Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
قال: ولو حلف لا يأكل أو لا يشتري شحما لم يحنث إلا في شحم البطن عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يحنث في شحم الظهر أيضا وهو اللحم السمين لوجود خاصية الشحم فيه، وهو الذوب بالنار. وله أنه لحم حقيقة، ألا ترى أنه ينشأ من الدم، ويستعمل استعماله ويحصل به قوته. ولهذا يحنث بأكله في اليمين على أكل اللحم، ولا يحنث ببيعه في اليمين على بيع الشحم
ــ
[البناية]
تعالى ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] (الأنعام: الآية ١٤٦) .
[حلف لا يأكل أو لا يشتري شحما]
م: (قال) ش: أي محمد في الجامع الصغير: م: (ولو حلف لا يأكل أو لا يشتري شحمًا لم يحنث إلا في شحم البطن عند أبي حنيفة ﵁) ش: حتى لو أكل كل شحم وهو الذي خالطه لحم لم يحنث عنده، وهو الصحيح.
وقال الطحاوي: ﵀ قول محمد مثل قول أبي حنيفة ﵀ وبقول أبي حنيفة قال الشافعي: ﵀ في الأصح ومالك.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (يحنث في شحم الظهر أيضًا، وهو اللحم السمين) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في وجه واحد في رواية م: (لوجود خاصية الشحم فيه، وهو الذوب بالنار) ش: ويصلح لما يصلح له شحم البطن، وكان كشحم البطن، ألا ترى أنه تعالى استثنى شحم الظهر بقوله ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] والأصل أن المستثنى أن يكون من خبر المستثنى عنه.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أنه) ش: أي شحم الظهر م: (لحم حقيقة، ألا ترى أنه ينشأ من الدم ويستعمل استعماله) ش: استعمال اللحم في الحافية اتخاذًا تصلها العلايا م: (ويحصل به قوته) ش: أي ويحصل بشحم الظهر قوة اللحم ومرقه يسمى مرقة اللحم فلم يكن شحمًا مطلقًا، فلا يحنث آكله م: (ولهذا يحنث بأكله) ش: أي بأكل شحم الظهر م: (في اليمين على أكل اللحم ولا يحنث ببيعه في اليمين على بيع الشحم) ش: قال تاج الشريعة: متى عقد يمينه على الشراء ذكر شمس الأئمة السرخسي لأنه لا يحنث بشراء شحم الظهر بالاتفاق، والخلاف فيما إذا لم ينو.
وفي " الذخيرة ": والصحيح قول أبي حنيفة. وفي " الكافي ": فصارت الشحوم أربعة، شحم الظهر، وشحم مختلط بالعظم، وشحم على ظلة الأمعاء، وشحم البطن. وفي شحم البطن يحنث بالاتفاق، والثلاثة على الاختلاف. ولو كانت يمينه على الشراء لم يحنث بالاتفاق. وقيل هو على الخلاف أيضًا.
وفي " جامع قاضي خان ": اختلف المشايخ في محل الخلاف، قيل محل الخلاف في اللحم السمين على الظهر. وقيل في الشحم المتصل من داخل، فإن كان الخلاف في اللحم السمين فكلام أبي حنيفة أظهر، وإن كان الخلاف في اللحم المتصل بالظهر فكل منهما أظهر. وقال
стр. 3222
وقيل هذا بالعربية، فأما اسم - بيه - بالفارسية لا يقع على شحم الظهر بحال.
ولو حلف لا يشتري أو لا يأكل لحما، أو شحما فاشترى إلية أو أكلها لم يحنث، لأنه نوع ثالث حتى لا يستعمل استعمال اللحوم والشحوم. ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة لم يحنث حتى يقضمها ولو أكل من خبزها لم يحنث عند أبي حنيفة ﵀ وقالا إن أكل من خبزها حنث أيضا
ــ
[البناية]
الإمام أبو حنيفة أظهر، وإن كان الخلاف في اللحم المتصل بالظهر، فكلاهما أظهر.
وقال الإمام السرخسي: لا يحنث بشحم الظهر في قولهم جميعًا، أما الاستثناء فمنقطع بدليل استثناء الحوايا بقوله ﴿أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .
ولو قيل: المراد ما حملته الحوايا.
قلنا: ذاك إخبار وهو خلاف الأصل، والانقطاع في الاستثناء، وإن كان خلاف الأصل لكنه ثبت بالدليل، وهو قوله ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] لأن أحدًا لم يقل بأن مخ العظم شحم، كذا في " جامع السرخسي " ﵀.
م: (وقيل هذا بالعربية) ش: أي هذا الاختلاف إذا قاله بالعربية. وقال في " المحيط " هذا الاختلاف في عرفهم م: (فأما اسم - بيه -) ش: بكسر الباء الفارسية وسكون الياء آخر الحروف والهاء م: (بالفارسية) ش: أي باللغة الفارسية م: (لا يقع على شحم الظهر بحال) ش: يعني أصلًا لعدم العرف، وإذا حلف لا يأكل أكلًا ينبغي أن يقع على شحم الظهر والبطن والإلية جميعًا. وفي بعض النسخ جعل هذا من المنفي وليس بصحيح.
[حلف لا يشتري أو لا يأكل لحما أو شحما فاشترى إلية وأكلها]
م: (ولو حلف لا يشتري أو لا يأكل لحمًا أو شحمًا فاشترى إلية وأكلها لم يحنث لأنه) ش: أي لأن الإلية دبر والضمير على تأويل المذكور م: (نوع ثالث حتى لا يستعمل استعمال اللحوم والشحوم) ش: وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵀. وقال بعض أصحابه: وهو شحم فيحنث بيمين الشحم لا اللحم، وبه قال أحمد، ولو حلف لا يأكل لحم شاة. فأكل لحم غيره يحنث.
وذكر أبو الليث أنه لا يحنث، سواء كان الحالف مصريًا أو قرويًا، وعليه الفتوى. حلف لا يأكل لحم بقرة فأكل لحم جاموس لم يحنث.
م: (ومن حلف لا يأكل من هذه الحنطة لم يحنث حتى يقضمها) ش: القضم الأكل بأطراف الأسنان. وفي " الكافي " ولا نية له فأكل من خبزها وسويقها لم يحنث عند أبي حنيفة، وكذا من دقيقها حتى يقضمها، وبه قال الشافعي ﵀ ومالك م: (ولو أكل من خبزها) ش: أي من خبز هذه الحنطة التي حلف عليها م: (لم يحنث، وهذا) ش: أي عدم الحنث م: (عند أبي حنيفة ﵀) ش: م: (وقالا) ش: أي أبي يوسف ومحمد م: (إن أكل من خبزها حنث
стр. 3223
لأنه مفهوم منه عرفًا، ولأبي حنيفة ﵀ أن له حقيقة مستعملة فإنها تغلى وتقلى وتؤكل قضمًا، وهي قاضية على المجاز المتعارف على ما هو الأصل عنده، ولو قضمها يحنث عندهما وهو الصحيح لعموم المجاز، كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان، وإليه الإشارة بقوله في الخبز حنث أيضًا. قال ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه حنث، لأن
ــ
[البناية]
أيضًا) ش: وبه قال أحمد ومالك في رواية م: (لأنه مفهوم منه عرفًا) ش: أي لأن أكل الخبز مفهوم منه في العرف ويأكل سويقها يحنث عند محمد، ولا يحنث عند أبي حنيفة. ولو قضمها يحنث عند الكل إلا عند أحمد، وإنما وضع المسألة في الحنطة المعينة، لأنه لو عقد يمينه على حنطة غير معينة ينبغي أن يكون جوابه كجوابهما، ذكره شيخ الإسلام في أيمان الأصل. ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى قيمته على ما نوى بالاتفاق، ذكره في " المبسوط " و " الذخيرة ".
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن له) ش: أي لقوله لا يأكل من هذه الحنطة م: (حقيقة مستعملة) ش: بين الناس، وأوضحها بقوله م: (فإنها) ش: أي فإن الحنطة م: (تغلى) ش: بالغين المعجمة على صيغة المجهول من الغليان، يقال غليت القدر تغلي غليانًا، ولا يقال غليت وغلا في الأمر يغلو غلوًا، أي جاوز فيه الحد، وعليه الشعر غلا.
م: (وتقلى وتؤكل قضمًا) ش: على صيغة المجهول أيضًا بالعارف من القلي، يقال قليت السويق واللحم فهو مقلي، وقلوت فهو لغة، والرجل قلا بالتشديد والمد م: (وهي قاضية) ش: أي الحقيقة المستعملة حاكمة م: (على المجاز المتعارف) ش: بين الناس م: (على ما هو الأصل عنده) ش: أي عند أبي حنيفة. والأصل في المسألة أن الكلام إذا كان له حقيقة مستعملة لمجاز متعارف فعند أبي حنيفة العمل بالحقيقة المستعملة أولى، وعندهما العمل بعدم المجاز.
م: (ولو قضمها يحنث عندهما، وهو الصحيح) ش: احترز به عن رواية أخرى عنهما، وهي أنه إذا أكل عين الحنطة لا يحنث، والأصح أنه يحنث عندهما. وفي رواية " الجامع " ورجحها شمس الأئمة في " مبسوطه " وقاضي خان في " جامعه ".
ورجح في الذخيرة " و " الفوائد الضهيرية " عدم الحنث. وفي " الذخيرة " حلف لا يأكل من هذه الحنطة فزرعها وأكل ما خرج منها لا يحنث م: (لعموم المجاز) ش: وقد مر أن العمل به أولى عندهما: م: (كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان) ش: يحنث إذا دخلها حافيًا أو راكبًا م: (وإليه الإشارة) ش: أي وإلى عموم المجاز الإشارة م: (بقوله في الخبز حنث أيضًا) ش: لأنه مفهوم منه عرفًا.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه حنث، لأن
стр. 3224
عينه غير مأكول فانصرف إلى ما يتخذ منه، ولو استفه كما هو لا يحنث هو الصحيح لتعين المجاز مرادا.
ولو حلف لا يأكل خبزا فيمينه على ما يعتاد أهل المصر أكله خبزا، وذلك خبز الحنطة والشعير، لأنه هو المعتاد في غالب البلدان، ولو أكل من خبز القطائف لا يحنث، لأنه لا يسمى خبزا مطلقا، إلا إذا نواه، لأنه محتمل كلامه. وكذا إذا أكل خبز الأرز بالعراق لم يحنث، لأنه غير معتاد عندهم، حتى لو كان بطبرستان أو في بلدة طعامهم ذلك يحنث.
ــ
[البناية]
عينه) ش: أي عين الدقيق م: (غير مأكول فانصرف إلى ما يتخذ منه) ش: وهو الخبز، وكذا إذا أكل عصيرًا، وبه قال مالك وأحمد في " شرح الأقطع ".
قال الشافعي: ﵀ إن أكل من خبزه لم يحنث، وإن استفه حنث م: (ولو استفه كما هو) ش: من سفه الدواء سفه واستفا إسفافًا إذا قحمه. قال الأترازي: وقال الكاكي: سفا السفوف بفتح السين، وهو كل دواء يؤخذ غير معجون.
وقيل: السفوف دواء يوضع على الكف ويؤكل من غير مضغ م: (لا يحنث) ش: وبه قال أحمد: م: (وهو الصحيح) ش: احترازًا عن قول بعض مشايخنا أنه يحنث، وبه قال الشافعي.
ولو نوى الدقيق بعينه لم يحنث بأكل الخبز بالإجماع، لأنه نوى حقيقة كلامه. والأصح أنه لا يحنث بعين الدقيق بغير نيته، لأن هذه حقيقة م: (لتعين المجاز مرادًا) ش: من حيث المراد.
[حلف لا يأكل خبزا]
م: (ولو حلف لا يأكل خبزًا فيمينه على ما يعتاد أهل المصر أكله خبزًا، وذلك خبز الحنطة والشعير، لأنه هو المعتاد في غالب البلدان) ش: وقال الشافعي: يحنث بأي خبز كان، ولم يفرق بين جنس وجنس، وبه قال مالك لاعتبار الحقيقة. وفي " شرح الوجيز " هو المذهب.
وقال الكاكي: وما ذكر في " الوجيز " ولم يحنث بخبز الأرز إلا بطوشاق يخالف ذلك [.....] فيه إمام الحرمين ﵀.
م: (ولو أكل من خبز القطائف لا يحنث، لأنه لا يسمى خبزًا مطلقًا إلا إذا نواه، لأنه محتمل كلامه) ش: فيحنث حينئذ قال بعد أن قال القطيفة دثار مخمل، والجمع قطائف، ومنه القطائف التي تؤكل.
م: (وكذا) ش: أي وكذلك الحكم م: (إذا أكل خبز الأرز بالعراق لم يحنث، لأنه غير معتاد عندهم) ش: أي عند أهل العراق، والعراق على صفي دجلة مثل بلاد مصر على صفي النيل ودورهما نحو مسافة شهرين م: (حتى لو كان) ش: أي الحالف م: (بطبرستان أو في بلدة) ش: أي ببلدة من بلاد طبرستان م: (طعامهم ذلك) ش: أي خبز الأرز م: (يحنث) ش: وقال الأترازي: طبرستان اسم أيد وأعمالها معرب من طبرستان، لأن أهلها يحاربون بالفاس، ثم قال هكذا قال بعضهم. ولنا فيه نظر.
стр. 3225
ولو حلف لا يأكل الشواء فهو على اللحم دون الباذنجان والجزر؛ لأنه يراد به اللحم المشوي عند الإطلاق، إلا أن ينوي ما يشوى من بيض أو غيره لمكان الحقيقة، وإن حلف لا يأكل الطبيخ فهو
ــ
[البناية]
قال النسفي في كتاب " أدب الكاتب " في باب ما يغير من أسماء البلاد، وأن طبرستان بالفارسية معناه أخذه بالفاس، كأنه لم يوصل إليه حتى قطع شجرة. وقال الكاكي: وطبرستان أيد وبلادها سرسان، لأن أهلها كانوا يحاربون بها معنى الناس معرب. وقيل طبرستان والنسبة إليها طبري.
وقال الأكمل: وهي أهل دهاء، وأصلها طبرستان لأن أهلها كانوا يحاربون بالتبر، وهو الفاس، فعربوه إلى طبرستان.
قلت: طبرستان لأن أصلها اسم إقليم من الأقاليم العراقية، وهي شرقي كملان، وسميت ذلك لأن طبر بالفارسية الفاس، واستان الفاجة، ومن كثرة اشتباك أشجارها لا يذهب فيها الجيش إلا بعد أن يقطع الأشجار من بين أيديهم بالطبر، فسميت بذلك طبرستان، أي فاجتة الطبر، وقد ذكرنا بلادها في " التاريخ الكبير "، وإنما يقال في النسبة إليها الطبري، ليكون الفرق بينهما وبين النسبة إلى طبرية الشام، فإن النسبة إليها طبراني.
وفي " الذخيرة " حلف لا يأكل خبزًا ولا نية له فأكل كلية أو جوزبيخا أو نوالة بزيدة. قال محمد بن سلمة ﵀: لا يحنث في الوجوه كلها، لأنها لا تسمى خبزًا مطلقًا. وقال أبو الليث: لو أكل كلية أو النوالة المقطوعة يحنث، لأنها الكلية حقيقة وعرفًا، واختصاصها باسم آخر للزيادة لا للنقصان، فلا يمنع دخولها تحت مطلق الاسم.
وأما النوالة فخبز، لأن ليها لا يجعله شيئًا آخر ولا يحنث بأكل الجزر، لأنه لا يسمى خبزًا بل يسمى قطائف، فيسمى خبزًا مقيدًا، يقال خبز الجوزبيخ، كما يقال بالفارسية، لأنه لو حلف لا يأكل هذا الخبز فجففه ودقه ثم شربه لم يحنث وبه قال الشافعي ﵀ لأنه ليس بأكل، بل هو شرب، وهو الحيلة فيما لو قال: إن أكلت هذه الخبزة فامرأته طالق، فينبغي أن يدقها ويلقيها في عصيدة ثم يأكلها ويطبخ حتى يصير الخبز هالكًا فيأكل العصيدة ولا يحنث. وفي " المحيط ": لو أكله مبلولًا حنث.
