← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

و من زنى في دار الحرب أو في دار البغي ثم خرج إلينا فلا يقام عليه الحد، وعند الشافعي ﵀ يحد لأنه التزم بإسلامه أحكامه أينما كان مقامه. ولنا قوله ﵇: لا تقام الحدود في دار الحرب، ولأن المقصود هو الانزجار، وولاية الإمام منقطعة فيهما، فيعرى الوجوب عن الفائدة، ولا تقام بعدما خرج، لأنها لم تنعقد موجبة، فلا تنقلب موجبة، ولو غزا من له ولاية الإقامة بنفسه. ــ [البناية] يذبح، وإن كانت مما يؤكل يذبح. وفي أكلها وجهان، أحدهما لا يجز ويضمن لغيره. [من زنى في دار الحرب] م: (ومن زنى في دار الحرب أو في دار البغي، ثم خرج إلينا، فلا يقام عليه الحد) ش: يعني إذا خرج وأقر عند القاضي م: (وعند الشافعي ﵀ يحد) ش: وبه قال مالك ﵀ وأحمد ﵀ م: (لأنه التزم بإسلامه أحكامه) ش: أي أحكام الإسلام م: (أينما كان مقامه) ش: بضم الميمين، أي ثبت موضع إقامته الضمير يرجع إلى من " في " ومن زنى. م: (ولنا قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ م: «لا تقام الحدود في دار الحرب» ش: هذا الحديث غريب، وأخرج البيهقي عن الشافعي ﵀ قال: قال أبو يوسف: حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول عن «زيد بن ثابت قال: لا يقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو» والمراسيل عندنا حجة كالمسند. وقال الكاكي: في شرح الصاعدي روى محمد ﵀ في السير الكبير عن النبي ﷺ أنه قال: «من زنى أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدا ثم هرب وخرج إلينا فإنه لا يقام عليه الحد» ثم قال: وجه التمسك بحديث الكتاب أنه ﷺ حقق عدم الإقامة لانقطاع ولاية الإمام عنها، فكان المراد من عدم الإقامة عدم وجوب الحد. فإن قيل: الحديث يعارض بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] . قلنا: خص منه مواضع الشبهة بالإجماع، فيجوز تخصيصه بخبر الواحد. م: (ولأن المقصود) ش: أي من إقامة الحد م: (هو الانزجار) ش: وذا لا يحصل بنفس الوجوب، بل الاستيفاء. ولا يمكن استيفاؤه ثمة لعدم ولاية الإمام، فامتنع الوجوب لعدم فائدته، وهو الاستيفاء، أشار إليه المصنف بقوله: م: (وولاية الإمام منقطعة فيهما) ش: أي في دار الحرب، ودار البغي كذلك م: (فيعرى الوجوب عن الفائدة) ش: وهو الاستيفاء م: (ولا تقام بعدما خرج لأنها لم تنعقد موجبة) ش: أي لأن هذه الفعلة أو الزانية لم تنعقد حال كونها موجبة للحد م: (فلا تنقلب موجبة) ش: بعد الخروج إلينا، فلا يحد. م: (ولو غزا من له ولاية الإقامة) ش: أي إقامة الحدود م: (بنفسه) ش: أي باختصاصه بذلك م:

стр. 3362

كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على من زنى في معسكره، لأنه تحت يده، بخلاف أمير العسكر والسرية لأنه لم يفوض إليهما الإقامة. وإذا دخل الحربي في دارنا بأمان فزنى بذمية أو زنى ذمي بحربية يحد الذمي والذمية عند أبي حنيفة ﵀ ولا يحد الحربي والحربية، وهو قول محمد ﵀ في الذمي يعني إذا زنى بحربية، فأما إذا زنى الحربي بذمية لا يحدان عند محمد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ وهو قول أبي يوسف أولا. وقال أبو يوسف ﵀ يحدون كلهم، وهو قوله الآخر. لأبي يوسف ﵀ أن المستأمن التزم أحكامنا مدة عمره في دارنا في المعاملات كما أن الذمي التزمها مدة إقامته، ولهذا يحد حد القذف ويقتل قصاصا، بخلاف حد الشرب، لأنه يعتقد إباحته. ــ [البناية] (كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على من زنى في معسكره، لأنه تحت يده) ش: أي لأن من زنى في معسكر من له الولاية يختاره م: (بخلاف أمير العسكر) ش: لأنه لم يفرض له ولاية إقامة الحدود م: (والسرية) ش: أي بخلاف أمير السرية وهم الذين يسرون بالليل ويخفون بالنهار، ومنه " خبر السرايا أربعمائة " م: (لأنه لم يفوض إليهما الإقامة) ش: أي لم يفرض إلى أمير العسكر وأمير السرية إقامة الحدود. م: (وإذا دخل الحربي في دارنا بأمان فزنى بذمية أو ذمي بحربية يحد الذمي والذمية عند أبي حنيفة ﵁ ولا يحد الحربي والحربية) ش: وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد. وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - يحد الحربي والذمية. وقال مالك ﵀: لا يحدان ولا يحد الحربي والحربية. وقال الشافعي ﵀: يحدان م: (وهو قول محمد ﵀ في الذمي يعني إذا زنى بحربية، فأما إذا زنى الحربي بذمية لا يحدان عند محمد ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀ أولا. وقال أبو يوسف) ش: آخرا م: (يحدون كلهم) ش: وبه قال الشافعي وزفر م: (وهو قوله الآخر. لأبي يوسف أن المستأمن التزم أحكامنا مدة إقامته في دارنا في المعاملات، كما أن الذمي التزمها مدة عمره، ولهذا) ش: أي ولأجل التزامه أحكامنا مدة إقامته م: (يحد حد القذف) ش: إذا قذف مسلما. م: (ويقتل قصاصا) ش: إذا قتل ويمنع من الزبور وشراء العهد للسلم والمصحف، ويجبر على بيعهم بعد الشراء كما يجبر الذمي، بخلاف حد الشرب جواب عما يقال لو كان كذلك لا يقيم عليه حد الشرب، لأنه من أحكامنا، أجاب بقوله. م: (بخلاف حد الشرب) ش: يعني حد الشرب ليس كذلك م: (لأنه يعتقد إباحته) ش: فإن قلت: فهو يعتقد إباحة قتل المسلم وقذفه، فينبغي أن لا يقتص منه، ولا يحد لقذفه.

стр. 3363

ولهما أنه ما دخل دارنا للقرار بل لحاجة كالتجارة ونحوها، فلم يصر من أهل دارنا، ولهذا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب، ولا يقتل المسلم ولا الذمي به. فإنما التزم من الحكم ما يرجع إلى تحصيل مقصوده، وهو حقوق العباد، لأنه لما طمع في الإنصاف يلتزم الإنصاف والقصاص، وحد القذف من حقوقهم. أما حد الزنا محض حق الشرع، ولمحمد ﵀ وهو الفرق أن الأصل في باب الزنا فعل الرجل، والمرأة تابعة له على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع، أما الامتناع في حق التبع لا يوجب الامتناع في حق ــ [البناية] قلت: المعنى باعتقاد الإباحة وهو أن يكون قتل النفس والقذف حرام عندهم في دينهم، فأما حقهم ذلك ليس بدين، وإنما هو هوى وتعصب. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (أنه) ش: أي المستأمن م: (ما دخل دارنا للقرار بل لحاجة كالتجارة ونحوها) ش: مثل زيارة أقربائه أو لأجل الطيب أو لأجل [ ... ] هو منه، فإذا كان كذلك م: (فلم يصر من أهل دارنا، ولهذا) ش: أي ولأجل عدم كونه من أهل دارنا م: (تمكن) ش: أي الحربي المستأمن م: (من الرجوع إلى دار الحرب) ش: إذا عزم على الخروج من دار الإسلام على الدخول في دار الحرب. م: (ولا يقتل المسلم ولا الذمي به) ش: أي بسببه إذا قتل مسلم أو ذمي، والذمي إذا قتله مسلم يقتص به عندنا، فعلم أن الحربي لم يكن كالذمي. م: (فإنما التزم من الحكم ما يرجع إلى تحصيل مقصوده، وهو حقوق العباد، لأنه) ش: أي لأن الحربي المستأمن م: (لما طمع في الإنصاف) ش: المسلمين، أي طمع في العدل لأجله على غيره م: (يلتزم الإنصاف) ش: أي قبل العدل لغيره عليه، يقال انتصف الرجل إنصافا إذا أعطي الحق، وتناصف القوم إذا تعاطوا الحق بينهم م: (والقصاص، وحد القذف من حقوقهم) ش: أي من حقوق العباد. م: (أما حد الزنا محض حق الشرع) ش: فلم يلتزمه فلا يلزمه، ولما فرغ عن الجواب عن قول أبي يوسف من جهة أبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀ شرع في بيان إثبات ما لكل منهما فيم ذهب إليه فقال م: (ولمحمد) ش: يعني في الفرق بين المسلم أو الذمي إذا زنى بحربية مستأمنة حيث يجب الحد عنده على الفاعل، وبين المسلمة أو الذمية إذا زنت بحربي حيث لا يجب عنده عليهما. بيانه ما قال بقوله: م: (وهو الفرق أن الأصل في باب الزنا فعل الرجل، والمرأة تابعة له) ش: لكونها محلا م: (على ما نذكره إن شاء الله تعالى) ش: أي في مسألة زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة م: (فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع) ش: لأن الحد إنما يجب عليهما بالتمكين من فعل موجب للحد فيما مكنت من فعل موجب للحد، فلا تحد. م: (أما الامتناع في حق التبع لا يوجب الامتناع في حق الأصل) ش: وإلا ما كان مستتبعا فكان

стр. 3364

الأصل، ونظيره إذا زنى البالغ بصبية أو مجنونة وتمكين البالغة من الصبي والمجنون. ولأبي حنيفة ﵀ فيه أن فعل الحربي المستأمن زنا، لأنه مخاطب بالحرمات على ما هو الصحيح وإن لم يكن مخاطبا بالشرائع على أصلنا، والتمكين من فعل هو زنا موجب للحد عليها، بخلاف الصبي والمجنون، لأنهما لا يخاطبان، ونظير هذا الاختلاف إذا زنى المكره بالمطاوعة تحد المطاوعة عنده، وعند محمد ﵀ لا تحد. قالوا: إذا زنى الصبي أو المجنون بامرأة طاوعته، فلا حد عليه ولا عليها. وقال زفر ﵀ والشافعي ﵀: يجب الحد عليها، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀. ــ [البناية] أصلا، والغرض أنه تبع، وذلك خلاف باطل م: (نظيره) ش: أي نظير هذا م: (إذا زنى البالغ بصبية أو مجنونة) ش: فإنه يحد البالغ دونها، لأن الامتناع في حق التبع لا يستلزمه في حق الأصل م: (وتمكين البالغة) ش: أي ونظيره أيضا تمكين البالغة نفسها م: (من الصبي والمجنون) ش: فإنه لا يجب الحد عليها، لأن الامتناع في حق الأصل يستلزمه في حق التبع. م: (ولأبي حنيفة ﵀ فيه أن فعل الحربي المستأمن زنا، لأنه مخاطب بالحرمات) ش: كحرمة الكفر والزنا وإن لم يكن مخاطبا، فإذا ما يحتمل السقوط من العبادات م: (على ما هو الصحيح) ش: احترز به عن قول بعض مشايخنا العراقيين، فإنهم قالوا بوجوب الأداء م: (وإن لم يكن مخاطبا بالشرائع على أصلنا) ش: إشارة إلى قول مشايخ ديارنا، أي ديار المصنف. م: (والتمكين) ش: أي تمكين المرأة نفسها منه م: (من فعل هو زنا موجب للحد عليها) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] (النور: الآية ٢) ، فيجب الحد عليها لوجوب المقتضى وانتفاء المانع. م: (بخلاف الصبي والمجنون، لأنهما لا يخاطبان) ش: هذا جواب عن شبهة محمد ﵀ على أن سقوط الحد من الأصل يوجب السقوط من التبع. ووجه ذلك أن هذا ليس بنظير ما نحن فيه، لأن الصبي والمجنون لا يخاطبان، فلا يكون فعلهما، والتمكين من غير الزنا ليس بزنا فلا يوجب الحد والحربي مخاطب بفعل الزنا، والتمكين من الزنا زنا يوجب الحد. م: (ونظير هذا) ش: أي نظير هذا م: (الاختلاف) ش: الواقع بين أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله - م: (إذا زنى المكره بالمطاوعة تحد المطاوعة عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد م: (وعند محمد ﵀ لا تحد) ش:. م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: (وإذا زنى الصبي أو المجنون بامرأة طاوعته) ش: أي طاوعت الصبي أو المجنون م: (فلا حد عليه ولا عليها. قال زفر ﵀ والشافعي: يجب الحد عليها) ش: أي على المرأة المطاوعة م: (وهو) ش: أي قول زفر والشافعي - رحمهما الله - م: (رواية عن أبي يوسف ﵀) ش: وبه قال مالك وأحمد ﵀ لأنها زانية حقيقة.

стр. 3365

وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة تجامع مثلها حد الرجل خاصة، وهذا بالإجماع، ولهما أن العذر من جانبها لا يوجب سقوط الحد من جانبه، فكذا العذر من جانبه، وهذا لأن كلا منهما مؤاخذ بفعله. ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه، وإنما هي محل الفعل، ولهذا يسمى هو واطئا وزانيا والمرأة موطوءة ومزنيا بها إلا أنها سميت زانية مجازا تسمية للمفعول باسم الفاعل كالراضية في معنى المرضية، أو لكونها مسببة بالتمكين، فيتعلق الحد ــ [البناية] [زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة تجامع مثلها] م: (وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة تجامع مثلها حد الرجل خاصة، وهذا بالإجماع) ش: إنما قيد بقوله: تجامع مثلها، لأنها إذا لم تكن تجامع مثلها فوطئها لا يجب عليه الحد، لأنه كإتيان البهيمة، لأن الطباع السليمة لا ترغب في مثلها، ألا ترى إلى ما قال صاحب " الأجناس " في كتاب الصوم. ولو وطئ الرجل جارية لها خمس سنين وأفضاها ولا تحتمل الوطء لصغرها لا كفارة عليه، ولا يفطره إذا لم [ ... ] ، وهو كإيلاج البهيمة، ونقل أيضا صاحب " الأجناس " عن " نوادر ابن رستم ". قال أبو حنيفة إذا جامع ابنة امرأته وهي صغيرة لا يجامع مثلها فأفضاها وأفسد بها لا يحرم عليه ابنها، لأن هذه ممن لا تجامع. وقال أبو يوسف: أكره له البنت والأم. وقال محمد: النثرة أحب إلي، ولكن لا أفرق بينه وبين أمها. م: (لهما) ش: أي لزفر والشافعي م: (أن العذر من جانبها) ش: كما في صورة الإجماع بأن كانت مجنونة أو صبية أو نائمة أو مكرهة، م: (لا يوجب سقوط الحد من جانبه) ش: أي من جانب الرجل بالاتفاق م: (فكذا العذر من جانبه) ش: بأن كان صبيا أو مجنونا، والجامع كون كل واحد منهما مؤاخذ لفعله، وهو معنى قوله م: (وهذا لأن كلا منهما) ش: أي من الرجل والمرأة أو من الذكر والأنثى م: (مؤاخذ بفعله) ش: أي لا بفعل صاحبه. م: (ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه) ش: أي من الرجل لوجوده منه حقيقة م: (وإنما هي) ش: أي المرأة م: (محل الفعل) ش: أي فعل الزنا م: (ولهذا) ش: توضيح لكون الفعل حقيقة من الرجل، أي ولأجل ذلك م: (يسمى هو واطئا وزانيا) ش: على صورة اسم الفاعل م: (والمرأة) ش: شر، ويسمى المرأة. وأوجب على الزانية الحد. وتقرير الجواب بصورة اسم الفاعل، وأوجب على الزانية الحد، وتقرير الجواب أن الله تعالى [ ... ] منهما المرأة سماها م: (موطوءة ومزنيا بها، إلا أنها سميت زانية مجازا تسمية للمفعول باسم الفاعل كالراضية في معنى المرضية) ش: في قَوْله تَعَالَى ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] (الحاقة: الآية: ٢١) ، باسم المرضية، وهذا أحد التأويلين والتأويل الآخر بمعنى ذات رضى، وكما في قَوْله تَعَالَى [ ] ، بمعنى فرق. م: (أو لكونها) ش: عطف على قوله تسمية للمفعول باسم الفاعل، أي ولكون المرأة م: (مسببة) ش: أي صاحبة سبب م: (بالتمكين) ش: أي بسبب التمكين م: (فيتعلق الحد) ش: مبتدأ م:

