Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
عليه فعلي، أو ما غصبك فعلي، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (يوسف: الآية ٧٢) . والإجماع منعقد على صحة ضمان الدرك. ثم الأصل أنه يصح تعليقها بشرط ملائم لها مثل أن يكون شرطا لوجوب الحق كقوله: إذا استحق المبيع أو لإمكان الاستيفاء مثل قوله: إذا قدم زيد وهو مكفول عنه، أو لتعذر الاستيفاء مثل قوله: إذا غاب عن البلدة، وما ذكر من الشروط في معنى ما ذكرناه، فأما لا يصح التعليق بمجرد الشرط كقوله: إن هبت الريح أو جاء المطر، وكذا إذا جعل واحدا منهما آجلا إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا؛ لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة
ــ
[البناية]
ش: أي أو يقول ما ذاب لك أي ما وجب وثبت لك م: (عليه) ش: أي على فلان فهو م: (فعلي) ش: ولفظ ذاب مستعار من ذوب الشحم، كذا في " المغرب ".
م: (أو ما غصبك) ش: أي أو يقول: ما غصبك فلان أي ما غصب منك م: (فعلي) ش: أي فهو علي، والياء مشددة في لفظة علي في ثلاثة مواضع م: (والأصل فيه) ش: أي في باب تعليق الكفالة بالشروط الملائمة م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (يوسف: الآية ٧٢)) ش: فإنه يدل على أن جهالة المكفول به لا تمنع صحة الكفالة، إذ حمل البعير مجهول، وقد مر بيانه.
والأصل فيه أن شرائع من قبلنا تلزمنا ما لم ينص الله تعالى على إنكاره م: (والإجماع منعقد على صحة ضمان الدرك) ش: أي الإجماع انعقد على صحة ضمان الدرك، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
م: (ثم الأصل) ش: في هذا الباب م: (أنه يصح تعليقها) ش: أي تعليق عقد الكفالة م: (بشرط ملائم لها) ش: لمقتضى العقد م: (مثل أن يكون شرطا لوجوب الحق كقوله: إذا استحق المبيع) ش: فأنا ضامن لذلك م: (أو لإمكان الاستيفاء مثل قوله: إذا قدم زيد وهو مكفول عنه أو لتعذر الاستيفاء مثل قوله: إذا غاب عن البلدة) ش: أي إذا غاب المكفول عنه عن البلدة فأنا ضامن لك بما عليه م: (وما ذكر من الشروط) ش: أي في أصل المسألة مثل: ما بايعت، وما ذاب، وما غصب م: (في معنى ما ذكرناه) ش: أي بمعنى الأصل الذي ذكرناه وهو أن كل شرط ملائم لعقد الكفالة يصح تعليقها به.
م: (فأما لا يصح التعليق بمجرد الشرط) ش: يعني غير ملائم م: (كقوله إن هبت الريح) ش: فأنا كفيل لك بما عليه م: (أو جاء المطر) ش: أي إن جاء المطر فأنا كفيل م: (وكذا) ش: أي وكذا لا يصح م: (إذا جعل واحدا منهما آجلا) ش: يعني إذا جعل هبوب الريح أو مجيء المطر آجلا لكفالة يبطل الأجل م: (إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا؛ لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشروط لا تبطل بالشروط الفاسدة) .
стр. 4342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال الكاكي: قوله إلا أن تصح الكفالة إلى آخره، اعلم أن في هذا اللفظ نوع اشتباه، لأنه إن أراد بقوله لما يصح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة ابتداء تعليق الكفالة بالشرط، فإن هناك لا يصير كفيلا أصلا، ذكره في " المبسوط "، وإن أراد بهذا اللفظ تأجيل الكفالة إلى هذه الشروط الفاسدة فهذا تأجيل.
والتأجيل غير التعليق ذكره في " فتاوى قاضي خان "، فكيف يصح تعليله بقوله: لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة، إلا إن أراد بالتعليق التأجيل بجامع أن في كل منهما عدم ثبوت الحكم في الحال فحينئذ يصح، وقلد المصنف في هذا الاستعمال لفظ " المبسوط "، فإنه ذكرها هكذا وذكر التعليق وأراد التأجيل.
وقال الأكمل هنا: وفي كلامه نظر من أوجه:
الأول: أن قوله: لا يصح التعليق يقتضي نفي جواز التعليق لا نفي جواز الكفالة، مع أن الكفالة لا تجوز.
الثاني: أن قوله: وكذا إذا جعل معطوفا على قوله: فأما لا يصح فيكون تقديره وكذا لا يصح إذا جعل ولا يخلو، إما أن يكون فاعل يصح هو التعليق أو الكفالة، إذ لم يذكر المصنف ثالثا. والأول: لا يجوز، إذ لا معنى لقوله وكذا لا يصح التعليق إذا جعل كل واحد منهما آجلا.
والثاني: كذلك لقوله بعده: إلا أنه تصح الكفالة.
والثالث: أن الدليل لا يطابق المدلول؛ لأن المدلول بطلان الأجل مع صحة الكفالة والدليل صحة تعليقها بالشرط، وعدم بطلانها بالشروط الفاسدة، ومع ذلك فليس بمستقيم، لأنها تبطل بالشرط المحض وهو أول المسألة.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن حاصل الكلام ينفي جواز الكفالة المعلقة بهما، والمجموع ينتفي بانتفاء جزئه، لا يقال نفي الكفالة المؤجلة كنفي المعلقة، ولا تنتفي الكفالة بانتفاء الأجل، لأن الإيجاب المعلق نوع، إذ التعليق يخرج العلة عن العلية، كما عرف في موضعه، والأجل عارض بعد العقد، فلا يلزم من انتفائه انتفاء معروضه.
وعن الثاني بأن فاعل يصح المقدر وهو الأجل، وتقديره: وكما لا يصح الأجل إذا جعل كل واحد منهما آجلا.
وعن الثالث بأن الراد بالتعليق بالشرط الأجل مجازا بقرينة قوله، ويجب المال حالا، وتقديره لأن الكفالة لما صح تأجيلها بأجل متعارف لم تبطل بالأجل الفاسد كالطلاق والعتاق، ويجوز المجاز وعدم الثبوت في الحال في كل واحد منهما.
стр. 4343
كالطلاق والعتاق. فإن قال: تكفلت بما لك عليه فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيتحقق ما عليه فيصح الضمان به. وإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به؛ لأنه منكر للزيادة، فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله؛ لأنه إقرار على الغير ولا ولاية له عليه. ويصدق في حق نفسه لولايته عليها.
ــ
[البناية]
م: (كالطلاق والعتاق) ش: أي كما أن الشرط المجهول في الطلاق والعتاق يبطل ويصح الطلاق والعتاق بأن قال: أعتقت عبدي، أو قال: طلقت امرأتي إلى قدوم الحاج أو الحاصد أو القطاف م: (فإن قال: تكفلت عنه بما لك عليه) ش: فإن قال شخص لآخر: تكفلت عنه بما لك عليه من المال م: (فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل) ش: أي ضمن الألف الكفيل م: (لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيتحقق ما عليه) ش: أي ما على الكفيل م: (فيصح الضمان به) ش: فصار كأنه ضمن بالألف الذي عليه فلزمه ذلك م: (وإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به) ش: لأنه مال مجهول لزمه بقوله فالقول قوله، كما لو أقر بشيء مجهول م: (لأنه منكر للزيادة) ش: فالقول قول المنكر مع يمينه كالمدعى عليه بالمال م: (فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك) ش: أي مما يعترف به الكفيل م: (لم يصدق على كفيله؛ لأنه إقرار على الغير ولا ولاية له عليه ويصدق في حق نفسه لولايته عليها) ش: أي على نفسه.
والحاصل أن إقرار المكفول عنه تضمن شيئين، أحدهما على نفسه، والآخر على الكفيل، فيصدق في إقراره على نفسه، لأن له ولاية على نفسه، ولا يصدق على الكفيل لعدم ولايته عليه.
وفي " الشامل ": ما ذاب لك على فلان فهو علي أو ثبت، أو ما قضي عليه فأقر المطلوب يلزم الكفيل، إلا قوله: ما قضي عليه، لم يلزمه إلا أن يقضي القاضي. ولو أبى المطلوب اليمين فألزمه القاضي لم يلزمه الكفيل؛ لأن النكول ليس بإقرار بل بدل، وقال الكاكي: قوله ولا ولاية له عليه.
فإن قيل: يشكل هذا بما يكفل بما ذاب له على فلان ثم بعد ذلك قال الطالب: هو ألفان وقال المطلوب ألف، وقال الكفيل: لا شيء لك عليه فيلزم هناك على الكفيل ألف التي أقر بها الطالب، مع أنه لا ولاية له على الكفيل، ذكره في " المبسوط ".
قلنا: هذا إيجاب المال على الكفيل بكفالته، لا بقوله المطلوب؛ لأنه لما قيد الكفالة بالذوب، مع علمه أن الذوب قد يحصل عليه بإقراره، وقد صار ملتزما ذلك لكفالته، وهذا استحسان، وفي القياس لا يجب على الكفيل شيء كما في مسألتنا لإنكاره الوجوب على المطلوب، كذا في
стр. 4344
قال: وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره لإطلاق ما روينا، ولأنه التزام المطالبة، وهو تصرف في حق نفسه وفيه نفع الطالب، ولا ضرر فيه على المطلوب بثبوت الرجوع إذ هو عند أمره وقد رضي به، فإن تكفل عنه بأمره رجع بما أدى عليه؛ لأنه قضى دينه بأمره. وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه لأنه متبرع بأدائه، وقوله: رجع بما أدى، معناه إذا أدى ما ضمنه. أما إذا أدى خلافه رجع بما ضمن؛
ــ
[البناية]
" المبسوط ".
[الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره لإطلاق ما روينا) ش: وهو قوله ﵇: «الزعيم غارم» . م: (ولأنه التزام المطالبة، وهو تصرف في حق نفسه، وفيه نفع الطالب، ولا ضرر فيه على المطلوب بثبوت الرجوع، إذ هو) ش: أي الرجوع م: (عند أمره) ش: أي أمر المطلوب م: (وقد رضي به) ش: أي رضي المكفول عنه بالرجوع عليه هذا جواب لإشكال يقال: لم قلتم إن في الكفالة نفعا للمكفول عنه أو لا ضرر عليه. ورجوع الكفيل عليه بما أدى ضرر فقال لا نسلم أنه ضرر مع وجود الرضا بالرجوع، م: (فإن تكفل عنه بأمره رجع بما أدى عليه) ش: أي: رجع بما أدى للمكفول له على المكفول عنه بالإجماع. وفي " النهاية " ليس على إطلاقه بل مقيد بما إذا كان الأمر وهو المطلوب ممن يجوز إقراره على نفسه بالديون ويملك المتبرع، حتى لو كان المطلوب صبيا محجورا وأمر رجلا بأن يكفل عنه فالكفالة صحيحة، ولكن لو أدى الكفيل ما أمره به لا يرجع على الصبي الآمر، وكذا الحكم في العبد المحجور، ذكره في " التحفة ".
وفي " أحكام الصغار " للإستروشني: لو كان الصبي مأذونا له صح أمره ويرجع الكفيل بما أدى عليه بصحة أمره بالإذن، وفي " شرح الأقطع " وهذا الذي ذكره المصنف إنما يصح إذا قال: اضمن عني لفلان كذا، فإن قال له: اضمن الألف التي لفلان علي لم يرجع عليه عند الأداء، لأن قوله اضمن يحتمل أن يكون على وجه التبرع وأن يكون غيره فلا يجوز إيجاب الضمان إلا بلفظ مختص به، فإذا قال: اضمن عني دل على الضمان فلزمه ولا يلزم غيره بالشك، ولكن هذا الذي ذكره مذهب أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- خلافا لأبي يوسف.
م: (لأنه قضى دينه بأمره) ش: أي لأن المأمور قضى دين الآمر بأمره فيرجع عليه م: (وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه لأنه متبرع بأدائه) ش: وبه قال الشافعي، وأحمد -رحمهما الله- في رواية. وقال مالك، وأحمد في رواية: يرجع كما لو كفل بأمره م: (وقوله رجع بما أدى معناه) ش: أي قول القدوري يرجع بما أدى معناه م: (إذا أدى ما ضمنه، أما إذا أدى خلافه رجع بما ضمن) ش: لا بما أدى، حتى لو كفل بالجياد وأدى الزيوف، ويجوز للطالب أن يرجع على المطلوب
стр. 4345
لأنه ملك الدين بالأداء فنزل منزلة الطالب كما إذا ملكه بالهبة أو بالإرث، وكما إذا ملكه المحتال عليه بما ذكرنا في الحوالة، بخلاف المأمور بقضاء الدين حيث يرجع بما أدى لأنه لم يجب عليه شيء حتى يملك الدين بالأداء، وبخلاف ما إذا صالح الكفيل الطالب عن الألف على خمسمائة؛ لأنه إسقاط فصار كما إذا أبرأ الكفيل.
ــ
[البناية]
بالجياد. ولو كفل بالزيوف وأدى بالجياد رجع بالزيوف م: (لأنه) ش: أي لأن الكفيل م: (ملك الدين بالأداء فنزل منزلة الطالب كما إذا ملكه بالهبة) ش: يعني ملك إذن الكفيل المكفول به بأن يهبه المكفول له الكفيل، يرجع الكفيل على المكفول عنه بالمكفول.
فإن قيل: هبة الدين من غير من عليه الدين إنما لا يجوز إذا لم يأذنه بقبضه، وأما إذا أذنه بقبضه يجوز استحسانا، وهاهنا لما أدى الدين فقد سلطه الطالب على قبضه من المطلوب فيصح هبة أو يجعل ذلك نقل الدين إليه فيقضي الهبة فتصير هبة لمن عليه الدين م: (أو بالإرث) ش: بأن مات المكفول له فورثه الكفيل يرجع على المكفول عنه بالمكفول به كما لو ملك ذلك بالأداء.
م: (وكما إذا ملكه المحتال عليه) ش: يعني إذا أحال المديون غريمه على رجل ليس للمديون على رجل دين فتقبل الحوالة فأدى، يرجع المحتال عليه على المحيل بما يضمن لا بما أدى، لأنه ملك الدين بالأداء كالكفيل م: (بما ذكرنا في الحوالة) ش: أي في حوالة كفاية المنتهي م: (بخلاف المأمور بقضاء الدين حيث يرجع بما أدى لأنه لم يجب عليه شيء حتى يملك الدين بالأداء) ش: هذا جواب كفل تقديره الكفيل لا يرجع إلا إذا أدى بأمر المكفول عنه، وحينئذ لا فرق بينه وبين المأمور بقضاء الدين والمأمور يرجع بما أدى، فكذلك الكفيل، وتوجيهه أن يقال: المأمور بقضاء الدين لم يجب له على الآمر شيء، حيث لم يلزم بالكفالة فلا يملك الدين بالأداء حتى ينزل منزلة الطالب فيرجع بما ضمن، وإنما الرجوع بحكم الآمر بالأداء فلا بد من اعتبارهما.
فلو أدى الزيوف عن الجياد ويجوز له ذلك رجع بها دون الجياد، لأن أداء المأمور به لم يوجد، وإن عكس فكذلك لأن الآمر لم يوجد في حق الزيادة فكان متبرعا بها، فقوله: رجع بما أدى بإطلاقه، فيه تسامح.
م: (وبخلاف ما إذا صالح الكفيل الطالب عن الألف على خمسمائة) ش: حيث يرجع بما أدى وهو خمسمائة لا بما ضمن وهو الألف م: (لأنه إسقاط) ش: عن بعض الدين وليس مبادلة، إذ لو جعل مبادلة لكان ربا، وإن كان إسقاطا للبعض م: (فصار كما إذا أبرأ الكفيل) ش: أي أخذ من الكفيل خمسمائة وأبرأ نفسه بدفع خمسمائة لا يرجع الكفيل على المكفول عنه بما أدى وهو خمسمائة لا بما ضمن، وكذا إذا أبرأ الكفيل عن مجموع الدين لا يرجع على المكفول عنه، فكذا إذا صالح الكفيل إياه على بعض الدين لأنه جمع بالباقي مطلقًا باعتبار البعض بالكل.