[حلف لا يأكل الشواء]
م: (ولو حلف لا يأكل الشواء فهو على اللحم دون الباذنجان والجزر) ش: أي المشويان، وكذلك البيض المشوي م: (لأنه يراد به اللحم المشوي عند الإطلاق) ش: يعني ذكر اللحم مطلقًا م: (إلا أن ينوي ما يشوى من بيض أو غيره) ش: كاللفت أو الباذنجان وهو القياس وبه أخذ الشافعي ﵀ ومالك، فيحنث عندهما بكل مشوي بلا نية، وبقولنا قال أحمد ﵀ م: (لمكان الحقيقة) ش: أي لمكان حقيقة كلامه، وفيه تشديد على نفسه م: (وإن حلف لا يأكل الطبيخ فهو على
стр. 3226
على ما يطبخ من اللحم وهذا استحسان اعتبارا للعرف، وهذا لأن التعميم متعذر، فيصرف إلى خاص هو متعارف، وهو اللحم المطبوخ بالماء، إلا إذا نوى غير ذلك لأن فيه تشديد، وإن أكل من مرقه يحنث لما فيه من أجزاء اللحم، ولأنه يسمى طبيخا، ومن حلف لا يأكل الرءوس فيمينه على ما يكبس في التنانير، ويباع في المصر ويقال يكنس، وفي الجامع الصغير ولو حلف لا يأكل رأسا فهو على رءوس البقر والغنم عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: وعلى الغنم خاصة،
ــ
[البناية]
ما يطبخ من اللحم) ش: هذا لفظ القدوري في " مختصره ".
وقال صاحب " الهداية ": م: (فهذا استحسان اعتبارًا للعرف) ش: وفي " المبسوط ": القياس أن يحنث في اللحم وغيره مما يطبخ والأخذ بالقياس ها هنا تفجش، فإن المسهل من الدواء مطبوخ، ونحن نعلم أنه لم يرد به ذلك، فحملنا على أخص الخصوص، وهو اللحم، ولا يقال لمن أكل الباقلاء المطبوخ أكل الطبيخ، وإن كان طبخًا في الحقيقة، فلما كان كذلك حمل على المطبوخ باللحم الذي هو خاص متعارف.
م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأن التعميم متعذر) ش: لأنه لا يمكن إجراءه على العموم م: (فيصرف إلى خاص متعارف، وهو اللحم المطبوخ بالماء) ش: احترز به عن تقلية اليابسة، لأنها لا تسمى مطبوخة م: (إلا إذا نوى غير ذلك) ش: فيصدق م: (لأنه فيه تشديد) ش: على نفسه، وقد نوى حقيقة كلامه.
[حلف لا يأكل الرءوس]
م: (وإن أكل من مرقه) ش: أي من مرق اللحم المطبوخ بالماء م: (يحنث لما فيه من أجزاء اللحم) ش: وهي ما يذوب منه م: (ولأنه) ش: أي ولأن مرق اللحم المطبوخ ولو طبخ م: (يسمى طبيخًا) ش: عرفًا. وقال الكاكي: ولو طبخ أرزًا وعدسًا بودك فهو طبيخ [....] .
م: (ومن حلف لا يأكل الرءوس فيمينه على ما يكبس في التنانير) ش: أي يدخل فيها من قولهم كبس الرجل رأسه في جب قميصه إذا أدخله، كذا في " المغرب " ومادته كاف وباء موحدة وسين مهملة، ويقال كنس بالنون بدل الباء على صيغة المبني للفاعل من كنس الطير في مكناس إذا دخل فيه، والأول هو الصحيح م: (ويباع في المصر ويقال يكنس) ش: في الأسواق.
م: (وفي " الجامع الصغير " ولو حلف لا يأكل رأسًا فهو على رءوس البقر والغنم عند أبي حنيفة ﵀) .
م: (وقالا) ش: أي وقال أبو يوسف ﵀ ومحمد: م: (يقع على الغنم خاصة) ش: وقال فخر الإسلام: والقياس أن يقع على كل رأس حتى رأس السمك لعمومه. وفي الاستحسان يقع على المتعارف.
стр. 3227
وهذا اختلاف عصر وزمان كان العرف في زمنه فيهما وفي زمنهما في الغنم خاصة وفي زماننا يفتى على حسب العادة كما هو المذكور في المختصر.
ــ
[البناية]
م: (وهذا) ش: أي هذا الاختلاف بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه م: (اختلاف عصر وزمان) ش: لا اختلاف حجة وبرهان م: (كان العرف في زمنه فيهما) ش: أي في زمن أبي حنيفة ﵀ في البقر والغنم، فأفتى بوقوع اليمين على رءوسهما.
م: (وفي زمنهما) ش: أي وفي زمن أبي يوسف ﵀ ومحمد كان م: (في الغنم خاصة) ش: فأفتيا بوقوع اليمين عليها لا غير وقال صاحب " المختلف ": أجمعوا على أنه لا يقع على رأس الجزور لعدم العرف إلا رواية عن أبي حنيفة. ولا على رءوس الطير إلا أن ينويها.
وقال المصنف: م: (وفي زماننا يفتى على حسب العادة) ش: أي على اعتبار العرف والعادة م: (كما هو المذكور في " المختصر ") ش: أي " مختصر القدوري "، وعليه الفتوى، إذ العرف الظاهر أصل من مسائل الأيمان. وعند الشافعي ﵀ يمينه على ما يباع منفردًا، وهي رءوس الإبل والبقر والغنم. فإن كان في بلد يباع فيه رءوس الصيد منفردًا حنث بأكلها، وإن كان في بلد لا يباع فيه فقد قيل: لا يحنث.
وقيل: يحنث وعند مالك ﵀ تقع يمينه على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان، وبه قال أحمد ﵀ لعموم الاسم فيه حقيقة وعرفًا. وعند أشهب المالكي ﵀ لا يحنث إلا برءوس الأنعام الأربعة للعرف الغالب، هذا إذا لم ينو نوعًا، فإن نوى قيمته على ما نوى بالإجماع، وعلى هذا الخلاف الشراء. وعن ابن أبي هريرة ﵀ من أصحاب الشافعي ﵀ لا يحنث إلا برأس الغنم.
فإن قيل: لحم الإشتار والخنزير لا يباع في الأسواق، ومع ذلك يحنث بالأكل إذا حلف لا يأكل لحمًا. أجيب: لما حاصله في الفرق بأن الرأس غير مأكول بجميع أجزائه، لأن منها العظم، فكانت الحقيقة متعذرة، فصار إلى المجاز المتعارف هي ما يكبس في التنانير ويباع في الأسواق. وأما اللحم فيؤكل بجميع أجزائه، فكانت الحقيقة ممكنة فلا تترك فيحنث بأكل لحم الإنسان والخنزير.
فإن قلت: الحقيقة إن لم تكن متعذرة فهي مهجورة شرعًا، والمهجور شرعًا كالمهجور عادة. في المهجور شرعًا يصار إلى المجاز، كما في المهجور عادة.
قلت: المهجور شرعًا هو الذي لا يكون بشيء من أفراده معمولًا بها كالحلف على ترك كلام الصبي، وها هنا ليس كذلك.
فإن قيل: سلمنا ذلك، ولكن لا يطرد في الشراء، فإن الرأس يشترى بجميع أجزائه، فلم
стр. 3228
قال: ومن حلف لا يأكل فاكهة فأكل عنبا أو رمانا أو رطبا أو قثاء أو خيارا لم يحنث، وإن أكل تفاحا أو بطيخا أو مشمشا حنث، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - حنث في العنب والرطب والرمان أيضا، والأصل أن الفاكهة اسم لما يتفكه به قبل الطعام وبعده: أي يتنعم به زيادة على المعتاد، والرطب واليابس فيه سواء بعد أن يكون التفكه به معتادا، حتى لا يحنث بيابس البطيخ، وهذا المعنى موجود في التفاح وأخواته فيحنث بها، وغير موجود
ــ
[البناية]
تكن الحقيقة متعذرة.
وأجيب: بأن من الرءوس ما لا يجوز إضافة الشراء إليه كرأس النمل والذباب والآدمي، فكانت متعذرة.
[حلف ألا يأكل فاكهة فأكل عنبا أو غيره]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإن حلف لا يأكل فاكهة فأكل عنبًا أو رمانًا أو رطبًا أو قثاء أو خيارًا لم يحنث، وإن أكل تفاحًا أو بطيخًا أو مشمشمًا حنث وهذا) ش: أي الحنث وعدم الحنث في الأشياء المذكورة م: (عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: حنث في العنب والرطب والرمان أيضًا) ش: وبه قال الشافعي ﵀ ومالك وأحمد. وإذا أكل تينًا أو خوخًا أو سفرجلًا أو إجاصًا أو كمثرى أو تفاحًا أو جوزًا أو أرزًا أو فستقًا أو عنبًا يحنث بالإجماع سواء كان رطبًا أو يابسًا.
ولو أكل خيارًا أو قثاء أو جزرًا لا يحنث، لأنها من البقول. ولهذا يؤدم معها والبطيخ من الفاكهة، كذا ذكره القدوري ويابس البطيخ لا يعد فاكهة، كذا ذكر فخر الإسلام في شرح " الجامع الصغير ".
وقال في " خلاصة الفتاوى ": ذكر شمس الأئمة الحلواني أن البطيخ ليس من الفواكه. وللشافعي ﵀ وأحمد ﵀ فيه وجهان، أصحهما أنه من الفواكه.
قلت: الأيمان مبنية على العرف، ولا أحد يتفكه بالبطيخ، وإنما يؤكل بالخبز غالبًا، فيكون من الإدام، نعم إن كان في بلاد لا يكون عندهم إلا نادرًا، ويرويه مثل الفاكهة لندرته وقلته.
م: (والأصل) ش: في هذا الباب م: (أن الفاكهة اسم لما يتفكه به قبل الطعام وبعده، أي يتنعم به زيادة على المعتاد) ش: أي على الغذاء الأصلي، ولهذا سمى النار فاكهة الشتاء، والزواج فاكهة لزيادة التنعم فيها م: (والرطب واليابس فيه) ش: أي في التفكه بهذه الأشياء م: (سواء بعد أن يكون التفكه معتادًا، حتى لا يحنث بيابس البطيخ) ش: فإنه لا يعتاد بأنه فاكهة في عامة البلاد م: (وهذا المعنى) ش: أي التفكه م: (موجود في التفاح وأخواته) ش: وهي التي ذكرناها عند قولنا، وإذا أكل تينًا أو خوخًا ... إلى آخره.
م: (فيحنث بها) ش: أي بالتفاح وأخواتها م: (وغير موجود) ش: أي وهذا المعنى غير
стр. 3229
في القثاء والخيار؛ لأنهما من البقول بيعا وأكلا فلا يحنث بهما.
وأما العنب والرطب والرمان فهما يقولان: إن معنى التفكه موجود فيها، فإنها أعز الفواكه والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها. وأبو حنيفة ﵀ يقول إن هذه الأشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها فأوجب قصورا في معنى التفكه للاستعمال في حاجة البقاء، ولهذا كان اليابس منها من التوابل أو من الأقوات.
ــ
[البناية]
موجود م: (في القثاء والخيار، لأنهما من البقول بيعًا) ش: يعني من حيث الطبع، فإنهما يباعان مع البقول م: (وأكلًا) ش: أي من حيث الأكل، فإنهما يوضعان على المائدة مع البقول، هكذا شرحه الكاكي.
وقال الأكمل: وأما الكل فإنهما على الموائد، حيث يوضع النعناع والبصل م: (فلا يحنث بهما) ش: أي بالقثاء والخيار بما إذا حلف لا يأكل فاكهة.
قلت: هذا لا يخلو عن خدش، لأن القثاء والخيار قط لا يوضعان مع موائد الطعام نعم يؤكلان مع الخبز والخبز في بعض الأوقات، ولا البصل أيضًا لا يوضع مع موائد الطعام. نعم يوضع البصل مع اللحم المسلوق البارد وحده، وهو الذي يسمى لحي، والأحسن في هذا ما قاله صاحب " المحيط " العبرة للعرف وما يؤكل عادة على سبيل التفكه يعد فاكهة في العرف ويدخل في اليمين، وإلا فلا.
م: (وأما العنب والرطب والرمان فهما) ش: أي فأبو يوسف ﵀ ومحمد ﵀ م: (يقولان: إن معنى التفكه موجود فيها فإنها أعز الفواكه، والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها) ش: فيحنث بأكلها م: (وأبو حنيفة ﵀ يقول: إن هذه الأشياء) ش: أي العنب والرطب والرمان) ش: مما يتغذى بها ويتداوى بها) ش: أما التغذي بالرطب والعنب فظاهر. وأما التداوي بالرطب فإنه نافع للمعدة الباردة ويزيد في المني ولين الطبع.
وأما التداوي بالعنب فإنه يسمى بسرعة تأثيره دمًا جيدًا، وينفع الصدر والبطن وأما الرمان فإنه دواء صالح خصوصًا للكبد.
م: (فأوجب قصورًا في معنى التفكه للاستعمال في حاجة البقاء) ش: يعني في بقاء الإنسان وقوامه م: (ولهذا) ش: أي ولأجل الاستعمال في بقاء الإنسان م: (كان اليابس منها) ش: مثل الزبيب والتمر وحب الرمان يعد م: (من التوابل أو من الأقوات) ش: فكان ناقصًا في معنى التفكه للاستعمال في بقاء الإنسان فلا ينتظم الاسم بإطلاقه كالمكاتب حيث لا يتناول اسم المملوك في قوله كل مملوك لي حر للنقصان في مملوكيته، والتوابل جمع تابل بالتاء المثناة من الفوقانية وبالألف بعدها الباء الموحدة المفتوحة والمكسورة وباللام في آخره.
قال الأترازي: التابل الإبزار.
стр. 3230
قال: ولو حلف لا يأتدم فكل شيء يصطبغ به إدام
ــ
[البناية]
قلت: هذا تعريف الشيء بما هو أخفى منه.
وقال الجوهري: الإبزاري والأبازير: التوابل. ثم قال في باب اللام: التابل والتابل وأخفى توابل القدر، يقال منه: توبلت القدر، حكاه أبو عبيد في " مصنفه "، وهذا أيضًا غير مقنع، ولكن يعلم من قوله: توبلت القدر أن المراد من التوابل هي الحوائج التي ترمى في القدر مع اللحم. قوله: من التوابل كما في الرمان أو من الأقوات كما في يابس العنب والرطب، ويؤيد قول أبي حنيفة ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] إلى قوله ﴿وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] (عبس: الآية ٢٧) .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] (الرحمن: الآية ٦٨) ، فإن الله عطف الفاكهة على العنب والنخل في الآية الأولى، وعطف النخل والرمان على الفاكهة في الآية الأخرى، والعطف يقتضي المغايرة.
وقال الأترازي: فإن قلت: لا نسلم أن العطف يقتضي المغايرة، ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧] (الأحزاب: الآية ٧) ، فلو كان العطف يقتضي المغايرة لم يكن المعطوفون من الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وإنما العطف في الآيتين لبيان فضيلة المعطوف لا للمغايرة.
قلت: تفضيل الأنبياء والملائكة بعضهم على بعض إنما يعرف بالخبر، فاحتاج إلى المخصص بالذكر، بخلاف ما نحن فيه، فإن قصد هذه الأشياء على سائر الفواكه عرف بالحس والمشاهدة فلا حاجة إلى الخبر، إذ ليس الخبر كالمعاينة، فتعين فائدة العطف للمغايرة، انتهى.
قلت: أجاب تاج الشريعة عن هذا بأحسن منه، فقال: الشيء قد يعطف على جنسه للتخصيص والتفضيل، كما ذكر من النظير، كما ذكر من النظير، ولا يجوز ذلك فيما نحن بصدده، لأنه موضع تعدد النعم، فلا يستقيم الشيء على جنسه، لأن الحكيم في موضع التعداد لا يذكر نعمة واحدة مرتين، لأن فيه قصور النعم.
