Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
والمدعي يدعي الحق على الحاضرة، ولعلها غيرها، فلا بد من تعريفها بتلك النسبة، ونظير هذا إذا تحملوا الشهادة ببيع محدودة بذكر حدودها، وشهدوا على المشتري لا بد من آخرين يشهدان على أن المحدود بها في يد المدعى عليه. وكذا إذا أنكر المدعى عليه أن الحدود المذكورة في الشهادة حدود ما في يديه. قال: وكذا كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه في معنى الشهادة على الشهادة إلا أن القاضي
ــ
[البناية]
م: (والمدعى يدعي الحق على الحاضرة، ولعلها غيرها) ش: أي ولعل للمرأة الحاضرة غير تلك المرأة فوجب التوقف م: (فلا بد من تعريفها) ش: أي من تعريف المرأة الحاضرة م: (بتلك النسبة) ش: المذكورة، وهي أن يأتي المدعي بشاهدين يشهدان أن الحاضرة فلانة بنت فلان الفلانية المعروفة بتلك النسبة.
م: (ونظير هذا) ش: نظير حكم المسألة المذكورة م: (إذا تحملوا الشهادة) ش: أي إذا تحملت جماعة الشهادة م: ببيع محدودة بذكر حدودها وشهدوا على المشتري) ش: بعدما أنكر أن يكون الحدود بها في يده م: (لا بد من آخرين يشهدان على أن الحدود بها في يد المدعى عليه) ش: توضيحه ما قال العتابي ﵀ وغيره: نظيره إذا ادعى رجل على رجل محدوداً في يده، وشهد شهوداً أن هذه الحدود المذكورة بهذه الحدود.
ملك هذا المدعي في يد المدعى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه: الذي في يدي غير محدود بهذه الحدود التي ذكرها الشهود، فيقال للمدعي هات شاهدين أن الذي في يديه محدودة بهذه الحدود ليصح القضاء.
م: (وكذا إذا أنكر المدعى عليه أن الحدود المذكورة في الشهادة حدود ما في يديه) ش: قال التمرتاشي ﵀: يعني لو قال المدعي: إن المذكور بهذه الحدود ملكه في يد المدعى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه: الذي في يد غيره محدود بهذه الحدود، فلا بد من شاهدين آخرين يشهدان أن الحدود المذكورة حدود ما في يده ليصح القضاء م: (قال: وكذا كتاب القاضي إلى القاضي) ش: يعني كتب في كتابه شهد عدلان لأن، عندي أن لفلان ابن فلان الفلاني على فلانة بنت فلان الفلاني كذا، فاقض عليها أنت بذلك، فأحضر المدعي امرأة في مجلس المكتوب إليه، ودفع الكتاب إليه وأنكرته أنها فلانة يقول القاضي: هات شاهدين يشهدان أن هذه التي أحضرتها هي الفلانية المذكورة بهذا الكتاب تمكن الإشارة إليها في القضاء م: (لأنه) ش: أي لأن كتاب القاضي إلى القاضي م: (في معنى الشهادة على الشهادة) .
م: (إلا أن القاضي) ش: جواب إشكال مقدر هو أن يقال: إن القاضي الكاتب بمنزلة الشاهد الفرعي سمع الشهادة من الشاهدين، ونقل شهادتهما بالكتاب، فصار كأنه حضر مجلس
стр. 4587
لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل.
ولو قالوا في هذين البابين التميمية لم يجز حتى ينسبوها إلى فخذها وهي القبيلة الخاصة، هذا لأن التعريف لا بد منه في هذا، ولا يحصل بالنسبة إلى العامة، وهي عامة بالنسبة إلى بني تميم، لأنهم قوم لا يحصون ويحصل بالنسبة إلى الفخذ لأنها خاصة. وقيل: الفرغانية نسبة عامة والأوزجندية خاصة. وقيل: السمرقندية والبخارية عامة،
ــ
[البناية]
المكتوب إليه وشهد.
وهناك يشترط اثنان، فلذلك ينبغي أن يشترط في القاضي الكاتب أن يكون اثنين، فأجاب بقوله - إلا أن القاضي.... إلى آخره، تقديره أن القاضي م: (لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل) ش: فلا يشترط به قاض آخر.
