Полный текст (7 019 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الله لا بد أن يقولوا جامعها أو باضعها، كذا في التأمل.
وكذا لو أنكر الإحصان بعد ثبوت الزنا فشهد أنه تزوج بامرأة ودخل بها ثبت إحصانه حتى يرجم، كما لو قال وطئها أو جامعها عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله، وبه قالت الثلاثة. وقال محمد: لا يثبت إحصانه فلا يرجم، كما لو شهد أنه أقر بها أو أتاها.
ولو شهد أربعة أنه زنى بامرأة وأربعة أخرى مرة أخرى فرجم ورجع الفريقان ضمنوا ديته بالإجماع وحدوا للقذف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد: وقال محمد ﵀: لا يحدون، وبه قال الشافعي ﵀.
ولو شهدوا على الزنا وأقره مرة به حد عند محمد ﵀ وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن البينة وقعت معتبرة، فلا تبطل بالإقرار، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله لا يحد، وهو الأصح.
وإذا أقر أربع مرات لا يحد عندنا، خلافا للشافعي ومالك وأحمد - رحمهما الله، فإن عندهم يحد القاضي إذا أمر بالرجم أو بالجلد هل يسعى مع ممن لم يعاين الشهادة أو سبب وجوب الرجم أو الجلد، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله يسعى، وعند محمد لا يسعى لمن لم يشاءها، وأفتى فقهاؤنا وراءهم بقول محمد ﵀ لعلة الفساد على القضاء، فلا يؤمنون على الخصوص في الحدود التي تندرئ بالشبهات، وقد فصل بعض المشايخ في ذلك، فقال القضاة أربعة:
عالم عادل، وهذا واجب الطاعة، فيجب الائتمار.
وعادل: وهذا يسأل عن كيفية ثبوت ما ثبت عنده، فإذا أخبر بما يوافق الشرع قبل قوله وعمل به.
وظالم عالم، وظالم جاهل. وهذان لا يقبل قولهما، ولا يلتفت إليهما.
وقيل يسأل الثالث عن ثبوت الحكم عنده، فإن وافق مقتضى عمله عمل به، وإن ظهر فيه أنه ظلمه ترك.
стр. 3397
باب حد الشرب ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة أو جاءوا به سكران، فشهد الشهود عليه بذلك، فعليه الحد، وكذلك إذا أقر وريحها موجودة؛ لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد. والأصل فيه قوله ﵇: «ومن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه» .
ــ
[البناية]
[باب حد الشرب] [حكم حد الشرب]
(حد الشرب) ش: أي هذا باب في بيان حكم حد الشرب. قدم حد الزنا على الشرب لما أن دعاء الطبع إلى الزنا أكثر عند فرط الشبق، ولهذا ضربه أشد من ضرب الشرب. وفي الزنا قتل النفس، وفي شرب الخمر فوات العقل. وكأن العقل كالتابع للنفس، وأخرج القذف عن حد الشرب لأن الجريمة في الشارب دون القاذف، لأنه يحتمل أنه صدق في القذف بأن كان المقذوف زانيا، ولهذا كان حد القذف أحق من الجميع، وتأخير حد السرقة لما أنه شرع لصيانة الأموال، والمال تبع.
م: (ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة) ش: أي والحال أن ريح الخمر موجودة في فيه م: (أو جاءوا به سكران) ش: أي جاءوا به إلى مجلس القاضي حال كونه سكران م: (فشهد الشهود عليه بذلك) ش: أي بشرب الخمر م: (فعليه الحد، وكذا إذا أقر) ش: أن يشرب الخمر م: (وريحها موجودة) ش: أي والحال أن ريحها موجودة في فيه، ذكره حين الريح بالتأنيث. لأن الريح من الأسماء المذكرة السماعية م: (لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد) ش: أي والحال أن العهد لم يتقادم في الحدود إلا في حد القذف مانع عن قبول الشهادة بالاتفاق على ما يأتي الآن.
م: (والأصل فيه) ش: أي في هذا الباب م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «ومن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه» هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة ﵃ عن أبي هريرة ﵁، أخرج حديثه أصحاب السنن إلا الترمذي عن أبي سلمة عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه» ، ورواه ابن حبان ﵀ في " صحيحه "، وقال معناه إذا استحل ولم يقبل التحريم، ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وعن معاوية ﵁ أخرجوه إلا النسائي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه» . الحديث. وعن ابن عمر ﵄ أخرج حديثه أبو داود قال: قال رسول الله ﷺ نحوه، وقال في الخامسة «إن شربها فاقتلوه» ،
стр. 3398
فإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀. وقال محمد ﵀: يحد، وكذلك إذا شهدوا عليه بعدما ذهب ريحها عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله. وقال محمد ﵀ يحد، فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق، غير أنه مقدر بزمان عنده اعتبارا بحد الزنا، وهذا لأن التأخير يتحقق بمضي الزمان، والرائحة قد تكون من غيره كما قيل شعر:
يقولون لي إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم لا, بل أكلت السفرجلا
ــ
[البناية]
وعن قبيصة ابن ذؤيب أخرج حديثه أبو داواد عنه أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة» وفي صحبة قبيصة خلاف.
وعن جابر أخرج حديثه النسائي مرفوعا: «من شرب الخمر فاجلدوه» . إلى آخره وعن عبد الله بن عمر وأخرج حديثه الحاكم في المستدرك مرفوعا نحوه. وعن جرير أخرج حديثه الحاكم أيضا مرفوعا نحوه. وعن ابن مسعود ﵁ أخرج حديثه الطبراني في " معجمه ".
[أقر بعد ذهاب رائحة الخمرهل يحد]
م: (فإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀. وقال محمد ﵀ يحد) ش: وبه قالت الثلاثة م: (وكذلك إذا شهدوا عليه بعدما ذهب ريحها عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ﵀ يحد، فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق، غير أنه مقدر بالزمان عنده) ش: أي عند محمد ﵀ م: (اعتبارا بحد الزنا) ش: فقدر بشهر؛ لأن ما دونه قريب. م: (وهذا) ش: بمعنى تقدير الزمان م: (لأن التأخير يتحقق بمضي الزمان) ش: ولا بد من تقدير زمان، أما إن ذلك بستة أشهر أو شهر واحد، فعلم في موضع آخر.
م: (والرائحة قد تكون من غيره) ش: أي من غير شرب الخمر؛ م: كما قيل شعر:
يقولون لي إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم لا, بل أكلت السفرجلا
стр. 3399
وعندهما يقدر بزوال الرائحة، لقول ابن مسعود ﵁ فيه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه
ــ
[البناية]
ش: يروى الثبت بكلمة قد شربت، وهي رواية المطرزي في " المغرب "، وبدونها وهي رواية الفقهاء، فعلى الأول تسقط همزة الوصل من إنكه في اللفظ، وعن الثاني تحرك بالكسر بضرورة الشعر، ولا تسقط. ويجوز تحريك همزة الوصل في الجود والإنصاب.
قوله إنكه بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الكاف وسكون الهاء، هو أمر من نكه ينكه بأمره بأن ينكه ليعلم أنه شارب هو أو غير شارب، وأصله من النكهة، وهي ريح الفم، ونكهته إذا قسمت شممت يحد.
قال الجوهري: واستنكه الرجل نكهة في وجهين نكه ينكه نكها إذا أمره أن ينكه ليعلم أنه شارب أو غير شارب، وكلامه يدل على أنه يأتي من باب منع يمنع، ومن باب ضرب، وهو يتعدى ولا يتعدى، والمدامة اسم من أسماء الخمر. وقال الأترازي: والمدامة بمعنى المدام، وهو الخمر.
قلت: لا يحتاج أن يقال بمعنى الخمر؛ لأن كليهما من أسماء الخمر.
م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله م: (يقدر) ش: أي التقادم م: (بزوال الرائحة لقول ابن مسعود ﵁ فيه، فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه) ش: هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁ غريب بهذا اللفظ.
وروى عبد الرزاق في " مصنفه " ففعلوا ثم عاد به من الغد ودعا بسوط ثم أمر بثمرته فدقت بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال: للجلاد اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أتى بسكران قال: ترتروه واستنكهوه ومزمزوه، ففعلوا ثم عاد به من العدو ودعا بسوط ثم أمر بخرقة فدقت بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه.
قوله: ترتروه أمر من الترترة بتاءين مثناتين من فوق، وهي التحريك، وكذلك مزمزوه أمر من المزمزة بزاءين معجمتين، قال: صاحب " المغرب " الترترة التثلثة، والمزمزة التحريك الشديد. قوله استنكهوه، أمر من الاستنكاه، وهو طلب النكهة، وهي رائحة الفم، وقد مر الكلام فيه آنفا.
وقال أبو عبيد ﵀ أنكر بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا بها الرد والإعراض، وعدم التقصي احتمال للدرء كما فعل رسول الله ﷺ -
стр. 3400
ولأن قيام الأثر من أقوى دلالة على القرب، وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره، والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل، وإنما يشتبه على الجهال، وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد ﵀ كما في حد الزنا على ما مر تقريره، وعندهما لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة؛ لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة ﵃، ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا
ــ
[البناية]
حتى أقر ماعز، فكيف يأمر ابن مسعود ﵁ بالتثلثة والترترة والاستنكاه، حتى يظهر سكره، فلو صح فتأويله أنه جاء رجل مولع بالشرب مدمن، فاستجازه كذلك، انتهى.
قلت: ليس في حديث ابن مسعود ﵁ أنه أتي به وهو مقر حتى يضعف هذا بذاك، وإنما أتى به وهو سكران، فقال: ترتروه إلى آخره ليعلم أنه سكران أم لا؟.
م: (ولأن قيام الأثر) ش: أي أثر الخمر م: (من أقوى دلالة على القرب) ش: أي على قرب العهد م: (وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره) ش: أي اعتبار الأثر م: (والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل) ش: هذا جواب عن قوله والرائحة قد تكون من غيره م: (وإنما يشتبه) ش: أي الأثر م: (على الجهال) ش: بضم الجيم وتشديد الهاء جمع جاهل، وأراد بالجهال الذين لا يميزون الروائح م: (وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد كما في حد الزنا على ما مر تقريره) ش: أن الإنسان لا يكون متهما بالنسبة إلى نفسه.
م: (وعندهما) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله م: (لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة؛ لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة، ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ وهو وقد شرط) ش: أي ابن مسعود م: (قيام الرائحة على ما روينا) ش: بمعنى قوله فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه. وقال الأكمل ﵀: فيه نظر؛ لأن الإجماع عقد على ثبوت حد الشرب باتفاق ابن مسعود. ولكن لا دليل على أن الشرط الذي شرطه ابن مسعود ﵁ وهو قيام الرائحة أجمع عليه الباقون.
وأيضا كلام ابن مسعود ﵁ شرطية، والشرطية الوجود تقيد الوجود عند الوجود لا غير.
وجواب الإمام فخر الإسلام: بأن العدم عند العدم ليس من مفهوم الشرط، بل انتفاء الجمع عليه مدفوع بما ذكرنا أولا. وأيضا ذكر في أول الباب أنه ثابت بقوله ﵊ من شرب الخمر فاجلدوه، انتهى كلامه.
قلت: قوله ولا كذلك لا دليل على مجرد النفي، وهو لا ينافي الضمان الدليل قوله يقيد الوجوب عند الوجود لا غير، يعني لا يوجب العدم عند عدمه، فلهذا يجب الحد عند وجود
стр. 3401
فإن أخذها الشهود وريحها يوجد منه أو هو سكران، فذهبوا به من مصر إلى مصر فيه الإمام فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به حد في قولهم جميعا؛ لأن هذا عذر كبعد المسافة في حد الزنا والشاهد لا يتهم به في مثله.
و من سكر من النبيذ حد
ــ
[البناية]
الرائحة، ولا ينعدم عند عدمها.
قلت: عدم الحكم عند عدم الرائحة، باعتبار أن عدم الشرط أوجب عدم الحكم، بل لعدم الإجماع على الحد على ذلك التقدير؛ لأن إجماعهم لا يصح بدون رأي ابن مسعود ﵁، وهو لم ير الحد عند انقطاع الرائحة.
فإن قلت: إن لم يوجد الإجماع فقد وجد النص، وهو قوله ﵊ «من شرب الخمر فاجلدوه» وليس فيه اشتراط الرائحة.
قلت: قد خص منه الشرب اضطرارا أو إكراها، فتمكنت الشبهة، فلا يصح إيجاب الحرية قوله وهما متنافيين.
قلت: الحديث من قبل الآحاد، ولمثله لا يثبت الحد، والإجماع حجة قطعية، فيثبت به.
م: (فإن أخذه الشهود وريحها يوجد منه، أو هو سكران فذهبوا به من مصر إلى مصر فيه الإمام، فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به) ش: بهذا السكران، أي انقطع ريح الخمر قبل أن يشهد بهذا السكران إلى الإمام م: (حد في قولهم) ش: أي قول أئمتنا الثلاثة م: (جميعا) ش: يعني بلا خلاف بينهم؛ لأن زوال الرائحة بالعذر لا يضر، وفي " المحيط " كما لو زالت الرائحة بالمعالجة، والأصل فيه قوما شهدوا عند عثمان ﵁ على عقبة ﵀ بشرب الخمر وهو كان بالكوفة، فحمله عثمان إلى المدينة وأقام عليه الحد: م: (لأن هذا عذر كبعد المسافة في حد الزنا، والشاهد لا يتهم به في مثله) ش: يعني في صورة زوال الرائحة بالعذر.
[من سكر من النبيذ]
م: (ومن سكر من النبيذ حد) ش: النبيذ على وزن فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يعمل من الأشربة من التمر والنبيذ والعسل والحنطة والشعير والذرة والأرز، ونحو ذلك من نبذت التمر إذا ألقيت على غلبته الماء لتخرج على حلاوته البتة.
وسواء كان مسكرا أو غير مسكر، فإنه يقال له نبيذ، ويقال للمعتصر من العنب نبيذ الماء، يقال للنبيذ خمر وما يتخذ من الزبيب شيئان نقيع ونبيذ، فالنقيع أن ينقع الزبيب في الماء ويترك أياما لتخرج حلاوته إلى الماء، ثم يطبخ أدنى طبخة، فما دام حلوا يحل شربه، وإذا غلا واشتد وقذف بالزبد يحرم.
وأما النبيذ فهي التي من ماء الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة يحل به مادام حلوا، وإذا غلا واشتد وقذف الزبد عليه على قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله الآخر يحل شربه ما
стр. 3402
لما روي أن عمر ﵁ أقام الحد على أعرابي سكر من النبيذ، وسنبين الكلام في حد السكر ومقدار حده المستحق عليه إن شاء الله تعالى،
ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها ؛ لأن الرائحة محتملة
ــ
[البناية]
دون السكر.
وعند محمد والشافعي - رحمهما الله لا يحل وما يتخذ من التمر ثلاثة السكر والنضيخ والنبيذ، فالنبيذ هو ماء التمر إذا طبخ أدنى طبخة يحل شربه في قولهم ما دام حلوا وإذا غلا واشتد وقذف بالزبد، عن أبي حنيفة وأبي يوسف يحل شربه للتداوي والتقوي إلا المعدي السكر. وقال محمد والشافعي - رحمهما الله لا يحل. وإنما قال: ومن سكر من النبيذ قيد بالسكر فيه؛ لأنه شرط بخلاف الخمر.
فإنه يجب بشرب قطرة منها بدون السكر بالإجماع، والحد في غير الخمر لا يجب إلا بالسكر، وبه قال النخعي وأبو وائل.
