Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
بعشرة وثوبا بعشرة ثم باعهما مرابحة لا يجوز، وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب. وكذا إذا اشترى عبدا بألف درهم، ثم باعه قبل نقد الثمن من البائع مع عبد آخر بألف وخمسمائة لا يجوز في المشترى بألف، وإن أمكن تصحيحه بصرف الألف إليه، وكذا إذا جمع بين عبده وعبد غيره، وقال: بعتك أحدهما لا يجوز، وإن أمكن تصحيحه بصرفه إلى عبده، وكذا إذا باع درهما وثوبا بدرهم وثوب وافترقا من غير قبض فسد العقد في الدرهمين، ولا يصرف الدرهم إلى الثوب لما ذكرنا. ولنا أن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الفرد بالفرد كما في مقابلة الجنس بالجنس، وأنه طريق متعين لتصحيحه فتحمل عليه تصحيحا لتصرفه.
ــ
[البناية]
المسألة دليلا على صحة وقوع المسألة المذكورة، صورتها إذا اشترى قلبا م: (بعشرة) ش: يعني سوارا وزنه عشرة دراهم م: (وثوبا بعشرة) ش: أي ثوبا قيمة عشرة دراهم بعشرة دراهم م: (ثم باعهما مرابحة) ش: يعني بعشرين درهما م: (لا يجوز وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب) ش: خاصة تصحيحا لتصرفه م: (وكذا) ش: أي نظيرها م: (إذا اشترى عبدا بألف درهم ثم باعه قبل نقد الثمن من البائع مع عبد آخر بألف وخمسمائة لا يجوز) ش: أي العقد م: (في المشتري) ش: بفتح الراء م: (بألف) ش: درهم لأنه شراء ما باع بأقل مما باع، وهذا لا يجوز عندهم أيضا م: (وإن أمكن تصحيحه) ش: أي تصحيح العقد م: (بصرف الألف إليه) ش: أي إلى المشتري، والباقي إلى العبد الآخر.
م: (وكذا إذا جمع بين عبده وعبد غيره، وقال: بعتك أحدهما لا يجوز وإن أمكن تصحيحه بصرفه إلى عبده) ش: أي نظيرها، م: (وكذا إذا باع درهما وثوبا بدرهم وثوب، وافترقا من غير قبض فسد العقد في الدرهمين، ولا يصرف الدرهم إلى الثوب) ش: وإن أمكن تصحيح التصرف يصرف الجنس إلى خلاف الجنس م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله: ومن قضية الانقسام على الشيوع لا على التعيين.
م: (ولنا أن المقابلة المطلقة) ش: يعني المقابلة التي ذكراها مطلقة. م: (تحتمل مقابلة الفرد بالفرد) ش: قال تاج الشريعة: يعني يحتمل أن يقابل أحد الجنسين بالجنس الآخر بأن يقابل الدرهمان بالدينارين، والدينار بالدرهم م: (كما في مقابلة الجنس بالجنس) ش: بأن باع دينارين بدينارين يكون الفرد بمقابلة الفرد بالاتفاق، ألا ترى أنه لو قبض كل واحد منهما دينارا لجاز العقد، ولو كان مقابلا بالآخر يكون العقد فاسدا، لأن المقبوض حينئذ يكون مقابلا بالمقبوض وغير المقبوض م: (وأنه) ش: أي وأن مقابلة الفرد على تأويل التقابل م: (طريق متعين لتصحيحه) ش: أي لتصحيح العقد بأن يكون الواحد بالواحد والاثنان بالاثنين فيلزم منه صرف شيء إلى خلاف جنسه فيصح العقد م: (فتحمل عليه تصحيحا لتصرفه) ش: أي على مقابلة الفرد بالفرد على تأويل التقابل إذ تصحيح كلام العاقد تقتضيه ديانته وعقله واجب ما أمكن.
стр. 4307
وفيه تغيير وصفه لا أصله؛ لأنه يبقى موجبه الأصلي وهو ثبوت الملك في الكل بمقابلة الكل، وصار هذا كما إذا باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره ينصرف إلى نصيبه تصحيحا لتصرفه. بخلاف ما عد من المسائل. أما مسألة المرابحة لأنه يصير تولية في القلب بصرف الربح كله إلى الثوب، والطريق في المسألة الثانية غير متعين؛ لأنه يمكن صرف الزيادة على الألف إلى المشتري، وفي الثالثة: أضيف البيع إلى المنكر وهو ليس بمحل للبيع والمعين ضده.
ــ
[البناية]
م: (وفيه) ش: أي فيما قلنا من مقابلة الفرد بالفرد م: (تغيير وصفه) ش: أي وصف العقد وهو بطلان صفة الشيوع م: (لا أصله) ش: أي لا تغيير أصل العقد كما قاله خصم لأن تغيير أصل العقد الصحيح يوجب الملك قبل القبض.
فلو قلنا: بانقسام على طريق الشيوع كما قاله الخصم يفسد العقد ولا يثبت الكل قبل القبض فيلزم تغيير أصل العقد لرعاية وصف العقد، فكان ما قلنا أهون التغييرين، فكان أولى م: (لأنه) ش: أي لأن تغيير الوصف لا الأصل م: (يبقى موجبه الأصلي) ش: ويبقى من الإبقاء وموجبه منصوب به، والأصلي بالنصب صفته م: (وهو) ش: أي الموجب الأصلي م: (ثبوت الملك في الكل بمقابلة الكل) ش: الكل الأول هو الدرهمان والدينار، والكل الثاني هو الدرهم والديناران. م: (وصار هذا) ش: أي صار حكم هذا م: (كما إذا باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره ينصرف) ش: أي بيعه م: (إلى نصيبه تصحيحا لتصرفه) ش: أراد أن العقد يصرف إلى نصف البائع لا إلى النصف الشائع بين النصيبين م: (بخلاف ما عد من المسائل. أما مسألة المرابحة) ش: هذا شروع في الجواب عن المسائل المشتبهة بها، فقوله: خلاف مسألة المرابحة جواب عن المسألة الأولى وهو بنظيرها بمسألة المرابحة المذكورة على المسألة الخلافية، أراد أن مسألة المرابحة ليست كذلك م: (لأنه) ش: أي لأن عقد المرابحة م: (يصير تولية في القلب بصرف الربح كله إلى الثوب) ش: فإن الربح لو صرف إلى الثوب خاصة كان بائعا للقلب الذي وزنه عشرة دراهم بعشرة دراهم، وهو تولية في القلب، والتولية ضد المرابحة، والشيء لا يتناول ضده.
م: (والطريق في المسألة الثانية غير متعين) ش: لأنه متعدد فيبقى الثمن مجهولا فيفسد العقد م: (لأنه يمكن صرف الزيادة على الألف إلى المشتري) ش: وهذا لأنا لو صرفنا خمسمائة أو أقل من ذلك بدرهم أو درهمين أو ثلاثة ونحو ذلك إلى العبد الآخر لا يلزم شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، بخلاف ما نحن فيه، فإن طريق التصحيح متعين وهو صرف الجنس إلى خلاف الجنس.
م: (وفي الثالثة) ش: أي وفي المسألة الثالثة م: (أضيف البيع إلى المنكر) ش: وهو قوله: وكذا إذا اشترى عبدا م: (وهو ليس بمحل للبيع) ش: أي المنكر لجهالته م: (والمعين ضده) ش: أي المنكر
стр. 4308
وفي الأخيرة: انعقد العقد صحيحا والفساد في حالة البقاء، وكلامنا في الابتداء.
قال: ومن باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز البيع ويكون العشرة بمثلها والدينار بدرهم؛ لأن شرط البيع في الدراهم التماثل على ما روينا، فالظاهر أنه أراد به ذلك، فبقي الدرهم بالدينار، وهما جنسان، ولا يعتبر التساوي فيهما. ولو تبايعا فضة بفضة، أو ذهبا بذهب، وأحدهما أقل ومع أقلهما شيء آخر يبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية، وإن لم تبلغ فمع الكراهية،
ــ
[البناية]
والشيء لا يتناول ضده، ويشكل عليه مسألة عبدي أو حماري حر، فإن عند أبي حنيفة يعتق العبد لاستعارة المنكر المعرفة.
م: (وفي الأخيرة) ش: أي في المسألة الأخيرة وهي ما إذا باع درهما أو ثوبا بدرهم وثوب وافترقا من غير قبض م: (انعقد العقد صحيحا) ش: سواء كان الجنس مقابلا بالجنس أو بخلافه م: (والفساد في حالة البقاء) ش: يعني الفساد وقع في حالة البقاء بالافتراق من غير قبض م: (وكلامنا في الابتداء) ش: يعني الذي نحن فيه لا يصح العقد فيه ابتداء بدون صرف الجنس إلى خلاف الجنس فافترقا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز البيع، ويكون العشرة بمثلها والدينار بدرهم؛ لأن شرط البيع في الدراهم التماثل على ما روينا) ش: من الحديث المشهور م: (فالظاهر أنه أراد به) ش: أي بالبيع م: (ذلك) ش: أي التماثل م: (فبقي الدرهم بالدينار وهما جنسان ولا يعتبر التساوي فيهما) ش: لاختلاف الجنسين، وإنما جوزنا على هذا الوجه حملا لأمور المسلمين على
الصلاح،
ولأن كل عين جاز بيعها بجنسها جاز بغير جنسها كالثياب.
م: (ولو تبايعا فضة بفضة) ش: ذكر هذه المسألة تفريعا وليست مذكورة في " الجامع الصغير " ولا في القدوري م: (أو ذهبا بذهب وأحدهما أقل ومع أقلهما شيء آخر) ش: أي والحال أن مع أقل الوزنين منهما شيء آخر من خلاف جنسه م: (يبلغ قيمته) ش: أي قيمة ذلك الشيء م: (باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية، وإن لم يبلغ فمع الكراهية) ش: أي يجوز مع الكراهية.
وذكر هذه المسألة في " الإيضاح " على الخلاف فقال: روي عن محمد ﵀ أنه إذا باع الدراهم بالدراهم وفي أحدهما فضل من حيث الوزن وفي الجانب الذي لا فضل فيه فلوس قال: هو جائز في الحكم ولكني أكرهه حتى روي عن محمد ﵀ أنه قيل له: كيف تجد ذلك في قلبك؟ قال: مثل الجبل.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا بأس به؛ لأنه أمكن تصحيحه بأن يجعل الجنس بالجنس
стр. 4309
وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع لتحقق الربا، إذ الزيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا، ومن كان له على آخر عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة دينارا بعشرة دراهم ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة فهو جائز، ومعنى المسألة: إذا باع بعشرة مطلقة. ووجهه: أنه يجب بهذا العقد ثمن يجب عليه تعيينه بالقبض لما ذكرنا، والدين ليس بهذه الصفة، فلا يقع بالمقاصة بنفس البيع لعدم المجانسة، فإذا تقاصا تضمن ذلك فسخ الأول والإضافة إلى الدين،
ــ
[البناية]
والزيادة بإزاء الفلوس.
م: (وإن لم يكن له قيمة) ش: أي وإن لم يكن للشيء الآخر قيمة م: (كالتراب) ش: ونحوه م: (لا يجوز البيع لتحقق الربا، إذ الزيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا. ومن كان له على آخر عشرة دراهم فباعه الذي عليه العشرة دينارا بعشرة دراهم ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة فهو جائز) ش: هذه من مسائل الجامع الصغير، وهذه المسألة على وجهين: أما إن باع الدينار بالعشرة التي عليه، أو باعه بعشرة مطلقة وقبض الدينار وجعل ثمن الدينار قصاصا بالعشرة. فالأول: جائز بلا خلاف، والثاني: جائز استحسانا، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي وأحمد، ﵏.
م: (ومعنى المسألة) ش: هذا من كلام المصنف ﵀ أي: معنى المسألة المذكورة م: (إذا باع بعشرة مطلقة) ش: يعني لم يقيده بالعشرة التي عليه، لأنه لو أضاف العقد إلى العشرة التي عليه يجوز البيع بلا خلاف، وفي المطلقة يجوز عندنا استحسانا، وعند زفر ﵀ لا يجوز قياسا، وجه القياس: أن هذا استبدال ببدل الصرف، فلا يجوز، كما لو أخذ ببدل الصرف عرضا أو دينارا، أشار إلى وجه الاستحسان بقوله م: (ووجه) ش: أي وجه الجواز الذي هو استحسان م: (أنه يجب بهذا العقد ثمن يجب عليه تعيينه بالقبض) ش: لأن العقد لما أطلق وجب به ثمن يجب تعيينه بالقبض كيلا يلزم الربا م: (لما ذكرنا، والدين ليس بهذه الصفة) ش: إشارة إلى قوله: ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق م: (فلا يقع بالمقاصة بنفس البيع) ش: لأن الدين لا يصلح وفاء لذلك، فلم يكن قصاصا م: (لعدم المجانسة) ش: من العين والدين.
م: (فإذا تقاصا) ش: يعني بالتراضي جاز ذلك عندنا لأنه م: (تضمن ذلك فسخ الأول) ش: أي الصرف الأول وهو الصرف المطلق وهو بيع الدينار بعشرة مطلقة م: (والإضافة) ش: أي وتضمن ذلك أيضا إضافة العقد م: (إلى الدين) ش: وهو بيع الدينار بالعشرة التي هي دين، فصار كأنه قال: اشتريت هذا الدينار منك بالعشرة التي لك علي وقبل الآخر يعني عند اتفاقهما على المقاصة يجعل كأنهما فسخا الأول ثم جددا العقد مضافا إلى ذلك الدين لأنهما قصدا تصحيح هذه المقاصة ولا طريق له سوى هذا، ولهذا شرطنا تراضيهما على المقاصة هاهنا، وإن كان في
стр. 4310
إذ لولا ذلك يكون استبدالا ببدل الصرف. وفي الإضافة إلى الدين تقع المقاصة بنفس العقد على ما نبينه. والفسخ قد يثبت بطريق الاقتضاء، كما إذا تبايعا بألف ثم بألف وخمسمائة، وزفر ﵀ يخالفنا فيه لأنه لا يقول بالاقتضاء، وهذا
ــ
[البناية]
سائر الديون تقع المقاصة بدون التراضي م: (إذ لولا ذلك) ش: يعني لولا تحويل العقد إلى صرف آخر وهو بيع الدينار بالعشرة التي هي دين م: (يكون استبدالا ببدل الصرف) ش: قبل القبض وهو لا يجوز.
م: (وفي الإضافة إلى الدين تقع المقاصة بنفس العقد) ش: هذا في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: المقاصة إنما تصح إذا كان وجوب بدل الصرف قائما، فإذا بطل عقد الصرف بالفسخ، كيف توجد المقاصة، لأن الفائت بالاقتضاء يجب أن يثبت على وجه لا يبطل به المقتضى، فإذا ثبت الفسخ المقتضي بطل المقتضى وهو المقاصة، لأن المقتضي قيام العشرة الثابت بالعقد وقد فات بالفسخ.
وتحرير الجواب أن يقال: إضافة أي بإضافة العقد ابتداء إلى الدين أي العشرة التي عليه تقع المقاصة بنفس العقد، وإنما تبطل المقاصة عند فسخ الأول إذا لم يتجدد عقد جديد، وهاهنا جدد العقد فصح المقاصة به.
فإن قيل: لو فسخ الصرف ضمنا ينبغي أن يشترط القبض، لأن الإقالة بيع في حق الثالث.
قلنا: صارت الإقالة هاهنا في ضمن المقاصة فجاز أن لا يثبت حكم البيع لمثل هذه الإقالة، بل يثبت حكم البيع إذا كانت الإقالة قصدا م: (على ما نبينه) ش: إشارة إلى قوله: فكفى ذلك للجواز، أي: الإضافة إلى الدين كاف للجواز؛ لأنه دين يسقط لا خطر فيه.
م: (والفسخ قد يثبت بطريق الاقتضاء) ش: هذا جواب أيضا عما يقال: إن العقد لو فسخ للمقاصة وجب قبض الدينار عل البائع بحكم الإقالة، لأن للإقالة حكم الصرف. وتقرير الجواب: أن الفسخ ضمني يثبت في ضمن المقاصة بطريق الاقتضاء، فجاز أن لا يثبت بعد هذا حكم البيع م: (كما إذا تبايعا بألف) ش: يعني عقدا بألف درهم م: (ثم بألف وخمسمائة) ش: أي ثم تبايعا، فإن العقد الأول ينفسخ ضرورة بثبوت الثاني.