стр. 4346
قال: وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه؛ لأنه لا يملكه قبل الأداء بخلاف الوكيل بالشراء، حيث يرجع قبل الأداء؛ لأنه انعقد بينهما مبادلة حكمية. قال: فإن لوزم بالمال كان له أن يلازم المكفول عنه حتى يخلصه، وكذا إذا حبس كان له أن يحبسه لأنه لحقه ما لحقه من جهته فيعامله بمثله. وإذا أبرأ الطالب المكفول عنه أو استوفى منه برئ الكفيل؛ لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل، لأن الدين عليه في الصحيح. وإن أبرأ الكفيل لم يبرأ الأصيل عنه لأنه تبع، ولأن عليه المطالبة وبقاء الدين على الأصيل بدونه
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه، لأنه لا يملكه) ش: أي لأن الكفيل لا يملك الدين م: (قبل الأداء) ش: لأن الكفيل كالمقرض، يعني والمقرض لا يرجع على المستقرض ما لم يقرض م: (بخلاف الوكيل بالشراء، حيث يرجع قبل الأداء لأنه انعقد بينهما) ش: أي بين الوكيل والموكل م: (مبادلة حكمية) ش: ألا ترى أن الملك ينتقل إلى الموكل من جهة الوكيل، ولهذا يتحالفان إذا اختلفا في الثمن، وللوكيل بالشراء حبس المبيع بالثمن فلا تثبت المبادلة الحكمية وكان الوكيل مع الموكل كالبائع مع المشتري، فللبائع حبس المبيع لاستيفاء الثمن، فكذا الوكيل.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (فإن لوزم) ش: أي الكفيل م: (بالمال كان له أن يلازم المكفول عنه حتى يخلصه) ش: أي حتى يخلص المكفول عنه الكفيل؛ لأن الأصيل هو الذي أوقعه في هذه الورطة فعليه خلاصه عنها، م: (وكذا إذا حبس كان له) ش: أي الكفيل م: (أن يحبسه) ش: أي أن يحبس المكفول عنه م: (لأنه لحقه) ش: أي لحق الكفيل م: (ما لحقه من جهته) ش: أي من جهة المكفول عنه م: (فيعامله بمثله) ش: أي فيقابل الكفيل المكفول عنه بمثل ما قابله.
وبقولنا قال الشافعي ﵀ في وجه، ومالك وأحمد -رحمهما الله- إذا كانت الكفالة بأمره، قال الشافعي في الأصح: لا يحبسه.
م: (وإذا أبرا الطالب المكفول عنه أو استوفى منه) ش: يعني أخذ الذي كان عليه م: (برئ الكفيل، لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل) ش: بلا خلاف بين الفقهاء بخلاف ما إذا كفل بشرط الأصيل فبراءته لا توجب براءة الكفيل، لأنه في معنى الحوالة، والاعتبار للمعاني لا للعبارة.
م: (لأن الدين عليه) ش: أي على المكفول عنه م: (في الصحيح) ش: أي في القول الصحيح، وهو احتراز عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في الدين، فوجب أصل الدين في ذمة الكفيل وقد مر هذا في أول الكتاب.
م: (وإن أبرأ الكفيل) ش: أي وإن أبرأ المكفول له الكفيل عن الدين م: (لم يبرأ الأصيل عنه لأنه تبع ولأن عليه المطالبة وبقاء الدين على الأصيل بدونه) ش: أي بدون المطالبة على تأويل الطلب
стр. 4347
جائز. وكذا إذا أخر الطالب عن الأصيل فهو تأخير عن الكفيل، ولو أخر عن الكفيل لم يكن تأخيرا عن الذي عليه الأصل؛ لأن التأخير إبراء مؤقت فيعتبر بالإبراء المؤبد، بخلاف ما إذا كفل بالمال الحال مؤجلا إلى شهر فإنه يتأجل عن الأصيل لأنه لا حق له إلا الدين حال وجود الكفالة، فصار
ــ
[البناية]
م: (جائز) ش: وفي " شرح الطحاوي ".
وإذا أبرأ المكفول له المطلوب عن الدين وقبل ذلك برئ الأصيل والكفيل جميعا، لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل وبراءة الأصيل، إلا أنه اشترط في ذلك، قوله: أو بموت قبل القبول أو الرد فقام ذلك مقام القبول، ولو رده ارتد وأدين الطالب على حاله.
واختلف مشايخنا في ذلك: أن الدين هل يعود إلى الكفيل أم لا؟ قال بعضهم: يعود، وقال بعضهم: لا يعود، ولو أبرأ الكفيل صح الإبراء قبل أو لم يقبل، ولا يرجع على الأصيل. ولو وهب الدين أو تصدق عليه يحتاج إلى القبول.
فإن قيل: كان له أن يرجع على الأصيل، كما إذا أدى، وفي الكفيل حكم إبرائه والهبة تختلف، ففي الإبراء لا يحتاج إلى القبول.
وفي الهبة والصدقة يحتاج إلى القبول. وفي الأصل يتفق حكم إبرائه والهبة والصدقة فيحتاج إلى القبول في الكل. ولو كان الإبراء والهبة والصدقة بعد موته فقبل ورثته صح، وبرد ورثته ارتد وبطل الإبراء عند أبي يوسف، لأن الإبراء بعد الموت إبراء للورثة، وقال محمد: لا يرتد بردهم كما لو أبرأهم في حال حياته ثم مات.
م: (وكذا إذا أخر الطالب عن الأصيل فهو تأخير عن الكفيل، ولو أخر عن الكفيل لم يكن تأخيرا عن الذي عليه الأصل) ش: وهو المكفول عنه ولا نعلم فيه خلافا.
م: (لأن التأخير إبراء مؤقت فيعتبر بالإبراء المؤبد) ش: فإن قيل: الإبراء المؤبد لا يرتد برد الكفيل والمؤقت يرتد برده، وبرد الأصيل يرتدان كلاهما، والرواية في التتمة، فكيف يعتبر المؤقت بالمؤبد؟
قلنا: كلامنا في السقوط والثبوت، أما قبول الارتداد وعدم قبوله حكم آخر سوى ما نحن فيه، فلا يلزم من اعتبارهما حكم اعتبارهما في جميع الأحكام، م: (بخلاف ما إذا كفل بالمال الحال مؤجلا) ش: نصب على الحال من قوله كفل.
م: (إلى شهر فإنه يتأجل عن الأصيل) ش: وقال الشافعي وأحمد ومحمد ﵏ في رواية: لا يتأجل على الأصيل، بل يتأجل على الكفيل، م: (لأنه) ش: أي لأن الطالب م: (لا حق له إلا الدين حال وجود الكفالة فصار
стр. 4348
الأجل داخلا فيه، أما هاهنا فبخلافه. فإن صالح الكفيل رب المال عن الألف على خمسمائة فقد برئ الكفيل والذي عليه الأصل؛ لأنه أضاف الصلح إلى الألف الدين، وهي على الأصيل فبرئ عن خمسمائة لأنه إسقاط، وبراءته توجب براءة الكفيل، ثم برئا جميعا عن خمسمائة بأداء الكفيل، ويرجع الكفيل على الأصيل بخمسمائة إن كانت الكفالة بأمره، بخلاف ما إذا صالح على جنس آخر لأنه مبادلة حكمية فملكه فيرجع بجميع الألف. ولو كان صالحه عما استوجب بالكفالة لا يبرأ الأصيل؛ لأن هذا إبراء الكفيل عن المطالبة. قال: ومن قال لكفيل ضمن له مالا: قد برئت إلي من المال، رجع الكفيل على المكفول عنه، معناه بما ضمن له بأمره؛ لأن البراءة التي ابتداؤها من المطلوب وانتهاؤها إلى الطالب لا يكون إلا بالإيفاء فيكون هذا إقرارا بالأداء فيرجع
ــ
[البناية]
الأجل داخلا فيه) ش: لأنه أضاف الأجل إلى نفس الدين لأنه لا شيء سوى الدين حتى يصرف الأجل فيه فصار التأجيل وصفا لأجل الدين فيظهر الأجل في حقهما ضرورة. م: (أما هاهنا فبخلافه) ش: يعني فيما كفل حالا، ثم أخر عنه الطالب لم يكن ذلك تأخيرا عن الأصيل.
وفي " الفتاوى الصغرى ": الكفيل بالدين المؤجل إذا أدى قبل حلول الأجل لا يرجع على المكفول عنه حتى يحل الأجل. م: (فإن صالح الكفيل رب المال عن الألف على خمسمائة فقد برئ الكفيل والذي عليه الأصل) ش: وهو الدين م: (لأنه أضاف الصلح إلى الألف الدين، وهي على الأصيل فبرئ عن خمسمائة لأنه إسقاط، وبراءته توجب براءة الكفيل، ثم برئا جميعا عن خمسمائة بأداء الكفيل، ويرجع) ش: أي م: (الكفيل على الأصيل بخمسمائة إن كانت الكفالة بأمره) ش: وإن كانت بغير أمره لا يرجع وإن صالحه مطلقًا أو أبرأه بطلت المطالبة عن الكفيل وبقي الحق على الأصيل، وكذا قال فخر الإسلام وغيره.
م: (بخلاف ما إذا صالح على جنس آخر) ش: أي صالح عن ألف هي دراهم على ثوب مثلا حيث يرجع الكفيل إذا أدى بجميع الألف م: (لأنه مبادلة حكمية) ش: وهو جعل الثوب بدل الألف م: (فملكه) ش: أي فملك الألف م: (فيرجع بجميع الألف) ش: هذا نتيجة ملك الألف م: (ولو كان صالحه عما استوجب بالكفالة) ش: الذي استوجب بالكفالة هو المطالبة م: (لا يبرأ الأصيل لأن هذا إبراء الكفيل عن المطالبة) ش: لأن هذا فسخ الكفالة لا إسقاط لأصل الدين.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ومن قال لكفيل ضمن له مالا: قد برئت إلي من المال رجع الكفيل على المكفول عنه، معناه) ش: أي معنى ما قاله محمد ﵀ من قوله: ضمن له مالا. م: (بما ضمن له بأمره؛ لأن البراءة التي ابتداؤها من المطلوب وانتهاؤها إلى الطالب لا يكون إلا بالإيفاء فيكون هذا) ش: أي قوله برئت إلي. م: (إقرارا بالأداء) ش: أي بالإيفاء م: (فيرجع) ش: فكأنه قال: استوفيت منك حقي فإذا أقر الطالب بالإيفاء يرجع
стр. 4349
وإن قال: أبرأتك لم يرجع الكفيل على المكفول عنه؛ لأنه براءة لا تنتهي إلى غيره وذلك بالإسقاط فلم يكن إقرارا بالإيفاء. ولو قال: برئت، قال محمد: هو مثل الثاني؛ لأنه يحتمل البراءة بالأداء إليه والإبراء فيثبت الأدنى إذ لا يرجع الكفيل بالشك. وقال أبو يوسف: هو مثل الأول لأنه أقر ببراءة ابتداؤها من المطلوب، وإليه الإيفاء دون الإبراء.
ــ
[البناية]
الكفيل فكذا هذا.
م: (وإن قال) ش: أي الطالب م: (أبرأتك لم يرجع الكفيل على المكفول عنه لأنه براءة لا تنتهي إلى غيره، وذلك) ش: يكون م: (بالإسقاط فلم يكن إقرارا بالإيفاء) ش: لأن البراءة في هذه الصورة ابتداؤها من الطالب، وهذا لا يكون إلا بالإسقاط، فإذا أسقط من الكفيل لا يرجع؛ لأن براءة الكفيل لا توجب براءة الأصيل م: (ولو قال: برئت) ش: ولم يقل إلي م: (قال محمد: هو مثل الثاني) ش: أي مثل قوله: أبرأتك م: (لأنه يحتمل البراءة بالأداء إليه والإبراء) ش: ويحتمل البراءة بالإبراء، فإذا كان كذلك م: (فيثبت الأدنى) ش: وهو البراءة بالإبراء لا البراءة بالأداء وهو الإسقاط، وبقوله قالت الثلاثة م: (إذ لا يرجع الكفيل بالشك) ش: هذا نسخة بكلمة أو لا يرجع، والظاهر أن هذا دليل آخر وهو أنه لا يرجع بالشك لاحتمال الأمرين المذكورين فافهم فإن هذا موضع لا يتيقظ فيه كل أحد.
م: (وقال أبو يوسف: هو مثل الأول) ش: وهو قوله برئت إلي من المال م: (لأنه أقر ببراءة ابتداؤها من المطلوب) ش: فإنه ذكر حرف الخطاب وهو التاء، وذلك إنما يكون بفعل مضاف إليه على الخصوص كما إذا قيل قمت وقعدت مثلا م: (وإليه) ش: أي وإلى المطلوب م: (الإيفاء دون الإبراء) ش: تقرير هذا أنه أخبر على البراءة بفعل يتعدى عن المطلوب وهو الكفيل إلى الطالب، وذلك بالإيفاء يكون لأنه هو الذي يتعدى من المطلوب إلى الطالب دون الإبراء إذ الإبراء يتعدى من الطالب إلى المطلوب.
وقيل: أبو حنيفة مع أبي يوسف في هذه المسألة، وكان المصنف اختاره فأخره وهو أقرب الاحتمالين، فالمصير إليه أولى، وما قاله محمد إنما يستقيم إذا كان الاحتمالان على السواء وقد يرجح أحد الاحتمالين وهو البراءة بالقبض، لأنه كالحقيقة والآخر كالمجاز. وقيل: برئت مطاوع أبرأتك فتكون حقيقة أيضا.
واختلف مشايخنا المتأخرون فيما إذا قال المدعى عليه أبرأني المدعي من الدعوى التي يدعي علي يكون إقرارا، كما لو قال: أبرأني من هذا المال. وقيل: لا يكون إقراره لأن الدعوى قد تكون حقًّا وباطلا، ولو قال الطالب للكفيل: أنت في حل من المال فهو كقوله أبرأتك بإجماع الأئمة الأربعة، لأن لفظ الحل يستعمل في البراءة بالإبراء دون البراءة بالقبض، كذا ذكره المحبوبي.
стр. 4350
وقيل في جميع ما ذكرنا: إذا كان الطالب حاضرا يرجع في البيان إليه لأنه هو المجمل.
قال: ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بالشرط لما فيه من معنى التمليك كما في سائر البراءات، ويروى أنه يصح لأن عليه المطالبة دون الدين في الصحيح،
ــ
[البناية]
م: (وقيل في جميع ما ذكرنا) ش: من الوجوه الثلاثة م: (إذا كان الطالب حاضرا يرجع في البيان إليه لأنه هو المجمل) ش: لأن الأصل في الإجمال الرجوع إلى بيان المجمل.
فإن قيل: المجمل ما لا يمكن العمل به إلا بالبيان، وهاهنا العمل ممكن في الأوجه الثلاثة بدون البيان على ما ذكر من وجوه البيان خصوصا في الوجه الأول، لأنه بين أن البراءة التي ابتداؤها من الكفيل وانتهاؤها إلى الطالب بمنزلة قوله دفعت إلي وقبضته منك فلا يكون فيه إجمال. وكذا في الشافعي، وهذا لا خلاف فيه أنه أبرأ بدون القبض. وفي الوجه الثالث عمل محمد يتعين. وأبو يوسف رجح الإبراء بالقبض فلا يكون مجملا.
قيل: في جوابه قوله برئت إلي وإن كان بمنزلة الصريح في حق الإيفاء والقبض من حيث الاستدلال، لكنه ليس بصريح فيه بل هو قابل للاستعارة بأن قال: برئت إلي لأني أبرأتك، وإن كان بعيدا عن الاستعمال وما ذكروا في تعليل الأوجه الثلاثة كله استدلال لا صريح في الإيفاء وغير الإيفاء.
ولهذا جعلت الأئمة الثلاثة الكل الإبراء بدون الإيفاء فكان العمل به عند العجز عن العمل بالصريح، فلما أمكن العمل بصريح البيان من الطالب سقط العمل به بالاستدلال وفيه تأمل.
[تعليق البراءة من الكفالة بالشرط]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بالشرط) ش: أراد به الشرط الغير المتعارف، كما إذا قال: إذا جاء غدا فأنت بريء من الكفالة. حاصله: أن المراد به الشرط المحض الذي لا منفعة للطالب فيه أصلا كدخول الدار ومجيء الغد لأنه غير متعارف، أما إذا كان متعارفا يجوز كله في تعليق الكفالة.
فإنه ذكر في " الإيضاح " لو كفل بالمال وبالنفس أيضا، وقال: إن وافيتك غدا فأنت بريء من المال فوافاه غدا يبرأ من المال.