стр. 3366

في حقها بالتمكين من قبيح الزنا، وهو فعل من هو مخاطب بالكف عنه، ومؤثم على مباشرته. وفعل الصبي ليس بهذه الصفة، فلا يناط به الحد. قال: ومن أكرهه السلطان حتى زنا فلا حد عليه، وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا يحد، وهو قول زفر ﵀ لأن الزنا من الرجل لا يكون إلا بعد انتشار الآلة، وذلك دليل الطواعية، ثم رجع عنه فقال: لا حد عليه لأن سببه الملجئ، قائم ظاهرا، والانتشار دليل متردد، لأنه قد يكون من غير قصد، لأن الانتشار قد يكون طبعا لا طوعا. ــ [البناية] (في حقها) ش: في حق المرأة م: (بالتمكين) ش: أي سبب التمكين م: (من قبيح الزنا) ش: خبر المبتدأ، والإضافة فيه مثل الإضافة في حرف تصنيفه م: (وهو) ش: أي الزنا م: (فعل من هو مخاطب بالكف عنه) ش: أي عن الزنا م: (ومؤثم) ش: بكسر الثاء المثلثة من التأثيم أي الزنا م: (على مباشرته) ش: أي بفعله م: (وفعل الصبي ليس بهذه الصفة) ش: لأن الصبي ليس مخاطبا بالكف عن الزنا، وليس بمؤثم أيضا إذا باشر وطء الأجنبية، لأن القلم مرفوع عنه، وكذا فعل المخمور، فإذا كان كذلك م: (فلا يناط به) ش: فلا يتعلق به م: (الحد) ش:. إن قيل: لما لم يجب الحد على الصبي والمجنون بالزنا بمطاوعته ينبغي أن يجب عليهما العقر، لأن الوطء في غير الملك لا يخلو عن أحد الأمرين، إما العقر، وإما الحد، والعقر هو مهر المثل. ولهذا لو زنا الصبي بصبية أو مكرهة يجب عليه المهر، وهاهنا لم يجب ذكره في " الذخيرة "، فما الفرق؟. قلنا: لا فائدة في إيجاب المهر عليه، لأن لو أجبنا عليه كان لولي الصبي الرجوع عليها في الحال بمثل ذلك، لأنها لما طاوعت صارت امرأة لها بالزنا معها، وقد لحقه بذلك عزم، وصح الأمر من المرأة، لأن لها ولاية على نفسها، فلا يفيد الإيجاب، بخلاف ما إذا كانت مكرهة أو صبية، فإن المكرهة ليست بامرأة، والصبية لا يصح أمرها لعدم ولايتها على نفسها، فكانت بمنزلة المكرهة. [أكرهه السلطان حتى زنا] م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن أكرهه السلطان حتى زنا فلا حد عليه، وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا يحد، وهو قول زفر) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في قول وأحمد م: (لأن الزنا من الرجل لا يكون إلا بعد انتشار الآلة، وذلك دليل الطواعية) ش: أي علانيتها، وعلانية الاختيار أيضا فافترق بالإكراه ما ينافيه، فانتفى الإكراه يقال طاع يطوع طوعا وطواعية مثل أطاع يطيع إطاعة، إلا أنهم يقولون طاع له. ولا يقولون طاعته كما يقولون إطاعة، وفلان طوع يدك أي منقاد لك م: (ثم رجع عنه، وقال لا حد عليه، لأن سببه الملجئ قائم ظاهرا، والانتشار دليل متردد، لأنه قد يكون من غير قصد) ش: أي انتشار الآلة م: (لأن الانتشار قد يكون طبعا) ش: أي من حيث طبع الرجل م: (لا طوعا) ش: أي من حيث الطوع م:

стр. 3367

كما في النائم فأورث شبهة. وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يحد، لأن الإكراه عندهما قد يتحقق من غير السلطان، لأن المؤثر خوف الهلاك، وأنه يتحقق من غيره. وله أن الإكراه من غيره لا يدوم إلا نادرا لتمكنه من الاستعانة بالسلطان أو بجماعة المسلمين وتمكنه دفعه بنفسه بالسلاح والنادر لا حكم له، فلا يسقط به الحد، بخلاف السلطان، لأنه يمكنه الاستعانة بغيره، ولا الخروج بالسلاح عليه فافترقا. ــ [البناية] (كما في النائم) ش: فإن النائم قد تنتشر آلته لفرط فحولته وإن لم يكن قصده واختاره م: (فأورث شبهة) ش: فاندرأ لحد وبه قال زفر والشافعي - رحمهما الله - في قول، ولكنه يعزر وهو قولهما. م: (وإن أكرهه غير السلطان حد عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال زفر والشافعي - رحمهما الله - في قول وأحمد م: (وقالا) ش: أي وقال أبو يوسف ومحمد ﵀: م: (لا يحد) ش: وغير السلطان مثل السلطان عندهما. يعني لا يحد سواء أكرهه السلطان أو غيره م: (لأن الإكراه عندهما قد يتحقق من غير السلطان، لأن المؤثر) ش: أي في الحكم م: (خوف الهلاك، فيتحقق من غيره) ش: أي من غير السلطان، وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله. م: (وله أن الإكراه من غيره) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ أن الإكراه من غير السلطان م: (لا يدوم إلا نادرا لتمكنه) ش: أي لتمكن المكره م: (من الاستعانة بالسلطان أو بجماعة المسلمين وتمكنه دفعه) ش: وتمكنه بالجر عطفا على قوله لتمكنه بقوله، وقوله دفعه بالنصب مفعول المصدر أي دفع غير السلطان. وحاصله أن المكره يتمكن من دفع الإكراه إذا وقع من غير السلطان بالسلطان أو لجماعة المسلمين أو بنفسه باستعمال السلاح. قلت: فيه نظر فإنه لا يتمكن بشيء من ذلك في هذا الزمان. أما السلطان فإنه لا يصل إليه كل واحد، لا سيما إذا كان المكره بالمكره بكسر من ظلمة السلطان، وأما جماعة المسلمين فإنهم ليس لهم غيرة الإسلام في هذا الزمان كما ينبغي. وأما دفع المكره الإكراه م: (بنفسه بالسلاح) ش: أو بغيره، فيعد حدا، ولا سيما إذا كان الإكراه من ولاة الشرطة أو من العمال الكمال الظلمة الخونة. ولأجل هذا ذكر في " الكافي ": أن هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، فالسلطان كان في زمنه قوة وغلبة بحيث لا يتجاسر أحد على إكراه غيره، وفي زماننا ظهرت القوة لكل متغلب، فيتحقق الإكراه من غير السلطان فما أفتى كل منهما بما عاين، وفي زماننا ظهرت القوة لكل متغلب لا يفتى بقولهما. م: (والنادر لا حكم له فلا يسقط به الحد، بخلاف السلطان، لأنه لا يمكنه الاستعانة بغيره) ش: أي بغير السلطان م: (ولا الخروج) ش: أي ولا يمكنه الخروج م: (بالسلاح عليه فافترقا)

стр. 3368

ومن أقر أربع مرات في مجالس مختلفة أنه زنى بفلانة. وقالت هي: تزوجني أو أقرت بالزنا، وقال الرجل: تزوجتها فلا حد عليه وعليه المهر في ذلك. لأن دعوى النكاح يحتمل الصدق، وهو يقوم بالطرفين فأورث شبهة، وإذا سقط الحد وجب المهر تعظيما لخطر البضع. ومن زنى بجارية فقتلها فإنه يحد وعليه القيمة، معناه قتلها بفعل الزنا. ــ [البناية] [أقر أربع مرات في أربعة مجالس مختلفة أنه زنى بفلانة وقالت هي تزوجني أو أقرت] قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن أقر أربع مرات في أربعة مجالس مختلفة أنه زنى بفلانة، وقالت: هي تزوجني أو أقرت) ش: أي المرأة م: (بالزنا وقال الرجل تزوجتها فلا حد عليه) ش: ولا عليها، كذا في " الكافي ". وفي بعض النسخ عليهما كذا ضبطه الأترازي، وفي نسخة شيخنا علاء الدين السيرافي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وكتب في الحاشية ولا عليها، وإنما قيد بقوله أربع مرات في مجالس مختلفة، لأنه إذا أقر أربع مرات في مجلس واحد يعتبر ذلك مرة واحدة. م: (وعليه المهر في ذلك) ش: لأنه لما سقط الحد وجب المهر بأنه لخطر المحل، لكن هذا فيما إذا كان دعوى النكاح قبل فيه أن يحد المقر، فإذا كانت الدعوى بعد الحد فلا مهر لها، لأن الحد لا ينقض بعد الإقامة. فإن قلت: كيف يجب المهر إذا أقرت بالزنا وادعى الرجل النكاح وهي بإقرار طالبته نافية المهر. قلت: نعم إن الأمر كذلك، لكن الحد سقط عنهما بشبهة ثابتة، شبهة من دعوى النكاح، فبعد سقوط الحد لم يلتفت إلى إقراره بالزنا فوجب العقر، وهو مهر المثل إبانة لخطر المحل. م: (لأن دعوى النكاح يحتمل الصدق، وهو يقوم بالطرفين) ش: أي النكاح يقوم بطرفي الرجل والمرأة م: (فأورث شبهة) ش: أي قولها تزوجني أو قوله تزوجتها أورث شبهة في سقوط الحد عن المدعي م: (فإذا سقط الحد وجب المهر تعظيما لخطر البضع) ش: وهو المحل، لأن المهر يجب حقا لله تعالى في النكاح. ولهذا يجب في المفوضة، وهنا لما سقط الحد عنها يثبت في حقها بشبهة النكاح فلا ينفي المهر بانتفائها كما في حقيقة النكاح. [زنى بجارية فقتلها] م: (ومن زنى بجارية فقتلها، فإنه يحد ويجب عليه القيمة) ش: إنما وضع المسألة في الجارية، وإن كان الحكم وهو وجوب الحد مع الضمان لا يتفاوت بين المرأة والأمة، فإنه لو فعل هذا مع الحرة يجب الحد والدية، لما أن الشبهة في عدم وجوب الحد إنما ترد في حق الأمة، لأن في حق الحرة لا تصير ملكا للزاني عند أداء الدية، والأمة تصير ملكا كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل والحد م: (معناه) ش: أي معنى قول محمد ﵀ م: (فقتلها بفعل الزنا) ش: إنما

стр. 3369

لأنه جنى جنايتين فيوفر على كل واحد منهما حكمه. وعن أبي يوسف ﵀ لا يحد، لأن تقرر ضمان القيمة سبب الملك لأمة، فصار كما إذا اشتراها بعدما زنى بها، وهو على هذا الاختلاف واعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يوجب سقوطه، كما إذا ملك المسروق قبل القطع. ولهما أنه ضمان قتل. ــ [البناية] هو قول محمد ﵀؛ لأن المسألة من مسائل " الجامع الصغير ". قال الأترازي ﵀: ولم يذكر فيه خلاف، ولكن ذكر أبو الليث في شرحه للجامع الصغير: ذكر أبو يوسف في " الأمالي " أن هذا قول أبي حنيفة خاصة. وفي قول أبي يوسف: له حد عليه، ولو كانت حرة فعليها الحد بالاتفاق، وكذا ذكر الخلاف في المنظومة بين أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا قول فيه لمحمد م: (لأنه جنى جنايتين) ش: وهما الزنا والقتل م: (فيوفر على كل واحدة منهما) ش: أي من الجانبين م: (حكمه) ش: أي حكم الجارية، يعني تؤاخذ بموجب كل واحدة منهما فيحد للزنا ويضمن القيمة بالجناية على النفس، ولا منافاة بينهما فيجتمعان، فلا يكون ضمان القيمة مانعا عن وجوب الحد، لأنه ضمان الدم. م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحد، لأن تقرر ضمان القيمة سبب لملك الأمة) ش: فلا يملكها قبيل إقامة الحد سقط الحد م: (فصار) ش: أي حكم هذا م: (كما إذا اشتراها) ش: أي الأمة م: (بعدما زنى بها) ش: قبل إقامة الحد. م: (وهو على هذا الخلاف) ش: أي شراء الجارية بعد الزنا قبل إقامة الحد على هذا الخلاف عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف، وكأنه رد المختلف إلى المختلف، لكن الخلاف في المشتراة بعد الزنا مذكور في ظاهر الرواية، بخلاف ما نحن فيه. م: (واعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يوجب سقوطه) ش: أي سقوط الحد م: (كما إذا ملك المسروق قبل القطع) ش: أي كما إذا ملك المسروق منه قبل قطع يد السارق سقط القطع. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد م: (أنه ضمان قتل) ش: أي أن هذا الضمان ضمان قتل، ولهذا يجب على العاقلة في ثلاث سنين م: (فلا يوجب الملك، لأنه ضمان دم) ش: والدم مما لا يمكنه ويمكن أن يقرر هكذا، لأنه ضمان دم وضمان الدم يجب بعد الموت والملك والميت ليس بمحل للملك م: (ولو كان يوجبه) ش: أي ولو كان ضمان القتل يوجب الملك م: (فإنما يوجبه) ش: في إنما هو قول محمد ﵀؛ لأن المسألة من مسائل " الجامع الصغير ". قال الأترازي ﵀: ولم يذكر فيه خلاف، ولكن ذكر أبو الليث في شرحه للجامع الصغير: ذكر أبو يوسف في " الأمالي " أن هذا قول أبي حنيفة خاصة.

стр. 3370

لأنه جنى جنايتين فيوفر، على كل واحد منهما حكمه. وعن أبي يوسف ﵀ لا يحد، لأن تقرر ضمان القيمة سبب لملك الأمة، فصار كما إذا اشتراها بعدما زنى بها، وهو على هذا الاختلاف واعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يوجب سقوطه، كما إذا ملك المسروق قبل القطع. ولهما أنه ضمان قتل فلا يوجب الملك، لأنه ضمان دم. ولو كان يوجبه فإنما يوجبه في العين كما في هبة المسروق لا في منافع البضع، لأنها استوفيت والملك يثبت مستندا، ــ [البناية] وفي قول أبي يوسف: له حد عليه، ولو كانت حرة فعليها الحد بالاتفاق، وكذا ذكر الخلاف في المنظومة بين أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا قول فيه لمحمد م: (لأنه جنى جنايتين) وهما الزنا والقتل م: (فيوفر على كل واحدة منهما) أي من الجانبين م: (حكمه) أي حكم الجارية، يعني تؤاخذ بموجب كل واحدة منهما فيحد للزنا ويضمن القيمة بالجناية على النفس، ولا منافاة بينهما فيجتمعان، فلا يكون ضمان القيمة مانعا عن وجوب الحد، لأنه ضمان الدم. م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحد، لأن تقرر ضمان القيمة سبب لملك الأمة) فلا يملكها قبيل إقامة الحد سقط الحد م: (فصار) أي حكم هذا م: (كما إذا اشتراها) أي الأمة م: (بعدما زنى بها) قبل إقامة الحد. م: (وهو على هذا الخلاف) أي شراء الجارية بعد الزنا قبل إقامة الحد على هذا الخلاف عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف، وكأنه رد المختلف إلى المختلف، لكن الخلاف في المشتراة بعد الزنا مذكور في ظاهر الرواية، بخلاف ما نحن فيه. م: (واعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يوجب سقوطه) أي سقوط الحد م: (كما إذا ملك المسروق قبل القطع) أي كما إذا ملك المسروق منه قبل قطع يد السارق سقط القطع. م: (ولهما) أي ولأبي حنيفة ومحمد م: (أنه ضمان قتل) أي أن هذا الضمان ضمان قتل، ولهذا يجب على العاقلة في ثلاث سنين م: (فلا يوجب الملك، لأنه ضمان دم) والدم مما لا يمكنه ويمكن أن يقرر هكذا، لأنه ضمان دم وضمان الدم يجب بعد الموت والملك والميت ليس بمحل للملك م: (ولو كان يوجبه) أي ولو كان ضمان القتل يوجب الملك م: (فإنما يوجبه في العين كما في هبة المسروق لا في منافع البضع، لأنها استوفيت) تقريره لو كان هذا الضمان يوجب الملك لا يوجب في العين التي هي موجودة لا في منافع البضع التي هي أعراض استوفيت فانعدمت وتلاشت. م: (والملك يثبت مستندا) ش: إلا أن الملك الثابت في بيان العدوان يثبت بطريق الاستناد، والاستناد يظهر في القائم لا في الغائب، وهو معنى قوله م: (فلا يظهر في المستوفى) ش: بفتح الفاء م: (لكونها) ش: قال الأترازي: والضمير راجع إلى المستوفي على تأويل منفعة البضع، أي لا يظهر الملك في منافع المستوفاة لأنها انعدمت والأوجه أن يكون أربع م: (معدومة) ش: فإذن لم يثبت شبهة الملك في منافع البضع المستوفاة، فلم يسقط الحد.