م: (وزفر ﵀ يخالفنا فيه) ش: أي فيما ذكرنا من الحكم المذكور م: (لأنه) ش: أي لأن زفر م: (لا يقول بالاقتضاء) ش: وخالفنا فيه كما خالف في قوله: أعتق عبدك أعني بألف درهم.
فإن قيل: يشكل عليه الشراء بأن قال: إن شريتك فإن الملك يثبت عنده فيه بطريق الاقتضاء.
قلنا: لا نسلم أنه يثبت بطريق الاقتضاء بل يثبت بطريق الدلالة م: (وهذا) ش: أي ما ذكرنا من
стр. 4311
إذا كان الدين سابقا، فإن كان لاحقا فكذلك في أصح الروايتين لتضمنه انفساخ الأول والإضافة إلى دين قائم وقت تحويل العقد، فكفى ذلك للجواز. قال: ويجوز بيع درهم صحيح ودرهمين غلتين بدرهمين صحيحين ودرهم غلة، والغلة ما يرده بيت المال ويأخذه التجار، ووجهه: تحقيق المساواة في الوزن، وما عرف من سقوط اعتبار الجودة
ــ
[البناية]
التقاص والفسخ والإضافة إلى الدين م: (إذا كان الدين سابقا) ش: أي على العقد م: (فإن كان) ش: أي الدين م: (لاحقا) ش: بأن اشترى دينارا بعشرة دراهم وقبض الدينار، ثم إن مشتري الدينار باع ثوبا من بائع الدينار بعشرة دراهم ثم أراد أن يتقاصا م: (فكذلك) ش: تقع المقاصة م: (في أصح الروايتين) ش: وهي رواية أبي حفص سليمان، وهي التي اختارها فخر الإسلام والمصنف، ﵀.
وفي رواية أبي حفص: لا تقع المقاصة وهي التي اختارها شمس الأئمة وقاضي خان، لأن الدين لاحق والنبي ﷺ جوز المقاصة في دين سابق؛ «لحديث ابن عمر ﵄ فإنه روي أنه قال لرسول الله ﷺ : (إني أكري إبلا بالبقيع إلى مكة بالدراهم وآخذ مكانها دنانير، أو قال بالعكس، فقال ﷺ : "لا بأس بذلك إذا افترقتما وليس بينكما عمل") » .
وأشار المصنف ﵀ إلى وجه الأصح بقوله: م: (لتضمنه انفساخ الأول) ش: أي لتضمن التقاصص انفساخ الصرف الأول وإن شاء صرف آخر، لأنهما لما تقاصا صار كأنهما جددا عقدا آخر جديدا، فكان الدين سابقًا على المقاصة، وهو معنى قوله: م: (والإضافة) ش: أي إضافة عقد الصرف م: (إلى دين قائم) ش: أي ثابت م: (وقت تحويل العقد) ش: فيكون الدين حينئذ سابقًا على المقاصة م: (فكفى ذلك للجواز) ش: أي الإضافة إلى الدين كان للجواز، لأنه دين يسقط لا خطر فيه.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ويجوز بيع درهم صحيح ودرهمين غلتين بدرهمين صحيحين ودرهم غلة) ش: بفتح العين المعجمة وتشديد اللام، قال في " المغرب ": الغلة من الدراهم المقطعة التي في القطعة منها قيراط أو طسوج أو حتة. ونقله المطرزي هكذا عن أبي يوسف في رسالته. وفي بعض الحواشي: دراهم غلة أي منكسرة.
وفي " زاد الفقهاء " الغلة من الغلول وهي الخيانة، يقال غل وأغل أي خان، وقال المصنف: م: (والغلة ما يرده بيت المال ويأخذه التجار) ش: أي يردها بيت المال لكونها قطعا لا لزيافتها. وعند الشافعي ﵀ لا يجوز هذا البيع.
م: (ووجهه) ش: أي وجه جواز هذا البيع م: (تحقيق المساواة في الوزن) ش: لأن المساواة هي شرط الجواز، فإذا وجدت فلا مانع أصلا م: (وما عرف من سقوط اعتبار الجودة) ش: هذا عطف
стр. 4312
قال: وإذا كان الغالب على الدراهم الفضة فهي فضة، وإذا كان الغالب على الدنانير الذهب فهي ذهب، ويعتبر فيهما من تحريم التفاضل ما يعتبر في الجياد حتى لا يجوز بيع الخالصة بها ولا بيع بعضها ببعض إلا متساويا في الوزن، وكذا لا يجوز الاستقراض بها إلا وزنا؛ لأن النقود لا تخلو عن قليل غش عادة لأنها لا تنطبع إلا مع الغش. وقد يكون الغش خلقيا كما في الرديء منه فيلحق القليل بالرداءة، والجيد والرديء سواء. وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير اعتبارا للغالب،
ــ
[البناية]
على قوله: تحقيق المساواة بقوله ﵇: «جيدها ورديئها سواء» .
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا كان الغالب على الدراهم الفضة) ش: بالنصب لأنه خبر كان م: (فهي فضة) ش: أي حكمها حكم الدراهم، الأصل أن النقود لا تخلو عن قليل غش خلقة أو عادة، فالأول كما في الرديء، والثاني ما يخلط للانطباع، فإنها بدونه تتفتت، فإذا كان كذلك يعتبر الغالب، لأن المغلوب في مقابلة الغالب كالمستهلك. م: (وإذا كان الغالب على الدنانير الذهب فهي ذهب، ويعتبر فيهما) ش: وفي بعض النسخ: ويعتبر فيها، وعلى التقديرين الضمير يرجع إلى الدراهم والدنانير م: (من تحريم التفاضل ما يعتبر في الجياد، حتى لا يجوز بيع الخالصة بها) ش: أي بالمغشوشة. م: (ولا بيع بعضها ببعض إلا متساويا في الوزن) ش: وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع الخالصة منها بالدراهم المغشوشة، بعضها ببعض، سواء كان الغش غالبا أو النقرة، ويجوز أن يشتري بها سلعة في أظهر الوجهين، كذا في " الحلية ".
م: (وكذا لا يجوز الاستقراض بها إلا وزنا) ش: أي إلا متساويا في الوزن. وقال الكاكي ﵀: إلا وزنا، أي لا عددا كما في الفلوس م: (لأن النقود لا تخلو عن قليل غش عادة، لأنها لا تنطبع إلا مع الغش) ش: لأنا قد ذكرنا الآن أنها بدون بعض الغش تتفتت ولا يجتمع بعضها ببعض م: (وقد يكون الغش خلقيا) ش: أي من حيث الخلقة وذلك م: (كما في الرديء منه) ش: أي من كل واحد من الذهب والفضة م: (فيلحق القليل بالرداءة) ش: أي يلحق القليل من الغش بالرداءة الفطرية والمتساوي كغالب الفضة في التبايع والاستقراض وفي الصرف كغالب الغش م: (والجيد والرديء سواء) ش: بالنص.
م: (فإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير اعتبارا للغالب) ش: هذا أيضا لفظ القدوري، غير أن قوله اعتبارا للغالب من كلام المصنف. وقال الأقطع: المراد به إذا كانت الفضة لا تتخلص من الغش؛ لأنها صارت مستهلكة فلا اعتبار بها، فأما إذا كانت تتخلص من الغش فليست مستهلكة، فإذا بيعت بفضة خالصة فهي كبيع نحاس بنحاس وفضة بفضة.
стр. 4313
فإن اشترى بها فضة خالصة فهو على الوجوه التي ذكرناها في حلية السيف. وإن بيعت بجنسها متفاضلا جاز صرفا للجنس إلى خلاف الجنس، وهي في حكم شيئين فضة وصفر، ولكنه صرف حتى يشترط القبض في المجلس لوجود الفضة من الجانبين، وإذا شرط القبض في الفضة يشترط في الصفر؛ لأنه لا يتميز عنه إلا بضرر. قال: ومشايخنا - رحمهم الله تعالى- لم يفتوا بجواز ذلك في العدالي والغطارفة؛ لأنها أعز الأموال في ديارنا، فلو أبيح التفاضل فيه ينفتح باب الربا.
ــ
[البناية]
فيجوز على هذا الاعتبار م: (فإن اشترى بها) ش: أي بالمغشوشة م: (فضة خالصة فهو على الوجوه التي ذكرناها في حلية السيف) ش: يعني إن كانت الفضة الخالصة مثل تلك الفضة التي في الدراهم المغشوشة أو أقل، أو لا يدري لا يصح. وإن كانت أكثر يصح. م: (وإن بيعت) ش: أي الدراهم المغشوشة م: (بجنسها) ش: أي بالدراهم المغشوشة م: (متفاضلا) ش: أي بيعا متفاضلا. م: (جاز) ش: أي البيع م: (صرفا) ش: أي من حيث الصرف م: (للجنس إلى خلاف الجنس) ش: تحرزا عن الربا م: (وهي) ش: أي الدراهم المغشوشة التي بيعت بالدراهم المغشوشة م: (في حكم شيئين فضة وصفر) ش: وبيع الفضة بالصفر أو العكس متفاضلا يجوز، فكذلك بيع الدراهم المغشوشة بالمغشوشة بطريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس م: (ولكنه صرف) ش: هذا جواب إشكال، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يشترط القبض في هذه الصورة، لأنه لما صرف الجنس إلى خلاف الجنس، أي الفضة إلى الصفر لم يبق صرفا، فيكف يشترط التقابض. فأجاب بقوله: ولكنه صرف، تقريره: أن هذا البيع صرف م: (حتى يشترط القبض في المجلس لوجود الفضة من الجانبين) ش: أي من جانب الثمن، لأن الأصل في المقابلة المطلقة الشيوع م: (وإذا شرط القبض في الفضة يشترط في الصفر؛ لأنه لا يتميز عنه إلا بضرر) ش: لأن صرف الجنس إلى خلاف جنسه كان لضرورة تصحيح التصرف فيما رواءه يكون العقد عقد صرف، فيشترط القبض فيه.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (ومشايخنا) ش: يريد به علماء ما وراء النهر فدعي لهم بقوله م: (﵏ تعالى، لم يفتوا بجواز ذلك) ش: أي بجواز التفاضل م: (في العدالي) ش: بفتح العين المهملة وتخفيف الدال المهملة وباللام المكسورة، أي الدراهم المنسوبة إلى العدالي وكأنه اسم ملك نسب إليه درهم فيه غش م: (والغطارفة) ش: أي الدراهم الغطرفية وهي المنسوبة إلى غطريف بكسر الغين المعجمة وسكون الطاء وكسر الراء بعدها الياء آخر الحروف الساكنة، وفي آخره فاء وهو ابن عطاء الكندي أمير خراسان أيام هارون الرشيد. وقيل: هو خال الرشيد م: (لأنها) ش: أي لأن العدالي والغطارفة م: (أعز الأموال في ديارنا) ش: أي في بخارى وسمرقند م: (فلو أبيح التفاضل فيه) ش: أي في المذكور من العدالي والغطارفة م: (ينفتح باب الربا) ش: ويندرجون إلى الذهب والفضة بالقياس على ذلك.
стр. 4314
ثم إن كانت تروج بالوزن فالتبايع والاستقراض فيهما بالوزن، وإن كانت تروج بالعد فبالعد، وإن كانت تروج بهما فبكل واحد منهما؛ لأن المعتبر هو المعتاد فيهما إذا لم يكن فيهما نص. ثم هي ما دامت تروج تكون أثمانا فلا تتعين بالتعيين. وإذا كانت لا تروج فهي سلعة تتعين بالتعيين، وإذا كانت يتقبلها البعض دون البعض فهي كالزيوف لا يتعلق العقد بعينها، بل بجنسها زيوفا، إن كان البائع يعلم بحالها لتحقق الرضا منه، وبجنسها من الجياد. إن كان لا يعلم لعدم الرضا منه. وإذا اشترى بها سلعة فكسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة ﵀.
ــ
[البناية]
م: (ثم إن كانت) ش: أي الدراهم والدنانير التي غلب الغش عليها والدنانير التي كذلك م: (تروج بالوزن فالتبايع والاستقراض فيهما) ش: أي في الدراهم والدنانير التي غلب الغش عليهما م: (بالوزن، وإن كانت تروج بالعد فبالعد) ش: أي يعتبران بالعدد م: (وإن كانت تروج بهما) ش: أي بالوزن وبالعد م: (فبكل واحد منهما) ش: أي فيعتبر بكل واحد منهما م: (لأن المعتبر هو المعتاد فيهما إذا لم يكن فيهما نص) ش: قال الأكمل: حيث لم يكن منصوصا عليهما، فهذا التفسير يدل على أن قوله: "إذا لم يكن" ليس هكذا، بل "إذ لم يكن" بدون الألف بعد الذال، ولكن غالب النسخ "إذا" بالألف بعد الذال، والذي يظهر لي أن الصواب مع الأكمل.
م: (ثم هي) ش: أي الدراهم المغشوشة والدنانير المغشوشة م: (ما دامت تروج) ش: فيقبلها الناس م: (تكون أثمانا) ش: يعني يكون حكمها حكم الأثمان م: (فلا تتعين بالتعيين) ش: فإن هلكت قبل التسليم لا يبطل العقد بينهما ويجب عليه مثلها.
م: (وإذا كانت لا تروج فهي سلعة) ش: أي حكمها حكم السلعة م: (تتعين بالتعيين) ش: كالرصاص والستوقة م: (وإذا كانت يتقبلها البعض) ش: أي بعض الناس م: (دون البعض فهي كالزيوف لا يتعلق العقد بعينها بل بجنسها) ش: حال كونها م: (زيوفا إن كان البائع يعلم بحالها) ش: أي بحال الدراهم والدنانير المغشوشة م: (لتحقق الرضا منه) ش: أي من البائع م: (وبجنسها) ش: أي ويتعلق العقد بجنسها م: (من الجياد إن كان لا يعلم لعدم الرضا منه) ش: أي بالزيوف.
م: وإذا اشترى بها) ش: أي بالدراهم التي غشها غالب م: (سلعة فكسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة ﵀) ش: وتفسير الكساد مذكور في البيوع أنها لا تروج في جميع البلدان، هذا على قول محمد، أما عندهما: الكساد في بلد يكفي لفساد البيع في تلك البلدة.
وفي " العيون ": إن عدم الرواج إنما يوجب فساد البيع إذا كان لا يروج في جميع البلدان، لأنه حينئذ يصير هالكا ويبقى البيع بلا ثمن، فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة ويروج في
стр. 4315
وقال أبو يوسف -رحمة الله عليه-: قيمتها يوم البيع. وقال محمد ﵀: قيمتها آخر ما تعامل الناس بها. لهما أن العقد قد صح إلا أنه تعذر التسليم بالكساد وأنه لا يوجب الفساد، كما إذا اشترى بالرطب فانقطع. وإذا بقي العقد وجبت القيمة، ولكن عند أبي يوسف وقت البيع لأنه مضمون به. وعند محمد: يوم الانقطاع؛ لأنه أوان الانتقال إلى القيمة. ولأبي حنيفة: أن الثمن يهلك بالكساد؛ لأن الثمنية بالاصطلاح
ــ
[البناية]
غيرها لا يفسد البيع، لأنه لم يهلك ولكنه تعييب، فكان للبائع الخيار إن شاء قال: أعط مثل النقد الذي وقع عليه العقد، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير.
م: (وقال أبو يوسف -رحمة الله عليه-: قيمتها يوم البيع) ش: لأنها كانت مضمونة م: (وقال محمد ﵀ قيمتها آخر ما تعامل الناس بها) ش: أي بالدراهم المغشوشة والبيع لا يبطل عندهما.
وكذا عند الشافعي وأحمد -رحمهما الله- ولكن عند الشافعي ﵀ يجب ذلك الكاسد؛ لأنه مال عنده في وجه يخير البائع إن شاء أجاز البيع بذلك، وإن شاء فسخه لتعينه. وعند أحمد: يجب النقد الجديد بالقيمة.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن العقد قد صح) ش: وقال الكاكي: أي بالإجماع لوجود مبادلة المال بالمال م: (إلا أنه تعذر التسليم بالكساد) ش: أي لأن الشأن تعذر تسليم الثمن وهي المغشوشة بالكساد لانعدام الثمنية ويجوز أن يكون الضمير في "لأنه" للثمن، أي لأن الثمن تعذر تسليمه بالكساد.
