقة لا شرعا، وإنما قال: ملوث بحسب الغالب، وإن كان يجوز بالحجر الأملس عند أبي حنيفة، والرمل بالاتفاق ولا غبار ثم ولا تلويث م: (وإنما اعتبر طهارة) ش: أي وإنما يعتبر التيمم طهارة شرعا م: (ضرورة أن لا تتضاعف الواجبات) ش: أي لأجل ضرورة تضاعف الواجبات، لأنه لو لم يعتبر حتى يجد الماء لكان يمضي أوقات صلاة متعددة فيحصل الضرر م: (وهذه الضرورة) ش: أي الضرورة المذكورة م: (تتحقق حال أداء الصلاة لا فيما قبلها من الأوقات) ش: أي لا يتحقق فيما قبل حال أداء الصلاة قد يكون قبلها طهارة يتعلق بها انقطاع الرجعة. م: (والأحكام الثابتة أيضاً ضرورية اقتضائية) ش: هذا جواب عن حرف محمد، يعني الأحكام التي ذكرها محمد أيضاً ضرورية تثبت اقتضاء، لأن الضرورية إذا تثبت تثبت بجميع لوازمها، ومن لوازم ثبوت الصلاة عند أدائها انقطاع الحيض، ومن لوازم انقطاعه مضي العدة، ومن لوازم مضيها انقطاع الرجعة ولازم اللازم لازم، فيثبت عند ثبوته. وأما الجواب عن جعل أبي حنيفة وأبي يوسف التيمم، هذا طهارة ضرورية. وفي باب الأمة طهارة مطلقة، وجعل محمد بالعكس فقد مضى هناك مستوفى م: (ثم قيل: تنقطع) ش: أي الرجعة م: (بنفس الشروع) ش: في الصلاة م: (عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف. م: (وقيل بعد الفراغ) ش: أي من الصلاة م: (ليتقرر حكم جواز الصلاة) ش: وهو الصحيح، لأن الحال بعد الشروع فيها كالحال قبله، ألا ترى أنه لو رأى الماء في الصلاة لا يبقى لتيممه أثر بخلاف ما بعد الصلاة، كذا في المبسوط. م: (وإذا اغتسلت) ش: أي إذا اغتسلت المعتدة من الحيضة الثالثة م: (ونسيت شيئا من بدنها لم

стр. 2801

يصبه الماء فإن كان عضوا فما فوقه لم تنقطع الرجعة، وإن كان أقل من عضو انقطعت. قال: ﵁: وهذا استحسان والقياس في العضو الكامل أن لا تبقى الرجعة، لأنها غسلت الأكثر، والقياس فيما دون العضو أن تبقى، لأن حكم الجنابة والحيض لا يتجزأ. ووجه الاستحسان وهو الفرق أن ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلته، فلا يتيقن بعدم وصول الماء إليه، فقلنا بأنه تنقطع الرجعة ولا يحل لها التزوج أخذا بالاحتياط فيهما، بخلاف العضو الكامل، ــ [البناية] يصبه الماء، فإن كان عضوا) ش: أي فإن كان الذي لم يصبه الماء عضوا م: (فما فوقه) ش: أي فما فوق العضو م: (لم تنقطع الرجعة) ش: استحسانا م: (وإن كان أقل من عضو) ش: قال في المحيط: نحو الأصبع، وكذا بعض الساعد وبعض العضو دون العضو الكامل نحو اليد والرجل م: (انقطعت) ش: أي الرجعة. م: (قال ﵁: وهذا استحسان) ش: أي قال المصنف: هذا المذكور استحسان. اعلم أن محمداً لم يذكر في كتبه موضع القياس هل هو العضو فما فوقه أو ما هو دونه. وروي عن أبي يوسف في العضو فما فوقه بأن القياس أن تنقطع الرجعة، وفي الاستحسان أن لا تنقطع، وعند محمد فيما دونه، فإن القياس يبقى الرجعة. وفي الاستحسان أن تنقطع، فعلم أن على كل منهما قياسا واستحسانا، فانظر الآن في عبارة المصنف كيف يفهم منها كل ذلك، وهذا يدل على قوة حذقة، وغاية إدراكه - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. م: (والقياس في العضو الكامل أن لا تبقى الرجعة، لأنها غسلت الأكثر) ش: أي أكثر البدن وللأكثر حكم الكل، فكأنها غسلت جميع البدن م: (والقياس فيما دون العضو أن تبقى) ش: أي الرجعة م: (لأن حكم الجنابة والحيض مما لا يتجزأ) ش: بأن يكون البعض بحكم الجواز والبعض بعدمه. م: (ووجه الاستحسان وهو الفرق) ش: بين العضو الكامل وما دونه م: (أن ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلته، فلا يتيقن بعدم وصول الماء إليه) ش: وفي المحيط: حتى لو تيقنت بعدم وصول الماء إليه م: (فقلنا بأنه تنقطع الرجعة ولا يحل لها التزوج) ش: بزوج آخر م: (أخذا بالاحتياط فيهما) ش: أي في انقطاع الرجعة والتزوج م: (بخلاف العضو الكامل لأنه لا يتسارع إليه الجفاف ولا يغفل عنه عادة، فافترقا) ش: أي العضو الكامل وما دونه. م: (وعن أبي يوسف: أن ترك المضمضة والاستنشاق كترك عضو كامل) ش: والواو في قوله: والاستنشاق بمعنى أو، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (النساء: الآية ٣) ، بيان ذلك: إذا اغتسلت عن الحيضة الثالثة فيما دون العشر لكنها تركت المضمضة أو الاستنشاق، فعن أبي يوسف روايتان في رواية هشام عنه لا تنقطع الرجعة، أشار بقوله: كترك عضو كامل، حيث