وقال مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز ﵃ يحل في قليله وكثيره كالخمر والسكر ليس بشرب إذا كان هو المسكر.
م: (لما روي أن عمر ﵁ أقام الحد على أعرابي سكر من النبيذ) ش: هذا أخرجه الدارقطني في " سننه " عن سعيد بن ذي لعوة أن أعرابيا شرب من إداوة عمر ﵁ نبيذا فسكر فضربه عمر الحد، قال الدارقطني: هذا لا يثبت، ورواه العقيلي في كتابه وزاد فيه: فقال الأعرابي: إنما شربته من إداوتك، فقال عمر: إنما جلدناك على السكر، وأعله بسعيد بن ذي لعوة وهو مجهول.
قال: وأسند تضعيفه عن البخاري، وقال في " التنقيح ": سعيد هذا مجهول.
فإن قلت: قوله حد غير معلوم ما هو من حيث الكمية.
قلت: وعد بيانه بقوله م: (وسنبين الكلام في حد السكر ومقدار حده المستحق عليه إن شاء الله تعالى) ش: ويأتي بيانه في هذا الباب عن قريب.
[من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها]
م: (ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها) ش: أي تقيأ الخمر م: (لأن الرائحة) ش: قال الأترازي: يرد عليه تعليله هذا إشكال؛ لأنه قال قبل هذا والتمييز بين الروائح ممكن للمستدلة قطع الإجماع أن الاحتمال هنا سكر. ثم قال: وتكلف بعضهم في توجيه ذلك، فقال الاحتمال في نفس الروائح قبل الاستدلال والاحتمال، كمن لم يعاينه والتمييز بعد الاستدلال على وجه الاستقصار.
стр. 3403
وكذا الشرب قد يقع عن إكراه واضطرار. فلا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعا؛ لأن السكر من المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك
ــ
[البناية]
وقال أيضا: والتمييز ممكن لمن عاين الشرب والإكمال لمن لم يعاينه، وفيه نظر؛ لأن من عاين الشرب بنى الأمر على عيان وتعين لا على استدلال ويجيء.
وتخمين صاحب " الهداية " ثبت التمييز في صورة الاستدلال لا صورة العيان، فقد وقع. إذ كلام هذا الشارح عن [....] ، انتهى.
قلت: أراد بقوله وتكلف بعضهم فإنه كذا ذكره في شرحه والأكمل أيضا أخذ كلامه هذا، وذكره في شرحه وذكر الجوابين واستحسن الجواب الثاني. وقال في وجه حسنه لاشتماله على تغير تفسير المستدل.
فإنه يدل على أن المستدل هو من معه دليل، وهو معاينة الشرب، والجاهل هو من ليس معه ذلك، ثم قال: ويجوز أن يكون قوله لأن الرائحة م: (محتملة) ش: على مذهب محمد ﵀.
م: (وكذا الشرب قد يقع عن إكراه واضطرار) ش: على قولهما، فلا يلزم بشيء، وحديث عمر ﵁ حجة أيضا، فإنه لم يحده بوجود الرائحة، ولا يثبت بمثله الحد كالبنج ولبن الرماك، وبه قالت الثلاثة.
وفي " النهاية " وهو مخالف لما ذكر الإمام المحبوبي في " جامعه "، وعن أبي حنيفة ﵀ أن من زال عقله بالبنج إن علم أنه بنج فحينئذ لا يقع طلاقه وعتاقه، وإن لم يعلم يقع، ثم قال: والسكر من هذه الأشربة، وأشار إلى الأشربة المتخذة من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة والشهد والعسل والفرصاد وغيرهما حرام بالإجماع؛ لأن السكر من البنج حرام لأنه مأكول غير مشروب، فمن المشروب أول بعض المشايخ، قالوا في زماننا الفتوى على ما إذا سكر من البنج يقع طلاقه ويحد [....] لغو هذا الفصل فيما بين الناس.
م: (فلا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعا؛ لأن السكر من المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك) ش: هذا مخالف لما ذكره المحبوب من قوله؛ لأن السكر من البنج حرام مع أنه مأكول غير مشروب، وقد ذكرناه الآن بما فيه الكفاية.
وقال الأكمل: هذا ليس بصحيح؛ لأن رواية المحبوبي تدل على أن السكر الحاصل من البنج حرام لا على أن البنج حرام. وكلام المصنف يدل على أن البنج مباح، ولا يأتي بينهما، انتهى.
قلت: فيما قاله تقوية لمن يولع بالبنج، وفيه من الفساد مالا يخفى. وقال في أشربته
стр. 3404
وكذا شرب المكره لا يوجب الحد ولا يحد حتى يزول عنه السكر تحصيلا لمقصود الانزجار،
وحد الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطا لإجماع الصحابة ﵃ يفرق على بدنه، كما في حد الزنا على ما مر، ثم يجرد في المشهور من الرواية.
ــ
[البناية]
الخاصة وشرب البنج للتدواي، ولا بأس به فإن ذهبت بعقله لم يحل، وإن سكر منه لم يحد عندهما، خلافا لمحمد ﵀.
قلت: ينبغي اليوم أن يفتى بقول محمد ﵀ قطعا لمادة الفساد.
م:
[الإكراه يدرأ الحد]
(وكذا شرب المكره شرب المكره لا يوجب الحد) ش: لعدم اختياره م: (ولا يحد حتى يزول عنه السكر تحصيلا لمقصود الانزجار) . ش: لأنه إذا حد في حال السكر لا يجيء بألم الحد، حتى يؤيده ما روي عن عمر ﵁ أنه جلس سكران إلى حين يصح، فلما صح حده وبه قالت الأئمة الثلاثة.
م: (وحد الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطا) ش: أي حد الخمر كيف ما شربها قليلا كان أو كثيرا بعد أن كان عن طوع سكر أو لم ينكر بسكر، ولو شرب قطرة وحد السكر بضم السين، وفي غير الخمر ثمانون سوطا، والحد في الخمر غير موقوف على السكر بالإجماع، وفي غيرها من السكران موقوف على السكر عندنا، خلافا للأئمة الثلاثة على ما يجيء في الأشربة إن شاء الله تعالى م: (لإجماع الصحابة ﵃) ش: أي على الثمانين.
وروى البخاري في " صحيحه " من حديث السائب بن يزيد ﵁ وقال: كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر ﵁ وصدرا من خلافة عمر ﵁ فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر ﵁ فجلد أربعين، حتى إذ عتو وسقوا جلد ثمانين ولا ينكر أن عمر ﵁ جلد ثمانين بحضرة رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه أحد منهم فحمل الإجماع.
به قال مالك وأحمد - رحمهما الله في رواية واختارهم ابن المنذر ﵀. وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله في رواية أربعون، فلو ضرب قريبا من ذلك بأطراف الثياب والنعال. كفى على أصح الوجهين عنه ولو رأى الإمام أن يجلده ثمانين جاز على الظهر.
م: (يفرق على بدنه) ش: أي يفرق الثمانون على بدنه م: (كما في حد الزنا على ما مر) ش: في فصل كيفية الحد م: (ثم يجرد في المشهور من الرواية) ش: أي ثم يجرد المحدود عن ثيابه في جميع الحدود والتعزير إلا الإزار احترازا عن كشف العورة إلا حد القذف، فإنه يضرب، وعليه ثيابه إلا الحشو والفرو، فإن ذلك ينزع، وسيجيء بيانه في بابه إن شاء الله تعالى.
стр. 3405
وعن محمد ﵀ أنه لا يجرد إظهارا للتخفيف؛ لأنه لم يرد به نص، ووجه المشهور أنا أظهرنا التخفيف مرة، فلا يعتبر ثانيا،
وإن كان عبدا فحده أربعون سوطا؛ لأن الرق منصف على ما عرف ومن أقر بشرب الخمر والسكر
ــ
[البناية]
م: (وعن محمد ﵀ أنه لا يجرد إظهارا للتخفيف؛ لأنه لم يرد به نص) ش: أي لعدم ورود النص بذلك. وقال الأترازي ﵀: وقال بعضهم في شرحه، أي نص قاطع فيه نظر؛ لأنه لا حاجة إلى التقييد بالقطع؛ لأنه لم يرد بالتحرير نص أصلا في كتب الحديث.
قلت: أراد بقوله قال بعضهم الكاكي فإنه قال: لم يثبت بالنص؛ لأنه لم يرد به النص القاطع، كذا قيل، وهو أيضا به إلى غيره، وأما الأكمل فإنه قال: يرد به نص، أي بالحد نص قاطع أو بالتجريد نص، وبقول محمد ﵀ قالت الثلاثة.
م: (وجه المشهور) ش: أي من الرواية م: (أنا أظهرنا التخفيف مرة) ش: يعني من حيث العد، حيث لم يجعله مائة كما في الزنا م: (فلا يعتبر ثانيا) ش: من حيث الصفة بترك التجريد. وقال الأكمل فيه بحث من وجهين الأول أنه ليس لأحد المجتهدين التصرف في المقدرات الشرعية، والثاني أن الثمانين تغليظ لا تخفيف؛ لأنه روي أنهم ضربوا في زمان النبي ﷺ بالأكمام وبالأيدي وغير ذلك، ثم جلد أربعين، فالتقدير بعد ذلك تغليظ لا تخفيف.
والجواب أن قوله إنا أظهرنا للتخفيف، هذا كلام عن السلف المجتمعين، والتخفيف إنما هو باعتبار أن الله تعالى جاز له أن يقدر حد الشرب مائة كحد الزنا، إذ هو الفاعل المختار، وحيث لم ينص على مقدار معين كان تخفيفا منه، ولما جعله الصحابة ﵃ بحد من أظهر التخفيف، فلم يقدروا، انتهى.
وأما من أظهر التخفيف الذي كان ثانيا بترك التنصيص، وإليه أشار بقوله درءا لطائفة.
[حد العبد]
م: (وإن كان) ش: أي المحدود م: (عبدا فحده أربعون سوطا؛ لأن الرق) ش: أظهرنا التخفيف [ ... ] درءا لطائفة، وإن كان م: (أي المحدود التخفيف) ش: عبد يحده أربعون؛ لأن الرق م: (منصف على ما عرف) ش: في فصل كيفية الحد وإقامته. وقال الأترازي: على ما عرف، أي في أصول الفقه م: (ومن أقر بشرب الخمر والسكر) ش: بفتحتين هو بنقع التمر إذا غلا ولم يطبخ، كذا فسره الناطفي في " الأجناس " وقال في الخمر السكر كل شراب أسكر. وقال في " ديوان الأدب ": السكر خمر النبيذ. وقال في " المجمل " السكر شراب. وقال في " المغرب " السكر عصير الرطب، والمراد هنا ما ذكر الناطفي، وإنما خصه بالذكر مع أن الحكم سائر الأشربة كذلك، حيث يصح رجوعه؛ لأن السكر كان الغالب في بلادهم. قال الأترازي: ولا يروى السكر بضم السين؛ لأن شرب الخمر محال، اللهم إلا إذا قيل إنه معطوف على الشرب لا على الخمر، على أن معنى أقر بشرب الخمر أو أقر بالسكر فذلك صحيح من حيث العربية، لكن إلا
стр. 3406
ثم رجع لم يحد؛ لأنه خالص حق الله تعالى، ويثبت الشرب بشهادة شاهدين، ويثبت بالإقرار مرة واحدة. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يشترط الإقرار مرتين، وهو نظير الاختلاف في السرقة، وسنبينها هناك إن شاء الله تعالى.
م: ولا يقبل فيه شهادة النساء مع الرجال؛ لأن فيها شبهة البدلية وتهمة الضلال والنسيان.
ــ
[البناية]
السماع لم يقع إلا على الأول ولكن الإقرار بالسكر لا يخلو إما أن يكون بعد زوال السكر، أو حال السكر، فالأول لا يجوز للتقادم. والثاني أيضا لا يجوز؛ لأن السكر لا يحل يحد بإقرار وهي مسألة آخر الكتاب. ورأيت في نسخة العلامة البرهاني ﵀ بفتحتين. وكتب نسخة بخط شيخي وكتب على الحاشية، والرواية الصحيحة في الكتب السكر بفتح السين. ويروى بضم السين، ثم قال هكذا أفادني شيخي ﵀.
م: (ثم رجع لا يحد؛ لأنه خالص حق الله تعالى) ش: لأنه لا يكذب له في الرجوع، وهو خالص حق الله تعالى، فصار كالرجوع في الإقرار بالزنا م: (ويثبت الشرب بشهادة شاهدين، ويثبت بالإقرار مرة واحدة) ش: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وعامة أهل العلم.
م: (وعن أبي يوسف ﵀) ش: وهو قول زفر ﵀ م: (أنه يشترط الإقرار مرتين) ش: في مجلسين اعتبارا لعدم الإقرار بعد المشهود م: (وهو نظير الاختلاف في السرقة، وسنبينها هناك إن شاء الله تعالى) ش: أي سنبين هذه المسألة في السرقة إن شاء الله تعالى
[شهادة النساء في حد الشرب]
(ولا يقبل فيه) ش: أي في حد الشرب م: (شهادة النساء مع الرجال) ش: ولا نعلم فيه خلافا.
م: (لأن فيها) ش: أي في شهادة النساء مع الرجال م: (شبهة البدلية وتهمة الضلال والنسيان) ش: ذكر هذه الأشياء الثلاثة إشارة إلى ما في قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة الآية ٢٨٢) إلى قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، من رجالكم أي من أهل ملتكم.
أما شبهة البدلية، فلأن الله تعالى أثبت شهادتين مع الرجال عند عدم محض الرجال وما يكون عند عدم شيء آخر يكون كالبدل عنه، كما في التيمم والوضوء والماء.
قال: شبهة البدلية دون حقيقة البدلية؛ لأن شهادة النساء في المواضع التي جازت شهادتين يجوز من غير ضرورة العجز عن إشهاد الرجال، بخلاف سائر الأبدال. وأما تهمة الضلال فلأن الله تعالى قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة الآية ٢٨٢) أي: أن لا تصدق إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، أن لا تهتدي إحداهما للشهادة، ومن ضل الطريق إذا لم يهتد إليه، فتذكر الأخرى. وأما النسيان فيؤخذ من تذكير إحداهما الأخرى.
وفي التفسير: " الضلال ": النسيان، فالمعنى على هذا من أضل، أي تضل إحداهما الشهادة، أي تنسى فتذكرها الأخرى، فعلى هذا يكون قوله: والنسيان بالعطف على الضلال عطف تفسير، كذا قاله شيخي العلامة.
стр. 3407
والسكران الذي يحد هو الذي لا يعقل منطقا لا قليلا ولا كثيرا، ولا يعقل الرجل من المرأة، وقال العبد الضعيف: وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: هو الذي يهذي ويختلط كلامه؛ لأنه هو السكران في العرف، وإليه مال أكثر المشايخ ﵏.
ــ
[البناية]
فإذا كان كذلك صارت البدلية والنسيان شبهة، فلم يسمع شهادتين في باب الحدود؛ لأنها تندرئ بالشبهات كالشهادة لا تسمع في باب الحدود، يؤيده ما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في باب الحدود والقصاص.
[صفة السكران الذي يحد]
م: (والسكران الذي يحد هو الذي لا يعقل منطقا) ش: قال الجوهري: المنطق الكلام، وقد نطق منطقا وأنطقه غيره م: (لا قليلا ولا كثيرا) ش: أي: لا منطقا قليلا ولا منطقا كثيرا م: (ولا يعقل الرجل من المرأة) ش: وفي الفوائد الظهيرية: ولا يعرف الأرض من السماء.