م: (وأنه) ش: أي وإن تعذر التسليم أو الكساد م: (لا يوجب الفساد) ش: لأنه صفة عارضة قابلة للزوال ساعة فساعة بالرواج م: (كما إذا اشترى) ش: أي نظير هذا كما إذا اشترى رجل شيئا م: (بالرطب فانقطع) ش: بأن لا يوجد في الأسواق لا يبطل البيع بالاتفاق، ويجب القيمة ولا ينتظر إلى زمان الرطب في السنة الثانية فكذا هذا م: (وإذا بقي العقد وجبت القيمة لكن عند أبي يوسف وقت البيع لأنه مضمون به) ش: أي لأن الثمن مضمون بالبيع فكان كالمغصوب يعتبر قيمته يوم الغصب، لأنه مضمون فيه، وعليه الفتوى، فإنه ذكر في " الذخيرة " وعليه قيمة الدراهم يوم وقع البيع في قول أبي يوسف الآخر وعليه الفتوى.
م: (وعند محمد يوم الانقطاع لأنه) ش: أي لأن يوم الانقطاع م: (أوان الانتقال إلى القيمة) ش: يعني يوجب العقد رد ما انعقد به العقد والانتقال إلى القيمة بالانقطاع فيعتبر يوم الانقطاع. وفي " المحيط " و" التتمة " و" الحقائق ": وبقول محمد ﵀ يُفْتَى رِفْقًا للناس.
م: (ولأبي حنيفة أن الثمن يهلك بالكساد لأن الثمنية بالاصطلاح) ش: أي ثمنية الدراهم التي
стр. 4316
وما بقي فيبقى بيعا بلا ثمن فيبطل. وإذا بطل البيع يجب رد المبيع إن كان قائما، وقيمته إن كان هالكا، كما في البيع الفاسد.
قال: ويجوز البيع بالفلوس ؛ لأنه مال معلوم، فإن كانت نافقة جاز البيع بها وإن لم تعين؛ لأنها أثمان بالاصطلاح. وإن كانت كاسدة لم يجز البيع بها حتى يعينها؛ لأنها سلع، فلا بد من تعيينها. وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة خلافا لهما.
ــ
[البناية]
غشها غالب، إنما جعلت ثمنا بالاصطلاح، فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح م: (وما بقي) ش: أي الاصطلاح م: (فيبقى) ش: أي العقد م: (بيعا بلا ثمن فيبطل، وإذا بطل البيع يجب رد المبيع إن كان قائما، وقيمته) ش: أي تجب قيمته م: (إن كان هالكا) ش: لا يقال: العقد تناول عينها وهو باق بالكساد وهو مقدور التسليم، لأنا نقول: إن العقد تناولها بصفة الثمنية لأنها ما دامت رائجة فهي تثبت دينا في الذمة، وبالكساد ينعدم منها صفة المالية وصفة الثمنية في الفلوس والدراهم المغشوشة التي غلب غشها كصفة المالية في الأعيان، ولو انعدمت المالية بهلاك المبيع قبل القبض أو بتخمر العصير فسد البيع، فكذا هذا.
وأما الجواب عن البيع بالرطب أن الرطب مرجو الوصول في العام الثاني غالبا، فلم يكن هذا هالكا من كل وجه، فلم يبطل المثمن أصلا، وفي الدراهم المغشوشة بعد الكساد لا يرجى الوصول إلى ثمنها في الحال، لأن الكساد أصلي في الشيء إذا رجع أصله، فلما ينتقل عنه. م: (كما في البيع الفاسد) ش: فإن الحكم فيه أنه يجب على المشتري رد المبيع فيه على البائع إن كان قائما، وإن كان هالكا يجب عليه رد قيمته يوم القبض.
[البيع بالفلوس]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز البيع بالفلوس؛ لأنه مال معلوم) ش: هذا بالإجماع م: (فإن كانت نافقة) ش: أي رائجة م: (جاز البيع بها وإن لم تعين) ش: الفلوس م: (لأنها أثمان بالاصطلاح) ش: فلا يتعين في البيع كالدراهم والدنانير، وإن شرط المتبايعان أعيانهما ويكون ما أوجب كل واحد منهما في العقد على نفسه دينا في ذمته ولا يجبر كل واحد منهما أن يسلمها ما شرط من العين إن شاء أعطى العين، وإن شاء أعطى مثلها.
وإن هلكت لم ينفسخ العقد بهلاكها لأنه لم يقع عليها م: (وإن كانت) ش: أي الفلوس م: (كاسدة) ش: يعني لا تروج م: (لم يجز البيع بها حتى يعينها؛ لأنها سلع فلا بد من تعيينها) ش: فإذا لم يعينها يصح العقد.
م: (وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة) ش: قيد بالكساد لأنها إذا غلت أو رخصت كان عليه رد المثل بالاتفاق، ذكره في " شرح الطحاوي " م: (خلافا لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - هذا الخلاف الذي ذكره القدوري خلاف ما ذكر في
стр. 4317
وهو نظير الاختلاف الذي بيناه. ولو استقرض فلوسا نافقة فكسدت، عند أبي حنيفة يجب عليه مثلها؛ لأنه إعارة وموجبه رد العين معنى، والثمنية فضل فيه؛ إذ القرض لا يختص به. وعندهما يجب قيمتها؛ لأنه لما بطل وصف الثمنية تعذر ردها كما قبض،
ــ
[البناية]
الأصل و" شرح الطحاوي " و" الأسرار " و" الإشارات "، لأنه ذكر بطلان البيع عند الكساد فيها بلا خلاف، قال في الإشارات: إذا اشترى شيئا بفلوس فكسدت قبل القبض فسد العقد عندنا خلافا لزفر.
وفي " شرح الطحاوي ": وقال بعض مشايخنا: إنما يبطل العقد إذا اختار المشتري إبطاله فسخا، لأن كسادها بمنزلة يجب فيها، والأول أظهر، ولو نقد الدرهم وقبض من الفلوس نصفها خمسين ثم كسدت الفلوس قبل أن ينقد النصف الآخر بطل البيع في نصفها وله أن يسترد نصف الدراهم. ولو اشترى فاكهة أو شيئا بعينه بفلوس ثم كسدت الفلوس قبل أن ينقدها وقد قبض المبيع فسد البيع، وله أن يرد المبيع إن كان قائما أو قيمته أو مثله إن كان هالكا.
وعن أبي يوسف أن عليه قيمة الفلوس ولا يفسد البيع م: (وهو نظير الاختلاف الذي بيناه) ش: أي الاختلاف في كساد الفلوس نظير الاختلاف في كساد الدراهم الذي غشها غالب، يعني يبطل البيع عند أبي حنيفة بكساد الفلوس، وعندهما لا يبطل، لكن عند أبي يوسف يجب قيمتها يوم البيع. وعند محمد: آخر ما يتعامل الناس بها وهو يوم الانقطاع في السوق. م: (ولو استقرض فلوسا نافقة فكسدت عند أبي حنيفة يجب عليه مثلها لأنه إعارته) ش: أي لأن الاستقراض المثلي إعارة كما أن إعارته قرض وموجب استقراض المثلي رد عينه، وهو معنى قوله م: (وموجبه رد العين معنى) ش: أي موجب عقد الإعارة رد المعين من حيث المعنى لا من حيث الحقيقة، وذا لا يكون إلا بالمثل.
م: (والثمنية فضل فيه) ش: جواب عما يقال: كيف يكون المثل بمعنى العين وقد فات وصف الثمنية، وإنما كان بمعنى العين أن لو رد مثله حال كونه نافقا.
فقال: فأجاب المصنف بقوله: والثمنية فضل، تقريره: أن الثمنية بمعنى صحة استقراض كونه ثمنا فضل في القرض م: (إذ القرض لا يختص به) ش: أي بمعنى الثمنية يعني صحة استقراض الفلس لم يكن باعتبار الثمنية، بل لأنه مثلي وبالكساد لم يخرج من أن يكون مثليا، ولهذا صح استقراضه بعد الكساد.
م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (يجب قيمتها) ش: أي قيمة الفلوس التي كسدت بعد رواجها م: (لأنه لما بطل وصف الثمنية تعذر ردها كما قبض) ش:
стр. 4318
فيجب رد قيمتها، كما إذا استقرض مثليا فانقطع، لكن عند أبي يوسف يوم القبض. وعند محمد يوم الكساد على ما مر من قبل. وأصل الاختلاف فيمن غصب مثليا فانقطع. وقول محمد ﵀ أنظر، وقول أبي يوسف أيسر. قال: ومن اشترى شيئا بنصف درهم فلوس جاز وعليه ما يباع بنصف درهم من الفلوس، وكذا إذا قال: بدانق فلوس، أو بقيراط فلوس جاز. وقال زفر: لا يجوز في جميع ذلك لأنه اشترى بالفلوس، وإنما تقدر بالعدد لا بالدانق ونصف الدرهم، فلا بد
ــ
[البناية]
وليس المثل المجرد عنها في معناها م: (فيجب رد قيمتها، كما إذا استقرض مثليا فانقطع لكن عند أبي يوسف: يوم القبض، وعند محمد: يوم الكساد على ما مر من قبل) ش: عند قوله: وعند أبي يوسف وقت البيع.
م: (وأصل الاختلاف) ش: أي بين أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- في اعتبار القيمة يوم القبض أو الكساد.
فرع: الاختلاف م: (فيمن غصب مثليا فانقطع) ش: فعند أبي يوسف تجب القيمة يوم الغصب. وعند محمد: يوم الانقطاع، وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى في أول كتاب الغصب. م: (وقول محمد ﵀ أنظر) ش: أي للجانبين.
وفي بعض النسخ: أنظر للجانبين جانب المقرض والمستقرض، أما جانب المقرض فبالنسبة إلى قول أبي حنيفة؛ لأن في رد المثل إضرارا به، وأما في حق المستقرض فلانتقاص قيمته يوم الكساد، وفي اعتبار قيمته يوم القبض إضرار به م: (وقول أبي يوسف أيسر) ش: أي للمفتي وفي بعض النسخ أيسر للمفتي؛ لأن يوم الكساد قيمته غير مضبوطة، ويوم القبض مضبوطة، فاعتبار المضبوط أيسر من اعتبار غير المضبوط.
وقال الأترازي: لأن قيمته يوم القبض معلومة للمقرض والمستقرض وسائر الناس وقيمته يوم الانقطاع تشتبه على الناس ويختلفون فيها، فكان قول أبي يوسف أيسر.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن اشترى شيئا بنصف درهم فلوس جاز) ش: قيد بنصف درهم، لأنه لو قال بدرهم فلوس لا يجوز عند محمد على ما يجيء م: (وعليه) ش: أي وعلى المشتري م: (ما يباع بنصف درهم من الفلوس) ش: لأن ذلك النصف من الدراهم فلوس لا نقرة، وذلك معلوم عند الناس وقت العقد فيجب عليه الوفاء بذلك م: (وكذا) ش: أي وكذا الحكم م: (إذا قال بدانق فلوس أو بقيراط فلوس جاز) ش: الدانق سدس الدرهم والقيراط ست حبات.
م: (وقال زفر: لا يجوز في جميع ذلك؛ لأنه اشترى بالفلوس وإنما تقدر بالعدد لا بالدانق ونصف الدرهم) ش: فإذا لم يبين عدد الفلوس كان مجهولا فلا يجوز، وهو معنى قوله م: (فلا بد
стр. 4319
من بيان عددها، ونحن نقول: ما يباع بالدانق ونصف الدرهم من الفلوس معلوم عند الناس الكلام فيه فأغنى عن بيان العدد. ولو قال: بدرهم فلوس أو بدرهمين فلوس، فكذلك عند أبي يوسف؛ لأن ما يباع بالدرهم من الفلوس معلوم وهو المراد، لا وزن الدرهم من الفلوس. وعن محمد ﵀ أنه لا يجوز بالدرهم ويجوز فيما دون الدرهم؛ لأن في العادة المبايعة بالفلوس فيما دون الدرهم فصار معلوما بحكم العادة ولا كذلك الدرهم. قالوا: وقول أبي يوسف أصح لا سيما في ديارنا. قال: ومن أعطى صيرفيا درهما، وقال: أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفا إلا حبة جاز البيع في الفلوس وبطل فيما بقي عندهما؛ لأن بيع نصف درهم بالفلوس جائز وبيع النصف بنصف إلا حبة ربا فلا يجوز، وعلى قياس قول أبي حنيفة بطل في الكل؛ لأن الصفقة متحدة والفساد قوي
ــ
[البناية]
من بيان عددها) ش: لنفي الجهالة م: (ونحن نقول: ما يباع بالدانق ونصف الدرهم من الفلوس معلوم عند الناس الكلام فيه) ش: أي فيما إذا كان معلوما، يعني فرض المسألة فيما إذا كان ما يباع بنصف درهم من الفلوس معلوما حين العقد، فكان مغنيا عن ذكر العدد. وقال الإمام الحلواني: هذا إذا كان الدانق والقيراط معلوما، فإن عند الناس لا تختلف معاملتهم فيه، فأما إذا كان مختلفا فكما قاله زفر لمكان المنازعة.
م: (فأغنى عن بيان العدد) ش: يعني إذا كان معلوما أغنى ذلك عن بيان العدد.
م: (ولو قال: بدرهم فلوس أو بدرهمين فلوس فكذلك عند أبي يوسف) ش: يجوز م: (لأن ما يباع بالدرهم من الفلوس معلوم، وهو المراد) ش: أي كونه معلوما هو المراد م: (لا وزن الدرهم من الفلوس) ش: أي ليس المراد علم وزن الدرهم من الفلوس م: (وعن محمد ﵀ أنه لا يجوز بالدرهم) ش: أي أن الشراء بدرهم فلوس أو بدرهمين لا يجوز م: (ويجوز فيما دون الدرهم، لأن في العادة المبايعة بالفلوس فيما دون الدرهم، فصار معلوما بحكم العادة ولا كذلك الدرهم) ش:
م: (قالوا) ش: أي مشايخنا، م: (وقول أبي يوسف أصح لا سيما) ش: أي خصوصا م: (في ديارنا) ش: بما وراء النهر، لأن ما يباع بالدرهم من الفلوس معلوم. وقال الأترازي: قوله سيما في ديارنا هذا تركيب عجيب، فينبغي أن يقال: لا سيما، كما قال امرؤ القيس:
ولا سيما يوم بدار جلجل
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن أعطى صيرفيا درهما وقال: أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفا إلا حبة جاز البيع في الفلوس وبطل فيما بقي عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (لأن بيع نصف درهم بالفلوس جائز، وبيع النصف بنصف إلا حبة ربا فلا يجوز، وعلى قياس قول أبي حنيفة بطل في الكل؛ لأن الصفقة متحدة والفساد قوي) ش: لأنه متمكن في
стр. 4320
فيشيع وقد مر نظيره. ولو كرر لفظ الإعطاء كان جوابه كجوابهما هو الصحيح، لأنهما بيعان. ولو قال: أعطني نصف درهم فلوسا ونصفا إلا حبة جاز؛ لأنه قابل الدرهم بما يباع من الفلوس بنصف درهم وبنصف درهم إلا حبة فيكون نصف درهم إلا حبة بمثله، وما وراءه بإزاء الفلوس. قال: وفي أكثر نسخ "المختصر" ذكر المسألة الثانية، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
صلب العقد، ولأنه يجمع عليه لمعنى الربا م: (فيشيع وقد مر نظيره) ش: أي في البيع، وهو ما إذا جمع بين حر وعبد في البيع يبطل البيع عنده في الكل.
م: (ولو كرر لفظ الإعطاء) ش: بأن قال: أعطني فلوسا وأعطني بنصفه نصفا إلا حبة م: (كان جوابه) ش: أي جواب أبي حنيفة م: (كجوابهما هو الصحيح) ش: أي كجواب أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- في الأصح لتفرق الصفقة بتكرر لفظ الإعطاء وفساد أحد البيعين لا يوجب فساد الآخر، وأشار إليه المصنف بقوله م: (لأنهما بيعان) ش: يعني بتكرر لفظ الإعطاء.