م: (ولو قالوا:) ش: أي الشهود م: (في هذين البابين) ش: أي باب الشهادة على الشهود وباب كتابة القاضي فلانة بنت فلان م: التميمية) ش: أي المنسوبة إلى بني تميم م: (لم يجز) ش: أي الشهادة م: (حتى ينسبوا إلى فخذها وهي القبيلة الخاصة) ش: يعني التي لا خاصة دونها أي المنسوبة، أي الشهادة حتى إلى فخذ الخاصة، يعني التي لا خاصة فوقها.
وقال في " الصحاح ": الفخذ آخر القبائل الست، أولها الشعب، ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وقال في غيره. إن الفضيلة بعد الفخذ، فالشعب بكسر الشين تجمع القبائل، والقبائل تجمع العمائر، والعمارة بكسر العين تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ بسكون الخاء لجمع الفصائل، خذيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
م: (وهذا) ش: أي عدم الجواز م: (لأن التعريف لا بد منه في هذا، ولا يحصل) ش: أي التعريف م: (بالنسبة العامة، وهي) ش: أي التميمية م: (عامة بالنسبة إلى بني تميم؛ لأنهم قوم لا يحصون ويحصل) ش: أي التعريف م: (بالنسبة إلى الفخذ لأنها خاصة) ش: المصنف فسر الفخذ بالقبيلة الخاصة، وفسر العتابي بالأب الأعلى الذي ينسب أبوها إليه.
م: (وقيل: الفرغانية نسبة عامة والأوزجندية خاصة) ش: أي الفرغانية نسبة إلى فرغانة بفتح الفاء وسكون الراء وبالغين المعجمة بعدها ألف ونون وهاء، اسم لإقليم فيما وراء النهر وفيها مدن كثيرة وفيها سكك منها أوزجند، وأشار بهذا إلى أن التعريف لا يحصل بالنسبة العامة؛ لأن الفرغانية عامة بالنسبة إلى الأوزجندية؛ لأن فرغانة فيها نساء كثير اتحدت أساميهن وأسامي آباءهن، بخلاف الأوزجندية فإنها خاصة؛ لأن أوزجند اسم حارة خاصة.
م: (وقيل: السمرقندية والبخارية عامة) ش: يعني النسبة إلى سمرقند أو إلى بخارى عامة،
стр. 4588
وقيل: إلى السكة الصغيرة خاصة وإلى المحلة الكبيرة والمصر عامة، ثم التعريف وإن كان يتم بذكر الجد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف ﵀ على ظاهر الروايات، فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لأنه اسم الجد الأعلى، فنزل منزلة الجد الأدنى والله أعلم.
ــ
[البناية]
وكل واحدة منهما فيما وراء النهر وهما مشهورتان، والنسبة إلى كل واحدة منهما عامة.
م: (وقيل: إلى السكة الصغيرة) ش: أي النسبة إلى السكة الصغيرة م: (خاصة وإلى المحلة الكبيرة والمصر عامة) ش: حاصل الكلام إلى النسبة إلى ما هي خاصة مبنيا يحصل التعريف بخلاف النسبة إلى ما هي عامة فيها، حيث لا يحصل التعريف بها؛ لأن المحلة الكبيرة ومصر يشتمل كل منهما على ناس كثير يتحد أساميهم وأسامي آبائهم، فلا يحصل التعريف بذلك.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀: لو شهد على فلانة البلخية لا يقع بهذا التعريف ما لم ينسباها إلى محلها وسكنها، م: (ثم التعريف وإن كان يتم بذكر الجد عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - خلافا لأبي يوسف ﵀ على ظاهر الروايات، فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لأنه) ش: أي لأن الفخذ م: (اسم الجد الأعلى) ش: في القبيلة الخاصة م: (فنزل منزلة الجد الأدنى والله أعلم) ش: في النسبة وهو أب الأب.
стр. 4589
فصل قال أبو حنيفة ﵀: شاهد الزور أشهره في السوق ولا أعذره. وقالا: نوجعه ضربا ونحبسه، وهو قول الشافعي ﵀. لهما ما روي عن عمر ﵁ أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه.