стр. 3371

فلا يظهر في المستوفى لكونها معدومة، وهذا بخلاف ما إذا زنى بها فأذهب عينها حيث يجب عليه قيمتها ويسقط الحد، لأن الملك هنالك يثبت في الجثة العمياء وهي عين، فأورث شبهة. ــ [البناية] م: (وهذا) ش: أي هذا الذي قلنا م: (بخلاف ما إذا زنى بها) ش: أي بالجارية م: (فأذهب عينها) ش: حيث م: (حيث يجب عليه قيمتها) ش: أي قيمة العين، وهو نصف قيمة الجارية م: (ويسقط الحد، لأن الملك هنالك يثبت في الجثة العمياء وهي عين) ش: لا عوض، فجاز أن يثبت الملك فيها بطريق الإسناد م: (فأورث شبهة) ش: في سقوط الحد. وفي صورة المتنازع فيه لم يثبت الملك في الجارية أصلا، لأن ذلك الضمان ضمان دم، ولم يثبت في المنافع أيضا، لأنها معدومة يسقط الحد لفقدان الشبهة. م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (وكل شيء صنعه الإمام) ش: فإن قذف إنسانا أو زنى أو شرب الخمر، والمراد من الإمام الخليفة، قاله أبو الليث، وفسره بقوله: م: (الذي ليس فوقه إمام) ش: ولا شك أن الخليفة ليس فوقه إمام م: (فلا حد عليه إلا القصاص، فإنه يؤخذ به) ش: أي ويؤخذ أيضا م: (وبالأموال، لأن الحدود حق الله، وإقامتها) ش: أي إقامة الحدود م: (إليه) ش: أي إلى الإمام م: (لا إلى غيره) ش: أي ليس لغير الإمام إقامة الحدود.

стр. 3372

قال: وكل شيء صنعه الإمام الذي ليس فوقه إمام فلا حد عليه إلا القصاص، فإنه يؤخذ به وبالأموال، لأن الحدود حق الله تعالى، وإقامتها إليه لا إلى غيره، ولا يمكنه أن يقيم على نفسه لأنه لا يفيد بخلاف حقوق العباد، لأنه يستوفيه ولي الحق إما بتمكينه أو بالاستعانة بمنعة المسلمين والقصاص والأموال منها. وأما حد القذف قالوا: المغلب فيه حق الشرع فحكمه كحكم سائر الحدود التي هي حق الله تعالى. باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها ــ [البناية] م: (ولا يمكنه) ش: أي ولا يمكن الإمام م: (أن يقيم) ش: أي يقيم حق الله تعالى م: (على نفسه، لأنه لا يفيد) ش: الوجوب الموجوب فائدته، لأنه لا يقع مؤلما، فلا يقع زاجرا. والمقصود من الزاجر الحد، فلا بد أن يكون الزاجر غير المزجور، ولا يقدر القاضي أن يقضي عليه، لأنه هو الذي ولاه القضاء يسقط حق الله تعالى في الدنيا. م: (بخلاف حقوق العباد، لأنه يستوفيه) ش: أي يستوفي الحق م: (ولي الحق) ش: أي صاحب الحق، واختار لفظ الولي ليتناول الوصي والوكيل م: (إما بتمكينه) ش: أي بتمكين الإمام إياه في أخذ حقه م: (أو بالاستعانة بمنعة المسلمين) ش: أي بقوتهم، يقال فلان في عز ومنعة يمنعه، أي تمنع على من قصده من الأعداء. م: (والقصاص والأموال منها) ش: أي من حقوق العباد، فالإمام وغيره فيها سواء، لأنه يمكن استيفاء القصاص والمال بمنعة المسلمين، كذا قالوا وفيه تأمل. م: (وأما حد القذف قالوا) ش: أي قال علماؤنا م: (المغلب فيه حق الشرع) ش: على ما يجيء في بابه إن شاء الله م: (فحكمه) ش: أي فحكم حد القذف م: (كحكم سائر الحدود التي هي حق الله تعالى) ش: يعني لا يؤاخذ به الإمام وتقابل أن يقول لو كان المغلب فيه حق الشرع لوجب أن يحد المستأمن إذا قذف، كما لو زنى وقد تقدم أنه يحد، لأنه حق العبد. والجواب أن قذف القاذف يشتمل على الحقين لا محالة، فيستعمل بكل منهما بحسب ما يليق به، وما يليق بالحربي أن يكون حق العبد لإمكان الانتفاء وما يليق بالإمام أن يكون حق الله تعالى، لأنه ليس فوقه إمام يستوفيه منه والله أعلم. [باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها] [شهد الشهود بحد متقادم] م: (باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الشهادة على الزنا، وسيأتي حكم الرجوع عن الشهادة قد مر أن ثبوت الزنا عند الإمام إنما يكون بأحد شيئين لا غير، وهما الإقرار والشهادة، وأخر

стр. 3373

قال: وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة. وفى " الجامع الصغير ": وإذا شهد عليه الشهود بسرقة أو بشرب خمر أو بزنا بعد حين لم يؤخذ به، وضمن السرقة. والأصل فيه أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم، خلافا للشافعي ﵀ وهو يعتبرها بحقوق العباد وبالإقرار الذي هو أحد الحجتين. ولنا أن الشاهد مخير بين الحسبتين من أداء الشهادة والستر، فالتأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة ــ [البناية] الشهادة هاهنا عن الإقرار لقلة ثبوت الزنا بالشهادة وندر، حتى لم ينقل عن السلف ثبوت الزنا عند الإمام بالشهادة إذ رؤيته أربع رجال عدول على الوصف المذكور كالميل في المكحلة، كما في الكلاب في غير غاية القدرة. م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة) ش: هذا لفظ القدوري في " مختصره "، ثم ذكر المصنف لفظ " الجامع الصغير " بقوله: م: (وفي " الجامع الصغير ": وإذا شهد عليه الشهود بسرقة أو بشرب خمر أو بزنا بعد حين لم يؤخذ به، وضمن السرقة) ش: لاشتماله على زيادة إيضاح على تعديد ما يوجب الحد صريحا من السرقة وشرب الخمر والزنا، وزيادة لفظ الحين الذي استفاد منه بعض المشايخ وقدر ستة أشهر في التقادم وزيادة إثبات الضمان في السرقة. م: (والأصل) ش: يحل في هذا الباب م: (أن الحدود الخالصة حقا) ش: أي خلوصا حقا كائنا م: (لله تعالى) ش: السرقة وحد الزنا وحد شرب الخمر م: (تبطل بالتقادم، خلافا للشافعي) ش: حيث يقول لا تبطل الشهادة والإقرار بالتقادم، وبه قال مالك وأحمد ﵀. وعن أحمد مثل قولنا. وقال ابن أبي ليلى: الشهادة والإقرار لا يقبلان بعد التقادم. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف الإقرار لا يبطل بالتقادم إلا الإقرار بشرب الخمر، فإنه يبطل بالتقادم. وقال زفر: التقادم يمنع الإقرار بالحدود اعتبارا لحجة البينة. م: (وهو) ش: أي الشافعي م: (يعتبرها) ش: أي يعتبر الشهادة م: (بحقوق العباد) ش: حيث لا يمنع التقادم في حقوق العباد م: (وبالإقرار) ش: أي ويعتبرها بالإقرار م: (الذي هو أحد الحجتين) ش: وهما البينة والإقرار. م: (ولنا أن الشاهد مخير بين الحسبتين) ش: تثنية حسبة بكسر الحاء وسكون السين المهملتين وقال في " المجمل ": الحسبة احتسابك الأجر عند الله تعالى. وقال الكاكي: بين حسبتين، أي أجرين مطلوبين، يقال أحسب بكذا أجرا، والاسم الحسبة، والجمع الحسب، إذ الشهادة والستر وقال الأترازي: كلاهما بالجر على أنهما بدلان من حسبتين.

стр. 3374

هيجته، أو لعداوة حركته، فيتهم فيها، وإن كان التأخير فيها لا للستر يصير فاسقا آثما، فتيقنا بالمانع، بخلاف الإقرار، لأن الإنسان لا يعادي نفسه، فحد الزنا وشرب الخمر والسرقة خالص حق الله تعالى، حتى يصح الرجوع عنها بعد الإقرار، فيكون التقادم فيه مانعا، وحد القذف فيه حق العبد، لما فيه من دفع العار عنه، ولهذا لا يصح رجوعه بعد الإقرار، والتقادم غير مانع في حقوق العباد، لأن الدعوى فيه شرط، فيحتمل تأخيرهم على انعدام الدعوى، فلا يوجب تفسيقهم، بخلاف حد السرقة ــ [البناية] قلت: الرفع فيهما أحسن على أن كل واحد منهما خبر لمبتدأ محذوف تقديره أحدهما م: (من أداء الشهادة) ش: والآخر م: (والستر) ش: أما الشهادة فلقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] (الطلاق: الآية٢) ، وأما الستر فلما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة» ، ثم إن الشاهد إذا لم يشهد في أول الأمر يحمل أمره على الصلاح، بأن يقول إنه اختار الستر المندوب ولا الحد، ثم بعد ذلك. م: (فالتأخير) ش: أي تأخير الشهادة م: (إن كان لاختيار الستر فالإقدام) ش: أي إقدامه م: (على الأداء بعد ذلك لضغينة) ش: بالمعجمتين، وهو الحقد م: (هيجته) ش: أي بعينه من هيجت ما هيجت الناقة فانبعث م: (أو لعداوة حركته فيتهم فيها) ش: أي في الشهادة، فلم يقبل م: (وإن كان التأخير فيها) ش: أي في الشهادة م: (لا للستر) ش: أي لأجل الستر عليه م: (يصير فاسقا آثما) ش: لأن تأخير الحد، فإذا كان كذلك م: (فتيقنا بالمانع) ش: من القبول، فلا تقبل، ألا ترى لو طلب المدعي الشهادة في حقوق العباد فأخر الشاهد بلا عذر ثم ادعى لا يقبل لترك الأداء مع الإمكان. م: (بخلاف الإقرار) ش: حيث لا يبطل بالتقادم م: (لأن الإنسان لا يعادي نفسه) ش: فتنعدم التهمة م: (فحد الزنا وشرب الخمر والسرقة خالص حق الله تعالى، حتى يصح الرجوع عنها بعد الإقرار، فيكون التقادم فيه مانعا، وحد القذف فيه حق العبد، لما فيه من دفع العار عنه، ولهذا) ش: أي ولأجل كونه حد القذف فيه حق العبد م: (لا يصح الرجوع بعد الإقرار والتقادم غير مانع في حقوق العباد، لأن الدعوى فيه) ش: أي في حق العبد م: (شرط فيحتمل تأخيرهم) ش: أي تأخير الشهود والشهادة م: (على انعدام الدعوى، فلا يوجب) ش: أي بأجرتها وتم [ ... ] ، أي تأخير شرائهم م: (تفسيقهم) ش: لعدم الموجب. م: (بخلاف حد السرقة) ش: جواب عما يقال الدعوى شرط في السرقة كما في حقوق العباد ومع ذلك تمنع التقادم، فيعلم أن القبول بعد التقادم في حقوق العباد لم يكن إلا بشرط الدعوى، فأجاب أولا بالمنع بقوله م: (لأن الدعوى فيه) ش: أي في حد السرقة م: (ليست بشرط للحد) ش: أي لإقامة الحد م: (لأنه خالص حق الله تعالى على ما مر) ش: من قوله فحد الزنا وشرب الخمر

стр. 3375

لأن الدعوى ليست بشرط للحد، لأنه خالص حق الله تعالى على ما مر، وإنما شرطت للمال، ولأن الحكم يدار على كون الحد حقا لله، فلا يعتبر وجود التهمة في كل فرد، ولأن السرقة تقام على الاستسرار على غرة عن المالك، فيجب على الشاهد إعلامه، وبالكتمان يصير فاسقا آثما، ثم التقادم، كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء عندنا، خلافا لزفر رحمه ــ [البناية] والسرقة خالص حق الله تعالى. م: (وإنما شرطت) ش: أي الدعوى وتذكير الفعل على تأويل الادعاء م: (للمال) ش: أي لأجل المال، فلما لم تكن الدعوى شرطا للحد كان تأخير الشهادة مانعا ًيقومها، لأنه وقع بلا عذر م: (ولأن الحكم) ش: جواب آخر م: (يدار على كون الحد حقا لله تعالى) ش: تقديره أن المعنى المبطل للشهادة في التقادم في الحدود الخالصة حقا لله تعالى ثمة هو الصفة والعداوة، وذلك أمر باطن لا يطلع عليه، فيدار مدار الحكم على كون الحد حقا لله تعالى، سواء وجد ذلك المعنى في كل فرد أو لا. كما أدير الرخصة على السفر من غير توقف على وجود المشقة في كل فرد من أفراده م: (فلا يعتبر وجود التهمة في كل فرد) ش: من أفراد الحد. حاصله صورة التقادم قائمة مقام التهمة، سواء، وجدت التهمة أو لا، كما في السفر، وقد ذكرناه. م: (ولأن السرقة) ش: جواب آخر، وتقديره أن السرقة م: (تقام على الاستسرار) ش: لأنها توجد في ظلمة الليالي غالبا م: (وعلى غرة) ش: أي غفلة م: (عن المالك) ش: فلا يكون المسروق منه عارفا بالشهادة حتى يستشهد بالشاهد م: (فيجب على الشاهد إعلامه) ش: بشهادته م: (وبالكتمان يصير فاسقا آثما) ش: فرد شهادته، بخلاف حد القذف، فإن القذف يكون في النهار الشهادة غالبا، فيعرف المقذوف الشاهد ويراه، فإذا لم يعلمه لا يصير فاسقا. م: (ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء) ش: أي في ابتداء الأمر لا خلاف م: (يمنع الإقامة) ش: أي إقامة الحد م: (بعد القضاء عندنا، خلافا لزفر) ش: فقيده لا يمنع وأوضح ذلك بقوله م: (حتى لو هرب) ش: أي الزاني م: (بعدما ضرب بعض الحد، ثم أخذ بعدما تقادم الزمان لا يقام عليه الحد، لأن الإمضاء) ش: أي الاستيفاء م: (من القضاء في باب الحدود) ش: كان الإمضاء تتمة للقضاء، ولهذا كان تفويضا إلى الإمام. وهذا لأن القضاء إما أن يكون الإعلام من له الحق بحقه أو لتمكينه من الاستيفاء، وذلك لا يتصور في حقوق الله تعالى فيكون المعتبر في حقوق الله تعالى النيابية بحقيقة الاستيفاء، فكان التقادم قبل الاستيفاء بعد القضاء كالتقادم قبل القضاء. [حد التقادم في الشهادة بالزنا] م: (واختلفوا) ش: أي العلماء، م: (في حد التقادم، وأشار) ش: أي محمد م: (في " الجامع