م: (ولو قال: أعطني نصف درهم فلوسا ونصفا إلا حبة جاز، لأنه قابل الدرهم بما يباع من الفلوس بنصف درهم وبنصف درهم إلا حبة فيكون نصف درهم إلا حبة بمثله، وما وراءه بإزاء الفلوس) ش: وفي الأصل: ولو اشترى فقال: أعطني كذا كذا فلسا ودرهما صغيرا وزنه نصف درهم إلا قيراطا كان هذا جائزا كله إذا تقابضا قبل أن يتفرقا.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀ م: (وفي أكثر نسخ المختصر) ش: أي القدوري ﵀ م: (ذكر المسألة الثانية) ش: وهي قوله أعطني نصف درهم فلوسا ونصفا إلا حبة جاز، يعني لم يذكر في أكثر نسخ المختصر المسألة الأولى، وهو قوله من أعطى الصيرفي درهما وقال: أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفا إلا حبة جاز البيع في الفلوس وبطل فيما بقي، ولهذا قال في " شرح الأقطع ": وهو غلط من الناسخ.
وقال الكاكي: إنما ذكر المصنف هذا، يعني قوله نسخ المختصر دفعا لمؤاخذة ترد على صاحب القدوري ﵀ فإنه ذكر في بعض النسخ المسألة، وأجاب بالجواز مطلقًا، وليس كذلك بالإجماع، أما عنده فظاهر لأنه يبطله في الكل. وأما عندهما يجوز في الفلوس ويبطل في الباقي، فعلم أن الجواز ليس بمطلق في المسألة الأولى، فذكر الجواب مطلقًا في بعض النسخ محمول على خطأ من الكاتب، والدليل عليه أن أكثر النسخ ذكر المسألة الثانية وأجاب بالجواز مطلقًا. م: (والله أعلم بالصواب) .
стр. 4321
كتاب الكفالة قال: الكفالة هي الضم لغة، قال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] (آل عمران: الآية ٣٧) ثم قيل: هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل: في الدين، والأول أصح.
ــ
[البناية]
[كتاب الكفالة]
[تعريف الكفالة]
م: (كتاب الكفالة) ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الكفالة، وإنما عقب البيوع بذكر الكفالة؛ لأنها تكون في البياعات غالبا، ولأن في الكفالة إذا كانت بأمر معنى المعاوضة انتهى، فناسب ذكرها عقيب البيوع التي هي معاوضة.
م: (قال: الكفالة هي الضم لغة) ش: من كفلت به كفالة وكفلت عنه المال لغريمه، والكفيل أيضا من أكفلته المال أي ضمنته إياه، وكفل هو به كفلا وكفولًا، والتكفيل مثله ومكفل بذمته تكفلا، واستشهد المصنف في قوله الكفالة الضم لغة بقوله: م: (قال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] (آل عمران: الآية ٣٧) وضمها إلى نفسه، وقرئ بتشديد الفاء ونصب زكريا أي جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها.
وذكر الأخفش أنه قرئ أيضا: "وكفلها" بكسر الفاء، والضمير المنصوب في "كفلها" يرجع إلى مريم أم عيسى ﵉ وقصتها مشهورة.
م: (ثم قيل) ش: قائله أكثر الأصحاب م: (هي) ش: أي الكفالة في معناها الشرعي م: (ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة) ش: وبه قال الشافعي ﵀ ومالك وأحمد في رواية، وعنه: أن الدين ينتقل في الكفالة عن الميت. ونقل الشيخ أبو حفص أن الدين يسقط عن الأصيل بالكفالة عند مالك، والمشهور عنه خلاف ذلك م: (وقيل في الدين) ش: أي الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في أصل الدين، وهو اختيار بعض المشايخ.
وقال الأترازي: وهو مذهب الشافعي ﵀ م: (والأول أصح) ش: أي القول الأول الذي قاله أكثر الأصحاب هو الأصح، لأن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس ولا دين ثمة.
ولأنه لو ثبت الدين في ذمة الكفيل ولم يبرأ الأصيل صار الدين دينين، وأورد ما إذا وهب رب المدين دينه فإنه يصح ويرجع به الكفيل على الأصيل، ولو لم يصر الدين عليه لما ملك قبل الكفالة، لأن تمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز.
وأجيب: بأن رب الدين لما وهب للكفيل صح فجعلنا الدين عليه حينئذ لضرورة تصحيح التصرف، وجعلناه في حكم دينين. وأما قبل ذلك فلا ضرورة فلا يجعل في حكم دينين.
стр. 4322
قال: الكفالة ضربان: كفالة بالنفس، وكفالة بالمال، فالكفالة بالنفس جائزة والمضمون بها إحضار المكفول به، وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه كفل بما لا يقدر على تسليمه إذ لا قدرة له على نفس المكفول به، بخلاف الكفالة بالمال؛ لأن له ولاية على مال نفسه. ولنا قوله ﵇: «الزعيم غارم» . وهذا يفيد مشروعية الكفالة بنوعيها.
ــ
[البناية]
وركن الكفالة الإيجاب والقبول عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي ﵀ وقال أبو يوسف آخرا والشافعي ﵀ في قول، ومالك وأحمد -رحمهما الله- الكفالة تتم بالكفيل وحده وجد القبول أو لا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (الكفالة ضربان: كفالة بالنفس وكفالة المال، فالكفالة بالنفس جائزة، والمضمون بها إحضار المكفول به) ش: وبه قال أحمد وعمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وحمزة بن عمر الأسلمي وجرير بن عبد الله وأبي بن كعب وعمران بن الحصين والأشعث بن قيس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - م: (وقال الشافعي: لا يجوز) ش: هذا ليس بمشهور من مذهبه.
فإن الصحيح عنده كمذهبنا م: (لأنه كفل بما لا يقدر على تسليمه، إذ لا قدرة له على نفس المكفول به، بخلاف الكفالة بالمال؛ لأن له ولاية على مال نفسه، ولنا قوله ﵇) ش: أي قول النبي ﷺ م: «الزعيم غارم» ش: هذا الحديث رواه أبو داود مطولا عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه ... » الحديث، وفي آخره: «والزعيم غارم» .
ورواه ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الزعيم غارم» أخرجه ابن عدي في "الكامل"، ومعناه: الكفيل غارم من غير فصل بين الكفالة بالمال والكفالة بالنفس، وألفاظ المال وكفالة الكفالة. أنا زعيم، أنا ضامن بما عليه، أو كفيل بذلك أو قبيل بذلك، أو قبيل، أو هو علي، أو إلي، أو هو عندي، أو هو لك قبلي.
م: (وهذا) ش: أي قوله ﷺ : «الزعيم غارم» م: (يفيد مشروعية الكفالة بنوعيها) ش: أي
стр. 4323
ولأنه يقدر على تسليمه بطريقه بأن يعلم الطالب مكانه فيخلي بينه وبينه، أو يستعين بأعوان القاضي في ذلك، والحاجة ماسة إليه. وقد أمكن تحقيق معنى الكفالة، وهو الضم في المطالبة فيه. قال: وتنعقد إذا قال: تكفلت بنفس فلان أو برقبته، أو بروحه، أو بجسده، أو برأسه، وكذا ببدنه وبوجهه؛ لأن هذه الألفاظ يعبر بها عن البدن إما حقيقة أو عرفا، على ما مر في الطلاق. وكذا إذا قال: بنصفه أو بثلثه أو بجزء منه؛ لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ، فكان ذكر بعضها شائعا كذكر كلها. بخلاف ما إذا قال: تكفلت بيد فلان أو برجله؛ لأنه لا يعبر بهما عن البدن حتى لا تصح إضافة الطلاق إليهما،
ــ
[البناية]
بنوعي الكفالة وهما كفالة المال وكفالة النفس، لأنه مطلق يشملهما. وفي بعض النسخ بنوعيه، قال الأترازي: الضمير راجع إلى الكفالة على تأويل عقد الكفالة.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الكفيل جواب عن قياس الشافعي. م: (يقدر على تسليمه) ش: أي تسليم المكفول عنه م: (بطريقه بأن يعلم الطالب مكانه فيخلي بينه وبينه) ش: أي بين المكفول له والمكفول عنه م: (أو يستعين) ش: أي الكفيل م: (بأعوان القاضي) ش: الأعوان جمع عون وهو الظهير على الآخر. والحاصل: أن أعوان القاضي هم الرجال الذين في خدمته يساعدونه في مهمات الأمور الشرعية. م: (في ذلك والحاجة ماسة إليه) ش: أي مهمة إلى عقد الكفالة بالنفس وهي ضرورة.
أما حقوق العباد لأنه ربما يعيب بنفسه فيتضرر صاحب الحق م: (وقد أمكن تحقيق معنى الكفالة وهو الضم في المطالبة فيه) ش: أي في هذا النوع م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتنعقد) ش: أي الكفالة م: (إذا قال: تكفلت بنفس فلان أو برقبته أو بروحه أو بجسده أو برأسه) ش: هذا كله كلام القدوري، وقوله م: (وكذا ببدنه وبوجهه) ش: من كلام المصنف م: (لأن هذه الألفاظ يعبر بها عن البدن إما حقيقة) ش: كقوله تكلفت بنفس فلان أو ببدنه أو بجسده م: (أو عرفا) ش: كقوله تكفلت بوجهه أو برأسه أو برقبته م: (على ما مر في الطلاق) ش: أنه قال: نفسك طالق أو بدنك طالق أو جسدك طالق فإنها تطلق. وإذا قال: يدك طالق أو رجلك طالق أو دبرك طالق لا يقع شيء. م: (وكذا) ش: أي وكذا تنعقد الكفالة م: (إذا قال: بنصفه أو بثلثه أو بجزء منه) ش: أي قال: تكفلت بجزء من فلان بأن قال تكفلت بيده أو رجله م: (لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ فكان ذكر بعضها) ش: أي ذكر بعض النفس الواحدة حال كونه م: (شائعا كذكر كلها) ش: كما في الطلاق؛ لأن إضافة الكفالة إلى جزء شائع تثبت، وترى إلى الجملة كما في الطلاق والعتاق.
م: (بخلاف ما إذا قال: تكفلت بيد فلان أو برجله) ش: حيث لا تصح الكفالة م: (لأنه لا يعبر بهما عن البدن حتى لا تصح إضافة الطلاق إليهما) ش: أي إلى اليد والرجل فكانت إضافة الكفالة
стр. 4324
وفيما تقدم يصح، وكذا إذا قال: ضمنته لأنه تصريح بموجبه، أو قال: هو علي؛ لأنه صيغة الالتزام، أو قال: إلي؛ لأنه في معنى علي في هذا المقام. قال ﵇: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا أو عيالا فإلي» . وكذا إذا قال: أنا زعيم به أو قبيل؛
ــ
[البناية]
إليهما كإضافة الطلاق إليهما على ما مر. م: (وفيما تقدم) ش: أي في الجزء الشائع كالنصف م: (يصح) ش: إضافة الكفالة إليه كما تصح إضافة الطلاق. وقال الشافعي: تجوز الكفالة بما يعبر به عن البدن وجزء شائع أو بجزء لا يمكن فصله عنه كالقلب والكبد، وبه قال أحمد في رواية.
وقال مالك: يصح لكل عضو من بدنه حتى لو قال بوجهه أو بعينه، فهو كفالة بالنفس، وبه قال الشافعي في وجه وأحمد، وعندهما: لو كفل بعينه لم يذكره محمد. وعن أبي بكر البلخي: لا يصح كما في الطلاق، ولو برئ البدن يصح، كذا في " المحيط ".
م: (وكذا) ش: أي وكذا تنعقد الكفالة م: (إذا قال: ضمنته لأنه تصريح بموجبه) ش: أي بموجب عقد الكفالة، لأنه يصير ضامنا للتسليم والعقد ينعقد بالتصريح بموجبه كالبيع ينعقد بلفظ التمليك. م: (أو قال: هو علي لأنه صيغة الالتزام) ش: لأنه من ألفاظ الوجوب فأفاد الضمان فصحت الكفالة م: (أو قال إلي؛ لأنه في معنى "علي" في هذا المقام) ش: فكأنه قال ضمانه بوجه إلي. م: (قال ﵇) ش: أي قال النبي ﷺ : م: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا أو عيالا فإلي» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك كلا فإلي، ومن ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له» ... الحديث، ورواه ابن حبان في "صحيحه"، وفي لفظ لأبي داود قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فإلي» .
وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا» والكل بفتح الكاف وتشديد اللام اليتيم هنا بدليل عطف العيال عليه، وإن كان الكل يجيء بمعنى العيال والجمع الكلول والعيال من يعوله أي يصونه وينفق عليه.
م: (وكذا إذا قال) ش: أي وكذا تنعقد الكفالة بقوله م: (أنا زعيم به) ش: أي بفلان، وليس في بعض النسخ لفظ به، وزعيم من زعم به، أي كفل به يزعم زعامة م: (أو قبيل) ش: أي أو قال: أنا قبيل بفلان فهو بمعنى كفيل من قولهم قبل به أي كفل به بفتح العين في الماضي وكسرها
стр. 4325
لأن الزعامة هي الكفالة وقد روينا فيه، والقبيل هو الكفيل، ولهذا سمي الصك قبالة، بخلاف ما إذا قال: أنا ضامن لمعرفته؛ لأنه التزم المعرفة دون المطالبة.
ــ
[البناية]
في المضارع قبالة م: (لأن الزعامة هي الكفالة) ش: يعني معناهما واحد م: (وقد روينا فيه) ش: أي روينا الحديث، وقوله ﷺ : «الزعيم غارم» وفي بعض النسخ روينا الحديث.
وقوله: فيه أي في معنى أن الزعامة هي الكفالة والحميل أيضا بمعنى الكفيل، يقال حمل به يحمل حمالة بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، أي كفل به، وروى الزمخشري في " الفائق ": الحميل غارم.
م: (والقبيل هو الكفيل، ولهذا سمي الصك قبالة، بخلاف ما إذا قال: أنا ضمن لمعرفته) ش: يعني لا يكون كفيلا بهذا اللفظ م: (لأنه التزم المعرفة دون المطالبة) ش: أي لأن الرجل الذي قال هذا اللفظ التزم لمن يطلب الكفيل معرفة الرجل الذي عليه الدين وما التزم مطالبته الدين.
وفي الأصل: لو قال أنا ضامن لمعرفة فلان أو ضامن لأن أدلك عليه، أو لأن أدل على منزله لا يكون كفالة. ولو قال: أنا ضامن تعريفه أو علي تعريفه ففيه اختلاف المشايخ، كذا نقل في " خلاصة الفتاوى " عن " شرح الشافي ".
وقال الفقيه أبو الليث: روي عن علي بن أحمد عن نصير قال: سئل ابن محمد بن الحسن أبا سليمان الجوزجاني عن رجل قال لآخر: أنا ضامن لمعرفة فلان، أما في قول أبي حنيفة ومالك: لا يلزمه شيء، وأما أبو يوسف قال: هذا على معاملة الناس وعرفهم، ثم قال الفقيه أبو الليث في " النوازل ": هذا القول عن أبي يوسف غير مشهور.
والظاهر ما روي عن أبي حنيفة ومحمد، وقال في خزانة الواقعات: وبه يُفتى، أي بظاهر الرواية، وقال في " الفتاوى الصغرى ": "أسنائي فلان برمن" قال الفقيه أبو جعفر: يكون كفيلا.
وقال أبو الليث: لا وعليه الفتوى. ثم نقل في " الفتاوى الصغرى " عن " الواقعات ": أن الفتوى على أنه يصير كفيلا، ثم قال فيهم إذا قال فلان - أسناي من است، أو قال أثناست صارت كفالة بالنفس عرفا.
ولو قال - آن: جه ترا بر فلان إست جواب كريم - فهو كفالة بحكم العرف. ولو قال: أن جه ترا بر فلان است من بدهم - لا يكون كفالة بحكم العرف، ومن وعد غيره أن يقضي دينه بأن قال: بدهم، لا يجب، ونقله عن مأذون شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀.
стр. 4326
فإن شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه في ذلك الوقت وفاء بما التزمه. فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه، ولكن لا يحبسه أول مرة فلعله ما درى لماذا يدعى. ولو غاب المكفول بنفسه أمهله الحاكم مدة ذهابه ومجيئه، فإن مضت ولم يحضره يحبسه لتحقق امتناعه عن إيفاء الحق.