стр. 2802

لأنه لا يتسارع إليه الجفاف، ولا يغفل عنه عادة فافترقا. وعن أبي يوسف ﵀ أن ترك المضمضة والاستنشاق كترك عضو كامل وعنه وهو قول محمد ﵀ هو بمنزلة ما دون العضو لأن في فرضيتهما اختلافا، بخلاف غيره من الأعضاء. ومن طلق امرأته وهي حامل أو ولدت منه وقال لم أجامعها فله الرجعة، لأن الحمل متى ظهر في مدة يتصور أن يكون منه جعل منه لقوله ﵇: «الولد للفراش» . ــ [البناية] لا تنقطع الرجعة فيه. وفي رواية أخرى رواها الكرخي تنقطع، أشار إليها بقوله: م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف م: (وهو) ش: أي ترك المضمضة والاستنشاق، ولفظه هو في محل الرفع على الابتداء م: (وهو قول محمد) ش: جملة معترضة بينه وبين خبره، وهو قوله م: (بمنزلة ما دون العضو) ش: أي بمنزلة ترك ما دون العضو، حيث إذا تركه تنقطع الرجعة م: (لأن في فرضيتهما) ش: أي فرضية المضمضة والاستنشاق في الغسل م: (اختلافا) ش: فإن عند مالك والشافعي هما سنتان في الغسل، وفي الوضوء أيضاً، وعندنا واجبان في الغسل وسنتان في الوضوء، وعند ابن أبي ليلى وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق فرضان فيهما جميعا، لكن قال أحمد: الاستنشاق آكد من المضمضة فإذا كان فيهما اختلاف في فرضيتهما فالاحتياط في انقطاع الرجعة م: (بخلاف غيره من الأعضاء) ش: فإنه لا خلاف لأحد في فرضيته. [طلق امرأته وهي حامل أو ولدت منه وقال لم أجامعها] م: (ومن طلق امرأته وهي حامل) ش: أي والحال أنها حامل م: (أو ولدت منه) ش: أي والحال أنها ولدت منه في نكاحها قبل الطلاق م: (وقال: لم أجامعها فله الرجعة) ش: ولا يعتبر قوله: لم أجامعها م: (لأن الحمل متى ظهر في مدة يتصور أن يكون منه جعل منه) ش: لأنها إذا كانت حاملا يوم الطلاق وظهر ذلك بأن ولدت لأقل من ستة أشهر فصار النسب ثابتاً منه م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «الولد للفراش» ش: روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرجه الأئمة الستة من حديث سعيد بن المسيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وفي لفظ البخاري: «الولد لصاحب الفراش» وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أخرجه الستة إلا الترمذي من حديث عروة عنها قالت: «اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زمعة في غلام ... الحديث الولد للفراش» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قام رجل فقال: يا رسول الله الحديث، وفيه: الولد للفراش وللعاهر الحجر» . وعن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرجه أبو داود أيضاً فيه طول وفيه «الولد للفراش» وعن أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرجه الترمذي عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا

стр. 2803

وذلك دليل الوطء منه، وكذا إذا ثبت نسب الولد من جعل واطئا، وإذا ثبت الوطء تأكد الملك والطلاق في ملك متأكد يعقب الرجعة، ويبطل زعمه بتكذيب الشرع، ألا ترى أنه يثبت بهذا الوطء الإحصان، فلأن تثبت به الرجعة أولى، وتأويل مسألة الولادة أن تلد قبل الطلاق، لأنها لو ولدت بعده تنقضي العدة بالولادة فلا تتصور الرجعة. قال: فإن خلا بها وأغلق بابا، أو أرخى سترا، ــ [البناية] وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر» . م: (وذلك) ش: أي جعل العمل منه م: (دليل الوطء منه، وكذا إذا ثبت نسب الولد منه جعل واطئا، وإذا ثبت الوطء تأكد الملك، والطلاق في ملك متأكد يعقب الرجعة ويبطل زعمه) ش: بفتح الزاي وضمها لغتان فصيحتان، قاله ابن دريد، وأكثر ما يقع الزعم على الباطل م: (بتكذيب الشرع) ش: إياه وفيه بحث من وجهين، أحدهما: أن النسب يثبت دلالته وقوله: لم أجامعها صريح، والصريح يفوق الدلالة، والثاني: أنه أقر بقوله: لم أجامعها سقوط حق مستحق له وتكذيب الشرع لم يرده كما لو أقر يعني لإنسان ثم اشتراها ثم استحقت في يده ثم وصلت إليه، أمر بالتسليم إلى المقر له وإن صار مكذباً شرعاً. وأجيب عن الأول بأن الدلالة من الشارع، والصريح من العبد ودلالة الشرع أقوى لاحتمال الكذب من العبد دون الشارع. وعن الثاني: بأن لم يتعلق بإقراره هاهنا حق الغير والموجب للرجعة هو الطلاق بعد الدخول ثابت فيترتب عليه الحكم لثبوت المقتضى وانتفاء المانع، بخلاف المسر المستشهد به، فإن المانع ثمة موجود وهو تعلق حق الغير. م: (ألا ترى) ش: توضيح لقوله: والطلاق في ملك متأكد يعقب الرجعة م: (أنه) ش: أي أن الشأن م: (يثبت بهذا الوطء الإحصان، فلأن تثبت به الرجعة أولى) ش: بيان الأولوية أن الإحصان له مدخل في وجوب العقوبة، ومع هذا يثبت بهذا الوطء فلا تثبت به الرجعة التي ليست فيها جهة العقوبة أولى، ولأنه لا يلزم من ثبوت الرجعة ثبوت الإحصان كالأمة النصرانية. م: (وتأويل مسألة الولادة أن تلد قبل الطلاق) ش: قال الأترازي: هذه المسألة من خواص " الجامع الصغير "، ولو تبع المصنف لفظ محمد في " الجامع الصغير "، وجعله كما هو لا يحتاج إلى التأويل، وصورته في " الجامع الصغير ": روى محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في رجل تزوج امرأة ثم طلقها، وهي حامل، فقال: لم أجامعها، قال له: عليها الرجعة، وكذلك إن كانت ولدت قبل ذلك. م: (لأنها لو ولدت بعد الطلاق تنقضي العدة بالولادة فلا تتصور الرجعة) ش: لفوات المحل م: (قال فإن خلا بها) ش: أي بالمرأة م: (إذا أغلق باباً أو أرخى ستراً) ش: ذكر وأرخى ستراً، وذكر في كتاب الطلاق أو أرخى بكلمة أو، وهو الصحيح، لأن أحد الأمرين من إغلاق الباب