وكذا لو علق البراءة باستيفاء البعض يجوز أو علق البراءة عن البعض يجوز ذكره في " مبسوط شيخ الإسلام " م: (لما فيه) ش: أي تعليق البراءة من الكفالة بالشرط م: (من معنى التمليك) ش: ولهذا يرجع الكفيل بما أدى عن المكفول عنه إذا كان بأمره والتمليكات لا يجوز تعليقها بالشروط لإفضائه إلى معنى القمار م: (كما في سائر البراءات) ش: لا يجوز فيها التعليق بالشرط م: (ويروى أنه يصح) ش: أي أن في تعليق البراءة من الكفالة بالشرط م: (لأن عليه) ش: أي على الكفيل م: (المطالبة دون الدين في الصحيح) ش: أي في القول الصحيح من المشايخ، فإذا
стр. 4351
فكان إسقاطا محضا كالطلاق، ولهذا لا يرتد الإبراء عن الكفيل بالرد، بخلاف إبراء الأصيل. وكل حق لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص، معناه بنفس الحد لا بنفس من عليه الحد؛ لأنه يتعذر إيجابه عليه، وهذا لأن العقوبة لا تجري فيها النيابة. وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز؛ لأنه دين كسائر الديون، وإن تكفل عن البائع بالمبيع لم تصح؛ لأنه عين مضمون بغيره وهو الثمن، والكفالة بالأعيان المضمونة
ــ
[البناية]
كان كذلك م: (فكان) ش: أي إبراء الكفيل م: (إسقاطا محضا) ش: والإسقاط المحض يصح تعليقه م: (كالطلاق) ش: فإنه إسقاط محض يصح تعليقه بالشرط م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونه إسقاطا محضا م: (لا يرتد الإبراء عن الكفيل بالرد بخلاف إبراء الأصيل) ش: فإنه يرتد بالرد م: (وكل حق لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص) ش: هذا لفظ القدوري ﵀ في "مختصره"، قوله لا يمكن أي لا يصح، لأن إمكان الضرب أو جر الرقبة ليس بمنفعة لا محالة، لكنه لا يصح شرعا، وعبر عنه بعدم الإمكان مبالغة في نفي الصحة.
وقال المصنف ﵀ م: (معناه بنفس الحد) ش: يعني بنفس الحد لا يجوز م: (لا بنفس من عليه الحد) ش: فإن الكفالة بنفس من عليه الحد تجوز، لأنه تعليق لقوله: معناه بنفس الحد م: (لأنه) ش: أي لأن الاستيفاء م: (يتعذر إيجابه عليه) ش: أي على الذي يكفل م: (وهذا) ش: أي عدم الإيجاب عليه المتعذر م: (لأن العقوبة لا تجري فيها النيابة) ش: لعدم حصول المقصود لأن المقصود الزجر وهو لا يتحقق بالنائب.
م: (وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز) ش: هذا لفظ القدوري إنما جاز الكفالة بالثمن. م: (لأنه دين كسائر الديون) ش: لأنه دين صحيح يمكن استيفاؤه من الكفيل فصحت الكفالة به كما في سائر الديون وكالقرض م: (وإن تكفل عن البائع بالمبيع لم تصح) ش: وهذا أيضا لفظ القدوري ﵀ وفي بعض النسخ لم يجز، م: (لأنه) ش: أي لأن المبيع.
م: (عين مضمون بغيره وهو الثمن) ش: ولا يمكن أداؤه عن الكفيل إذا هلك فإنه لو هلكت العين سقط الثمن م: (والكفالة بالأعيان المضمونة) ش: الأعيان على نوعين أمانة ومضمونة والكفالة بالأمانة لا تصح كالودائع والعواري ومال المضاربة والشركة والعين المستأجرة، غير أن العارية والعين المستأجرة واجبة الرد إن كان لها حمل ومؤنة، بخلاف الودائع ومال المضاربة والشركة فإنها ليست بواجبة الرد، بل الواجب التخلية، فلو كفل بتسليم العارية والمستأجرة صح، أما الأعيان المضمونة فعلى نوعين:
الأول: ما كان مضمونا بنفسه على معنى أنه يجب رد عينها إن كانت باقية، وقيمتها إن هلكت تصح الكفالة وهي كالعين المغصوبة والمقبوض على سوم الشراء والمبيع بيعا فاسدا.
стр. 4352
وإن كانت تصح عندنا خلافا للشافعي، لكن بالأعيان المضمونة بنفسها كالمبيع بيعا فاسدا، والمقبوض على سوم الشراء والمغصوب لا بما كان مضمونا بغيره كالمبيع والمرهون، ولا بما كان أمانة كالوديعة والمستعار والمستأجر ومال المضاربة والشركة. ولو كفل بتسليم المبيع قبل القبض، أو بتسليم الرهن بعد القبض إلى الراهن، أو بتسليم المستأجر إلى المستأجر جاز؛ لأنه التزم فعلا واجبا. ومن استأجر دابة للحمل عليها؛ فإن كانت بعينها لا تصح الكفالة
ــ
[البناية]
الثاني: غير مضمون بنفسه بل هو مضمون بغيره كالمبيع في يد البائع، والمرهون في يد المرتهن، لأن المبيع مضمون بالثمن والرهن مضمون بالدين لا تصح الكفالة به، وإذا تكفل بتسليم المبيع صح.
وقال تاج الشريعة: كون الشيء مضمونا بنفسه أن لا يزول عنه الزمان أصلا كالمقبوض على سوم الشراء والمغصوب، فإنه يجب رد عينه أو قيمته والأعيان المضمونة لغيرها ليست كذلك، إذ المبيع لو هلك يهلك على حكم ملك للمالك وينفسخ البيع، والإنسان لا يضمن مال نفسه.
م: (وإن كانت تصح عندنا) ش: كلمة إن واصلة بما قبله م: (خلافا للشافعي) ش: فإن عنده في وجه لا تصح الكفالة بالأعيان غير ثابتة في الذمة م: (لكن بالأعيان المضمونة بنفسها) ش: هذا في محل الخبر عن قوله والكفالة بالأعيان المضمونة إنما تصح إذا كانت مضمونة بنفسها لا مطلقا، ومثل لذلك بقوله م: (كالمبيع بيعا فاسدا، والمقبوض على سوم الشراء والمغصوب لا بما كان) ش: يعني لا تصح الكفالة بما كان م: (مضمونا بغيره كالمبيع) ش: فإنه مضمون بالثمن م: (والمرهون) ش: فإنه مضمون بالدين م: (ولا بما كان) ش: أي ولا تصح الكفالة أيضا بالشيء يكون م: (أمانة كالوديعة والمستعار والمستأجر، ومال المضاربة والشركة) ش: وقد ذكرنا الجميع آنفا.
م: (ولو كفل بتسليم المبيع قبل القبض أو بتسليم الرهن بعد القبض) ش: أي قبض الدين م: (إلى الراهن أو بتسليم المستأجر) ش: بفتح الجيم، م: (إلى المستأجر) ش: بكسرها م: (جاز لأنه التزم فعلا واجبا) ش: أي لأن الكفيل التزم فعلا واجبا على الأصيل وهو تسليم المبيع والمرهون والمستأجر، فلو هلك المبيع أو الرهن أو المستأجر بطلت الكفالة، ولم يكن على الكفيل شيء لأنه ما ضمن الثمن إلا في المبيع أو القيمة في غيره. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: العين في يد الأجير المشتركة مضمونة فتصح الكفالة بهما عندهما خلافا لأبي حنيفة ﵀ وفي " الذخيرة ": الكفالة بتمكين المودع من الأخذ صحيحة، وكذا الكفالة بتسليم العارية صحيحة لكن بعينها لا تجوز.
وقال " شمس الأئمة ": الكفالة بتسليم العارية باطلة وهذا ليس بصواب، فقد نص محمد ﵀ في " الجامع " أن الكفالة بتسليم العارية صحيحة، وهكذا في " المبسوط "
стр. 4353
بالحمل؛ لأنه عاجز عنه. وإن كانت بغير عينها جازت الكفالة لأنه يمكنه الحمل على دابة نفسه، والحمل هو المستحق، وكذا من استأجر عبدا للخدمة فكفل له رجل بخدمته فهو باطل لما بينا. قال: ولا تصح الكفالة إلا بقبول المكفول له في المجلس، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، وقال أبو يوسف ﵀: يجوز إذا بلغه فأجاز ولم يشترط في بعض النسخ الإجازة.
ــ
[البناية]
و" الإيضاح ". وقال الأكمل: في قوله وهذا ليس بصواب نظر، فإن شمس الأئمة ليس ممن لم يطلع على الجامع، بل لعله قد اطلع عل رواية أخرى أقوى من ذلك فاختارها، وفيه تأمل، وعند أحمد يجوز ضمان العارية لأنه مضمون عنده كالمغصوب.
[الكفالة بالحمل]
م: (ومن استأجر دابة للحمل عليها فإن كانت) ش: أي الدابة م: (بعينها لا تصح الكفالة بالحمل؛ لأنه عاجز عنه) ش: أي لأن الكفيل عاجز عن تسلم الدابة المعينة لأنها ملك الغير والمستحق الحمل عليها م: (وإن كانت بغير عينها جازت الكفالة لأنه يمكنه الحمل على دابة نفسه والحمل هو المستحق) ش: يعني إذا لم تكن الدابة بعينها م: (وكذا) ش: الحكم في م: (من استأجر عبدا) ش: أي معينا م: (للخدمة فكفل له رجل بخدمته هو باطل لما بينا) ش: إشارة إلى قوله: لأنه عاجز.
م: (قال: ولا تصح الكفالة) ش: سواء كانت بالنفس أو بالمال م: (إلا بقبول المكفول له في المجلس) ش: أي في مجلس عقد الكفالة م: (هذا) ش: أي اشتراط قبول المكفول له. م: (عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في وجه، م: (وقال أبو يوسف ﵀ يجوز) ش: وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ في وجه م: (إذا بلغه فأجاز) ش: أي إذا بلغ المكفول له بالتكفيل فأجاز م: (ولم يشترط في بعض النسخ) ش: أي نسخ كفالة " المبسوط " م: (الإجازة) ش: على قول أبي يوسف ﵀. وقال الأكمل: قبل أي نسخ كفالة " المبسوط "، وفيه نبوة، لأن نسخ كفالة المبسوط لم تتعدد، وإنما هي نسخة واحدة، فالموجود في بعضها دون بعض يدل على ترك في بعض أو زيادة في آخر.
قلت: النبوة فيما قاله لا فيما قيل.
وفي " الكافي ": واختلفوا في قول أبي يوسف ﵀ فقيل: يجوز عنده بوصف التوقف حتى لو رضي به الطالب ينفذ. وقيل: يجوز لوصف النفاد، قيل رضاء الطالب ليس بشرط وهو الأصح عنده. وفي " شرح المجمع " وأفتى بعض المشايخ بقول أبي يوسف ﵀ رفقا بالناس.
وقال الأترازي ﵀: والحاصل أن الكفالة بالنفس أو بالمال إذا كانت بحضرة المكفول له والمكفول عنه صحت بالإجماع، فإن كان الطالب غائبا فهي جائزة عند أبي يوسف
стр. 4354
والخلاف في الكفالة بالنفس والمال جميعا. له أنه تصرف التزام فيستبد به الملتزم، وهذا وجه هذه الرواية عنه، ووجه التوقف ما ذكرناه في الفضولي في النكاح. ولهما أن فيه معنى التمليك، وهو تمليك المطالبة منه فيقوم بهما جميعا، والموجود شطره فلا يتوقف على ما رواء المجلس، قال: إلا في مسألة واحدة وهي أن يقول المريض
ــ
[البناية]
﵀. وقالا: لا يجوز إلا أن يقبل عنه قابل فيتوقف على إجازته، كذا في المختلف.
م: (والخلاف) ش: بين أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- وبين أبي يوسف ﵀ م: (في الكفالة بالنفس والمال جميعا له) ش: أي لأبي يوسف ﵀ م: (إنه) ش: أي أن عقد الكفالة م: (تصرف التزام) ش: للغير م: (فيستبد به) ش: أي فينتقل به م: (الملتزم) ش: كالإقرار والنذر، ولهذا يصح مع الجهالة م: (وهذا) ش: أي هذا التعليل وهو أنه تصرف التزام م: (وجه هذه الرواية عنه) ش: أي عن أبي يوسف ﵀ م: (ووجه التوقف) ش: يعني أن وجه الرواية التي أجازت الكفالة عند غيبة المكفول له موقوفة على الإجازة م: (ما ذكرناه) ش: في كتاب النكاح م: (في الفضولي في النكاح) ش: وهو أن شطر العقد يتوقف على ما وراء المجلس عند أبي يوسف ﵀ والجامع عدم الضرر.
وعندهما لا يتوقف شطر العقد على ما وراء المجلس كما في البيع. حاصل الكلام من جعل الخلاف في التوقف جعله فرعا للفضولي في النكاح، إذا تزوج امرأة وليس عنها قابل يتوقف عند أبي يوسف ﵀ على إجازتها فيما وراء المجلس لأنه لا ضرر في هذا التوقف على أحد.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد ﵀ م: (أن فيه) ش: في عقد الكفالة، م: (معنى التمليك وهو تمليك المطالبة منه) ش: أي من المكفول عنه، كذا قال شيخنا العلاء، ثم قال: ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الكفيل لأن الكفيل ملك المطالبة للمكفول عنه. وقال تاج الشريعة: منه، أي من الكفيل. ومتى ثبت معنى التملك لم ينفرد الواحد به؛ لأن شطر العقد م: (فيقوم بهما جميعا) ش: أي فيقوم التمليك بالكفيل والطالب، م: (والموجود شطره) ش: أي شطر العقد م: (فلا يتوقف على ما وراء المجلس) ش: فعلى هذا لو قبله عن الطالب فضولي توقف على إجازته لوجود شطريه.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (إلا في مسألة واحدة) ش: وهو استثناء من قوله ولا تصح الكفالة إلا بقبول المكفول له في المجلس حيث يصح استحسانا، والقياس عدمهما على قولهما، م: (وهي أن يقول المريض) ش: وفي " القدوري ": وهي أن يقول المريض وهذا على الأصل، لأن الضمير يرجع إلى المسألة.
стр. 4355
لوارثه: تكفل عني بما علي من الدين فكفل به مع غيبة الغرماء جاز؛ لأن ذلك وصية في الحقيقة، ولهذا تصح وإن لم يسم المكفول لهم، ولهذا قالوا: إنما تصح إذا كان له مال، أو يقال إنه قائم مقام الطالب لحاجته إليه تفريغا لذمته، وفيه نفع الطالب، كما إذا حضر بنفسه، وإنما يصح بهذا اللفظ، ولا يشترط القبول
ــ
[البناية]
ووجه تذكير الضمير في الكتاب باعتبار المذكور في القدوري أن يقول المريض م: (لوارثه تكفل عني بما علي من الدين فكفل به) ش: أي فتكفل الوارث لما عليه من الدين م: (مع غيبة الغرماء جاز) ش: حيث تصح استحسانا م: (لأن ذلك وصية في الحقيقة) ش: أي يصير كأنه أوصى إليه بقضاء ديونه فيشترط قبول من أوصى إليه ليصير وصيا لا قبول غيره، كذا قاله تاج الشريعة.
وقال الكاكي ﵀: قيل في تعليل الكتاب بقوله: لأن ذلك وصية في الحقيقة نظرا، إذ لو كان وصية حقيقة لما اختلف الحكم بين حالة الصحة وحالة المرض، وقد ذكرنا من " المبسوط " أن هذا لا يصح في حالة الصحة، إلا أن يأول هذا ويقال لأن ذلك في معنى الوصية في الحقيقة وفيه بعد، وقد نقل الأكمل هذا ثم قال: مثل هذه العبارة يستعمل عند المحصلين فيما إذا دل لفظ بظاهره على معنى.
وإذا نظرت في معناه يأول إلى معنى آخر وحينئذ لا فرق بين أن يقول في معنى الوصية أو وصية في الحقيقة، وفيه تأمل. وفي " الشامل ": الإيصاء بقضاء الدين يصح. وفي الخلاصة: ثم هذا من المريض يصح وإن لم يسم الدين ولا صاحب الدين، وأشار إليه المصنف ﵀ بقوله: م: (ولهذا تصح وإن لم يسم المكفول لهم) ش: أي ولأجل أن ذاك وصية.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ذلك أيضا م: (قالوا) ش: أي المشايخ م: (إنما تصح) ش: أي عقد الكفالة بدون قبول الطالب م: (إذا كان له) ش: أي للمريض م: (مال) ش: عند الموت إذ الوصية تصح في المال عند الموت م: (أو يقال) ش: إشارة إلى بيان وجه آخر في صحة قول المريض لوارثه: تكفل بما علي من الديون. تقريره أن يقال م: (إنه) : أي المريض م: (قائم مقام الطالب) ش: وهو المكفول له م: (لحاجته إليه) ش: أي لحاجة المريض إلى إقامة نفسه مقام الطالب م: (تفريغا لذمته) ش: أي لأجل تفريغ ذمته عن الدين فصار كأن الطالب حضر بنفسه على ما يجيء م: (وفيه) ش: أي وفي إقامة نفسه مقام الطالب م: (نفع الطالب) ش: وهو حصول حقه إليه، فصار حكمه م: (كما إذا حضر) ش: أي الطالب م: (بنفسه، وإنما يصح بهذا اللفظ) ش: متصل بقوله لأن ذلك وصية، يعني أن قول المريض: لوارثه تكفل عني أيضا، ولهذا تصح إذا لم يكن مال ولكن الإيصاء صح بلفظ الضمان.