ــ
[البناية]
[شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في وقت بعينه]
م: (فإن شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه به في ذلك الوقت وفاء بما التزمه) ش: أي لأجل وفاء ما التزمه في الوقت المعين، والأصل فيه أن الكفالة بالنفس نوع ضمان، فيصح التأجيل فيها كالكفالة بالمال، فإذا حل الأجل يجب الإحضار م: (فإن أحضره) ش: فلا كلام فيه م: (وإلا) ش: أي وإن لم يحضره بأن امتنع عن إحضاره م: (حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه) ش: لأنه يصير ظالما والحبس جزاؤه.
م: (ولكن لا يحبسه أول مرة) ش: لأن الحبس عقوبة على الظالم ولا يظهر في أول الوهلة م: (فلعله ما درى لماذا يدعى) ش: على صيغة المجهول.
م: (ولو غاب المكفول بنفسه) ش: أي المدعى عليه م: (أمهله الحاكم مدة ذهابه ومجيئه) ش: هذا إذا علم مكان المكفول به، أما إذا لم يعلم سقطت المطالبة عن الكفيل للحال لعجزه.
وفي " الذخيرة ": ولو كان الكفيل يعرف مكانه أمهله قدر ذهابه ومجيئه، فإن لم يعلم سقطت المطالبة. ولو وقع الاختلاف فقال الطالب: تعرف مكانه.
وقال الكفيل: لا أعرف، فإن كان له خرجة معروفة تخرج إلى موضع معلوم للتجارة في كل وقت فالقول للطالب ويؤمر الكفيل بالذهاب إليه، لأن الظاهر شاهد له.
وإن لم يكن ذلك معروفا منه فالقول للكفيل، لأنه متمسك بالأصل وهو الجهل ومنكر لزوم المطالبة فإن أقام الطالب البينة أنه في موضع كذا يؤمر الكفيل بالذهاب إليه.
وقال الكاكي: وفي بعض النسخ: وكذا إذا ارتد ولحق بدار الحرب، وهذه المسألة ليست في بعض النسخ إلى قوله: وإذا أحضره وسلمه، ثم معنى قوله: وكذا إذا ارتد ولحق بدار الحرب يعني يمهله الحاكم مدة ذهابه إلى دار الحرب ومجيئه، وينبغي أن يبرأ الكفيل كما في الموت، لأن إلحاق المرتد موت حكمي.
والفرق أن اللحاق موت حكمي في قسمة ماله بين ورثته دون الحقوق الثابتة في ذمته. م: (فإن مضت) ش: المدة م: (ولم يحضره يحبسه لتحقق امتناعه عن إيفاء الحق) ش: مع إمكانه وبيان مطله.
стр. 4327
قال: وإذا أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له أن يخاصمه فيه، مثل أن يكون في مصر برئ الكفيل من الكفالة؛ لأنه أتى بما التزمه وحصل المقصود به، وهذا لأنه ما التزم التسليم إلا مرة. وإذا كفل على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ لحصول المقصود.
وقيل في زماننا: لا يبرأ؛ لأن الظاهر المعاونة على الامتناع لا على الإحضار، فكان التقييد مفيدا. وإن سلمه في برية لم يبرأ؛ لأنه لا يقدر على المخاصمة فيها فلم يحصل المقصود، وكذا إذا سلمه في السواد لعدم قاض يفصل الحكم فيه. ولو سلم في مصر آخر غير المصر الذي كفل فيه برئ عند أبي حنيفة للقدرة على المخاصمة فيه، وعندهما لا يبرأ لأنه قد يكون شهوده فيما عينه
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وكذا إذا أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له أن يخاصمه فيه مثل أن يكون في مصر برئ الكفيل من الكفالة؛ لأنه أتى بما التزمه وحصل المقصود به، وهذا) ش: يعني ما ذكرنا من إتيانه بما التزمه. م: (لأنه ما التزم التسليم إلا مرة) ش: فحصل التسليم.
م: (وإذا كفل على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ لحصول المقصود) ش: وهو القدرة على المحاكمة م: (وقيل في زماننا لا يبرأ؛ لأن الظاهر المعاونة على الامتناع لا على الإحضار، فكان التقييد مفيدا) ش: وقال الأئمة الثلاثة: إذا عين مكانا وفي تسليمه في غيره ضرر يتعين ذلك المكان.
وفي " الشامل " شرط على الكفيل أن يسلمه في المسجد الأعظم فسلمه في السوق برئ، لأن المصر كبقعة واحدة، ثم قال فيه: عن أبي يوسف أنه لا يبرأ، لأن الناس لا يعينونه للإحضار، ثم قال: ويجب أن يكون الفتوى على هذا اليوم.
م: (وإن سلمه في برية لم يبرأ لأنه لا يقدر على المخاصمة فيها فلم يحصل المقصود، وكذا إذا سلمه في السواد لعدم قاض يفصل الحكم فيه) ش: قال الجوهري: سواد الكوفة، والبصرة قرى، والمفهوم من كلام المصنف أن السواد هي القرى التي ليس فيها قضاة، وأما إذا كان فيها قضاة ينبغي أن يبرأ لقدرته على المخاصمة.
م: (ولو سلم في مصر آخر غير المصر الذي كفل فيه برئ -عند أبي حنيفة - للقدرة على المخاصمة فيه) ش: لأن المحاكمة تحقق عنه كل قاض، فصار التسليم في البلدين سواء م: (وعندهما لا يبرأ) ش: وبه قالت الأئمة الثلاثة م: (لأنه قد يكون شهوده فيما عينه) ش: فيتعسر عليه إقامة البينة في بلد آخر.
فقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان. فأبو حنيفة ﵀ في القرن الثالث والغلبة لأهل الصلاح والقضاة لا يرغبون في الميل إلى الرشوة وتغير الحال في
стр. 4328
ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأ لأنه يقدر على المخاصمة فيه. قال: وإذا مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة؛ لأنه عجز عن إحضاره، ولأنه سقط الحضور عن الأصيل فيسقط الإحضار عن الكفيل، وكذا إذا مات الكفيل لأنه لم يبق قادرا على تسليم المكفول بنفسه، وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب بخلاف الكفيل بالمال.
ــ
[البناية]
زمانهما فظهر الفساد والميل إلى الرشوة وعامل كل مصر لا ينقاد لأمر الخليفة فيفيد التقييد.
م: (ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب) ش: أي والحال أن القاضي قد حبسه لأجل غير الطب م: (لا يبرأ لأنه لا يقدر على المخاصمة فيه) ش: وعند مالك يبرأ، وعند أحمد: إن كان في سجن القاضي الذي يرجع الحكم إليه يبرأ وإلا فلا.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا مات المكفول به) ش: وهو المدعى عليه م: (برئ الكفيل بالنفس من الكفالة) ش: وبه قال الشافعي في وجه وأحمد. وقال في أصح الوجهين: يطالب بإحضار الميت ما لم يدفن إذا أراد المكفول إقامة الشهادة على مورثه كما لو تكفل ابتداء ببدن الميت، وعلل المصنف ما ذهب إليه أصحابنا بوجهين: الأول: هو قوله م: (لأنه عجز عن إحضاره) ش: أي إحضار المكفول به وهو المدعى عليه. والثاني: هو قوله م: (ولأنه سقط الحضور عن الأصيل فيسقط الإحضار عن الكفيل) ش: لأن الكفيل الأصيل من الحق المضمون يوجب براءة الكفيل.
م: (وكذا) ش: أي وكذا تسقط الكفالة م: (إذا مات الكفيل لأنه لم يبق قادرا على تسليم المكفول) ش: إلا بإحضار النفس وقد سقط الحضور عن الأصيل، فكذا عن الكفيل، لأن براءة المكفول. م: (بنفسه وماله) ش: أي ومال الكفيل م: (لا يصلح لإيفاء هذا الواجب) ش: وهو الإحضار وتسليم المكفول به.
حاصله: أنه لا يؤدي ما على المكفول به من تركه الكفيل، لأنه ما التزم بأداء المال، وإنما التزم بتسليم النفس، والمال لا يصلح وفاء لهذا الواجب، وبه قال أحمد والشعبي وشريح وحماد بن أبي سليمان والشافعي في أصح الوجهين وقال مالك والليث: يلزمه ما عليه، وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعي.
م: (بخلاف الكفيل بالمال) ش: إذا مات حيث يُؤدى المال من تركه، إذ المقصود هنا إيفاء حق المكفول له في الحال والمآل، والكفيل صالح له فلا تبطل الكفالة فتؤخذ من تركته ويرجع ورثته على المكفول عنه إذا كانت الكفالة بأمره كما في حال الحياة.
ولو كان الدين مؤجلا ومات الكفيل قبل الأجل يؤخذ من تركته حالا، ولكن ورثته ترجع على الذي عليه الأصل بعد حلول الأجل، لأنه باق في حق الأصيل لبقاء حاجته، أما الكفيل
стр. 4329
ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل، وإن لم يكن فلوارثه لقيامه مقام الميت. قال: ومن كفل بنفس آخر ولم يقل إذا دفعت إليك فأنا بريء فدفعه إليه فهو بريء، لأنه موجب التصرف فيثبت بدون التنصيص عليه. ولا يشترط قبول الطالب التسليم كما في قضاء الدين. ولو سلم المكفول به نفسه من كفالته صح لأنه مطالب بالخصومة فكان له ولاية الدفع.
ــ
[البناية]
فقد استغنى عن الأجل بالموت. كذا في " المبسوط "، وبقولنا قال الشافعي وأحمد. وعن زفر: أن للورثة مطالبته حالا لأنه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته.
قلنا: إنه دين مؤجل فلا يجوز قبل الأجل.
م: (ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل) ش: لقيامه مقام المكفول له م: (وإن لم يكن) ش: أي للوصي م: (فلوارثه) ش: المطالبة م: (لقيامه) ش: أي لقيام الوارث م: (مقام الميت) ش: ويجوز أن يكون الضمير في لقيامه راجعا إلى كل واحد من الوصي والوارث لأن كلا منهما يقوم مقام الميت.
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن كفل بنفس آخر) ش: بالإضافة م: (ولم يقل) ش: أي والحال أنه لم يقل م: (إذا دفعت إليك فأنا بريء فدفعه إليه فهو بريء لأنه) ش: أي لأن دفع المكفول به إلى الطالب، كذا قاله الكاكي.
وقال الأكمل: لأنه يعني البراءة وذكره لتذكير الخير وهو الموجب م: (موجب التصرف فيثبت) ش: أي الموجب م: (بدون التنصيص عليه) ش: كثبوت الملك بالشراء وإن لم يصرح به وكحل الاستمتاع يثبت بمجرد النكاح الصحيح فإنه موجبه.
وكذا في سائر الموجبات م: (ولا يشترط قبول الطالب التسليم كما في قضاء الدين) ش: إذا سلمه الغاصب إذا رد المغصوب على المالك، والبائع إذا سلم المبيع إلى المشتري، وبه قال مالك وأحمد.
وقال الشافعي ﵀: لزمه القبول. ولو امتنع من القبول، قال بعض أصحابه: يرفع الأمر إلى القاضي ويسلمه حتى يبرأ، فإن لم يجدها أو امتنع أحضر شاهدين ليشهدوا على امتناعه، وبه قال بعض أصحاب أحمد، ﵀.
م: (ولو سلم المكفول به نفسه من كفالته صح) ش: هذه من مسائل " المبسوط " ذكرها تفريعا على ما تقدم م: (لأنه) ش: أي لأن المكفول به م: (مطالب بالخصومة) ش: أي بخصومة المدعي أو مرض من الكفيل، قال شيخنا م: (فكان له ولاية الدفع) ش: أي دفع الخصومة. وفي بعض النسخ: لأنه يطالب بالخصومة. وقال الأترازي: مطالب صح بفتح اللام سماعا، قلت: وكذا قال شيخنا
стр. 4330
وكذا إذا سلمه إليه وكيل الكفيل أو رسوله لقيامهما مقامه. قال: فإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به إلى وقت كذا فهو ضامن لما عليه، وهو ألف فلم يحضره إلى ذلك الوقت لزمه ضمان المال؛ لأن الكفالة بالمال معلقة بشرط عدم الموافاة، وهذا التعليق صحيح. فإذا وجد الشرط لزمه المال، ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس، لأن وجوب المال عليه بالكفالة لا ينافي الكفالة بنفسه، إذ كل واحد منهما للتوثيق. وقال الشافعي: لا تصح هذه الكفالة؛ لأنه
ــ
[البناية]
العلاء بفتح اللام م: (وكذا) ش: أي وكذا صح م: (إذا سلمه إليه) ش: إذا سلم الكفيل إلى المكفول له م: (وكيل الكفيل أو رسوله) ش: أي أو أسلمه إليه رسول الكفيل م: (لقيامهما) ش: أي لقيام وكيل الكفيل ورسوله م: (مقامه) ش: أي مقام الكفيل.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن تكفل بنفسه على أنه لم يواف به) ش: أي إن لم يأت به وهو من الموافاة، وهو مفاعلة من الوفاء م: (إلى وقت كذا فهو ضامن لما عليه وهو ألف) ش: وقال الكاكي: والتقييد بما عليه مقيد؛ لأنه إذا لم يقل لما عليه لا يلزمه شيء عند عدم الموافاة خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد ﵀ لا تصح الكفالة، وسيجيء بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وقال الكاكي أيضا: والتقييد بقوله: وهو ألف غير مفيد، لأنه إذا قال: ما عليه ولم يسم كم هو جاز، لأن جهالة المكفول به لا تمنع صحتها لأنها مبنية على التوسع كضمان الدرك وضمان الشجة، فإنه يصح مع أنه مجهول لا يعلم أنها تسري إلى النفس أم لا. م: (فلم يحضره) ش: أي الألف م: (إلى ذلك الوقت لزمه ضمان المال؛ لأن الكفالة بالمال معلقة بشرط عدم الموافاة، وهذا التعليق صحيح) ش: لأنه متعارف بين الناس وإن كان القياس يأباه، كما لو اشترى نعلا على أن يحذوه البائع.
م: (فإذا وجد الشرط لزم المال، ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس، لأن وجوب المال عليه بالكفالة لا ينافي الكفالة بنفسه، إذ كل واحد منهما) ش: أي لأن كل واحد من الكفالتين شرع م: (للتوثيق) ش: فيجوز أن يدعي عليه دينا آخر.
م: (وقال الشافعي: لا تصح) ش: ذكر في " المبسوط " موضع الشافعي ﵀ وقال ابن أبي ليلى م: (هذه الكفالة) ش: إنما قيد بقوله: هذه الكفالة للاحتراز عن سائر الكفالات بالمال بدون النفس بالشرط لا للاحتراز عن الكفالة بالمال، فإن عنده كلتيهما باطلتين، كذا ذكره قاضي خان والمرغيناني.
وقال الكاكي على قوله المنصوص بصحة الكفالة بالنص: وتبطل الكفالة بالمال فقط، ويفهم ذلك من كتبهم، وتعليل الكتاب أيضا يدل عليه م: (لأنه) ش: أي لأن هذا التعليق. وفي
стр. 4331
تعليق سبب وجوب المال بالخطر فأشبه البيع. ولنا: أنه يشبه البيع ويشبه النذر من حيث إنه التزام، فقلنا: لا يصح تعليقه بمطلق الشرط كهبوب الريح ونحوه، ويصح بشرط متعارف عملا بالشبهين والتعليق بعدم الموافاة متعارف. ومن كفل بنفس رجل، وقال: إن لم يواف به غدا فعليه المال، فإن مات المكفول عنه ضمن المال لتحقق الشرط، وهو عدم الموافاة
ــ
[البناية]
بعض النسخ هذه الكفالة؛ لأنها م: (تعليق سبب وجوب المال بالخطر) ش: أراد بالسبب الكفالة بالمال؛ لأنها سبب وجوب المال، فيكون تعليقها بالشرط تعليق سبب وجوب المال فلا يصح، لأن المال لا يحتمل التعليق بالخطر لإفضائه إلى معنى القمار م: (فأشبه البيع) ش: أي تعليق البيع بالمال وصار كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنا كفيل بمالك على فلان.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن عقد الكفالة م: (يشبه البيع) ش: أي انتهاء من حيث إن الكفيل يرجع على الأصيل إذا كان يأمره م: (ويشبه النذر من حيث إنه التزام) ش: يعني التزام شيء غير لازم، فعملنا بالشبهين. م: (فقلنا: لا يصح تعليقه بمطلق الشرط) ش: عملا بشبه البيع. م: (كهبوب الريح ونحوه) ش: أراد به دخول الدار ومجيء المطر م: (ويصح بشرط متعارف) ش: عملا بشبه النذر م: (عملا بالشبهين، والتعليق بعدم الموافاة متعارف) ش: وبدخول الدار غير متعارف.
