Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
قال: والخصي، فإن عمر ﵁ قبل شهادة علقمة الخصي؛ ولأنه قطع عضو منه ظلما، فصار كما إذا قطعت يده، قال وولد الزنا
ــ
[البناية]
السابع، ولكنه شاذ، كذا ذكره في " الذخيرة "، وعن بعض أصحاب الشافعي ﵀: لا، حتى يصير ابن عشر سنين؛ لأنه حينئذ أمر بالضرب على ترك الصلاة.
وقال أصحابه: ختانه يجب عليه بعد بلوغه، ويستحب في اليوم السابع، وقال أبو بكر الرازي ﵀: فإن كان لا يخاف فتركه تهوناً بالسنة، فإنه يصير فاسقاً، ولا تقبل شهادته.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه لا تقبل شهادة الأقلف، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته وهو مذهبه، كذا في " فتاوى الولوالجي "، وقال الشيخ أبو نصر البغدادي ﵀: وإنما أراد به المجوس.
[شهادة منزوع الخصيتين]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (الخصي) ش: على وزن فعيل، وهو منزوع الخصيتين، يقال: خصاه، أي نزع خصيتيه، والخصي الجمع على خصيان م: (لأن عمر ﵁ قبل شهادة علقمة الخصي) ش: على قدامة بن مظعون، رواه ابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه ": حدثنا ابن علية عن ابن عون عن ابن سيرين أن عمر ﵁ أجاز شهادة علقمة الخصي على ابن مظعون. انتهى.
وقدامة بن مظعون بن حبيب القرشي الجمحي ﵁ من الصحابة، شهد بدراً وسائر المشاهد، استعمله عمر بن الخطاب ﵁ على البحرين ثم عزله، وهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر بن الخطاب ﵁ مات سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثمان وستين، وقصته طويلة، ملخصها: أن الجارود سيد عبد القيس من البحرين شهد على قدامة أنه يشرب الخمر.
قال عمر: ﵁: هل معك شاهد آخر؟ قال علقمة الخصي إني أشهد أني قد رأيته يعبها، ثم إن عمر ﵁ جلد قدامة الحد.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الخصي م: (قطع عضو منه ظلما، فصار كما إذا قطعت يده) ش: فإن قطع سائر الأعضاء لا تسقط العدالة، فكذا هذا.
[شهادة ولد الزنا]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وولد الزنا) ش: أي تقبل شهادة ولد الزنا
стр. 4552
لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما، وهو مسلم وقال مالك ﵀: لا تقبل في الزنا؛ لأنه يجب أن يكون غيره كمثله فيتهم. قلنا: العدل لا يختار ذلك ولا يستحبه، والكلام في العدل. قال: وشهادة الخنثى جائزة؛ لأنه رجل أو امرأة، وشهادة الجنسين مقبولة بالنص،
و شهادة العمال جائزة، والمراد عمال السلطان عند عامة المشايخ؛ لأن نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعوانا على الظلم، وقيل: العامل إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف ﵀
ــ
[البناية]
م: (لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما وهو مسلم) ش: أي ككفر أبويه، فلا يؤخذ بكفرهما، قال : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (الأنعام: الآية ١٦٤) م: (وقال مالك ﵀: لا تقبل) ش: أي شهادة ولد الزنا م: (في الزنا) ش: أي في الشهادة على الزنا م: (لأنه يجب أن يكون غيره كمثله) ش: والكاف زائدة، كما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ [الشورى: ١١] م: (فيتهم) ش: فلا تقبل م: (قلنا: العدل لا يختار ذلك) ش: أي لا يختار أن يكون غيره مثله م: (ولا يستحبه، والكلام في العدل) ش: يعني الكلام في قبول شهادة ولد الزنا إذا كان عدلاً؛ لأن فسق أبويه لا يضره كما ذكرناه.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وشهادة الخنثى جائزة) ش: والخنثى هو الذي له آلة الرجل وآلة المرأة م: (لأنه) ش: أي لأن الخنثى م: (رجل أو امرأة وشهادة الجنسين مقبولة بالنص) ش: قال الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (البقرة: الآية ٢٨٢) ، ويشهد مع رجل وامرأة للاحتياط، وينبغي أن لا تقبل شهادته في الحدود والقصاص كالنساء، لاحتمال أن يكون امرأته.
[شهادة العمال]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وشهادة العمال) ش: بضم العين وتشديد الميم جمع عامل م: (جائزة) ش: هو من مسائل " الجامع الصغير "، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه كان يجيز شهادة العمال.
قال المصنف ﵀: م: (والمراد عمال السلطان) ش: يعني الذين كانوا أعوان السلطان في ذلك العصر؛ لأن الصلاح كان غالباً عليهم، وهذا م: (عند عامة المشايخ) ش: لأنهم كانوا يعينونه في أخذ الحقوق الواجبة كالخروج وزكاة السوائم م: (لأن نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعواناً على الظلم) ش: كما في زماننا، فلا تقبل شهادتهم؛ لأن الظلم غالب فيهم، وانظر إلى عمال سلطان مصر هل ترى أظلم منهم، ومع ظلمهم أكثرهم فسقة.
م: (وقيل: العامل إذا كان وجيهاً) ش: أي ذا وجاهة وشرف م: (في الناس ذا مروءة) ش: أي إنسانية م: (لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف ﵀) ش: في أوائل
стр. 4553
في الفاسق؛ لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب حفظا للمروءة، ولمهابته لا يستأجر على الشهادة الكاذبة. قال: وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك فهو جائز استحسانا، وإن أنكر الوصي لم يجز، وفي القياس لا يجوز وإن ادعى، وعلى هذا إذا شهد الموصي لهما بذلك أو غريمان لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين أو شهد الوصيان أنه أوصى إلى هذا الرجل معهما.
ــ
[البناية]
كتاب الشهادات م: (في الفاسق؛ لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب حفظاً للمروءة، ولمهابته لا يستأجر على الشهادة الكاذبة) ش: لأنه يأنف عن ذلك حافظاً على حرمته.
وقال قاضي خان ﵀: وقيل: أراد العمال الذين يعملون بأيديهم ويؤاجروا أنفسهم؛ لأن من الناس من لا تقبل شهادة أهل الصناعات الخسيسة، وإنما أورد لهذا القول؛ لأن كسبهم أطيب الكسب على ما جاء في الحديث «أفضل الناس عند الله تعالى من يأكل من كسب يده» ، فلا يوجب ذلك جرحاً.
وذكر الصدر الشهيد: أن شهادة الريس والخاني في السكة الذي يأخذ الدراهم والضراب الذي يجمع عنده الدراهم يأخذها طوعاً لا تقبل. م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك) ش: أي الوصاية م: (فهو جائز استحساناً، وإن أنكر الوصي) ش: أي الوصاية م: (لم يجز) ش: أي شهادتهما م: (وفي القياس لا يجوز وإن ادعى) ش: أي الوصاية، وهنا خمس مسائل، أحدها ما ذكره بقوله وإذا شهد الرجلان إلى آخره.
وأشار إلى الأربعة الأخرى بقوله م: (وعلى هذا) ش: أي على ما ذكر من الجواز عند دعوى الوصي بذلك، وعدمه عند عدم دعواه بذلك.
الأولى من الأربعة: هو قوله: م: (إذا شهد الموصى لهما بذلك) ش: أي بأن أباهما أوصى إلى فلان، توضيحه أن الموصى لهما بشيء من المال شهد أن الميت أوصى إلى زيد مثلاً يكون وصياً على أولاده وأمواله.
الثانية: هو قوله: م: (أو غريمان لهما على الميت دين) ش: أي أو شهد الغريمان لهما على الميت دين، والضمير في لهما يرجع إلى الغريمين.
الثالثة: هو قوله: م: (أو للميت عليهما دين) ش: أي أو شهد الغريمان للميت عليهما، أي على الغريمين دين وقوله دين يشمل هذا والمسألة التي قبلها أيضاً.
الرابعة: هو قوله: م: (أو شهد الوصيان أنه) ش: أي أن الميت م: (أوصى إلى هذا الرجل معهما) ش: أي مع الوصيين، ويشهد كل فريق أن الميت أوصى إلى هذا وهو يدع ذلك جازت
стр. 4554
وجه القياس أنها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه، وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان طالبا والموت معروفا، فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين لا أن يثبت بها شيء فصار كالقرعة،
والوصيان إذا أقرا أن معهما ثالثا يملك القاضي نصف ثالث معهما لعجزهما عن التصرف باعترافهما، بخلاف ما إذا أنكر ولم يعرف الموت؛ لأنه
ــ
[البناية]
الشهادة، ولا يجوز قياساً، ولو أنكر الوصي ذلك لم يجز ذلك قياساً واستحساناً.
م: (وجه القياس: أنها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه) ش: وهذا لأن الوارثين قصدا بهذه الشهادة نصب من يتصرف لها، ويقوم بإحياء حقوقهما، والغريمين قصدا من يستوفيان منه حقهما، ويبرآن بالدفع إليه، والوصيين قصدا نصب من يعينهما على التصرف في مال الميت والوصي لهما قصدا نصيب من يدفع إليهما حقوقهما، فكان الكل يجران إلى أنفسهما نفعاً بشهادتهما فترد، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏ لأن شهادة الجار لنفسه نفعاً لا يقبل بالإجماع.
م: (ووجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان) ش: أي الوصي م: (طالباً والموت معروفاً) ش: يعني: ظاهر؛ لأن القاضي، لا يثبت له بهذه الشهادة، ولاية لم تكن.
م: (فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين) ش: لأن القاضي يلزمه أن يتأمل في هذا الوصي أنه هل يصلح للوصاية لأمانته وديانته وهدايته، وهما بهذه الشهادة زكياه. وأخبر القاضي أنه أهل لذلك، فكفيت عنه مؤنة التعيين، أي تعيين الوصي.
م: (لا أن يثبت بها شيء) ش: أي بهذه الشهادة شيء يعني من ولاية لم تكن م: (فصار) ش: هذا م: (كالقرعة) ش: في أنها ليست بحجة، هي دافعة مؤنة تعيين القاضي لدفع التهمة، وأراد به القرعة التي بعد القسمة لتعيين الأنصباء، وأنها ليست بحجة، ومع هذا يجوز استعمالها في تعيين الأنصباء لدفع التهمة عن القاضي، فصلحت دافعة لا موجبة، فكذا هذه الشهادة تدفع عن القاضي مؤنة التعيين إلا أن يثبت شيئاً لم يكن، فافهم.
[شهادة الوصيين إذا أقرا أن معهما ثالثا]
م: (والوصيان إذا أقرا) ش: هذا جواب عما يقال ليس للقاضي نصب وصي ثالث، فكانت الشهادة موجبة عليه ما لم يكن له، وتقرير الجواب أن الوصيين إذا أقرا، يعني إذا اعترفا م: أن معهما ثالثاً) ش: أي وصياً ثالثاً، واعترافهما بذلك لأجل عجزهما، فحينئذ م: (يملك القاضي نصف ثالث) ش: أي وصي الثالث.
م: (معهما) ش: أي مع الوصيين م: (لعجزهما عن التصرف باعترافهما) ش: أي عن التصرف بعدم استقلالهما به.
م: (بخلاف ما إذا أنكر) ش: أي الوصي م: (ولم يعرف الموت) ش: لا تقبل الشهادة م: (لأنه)
стр. 4555
ليس له ولاية نصب الوصي، فتكون الشهادة هي الموجبة، وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة وإن لم يكن الموت معروفا؛ لأنهما يقران على أنفسهما، فيثبت الموت باعترافهما في حقهما، وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض ديونه بالكوفة، فادعى الوكيل أو أنكره لا تقبل شهادتهما؛ لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب، فلو ثبت إنما يثبت بشهادتهما، وهي غير موجبة لمكان التهمة.
قال: ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد ولا يحكم بذلك؛ لأن الفسق بما لا يدخل تحت الحكم؛ لأن له الدفع بالتوبة، فلا يتحقق الإلزام،
ــ
[البناية]
ش: أي لأن القاضي م: (ليس له ولاية نصب الوصي) ش: بغير رضاه أو برضاه، والموت ليس بمعروف م: (فتكون الشهادة هي الموجبة) ش: أي كثبوت الوصاية، فلا تقبل بسبب التهمة م: (وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة، وإن لم يكن الموت معروفاً؛ لأنهما يقران على أنفسهما) ش: بحق قبض الدين، فانتفت التهمة؛ لأن ضررهما في ذلك أكثر من نفعهما فكانت الشهادة على أنفسهما، وشهادة الإنسان على نفسه مقبولة، وهي الإقرار م: (فيثبت الموت باعترافهما في حقهما) ش: أي يثبت موت رب الدين بإقرارهما في حق الدين م: (وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض ديونه بالكوفة فادعى الوكيل) ش: أي الوكالة م: (أو أنكره) ش: أي الوكالة.
م: (لم تقبل شهادتهما؛ لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب فلو ثبت) ش: أي التوكيل م: (إنما يثبت بشهادتهما وهي) ش: أي هذه الشهادة م: (غير موجبة) ش: للثبوت م: (لمكان التهمة) ش: لأنهما يشهدان لأبيهما.
[الشهادة على جرح مجرد]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد) ش: أي جرح مجرد يتضمن لتعيق الشهود من غير أن يضمن إيجاب حق من حقوق الشرع أو من حقوق العباد، نحو أن يشهد أن الشهود فسقة أو زناة أو أكلة ربا، أو شربة خمر، أو على إقرارهم أنهم شهدوا بالزور، أو إقرارهم أنهم أجرتي إذا هذه الشهادة، أو على إقرارهم أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو على إقرارهم أن لا شهادة لهم على المدعى عليه في هذه الحادثة ففي هذه الوجوه لا تقبل شهادتهم.
م: (ولا يحكم) ش: أي القاضي م: (بذلك) ش: أي بالجرح المجرد م: (لأن الفسق مما لا يدخل تحت الحكم؛ لأن له) ش: أي للمقضى عليه م: (الدفع بالتوبة) ش: أي دفع الحكم والإلزام بإظهار التوبة، وسماع الشهادة، إنما هو بالحكم والإلزام م: (فلا يتحقق الإلزام) ش: لذلك.
وقال الكاكي ﵀: قيل قوله ولا يحكم بذلك تكراره؛ لأن بقوله: " لا تسمع الشهادة على جرح يفهم "، أجيب: بأنه ممكن أن لا يسمع ويحكم بعلمه في صورة، فجاز
стр. 4556
ولأنه هتك الستر والستر واجب، والإشاعة حرام، وإنما يرخص ضرورة إحياء الحقوق، وذلك فيما يدخل تحت الحكم إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي بذلك تقبل؛ لأن الإقرار مما يدخل تحت الحكم.
قال: ولو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود ، لم تقبل؛ لأنه شهادة على جرح مجرد، والاستئجار وإن كان أمرا زائدا عليه،
ــ
[البناية]
الانفكاك بينهما في الجملة أورده لنفي الاحتمال في هذه الصورة.