стр. 3376

الله - حتى لو هرب بعدما ضرب بعض الحد، ثم أخذ بعدما تقادم الزمان لا يقام عليه الحد، لأن الإمضاء من القضاء في باب الحدود. واختلفوا في حد التقادم، وأشار في " الجامع الصغير " إلى ستة أشهر، فإنه قال: بعد حين، وهكذا أشار الطحاوي ﵀ وأبو حنيفة ﵀ لم يقدر في ذلك وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر. وعن محمد ﵀ أنه قدره بشهر، لأن ما دونه عاجل، وهو ــ [البناية] الصغير " إلى ستة أشهر. فإنه قال بعد حين) ش: والحين ستة أشهر. وقال فخر الإسلام: لم يرد به الأمر اللازم م: (وهكذا أشار الطحاوي) ش: أي إلى ستة أشهر، لأن اسم الحين عند الإطلاق ينصرف إلى ستة أشهر، كما في مسألة لا أكلمه حينا. م: (وأبو حنيفة لم يقدر في ذلك) ش: أي في حد التقادم لم يقدر شيئا. لأن نصب التقادير بالرأي متعذر، لأن العقل لا اهتداء له في ذلك م: (وفوضه) ش: أي فوض أبو حنيفة ﵀ حد التقادم م: (إلى رأي القاضي في كل عصر) ش: لما أن التقادم يختلف بالأحوال والأعصار فيفوض إلى رأي القاضي كل عصر. م: (وعن محمد ﵀ أنه قدره) ش: أي التقادم م: (بشهر، لأن ما دونه) ش: أي ما دون الشهر م: (عاجل) ش: قال الأترازي ﵀: إنه أدنى العجال شرعا، بدليل أن من حلف ليقضي حق فلان عاجلا يقع عليه ذلك ما دون الشهر. وقال الكاكي: وما وجدت هذه الرواية في كتب أصحابنا المشهورة م: (وهو) ش: أن تقدير التقادم بشهر م: (رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو الأصح) ش: أي تقدير التقادم بشهر هو الأصح. ونقل الناطفي في " الأجناس ": عن " نوادر المعلى " قال أبو يوسف: جهدنا على أبي حنيفة ﵀ أن يوقت في ذلك شيئا فأبى. وقد ذكر في " المجرد " وقال أبو حنيفة: لو سأل القاضي الشهود متى زنى بها، فقالوا أقل من شهر أقيم الحد، وإن قالوا: شهرا أو أكثر [ ... ] . وروي عنه الحد، قال أبو العباس الناطفي: وقد قدره على هذه الرواية بشهر، وهو قول أبي يوسف ومحمد ﵀. م: (وهذا) ش: أي هذا الذي قلنا من تقدير التقادم بشهر م: (إذا لم يكن بينهم) ش: أي بين الشهود م: (وبين القاضي مسيرة شهر، أما إذا كان) ش: بينهم وبين القاضي مسافة شهر (تقبل شهادتهم، لأن المانع بعدهم عن الإمام، فلا تتحقق التهمة) ش: لأنهم معذورون م: (والتقادم في حد الشرب كذلك) ش: أي حد التقادم في حد الشرب كذلك بشهر م: (عند محمد ﵀ -

стр. 3377

رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله وهو الأصح وهذا إذا لم يكن بين القاضي وبينهم مسيرة شهر، أما إذا كان تقبل شهادتهم؛ لأن المانع بعدهم عن الإمام فلا تتحقق التهمة، والتقادم في حد الشرب كذلك عند محمد ﵀ وعندهما يقدر بزوال الرائحة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى وإذا شهدوا على رجل أنه زنى بفلانة وفلانة غائبة فإنه يحد، وإن شهدوا أنه سرق من فلان وهو غائب لم يقطع، والفرق أن بالغيبة تنعدم الدعوى وهي شرط في السرقة دون الزنا وبالحضور يتوهم دعوى الشبهة ولا معتبر بالموهوم ــ [البناية] وعندهما يقدر بزوال الرائحة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى) ش: أي في باب حد الشرب. [شهدوا على رجل أنه زنى بفلانة وفلانة غائبة] م: (وإن شهدوا على رجل أنه زنى بفلانة وفلانة غائبة، فإنه يحد) ش: وبه قالت الأئمة الثلاثة على قول أبي حنيفة ﵀ أولا لا يحد، وهو القياس، كذا ذكره أبو الليث في شرحه " للجامع الصغير "، لأنهما إذا حضرت ربما جاءت الشبهة دارئة للحد، والحدود تندرئ بالشبهات، وعلى قول الآخر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله - يحد الرجل، والآن يأتي الكلام وإن شهد فيه. م: (وإن شهدوا أنه سرق من فلان وهو غائب لم يقطع والفرق) ش: أي من المسألتين م: (أن بالغيبة) ش: أي بغيبة المرأة التي قالوا إن فلانا زنى بفلانة م: (تنعدم الدعوى وهي) ش: أي الدعوى م: (شرط في السرقة دون الزنا) ش: يعني لاشتراط الدعوى في الزنا، ألا ترى أنه ﵊ رجم ماعزا بالإقرار بالزنا لغائبة م: (وبالحضور) ش: أي وبحضور المرأة الغائبة م: (يتوهم دعوى الشبهة) ش: بأن قالت تزوجني، أو كنت أمته، ولا يعتبر الموهوم جواب سؤال، وهو أن يقال ينبغي أن لا يحد الرجل، لأنها لو حضرت ربما يدعي النكاح، فيصير شبهة، فأجاب بقوله. م: (ولا معتبر بالموهوم) ش: لأنه يحتمل أن يدعي، ويحتمل أن لا يدعي، فعلى تقدير الدعوى تصير شبهة، وإذا كانت غائبة كان المكاتب الثابت عند غيبتها وجود شبهة الشبهة، وهو المعنى الموهوم، والمعتبر الشبهة دون شبهة الشبهة، لئلا يسد باب إقامة الحد. فإن قيل: إذا كانت بين الشريكين وأحدهما غائب لا يستوفى القصاص لإجمال العفو عن الغائب. الجواب: أنه إذا حضر، ففي سقوط القصاص بحقيقة العفو لا بشبه العفو، فإذا كان غائبا يكون احتمال العفو شبهة، فاعتبرت الشبهة فيما نحن فيه إذا حضرت المرأة وادعت النكاح كان شبهة، فإذا غابت واحتمل الشبهة وذلك شبهة الشبهة، فلا يعتبر، لأنه وهم. م: (وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها لم يحد لاحتمال أنها امرأته أو أمته، بل هو الظاهر) ش: أي بل كون المرأة امرأته هو الظاهر، لأن ظاهر حال المسلم أن لا يزني والشهود لا

стр. 3378

وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها لم يحد؛ لاحتمال أنها امرأته أو أمته، بل هو الظاهر، وإن أقر بذلك حد، لأنه لا يخفى عليه أمته أو امرأته، وإن شهد اثنان أنه زنى بفلانة فاستكرهها وآخران أنها طاوعته درئ الحد عنهما جميعا عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول زفر ﵀ وقالا: يحد الرجل خاصة لاتفاقهما على الموجب: وتفرد أحدهما بزيادة جناية، وهو الإكراه بخلاف جانبها، لأن طواعيتها شرط تحقق الموجب في حقها، ولم يثبت لاختلافهما وله أنه اختلف المشهود عليه ــ [البناية] يفصلون بين زوجته وأمته وبين غيرهما إلا بالمعرفة، فلم يعرفوها، فلم يمكن إقامة الحد بشهادتهم. فلو قال المشهود عليه أن الذي رأوها معي ليست بامرأتي ولا أمتي لم يحد أيضا، لأن الشهادة قد بطلت، ثم هذه اللفظة ليست بإقرار منه بالزنا، فلا يحد، ولو كان الإقرار إقرارا فحد الزنا لا يقام بالإقرار مرة. م: (وإن أقر بذلك حد) ش: أي وإن أقر بالزنا بامرأة لا يعرفها حد م: (لأنه لا يخفى عليه امرأته أو أمته) ش: أي لا يخفى عليه امرأته أو أمته عن غيرها، وليس بمتهم في إقراره على نفسه، فيحد م: (وإن شهد اثنان أنه زنى بفلانة فاستكرهها) ش: باشرها، أي زنى بها وهي مكرهة م: (وآخران) ش: أي شهد آخران م: (أنها) ش: أي أن المرأة م: (طاوعته درئ الحد عنهما جميعا) ش: ومعنى درئ دفع، وهو على صيغة المجهول من الدرء، وهو الدفع. قال الله تعالى ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] (آل عمران: الآية ١٦٨) ، أي ادفعوا م: (عند أبي حنيفة، وهو قول زفر) ش: وبه قالت الثلاثة. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد ﵀: م: (الحد على الرجل خاصة لاتفاقهما على الموجب) ش: بكسر الجيم، أي لاتفاق الفريقين، أعني شاهدي الطواعة وشاهد الإكراه على موجب الحد في حقه، أي في حق الرجل، وموجب الحد هو الزنا عن طوع م: (وتفرد أحدهما) ش: بجر الدال عطفا على قوله لاتفاقهما، أي لتعداد تفرد أحد الفريقين، أراد بأحد الفريقين شاهدي الإكراه م: (بزيادة جناية، وهو الإكراه) ش: والضمير راجع إلى الزيادة والتذكير بالنظر إلى الخبر م: (بخلاف جانبها) ش: أي جانب المرأة م: (لأن طواعيتها شرط تحقق الموجب في حقها ولم يثبت) ش: أي شرط تحقق الموجب في حقها وهو طوعها م: (لاختلافهما) ش: أي لاختلاف الفريقين، وفي بعض النسخ لاختلافهم. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أنه اختلف المشهود عليه) ش: قال الكاكي: أي المشهود به. وقد صرح به في " الكافي ". وفي " الفوائد الجنازية ": أراد بالمشهود عليه المشهود به، وعلى بمعنى الباء، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] (الأعراف: الآية ١٠٥) ، أي جدير بأن أقول

стр. 3379

لأن الزنا فعل واحد يقوم بهما، ولأن شاهدي الطواعية صارا قاذفين لهما، وإنما يسقط الحد عنهما بشهادة شاهدي الإكراه، لأن زناها مكرهة يسقط إحصانها، فصارا خصمين في ذلك. وإن شهد اثنان أنه زنى بامرأة بالكوفة وآخران أنه زنى بها بالبصرة درئ الحد عنهما جميعا، لأن المشهود به فعل الزنا، وقد اختلف باختلاف المكان، ولم يتم على كل واحد منهما نصاب الشهادة ولا يحد الشهود خلافا لزفر ﵀ لشبهة الاتحاد نظرا إلى اتحاد الصورة والمرأة. وإن اختلفوا في بيت واحد حد الرجل والمرأة. ــ [البناية] على الله، ذكره في " التفسير ". وقال الكاكي: يمكن أن يجري على حقيقته، لأن المشهود عليه في القتل القدير اثنان. وإن كان واحدا إذ الطائعة غير المكرهة، ولكن تعليل قوله م: (لأن الزنا فعل واحد) ش: حقيقة بأن عنه ظاهرا، لأن الزنا فعل واحد: (يقوم بهما) ش: أي بالرجل والمرأة، وهو فعل حقيقة. وإن كان اثنان حكما، وقد اختلف في جانبها فيكون مختلفا في جانبه ضرورة. م: (ولأن شاهدي الطواعية) ش: دليل آخر، وتقريره لأن شاهدي الطواعية م: (صارا قاذفين لهما) ش: لعدم نصاب الشهادة، والقاذف خصم، ولا شهادة للخصم. وكان ينبغي إقامة الحد على شاهدي الطواعية م: (وإنما يسقط الحد عنهما بشهادة شاهدي الإكراه، لأن زناها مكرهة يسقط إحصانها) ش: لوجود حقيقة الزنا، لكن لا يأثم بسبب الإكراه م: (فصارا خصمين في ذلك) ش: أي صار شاهدي الطواعية بسبب قذفيهما خصمين في شهادتهما. [شهد اثنان أنه زنى بامرأة بالكوفة وآخران بالبصرة] م: (وإن شهد اثنان أنه زنى بامرأة بالكوفة وآخران) ش: أي وشهد اثنان آخران م: (أنه زنى بها بالبصرة درئ الحد عنهما) ش: جميعا م: (لأن المشهود به فعل الزنا، وقد اختلف باختلاف المكان ولم يتم على كل واحد منهما نصاب الشهادة، ولا يحد الشهود خلافا لزفر) ش: فإن عنده يحد الشهود حد القذف. وبه قال الشافعي في قول الشهيد الاتحاد هذا دليل لنا لا لزفر، يريد شبهة اتحاد المشهود به، تقديره أن الشهادة دائرة به في الحدود بالحديث، وقد وجدت، لأنهم شهدوا، ولهم أهلية كاملة، ولهم عذر كامل على زنا واحد صورة في زعمهم نظرا إلى اتحاد صورة النسبة الحاصلة منهم واتحاد المرأة، وإنما جاء الاختلاف بذكر المكان فثبت م: (لشبهة الاتحاد) ش: في المشهور به، فيندرئ الحد م: (نظرا إلى اتحاد الصورة والمرأة) ش: أي اتحاد صورة نسبة الزنا واتحاد المرأة. قال في " المختلف ": وعلى هذا الخلاف إذا شهد القاذف الفاسق بذلك. م: (وإن اختلفوا) ش: أي الشهود م: (في بيت واحد حد الرجل والمرأة) ش: هذا إذا كان البيت صغيرا، فاختلفوا وقال اثنان: إنه زنى في هذه الزاوية من البيت، وقال آخرون: إنه زنى في

стр. 3380

معناه أن يشهد كل اثنين على الزنا في زاوية. وهذا استحسان. والقياس أن لا يحد لاختلاف المكان حقيقة. وجه الاستحسان أن التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية، والانتهاء في زاوية أخرى بالاضطراب، أو لأن الواقع في وسط البيت فيحسبه من في المقدم في المقدم، ومن في المؤخر في المؤخر، فيشهد بحسب ما عنده. وإن شهد أربعة أنه زنى بامرأة بالنخيلة. ــ [البناية] الزاوية الأخرى فيه، وهو معنى قوله م: (معناه أن يشهد كل اثنين على الزنا في رواية، وهذا استحسان) ش: أي حد الرجل والمرأة فيما إذا اختلف الشهود في البيت الصغير م: (والقياس أن لا يحد) ش: أي أحدهما، وهو قول زفر والشافعي ومالك ﵏ م: (لاختلاف المكان حقيقة) ش: فاختلف المشهود به، وهو الزنا كما في الدارين. م: (وجه الاستحسان أن التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء) ش: أي انتهاء الفعل م: (في زاوية أخرى بالاضطراب) ش: ينتقلان إلى الزاوية الأخرى، بخلاف ما إذا كان البيت كبيرا لا يحتمل التوفيق، حيث لا يقبل شهادتهم، إذا لم يقبل شهادة الشهود لا يحدون حد القذف للشبهة، خلافا لزفر ﵀ م: (أو لأن الواقع في وسط البيت فيحسبه) ش: أي يظن الواقع م: (من في المقدم) ش: أي من كان في مقدم البيت يظنه م: (في المقدم، ومن كان في مؤخر البيت) ش: يظنه م: (في المؤخر، فيشهد كل بحسب ما عنده) ش: أي بحسب ما ثبت عنده. فإن قيل: في التوفيق احتيال للإقامة، وقد أمرنا بالاختيار للدرء. قلنا: هذا احتيال بقول الشهادة والتوفيق في الحدود مشروع، والشهادة حجة مجرى تصحيحا بحسب صحتها مهما أمكن، ثم إذا قبلت كان من ضرورة قبولها وجوب الحد. فإن قيل: الاختلاف في هذه المسألة مسكوت عنه، والاختلاف في المكان في الزاوية منصوص عليه فكيف يقاس ذلك عليه. قلنا: التوفيق مشروع فيما إذا كان الاختلاف منصوصا عليه بأن شهد اثنان بأنه زنى بامرأة بيضاء، وآخر بامرأة سوداء، أو شهد اثنان بأن عليها ثوبا أحمر، أو آخران بأن عليها ثوبا أصفر. وكذلك لو اختلفوا في الطول والقصر، أو في السمن والهزل، ولكن هذا يشكل على قول أبي حنيفة في مسألة الإكراه والطواعية، لما أن التوفيق يمكن بأن يكون لابتداء الفعل بالإكراه وانتهائه بالطوع. كذا في قاضي خان وغيره. أجيب بأن الإكراه أسقط، سواء كان أول الفعل أو آخره، لأنه بالنظر إلى الابتداء لا يجب، وبالنظر إلى الانتهاء يجب، فلا يجب بالشك. [شهد أربعة أنه زنى بامرأة واختلفوا في المكان والزمان] م: (وإن شهد أربعة أنه زنى بامرأة بالنخيلة) ش: بضم النون وفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وباللام والهاء اسم موضع قريب من الكوفة. ومن قال بفتح الباء الموحدة وكسر الجيم فقد صحف، لأن نخيلة على وزن فعيلة اسم مكان، حي من اليمن سمي بنخيلة امرأة من