م: (ومن كفل بنفس رجل، وقال: إن لم يواف به غدا فعليه المال، فإن مات المكفول عنه ضمن المال لتحقق الشرط وهو عدم الموافاة) ش: لأنه علق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالمكفول به، وقد تحقق الشرط فيوجب المال.
فإن قيل: هذه المسألة عين الأولى غير أن في الأولى لم يذكر موت المكفول به وهاهنا ذكره وبه لا يقع الفرق، إذ لزوم المال بموته وعدم موته لا يتفاوت.
قلنا: بل بينهما فرق، وهو أنه لم يذكر في بعض النسخ " الجامع " لفظ الغد في هذه المسألة، فكان تعليق الكفالة بالمال بعدم الموافاة مطلقًا وهنا مقيدا، فكان بينهما فرق، إذا المطلق غير المقيد.
وقال الأترازي: والفرق بين هذه المسألة ومسألة القدوري التي تقدمت أن في هذه لم يذكر لفظ الغد في أكثر نسخ الجامع الصغير، ولهذا لم يذكره فخر الإسلام والصدر الشهيد وقاضي خان، وإنما ذكر بعضهم فكانت مسألة القدوري مقيدة بوقت وهذه مطلقة عنه فحصل الفرق.
والوجه الثاني من الفرق: أن المكفول به هنا مات قبل الغد وفي مسألة القدوري هو حي، ولكن الكفيل لم يواف به في ذلك الوقت فذكر مسألة " الجامع الصغير " إزاحة لوهم بعض الناس أنه ربما يكون فرق بين عدم الموافاة وهو حي وعدم الموافاة وهو ميت، فقال: لا فرق بينهما، بل يجب المال إذا وجد الشرط وهو عدم الموافاة في الوقت.
стр. 4332
قال: ومن ادعى على آخر مائة دينار، بينها أو لم يبينها، حتى تكفل بنفسه رجل على أنه إن لم يواف به غدا فعليه المائة، فإن لم يواف به غدا فعليه المائة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-، وقال محمد: إن لم يبينها حتى تكفل به رجل ثم ادعى بعد ذلك لم يلتفت إلى دعواه؛ لأنه علق مالا مطلقا بحظر، ألا يرى أنه لم ينسبه إلى ما عليه، ولا تصح الكفالة على هذا الوجه وإن بينها ولأنه لم تصح الدعوى من غير بيان فلا يجب إحضار النفس، وإذا لم يجب لا تصح الكفالة بالنفس فلا تصح بالمال؛ لأنه بناء عليه، بخلاف ما إذا بين. ولهما أن المال ذكر معرفا فينصرف إلى ما عليه، والعادة جرت بالإجمال في الدعاوي
ــ
[البناية]
م: (قال: ومن ادعى على آخر مائة دينار بينها) ش: أي بين صفة مائة دينار أنها جيدة أو رديئة أو خليقة أو ركينة. م: (أو لم يبينها حتى تكفل بنفسه رجل على أنه إن لم يواف به غدا فعليه المائة، فإن لم يواف به غدا فعليه المائة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: وبه قال أحمد م: (وقال محمد: إن لم يبينها حتى تكفل به رجل ثم ادعى بعد ذلك لم يلتفت إلى دعواه) ش: أي إلى دعوى الطالب، وبه قال الشافعي م: (لأنه) ش: أي لأن الكفيل م: (علق مالا مطلقا) ش: أراد بإطلاقه عدم نسبة المائة إلى المال المدعى به حيث لم يقل: تكفلت بمالك عليه م: (بحظر) ش: أي بتردد وهو شرط عدم الموافاة م: (ألا يرى) ش: توضيح لما قبله م: (أنه لم ينسبه إلى ما عليه) ش: حيث لم يقل التي لك على فلان.
م: (ولا تصح الكفالة على هذا الوجه وإن بينها) ش: أي لا تصح الكفالة على وجه تعليق المال مطلقا بحظر، وإن بين صفة المائة من الجودة والرداءة والوسط، وذلك لاحتمال أن يلتزم المائة على وجه الرشوة للمدعي حتى يترك المدعى عليه في الحال، هكذا ذكر الماتريدي.
م: (ولأنه لم تصح الدعوى) ش: هذا وجه آخر منسوب إلى الشيخ الإمام أبي الحسن الكرخي م: (من غير بيان فلا يجب إحضار النفس) ش: إلى مجلس القاضي لفساد الدعوى بجهالة المدعى به م: (وإذا لم يجب لا تصح الكفالة بالنفس فلا تصح بالمال لأنه بناء عليه) ش: أي لأن عقد الكفالة بالمال بناء على عقد الكفالة بالنفس، وهذا يوجب أن تصح الكفالة بالنفس إذا بين المال، وهو معنى قوله م: (بخلاف ما إذا بين) ش: أي المال، حيث تصح الكفالة بالنفس.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- م: (أن المال ذكر معرفا فينصرف إلى ما عليه) ش: يعني أن المال في قول الكفيل ذكر معرفا، حيث قال: إن لم يواف به غدا فعليه المال فينصرف إلى ما على الأصيل لأنه هو المعهود م: (والعادة جرت بالإجمال في الدعاوي) ش: أي العادة جرت بين الناس أنهم يحملون الدعوى أولا في غير مجلس القاضي، وبينوه عند القاضي دفعا لحيل الخصوم وصرفا لكلامهم إلى وقت الحاجة.
стр. 4333
فتصح الدعوى على اعتبار البيان، فإذا بين التحق البيان بأصل الدعوى فتبين صحة الكفالة الأولى فيترتب عليها الثانية.
قال: ولا يجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة ﵀ معناه لا يجبر عليها عنده
ــ
[البناية]
فإذا كان كذلك م: (فتصح الدعوى على اعتبار البيان) ش: من جهته م: (فإذا بين التحق البيان بأصل الدعوى) ش: يعني إلى ابتداء الدعوى، فإذا كان كذلك م: (فتبين صحة الكفالة الأولى) ش: وهي الكفالة بالنفس م: (فيترتب عليها الثانية) ش: أي الكفالة الثانية وهي الكفالة بالمال، ويكون القول له في هذا الباب، لأنه يدعي صحة الكفالة، والكفيل يدعي الفساد.
[الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة ﵀) ش: إلى هنا لفظ القدوري، وقوله م: (معناه لا يجبر عليها عنده) ش: من كلام المصنف، أي معنى قول القدوري: لا تجوز الكفالة بالنفس لا يجبر من عليه الحد أو القصاص على الكفالة، حاصل الكلام: من توجه عليه الحد أو القصاص إذا طلب منه كفيل بنفسه بأن يحضره في مجلس القضاء لإثبات ما يدعيه المدعى عليه فامتنع عن إعطائه لا يجبر عليه عند أبي حنيفة، وعلى هذا يكون معنى قوله: ولا تجوز الكفالة لا يجوز إجبار الكفالة بحذف المضاف وإسناد الجواز إلى الكفالة مجازا. وقال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ": معنى قول محمد: لا كفالة في الحدود والقصاص - أن القاضي لا يفعل ذلك، لأن فيه احتيالا للإثبات، والشرع أمر بالدرء وهو خلافه، ثم قال فخر الإسلام: وهذا قول أبي حنيفة ﵀ وذكر الشيخ الإمام علاء الدين الأسبيجابي في أول باب الكفالة من " شرح مختصر الكافي " أن الكفالة بنفس من عليه حد القذف وحد السرقة ومن عليه القصاص في النفس وما دون النفس يصح، وإنما الخلاف في الجبر على إعطاء الكفيل في الحدود، لا يجبر بالإجماع.
وفي القصاص لا يجبر عند أبي حنيفة ﵀ وعند صاحبيه يجبر. وفي " الشامل " وفي القصاص وحد القذف والسرقة جازت الكفالة بالنفس ولا تجوز الكفالة بنفس الحد، وفيه أيضا: لا تجوز كفالة في قصاص واحد، ويقول القاضي لمدعي القذف: الزمه إلى قيامي إن كانت بينتك حاضرة، عند أبي حنيفة. وعندهما يأخذ كفيلا ثلاثة أيام، ثم قال: والخلاف في أمر القاضي بإعطائه لا في الصحة، فإنه لو كفل إنسان صح، وذكر الكرخي: أن الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص جائزة في قولهم جميعا إذ بدلهما المطلوب بنفسه، ولكن هل للقاضي أن يأمره بالكفيل إذا طلب الخصم؟ قال أبو حنيفة ﵀: لا يأخذ القاضي منه كفيلا، ولكن يحبسه حتى تقام عليه البينة أو تستوفى، كذا ذكر صاحب " التحفة "، ثم لا يحبسه القاضي في الحدود والقصاص حتى يشهد شاهدان مستوران أو شاهد عدل يعرفه القاضي فيشهد أنه زنى أو قتل فيحبسه القاضي حينئذ لثبوت التهمة بأحد شطري الشهادة من العدد والعدالة حتى يشهد
стр. 4334
وقالا: يجبر في حد القذف لأن فيه حق العبد وفي القصاص لأنه خالص حق العبد،
ــ
[البناية]
عليه الشهود العدول، وقد صح «أن رسول الله ﷺ حبس رجلا بالتهمة» . بخلاف الأموال حيث لا يحبس فيها بشهادة الواحد.
وفي " شرح الأقطع " فإن قيل: فقد قال أبو حنيفة: يحبس، والتوثق بالحبس أعظم من التوثق بالكفيل.
قيل له: ليس الحبس للتوثق، وإنما هو للتهمة والحبس بها واجب، ونقل الناطقي في "أجناسه" عن " نوادر ابن رستم " في التعزير: لا يحبس حتى يسأل عن عدالة الشهود وتقبل فيه الشهادة على شهادة النساء مع الرجال، ويجوز فيه العفو وتصح فيه الكفالة وهو حق الآدمي. وفي " نوادر أبي يوسف " رواية ابن سماعة في الذي يجمع الخمر ويشربه، ويترك الصلاة: أحبسه وأؤدبه ثم أخرجه ومن يتهم بالقتل والسرقة وضرب الناس فإني أحبسه وأخلده في السجن إلى أن يتوب، لأن شر هذا على الناس وشر الأول على نفسه وبقول أبي حنيفة في هذا الباب قال أحمد والشافعي في قول وقول أكثر أهل العلم.
م: (وقالا: يجبر في حد القذف) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: يجبر المدعى عليه في حد القذف على الكفالة، وبه قال الشافعي في قول، وعن مالك مثله م: (لأن فيه) ش: أي في حد القذف م: (حق العبد) ش: ولهذا يشترط الدعوى فيه، وإن كان الغالب حق الله تعالى والمدعي يحتاج إلى أن يجمع بين الشهود وبين المطلوب، والمطلوب قد يخفي نفسه فيحتاج إلى أن يأخذ منه كفيلا، وألحق الإمام المحبوبي حد السرقة بحد القذف في الجبر بالكفالة على قولهما، وفي الجواز بغير الجبر على قول أبي حنيفة لأنه من الحدود التي يتعلق بها حق العباد. وقال المرغيناني: ليس نفس الجبر هنا الحبس لكن يأمره بالملازمة وليس تفسير الملازمة المنع من الذهاب لكن يذهب الطالب مع المطلوب فيدور ومعه أينما دار كيلا يغيب، فإذا انتهى إلى باب الدار وأراد الدخول ليستأذنه الطالب في الدخول فإن أذن له في الدخول يدخل معه وليكن حيث يسكن وإن لم يأذن يحبسه في باب داره ويمنعه من الدخول.
م: (وفي القصاص) ش: أي يجبر في القصاص أيضا م: (لأنه خالص حق العبد) ش: فيجري الجبر في أخذ الكفيل كما في سائر حقوقه. وقال الأترازي: وفيه نظر، لأن القصاص مما اجتمع فيه الحقان حق الله تعالى من حيث إخلاء العالم عن الفساد، وحق العبد من حيث يشفي
стр. 4335
بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى. ولأبي حنيفة قوله ﵇: "لا كفالة في حد" من غير فصل، ولأن مبنى الكل على الدرء فلا يجب فيها الاستيثاق، بخلاف سائر الحقوق لأنها تندرئ بالشبهات فيليق بها الاستيثاق كما في التعزير. ولو سمحت نفسه به
ــ
[البناية]
الصدور. ولكن حق العبد فيه غالب لصحة الاعتياض والعفو م: (بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى) ش: أراد بها حد الزنا وشرب الخمر، يعني لا يجوز الكفالة فيها بالاتفاق.
م: (ولأبي حنيفة قوله ﵇) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «لا كفالة في حد» ش: قال الأكمل: قيل: هذا من كلام شريح لا من كلام النبي ﷺ ذكره الخصاف في أدب القاضي عن شريح، وقال الصدر الشهيد في " أدب القاضي ": روي هذا الحديث مرفوعا إلى رسول الله ﷺ وكذا قاله الأترازي بعينه، ثم قال في آخره: ولنا في رفعه نظر. قلت: هذا أخرجه البيهقي في سننه عن بقية عن عمر بن أبي عمر الكلاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا كفالة في حد» . وقال: تفرد به عمر بن أبي عمر الكلاعي، وهو من مشايخ بقية المجهولين ورواياته منكرة، انتهى. ورواه ابن عدي في "الكامل" عن عمر الكلاعي، فأعله به، وقال: إنه مجهول لا أعلم أنه روى عنه غير بقية كما يروي عن سائر المجهولين وأحاديثه منكرة غير محفوظة. م: (من غير فصل) ش: يعني لم يفرق بين حد فيه حق العبد وبين حد هو خالص حق الله تعالى، فلا تجوز الكفالة في جميع الحدود. م: (ولأن مبنى الكل على الدرء) ش: أي على الدفع. م: (فلا يجب فيه الاستيثاق) ش: يعني بالتكفل، فإذا لم يكفل عنده ماذا يصنع به. قال في " جامع البرهاني ": يلازمه إلى وقت قيام القاضي عن المجلس، فإن أحضر البينة فيها وإلا خلى سبيله، هذا إذا لم يكن شاهدا عدلا أو شاهدين غير مستورين، فإن أقام يحبس لا للتكفيل بل للتهمة م: (بخلاف سائر الحقوق) ش: حيث يجب فيه الاستيثاق بالتكفيل م: (لأنها تندرئ بالشبهات فيليق بها الاستيثاق كما في التعزير) ش: أي يحبس المطلوب على إعطاء الكفيل فيما يجب فيه التعزير؛ لأنه محض حق العبد ويثبت مع الشبهات، وبالشهادة على الشهادة ويحلف فيه فيجبر فيه كالأموال.
م: (ولو سمحت نفسه به) ش: أي نفس المدعى عليه بإعطاء الكفيل للطالب من غير جبر عليه، يعني لو تبرع بإعطاء الكفيل وسامح في ذلك نفس المطلوب وبدل الكفيل بنفسه في القصاص
стр. 4336
يصح بالإجماع، لأنه أمكن ترتيب موجبه عليه؛ لأن تسليم النفس فيها واجب فيطالب به الكفيل فيتحقق الضم. قال: ولا يحبس فيها حتى يشهد شاهدان مستوران أو شاهد عدل يعرفه القاضي؛ لأن الحبس للتهمة هاهنا، والتهمة تثبت بأحد شطري الشهادة، إما العدد أو العدالة، بخلاف الحبس في باب الأموال لأنه أقصى عقوبة فيه فلا يثبت إلا بحجة كاملة
ــ
[البناية]
وحد القذف والسرقة م: (يصح) ش: أي الكفالة م: (بالإجماع) ش: وفي " الجنازية ": هذا في حد للعباد فيه حق كحد القذف، أما في حد ليس للعبد فيه حق لا يجوز الكفالة وإن سمحت به نفسه.