م: (وقال العبد الضعيف) ش: أي المصنف ﵀ م: (وهذا) ش: أي المذكور في حد السكران م: (عند أبي حنيفة ﵀) ش: إنما بين الخلاف بقوله لأن المذكور أولا من مسائل " الجامع الصغير " ولم يذكر فيه الخلاف.
م: (وقالا) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (هو) ش: أي السكران م: (الذي يهذي) ش: بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الذال المعجمة. قال الجوهري: هذا في منطقه يهذي ويهذو هذوا وهذيا. قلت: الهذيان كلام محيط مختلط من غير أن يفيد شيئا م: (ويخلط كلامه) ش: يصلح أن يكون تفسيرا مميزا لقوله: يهذي م: (لأنه) ش: أي لأن الهذي يهذي ويخلط كلامه م: (هو السكران في العرف) ش: أي في عرف الناس وعادتهم، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك وأبو ثور ﵏. وإن كان نصف كلامه هذيانا، ونصفه مستقيما فليس بسكران م: (وإليه) ش: أي إلى قولهما م: (مال أكثر المشايخ ﵏) ش: كذا في " المبسوط " واختاره للفتوى.
وعن بشر بن الوليد ﵁: سألت أبا يوسف: من السكران الذي عليه الحد؟ قال: يستقرأ أن يقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ولا يقدر عليه.
فقلت له: غير هذه السورة، وربما أخطأ فيه الصاحي، قال: لأن الله تعالى بين الذي عجز عن قراءة هذه السورة سكران؛ لأن واحد من الصحابة صلى بالناس قبل تحريم الخمر وكان سكران، وقرأ هذه السورة، بخلاف ما أنزلت، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] (النساء: الآية ٤٣) ، فثبت أنه إذا عجز عن قراءة هذه السورة عرف أنه سكران.
كذا ذكره الفقيه أبو الليث ﵀، يدل عليه ما حدثه الترمذي ﵀ في " جامعه " بإسناده إلى [أبي سلمة بن] عبد الرحمن السلمي «عن علي بن أبي طالب رضي الله
стр. 3408
وله أنه يؤخذ في أسباب الحدود بأقصاها درءا للحد، ونهاية السكر أن يغلب السرور على العقل فيسلبه التمييز بين شيء وشيء وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو، والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالاه بالإجماع أخذا بالاحتياط.
ــ
[البناية]
عنه - قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ونحن نعبد ما تعبدون. قال فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] » (النساء: الآية٤٣) .
وقال الكاكي: وحكي أن أئمة بلخ اتفقوا على استقراء هذه السورة، ثم إن بعض الشرطة أتى بسكران إلى أمير بلخ، فأمر الأمير أن يقرأ هذه السورة، فقال السكران له: اقرأ أنت سورة الفاتحة، فلما قال الأمير: الحمد لله، قال السكران: قف أخطأت من وجهين.
أحدهما: أنك تركت التعوذ عند افتتاح القراءة.
والثاني: تركت التسمية وهي آية من أول الفاتحة عند بعض الأئمة والقراء، فخجل الأمير وجعل يضرب الشرطي ويقول له: أمرتك أن تأتيني بسكران فأتيتني بمقرئ بلخ.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة م: (أنه يؤخذ في أسباب الحدود بأقصاها درءا للحد) ش: أي دفعا له، ألا ترى أن في الزنا يعتبر المخالطة كالميل في المكحلة، وفي السرقة يعتبر الأخذ من الحرز التام فكذا هنا اعتبر أقصى غايات السكر، وهو أن يبلغ مبلغا لا يعرف الأرض من السماء والرجل من المرأة.
وإذا لم يبلغ هذا المبلغ في غير الخمر من سائر الأشربة المحرمة لا يحد؛ لأن السكر تناقص في النقصان شبهة العدم، بخلاف الخمر حيث لم يشترط فيها السكر أصلا؛ لأن حرمتها غليظة قطعية؛ لأنها اجتهادية.
م: (ونهاية السكر أن يغلب السرور على العقل، فيسلبه التمييز بين شيء وشيء وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو) ش: يعني إذا كان يميز بين الأشياء، عرفنا أنه مستعمل لعقله مع غاية من السرور، فلا يكون ذلك نهاية في السرور وفي النقصان شبهة العدم، والحدود تندرئ بالشبهات بالزمان.
م: (والمعتبر في القدح المسكر) ش: يعني في الأشربة المحرمة غير الخمر المعتبر في القدح الذي يحصل به السكر م: (في حق الحرمة ما قالاه) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - هو الذي يهذي ويخلط كلامه.
حاصل الكلام المبلغ في السكر هو الذي قالاه، وأشار بقوله م: (بالإجماع أخذا) ش: أي أن
стр. 3409
والشافعي ﵀ يعتبر ظهور أثره في مشيته وحركاته وأطرافه وهذا مما يتفاوت، فلا معنى لاعتباره، ولا يحد السكران بإقراره على نفسه لزيادة احتمال الكذب في إقراره، فيحتال لدرئه؛ لأنه خالص حق الله تعالى، بخلاف حد القذف؛ لأن فيه حق العبد، والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه، كما في سائر تصرفاته، ولو ارتد السكران لا تبين منه امرأته؛ لأن الكفر من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله وفي ظاهر الرواية تكون ردة، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
أبا حنيفة درأ الحد م: (بالاحتياط) ش: فاعتبر في إيجاب الحد النهاية، إذ الاحتياط في الدرء واعتبر في حق الشرب ما قالاه؛ لأن الاحتياط فيه م: (والشافعي ﵀ يعتبر) ش: يعني السكر م: (ظهور أثره) ش: أي أثر المسكر م: (في مشيته) ش: بكسر الميم م: (وحركته وأطرافه) ش: أي في يديه ورجليه. وقال الأترازي وصاحب " الهداية " في هذا الكلام فخر الإسلام البزدوي قال في شرح " الجامع الصغير " إذا ظهر أثره في مشيته وأطرافه وحركاته فهو السكران. ولنا فيه نظر؛ لأن الشافعي ﵀ يوجب الحد في شرب النبيذ المسكر به جنسه، وإن قيل: وهو المذكور في كتبهم، ولا يعتبر السكر أصلا.
م: (وهذا) ش: أي الذي قال الشافعي ﵀ م: (مما يتفاوت) ش: لأن كم من صاح يتمايل ويلزق في مشيته، وكم من سكران ثابت في مشيته ولا يتمايل م: (فلا معنى لاعتباره) ش: أي لاعتبار ما قاله؛ لأنه لا يكون دليلا م: (ولا يحد السكران بإقراره على نفسه) ش: يعني بالحدود الخالصة حقا له تعالى، نحو حد الزنا والشرب والسرقة م: (لزيادة احتمال الكذب في إقراره) ش: لأن الإقرار خبر محتمل الكذب. فإذا صدر من سكران فهذا زيادة احتمال كذبه، فإذا كان كذلك م: (فيحتال لدرئه) ش: لأن الحدود يحتال لدرئها لا لإثباتها م: (لأنه خالص حق الله تعالى) ش: إلا أنه يضمن المروق؛ لأنه حق العبد.
م: (بخلاف حد القذف؛ لأن فيه حق العبد) ش: إلا أنه يحد حد القذف إذا صح م: (والسكران فيه) ش: أي في حق العبد م: (كالصاحي عقوبة عليه، كما في سائر تصرفاته) ش: كالقصاص أقر على نفسه أو بطلاق أو بعتاق صح إقراره.
م: (ولو ارتد السكران لا تبين منه امرأته) ش: في الاستحسان وفي القياس تبين كذا في " المبسوط " م: (لأن الكفر من باب الاعتقاد فلا يتحقق) ش: الاعتقاد م: (مع السكر، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله، وفي ظاهر الرواية: تكون ردة) ش: لأن كلامه هذا هذيان لا إقرار له والله أعلم بالصواب.
стр. 3410
باب حد القذف وإذا قذف الرجل رجلا محصنا أو امرأة محصنة بصريح الزنا وطالب المقذوف بالحد حده الحاكم ثمانين سوطا إن كان حرا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] إلى أن قال: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) ، والمراد الرمي بالزنا بالإجماع
ــ
[البناية]
[باب حد القذف] [قذف الرجل رجلا محصنا أو امرأة]
م: (باب حد القذف) ش: أي هذا باب في بيان حكم حد القذف، وهو في اللغة: الرمي، وفي اصطلاح الفقهاء: نسبة من أحصن إلى الزنا صريحا أو دلالة، فكأن القاذف وضع حجر القذف في مقدمة لسانه ورمى إلى المقذوف، والقذف من الكبائر بإجماع الأئمة، لقوله ﷺ : «اجتنبوا الموبقات، قيل: ما هن يا رسول الله ﷺ ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرمها الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» متفق عليه.
م: (وإذا قذف الرجل رجلا محصنا أو امرأة) ش: أي أو قذف امرأة م: (محصنة بصريح الزنا) ش: بأن قال المحصن: يا زاني، والمحصنة: يا زانية، أو قال: يا ولد الزنا، أو يا ابن الزنا، أو لست لأبيك وأمه حرة مسلمة م: (وطالب المقذوف بالحد) ش: أي طالب المقذوف القاذف عند الحاكم م: (حده الحاكم ثمانين سوطا إن كان حرا) ش: هذا مشتمل على قيود:
الأول: وجود الحد بالقدف، سواء كان القاذف رجلا أو امرأة.
الثاني: أن يكون القاذف من أهل العقوبة، وإلا فلا حد عليه كالصبي والمجنون.
الثالث: التقييد بصريح الزنا؛ لأن حد القذف لا يجب بالكتابة، حتى لو قال رجل لرجل: يا زاني، فقال رجل آخر: صدقت لم يحد المصدق، لأنه ما صرح بنسبته إلى الزنا بتصديقه إياه.
الرابع: أن يطالب المقذوف والأقذف ترك حقه، فلا يستوي الحد حينئذ.
الخامس: قيد بالحر؛ لأن القاذف إذا كان عبدا فحده أربعون على ما يأتي.
السادس: قيد الرجل ثمانين في الحر؛ لأن ذلك منصوص في الآية.
السابع: الشرط كون المقذوف محصنا على ما يأتي.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] إلى أن قال: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) (والمراد الرمي بالزنا بالإجماع) ش: أي بإجماع العلماء. قال الأكمل ﵀ ملخصا من كلام صاحب " النهاية " واعترض أن التقييد بصريح الزنا غير مقيد لمتحققه بدونه، بأن قال: لست لأبيك، وكان القياس أن لا يجب المطالبة؛ لأن حق الله فيه غالب، والمغلوب في مقابلته كالمستهلك وحيث فليست مطالبة المقذوف بلازمة، فإن ابنه إذا طالبه حد.
стр. 3411
وفي النص إشارة إليه وهو اشتراط أربعة من الشهداء، إذ هو مختص بالزنا، ويشترط مطالبة المقذوف لأن فيه حقه من حيث دفع العار وإحصان المقذوف لما تلونا. قال:
ويفرق على أعضائه لما مر في حد الزنا، ولا يجرد من ثيابه؛ لأن سببه غير مقطوع به، فلا يقام على الشدة بخلاف حد الزنا
ــ
[البناية]
والجواب: أنه إذا قذفه بصريح ووجد الشروط وجب الحد لا محالة، فتلك قضية صادقة، وأما إذا قذفه بنفي النسب لا يجب فليس لأن التقييد لإخراج ما كان فيه بطريق الكناية. مثل أن يقول: يا زاني، فقال الآخر: صدقت، لا لآخر لما ذكرت وحق العبد، وإن كان مغلوبا لكن يصلح اشتراط مطالبته احتيالا للدرء، وابن المقذوف وإنما يقدر على المطالبة لقيامه مقام المقذوف، ولهذا لم يكن له حق المطالبة إلا إذا كان المقذوف ميتا ليتحقق قيامه مقامه من كل وجه.
م: (وفي النص إشارة إليه) ش: أي إلى الرمي بالزنا م: (وهو اشتراط أربعة من الشهداء) ش: حيث قال: فإن لم يأتوا بالشهداء م: (إذ هو مختص بالزنا) ش: الضمير في إذ هو يرجع إلى اشتراط الأربعة، معناه أن الزنا هو المختص بأربعة شهداء.
م: (ويشترط مطالبة المقذوف؛ لأن فيه حقه من حيث دفع العار) ش: صورة المطالبة أن يقول: هذا قذفني وأن لي عليه حد القذف فأنه أطالبه بذلك. وسأل تاج الشريعة ﵀ بأن الغلبة فيه لحق أبيه، فلا يشترط الطلب.
قلت: الجواب قد مر آنفا من كلام صاحب " النهابة " و " الهداية " م: (وإحصان المقذوف) ش: أي يشترط إحصان المقذوف م: (لما تلونا) ش: إشارة إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) .
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في " مختصره " م:
[حد العبد القاذف]
(ويفرق على أعضائه) ش: أي يفرق الضرب على أعضاء القاذف م: (لما مر في حد الزنا) ش: أن الجمع في عضو واحد قد يفضي إلى التلف وإنما يفرق على الأعضاء ما خلا الوجه والرأس والفرج م: (ولا يجرد من ثيابه) ش: هذا أيضا لفظ القدوري م: (لأن نسبه) ش: أي سبب الحد وهو القذف م: (غير مقطوع به) ش: لاحتمال كون القاذف صادقا في القذف في الواقع، وإن كان عاجزا عن إقامة البينة على ما قذف، لاشتراط أمور في الشهادة على زنا المقذوف.
فلما يتهيأ للشهود تحقيق ذلك عند القاضي، فلما جرى في القذف احتمال الصدق لم يجرد من ثيابه طلبا للخفة في إقامة الحد، وهو معنى م: (فلا يقام على الشدة، بخلاف حد الزنا) ش: سببه مقطوع به لثبوته بالبينة أو بالإقرار، فيجرد الذي يقام عليه الحد، إلا الإزار توقيا عن كشف العورة، فيقام على الشدة، إلا شارب الخمر فإنه لا يجرد وقد مر.
стр. 3412
غير أنه ينزع عنه الفرو، والحشو؛ لأن ذلك يمنع إيصال الألم به، وإن كان القاذف عبدا جلد أربعين سوطا لمكان الرق. والإحصان أن يكون المقذوف حرا عاقلا بالغا مسلما عفيفا عن فعل الزنا أما الحرية فلأنه ينطلق عليه اسم الإحصان، قال الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] (النساء: الآية ٢٥) أي الحرائر.
ــ
[البناية]
م: (غير أنه ينزع عنه الفرو والحشو؛ لأن ذلك) ش: أي الفرو والحشو م: (يمنع إيصال الألم به) ش: أي بالمحدود م: (وإن كان القاذف عبدا جلد أربعين سوطا لمكان الرق) ش: وقد مر أي الرق منصف م: (والإحصان) ش: شرع في بيان شروط الإحصان، وهي خمسة: فبينها بقوله: م: (أن يكون المقذوف حرا عاقلا بالغا مسلما عفيفا عن فعل الزنا) ش: هذا باتفاق العلماء إلا ما روي عن داود الظاهري ﵀ أنه أوجب الحد على قاذف العبد.
وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى -رحمهما الله - يجب أن يحد بقذف الذمية التي لها ولد مسلم. وعن أحمد في رواية: لا يشترط البلوغ، بل يشترط بحيث أن يكون بجامع، وفي الأصح: يشترط كالعلامة.