م: (ولأنه) ش: أي في الجرح المجرد م: (هتك الستر والستر واجب) ش: وهو إظهار الفاحشة م: (والإشاعة حرام، وإنما يرخص ضرورة إحياء الحقوق، وذلك فيما يدخل تحت الحكم) ش: بالنص هو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآية (النور: الآية ١٩) . وفي بعض النسخ: واجب دون الإشاعة وإنها حرام، فيكون المشاهد فاسقاً بهتك واجب الستر، وتعاطي إظهار الحرام، فلا يسمعها الحاكم م: (إلا إذا شهدوا) ش: استثناء من قوله؛ لأن الفسق، وهو منقطع لكن إلا إذا شهد شهود المدعى عليه.
م: (على إقرار المدعي بذلك تقبل) ش: أي بالجرح بأنه إقران شهودي فسقة فإنها تقبل م: (لأن الإقرار مما يدخل تحت الحكم) ش: أي ما لم تظهره الفاحشة، وإنما حكوها عن غيرهم، وهو المدعي والحاكي لإظهارها ليس كمظهرها - وفي بعض النسخ -: ولو شهدوا على إقرار المدعي بذلك وتقبل.
[أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ولو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود، لم تقبل؛ لأنه شهادة على جرح مجرد) ش: صورتها في " الجامع ": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في رجل أقام البينة أن هذا استأجر الشهود، قال: لا أقبل البينة على استئجار الشهود، انتهى.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": وفي قول ابن أبي ليلى ﵀: تقبل؛ لأنه أثبت أنهم فسقة وشهادة الفسقة لا تقبل. ثم قال الفقيه: وهذا القول أحسن، وذكر فخر الإسلام ﵀ وغيره في " شرح الجامع الصغير ": ذكر الخصاف ﵀ في الجرح المجرد أنه مقبول، وقال الناطفي ﵀ في " تهذيب أدب القاضي ": وظاهر الرواية عن أصحابنا أنه لا تقبل الشهادة على الجرح المجرد.
م: (والاستئجار وإن كان أمراً زائداً عليه) ش: هذا جواب عما يقال: إن قول المدعي استأجرهم ليس بجرح مجرد، بل فيه إثبات أمر زائد وهو الاستئجار، وهو حق المدعي، فيثبت الجرح في ضمنه، وأجاب: بأن الاستئجار، وإن كان أمراً زائداً عليه، أي على الجرح المجرد م:
стр. 4557
فلا خصم في إثباته؛ لأن المدعى عليه في ذلك أجنبي عنه، حتى لو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود بعشرة دراهم ليؤدوا الشهادة وأعطاهم العشرة من مالي الذي كان في يده تقبل؛ لأنه خصم في ذلك، ثم يثبت الجرح بناء عليه. وكذا إذا أقامها على أني صالحت هؤلاء الشهود على كذا من المال، ودفعته إليهم على أن لا يشهدوا علي بهذا الباطل، وقد شهدوا، وطالبهم برد ذلك المال، ولهذا قلنا: إنه لو أقام البينة أن الشاهد عبد أو محدود في قذف، أو شارب خمر، أو قاذف أو شريك المدعي، تقبل.
قال: ومن شهد ولم يبرح حتى قال: أوهمت بعض شهادتي، فإن كان عدلا، جازت شهادته.
ــ
[البناية]
(فلا خصم في إثباته؛ لأن المدعى عليه في ذلك أجنبي عنه) ش: إذ لا تعلق بالأجرة، فبقي جرحاً مجدداً.
م: (حتى لو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود بعشرة دراهم ليؤدوا الشهادة وأعطاهم العشرة من مالي الذي كان في يده تقبل؛ لأنه خصم في ذلك) ش: أي لأن المدعي خصم للمدعى عليه فيما يدعيه م: (ثم يثبت الجرح بناء عليه) ش: لأن الجرح تحت الحكم، ويثبت بناء عليه؛ لأنه جرح مركب فافهم.
م: (وكذا) ش: وكذا يقبل م: (إذا أقامها) ش: أي لو أقام المدعى عليه البينة م: (على أني صالحت هؤلاء الشهود على كذا من المال، ودفعته إليهم على أن لا يشهدوا علي بهذا الباطل وقد شهدوا وطالبهم برد ذلك المال) ش: لما ذكرنا أنه خصهم في ذلك فتقبل بينته.
م: (ولهذا قلنا) ش: ولما قلنا: إنه لو أقام البينة على جرح فيه حق من حقوق العباد، أو من حقوق الشرع.
كذا قاله الكاكي ﵀، وقال الأكمل ﵀: كذا قيل، وليس له ذكر المتن، وقيل " لما قلنا " من الدليلين في الجرح المجرد، قلنا كذا وهو بعيد، فكان المناسب أن يقول: ولذلك وهو أسهل. والمعنى إذا أقام المدعى عليه البينة وهو معنى قوله م: (إنه) ش: أي أن المدعى عليه م: (لو أقام البينة أن الشاهد عبد، أو محدود في قذف، أو شارب خمر أو قاذف، أو شريك المدعي تقبل) ش: أي البينة لما كان الحاجة إلى إحياء هذه الحقوق، وفيما قال: إنه محدود في قذف ليس إشاعة الفاحشة؛ لأن الإظهار حصل بقضاء القاضي، وإنما حكوا عن إظهار الفاحشة عن الغير.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ومن شهد ولم يبرح) ش: أي لم يزل في مكانه م: (حتى قال: أوهمت بعض شهادتي، فإن كان عدلاً) ش: أي عدالته إن كانت ظاهرة عند القاضي م: (جازت شهادته) ش: وإن لم يكن يسأل عنه، فقيل: إنه عدل، جازت شهادته. كذا في " الجامع البرهاني ". وقال المصنف ﵀: ناقلاً عن
стр. 4558
ومعنى قوله: أوهمت، أي: أخطأت بنسيان ما كان يحق علي ذكره أو بزيادة كانت باطلة. ووجهه أن الشاهد قد يبتلى بمثله لمهابة مجلس القضاء، فكان العذر واضحا، فتقبل إذا تداركه في أوانه وهو عدل، بخلاف ما إذا قام عن المجلس ثم عاد وقال: أوهمت لأنه يوهم الزيادة من المدعي بتلبيس وخيانة فوجب الاحتياط، ولأن المجلس إذا اتحد لحق الملحق بأصل الشهادة، فصار ككلام واحد، ولا كذلك إذا اختلف،
وعلى هذا وقع الغلط في بعض الحدود أو في بعض النسب،
ــ
[البناية]
فخر الإسلام ﵀: م: (ومعنى قوله أوهمت، أي أخطأت بنسيان ما كان يحق علي ذكره أو بزيادة كانت باطلة) ش: قوله كانت باطلة جملة فعلية وقعت صفة لقوله بزيادة م: (ووجهه) ش: أي وجه جواز شهادته م: (أن الشاهد قد يبتلى بمثله) ش: أي بمثل ما ذكر من قوله أوهمت م: (لمهابة مجلس القضاء) ش: لأن مهابة مجلس القضاء يوقع عليه الغلط بالزيادة أو النقصان م: (فكان العذر واضحاً) ش: فإن كان كذلك م: (فتقبل) ش: أي شهادته م: (إذا تداركه في أوانه)
ش: وأوانه قبل البراح من مكانه، فإذا تدارك الغلط قبل البراح م: (وهو عدل) ش: قبل ذلك منه فكان ذلك ملحقاً بأصل شهادته.
م: (بخلاف ما إذا قام عن المجلس ثم عاد وقال: أوهمت) ش: حيث لا تقبل شهادته م: (لأنه يوهم الزيادة من المدعي بتلبيس وخيانة) ش: وذلك بالجماعة الشاهد بحطام الدنيا، فإذا كان كذلك م: (فوجب الاحتياط) ش:.
قالوا: هذا إذا كان الموضع موضع الشبهة، يعني شبهة التلبيس. أما إذا لم يكن، فلا بأس بإعادة الكلام إذا كان عدلاً، سواء اتحد المجلس أو اختلف، كما إذا ترك لفظ الشهادة أو مثلها، يجوز أن يترك لفظ اسم المدعي أو المدعى عليه، أو يترك الإشارة إلى المدعي أو المدعى عليه.
م: (ولأن المجلس إذا اتحد) ش: هذا دليل آخر على المعنى، يعني إن اتحد المجلس م: (لحق الملحق) ش: بفتح الحاء أي الذي لحقه من الكلام بأول كلامه م: (بأصل الشهادة، فصار ككلام واحد) ش: لأن اتحاد المجلس بجمع المتفرقات، وهذا يوجب العمل بالشهادة الثانية في الزيادة والنقصان؛ لأن الحادثة بعد الشهادة من العدل في المجلس كالقرون بأصلها، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀.
م: (ولا كذلك إذا اختلف) ش: أي لا يلحق الملحق بأصل الشهادة إذا اختلف المجلس للانقطاع بين الكلامين باختلاف المجلس.
[شهادة من ذكر الجانب الشرقي مكان الجانب الغربي أو على العكس]
م: (وعلى هذا) ش: أي على اعتبار المجلس في دعوى التوهم م: (إذا وقع الغلط في بعض الحدود) ش: بأن ذكر الجانب الشرقي مكان الجانب الغربي أو على العكس م: (أو في بعض النسب) ش: بأن ذكر محمد بن أحمد بن عمرو ﵀، وقال محمد بن علي بن عمر: مثلاً تقبل
стр. 4559
وهذا إذا كان موضع شبهة. فأما إذا لم يكن فلا بأس بإعادة الكلام، مثل أن يدع لفظة الشهادة وما يجري مجرى ذلك، وإن قام عن المجلس بعد أن يكون عدلا. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: أنه يقبل قوله في غير المجلس إذا كان عدلا، والظاهر ما ذكرناه، والله أعلم.
ــ
[البناية]
شهادته إذا تداركه في المجلس ولا تقبل بعده.
م: (وهذا) ش: أي باعتبار اتحاد المجلس في عدم التلبيس، واعتبار اختلافه في وجود التلبيس م: (إذا كان موضع شبهة) ش: يعني إذا كان ذلك الموضع موضع شبهة التلبيس.
م: (فأما إذا لم يكن) ش: موضع شبهة التلبيس م: (فلا بأس بإعادة الكلام) ش: يعني باستئنافه م: (مثل أن يدع) ش: أي يترك م: (لفظة الشهادة وما يجري مجرى ذلك) ش: بأن يترك اسم المدعي أو المدعى عليه أو يترك الإشارة إلى أحدهما.
م: (وإن قام عن المجلس) ش: واصل بما قبله م: (بعد أن يكون عدلاً) ش: وقد مر هذا عن قريب.
م: (وعن أبي حنيفة) ش: فيما روى الحسن ﵀ عنه م: (وأبي يوسف -رحمهما الله) ش: فيما روى بشر عنه م: (أنه يقبل قوله) ش: أي قول الشاهد م: (في غير المجلس) ش: أي في جميع المجالس م: (إذا كان عدلاً) ش: أي إذا كان الشاهد عدلاً.
م: (والظاهر ما ذكرناه) ش: يعني أن ظاهر الرواية ما ذكرناه، وهو أن شهادته تجوز إذا قال: أوهمت إذا لم يبرح مكانه، بعد أن كان عدلاً. فإن برح فلا هكذا فسر الأترازي ﵀.
وقال الكاكي ﵀: قوله: والظاهر ما ذكرناه، وهو أن يقبل في المجلس، أي في موضع شبهة التلبيس وبعده وفي غير موضع شبهة التلبيس يقبل في جميع الأوقات.
وفي " نوادر ابن سماعة " ﵀ عن محمد ﵀: إذا شهد بالدار للمدعي، وقضى القاضي بشهادتهما، ثم قالا لا ندري لمن إلينا لا أضمنهما قيمة البناء، كأننا شككنا في شهادتنا.
وإن قالا: ليس البناء للمدعي ضمنا قيمة البناء للمشهود عليه، فعلم بقول الشهود شككنا، لا يختلف الحكم بعد القضاء وقبله في أنه يقبل هذا القول منهم إذا كانوا عدولاً.
стр. 4560
باب الاختلاف في الشهادة قال: الشهادة إذا وافقت الدعوى قبلت، وإن خالفتها لم تقبل؛ لأن تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبول الشهادة، وقد وجدت فيما يوافقها وانعدمت فيما يخالفها.
ــ
[البناية]
[باب الاختلاف في الشهادة]
[كيفية موافقة الشهادة للمدعي]
م: (باب الاختلاف في الشهادة) ش: أي هذا باب في بيان حكم الاختلاف في الشهادة، ولها فرع من مسائل الاتفاق في الشهادة شرع في بيان مسائل الاختلاف فيها، والمناسبة لقضية الطبع؛ لأن الاتفاق أصل، والاختلاف إنما هو يعارض الجهل والكذب فأضر لذلك.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (الشهادة إذا وافقت الدعوى قبلت، وإن خالفتها لم تقبل) ش: موافقة الشهادة للمدعي أن تتحد أنواعاً، وكماً، وكيفاً، وزماناً، ومكاناً وفعلاً وانفعالاً، ووضعاً، وملكاً، ونسبة. فإنه إذا ادعى على آخر عشرة دراهم، وشهد الشاهد بعشرة دراهم، أو ادعى عشرة دراهم، ويشهد بثلاثين، إذا ادعى سرقة ثوب أحمر وشهد بأبيض، أو ادعى أنه قتل ولده يوم النحر بالكوفة وشهد بذلك يوم الفطر بالبصرة، أو ادعى شق زقه وإتلاف ما فيه، شهد بانشقاقه عنده، أو ادعى عقاراً بالجانب الشرقي من ملك فلان، وشهد بالغربي منه، أو ادعى أنه ملكه وشهد أنه ملك ولده، أو ادعى أنه عبده ولدته الجارية الفلانية، وشهد بولادة غيرها، لم تكن الشهادة موافقة للدعوى.
وأما الموافقة بين لفظيهما فليست بشرط. ألا ترى أن المدعي يقول ادعى علي غريمي هذا والشاهد يقول: أشهد بذلك، واستدل المصنف ﵀ على ذلك بقوله: م: (لأن تقدم الدعوى في حقوق العباد شرط قبول الشهادة، وقد وجدت فيما يوافقها وانعدمت فيما يخالفها) .
ش: أما اشتراط تقدم الدعوى، فإن القاضي نصب لفصل الخصومات، فلا بد منها، ولا يغني بالخصومة إلا الدعوى، وأما وجودها عند الموافقة فلعدم ما يهدها من التكذيب، وأما عدمها عند المخالفة، فلوجود ذلك؛ لأن الشهادة لتصديق الدعوى، فإذا خالفتها وقد كذبتها، فصار وجودها وعدمها سواء، وإنما قيد بقوله في حقوق العباد احترازاً عن حقوق الله تعالى، فإن الشهادة فيها تقبل بدون الدعوى إذ حقوق الله تعالى واجبة على كل أحد، فكان كل واحد خصماً في إثباتها، قوله: " وانعدمت " أي الدعوى فيما يخالفها؛ لأن الشهادة لتصديق الدعوى، فإذا خالفها فقد كذبتها كما ذكرنا الآن، ويعتبر صدق الشاهد لا صدق المدعي في المخالفة. لأن الأصل في الشهود والعدول الصدق لا في المدعي لعدم شرطية العدالة فيه.