وقال أحمد والشافعي بعدم المطالبة فيه م: (لأنه أمكن ترتيب موجبه عليه) ش: موجبه التزام المطالبة. وقال تاج الشريعة: أي موجب عقد الكفالة وهو ضم الذمة في المطالبة، والضمير فيه يرجع إلى التكفيل، وفي "عليه" إلى التكفيل م: (لأن تسليم النفس فيها) ش: أي في الحدود، ويروى "فيهما" بضمير التثنية، أي في حد القذف والقصاص م: (واجب فيطالب به الكفيل فيتحقق الضم) ش: وهو ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة.
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير " - وليس في كثير من النسخ لفظ قال - م: (ولا يحبس فيهما) ش: أي في الحدود، وفي بعض النسخ فيهما أي في حد القذف والقصاص م: (حتى يشهد شاهدان مستوران أو شاهد عدل يعرفه القاضي) ش: أي يعرف كونه عدلا قيد به لأنه لو كان مجهولا لا يحبسه م: (لأن الحبس للتهمة هاهنا) ش: التهمة بضم التاء وفتح الهاء، ويجوز بالإسكان أيضا.
وقال ابن الأثير: التهمة فعلة من الوهم والتاء بدل من الواو وقد تفتح الهاء واتهمته أي ظننت فيه ما نسب إليه، من وهمت الشيء أهمه وهما من باب ضرب أي وقع في خلدي، والوهم ما يقع في القلب من الخاطر، ومعنى الحبس للتهمة تهمة الفساد، وهنا للاحتياط وشهادة المستورين تصلح لإثبات الحكم فيصلح لإثبات التهمة، وخبر الواحد حجة في الديانات والمعاملات فيثبت بشهادة العدل التهمة وإن لم تثبت أصل الحق، والحبس لتهمة الفساد مشروع، لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده «عن رسول الله ﷺ أنه حبس رجلا بالتهمة» .
م: (والتهمة تثبت بأحد شطري الشهادة إما العدد أو العدالة) ش: العدد اثنان، والعدالة في الواحد وقد مر أن الحبس للتهمة من باب دفع الفساد وهو من الديانات فيثبت بأحد شطريها م: (بخلاف الحبس في باب الأموال) ش: حيث لا يحبس فيه بشهادة الواحد م: (لأنه) ش: أي لأن الحبس م: (أقصى عقوبة فيه) ش: أي في باب الأموال م: (فلا يثبت إلا بحجة كاملة) ش: فلا يجوز أن يعاقب به قبل ثبوت الحدود والقصاص به، أما في الحدود والقصاص والتعزير أقصى العقوبة
стр. 4337
وذكر في " أدب القاضي " أن على قولهما لا يحبس في الحدود والقصاص بشهادة الواحد لحصول الاستيثاق بالكفالة. قال: والرهن والكفالة جائزان في الخراج؛ لأنه دين مطالب به ممكن الاستيفاء فيمكن ترتيب موجب العقد عليه فيهما.
قال: ومن أخذ من رجل كفيلا بنفسه ثم ذهب وأخذ منه كفيلا آخر فهما كفيلان؛ لأن موجبه التزام المطالبة وهي متعددة؛
ــ
[البناية]
القتل، إذ الضرب والحبس نوع عقوبة، فجاز أن يعاقب به قبل ثبوت الحد والقصاص م: (وذكر في أدب القاضي) ش: ذكر على صيغة المجهول م: (أن على قولهما) ش: أي على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (لا يحبس في الحدود والقصاص بشهادة الواحد لحصول الاستيثاق بالكفالة) ش: يعني أن عندهما لما كانت الكفالة ثابتة في الحدود والقصاص لم تقع الحاجة إلى الحبس، لأن الاستيثاق يحصل بالكفالة. وعند أبي حنيفة ﵀ لا كفالة فيها جبرا فيحبس كي يشهد عليه الشهود العدول.
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (والرهن والكفالة جائزان في الخراج لأنه) ش: أي لأن الخراج م: (دين مطالب به) ش: ألا ترى أنه يحبس به ويلازم لأجله ومنع وجوب الزكاة فيجوز الكفالة والرهن به كسائر الديون، كذا في " الفوائد الظهيرية ".
فإن قيل: يشكل على هذا الزكاة فإنه دين مطالب من جهة العباد في الأموال الظاهرة الإمام، وفي الباطنة نائبه وهو المالك كما مر في الزكاة، ولا يجوز الكفالة بدين الزكاة.
قلنا: قال التمرتاشي: إنما لا يصح لأن الزكاة ليست بدين بل هو تمليك المال، ولهذا لا يؤخذ من تركته عندنا بخلاف الخراج، فإنه يؤخذ من تركته.
م: (ممكن الاستيفاء) ش: راجع إلى الرهن، لأن الرهن توثيق لجانب الاستيفاء فهذا من باب اللف والنشر الغير مرتب، لأن قوله: دين يطالب به يرجع إلى الكفالة م: (فيمكن ترتيب موجب العقد عليه فيهما) ش: المراد بالعقد الكفالة والرهن وموجب الكفالة كونها مشروعة لتحمل المطالبة، وموجب الرهن كونه مشروعا بمضمون يمكن استيفاؤه من الرهن والضمير في "عليه" يرجع إلى الخراج، وفي "فيهما" يرجع إلى الرهن والكفالة.
[أخذ من رجل كفيلا بنفسه ثم ذهب وأخذ منه كفيلا آخر]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن أخذ من رجل كفيلا بنفسه ثم ذهب وأخذ منه كفيلا آخر فهما كفيلان) ش: أي ذهب الطالب وأخذ من المطلوب وهو المديون كفيلا آخر، فهما -أي الأول والثاني- كفيلان م: (لأن موجبه) ش: أي موجب عقد الكفالة م: (التزام المطالبة وهي متعددة) ش: ألا ترى أنهما لو كفلا جميعا بنفسه معا جاز، فكذا إذا كفلا على التعاقب ثم أسلم أحدهما نفس الأصيل إلى الطالب برئ هو دون الآخر وليس هذا كالدين، فإنه لو قضى أحد الكفيلين لدين واحد يبرآن، وفي " التفاريق ": والكفلاء الثلاثة في العقد الواحد
стр. 4338
والمقصود التوثق، وبالثانية يزداد التوثق فلا يتنافيان. وأما الكفالة بالمال فجائزة، معلوما كان المكفول به أو مجهولا إذا كان دينا صحيحا، مثل أن يقول: تكفلت عنه بألف، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع؛ لأن مبنى الكفالة على التوسع فيحتمل فيها الجهالة،
ــ
[البناية]
أيهم سلم الأصيل كتسليمهم.
وفي " الشافي ": ثلاثة كفلوا بألف طالب كل واحد بثلث الألف، وإن كفلوا على التعاقب يطالب كل واحد بالألف، كذا ذكره شمس الأئمة والمرغيناني والتمرتاشي، ومذهب الشافعي لا يتأتى هنا؛ لأن الكفالة بالنفس عنده لا تصح، كذا قاله الأترازي، وفي قول ابن أبي ليلى يرى الكفيل الأول م: (والمقصود) ش: من عقد الكفالة م: (التوثيق، وبالثانية) ش: أي وبالكفالة الثانية م: (يزداد التوثق فلا يتنافيان) ش: أي الكفالتان.
فإن قيل: لما أخذ الطالب والمطلوب وأخذ منه كفيلا فقد صار مستوفيا للنفس حين صارت في يده فلم لا يبرأ الكفيل الأول بمنزلة الكفيل بالدين إذا أخذ الطالب من المطلوب الدين برئ الكفيل.
قيل له: لأن الطالب إذا أخذ الدين لم يبق له حق، وهاهنا حقه باق وتسليم النفس إليه يحتاج إليه في كل وقت حتى يستخرج حقه، انتهى.
قلت: نفس السؤال دليل ابن أبي ليلى على قوله برئ الكفيل الأول، والجواب جواب عنه فافهم.
م: (وأما الكفالة بالمال) ش: لما قسم المصنف الكفالة على قسمين كفالة بالنفس وكفالة بالمال وبين الأول فشرع في بيان الثاني بقوله م: (فجائزة) ش: وهو جواب أما، وهذا لا خلاف فيه إذا كان المال معلوما، وأما إذا كان المال مجهولا فكذلك جائز عندنا، وهو معنى قوله م: (معلوما كان المكفول به أو مجهولا) ش: وقال الشافعي: لا يجوز إذا كان مجهولا، وصورة المعلوم مثل قوله تكفلت عنه بألف، وصورة المجهول مثل قوله: تكفلت عنه بمالك عليه. والآن بينه المصنف ﵀ ولكن فيه شرط عندنا، أشار إليه بقوله م: (إذا كان دينا صحيحا) ش: احترز به عن بدل الكتابة، ويجيء الآن أيضا م: (مثل أن يقول: تكفلت عنه بألف) ش: هذا صورة المعلوم م: (أو بما لك عليه) ش: أي أو قال: تكفلت عنه بما لك عليه، وهذا هو صورة المجهول م: (أو بما يدركك في هذا البيع) ش: أي أو يقول: تكفلت عنه بما يدركك من العوارض في هذا البيع م: (لأن مبنى الكفالة على التوسع) ش: لأنها تبرع ابتداء فلا يمنع صحتها الجهالة المستدركة اليسيرة م: (فيحتمل فيها) ش: أي في الكفالة م: (الجهالة) ش: أي جهالة المكفول به، وبقولنا قال مالك وأحمد والشافعي في القديم. وقال في الجديد: لا يصح ضمان المجهول وهو قول الليث والثوري وابن
стр. 4339
وعلى الكفالة بالدرك إجماع، وكفى به حجة، وصار كما إذا كفل لشجة صحت الكفالة وإن احتملت السراية أو الاقتصار. وشرط أن يكون دينا صحيحا، ومراده أن لا يكون بدل الكتابة، وسيأتيك في موضعه إن شاء الله تعالى. قال: والمكفول له بالخيار إن شاء طالب الذي عليه الأصل، وإن شاء طالب كفيله لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وذلك يقتضي قيام الأول لا البراءة عنه،
ــ
[البناية]
أبي ليلى وابن المنذر قالوا لأنه التزام، قال: فلم يصح مجهولا كالثمن في البيع. ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (يوسف: الآية ٧٢) . لأن حمل البعير يختلف باختلاف البعير، وعموم قوله ﵇: «الزعيم غارم» .
م: (وعلى الكفالة بالدرك إجماع) ش: إجماع مبتدأ وخبره هو قوله: مقدما على الكفالة بالدرك، وأراد به زيادة الإيضاح على صحة الكفالة بجهالة المكفول به فإنه يصح بالإجماع، وفي " الأقطع ": ونص الشافعي على جواز ضمان الدرك، وهو عبارة عن ضمان الاستحقاق وهو مجهول، وهو أن يقول للمشتري: أنا ضامن للثمن إن استحق المبيع أحد والدرك بتحريك الراء وتسكينها التبعة، يقال: ما لحقك من درك فعلي خلاصه.
فإن قيل: هذا ضمان مال مجهول فلا يصح كما لو قال: ضمنت لك بعض مالك على فلان. فقيل له: هذا يصح عندنا والخيار فيه إلى الضامن يبين أي مقدار شاء م: (وكفى به) ش: أي بالإجماع م: (حجة) ش: والإجماع من أقوى الحجج م: (وصار) ش: أي حكم هذا المذكور م: (كما إذا كفل لشجة) ش: أي خطأ م: (صحت الكفالة) ش: مع أن فيها جهالة.
م: (وإن احتملت السراية) ش: إلى النفس م: (أو الاقتصار) ش: عليه بدون السراية بخلاف الكفالة بشجة عمدا لأن فيها القصاص ولا تصح الكفالة بالقصاص م: (وشرط) ش: أي القدوري م: (أن يكون) ش: المكفول به م: (دينا صحيحا) ش: وذلك في قوله: وأما الكفالة بالمال فجائزة، معلوما كان المكفول به أو مجهولا إذا كان دينا صحيحا، وهذا لفظ القدوري في "مختصره" م: (ومراده) ش: أي مراد القدوري من قوله إذا كان دينا صحيحا م: (أن لا يكون بدل الكتابة) ش: لأن الكفالة ببدل الكتابة لا تصح، لأنه ليس بدين صحيح، لأن الدين الصحيح لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء فيسقط بدل الكتابة بدونهما بتعجيز النفس م: (وسيأتيك في موضعه إن شاء الله تعالى) ش: في كتاب المكاتب.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (والمكفول له بالخيار إن شاء طالب الذي عليه الأصل) ش: أي الدين م: (وإن شاء طالب كفيله؛ لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وذلك يقتضي قيام الأول) ش: أي الذمة الأولى م: (لا البراءة عنه) ش: أي لا يستدعي البراءة عنها خلافا لما يقول ابن
стр. 4340
إلا إذا شرط فيه البراءة، فحينئذ تنعقد حوالة اعتبارا للمعنى كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل يكون كفالة. ولو طالب أحدهما له أن يطالب الآخر وله أن يطالبهما؛ لأن مقتضاه الضم، بخلاف المالك إذا اختار تضمين أحد الغاصبين، لأن اختياره أحدهما يتضمن التمليك منه فلا يمكنه التمليك من الثاني، أما المطالبة بالكفالة فلا يتضمن التمليك فوضح الفرق.
قال: ويجوز تعليق الكفالة بالشروط ، مثل أن يقول: ما بايعت فلانا فعلي أو ما ذاب لك
ــ
[البناية]
أبي ليلى: إن الكفالة توجب براءة الأصيل. وقال الكاكي: قوله وإن شاء طالب الكفيل. قاله أكثر العلماء، وعن مالك في رواية عنه أنه لا يطالب الكفيل إلا إذا تعذر المطالبة عن الأصيل م: (إلا إذا شرط فيه البراءة) ش: أي إلا إذا شرط عقد الكفالة براءة الأصيل م: (فحينئذ تنعقد) ش: أي الكفالة م: (حوالة اعتبارا للمعنى) ش: وهو أنه أتى بخاصية الحوالة.
فإن نوى على ما في الكفيل يرجع على الأصيل عندنا خلافا للشافعي والثوري بأحد الأمور الثلاثة، وسيجيء بيانه في "كتاب الحوالة" إن شاء الله تعالى.
م: (كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها) ش: أي بالكفالة م: (المحيل يكون كفالة، ولو طالب أحدهما) ش: أي ولو طالب المكفول له أحد الاثنين وهما الكفيل والأصيل م: (له أن يطالب الآخر) ش: لأن مطالبة أحدهما لا تسقط مطالبة الآخر م: (وله أن يطالبهما) ش: أي الكفيل والأصيل جميعا م: (لأن مقتضاه) ش: أي مقتضى عقد الكفالة م: (الضم) ش: أي ضم الذمة إلى الذمة.
م: (بخلاف المالك) ش: أي مالك الشيء الذي غصب منه غاصب وغصب من الغاصب غاصب آخر م: (إذا اختار تضمين أحد الغاصبين) ش: وهما الغاصب وغاصب الغاصب فليس له أن يضمن الآخر بعد ذلك م: (لأن اختياره) ش: أي اختيار المالك تضمين م: (أحدهما) ش: أي أحد الغاصبين م: (يتضمن التمليك منه) ش: أي من الذي اختار تضمينه يعني إذا قضى القاضي بذلك، كذا في " المبسوط " م: (فلا يمكنه التمليك من الثاني) ش: أي من الغاصب الثاني، لأنه من المحال أن يملك العين الواحدة جميعا لاثنين في زمان واحد. م: (أما المطالبة بالكفالة فلا يتضمن التمليك) ش: ما لم يوجد الاستيفاء حقيقة فلا يمنع مطالبة أحدهما مطالبة الآخر. م: (فوضح الفرق) ش: بين المسألتين.