[حلف لا يتأدم]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (ولو حلف لا يأتدم) ش: يعني لو حلف لا يأكل إدامًا م: (فكل شيء يصطبغ فيه) ش: وفي بعض النسخ اصطبغ به، قال الكاكي: اصطبغ بالطاء على بناء المفعول، هكذا المنقول. والاصطباغ - فإن خورش كوفيين -[.....] وبعد الطاء بالباء.
وفي " المغرب ": الصبغ ما يصبغ به، ومنه الصبغ منه الإدام، لأن الخبز يغمس فيه،
стр. 3231
والشواء ليس بإدام والملح إدام وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، وقال محمد ﵀: كل ما يؤكل مع الخبز غالبا فهو إدام، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ لأن الإدام من الموادمة، وهي الموافقة وكل ما يؤكل مع الخبز فهو موافق له كاللحم والبيض ونحوه. ولهما أن الإدام ما يؤكل تبعا، والتبعية في الاختلاط حقيقة، ليكون قائما به، بحقيقة في أن لا يؤكل على الانفراد حكما وتمام الموافقة في الامتزاج أيضا
ــ
[البناية]
ويكون كالخل والزبيب، ويقال اصطبغ بالخل وفي الخل لا يقال اصطبغ الخمر بالخل م: (إدام) ش: كالخل والزيت والعسل والزبد واللبن والملح والمرق م: (والشواء ليس بإدام) ش: لأنه يؤكل وحده م: (والملح إدام) ش: لأنه يؤكل مع الخبز م: (وهذا) ش: أي المذكور م: (عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀) ش: في ظاهر الرواية.
م: (وقال محمد: كل ما يؤكل مع الخبز غالبًا فهو إدام، وهو رواية) ش: أي قال محمد رواية م: (عن أبي يوسف) ش: وبه قال الشافعي وأحمد: م: (لأن الإدام من المؤادمة) ش: أي مشتق منها م: (وهي) ش: أي المؤادمة م: (الموافقة معنى، وكل ما يؤكل مع الخبز فهو موافق له كاللحم والبيض ونحوه) ش: مثل الخبز. وفي " النهاية " وحاصل ذلك على ثلاثة أوجه، فالخل والزيت واللبن والعسل والزبد وأمثالها ما يستطيع به فهو إدام بالإجماع والبطيخ والعنب والتمر وأمثالها مما يؤكل وحدها غالبًا ليس بإدام بالاتفاق.
واختلفوا في الخبز والبيض واللحم، فجعلها محمدًا إدامًا باعتبار أن هذه الأشياء لا تؤكل وحدها غالبًا، فكانت تبعًا للخبز، وموافقًا له ﵇ بعد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم وكتب ملك الروم إلى معاوية أن ابعث إلى بشر إدام على يد بشر رجل، فبعث إليه جبنًا على يد رجل يسكن في بيوت أصمارها فلو لم يكن الجبن إدامًا لما بعث إليه، لأنه من أرباب الشأن.
ويقول محمد: أخذ أبو الليث بالعرف. وفي التمر للشافعي وأحمد رحمهما الله - وجهان في وجه إدام لما روي «أنه ﵇ وضع التمر على الكسرة، فقال هذا إدام» . هذه رواية أبي داود. والثاني ليس بإدام، لأنه فاكهة فأشبه الزبيب.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أن الإدام ما يؤكل تبعًا، والتبعية في الاختلاط حقيقة) ش: أي من حيث الحقيقة، بأن يصير مع الخبز كشيء واحد، فيتبعه ويقدم به، وهو معنى قوله م: (ليكون قائمًا به بحقيقة في أن لا يؤكل على الانفراد حكمًا) ش: أي من حيث الحكم حاصل هذا أن التبعية على نوعين حقيقة، وذلك في الاختلاط ليكون قائمًا به. وحكمه هو أن لا يؤكل على الانفراد، واللحم ما يخلط، فيكون تبعًا حقيقة ويؤكل منفردًا، فلا يكون تبعًا حكمًا، فلا يكون إدامًا. م: (وتمام الموافقة في الامتزاج أيضًا) ش: جواب عن قوله لأن الإدام
стр. 3232
والخل وغيره من المائعات لا تؤكل وحدها، بل تشرب والملح لا يؤكل بانفراده عادة، ولأنه يذوب فيكون تبعا، بخلاف اللحم وما يضاهيه، لأنه يؤكل وحده إلا أن ينويه لما فيه من التشديد والعنب والبطيخ ليسا بإدام هو الصحيح. وإذا حلف لا يتغدى فالغداء الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر
ــ
[البناية]
من المؤادمة يعني سلمناه.
ولكن الإدامة الشاملة الكاملة في الامتزاج يعني حقيقة الموافقة بأن يكون كشيء واحد بالامتزاج والإشراق إلا أن يكون مجاوزًا له، فإذا ثبتت الحقيقة بطل المجاز.
وأما الحديث فلا حجة له فيه، لأن يقال الخليفة سيد العرب والعجم، وإن لم يكن من العجم قاله الكاكي وفيه تأمل. وقال تاج الشريعة: وأما قوله ﷺ وهو الحديث المذكور فإنه من أسماء الشرع. والأيمان لا تتعلق بها.
م: (والخل وغيره من المائعات لا تؤكل وحدها بل تشرب) ش: فلا يكون إداما م: (والملح لا يؤكل بانفراده عادة) ش: فلا يكون إدامًا م: (ولأنه يذوب فيكون تبعًا) ش: فيكون إدامًا م: (بخلاف اللحم وما يضاهيه) ش: أي وما يشابهه مثل الخبز والبيض، فإنها ليست بإدام م: (لأنه) ش: لأن اللحم وما يضاهيه م: (يؤكل وحده، إلا أن ينويه) ش: لأنه يحتمل كلامه م: (لما فيه من التشديد) ش: على نفسه.
م: (والعنب والبطيخ ليسا بإدام هو الصحيح) ش: احترز به عما قيل: إن العنب والبطيخ على الخلاف. وذكر الإمام السرخسي أنهما ليسا بإدام بالإجماع، وهو الصحيح، لأنهما يؤكلان غالبًا وحدهما.
وفي " المحيط " قال محمد: التمر والجوز ليسا بإدام، وكذا العنب والبطيخ، وكذلك سائر الفاكهة، حتى لو كان في موضع يؤكل تعبًا للخبز يكون إدامًا عنده، أما البقل ليس بإدام بالاتفاق لأن آكله لا يسمى مأدمًا. وعند الشافعي والبقول والبصل والفجل والثمار إدام، لأنه يؤتدم به عادة، ذكره في " شرح الوجيز ".
قال أي القدوري: م: (وإذا حلف لا يتغدى فالغداء الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر) ش: القدوري يتمايج في اللفظ؛ لأن الغداء عبارة عن طعام يؤكل في الغداة لا اسم أكله، وكذلك أيضًا بالفتح والمد اسم لطعام العشي، ولكن معناه أكل الغداء، وأكل العشاء على حذف المضاف قال الأترازي: ويجوز أن يقال: أراد بالغداء الغداة وبالعشاء العشي مجازًا بإطلاق اسم السبب على المسبب. وإذا حلف أحد أنه لا يتغدى، فإذا تغدى ما بين طلوع الفجر إلى وقت الظهر في
стр. 3233
والعشاء من صلاة الظهر إلى نصف الليل؛ لأن ما بين الزوال يسمى عشيا ولهذا يسمى الظهر أحد صلاتي العشاء في الحديث. والسحور من نصف الليل إلى طلوع الفجر لأنه مأخوذ من السحر، ويطلق على ما يقرب منه، ثم الغداء والعشاء، ما يقصد به الشبع عادة
ــ
[البناية]
أي ساعة كانت من ذلك يحنث وعليه الكفارة.
م: (والعشاء من صلاة الظهر إلى نصف الليل، لأن ما بعد الزوال يسمى عشيًا) ش: بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء. قال في " المغرب ": العشي ما بين زوال الشمس إلى غروبها، والمشهور أنه آخر النهار.
وعن الأزهري: صلاة العشاء والظهر والعصر.
وقال الأترازي: لأن ما بعد الزوال يسمى عشاء بكسر العين الزوال، لما كان عشاء كان الطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت عشاء، فإذا فتح العين في موضعين يلزم الفساد، وهذا حاصل كلامه لكن هذا على كون لفظ النسخة عشيًا. وأكثر لفظ النسخ عشاء كما ضبطناه.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون ما بعد الزوال عشيًا م: (يسمى الظهر أحد صلاتي العشاء في الحديث) ش: قال الأترازي: كذا ركعتين في السنن، وسكت. وقال الكاكي: ورد في الحديث أنه ﷺ «صلى إحدى صلاتي العشاء يريد الظهر أو العصر» . وقال الأكمل: ذكر في " الإيضاح " في باب الحلف على العشاء، فقال: ورد في الحديث أن النبي ﷺ «صلى إحدى صلاتي العشاء ركعتين، يريد به الراوي الظهر أو العصر» .
قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم «عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ " إحدى صلاتي العشاء إما الظهر وإما العصر، فسلم في ركعتين ... » الحديث "، فيا للعجب من هؤلاء في تقصيرهم فما يتعلق بالأحاديث، وهم في ديار الحديث. قال الأترازي: يقول في السنن والحديث في الصحيحين، والأكمل وشيخه الكاكي اكتفيا بما ذكر في " الإيضاح " من غير بيان.
م: (والسحور) ش: بفتح السين ما يتسحر به من المأكول والمشروب، وبضم السين مصدر م: (من نصف الليل إلى طلوع الفجر، لأن السحور مأخوذ منه) ش: أي مشتق من السحر بفتحتين، وهذا الثلث الأخير من الليل إلى طلوع الفجر م: (ويطلق) ش: أي يطلق السحور م: (على ما يقرب منه) ش: أي من السحر، لأنه قرب من الثلث الأخير م: (ثم الغداء والعشاء) ش: بالفتح والمد فيهما م: (ما يقصد به الشبع) ش: بكسر الشين وفتح الباء الموحدة م: (عادة) ش: في عادات الناس، لأن التغدي عبارة عن أكل مترادف أكثر من نصفه شبعة، لأنه لا يقال: إنه تغدى إذا
стр. 3234
وتعتبر عادة أهل كل بلدة في حقهم ويشترط أن يكون أكثر من نصف الشبع
ومن قال: إن لبست أو أكلت أو شربت فعبدي حر، وقال: عنيت شيئا دون شيء لم يدين في القضاء وغيره، لأنه النية إنما تصح في الملفوظ والثوب وما يضاهيه غير مذكور تنصيصا، والمقتضى لا عموم له. فلغت نية التخصيص فيه.
ــ
[البناية]
أكل لقمة أو لقمتين، وبه قال الشافعي م: (ويعتبر عادة أهل كل بلدة في حقهم) ش: يعني إن كان كانت خبزا فخبز وإن كانت لحما فلحم وإن كانت لبنا فلبن.
وفي " المحيط " حتى لو كان الحالف مصريا يقع على الخبر، فلو تغدى بغيره من الأرز والتمر واللبن لم يحنث، وإن كان بدويا فيتغدى بالتمر، فإن العبرة مما يتعدى به على عادة أهل ذلك الموضع، حتى لغير الأرز بطبرستان، واللبن لأهل البوادي، والتمر ببغداد، واللبن يحنث. وحاصل الكلام العبرة من حلف لا يدخل بيتا فهو على المدر للبلدي، وعلى بيت الشعر للبدوي، وكذلك الحكم في التعشي.
م: (ويشترط أن يكون أكثر من نصف شبع) ش: قال الإمام الأسبيجابي: في " شرح الطحاوي " ومن حلف لا يتغدى فإنه يقع على الغداء المعروف، فإن كان الرجل كوفيا يقع على مد الحنطة والشعير، ولا يقع على اللبن والسويق، وإن كان الرجل بدويا يقع على اللبن والسويق، وإن كان حجازيا يقع على السويق، وأما في بلادنا فيقع على خبز الحنطة ويشترط أن يكون، أي الغداء أو العشاء أو السحور أكثر من نصف الشبع، لأن للأكثر حكم الكل رواه المعلى عن أبي يوسف، وهو الصحيح، لأن من أكل لقمة أو لقمتين يصح أن يقول ما تغديت وما تعشيت.
[قال إن لبست أو أكلت أو شربت فعبدي حر وقال عنيت شيئا دون شيء]
م: (ومن قال: إن لبست أو أكلت أو شربت فعبدي حر، وقال عنيت) ش: أي قصدت م: (شيئا دون شيء) ش: يعني قصدت ثوبا دون ثوب، أو طعام دون طعام، أو شرابا دون شراب م: (لم يدين في القضاء وغيره) ش: يعني لا يصدق لا قضاء ولا ديانة. وقال الشافعي: يصدق ديانة، لأنه للمقتضى عموما عنده، وكذا في رواية عن أبي يوسف ﵀ وبه أخذ الخصاف، والمذهب أنه لا تصح نيته م: (لأن النية إنما تصح في الملفوظ) ش: حتى يعين ما يحتمل اللفظ م: (والثوب وما يضاهيه) ش: أي وما يشابهه، مثل الطعام والشراب م: (غير مذكور تنصيصا) ش: أي غير ملفوظ صريحا، فإنما هو مقدر اقتضاء، أي بطريق الاقتضاء.
م: (والمقتضى) ش: بفتح الضاد م: (لا عموم له فلغت نية التخصص فيه) ش: أي في قوله إن لبست، أو إن أكلت أو إن شربت. قوله والمقتضى الحاجزة جواب عما يقال: هب أنه غير ملفوظ تنصيصا ليس أنه ثابت تقضى، والمقتضى كالملفوظ، فأجاب بقوله - والمقتضى..... إلى آخره.
стр. 3235
وإن قال: إن لبست ثوبا، أو أكلت طعاما، أو شربت شرابا لم يدين في القضاء خاصة، لأنه نكرة في محل الشرط فتعم فعملت نية التخصيص فيه إلا أنه خلاف الظاهر
ــ
[البناية]
فإن قيل: المقتضى أمر شرعي واقتضاء الأكمل إلى الطعام ليس كذلك، لأنه يعرفه من له تعرف بالشرع.
قلت: يجوز أن يكون المصنف اختار ما اختاره بعض المحققين من أن التقضي هو الذي لا يدل عليه اللفظ، ولا يكون سقوطا به، لكن يكون من ضرورة اللفظ أعم من أن يكون شرعيا أو عقليا.
فإن قيل: سلمنا ذلك، لكن ما الفرق بين هذا وبينهما إذا قال: إن خرجت فعبدي حر، ونوى السفر، فإنه يصدق ديانة، مع أن السفر أو الخروج غير مذكور لفظا، وبينه وبينهما إذا حلف لا يساكن فلانا ونوى أن لا يساكنه في واحد، فإن النية صحيحة مع أن المسكن غير مذكور لفظا، حتى لو ساكن معه في الدار لا يحنث.
أجيب: بأن الأول ممنوعة منعها القضاة الأربعة أبو هيثم وأبو حازم وأبو طاهر الدباس والقاضي القمر ﵏ وليس يعلم من قوله: إن خرجت [.....] لغة، وقد وقع الثاني في صريح النفي، والأول في معناه فيتناولان بعمومها عنده من الخروج والسفر، فجاز تخصيصهما إلا أنه خلاف الظاهر، فلا يريد في القضاء، كذا لخصه الأكمل، وبيانه كما ينبغي هذا وإن سلمنا فالفرق أن الخروج إلى مديد وقصير، وهما مختلفان اسما وحكما، فإن المؤيد يسمى سفرا، وأحكامه خلاف أحكام الخروج. فإذا نوى أحد النوعين صحت نيته، كما لو حلف لا يتزوج ونوى حبشية أو رومية يصدق، ولو نوى امرأة بعينها لا يصدق، لأن الأول نوع.
والثاني في مسألتنا: حتى لو نوى الخروج إلى مكان بعينه كبغداد لا يصدق، وكذا في المسألة الثانية نوى نوعان من المساكنة، لأن المساكنة أنواع ما يكون في بلد واحد، وما يكون في دار واحدة وهو العرف، وما يكون في بيت واحد وهو أتم ما يكون من المساكنة، كذا ذكره السرخسي وغيره.