стр. 3381

عند طلوع الشمس، وأربعة أنه زنى بها عند طلوع الشمس بدير هند درئ الحد عنهم جميعا، أما عنهما فلأنا تيقنا بكذب أحد الفريقين من غير عين، وأما عن الشهود فلاحتمال صدق كل فريق، وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، وهي بكر درئ الحد عنهما، وعنهم؛ لأن الزنا لا يتحقق مع بقاء البكارة، ومعنى المسألة أن النساء نظرن إليها، فقلن: إنها بكر، وشهادتهن حجة في إسقاط الحد، وليس بحجة في إيجابه، فلهذا سقط الحد عنهما، ولا يجب عليهم. وإن شهد أربعة على رجل بالزنا وهم عميان أو محدودون ــ [البناية] ولد عمرو بن الغوث أخي الأزد بن الغوث م: (عند طلوع الشمس وأربعة) ش: أي وشهد أربعة أخرى م: (أنه زنى بها عند طلوع الشمس بدير هند درئ الحد عنهم جميعا أما عنهما) ش: أي عن الرجل والمرأة. م: (فلأنا تيقنا بكذب أحد الفريقين) ش: أو من هذا الفريق من غير تعيين أحد الفريقين بعين م: (من غير عين) ش: أي أحد الفريقين، لأنه يحتمل أن يكون الكذب من هذا الفريق من غير تعيين أحدهما، وأحدهما لا محالة كاذب، لأنه لا يتصور الزنا في ساعة واحدة من شخص واحد في مكانين متباعدين لكنه لم يتميز الكاذب من الصادق لما ذكرنا، فلهذا درئ الحد عنهما م: (وأما عن الشهود) ش: أي وأما درئ الحد عن الشهود م: (فلاحتمال صدق كل فريق) ش: أي لاحتمال كل واحد من الفريقين أن يكونوا هم الصادقون، وقال زفر ﵀: لا يسقط حد القذف عن الشهود. م: (وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا وهي بكر) ش: أي والحال أنها بكر م: (درئ الحد عنهما وعنهم) ش: أي دفع الحد عن الرجل والمرأة، وبه قال الشافعي وأحمد ﵀. وعند مالك يجب الحد عليها، لأنه لا يعتبر قول النساء في الحدود عنهما، أي درئ الشهود أيضا، وبه قال الشافعي وأحمد ﵀ م: (لأن الزنا لا يتحقق مع بقاء البكارة) ش: م: (ومعنى المسألة أن النساء نظرن إليها فقلن: إنها بكر وشهادتهن حجة في إسقاط الحد وليس بحجة في إيجابه) ش: أي في إيجاب الحد م: (فلهذا) ش: أي فلأجل هذا المعنى وهو أن شهادتهن حجة في إسقاط الحد، وليس بحجة في إيجابه م: (سقط الحد عنهما) ش: أي عن الرجل والمرأة م: (ولا يجب) ش: أي حد القذف م: (عليهم) ش: أي على الشهود وفي " الكافي " للحاكم الشهيد. وكذا إذا خرجت المرأة رتقاء، وتقبل في الرتقاء والعذراء أو الأشياء التي يعمل فيها بقول النساء قول امرأة واحدة. وفي " الفوائد الظهيرية " وعلى هذا لو شهد بزنا رجل، وهو محجوب لا يحد هؤلاء الشهود أيضا، لأن الحد إنما يجب على القاذف لنفي العار والشان عن المقذوف، وإنه منفي ينتفي عنه لمكان الجب. م: (وإن شهد أربعة على رجل بالزنا وهم عميان) ش: أي والحال أنهم عميان م: (أو محدودون)

стр. 3382

في قذف أو أحدهم عبد أو محدود في قذف، فإنهم يحدون ولا يحد المشهود عليه. لأنه لا يثبت بشهادتهم المال، فكيف يثبت الحد وهم ليسوا من أهل الشهادة، والعبد ليس بأهل للتحمل والأداء، فلم تثبت شبهة الزنا، لأن الزنا يثبت بالأداء، وإن شهدوا بذلك وهم فساق أو ظهر أنهم فساق لم يحدوا؛ ولأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل، وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق، ولهذا لو قضى القاضي بشهادة فاسق ينفذ عندنا ويثبت بشهادتهم شبهة الزنا، وباعتبار قصور في الأداء لتهمة الفسق يثبت شبهة عدم الزنا فلهذا امتنع الحدان، وسيأتي فيه خلاف الشافعي ﵀ بناء على أصله أن الفاسق ليس من أهل الشهادة، فهو كالعبد عنده ــ [البناية] ش: أي والحال أنهم محدودون م: (في قذف أو أحدهم) ش: أي أحد الشهود م: (عبد أو محدود في قذف فإنهم) ش: أي فإن الشهود م: (يحدون، ولا يحد المشهود عليه. لأنه لا يثبت بشهادتهم) ش: أي بشهادة هؤلاء م: (المال، فكيف يثبت الحد) ش: أي فكيف يثبت الحد الذي يندرئ بالشبهة م: (وهم ليسوا) ش: أي والحال أنهم ليسوا م: [أهلية الشهادة] (من أهل الشهادة، والعبد ليس بأهل للتحمل) ش: أي تحمل الشهادة م: (والأداء) ش: أي ولا من أهل أداء الشهادة م: (فلم تثبت شبهة الزنا، لأن الزنا يثبت بالأداء) ش: أي يثبت عند القاضي بأداء الشهادة عند عدم الإقرار. م: (وإن شهدوا بذلك وهم فساق) ش: بضم الفاء وتشديد السين جمع فاسق م: (أو ظهر أنهم فساق) ش: يعني شهدوا، فبعد الشهادة ظهر أنهم فساق م: (لم يحدوا؛ لأن الفاسق من أهل التحمل والأداء، وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق، ولهذا) ش: أي ويكون من أهل التحمل والأداء وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق. ولهذا لو قضى القاضي بشهادته ينفذ عندنا، والدليل على أنه من أهل الأداء قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وفائدة الثبت أي تثبتوا، فلو لم يكن للفاسق شهادة، يقال فلا تقبلوا ولم يقل ذلك، بل قال فتبينوا، وفائدة التثبيت القبول عند ظهور الصدق لرجحانه عند القاضي بالتأمل في الدان، مثل هذا الفاسق هل يكذب في العادة أم لا؟ وقال الفقيه أبو الليث في " شرح الجامع الصغير " م: (ولو قضى القاضي بشهادة الفاسق جاز) ش: يعني م: (عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا، وباعتبار قصور في الأداء لتهمة الفسق يثبت بشبهة عدم الزنا) ش: الفسق جاز، يعني عندنا الزنا م: (فلهذا) ش: أي فلأجل ذلك م: (يمنع الحدان) ش: أي حد الزنا على المشهود عليه وحد القذف على المشهود. م: (وسيأتي فيه) ش: أي في حكم هذه المسألة. م: (خلاف الشافعي ﵀، بناء على أصله أن الفاسق ليس من أهل الشهادة فهو كالعبد عنده) ش: أي الفاسق في شهادته كالعبد عند الشافعي، ويحد الشهود حد القذف عندنا، وبه قال أحمد ﵀ في روايته ومالك.

стр. 3383

وإن نقص عدد الشهود عن أربعة حدوا؛ لأنهم قذفة، إذ لا حسبة عند نقصان العدد وخروج الشهادة عن القذف باعتبارها. ــ [البناية] [نقص عدد الشهود عن أربعة] م: (وإن نقص عدد الشهود عن أربعة حدوا) ش: هذا لفظ القدوري في " مختصره "، وهو أحد قولي الشافعي ﵀، وفي القول الآخر لا حد عليهم. وقال الكاكي: حدوا، أي عند طلب المشهود عليه الحد ذكره البزدوي لاختلاف الأئمة فيه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] م: (لأنهم قذفة) ش: أي لأن الذين نقصوا عن الأربعة قذفة جمعه قاذف، كسرقة جمع سارق م: (إذ لا حسبة) ش: لإقامة الحد م: (عند نقصان العدد وخروج الشهادة عن القذف باعتبارها) ش:. ش: أي باعتبار الحسبة، لأن الشاهد مخير بين حسبتين على ما مر في أول الباب. وهنا لم يوجد حسبة الستر، فذاك ظاهر، ولم يوجد حسبة، إذ الشهادة أيضا فتعين القذف، فلزم الحد، ولأن الله تعالى جعل نصاب الشهادة في الزنا أربعة، فإذا نقص العدد عنها صاروا قذفة فيحدون حد القذف، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) . واعلم أن في قول المصنف ﵀ لا يتهم " قذفه " أثرا أخرجه الحاكم في " المستدرك " في (فضائل المغيرة بن شعبة) عن أبي عتاب سهل بن حماد عن أبي كعب عن عبد العزيز بن أبي بكرة. قال: كنا جلوسا عند باب الصغير الذي في المسجد، أبو بكرة وأخوه نافع وشبل بن معبد فجاء المغيرة بن شعبة يمشي في ظلال المسجد، والمسجد يومئذ من قصب، والمغيرة يومئذ أمير البصرة أمره عليها عمر بن الخطاب ﵁ فانتهى إلى أبي بكرة يسلم عليه، فقال له أبو بكرة: أيها الأمير ليس لك ذلك، اجلس في بيتك وابعث إلي من شئت، فتحدث معه، قال يا أبا بكرة: ولا بأس ثم دخل المغيرة من باب الأصغر حتى تقدم إلى باب أم جميل امرأة من قيس فدخل عليها فقال أبو بكرة: والله لا أصبر على هذا، ثم بعث غلاما له فقال أبو بكرة له: ارق الغرفة وانظر من الكوة، فذهب فنظر فلم يلبث أن رجع، فقال: وجدتهما في لحاف واحد، فقال أبو بكرة للقوم قوموا معي، فقاموا، فبدأ أبو بكرة فنظر ثم استرجع. ثم قال لأخيه: انظر فنظر فقال له: ما رأيت؟ قال الزنا محصنا، ثم قال لهما انظرا، فنظرا، فقالا مثل ذلك، فقال: أشهد الله عليكم؟ قالوا: نعم. ثم كتب أبو بكرة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بما رأى فبعث عمر أبا موسى الأشعري ﵁ أميرا على البصرة وأمره أن يرسل إليه المغيرة ومعه، أبو بكرة وشهوده. فلما قدم أبو موسى أرسل بالمغيرة وأبي بكرة وشهوده: وقال للمغيرة: ويل لك إن كان مصدوقا عليك وطوبى لك إن كان مكذوبا عليك، فلما قدموا على عمر ﵁، قال لأبي بكرة: هات ما عندك، قال:

стр. 3384

وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فضرب بشهادتهم، ثم وجد أحدهم عبدا أو محدودا في قذف، فإنهم يحدون، لأنهم قذفة إذ الشهود ثلاثة، وليس عليهم ولا على بيت المال أرش الضرب، وإن رجم فديته على بيت المال، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: أرش الضرب أيضا على بيت المال. ــ [البناية] أشهد أني رأيت الزنا محصنا، ثم تقدم أخوه نافع، فقال نحو ذلك، ثم تقدم شبل بن سعد البجلي، فقال نحو ذلك، ثم تقدم زياد فقال له: ما رأيت؟ قال: رأيتهما في لحاف وسمعت نفسا عاليا، ولا أدري ما وراء ذلك، فكبر عمر ﵁ وفرح إذ نجا المغيرة وضرب القوم الحد إلا زيادا، انتهى وسكت عنه. وروى عبد الرزاق عن الثوري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال شهد أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة: أنهم نظروا إليه كما ينظرون إلى المرود في المكحلة، فجاء زياد فقال عمر ﵁ جاء رجل لا يشهد إلا بالحق، فقال رأيت مجلسا فسحا وانتهارا: فجلدهم عمر الحد. قال أبو نعيم: هؤلاء الذين شهدوا أخوة لأم اسمها سمية وزياد بن [ ... ] كان سمي زياد ابن أهيلة، انتهى، الانتهار: من النهر وهو النفس العالي. م: [الشهادة على الشهادة] (وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فضرب بشهادتهم) ش: يعني جلد وكان غير محصن، فجرحته السياط م: (ثم وجد أحدهم) ش: أي أحد الشهود م: (عبدا أو محدودا في قذف، فإنهم يحدون، لأنهم قذفة إذ الشهود ثلاثة) ش: لأن الشهود في الزنا إذا كانوا أقل من أربعة يجب عليهم حد القذف لقصور عدم الشهادة. ويجب الحد على العبد والمحدود، وكذلك إذا وجد أحد الشهود أعمى م: (وليس عليهم) ش: أي على الشهود: (ولا على بيت المال أرش الضرب) ش: ومعرفة الأرش أن يقوم المحدود عبدا سليما من هذا الأمر ويقوم وبه هذا الأثر، فينظر أما ينقص بما ينقص به القيمة، فينقص من الدية مثله. م: (وإن رجم) ش: بأن كان محصنا، ثم ظهر أحد الشهود؛ عبدا أو محدودا في قذف م: (فديته على بيت المال) ش: هذا بالاتفاق، لأن القاضي أخطأ في قضائه للعامة من حيث الضمان في مالهم م: (وهذا) ش: أي المذكور من الفصلين م: (عند أبي حنيفة، وقالا: أرش الضرب أيضا على بيت المال) ش: والحربي إذا قذف مسلما يجب عليه بالاتفاق، وحد الخمر لا يجب عليه بالاتفاق، وحد الزنا والسرقة يجب عند أبي يوسف ﵀، ولا يجب عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، والذمي يجب عليه جميع الحدود، إلا حد الخمر، وقد مر في باب الوطء الذي يوجب الحد.