قوله: والإحصان إلى قوله: عن فعل الزنا لفظ القدوري في " مختصره "
وشرع المصنف في تبيين كل ذلك بدلائله فقال: م: (وأما الحرية فلأنه ينطلق عليه اسم الإحصان قال الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] (النساء: الآية ٢٥) أي الحرائر) ش: يعني إن شاء الله تعالى، أراد بقوله: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، الحرائر لا الإماء، فدل على أن الرقيق ليس بمحصن.
وقال تاج الشريعة: فإن قلت: قال الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] والمراد منه الإماء.
قلت: الإحصان يذكر ويراد منه الحرائر فشرطنا الحرية احتيالا للدرء.
وقال الكاكي: فإن قيل: المحصنات جاءت في القرآن بأربع معان:
أحدهما: بمعنى العفائف.
والثاني: بمعنى الحرائر.
والثالث: بمعنى الزوجات ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
والرابع: بمعنى الإسلام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قال ابن مسعود ﵁: إحصانها إسلامها، فيمكن أن يكون العبد محصنا بجهة، وغير محصن بجهة، فكيف يلزم أن يكون الحرية شرط الإحصان في القذف، قلنا: لما لم يكن العبد محصنا من وجه لم يدخل تحت الآية لقصوره فيه، وعليه أجمع الفقهاء.
стр. 3413
والعقل والبلوغ؛ لأن العار لا يلحق بالصبي والمجنون لعدم تحقق فعل الزنا منهما. والإسلام لقوله ﵇: من أشرك بالله فليس بمحصن. والعفة؛ لأن غير العفيف لا يلحقه العار، وكذا القاذف صادق فيه.
ومن نفى نسب غيره وقال: لست لأبيك فإنه يحد، وهذا إذا كانت أمه حرة مسلمة لأنه في الحقيقة قذف لأمه؛ لأن النسب إنما ينفى عن الزاني لا عن غيره
ــ
[البناية]
[شروط الإحصان]
م: (والعقل والبلوغ؛ لأن العار لا يلحق بالصبي، والمجنون لعدم تحقق فعل الزنا منهما) ش: أي من الصبي والمجنون، وبقولنا قال الشافعي وأحمد ومالك ﵏، إلا أن مالكا قال في المحصنة التي يجامع مثلها تحد [ ... ] وإن لم تكن محصنة.
فإن قيل: لو لم يتحقق قبل الزنا منهما، فينبغي أن يجب الحد، على قاذف المجنون زنى حالة جنونه ولا يحد، وإن قذفه بعد قاذفه.
أجيب: بأن معنى قوله لعدم تحقق فعل الزنا منهما الزنا الذي يأثم صاحبه ولم يتحقق الزنا الموجب للإثم لعدم الخطاب.
وأما الوطء الذي هو غير مملوك قد يتحقق منهما، وبالنظر إلى هذا كان القاذف صادقا قذفه، فلا يجب الحد على القاذف، ولا على المقذوف كمن قذف رجلا وطئ الشبهة أو وطئ جاريته المشتركة بينه وبين غيره.
م: (والإسلام) ش: وأما شرط الإسلام م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : «من أشرك بالله فليس بمحصن» هذا الحديث قد تقدم في حد الزنا، رواه إسحاق بن راهويه بإسناده عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ومر الكلام فيه هناك.
م: (والعفة) ش: أي وأما اشترط العفة عن فعل الزنا م: (لأن غير العفيف لا يلحقه العار) ش: بالنسبة إلى الزنا: (وكذا القاذف الصادق فيه) ش: فلا يحد.
[نفى نسب غيره وقال لست لأبيك]
م: (ومن نفى نسب غيره، وقال: لست لأبيك فإنه يحد) ش: لأن معناه: أمك زانية، أو زنت فولدتك من الزنا، فلما كان هذا في الحقيقة قذفا للأم يشترط أن الأم محصنة حتى يحد القاذف، وإلا فلا، وهذا معنى قوله.
م: (وهذا) ش: أي وجود الحد م: (إذا كانت أمه حرة مسلمة؛ لأنه في الحقيقة) ش: أي في نفس الأمر هذا م: (قذف لأمه؛ لأن النسب إنما ينفى عن الزاني لا عن غيره) ش: تقريره أن فرض المسألة فيما إذا كان أبوه وأمه معروفين، ونسبه من الأم ثابت بيقين، وخفاه عن الأب المعروف، فكان دليلا بأنه زنى بأمه، وفي ذلك قذف لأمه لا محالة.
وقال الكاكي ﵀: وفي قوله: هذا قذف لأمه بالزنا فكأنه قال: أمك زانية؛ لأنه متى لم يكن من غير أبيه ضرورة، ولا نكاح لغير أبيه، فكان في نفس من أمه إلى الزنا ضرورة.
стр. 3414
ومن قال لغيره في غضب: لست بابن فلان لأبيه الذي يدعى له يحد، ولو قال في غير غضب: لا يحد؛ لأن عند الغضب يراد به حقيقة سبا له، وفي غيره يراد به المعاتبة بنفي مشابهته إياه في أسباب المروءة. ولو قال: لست بابن فلان يعني جده لم يحد؛ لأنه صادق في كلامه
ــ
[البناية]
فإن قيل: جاز أن لا يكون ثابت النسب من أبيه، ولا يكون ثابت وأمه زانية بأن كانت موطوءة بشبهة.
قلنا: إذا وطئت بشبهة كان الولد ثابت النسب من إنسان، وإنما لا يكون ثابت النسب من الأب إذا كانت هي زانية فعرف أنه بهذا اللفظ قاذف لأمه، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏، إلا أن مالكا لا يشترط كون أمه وأبيه مسلمين حرين، بل يشترط نفي الإحصان، وبه قال أحمد ﵀ في روايته، وفي " المبسوط ": وجوب الحد هاهنا بطريق الاستحسان لا القياس، وفي القياس: لا يجب إذا تركنا كالقيام بأثر ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا يحد في قذف محصنة أو نفي رجل عن أبيه.
فإن قلت: هذا كله إذا قال: لست لأبيك، فإذا قال: لست لأمك ما حكمه.
قلت: لا يحد، وبه صرح في " التحفة " لأنه صدق لأن النسب إلى الآباء لا إلى الأمهات. وقال الأترازي: يشترط في قوله ليست أن يكون على سبيل الغضب الباب، وإن كان في غير غضب فلا حد بدليل المسألة التي تلي هذه.
م: (من قال لغيره في غضب لست بابن فلان لأبيه الذي يدعى له) ش: وفي بعض النسخ يدعى إليه م: (يحد، ولو قال في غير غضب لا يحد؛ لأن عند الغضب يراد به حقيقة سبا له) ش: أي شتما له فيحد؛ لأنه يصير قاذفا لأمه م: (وفي غيره) ش: أي في غير غضب م: (يراد به المعاتبة بنفي مشابهته إياه) ش: وفي بعض النسخ أباه بالباء الموحدة م: (في أسباب المروءة) ش: منها الأخلاق الجميلة، وعن المعاشرة مع الأصحاب وإظهار الكرم.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه وبين قوله في حالة الغضب أو غيرهما لست بابن فلان ولا ابن فلانة، وهي أمه التي يدعى لها حيث لا يكون قذفا، مع أن القذف يراد بهذا اللفظ.
أجيب: بأن قوله ولا ابن فلانة، يعني أن أمه وإنما ينتفي منها بانتفاء الولادة، وكان نفيا للولاة ونفي الولادة نفي للوطء، ونفي الوطء نفي الزنا، بخلاف ما إذا لم يصل لك بمعنى، ولا ابن فلانة نفي من الوالد وولادة الولد ثابتة من أمه، فصار كأنه قال أنت ولد الزنا، كذا في " الذخيرة ".
م: (ولو قال لست بابن فلان يعني جده) ش: يعني أراد به جده لا أباه م: (لم يحد؛ لأنه صادق في كلامه) ش: لأنه في الحقيقة ابن أبيه لا جده.
стр. 3415
ولو نسبه إلى جده لا يحد أيضا؛ لأنه قد ينسب إليه مجازا.
ولو قال له: يا ابن الزانية وأمه ميتة محصنة، فطالب الابن بحده حد القاذف؛ لأنه قذف محصنة بعد موتها ، ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، وهو الوالد والولد؛ لأن العار يلتحق به لمكان الجزئية، فيكون القذف متناولا له معنى. وعن الشافعي ﵀ يثبت حق المطالبة لكل وارث؛ لأن حد القذف يورث عنده على ما نبين
ــ
[البناية]
م: (ولو نسبه إلى جده لا يحد أيضا؛ لأنه قد ينسب إليه مجازا) ش: قال الله تعالى ﴿يابني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦] ولمالك ﵀ في الحدود روايتان، إلا أن يتهم جده بأمه أو أراد المسألة ويجب الحد رواية واحدة.
[قذف محصنة بعد موتها]
م: (ولو قال له يا ابن الزانية وأمه) ش: أي والحال أن أمه م: (ميتة محصنة، فطالب الابن بحده حد القاذف؛ لأنه قذف محصنة بعد موتها) ش: والموت لا يزيد الإحصان بل يؤكده، وإنما قيد بكون الأم محصنة؛ لأن الحد لا يجب على قاذف غير محصن؛ لأن الله تعالى شرط الإحصان بالأبد، ثم الإحصان يثبت بإقرار القاذف أو بالبينة على المقذوف، والبينة رجلان أو رجل وامرأتان عندنا خلافا لزفر.
فإنه يشترط رجلين، فإن أنكر القاذف عن البينة لا يستحق القاذف، فالقول قوله؛ لأن الظاهر يصلح للدفع لا للاستحقاق، فلا يثبت إحصانها بالظاهر، وإنما كانت المطالبة بالحد إلى الابن؛ لأن القذف بعد الموت ألحق الشتم بالابن، فكان حق المطالبة له لدفع العار عن نفسه.
م: (ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح) ش: أي الطعن م: (في نسبه بقذفه، وهو الوالد والولد) ش: وقال الفقيه أبو الليث ﵀ يعني الوالد والجد وإن علا، وولد الولد وإن سفل؛ لأن الجد يسمى أبا وولد الولد يسمى ابنا، وليس للأخ والأخت والعم بأن يأخذوا بالحد م: (لأن العار يلتحق به) ش: أي بكل واحد من الوالد والولد م: (لمكان الجزئية فيكون القذف متناولا له معنى) ش: أي من حيث المعنى ورد بأن التعليل بالحرية غير صحيح لتخلف الحكم عنها وإذا كان المقذوف حيا غائبا.
فإنه ليس لأحد أن يأخذ بحده إذ ذاك. وأجيب بأن الأصل في الباب هو القذف لا محالة وغيره ممن بينه وبين حريته يقوم مقامه. وإنما يقوم الشيء مقام غيره إذا وقع اليأس عن الأصل، وإنما يقع اليأس بموته فلا يقوم غير مقامه قبل موته.
م: (وعند الشافعي ﵀ يثبت حق المطالبة لكل وارث؛ لأن حد القذف يورث عنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ يثبت حق المطالبة م: (على ما نبين) ش: أي عند قوله ومن قذف غيره ومات المقذوف بطل الحد.
وقال الشافعي ﵀: لا يبطل، وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ -
стр. 3416
وعندنا ولاية المطالبة ليس بطريق الإرث بل لما ذكرناه، ولهذا يثبت عندنا للمحروم عن الميراث بالقتل، ويثبت لولد البنت كما يثبت لولد الابن خلافا لمحمد ﵀؛ ويثبت لولد الولد حال قيام الولد، خلافا لزفر ﵀.
وإذا كان المقذوف محصنا جاز لابنه الكافر والعبد أن يطالب بالحد
ــ
[البناية]
فمن يرثه؟ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يريد جمع الورثة، والثاني: غير من ترث بالزوجية، والثالث: يرثه العصبات دون غيرهم.
م: (وعندنا ولاية المطالبة ليس بطريق الإرث، بل لما ذكرناه) ش: وهو بحق العلة م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ولاية المطالبة للخوف من العار م: (ثبتت) ش: أي المطالبة م: (عندنا للمحروم عن الميراث بالقتل، ويثبت لولد البنت كما يثبت لولد الابن خلافا لمحمد ﵀) ش: فإنه روي عنه أن حق المطالبة لا يثبت لولد الميت؛ لأنه منسوب إلى أبيه لا إلى أمه، فلا يلحقه الشين بزنا أمه.
ألا ترى أنه لا يدخل ابن الميت البنت في الوقف على أولاده وأولاد أولاده. وفي الواقعات والفتوى على قول محمد.
وفي ظاهر الرواية الميت النسب يثبت منه، ويصير الولد به كريم الطرفين، فكان المقذوف ميتا دلالة، أما الوقف فهو ممنوع على رواية الحصان ﵀ وليس مسلم، فالوقف في معنى الوصية التي هي أخت الميراث والولد فيه يثبت إلى الأب دون الأم.
ألا ترى أنه لا يحجب عن النصف والزوجة عن الربع ويحجبهما ولد الابن، فكذلك الحكم في الوقف.
م: (ويثبت) ش: أي المطالبة م: (لولد الولد حال قيام الولد خلافا لزفر ﵀) ش: فإنه يقول ليس لولد الولد حال قيام الولد أن يخاصم؛ لأن الشين الذي يلحق الولد فوق ما يلحق ولد الولد، واعتبر هذا بطلب الكفارة.
فإنه لا خصومة فيه للأبعد مع بقاء الأقرب، ونحن نقول حق الخصومة باعتبار ما لحقه من الشين نسبة إليه، وذلك موجود في حق ولد الولد كوجوده في ابنه فإن خاصم يقام الحد لخصومته بخلاف القذف.
فإن حق الخصومة باعتبار تناول القاذف من عرضه مقصودا، وذلك لا يوجد في حق ولده وبخلاف الكفارة فإن طلبها إنما يثبت للإقرار لقوله ﷺ «الإنكاح إلى العصبات» وفي الحكم المركب على العصوبة يتقدم الأقرب على الأبعد.
م: (وإذا كان المقذوف محصنا جاز لابنه الكافر والعبد أن يطالب بالحد) ش: هذا لفظ القدوري في " مختصره "، وهذا إذا كان المقذوف ميتا؛ لأنه إذا كان حيا ليس للابن أن يطالب بالحد وإن
стр. 3417
خلافا لزفر ﵀ هو يقول القذف يتناوله معنى لرجوع العار إليه وليس طريقه الإرث عندنا، فصار كما إذا كان متناولا له صورة ومعنى. ولنا أنه عيره بقذف محصن، فيأخذه بالحد، وهذا لأن الإحصان في الذي ينسب إلى الزنا شرط ليقع تعييرا على الكمال، ثم يرجع هذا التعيير الكامل إلى ولده، والكفر لا ينافي أهلية الاستحقاق.
ــ
[البناية]
كان المقذوف غائبا.
وإنما لم يعده القدوري ﵀ بالميت؛ لأنه ساق كلامه في قذف الميت قبل ذكر هذا، حيث ذكر ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه.
م: (خلافا لزفر ﵀) ش: فإنه يقول ليس له أن يطالب بالحد م: (وهو) ش: أي زفر ﵀ م: (يقول القذف يتناوله) ش: أي الابن م: (معنى) ش: أي من حيث المعنى لا من حيث الصورة م: (لرجوع العار إليه، وليس طريقه الإرث عندنا) ش: لأن حد القذف لا يورث م: (فصار كما إذا كان متناولا له) ش: أي للابن أو العبد م: (صورة ومعنى) ش: في رجوع العار إليه بأن قذفه إنسان بالزنا ابتداء لا يجب الحد، لعدم الإحصان لكفره أو رقه.