[قال إن لبست ثوبا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا]
م: (وإن قال: إن لبست ثوبا، أو أكلت طعاما، أو شربت شرابا لم يدين في القضاء خاصة) ش: يعني لم يصدق في القضاء خاصة، ويصدق ديانة م: (لأنه نكرة) ش: أي لأن ثوبا من إن لبست وطعاما من إن أكلت وشرابا من إن شربت نكرة وقعت م: (في محل الشرط) ش: وهو قوله: إن فعلت كذا م: (فتعم) ش: لأن الشرط في معنى النفي، والنكرة في موضع النفي تعم، والعموم يحتمل الخصوص م: (فعلمت نية التخصيص فيه، إلا أنه خلاف الظاهر) ش: إذ الظاهر العموم.
стр. 3236
فلا يدين في القضاء
قال: ومن حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناء لم يحنث حتى يكرع منها كرعا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: إذا شرب منها بإناء يحنث؛ لأنه المتعارف المفهوم، وله أن كلمة " من " للتبعيض وحقيقته في الكرع، وهي مستعملة. ولهذا يحنث بالكرع إجماعا
ــ
[البناية]
م: (فلا يدين في القضاء) ش: أي فلا يصدق في الحكم، لأن في المتصدق فيه تخفيف له، فلا يصدق، بخلاف ما إذا قيل له: إنك تريد أن تغتسل الليلة في هذه الدار عن الجنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، فهو عن الجنابة، لأنه جواب متقيد بالسؤال.
ولو قال: إن اغتسلت الليلة في هذه الدار ولم يقل في هذا الدار فهو على كل اغتسال قضاء لأنه زاد على حرف الجواب، فيكون مبتدأ ولكن مع هذا يصدق ديانة، لأنه يحتمل أنه أراد به الجواب.
[حلف لا يشرب من دجلة فشرب منها بإناء]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن حلف لا يشرب من دجلة) ش: وهو نهر بغداد م: (فشرب منها بإناء لم يحنث حتى يكرع منها كرعًا) ش: والكرع يتناول الماء بالفم من موضعه من غير أن يأخذ بيده، يقال كرع الرجل في الماء إذا مد عنقه نحو يشرب منه، ومنه كره عكرمة الكرع من النهر، لأنه فعل البهيمة تدخل فيها أكارعها، والكراع مستدق الساق م: (وهذا عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (إذا شرب منها بإناء يحنث، لأنه المتعارف المفهوم) ش: بين الناس من الشرب من دجلة وهو الشرب من ماء مجرى دجلة، وهو المجاز، فيعمل لعموم المجاز. فيحنث كيفما شرب، كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان يحنث في يمينه إذا دخلها راكبًا أو ماشيًا أو حافيًا أو مستعملًا، لعموم المجاز، وهو الدخول، فكذا هنا، فصار كما إذا حلف لا يشرب من هذه البئر فشرب من مائها بإناء يحنث.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن كلمة " من ") ش: في قوله من دجلة - م: (للتبعيض) ش: اعلم أن " من " تأتي لمعان كثيرة، فإن كان المصنف ﵀ يريد به أنه وضع لبعض وحده، فهذا لم يقل به أحد من أئمة اللغة، وإن كان يريد أنه قد يستعمل للتبعيض، فمن أين أنه يلزم أنه هنا للتبعيض، قاله الأترازي مع تطويل الكلام فيه.
قلت: دلت القرينة اللفظية والحالة هنا أن " من " هنا للتبعيض، وهذا ظاهر لا يخفى م: (وحقيقته) ش: أي وحقيقة الشرب م: (في الكرع) ش: لأن الحقيقة ابتداء أن يكون ابتداء الشرب متصلة بدجلة، وذلك بالشرب منها كرعًا: (وهي) ش: الحقيقة م: (مستعملة) ش: مهجورة.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل هذا أن الحقيقة مستعملة م: (يحنث بالكرع إجماعًا) ش: دعوى الإجماع فيها نظر، لأنه اختلف المشايخ في الكرع عندهما. قال الإمام العتابي في " شرح
стр. 3237
فمنعت المصير إلى المجاز وإن كان متعارفا وإن حلف لا يشرب من ماء دجلة فشرب منها بإناء حنث، لأنه بعد الاغتراف بقي منسوبا إليه وهو الشرط، فصار كما إذا شرب من ماء نهر يأخذ من دجلة
ومن قال: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فامرأته طالق، وليس في الكوز ماء لم يحنث، فإن كان فيه ماء فأهريق قبل الليل لم يحنث، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد
ــ
[البناية]
الجامع ": قال بعضهم: لا يحنث بالكرع عندهما لئلا يكون جمعًا بين الحقيقة والمجاز. وقال بعضهم: يحنث وهو الصحيح لعموم المجاز، وليس هو يجمع بين الحقيقة والمجاز فمنعوا، أي الحقيقة المستعملة م: (فمنعت المصير إلى المجاز وإن كان متعارفًا) ش: هذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى الكرع فعندنا لا يحنث بالمجاز ديانة وقضاء، لأنه نوى حقيقة كلامه، وإن نوى العرف فعنده صدق ديانة، لأنه يحتمل ولا يصدق قضاء، لأنه خلاف الحقيقة.
ولو حلف لا يشرب من هذا الجب فإن ملآنًا انصرف إلى الكرع عنده لتصير الحقيقة إن لم يكن ملآنًا انصرف إلى المجاز، لامتناع الحقيقة، كذا نقل الشيخ أبو المعين النسفي في " شرح الجامع " عن الشيخ أبي القاسم الصفار، ولو عنى بقوله: لا يشرب ماء دجلة هل يصح أم لا؟ حتى لا يشرب من نهر يأخذ من دجلة هل يحنث أم لا؟ قال الشيخ أبو المعين: من مشايخنا من قال تصح نيته، لأنه نوى إضمار الماء، وإليه ذهب الشيخ أبو بكر الأعمش. ومنهم من قال: لا تصح نيته، لأن الماء نيته مقتضاة، فلا يظهر في حق قبول النية.
م: (وإن حلف لا يشرب من ماء دجلة فشرب منها بإناء حنث) ش: هذا لفظ القدوري م: (لأنه) ش: أي لأن الماء م: (بعد الاغتراف بقي منسوبًا إليه) ش: أي إلى دجلة م: (وهو الشرط) ش: أي شرط الحنث في الشرب كون الماء منسوبًا، والماء في الإناء منسوب إليها، فكان الشرط قائمًا م: (فصار كما إذا شرب من نهر يأخذ من دجلة) ش: لأن الشرط كون الماء من دجلة.
وفي " الكافي " لو قال لا أشرب من الفرات فشرب من نهر آخر منه لم يحنث إجماعًا، أما عنده فلأن يمينه على الكرع، وأما عندهما فلأن النية إلى الفرات انقطعت فخرج عن عموم المجاز أما لو قال: لا أشرب فشرب من نهر آخر من الفرات حنث، لأن يمينه على ماء منسوب إلى الفرات، والنسبة لا تنقطع بالأنهار الصغار. ولو قال: لا أشرب ماء فراتًا يحنث لكل ما أعذب في أي موضع كان، وبه قال الشافعي؛ لأنه جعله وصفًا للماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] (المرسلات: الآية ٢٧) ، أي عذبًا.
[قال إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فامرأته طالق وليس في الكوز ماء]
م: (ومن قال: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فامرأته طالق، وليس في الكوز ماء لم يحنث) ش: سواء علم بأن فيه ماء أو لم يعلم م: (فإن كان فيه ماء فأهريق) ش: أي فأريق، والهاء فيه زائدة م: (قبل الليل لم يحنث، وهذا) ش: أي عدم الحنث م: (عند أبي حنيفة ومحمد
стр. 3238
رحمهما الله - وقال أبو يوسف: حنث في ذلك كله، يعني إذا مضى اليوم، وعلى هذا الخلاف إذا كان اليمين بالله تعالى وأصله أن من شرط انعقاد اليمين وبقائه التصور عندهما خلافًا لأبي يوسف لأن اليمين إنما ينعقد للبر، فلا بد من تصور البر ليمكن إيجابه وله أنه أمكن القول بانعقاده موجبًا للبر على وجه يظهر
ــ
[البناية]
رحمهما الله -) ش: وبه قال الشافعي: في وجه ومالك ﵀.
م: (وقال أبو يوسف: حنث في ذلك كله) ش: أي فيما كان فيه الماء وفيما لم يكن م: (يعني إذا مضى اليوم) ش: أشار به إلى أن اليمين إذا كانت مؤقتة باليوم م: (وعلى هذا الخلاف) ش: المذكور بين الثلاثة م: (إذا كان اليمين بالله) ش: بأن قال: والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم، وليس في الكوز ماء، أو كان فيه ماء فأهريق قبل الليل لم يحنث عندهما، خلافًا لأبي يوسف.
م: (وأصله) ش: أي أصل هذا الخلاف م: (أن من شرط انعقاد اليمين وبقائه التصور عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (خلافًا لأبي يوسف) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في وجه، وتحقيق هذا أن تصور شرط لإبقاء اليمين المطلقة عن الوقت، وبقاء اليمين العدة بالوقت عندهما، وعند أبي يوسف لا يشترط تصور البر في انقياد اليمين المطلقة، ولا لبقائه في اليمين المقيدة، ويتفرع على هذا الخلاف ما لو حلف لا يشربن ماء الكوز اليوم فصب قبل مضي اليوم. فعندهما لا يبقى يميننه ولا يحنث أبدًا. وعند أبي يوسف يحنث في آخر جزء من أجزاء الوقت، حتى تجب عليه الكفارة إذا مضى اليوم، وعلى هذا: لو قال: إن لم أشرب هذا الماء الذي في هذا الكوز وعنده تبقى ويحنث، مضى اليوم فأمن أنه كذا، فأهريق قبل الليل لم تبق اليمين عندهما، وعنده تبقى ويحنث. وعلى هذا لو قال: لأقتلن فلانًا اليوم فمات فلان قبل مضي الليل لا يبقى اليمين عندههما. وكذا لو قال: لتقتلنه وهو جاهل بموته، وإنما شرط جهله لموته، لأنه لو علم بموته ينعقد اليمين بالإجماع ويحنث في الحال. وكذا لو حلف إن أكل هذا الرغيف فأكل قبل الليل أو قال: لأقضين دينه وفلان قد مات ولا أعلم به لم ينعقد يمينه عندهما، وعنده ينعقد ويحنث في الحال، وكذا لو قال لأقضين فلانًا دينه فأبرأه فلان.
وكذا لو قال لزيد: إن رأيت عمرًا فلم أعلمك فامرأتي طالق ثم رآه مع زيد فسكت ولم يقل شيئًا، أو قال هو عمرو لا يطلق عندهما لفوات الإعلام، فلم يبق اليمين، وعنده يطلق لبقاء اليمين وفوات المعقود عليه.
م: (لأن اليمين إنما ينعقد للبر، فلا بد من تصور البر ليمكن إيجابه) ش: أي إيجاب اليمين م: (وله) ش: أي ولأبي يوسف م: (أنه أمكن القول بانعقاده) ش: حال كونه م: (موجبًا للبر على وجه
стр. 3239
في حق الخلف وهو الكفارة. قلنا: لا بد من تصور الأصل لينعقد في حق الخلف، ولهذا لم تنعقد الغموس موجبة الكفارة
ولو كانت اليمين مطلقة ففي الوجه الأول لا يحنث عندهما، وعند أبي يوسف ﵀ يحنث في الحال، وفي الوجه الثاني يحنث في قولهم جميعًا، فأبو يوسف فرق بين المطلق والمؤقت. ووجه الفرق في التأقيت للتوسعة، فلا يجب الفعل إلا في آخر الوقت، فلا يحنث قبله. وفي المطلق يجب البر كما فرغ، وقد عجز فيحنث في الحال، وهما فرقا بينهما. ووجه الفرق أن في المطلق يجب البر كما فرغ، فإذا
ــ
[البناية]
يظهر في حق الخلف وهو الكفارة) ش: لأن عقد يمينه على فعل في المستقبل، فينعقد. وإن عجز عن تحقيق ما أخبر يظهر في الخلف، لقوله: والله لأمسن السماء م: (قلنا: لا بد من تصور الأصل) ش: أي أصل اليمين م: (لينعقد في حق الخلف) ش: فإذا لم يتصور الأصل لا ينعقد في حق الخلف م: (ولهذا) ش: أي ولأجل تصور الأصل لانعقاده في حق الحلف، وهو الكفارة م: (لم تنعقد الغموس) ش: حال كونها م: (موجبة الكفارة) ش: لأنه لما لم يتصور الأصل لا يظهر في حق الحلف وهو الكفارة.
فإن قلت: البر يتصور في صورة الإراقة، لأن من الجائز أن يعبد الله تلك القطرات المهراقة في ذلك الكوز.
قلت: إن البر إنما يجب في هذه الصورة في آخر جزء من أجزاء اليوم يجب أن لا يسع فيه غيره، فلا يمكن القول فيه بإعادة الماء في الكوز، وشربه في ذلك الزمان.
م: ولو كانت اليمين مطلقة) ش: أي عن ذكر الوقت م: (ففي الوجه الأول) ش: يعني إذا لم يكن في الكوز ماء م: (لا يحنث عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (وعند أبي يوسف يحنث في الحال، وفي الوجه الثاني) ش: وهو أن يكون فيه ماء أهريق م: (يحنث في قولهم جميعًا) ش: أي قول الثلاثة م: (فأبو يوسف فرق بين المطلق والمؤقت) ش: أي بين اليمين المطلق عن ذكر المؤقت، وبين اليمين المؤقت بالوقت.
م: (ووجه الفرق) ش: أي وجه فرق أبي يوسف م: (أن التأقيت للتوسعة) ش: على نفسه، حتى يختار الفعل في أي وقت شاء م: (فلا يجب الفعل إلا في آخر الوقت) ش: المقدر فما لم يخص ذلك الوقت لا يتحقق ترك الفعل، لأن الفعل لا يتعين عليه في آخر أجزاء الوقت م: (فلا يحنث قبله) ش: فإذا فات الجزء الآخر فلم يفعل يحنث حينئذ م: (وفي المطلق) ش: عن الوقت م: (يجب البر كما فرغ وقد عجز فيحنث في الحال، وهما) ش: أي أبو حنيفة ومحمد م: (فرقا بينهما) ش: أي بين المطلق والمؤقت.
م: (ووجه الفرق في المطلق يجب البر كما فرغ) ش: لأنه لم يرد التوسعة على نفسه م: (فإذا
стр. 3240
فات البر بفوات ما عقد عليه اليمين يحنث في يمينه، كما إذا مات الحالف والماء باق، أما في المؤقت يجب البر في الجزء الأخير من الوقت وعند ذلك لم يبق محلية البر لعدم التصور، فلا يجب البر فيه فتبطل اليمين كما إذا عقده ابتداء في هذه الحالة.
قال: ومن حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا بتحويل الله انعقدت يمينه وحنث عقيبها. وقال زفر ﵀: لا تنعقد لأنه مستحيل عادة، فأشبه المستحيل حقيقة، فلا ينعقد. ولنا أن البر متصور حقيقة. لأن الصعود إلى السماء ممكن حقيقة، ألا ترى أن الملائكة يصعدون السماء، وكذا تحول الحجر ذهبا بتحويل الله تعالى. وإذا كان متصورا ينعقد اليمين موجبا لخلفه، ثم يحنث بحكم العجز الثابت عادة
ــ
[البناية]
فات البر بفوات ما عقد عليه اليمين يحنث في يمينه، كما إذا مات الحالف والماء باق) ش: أشار بقوله كما إذا مات الحالف إلا أن بقاء المحل شرط للبر لبقاء الحالف م: (أما في المؤقت يجب البر في الجزء الأخير من الوقت وعند ذلك) ش: أي وعند الجزء الأخير م: (لم يبق محلية البر لعدم التصور، فلا يجب البر فيه) ش: للعجز م: (ويبطل اليمين، كما إذا عقده ابتداء) ش: كما عقد اليمين حال كونه مبتدأ م: (في هذه الحالة) ش: وأشار بهذا على أن وجود المحل كما هو شرط لانعقاد اليمين ذلك شرط لبقائها.
[حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبًا انعقدت يمينه وحنث عقيبها) ش: فتجب الكفارة وبه قال الشافعي في الأظهر، وفي وجه هو مع زفر ﵀.
م: (وقال زفر ﵀: لا ينعقد لأنه مستحيل) ش: أي لأن صعود السماء أو قلب الحجر ذهبًا محال م: (عادة فأشبه المستحيل حقيقة) ش: كما في الحلف على شرب ماء كوز ليس فيه ماء م: (فلا ينعقد) ش: أي اليمين فلا يجب شيء.
م: (ولنا أن البر متصور حقيقة، لأن الصعود إلى السماء ممكن حقيقة) ش: بطريق الكرامة م: (ألا ترى أن الملائكة يصعدون السماء) ش: وكذلك الأنبياء ﵈ صعدوا م: (وكذا) ش: أي وكذا يتصور م: (تحول الحجر ذهبًا بتحويل الله ش: بأن يقع ذلك كرامة لبعض الأولياء، وكرامة الأولياء بخلاف العادة حق عندنا.
م: (وإذا كان متصورًا ينعقد اليمين) ش: حال كونها م: (موجبًا لخلفه) ش: وهو الكفارة، وذكر الضمير في حلفه على تأويل الحلف بالحاء المهملة م: (ثم يحنث بحكم العجز الثابت عادة) ش: وإنما وجب الحنث في الحال لأن البر ليس له زمان ينتظر، بخلاف ما قاس عليه زفر فإن شرب كوز ما ليس فيه ماء لا يتصور يظهر الفرق.
стр. 3241
كما إذا مات الحالف فإنه يحنث مع احتمال إعادة الحياة، بخلاف مسألة الكوز، لأن شرب الماء الذي في الكوز وقت الحلف، ولا ماء فيه لا يتصور فلا ينعقد اليمين.
ــ
[البناية]
م: (كما إذا مات الحالف فإنه يحنث مع احتمال إعادة الحياة) ش: وهو متصور، فينعقد اليمين م: (بخلاف مسألة الكوز، لأن شرب الماء الذي في الكوز وقت الحلف، ولا ماء فيه) ش: أي والحال أنه لا ماء فيه م: (لا يتصور) ش: هو خبر إن في قوله، لأن شرب الماء الذي في الكوز، فإذا كان غير متصور م: (فلا ينعقد اليمين) ش:.
فإن قلت: يتصور أن يخلق الله فيه الماء، وقدرته أعظم من ذلك.
قلت: لو حلف بالله تعالى وفيه الماء، لا يكون هذا الماء هو الذي انعقد عليه اليمين، والله أعلم.
стр. 3242
باب اليمين في الكلام قال: ومن حلف لا يكلم فلانا فكلمه وهو بحيث يسمع، إلا أنه نائم حنث، لأنه قد كلمه ووصل إلى سمعه، لكنه لم يفهم لنومه، فصار كما إذا ناداه، وهو بحيث يسمع لكنه لم يفهم لتغافله. وفي بعض روايات " المبسوط " شرط أن يوقظه، وعليه مشايخنا ﵏ لأنه إذا
ــ
[البناية]
[باب اليمين في الكلام] [حلف لا يكلم فلانا فكلمه وهو بحيث يسمع إلا أنه نائم]
م: (باب اليمين في الكلام) ش: هذا باب في بيان أحكام اليمين في الكلام. قال قوم: الكلام عذر وفعله كلم محذوف الزوائد نحو سليم سلامًا، وأعطى وإعطاء، والدليل على ذلك أنه يعمل كسائر المصادر نحو عجب من كلامك زيدًا، حيث نصب زيدًا، ولو كان اسمًا لم يجز إعماله. وقال الأكثرون: إنه اسم المصدر، والمصدر الحقيقي المتكلم. وقال الله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء: الآية ١٦٤) ، وقال تعالى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (الأحزاب: الآية ٥٦) .
فالكلام والسلام اسمان للمصدر والكلام في اللغة عبارة عن الكلم وهو الجرح ويجمع على كلام بالكسر، وفي اصطلاح النحاة: الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد. وفي " اصطلاح الفقهاء " الكلام الذي يخفى، كلم عبارة عن إسماع كلامه لغيره. وعبارة أيضًا عن إسماع نعته. وفي " المحيط ": الكلام حقيقة اسم لما ينافي السكوت والخرس ولكن في العرف اسم لحروف منطوقة مفهومة مقطعة مسموعة.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن حلف لا يكلم فلانًا فكلمه وهو بحيث يسمع إلا أنه) ش: أي إلا أن فلانًا م: (نائم حنث) ش: وبه قال الشافعي وأحمد ومالك ﵀ في رواية.
م: (لأنه قد كلمه ووصل إلى سمعه، لكنه لم يفهم لنومه، فصار كما إذا ناداه، وهو بحيث يسمع لكنه لم يفهم لتغافله) ش: إذ التكلم عبارة عن إسماع الكلام كما في تكلم نفسه فإنه عبارة عن إسماع نفسه، إلا أن سماع الغير أمر يبطن لا يوقف عليه، فأقيم السبب المؤدي به مقامه، ويسقط اعتبار حقيقة السماع، كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀.
م: (وفي بعض روايات " المبسوط " شرط أن يوقظه) ش: أي شرط إيقاظ فلان الذي حلف أنه لا يكلمه، فإنه قاله فناداه وأيقظه حنث شرط الإيقاظ وبه قال مالك ﵀ في رواية وذكر في بعض الروايات فناداه وأيقظه فهذا يدل على أنه متى ناداه يحنث وإن لم يوقظه، كذا في " المبسوطين ".
ثم ذكر السرخسي ﵀ في " مبسوطه ": والأظهر أنه لا يحنث إذا لم يوقظه، لأن النائم كالغائب م: (وعليه) ش: أي على شرط الإيقاظ م: (مشايخنا ﵏ لأنه إذا لم ينتبه كان كما إذا ناداه من بعيد وهو بحيث لا يسمع صوته)
стр. 3243
وكل ذلك لا يتحقق إلا بالسماع. وقال أبو يوسف ﵀: لا يحنث، لأن الإذن هو الإطلاق وإنه يتم بالإذن كالرضاء، قلنا الرضاء من أعمال القلب
ــ
[البناية]
وأحمد ﵀.
[حلف لا يكلمه إلا بإذنه فإذن له ولم يعلم بإذنه حتى كلمه]
م: (ولو حلف لا يكلمه إلا بإذنه فإذن له ولم يعلم بإذنه حتى كلمه حنث) ش: وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵀ في وجه. وفي " شرح الأقطع ": هذا هو المشهور من قولهم، أي من قول أصحابنا، وعند أبي يوسف ﵀ أنه لا يحنث، وبه قال الشافعي ﵀.
م: (لأن الإذن مشتق من الأذان الذي هو الإعلام) ش: ومنه قوله تعلى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] (التوبة: الآية ٣) أي إعلام م: (أو من الوقوع في الإذن) ش: أي أوان الإذن مشتق من الوقوع في الإذن لتسميته م: (وكل ذلك) ش: أي الإذن من الأذان ومن الوقوع في الإذن م: (لا يتحقق إلا بالسماع) ش: واعترض بأنه لو كان كذلك لما صار العبد مأذونًا إذا أذن له مولاه، وهو لا يعلم لكنه يكون مأذونًا، فلم يكن الإذن محتاجًا إلى الوقوع في الإذن.
وأجيب: بأن الإذن هذا فك الحجر في حق العقد ينصرف بأهلية نفسه ومالكيه، فيثبت بمجرد الإذن، وأما في اليمين وقد حرمه كلامه إلا بإذنه، فصار الإذن مستثنى لإباحة الكلام، فلا بد من الإعلام لذلك.
م: (وقال أبو يوسف ﵀: لا يحنث، لأن الإذن هو الإطلاق، وإنه يتم بالإذن) ش: على وزن الفاعل م: (كالرضاء) ش: يعني إذا حلف لا يكلمه إلا برضاه، فرضي المحلوف عليه بالاستثناء ولم يعلم الحالف فكلمه لا يحنث، لما أن الرضى يتم بالراضي، وكذلك الإذن يتم بالآذن م: (قلنا الرضاء من أعمال القلب) ش: فيتم بالراضي م: (ولا كذلك الإذن على ما مر) ش: أنه إما من الأذان الذي هو الإعلام أو من الوقوع في الإذن، وذلك مقتضى السماع ولم يوجد، ونقل في " تتمة الفتاوى " و " الفتاوى الصغرى " عن أيمان النوازل حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه فأذن لها من حيث لا يسمع لا يكون إذنًا في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله.
وقال أبو يوسف ﵀، وزفر ﵀: هذا إذن. وقال نصير بن يحيى ﵀: كتبت إلى البلخي رسالة بما يختار في هذه المسألة، فكتب إلي أن لا اختلاف في هذه المسألة وهو إذن إجماعًا، إنما الاختلاف فيمن يقول لا تخرجي إلا بأمري، لأن الإذن يكون إذنًا بدون السماع، وأما الأمر فلا يكون إذنًا بدون السماع. قال نصير إلا أن أبا سليمان ذكر الاختلاف في الإذن وهكذا القدوري أعانه.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإن حلف لا يكلمه
стр. 3244
ولا كذلك الإذن على ما مر. قال: وإن حلف لا يكلمه شهرا فهو من حين حلف، لأنه لو لم يذكر الشهر لتأبد اليمين، وذكر الشهر لإخراج ما وراءه فبقي الذي يلي يمينه داخلا عملا بدلالة حاله، بخلاف ما إذا قال والله لأصومن شهرا، لأنه لو لم يكن الشهر لا يتأبد اليمين، فكان ذكره لتقدير الصوم به وإنه منكر فالتعيين إليه، وإن حلف لا يتكلم فقرأ القرآن في صلاته لا يحنث وإن قرأ في غير صلاته حنث. وعلى هذا التسبيح والتهليل والتكبير وفي القياس يحنث فيهما، وهو قول الشافعي ﵀ لأنه كلام حقيقة.
ــ
[البناية]
شهرًا فهو من حين حلف) ش: أي اعتبار الشهر من زمان الحلف م: (لأنه) ش: أي لأن الحالف م: (لو لم يذكر الشهر لتأبد اليمين) ش: لأن النكرة تعم في موضع النفي م: (فذكر الشهر لإخراج ما وراءه) ش: أي ما وراء الشهر.
م: (فبقي الذي يلي يمينه داخلًا) ش: أي ففي الشهر الذي يلي يمينه داخلًا في الإيجاب م: (عملًا بدلالة حاله) ش: أي حال الحالف، لأنه الحامل على هذا اليمين الغليظ الذي لحقه في الحال، فكان مراده أن لا يكلمه في هذه الحالة.
م: (بخلاف ما إذا قال والله لأصومن شهرًا، لأنه لو لم يكن الشهر لا يتأبد اليمين، فكان ذكره) ش: أي ذكر الشهر م: (لتقدير الصوم به) ش: أي بالشهر، وأنه م: (وإن الشهر منكر فالتعيين إليه) ش: أي إلى الحالف فله أن يعين أي شهر شاء مطلقًا متتابعًا أو متبوعًا، هذا في الصوم، أما في الاعتكاف فإنه يعين أي شهر شاء. ويلزمه التتابع، لأن التتابع فيه أصل ليلًا ونهارًا، إلا أنه إذا قال الشهر دون الليالي، فحينئذ له أن يفرق، بخلاف الصوم فإن التفريق فيه أصل، لأنه لم يوجد إلا في الشهر خاصة، إلا إذا قال متتابعًا، فيلزمه التتابع، ونظير المسألة الأولى أما إذا أجر داره شهرًا كان المراد منه الشهر الذي يلي العقد، لأنه لو لم يذكر الشهر ينصرف العقد إلى الأكثر لكنه يكون فاسدًا، فكان ذكر الشهر لإخراج ما وراءه، فبقي الشهر متصلًا بالإيجاب بحكم أصل الإيجاب. م: (ولو حلف لا يتكلم فقرأ القرآن في صلاته لم يحنث، وإن قرأ في غير صلاته حنث، وعلى هذا) ش: أي وعلى هذا التفصيل م: (التسبيح والتهليل والتكبير) ش: يعني إذا حلف لا يتكلم فقال: سبحان الله، أو قال: لا إله إلا الله، أو قال: الله أكبر، فإن كان في الصلاة لا يحنث، وإن كان خارج الصلاة يحنث. م: (وفي القياس يحنث فيهما) ش: أي في الصلاة وخارجها بالتسبيح وأحسنه م: (وهو قول الشافعي) ش: وبه قال أحمد ﵀ م: (لأنه كلام حقيقة) ش: لأن الكلام اسم لحروف منطوقة تحتها، يقال: فمفهومه يكون قارئ القرآن أو المسبح أو المهلل أو المكبر متكلمًا لا محالة.
م: (ولنا أنه) ش: (أي أن كل واحد من هذه م: (في الصلاة ليس بكلام عرفًا ولا شرعًا) ش: أما عرفًا فلأن الإنسان لا يحلف على ترك الكلام كي يترك الصلاة، فعلم أن الموجود في الصلاة لا
стр. 3245
ولنا أنه في الصلاة ليس بكلام عرفا ولا شرعا، قال ﵇: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» . وقيل: في عرفنا لا يحنث في غير الصلاة، لأنه لا يسمى متكلما بل قارئا ومسبحا.
ولو قال يوم أكلم فلانا فامرأته طالق فهو على الليل والنهار؛ لأن اسم اليوم إذا قرن بفعل لا يمتد يراد به مطلق الوقت. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] (الأنفال الآية: ١٦) والكلام لا يمتد
ــ
[البناية]
يسمى كلامًا حرفًا، ولأن الكلام حرام في الصلاة، وهذا مباح.
وأما شرعًا فقد أشار إليه بقوله: م: (قال ﵇) ش: أي قال النبي ﷺ : م: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» ش: هذا الحديث قد مضى في كتاب الصلاة في باب ما يفسد الصلاة، وأخرجه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وهو حديث طويل، وفيه «أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» .
م: (وقيل: في عرفنا لا يحنث في غير الصلاة، لأن لا يسمى متكلمًا بل قارئًا ومسبحًا) ش: قال شيخ الإسلام: خارج الصلاة إذا سبح أو هلل أو كبر، لانصراف يمينه إلى كلام الناس، وعليه الفتوى، وبه قال أحمد ﵀.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": هذا في عادة أهل العراق، وأما في بلادنا إذا حلف الرجل أن لا يتكلم فقرأ القرآن لا ينبغي أن يحنث، سواء قرأ في الصلاة أو في غير الصلاة، وإليه ذهب الصدر الشهيد والعتابي ﵀.
[قال يوم أكلم فلانا فامرأته طالق]
م: (ولو قال: يوم أكلم فلانًا فامرأته طالق، فهو على الليل والنهار؛ لأن اسم اليوم إذا قرن بفعل لا يمتد يراد به مطلق الوقت، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] م: (الأنفال: الآية ١٦) ش: أراد به مطلق الوقت.
م: (والكلام لا يمتد) ش: لأنه عرض كما يوجد بقاء الشيء، ولا يقبل الامتداد لذاته بل يتخذ الأمثال كالضرب والجلوس والركوب وغير ذلك، لأن الثاني مثل الأول صورة ومعنى، فجعل كالغير الممتدة.
أما الكلام الثاني بعد معنى غير ما يفيد الأول، فلم يقم فيه القول بتجدد الأمثال، فيكون المراد من اليوم مطلق الوقت ليلًا كان أو نهارًا، فيحنث في يمينه إذا وجد الكلام مطلقًا.