م: (ولا يشترط القبول) ش: أي قبول المريض، هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لو
стр. 4356
لأنه يراد به التحقيق دون المساومة ظاهرا في هذه الحالة فصار كالأمر بالنكاح. ولو قال المريض ذلك لأجنبي اختلف المشايخ فيه،
قال: وإذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئا فتكفل عنه رجل للغرماء لم تصح عند أبي حنيفة، وقالا: تصح؛ لأنه كفل بدين ثابت لأنه وجب لحق الطالب ولم يوجد المسقط، ولهذا يبقى في حق أحكام الآخرة. ولو تبرع به إنسان وله مال يصح،
ــ
[البناية]
كان المرض نازلا منزلة الطالب لكان قبوله شرطا كقبول الطالب. وتقرير الجواب: أنه لا يشترط القبول م: (لأنه يراد به التحقيق) ش: أي المريض يريد بقوله تكفل عني تحقيق الكفالة م: (دون المساومة) ش: نظرا إلى ظاهر حالته التي هو عليها، وهو معنى قوله م: (ظاهرا في هذه الحالة فصار) ش: فصار هذا م: (كالأمر بالنكاح) ش: لو قال لامرأة زوجيني نفسك، فقالت: زوجت نفسي منك يكون ذلك بالقبول فكأنها قالت زوجت، وقال: قبلت.
م: (ولو قال المريض ذلك لأجنبي) ش: أي لو قال المريض لأجنبي تكفل عني بما علي من الدين ففعل الأجنبي ذلك، م: (اختلف المشايخ فيه) ش: فمنهم من لم يصح ذلك؛ لأن الأجنبي غير مطالب بقضاء دينه لا في الحياة ولا بعد موته بدون الالتزام، فكان المريض والصحيح في حقه سواء، ولو قال الصحيح ذلك لأجنبي أو لوارثه لم يصح بدون قبول المكفول له، فكذا المريض.
ومنهم من صححه؛ لأن المريض قصد به النظر لنفسه والأجنبي إذا قضى دينه بأمره يرجع في تركته فيصح هذا من المريض، على أن يجعل قائما مقام الطالب لتضيق الحال عليه بمرض الموت؛ لكونه على شرف الهلاك. ومثل ذلك لا يوجد في الصحيح فأخذناه بالقياس.
[مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئا فتكفل عنه رجل للغرماء]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئا فتكفل عنه رجل للغرماء لم تصح عند أبي حنيفة) ش: أي لم تصح الكفالة عنده، سواء كان ذلك الرجل أجنبيا أو وارث الميت، م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (تصح) ش: الكفالة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ﵏ م: (لأنه) ش: أي لأن الرجل، م: (كفل بدين ثابت لأنه) ش: أي لأن الدين م: (وجب لحق الطالب ولم يوجد المسقط) ش: أي مسقط الدين، لأن الإسقاط إنما يكون بالإيفاء أو الإبراء أو انفساخ سبب وجوبه وبالموت لا يتحقق شيء من ذلك.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل ما ذكرنا من عدم الإسقاط م: (يبقى) ش: أي الدين م: (في حق أحكام الآخرة) ش: فيطالب به في الآخرة.
م: (ولو تبرع به) ش: أي بأداء الدين م: (إنسان وله مال) ش: أي والحال أن للميت مالا م: (يصح) ش: أي التبرع به، ولو برئ المفلس من الدين بالموت لما حل لصاحب الدين الأخذ من
стр. 4357
وكذا يبقى إذا كان به كفيل أو مال. وله أنه كفل بدين ساقط لأن الدين هو الفعل حقيقة، ولهذا يوصف بالوجوب؛ لكنه في الحكم مال؛ لأنه يئول إليه في المال، وقد عجز بنفسه وبخلفه، ففات عاقبة الاستيفاء فيسقط ضرورة، والتبرع لا يعتمد قيام الدين
ــ
[البناية]
المتبرع م: (وكذا يبقى) ش: أي الدين م: (إذا كان به كفيل أو مال) ش: ويبقى هو على كفالته ولو سقط الدين بالموت ليسقط عن الكفيل، لأن سقوط الدين عن الأصيل يوجب براءة الكفيل.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - م: (أنه) ش: أي أن الرجل م: (كفل بدين ساقط) ش: لأن محل الدين قد فات وقيام الدين من غير محل محال م: (لأن الدين هو الفعل حقيقة) ش: لأن المقصود والفائدة الحاصلة منه هو فعل الأداء.
م: (ولهذا) ش: أي ولكون الدين هو الفعل حقيقة م: (يوصف بالوجوب) ش: يقال دين واجب كما يقال الصلاة واجبة والوصف بالوجوب حقيقة إنما هو في الأفعال م: (لكنه في الحكم مال) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال: لزم حينئذ قيام العرض بالعرض هو غير جائز عند المتكلمين من أهل السنة.
وتقرير الجواب هو ما قاله، لكنه أي لكن الدين في الحكم مال، لأن تحقيق ذلك الفعل في الخارج ليس إلا بتمليك طائفة من المال فوصف المال بالوجوب م: (لأنه) ش: أي لأن الأداء الموصوف به م: (يؤول إليه في المال) ش: فكان وصفا مجازيا، وكونه مالا بواسطة الاستيفاء م: (وقد عجز) ش: أي والحال أنه قد عجز عنه م: (بنفسه وبخلقه) ش: أي كفيله م: (ففات عاقبة الاستيفاء فيسقط) ش: في أحكام الدنيا م: (ضرورة) ش: لأن الكفالة من أحكام الدنيا فانعدم أثر الوجوب في حق الميت فلم تصح الكفالة؛ لأنها بناء على الوجوب في جانب من عليه.
فإن قلت: العجز بنفسه وبخلقه يدل على تعذر المطالبة منه، وذلك لا يستلزم بطلان الدين في نفسه كمن كفل عن عبد محجور أقر بدين فإنها تصح، فإن تعذرت المطالبة في حال الرق.
وقال الأكمل ﵀: قلنا غلط بعدم التفرقة بين ذمة صالحة بوجوب الحق عليها ضعفت بالرق وبين ذمته خربت بالموت ولم يبق أهلا للوجوب عليها. وقال الأكمل ﵀ أيضا وهذا التقرير كما ترى يشير إلى أن المصنف ذكر دليل أبي حنيفة ﵁ بطريق المعارضة. ولو أخرجه إلى سبيل الممانعة بأن يقول: لا نسلم أن الدين ثابت بل هو ساقط ويذكر السند بقوله فإن الدين هو الفعل، كان أحدث في وجوه النظر على ما لا يخفى.
قلت: الذي قرره المصنف يتناول كل واحد من طريق الممانعة وطريق المعارضة على ما لا يخفى.
م: (والتبرع لا يعتمد قيام الدين) ش: هذا جواب عما قال: ولو تبرع به إنسان، تقريره أن
стр. 4358
وإذا كان به كفيل أوله مال فخلفه أو الإفضاء إلى الأداء باق.
ــ
[البناية]
الشرع لا يعتمد قيام الدين، فإن من قال: لفلان على فلان ألف درهم وأنا كفيل صحت الكفالة وعليه أداؤه وإن لم يوجد الدين أصلا. وقال تاج الشريعة: والتبرع لا يعتمد قيام الدين أي في حق المكفول عنه، بل يعتمد قيامه في حق الكفيل؛ ولهذا لو أقر رجل أن لفلان على فلان كذا وأنا كفيل بذلك وأنكر المكفول عنه تصح الكفالة وعليه أداء الدين م: (وإذا كان به كفيل) ش: جواب عن قولهما: وكذا يبقى إذا كان به كفيل م: (أو له مال) ش: بيان هذا أن القدرة شرط الفعل إما بنفس القادر أو بخلفه، فإذا كان به كفيل أو له مال وانتفى القادر م: (فخلفه) ش: وهو الوكيل أو المال في حق بقاء الدين م: (أو الإفضاء إلى الأداء) ش: هذا غير موجود في بعض النسخ. وقال الأترازي: هكذا وقع السماع مرارا، وقد كانت نسخة شيخ الإسلام حافظ الدين الكبير البخاري هكذا أيضا.
وقال الأكمل ﵀: وقوله هو الإفضاء على ما هو السماع، وعليه أكثر النسخ، وكأنه قال: الكفيل والمال إن لم يكونا خلفين فالإفضاء إلى الأداء بوجودهما، م: (باق) ش: بخلاف ما إذا عدما. ويجوز أن يكون في الكلام لف ونشر، وتقريره فخلفه وهو الكفيل أو الإفضاء، أي ما يفضي إلى الأداء، وهو المال باق، وعلى هذا يشترط في القدرة، إما نفس القادر أو خلفه أو ما يفضي إلى الأداء، وقد وقع في بعض النسخ، إذ الإفضاء على وجه التعليل لقوله فخلفه.
وعلى هذا يكون تقرير الكلام فخلفه باق حذفه لدلالة المذكور عليه، كما في قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض
والرأي مختلف، ومعناه كل واحد من الكفيل والمال خلف للميت، لأن رجاء الأداء منهما باق، فإن الخلف ما به تحصل كفاية أمر الأصيل عند عدمه، وهما كذلك فكانا خلفين، انتهى.
وقال شيخنا العلاء ﵀: قوله إذا كان به كفيل، أي إذا كان بالدين كفيل فخلفه باق، وكذا إذا له مال فالتقضي إلى الأداء باق، لأنه يستوفي من المال فتحقق باقيا في أحكام الدنيا.
وقوله: فخلفه أي إذا كان له كفيل والإفضاء إليه فيما إذا كان له مال باق، انتهى.
قلت: هنا تكلفات كثيرة، فالمختصر من الكلام أن يقال: فخلفه أي الكفيل أو الإفضاء بالنظر إلى وجود المال، وإعراب ما وقع في المتن أن قوله: فخلفه مبتدأ. وقوله: أو الإفضاء إلى الأداء عطف عليه. وفي بعض النسخ بدون الألف. وقول: باق خبر المبتدأ.
стр. 4359
قال: ومن كفل عن رجل بألف عليه بأمره فقضاء الألف قبل أن يعطيه صاحب المال فليس له أن يرجع فيها؛ لأنه تعلق به حق القابض على احتمال قضائه الدين، فلا تجوز المطالبة ما بقي هذا الاحتمال. كمن عجل زكاته ودفعها إلى الساعي، ولأنه ملكه بالقبض على ما نذكر، بخلاف ما إذا كان الدفع على وجه الرسالة لأنه تمحض أمانة في يده. وإن ربح الكفيل فيه فهو له لا يتصدق به؛ لأنه ملكه حين قبضه، أما إذا قضى
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: (ومن كفل عن رجل بألف عليه بأمره) ش: أي على الرجل بأمره، وهو المديون م: (فقضاه الألف) ش: أي فقضى الرجل الألف الكفيل م: (قبل أن يعطيه صاحب المال) ش: أي قبل أن يعطي الألف صاحب المال وهو منصوب على أنه مفعول ثان للإعطاء م: (فليس له) ش: أي للرجل المذكور وهو المكفول عنه م: (أن يرجع فيها) ش: أي في الألف على تأويل الدراهم م: (لأنه) ش: أي لأن الألف م: (تعلق به حق القابض) ش: وهو الكفيل م: (على احتمال قضائه الدين، فلا تجوز المطالبة ما بقي هذا الاحتمال) ش: يعني ما لم يبطل هذا الاحتمال بأداء الأصل بنفسه حق الطالب ليس له أن يسترده، لأن النفع الدفع إذا كان الفرض لا يجوز الاسترداد فيه ما دام باقيا كيلا يكون سعيا في نقض ما أوجبه.
وهذا م: (كمن عجل زكاته ودفعها إلى الساعي) ش: وهو المصدق الذي يتولى أخذ الزكاة فإنه ليس له أن يستردها، لأن الدفع كان لفرض، وهو أن يصير زكاته بعض الحول، فما دام الاحتمال ليس له الرجوع م: (ولأنه) ش: أي ولأن الكفيل م: (ملكه) ش: أي الألف م: (بالقبض) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في وجه. وقال في وجه: لا يملكه وفي يده أمانة فيسترده قبل أداء الكفيل به، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- م: (على ما نذكر) ش: إشارة إلى قوله بعد خطين، أما إذا قضى الدين فظاهر إلى آخره.
م: (بخلاف ما إذا كان الدفع) ش: أي الدفع إلى الكفيل م: (على وجه الرسالة) ش: يعني يرجع الأصيل على الكفيل بالمدفوع إليه م: (لأنه تمحض أمانة في يده) ش: صورته أن يقول الأصيل للكفيل: خذ هذا المال، وادفع إلى الطالب، فإنه لا يصير ملكا للكفيل، بل هو أمانة في يده، ولكن لا يكون للمطلوب أن يسترده من يد الكفيل، لأنه تعلق بالمؤدى حق الطالب فالمطلوب بالاسترداد يريد إبطال ذلك فلا يقدر عليه، لكنه لم يملكه لكونه إصابة.
م: (وإن ربح الكفيل فيه) ش: أي في الألف المقبوض بأن تصرف فيه وربح م: (فهو له) ش: أي الربح له م: (لا يصدق به) ش: يعني لا يجب أن يتصدق به م: (لأنه ملكه حين قبضه) ش: والربح الحاصل من ملكه طيب له لا محالة، وإنما قلنا: إنه ملكه حين قبضه لأن قضاء الدين إما أن يحصل من الكفيل أو من الأصيل، فإن كان الأول فظاهر، وهو معنى قوله: م: (أما إذا قضى
стр. 4360
الدين فظاهر، وكذا إذا قضى المطلوب بنفسه وثبت له حق الاسترداد؛ لأنه وجب له على المكفول عنه مثل ما وجب للطالب عليه، إلا أنه أخرت المطالبة إلى وقت الأداء فنزل منزلة الدين المؤجل. ولهذا لو أبرأ الكفيل المطلوب قبل أدائه يصح، فكذا إذا قبضه يملكه، إلا أن فيه نوع خبث نبينه، فلا يعمل مع الملك فيما لا يتعين.
ــ
[البناية]
الدين فظاهر) ش: لأنه قبض ما وجب له فيه فيملكه من حيث قبض؛ كمن قبض الدين المؤجل معجلا.
م: (وكذا) ش: أي وكذا الحكم م: (إذا قضى المطلوب بنفسه) ش: أي الأصيل أداه بنفسه حيث يملكه الكفيل م: (وثبت له حق الاسترداد لأنه) ش: أي لأن الكفيل م: (وجب له على المكفول عنه مثل ما وجب للطالب عليه) ش: أي على الكفيل، وقال الكاكي ﵀: وقيل على المكفول له، لأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة لا في الدين، ولكن ذكر في " جامع المحبوبي " و" قاضي خان ": أن الدين وجب للطالب على الكفيل فيكون الضمير في "عليه" راجعا إلى الكفيل.
وفي " المبسوط " الكفالة توجب الدينين دينا للكفيل على الأصيل ودينا للطالب، لكن دين الكفيل مؤجل إلى وقت الأداء، لأن له مطالبة الأصيل بعد الأداء، ولهذا لو أخذ الكفيل من الأصيل رهنا بهذا المال يصح بمنزلة ما لو أخذ رهنا بدين مؤجل.
م: (إلا أنه) ش: استثناء من قوله: لأنه وجب له على المكفول عنه فعل ما وجب للطالب عليه، أي إلا أنه م: (أخرت المطالبة) ش: أي مطالبة للكفيل الأصيل م: (إلى وقت الأداء) ش: أي أداء الكفيل م: (فنزل منزلة الدين المؤجل) ش: أي نزل بناء على المكفول عنه الكفيل منزلة الدين المؤجل م: (ولهذا) ش: أي ولأجل تنزله منزلة الدين المؤجل م: (لو أبرأ الكفيل المطلوب قبل أدائه) ش: أي قبل أداء الكفيل للطالب م: (يصح) ش: حتى لم يكن له الرجوع بعد الأداء م: (فكذا إذا قبضه يملكه) ش: أي فكذا إذا قبض الكفيل الدين يملكه، وهذا أيضا يدل على أن الكفالة تقتضي دينين كما ذكرناه عن " المبسوط ".