ــ
[البناية]
[شهادة الزور]
م: (فصل)
ش: أي هذا فصل في ذكر شهادة الزور، ذكره بفصل على حدة؛ لأن لها أحكاما مخصوصة وآخرها لأن الأصل هو الصدق.
م: (قال أبو حنيفة ﵀: شاهد الزور أشهره في السوق ولا أعذره) ش: قوله: شاهد الزور كلام إضافي مبتدأ، وقوله: أشهره خبره والجملة مقول القول م: (قالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (نوجعه ضربا) ش: بنون الجماعة وضربا على التمييز م: (ونحبسه) ش: كذلك بنون الجماعة م: (وهو) ش: أي قولهم م: (قول الشافعي ﵀) ش:، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - وعامة العلماء ﵏.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -: م: (ما روي عن عمر ﵁ أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه) ش: هذا رواه ابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه " في الحدود: حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن مكحول، عن الوليد بن مالك، أن عمر ﵁ كتب إلى عماله بالشام في الشاهد الزور يضرب أربعين سوطا ويسخم وجهه ويحلق رأسه، ويطال الحبس.
وروى عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه ": أخبرنا ابن جريج قال: حديث عن مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب شاهد الزور أربعين سوطا، قوله: سخم من التسخيم ومن السخام وهو سواد القدر.
وقال الأكمل ﵀: من السخام بالخاء المعجمة أو بالحاء المهملة من سخم وهو
стр. 4590
ولأن هذه كبيرة يتعدى ضررها إلى العباد وليس فيها حد مقدر فيعزر، وله أن شريحا كان يشهره ولا يضرب، ولأن الانزجار يحصل بالتشهير فيكتفى به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر، ولكنه يقع مانعا عن الرجوع، فوجب التحقيق نظرا إلى هذا الوجه
ــ
[البناية]
الأسود ثم قال: لا يقال الاستدلال به غير مستقيم على مذهبهما لأنهما لا يقولان بجواز التسخيم لأنه مثلة وهو غير مشروع، ولا تبليغ التعزير إلى أربعين لأن مقصودهما إثبات ما نفاه أبو حنيفة من التعزير بالضرب، فإنه يدل على أصل الضرب مشروع في التعزير، وما زاد على ذلك كان محمولا على السياسة.
م: (ولأن هذه) ش: أي شهادة الزور م: (كبيرة) ش: وعدت في الحديث الصحيح من الكبائر م: (يتعدى ضررها) ش: أي ضرر شهادة الزور م: (إلى العباد) ش: بإتلاف أموالهم م: (وليس فيها حد مقدر) ش: من حيث الشرع م: (فيعزر) ش: بالتعزير المذكور.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن شريحا) ش: وهو شريح بن الحارث الكندي القاضي ﵀ م: (كان يشهره) ش: شاهد الزور م: (ولا يضرب، ولأن الانزجار يحصل بالتشهير فيكتفى به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر، ولكنه يقع مانعا عن الرجوع) ش: فإنه إذا تصور الضرب يخاف، فلا يرجع، وفيه تضييع للحقوق م: (فوجب التحقيق نظرا إلى هذا الوجه) ش: فإن قلت: قال في " المبسوط ": شاهد الزور عندنا هو المقر على نفسه بذلك؛ لأنه لا يتمكن تهمة الكذب إلا في إقراره على نفسه ولا طريق لإثبات ذلك بالبينة عليه؛ لأنه نفى الشهادة والبينة للإثبات دون النفي.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في " مبسوطه ": شاهد الزور هو الذي يقر على نفسه بالكذب متعمدا، أو يشهد بقتل رجل ثم يجيء المشهود بقتله حيا حتى يثبت كذبه بيقين، فأما لو قال: غلطت أو أخطأت أو أردت شهادة بتهمة أو المخالفة بين الدعوى والشهادة لا يعزر أصلا.
وقال أبو محمد الكاتب ﵀: هذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن يرجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزر بلا خلاف، وإن رجع على سبيل الإقرار يعزر بالضرب بلا خلاف، وإن كان لا يعلم فعلى الاختلاف.