فكذا هذا، حاصله لو كان متناولا له صورة ومعنى فإن قذفه إنسان كما ذكرنا لم يجب عليه الحد لعدم الإحصان المقذوف.
فكذا هذا إذا تناوله معنى قبل قوله وليس طريقه الإرث غير مقيد له في هذا المقام؛ لأنه لو كان طريقه الإرث أيضا لم يكن له أن يخاصم؛ لأن المانع عن الإرث موجود، وهو الكفر أو الرق، وقيل تحريم كلامه أن الحد إما أن يجب في هذه الصورة على الغائب لقذفه أمه أو المقذوف نفس هذا الابن لا الكفر لا يجوز أن يكون لأجل أمه؛ لأن الحد لا يورث، ولا أن يكون لأجل نفسه؛ لأنه ليس بمحصن.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن القاذف م: (عيره) ش: بالعين المهملة، أي رماه بالعار، يعني القاذف عير الابن الكافر أو العبد م: (بقذف محصن) ش: وهذا ظاهر؛ لأن فرض المسألة فيه م: (فيأخذه بالحد) ش: لأن كل من عير بقذف محصن جاء أن يؤخذ بحده.
م: (وهذا) ش: إيضاح لما قبله م: (لأن الإحصان في الذي ينسب إلى الزنا شرط ليقع تعييرا على الكمال، ثم يرجع هذا التعيير الكامل إلى ولده) ش: فجاز له أن يأخذ بالحد.
م: (والكفر لا ينافي أهلية الاستحقاق) ش: قال تاج الشريعة ﵀، ولهذا تستحق الحقوق الراجعة إلى المعاملات كالديون ونحوها.
وقال الأكمل ﵀: فإن قيل جاز أن يكون المانع موجودا، فلا يثبت الحكم على المقتضى، فأجاب بقوله والكفر لا ينافي أهل الاستحقاق استحقاق أهلية الخصومة. لأن
стр. 3418
بخلاف ما إذا تناول القذف نفسه؛ لأنه لم يوجد التعيير على الكمال بفقد الإحصان في المنسوب إلى الزنا،
و ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة ، ولا للابن أن يطالب أباه بقذف أمه الحرة المسلمة؛ لأن المولى لا يعاقب بسبب عبده، وكذا الأب بسبب ابنه، ولهذا لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده
ــ
[البناية]
استحقاقها باعتبار لحوق الشين، وذلك موجود في الولد الكافر والمملوك؛ لأن النسبة لا تنقطع بالرق والكفر.
م: (بخلاف ما إذا تناول القذف نفسه؛ لأنه لم يوجد التعيير على الكمال بفقد الإحصان في المنسوب إلى الزنا) ش: لأن شرط وجوب الحد الإحصان ولم يوجد
[ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة]
م: (وليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة) ش: هذا لفظ القدوري ﵀ صفة صورة قذف عبده وللعبد أم نسبة محصنة.
م: (ولا للابن) ش: أي وليس للابن أيضا م: (أن يطالب أباه بقذف أمه الحرة المسلمة) ش: وفي " الإيضاح " ولا حد وإن علا، ولا ابنه ولا أم أمه وإن يحلف، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك ﵀ في رواية.
وقال مالك في المشهور: للابن أن يطالب أباه بقذف أمه به، قاله أبو ثور ﵀ وابن المنذر م: (لأن المولى لا يعاقب بسبب عبده) ش: أي سائر الحقوق، ولهذا إذا قتله لا يقتل به فكذا لا يحد بعبده م: (وكذا الأب) ش: أي وكذا لا يعاقب الأب م: (بسبب ابنه) ش: لأن الولد مأمور بتعظيم الأبوين وممنوع عن إضرابهما، ولهذا نهى عن التأقيت والضرر في الحد أكثر من ضرر التأقيت، فيمتنع عنه كما يمنع من التأقيت.
م: (ولهذا) ش: أي وبعدم جواز معاقبة الوالد لأجل ولده م: (لا يقاد الوالد بولده) ش: أي إذا قتله لا يقتص لأجله، وهذا لفظ الحديث قدر روي عن النبي ﷺ «لا يقاد والد بولده.
م: (ولا السيد بعبده) » ش: رواه الترمذي وابن ماجه -رحمهما الله عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ ولفظه: «لا يقاد الوالد بالولد» انتهى. وأخرج الحاكم في " المستدرك " عنه في حديث طويل، ولفظه: لو لم يسمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد مملوك عن مالك، ولا ولد عن والده لا حد فيها اقذفها» .. الحديث في قصة جارية مع سيدها، ولا السيد، أي ولا يقاد سيد بعبده إذا قتله ليس في الحديث، ولا سيد بعبده، قد بيناه.
стр. 3419
ولو كان لها ابن من غيره له أن يطالب بالحد لتحقق السبب وانعدام المانع.
ومن قذف غيره فمات المقذوف بطل الحد. وقال الشافعي ﵀ لا يبطل، ولو مات بعد ما أقيم بعض الحد بطل الباقي عندنا، خلافا له بناء على أنه يورث عنده، وعندنا لا يورث، ولا خلاف أن فيه حق الشرع وحق العبد، فإنه شرع لدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على الخصوص، فمن هذا الوجه حق العبد، ثم إنه شرع زاجرا، ومنه سمي حدا
ــ
[البناية]
م: (ولو كان لها ابن من غيره) ش: أي من غير القاذف، صورة ما قال الحاكم في " الكافي " رجل قال لابنه يا ابن الزانية وأمه ميتة، ولها ابن من غيره فجاء يطلب الحد م: (له أن يطالب بالحد لتحقق السبب) ش: أي سبب وجوب الحد وهو القذف م: (وانعدام المانع) ش: أي ولأجل انعدام المانع؛ لأن المانع عن إقامة الحد في حق الابن ولم يوجد في حق أخيه، وهو الأبوة يجب الحد إذا طالبه.
[قذف غيره فمات المقذوف هل يحد القاذف أم لا]
م: (ومن قذف غيره فمات المقذوف بطل الحد. وقال الشافعي ﵀: لا يبطل) ش: الحد بموت المقذوف م: (ولو مات) ش: أي المقذوف م: (بعد ما أقيم بعض الحد بطل الباقي عندنا خلافا له) ش: أي للشافعي ﵀ م: (بناء على أنه يورث عنده) ش: أي بني هذا الخلاف بناء على أن حد القذف يورث عند الشافعي م: (وعندنا لا يورث، ولا خلاف أن فيه) ش: أي في حد القذف م: (حق الشرع وحق العبد) ش: وهذا لا خلاف فيه.
أما كونه حق الشرع فمن حيث إن نفعه يقع عاما بإخلاء العالم عن الفساد؛ لأنه ليس ثمة آدمي مختص به. وأما كونه حق العبد فلأن فيه صيانة العرض ودفع العار عن المقذوف ثم حق الله تعالى لا يجري فيه الإرث ولا يجري فيه التداخل ولا يسقط بإسقاط العبد.
وحق العبد يجري فيه الإرث، ولا يجري فيه التداخل، وأسقط بإسقاطه، وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله م: (فإنه) ش: أي فإن حد القذف م: (شرع لدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على الخصوص، فمن هذا الوجه) ش: قال تاج الشريعة ﵀ أي من هذين الوجهين وهو قوله: فإنه شرع لدفع العار عن المقذوف، وقوله: الذي ينتفع به على الخصوص مقدم الوجهين وجها، وذكر في " الجامع الصغير " الوجهين في م: (حق العبد) ش: لأن هذا يرجع إليه لا إلى الشرع.
م: (ثم إنه) ش: أي أن حد القذف م: (شرع) ش: حال كونه م: (زاجرا) ش: لأنه يزجر المقذوف م: (ومنه) ش: أي ومن كونه شرع زاجرا م: (سمي حدا) ش: وقد مضى الكلام في معنى الحد في أول كتاب الحدود.
وقال تاج الشريعة: حدا يدل على أنه حق الله؛ لأن ما يجب لله تعالى يسمى حدا كما في حد السرقة، وحد الزنا وحد الشرب وما يجب للعبد لا يسمى حدا، بل سمي قصاصا وتعزيرا.
стр. 3420
والمقصود من شرع الزاجر: إخلاء العالم عن الفساد، وهذه آية حق الشرع، وبكل ذلك تشهد الأحكام. وإذا تعارضت الجهتان فالشافعي مال إلى تغليب حق العبد تقديما لحق العبد باعتبار حاجته وغناء الشرع، ونحن صرنا إلى تغليب حق الشرع؛ لأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه، فيصير حق العبد مرعيا به، ولا كذلك عكسه؛ لأن لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة عنه، وهذا هو الأصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها، منها
ــ
[البناية]
م: (والمقصود) ش: أي القصد م: (من شرع الزاجر إخلاء العالم عن الفساد) ش: إذ لولا الزواجر لفسدت أحوال الناس م: (وهذه آية حق الشرع) ش: أي وهذا المذكور علامة حق الشرع م: (وبكل ذلك) ش: أي وبكل ما ذكر من حق الشرع وحق العبد م: (تشهد الأحكام) ش: أما الأحكام التي تشهد على أن حد القذف حق العبد، فاشتراط الدعوى في عدم بطلانه بالتقادم.
وإنه يجب على المستأمن ولا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار ويقيمها القاضي بعلم نفسه، ولا يخلف القاذف، وأما الأحكام التي تشهد على أنه حق الله تعالى أن الإقامة للإمام والتنصيف بالرق وأنه لا ينقلب ما لا عنده سقوط. م: (وإذا تعارضت الجهتان) ش: أي جهة حق الشرع، وجهة حق العبد م: (فالشافعي مال إلى تغليب حق العبد) ش: قال ابن دريد: يقال غالب الرجل على فلان إذا حكم له بالغلب م: (تقديما لحق العبد) ش: أي لأجل تقديم حق العبد م: (باعتبار حاجته) ش: حرم: (وغناء الشرع) ش: مرعيا به حق العبد أولى بدفع حاجته وبه قال مالك وأحمد م: (ونحن صرنا إلى تغليب حق الشرع لله تعالى؛ لأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه) ش: يعني لو صرنا إلى تغليب حق الشرع يكون بعضهم حق لله تعالى مع كون حق العبد مرعيا؛ لأن مولى العبد له أن يستوفي ما للعبد على الناس دون العكس. وإنما يرجح حق العبد في مواضع يلزم من اعتبار حق الله تعالى إهدار حق العبد لانتهاء وفاء لحق الله تعالى؛ لأن الله غني والعبد محتاج، وهاهنا إن ترك الرعاية في حق الوارث من وجه لكن فيه رعاية حق القاذف من حيث السقوط بموت المقذوف، فإذا ثبت هذا الأصل، فنقول إنه لا يورث؛ لأن الإرث لا يجري فيما هو من حقوق الله تعالى؛ لأنه من خلافه الوارث المورث بعد موته، والله تعالى يتعالى عن ذلك.
فإن قلت: حق الله تعالى أيضا لا يسقط بموت المقذوف. قلت: نحن لا نقول بالسقوط، ولكن تعذر استيفائه لانعدام شرطه، فالشرط خصومة المقذوف، ولا يتحقق فيه الخصومة بعد الموت.
م: (فيصير حق العبد مرعيا به) ش: أي بحق الشرع كما قررناه الآن م: (ولا كذلك عكسه) ش: وهو أن يكون ما للمولى من الحق يتولاه عبده م: (لأنه لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة) ش: ولا نيابة هاهنا.
م: (وهذا) ش: أي كون حق العبد غالبا عند الشافعي ﵀ حق الله تعالى عندنا م: (هو الأصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها منها) ش: أي من الفروع المختلف
стр. 3421
الإرث إذ الإرث يجري في حقوق العباد لا في حقوق الشرع، ومنها العفو، فإنه لا يصح عفو المقذوف عندنا ويصح عنده، ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه، ويجري في التدخل وعنده لا يجري. وعن أبي يوسف ﵀ في العفو مثل قول الشافعي ﵀ ومن أصحابنا من قال: إن الغالب حق العبد وخرج الأحكام، والأول أظهر.
ــ
[البناية]
فيها م: (الإرث) ش: أي في حق القذف فعند الشافعي يجري فيه الإرث، وعندنا لا يورث م: (إذ الإرث يجري في حقوق العباد لا في حقوق الشرع، ومنها العفو، فإنه لا يصح عفو المقذوف عندنا ويصح عنده) ش:.
م: (ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه) ش: أي أخذ المعوض عن حد القذف، وبه قال مالك م: (ويجري في التداخل عندنا وعنده) ش: أي وعند الشافعي ﵀ م: (لا يجري) ش: التداخل بقذف الجماعة بكلمة واحدة أو يقذف واحدا مرارا.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ في العفو مثل قول الشافعي ﵀) ش: أي روي عن أبي يوسف ﵀ عن عفو المقذوف مثل قول الشافعي ﵀ في أنه يصح، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.
م: (ومن أصحابنا من قال أن الغالب حق العبد) ش: أراد من أصحابنا صدر الإسلام البزدوي فإنه ذكر في ((مبسوطه)) : أن الغالب حق العبد كما قال الشافعي ﵀ م: (وخرج الأحكام) ش: عطفا على قول من قال، أي أجاب عن الأحكام التي تدل على أنه حق الله تعالى جواب يوافق المذهب، يقال في تفويض الإمام إن كل واحد لا يهتدي إلى إقامة الحد، وقال في عدم الإرث أي عدمه لا يستوجب كونه حق الله تعالى كالشفعة وخيار الشرط؛ لأن الإرث لا يجزئ في الأعيان.
وأجاب عن كون القصاص يورث بأنه في معنى مالك الغير؛ لأنه يملك إتلاف العين وملك الإتلاف ملك العين عند الناس، فإن الإنسان لا يملك شراء الطعام إلا الإتلاف، وهو الأصل، فصار كمن عليه القصاص كالمملوك لمن له القصاص، وهو باق، فيملك الوارث في حق استيفاء القصاص م: (والأول أظهر) ش: أي كون حق الله مغلبا أظهر، من كون حق العبد مغلبا، وعلى الأول عامة المشايخ.
وقال أبو بكر الرازي في شرحه ((لمختصر الطحاوي)) : أطلق محمد في بعض المواضع، أي حد القذف من حقوق الناس، وأطلق في بعضها أنه من حقوق الله تعالى، والعبارتان صحيحتان أما قوله إنه من حقوق الناس قائما أراد أن المطالبة من حقه لما خالفه عقد من الشيئين بقذفه، وتناوله في عرضه، ولو لم يطالب لم يحد. وقوله أنه من حقوق الله تعالى أراد به نفس الحد لا المطالبة لأنه ليس يمتنع أن يكون الحق لواحد، والمطالبة لواحد كالوكيل بالبيع يطالب، وملك
стр. 3422
قال: ومن أقر بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه؛ لأن للمقذوف فيه حقا فيكذبه في الرجوع، بخلاف ما هو خالص حق الله تعالى؛ لأنه لا مكذب له فيه.
ومن قال للعربي: يا نبطي لم يحد لأنه يراد به التشبيه في الأخلاق أو عدم الفصاحة، وكذا إذا قال: لست بعربي لما قلنا.
ــ
[البناية]
الثمن للآمر، وكذلك المشتري إذا كان وكيلا فإن قبض العبد إليه والملك للآمر.
[أقر بالقذف ثم رجع]
م: (ومن أقر بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه؛ لأن للمقذوف فيه حقا، فيكذبه في الرجوع) ش: لأنه من الأحكام التي تشهد بكونه حق العبد، ولا يصح الرجوع فيه بعد الإقرار لوجود المكذوب، وهو العبد م: (بخلاف ما هو خالص حق الله تعالى) ش: منه حد الزنا والشرب والسرقة م: (لأنه لا مكذب له فيه) ش: فيقبل رجوعه، إلا أن في السرقة يسقط القطع، ويجب المال.