م: (إلا أن فيه) ش: أي في الربح الحاصل للكفيل بتصرفه في المقبوض على وجه الاقتضاء وقد أدى الأصيل الدين م: (نوع خبث نبينه) ش: أي نبين نوع الخبث ونبينه في مسألة الكفالة بالكبر، والآن نذكرها، م: (فلا يعمل) ش: أي الخبث م: (مع الملك فيما لا يتعين) ش: كغير النقود، وقال الأترازي ﵀: هذا استثناء من قوله فهو له ولا يتصدق به، فكأنه ذكره جوابا لسؤال بأن يقال في هذا الربح نوع خبث، فينبغي أن يتصدق به، لأن حق المال الخبيث التصدق به فأجاب عنه وقال: لكن فيه نوع خبث مع الملك، فلا يعمل الخبيث مع الملك فيما لا يتعين،
стр. 4361
وقد قررناه في البيوع. ولو كانت الكفالة بكر حنطة فقبضها الكفيل فباعها وربح فيها فالربح له في الحكم لما بينا أنه ملكه. قال: وأحب إلي أن يرده على الذي قضاه الكر ولا يجب عليه في الحكم، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ في رواية " الجامع الصغير "، وقالا: هو له
ــ
[البناية]
فلأجل هذا لم يؤمر بالتصدق.
وذكر في شروح " الجامع الصغير " هذا الفصل على وجهين: فإما أن يدفع الأصيل إليه على وجه الرسالة، أو على وجه الاقتضاء، وكل ذلك على وجهين، إما إن كان الدفع مما لا يتعين بالتعيين كالنقود أو مما يتعين كالعروض.
فإن دفع على وجه الرسالة بأن قال: خذ هذا المال وادفع إلى الطالب لا يطيب الربح، سواء كان المدفوع مما لا يتعين أو يتعين في قول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ومحمد -وطالب له- عند أبي يوسف، لأن الخبث يثبت لعدم الملك، لأن تصرفه وجد في غير ملكه فاستوى فيه المال لأنه وإن دفع على وجه الاقتضاء بأن قال الأصيل للكفيل: إني لا آمن أن يأخذ الطالب حقه منك فأنا أقضيك قبل أن تؤدي طاب له الربح إذا كان المدفوع مما لا يتعين كالنقود لأنه ملكها بالقبض، وإن كان المدفوع مما يتعين كغير النقود.
قال أبو حنيفة -في رواية-: هذا الكتاب يستحب أن يرده على الأصيل، وقال في كتاب الكفالة من الأصل يتصدق به، وقال في كتاب البيوع منه: يطيب له. وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- يطيب له ولا يرده، ولا يتصدق به، وقال فخر الإسلام: ويستوي في هذا أن أداء المطلوب إلى الطالب بنفسه أو أداء الكفيل م: (وقد قررناه في البيوع) ش: أي في آخر فصل أحكام البيع الفاسد.
م: (ولو كانت الكفالة بكر حنطة فقبضها الكفيل) ش: أي فقبض الكفيل الكر من الأصيل فتصرف فيها م: (فباعها وربح فيه فالربح له) ش: أي الكفيل م: (في الحكم) ش: أي في القضاء م: (لما بينا أنه ملكه) ش: أي أن الكفيل ملك الذي قبضه.
م: (قال) ش: أي قال أبو حنيفة ﵀ في " الجامع الصغير " لما روى محمد ﵀ فيما إذا كانت الكفالة بكر حنطة فقضاه الذي عليه الأصيل فباعه الكفيل فربح فيه فإن الربح له إلا أنه أحب إلي أن يدفعه إلى الذي قضاه ويرده عليه، ولا أجبره على ذلك في القضاء ونقل المصنف هذا بقوله م: (وأحب إلي أن يرده على الذي قضاه الكر، ولا يجب عليه في الحكم، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ في رواية " الجامع الصغير ") ش: أي ولا يجب الرد على الذي قضاه في الحكم، أي في القضاء، ثم إن المصنف ﵀ لما نقل هذا عن " الجامع الصغير ".
ثم قال المصنف ﵀ م: (وقالا هو له) ش: أي وقال أبو يوسف ومحمد: الربح له، م:
стр. 4362
ولا يرده على الذي قضاه الكر وهو رواية عنه. وعنه أنه يتصدق به. لهما أنه ربح في ملكه على الوجه الذي بيناه فيسلم له. وله أنه تمكن الخبث مع الملك، إما لأنه بسبيل من الاسترداد بأن يقضيه بنفسه، أو لأنه رضي به على اعتبار قضاء الكفيل، فإذا قضاه بنفسه لم يكن راضيا به، وهذا الخبث يعمل فيما يتعين فيكون سبيله التصدق في رواية ويرده عليه في رواية؛ لأن الخبث لحقه، وهذا أصح، لكنه استحباب لا جبر لأن الحق له
ــ
[البناية]
(ولا يرده على الذي قضاه الكر) ش: وهذا لفظه في " الجامع الصغير "، وقال يعقوب ومحمد: هو له ولا يرده على الذي قضاه الكر م: (وهو رواية عنه) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد رواية عن أبي حنيفة أيضا وهو أن الربح للكفيل ولا يرده على الأصيل وهو رواية كتاب البيوع م: (وعنه أنه) ش: أي أن الكفيل م: (يتصدق به) ش: أي بالربح، وهو رواية كتاب الكفالة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أنه تمكن الخبث مع الملك) ش: لأحد الوجهين إشارة إلى الوجه الأول بقوله م: (إما لأنه) ش: أي لأن الأصيل م: (بسبيل من الاسترداد بأن يقضيه) ش: أي يقضي الكر م: (بنفسه) ش: فإذا كان كذلك كان الربح حاصلا في ملك متردد بين أن يقر وأن لا يقر.
ومثل ذلك قاصر، ولو عدم الملك أصلا كان خبيثا، فإذا كان قاصرا تمكن فيه شبهة الخبث. وأشار إلى الوجه الثاني بقوله م: (أو لأنه) ش: أي أو لأن الأصيل م: (رضي به) ش: أي يكون المدفوع ملكا للكفيل م: (على اعتبار قضاء الكفيل) ش: الدين (فإذا قضاه بنفسه لم يكن راضيا به) ش: فتمكن الخبث م: (وهذا الخبث) ش: أي الخبيث الذي يكون مع الملك م: (يعمل فيما يتعين) ش: كغير النقود م: (فيكون سبيله التصدق في رواية) ش: عن أبي حنيفة ﵀ م: (ويرده عليه) ش: أي على الأصيل.
م: (في رواية) ش: أخرى عن أبي حنيفة، فإن رده على الأصيل فإن كان الأصيل فقيرا طاب له، وإن كان غنيا ففيه روايتان في كتاب الغصب. قال فخر الإسلام في "شرح الجامع الصغير ": والأشبه أي يطب له، لأنه إنما يرده عليه على أنه حقه م: (لأن الخبث لحقه) ش: أي لحق الأصيل لا لحق الشرع.
م: (وهذا أصح) ش: أي الرد، لأن يرد الربح على المكفول عنه أصح من القول بالتصدق م: (لكنه استحباب) ش: أي لكن الرد عليه مستحب، لأن الملك لكفيل م: (لا جبر، لأن الحق له)
стр. 4363
قال: ومن كفل عن رجل بألف عليه بأمره، فأمره الأصيل أن يتعين عليه حريرا ففعل؛ فالشراء للكفيل والربح الذي ربح البائع فهو عليه، ومعناه الأمر ببيع العينية، مثل أن يستقرض من تاجر عشرة، فيتأبى عليه، ويبيع منه ثوبا يساوي عشرة بخمسة عشر مثلا رغبة في نيل الزيادة ليبيعه المستقرض بعشرة ويتحمل عليه خمسة،
ــ
[البناية]
ش: أي لا يجبر على دفعه إلا أنه لما تمكن الخبث يستحب الدفع إليه، بخلاف الربح في الغصب حيث يجبر الغاصب على الدفع لأنه لا حق للغاصب في الربح.
وفي " الكافي ": هذا إذ أعطاه على وجه القضاء، أما لو أعطاه على وجه الرسالة فتصرف فيه الرسول وربح لم يطب له الربح، سواء كان ثمنا أو مما يتعين لأنه مودع والمودع إذا تصرف فيه الوديعة وربح لم يطب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- وطاب له عند أبي يوسف ﵀ لما عرف.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن كفل عن رجل بألف عليه بأمره فأمره الأصيل أن يتعين عليه حريرا) ش: أي على الأصيل، أي أمره أن يشتري له حريرا بطريق العينية م: (ففعل) ش: أي الكفيل م: (فالشراء للكفيل والربح الذي ربح البائع فهو عليه) ش: أي الربح على الكفيل.
م: (ومعناه) ش: أي معنى قوله أن يتعين عليه حريرا م: (الأمر ببيع العينية) ش: يعني أمره أن يشتري حريرا بطريق العينة فعين ذلك بقوله م: (مثل أن يستقرض من تاجر عشرة) ش: أي يطلب من تاجر عشرة دراهم على سبيل الفرض م: (فيتأبى عليه) ش: أي فيمتنع أن يقرضه عشرة م: (ويبيع منه ثوبا يساوي عشرة بخمسة عشر مثلا رغبة في نيل الزيادة) ش: يعني طمعا في الفضل الذي لا يناله المقرض بالقرض ويقول لا يتيسر لي القرض ثم يبيعه ثوبا م: (ليبيعه المستقرض بعشرة ويتحمل عليه خمسة) ش: أي يتحمل المقرض خمسة دراهم يحصل له عشرة دراهم، ولرب الثوب خمسة دراهم بطريق البيع، هذا الذي ذكره المصنف ﵀ من جملة صور العينة.
ومن صورها ما ذكره " قاضي خان " وهو أن يجعل المقرض والمستقرض بينهما ثالثا فيبيع صاحب الثوب باثني عشر من المستقرض، ثم إن المستقرض يبيعه من الثالث بعشرة ويسلم ثم يبيع الثالث من المقرض بعشرة ويأخذ منه عشرة ويدفعها إلى المستقرض فتندفع حاجته، وإنما خللا ثالثا تحرزا عن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن.
وفي " فتاوى الكردي ": صورته أن يبيع المستقرض سلعة من المقرض بعشرة ويسلم إليه، ثم قال المستقرض يعني باثني عشر فباعه جاز.
стр. 4364
سمي به لما فيه من الإعراض عن الدين إلى العين، وهو مكروه لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض مطاوعة لمذموم البخل. ثم قيل: هذا ضمان لما يخسر المشتري نظرا إلى قوله "علي" وهو فاسد.
ــ
[البناية]
وفي " محيط السرخسي ": صورته باع متاعه بالعين في المستقرض إلى أجل ثم يبعث متوسطا ليشتري المتاع لنفسه بألف حالة ويقبضه ثم يبيعه من البائع الأول بألف، ثم يحيل المتوسط بائعه على البائع الأول بالثمن الذي عليه ويخرج من الوسط فيدفع البائع الأول ألفا حالة إلى المستقرض ويأخذ منه ألفين عند حلول الأجل وهذا البيع جائز في الحكم، فقال أبو يوسف ﵀: لا يكره، لأنه فعل ذلك كثير من الصحابة ﵃ ولم يعدوه من الربا.
وقال محمد: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال أي لها شبهة كأمثال الجبال اخترعه أكلة الربا وقد ذمهم رسول الله ﷺ فقال: «إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ذللتم وظفر عليكم عدوكم» . وفي رواية: «سلط الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم» . وقيل: إياك والعينة فإنها لعينة، والمراد باتباع أذناب البقر الزراعة.
م: (سمي به) ش: أي سمي هذا البيع بيع العينة. وفي نسخة شيخنا: سمي بعينه م: (لما فيه) ش: أي في بيع العينة م: (من الإعراض عن الدين إلى العين وهو مكروه) ش: أي بيع العينة مكروه، إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه على الاختلاف م: (لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض) ش: المبرة اسم للبر.
وقال الجوهري: البر خلاف العقوق والمبرة مثله تقول بررت والدي بالكسر أبره برا فأنا بر به وبار، وجمع البر الأبرار، وجمع البار البررة، وروى: المصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر، م: (مطاوعة لمذموم البخل) ش: يعني لأجل المطاوعة للبخل الذي هو مذموم وكان الكره حصل من المجموع فإن الإعراض عن الإقراض ليس بمكروه، والبخل الحاصل من طلب الربح في التجارات كذلك وإلا لكانت المرابحة مكروهة.
م: (ثم قيل هذا ضمان) ش: أي قوله أن يتعين عليه ضمان م: (لما يخسر المشتري نظرا) ش: أي بالنظر م: (إلى قوله علي) ش: بالتشديد، لأن كلمة علي تعني الالتزام م: (وهو فاسد) ش: أي الضمان بالخسران فاسد، لأن الخسران ليس بمضمون على أحد لأن الكفالة والضمان إنما يصح بما هو مضمون فلا يصح ضمانه.
كم قال لآخر: بائع في هذا السوق على أن كل وضيعة وخسران يصيبك فأنا ضامن به
стр. 4365
وليس بتوكيل، وقيل: هو توكيل فاسد، لأن الحرير غير متعين، وكذا الثمن غير متعين لجهالة ما زاد على الدين، وكيفما كان فالشراء للمشتري وهو الكفيل والربح، أي الزيادة عليه لأنه هو العاقد. قال: ومن كفل عن رجل بما ذاب له عليه، أو بما قضى له عليه فغاب المكفول عنه، فأقام المدعي البينة على الكفيل بأن له على المكفول عنه ألف درهم ولم يقبل ببينته؛ لأن المكفول به مال مقضي به، وهذا في لفظة القضاء ظاهر، وكذا في الأخرى، لأن معنى ذاب تقرر وهو بالقضاء أو مال يقضي به،
ــ
[البناية]
لك كان باطلا، كذا في " جامع المحبوبي " م: (وليس بتوكيل) ش: لأنه لم يقل: تعين لي، بل قال: تعين علي وهي ليست بكلمة وكالة.
م: (وقيل: هو توكيل فاسد، لأن الحرير غير متعين) ش: إذ الحرير أجناس مختلفة م: (وكذا الثمن غير متعين لجهالة ما زاد على الدين) ش: أي على قدر الدين، وقال الأكمل: فإن قيل: الدين معلوم والمأمور به هو مقداره، فكيف يكون الثمن مجهولا، أجاب بقوله: لجهالة ما زاد على الدين فإنه داخل في الثمن.
م: (وكيفما كان) ش: سواء كان قوله: تعين علي وكالة أو كفالة فاسدة م: (فالشراء للمشتري) ش: بفتح الراء وصح بكسر الراء م: (وهو الكفيل والربح أي الزيادة) ش: أي الزيادة على الدين م: (عليه لأنه هو العاقد قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: ومن كفل عن رجل بما ذاب له) ش: أي بما وجب وثبت له م: عليه أو بما قضى له عليه) ش: أي بما حكم له عليه من الحق م: (فغاب المكفول عنه فأقام المدعي البينة على الكفيل بأن له على المكفول عنه ألف درهم، ولم يقبل ببينته) ش: أي بينة المدعي على الكفيل حتى يحضر المكفول عنه فيقضي به عليه م: (لأن المكفول به مال مقضي به) ش: على الأصيل؛ لأن الكفيل التزم ما لا يقضي به في المستقبل، فما لم يقض به لا يجب شيء على الكفيل القضاء على الأصيل ولم يوجد الشرط ولا يوجد القضاء على الأصيل بهذه البينة حال غيبته، لأنه يكون قضاء على الغائب، وهو لا يصح عندنا خلافا للشافعي ومالك، رحمهما الله.
م: (وهذا في لفظة القضاء) ش: وهو قوله أو بما قضى له عليه م: (ظاهر) ش: لدلالة ما قضى بصراحة عبارته.