стр. 3385

قال العبد الضعيف عصمه الله: معناه إن كان جرحه، وعلى هذا الخلاف إذا مات من الضرب، وعلى هذا إذا رجع الشهود لا يضمنون عنده، وعندهما يضمنون. لهما أن الواجب بشهادتهم مطلق الضرب إذ الاحتراز عن الجرح خارج عن الوسع فينتظم الجارح وغيره، فيضاف إلى شهادتهم فيضمنون بالرجوع، وعند عدم الرجوع تجب على بيت المال، لأنه ينتقل فعل الجلاد إلى القاضي، وهو عامل للمسلمين، فتجب الغرامة في مالهم، فصار كالرجم والقصاص. ولأبي حنيفة ﵀ أن الواجب هو الجلد وهو ضرب مؤلم غير جارح، ولا مهلك ــ [البناية] م: (قال) ش: أي المصنف ﵀ م: (معناه) ش: أي معنى كلام محمد في " الجامع الصغير " أرش الضرب أيضا على بيت المال م: (إن كان جرحه) ش: أي الضرب لأنه إذا لم يخرج لا يجب شيء على أحد. كذا ذكر السغناقي م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور م: (إذا مات) ش: أي المجلود م: (من الضرب) ش: يجب دية النفس في بيت المال عندهما إذا ظهر بعض الشهود، عبدا أو محدودا في قذف أو أعمى. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يجب شيء. م: (وعلى هذا) ش: أي وعلى هذا الخلاف المذكور م: (إذا رجع الشهود) ش: بعد الجرح بالجلد أو الموت والجلد م: (لا يضمنون عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ أصلا لا ضمان النفس ولا ضمان الأرش م: (وعندهما يضمنون) ش: أرش الجراحة إن لم يمت المجلود والدية إن مات. م (ولهما) . ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (أن الواجب بشهادتهم مطلق الضرب) ش: يعني بغير قيد السلامة م: (إذ الاحتراز عن الجرح خارج عن الوسع) ش: أي عن وسع الضارب م: (فينتظم الجارح وغيره) ش: أي يشمل الضرب الجارح وغير الجارح م: (فيضاف) ش: أي الجرح أو الهلاك م: (إلى شهادتهم) ش: أثبتوا الجلد م: (فيضمنون بالرجوع) ش: لأنه ظهر كذبهم في شهادتهم م: (وعند عدم الرجوع يجب) ش: أي الضمان م: (على بيت المال، لأنه ينتقل فعل الجلاد إلى القاضي) ش: لأنه أخطأ في قضائه. ولا يرجع إلى الشهود لأنهم ما رجعوا، والقاضي إذا أخطأ في قضائه يجب الضمان على من وقعت منفعته القضاء لأجله، وقد وقعت المنفعة العامة، لأن منفعة الحد وهي خلاف العالم عن الفساد يقع للعامة م: (وهو) ش: أي القاضي م: (عامل للمسلمين فتجب الغرامة في مالهم) ش: ومالهم بيت مال المسلمين م: (فصار كالرجم والقصاص) ش: أي قصاص الجرح أو الهلاك بالحد على تقدير عدم رجوع الشهود بأن نظر بعضهم عبدا أو محدودا كالرجم والقصاص، يعني في الرجم والقصاص يجب الغرامة في بيت المال، وكذا في الجرح أو الموت بالجلد. م: (ولأبي حنيفة ﵁ أن الواجب هو الجلد، وهو ضرب مؤلم غير جارح ولا مهلك)

стр. 3386

فلا يقع جارحا ظاهرا إلا لمعنى في الضارب، وهو قلة هدايته فاقتصر عليه، إلا أنه لا يجب عليه الضمان في الصحيح كيلا يمتنع الناس عن الإقامة مخافة الغرامة. وإن شهد أربعة على شهادة أربعة على رجل بالزنا لم يحد؛ لما فيها من زيادة الشبهة ولا ضرورة إلى تحملها، فإن جاء الأولون فشهدوا على المعاينة في ذلك المكان لم يحد أيضا، معناه شهدوا على ذلك الزنا بعينه؛ لأن شهادتهم قد ردت من وجه برد شهادة الفروع في عين هذه الحادثة إذ هم قائمون مقامهم في الأمر والتحميل ــ [البناية] ش: ألا ترى أن الجلد لا يقام في الحر أوالبرد الشديد ولا على المريض حتى يبرأ كيلا يقع متعلقا ولا بسوط له ثمرة كيلا يقع جارحا م: (ولا يقع) ش: أي الضرب حال كونه م: (جارحا ظاهرا إلا لمعنى في الضارب، وهو قلة هدايته) ش: في عمله، أي المعنى في الضارب قلة هدايته في عمله وترك احتياطه م: (فاقتصر عليه) ش: أي فاقتصر الجرح أو الهلاك على الضارب من غير أن يضاف إلى الشهود أو القاضي، إلا أنه استثني من قوله فاقتصر عليه. وهذا جواب عما يقال لما اقتصر عليه كان ينبغي أن يجب الضمان عليه، وهو القياس. فأجاب عنه بقوله م: (إلا أنه لا يجب عليه الضمان في الصحيح) ش: وهو الاستحسان م: (كيلا يمتنع الناس عن الإقامة) ش: أي عن إقامة الحدود م: (مخافة الغرامة) ش: أي لأجل الخوف عن الغرامة، وقيد الصحيح احترازا عما روي في " مبسوط " فخر الإسلام: ولو قال قائل: يجب الضمان على الجلاد فله وجه، لأنه ليس بمأمور بهذا الوجه، لأنه أمر بضرب مؤلم لا جارح ولا كاسر ولا قابل، فإذا وجد الضرب على هذه الوجوه فقد وقع فعله متعديا فيجب عليه الضمان، والله أعلم. م: (وإن شهد أربعة على شهادة أربعة على رجل بالزنا لم يحد) ش: أي الرجل م: (لما فيها) ش: أي في شهادة الفروع م: (من زيادة الشبهة) ش: يعني لما فيها من شبهة زاده على الأصل لم يكن فيه، فإن الكلام إذا تداولته الآلة يمكن فيها زيادة ونقصان م: (ولا ضرورة إلى تحملها) ش: أي على تحمل زيادة الشبهة، لأن الحدود لدرئها لا لإثباتها. وبه قال الشافعي ﵀ في قول محمد ومالك وأحمد. وقال الشافعي ﵀ في الأصح يقبل إذا كان بشرائط كشهادة الأصول. م: (فإن جاء الأولون) ش: أي الأصول بعدما شهد الفروع م: (فشهدوا على المعاينة في ذلك المكان) ش: يريد به ذلك الزنا بعينه م: (لم يحد أيضا معناه) ش: أي معنى قول محمد ﵀ في ذلك المكان م: (شهدوا على ذلك الزنا بعينه، لأن شهادتهم) ش: أي شهادة الأصول م: (قد ردت من وجه برد شهادة الفروع في عين هذه الحادثة؛ إذ هم قائمون مقامهم بالأمر والتحميل) ش: أي الفروع

стр. 3387

ولا يحد الشهود، لأن عددهم متكامل، وامتناع الحد عن المشهود عليه لنوع شبهة، وهي كافية لدرء الحد لا لإيجابه. وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم، فكلما رجع واحد حد الراجع وحده وغرم ربع الدية، أما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق، فيكون الفائت بشهادة الراجع ربع الحق. وقال الشافعي ﵀ يجب القتل دون المال، بناء على أصله في شهود القصاص، وسنبينه في الديات إن شاء الله تعالى. وأما الحد فمذهب علمائنا الثلاثة ﵏. وقال زفر ﵀ لا يحد لأنه إن كان الراجع قاذف حي فقد بطل بالموت، وإن كان قاذف ميت فهو مرجوم بحكم القاضي، فيورث ذلك شبهة. ولنا أن الشهادة إنما تنقلب قذفا بالرجوع، لأن به تفسخ شهادته، فجعل للحال قذفا للميت، وقد انفسخت الحجة فينفسخ ما يبتنى عليه، وهو القضاء في حقه ــ [البناية] قائمون مقام الأصول. وهذا التعليل تعليل لرد شهادة الأصول ليست لرد شهادة الفروع، فإن هذا في الحقوق المالية، فإن ثمة يقبل شهادة الأصول بعد رد شهادة الفروع. والجواب أن المال يثبت بالشبهة، بخلاف المحدود م: (ولا يحد الشهود) ش: أي الأصول والفروع لا يحدون م: (لأن عددهم متكامل) ش: والأهلية أيضا موجودة م: (وامتناع الحد عن المشهود عليه لنوع شبهة) ش: وهي شبهة البدلية الزمان والمكان، لاحتمال الزيادة والنقصان في الفروع وشبهة الرد في الأصول م: (وهي كافية لدرء الحد لا لإيجابه) ش: أي شبهة كافية لإسقاط الحد، لا لإيجاب الحد، يعني أن الشبهة ليست لموجبة الحد، ولكنها مسقطة له. [شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم ثم رجعوا عن الشهادة] م: (وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم) ش: أي الرجل م: (فكلما رجع واحد منهم حد الراجع وحده وغرم ربع الدية، أما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق، فيكون الفائت بشهادة الراجع ربع الحق، وقال الشافعي ﵀ يجب القتل) ش: أي قتل الراجع م: (دون المال بناء على أصله) ش: أي أصل الشافعي ﵀ م: (في شهود القصاص) ش: يعني إذا رجعوا بعد القصاص، فيقتلون عنده، فكذا هنا إذا رجعوا بعد الرجم يقتلون، وهو قول الشافعي ﵀ وابن أبي ليلى وهو قول الحسن البصري أيضا. م: (وسنبينه في الديات إن شاء الله تعالى) ش: قال الأترازي: هذه حوالة ليس لها رواج إن شاء ذكر ذلك العام. م: (وأما الحد فمذهب علمائنا الثلاثة. وقال زفر ﵀ ٠ لا يحد، لأنه إن كان الراجع قاذف حي، فقد بطل بالموت، وإن كان قاذف ميت فهو مرجوم بحكم القاضي فيورث ذلك شبهة) ش: إشارة إلى كون الميت مرجوما بحكم القاضي. م: (ولنا أن الشهادة إنما تنقلب قذفا بالرجوع، لأن به) ش: أي بالرجوع م: (تفسخ شهادته فجعل للحال) ش: أي في الحال م: (قذفا للميت، وقد انفسخت الحجة) ش: وهي الشهادة م: (فينفسخ ما يبتنى عليه، وهو القضاء في حقه) ش: والضمير في عليه يرجع إلى الحجة على تأويل الكلام قاله

стр. 3388

فلا يورث الشبهة، بخلاف ما إذا قذفه غيره، لأنه غير محصن في حق غيره، لقيام القضاء في حقه، فإن لم يحد المشهود عليه حتى رجع واحد منهم حدوا جميعا وسقط الحد عن المشهود عليه. وقال محمد ﵀ حد الراجع خاصة، لأن الشهادة تأكدت بالقضاء، فلا تنفسخ إلا في حق الراجع، كما إذا رجع بعد الإمضاء، ولهما أن الإمضاء من القضاء، فصار كما إذا ــ [البناية] الأترازي ﵀. وقال أيضا: وقوله وهو راجع إلى ما هو عبارة عن القضاء، والضمير في حقه راجع إلى المراجع، يعني أن القضاء تفسخ في حق الراجع، لأن القضاء مبني على الشهادة، وقد انفسخت شهادة الراجع بالرجوع م: (فلا يورث الشبهة) ش: أي كونه وجوبا بانقضاء القاضي لا يورث الشبهة وفي سقوط حق القذف عن الراجع، لأن القضاء انفسخ في حقه. م: (بخلاف ما إذا قذف الميت غير الراجع، لأنه) ش: أي لأنه الرجوع م: (غير محصن في حق غيره) ش: أي غير الراجع م: (لقيام القضاء في حقه) ش: أي في حق الراجع، فصار لقيام القضاء بشبهة في حقه، فلم يحد، فظهر الفرق م: (فإن لم يحد المشهود عليه حتى رجع واحد منهم حدوا جميعا) ش: يعني حد الشهود كلهم. واعلم أن رجوع الشهود لا يخلو، إما أن يكون بعد القضاء والإمضاء أو بعد القضاء قبل الإمضاء أو قبل القضاء والإمضاء. فهذه فصول ثلاثة، وقد ذكر الفصل الأول وشرع هنا في الفصل الثاني، وهو ما إذا رجع بعد القضاء والإمضاء، وهو قوله فإن لم يحد المشهود عليه، وهو ما إذا رجع بعد القضاء قبل الإمضاء يحدون كلهم م: (وسقط الحد عن المشهود عليه) ش: في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: في القول الأخر. م: (وقال محمد ﵀ حد الراجع خاصة، لأن الشهادة تأكدت بالقضاء، فلا تنفسخ إلا في حق الراجع) ش: لا في حق غيره م: (كما إذا رجع بعد الإمضاء) ش: وبه قال أبو يوسف ﵀ أولا، وهو قول زفر. وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه لا يحد الراجع. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله م: (أن الإمضاء من القضاء) ش: أي أن إمضاء الحد بمنزلة القضاء بدليل أن الإمضاء لا يجوز إلا بمحضر من القاضي، ولهذا تجعل لإثبات الحادثة في الشهود كالارتداد والفسق والجنون و [....] والموت والغيبة، وهذا بعد القضاء قبل الإمضاء، كالحادثة قبل القضاء. فإذا كان الإمضاء في القضاء كالرجوع قبل القضاء فيحدون جميعا. وهو معنى قوله م: (فصار كما إذا رجع واحد منهم قبل القضاء، ولهذا) ش: أي ولأجل أن

стр. 3389

رجع واحد منهم قبل القضاء، ولهذا سقط الحد عن المشهود عليه. ولو رجع واحد منهم قبل القضاء حدوا جميعا. وقال زفر ﵀: يحد الراجع خاصة، لأنه لا يصدق على غيره. ولنا أن كلامهم قذف في الأصل، وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به، فإذا لم يتصل به بقي قذفا، فيحدون، فإن كانوا خمسة فرجع أحدهم فلا شيء عليهم، لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق، وهو شهادة الأربعة، فإن رجع آخر حد وغرما ربع الدية. أما الحد فلما ذكرنا ــ [البناية] الإمضاء من القضاء في باب الحدود م: (يسقط الحد عن المشهود عليه) ش: إذا رجع واحد قبل القضاء وقبل الإمضاء كما يسقط إذا رجع قبل القضاء. [رجع شاهد واحد من الشهود الأربعة قبل القضاء والإمضاء] م: (ولو رجع واحد منهم) ش: هذا هو الفصل الثالث، وهو ما إذا رجع م: (قبل القضاء والإمضاء) ش: أي لو رجع شاهد واحد من الشهود الأربعة قبل القضاء والإمضاء م: (حدوا جميعا) ش: أي يحدون كلهم. م: (وقال زفر ﵀: يحد الراجع خاصة، لأنه) ش: أي لأن الراجع م: (لا يصدق على غيره) ش: يعني أن رجوعه حجة على نفسه لا غيره باتصال. م: (ولنا أن كلامهم قذف في الأصل) ش: يعني لكونه صريحا فيه م: (وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به) ش: أي بكلامه م: (فإذا لم يتصل به) ش: أي فإذا لم يتصل القضاء بكلامهم م: (بقي قذفا فيحدون) ش: لقصور عددهم م: (وإن كانوا خمسة) ش: هذا عطف على أصل المسألة، وهو قوله وإذا شهد أربعة بالزنا م: (فرجع أحدهم) ش: يعني بعد الرجم، لأنه وضع المسألة في ذلك م: (فلا شيء عليهم) ش: أي لا الحد ولا الدية، لا على الشهود ولا على الراجع، وبه قال الشافعي ﵀ في الأصح ومالك وأحمد - رحمهما الله. وعن مالك لا يجب الدية بالرجوع أصلا. وقال الشافعي ﵀ في وجه يجب خمس الدية م: (لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق، وهو شهادة الأربعة، فإن رجع آخر) ش: أي من الأربعة م: (حد) ش: أي الراجع الأول وهو الخامس والراجع الثاني من الأربعة م: (وغرما ربع الدية) ش: قال الشافعي ﵀ إن قالا تعمدنا الكذب وجب عليهما القود. وإن قال: لا أخطأنا وجب عليهما فسقطهما في الدية وغرما ربع الدية. م: (أما الحد فلما ذكرنا) ش: إشارة إلى قوله ولنا أن الشهادة إنما تقلب قذفا بالرجوع. وقال الأترازي: فإن قلت: حين رجع الواحد من الخمسة لا شيء عليه أصلا، فعند ذلك كيف يجب عليه الحد والغرامة برجوع الآخر؟. قلت: إنما لم يجب عليه شيء وقت رجوعه لمانع مع وجود السبب، والمانع بقاء الحجة الكاملة. فلما رجع آخر زال المانع، فعمل السبب عمله.