ثم قال: لو تاب شاهد الزور هل تقبل شهادته بعد ذلك. فعلى الوجهين: إن كان فاسقا تقبل توبته؛ لأن الذي حمله على شهادة الزور فسقه، فإذا تاب وظهرت توبته فقد زال فسقه فيقبل، ولم يعين في الكتاب مدة ظهور توبته، فقال بعض المشايخ ﵏: سنة، وقيل: ستة أشهر، والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي.
أما لو كان مستورا لا تقبل شهادته أبدا، وكذا إذا كان عدلا فشهد بالزور ثم تاب لا تقبل
стр. 4591
وحديث عمر ﵁ محمول على السياسة بدلالة التبليغ إلى الأربعين والتسخيم، ثم تفسير التشهير منقول عن شريح ﵀ فإنه كان يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر، أجمع ما كانوا. ويقول إن شريحا يقرأ عليكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاحذروه وحذروا الناس منه. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: أنه يشهر عندهما أيضا. والتعزير والحبس على قدر ما يراه القاضي عندهما،
ــ
[البناية]
شهادته أبدا على رواية بشر ﵀، عن أبي يوسف ﵀. وروى أبو جعفر ﵀ عن أبي يوسف ﵀ أنه يقبل، قالوا: والفتوى على هذا، كذا ذكره المحبوبي ﵀ في " جامعه ".
م: (وحديث عمر ﵁ محمول على السياسة) ش: هذا جواب عما استجابه من حديث عمر ﵁ بيانه أن عمر ﵁ فعل ذلك على طريق السياسة لا على طريق التعزير م: (بدلالة التبليغ إلى الأربعين) ش: لأنه لو كان على سبيل التعزير لم يبلغ الأربعين لبلوغه حدا في غير حد م: (والتسخيم) ش: بالجر عطفا على قوله: بدلالة التبليغ، وهو أيضا يدل على ما قلنا؛ ولأنه مثلة وهي منسوخة بالإجماع.
م: (ثم تفسير التشهير منقول عن شريح ﵀ فإنه كان يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى قومه) ش: أي أو يبعثه إلى قومه م: (إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما كانوا) ش: مجتمعين أو إلى موضع يكون أكثر جمعا للقوم م: (ويقول) ش: أي الذي يبعثه م: (إن شريحا يقرأ عليكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروا الناس منه) ش: حتى لا يستشهدوا به.
فإن قيل: أبو حنيفة ﵀ لا يرى تقليد التابعي ﵀ حتى روي عنه أنه قال: هم رجال اجتهدوا ونحن رجال يجتهدون، وقلنا: ذكر في " النوادر " عن أبي حنيفة ﵀ في تقليد التابعي الذي زحم الصحابة ﵃ في الفتوى قال: أنا أقلده، فعلى هذه الرواية ظاهر.
وعلى ظاهر الرواية قالوا: لم يذكر قوله محتجا به، وإنما ذكره لبيان أن احتجاجه بتجويز الصحابة ﵃ فعله فإنه كان قاضيا في زمن عمر وعلي ﵄ ومثل هذا التشهير لا يخفى على الصحابة ﵃ ولم ينكره أحد من الصحابة ﵃ فحل محل الإجماع، وكان احتجاجا بإجماع الصحابة ﵃ لا تقليد لشريح.
م: (وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: أنه) ش: أي أن شاهد الزور م: (يشهر عندهما أيضا، والتعزير والحبس على قدر ما يراه القاضي عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد
стр. 4592
وكيفية التعزير ما ذكرناه في الحدود. وفي " الجامع الصغير ": شاهدان أقرا أنهما شهدا بزور لم يضربا، وقالا: يعزران وفائدته: أن شاهد الزور في حق ما ذكرنا من الحكم هو المقر على نفسه بذلك، فأما لا طريق إلى إثبات ذلك بالبينة؛ لأنه نفي الشهادة، والبينات للإثبات والله أعلم.