م: (ومن قال للعربي: يا نبطي لم يحد) ش: النبطي نسبة إلى نبط بفتحتين، وهم قوم ينزلون سواد العراق، قال الفرزدق في هجو طيء:
من أهل حرمران تصيفهم ... ومن أهل التمر كانت سطورها
وقال الفقيه أبو الليث: " النبطي ": رجل من غير العرب، وذكر عبد الله بن أحمد المالقي في تفسير المالقة الثالثة من كتاب ويسقور يدروس وبلاد الجرامقة هي بلاد النبط وهي الري والموصل والجزيرة فيما وصفه بعض الغرر حين م: (لأنه يراد به التشبيه في الأخلاق) ش: من حيث الخساسة والبخل م: (أو عدم الفصاحة) ش: أي أو يراد به عدم الفصاحة، فكأنه قال في عدم الفصاحة مثل النبطي، وكذا أي وكذا لا يحد إذا قال العربي ليس بعربي م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله يراد به النسبة إلى آخره.
م: (وكذا إذا قال: لست بعربي) ش: من قبيلة فلان التي هو فيها لا يحد لما روي. وقال مالك وابن أبي ليلى: حد في رواية، والشافعي في قول: إذا نوى الشتم يحد لما روي أنه ﵊ كان يقول: لا ولي برجل بقوله إلى كتابه ليست من قريش إلا جلدته، ولأنه لما نهاه، وعن قبيلته صار كفتقه عن الجد الأعلى.
وقلنا والشافعي ﵀ في قول وأحمد في أصح الرواية عنه لا يجب؛ لأنه قد يراد به التشبيه في الأخلاق والتشبيه في الجهل والكهنة، يعني عدم الفصاحة لا ولد بين التي عن الأب عادة كمن قال المصري بإقراري.
وفي " المبسوط ": ألا ترى أنه لو قال: أنت شامي أو كوفي ولا يريد بشيء من ذلك القذف ولا يحد وقدمنا إنه مروي عن ابن عباس ﵁ فإنه سئل عن رجل وقال القرشي: يا نبطي، فقال: لا حد عليه.
وأما الحديث فشاذ، ويمكن أن يكون قال ذلك بطريق التعزير؛ لأنه قال إلا جلدته، وما قال
стр. 3423
ومن قال لرجل: يا ابن ماء السماء فليس بقاذف؛ لأنه يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء؛ لأن ماء السماء لقب به لصفائه وسخائه وإن نسبه إلى عمه أو خاله أو إلى زوج أمه فليس بقاذف؛ لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أبا، أما
ــ
[البناية]
لا حد، وعن مالك إذا قال لعربي: يا رومي، أو يقال لفارسي: يا رومي أو لرومي يا فارسي، أو يقول: يا ابن الخياط لم يكن في بابه من بهذه الصفة ففي جميع ذلك يحد لدفع العار.
[ألفاظ لا تعد قذفا]
م: (ومن قال لرجل: يا ابن ماء السماء فليس بقاذف) ش: هذا لفظ القدوري في مختصره، وعلل المصنف ﵀ بقوله م: (لأنه يراد به التشبيه في الجود والسماحة) ش: لأن ماء السماء لا ينحل، بل يصب في ماء السهل والجبل، وسمي النعمان بن المنذر به وكانت أم المنذر يقال لها ماء السماء لحسنها، واشتهر المنذر بأمه فقيل له المنذر ابن ماء السماء، ثم سمي به النعمان لجوده وسخائه.
م: (والصفاء؛ لأن ماء السماء لقب به لصفائه وسخائه) ش: أي لقب بهذا اللفظ لأجل صفائه وسخائه، ولم يذكر من هو الملقب به، وقد ذكرنا أن النعمان بن المنذر لقب به، ولقب به أيضا المأتيسا، وهو لقب عمرو بن عامر قاله الأكمل.
قلت: عمرو بن عامر بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد وماء السماء لقب، [....
....] ، ومن [
..] لقب عمر ولقب به لأنه كان يلبس كل يوم حلقتين ثم يمر فيهما؛ لأنه كان يكره أن يعود فيهما، ويكره أن يلبسهما غيره.
و" مريقيا ": بضم الميم وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف القاف بعدها ياء أخرى مخففة ممدودة، وإنما سمي أبوه عامر بماء السماء لأنه في القحط أقام ماله مقام القطر، وكان غياثا لقومه مثل ماء السماء للأرض. وكانت أم المنذر بنت امرئ القيس أيضا فسمي بماء السماء لجمالها وحسنها، وأبوها عرف بن خيم بن مريقيا هو الذي ذكره حسان في قوله: أولاد حض حول قراءة اسم أبيهم قير بن مارية الكريم الفضل يسقون من ورد البريض النير عليهم, يرد ما بصفق بالرحيق السلاحسنة هو تقليد العنقاء، وسمي العنقاء لطول عنقه، ومارية ابنة ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية ثور عن أبيه وهي التي يضرب بها المثل، ويقال: خذها ولو بقرطي مارية، وكان يقوم ظاها بأربعين ألف دينار. وقيل: كان في موطء مارية درمان كبيض الحمام لم ير مثلها، ويقال: أول عربية تفوطت، والبريض بفتح الباء الموحدة موضع بدمشق، ويروى بالفتحات نهر بدمشق. قوله: بضيق، أي بمزج، والسلسل القذف السهل الدخول في الحلق.
م: (وإن نسبه إلى عمه) ش: أي وإن سب رجل رجلا إلى عمه، يعني قال أنت ابن فلان وإن أراد عمه م: (أو خاله) ش: أو نسبه إلى خاله م: (أو إلى زوج أمه) ش: أي أو نسبه إلى زوج أمه م: (فليس بقاذف) ش: أي لا يجب عليه بشيء م: (لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أبا، أما
стр. 3424
الأول فلقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] (البقرة: الآية١٣٣) ، وإسماعيل كان عما له، والثاني لقوله ﵇: الخال أب، والثالث للتربية.
ومن قال لغيره: زنأت في الجبل وقال عنيت صعود الجبل حد، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀ لا يحد لأن المهموز منه للصعود حقيقة قالت امرأة من العرب قالت امرأة من العرب: وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل
ــ
[البناية]
الأول) ش: وهو ما إذا نسبه إلى عمه م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] (البقرة: الآية ١٣٣) ، وإسماعيل كان عما له، والثاني) ش: وهو ما إذا نسبه إلى خاله م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (الخال أب) ش: هذا حديث غريب وفي " الفردوس " لأبي شجاع الديلمي: عن عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعا: «الخال والد من لا والد له» .
م: (والثالث) ش: وهو نسبته إلى زوج أمه م: (للتربية) ش: أي لأجل تربية أباه سماه أبا؛ لأن زوج الأم بقوله عليه على قيام الآباء فيجوز أن يسمى أبا مجازا، فلما صح إطلاق اسم الأب على كل واحد منهم لم يجب الحد بالنسبة إليهم. وقال ابن القاسم المالكي في النسبة إلى هؤلاء الحد، وعند أشهب المالكي: لا حد عليه لا في حال المشاعة.
[قال لغيره زنأت في الجبل هل يحد أم لا]
م: (ومن قال لغيره: زنأت في الجبل) ش: يعني بالهمزة موضع الباء م: (وقال عنيت) ش: أي قصدت بهذا اللفظ م: (صعود الجبل حد، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله) ش: وبه قال أحمد والشافعي في قول إذا لم ينو م: (وقال محمد ﵀ لا يحد) ش: وبه قال الشافعي في قول م: (لأن المهموز منه) ش: أي من هذا اللفظ وهو الذقوم مستعمل م: (للصعود حقيقة) ش: وقد أراد حقيقة كلامه فيصدق، ولا يحد.
وقال وفي " الجمهرة " وغيره: زنأ في الجبل بالهمزة يزنأ زنأ أي صعد، وجاء زنأ نواز بمعنى صعد أيضا.
واستشهد المصنف ﵀ لذلك بقوله م: (قالت امرأة من العرب) ش: وقال ابن السكيت: قالت امرأة من العرب ترقص ابنا لها وتقول: أشبه أبا أمك, أو أشبه عملي, ولا تكونن كهلوف, وكل يصبح في مضجعه قد انجدل م:
(وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل)
ش: وقال في كتاب " الزيول في شرح الإصلاح ": الأبيات ما هي لامرأة، وإنما هي لرجل رأى ابنا له ترقصه أمه، فأخذه من يدها وقال: أشبه أبا أمك يخاطب ابنه، وكان أبو أمه شريفا سيدا يقول: أشبه أبا أمك. أو أشبه عملي أي كن مثل أبي أمك أو مثلي، ولا تجاوزنا في النسبة إلى غيرنا وحذف بالإضافة عن عمل للضرورة.
وهذا الرجل هو قيس بن عاصم المنقري وأم ذلك الصبي منفوسة بنت زيد الفوارس بن
стр. 3425
وذكر الجبل يقرره مرادا، ولهما أنه يستعمل في الفاحشة مهموزا أيضا؛ لأن من العرب من يهمز الملين كما يلين المهموز، وحالة الغضب والسباب تعين الفاحشة مرادا، بمنزلة ما إذا قال: يا زانئ، أو قال: زنأت وذكر الجبل إنما يعين الصعود مرادا
ــ
[البناية]
صرار الصبي فأخذته أمه بعد ذلك فجعلت ترقصه وتقول
أشبه أخي أو أشبهن أباك, ... أما أبي فلن تنال ذاك
عن مثاله بذاك قوله أو أشبه عما قد ذكرنا أن أصله عملي الإضافة. وقال الكاكي: أو أشبه الحمل، ثم قال الحمل اسم رجل من العرب وهو حمل بن سعد بالحاء المهملة وفتح الميم.
وقال ابن ماكولا: الحمل بن سعد بن حارثة بن معقل بن كعب بن حكم بن جناب وفد على رسول الله ﷺ . قوله كهلوف: بكسر الهاء وتشديد اللام الشيخ الهرم، ويقال الثقيل الجافي الذي لا خير فيه. قوله وكل بفتحتين هو الذي ينكل على غيره فيما يحتاج إليه.
وقال الكاكي: والكل العيال وليس كذلك؛ لأنه ظن أن الواو في وكل واو العطف، وفسر الكل بالعيال، بل الواو أصلية، وهو الكل بفتحتين وقد فسرناه، قوله قد انجدل أي قدامته، يراد أنه لا يستيقظ حتى يصح.
م: (وذكر الجبل يقرره مرادا) ش: أي تقرر الصعود مرادا منه. وقوله زنأت في الجبل يعني تأكيد أن يكون المهموز للصعود حقيقة.
م: (ولهما أنه) ش: أي أن لفظ زنأت م: (يستعمل في الفاحشة) ش: حال كونه م: (مهموزا أيضا) ش: يشير بهذا إلى أن المهموز مشترك بين الفاحشة والصعود م: (لأن من العرب من يهمز الملين كما يلين المهموز) ش: فمنهم العجاج، فإنه كان يهمز العالم والكايم، وقال
فحندق هامة هذا العالم
بهمزة اللين أيضا من جد في الهر العرب من التقاء الساكنين، فيقال دابة وشابة، وفي غير التقاء الساكنين كما همزة العجاج، وكما همزة الشاعر في قوله
[....
....
....
....
.....]
والدكالك جمع، وكذلك وهو الرجل المتراكم، والبرق بضم الباء الموحدة جمع برقة، وهي أرض غليظة فيها حجارة ورمل، والاستشهاد في لفظ المشتاق بالهمزة المفتوحة، فإنه في الأصل المشتاق بالألف الساكنة.
وهذا باب في التصريف يقال له باب الإبدال، وهو جعل حرف مكان غيره، ويعرف ذلك بأمره كما ذكر في موضعه، وحروف الإبدال أربعة عشر حرفا، منها الهمزة تبدل من حرف اللين للمضطر أو غير المضطر، لازم وجائز، فالبيان اللذان فيهما الإبدال من غير المضطر، فإن أرادت تفضيل هذا حقيقة فعليك بشرح [....
] ينشأ وحواشيه للعبد الضعيف.
م: (وحالة الغضب والسباب تعين الفاحشة مرادا) ش: يعني لما كان لفظ زنأت بالهمزة يعني
стр. 3426
إذا كان مقرونا بكلمة على، إذ هو المستعمل فيه. ولو قال زنأت على الجبل، قيل لا يحد لما قلنا وقيل يحد للمعنى الذي ذكرناه
ــ
[البناية]
زنيت على لغة بعض العرب باعتبار التليين فيه، علم من ذلك أن القائل به أراد الزناء حقيقة، لأن يقبل هذا إلا في الغضب والمشاتمة، وصار هذا م: (بمنزلة ما إذا قال يا زانئ) ش: بالهمزة في آخره م: (أو قال: زنأت) ش: الخطاب وبالهمزة فقط، ففي هذين اللفظين يجب الحد، فكذلك في قوله زنأت في الجبل.
وقوله: وحالة الغضب كلام إضافي مرفوع بالابتداء وخبره. وقوله تعين الفاحشة من التعيين، أي الزنا، ومراد نصب على الحال، وإنما ذكره باعتبار أن المراد من الفاحشة الزنا.
م: (وذكر الجبل) ش: جواب لما قاله محمد ﵀ بقوله وتقرره مرادا، بيانه أن ذكر الجبل م: (إنما يعين الصعود مرادا إذا كان) ش: أي لفظ زنأت م: (مقرونا بكلمة على) ش: لا بكلمة في م: (إذ هو المستعمل فيه) ش: يعني أن المستعمل في معنى الصعود أن يقال زنأ عليه لا زنأ فيه.
فإن قيل إن في تجيء بمعنى على، قال الله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (طه: الآية ٧١) ، أي عليها. قلنا ذكر الزمخشري أنها على حقيقتها.
قاله الكاكي، ولكن عبارة الزمخشري شبه، لكن هكذا المصلوب في الجوع يتمكن الشيء المرعي في دعائه، فكذلك قال في جذوع النخل، انتهى.
قلت: هذا لا يساعد الكاكي في جوابه على ما لا يخفى.
فإن قيل: قال فخر الإسلام البزدوي في " شرح الجامع الصغير " قوله في الجبل لا يحتمل الصعود لا يقال زنأ فيه، يقال: زنأ عليه، كما قال الشاعر:
لاهم أن الحارث بن جميلة ... زنأ على أبيه ثم قتله
وأجاب عنه الأترازي بقوله: لا نسلم أنه لا يقال زنأ فيه، بل ما قال فخر الإسلام ﵀ عكس اللغة، فلا يسمع؛ لأن الزنأ بالهمزة لم يسمع في قوانين اللغة إلا بلفظ في على لا بلفظ على، كما في قوله زنأ في الجبل، أما قوله زنأ على أبيه فليس مما نحن فيه المهموز من الثلاثي في وما احتج به ليس بمهموز من مزيد الثلاثي من باب التفعيل، فمعنى زنأ على أبيه، أي ضيق عليه.
م: (ولو قال زنأت على الجبل) ش: اختلف المشايخ فيه م: (قيل لا يحد لما قلنا) ش: إشارة إلى قوله إذا كان مقرونا بكلمة على م: (وقيل: يحد للمعنى الذي ذكرناه) ش: إشارة إلى قوله وحالة الغضب والسباب تعين الفاحشة مرادا.