وفي " الذخيرة ": كما يشترط التوافق بين الدعوى والشهادة تشترط الموافقة بين الشاهدين
стр. 4561
قال: ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة ﵀ فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل الشهادة عنده، وعندهما تقبل على الألف إذا كان المدعي يدعي الألفين وعلى هذا المائة والمائتان، والطلقة والطلقتان، والطلقة والثلاث. لهما أنهما اتفقا على الألف أو الطلقة وتفرد أحدهما بالزيادة، فيثبت ما اجتمعا عليه دون ما تفرد به أحدهما، فصار كالألف والألف والخمسمائة.
ــ
[البناية]
أيضا؛ لأن القضاء إنما يجوز بالحجة، والحجة شهادة المثنى، وبالمخالفة تنعدم الحجة.
[اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أداء الشهادة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في " مختصره ": م: (ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة ﵀) ش: والمراد باتفاقهما لفظاً تطابق لفظهما على عادة المعنى بطريق الوضع، كما قال أحدهما: الهبة.
وقال الآخر: المعطية لا بطريق التضمن، ثم مثل المصنف ﵀ لذلك بقوله م: (فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل الشهادة عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀، م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله -: م: (تقبل على الألف إذا كان المدعي يدعي الألفين) ش: وبه قال الشافعي في وجه وأحمد - رحمهما الله - في رواية، وقالا: يحلف ويستحق الألف الأخرى م: (وعلى هذا المائة والمائتان) ش: أي وعلى هذا الخلاف إذا شهد أحدهما بالمائة والآخر بالمائتين.
وقال الشافعي وأحمد -رحمهما الله -: يستحق المائة الأخرى بالحلف م: (والطلقة والطلقتان، والطلقة والثلاث) ش: أي وكذا على الخلاف إذا شهد أحدهما بأنه طلق امرأته واحدة، والآخر شهد بأنه طلقها ثنتين أو ثلاث طلقات.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد: م: (أنهما) ش: أي أن الشاهدين م: (اتفقا على الألف) ش: في شهادة أحدهما بالألف والآخر بألفين م: (أو الطلقة) ش: أي أو أنهما اتفقا على المطلقة شهادة أحدهما بالطلقة، والآخر بطلقتين أو بالثلاث م: (وتفرد أحدهما) ش: أي أحد الشاهدين م: (بالزيادة) ش: وهي زيادة الألف من أحدهما في شهادتهما بالألف.
وزيادة المطلقة الثانية أو الثلاث م: (فيثبت ما اجتمعا عليه) ش: وهو الألف والطلقة الواحدة م: (دون ما تفرد به أحدهما) ش: وهو في زيادة الألف الآخر وزيادة الطلقة الثانية والثلاث يعني لا تقبل في تلك الزيادة م: (فصار) ش: أي حكم هذا م: (كالألف والألف والخمسمائة) ش: أي وكما إذا ادعى ألفاً وخمسمائة، وشهد أحدهما بالألف والآخر بالألف وخمسمائة والمدعي يدعي الأكثر قبلت الشهادة على الألف لاتفاق الشاهدين على الألف لفظاً ومعنى، وسيجيء الكلام فيه عن قريب
стр. 4562
ولأبي حنيفة ﵀ أنهما اختلفا لفظا وذلك يدل على اختلاف المعنى؛ لأنه يستفاد باللفظ، وهذا لأن الألف لا يعبر به عن الألفين، بل هما جملتان متباينتان، فحصل على كل واحد منهما شاهد واحد، فصار كما إذا اختلف جنس المال.
قال: وإذا شهد أحدهما
ــ
[البناية]
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أنهما) ش: أن الشاهدين م: (اختلفا لفظاً) ش: لأن أحدهما فرد والآخر مجتمع م: (وذلك) ش: أي الاختلاف من حيث اللفظ م: (يدل على اختلاف المعنى؛ لأنه) ش: أي لأن المعنى م: (يستفاد باللفظ وهذا) ش: أي دلالة اختلاف اللفظ على اختلاف المعنى الذي يستفاد من اللفظ م: (لأن الألف لا يعبر به عن الألفين، بل هما جملتان متباينتان) ش: أي كلمتان متباينتان كزيد وعمرو، ولم يرد به الجملة المركبة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر كما في النحو م: (فحصل على كل واحد منهما شاهد واحد) ش: فلا تقبل م: (فصار) ش: حكم هذا م: (كما إذا اختلف جنس المال) ش: كما إذا شهد أحدهما بألف درهم، والآخر بمائة دينار أو شهد أحدهما بكر حنطة، والآخر بكر شعير.
فإن قيل: الألف موجود في الألفين.
قلنا: نعم إذا ثبت الألفان يثبت في ضمنه الألف، وإذا لم يثبت التضمن كيف يثبت التضمن. ألا ترى أنه لو شهد أحدهما بأنه قال لامرأته: أنت خلية وشهد الآخر بأنه قال: أنت برية لا يثبت شيء، وإن اتفق المعنى.
فإن قيل: يشكل على قول أبي حنيفة ﵀ ما لو ادعى ألفين وشهد بألف يقبل بالاتفاق، ذكره في " المبسوط "، مع أن شرط صحة القضاء الموافقة بين الدعوى والشهادة، ولم يوجد.
قلنا: الاتفاق في اللفظ بين الدعوى والشهادة ليس بشرط لصحة الدعوى حسب اتفاقه بين الشاهدين. ألا ترى أنه لو ادعى الغصب أو القتل وشهدا بإقراره به يقبل، ولو شهد أحدهما بالغصب والآخر بالإقرار بالغصب لا تقبل، وهذا لأن الشهادة التلفظ، ألا ترى أنها لا تقبل ما لم تقل أشهد بخلاف الدعوى، فإنه لو صحح دعواه في الكتابة تقبل دعواه، ولا يلزم أبا حنيفة ﵀.
إذا قال زوجها: طلقي نفسك ثلاثاً. فطلقت واحدة كان ذلك منها جواباً فوقعت واحدة، ولا ما إذا قال لها: أنت طالق ألفا فإنه يقع ثلاثاً؛ لأن الأكثر في ذلك ثابت فيضمن الأقل، وليس فيما نحن فيه كذلك؛ لأن الأكثر شهد به واحد، فلا يثبت به شيء.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا شهد أحدهما) ش: أي أحد الشاهدين
стр. 4563
بألف والآخر بألف وخمسمائة، والمدعي يدعي ألفا وخمسمائة قبلت الشهادة على الألف لاتفاق الشاهدين عليهما لفظا ومعنى؛ لأن الألف والخمسمائة جملتان عطفت أحدهما على الأخرى، والعطف يقرر الأول، ونظيره الطلقة والطلقة والنصف والمائة والمائة والخمسون بخلاف العشرة والخمسة عشر؛ لأنه ليس بينهما حرف العطف، فهو نظير الألف والألفين.
، وإن قال المدعي: لم يكن لي عليه إلا الألف، فشهادة الذي شهد بالألف والخمسمائة باطلة؛ لأنه كذبه المدعي في المشهود به. وكذا إذا سكت إلا عن دعوى الألف لأن التكذيب ظاهر، فلا بد من
ــ
[البناية]
م: (بألف والآخر بألف وخمسمائة، والمدعي يدعي ألفاً وخمسمائة قبلت الشهادة على الألف لاتفاق الشاهدين عليهما) ش: أي على الألف م: (لفظاً ومعنى؛ ولأن الألف والخمسمائة جملتان عطفت إحداهما على الأخرى، والعطف يقرر الأول) ش: أي يقرر المعطوف عليه م: (ونظيره) ش: أي ونظير المذكور م: (الطلقة والطلقة والنصف) ش: بأن شهد أحدهما بطلقة، والآخر بطلقة ونصف م: (والمائة والمائة والخمسون) ش: بأن شهد أحدهما بمائة، والآخر بمائة وخمسين يقبل شهادته على الطلقة بالاتفاق وكذلك على المائة
م: (بخلاف العشرة والخمسة عشر) ش: يعني إذا شهد أحدهما بعشرة والآخر بخمسة عشر يعني إذا ادعى المدعي خمسة عشر حيث لا يثبت العشر عند أبي حنيفة ﵀ لأن الموافقة بين اللفظين شرط ولم يوجد م: (لأنه ليس بينهما حرف العطف) .
ش: فصارا متباينين؛ لأن خمسة عشر تذكير بغير حرف العطف، فكانت كلمة واحدة غير العشرة، فلم يوجد الموافقة.
وفي " النهاية ": هذا كله فيما إذا لم يدع المدعي عقداً. أما إذا كان في دعوى العقد، فهي ثمان مسائل:
البيع، والإجارة، والكتابة، والرهن، والعتق على مال، والصلح عن دم العمد، والخلع، والنكاح ... وسيجيء كل هذا مشروحاً في هذا الباب إن شاء الله تعالى م: (فهو نظير الألف والألفين) ش: أي المذكور نظير ما إذا شهد أحدهما بألف والآخر شهد بألفين، لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ﵀ وقد مر عن قريب.
م: (وإن قال المدعي: لم يكن عليه إلا الألف فشهادة الذي شهد بالألف والخمسمائة باطلة؛ لأنه) ش: أي لأن الشاهد م: (كذبه المدعي في المشهود به) ش: وتكذيب الشاهد تفسيق له فكان مبطلاً شهادته، فبقي شاهد واحد.
م: (وكذا) ش: أي الحكم م: (إذا سكت) ش: أي المدعي م: (إلا عن دعوى الألف) ش: يعني ادعى الألف ولم يتعرض للخمس مائة لا بالنفي ولا بالإثبات م: (لأن التكذيب ظاهر فلا بد من
стр. 4564
التوفيق.
ولو قال: كان أصل حقي ألفا وخمسمائة، ولكني استوفيت خمسمائة أو أبرأته عنها، قبلت لتوفيقه قال: وإذا شهد بألف، وقال أحدهما قضاه خمسمائة قبلت شهادتهما بالألف لاتفاقهما عليه، ولم يسمع قوله أنه قضاه خمسمائة لأنه شهادة فرد إلا أن يشهد معه آخر. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقضي بخمسمائة؛ لأن شاهد القضاء مضمون شهادته أن لا دين إلا خمسمائة، وجوابه ما قلنا. قال: وينبغي للشاهد إذا علم بذلك أن لا يشهد بألف حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائة كيلا يصير معينا على الظلم. وقال وفي " الجامع الصغير ": رجلان شهدا على رجل بقرض ألف درهم، فشهد أحدهما أنه قد
ــ
[البناية]
التوفيق) ش: ولم يوجد حتى لو وقف قبلت الشهادة، وأشار إلى التوفيق بقوله:
م: ولو قال: كان أصل حقي ألفاً وخمسمائة) ش: كما شهد م: ولكني استوفيت خمسمائة أو أبرأته عنها) ش: أي عن الخمس مائة م: (قبلت لتوفيقه) ش: أي لزوال التكذيب.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا شهدا بألف، وقال أحدهما قضاه خمسمائة قبلت شهادتهما بالألف) ش: وفي بعض النسخ بألف م: (لاتفاقهما عليه) ش: أي لاتفاق الشاهدين على الألف م: (ولم يسمع قوله) ش: أي قول الشاهد الذي قال:
م: (إنه قضاه) ش: يعني قضاه م: (خمسمائة لأنه شهادة فرد، إلا أن يشهد معه آخر) ش: هذا هو المشهور.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه يقضي بخمسمائة؛ لأن شاهد القضاء مضمون شهادته أن لا دين إلا خمسمائة) ش: فلا يجوز أن يثبت أكثر من ذلك م: (وجوابه) ش: أي جواب ما روي عن أبي يوسف ﵀ م: (ما قلنا) ش:، أشار به إلى قوله لأنه شهادة فرد، كذا قاله الأترازي ﵀ وقال الأكمل ﵀: وجوابه ما قلنا: إنهما اتفقا على وجوب الألف، وتفرد أحدهما بالقضاء، والقضاء يتلوا الوجوب لا محالة.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وينبغي للشاهد إذا علم بذلك) ش: يعني الشاهد بقضاء خمس مائة إذا علم بذلك م: (أن لا يشهد بألف حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائة كيلا يصير معيناً على الظلم) ش: لعلمه بدعواه بغير حق.
وفي " جامع أبي الليث ": لا يحل للشاهد الذي يعلم القضاء أن يشهد على أصل الدين لعلمه بأن المدعي يدعي بغير حق.
م: (قال وفي " الجامع الصغير ": رجلان شهدا على رجل بقرض ألف درهم فشهد أحدهما أنه قد
стр. 4565
قضاها، فالشهادة جائزة على القرض لاتفاقهما عليه، وتفرد أحدهما بالقضاء على ما بينا. وذكر الطحاوي عن أصحابنا: أنه لا تقبل وهو قول زفر ﵀ لأن المدعي أكذب شاهد القضاء. قلنا: هذا إكذاب في غير المشهود به الأول وهو القرض، ومثله لا يمنع القبول.
قال: وإذا شهد شاهدان أنه قتل زيدا يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه قتله يوم النحر بالكوفة، واجتمعوا عند الحاكم، لم يقبل الشهادتين؛ لأن إحداهما كاذبة بيقين
ــ
[البناية]
قضاها، فالشهادة جائزة على القرض لاتفاقهما عليه، وتفرد أحدهما بالقضاء على ما بينا) ش: من أن القضاء يثبته بتفرد أحد الشاهدين.
والفرق بين مسألة الجامع وبين المسألة التي ذكرها قبلها أن مسألة " الجامع " شهد أحدهما بقضاء كل الدين وفي التي قبلها، شهد بقضاء بعض الدين.
م: (وذكر الطحاوي ﵀ عن أصحابنا: أنه لا تقبل) ش: يعني في القرض والدين جميعاً م: (وهو قول زفر ﵀؛ لأن المدعي أكذب شاهد القضاء) ش: وهو تفسيق له.
م: (قلنا: هذا إكذاب في غير المشهود به الأول وهو القرض) ش: أي المشهود به الأول وهو القرض، لم يوجد في حقه التكذيب وهو له، وإنما وجد التكذيب لأنه أكذبه فيما عليه، وهو الشهادة بالقضاء، وهو غير المشهود به الأول م: (ومثله لا يمنع القبول) .
ش: ولهذا لو شهد بألف ومائة دينار، إذا ادعى المدعي ألف درهم تقبل شهادتهما، وإن كذبهما المدعي في المائة. إليه أشار في " الجامع ".