م: (وإن عني النهار خاصة) ش: أي وإن قصدت باليوم والنهار وهو زمان ممتد من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس م: (دين في القضاء) ش: يعني صدق في الحكم، لأنه مستعمل فيه أيضًا م: (لأن اليوم مستعمل في النهار أيضًا) ش: لأنه نوى حقيقة كلامه.
стр. 3246
وإن عني النهار خاصة دين القضاء، لأن اليوم مستعمل في النهار أيضا، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يصدق في القضاء، لأنه خلاف المتعارف ولو قال ليلة أكلم فلانا فهو على الليل خاصة، لأنه حقيقة في سواد الليل كالنهار للبياض خاصة، وما جاء استعماله في مطلق الوقت
ولو قال: إن كلمت فلانا إلا أن يقدم فلان، أو قال: حتى يقدم فلان أو قال: إلا أن يأذن فلان، أو حتى يأذن فلان فامرأته طالق، فكلمه قبل القدوم أو الإذن حنث. ولو كلمه بعد القدوم والإذن لم يحنث، لأنه غاية
ــ
[البناية]
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يصدق في القضاء، لأنه خلاف المتعارف) ش: أي لأن كون النهار مرادا من يوم قرن بفعل لا يمتد، خلاف القرون في العرف م: (ولو قال ليلة أكلم فلانًا) ش: فامرأته طالق.
م: (فهو على الليل خاصة، لأنه حقيقة في سواد الليل كالنهار للبياض خاصة، وما جاء استعماله) ش: أي استعمال الليل م: (في مطلق الوقت) ش: وفي " المبسوط " الليل ضد النهار، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] (النحل: الآية ٦٢) ، كما أن النهار مختص بزمان الضياء فكذا الليل يختص بزمان الظلمة والسواد.
فإن قلت: الليل مستعمل لمطلق الوقت أيضًا، قال الشاعر:
وكنا جئنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذام وحمير
والمراد مطلق الوقت لا الملاقاة للمحاربة وهي تقع ليلًا ونهارًا، والظاهر كونها في النهار، وبعده.
سقيناهم كأس سقينا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
قلت: الشاعر ذكر الليل بلفظ الجمع وأحد العددين إذ ذكر بلفظ الجمع يقتضي دخول ما بإزائه من العدد. قال الله ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠] وقال ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] (آل عمران: الآية ٤١) ، والقصة واحدة، وكلامنا في المفرد.
م: (ولو قال إن كلمت فلانًا إلا أن يقدم فلانًا، أو قال حتى يقدم فلان، أو قال إلا أن يأذن فلان، أو حتى يأذن فلان فامرأته طالق، فكلمه قبل القدوم) ش: أي قبل قدوم فلان م: (أو الإذن حنث) ش: أي أو كلمه قبل الإذن حنث م: (ولو كلمه بعد القدوم والإذن لم يحنث، لأنه غاية) ش: أي لأن كل واحد من القدوم والإذن غاية، وكلمة " حتى " للغاية، قال تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] (القدر: الآية ٥) . وأما كلمة " إلا " ها هنا بمعنى الغاية، لأن حقيقة الاستثناء غير مرادة لتعذر استثناء الإذن والقدوم في الكلام، لأنهما ليسا من جنسه، فجعل مجازًا عن الغاية لما بين الاستثناء والغاية من المشابهة من حيث إن الحكم بعد كل واحد منهما يخالف الحكم قبله.
стр. 3247
واليمين باقية قبل الغاية ومنتهية بعدها، فلا يحنث بالكلام بعد انتهاء اليمين، وإن مات فلان سقطت اليمين، خلافا لأبي يوسف ﵀ لأن الممنوع عنه كلام ينتهي بالإذن والقدوم، ولم يبق بعد الموت متصور الوجود. فسقطت اليمين، وعنده التصور ليس بشرط، فعند سقوط الغاية يتأبد اليمين.
ومن حلف لا يكلم عبد فلان ولم ينو عبدا بعينه أو امرأة فلان أو صديق فلان فباع فلان عبده أو بانت منه امرأته أو عادى صديقه فكلمهم لم يحنث، لأنه عقد يمينه على فعل
ــ
[البناية]
م: (واليمين باقية قبل الغاية ومنتهية بعدها) ش: أي بعد الغاية م: (فلا يحنث بالكلام بعد انتهاء اليمين) ش: بيانه أنه إذا كلمه بعد القدوم والإذن لم يحنث، لأنه كلمه بعد انتهاء اليمين، وإذا كلمه قبل القدوم والإذن يحنث، لأن شرط الحنث وجد حال بقاء اليمين. م: (وإن مات فلان) ش: يعني الذي أسند إليه القدوم أو الإذن م: (سقطت اليمين) ش: لانتفاء قصور البر م: (خلافًا لأبي يوسف ﵀) ش: فإنه قال تبقى اليمين مؤيدة بعد سقوط الغاية م: (لأن الممنوع عنه) ش: أي عن الحالف م: (كلام ينتهي بالإذن والقدوم، ولم يبق بعد الموت متصور الوجود، فسقطت اليمين) .
ش: فإن قلت: إعادة الحياة ممكنة، فكان الواجب أن لا يبطل اليمين وانعقدت على القدوم أو الإذن في حياة القائمة لا العادة بعد موته.
ولهذا قلنا: إذا قال: لأقتلن فلانًا وفلان ميت، ولم يعلم الحالف بموته لا يحنث.
ولهذا قلنا إذا قال لأقتلن فلانًا وفلان ميت ينعقد اليمين، لأنها وقت القائمة.
فإن قلت: إعادة عين الروح ممكن.
قلنا: الحياة غير الروح، لأن الله تعالى حي وليس له روح، كذا نقل عن العلامة مولانا حميد الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
م: (وعنده) ش: أي عند أبي يوسف ﵀ م: (التصور ليس بشرط، فعند سقوط الغاية) ش: وهو الإذن والقدوم م: (يتأبد اليمين) ش: وهذا الكلام في بيان هذا الأصل بينهم.
[حلف لا يكلم عبد فلان ولم ينو عبدا بعينه فباع فلان عبده فكلمه]
م: (ومن حلف لا يكلم عبد فلان ولم ينو عبدًا بعينه أو امرأة فلان أو صديق فلان) ش: أي أو حلف لا يكلم صديق فلان م: (فباع فلان عبده أو بانت منه امرأته أو عادى صديقه فكلمهم) ش: أي فكلم العبد في المسألة الأولى أو المرأة في المسألة الثانية أو صديق فلان في المسألة الثالثة م: (لم يحنث لأنه عقد يمينه على فعل واقع في محل مضاف إلى فلان، إما إضافة ملك) ش: كما في المسألة الأولى.
م: (أو إضافة النسبة) ش: كما في المسألتين الأخريين م: (ولم يوجد) ش: واحد منهما م: (فلا يحنث) ش: الأصل في جنس هذه المسائل أنه متى عقد يمينه على فعل في محل منسوب إلى الغير
стр. 3248
واقع في محل مضاف إلى فلان، أما إضافة ملك أو إضافة نسبة ولم يوجد فلا يحنث
ــ
[البناية]
مراعى للحنث.
ووجود النسبة وقت وجود المحلوف عليه، ولا يعتبر بالنسبة وقت اليمين إذا لم يوجد وقت وجود الفعل المحلوف عليه، وإن كان منسوبًا إلى الغير لا بالملك يراعى وجود النسبة وقت اليمين ولا تعتبر كالنسبة وقت وجود الفعل المحلوف عليه.
مثال الأول: وهو قوله لا يكلم عبد فلان، وكذا لا يدخل دار فلان أو لا يركب دابته أو لا يأكل طعامه أو لا يلبس ثوبه وإذا زال الملك ووجد الكلام أو الدخول أو الركوب أو أكل الطعام أو لبس الثوب لا يحنث.
ومثال الثاني: هو قوله لا يكلم امرأة فلان أو صديق فلان فأبانها فلان، أو عادى صديقه فكلمهم يحنث. ووجه القرآن في الفعل الأول الحامل على اليمين يعني في الملك، لأن هذه الأشياء لا تعادي عادة. وفي الفعل الثاني بمعنى في هؤلاء مكان هؤلاء هجر، ويعادي عادة بمعنى فيهم، لأن الأذى متصور منهم.
فإن قيل: يشكل هذا بعبد فلان، فإن الأذى متصور منه، كما في هؤلاء.
قلنا: ذكر ابن سماعة ﵀ في " نوادره " أن في العبد يحنث عند أبي حنيفة ﵀ لهذا وجد ظاهر الرواية أن العبد مملوك ساقط الاعتبار عند الإحراز ملحق بالجمادات ولهذا تباع في الأسواق كالبهائم، والظاهر أنه إذا كان الأذى منه لا يقصد هجرانه اليمين، بل يقصد سيده، كذا في " المبسوط " " والذخيرة ".
فإن قلت: لم يكن له زوجة ولا صديق ثم اتحد الصديق والزوجة، ثم كلم ما يكون حكمه.
قلت: لم يذكر هذا في " الجامع الصغير "، قالوا على قياس قول أبي حنيفة ﵀ يحنث. وأما محمد ﵀ فقد قال: في الزيادات لا يحنث.
وقال فخر الإسلام ﵀ في شرح " الجامع الصغير " يحتمل أن يكون قال أبو يوسف ﵀ مثل ما قال أبو حنيفة ﵀: وإن وجدت الإشارة مع ذلك بأن قال: لا أكلم صديق فلان هذه وزوجة فلان هذه ثم زالت الزوجية والصداقة ثم كلم حنث في قولهم، لأن ذكر النسبة للتعريف كالإشارة، فكانت الإشارة أولى.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (هذا) ش: أي عدم الحنث م: (في إضافة الملك بالاتفاق) ش: بين الثلاثة م: (وفي إضافة النسبة عند محمد ﵀ يحنث كالمرأة والصديق) ش: بيانه أن عند محمد ﵀ يعتبر وجود النسبة وقت الحلف، فعلى هذا إذا طلق امرأته أو
стр. 3249
قال ﵁: هذا في إضافة الملك بالاتفاق، وفي إضافة النسبة عند محمد ﵀ يحنث كالمرأة والصديق. قال في الزيادات: لأن هذه الإضافة للتعريف، لأن المرأة والصديق مقصودان بالهجران فلا يشترط دوامها فيتعلق الحكم بعينه، كما في الإشارة. ووجه ما ذكرها هنا وهي رواية الجامع الصغير أنه يحتمل أن يكون غرضه هجرانه لأجل المضاف إليه، ولهذا لم يعينه، فلا يحنث بعد زوال الإضافة بالشك
وإن كانت يمينه على عبد بعينه بأن قال: عبد فلان هذا أو امرأة فلان بعينها أو صديق فلان بعينه لم يحنث في العبد وحنث في المرأة والصديق وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله. وقال محمد ﵀: يحنث في العبد أيضا، وهو قول زفر ﵀ وإن حلف لا يدخل دار فلان هذه فباعها ثم دخلها فهو على هذا الاختلاف.
ــ
[البناية]
عادى صديقه يحنث عند محمد ﵀ م: (قال في الزيادات) ش: وأشار إلى بيانه وجه هذا بقوله م: (لأن هذه الإضافة للتعريف، لأن المرأة والصديق مقصودان بالهجران فلا يشترط دوامها) ش: أي دوام إضافة المرأة إلى الزوج. وإضافة الصديق إلى فلان، لأن ما كان للتعريف لا يشترط دوامه للاستيفاء عنه بعد التعريف م: (فيتعلق الحكم بعينه) ش: أي يتعلق حكم الحنث يعني المقصود، وهو المرأة أو الصديق م: (كما في الإشارة) ش: بأن قال لا أكلم صديق فلان هذا أو زوجة فلان هذه. م: (ووجه ما ذكرها هنا) ش: وهو عدم الحنث بعد زوال الملك والنسبة وهو قول أبي حنيفة ﵀ م: (وهي رواية " الجامع الصغير " أنه يحتمل أن يكون غرضه هجرانه) ش: أي غرضه، والحالف هجران المضاف م: (لأجل المضاف إليه، ولهذا) ش: أي ولأجل أن غرض الحالف هجران المضاف لأجل المضاف إليه م: (لم يعينه) ش: أي لم يعين المضاف حيث لم يقل صديق فلان هذا، أو امرأة فلان هذه م: (فلا يحنث بعد زوال الإضافة بالشك) ش: لاحتمال أن يكون هجرانه لأجل المضاف إليه.
[حلف لا يدخل دار فلان هذه فباعها ثم دخلها]
م: (وإن كانت يمينه على عبد بعينه بأن قال: عبد فلان هذا أو امرأة فلان بعينها) ش: بأن قال امرأة فلان هذه م: (أو صديق فلان بعينه) ش: أي أو قال صديق فلان بعينه م: (لم يحنث في العبد وحنث في المرأة والصديق وهذا) ش: أي عدم الحنث م: (قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀. وقال محمد: ﵀ يحنث في العبد أيضًا، وهو قول زفر ﵀) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵀.
م: (وإن حلف لا يدخل دار فلان هذه فباعها ثم دخلها فهو على هذا الاختلاف) ش: أي عند محمد ﵀ يحنث في الدار المشار إليها إذا بيعت ثم وجد الدخول كما في العبد المشار إليه إذا بيع ثم كلمه، وعندهما لا يحنث، لأن العبد والدار لا يصلحان للمعاداة، أما الدار فظاهرة، وأما العبد فلأنه يعادى لذاته وسقوط منزلته، وإنما يهجران لمعنى في صاحبها.
стр. 3250
وجه قول محمد وزفر - رحمهما الله - أن الإضافة للتعريف والإشارة أبلغ منها لكونها قاطعة للشركة، بخلاف الإضافة فاعتبرت الإشارة، ولغت الإضافة وصار كالصديق والمرأة. ولهما أن الداعي إلى اليمين معنى في المضاف إليه، لأن هذه الأعيان لا تهجر ولا تعادى لذواتها، وكذا العبد لسقوط منزلته، بل لمعنى في ملاكها فتقيد اليمين بحال قيام الملك بخلاف ما إذا كانت الإضافة إضافة نسبة كالصديق والمرأة لأنه يعادي لذاته فكانت الإضافة للتعريف والداعي لمعنى في المضاف إليه غير ظاهر لعدم التعيين
ــ
[البناية]
فإذا زال الملك ثم وجد الفعل لا يحنث بخلاف المرأة والصديق، فإنهما يصلحان للمعاداة فكيف وقد أشار إليهما فيحنث بعد زوال الزوجية والعدامة.
م: (وجه قول محمد وزفر - رحمهما الله - أن الإضافة للتعريف والإشارة أبلغ منها) ش: أي من الإضافة التي للتعريف م: (لكونها) ش: أي لكون الإشارة م: (قاطعة للشركة) ش: لكونها بمنزلة وضع اليد عليه م: (بخلاف الإضافة) ش: لجواز أن يكون لفلان عبيدًا، فإذا كان كذلك م: (فاعتبرت الإشارة، ولغت الإضافة وصار كالمرأة والصديق) ش: أي وصار العبد المشار إليه كالصديق والمرأة، أشار إليهما عند محمد وزفر ﵀، وكذا عند الشافعي ومالك وأحمد ﵀. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ م: (أن الداعي إلى اليمين معنى في المضاف إليه) ش: يعني لا نسلم أن الإضافة للتعريف، بل لبيان الداعي إلى اليمين معنى في المضاف إليه م: (لأن هذه الأعيان) ش: أي الدابة، أي حيوان كان، والدار والثوب م: (لا تعادى ولا تهجر لذواتها، وكذا العبد) ش: لا يهجر لذاته، بل م: (لسقوط منزلته) ش: فإن قيل: يحتمل أن تعادى لذاتها على قول، وجاء الخبر أن «الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس» قلنا ذاك احتمال لم يعرف به العرف والعادة، فإن في العادة لا يعادى لذاتها، بل لسبب آخر وهو غير معلوم، وفيما نحن فيه معادي بسبب أربابها عرفًا، وهو معنى قوله م: (بل لمعنى في ملاكها) ش: أي يعادي بهجر هذه الأشياء لأجل معنى في ملاكها بضم الميم وتشديد اللام، فإذا كان كذلك م: (فتقيد اليمين بحال قيام الملك) ش: بقيام المعنى الداعي إذ ذاك.