стр. 3390

وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق، والمعتبر بقاء من بقي لا رجوع من رجع على ما عرف. وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فزكوا فرجم فإذا الشهود مجوس أو عبيد فالدية على المزكين عند أبي حنيفة ﵀ معناه: إذا رجعوا عن التزكية، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله هو على بيت المال. وقيل هذا إذا قالوا: ــ [البناية] م: (وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق، والمعتبر بقاء من بقي، لا رجوع من رجع على ما عرف) ش: أي في كتاب الشهادات. [تبين عدم أهلية الشهادة بعد إقامة الحد] م: (وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فزكوا) ش: على صيغة المجهول من التزكية من زكى نفسه إذا مدحه وتزكية الشهود الوصف بكونهم أزكياء م: (فرجم) ش: أي الرجل م: (فإذا الشهود عبيد أو مجوس، فالدية على المزكين عند أبي حنيفة) ش: وقال المصنف ﵀ م: (معناه إذا رجعوا) ش: أي المزكون م: (عن التزكية) ش:. وقال الأترازي ﵀: قال صاحب " الهداية " ﵀: معناه إذا رجعوا عن التزكية، أي معنى قوله فالدية على المزكين، قال ويدل على صحة تأويله ما نص عليه الحاكم في " الكافي " إذا شهد الشهود على رجل بالزنا والإحصان، فزكاهم يعني زعموا أنهم أحرار ورجم ثم وجدوهم عبيدا قال: لا حد على الشهود، فإن رجع المزكون عن شهادتهم ضمنوا. قلت: فإن لم يقولوا إنهم أحرار، وقالوا هم عدول ثم وجدوا عبيدا قال: لا ضمان على المدعين، وهذا قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله فإن لم يقولوا إنهم أحرار وقالوا هم عدول ثم وجدوا عبيدا، قالا: لا ضمان على المزكين، وإلى هاهنا لفظ الحاكم ﵀. وقال الكاكي ﵀: معناه إذا رجعوا عن التزكية بأن قالوا قلنا هم أحرار مسلمون مع علمنا بحالهم أنهم عبيد، وكذا في نسخ الشروح، فعلى هذا ينبغي أن لا يذكر في الكتب قوله. وقيل هذا إذا قالوا تعمدنا من غير أن يقال، وقيل لأن قوله وقيل يقضي أن يكون معنى الرجوع عن التزكية التي توجب الضمان عنده في قول آخر سوى التعمد وليس كذلك. فإن المزكي إذا قال أخطأت في التزكية لا يضمن بالإجماع، وإنما الخلاف فيما إذا [قال] : تعمدت ذلك مع علمي بحالهم، وذكره في " جامع قاضي خان "، وإليه أشار في " المبسوط ". وقال تاج الشريعة: معناه إذا رجعوا عن التزكية بأن قالوا تعمدنا التزكية مع علمنا أنهم مجوس، حتى لو قالوا أخطأنا لا يضمنون. م: (وقالا) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله م: (هو على بيت المال) ش: أي الضمان على بيت المال م: (وقيل هذا) ش: عند أبي حنيفة، أي وجوب الضمان م: (إذا قالوا) ش:

стр. 3391

تعمدنا التزكية مع علمنا بحالهم. لهما أنهم أثنوا على الشهود خيرا، فصار كما إذا أثنوا على المشهود عليه خيرا بأن شهدوا بإحصانه، وله أن الشهادة إنما تصير حجة عاملة بالتزكية، فكانت التزكية في معنى علة العلة، فيضاف الحكم إليها، بخلاف شهود الإحصان لأنه محض الشرط، ولا فرق بينهما إذا شهدوا بلفظة الشهادة أو أخبروا، وهذا إذا أخبروا بالحرية والإسلام، أما إذا قالوا: هم عدول وظهروا عبيدا لا يضمنون، لأن العبد قد يكون عدلا ــ [البناية] أي المزكون م: (تعمدنا التزكية مع علمنا بحالهم) ش: أما إذا قالوا أخطأنا فلا يجب عليهم الضمان. قال الإمام السغناقي ﵀: في شرحه " للجامع الصغير " إذا قالوا علمنا أنهم مجوس ومع هذا زكيناهم. أما إذا قالوا أخطأنا، فلا يجب عليهم الضمان، لأنهم يأتون على القاضي والقاضي [....] لا ضمان عليه، فكذا هاهنا، وإنما وجب الضمان عليهم إذا تعمدوا لأنهم أظهروا علة التلف. م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف [ومحمد]- رحمهما الله م: (أنهم) ش: أي أن المزكين م: (أثنوا على الشهود خيرا) ش: قيل حيث أثبتوا بذلك شرط الحجة، وهي العدالة م: (فصار كما لو أثنوا على المشهود عليه خيرا بأن شهدوا بإحصانه) ش: فلا يضمنون شيئا، وبه قال الثلاثة، فإذا لم يضمنوا شيئا وجب الضمان على بيت المال، وله أي ولأبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - م: (وله أن الشهادة إنما تصير حجة وعاملة بالتزكية) ش: إذ الشهادة في الحدود لا توجب شيئا بلا تزكية م: (فكانت التزكية في معنى علة العلة) ش: لأن التزكية بعمله للعلة، والعمل للعلة علة العلة، والحكم يضاف إلى علة العلة، كما يضاف إلى العلة. ألا ترى أن حفر البئر لما كان هو الذي لعلة يجعل فقد علة المار للوقوع في البئر، فيضاف الحكم إليه عند تعذر إضافته إلى الفعل م: (فيضاف الحكم إليها) ش: أي إلى علة العلة، فصار المزكون كالشهود إذا رجعوا م: (بخلاف شهود الإحصان، لأنه محض الشرط) ش: حاصله أن الشهادة على الإحصان شرط محض، وعلامة معرفة الحكم الزنا الصادر بعده وجود الإحصان. ولا حاجة لثبوت الزنا إلى شهود الإحصان، لأن الزنا ثبت بشهود الزنا قبل الإحصان، ولكن لا يثبت الزنا بشهود الإحصان ما لم يزكوا، فظهر الفرق بين التزكية وشهادة الإحصان. م: (ولا فرق بينهما إذا شهدوا بلفظة) ش: أي المزكون بلفظ م: (الشهادة أو أخبروا) ش: بأن قالوا نشهد بأنهم أحرار أو قالوا هم أحرار م: (وهذا) ش: أي وجوب الضمان على المزكين على قول أبي حنيفة ﵀ م: (إذا أخبروا بالحرية والإسلام) ش: أي فيما إذا أخبروا بحرية الشهود وإسلامهم، ثم ظهر الشهود مجوسا أو عبيدا. م: (أما إذا قالوا هم عدول وظهروا عبيدا لا يضمنون، لأن العبد قد يكون عدلا) ش: أيضا بتركه محظور دينه. واعلم أن زكاة المزكي شرط عند أبي حنيفة، خلافا لهما، ذكره في " المختلف "،

стр. 3392

ولا ضمان على الشهود؛ لأنه لم يقع كلامهم شهادة، ولا يحدون حد القذف؛ لأنهم قذفوا حيا وقد مات فلا يورث عنه، وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأمر القاضي برجمه، فضرب رجل عنقه ثم وجد الشهود عبيدا فعلى القاتل الدية. وفي القياس يجب القصاص؛ لأنه قتل نفسا معصومة بغير حق. وجه الاستحسان أن القضاء صحيح ظاهرا وقت القتل، فأورث شبهة، بخلاف ما إذا قتله قبل القضاء؛ لأن الشهادة لم تصر حجة بعد، ولأنه ظنه مباح الدم معتمدا على دليل مبيح، فصار كما إذا ظنه حربيا، وعليه علامتهم. ــ [البناية] ولا يشترط العدد في المزكي عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله، خلافا لمحمد ﵀ ويشترط الإتيان في سائر الحقوق والأربعة في الزنا، ويجوز شهادة رجل وامرأتين على الإحصان. كذا قال الحاكم م: (ولا ضمان على الشهود) ش: لأنه يقع كلامهم بشهادة فيه، نظرا لما تقدم أن كلام كل منهم يصير شهادة باتصال القضاء، وقد اتصل به القضاء، فما وجه قوله م: (لأنه لم يقع كلامهم شهادة) ش: والجواب إذ القضاء لما أظهر خطأه بيقين، صار كأن لم يكن، فلا يتصل القضاء بكلامهم، فلا يصير شهادة. م: (ولا يحدون) ش: أي الشهود م: (حد القذف؛ لأنهم قذفوا حيا، وقد مات فلا يورث عنه) ش: أي لا يورث حد القذف عن الميت، لا يقال لم يجعل قذفا للميت للرجال بطريق الانقلاب كما في صورة الرجوع عن الشهادة؛ لأنا نقول عليه الانقلاب للرجوع عن الشهادة. فالجواب فلم يوجد. فإن قيل: لم لا يكون ظهورهم عبيدا أو مجوسا للانقلاب كالرجوع إن انقلاب صيرورة الشهادة قذفا وكلامهم لم يقع شهادة. م: (وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأمر القاضي برجمه فضرب رجل عنقه ثم وجد الشهود عبيدا فعلى القاتل الدية) ش: في ماله م: (وفي القياس يجب القصاص؛ لأنه قتل نفسا معصومة بغير حق. وجه الاستحسان أن القضاء صحيح ظاهرا وقت القتل، فأورث شبهة) ش: كنكاح الفاسد يكون شبهة أسواط الحد. م: (بخلاف ما إذا قتله قبل القضاء) ش: حيث يجب القضاء لعدم الشبهة لأن القضاء هو المورث للشبهة لم يوجد، أشار إليه بقوله م: (لأن الشهادة لم تصر حجة بعد، ولأنه ظنه) ش: عطف على قوله أن القضاء صحيح ظاهر وقت القتل، أي ظن الذي قتله م: (مباح الدم معتمدا على دليل مبيح، فصار كما إذا ظنه حربيا وعليه علامتهم) ش: أي كما إذا ظن المسلم والغازي أو الشخص حربيا، وعليه علامتهم، أي علامة أهل الحرب. فقتله عمدا، ثم ظهر أن المقتول ليس بحربي لا يجب القصاص بشبهة ظنه مباح الدم.

стр. 3393

ويجب الدية في ماله لأنه عمد، والعواقل لا تعقل العمد، ويجب ذلك في ثلاث سنين؛ لأنه وجب بنفس القتل، وإن رجم ثم وجدوا عبيدا فالدية على بيت المال؛ لأنه امتثل أمر الإمام فنقل فعله إليه، ولو باشره بنفسه يجب الدية في بيت المال لما ذكرنا، وكذا هذا بخلاف ما إذا ضرب عنقه؛ لأنه لم يأتمر بأمره. وإذا شهدوا على رجل بالزنا، وقالوا: تعمدنا النظر قبلت شهادتهم؛ لأنه يباح النظر لهم ضرورة تحمل الشهادة فأشبه الطبيب والقابلة. ــ [البناية] م: (ويجب الدية في ماله لأنه عمد والعواقل) ش: الجمع جمع عاقلة م: (لا تعقل العمد، ويجب ذلك في ثلاث سنين؛ لأنه وجب بنفس القتل) ش: لا بالإقرار، وكل شيء يجب بنفس القتل تكون الدية في ثلاث سنين. م: (وإن رجم) ش: على بناء الفاعل معطوف على قوله فضرب عنقه، أي وإن رجم ذلك الرجل المذكور المشهود عليه بالزنا بعد قضاء القاضي بالرجم وفي لفظ " المبسوط " الرجم بالحجارة. ولفظ صاحب " الوجيز ": وإن كان هذا الرجل قتله رجما م: (ثم وجدوا) ش: أي الشهود م: (عبيدا فالدية على بيت المال؛ لأنه امتثل أمر الإمام فينقل فعله إليه) ش: أي نقل فعل هذا الذي رجعه إلى الإمام م: (ولو باشره) ش: الإمام الرجم م: (بنفسه يجب الدية في بيت المال لما ذكرنا) ش: عند قوله فيما مضى قبل، وزفه بقوله لأنه انتقل فعل الجلاد القاضي وهو عامل للمسلمين، فيجب الغرامة في مالهم. م: (وكذا هذا) ش: أي كذا حكم هذا، وأشار به إلى فعل الرجم م: (بخلاف ما إذا ضرب عنقه؛ لأنه لم يأتمر بأمره) ش: أي أمر الإمام؛ لأنه أمر بالرجم دون القتل، فلم ينتقل فعله إليه. م: (وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا وقالوا تعمدنا النظر) ش: أي إلى فرج الزاني والزانية م: (قبلت شهادتهم) ش: وبه قال الشافعي في المنصوص ومالك وأحمد - رحمهما الله، ولو قالوا تعمدنا النظر للتلذذ لا يقبل إجماعا. وفي " جامع السرخسي " قال بعض العلماء: لا تقبل شهادتهم، وبه قال الإصطخري من أصحاب الشافعي ﵀ لإقرارهم [....] على أنفسهم، إذ النظر إلى عورة الغير فسق م: (لأنه يباح النظر لهم ضرورة تحمل الشهادة) ش: لأنهم كلفوا على إقامة الشهادة على أنهم رأوه كالميل في المكحلة، والرشاء في البئر، والقلم في المحبرة. م: (فأشبه الطبيب والقابلة) ش: أي أشبه نظر شهود الزنا إلى فرج الزانية لضرورة في ذلك، كما ينظر الطبيب والقابلة إلى الفرج، وهذا لأن الطبيب يجوز أن ينظر موضع العورة لضرورة المداواة، وقال في " خلاصة الفتاوى ": لا يجوز النظر إلى العورة إلا عند الضرورة. وهي الاحتقان والحيان والمداواة والولادة والبكارة في البالغة والرد بالعيب، والمرأة في حق المرأة أولى، وإن لم يوجد ستر ما وراء موضع الضرورة.

стр. 3394

وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأنكر الإحصان وله امرأة قد ولدت منه فإنه يرجم، معناه أن ينكر الدخول بعد وجود سائر الشرائط؛ لأن الحكم بثبات النسب منه حكم بالدخول عليه، ولهذا لو طلقها يعقب الرجعة والإحصان يثبت بمثله. فإن لم تكن ولدت منه وشهد عليه بالإحصان رجل وامرأتان رجم، خلافا لزفر ﵀ والشافعي ﵀. فالشافعي ﵀ مر على أصله أن شهادتهن غير مقبولة في غير الأموال، وزفر ﵀ يقول: إنه شرط في معنى العلة؛ لأن الجناية تتغلظ عنده، فيضاف الحكم إليه، فأشبه حقيقة العلة، فلا تقبل شهادة النساء فيه احتيالا للدرء، فصار كما إذا شهد ذميان على ذمي زنى عبده المسلم أنه أعتقه قبل الزنا، فلا تقبل لما ذكرنا. ــ [البناية] [شهد أربعة على رجل بالزنا فأنكر الإحصان وله امرأة قد ولدت منه] م: (وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأنكر الإحصان وله امرأة قد ولدت منه فإنه يرجم. معناه أن ينكر الدخول بعد وجود سائر الشرائط) ش: أي شرائط الإحصان م: (لأن الحكم بثبات النسب منه حكم بالدخول عليه) ش: أي على الرجل م: (ولهذا) ش: أي ولأجل الحكم بالدخول عليه م: (لو طلقها يعقب الرجعة) ش: أي الطلاق تعقب الرجعة له أن يراجعها بعد الطلاق، والطلاق قبل الدخول لا يعقب الرجعة م: (والإحصان يثبت بمثله) ش: أي بمثل هذا الدليل الذي دل ظاهرا، وفيه شبهة. م: (فإن لم يكن ولدت منه وشهد عليه بالإحصان رجل وامرأتان رجم، خلافا لزفر والشافعي) ش: ومالك وأحمد ﵏ تعالى م: (فالشافعي ﵀ مر على أصله أن شهادتهن غير مقبولة في غير الأموال، وزفر يقول إنه) ش: أي الإحصان م: (شرط في معنى العلة) ش: فلا تقبل شهادة النساء فيه؛ لأن شهادة النساء لا مدخل لها في باب الحدود م: (لأن الجناية تتغلظ عنده) ش: بيانه أن علة حد الزنا هو الزنا، لكنه يتغلظ عند وجود الإحصان. ولهذا يجب الرجل الذمي هو أقطع العقوبات فكان الإحصان شرطا في معنى العلة، فلا تقبل شهادتهن على علة الحكم، فلا تقبل أيضا على شرطه وهو الإحصان؛ لأنه في معناها لتغلظ الجناية عنده، وهو معنى قوله لأن الجناية تتغلظ عنده، أي عند زفر أيضا م: (فيضاف الحكم إليه) ش: أي إلى الإحصان م: (فأشبه حقيقة العلة) ش: قال الأكمل: ترتب على ذلك أمران: أحدهما: ما ذكره في الكتاب، وهو قوله: م: (فلا تقبل شهادة النساء فيه) ش: حفيا لا للدرء أي لدفع الحد. والثاني: أن شهود الإحصان إذا رجعوا بعد الرجم يضمنون عنده؛ لأن شهود العلة يضمنون بالرجوع بالاتفاق. م: (فصار كما إذا شهد ذميان على ذمي زنى عبده المسلم أنه أعتقه قبل الزنا فلا تقبل) ش: يعني أن الزاني لو كان مملوكا لذمي، وهو مسلم فشهد شاهدان ذميان أنه، أي أن مولاه الذي أعتقه قبل الزنا لم يرجم م: (لما ذكرنا) ش: أي لأن الإحصان شرط في معنى بعلة.