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإذا شهد شاهدان أنه) ش: أي أن عمراً مثلاً م: (قتل زيداً يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه قتله يوم النحر بالكوفة واجتمعوا عند الحاكم لم يقبل الشهادتين لأن إحداهما) ش: أي لأن إحدى الشهادتين م: (كاذبة) ش: ظاهراً م: (بيقين) .
ش: وبه قال الشافعي ﵀، وفي " الذخيرة ": ولو شهد أحدهما بالقتل والآخر بالإقرار بالقتل لا تقبل؛ لأن القتل فعل والإقرار قول، والقول غير الفعل، فاختلف المشهود به، وكذا لو شهدا بالقتل واختلفا في الزمان والمكان؛ لأن الفعل الثاني غير الفعل الأول.
وفي " المغني ": وكل شهادة على فعل اختلاف الزمان أو المكان يمنع القبول، إلا في مسألة واحدة ذكرها داود بن رستم ﵀ عن محمد في نصراني شهدا عليه، فقال أحدهما: يصلي في مسجد بني زائدة شهراً، وآخر يصلي في مسجد بني عامر شهراً، أو قال أحدهما: يصلي بالكوفة شهراً، وقال أحدهما: رأيته يصلي بالشام. قال أجيز شهادتهما وأجبره على الإسلام.
وفي " الكافي ": اختلافهما في الزمان أو المكان في البيع والشراء والطلاق والعتاق والوكالة
стр. 4566
وليست إحداهما بأولى من الأخرى. فإن سبقت إحداهما وقضى بها، ثم حضرت الأخرى، لم تقبل؛ لأن الأولى قد ترجحت باتصال القضاء بها فلا تنتقض بالثانية.
قال: وإذا شهدا على رجل أنه سرق
ــ
[البناية]
والوصية والرهن والدين والقرض والبراءة والكفالة والحوالة، والقذف، لا يمنع القبول. وفي الجناية والغصب والقتل والنكاح يمنع، والأصل فيه أن المشهود به إن كان قولاً كالبيع ونحوه، فاختلافهما في الزمان، أو المكان لا يمنع.
ورواه أحمد في رواية؛ لأن القبول مما يعاد ويكرر، وإن كان المشهود به فعلاً كالغصب ونحوه، أو قولاً لكن الفعل شرط صحته كالنكاح، فإنه قول وحضور الشاهدين فعل، وهو شرط فاختلافهما في الزمان والمكان يمنع القول؛ لأن الفعل في زمان أو مكان غير الفعل في زمان أو مكان غيره، فاختلف المشهود به.
وقال الشافعي: ﵀ وأحمد ﵀: في ظاهر روايته: اختلافهما في الزمان أو المكان يمنع في الجميع إلا فيما شهد أحدهما أنه طلقها يوم الخميس، وقال الآخر: أقر بطلاقها يوم الجمعة، فإنه يقبل. وكذا في البيع والنكاح وغيرهما فلا ينقض بالثانية؛ لأن القضاء بالأول قضاء ببطلان الثاني ضمناً. إذ قتل شخص واحد لا يكون في موضعين.
وفي " الفتاوى الصغرى ": لو سكت شاهدا البيع عن بيان الوقت والمكان، فسألهما القاضي فقالا: لا نعلم ذلك يقبل شهادتهما؛ لأنهما لم يكلفا حفظ ذلك.
م: (وليست إحداهما بأولى من الأخرى) ش: يمكن أن هذا جواب عما يقال: فلم لا يسمع القاضي أحدهما.
فقال: وليست إحداهما إلى إحدى الشهادتين بأولى من الشهادة الأخرى لعدم المرجح، فإن كان كذلك م: (فإن سبقت إحداهما) ش: أي إحدى الشهادتين م: (وقضى بها) ش: أي وقضى القاضي بها م: (ثم حضرت الأخرى) .
ش: أي الشهادة الأخرى م: (لم تقبل؛ لأن الأولى قد ترجحت باتصال القضاء بها فلا تنتقض بالثانية) ش: لأن الحكم بالثانية ينافي الحكم بالأول، وقد صحت ظاهراً حيث اتصل الحكم بها ينتقض بالكذب، فبقيت كما كانت، ونظيره رجل معه ثوبان، أحدهما نجس فوقع تحريه على أحدهما وصلى فيه، ثم وقع تحريه على الآخر لا يجوز الصلاة فيه؛ لأن الأول اتصل به حكم فلا ينتقض بتحرٍ آخر.
[شهدا على رجل أنه سرق بقرة واختلفا في لونها]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (وإذا شهد على رجل أنه سرق
стр. 4567
بقرة، واختلفا في لونها قطع، وإن قال أحدهما: بقرة، والآخر ثوراً، لم يقطع. وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يقطع في الوجهين جميعاً. وقيل: الاختلاف في لونين يتشابهان كالسواد والحمرة، لا في السواد والبياض وقيل: هو في جميع الألوان. لهما أن السرقة في السوداء غيرها في البيضاء، فلم يتم على كل فعل نصاب الشهادة، وصار كالغصب بل أولى؛ لأن أمر الحد أهم، فصار كالذكورة والأنوثة. وله أن التوفيق ممكن؛ لأن التحمل في الليالي من
ــ
[البناية]
بقرة واختلفا في لونها) ش: بأن قال أحدهما: إنها سوداء، وقال الآخر: بأنها صفراء م: (قطع وإن قال أحدهما: بقرة) ش: أي بأنه سرق بقرة م: (والآخر ثوراً) ش: أي وقال الآخر: إنه سرق ثوراً م: (لم يقطع، وهذا عند أبي حنيفة ﵀) .
م: (وقالا: لا تقطع في الوجهين جميعاً) ش: وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏، وقال التمرتاشي ﵀: هذا الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه فيما إذا سرق بقرة فقط، أما إذا ادعى سرقة بقرة بيضاء أو سوداء، لا تقبل شهادتهما إجماعاً؛ لأن كذب أحد الشاهدين، وكذا الخلاف فيما إذا ادعى سرقة ثوب فقط، أحدهما هروي، وقال الآخر: مروزي: فإن اختلفا في الزمان والمكان يقبل بالإجماع.
م: (وقيل: الاختلاف في لونين يتشابهان كالسواد والحمرة) ش: لأن الحمرة الشديدة تظهر م: (لا في السواد والبياض) ش: لأنهما لا يتشابهان أصلاً م: (وقيل: هو) ش: أي الاختلاف بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه - رحمهما الله - م: (في جميع الألوان) ش: وذكر في " المبسوط " أن الكل على الخلاف في الأصح.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ﵀، ومحمد ﵀ م: (أن السرقة في السوداء غيرها في البيضاء، فلم يتم على كل فعل نصاب الشهادة) ش: فلا اختلاف في المشهود به فلا يقبل م: (وصار كالغصب) ش: يعني شهد الغصب بقرة واختلفا في لونها.
م: (بل أولى؛ لأن أمر الحد أهم) ش: لأن الثابت بالغصب ضمان لا يسقط بالشبهات، والثابت هنا قد يسقط بالشبهات.
ولأن الاختلاف لما منع قبول الشهادة في المال، فلأن يمنع في الحر أولى، كما لو اختلفا في قدر القيمة م: (فصار كالذكورة والأنوثة) ش: في المغايرة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن التوفيق ممكن؛ لأن التحمل في الليالي من
стр. 4568
بعيد، واللونان يتشابهان أو يجتمعان في واحد، فيكون السواد من جانب وهذا يبصره، والبياض من جانب آخر، وهذا الآخر يشاهده،
بخلاف الغصب؛ لأن التحمل فيه بالنهار على قرب منه، والذكورة والأنوثة لا يجتمعان في واحدة. وكذا الوقوف على ذلك بالقرب منه فلا يشتبه.
ــ
[البناية]
بعيد) ش: إذ أكثر السرقات تكون في الليالي، وتحمل الشهادة من بعيد م: (واللونان يتشابهان) ش: كالحمرة والصفرة م: (أو يجتمعان) ش: أي اللونان بين ذلك بقوله:
م: (في واحد فيكون السواد من جانب وهذا يبصره، والبياض من جانب آخر، وهذا) ش: أي الآخر م: (يشاهده) ش: وكل واحد يشهد بما رآه.
فإن قيل: لو كانت البقرة على هذه الصفة، يقال لها: أبلقاً لا سوداء ولا بيضاء.
قلت: نعم، كذلك لمح، ولكن في حق من يعرف اللونين. أما في حق من لا يعرف إلا أحدهما يكون عنده ذلك اللون، كذا في " المبسوط ". وإذا كان التوافق ممكناً وجب القبول، كما إذا اختلف شهود الزنا في سبب واحد، وقال الأكمل ﵀: وفيه بحث من وجهين: أحدهما: أن طلب التوفيق ها هنا لاحتيال أسباب الحد، وهو القطع، والحد يحتال لدونه لا لإثباته.
والثاني: أن التوفيق وإن كان ممكناً، ليس بمعتبر ما لم يصرح به فيما لم يثبت بالشبهات، فكيف يمكن اعتباره فيما يدربها.
والجواب عن الأول: أن ذلك إنما كان احتيالاً لإثباته، إذ لو كان في اختلاف ما كلفنا نقله، وهو من صلب الشهادة، كبيان قيمة المسروق ليعلم هل كان نصاباً تقطع به أو لا. وأما إذا كان في اختلاف ما لم يكلفنا نقله كلون ثياب السارق وأمثاله، فاعتبار التوفيق فيه ليس احتيالاً لإثبات الحد، لإمكان ثبوته به.
ألا ترى أنهما لو سكتا عن بيان لون البقرة ما كلفهما القاضي بذلك، فتبين أنه ليس من صلب الشهادة، ولم يكلفنا نقله إلى مجلس الحكم، بخلاف الذكورة والأنوثة، فإنهما يكلفان النقل بذلك؛ لأن القيمة تختلف باختلافهما، فكان اختلاف في صلب العقد. وعن الثاني بأنه جواب القياس؛ لأن القياس اعتبار مكان التوفيق، أو يقال التصريح بالتوفيق يعتبر فيما كان في صلب الشهادة وإمكانه فيما لم يكن فيه هذا.
[شهد لرجل أنه اشترى عبدا من فلان بألف وشهد آخر أنه اشترى بألف وخمسمائة]
م: (بخلاف الغصب) ش: هذا جواب عن مسألة الغصب وهو قوله م: (لأن التحمل فيه بالنهار على قرب منه) ش: أي لأن تحمل الشهادة في الغصب يكون بالنهار، إذ الغصب يكون فيه غالباً م: (والذكورة والأنوثة) ش: جواب عما استشهدا به من الاختلاف بهما فإنهما م: (لا يجتمعان في واحدة. وكذا الوقوف على ذلك بالقرب منه فلا يشتبه) ش: أي في حيوان عادة، ولأن الشاهدين
стр. 4569
قال: ومن شهد لرجل أنه اشترى عبدا من فلان بألف، وشهد آخر أنه اشترى بألف وخمسمائة، فالشهادة باطلة؛ لأن المقصود إثبات السبب وهو العقد، ويختلف باختلاف الثمن فاختلف المشهود به، ولم يتم العدد على كل واحد، ولأن المدعي يكذب أحد شاهديه. وكذلك إذا كان المدعي هو البائع، ولا فرق بين أن يدعي المدعي أقل المالين أو أكثرهما لما بينا. وكذلك الكتابة
ــ
[البناية]
يكلفان بيان الذكورة والأنوثة؛ لأن القيمة تختلف باختلافهما، فكان اختلافهما فيهما في نفس الشهادة
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ومن شهد لرجل أنه اشترى عبداً من فلان بألف، وشهد آخر أنه اشترى بألف وخمسمائة، فالشهادة باطلة) .
ش: قال الأترازي ﵀: كان المناسب ذكر هذه المسألة بعد قوله: وإن شهد أحدهما بألف، والآخر بألف وخمسمائة.
قلت: تلك المسألة في دعوى المال، وهذه في دعوى العقد م: (لأن المقصود إثبات السبب، وهو العقد، ويختلف باختلاف الثمن، فاختلف المشهود به ولم يتم العدد على كل واحد) ش: لأن اختلاف المشهود به يمنع قبول الشهادة، وكذا نقصان العدد يمنع.
م: (ولأن المدعي) ش: دليل آخر على ذلك م: (بكذب أحد شاهديه) ش: صورة المسألة في " الجامع الصغير ": محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال في الرجل يدعي على رجل أنه باعه هذا العبد بألف وخمسمائة فينكر البائع البيع، فيقيم عليه شاهداً بألف وخمسمائة، وشاهداً بألف، قال: هذا باطل.
م: (وكذلك) ش: أي وكذا الشهادة باطلة م: (إذا كان المدعي هو البائع، ولا فرق بين أن يدعي المدعي أقل المالين أو أكثرهما) ش: يعني سواء ادعى أقل المالين أو أكثر، وفي " الفوائد الظهيرية " عن السيد الإمام الشهيد أبي القاسم السمرقندي ﵀: يقبل؛ لأن الشراء لواحد قد يكون بألف، ثم يصير بألف وخمسمائة، بأن اشترى ثم زاد في الثمن، فقد انقضى على الشراء الواحد م: (لما بينا) ش: وهو أن المقصود إثبات السبب.
م: (وكذلك الكتابة) ش: أي كالبيع؛ لأن عقد الكتابة يختلف باختلاف البدل كالبيع، [و] هنا تسع مسائل: البيع، والكتابة، والخلع، والطلاق، والإعتاق على مال، والصلح على دم العمد، والرهن والنكاح، والإجارة.
وقال الأترازي ﵀ بعد أن نقل ما ذكره محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": وهذه ثمان مسائل؛ لأنه لم يذكر الطلاق. وأشار المصنف ﵀ إلى الكتابة بقوله: وكذلك الكتابة بعد أن ذكر البيع، فالبيع هو المسألة الأولى والكتابة هي الثانية.
стр. 4570
لأن المقصود هو العقد إن كان المدعي هو العبد فظاهر. كذا إذا كان هو المولى؛ لأن العتق لا يثبت قبل الأداء، فكان المقصود إثبات السبب. وكذا الخلع والإعتاق على مال، والصلح عن دم العمد إذا كان المدعي هو المرأة أو العبد أو القاتل؛ لأن المقصود إثبات العقد والحاجة ماسة إليه.
وإن كانت الدعوى من جانب آخر، فهو بمنزلة دعوى الدين فيما ذكرنا من الوجوه؛ لأنه ثبت العفو والعتق والطلاق باعتراف صاحب الحق، فبقي الدعوى في الدين وفي الرهن
ــ
[البناية]
وفي " قاضي خان " ﵀: بمنزلة البيع إذ كان الدعوى من العبد؛ لأنه يدعي العقد أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: م: (لأن المقصود هو العقد) ش: أي عقد الكتابة م: (إن كان المدعي هو العبد فظاهر) ش: فلا تقبل الشهادة إذا اختلف الشاهدان في بدل الكتابة كما في البيع والشراء.