ــ
[البناية]
- رحمهما الله - م: (وكيفية التعزير ما ذكرناه في الحدود. وفي " الجامع الصغير ": شاهدان أقرا أنهما شهدا بزور لم يضربا) ش: يعني عند أبي حنيفة ﵀ م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (يعزران وفائدته) ش: أي وفائدة وضع " الجامع الصغير " بقوله: شاهدان أقرا إلى آخره م: (أن شاهد الزور في حق ما ذكرنا من الحكم هو المقر على نفسه بذلك) ش: أي بالزور، يعني أنه لا يثبت كذب الشاهد إلا بإقراره م: (فأما لا طريق إلى إثبات ذلك بالبينة؛ لأنه نفي الشهادة) ش: فلا تسمع م: (والبينات للإثبات والله أعلم) ش: أي مشروعية البينات لإثبات الأحكام، وقد مر الكلام فيه قريب.
стр. 4593
كتاب الرجوع عن الشهادة قال: وإذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت؛ لأن الحق إنما يثبت بالقضاء. والقاضي لا يقضي بكلام متناقض، ولا ضمان عليهما؛ لأنهما ما أتلفا شيئا لا على المدعي ولا على المدعى عليه، فإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ الحكم؛ لأن آخر كلامهم يناقض أوله فلا ينقض الحكم بالتناقض، ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به، وعليهم ضمان ما أتلفوه بشهادتهم لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان. والتناقض لا يمنع صحة الإقرار،
ــ
[البناية]
[كتاب الرجوع عن الشهادة]
[رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها]
م: (كتاب الرجوع عن الشهادة)
ش: أي: هذا كتاب في بيان أحكام الرجوع عن الشهادات. وجه المناسبة بين الكتابين من حيث إن الرجوع يقتضي سابقة الشهادة لا محالة. قيل ركنه قول الشاهد شهدت بزور شرطه أن يكون عند القاضي، وحكمه إيجاب التعزير على كل حال، سواء رجع قبل اتصال القضاء بالشهادة أو بعده، والضمان مع التعزير إن رجع بعد القضاء، أو كان المشهود به مالا وقد أزاله بغير عوض، والرجوع عن الشهادة مشروع بالإجماع، وعن عمر ﵁: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت) ش: أي الشهادة ولا خلاف فيه م: (لأن الحق إنما يثبت بالقضاء) ش: أي بالحكم م: (والقاضي لا يقضي بكلام متناقض) ش: لأن الشاهد لما أكذب نفسه بالرجوع تناقض كلامه، والقضاء بالكلام المتناقض لا يجوز م: (ولا ضمان عليهما؛ لأنهما ما أتلفا شيئا لا على المدعي ولا على المدعى عليه، فإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا) ش: يعني بعد الحكم م: (لم يفسخ الحكم؛ لأن آخر كلامهم يناقض أوله، فلا ينقض الحكم بالتناقض) ش: لأنه لو اعتبر رجوعه في إبطال القضاء أدى إبطاله إلى ما لا يتناهى؛ لأنه يأتي بعد ذلك فيرجع عن هذا الرجوع، فيجب إعادة الرضاء الأول، كذا في " المبسوط " م: (ولأنه) ش: أي ولأن الكلام الآخر م: (في الدلالة على الصدق مثل الأول) ش: وكلما كان كذلك ساواه واحتيح إلى الترجيح م: (وقد ترجح الأول باتصال القضاء به) ش: فلا ينقضه به.
م: (وعليهم) ش: أي وعلى الشهود م: ضمان ما أتلفوه بشهادتهم لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان) ش: فقضاه القاضي، وإن كان علة للتلف لكنه كالملجأ من جهتهم فكان السبب منهم تعديا، فيضاف الحكم إليهم كما في حفر البئر على قارعة الطريق م: (والتناقض لا يمنع صحة الإقرار) ش: هذا جواب عما يقال كلامهم متناقض، وذلك ساقط العبرة، فعلى ما الضمان ووعد
стр. 4594
وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى.
ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم؛ لأنه فسخ للشهادة، فيختص بما تختص به الشهادة من المجلس، وهو مجلس القاضي أي قاض كان، ولأن الرجوع توبة، والتوبة على حسب الجناية، فالسر بالسر، والإعلان بالإعلان.