م: (وكذا في الأخرى) ش: وكذا ظاهر في المسألة الأخرى وهو قوله: ما ذاب له عليه لأنه يستلزم ذلك م: (لأن معنى ذاب تقرر) ش: وهو بالقضاء وقد قلنا إنه مستعار من ذوب الشحم م: (وهو) ش: أي التقرر م: (بالقضاء) ش: أي إنما هو بالقضاء والدعوى مطلق غير ذلك، فلا مطابقة بينهما م: (أو مال يقضي به) ش: معطوف على قوله: أو بما قضي له، يعني كفل بمال
стр. 4366
وهذا ماض أريد به المستقبل كقوله: أطال الله بقاءك، والدعوى مطلق عن ذلك فلا تصح. ومن أقام البينة أن له على فلان كذا وأن هذا كفيل عنه بأمره فإنه يقضي به على الكفيل وعلى المكفول عنه. وإن كانت الكفالة بغير أمره يقضي به على الكفيل خاصة، وإنما تقبل لأن المكفول به مال مطلق بخلاف ما تقدم، وإنما يختلف بالأمر وعدمه لأنهما
ــ
[البناية]
يقضي به بعد الكفالة، فلم توجد هذه الصفقة لا يكون كفيلا به م: (وهذا ماض) ش: أي قوله ذاب أو قضى له ماض، ولكن م: (أريد به المستقبل) ش: وفي نسخة شيخنا أريد به المستأنف، أي يجعل لفظ الماضي بمعنى المستقبل م: (كقوله) ش: أي كقول الداعي لشخص م: (أطال الله بقاءك) ش: فهو وإن كان ماضيا يراد به المستقبل م: (والدعوى مطلق عن ذلك فلا تصح) ش: أي دعوى المدعي على الكفيل مطلقة عن ذلك حيث لم يتعرض لموجب المال بعد الكفالة بل يحتمل أنه كان واجبا قبل الكفالة وذلك لا يدخل تحت الكفالة ففسدت الدعوى فلم تسمع البينة، حتى لو أقام البينة أنه وجب له على الغائب ألف درهم بعد عقد الكفالة قبلت بينته، كذا قالوا في " شرح الجامع الصغير ".
م: ومن أقام البينة أن له على فلان كذا وأن هذا كفيل عنه) ش: أي عن فلان م: بأمره) ش: أي بأمر فلان م: (فإنه) ش: أي فإن المال الذي قامت به البينة م: (يقضى به على الكفيل، وعلى المكفول عنه) ش: الذي هو الغائب م: (وإن كانت الكفالة بغير أمره) ش: أي بغير أمر فلان م: (يقضي به) ش: أي المدعي م: (على الكفيل خاصة) ش: يعني دون الغائب م: (وإنما تقبل) ش: إقامة البينة حتى يقضي بالمال على الكفيل م: (لأن المكفول به مال مطلق) ش: أي عن التوصيف بكونه مقضيا به أو يقتضي به فكانت الدعوى مطابقة للمدعى به فصحت وقبلت البينة لابتنائها على دعوى صحيحة.
م: (بخلاف ما تقدم) ش: أي بخلاف المسألة المتقدمة وهي قوله: ومن كفل عن رجل بما ذاب له..... إلى آخره، حيث لا يقبل بينة المدعي على الكفيل، لأن ثمة المكفول به مال مقيد وهو ما يجب على الكفيل بعد عقد الكفالة ودعوى المدعي وقعت مطلقة لم يتعرض لذلك ففسدت الدعوى فلم تقبل. ثم اعلم أن فائدة القضاء على الكفيل وعلى المكفول عنه أنه لو حضر المكفول عنه لا يحتاج إلى إقامة البينة عليه، لأنه لما أثبت الكفالة على الحاضر بأمر الغائب وقضى القاضي بذلك ثبت أمر الغائب بالكفالة عنه وثبت إقراره بالدين وانتصب الحاضر خصما عن الغائب، بخلاف ما إذا أقام البينة على أنه كفيل بغير أمر الغائب ثبت الدين على الكفيل خاصة ولا يثبت على الغائب شيء لأنه لما لم يثبت الأمر من الغائب لم يتعد القضاء إليه، كذا قال الإمام الزاهد العتابي.
م: (وإنما يختلف) ش: أي حكم القاضي بالرجوع على الأصيل م: (بالأمر وعدمه لأنهما)
стр. 4367
يتغايران لأن الكفالة بأمر تبرع ابتداء ومعاوضة انتهاء، وبغير أمر تبرع في الحالين، فبدعواه أحدهما لا يقضى له بالآخر. وإذا قضى بها بالأمر ثبت أمره وهو يتضمن الإقرار بالمال فيصير مقضيا عليه، والكفالة بغير أمره لا تمس جانبه؛ لأنه يعتمد صحتها قيام الدين في زعم الكفيل فلا يتعدى إليه. وفي الكفالة بأمره يرجع الكفيل بما أدى على الآمر. وقال زفر: لا يرجع لأنه لما أنكر فقد ظلم في زعمه فلا يظلم غيره. ونحن نقول: صار مكذبا شرعا فبطل ما في زعمه. قال: ومن باع دارا وكفل رجل عنه بالدرك فهو تسليم.
ــ
[البناية]
ش: أي لأن الكفالة بأمره والكفالة بغير أمره م: (يتغايران، لأن الكفالة بأمر تبرع ابتداء، ومعاوضة انتهاء، وبغير أمر تبرع في الحالين) ش: أي في الابتداء والانتهاء م: (فبدعواه أحدهما) ش: أي أحد عقدي الكفالة م: (لا يقضى له بالآخر) ش: لأن ذلك غير مشهور به م: (وإذا قضى بها) ش: أي بالكفالة، م: (بالأمر ثبت أمره) ش: أي أمر الأصيل، وهو الآمر بالكفالة، م: (وهو) ش: أي الآمر بالكفالة م: (يتضمن الإقرار بالمال) ش: لأنه لا يأمر الكفيل بأن يؤدي عنه إلا إذا كان مقرا بالمال م: (فيصير مقضيا عليه والكفالة بغير أمره لا تمس جانبه) ش: أي جانب المكفول عنه م: (لأنه) ش: أي لأن الأمر أو الشأن م: (يعتمد صحتها) ش: أي صحة الكفالة م: (قيام الدين) ش: ولفظ صحتها مرفوع بقوله يعتمد. وقوله قيام الدين بالنصب مفعول، م: (في زعم الكفيل) ش: لأن المرء يؤاخذ بزعمه والزعم بفتح الزاي وهو لغة أكثر القراء في قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] (الأنعام الآية: ١٣٦) وقرأ الكسائي بالضم م: (فلا يتعدى إيه) ش: أي إلى المكفول عنه، لأنها لم تكن بأمره فلم يمس جانبه.
م: (وفي الكفالة بأمره يرجع الكفيل بما أدى على الآمر. وقال زفر: لا يرجع) ش: أي الكفيل على الأصيل م: (لأنه) ش: أي لأن الكفيل م: (لما أنكر فقد ظلم في زعمه) ش: يعني أن الكفيل لما أنكر بزعم أن الطالب ظلمه م: (فلا يظلم غيره ونحن نقول صار مكذبا شرعا) ش: لأن القاضي لما قضى عليه فقد أكذبه فيما زعمه م: (فبطل ما في زعمه) ش: كمن اشترى شيئا وأقر أن البائع باع ملكه ثم استحقه آخر بالبينة لا يبطل حقه في الرجوع بالثمن على البائع، كذا ذكره شمس الأئمة وقاضي خان.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن باع دارا وكفل رجل عنه بالدرك) ش: الدرك عبارة عن قبول ثمن الدار عند استحقاق الدار وضمان الدرك صحيح بإجماع الفقهاء وهو المنصوص عن الشافعي، وأخرج أبو العباس عن الشافعي قولا آخر: أنه لا يصح م: (فهو) ش: أي فضمان الدرك م: (تسليم) ش: من الكفيل وتصديق بأن البائع باع ملك نفسه، والمسألة في " الجامع الصغير ": وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في الرجل يبيع الدار ويكفل رجل للمشتري بما أدركها من درك ثم جاء الكفيل يدعيها، قال: كفالة تسليم للبيع، فإن شهد على البائع وختم لم تكن شهادته وختمه تسليما للبيع، إلى هنا لفظ محمد فيه.
стр. 4368
لأن الكفالة لو كانت مشروطة في البيع فتمامه بقبوله، ثم بالدعوى يسعى في نقض ما تم من جهته، وإن لم تكن مشروطة فيه فالمراد بها إحكام البيع وترغيب المشتري فيه إذ لا يرغب فيه، دون الكفالة فنزل منزلة الإقرار بملك البائع. قال: ولو شهد وختم ولم يكفل لم يكن تسليما وهو على دعواه، لأن الشهادة لا تكون مشروطة في البيع ولا هي إقرارا بالملك؛ لأن البيع مرة يوجد من المالك وتارة من غيره، ولعله كتب الشهادة ليحفظ الحادثة بخلاف ما تقدم، قالوا: إذا كتب في الصك باع وهو يملكه أو بيعا باتا نافذا وهو كتب شهد بذلك فهو تسليم إلا إذا كتب الشهادة على إقرار المتعاقدين.
ــ
[البناية]
قال المصنف م: (لأن الكفالة لو كانت مشروطة في البيع فتمامه) ش: يعني لو باع بشرط الكفالة كان تمام البيع متعلقا م: (بقبوله) ش: أي بقبول الكفيل فصار كأنه هو الموجب للعقد ولا يصح دعواه بعد ذلك، وهو معنى قوله م: (ثم بالدعوى) ش: بعد ذلك م: (يسعى في نقض ما تم من جهته) ش: فلا يجوز ذلك م: (وإن لم تكن) ش: أي الكفالة م: (مشروطة فيه) ش: أي في البيع م: (فالمراد بها) ش: أي بالكفالة م: (إحكام البيع) ش: بكسر الهمزة أي إتقانه م: (وترغيب المشتري فيه) ش: أي في البيع م: (إذ لا يرغب) ش: المشتري م: (فيه دون الكفالة) ش: خوفا من الاستحقاق م: (فنزل منزلة الإقرار بملك البائع) ش: أي بمنزلة قوله: اشتر هذه الدار ولا تبالي فإنها ملك البائع. ومن أقر بملك البائع لا تصح دعواه بعد ذلك، وإنما قال: ينزل منزلة الإقرار لأنه يئول إليه في المعنى.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ م: (ولو شهد) ش: أي لو شهد الشاهد على بيع الدار م: (وختم) ش: شهادته بأن كتب اسمه في الصك وجعل اسمه تحت رصاص مكتوبا ووضع عليه نقش خاتمه حتى لا يجري فيه التزوير والتبديل، كذا ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀.
وقال الكاكي ﵀: قيل لفظ ختم وقع اتفاقا باعتبار عادة العرب، وهذا عرف زمانهم، أما في زماننا هذا العرف لم يبق م: (ولم يكفل لم يكن تسليما. وهو على دعواه؛ لأن الشهادة لا تكون مشروطة في البيع) ش: لعدم الملازمة م: (ولا هي) ش: أي الشهادة م: (إقرارا بالملك لأن البيع مرة يوجد من المالك وتارة من غيره، ولعله كتب الشهادة ليحفظ الحادثة بخلاف ما تقدم) ش: من ضمان الدرك، فإنه إقرار بالملك.
م: (قالوا) ش: مشايخنا م: (إذا كتب في الصك باع) ش: فلان م: (وهو) ش: أي والحال أنه م: (يملكه أو بيعا باتا) ش: أي أو باع بيعا باتا م: (نافذا وهو) ش: أي الشاهد م: (كتب شهد بذلك فهو تسليم) ش: فلا تصح دعواه م: (إلا إذا كتب الشهادة على إقرار المتعاقدين) ش: فإنه ليس بتسليم وإن كان المكتوب فيما يدل على الصحة والنفاذ.
стр. 4369
فصل في الضمان قال: ومن باع لرجل ثوبا وضمن له الثمن أو مضارب ضمن ثمن متاع رب المال فالضمان باطل؛ لأن الكفالة التزام المطالبة وهي إليهما فيصير كل واحد منهما ضامنا لنفسه، ولأن المال أمانة في أيديهما والضمان تغيير لحكم الشرع فيرد عليه كاشتراطه على المودع والمستعير
ــ
[البناية]
[فصل في الضمان]
[باع لرجل ثوبا وضمن له الثمن]
م: (فصل في الضمان) ش: أي هذا فصل في بيان الضمان، والضمان والكفالة بمعنى واحد، ولكن لما كان هذا الفصل في مسائل " الجامع الصغير ": ووردت فيه بلفظ الضمان فلذلك فصلها لتغاير في اللفظ، ولهذا سمى أكثر الفقهاء باب الكفالة باب الضمان.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: (ومن باع لرجل ثوبا وضمن له الثمن) ش: أي باع لأجل رجل ثوبا وضمن البائع للآمر الثمن، صورته في " الجامع ": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في الرجل يعطي الرجل ثوبا ليبيعه بعشرة ففعل ثم ضمن البائع الثمن للآمر، قال: الضمان باطل.
م: (أو مضارب ضمن ثمن متاع رب المال) ش: أي أو باع مضارب من المتاع شيئا وضمن لرب المال م: (فالضمان باطل) ش: في الصورتين م: (لأن الكفالة التزام المطالبة وهي) ش: أي المطالبة م: (إليهما) ش: أي إلى الوكيل والمضارب أو حقوق العقد يرجع إلى العقد فاختصت المطالبة به، فلو صح الضمان منهما م: (فيصير كل واحد منهما ضامنا لنفسه) ش: وإنه لا يجبر يجوز، بخلاف الوكيل بالنكاح، فإن ضمن المهر من الزوج يصح، لأنه سفير، ولهذا لا يلي قبض المهر فلا يصير ضامنا لنفسه، كذا ذكره المرغيناني، والمحبوبي، وعلى قياس من قول الأئمة الثلاثة ينبغي أن يصح هذا الضمان، لأن للموكل ولاية مطالبة الثمن فلا يكون ضامنا لنفسه كما في النكاح.
م: (ولأن المال) ش: هذا وجه آخر في تعليل المسألتين المذكورتين وهو أن المال م: (أمانة في أيديهما) ش: أي في يد الوكيل والمضارب والأمين لا يكون ضمينا م: (والضمان تغيير لحكم الشرع) ش: لأنه يناقضه م: (فيرد عليه) ش: أي على الضامن م: (كاشتراطه) ش: أي كاشتراط الضمان م: (على المودع) ش: بفتح الدال.
م: (والمستعير) ش: فإنه لا ضمان عليهما شرعا، فاشتراطه يكون تغييرا للمشروع فلا يجوز، وكمن عليه السهو إذا سلم بنية قصد الخروج، يرد عليه، ولا يخرج حتى كان له أن يعود إلى سجدتي السهو، وكمن نذر أن يصوم غدا وعليه قضاء رمضان يجوز له صوم القضاء، فيرد عليه نية تعيينه الغد لصوم النذر؛ لأنه تغيير المشروع وهو صلاحية الغد لصوم القضاء.
стр. 4370
وكذلك رجلان باعا عبدا صفقة واحدة وضمن أحدهما لصاحبه حصته من الثمن؛ لأنه لو صح الضمان مع الشركة يصير ضامنا لنفسه. لو صح في نصيب صاحبه خاصة يؤدي إلى قسمة الدين قبل قبضه ولا يجوز ذلك. بخلاف ما إذا باعا بصفقتين؛ لأنه لا شركة، ألا ترى أن للمشتري أن يقبل نصيب أحدهما ويقبض إذا نقد ثمن حصته وإن قبل الكل. قال: ومن ضمن عن آخر خراجه ونوائبه.
ــ
[البناية]
م: (وكذلك) ش: أي وكذلك لا يصح الضمان إذا كان م: (رجلان باعا عبدا صفقة واحدة وضمن أحدهما لصاحبه حصته من الثمن؛ لأنه لو صح الضمان مع الشركة) ش: أي مع بقاء الشركة الشائعة م: (يصير ضامنا لنفسه) ش: لأن ما من جزء من الثمن إلا وهو مشترك بينهما م: (ولو صح) ش: أي الضمان م: (في نصيب صاحبه خاصة يؤدي إلى قسمة الدين قبل قبضه) ش: حيث امتاز نصيب أحدهما والدين لا يحتمل قسمة قبل القبض، لأن القسمة إفراز، والإفراز يتحقق في الأعيان لا في الأوصاف.
والدين وصف، ولأن في القسمة معنى التمليك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز، كذا في " جامع قاضي خان " م: (ولا يجوز ذلك) ش: أي قسمة الدين قبل قبضه.
م: (بخلاف ما إذا باعا) ش: عبدا م: (بصفقتين) ش: بأن سمى كل واحد منهما لنفسه ثمنا ثم ضمن أحدهما الآخر صح ضمانه، م: (لأنه لا شركة) ش: إذ نصيب كل منهما ممتاز عن نصيب الآخر، م: (ألا ترى) ش: توضيح لما قبله م: (أن للمشتري أن يقبل نصيب أحدهما ويقبض إذا نقد ثمن حصته وإن قبل الكل) ش: أي: وإن قبل المشتري الكل بكلام واحد.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن ضمن عن آخر خراجه ونوائبه) ش: جمع نائبة. واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: المراد منه ما يكون بحق كأجر الحارس كري نهر العامة، وأنه دين وسمى نائبه، وقال بعضهم: هو ما يحتاج الإمام إليه نحو تجهيز المقاتلين.