стр. 2804

أو قال لم أجامعها ثم طلقها لم يملك الرجعة، لأن تأكد الملك بالوطء وقد أقر بعدمه فيصدق في حق نفسه، والرجعة حقه ولم يصر مكذبا شرعا، بخلاف المهر لأن تأكد المهر المسمى يبتني على تسليم المبدل لا على القبض، بخلاف الفصل الأول، فإن راجعها معناه بعد ما خلا بها وقال لم أجامعها ثم جاءت بولد لأقل من سنتين بيوم صحت تلك الرجعة، لأنه يثبت النسب منه، إذ هي لم تقر بانقضاء العدة والولد يبقى في البطن هذه المدة، فأنزل واطئا قبل الطلاق دون ما بعده، لأن على اعتبار الثاني يزول الملك بنفس الطلاق لعدم الوطء قبله، فيحرم الوطء، والمسلم لا يفعل الحرام. ــ [البناية] وإرخاء الستر كاف في ثبوت الخلوة الصحيحة م: (وقال لم أجامعها ثم طلقها لم يملك الرجعة، لأن تأكد الملك بالوطء وقد أقر بعدمه فيصدق في حق نفسه والرجعة حقه) ش: فيصدق في حقه إذا قال لم أجامعها. م: (ولم يصر مكذبا شرعا) ش: جواب عما يقال قد صار مكذباً شرعاً، ولا يجب المهر كاملاً إلا إذا كان الطلاق بعد الدخول، وأجاب بقوله: ولم يصر مكذباً شرعاً م: (بخلاف المهر لأن تأكد المهر المسمى يبتني على تسليم المبدل) ش: أي البضع م: (لا على القبض) ش: أي قبض المبدل وهو الوطء يعني إن تأكد المهر بالخلوة الصحيحة لم يدل على كون الرجل واطئاً حكماً، لأن المهر يتأكد بتسليم البضع ولا يتوقف على الوطء فلم يلزم ثبوت الوطء بثبوت كمال المهر، وذلك أن المرأة قادرة على تسليم نفسها، وليست بقادرة على جعل الرجل واطئاً، فتأكد المهر بالتسليم دفعاً للضرر عنها. م: (بخلاف الفصل الأول) ش: مرتبط بقوله: ولم يصر مكذباً، والفصل الأول هو ثبوت النسب فبظهور الحمل حالة الطلاق أو بالدلالة قبل الطلاق صار مكذباً شرعاً في قوله: لم أجامعها حيث جعله الشرع واطئاً حكماً، لأن الرجعة تنبئ عن الدخول، وقد ثبت النسب فتثبت الرجعة، لأنه لا نسب بلا ماء، ولا ماء بلا دخول، فتثبت الرجعة لوجود الدخول [قال رجل لامرأته إذا ولدت فأنت طالق فولدت ولدا ثم أتت بولد آخر] م: (فإن راجعها) ش: معناه بعد ما خلا بها م: (وقال: لم أجامعها ثم جاءت بولد لأقل من سنتين بيوم) ش: أي من يوم الطلاق لا من يوم الرجعة م: (صحت تلك الرجعة) ش: أي الرجعة السابقة م: (لأنه يثبت النسب منه) ش: فيثبت الدخول لا محالة، والطلاق بعد الدخول معقب للرجعة. م: (إذ هي) ش: أي لأن المرأة م: (لم تقر بانقضاء العدة والولد يبقى في البطن هذه المدة) ش: ولا يكون ذلك إلا بالدخول م: (فأنزل واطئاً قبل الطلاق دون ما بعده، لأن على اعتبار الثاني) ش: وهو كونه واطئاً بعد الطلاق، لأن المذكور الأول هو كونه واطئاً قبل الطلاق م: (يزول الملك بنفس الطلاق) ش: إلى عدة م: (لعدم الوطء قبله) ش: أي قبل الطلاق م: (فيحرم الوطء) ش: لأنه أنكره بعد الخلوة م: (والمسلم لا يفعل الحرام) ش: ولا يرضاه لغيره فيحمل على الدخول قبل الطلاق حملاً لأمر المسلم على الصلاح.