ــ
[البناية]
تقريره من بعد بقوله م: (وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى) ش: وفي " المغني " كان أبو حنيفة ﵀ أولا يقول فيما رجع بعد القضاء: ينظر إلى حال الراجع، إن كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشهادة في العدالة، صح رجوعه في حق نفسه وفي حق غيره، حتى وجب عليه التعزير، وينقض القضاء ويرد المال على المشهود عليه، وإن كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشهادة في العدالة ودونه يجب عليه التعزير.
ولا ينقض القضاء ولا يجب الضمان عليه، وهو قول أستاذه حماد ﵀، ثم رجع عن هذا وقال: لا يصح رجوعه في حق غيره، وعلى كل حال لا ينقض القضاء، ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - والأئمة الثلاثة، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح " أدب القاضي " للخصاف ﵀ وروي عن إبراهيم النخعي ﵀ أنه كان حال المشهود، فذكر مثل ما ذكرناه الآن....
.. إلى آخره.
[كيفية الرجوع عن الشهادة]
م: قال: أي القدوري ﵀: م: (ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم) ش: سواء كان هو الحاكم الأول أو غيره.
م: (لأنه) ش: أي لأن الرجوع عن الشهادة م: (فسخ للشهادة فيختص بما تختص به الشهادة من المجلس، وهو مجلس القاضي أي قاض كان) ش: وقال الأكمل ﵀: وهذا الدليل لا يتم إلا إذا ثبت أن فسخ الشهادة يختص بما تختص به الشهادة وهو ممنوع، فإن الرجوع إقرار بضمان مال المشهود عليه على نفسه بسبب الإتلاف بالشهادة الكاذبة، والإقرار بذلك لا يختص بمجلس الحكم.
والجواب: أن الاستحقاق لا يرتفع ما دامت الحجة باقية، فلا بد من رفعها، والرجوع في غير مجلس الحكم ليس برفع للحجة؛ لأن الشهادة في غير مجلسه ليست بحجة، والإقرار بالضمان مرتب على ارتفاعها أو تثبت في ضمنه فكان من توابعه.
م: (ولأن الرجوع توبة) ش: أي لأن الرجوع عن الشهادة توبة عن جناية الكذب، م: (والتوبة على حسب الجناية، فالسر بالسر، والإعلان بالإعلان) ش: فالشهادة كانت بالإعلان، والرجوع أيضا كذلك، وهذا للفظ جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ «أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فقال معاذ ﵁: أوصني يا رسول الله ﷺ قال: " عليك بتقوى الله تعالى ما استطعت،
стр. 4595
وإذا لم يصح الرجوع في غير مجلس القاضي، فلو ادعى المشهود عليه رجوعهما وأراد يمينهما لا يحلفان. وكذا لا تقبل بينته عليها؛ لأنه ادعى رجوعا باطلا، حتى لو أقام البينة أنه رجع عند قاضي كذا وضمنه المال تقبل؛ لأن السبب صحيح.
. قال: وإذا شهد شاهدان بمال، فحكم الحاكم به ثم رجعا ضمنا المال للمشهود عليه؛ لأن التسبيب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر، وقد سببا للإتلاف تعديا. وقال الشافعي ﵀: لا يضمنان؛ لأنه لا عبرة للتسبيب عند وجود المباشرة.
ــ
[البناية]
واذكر الله تعالى عند كل شجر وحجر، وإذا علمت شرا فأحدث توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية» .
م: (وإذا لم يصح الرجوع في غير مجلس القاضي، فلو ادعى المشهود عليه رجوعهما وأراد يمينهما لا يحلفان) ش: لأنه البينة، واليمين يترتبان على دعوى صحيحة، ودعوى الرجوع في غير مجلس الحكم باطلة م: (وكذا لا تقبل بينته) ش: أي بينة المشهود عليه م: (عليها) ش: أي على الشاهدين م: (لأنه ادعى رجوعا باطلا) ش: إذ الرجوع في غير مجلس القاضي باطل م: (حتى لو أقام) ش: أي المشهود عليه م: (البينة أنه رجع عند قاضي كذا وضمنه المال تقبل) ش: أي بينته م: (لأن السبب صحيح) .