م: (بخلاف ما إذا كانت الإضافة إضافة نسبة كالصديق والمرأة لأنه) ش: أي لأن كل واحد منهما م: (يعادي لذاته) ش: وهو ظاهر م: (فكانت الإضافة للتعريف والداعي لمعنى في المضاف إليه غير ظاهر لعدم التعيين) ش: يعني الداعي إلى المعنى الذي في المضاف إليه غير متعين الهجران، لأن مهجر لذاته لما ذكر أن الحر يهجر عادة بعينه، وقد يهجر بغيره، فإذا جمع بين الإضافة والإشارة تعين الهجران بعينه، ولأن في اعتبار الهجران لغير لغة الإشارة م: (بخلاف ما تقدم) ش: وهي مسألة العبد لما ذكرنا من تعيين الهجران وجهة الإضافة.
[حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإن حلف لا يكلم
стр. 3251
بخلاف ما تقدم.
قال وإن حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ثم كلمه حنث، لأن هذه الإضافة لا تحتمل إلا التعريف، لأن الإنسان يعادي لمعنى في الطيلسان، فصار كما إذا أشار إليه. ومن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه وقد صار شيخًا حنث؛ لأن الحكم تعلق بالمشار إليه إذ الصفة في الحاضر لغو. وهذه الصفة ليست بداعية إلى اليمين على ما مر من قبل.
ــ
[البناية]
صاحب هذا الطيلسان) ش: وهو تقريب طيلسان، وجمعه طيالسة، والهاء في الجمع للعجمة، لأنه فارسي يعرب، وهو من لباس العجم مدورًا، وفي جمع التعاريف الطيالسة لحمتها وسداها صوف.
وفي " المغرب " الطيلسان تقريب اللسان، وهو لباس العجم، ومنه قولهم في الشتم يا ابن الطيلسان، يراد بك عجمية [ ... ] .
م: (فباعه) ش: أي فباع صاحب الطيلسان طيلسانه، م: (ثم كلمه حنث، لأن هذه الإضافة لا تحتمل إلا التعريف، لأن الإنسان لا يعادي لمعنى في الطيلسان فصار كما إذا أشار إليه) ش: أي إلى صاحب الطيلسان، فتعلقت اليمين به، وإن كلم المشتري لا يحنث.
م: (ومن حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه وقد صار شيخًا) ش: أي والحال أنه قد صار شيخًا، قد علم أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالًا لا بد فيها من ذكر قد، وقد يحذف م: (حنث، لأن الحكم تعلق بالمشار إليه، إذ الصفة في الحاضر لغو) ش: وفي الغائب معتبرة، إلا إذا كانت الصفة داعية إلى اليمين، فحينئذ يعتبر.
وتنعقد اليمين بتلك الصفة، كما إذا حلف لا يأكل بسرًا فأكل بعد ما صار رطبًا، أو حلف لا يأكل رطبًا فأكل بعد ما صار تمرًا لا يحنث لتقيد اليمين بصفة البسورة أو الرطوبة، لأن تلك الصفة داعية إلى اليمين وهنا صفة الشأن لم تعتبر داعية، لأن هجران الصغير مهجور شرعًا، لقوله ﵇ «من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا» فلو اعتبرت الصفة داعية يلزم هجران المهجور شرعًا، فلا يجوز ذلك.
م: (وهذه الصفة ليست بداعية إلى اليمين) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر يرد على ما قبله وقد اندرج بيانه فيما ذكرناه الآن م: (على ما مر من قبل) ش: أي في أول باب اليمين في الأكل والشرب في مسألة ما لا يأكل لحم هذا الجمل.
стр. 3252
فصل قال: ومن حلف لا يكلم حينا أو زمانا أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر؛ لأن الحين قد يراد به الزمان القليل، وقد يراد به أربعون سنة، قال الله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] الإنسان الآية: ١، وقد يراد به ستة أشهر، قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] (إبراهيم: الآية ٣٥) ، وهذا هو الوسط، فينصرف إلى يمينه.
ــ
[البناية]
[فصل اليمين المتعلق بالزمان] [ حلف لا يكلم حينا أو زمنا]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان مسائل متعلقة بالباب المذكور، وإنما ذكر لفظ فصل، ولم يذكر لفظ باب، لأن مسائله داخلة في الباب المذكور بالتبعية. قال الكاكي: ومسائل هذا الفصل في الكلام أيضًا، إلا أنها تتعلق بالزمان وما قبلها متعلق بالأعيان، فالأعيان أصل والأزمان تابع له، انتهى. وفي قوله تابع له نظر لا يخفى، والترجيح بلا دليل لا يجوز.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن حلف لا يكلم حينًا أو زمنًا) ش: أي أو قال: لا يكلمه زمانًا أو الحين، أي أو قال: لا يكلمه م: (الحين) ش: بالألف واللام م: (أو الزمان) ش: أي أو قال: لا يكلمه الزمان معرفًا م: (فهو) ش: أي محلف واقع م: (على ستة أشهر) ش: وبه قال أحمد. وقال الشافعي: أدنى مدة، وهو ساعة، لأنه ثابت بتعين. وفي " شرح الأقطع " قال الشافعي: إذا حلف على نفي قيمته على ساعة واحدة. وإن حلف على الإثبات ففعل ذلك في آخر عمره جاز.
وقال مالك: يحمل على ستة. قال الله تعالى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] (إبراهيم: الآية ٢٥) والمراد بها لستة أشهر، ولأنه الوسط من المدة.
قلنا: المراد من قوله كل حين ستة أشهر، كذا قاله ابن عباس ﵄، لأن من حين يخرج الطلع إلى أن يدرك التمر ستة التمر، فكان هو الوسط، فعند الإطلاق يحمل على الوسط، فخير الأمور أوساطها.
م: (لأن الحين قد يراد به الزمان القليل) ش: قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] (الروم: الآية ١٧) ، والمراد به وقت الصلاة م: (وقد يراد به) ش: أربعون سنة م: (قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] م: (الإنسان: الآية ١) ش:، قال: أهل التفسير المراد به أربعون سنة م: (وقد يراد به ستة أشهر، قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] م: (إبراهيم: الآية ٢٥) ش: وقد ذكرنا الآن عن ابن عباس ﵁ أنه ستة أشهر م: (وهذا هو الوسط) ش: أي الحين الذي بمعنى ستة أشهر هو الوسط، وقد مر الآن، فإذا كان كذلك م: (فينصرف إلى يمينه) ش: أي إلى قدر ستة أشهر إذا لم يكن له نية.
стр. 3253
وهذا لأن اليسير لا يقصد بالمنع لوجود الامتناع فيه عادة، والمؤبد لا يقصد به غالبا، لأنه بمنزلة الأبد ولو سكت عنه، يتأبد فتعين ما ذكرنا،
وكذا الزمان يستعمل استعمال الحين يقال ما رأيتك منذ حين ومنذ زمان بمعنى، وهذا إذا لم تكن له نية، أما إذا نوى شيئا فهو على ما نوى، لأنه نوى حقيقة كلامه، وكذلك الدهر عندهما، وقال أبو حنيفة ﵀: الدهر لا أدري ما هو
ــ
[البناية]
م: (وهذا) ش: أي الحمل على ستة أشهر لماذا؟ م: (لأن اليسير لا يقصد بالمنع) ش: لعدم الحاجة إلى اليمين في الامتناع عن الكلام في ساعة واحدة م: (لوجود الامتناع فيه عادة) ش: أي قدر الساعة من حيث العادة م: (والمديد) ش: أي الزمان المديد م: (لا يقصد غالبًا، لأنه بمنزلة الأبد) ش: لأن من أراد ذلك يقول أبدًا في العرف، فلو كان مراده ذلك لم يذكر الحين م: (ولو سكت عنه) ش: أي عن المديد م: (يتأبد) ش: أي اليمين م: (فتعين ما ذكرنا) ش: وهو الوسط. اعلم أن الحين هو الزمان قليله وكثيره، كذا في " المجمل " وغيره، وقال الزجاج في تفسيره: جميع ما شاهدنا من أهل اللغة يذهب إلى أن الحين اسم زمان كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت، ثم قال: والدليل على أن الحين بمنزلة الوقت قول النابغة أنشد الأصمعي في صفة الحية والملدوغ.
وما قبله فنبت كما ساورتني ضئيلة ... الراقشي في أنيابها السم ناقع
قوله: تناذرها - أي أنذر بعضهم بعضًا قولهم تطلقه بتشديد اللام معناه أن السم سحق لا وقتًا، ويعود وقتًا. ومعنى ساورتني وأثنى من ساور إليه الأسد أي وثب، والضئيلة بفتح الضاد المعجمة وكسر الهمزة وباللام هي الحية التي تنقبض وينضم بعضها إلى بعض والرقش بضم الراء وسكون القاف وبالسين المعجمة جمع رقشاء، وهي الحية التي في ظهرها خطوط ونقط، وناقع بالنون والقاف، أي ثابت.
[قال لا أكلمه دهرا أو الدهر]
م: (وكذا الزمان يستعمل استعمال الحين يقال ما رأيتك منذ حين ومنذ زمان بمعنى) ش: واحد م: (وهذا) ش: أي الحمل على ستة أشهر في قوله لا يكلمه حينًا أو زمانًا أو قالهما بالتعريف م: (إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى شيئًا) ش: من معاني الحين أو الزمان م: (فهو على ما نوى، لأنه نوى حقيقة كلامه) ش: فيعمل به، م: (وكذلك الدهر) ش: يعني يحمل على ستة أشهر إذا قال لا أكلمه دهرًا أو الدهر م: (عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد ﵀.
م: (وقال أبو حنيفة: الدهر لا أدري ما هو) ش: أي لا أدري كيف هو في حكم التقدير، قال أبو بكر الرازي: في شرح " مختصر الطحاوي " المشهور من قولهما أن الدهر بالألف واللام على الأبد قد ذكره محمد ﵀ في " الجامع الصغير "، ولم يذكر فيه خلافًا.
وكان أبو الحسن يقول: إن قول أبي حنيفة ﵀ في الدهر وهو دهرًا واحدًا، وإنه لم يجيب عنه بشيء، والغالب في كلام الناس أن الدهر على الأبد يقال: فلان يصوم الدهر
стр. 3254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
يعنون الأبد.
وقال الكاكي: قال أبو حنيفة ﵀: لا أدري ما الدهر، لأن الناس يستعملونه بمعنى الحين والزمان، وبمعنى الأبد، ألا ترى أن معرفته على الأبد بخلاف الحين والزمان، لأن معرفتهما ومنكرهما سواء يقال فلان دهري بضم الدال إذا كان معمرًا، ودهري بالفتح إذا قال بالدهر وأنكر الصانع، قال تعالى: حكاية عنهم ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (الجاثية: الآية ٢٤) ، فكان مجملًا، فلم يقف على مراد المتكلم، والترجيح بلا دليل لا يجوز، فكان قوله لا أدري من كمال علمه وورعه.
وروي أن ابن عمر ﵄ سئل عن شيء، فقال: لا أدري ثم قال: بعد ذلك طوبى لابن عمر سئل عن شيء لا يدري فقال: لا أدري. ثم قيل إنما قال لا أدري ثم قال بعد ذلك حفظًا للسانه عن الكلام في معنى الدهر، فقد جاء في الحديث أنه ﷺ قال: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» ، معناه أنه خالق الدهر.
وقد جاء في حديث آخر أنه ﷺ قال: حكاية عن الله : «استقرضت من عبدي وأبى أن يقرضني وهو يسبني ولا يدري سب الدهر ويقول إنما أنا الدهر» وكما روي «أنه ﵇ سئل عن خير البقاع فقال: لا أدري حتى أسأل ربي فصعد ثم نزل، فقال: سألت الله خير البقاع مساجدها، وخير أهلها من يكون أول الناس دخولًا وآخرهم خروجًا» ، فعرفنا أن الوقت في مثل هذا من الكمال لا من النقصان، كذا في " المبسوط " و " جامع فخر الإسلام " و " قاضي خان ".
وقيل: وجه قول أبي حنيفة ﵀ مع أن الدهر لا نص عليه عنه عن أحد من أهل اللغة، ودلالة متعارضة فيجب التوقف فيه. ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (الجاثية: الآية ٢٤) ، وإلى قوله ﷺ : «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» . ولهذا قال صاحب الحمرة: الدهر معروف. ثم قال: وقال يوم الدهر مدة الدنيا من ابتدائها إلى انقضائها وقال آخرون بل دهر كل قوم هو زمانهم.
وقال ثعلب في " التتمة ": الدهر الزمان الليل والنهار لا خير لك. ثم أنشد:
أهل الدهر إلا ليلة ونهارها ... إلى طلوع الشمس ثم غبارها
فلما لم يثبت العرف فيه لم يصح إلحاق الدهر والحين قياسًا، لأن درك اللعان بالقياس لا يستقيم. ولهذا إذا ذكر الدهر معرفًا يقع على الأبد اتفاقًا على ظاهر الرواية بخلاف الحين والزمان، ولو قال: لا أكلم حينًا فهو على ثمانين سنة عندنا، وعند أحمد، وعند مالك -
стр. 3255
وهذا الاختلاف في المنكر هو الصحيح، أما المعرف بالألف واللام يراد به الأبد عرفا، لهما أن دهرا يستعمل استعمال الحين والزمان يقال ما رأيتك منذ دهر ومنذ حين بمعنى، وأبو حنيفة توقف في تقديره، لأن اللغات لا تدرك قياسا، والعرف لم يعرف استمراره لاختلاف في الاستعمال،
ــ
[البناية]
رحمهما الله - على أربعين سنة. وعند الشافعي ﵀ جميع العمر م: (وهذا الاختلاف في المنكر) ش: الاختلاف المذكور في قوله لا أكلمه دهرًا بدون الألف واللام.
م: (هو الصحيح) ش: احترز به عن رواية بشر عن أبي يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا أفرق على قول أبي حنيفة ﵀ بين قوله دهرًا وبين قوله الدهر.
وإذا كان الاختلاف في المنكر فالمعرف يكون متفقًا عليه، فإما أن يكون ستة أشهر كما قالوا، وإما أن يكون على الأبد بلا خلاف بينهم، وهو الذي أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: م: (أما المعرف بالألف واللام يراد به الأبد عرفًا) .
ش: فإن قيل: ذكرت في " الجامع الكبير " وأجمعوا فيمن قال إن كلمتك دهورًا أو شهورًا أو سنينًا أو جمعًا أو أيامًا يقع على ثلاثة من هذه المذكورات، لأنها أوفى الجمع المتفق عليه. فكيف قال أبو حنيفة ﵀ لا أدري الدهر. وقد حكم في دهور أن أدناه ثلاثة دهور فكل دهر ستة أشهر كما هو قولهما، ومن لا يدري معنى الفرد لا يدري معنى الجمع، إذ الجمع عبارة عن ثلاثة أفراد.
قلنا: هذا تفريع بمسألة الدهر على قول من يعرف الدهر، كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها، ولذلك قال بالمعرفة إذا كانت يمينه بالدهور على صيغة الجمع محلى بالألف واللام كما هو أصله في السنين والشهور، وإليه أشار بالعشرة التمرتاشي. وقيل: إن أبا حنيفة ﵀ قال: أوفى الجمع من هذه المذكورات ثلاثة، ولكن لا يلزم من هذا معرفة المراد من الدهر المنكر، يعني لو عرف المراد منه يكون المراد من الدهور ثلاث سنين، ومما يليق ذكره هنا ما قاله بعضهم من قال: لا أدري لما لم يدره، فقد اقتدى في النفقة بالنعمات في الدهر والخنثى كذلك جوابه. ومحل أطفال ووقت ختان.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد ﵀ م: (أن دهرًا يستعمل استعمال الحين والزمان، يقال ما رأيتك منذ دهر ومنذ حين بمعنى واحد، وأبو حنيفة توقف في تقديره، لأن اللغات لا تدرك قياسًا، والعرف لم يعرف استمراره لاختلاف في الاستعمال) ش: إذ هو باق بمعنى الزمان وبمعنى الأبد.