م: (وكذا) ش: أي وكذا لا تقبل الشهادة م: (إذا كان) ش: أي المدعي م: (هو المولى؛ لأن العتق لا يثبت قبل الأداء) ش: أي قبل إذا بدل الكتابة، وبدل الكتابة لا يكون إلا بعقد الكتابة وهو معنى قوله: م: (فكان المقصود إثبات السبب) ش: أي العقد، والثالثة من المسائل الخلع أشار إليه بقوله م: (وكذا الخلع) ش: بأن ادعت المرأة الخلع وأنكر الزوج، والرابعة منها هو قوله م: (والإعتاق على مال) ش: والخامسة هو قوله م: (والصلح عن دم العمد) ش: فالحكم في هذه المسائل الثلاث م: (إذا كان المدعي هو المرأة) ش: في مسألة الكتابة م: (أو العبد) ش: أي وإن كان المدعي هو المرأة في مسألة الخلع م: (أو القاتل) ش: أي وإن كان المدعي هو القاتل في مسألة الصلح عن دم العمد فلا خفاء في هذه الثلاثة م: (لأن المقصود إثبات العقد والحاجة ماسة إليه) ش: أي إلى إثبات العقد ليثبت الطلاق والعتاق والعفو بناء عليه.
م: (وإن كانت من جانب آخر) ش: وهو المولى وولي القصاص، بأن قال المولى: أعتقتك على ألف وخمس مائة، والعبد يدعي الألف وقال الزوج: خالعتك على ألف وخمسمائة، والمرأة تدعي الألف، وقال ولي القصاص: صالحتك على ألف وخمسمائة والقاتل يدعي الألف م: (فهو بمنزلة دعوى الدين) ش: أي كانت الدعوى مثل دعوى الدين وهو البدل وهو المبدل لوقوع العتق والطلاق والعفو بإقرار المولى والزوج وولي القصاص م: (فيما ذكرنا من الوجوه) ش: المذكورة من أنه يقبل على الألف إذا ادعى ألفا وخمسمائة بالاتفاق، وإذا ادعى ألفين لا تقبل عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما، وإن ادعى أقل المالين يعتبر الوجوه الثلاثة من التوفيق والتكذيب والسكوت عنهما م: (لأنه ثبت العفو والعتق والطلاق باعتراف صاحب الحق) ش: وهو المعتق والزوج والولي م: (فبقي الدعوى في الدين) ش: وهو البدل، والمسألة السادسة هي قوله م: (وفي الرهن) ش: أي إذا شهد أحد الشاهدين بالألف والآمر بألف وخمسمائة.
стр. 4571
إن كان المدعي هو الراهن لا يقبل؛ لأنه لا حظ له في الرهن، فعريت الشهادة عن الدعوى، وإن كان هو المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين، وفي الإجارة إن كان ذلك في أول المدة فهو نظير البيع، وإن كان بعد مضي المدة والمدعي هو الآجر فهو دعوى الدين.
قال: فأما النكاح، فإنه يجوز بألف استحسانا. وقالا: هذا باطل في النكاح أيضا،
ــ
[البناية]
م: (إن كان المدعي هو الراهن لا يقبل) ش: الشهادة م: (لأنه) ش: أي لأن الراهن م: (لا حظ له في الرهن) ش: لأنه لما لم يكن له أن يسترد الرهن قبل قضاء الدين كانت دعواه غير مفيدة، فكانت كأن لم يكن وهو معنى قوله م: (فعريت الشهادة عن الدعوى) ش: فلا تقبل.
م: (وإن كان) ش: أي المدعي م: (هو المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين) ش: يقضى بأقل المالين إجماعا.
فإن قيل: الرهن لا يثبت إلا بالإيجاب والقبول فكان عقدا كسائر العقود فينبغي أن يكون اختلاف الشاهدين في قدر المال بمنزلة اختلافهما في البيع أو الشراء، وإن كانت الدعوى من المرتهن.
قلنا: لما كان عقد الرهن غير لازم في حق المرتهن كان له أن يرد الرهن متى شاء، بخلاف الراهن لأنه ليس له استرداد الرهن متى شاء، فكان الاعتبار دعوى الدين في جانب المرتهن؛ لأن الرهن لا يكون بالدين فتقبل البينة كما في سائر الديون، ويثبت الرهن بالألف ضمنا، وتبعا للدين، والمسألة السابعة هي قوله: م: (وفي الإجارة) ش: أي اختلاف الشهادة إذا كان في الإجارة م: (إن كان ذلك) ش: أي الدعوى على تأويل الادعاء م: (في أول المدة) ش: قبل استيفاء المنفعة م: (فهو نظير البيع) ش: يعني لا تقبل الشهادة كما في البيع؛ لأن المقصود إثبات العقد، وقد اختلف باختلاف البدل م: (وإن كان بعد مضي المدة) ش: واستيفاء المنفعة م: (والمدعي) ش: أي والحال أن المدعي.
م: (هو الآجر فهو دعوى الدين) ش: أي المال فيقضي بأقل المالين إذا ادعى الأكثر، إذ لا حاجة هنا إلى إثبات العقد، وإن كان المدعي هو المستأجر بعد مضي المدة كان ذلك منه اعترافا بمال الإجارة، فيجب عليه ما اعترف، فلا حاجة فيه حينئذ إلى اتفاق الشاهدين أو اختلافهما.
[اختلاف الشهود في النكاح]
والمسألة الثانية هي قوله:
م: (قال) ش: أي أبو حنيفة ﵀: م: فأما النكاح) ش: يعني إذا اختلف الشهود فيه، فقال أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة م: (فإنه) ش: أي فإن النكاح م: (يجوز بألف استحسانا) ش: كما في دعوى الدين.
م: (وقالا: هذا باطل في النكاح أيضا) ش: يعني كما هو باطل في البيع، يعني فلا تقبل الشهادة
стр. 4572
وذكر في الأمالي قول أبي يوسف مع قول أبي حنيفة - رحمهما الله - لهما أن هذا اختلاف في العقد؛ لأن المقصود من الجانبين السبب فأشبه البيع. ولأبي حنيفة ﵀ أن المال في النكاح تابع، والأصل فيه الحل والازدواج والملك، ولا اختلاف فيما هو الأصل فيثبت، ثم إذا وقع الاختلاف في التبع يقضى بالأقل لاتفاقهما عليه،
ويستوي دعوى أقل المالين أو أكثرهما في الصحيح،
ــ
[البناية]
ولا يقضي بالنكاح. م: (وذكر في " الأمالي " قول أبي يوسف مع قول أبي حنيفة - رحمهما الله -) ش: قال فخر الدين قاضي خان ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": وذكر في الدعوى عن " الأمالي " قول أبي يوسف ﵀ مع قول أبي حنيفة ﵀ م: (لهما) ش: أي ولأبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ م: (أن هذا اختلاف في العقد) ش: لأن النكاح بألف غير النكاح بألف وخمسمائة.
م: (لأن المقصود من الجانبين السبب) ش: والاختلاف في السبب يمنع قبول الشهادة م: (فأشبه البيع) ش: كما إذا اختلف الشاهدان فيه بأن شهد أحدهما بألف، والآخر بألفين فلا تقبل، كذا هذا م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن المال في النكاح تابع) ش: ولهذا يصح بلا تسمية مهر وملك التصرف في النكاح من لا يملك التصرف في المال، كالعم، والأخ، والاختلاف في البائع لا يوجب اختلافا في الأصل.
م: (والأصل فيه) ش: أي في النكاح هذا دليل أخذ تقريره أن الأصل في النكاح م: (الحل) ش: هو حل البضع م: (والازدواج والملك) ش: هو ملك البضع؛ لأن شرعيته كذلك ولزوم المهر لمصون الحل الخطر عن الاستبذال بالتسلط عليها مجانا م: (ولا اختلاف) ش: للشاهدين م: (فيما هو الأصل فيثبت) ش: أي الأصل.
م: (ثم إذا وقع الاختلاف في التبع يقضى بالأقل) ش: أي بأقل المالين م: (لاتفاقهما عليه) ش: أي لاتفاق الشاهدين على الأقل. واعترضوا عليه بأن هذا تكذيب لأحد الشاهدين، وأجيب بأن التكذيب فيما ليس بمقصود، وهو المال، والتكذيب فيه لا يوجب التكذيب في الأصل وهو العقد.
م: (ويستوي دعوى أقل المالين أو أكثرهما) ش: قال الأكمل ﵀: قال المصنف ﵀: ويستوي دعوى أقل المالين أو أكثرهما بكلمة " أو "، والصواب كلمة الواو بلالة يستوي، انتهى.
قلت: كان في نسخه بكلمة " أو "، فكذلك اعترض، وليس كذلك، فإن النسخ كلها بالواو، حتى في نسخة شيخي العلاء ﵀ التي هي العمدة م: (في الصحيح) ش: احترازا عما قال
стр. 4573
ثم قيل: الاختلاف فيما إذا كانت المرأة هي المدعية وفيما إذا كان الزوج هو المدعي إجماع، على أنه لا تقبل؛ لأن مقصودها قد يكون المال، ومقصوده ليس إلا بالعقد. وقيل الاختلاف في الفصلين وهذا أصح، والوجه ما ذكرناه.
ــ
[البناية]
بعضهم، وأنه لما كان كالدين وجب أن يكون الدعوى بأكثر المالين كما في الدين، وإليه ذهب شمس الأئمة ﵀.
م: (ثم قيل: الاختلاف) ش: أي بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (فيما إذا كانت المرأة هي المدعية وفيما إذا كان الزوج هو المدعي إجماع) .
م: (على أنه لا يقبل لأن مقصودها قد يكون المال ومقصوده ليس إلا العقد) ش: فيكون الاختلاف فيه يمنع القبول.
م: (وقيل: الاختلاف) ش: أي الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (في الفصلين) ش: جميعا، يعنى فيما إذا كان مدعي النكاح الرجل والمرأة م: (وهذا أصح) ش: أي الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه في الفصلين جميعا أصح.
وقال الأترازي ﵀: ولنا في قوله: وهذا أصح نظرا لما أنهم لم يذكروا الخلاف في " شرح الجامع الصغير " و " شرح الطحاوي " فيما إذا كان المدعي هو الزوج، بل قالوا: لا تقبل الشهادة لأن الاختلاف وقع في العقد، انتهى.
قلت: عدم ذكرهم في " شرح الجامع الصغير " [و] " شرح الطحاوي " لا يستلزم عدم ذكر غيرهم م: (والوجه ما ذكرناه) ش: أشار به إلى ما ذكر في دليل الطرفين عند قوله: لهما أن هذا اختلاف في العقد ... إلى آخر ما ذكره.
стр. 4574
فصل في الشهادة على الإرث قال: ومن أقام بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها وأودعها الذي هي في يده، فإنه يأخذها ولا يكلف البينة أنه مات وتركها ميراثا له. وأصله أنه متى ثبت الملك للمورث لا يقضى به للوارث حتى يشهد الشهود أنه مات وتركها ميراثا له عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف ﵀، هو يقول: إن ملك الوارث ملك المورث فصارت الشهادة بالملك للمورث شهادة به للوراث وهما يقولان: إن ملك الوارث متجدد.
ــ
[البناية]
[فصل في الشهادة على الإرث]
م: (فصل في الشهادة على الإرث) ش: أي هذا فصل في بيان حكم الشهادة على الإرث، ولما ذكر أحكام الشهادة المتعلقة بالإحياء شرع يذكر أحكام الشهادة المتعلقة بالميت، بحسب مقتضى الوقائع.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ومن أقام بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها وأودعها الذي هي في يده، فإنه يأخذها) ش: أي فإن المدعي الذي أقام البينة يأخذ الدار بهذه البينة م: (ولا يكلف البينة) ش: أي يشهدوا م: (أنه) ش: أي أن أباه م: (مات وتركها ميراثا له) ش: أي لابنه. وفي " الفوائد الظهيرية ": هذا بالإجماع، لكن على اختلاف التخريج.
فأبو يوسف ﵀ لا يقول في الميراث باشتراط الجر والانتقال من المورث إلى الوارث في قبول البينة، وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وإن كانا يشترطان ذكر الجر والانتقال، بأن يقول الشاهد عند الشهادة: هذا المدعي وارث الميت مات وتركها ميراثا له. أما ها هنا لم يشترطا؛ لأن المدعي أثبت لمورثه يدا إلى المدعي بما أقام من البينة؛ لأن يد المستودع والمستعير، يد المودع والمعير، فصار كأنه أقام البينة بأن أباه مات والدار في يده، ولو كان كذلك كانت البينة مقبولة فكذا هذا. م: (وأصله) ش: أي أصل حكم الشهادة على الإرث م: (أنه) ش: أي الشأن م: (متى ثبت الملك للمورث لا يقضى به للوارث) ش: أي لا يحكم له بذلك الملك م: (حتى يشهد الشهود أنه) ش: أي أن المورث م: (مات وتركها) ش: أي ترك تركة م: (ميراثا له) ش: أي لهذا الوارث م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، خلافا لأبي يوسف ﵀) ش: هذا الخلاف مبني على الأصل المذكور، وهو أن الشهادة بالميراث يحتاج إلى الجر والانتقال عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ولا تحتاج إلى ذلك عند أبي يوسف ﵀ هو يقول أي أبو يوسف يقول:
م: (هو يقول: إن ملك الوارث ملك المورث) ش: لكون الوراثة خلافه، ولهذا يرد بالعيب ويرد عليه به، وإذا كان كذلك م: (فصارت الشهادة بالملك للمورث شهادة به) ش: أي بالملك م: (للوارث) .
م: (وهما) ش: أي أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (يقولان: إن ملك الوارث متجدد في
стр. 4575
في حق العين حتى يجب عليه الاستبراء في الجارية الموروثة، ويحل الوارث الغني ما كان صدقة على المورث الفقير، فلا بد من النقل، إلا أنه يكتفى بالشهادة على قيام ملك المورث وقت الموت لثبوت الانتقال ضرورة، وكذا على قيام يده على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وقد وجدت الشهادة على اليد في مسألة الكتاب لأن يد المستعير والمودع والمستأجر قائمة مقام يده، فأغنى ذلك عن الجر والنقل. وإن شهدوا أنها كانت في يد فلان مات وهي في يديه جازت
ــ
[البناية]
حق العين حتى يجب عليه) ش: أي على الوارث م: (الاستبراء في الجارية الموروثة، ويحل الوارث الغني ما كان صدقه على المورث الفقير) ش: وإن كان المورث غنيا، فلما كان ملكه متجددا، فلا بد من إثبات الملك له ابتداء وهو معنى قوله م: (فلا بد من النقل) ش: بأن يقول الشهود: إنه مات وترك هذا الشيء ميراثا لهذا لئلا يكون استصحاب الحال مثبتا.