قال الأكمل ﵀: الضمير المستكن في ضمنه يجوز أن يكون للقاضي، ومعناه حكم عليه بالضمان، لكنه لم يعط شيئا إلى الآن، ويجوز أن يكون للمدعي، ومعناه طلب من القاضي تضمنه وإلا كف، واللام في قوله لأن السبب بدل من المضاف إليه وهو قبول البينة، أي لأن سبب قبول البينة صحيح، وهو دعوى الرجوع في مجلس حكم، وقيل هو الضمان، ومعناه: لأن سبب الضمان صحيح، وهو الرجوع عند الحاكم، وليس بصحيح؛ لأن الدعوى حينئذ ليست بمطابقة للدليل، فإنها قبول البينة لا وجوب الضمان.
[شهد شاهدان بمال فحكم الحاكم به ثم رجعا]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا شهد شاهدان بمال فحكم الحاكم به ثم رجعا ضمنا المال للمشهود عليه) ش: وبه قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ في القول الأصح، وعنه في قول لا يضمنان م: (لأن التسبيب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر) ش: وواضع الحجر م: (وقد سببا) ش: أي الشاهدان م: (للإتلاف تعديا) ش: أي من حيث التعدي فوجب الضمان على الشهود.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يضمنان؛ لأنه لا عبرة للتسبيب عند وجود المباشرة) ش: هذا ينتقض بشهود القصاص إذا رجعوا على أصله، وبالمحرم إذا أمسك صيدا حتى قتله محرم
стр. 4596
قلنا تعذر إيجاب الضمان على المباشر وهو القاضي؛ لأنه كالملجأ إلى القضاء، وفي إيجابه صرف الناس عن تقلده وتعذر استيفاؤه من المدعي؛ لأن الحكم ماض، فاعتبر التسبيب، وإنما يضمنان إذا قبض المدعي المال دينا كان أو عينا؛ لأن الإتلاف به يتحقق. ولأنه لا مماثلة بين أخذ العين وإلزام الدين.
قال: فإن رجع أحدهما ضمن النصف، والأصل
ــ
[البناية]
آخر لا يقال: إن الشهود لم يوجد منهم إلا مجرد القول، ومجرد القول لا يوجب الضمان، لأنا نقول: يبطل ذلك بشهود العتق والطلاق قبل الدخول إذا رجعوا.
م: (قلنا: تعذر إيجاب الضمان على المباشر وهو القاضي؛ لأنه كالملجأ إلى القضاء) ش: لأن القضاء فرض عليه بما يثبت عنده ظاهرا حتى لو لم يرد وجوب القضاء عليه يكفر، ولو رأى ذلك ومع هذا أخر القضاء يفسق، وإذا كان كالملجأ معذورا في قضائه، وإنما قال " كالملجأ " ولم يقل " أنه ملجأ حقيقة "، إذ لو كان ملجأ حقيقة على الحكم بعد الشهادة لوجب القصاص على الشاهدين في الشهادة بالقتل العمد، إذا ظهر كذبه كما في المكره، كما هو مذهب الشافعي ﵀ وليس كذلك، وهذا لأن الملجأ حقيقة من يخاف العقوبة الدنيوية، والقاضي إنما يخاف عقوبة الآخرة، ولا يصير به ملجأ؛ لأن كل واحد يقيم الطاعة خوفا من العقوبة على تركها في الآخرة ولا يصير به مكرها، ولكن لا يجب الضمان على القاضي لأنه غير متعمد.
م: (وفي إيجابه) ش: أي وفي إيجاب الضمان على القاضي م: (صرف الناس عن تقلده) ش: أي عن تقلد القضاء، وفي ذلك ضرر عام فيحتمل الضرر الخاص م: (وتعذر استيفاؤه من المدعي) ش: أيضا م: (لأن الحكم ماض فاعتبر التسبيب) ش: لأن الشهود صاروا لأجله سببا لإزالة مال متقوم للغير بغير حق، كما لو شهدوا بالعتق ثم رجعوا م: (وإنما يضمنان) ش: أي الشاهدان م: (إذا قبض المدعي المال) ش: سواء م: (دينا كان أو عينا؛ لأن الإتلاف به) ش: أي بالقبض م: (يتحقق) ش: وفي ذلك لا يتفاوت بين العين والدين، وهو اختيار شمس الأئمة ﵀ وفرق شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ بين العين والدين، فقال: إن كان المشهود به عينا يضمن للمشهود عليه قبض المدعي العين أولا، وإن كان المشهود به دينا يضمنه إذا استوفاه المدعى عليه.