стр. 3427
ومن قال لآخر: يا زاني، فقال: لا بل أنت فإنهما يحدان؛ لأن معناه لا بل أنت زان، إذ هي كلمة عطف يستدرك بها الغلط، فيصير الخبر المذكور في الأول مذكورا في الثاني. ومن قال لامرأته: يا زانية فقالت: لا بل أنت، حدت المرأة ولا لعان لأنهما قاذفان، وقذفه يوجب اللعان وقذفها الحد، وفي البداية بالحد إبطال اللعان؛ لأن المحدود في القذف ليس بأهل له، ولا إبطال في عكسه أصلا
ــ
[البناية]
[مواضع يحد فيها القاذف والمقذوف]
م: (ومن قال لآخر: يا زاني فقال لا بل أنت) ش: أي بل أنت زاني م: (فإنهما يحدان) ش: يعني كلاهما يحدان م: (لأن معناه بل أنت زان إذ هي) ش: أي إذ هما كلمة بل م: (كلمة عطف يستدرك بها الغلط) ش: يعني بل من الحروف العاطفة موضوعة للإضراب عن الأول، والإتيان للثاني م: (فيصير الخبر المذكور في الأول) ش: وهو قوله يا زاني م: (مذكورا في الثاني) ش: أي في قوله بل أنت كما إذا قلت: جاءني زيد بل عمرو، معناه بل جاءني عمرو، فكذا هذا فيكون كل واحد منهما قاذفا، فيجب عليه الحد.
وقال الأترازي: في قوله فيصير الخبر المذكور في الأول فيه نظر؛ لأن المذكور فيه في مقام النداء لا يسمى خبرا.
ولو قال فيصير المذكور في الأول خبرا فيه كان أولى. وأجيب عنه: بأن المراد بالخبر الجزاء وحينئذ يستقيم الكلام؛ لأن أخبر خبرا خص، فيجوز أن يتعار الأعم.
فإن قيل: التصريح بالزنا شرط في إيجاب الحد ولم يوجد من الثاني، فكيف يجب عليه الحد.
قلت: أجيب بمنع نفي وجود الصريح إذ يفهم الزنا في أول ما قال، بل أنت في جواب قوله يا زان؛ لأن الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فيصير مثل التصريح، سواء كان قيل إذا كان كل واحد منهما قاذفا لصاحبه، فينبغي أن يكون قصاصا، فلا يجب الحد.
أجيب: بأن القذف فيه حق الله، وهو الأغلب في الفصاحة يلزم إسقاط حق الله تعالى، فلا يجوز ذلك، ولهذا لم يجز عفو المقذوف.
م: (ومن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: لا بل أنت حدت المرأة، ولا لعان؛ لأنهما قاذفان، وقذفه يوجب اللعان، وقذفها الحد) ش: أي يوجب الحد.
م: (وفي البداية بالحد) ش: أي يحد المرأة م: (إبطال اللعان) ش: لأن اللعان شهادة وقد بطلت شهادة المرأة بحدها، وهو معنى قوله م: (لأن المحدود في القذف ليس بأهل له) ش: أي اللعان.
م: (ولا إبطال في عكسه أصلا) ش: يعني إذا قذف اللعان لا يبطل حد القذف عن المرأة م:
стр. 3428
فيحتال للدرء، إذ اللعان في معنى الحد.
ولو قالت: زنيت بك فلا حد ولا لعان، ومعناه قالت بعد ما قال لها يا زانية لوقوع الشك في كل واحد منهما؛ لأنه يحتمل أنها أرادت الزنا قبل النكاح فيجب الحد دون اللعان لتصديقها إياه، وانعدامه منه ويحتمل أنها أرادت زنائي ما كان إلا معك بعد النكاح؛ لأني ما مكنت أحدا غيرك، وهو المراد في مثل هذه الحالة
ــ
[البناية]
(فيحتال للدرء) ش: أي لدرء اللعان تحد المرأة بتقديمه م: (إذ اللعان في معنى الحد) ش: يعني قائم مقام حد القذف في حق الرجل ومقام حد الزنا في حق المرأة.
[قالت المرأة زنيت بك في جواب قول الرجل يا زانية]
م: (ولو قالت زنيت بك) ش: أي لو قالت المرأة زنيت بك في جواب قول الرجل يا زانية م: (فلا حد ولا لعان، ومعناه قالت بعدما قال لها يا زانية) ش: أي معنى قولها زنيت بك أنها قالت ذلك بعدما قال الزوج لها يا زانية كما قررناه، وفيه قياس واستحسان لم يذكرهما المصنف، وإنما لم يجب الحد ولا اللعان.
وبه قال أحمد استحسانا، وبه قال [ ... ] والقياس أن يلاعنها؛ لأن هذا ليس بتصديق منها له؛ لأن المرأة لا تزني بزوجها، وبه قال مالك ﵀.
وقال أشهب: إلا أن يقول ذلك محابة ولم أرد قذفا ولا إقرارا فلا حد عليها. وعند الشافعي ﵀ حلفت أنها لم ترد الإقرار بالزنا ولم ترد قذفه بالزنا ويكتفي بين واحدة في وجه، وعليه الحدود وبها لأن هذا ليس بإقرار صحيح بالزنا.
وجه الاستحسان هو قوله: م: (لوقوع الشك في كل واحد منهما) ش: أي لوقوع الشك في كل واحد من الحد واللعان فلا يجب بالشك م: (لأنه يحتمل) ش: أي المرأة م: (أنها أرادت الزنا قبل النكاح، فيجب الحد دون اللعان) ش: أي لا يجب اللعان م: (لتصديقها إياه) ش: أي لتصديق المرأة زوجها.
م: (وانعدامه منه) ش: أي ولانعدام التصريف من الزوج م: (ويحتمل أنها أرادت زنائي ما كان إلا معك) ش: الخطاب للزوج، أي زنائي هو الذي وجد معك، يعني إذا كان الزنا موجود مني، فذاك الفعل الذي وجد مني معك م: (بعد النكاح) ش: وإلا فلا، وهو معنى قوله بعد النكاح م: (لأني ما مكنت أحدا غيرك، وهو المراد في مثل هذه الحالة) ش: أي في حالة سب الرجل امرأته بالزنا.
وفي " الفوائد الظهرية ": ولا معنى لما قال في الكتاب لا يحتمل بعد النكاح؛ لأن الوطء بعد النكاح لا يكون زنا، ومطلق القذف بالزنا محمول على الزنا حقيقة. وأجيب عليه بأن الزوج بقوله لها زانية أعصابها وهي ترد بقولها زنيت بك أعصب وأذنه ممسكة بقوله : ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] (النور: الآيه٣) ، وسميت الوطء بعد النكاح زنا مجازا
стр. 3429
على هذا الاعتبار يجب اللعان دون الحد على المرأة لوجود القذف منه وعدمه منها، فجاء ما قلنا.
ومن أقر بولد ثم نفاه، فإنه يلاعن؛ لأن النسب لزمه بإقراره، وبالنفي بعده صار قاذفا فيلاعن، وإن نفاه ثم أقر به حد؛ لأنه لما أكذب نفسه بطل اللعان؛ لأنه حد ضروري صير إليه ضرورة التكاذب، والأصل فيه حد القذف، فإذا بطل التكاذب يصار إلى الأصل، وفيه خلاف ذكرناه في اللعان، والولد ولده في الوجهين لإقراره به سابقا أو لاحقا، واللعان يصح بدون قطع النسب
ــ
[البناية]
بطريق المشاكلة، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: الآية١٩٤) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠] (الشورى: الآية٤٠) .
م: (وعلى هذا الاعتبار) ش: أي على الاعتبار الاحتمالين المذكورين م: (يجب اللعان دون الحد على المرأة لوجود القذف منه) ش: أي من الزوج م: (وعدمه منها) ش: أي وعدم القذف من المرأة تقدير هذا على هذا الاعتبار لا يكون المرأة مصدقة لزوجها، فيجب اللعان على الزوج، ولا يجب الحد على المرأة، ففي حال لا يوجب الحد عليها، ويجب اللعان على الزوج، وفي حال يجب الحد عليها، ولا يجب اللعان فوقع الشك فيما قلنا إنه لا حد ولا لعان م: (فجاء ما قلنا) .
[رجل له امرأة جاء بولده فقال ليس هو مني]
م: (ومن أقر بولد ثم نفاه فإنه) ش: عن صورة رجل له امرأة جاء بولده فقال ليس هو مني م: (يلاعن؛ لأن النسب لزمه بإقراره) ش: يعني صار الولد ولده م: (وبالنفي بعده) ش: أي بقوله بعد الإقرار ليس هو مني م: (صار قاذفا فيلاعن) ش: لأن معناه أن أمه زمن فولدته عن الزنا، وكل قذف يوجب الحد إلا حد يوجب اللعان في قذف الزوج.
م: (وإن نفاه ثم أقر به حد) ش: أي وإن نفى ولده بأن قال ليس هو مني ثم أقر به بأن قال هو ابني بطل اللعان فوجب عليه حد القذف؛ لأن الأصل في قذف المحصنات هو الحد م: (لأنه لما أكذب نفسه بطل اللعان؛ لأنه حد ضروري صير إليه ضرورة التكاذب) ش: أي تكاذب الزوجين؛ لأن كل واحد منهما كاذب في زعم صاحبه؛ لأن زعم الزوج أنها كاذبة في التكاذب الزنا، وإن زعمت الزوجة أنه كاذب في القذف بالزنا، ولهذا لو أقرت المرأة بالزنا لا يجب اللعان لعدم التكاذب، وكذا إذا كذب الزوج نفسه بعدم التكاذب.
م: (والأصل فيه) ش: أي في القذف بالزنا م: (حد القذف، فإذا بطل التكاذب يصار إلى الأصل) ش: وهو الحد، وفيه خلاف ما ذكرناه في اللعان هذا ليس موجود في أكثر النسخ أي وفي نفي الحمل خلاف ذكره في باب اللعان، وهو أن الزوج إذا قال لامرأته ليس حملك مني لا لعان عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما م: (والولد ولده في الوجهين) ش: أي فيما إذا أقر أولا ثم نفاه أو نفاه أولا ثم أقر م: (لإقراره به) ش: أي لإقرار الزوج بالولد م: (سابقا) ش: على النفي فيما إذا أقر بالولد ثم نفاه م: (أو لاحقا) ش: بالنفي فيما إذا نفاه ثم أقر به م: (واللعان يصح بدون قطع النسب كما يصح بدون الولد) ش: هذا جواب عما يقال إن سبب اللعان كان نفي الولد،
стр. 3430
كما يصح بدون الولد. وإن قال: ليس بابني ولا بابنك فلا حد، ولا لعان لأنه أنكر الولادة، وبه لا يصير قاذفا.
ومن قذف امرأة ومعها أولاد لا يعرف لهم أب أو قذف الملاعنة بولد والولد حي أو قذفها بعد موت الولد، فلا حد عليه لقيام أمارة الزنا منها، وهي ولادة ولد لا أب له، ففاتت العفة نظرا إليها، وهي شرط الإحصان. ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد لانعدام أمارة الزنا.
ــ
[البناية]
فلما لم ينتف الولد وجب أن لا يجري بينهما اللعان، فأجاب بقوله واللعان يصح ... إلى آخره. تقريره أنه ليس من ضرورة اللعان قطع النسب إليه؛ لأنه ينفك عنه وجودا وعدما، فاللعان شرع بلا ولد، ألا ترى أنه إذا تطاولت المدة من حين الولادة ثم نفى يلاعن بينهما ولا ينقطع النسب ولو نفى نسب ولد امرأته الأمة ينتفي النسب، ولا يجري اللعان إليه إشارة البزدوي.
م: (وإن قال: ليس بابني ولا بابنك فلا حد ولا لعان؛ لأنه أنكر الولادة، وبه لا يصير قاذفا) ش: أي بإنكار الولادة لا يصير قاذفا أمه؛ لأنه أنكر الولادة أصل، وذلك بعدم الزنا؛ لأنه إذا لم يكن فيها كيف يتصور أن يتولد بزناها، فإذا انتفى القذف فلا يجب الحد ولا اللعان بعد القذف.
م: (ومن قذف امرأة ومعها أولاد لا يعرف لهم أب أو قذف الملاعنة بولد) ش: بفتح العين، أي التي لوعنت بولد، هكذا قال في " النهاية "، ويجوز كسر العين، معناه التي لاعنت بولدها وقد صرح بهذا في " الكافي ".
م: (والولد حي) ش: يتصل بالملاعنة م: (أو قذفها بعد موت الولد، فلا حد عليه لقيام أمارة الزنا منها) ش: أي لقيام علامة الزنا منها، أي من المرأة وهي.
أي قيام إمارة الزنا منها م: (وهي ولادة ولد لا أب له ففاتت العفة نظرا إليها) ش: أي إلى الإمارة م: (وهي) ش: أي العفة م: (شرط الإحصان) ش: أي شرط وجوب حد القذف، وهي ثابتة فلا يجب الحد.
م: (ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد) ش: ذكره التمرتاشي وكذا الملاعنة بولد ثم أكذب الزوج نفسه ولزم الولد ثم قذفها قاذف م: (فعليه الحد لانعدام أمارة الزنا) ش: وأمارة الزنا قيام ولد لا أب له ولا ولد هاهنا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وجمهور العلماء ﵏، ولا نعلم فيه خلافا.
فإن قيل: اللعان قائم مقام حد الزنا في حقها، فيكون أمارة الزنا ظاهرة، فينبغي أن لا يحد قاذفها، أجيب: بأن اللعان في جانبها قائم مقام حد الزنا بالنسبة إلى الزوج لا بالنسبة إلى غيره، فكانت محصنة في حق الغير. ألا ترى أن اللعان قائم مقام حد القذف في حقه بالنسبة إليها لا بالنسبة إلى غيرها حتى قبلت شهادته. وقال الأترازي: قال بعضهم في شرحه في جواب السؤال المذكور اللعان قائم مقام حد القذف في حقه، فبالنظر إلى هذا الوجه تكون المرأة محصنة،
стр. 3431
قال: ومن وطئ وطئا حراما في غير ملكه لم يحد قاذفه لفوات العفة وهي شرط الإحصان، ولأن القاذف صادق، والأصل فيه أن من وطئ وطئا حراما لعينه لا يجب الحد بقذفه؛ لأن الزنا هو الوطء المحرم لعينه. وإن كان محرما لغيره يحد؛ لأنه ليس بزنا، فالوطء في غير الملك من كل وجه أو من وجه حرام لعينه، وكذا الوطء في الملك والحرمة مؤبدة
ــ
[البناية]
فتعارض الوجهان فتساقطا.
فبقي القذف سالما عن المعارض، فوجب الحد على القاذف، انتهى.
قلت: أراد به صاحب " النهاية " ثم رد عليه بما لا يجري، ثم قال: وقال بعضهم أيضا وهو صاحب " النهاية " أيضا بخط شيخي، يعني الحافظ الكبير البخاري في جواب هذه الشبهة أن اللعان في جانبها قائم مقام حد الزنا، لكن بالنسبة إلى الزوج لا إلى غيره إلى آخر ما ذكرنا في جواب السؤال المذكور، ثم رد عليه بما لا يجري.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ومن وطئ وطئا حراما في غير ملكه لم يحد قاذفه) ش: لعدم شرط الموجب للحد، وهو إحصان المقذوف، أشار إليه بقوله م: (لفوات العفة وهي شرط الإحصان) ش: والإحصان معدوم لانعدام العفة عن الزنا م: (ولأن القاذف صادق) ش: في قذفه؛ لأن المقذوف وطئ ما لا يحل له فلا يحل القذف على الصدق، وإنما يحد على الكذب.