وقولهم دهرًا داهر ودهار برأي شديد. ويقال ماذا بدهري، أي عاد يوم وما دهري بكذا، أي همني ويراد به العمر، قال ﷺ : «لا صام الدهر» مستعملًا في معان مختلفة، توقف أبو
стр. 3256
ولو حلف لا يكلمه أياما فهو على ثلاثة أيام، لأنه اسم جمع ذكر منكرا، فيتناول أقل الجمع وهو الثلاث، ولو حلف لا يكلمه الأيام فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة ﵀ وقالا على أيام الأسبوع. ولو حلف لا يكلمه الشهور فهو على عشرة أشهر عنده، وعندهما على اثني عشر شهرا، لأن اللام للمعهود، وهو ما ذكرنا، لأنه يدور عليها، وله أنه جمع معرف، فينصرف إلى أقصى ما يذكر بلفظ الجمع وذلك عشرة
ــ
[البناية]
حنيفة في تقديره كما ذكرناه.
[حلف لا يكلمه أياما]
م: (ولو حلف لا يكلمه أيامًا فهو على ثلاثة أيام، لأنه اسم جمع ذكر منكرًا فيتناول أقل الجمع، وهو الثالث) ش: هذا لفظ القدوري، وهو رواية الجامع الكبير، وذكر فيه أنه بالاتفاق وذكر في كتاب الأيمان أنه على عشرة أيام عنده، أي عند أبي حنيفة ﵀ كما في العرف.
وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي " والمذكور في " الجامع " أصح، وذلك لأن ذكر الأيام بالتنكير ولا دلالة فيه على الجنس والعهد، فيقع على أقل الجمع، وهو الثلاثة.
م: (ولو حلف لا يكلمه الأيام فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة. وقالا: على أيام الأسبوع. ولو حلف لا يكلمه الشهور فهو على عشرة أشهر عنده) ش: عند أبي حنيفة ﵀ م: (وعندهما على اثني عشر شهرًا، لأن اللام للمعهود) ش: لأن في الأيام المعهودة في عرف الناس أيام الأسبوع فكانت الجمعة هي المرادة، وفي الشهور المعهودة شهور السنة، فكانت السنة هي المرادة م: (وهو ما ذكرنا) ش: أن اللام للعهد م: (لأنه) ش: أي لأن الشهر م: (يدور عليها) ش: أي على اثني عشر. قال الأترازي: وكان القياس أن يقول لأنها تدور عليه، لكن أقول المذكور في الأول، وفي الإفراد في الثاني، فافهم. ونقل الأكمل هذا برمته بقوله وقيل، أي لأن الشهر يدور على اثني عشر وكان القياس إلى آخره، ثم سكت عنه، فالظاهر أنه لم يكن عنده معنى غير هذا حتى سكت ولم يقل شيئًا.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أنه) ش: أي لفظ الشهور م: (جمع معرف بالألف واللام ينصرف إلى أقصى ما يذكر بلفظ الجمع، وذلك عشرة) ش: أي عشرة. والأصل هنا أن حرف التعريف إذا دخلت في اسم الجمع ينصرف إلى أقصى ما يطلق عليه اسم الجمع عند أبي حنيفة، وهو العشرة، لأن الناس يقولون في العرف ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام، ثم بعد ذلك يقولون أحد عشر يومًا ومائة يوم وألف يوم.
فإن كان العشرة أقصى ما ينتهي إليه لفظ الجمع كانت هي المرادة، لأن اللام للجنس، بخلاف ما إذا حلف بقوله: إن تزوجت النساء، حيث تقع اليمين على الواحدة لتعذر صوته إلى الجمع.
стр. 3257
وكذا الجواب عنده في الجمع والسنين، وعندهما ينصرف إلى العمر لأنه لا معهود دونه
ــ
[البناية]
وإن عنى الجمع قيل لا يصدق، لأنه خلاف الظاهر. وقيل يصدق لأنه نوى حقيقة كلامه. وقال أبو حنيفة: يقال: أي اللام للعهد، والعشرة معهودة في الجمع المعرف، فإنه أقصى ما يذكر بلفظ الجمع، فإنه يقال: ثلاثة أيام إلى العشرة، ثم يقال أحد عشر يومًا، فكان تعريفًا لهذا المعهود.
فإن قلت: هذا لا يستقيم في الشهور، فإنه لا يقال: ثلاثة شهور بل يقال: ثلاثة أشهر.
قلت: بل يقال ثلاثة شهور أيضًا، كما يقال: ثلاثة فرد.
فإن قلت: هذا هكذا عند اقتران العدد، لا عند تجرده عنه. وقد قيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾ [آل عمران: ١٤٠] (آل عمران: الآية ١٤٠) ، أي أيام الدنيا.
قلت: اسم الجمع للعشرة وما دونها حقيقة في حالتي الإبهام والتعيين، ويقع على ما وراء العشرة في حالة الإبهام دون التعيين، فكان الصرف إلى ما صرف في الحالين أولى.
فإن قلت: يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] (الأعراف: الآية ١٦٠) وما قال سبطًا.
قلت: لا يرد هذا السؤال، لأن لفظ الأسباط ليس بتمييز، وإنما التمييز محذوف، تقديره وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطًا، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
م: (وكذا الجواب عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (في الجمع) ش: جمع جمعة، يعني إذا حلف لا يكلم الجمع يقع على عشر جمع م: (والسنين) ش: يعني وكذا الجواب في السنين، يعني إذا حلف لا يكلم السنين يقع على عشر سنين. وفي " المحيط " قال: لا أكلمه الأيام والشهور أو السنين أو الجمع أو الدهر أو الأزمنة فهو على العشرة عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما الأيام على الأسبوع، يعني سبعة أيام والشهور على السبعة وغيرها على العمر.
م: (وعندها ينصرف إلى العمر، لأنه لا معهود دونه) ش: أي دون العمر، لأن الأصل عندهما أن ينظر إن كان ثمة معهود ينصرف إليه، ولا ينصرف إلى جميع العمر. وفي الأيام إلى المعهود في عرف الناس أيام الأسبوع، فكانت الجمعة هي المرادة.
وفي الشهور المعهودة شهور السنة، فكانت السنة هي المرادة ولا معهود في الجمع والسنين، فانصرف يمينه إلى جميع العمر. ولو قال جمعًا أو قال: سنين بالتنكير يقع على ثلاثة من ذلك بالاتفاق.
وفي " الكافي " وقيل: تنصرف الأيام على سبعة اتفاقًا، وعند الشافعي ومالك وأحمد ﵀ تنصرف إلى الثلاثة في المنكر، لأنه أقل الجمع في المنكر في الأيام، العرف ينصرف
стр. 3258
ومن قال لعبده: إن خدمتني أياما كثيرة فأنت حر ، فالأيام الكثيرة عند أبي حنيفة ﵀ عشرة أيام، لأنه أكثر ما يتناوله اسم الأيام، وقالا: سبعة أيام، لأن ما زاد عليها تكرار، وقيل لو كان اليمين بالفارسية ينصرف إلى سبعة أيام، لأنه يذكر فيها بلفظ الفرد دون الجمع والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
عند مالك إلى الأبد.
وقال بعض أصحابه: ينصرف إلى الأسبوع، ويحمل الشهور على اثني عشر، وبه قال أحمد ﵀. وفي قوله عن مالك ينصرف إلى الأبد والسنين، والجمع ينصرف إلى الأبد لقولهم وبه قال أحمد ﵀.
[قال لعبده إن خدمتني أياما كثيرة فأنت حر]
م: (ومن قال: لعبده إن خدمتني أيامًا كثيرة فأنت حر، فالأيام الكثيرة عند أبي حنيفة ﵀ عشرة أيام، لأنه أكثر ما يشار له اسم الأيام) ش: لأن أكثر عدد يضاف إلى الأيام عشرة، فبعد ذلك لا يسمى أيامًا يقال: ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، ثم يترك ذكر الأيام فيقال أحد عشر يومًا مائة يوم وألف يوم.
م: (وقالا: سبعة أيام، لأن ما زاد عليها تكرار) ش: فتكون الأيام الكثيرة سبعة. وقيل: هذا بالاتفاق كما ذكرنا عن قريب م: (وقيل لو كان اليمين بالفارسية) ش: بأن قال: لعبده أكثر خدمتها ردزها، أي سئل نوازًا أو يخدم سبعة أيام فيعتق، وهو معنى قوله م: (ينصرف إلى سبعة أيام، لأنه يذكر فيها بلفظ المفرد دون الجمع) ش:.
وقال الأترازي: في هذا التعليل نظر، لأن لفظ المفرد بالفارسي لا يخلو من أحد الأمرين. إما أن يفهم منه معنى الجمع أم لا، فإن فهم فينبغي أن يكون العربي والفارسي سواء، وإن لم يفهم ينبغي أن لا يكون الأسبوع مرادًا أيضًا. انتهى.
وقال الأكمل: يمكن أن يجاب عنه بأن يفهم منه معنى الجمع. قوله: ينبغي أن يكون العربي والفارسي سواء.
قلنا: ممنوع لأنه لفظ الفارسي، وإن المراد معنى الجمع لكن ينتهي إلى العشرة وتخصيص أيام الأسبوع لكونه المعهود أو لعدم القائل بالفصل.
стр. 3259
باب اليمين في العتق والطلاق ومن قال: لامرأته إذا ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ولدا ميتا طلقت، وكذلك إذا قال لأمته إذا ولدت ولدا فأنت حرة، لأن الموجود مولود، فيكون ولدا حقيقة، ويسمى به في العرف ويعتبر ولدا في الشرع حتى تنقضي به العدة والدم بعده نفاس وأمه أم ولد له فيتحقق الشرط، وهو ولادة الولد. ولو قال: إذا ولدت ولدا فهو حر فولدت ولدا ميتا ثم آخر حيا عتق الحي وحده عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يعتق واحد منهما، لأن الشرط قد تحقق بولادة الميت على ما بينا فينحل اليمين لا إلى جزاء، لأن الميت ليس بمحل للحرية، وهي الجزاء
ــ
[البناية]
[باب اليمين في العتق والطلاق] [قال لامرأته إذا ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ولدا ميتا]
م: (باب اليمين في العتق والطلاق) ش: أي هذا باب في بيان أحكام اليمين في العتق والطلاق، وقدم هذا الباب على غيره، لأن الحلف بهما أكثر وقوعًا، فكانت معرفة كأنه من غيره.
م: (ومن قال لامرأته: إذا ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ولدًا ميتًا طلقت، وكذلك إذا قال لأمته: إذا ولدت ولدًا فأنت حرة) ش: فولدت ولدًا ميتًا عتقت م: (لأن الموجود مولود فيكون ولدًا حقيقة) ش: يعني يكون ولدًا باعتبار الحقيقة وعرفًا وشرعًا.
أما حقيقة فظاهر، وأما عرفًا فكذلك، أشار إليه بقوله م: (ويسمى به) ش: أي بالولد م: (في العرف) ش: وأما شرعًا فهو قوله: م: (ويعتبر ولدًا في الشرع حتى تنقضي به العدة والدم بعده) ش: أي بعد الولد.
م: (نفاس وأمه أم ولد له فيتحقق الشرط، وهو ولادة الولد) ش: فتطلق الحرة وتعتق الأمة وفيما ذكره الأترازي ﵀ في التعليل أنه يجيء في الآخرة ويرجى شفاعته بدليل ما روى أبو عبيدة ﵁ في حديث النبي ﷺ في «السقط يظل محبنطئا على باب الجنة» والمحبنطئ يروى لغيرهم، فعلى الأول معنى المتغضب المستبطئ للشيء، وعلى الثاني معناه العظيم البطن المنتفخ، يعني مغضب وينفتح بطنه حتى يدخل أبواه الجنة. م: (ولو قال: إذا ولدت ولدًا فهو حر فولدت ولدًا ميتًا ثم آخر) ش: أي ولدت ولدًا آخر م: (حيًا عتق الحي وحده عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يعتق واحد منهما، لأن الشرط قد تحقق بولادة الميت) ش: لأن شرط الحرية ولادة الولد، وقد تحققت ولادة الميت م: (على ما بينا) ش: أشار به إلى قوله لأن الموجود مولود.
فإذا كان كذلك م: (فينحل اليمين لا إلى جزاء) ش: كما إذا قال لعبده إذا دخلت الدار فأنت حر فباعه فدخل الدار ينحل اليمين لا إلى جزاء، حتى إذا اشتراه فدخل الدار لا يعتق. وكذا إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق فأبانها وانقضت عدتها ثم دخلت الدار ينحل اليمين لا إلى جزاء، حتى إذا تزوجها ثم دخلت الدار لا تطلق م: (لأن الميت ليس بمحل للحرية، وهي الجزاء)
стр. 3260
ولأبي حنيفة ﵀ أن مطلق اسم الولد مقيد بوصف الحياة لأنه قصد إثبات الحرية جزاء وهي قوة حكمية تظهر في دفع تسلط الغير، ولا تثبت في الميت فيتقيد بوصف الحياة فصار كما إذا قال إذا ولدت ولدا حيا بخلاف جزاء الطلاق وحرية الأم لأنه لا يصلح مقيدا،
وإذا قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا عتق لأن الأول اسم لفرد سابق. فإن اشترى عبدين معا ثم آخر لم يعتق واحد منهم لانعدام التفرد في الأولين، والسبق في الثالث فانعدمت الأولية، وإن قال أول عبد أشتريه وحده، فهو حر عتق الثالث؛ لأنه يراد به التفرد في حالة الشراء، لأن وحده للحال لغة
ــ
[البناية]
ش: لأن الحرية عبارة عن قدرة حكمية تثبت في المحل يحنث بدفع تسلط الغير عليه والميت ليس بأهل للقوة الحكمية المذكورة.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن مطلق اسم الولد مقيد بوصف الحياة) ش: تصحيح الكلام العاقل، ولو لم يقيد بوصف الحياة صار لغوًا م: (لأنه قصد إثبات الحرية جزاء) ش: يعني من حيث الجزاء.
م: (وهي) ش: أي الحرية م: (قوة حكمية تظهر في دفع تسلط الغير عليه ولا تثبت) ش: أي القوة الحكمية م: (في الميت) ش: لأنه ليس بأهل لذلك م: (فيتقيد) ش: أي الولد م: (بوصف الحياة فصار كما إذا قال إذا ولدت ولدًا حيًا) ش: فولدت ولدًا حيًا ولم يوجد.
م: (بخلاف جزاء الطلاق) ش: في قوله لامرأته: إن ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ولدًا يقع الطلاق م: (وحرية الأم) ش: في قوله لأمته إذا ولدت ولدًا فأنت حرة فولدت ولدًا ميتًا يقع العتق م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من جزاء الطلاق وحرية الأم م: (لا يصلح مقيدًا) ش: للحياة لاستغنائهما عن حياة الولد.
ولهذا إذا وضعت الولد بالموت صريحًا، وعلق الطلاق وحرية الأم، وبه قال إذا ولدت ولدًا ميتًا فأنت طالق، أو قال فأنت حرة، كان صحيحًا.
[قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا]
م: (وإذا قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدًا عتق، لأن الأول اسم لفرد سابق) ش: لا يشاركه غيره فيه، فالذي اشتراه فرد سابق فيعتق م: (فإن اشترى عبدين معًا) ش: يعني بصفة واحدة م: (ثم آخر) ش: يعني ثم اشترى عبدًا آخر م: (لم يعتق واحد منهم، لانعدام التفرد في الأولين) ش: أي في العبدين الأولين م: (والسبق) ش: أي ولانعدام السبق م: (في الثالث) ش: أي في العبد الثالث م: (فانعدمت الأولية) ش: يعني لم توجد.
م: (وإن قال: أول عبد أشتريه وحده فهو حر عتق الثالث لأنه يراد به التفرد في حالة الشراء، لأنه وحده للحال لغة) ش: أي حال كونه وحده، وفي قوله: لغة نظر، لأن وحده حال من جهة
следующие страницы →