وكفداء الأسارى بأن لا يكون في بيت المال شيء فيوظف ما على الناس فيجوز ذلك، فيجب أداؤه على كل موسر نظرا للمسلمين فضمن إنسان قسمة صاحبه أي نصيبه من ذلك يجوز.
وأما النوائب التي يوظفها السلطان على الناس كالجبايات في زماننا بسبيل الظلم فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا تصح الكفالة بها لأنه لا دين عليه فلا تصح. وقال بعضهم: يصح حتى إذا أدى بعدما ضمن بأمره يرجع عليه، لأن العبرة في الكفالة لتوجه المطالبة حسا، فكان بمنزلة دين واجب، وإليه ذهب فخر الإسلام البزدوي. وأما النوائب الكبرى الداهية الدهياء التي هي المكس فهي حرام قطعا، فلا تجوز الكفالة بها، ولا التصرف فيها
стр. 4371
وقسمته فهو جائز. أما الخراج فقد ذكرناه وهو يخالف الزكاة لأنها مجرد فعل، ولهذا لا تؤدى بعد موته من تركته إلا بوصيته. وأما النوائب فإن أريد بها ما يكون بحق ككري النهر المشترك، وأجرة الحارس والموظف لتجهيز الجيش وفداء الأسارى وغيرها جازت الكفالة بها على الاتفاق. وإن أريد
ــ
[البناية]
بوجه من الوجوه أصلا وقد لعن الشارع صاحب المكس م: (وقسمته) .
ش: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي ﵀: ذكر عن أبي بكر بن أبي سعيد أنه قال: وقع هذا الحرف غليظا لأنه لا معنى له، يعني أن القسمة مصدر والمصدر فهو الفعل غير مضمون، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: معناه إذا طلب أحد الشريكين القسمة من صاحبه وامتنع صاحبه من ذلك، فإن القسمة واجبة عليه، فإذا ضمن إنسان ليقوم مقامه في القسمة يجوز ذلك، لأنه ضمن شيئا مضمونا وهو يقدر على ذلك، يعني على إيفائه، وقال بعضهم، منهم فخر الإسلام البزدوي: يحتمل أن يكون المراد بالقسمة ما وظف عليه من النوائب الراتبة كأجرة الحارس ونحوها. وقيل: القسمة تجيء بمعنى النصيب، قال الله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ [القمر: ٢٨] (القمر: الآية ٢٨) ، والمراد النصيب، وقال بعضهم: معناه إذا اقتسما ثم منع أحد الشريكين قسم صاحبه.
قال الأكمل: فتكون الرواية على هذا قسمة بالضمير لا بالتاء. م: (فهو جائز) ش: جواب عن قوله ومن ضمن. م: (أما الخراج) ش: هذا مشروع في بيان قول محمد ﵀ في الجامع وهو الذي ذكره أولا بقوله: ومن ضمن إلى آخره، م: (فقد ذكرناه) ش: أي قبل هذا الفصل بقوله والرهن والكفالة في الخراج بلا خلاف، م: (وهو يخالف الزكاة لأنها) ش: أي لأن الزكاة م: (مجرد فعل) ش: وهو تمليك المال من غير أن يكون دينا.
وفي " الفوائد الظهيرية ": الخراج دين كسائر الديون، كأنه أراد به الموظف مخالف الزكاة في الأموال الظاهرة حيث لا يجوز الضمان لها، لأن الواجب جزء من النصاب وهو غير مضمون بدليل أنه لو هلك لا يضمن شيئا والكفالة بأعيان غير مضمونة باطلة م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون الزكاة مجرد فعل م: (لا تؤدى بعد موته) ش: أي بعد موت من عليه الزكاة م: (من تركته إلا بوصيته) ش: منه وقد عرف في موضعه.
م: (وأما النوائب فإن أريد بها ما يكون بحق ككري النهر المشترك وأجرة الحارس والموظف) ش: من جهة الإمام م: (لتجهيز الجيش) ش: عند خلو بيت المال م: (وفداء الأسارى) ش: وهو تخليصهم من الأسر من أيدي الكفرة م: (وغيرها) ش: كإطفاء النائرة، م: (جازت الكفالة بها) ش: أي من النوائب بالحق م: (على الاتفاق) ش: بين أصحابنا وغيرهم من الفقهاء م: (وإن أزيد
стр. 4372
بها ما ليس بحق كالجبايات في زماننا ففيه اختلاف المشايخ ﵏ وممن يميل إلى الصحة الإمام علي البزدوي. وأما القسمة فقد قيل: هي النوائب بعينها أو حصة منها، والرواية "بأو" وقيل: هي النائبة الموظفة الراتبة، والمراد بالنوائب ما ينوبه غير راتب والحكم ما بيناه. ومن قال لآخر: لك علي مائة إلى شهر، وقال المقر له: هي حالة، فالقول قول المدعي. ومن قال: ضمنت لك عن فلان مائة إلى شهر، وقال المقر له: هي حالة، فالقول قول الضامن. ووجه الفرق أن المقر أقر بالدين، ثم ادعى حقا لنفسه وهو تأخير المطالبة إلى أجل،
ــ
[البناية]
بها) ش: أي من النوائب م: (ما ليس بحق) ش: بل لظلم من الملوك الظلمة م: (كالجبايات) ش: وهي الصادرات م: (في زماننا ففيه اختلاف المشايخ) ش: وقد ذكرناه عن قريب مفصلا م: (وممن يميل إلى الصحة) ش: أي صحة الكفالة بها م: (الإمام علي البزدوي) ش: وهو فخر الإسلام علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم النسفي لا أخوه صدر الإسلام محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم النسفي وعبد الكريم هذا كان تلميذ الشيخ الإمام أبي المنصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي.
م: (وأما القسمة فقد قيل: هي النوائب بعينها أو حصة منها) ش: أي أو حصة الرجل من النوائب، يعني إذا قسم الإمام ما ينوب العامة نحو مؤنة ككري النهر المشترك فأصاب واحدا شيء من ذلك فكفل به رجل صحت الكفالة بالإجماع، قيل: ولكن كان ينبغي أن يذكر الرواية على هذا التقدير وقسمته بالواو ليكون عطف الخاص على العام كما في قوله : ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] م: (البقرة الآية ٩٨) ش: وقال المصنف م: (والرواية بأو) ش: أي بكلمة أو على تقدير أن تكون القسمة حصة من النوائب، لأن القسمة إذا كانت حصة منها فهو محل أو، أما إذا كانت هي النوائب بعينها فهو محل الواو.
م: (وقيل: هي النائبة الموظفة الراتبة) ش: أي المقاطعات الديوانية في كل شهر أو ثلاثة أشهر، كذا في " الفوائد الظهيرية "، وفسروها في شروح " الجامع الصغير " بأجرة الحارس ونحوها م: (والمراد بالنوائب) ش: أي بالنوائب المذكورة أولا م: (ما ينوبه غير راتب) ش: أي ما ينوب الشخص مما هو غير متعارف ولا موظف م: (والحكم ما بيناه) ش: يعني جواز الكفالة فيما كان بحق بالاتفاق، واختلاف المشايخ فيما كان بغير حق.
م: (ومن قال لآخر: لك علي مائة إلى شهر، وقال المقر له: هي حالة فالقول قول المدعي) ش: وهذه والتي بعدها من مسائل " الجامع الصغير " وهي قوله م: (ومن قال: ضمنت لك عن فلان مائة إلى شهر، وقال المقر له: هي حالة فالقول قول الضامن) ش: أي في ظاهر الرواية، وقال قاضي خان في " شرح الجامع الصغير ": قال الشافعي: القول قول المقر في الفصلين على ما يجيء م: (ووجه الفرق) ش: بين المسألتين م: (أن المقر أقر بالدين ثم ادعى حقا لنفسه وهو تأخير المطالبة إلى أجل) ش:
стр. 4373
وفي الكفالة ما أقر بالدين؛ لأنه لا دين عليه في الصحيح، إنما أقر بمجرد المطالبة بعد الشهر، ولأن الأجل في الديون عارض حتى لا يثبت إلا بالشرط، فكان القول قول من أنكر الشرط كما في الخيار. أما الأجل في الكفالة فنوع منها حتى يثبت من غير شرط إن كان مؤجلا على الأصيل، والشافعي ألحق الثاني بالأول.
ــ
[البناية]
والمقر له ينكر ذلك، فالقول قول المنكر في الشرع. م: (وفي الكفالة ما أقر) ش: أي الكفيل م: (بالدين لأنه لا دين عليه في الصحيح) ش: من الجواب، ولهذا لو أقر بدين الطالب الكفيل فرده الكفيل لا يرتد برده فعلم أن لا دين عليه م: (إنما أقر بمجرد المطالبة بعد الشهر) ش: والمكفول له يدعي حق المطالبة لنفسه في الحال، والضامن ينكر ذلك القول فالقول للمنكر.
فإن قيل: فعلي هذا التقدير تتعطل الكفالة عن موجبها، وهو إلزام المطالبة، فينبغي ألا يكون القول للضامن، قلنا: لا يتعطل لأن التزام المطالبة إما للحال أو في المستقبل، وقد وجد منها التزام المطالبة في المستقبل، فكانت صحيحة، إليه أشار في " الفوائد الظهيرية ".
م: (ولأن الأجل في الديون عارض) ش: هذا بيان فوق آخر ذكره لمن له زيادة استكبار في الاستقضاء، لأن الفرق الأول إقناعي جدلي لدفع الخصم في المجلس، ومبنى هذا الفرق على ما لا يثبت لشيء إلا بشرط لم يثبت له ذلك، فكان عارضا. والأجل في الديون بهذه المثابة، م: (حتى لا يثبت إلا بالشرط) ش: لأن ثمن البياعات والمهور وقيم المتلفات حالة لا يثبت الأجل إلا بالشرط م: (فكان القول قول من أنكر الشرط كما في الخيار) ش: إذا ادعى أحد المتعاقدين خيار الشرط وينكر الآخر فالقول لمنكر الشرط مع اليمين.
م: (أما الأجل في الكفالة فنوع منها) ش: أي نوع من الكفالة، يعني أن الكفالة الموجلة أحد نوعي الكفالة م: (حتى يثبت من غير شرط، إن كان مؤجلا على الأصيل) ش: لأن الأجل في الكفالة ذاتي، فإذا كان ذاتيا كان إقراره نوعا منها فلا يحكم بغيره، فكان القول قوله.
م: (والشافعي ألحق الثاني بالأول. وأبو يوسف فيما يروى عنه ألحق الأول بالثاني) ش: هكذا وقع في عامة النسخ وليس بصحيح، بل الصحيح عكسه، فإن الشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبا يوسف ألحق الثاني بالأول، وذلك لأن الشافعي قال: القول للمقر في الفصلين جميعا. وبيانه أن الشافعي ألحق الإقرار بالدين، بالإقرار بالكفالة، حيث صدق المقر بالدين الموجل كما صدقنا المقر بالكفالة، وأبو يوسف ألحق الإقرار بالكفالة المؤجلة بالإقرار بالدين المؤجل حيث لم يصدق المقر فيهما جميعا.
وفي " الكافي ": ما ذكر في الهداية أن الشافعي ألحق الثاني بالأول - مشكل، لأن مذهبه على عكسه فيحتمل أن يكون له قولان، أو لفظ المصنف الشافعي: ألحق الأول بالثاني وأبو يوسف
стр. 4374
وأبو يوسف فيما يروى عنه ألحق الأول بالثاني، والفرق قد أوضحناه، قال: ومن اشترى جارية فكفل له رجل بالدرك فاستحقت لم يأخذ الكفيل، حتى يقضى له بالثمن على البائع؛ لأن بمجرد الاستحقاق لا ينتقض البيع على ظاهر الرواية ما لم يقض له بالثمن على البائع فلم يجب له على الأصيل رد الثمن، فلا يجب على الكفيل، بخلاف القضاء بالحرية؛ لأن البيع يبطل بها لعدم المحلية فيرجع على البائع والكفيل، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يبطل البيع بالاستحقاق، فعلى قياس قوله يرجع بمجرد الاستحقاق، وموضعه أوائل الزيادات في ترتيب الأصل
ــ
[البناية]
الثاني بالأول، وهكذا في شرح البزدوي الظهيري وقع الخطأ من الكاتب. وقال الأكمل ﵀: فمن الشارحين من حمل على الروايتين عن كل واحد منهما. ومنهم من حمله على الغلط، ولعله أظهر، م: (والفرق) ش: بين المسألتين م: (قد أوضحناه) ش: عند قوله: ووجه الفرق أن المقر أقر بالدين ثم ادعى حقا لنفسه ... إلى آخره.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن اشترى جارية فكفل له رجل بالدرك) ش: وتفسير الدرك مر م: (فاستحقت لم يأخذ الكفيل حتى يقضى له بالثمن على البائع لأن بمجرد الاستحقاق) ش: أي القضاء بالاستحقاق والقضاء بالمبيع للمستحق م: (لا ينتقض البيع على ظاهر الرواية ما لم يقض له بالثمن على البائع) ش: لأن احتمال الإجازة ثابت، أي لأن احتمال إجازة المستحق البيع ثابت م: (فلم يجب له على الأصيل رد الثمن، فلا يجب على الكفيل) ش: لأن الكفالة محل للضمان عن غيره فلم يقض على الأصيل، لأنه قد يجب التحمل على الكفيل، وإنما قيد بقوله: في ظاهر الرواية احترازا عن رواية " الأمالي "، قال الفقيه أبو الليث ﵀ في " شرح الجامع "، قال أبو يوسف في " الأمالي ": له أن يأخذ الكفيل قبل أن يقضي على البائع، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قالت الأئمة الثلاثة. م: (بخلاف القضاء بالحرية؛ لأن البيع يبطل بها) ش: حيث ينتقض البيع بمجرد القضاء بها م: (لعدم المحلية) ش: أي محلية البيع، م: (فيرجع) ش: أي المشتري م: (على البائع والكفيل) ش: أي وعلى الكفيل أيضا إن شاء م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه يبطل البيع بالاستحقاق، فعلى قياس قوله يرجع بمجرد الاستحقاق وموضعه) ش: أي موضع هذا، م: (أوائل الزيادات في ترتيب الأصل) ش: أراد بترتيب الأصل المحلية، أي ترتيب محمد ﵀ فإنه افتتح كتاب الزيادات بباب المأذون مخالفا لترتيب سائر الكتب تبركا بما أملى به أبو يوسف، فإن محمدا أخذ ما أملى أبو يوسف بابا بابا وجعله أصلا وزاد عليه من عنده ما يتم به تملك الأبواب، فكان أصل الكتاب من تصنيف أبي يوسف وزيادته من تصنيف محمد، فلذلك سماه كتاب " الزيادات ".
وكان ابتداء إملاء أبي يوسف في هذا الكتاب من أبواب المأذون، ولم يغيره محمد تبركا
стр. 4375
ومن اشترى عبدا فضمن له رجل بالعهدة فالضمان باطل، لأن هذه اللفظة مشتبهة قد تقع على الصك القديم وهو ملك البائع فلا يصح ضمانه، وقد تقع على العقد وعلى حقوقه وعلى الدرك وعلى الخيار، ولكل ذلك وجه، فتعذر العمل بها، بخلاف الدرك لأنه استعمل في ضمان الاستحقاق عرفا، ولو ضمن الخلاص لا يصح عند أبي حنيفة.
ــ
[البناية]
به، ثم رتبها الزعفراني على هذا الترتيب الذي عليه اليوم، والزعفراني هذا تلميذ محمد بن الحسن.
[اشترى عبدا فضمن له رجل بالعهدة]
م: (ومن اشترى عبدا فضمن له رجل بالعهدة فالضمان باطل) ش: هنا ثلاث مسائل: ضمان العهدة وضمان الدرك وضمان الخلاص.
فضمان الدرك جائزة باتفاق أصحابنا، وضمان العهدة باطل عندهم بالاتفاق، وضمان الخلاص باطل عند أبي حنيفة وجائز عندهما، وأما ضمان العهدة فقد ذكر في " الجامع الصغير " أنه باطل ولم يحك خلافا، وذكر بعض مشايخنا أن عند أبي حنيفة ضمان العهدة ضمان الدرك.
وذكر الصدر الشهيد في " أدب القاضي " للخصاف: أن تفسير الخلاص والدرك والعهدة واحد عند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- وهو الرجوع بالثمن على البيع عند الاستحقاق. وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة شرط.