стр. 2805

فإن قال لها إذا ولدت فأنت طالق، فولدت ولدا ثم أتت بولد آخر فهي رجعة، معناه من بطن آخر، وهو أن يكون بعد ستة أشهر، وإن كان أكثر من سنتين إذا لم تقر بانقضاء العدة؛ لأنه وقع الطلاق عليها بالولد الأول، ووجبت العدة فيكون الولد الثاني من علوق حادث منه في العدة لأنها لم تقر بانقضاء العدة، فيصير مراجعا. وإن قال كلما ولدت ولدا فأنت طالق، فولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة ، فالولد الأول طلاق، والولد الثاني رجعة، وكذا الثالث؛ لأنها إذا جاءت بالولد الأول وقع الطلاق وصارت معتدة، وبالثاني صار مراجعا؛ لما بينا قبل أنه يجعل العلوق بوطء حادث في العدة ويقع الطلاق الثاني بولادة الولد الثاني؛ لأن اليمين معقودة بكلمة "كلما" ووجبت العدة وبالولد الثالث صار مراجعا لما ذكرنا وتقع الطلقة الثالثة بولادة الثالث ووجبت العدة بالإقراء؛ ــ [البناية] م: (وإن قال لها) ش: أي إن قال رجل لامرأته م: (إذا ولدت فأنت طالق فولدت ولداً، ثم أتت بولد آخر) ش: لأقل من سنتين بيوم أو أكثر م: (فهي رجعة) ش: أي الولادة الثانية رجعة م: (معناه من بطن آخر وهو أن يكون بعد ستة أشهر وإن كان أكثر من سنتين إذا لم تقر بانقضاء العدة) ش: كلمة أن للوصل، يعني لما كان بين الولدين ستة أشهر لا يتفاوت بعد ذلك بين أن تكون الولادة الثانية في أقل من سنتين، وبين أن يكون في أكثر من ثبوت الرجعة م: (لأنه وقع الطلاق عليها بالولد الأول، ووجبت العدة فيكون الولد الثاني من علوق حادث منه) ش: أي من الزوج حال كونه م: (في العدة لأنها لم تقر بانقضاء العدة فيصير مراجعاً) ش: لأن العلوق الحادث بعد الطلاق في العدة معقب للرجعة. فإن قيل: ذكر في كتاب الدعوى أن المطلقة طلاقاً رجعياً لو ولدت لأقل من سنتين بيوم لا تكون رجعة، وفي الأكثر من سنتين تكون رجعة لاحتمال العلوق قبل الطلاق في الأول دون الثاني. قلنا: قد سقط هذا الاحتمال هنا لأنهما إذا كانا من بطنين كان الثاني من علوق حادث ضرورة، ولا يصار مع الولد الأول من بطن واحد والاتحاد لا يثبت بالشك. [قال كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة] م: (وإن قال: كلما ولدت ولداً فأنت طالق، فولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فالولد الأول طلاق) ش: المراد من البطون المختلفة أن يكون بين الولدين ستة أشهر فصاعداً م: (والولد الثاني رجعة، وكذلك الثالث، لأنها إذا جاءت بالولد الأول وقع الطلاق وصارت معتدة) ش: لأن العدة تعقب الطلاق م: (وبالثاني) ش: أي وبالولد الثاني م: (صار مراجعاً لما بينا قبل أن يجعل العلوق بوطء حادث في العدة، ويقع الطلاق الثاني بولادة الولد الثاني؛ لأن اليمين معقودة بكلمة كلما) ش: وهي تقتضي تكرار الجزاء عند تكرار الشرط، م: (ووجبت العدة، وبالولد الثالث صار مراجعاً لما ذكرنا) ش: إشارة إلى قوله: لأنه وقع الطلاق عليها بالولد الأول ... إلى آخره م: (وتقع الطلقة الثالثة بولادة الولد الثالث، ووجبت العدة بالأقراء) ش: أي بالحيض.
следующие страницы →