م: (إلا أنه يكتفي بالشهادة) ش: هذا استثناء من قوله: لا بد من النقل، يعني عندهما لا بد من الجر والنقل إلا أن الشهادة يكتفى بها م: (على قيام ملك المورث وقت الموت لثبوت الانتقال ضرورة، وكذا على قيام يده) ش: أي يكتفى بالشهادة على قيام يده عند الموت؛ لأن اليد حينئذ تصير يد ملك بالضمان.
لأن الظاهر من حال من حضره الموت أن يسوي أسبابه ويعطي ما كان عنده من الودائع والغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر أن ما في يده ملكه والأمانات تصير مضمونة بالتحصيل بأن مات ولم يبين أنها وديعة فلان؛ لأنه حينئذ ترك الحفظ وهو متعة يجب الضمان به. وإذا ثبت هذا لمن قام بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها أو أودعها الذي في يده، فإنه يأخذها ولا يكلف البينة أنه مات وتركها ميراثا له بالاتفاق.
أما عند أبي حنيفة ﵀: فلأنه لا يوجب الجر في الشهادة. وأما عندهما فلأن قيام اليد عند الموت يغني عن الجر م: (على ما نذكره إن شاء الله تعالى) ش: هذا إشارة إلى ما نذكره عن قريب بقوله: لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك.
م: (وقد وجد الشهادة على اليد في مسألة الكتاب) ش: أي هذا الكتاب وهي المسألة التي ذكرها عقيب الفصل بقوله: ومن أقام بينة على دار بها كانت لأبيه..... إلى آخرها، والحاصل: أنه أشار بهذا إلى أن هذه المسألة متفق عليها، وأشار إلى بيان وجهها بقوله م: (لأن يد المستعير والمودع) ش: بفتح الدال م: (والمستأجر) ش: بكسر الجيم ويد المستأجر م: (قائمة مقام يده) ش: أي يدأب المدعي الذي أقام بينة أنها كانت لأبيه م: (فأغنى ذلك) ش: إلى قيام يده عند الموت م: (عن الجر والنقل) .
م: (وإن شهدوا أنها) ش: أي أن هذه الدار م: (كانت في يد فلان مات وهي في يديه، جازت
стр. 4576
الشهادة؛ لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان والأمانة تصير مضمونة بالتجهيل، فصار بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت. وإن قالوا لرجل حي نشهد أنها كانت في يد المدعي منذ أشهر لم تقبل. وعن أبي يوسف ﵀ أنها تقبل؛ لأن اليد مقصودة كالملك، ولو شهدوا أنها كانت ملكه تقبل، فكذا هذا، فصار كما إذا شهدوا بالأخذ من المدعي. وجه الظاهر وهو قولهما أن الشهادة قامت بمجهول؛ لأن اليد منقضية
ــ
[البناية]
الشهادة) ش: قال الأترازي ﵀: قوله " وإن شهدوا أنها كانت في يد فلان " أي يد أبيه، وصرح صدر الشهيد ﵀ في " شرح الجامع الصغير " حيث قال: وإن شهدوا أنها كانت في يد أبيه مات وهي في يده جازت الشهادة؛ م: (لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان) ش: لأنهم لما شهدوا له باليد وقت الموت فلا يخلو إما أن يكون يد ملك أو يد أمانة فإن كانت يد ملك فلا شك، وإن كانت يد غصب تصير يد ملك بالضمان، وإن كانت أمانة تصير يد غصب بالتجهيل وهو معنى قوله م: (والأمانة تصير مضمونة بالتجهيل) ش: فيصير يد ملك م: (فصار) ش: أي قول الشاهد بأنها كانت في يده وقت الموت م: (بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت) ش: فيثبت النقل إلى الورثة بالضرورة. وروي عن الحسن: أنها لا تقبل؛ لأنهم شهدوا بيد منقضية، والأصح أنها تقبل لما مر.
م: (وإن قالوا لرجل حي:) ش: ذكر هذه المسألة استطرادا، إذ هي ليست من باب الميراث، أي وإن قال الشهود لرجل حي، يعني إذا كانت الدار في يد رجل حي، فادعاها رجل آخر، وليست الدار في يده، فقالوا: إنها له فشهدوا أنها له وقيد بقوله " حي "؛ لأنهم لو شهدوا للميت بأنها كانت في يده وقت الموت تقبل بالإجماع، وقيد بقوله: م: (نشهد أنها كانت في يد المدعي) ش: لأنهم لو شهدوا أنها كانت له تقبل بالإجماع، كذا في " قاضي خان ﵀ "، وقوله م: (منذ أشهر) ش: وجوده كعدمه؛ لأن الخلاف ثابت فيما لم يذكره م: (لم تقبل) ش: أي هذه الشهادة.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنها تقبل؛ لأن اليد مقصودة كالملك) ش: إذا ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيد فكذا في اليد م: (ولو شهدوا أنها كانت ملكه تقبل، فكذا هذا فصار) ش: هذا م: (كما إذا شهدوا بالأخذ من المدعي) ش: يعني لو شهدوا أنها كانت في المدعي، وأخذها المدعى عليه الذي هو صاحب اليد يقبل الشهادة وترد الدار إلى المدعي، وكذا إذا اقر المدعى عليه بأنها كانت في يد المدعي ترد على ما ذكر في الكتاب.
م: (وجه الظاهر وهو قولهما) ش: أي قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: م: (أن الشهادة قامت بمجهول؛ لأن اليد منقضية) ش: أي زائلة، يعني يد المدعي زائلة في الحال، وليست بقائمة
стр. 4577
وهي متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان، فتعذر القضاء بإعادة المجهول؛ بخلاف الملك لأنه معلوم غير مختلف، وبخلاف الأخذ؛ لأنه معلوم وحكمه معلوم وهو وجوب الرد ولأن يد ذي اليد معاين ويد المدعي مشهود به، وليس الخبر كالمعاينة وإن أقر بذلك المدعى عليه دفعت إلى المدعي؛ لأن الجهالة في المقربة لا تمنع صحة الإقرار. وإن شهد شاهدان أنه أقر أنها كانت في يد المدعي دفعت إليه؛ لأن المشهود به هاهنا الإقرار وهو معلوم.
ــ
[البناية]
حتى تحمل على الملك باعتبار الظاهر م: (وهي) ش: أي اليد م: (متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان) ش: فإذا كان كذلك كانت مجهولة.
م: (فتعذر القضاء بإعادة المجهول) ش: تعذر الحكم بإعادتها مع قيام الجهالة م: (بخلاف الملك لأنه معلوم غير مختلف، وبخلاف الأخذ؛ لأنه معلوم وحكمه معلوم وهو وجوب الرد) ش: كيف ما كان.
قال ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترد» م: (ولأن يد ذي اليد معاين، ويد المدعي مشهود به) ش: والشهادة خبر.
م: (وليس الخبر كالمعاينة) ش: لاحتمال زوال اليد بعد ما كانت والمعاين راجح؛ لأن المعاينة توجب العلم والشهادة عليه الظن، فما كان موجبا للعلم أولى، قال: ليس في كثير من النسخ لفظ قال م: (وإن أقر بذلك المدعى عليه) ش: أي أقر بأن الدار في يد المدعي م: (دفعت إلى المدعي؛ لأن الجهالة في المقر به لا تمنع صحة الإقرار) ش: بل يجب عليه بيانه كما لو أقر لفلان بشيء يجب عليه بيانه.
م: (وإن شهد شاهدان أنه أقر) ش: أي المدعى عليه أقر م: (أنها كانت في يد المدعي دفعت إليه؛ لأن المشهود به ها هنا الإقرار وهو معلوم) ش: أي المشهود به وهو الإقرار معلوم، والمجهول هو المقر به والجهالة فيه ليست بمانعة لصحة الإقرار.
стр. 4578
باب الشهادة على الشهادة قال: الشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة، وهذا استحسان لشدة الحاجة إليها، إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض، فلو لم تجز الشهادة على الشهادة أدى إلى إتواء الحقوق. ولهذا جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت، إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية، أو من حيث أن فيها زيادة احتمال،
ــ
[البناية]
[باب الشهادة على الشهادة]
[حكم الشهادة على الشهادة]
م: (باب الشهادة على الشهادة)
ش: أي هذا باب في بيان حكم الشهادة على الشهادة، ولما كانت الشهادة على الشهادة فرع شهادة الأصول استحقت التأخير؛ لأن الأصل مقدم على الفرع.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في " مختصره ": م: (الشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة) ش: أراد به غير الحدود والقصاص، وبه قال أحمد ﵀ والشافعي ﵀ في قول.
وقال مالك ﵀: يقبل في كل الحقوق سواء كان حدا أو غيره، وبه قال الشافعي ﵀ في الأصح م: (وهذا) ش: أي جواز الشهادة على الشهادة م: (استحسان لشدة الحاجة إليها) ش: والقياس يأتي بجوازها لتمكن الشبهة فيها، إذ الأخبار إذا تداولتها الألسن يتمكن فيها زيادة ونقصان، ولأن أداء الشهادة عبادة، والعبادة لا تجري فيها النيابة؛ لأنها جوزت استحسانا م: (إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض) ش: كالموت والسفر والغيبة. م: (فلو لم تجز الشهادة على الشهادة أدى إلى إتواء الحقوق) ش: أي ضياعها وهلاكها م: (ولهذا) ش: أي ولأجل إتواء الحقوق عند عدم جواز الشهادة على الشهادة م: (جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت) ش: أي الشهادة على الشهادة وإن بعدت.
م: (إلا أن فيها) ش: أي لكن في الشهادة م: (شبهة من حيث البدلية) ش: لأن البدل محالا لا يصار إليه إلا عند العجز عن الأصل، وهذه كذلك، فإن قيل: لو كان فيها معنى البدلية ينبغي أن لا يجوز الجمع بين الأصل والفرع، فإن القاضي لو قضى بشاهد أصل وشاهدين فرعين يجوز، وتكميل الجمع بين الأصل بالخلف لا يجوز كما في الوضوء والتيمم، ذكره في " الكافي ".
أجيب: بأن البدلية إنما هي في المشهود به، فشهادة الفروع هي شهادة الأصول، والمشهود به بشهادة الأصول هو ما عاينوه مما يدعيه المدعي، وإذا كان كذلك لم يكن شهادة الفروع بدلا عن شهادة الأصول فلم يمنع إتمام الأصول بالفروع م: (أو من حيث أن فيها زيادة احتمال) ش: معطوف على قوله من حيث البدلية، يعني أن فيها شبهة من حيث إن فيها زيادة احتمال، فإن في شهادة
стр. 4579
وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص.
وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين . وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا الأربع على كل أصل اثنان؛ لأن كل شاهدين قائمان مقام شاهد واحد، فصار كالمرأتين. ولنا قول علي ﵁: لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين،
ــ
[البناية]
الأصول تهمة الكذب لعدم العصمة، وفي شهادة الفروع تلك التهمة مع زيادة تهمة كذبهم. م: (وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود) ش: يعني بشهود الأصل م: (فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص) ش: فالشافعي ﵀ في قول يوافقنا في الحدود لا في القصاص.
فإن قيل: ذكر في " المبسوط ": أن الشاهدين لو شهدا على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلانا حدا في قذف تقبل حتى يرد شهادة فلان.
قلنا: المشهود به فعل القاضي لا نفس الحد، وفعل القاضي مما يثبت بالشبهات، وإنما الذي لا يثبت مع الشبهات إلا يناب لموجب العقوبة وإقامة القاضي حد القذف ليس بسبب موجب للعقوبة.
فإن قيل: أليس أن إقامة الحد مسقط للشهادة بطريق العقوبة؟.
قلنا: لا، ولكن رد شهادة من تمام الحد، فيكون ما هو السبب الموجب للحد وهو القذف.
[شهادة شاهدين على شهادة شاهدين]
م: (وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا الأربع على كل أصل اثنان) ش: أي شاهدان من الأربع، وبه قال عبد الملك المالكي ﵀، واختاره المزني ﵀، م: (لأن كل شاهدين قائمان مقام شاهد واحد) ش: فلا تتم حجة القضاء بشهادتهما.
م: (ولنا قول علي ﵁ لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين) ش: هذا غريب، يعني لم يثبت، والذي روي عن علي ﵁ ما رواه عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه " أخبرنا إبراهيم بن أي يحيى الأسلمي، عن حسين، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: " لا يجوز على شهادة الميت إلا رجلين ".
وقال الأترازي ﵀: ولنا ما روى أصحابنا في كتبهم عن علي ﵁ أنه جوز شهادة رجلين على شهادة رجل إلا شهادة رجلين، وجه الاستدلال بذلك: أن عليا ﵁ جوز شهادة رجلين على شهادة رجل، على شهادة رجل آخر، ولم يشترط أن
стр. 4580
ولأن نقل شهادة الأصل من الحقوق فهما شهدا بحق ثم شهدا بحق آخر، فتقبل. ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد لما روينا، وهو حجة على مالك ﵀ ولأنه حق من الحقوق، فلا بد من نصاب الشهادة،
وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: أشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان بن فلان أقر عندي بكذا، وأشهدني على نفسه؛ لأن الفرع كالنائب عنه، فلا بد من التحميل والتوكيل على ما مر، ولا بد أن يشهد كما يشهد عند القاضي
ــ
[البناية]
يكون بإزاء كل أصل فرعان على حدة [......] إطلاقه على جواز شهادة الفرعين جميعا على شهادة الأصلين، ولم يرد عن غير علي ﵁ خلافه، فحل محل الإجماع. قلت: فيه تأمل. م: (ولأن نقل شهادة الأصل من الحقوق) ش: يعني حق من الحقوق، إذ طريق جواز الشهادة على الشهادة نقل الشهادة م: (فهما شهدا بحق ثم شهدا بحق آخر) ش: فكمل نصاب الشهادة م: (فتقبل) ش: لكمال النصاب.
م: (ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد لما روينا) ش: أي من قول علي ﵁ م: (وهو) ش: أي قول علي ﵁ م: (حجة على مالك ﵀) ش: فإنه قال في كتبنا: وقال مالك ﵀: يجوز شهادة الواحد على شهادة الواحد، ولكن ذكر في " جواهر المالكية ": لا يجوز، وكذا ذكر في " الحلية "، فإذا كان كذلك كيف يكون قول علي ﵁ حجة على مالك ﵀ وفي " الحلية ": أنه على قول أحمد ﵀ وابن أبي ليلي وعبد الله بن شبرمة والحسن البصري وعبد الله بن الحسن العنبري وعثمان البتي وإسحاق ﵏. يثبت بشهادة واحد شهادة الأصل الواحد، لأن الفرع قائم مقام الأصل م: (ولأنه) ش: أي ولأن نقل الشهادة م: (حق من الحقوق، فلا بد من نصاب الشهادة) ش: إذ النصاب شرط فلا بد منه.