[تعليق الكفالة بالشروط]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز تعليق الكفالة بالشروط مثل أن يقول: ما بايعت فلانا فعلي) ش: قيد بقوله: فلانا ليصير المكفول له معلوما، إذ جهالته تمنع صحة الكفالة، حتى لو قال: ما بايعت من الناس فأنا لذلك ضامن، لا يجوز لجهالة المكفول عنه والمكفول به فتفاحشت الجهالة، بخلاف الأول، لأن الجهالة فهي يسيرة متحملة، كذا في " الإيضاح " م: (أو ما ذاب لك)
стр. 4341
عليه فعلي، أو ما غصبك فعلي، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (يوسف: الآية ٧٢) . والإجماع منعقد على صحة ضمان الدرك. ثم الأصل أنه يصح تعليقها بشرط ملائم لها مثل أن يكون شرطا لوجوب الحق كقوله: إذا استحق المبيع أو لإمكان الاستيفاء مثل قوله: إذا قدم زيد وهو مكفول عنه، أو لتعذر الاستيفاء مثل قوله: إذا غاب عن البلدة، وما ذكر من الشروط في معنى ما ذكرناه، فأما لا يصح التعليق بمجرد الشرط كقوله: إن هبت الريح أو جاء المطر، وكذا إذا جعل واحدا منهما آجلا إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا؛ لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة
ــ
[البناية]
ش: أي أو يقول ما ذاب لك أي ما وجب وثبت لك م: (عليه) ش: أي على فلان فهو م: (فعلي) ش: ولفظ ذاب مستعار من ذوب الشحم، كذا في " المغرب ".
م: (أو ما غصبك) ش: أي أو يقول: ما غصبك فلان أي ما غصب منك م: (فعلي) ش: أي فهو علي، والياء مشددة في لفظة علي في ثلاثة مواضع م: (والأصل فيه) ش: أي في باب تعليق الكفالة بالشروط الملائمة م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (يوسف: الآية ٧٢)) ش: فإنه يدل على أن جهالة المكفول به لا تمنع صحة الكفالة، إذ حمل البعير مجهول، وقد مر بيانه.
والأصل فيه أن شرائع من قبلنا تلزمنا ما لم ينص الله تعالى على إنكاره م: (والإجماع منعقد على صحة ضمان الدرك) ش: أي الإجماع انعقد على صحة ضمان الدرك، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
م: (ثم الأصل) ش: في هذا الباب م: (أنه يصح تعليقها) ش: أي تعليق عقد الكفالة م: (بشرط ملائم لها) ش: لمقتضى العقد م: (مثل أن يكون شرطا لوجوب الحق كقوله: إذا استحق المبيع) ش: فأنا ضامن لذلك م: (أو لإمكان الاستيفاء مثل قوله: إذا قدم زيد وهو مكفول عنه أو لتعذر الاستيفاء مثل قوله: إذا غاب عن البلدة) ش: أي إذا غاب المكفول عنه عن البلدة فأنا ضامن لك بما عليه م: (وما ذكر من الشروط) ش: أي في أصل المسألة مثل: ما بايعت، وما ذاب، وما غصب م: (في معنى ما ذكرناه) ش: أي بمعنى الأصل الذي ذكرناه وهو أن كل شرط ملائم لعقد الكفالة يصح تعليقها به.
م: (فأما لا يصح التعليق بمجرد الشرط) ش: يعني غير ملائم م: (كقوله إن هبت الريح) ش: فأنا كفيل لك بما عليه م: (أو جاء المطر) ش: أي إن جاء المطر فأنا كفيل م: (وكذا) ش: أي وكذا لا يصح م: (إذا جعل واحدا منهما آجلا) ش: يعني إذا جعل هبوب الريح أو مجيء المطر آجلا لكفالة يبطل الأجل م: (إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا؛ لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشروط لا تبطل بالشروط الفاسدة) .
стр. 4342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال الكاكي: قوله إلا أن تصح الكفالة إلى آخره، اعلم أن في هذا اللفظ نوع اشتباه، لأنه إن أراد بقوله لما يصح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة ابتداء تعليق الكفالة بالشرط، فإن هناك لا يصير كفيلا أصلا، ذكره في " المبسوط "، وإن أراد بهذا اللفظ تأجيل الكفالة إلى هذه الشروط الفاسدة فهذا تأجيل.
والتأجيل غير التعليق ذكره في " فتاوى قاضي خان "، فكيف يصح تعليله بقوله: لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة، إلا إن أراد بالتعليق التأجيل بجامع أن في كل منهما عدم ثبوت الحكم في الحال فحينئذ يصح، وقلد المصنف في هذا الاستعمال لفظ " المبسوط "، فإنه ذكرها هكذا وذكر التعليق وأراد التأجيل.
وقال الأكمل هنا: وفي كلامه نظر من أوجه:
الأول: أن قوله: لا يصح التعليق يقتضي نفي جواز التعليق لا نفي جواز الكفالة، مع أن الكفالة لا تجوز.
الثاني: أن قوله: وكذا إذا جعل معطوفا على قوله: فأما لا يصح فيكون تقديره وكذا لا يصح إذا جعل ولا يخلو، إما أن يكون فاعل يصح هو التعليق أو الكفالة، إذ لم يذكر المصنف ثالثا. والأول: لا يجوز، إذ لا معنى لقوله وكذا لا يصح التعليق إذا جعل كل واحد منهما آجلا.
والثاني: كذلك لقوله بعده: إلا أنه تصح الكفالة.
والثالث: أن الدليل لا يطابق المدلول؛ لأن المدلول بطلان الأجل مع صحة الكفالة والدليل صحة تعليقها بالشرط، وعدم بطلانها بالشروط الفاسدة، ومع ذلك فليس بمستقيم، لأنها تبطل بالشرط المحض وهو أول المسألة.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن حاصل الكلام ينفي جواز الكفالة المعلقة بهما، والمجموع ينتفي بانتفاء جزئه، لا يقال نفي الكفالة المؤجلة كنفي المعلقة، ولا تنتفي الكفالة بانتفاء الأجل، لأن الإيجاب المعلق نوع، إذ التعليق يخرج العلة عن العلية، كما عرف في موضعه، والأجل عارض بعد العقد، فلا يلزم من انتفائه انتفاء معروضه.
وعن الثاني بأن فاعل يصح المقدر وهو الأجل، وتقديره: وكما لا يصح الأجل إذا جعل كل واحد منهما آجلا.
وعن الثالث بأن الراد بالتعليق بالشرط الأجل مجازا بقرينة قوله، ويجب المال حالا، وتقديره لأن الكفالة لما صح تأجيلها بأجل متعارف لم تبطل بالأجل الفاسد كالطلاق والعتاق، ويجوز المجاز وعدم الثبوت في الحال في كل واحد منهما.
стр. 4343
كالطلاق والعتاق. فإن قال: تكفلت بما لك عليه فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيتحقق ما عليه فيصح الضمان به. وإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به؛ لأنه منكر للزيادة، فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله؛ لأنه إقرار على الغير ولا ولاية له عليه. ويصدق في حق نفسه لولايته عليها.
ــ
[البناية]
م: (كالطلاق والعتاق) ش: أي كما أن الشرط المجهول في الطلاق والعتاق يبطل ويصح الطلاق والعتاق بأن قال: أعتقت عبدي، أو قال: طلقت امرأتي إلى قدوم الحاج أو الحاصد أو القطاف م: (فإن قال: تكفلت عنه بما لك عليه) ش: فإن قال شخص لآخر: تكفلت عنه بما لك عليه من المال م: (فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل) ش: أي ضمن الألف الكفيل م: (لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيتحقق ما عليه) ش: أي ما على الكفيل م: (فيصح الضمان به) ش: فصار كأنه ضمن بالألف الذي عليه فلزمه ذلك م: (وإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به) ش: لأنه مال مجهول لزمه بقوله فالقول قوله، كما لو أقر بشيء مجهول م: (لأنه منكر للزيادة) ش: فالقول قول المنكر مع يمينه كالمدعى عليه بالمال م: (فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك) ش: أي مما يعترف به الكفيل م: (لم يصدق على كفيله؛ لأنه إقرار على الغير ولا ولاية له عليه ويصدق في حق نفسه لولايته عليها) ش: أي على نفسه.
والحاصل أن إقرار المكفول عنه تضمن شيئين، أحدهما على نفسه، والآخر على الكفيل، فيصدق في إقراره على نفسه، لأن له ولاية على نفسه، ولا يصدق على الكفيل لعدم ولايته عليه.
وفي " الشامل ": ما ذاب لك على فلان فهو علي أو ثبت، أو ما قضي عليه فأقر المطلوب يلزم الكفيل، إلا قوله: ما قضي عليه، لم يلزمه إلا أن يقضي القاضي. ولو أبى المطلوب اليمين فألزمه القاضي لم يلزمه الكفيل؛ لأن النكول ليس بإقرار بل بدل، وقال الكاكي: قوله ولا ولاية له عليه.
فإن قيل: يشكل هذا بما يكفل بما ذاب له على فلان ثم بعد ذلك قال الطالب: هو ألفان وقال المطلوب ألف، وقال الكفيل: لا شيء لك عليه فيلزم هناك على الكفيل ألف التي أقر بها الطالب، مع أنه لا ولاية له على الكفيل، ذكره في " المبسوط ".
قلنا: هذا إيجاب المال على الكفيل بكفالته، لا بقوله المطلوب؛ لأنه لما قيد الكفالة بالذوب، مع علمه أن الذوب قد يحصل عليه بإقراره، وقد صار ملتزما ذلك لكفالته، وهذا استحسان، وفي القياس لا يجب على الكفيل شيء كما في مسألتنا لإنكاره الوجوب على المطلوب، كذا في
стр. 4344
قال: وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره لإطلاق ما روينا، ولأنه التزام المطالبة، وهو تصرف في حق نفسه وفيه نفع الطالب، ولا ضرر فيه على المطلوب بثبوت الرجوع إذ هو عند أمره وقد رضي به، فإن تكفل عنه بأمره رجع بما أدى عليه؛ لأنه قضى دينه بأمره. وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه لأنه متبرع بأدائه، وقوله: رجع بما أدى، معناه إذا أدى ما ضمنه. أما إذا أدى خلافه رجع بما ضمن؛
ــ
[البناية]
" المبسوط ".
[الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره لإطلاق ما روينا) ش: وهو قوله ﵇: «الزعيم غارم» . م: (ولأنه التزام المطالبة، وهو تصرف في حق نفسه، وفيه نفع الطالب، ولا ضرر فيه على المطلوب بثبوت الرجوع، إذ هو) ش: أي الرجوع م: (عند أمره) ش: أي أمر المطلوب م: (وقد رضي به) ش: أي رضي المكفول عنه بالرجوع عليه هذا جواب لإشكال يقال: لم قلتم إن في الكفالة نفعا للمكفول عنه أو لا ضرر عليه. ورجوع الكفيل عليه بما أدى ضرر فقال لا نسلم أنه ضرر مع وجود الرضا بالرجوع، م: (فإن تكفل عنه بأمره رجع بما أدى عليه) ش: أي: رجع بما أدى للمكفول له على المكفول عنه بالإجماع. وفي " النهاية " ليس على إطلاقه بل مقيد بما إذا كان الأمر وهو المطلوب ممن يجوز إقراره على نفسه بالديون ويملك المتبرع، حتى لو كان المطلوب صبيا محجورا وأمر رجلا بأن يكفل عنه فالكفالة صحيحة، ولكن لو أدى الكفيل ما أمره به لا يرجع على الصبي الآمر، وكذا الحكم في العبد المحجور، ذكره في " التحفة ".
وفي " أحكام الصغار " للإستروشني: لو كان الصبي مأذونا له صح أمره ويرجع الكفيل بما أدى عليه بصحة أمره بالإذن، وفي " شرح الأقطع " وهذا الذي ذكره المصنف إنما يصح إذا قال: اضمن عني لفلان كذا، فإن قال له: اضمن الألف التي لفلان علي لم يرجع عليه عند الأداء، لأن قوله اضمن يحتمل أن يكون على وجه التبرع وأن يكون غيره فلا يجوز إيجاب الضمان إلا بلفظ مختص به، فإذا قال: اضمن عني دل على الضمان فلزمه ولا يلزم غيره بالشك، ولكن هذا الذي ذكره مذهب أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- خلافا لأبي يوسف.
م: (لأنه قضى دينه بأمره) ش: أي لأن المأمور قضى دين الآمر بأمره فيرجع عليه م: (وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه لأنه متبرع بأدائه) ش: وبه قال الشافعي، وأحمد -رحمهما الله- في رواية. وقال مالك، وأحمد في رواية: يرجع كما لو كفل بأمره م: (وقوله رجع بما أدى معناه) ش: أي قول القدوري يرجع بما أدى معناه م: (إذا أدى ما ضمنه، أما إذا أدى خلافه رجع بما ضمن) ش: لا بما أدى، حتى لو كفل بالجياد وأدى الزيوف، ويجوز للطالب أن يرجع على المطلوب
стр. 4345
لأنه ملك الدين بالأداء فنزل منزلة الطالب كما إذا ملكه بالهبة أو بالإرث، وكما إذا ملكه المحتال عليه بما ذكرنا في الحوالة، بخلاف المأمور بقضاء الدين حيث يرجع بما أدى لأنه لم يجب عليه شيء حتى يملك الدين بالأداء، وبخلاف ما إذا صالح الكفيل الطالب عن الألف على خمسمائة؛ لأنه إسقاط فصار كما إذا أبرأ الكفيل.
ــ
[البناية]
بالجياد. ولو كفل بالزيوف وأدى بالجياد رجع بالزيوف م: (لأنه) ش: أي لأن الكفيل م: (ملك الدين بالأداء فنزل منزلة الطالب كما إذا ملكه بالهبة) ش: يعني ملك إذن الكفيل المكفول به بأن يهبه المكفول له الكفيل، يرجع الكفيل على المكفول عنه بالمكفول.
فإن قيل: هبة الدين من غير من عليه الدين إنما لا يجوز إذا لم يأذنه بقبضه، وأما إذا أذنه بقبضه يجوز استحسانا، وهاهنا لما أدى الدين فقد سلطه الطالب على قبضه من المطلوب فيصح هبة أو يجعل ذلك نقل الدين إليه فيقضي الهبة فتصير هبة لمن عليه الدين م: (أو بالإرث) ش: بأن مات المكفول له فورثه الكفيل يرجع على المكفول عنه بالمكفول به كما لو ملك ذلك بالأداء.
م: (وكما إذا ملكه المحتال عليه) ش: يعني إذا أحال المديون غريمه على رجل ليس للمديون على رجل دين فتقبل الحوالة فأدى، يرجع المحتال عليه على المحيل بما يضمن لا بما أدى، لأنه ملك الدين بالأداء كالكفيل م: (بما ذكرنا في الحوالة) ش: أي في حوالة كفاية المنتهي م: (بخلاف المأمور بقضاء الدين حيث يرجع بما أدى لأنه لم يجب عليه شيء حتى يملك الدين بالأداء) ش: هذا جواب كفل تقديره الكفيل لا يرجع إلا إذا أدى بأمر المكفول عنه، وحينئذ لا فرق بينه وبين المأمور بقضاء الدين والمأمور يرجع بما أدى، فكذلك الكفيل، وتوجيهه أن يقال: المأمور بقضاء الدين لم يجب له على الآمر شيء، حيث لم يلزم بالكفالة فلا يملك الدين بالأداء حتى ينزل منزلة الطالب فيرجع بما ضمن، وإنما الرجوع بحكم الآمر بالأداء فلا بد من اعتبارهما.
فلو أدى الزيوف عن الجياد ويجوز له ذلك رجع بها دون الجياد، لأن أداء المأمور به لم يوجد، وإن عكس فكذلك لأن الآمر لم يوجد في حق الزيادة فكان متبرعا بها، فقوله: رجع بما أدى بإطلاقه، فيه تسامح.
م: (وبخلاف ما إذا صالح الكفيل الطالب عن الألف على خمسمائة) ش: حيث يرجع بما أدى وهو خمسمائة لا بما ضمن وهو الألف م: (لأنه إسقاط) ش: عن بعض الدين وليس مبادلة، إذ لو جعل مبادلة لكان ربا، وإن كان إسقاطا للبعض م: (فصار كما إذا أبرأ الكفيل) ش: أي أخذ من الكفيل خمسمائة وأبرأ نفسه بدفع خمسمائة لا يرجع الكفيل على المكفول عنه بما أدى وهو خمسمائة لا بما ضمن، وكذا إذا أبرأ الكفيل عن مجموع الدين لا يرجع على المكفول عنه، فكذا إذا صالح الكفيل إياه على بعض الدين لأنه جمع بالباقي مطلقًا باعتبار البعض بالكل.
следующие страницы →