وفي تفسير الصك الأصل الذي كان عند البائع يشترط أن يسلمه إليه، وهذا شرط لا يقتضيه العقد أو لأحد المتعاقدين فيه منفعة فكان باطلا والضمان به باطل أيضا، لأنه التزام شيء لا يقدر عليه، م: (لأن هذه اللفظة) ش: أي لفظة العهدة م: (مشتبهة) ش: في المراد لاشتراكها فلا يجب العمل به قبل البيان؛ لأنها م: (قد تقع) ش: أي قد تطلق م: (على الصك القديم) ش: لأنه وثيقة بمنزلة كتاب العهد فسمي عهدة لأنه م: (وهو) ش: أي الصك القديم م: (ملك البائع فلا يصح ضمانه، وقد تقع على العقد) ش: لأن العهدة أخذت من العهد، والعهد والعقد سواء م: (وعلى حقوقه) ش: أي وقد تقع هذه اللفظة على حقوق العهد؛ لأنها من ثمرات العقد م: (وعلى الدرك) ش: أي وقد يقع على الحديث عهدة الرقيق ثلاثة أيام، م: (وعلى الخيار) ش: أي خيار الشرط م: (ولكل ذلك وجه) ش: يجوز الحمل به عليه فصار بهما، م: (فتعذر العمل بها) ش: قبل البيان فيبطل الضمان للجهالة.
م: (بخلاف الدرك) ش: حيث يصح ضمان الدرك م: (لأنه) ش: أي لأن ضمان الدرك، م: (استعمل في ضمان الاستحقاق عرفا) ش: فيصح.
م: (ولو ضمن الخلاص لا يصح عند أبي حنيفة) ش: وبه قال أحمد في رواية واختاره القاضي
стр. 4376
لأنه عبارة عن تخليص المبيع وتسليمه لا محالة، وهو غير قادر عليه. وعندهما هو بمنزلة الدرك وهو تسليم المبيع أو قيمته فيصح
ــ
[البناية]
الحنبلي م: (لأنه) ش: أي لأن ضمان الخلاص م: (عبارة عن تخليص المبيع) ش: الاستحقاق م: (وتسليمه) ش: أي وتسليم المبيع إلى المشتري م: (لا محالة وهو غير قادر عليه) ش: لأن المبيع إذا خرج حرا أو مستحقا كيف يخلصه.
م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- م: (هو) ش: أي ضمان الخلاص، م: (بمنزلة الدرك) ش: أي بمنزلة ضمان الدرك، م: (وهو تسليم المبيع) ش: وهو أن يشترط على البائع أن المبيع إن استحق من يده يخلصه م: (أو قيمته) ش: أو أن يسلم قيمة المبيع إن عجز عن تسليم المبيع، فإذا كان كذلك م: (فيصح) ش: أي ضمان الخلاص، هذا الذي ذكره المصنف، ذكره المحبوبي في جامعه وقاضي خان.
وقال شمس الأئمة: تفسير شرط الخلاص أن يشترط على البائع أن المبيع إن استحق من يده يخلصه ويسلمه بأي طريق يقدر عليه وهذا باطل لأنه شرط لا يقدر عليه الوفاء به، إذ المستحق ربما لا يساعده عليه، ولهذا ذكر أبو زيد في شروطه أن أبا حنيفة وأبا يوسف - رحمهما الله - كانا يكتبان في الشروط: فما أدرك فلان بن فلان قبل فلان خلصه أو رد الثمن، وإن لم يذكر رد الثمن يفسد البيع لأنه يبقى الضمان بتخليص المبيع، وأنه باطل، وعلم من هذا أن الخلاف فيما إذا ذكر ضمان الخلاص مطلقا. أما إذا ذكر بخلاص المبيع أو رد الثمن يجوز بالإجماع، والله أعلم.
стр. 4377
باب كفالة الرجلين وإذا كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه ، كما إذا اشتريا عبدا بألف درهم، وكفل كل واحد منهما عن صاحبه، فما أدى أحدهما لم يرجع على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة؛ لأن كل واحد منهما في النصف أصيل، وفي النصف الآخر كفيل، ولا معارضة بين ما عليه بحق الأصالة وبحق الكفالة؛ لأن الأول دين والثاني مطالبة، ثم هو تابع للأول فيقع عن الأول، وفي الزيادة لا معارضة فيقع عن الكفالة ولأنه لو وقع في النصف عن صاحبه فيرجع عليه فلصاحبه أن يرجع عليه.
ــ
[البناية]
[باب كفالة الرجلين]
[كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه]
م: (باب كفالة الرجلين) ش: أي هذا باب في بيان حكم كفالة الرجلين، ولما ذكر كفالة الواحد عقبه بكفالة الاثنين، إذ الاثنان بعد الواحد وجودا، وكذا ذكرا.
م: (وإذا كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه) ش: أي لرب الدين، وهذا لفظ القدوري في "مختصره" وذكر المصنف نظير الدين الكائن على اثنين من " الجامع الصغير " بقوله م: (كما إذا اشتريا) ش: أي الاثنان م: (عبدا بألف درهم وكفل كل واحد منهما عن صاحبه) ش: لما ذكر هذا من " الجامع " أتم لفظ القدوري بقوله م: (فما أدى أحدهما لم يرجع على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة) ش: هذا جواب المسألتين، ثم عللهما بقوله م: (لأن كل واحد منهما في النصف أصيل، وفي النصف الآخر كفيل، ولا معارضة بين ما عليه بحق الأصالة وبحق الكفالة؛ لأن الأول دين) ش: الأول هو الأصالة وهو دين، لأنه أداء بحقيقة الدين.
م: (الثاني) ش: هو حق الكفالة م: (مطالبة) ش: لأن ما عليه بطريق الكفالة من ثمرات الدين وهو المطالبة م: (ثم هو) ش: أي الثاني وهو المطالبة بالدين بالكفالة م: (تابع للأول) ش: أي الدين، وفي " المحيط ": الدين أقوى من المطالبة، ألا ترى أن الطالب يمكن إخراجه عن المطالبة ولا يملك في حق ما لزم الأصيل، فلما لم يستويا في القوة لم تثبت المعارضة م: (فيقع عن الأول) ش: أي عن حق الأصالة لأنه أقوى، لأن الأصل فرق التبع.
م: (وفي الزيادة) ش: أي على النصف م: (لا معارضة) ش: لأنه لم يبق معارضة الأصل م: (فيقع عن الكفالة) ش: فيرجع فيما أدى فيما وراءه النصف م: (ولأنه) ش: دليل آخر على ذلك أورده بقياس الخلف، فإنه جعل نقيض المدعي وهو الرجوع على صاحبه مستلزما لمحال وهو رجوع صاحبه المستلزم للدور فإنه قال م: (لو وقع في النصف عن صاحبه فيرجع عليه فلصاحبه أن يرجع عليه) ش: لكن ليس لصاحبه أن يرجع عليه لأنه يؤدي إلى الدور، فلم يرجع في النصف عن صاحبه ليرجع عليه.
стр. 4378
لأن أداء نائبه كأدائه فيؤدي إلى الدور، وإذا كفل رجلان عن رجل بمال على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه قليلا كان أو كثيرا. ومعنى المسألة في الصحيح أن تكون الكفالة بالكل عن الأصيل وبالكل عن الشريك، والمطالبة متعددة فيجتمع الكفالتان على ما مر، وموجبها التزام المطالبة فتصح الكفالة عن الكفيل كما تصح الكفالة عن الأصيل، وكما تصح الحوالة من المحتال عليه. وإذا عرف هذا فما أداه أحدهما وقع شائعا عنهما، إذ الكل كفالة.
ــ
[البناية]
وقوله م: (لأن أداء نائبه كأدائه) ش: بيان للملازمة، وتقريره أن صاحب المؤدي يقول له: أنت أديت عني بأمري فيكون ذلك كأدائه، ولو أديت بنفسي كان لي أن أجعل المؤدي عنك فإن رجعت علي وأنا كفيل عنك قائما أجعله عنك فأرجع عليك، لأن ذلك الذي أديته عني فهو كأدائي في التقدير.
ولو أديت حقيقة رجعت عليك ففي تقدير أدائي كذلك، والشريك الآخر يقول مثل ما قال، م: (فيؤدي إلى الدور) ش: ولم يكن في الرجوع فائدة فجعلنا المؤدي عن نصيبه خاصة إلى تمام النصف لينقطع الدور، بخلاف الزيادة على النصف، فإنه لو رجع على شريكه بذلك لم يكن لشريكه أن يرجع عليه، إذ ليس على شريك بحكم الأصالة إلا النصف، فيفيد الرجوع.
م: (وإذا كفل رجلان عن رجل بمال على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه قليلا كان أو كثيرا، ومعنى المسألة في الصحيح) ش: قال تاج الشريعة: قوله في الصحيح، أي كفل كل واحد منهما مجموع الدين لرب الدين ثم صار كل واحد كفيلا عن صاحبه بجميع المال. وقال الأكمل: وإنما قال في الصحيح لتتأتى الفروع المبينة على ذلك، فإنه قال على الأصيل.... إلى آخره، على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقال الكاكي: إنما قال في الصحيح لأنه لو جعل كل واحد منهما كفيلا بالنصف لما صح النصف الذي يأتي م: (أن تكون الكفالة بالكل عن الأصيل وبالكل عن الشريك والمطالبة متعددة) ش: لأن كل واحد من الكفيلين مطالب بالكل من جهة الأصيل، ومطالبة بالكل أيضا من جهة الكفيل م: (فيجتمع الكفالتان) ش: فتعددت المطالبتان لتعدد الكفالتين م: (على ما مر) ش: إشارة إلى أن الكفالة التوثق، وعند اجتماع الكفالتين يزداد التوثق م: (وموجبها) ش: أي موجب الكفالة، م: (التزام المطالبة فتصح الكفالة عن الكفيل، كما تصح الكفالة عن الأصيل، وكما تصح الحوالة من المحتال عليه) ش: أي كما تصح حوالة المحتال عليه بما جعل ما عليه على آخر، والجامع بينهما التزام ما وجب.
م: (وإذا عرف هذا) ش: أي الذي ذكرناه م: (فما أداه أحدهما وقع شائعا عنهما إذ الكل كفالة)
стр. 4379
فلا ترجيح للبعض على البعض، بخلاف ما تقدم فيرجع على شريكه بنصفه، ولا يؤدي إلى الدور؛ لأن قضيته الاستواء، وقد حصل برجوع أحدهما بنصف ما أدى، فلا ينقض برجوع الآخر عليه، بخلاف ما تقدم، ثم يرجعان على الأصيل؛ لأنهما أديا عنه أحدهما بنفسه والآخر بنائبه، وإن شاء رجع بالجميع على المكفول عنه لأنه كفل بجميع المال عنه بأمره. قال: وإذا أبرأ رب المال أحدهما أخذ الآخر بالجميع؛ لأن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل، فبقي المال كله على الأصيل، والآخر كفيل عنه بكله على ما بيناه، ولهذا يأخذه به.
ــ
[البناية]
ش: فيقع شائعا م: (فلا ترجيح للبعض على البعض) ش: لأن الكل كفالة م: (بخلاف ما تقدم) ش: أي في المسألة الأولى حيث لا يرجع على صاحبه ما لم يزد على النصف، لأن أداء النصف كان بحق الأصالة، والنصف الآخر بحق الكفالة م: (فيرجع على شريكه بنصفه ولا يؤدي إلى الدور، لأن قضيته الاستواء) ش: الاستواء بهما في العلة وهي ضمان الكفالة، فلما كان كذلك كان لمن أدى ولاية الرجوع على صاحبه بنصف ما أدى، لأنه مستو لصاحبه في التزام بجهة، فوجب أن يستويا في العزم بسببه.
م: (وقد حصل) ش: أي الاستواء م: (برجوع أحدهما بنصف ما أدى فلا ينقض برجوع الآخر عليه) ش: لأنه لو رجع الشريك على هذا المؤدي ما بقيت المساواة م: (بخلاف ما تقدم) ش: لأن كل واحد منهما لم يلتزم جميع المال بحكم الكفالة بل التزم نصف المال بشرائه بنفسه بكفالة ولو لم يكن عن شريكه وجعل المؤدي عن الكفالة يؤدي إلى الدور كما تقدم.
م: (ثم يرجعان على الأصيل لأنهما أديا عنه أحدهما بنفسه والآخر بنائبه) ش: وهو صاحبه الذي كفل عنه م: (وإن شاء رجع) ش: عطف على قوله رجع شريكه بنصفه قليلا كان أو كثيرا، أي وإن شاء من أدى فيهما شيئا رجع م: (بالجميع) ش: أي بجميع ما أدى م: (على المكفول عنه لأنه كفل بجميع المال عنه بأمره) ش: ولو كان أحدهما كفيلا عن المكفول فقط لم يكن له رجوع على الأصيل.
م: (قال) ش: قيل: الظاهر أن قائله محمد. قلت: الظاهر أن قائله المصنف لأن المسألة ما ذكرها إلا شرح الجامع الصغير، وقال الأترازي: قالوا في شروح الجامع الصغير م: (وإذا أبرأ رب المال أحدهما) ش: أي أحد الكفيلين م: (أخذ الآخر) ش: أي الكفيل الآخر م: (بالجميع) ش: أي بجميع الدين م: (لأن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل، فبقي المال كله على الأصيل، والآخر كفيل عنه بكله) ش: أي بكل الدين فيطالب بذلك م: (على ما بيناه) ش: إشارة إلى قوله: وبالكل عن الشريك.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل بقاء المال كله على الأصيل م: (يأخذه به) ش: أي يأخذ رب
стр. 4380
قال: وإذا افترق المتفاوضان فلأصحاب الديون أن يأخذوا أيهما شاءوا بجميع الدين، لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه على ما عرف في الشركة، ولا يرجع أحدهما على صاحبه حتى يؤدي أكثر من النصف؛ لما مر من الوجهين في كفالة الرجلين. قال: وإذا كوتب العبدان كتابة واحدة وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه. ووجهه: أن هذا العقد جائز استحسانا، وطريقه: أن يجعل كل واحد منهما أصيلا في حق وجوب الألف عليه، فيكون عتقهما معلقا بأدائه ويجعل كفيلا بالألف في حق صاحبه، وسنذكره في المكاتب إن شاء الله تعالى، وإذا عرف ذلك فما أداه أحدهما رجع بنصفه على صاحبه لاستوائهما، ولو رجع بالكل لا تتحقق المساواة.
ــ
[البناية]
المال الكفيل الذي لم يبرأ به بجميع الدين.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير " م: وإذا افترق المتفاوضان) ش: أي شريكا المفاوضة وعليهما دين م: (فلأصحاب الديون أن يأخذوا أيهما شاءوا بجميع الدين، لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه على ما عرف في الشركة) ش: أي المفاوضة شركة عامة تُبتنى على التوكيل من كل واحد منهما صاحبه فيما كان من أعمال التجارة، وعلى الكفالة بما كان من ضمان التجارة م: (ولا يرجع أحدهما) ش: أي أحد المتفاوضين م: (على صاحبه حتى يؤدي أكثر من النصف لما مر من الوجهين في كفالة الرجلين) ش: في مسألة أول الباب.
م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا كوتب العبدان كتابة واحدة) ش: بأن قال: كاتبتكما على ألف إلى سنة قيد بالكفالة الواحدة، لأن المولى إذا كاتب كل واحد منهما على حدة وكفل أحدهما عن الآخر لا يصح ذلك قياسا واستحسانا، إذ الكفالة ببدل الكتابة لا تصح بإجماع الأئمة الأربعة، أما لو كانت الكتابة واحدة تصح استحسانا عندنا ولا يصح قياسا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، م: (وكل واحد منهما) ش: أي من العبدين م: (كفيل عن صاحبه فكل شيء أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه ووجهه) ش: أي وجه هذا المذكور، م: (أن هذا العقد جائز استحسانا) ش: لا قياسا لأنه باطل قياسا؛ لأن الكفالة تبرع، والمكاتب لا يملك التبرع، م: (وطريقه) ش: أي طريق جوازه استحسانا م: (أن يجعل كل واحد منهما أصيلا في حق وجوب الألف عليه، فيكون عتقهما معلقا بأدائه) ش: أي بأداء كل واحد منهما كأنه قال لكل واحد منهما: إن أديت الألف فأنت حر، م: (ويجعل كفيلا بالألف في حق صاحبه، وسنذكره في المكاتب) ش: أي في كتاب المكاتب، م: (إن شاء الله تعالى، وإذا عرف ذلك) ش: أي ما ذكره، م: (فما أداه أحدهما رجع بنصفه على صاحبه لاستوائهما) ش: في العلة وهي أن كل البدل مضمون على أحدهما بعقد الكتابة، ولهذا لا يعتق واحد منهما ما لم يؤد جميع البدل.
م: (ولو رجع بالكل) ش: أي بكل الألف الذي هو البدل م: (لا تتحقق المساواة) ش: وكذا إذا
следующие страницы →