[صفة الإشهاد في الشهادة على الشهادة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: أشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان بن فلان أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه؛ لأن الفرع كالنائب عنه) ش: أي عن الأصل، وإنما قال كالنائب، ولم يقل نائب عنه؛ لأنه لو كان نائبا عنه حقيقة، لما جاز الجمع عند فرعين، وأصل بيانه أن للقاضي أن يقضي بشهادة أصل واحد وفرعين عن أصل آخر. ولو كان الفرع نائبا حقيقة لما جاز الجمع بين الأصل والخلف، كما لا يجوز الجمع بين الوضوء والتيمم م: (فلا بد من التحميل والتوكيل) ش: لأن الشهادة على الشهادة إنما تصير حجة بنقل شهادة الأصل م: (إلى مجلس القضاء) ش:، فلا بد من التحميل، والفرع وكيل عن الأصل فلا بد من التوكيل م: (على ما مر) ش: أي الذي مضى قبله في فصل ما يتحمله الشاهد.
م: (ولا بد أن يشهد) ش: أي الأصل م: (كما يشهد عند القاضي) ش: أي كما يشهد الأصل عند
стр. 4581
لينقله إلى مجلس القضاء، وإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز؛ لأن من سمع إقرار غيره حل له الشهادة، وإن لم يقل له أشهد، ويقول شاهد الفرع عند الأداء: أشهد أن فلانا أشهدني على شهادته أن فلانا أقر عنده بكذا، وقال لي: أشهد على شهادتي بذلك، لأنه لا بد من شهادته. وذكر شهادة الأصل وذكر التحميل، ولها لفظ أطول من هذا، وأقصر منه وخير الأمور أوسطها.
ــ
[البناية]
القاضي بلا تفاوت في القول، بأن يقول إني أشهد أن فلان ابن فلان أقر عندي بكذا فأشهد أنت على شهادتي م: (لينقله إلى مجلس القضاء) ش: أي لينقل الفرع إلى ما أشهده الأصل إلى مجلس القاضي م: (وإن لم يقل) ش: أي الأصل عند الفرع م: (أشهدني على نفسه) ش: أي المقر أو المدعى عليه م: (جاز لأن من سمع إقرار غيره حل له الشهادة وإن لم يقل له:) ش: أي وإن لم يقل الغير م: (أشهد) ش: علي.
م: (قال:) ش: أي القدوري ﵀: م: (ويقول شاهد الفرع عند الأداء أشهد أن فلانا أشهدني على شهادته أن فلانا أقر عنده بكذا، وقال لي أشهد على شهادتي بذلك لأنه لا بد من شهادته) ش: أي شهادة الفرع م: (وذكر شهادة الأصل وذكر التحميل) ش: أما شهادة الأصل فلا بد له ثم يخبر بعد ذلك بصفة ما نفع عليه شهادته وهو التحميل.
م: (ولها) ش: أي لشهادة الفرع عند الأداء م: (لفظ أطول من هذا) ش: أي من الذي ذكره القدوري ﵀ وهو كما قال الخصاف وغيره: إن الفرع يقول عند القاضي أشهد أن فلانا شهد عندي أن لفلان على فلان كذا من المال وأشهدني على شهادته، وأمرني أن أشهد على شهادته، وأنا أشهد على شهادته بذلك الآن، فيحتاج إلى ثمان شيئات، واختاره أبو الليث ﵀ وأستاذه أبو جعفر الهندواني ﵀.
وفيما ذكر في الكتاب خمس شيئات واختاره الحلواني م: (وأقصر منه وخير الأمور أوسطها) ش: وهذا أن يقول الفرع: أشهد على شهادة فلان بكذا جاز فيه شيئان، واختاره أبو الليث ﵀ وأستاذه أبو جعفر الهندواني ﵀ وهكذا حكى فتوى السرخسي ﵀ وهكذا ذكر محمد ﵀ في " السير الكبير "، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وذكر الخصاف أنه يكفي ثلاث شيئات في الإشهاد، وست في الأداء، وهو أن يقول في الإشهاد: أشهد أن فلانا أقر عندي لفلان بكذا، فأشهد عندي أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته إلا أن أنا أشهد على شهادة أن لفلان على فلان كذا، وهذا معنى ما قاله في " نظم الجامع "، ويؤتي بشيئات ثلاث لحملها، وبالست في حال الأداء مردود.
وفي " الفتاوى الصغرى ": شهود الفرع يجب أن يذكروا أسماء الأصول وأسماء آبائهم وأجدادهم حق لو قالا للقاضي: نشهد أن رجلين نعرفهما أشهدانا على شهادتهما، يشهدان
стр. 4582
ومن قال أشهدني فلان على نفسه، لم يشهد السامع على شهادته حتى يقول له: أشهد على شهادتي لأنه لا بد من التحميل. وهذا ظاهر عند محمد؛ لأن القضاء عنده بشهادة الفروع والأصول جميعا حتى اشتركوا في الضمان عند الرجوع، وكذا عندهما؛ لأنه لا بد من نقل شهادة الأصول لتصير حجة، فيظهر تحميل ما هو حجة. قال: ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا،
ــ
[البناية]
بكذا، وقالا للقاضي: لا نسميها لك أو قالا: لا نعرف اسما لهما، لم تقبل حتى يسميا؛ لأنهما تحملا مجازفة لا عن معرفة.
[قال أشهدني فلان على نفسه في شهادة الأصول على الفروع]
م: (ومن قال: أشهدني فلان على نفسه، لم يشهد السامع على شهادته حتى يقول له: أشهد على شهادتي؛ لأنه لا بد من التحميل. وهذا هو ظاهر عند محمد لأن القضاء عنده بشهادة الفروع والأصول جميعا حتى اشتركوا في الضمان عند الرجوع) ش: يعني اشتراكهم في الضمان أن المشهود عليه بالخيار بين تضمين الأصول وبين تضمين الفروع، فليس معناه أن يقضي بنصف الضمان على الأصول وبنصفه على الفروع، بل هذا كالغاصب مع غاصب الغاصب.
وفي " الذخيرة ": لو ضمن الفروع لا يرجعون على الأصول كما في الغصب، وإن ضمن الأصول لا يرجعون على الفروع بخلاف لو ضمن الغاصب حتى رجع على غاصب الغاصب.
م: (وكذا عندهما) ش: أي وكذا عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀: لا بد من التحميل. إن كان القضاء مضافا إلى الفروع حتى وجب الضمان على الفروع، خاصة عند رجوع الأصول والفروع جميعا فلا بد من التحميل.
وليس للفروع أن ينقلوا شهادتهم بدون تحميلهم م: (لأنه لا بد من نقل شهادة الأصول لتصير حجة، فيظهر تحميل ما هو حجة) ش: أي يظهر بالنقل تحمل ما هو حجة، ولولا التحميل لم يوجد الفعل والنقل إلى مجلس القاضي حجة حتى يتبين أنهم تحملوا ما هو حجة، والنقل لا بد له من التحميل والتوكيل.
قوله: م: (فيظهر) ش: بالنصب لأنه جواب النفي، وهو قوله: لا بد. ويجوز أن يكون معطوفا على قوله: ليصير وهذا أظهر.
[شهادة شهود الفرع]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا) ش: قدر الغيبة بمدة السفر لتعلق الأحكام بمدة السفر كقصر الصلاة والإفطار في العموم وابتداء مسح الخف، وكتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة ﵀ والأضحية والجمعة، وخروج المرأة بلا محرم، به قال الشافعي ﵀ في قول
стр. 4583
أو يمرضوا مرضا لا يستطيعون معه حضور مجلس الحكم؛ لأن جوازها للحاجة، وإنما تمس عند عجز الأصل. وبهذه الأشياء يتحقق العجز، وإنما اعتبرنا السفر لأن المعجز بعد المسافة ومدة السفر بعيدة حكما حتى أدير عليها عدة من الأحكام فكذا سبيل هذا الحكم، وعن أبي يوسف ﵀ أنه إن كان في مكان لو غدا لأداة الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله صح الإشهاد إحياء لحقوق الناس. قالوا الأول أحسن، والثاني أرفق. وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
ــ
[البناية]
أحمد في رواية، م: (أو يمرضوا مرضا لا يستطيعون معه) ش: أي مع المرض م: (حضور مجلس الحكم؛ لأن جوازها للحاجة) ش: أي لأن جواز الشهادة على الشهادة لأجل حاجة الناس مع أن القياس يأباها م: (وإنما تمس) ش: أي الحاجة م: (عند عجز الأصل) ش: أي شهود الأصل.
م: (وبهذه الأشياء) ش: وهي الموت والغيبة والمرض م: (يتحقق العجز، وإنما اعتبرنا السفر) ش: أي مدة السفر في الغيبة م: (لأن المعجز) ش: اسم فاعل من التعجيز م: (بعد المسافة ومدة السفر بعيدة حكما) ش: أي من حيث الحكم م: (حتى أدير عليها) ش: أي على مدة السفر م: (عدة من الأحكام) ش: وهي التي ذكرناها الآن م: (فكذا سبيل هذا الحكم) ش: أي حكم غيبة شهود الأصل.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه) ش: أي الشاهد القرى م: (إن كان في مكان لو غدا) ش: أي أذهب بكرة النهار م: (لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله) ش: بعد الرواح من مجلس القاضي م: (صح الإشهاد إحياء لحقوق الناس) ش:، وبه قال الشافعي ﵀ في قول، وأحمد ﵀ في رواية.
وقال مالك ﵀: لو كان بمكان لا يلزمه الحضور، وقال بعض أصحاب مالك: لا ينقل في الحدود والأغيبة بعيدة، فأما اليومان والثلاثة فلا، إلا المرأة، فإنه ينقل عنهما مع حضورها في البلد.
وفي " الذخيرة ": روي عن محمد ﵀ أنه يجوز كيف ما كان، حتى إذا كان الأصل في رواية المسجد، والفرع في رواية أخرى من ذلك المسجد تقبل، وقال شمس الأئمة السرخسي والسعدي - رحمهما الله - في " شرح أدب القاضي " للخصاف: شهادة الفروع والأصول في المصر يجب أن يجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة: لا يجوز في " الفتاوى الصغرى ". قال محمد ﵀: أقبل الشهادة على الشهادة والشهود على شهادتهم في المصر من غير مرض ولا علة.
م: (قالوا) ش: أي المشايخ ﵏: م: (الأول) ش: أي التقدير بثلاثة أيام م: (أحسن) ش: لأن العجز شرعا يتحقق فيه م: (والثاني) ش: وهو قول أبي يوسف ﵀: م: (أرفق) ش: لأن فيه رفقا بالناس م: (وبه) ش: أي وبالثاني م: (أخذ الفقيه أبو الليث) ش: وكثير من المشايخ
стр. 4584
قال: فإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز؛ لأنهم من أهل التزكية،
وكذا إذا شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر صح لما قلنا غاية الأمر أن فيه منفعة له من حيث القضاء بشهادته، لكن العدل لا يتهم بمثله، كما لا يتهم في شهادة نفسه، كيف وإن قوله مقبول في حق نفسه، وإن ردت شهادة صاحبه فلا تهمة. قال: وإن سكتوا عن تعديلهم جاز. وينظر القاضي في حالهم، وهذا عند أبي يوسف ﵀: وقال محمد ﵀: لا تقبل لأنه لا شهادة إلا بالعدالة. فإذا لم يعرفوها، لم ينقلوا الشهادة فلا تقبل.
ــ
[البناية]
﵏.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز) ش: بنصب شهود الأصل على المفعولية، وشهود الفرع بالرفع على الغائبة، أي عدل الفروع الأصول جاز بإجماع الأئمة الأربعة ﵃ م: (لأنهم) ش: أي لأن شهود الأصل م: (من أهل التزكية) ش: فحينئذ لا فرق بين تزكيتهم وتزكية غيرهم.
وذكر الخصاف ﵀: يسأل القاضي للفروع عن الأصول، ولا يقضي قبل السؤال، فإن عدلوهم ثبتت عدالتهم في ظاهر الرواية، وعن محمد ﵀ لا تثبت عدالتهم بتعديل الفروع؛ لأن فيه تقبل بشهادة أنفسهم، الصحيح ظاهر الرواية لأن العدل لا يتهم بمثله.
[شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر]
م: (وكذا) ش: أي كذا الحكم م: (إذا شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر صح لما قلنا) ش: أراد به قوله أنه من أهل التزكية م: (غاية الأمر أن فيه) ش: أي غاية ما يرد فيه من أمر الشهادة أن يقال ينبغي أن لا يصح تعديله؛ لأنه متهم بسبب تعينه أي تعديله م: (منفعة له من حيث القضاء بشهادته، لكن العدل لا يتهم بمثله كما لا يتهم في شهادة نفسه، كيف وإن قوله:) ش: أي لا يصح تعديل الفرع بالأصل والحال أن قوله م: (مقبول في حق نفسه وإن ردت شهادة صاحبه) ش: حتى إذا انضم إليه غيره من العدول، حكم القاضي بشهادتهما، وإذا كان الأمر كذلك م: (فلا تهمة) ش: حينئذ.
م: (قال: وإن سكتوا عن تعديلهم) ش: أي وإن سكت الفروع عن تعديل الأصول م: (جاز) ش: أي شهادة الفروع م: (وينظر القاضي في حالهم) ش: أي في حال شهود الأصل، يعني ينظر القاضي عن عدالة شهود الأصل عن شهود الفرع م: (وهذا) ش: أي وهذا المذكور م: (عند أبي يوسف ﵀) .
م: (وقال محمد ﵀: لا تقبل لأنه لا شهادة إلا بالعدالة، فإذا لم يعرفوها) ش: أي إذا لم يعرف الفروع عدالة الأصول م: (لم ينقلوا الشهادة فلا تقبل) ش: كما لو شهدوا على من لا
стр. 4585
ولأبي يوسف ﵀ أن المأخوذ عليهم النقل دون التعديل؛ لأنه قد يخفى عليهم. وإذا نقلوا يتعرف القاضي العدالة كما إذا حضروا بأنفسهم وشهدوا. قال: وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة شهود الفرع؛ لأن التحميل لم يثبت للتعارض بين الخبرين، وهو شرط.
وإذا شهد رجلان على شهادة رجلين على فلانة بنت فلان الفلانية بألف درهم، وقالا: أخبرانا أنهما يعرفانها، فجاء بامرأة، وقالا: لا ندري أهي هذه أم لا، فإنه يقال للمدعي: هات شاهدين يشهدان أنها فلانة؛ لأن الشهادة على المعرفة بالنسبة قد تحققت،
ــ
[البناية]
يعرفون عقله م: (ولأبي يوسف ﵀: أن المأخوذ عليهم) ش: أي أن الواجب عل شهود الفرع م: (النقل دون التعديل لأنه) ش: أي لأن التعديل م: (قد يخفى عليهم) ش: فيرجع الأمر إلى القاضي.