م: (والأصل فيه) ش: أي في حد القذف وعدم الحد م: (أن من وطئ وطئا حراما لعينه) ش: كالوطء في غير الملك من كل وجه، وهو ظاهر، ومن وجه كالوطء في الجارية المشتركة بينه وبين غيره. وهذا الوطء حرام بعينه لوقوعه زنا؛ لأن الوطء حصل في غير ملكه، إلا أنه لا يجب حد الزنا على وطء الجارية المشتركة للشبهة م: (لا يجب الحد بقذفه) ش: أي بقذف هذا الوطء الحرام لعينه من كل وجه أو من كل وجه كما بينا م: (لأن الزنا هو الوطء المحرم لعينه) ش: سواء كان من كل وجه أو من وجه.
م: (وإن كان) ش: أي إن كان الوطء م: (محرما لغيره) ش: أي لغيره كوطء امرأته الحائض أو النفساء أو جاريته المجوسية أو أمته المزوجة أو المكاتبة أو الحرة التي ظاهر منها، أو وطئ امرأته الصائمة ففي هذه الصورة م: (يحد) ش: قاذفه م: (لأنه ليس بزنا) ش: لعدم صدق حد الزنا عليه م: (فالوطء في غير الملك من كل وجه أو من وجه حرام لعينه) ش: وقد بينا الوجهين الآن.
م: (وكذا) ش: أي وكذا حرام بعينه م: (الوطء في الملك والحرمة مؤبدة) ش: أي والحال أن الحرمة على التأبيد، كما إذا وطئ جاريته التي وطئها أبوه بعد ملك اليمين أو الشراء، وهذا وطء محرم على التأبيد، فصار كالزنا فلم يحد القاذف.
فإنه كالحرمة المؤقتة مثل وطء محرم على التأبيد مثل وطء الحائض أو أمثالها التي ذكرناها
стр. 3432
فإن كانت الحرمة مؤقتة فالحرمة لغيره. وأبو حنيفة ﵀ يشترط أن تكون الحرمة المؤبدة ثابتة بالإجماع أو بالحديث المشهور لتكون ثابتة من غير تردد، بيانه أن من قذف رجلا وطئ جارية مشتركة بينه وبين آخر فلا حد عليه لانعدام الملك من وجه، وكذا إذا قذف امرأة زنت في نصرانيتها لتحقق الزنا منها شرعا لانعدام الملك، ولهذا وجب عليها الحد
ــ
[البناية]
الآن م: (فإن كانت الحرمة مؤقتة فالحرمة لغيره) ش: لا بعينه.
م: (وأبو حنيفة ﵀ يشترط أن تكون الحرمة المؤبدة ثابتة بالإجماع) ش: كموطوءة أبيه بالنكاح أو بملك اليمين، ثم اشتراها الابن فوطئها فلا يحد قاذفه لسقوط إحصان الواطئ بالوطء على التأبيد بالإجماع.
وكذلك إذا تزوج أختين أو تزوج امرأة وعمتها أو خالتها أو تزوج أمة على حرة أو جمعهما في العقدة فوطئها فلا حد على قاذفه لما قلنا م: (أو بالحديث المشهور) ش: أو تكون الحرمة المؤبدة ثابتة بالحديث المشهور، وهو قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بشهود» ، وكل الشراح ذكروا أن الحديث المشهور الذي ذكره المصنف ﵀ هو قوله ﵊: «لا نكاح إلا بشهود» ، وقد ذكرنا في أول النكاح أن الحديث غريب بهذا اللفظ.
واستيفاء الكلام فيه هناك م: (لتكون ثابتة من غير تردد) ش: أي ليكون ثابتا من غير تردد ويكون الحد ثابتا من غير تردد.
م: (بيانه) ش: أي بيان الأصل المذكور في المسائل يذكرها بعد م: (أن من قذف رجلا وطئ جارية مشتركة بينه وبين آخر فلا حد عليه) ش: أي على قاذفه م: (لانعدام الملك من وجه) ش: لأنه في نصيب الشريك زان، فيصير القاذف صادقا في كلامه من وجه. والقذف سقط بالشبهة والإحصان كما يزول بالزنا من وجه، وعند مالك ﵀ يحد.
(وكذلك إذا قذف امرأة) ش: أي وكذلك لا حد على القاذف إذا قذف امرأة م: (زنت في نصرانيتها) ش: ثم أسلمت وقذفها إنسان م: (لتحقق الزنا منها) ش: لأن الزنا حرام في الأديان كلها، والكفار مخاطبون بالعقوبات م: (شرعا) ش: أي من حيث الشرع م: (لانعدام الملك) ش: وهو ظاهر. وفي " المبسوط " وقذف مسلما زنى في حال كفره في دار الحرب أو في دارنا لم يحد قاذفه؛ لأن الزنا يتحقق من الكافر وإن لم يقم عليه الحد فيكون القاذف صادقا، فكان التقيد بالنصرانية اتفاقيا.
وعند مالك وأحمد والشافعي ﵏ في وجه يحد؛ لأنه قذفه في حال كونه مسلما محصنا لعموم الآية. قلنا قاذفه صادق لما قلنا، وإنما ترتفع بالإسلام الاسم دون حقيقة الزنا م: (ولهذا) ش: أي ولأجل تحقق الزنا من الكفار م: (وجب عليها الحد) ش: أي حد الزنا.
стр. 3433
ولو قذف رجلا أتى أمته وهي مجوسية أو امرأته وهي حائض أو مكاتبة له فعليه الحد؛ لأن الحرمة مع قيام الملك، وهي مؤقتة، فكانت الحرمة لغيره فلم يكن زنا، وعن أبي يوسف ﵀ أن وطء المكاتبة يسقط الإحصان، وهو قول زفر ﵀ لأن الملك زائل في حق الوطء، ولهذا يلزمه العقر بالوطء، ونحن نقول ملك الذات باق، والحرمة لغيره إذ هي مؤقتة. ولو قذف رجلا وطئ أمته وهي أخته من الرضاعة لا يحد؛ لأن الحرمة مؤبدة، وهذا هو الصحيح.
ولو قذف مكاتبا ومات وترك وفاء لا حد عليه؛ لتمكن الشبهة في الحرية لمكان اختلاف الصحابة ﵃
ــ
[البناية]
[قذف رجلا أتى أمته وهي مجوسية]
م: (ولو قذف رجلا أتى أمته وهي مجوسية) ش: أي والحال أن هذه مجوسية م: (أو امرأته) ش: أي امرأته وجامعها م: (وهي حائض) ش: أي والحال أنها حائض م: (أو مكاتبة له) ش: أي أو وطئ مكاتبة له أي للواطئ م: (فعليه الحد؛ لأن الحرمة مع قيام الملك، وهي مؤقتة) ش: أي والحرمة مؤقتة [ ... ] والعار على شرف الزوال م: (فكانت الحرمة لغيره فلم يكن زنا) ش: لأن الزنا وطء لم يلاق مالك.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أن وطء المكاتبة يسقط الإحصان، وهو قول زفر ﵀ لأن الملك زائل في حق الوطء، ولهذا) ش: أي ولأجل زوال الملك في حق الوطء م: (يلزمه العقر) ش: أي مهر المثل م: (بالوطء، ونحن نقول ملك الذات) ش: أي ذات المكاتبة م: (باق، والحرمة لغيره) ش: لا بعينه م: (إذ هي مؤقتة) ش: غير مؤبدة، فإن الحرمة تزول بعجزها عن المكاتبة وردوها إلى الرقبة.
م: (ولو قذف رجلا وطئ أمته وهي أخته) ش: أي الحال أنها أخته م: (من الرضاعة لا يحد) ش: أي القاذف م: (لأن الحرمة مؤبدة، وهذا هو الصحيح) ش: قيد به لأنه ظاهر الرواية، واحترز به عن رواية الكرخي أنه لا يسقط الحد عن القاذف؛ لأنه وطء في ملك مقارنة التحريم فيه لا يسقط الإحصان كوطء المرأة الحائض والمحرمة والأمة المجوسية والمزوجة والتي ظاهر منها.
ولنا أن الحرمة مؤبدة في المقيس، ومؤقتة في المقيس عليه، ولا شك أن المقيس عليه أدنى حالا من المقيس فلا يصح القيام لعدم المماثلة، فجاز أن يسقط الإحصان في الحرمة الأعلى دون الأدنى.
م: (ولو قذف مكاتبا ومات وترك وفاء لا حد عليه) ش: صورته في " الجامع الصغير " لمحمد ﵀ عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الكافر يموت ويترك فيؤدى وفاء كتابته ويقيم ما بقي بين ورثته الأحرار ثم يقذفه إنسان قال: لا حد على قاذفه أبدا م: (لتمكن الشبهة في الحرية لمكان اختلاف الصحابة ﵃) ش: فإنهم اختلفوا في حر أو عبد فقال بعضهم مات حرا وهو مذهب علي وعبد الله بن مسعود ﵁، وقال بعضهم مات عبدا،
стр. 3434
ولو قذف مجوسيا تزوج بأمه ثم أسلم يحد عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا حد عليه، وهذا بناء على أن تزوج المجوسي بالمحارم له حكم الصحة فيما بينهم عنده، خلافا لهما، وقد مر في النكاح. وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فقذف مسلما حد؛ لأن فيه حق العبد وقد التزم إيفاء حقوق العباد، ولأنه طمع في أن لا يؤذى فيكون ملتزما أن لا يؤذي. وموجب أذاه الحد. وإذا حد المسلم في قذف سقطت شهادته وإن تاب، وقال الشافعي ﵀ تقبل إذا تاب، وهي تعرف في الشهادات. وإذا حد الكافر في قذف لم تجز شهادته على أهل الذمة؛ لأن له الشهادة على جنسه، فترد
ــ
[البناية]
وهو مذهب زيد بن ثابت ﵁، فاختلافهم أورث شبهة في حد القاذف فقط.
[قذف مجوسيا تزوج بأمه ثم أسلم]
م: (ولو قذف مجوسيا تزوج بأمه ثم أسلم يحد عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا حد عليه) ش: أي على قاذفه.
م: (وهذا) ش: أي وهذا الخلاف م: (بناء) ش: أي مبني م: (على أن تزوج المجوسي بالمحارم له حكم الصحة فيما بينهم عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (خلافا لهم) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله م: (وقد مر في النكاح) ش: أي في باب نكاح أهل الشرك، وبقولهما قالت الثلاثة.
م: (وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فقذف مسلما حد) ش: بإجماع الأئمة الأربعة م: (لأن فيه) ش: أي في حد القاذف م: (حق العبد، وقد التزم) ش: أي الحربي المستأمن م: (إيفاء حقوق العباد) ش: وكان أبو حنيفة ﵀ أولا يقول لا يحد المغلب فيه حق الله تعالى، فكان بمنزلة حد الزنا ثم رجع.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الحربي م: (طمع في أن لا يؤذى) ش: بفتح الذال على صيغة المجهول م: (فيكون ملتزما أن لا يؤذي) ش: بكسر الذال على صيغة المعلوم م: (وموجب) ش: بفتح الجيم م: (أذاه) ش: إذا أراه الحد وهو حد القذف.
م: (وإذا حد المسلم في قذف سقطت شهادته وإن تاب. وقال الشافعي ﵀ تقبل إذا تاب) ش: وبه قال مالك والليث وعثمان ﵏، والمحدود في الزنا والشرب أو السرقة تقبل شهادته بالاتفاق إلا عند الحسن بن حي والأوزاعي -رحمهما الله.
فإن كان عندهما لا تقبل شهادته من حد في الإسلام في قذف أو غيره أبدا، كذا ذكره أبو بكر الرازي في " شرح الطحاوي " م: (وهي تعرف الشهادات) ش: أي هذه المسألة الخلافية تعرف في كتاب الشهادات.
م: (وإذا حد الكافر في قذف لم تقبل شهادته على أهل الذمة؛ لأن له الشهادة على جنسه فترد تتمة
стр. 3435
تتمة لحده، فإن أسلم قبلت شهادته عليهم وعلى المسلمين؛ لأن هذه شهادة استفادها بعد الإسلام فلم تدخل تحت الرد، بخلاف العبد إذا حد حد القذف، ثم أعتق حيث لا تقبل شهادته؛ لأنه لا شهادة له أصلا في حال الرق، فكان رد شهادته بعد العتق من تمام حده، فإن ضرب سوطا في قذف ثم أسلم ثم ضرب ما بقي جازت شهادته؛ لأن رد الشهادة متمم للحد، فيكون صفة له. والمقام بعد الإسلام بعض الحد، فلا يكون رد الشهادة صفة له. وعن أبي يوسف ﵀ أنه ترد شهادته إذ الأقل تابع للأكثر
ــ
[البناية]
لحده، فإن أسلم قبلت شهادته عليهم) ش: أي على أهل الذمة م: (وعلى المسلمين؛ لأن هذه شهادة استفادها بعد الإسلام، فلم تدخل تحت الرد) ش: يعني هذه الشهادة غير تلك الشهادة الموجودة، إذ بالإسلام حصل له عدالة الإسلام، فلما كانت هذه غيرها ولم يلحقها قبلت على أهل الإسلام، ثم على أهل الذمة تبعا لهم.
م: (بخلاف العبد) ش: جواب عما يقال العبد إذا قذف فضرب الحد ثم أعتق لا تقبل شهادته، فكيف قبلت شهادة الكفر إذا أسلم فأجاب بقوله بخلاف العبد م: (إذا حد حد القذف ثم أعتق حيث لا تقبل شهادته؛ لأنه) ش: أي لأن العبد م: (لا شهادة له أصلا في حال الرق، فكان رد شهادته بعد العتق من تمام حده) ش: بيانه أن العبد لا شهادة له أصلا في حال رقه، فلا بد في حد القذف رد الشهادة، وإنما يحصل شهادة العبد بعد العتق فيرد؛ لأنه تتمة الحد. أما الكفر فله شهادة على جنسه فرد بالحد ثم بعد الإسلام حدثت شهادة أخرى لم يلحقها رد فقبلت.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (وإن ضرب سوطا) ش: أي وإن ضرب القاذف الكافر سوطا م: (في قذف ثم أسلم ثم ضرب ما بقي جازت شهادته؛ لأن رد الشهادة متمم للحد، فيكون صفة له) ش: أي للحد م: (والمقام) ش: بضم الميم، أي الذي يقام م: (بعد الإسلام بعض الحد، فلا يكون رد الشهادة صفة له) ش: أي للحد واعترض بأن المقام بعد الإسلام إن كان بعض الحد، فالمقام قبل الإسلام كذلك. فكان لا يكون رد الشهادة صفة لما أقيم بعد الإسلام كذلك لا يصح أن يكون صفة لما أقيم بعد الإسلام بل جعل صفة لما أقيم بعد الإسلام أولى، لما أن العلة إذا كانت ذات وصفين، فاعتبار وصف الأخير على ما عرف في موضعه.
والجواب: أما لم يجعل الرد صفة لا للقيام قبل الإسلام ولا للمقام للقيام بعده. وإنما قلنا إن الرد صفة للحد، والحد ثمانون، فلم يوجد، فلم يترتب القيمة. وقيل في الجواب: النص ورد بالأمر بالحد والنهي عن قبول الشهادة، وكل واحد منهما غير مرتب على الآخر نصا فيتعلق كل واحد منهما لما يكن، والممكن زمان التي رد شهادة قائمة للحال فيتقيد به م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه ترد شهادته إذ الأقل تابع للأكثر) ش: الأقل هو المبسوط الموجود قبل الإسلام،
следующие страницы →