стр. 3395

ولنا أن الإحصان عبارة عن الخصال الحميدة، وأنها مانعة من الزنا على ما ذكرنا، فلا يكون في معنى العلة، وصار كما إذا شهدوا به في غير هذه الحالة، بخلاف ما ذكر؛ لأن العتق يثبت بشهادتهما، وإنما لا يثبت بسبق التاريخ؛ لأنه ينكره المسلم أو يتضرر به المسلم، فإن رجع شهود الإحصان لا يضمنون عندنا، خلافا لزفر ﵀ وهو فرع ما تقدم ــ [البناية] م: (ولنا أن الإحصان عبارة عن الخصال الحميدة) ش: بعضها ليس في موضع كالحرية والعقل وبعضها فرض عليه كالإسلام، وبعضها مندوب إليه كالنكاح الصحيح والدخول بالمنكوحة م: (وإنها) ش: أي وإن الخصال الحميدة م: (مانعة من الزنا، فلا تكون في معنى العلة، وهذا كما إذا شهدوا به) ش: أي بالإحصان م: (في غير هذه الحالة) ش: أراد بهذه الحالة ما بعد الزنا. قال الأكمل ﵀: يعني لو شهد رجل وامرأتان أن فلانا تزوج هذه المرأة ودخل بها قبلت شهادتهم، فكذلك هاهنا. م: (بخلاف ما ذكر) ش: أي بخلاف ما ذكر زفر ﵀ بشهادة الذمية على ذمي أنه أعتق عبده قبل الزنا م: (لأن العتق يثبت بشهادتهما) ش: أي بشهادة الذميين م: (وإنما لا يثبت بسبق التاريخ) ش: يعني يثبت العتق، لكن لا يثبت سابقا على الزنا م: (لأنه ينكره المسلم) ش: أي لأن سبق التاريخ ينكر المسلم لا يثبت شهادة الكافر بل الذمية، ولأن المسلم يتصور سبق التاريخ من حيث تغليظ العقوبة عليه، فلا يجوز أن يتضرر المسلم بشهادة الكفار. كذا في " المبسوط " وهو معنى قوله م: (أو يتضرر به المسلم) ش: أما شهادة النساء في غير الحدود مقبولة وإن تضرر به المسلم. م: (فإن رجع شهود الإحصان لا يضمنون عندنا، خلافا لزفر ﵀) ش: والشافعي ﵀ في ضمان شهود الإحصان ثلاثة أوجه: أحدها: لا ضمان عليهم، وهو قولنا. والثاني: يحنث [....] وهو قول زفر ﵀. والثالث: إذا رجعوا مع الشهود على الزنا إن شهدوا بالإحصان قبل ثبوت الزنا لم يضمنوا، وإن شهدوا بعد ثبوت الزنا ضمنوا. وفي قدر ما يضمنون من الدية وجهان. وجه: يضمنون بضمان الدية، الثاني: ثلث الدية، كذا في " الحلية ". م: (وهو فرع ما تقدم) ش: أي عدم الضمان عليه شهود الإحصان عندنا إذا رجعوا ووجوب الضمان عند زفر ﵀ بيان على ما قلنا إنه في معنى العلة عنده، وشرط محصن عندنا لا يتعلق به الوجود، بل هو علامة معرفة حكم الزنا الصادر بعد. فروع: وفي الإحصان يكفي الشهود أن يقولوا أدخل بها زوجها. وقال محمد -رحمه

стр. 3396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الله لا بد أن يقولوا جامعها أو باضعها، كذا في التأمل. وكذا لو أنكر الإحصان بعد ثبوت الزنا فشهد أنه تزوج بامرأة ودخل بها ثبت إحصانه حتى يرجم، كما لو قال وطئها أو جامعها عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله، وبه قالت الثلاثة. وقال محمد: لا يثبت إحصانه فلا يرجم، كما لو شهد أنه أقر بها أو أتاها. ولو شهد أربعة أنه زنى بامرأة وأربعة أخرى مرة أخرى فرجم ورجع الفريقان ضمنوا ديته بالإجماع وحدوا للقذف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد: وقال محمد ﵀: لا يحدون، وبه قال الشافعي ﵀. ولو شهدوا على الزنا وأقره مرة به حد عند محمد ﵀ وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن البينة وقعت معتبرة، فلا تبطل بالإقرار، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله لا يحد، وهو الأصح. وإذا أقر أربع مرات لا يحد عندنا، خلافا للشافعي ومالك وأحمد - رحمهما الله، فإن عندهم يحد القاضي إذا أمر بالرجم أو بالجلد هل يسعى مع ممن لم يعاين الشهادة أو سبب وجوب الرجم أو الجلد، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله يسعى، وعند محمد لا يسعى لمن لم يشاءها، وأفتى فقهاؤنا وراءهم بقول محمد ﵀ لعلة الفساد على القضاء، فلا يؤمنون على الخصوص في الحدود التي تندرئ بالشبهات، وقد فصل بعض المشايخ في ذلك، فقال القضاة أربعة: عالم عادل، وهذا واجب الطاعة، فيجب الائتمار. وعادل: وهذا يسأل عن كيفية ثبوت ما ثبت عنده، فإذا أخبر بما يوافق الشرع قبل قوله وعمل به. وظالم عالم، وظالم جاهل. وهذان لا يقبل قولهما، ولا يلتفت إليهما. وقيل يسأل الثالث عن ثبوت الحكم عنده، فإن وافق مقتضى عمله عمل به، وإن ظهر فيه أنه ظلمه ترك.

стр. 3397

باب حد الشرب ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة أو جاءوا به سكران، فشهد الشهود عليه بذلك، فعليه الحد، وكذلك إذا أقر وريحها موجودة؛ لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد. والأصل فيه قوله ﵇: «ومن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه» . ــ [البناية] [باب حد الشرب] [حكم حد الشرب] (حد الشرب) ش: أي هذا باب في بيان حكم حد الشرب. قدم حد الزنا على الشرب لما أن دعاء الطبع إلى الزنا أكثر عند فرط الشبق، ولهذا ضربه أشد من ضرب الشرب. وفي الزنا قتل النفس، وفي شرب الخمر فوات العقل. وكأن العقل كالتابع للنفس، وأخرج القذف عن حد الشرب لأن الجريمة في الشارب دون القاذف، لأنه يحتمل أنه صدق في القذف بأن كان المقذوف زانيا، ولهذا كان حد القذف أحق من الجميع، وتأخير حد السرقة لما أنه شرع لصيانة الأموال، والمال تبع. م: (ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة) ش: أي والحال أن ريح الخمر موجودة في فيه م: (أو جاءوا به سكران) ش: أي جاءوا به إلى مجلس القاضي حال كونه سكران م: (فشهد الشهود عليه بذلك) ش: أي بشرب الخمر م: (فعليه الحد، وكذا إذا أقر) ش: أن يشرب الخمر م: (وريحها موجودة) ش: أي والحال أن ريحها موجودة في فيه، ذكره حين الريح بالتأنيث. لأن الريح من الأسماء المذكرة السماعية م: (لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد) ش: أي والحال أن العهد لم يتقادم في الحدود إلا في حد القذف مانع عن قبول الشهادة بالاتفاق على ما يأتي الآن. م: (والأصل فيه) ش: أي في هذا الباب م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «ومن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه» هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة ﵃ عن أبي هريرة ﵁، أخرج حديثه أصحاب السنن إلا الترمذي عن أبي سلمة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه» ، ورواه ابن حبان ﵀ في " صحيحه "، وقال معناه إذا استحل ولم يقبل التحريم، ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعن معاوية ﵁ أخرجوه إلا النسائي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه» . الحديث. وعن ابن عمر ﵄ أخرج حديثه أبو داود قال: قال رسول الله ﷺ نحوه، وقال في الخامسة «إن شربها فاقتلوه» ،

стр. 3398

فإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀. وقال محمد ﵀: يحد، وكذلك إذا شهدوا عليه بعدما ذهب ريحها عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله. وقال محمد ﵀ يحد، فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق، غير أنه مقدر بزمان عنده اعتبارا بحد الزنا، وهذا لأن التأخير يتحقق بمضي الزمان، والرائحة قد تكون من غيره كما قيل شعر: يقولون لي إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم لا, بل أكلت السفرجلا ــ [البناية] وعن قبيصة ابن ذؤيب أخرج حديثه أبو داواد عنه أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة» وفي صحبة قبيصة خلاف. وعن جابر أخرج حديثه النسائي مرفوعا: «من شرب الخمر فاجلدوه» . إلى آخره وعن عبد الله بن عمر وأخرج حديثه الحاكم في المستدرك مرفوعا نحوه. وعن جرير أخرج حديثه الحاكم أيضا مرفوعا نحوه. وعن ابن مسعود ﵁ أخرج حديثه الطبراني في " معجمه ". [أقر بعد ذهاب رائحة الخمرهل يحد] م: (فإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀. وقال محمد ﵀ يحد) ش: وبه قالت الثلاثة م: (وكذلك إذا شهدوا عليه بعدما ذهب ريحها عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ﵀ يحد، فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق، غير أنه مقدر بالزمان عنده) ش: أي عند محمد ﵀ م: (اعتبارا بحد الزنا) ش: فقدر بشهر؛ لأن ما دونه قريب. م: (وهذا) ش: بمعنى تقدير الزمان م: (لأن التأخير يتحقق بمضي الزمان) ش: ولا بد من تقدير زمان، أما إن ذلك بستة أشهر أو شهر واحد، فعلم في موضع آخر. م: (والرائحة قد تكون من غيره) ش: أي من غير شرب الخمر؛ م: كما قيل شعر: يقولون لي إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم لا, بل أكلت السفرجلا

стр. 3399

وعندهما يقدر بزوال الرائحة، لقول ابن مسعود ﵁ فيه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه ــ [البناية] ش: يروى الثبت بكلمة قد شربت، وهي رواية المطرزي في " المغرب "، وبدونها وهي رواية الفقهاء، فعلى الأول تسقط همزة الوصل من إنكه في اللفظ، وعن الثاني تحرك بالكسر بضرورة الشعر، ولا تسقط. ويجوز تحريك همزة الوصل في الجود والإنصاب. قوله إنكه بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الكاف وسكون الهاء، هو أمر من نكه ينكه بأمره بأن ينكه ليعلم أنه شارب هو أو غير شارب، وأصله من النكهة، وهي ريح الفم، ونكهته إذا قسمت شممت يحد. قال الجوهري: واستنكه الرجل نكهة في وجهين نكه ينكه نكها إذا أمره أن ينكه ليعلم أنه شارب أو غير شارب، وكلامه يدل على أنه يأتي من باب منع يمنع، ومن باب ضرب، وهو يتعدى ولا يتعدى، والمدامة اسم من أسماء الخمر. وقال الأترازي: والمدامة بمعنى المدام، وهو الخمر. قلت: لا يحتاج أن يقال بمعنى الخمر؛ لأن كليهما من أسماء الخمر. م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله م: (يقدر) ش: أي التقادم م: (بزوال الرائحة لقول ابن مسعود ﵁ فيه، فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه) ش: هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁ غريب بهذا اللفظ. وروى عبد الرزاق في " مصنفه " ففعلوا ثم عاد به من الغد ودعا بسوط ثم أمر بثمرته فدقت بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال: للجلاد اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أتى بسكران قال: ترتروه واستنكهوه ومزمزوه، ففعلوا ثم عاد به من العدو ودعا بسوط ثم أمر بخرقة فدقت بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه. قوله: ترتروه أمر من الترترة بتاءين مثناتين من فوق، وهي التحريك، وكذلك مزمزوه أمر من المزمزة بزاءين معجمتين، قال: صاحب " المغرب " الترترة التثلثة، والمزمزة التحريك الشديد. قوله استنكهوه، أمر من الاستنكاه، وهو طلب النكهة، وهي رائحة الفم، وقد مر الكلام فيه آنفا. وقال أبو عبيد ﵀ أنكر بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا بها الرد والإعراض، وعدم التقصي احتمال للدرء كما فعل رسول الله ﷺ -

стр. 3400

ولأن قيام الأثر من أقوى دلالة على القرب، وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره، والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل، وإنما يشتبه على الجهال، وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد ﵀ كما في حد الزنا على ما مر تقريره، وعندهما لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة؛ لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة ﵃، ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا ــ [البناية] حتى أقر ماعز، فكيف يأمر ابن مسعود ﵁ بالتثلثة والترترة والاستنكاه، حتى يظهر سكره، فلو صح فتأويله أنه جاء رجل مولع بالشرب مدمن، فاستجازه كذلك، انتهى. قلت: ليس في حديث ابن مسعود ﵁ أنه أتي به وهو مقر حتى يضعف هذا بذاك، وإنما أتى به وهو سكران، فقال: ترتروه إلى آخره ليعلم أنه سكران أم لا؟. م: (ولأن قيام الأثر) ش: أي أثر الخمر م: (من أقوى دلالة على القرب) ش: أي على قرب العهد م: (وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره) ش: أي اعتبار الأثر م: (والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل) ش: هذا جواب عن قوله والرائحة قد تكون من غيره م: (وإنما يشتبه) ش: أي الأثر م: (على الجهال) ش: بضم الجيم وتشديد الهاء جمع جاهل، وأراد بالجهال الذين لا يميزون الروائح م: (وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد كما في حد الزنا على ما مر تقريره) ش: أن الإنسان لا يكون متهما بالنسبة إلى نفسه. م: (وعندهما) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله م: (لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة؛ لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة، ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ وهو وقد شرط) ش: أي ابن مسعود م: (قيام الرائحة على ما روينا) ش: بمعنى قوله فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه. وقال الأكمل ﵀: فيه نظر؛ لأن الإجماع عقد على ثبوت حد الشرب باتفاق ابن مسعود. ولكن لا دليل على أن الشرط الذي شرطه ابن مسعود ﵁ وهو قيام الرائحة أجمع عليه الباقون. وأيضا كلام ابن مسعود ﵁ شرطية، والشرطية الوجود تقيد الوجود عند الوجود لا غير. وجواب الإمام فخر الإسلام: بأن العدم عند العدم ليس من مفهوم الشرط، بل انتفاء الجمع عليه مدفوع بما ذكرنا أولا. وأيضا ذكر في أول الباب أنه ثابت بقوله ﵊ من شرب الخمر فاجلدوه، انتهى كلامه. قلت: قوله ولا كذلك لا دليل على مجرد النفي، وهو لا ينافي الضمان الدليل قوله يقيد الوجوب عند الوجود لا غير، يعني لا يوجب العدم عند عدمه، فلهذا يجب الحد عند وجود
следующие страницы →