م: (وإذا نقلوا) ش: أي شهادتهم م: (يتعرف القاضي العدالة) ش: أي يتكلف في السؤال عن عدالتهم م: (كما إذا حضروا) ش: أي شهود الأصل م: (بأنفسهم وشهدوا) ش: قال القاضي: يتعرف عدالتهم فكذا هذا، وإذا قالوا: لا نعرف أن الأصول عدول أو لا؟ قال السعدي ﵀: وهذا وقولهم لأخبرك سواء فإذا قالوا لا نخبرك لا يقبل القاضي شهادتهم ويسأل من غيرهم عن حال الأصول، وهو الصحيح.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة شهود الفرع) ش: وفي " الكافي " معنى المسألة أنهم قالوا: ما لنا شهادة على هذه الحادثة وماتوا أو غابوا ثم جاء الفروع يشهدون على شهادتهم بهذه الحادثة أما مع حضورهم فلا يلتفت إلى شهادة الفروع وإن لم ينكروا م: (لأن التحميل لم يثبت للتعارض بين الخبرين) ش: أي بين خبر الفروع وخبر الأصول م: (وهو) ش: أي التحميل م: (شرط) ش: لصحة شهادة الفروع.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا شهد رجلان على شهادة رجلين على فلانة بنت فلان الفلانية بألف درهم، وقالا) ش: أي قال الفرعان: م: (أخبرانا) ش: أي الأصلان م: (أنهما) ش: أي أن الأصلين م: (يعرفانها) ش: أي يعرفان فلانة م: (فجاء بامرأة) ش: أي فجاء الفرعان بامرأة، وقال الأترازي ﵀: فجاء بامرأة بتوحيد الفعل، أي فجاء المدعي بامرأة في بعض النسخ فجاء بلفظ التثنية م: (وقالا) ش: أي الفرعان م: (لا ندري أهي هذه) ش: أي فلانة هذه م: (أم لا فإنه) ش: أي فإن الشأن م: (يقال للمدعي هات شاهدين يشهدان) ش: بكسر التاء، يقال هات يا رجل أي أعطني، وللمرأة هاتي بالياء. وذكر الجوهري في الأجوف اليائي وبه قال الخليل م: (أنها فلانة؛ لأن الشهادة على المعرفة) ش: على وزن اسم المفعول من التعريف م: (بالنسبة قد تحققت) ش: كما تحملوها، فصح الفعل. ولكن قولهم: لا ندري هي هذه أم لا يوجب جرحا في شهادتهم.
стр. 4586
والمدعي يدعي الحق على الحاضرة، ولعلها غيرها، فلا بد من تعريفها بتلك النسبة، ونظير هذا إذا تحملوا الشهادة ببيع محدودة بذكر حدودها، وشهدوا على المشتري لا بد من آخرين يشهدان على أن المحدود بها في يد المدعى عليه. وكذا إذا أنكر المدعى عليه أن الحدود المذكورة في الشهادة حدود ما في يديه. قال: وكذا كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه في معنى الشهادة على الشهادة إلا أن القاضي
ــ
[البناية]
م: (والمدعى يدعي الحق على الحاضرة، ولعلها غيرها) ش: أي ولعل للمرأة الحاضرة غير تلك المرأة فوجب التوقف م: (فلا بد من تعريفها) ش: أي من تعريف المرأة الحاضرة م: (بتلك النسبة) ش: المذكورة، وهي أن يأتي المدعي بشاهدين يشهدان أن الحاضرة فلانة بنت فلان الفلانية المعروفة بتلك النسبة.
م: (ونظير هذا) ش: نظير حكم المسألة المذكورة م: (إذا تحملوا الشهادة) ش: أي إذا تحملت جماعة الشهادة م: ببيع محدودة بذكر حدودها وشهدوا على المشتري) ش: بعدما أنكر أن يكون الحدود بها في يده م: (لا بد من آخرين يشهدان على أن الحدود بها في يد المدعى عليه) ش: توضيحه ما قال العتابي ﵀ وغيره: نظيره إذا ادعى رجل على رجل محدوداً في يده، وشهد شهوداً أن هذه الحدود المذكورة بهذه الحدود.
ملك هذا المدعي في يد المدعى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه: الذي في يدي غير محدود بهذه الحدود التي ذكرها الشهود، فيقال للمدعي هات شاهدين أن الذي في يديه محدودة بهذه الحدود ليصح القضاء.
م: (وكذا إذا أنكر المدعى عليه أن الحدود المذكورة في الشهادة حدود ما في يديه) ش: قال التمرتاشي ﵀: يعني لو قال المدعي: إن المذكور بهذه الحدود ملكه في يد المدعى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه: الذي في يد غيره محدود بهذه الحدود، فلا بد من شاهدين آخرين يشهدان أن الحدود المذكورة حدود ما في يده ليصح القضاء م: (قال: وكذا كتاب القاضي إلى القاضي) ش: يعني كتب في كتابه شهد عدلان لأن، عندي أن لفلان ابن فلان الفلاني على فلانة بنت فلان الفلاني كذا، فاقض عليها أنت بذلك، فأحضر المدعي امرأة في مجلس المكتوب إليه، ودفع الكتاب إليه وأنكرته أنها فلانة يقول القاضي: هات شاهدين يشهدان أن هذه التي أحضرتها هي الفلانية المذكورة بهذا الكتاب تمكن الإشارة إليها في القضاء م: (لأنه) ش: أي لأن كتاب القاضي إلى القاضي م: (في معنى الشهادة على الشهادة) .
م: (إلا أن القاضي) ش: جواب إشكال مقدر هو أن يقال: إن القاضي الكاتب بمنزلة الشاهد الفرعي سمع الشهادة من الشاهدين، ونقل شهادتهما بالكتاب، فصار كأنه حضر مجلس
стр. 4587
لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل.
ولو قالوا في هذين البابين التميمية لم يجز حتى ينسبوها إلى فخذها وهي القبيلة الخاصة، هذا لأن التعريف لا بد منه في هذا، ولا يحصل بالنسبة إلى العامة، وهي عامة بالنسبة إلى بني تميم، لأنهم قوم لا يحصون ويحصل بالنسبة إلى الفخذ لأنها خاصة. وقيل: الفرغانية نسبة عامة والأوزجندية خاصة. وقيل: السمرقندية والبخارية عامة،
ــ
[البناية]
المكتوب إليه وشهد.
وهناك يشترط اثنان، فلذلك ينبغي أن يشترط في القاضي الكاتب أن يكون اثنين، فأجاب بقوله - إلا أن القاضي.... إلى آخره، تقديره أن القاضي م: (لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل) ش: فلا يشترط به قاض آخر.
م: (ولو قالوا:) ش: أي الشهود م: (في هذين البابين) ش: أي باب الشهادة على الشهود وباب كتابة القاضي فلانة بنت فلان م: التميمية) ش: أي المنسوبة إلى بني تميم م: (لم يجز) ش: أي الشهادة م: (حتى ينسبوا إلى فخذها وهي القبيلة الخاصة) ش: يعني التي لا خاصة دونها أي المنسوبة، أي الشهادة حتى إلى فخذ الخاصة، يعني التي لا خاصة فوقها.
وقال في " الصحاح ": الفخذ آخر القبائل الست، أولها الشعب، ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وقال في غيره. إن الفضيلة بعد الفخذ، فالشعب بكسر الشين تجمع القبائل، والقبائل تجمع العمائر، والعمارة بكسر العين تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ بسكون الخاء لجمع الفصائل، خذيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
م: (وهذا) ش: أي عدم الجواز م: (لأن التعريف لا بد منه في هذا، ولا يحصل) ش: أي التعريف م: (بالنسبة العامة، وهي) ش: أي التميمية م: (عامة بالنسبة إلى بني تميم؛ لأنهم قوم لا يحصون ويحصل) ش: أي التعريف م: (بالنسبة إلى الفخذ لأنها خاصة) ش: المصنف فسر الفخذ بالقبيلة الخاصة، وفسر العتابي بالأب الأعلى الذي ينسب أبوها إليه.
م: (وقيل: الفرغانية نسبة عامة والأوزجندية خاصة) ش: أي الفرغانية نسبة إلى فرغانة بفتح الفاء وسكون الراء وبالغين المعجمة بعدها ألف ونون وهاء، اسم لإقليم فيما وراء النهر وفيها مدن كثيرة وفيها سكك منها أوزجند، وأشار بهذا إلى أن التعريف لا يحصل بالنسبة العامة؛ لأن الفرغانية عامة بالنسبة إلى الأوزجندية؛ لأن فرغانة فيها نساء كثير اتحدت أساميهن وأسامي آباءهن، بخلاف الأوزجندية فإنها خاصة؛ لأن أوزجند اسم حارة خاصة.
م: (وقيل: السمرقندية والبخارية عامة) ش: يعني النسبة إلى سمرقند أو إلى بخارى عامة،
стр. 4588
وقيل: إلى السكة الصغيرة خاصة وإلى المحلة الكبيرة والمصر عامة، ثم التعريف وإن كان يتم بذكر الجد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف ﵀ على ظاهر الروايات، فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لأنه اسم الجد الأعلى، فنزل منزلة الجد الأدنى والله أعلم.
ــ
[البناية]
وكل واحدة منهما فيما وراء النهر وهما مشهورتان، والنسبة إلى كل واحدة منهما عامة.
م: (وقيل: إلى السكة الصغيرة) ش: أي النسبة إلى السكة الصغيرة م: (خاصة وإلى المحلة الكبيرة والمصر عامة) ش: حاصل الكلام إلى النسبة إلى ما هي خاصة مبنيا يحصل التعريف بخلاف النسبة إلى ما هي عامة فيها، حيث لا يحصل التعريف بها؛ لأن المحلة الكبيرة ومصر يشتمل كل منهما على ناس كثير يتحد أساميهم وأسامي آبائهم، فلا يحصل التعريف بذلك.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀: لو شهد على فلانة البلخية لا يقع بهذا التعريف ما لم ينسباها إلى محلها وسكنها، م: (ثم التعريف وإن كان يتم بذكر الجد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف ﵀ على ظاهر الروايات، فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لأنه) ش: أي لأن الفخذ م: (اسم الجد الأعلى) ش: في القبيلة الخاصة م: (فنزل منزلة الجد الأدنى والله أعلم) ش: في النسبة وهو أب الأب.
стр. 4589
فصل قال أبو حنيفة ﵀: شاهد الزور أشهره في السوق ولا أعذره. وقالا: نوجعه ضربا ونحبسه، وهو قول الشافعي ﵀. لهما ما روي عن عمر ﵁ أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه.
ــ
[البناية]
[شهادة الزور]
م: (فصل)
ش: أي هذا فصل في ذكر شهادة الزور، ذكره بفصل على حدة؛ لأن لها أحكاما مخصوصة وآخرها لأن الأصل هو الصدق.
م: (قال أبو حنيفة ﵀: شاهد الزور أشهره في السوق ولا أعذره) ش: قوله: شاهد الزور كلام إضافي مبتدأ، وقوله: أشهره خبره والجملة مقول القول م: (قالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (نوجعه ضربا) ش: بنون الجماعة وضربا على التمييز م: (ونحبسه) ش: كذلك بنون الجماعة م: (وهو) ش: أي قولهم م: (قول الشافعي ﵀) ش:، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - وعامة العلماء ﵏.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (ما روي عن عمر ﵁ أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه) ش: هذا رواه ابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه " في الحدود: حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن مكحول، عن الوليد بن مالك، أن عمر ﵁ كتب إلى عماله بالشام في الشاهد الزور يضرب أربعين سوطا ويسخم وجهه ويحلق رأسه، ويطال الحبس.
وروى عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه ": أخبرنا ابن جريج قال: حديث عن مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب شاهد الزور أربعين سوطا، قوله: سخم من التسخيم ومن السخام وهو سواد القدر.
وقال الأكمل ﵀: من السخام بالخاء المعجمة أو بالحاء المهملة من سخم وهو
стр. 4590
ولأن هذه كبيرة يتعدى ضررها إلى العباد وليس فيها حد مقدر فيعزر، وله أن شريحا كان يشهره ولا يضرب، ولأن الانزجار يحصل بالتشهير فيكتفى به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر، ولكنه يقع مانعا عن الرجوع، فوجب التحقيق نظرا إلى هذا الوجه
ــ
[البناية]
الأسود ثم قال: لا يقال الاستدلال به غير مستقيم على مذهبهما لأنهما لا يقولان بجواز التسخيم لأنه مثلة وهو غير مشروع، ولا تبليغ التعزير إلى أربعين لأن مقصودهما إثبات ما نفاه أبو حنيفة من التعزير بالضرب، فإنه يدل على أصل الضرب مشروع في التعزير، وما زاد على ذلك كان محمولا على السياسة.
م: (ولأن هذه) ش: أي شهادة الزور م: (كبيرة) ش: وعدت في الحديث الصحيح من الكبائر م: (يتعدى ضررها) ش: أي ضرر شهادة الزور م: (إلى العباد) ش: بإتلاف أموالهم م: (وليس فيها حد مقدر) ش: من حيث الشرع م: (فيعزر) ش: بالتعزير المذكور.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن شريحا) ش: وهو شريح بن الحارث الكندي القاضي ﵀ م: (كان يشهره) ش: شاهد الزور م: (ولا يضرب، ولأن الانزجار يحصل بالتشهير فيكتفى به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر، ولكنه يقع مانعا عن الرجوع) ش: فإنه إذا تصور الضرب يخاف، فلا يرجع، وفيه تضييع للحقوق م: (فوجب التحقيق نظرا إلى هذا الوجه) ش: فإن قلت: قال في " المبسوط ": شاهد الزور عندنا هو المقر على نفسه بذلك؛ لأنه لا يتمكن تهمة الكذب إلا في إقراره على نفسه ولا طريق لإثبات ذلك بالبينة عليه؛ لأنه نفى الشهادة والبينة للإثبات دون النفي.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في " مبسوطه ": شاهد الزور هو الذي يقر على نفسه بالكذب متعمدا، أو يشهد بقتل رجل ثم يجيء المشهود بقتله حيا حتى يثبت كذبه بيقين، فأما لو قال: غلطت أو أخطأت أو أردت شهادة بتهمة أو المخالفة بين الدعوى والشهادة لا يعزر أصلا.
وقال أبو محمد الكاتب ﵀: هذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن يرجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزر بلا خلاف، وإن رجع على سبيل الإقرار يعزر بالضرب بلا خلاف، وإن كان لا يعلم فعلى الاختلاف.
ثم قال: لو تاب شاهد الزور هل تقبل شهادته بعد ذلك. فعلى الوجهين: إن كان فاسقا تقبل توبته؛ لأن الذي حمله على شهادة الزور فسقه، فإذا تاب وظهرت توبته فقد زال فسقه فيقبل، ولم يعين في الكتاب مدة ظهور توبته، فقال بعض المشايخ ﵏: سنة، وقيل: ستة أشهر، والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي.
أما لو كان مستورا لا تقبل شهادته أبدا، وكذا إذا كان عدلا فشهد بالزور ثم تاب لا تقبل
следующие страницы →