م: (ولأنه لا مماثلة بين أخذ العين وإلزام الدين) ش: بيان ذلك أنهما إذا لزما دينا بشهادتهما فلو ضمنا قبل الأداء إلى المدعي كان قد استوفى منهما عينا بمقابلة دين، ولا مماثلة بينهما، وقال الأترازي: يعني أن المشهود به إذا كان دينا لم يستوفه المشهود له لا يجب الضمان على الشهود؛ لأن الضمان يعتمد على المماثلة، ولا مماثلة بين العين والدين.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: فإن رجع أحدهما) ش: أي أحد الشاهدين م:
стр. 4597
أن المعتبر في هذا إبقاء من بقي لا رجوع من رجع، وقد بقي من بقي بشهادته نصف الحق. وإن شهد بالمال ثلاثة، فرجع أحدهم فلا ضمان عليه؛ لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق، وهذا لأن الاستحقاق باق بالحجة، والمتلف متى استحق سقط الضمان فأولى أن يمتنع. فإن رجع آخر ضمن الراجعان نصف الحق؛ لأن ببقاء أحدهم يبقى نصف الحق.
ــ
[البناية]
(ضمن النصف) ش: أي النصف المشهود به م: (والأصل) ش: هنا ما ذكروا في " شرح الجامع الكبير " م: (أن المعتبر في هذا بقاء من بقي لا رجوع من رجع، وقد بقي من بقي بشهادته نصف الحق) ش: لأن وجوب الحق في الحقيقة بشهادة الشاهدين، وما زاد فهو فضل في حق القضاء، إلا أن الشهود إذا كانوا أكثر من الاثنين يضاف القضاء، ووجوب الحق إلى الكل لاستواء حالهم، وإذا رجع واحد زال الاستواء وجلت إضافة القضاء إلى الشيء.
وعلى هذا رجع أحد الاثنين ضمن النصف؛ لأنه بقي من شهادة من بقي نصف الحق، فإن قيل: لا نسلم ذلك وأن الباقي فرد لا يصح لإثبات شيء به ابتداء فكذا بقاء. أجيب بأن البقاء أسهل من الابتداء، فيجوز أن يصلح في البقاء للإثبات ما لا يصلح في الابتداء لذلك كما في النصاب، فإن بعضه لا يصلح في الابتداء لإثبات الوجوب، ويصلح في البقاء بقدره.
م: (وإن شهد بالمال ثلاثة، فرجع أحدهم فلا ضمان عليه) ش: أي على الراجع م: (لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق) ش: وبه قال مالك ﵀ في رواية، والشافعي ﵀ في قول، وقال أحمد: يغرم ثلث الحق، وبه قال الشافعي في قول آخر، ومالك ﵀، م: (وهذا) ش: يعني عدم الضمان على الثالث الذي رجع، وقال الأترازي: وهذا، إشارة إلى قوله: لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق م: (لأن الاستحقاق) ش: أي المدعي للشهود به م: (باق بالحجة) ش: التامة.
م: (والمتلف متى استحق سقط الضمان) ش: أي عن المتلف بكسر اللام، صورته فيما إذا أتلف إنسان مال زيد فقضى القاضي له على المتلف بالضمان، ثم استحق المتلف عمرو، وأخذ الضمان من المتلف سقط الضمان الثابت لزيد بقضاء القاضي على المتلف م: (فأولى أن يمتنع) ش: أي الضمان من الراجع؛ لأن ابتداء استحقاق التلف يسقط الضمان، فبقاؤه أولى أن يمنع؛ لأن المنع أسهل من الدفع.
م: (فإن رجع آخر) ش: أي من الثلاثة م: (ضمن الراجعان نصف المال؛ لأن ببقاء أحدهم يبقى نصف الحق) ش: هذا أيضا بناء على الأصل المتقدم؛ لأن العبرة لما كان لبقاء من بقي كان الباقي نصف الحق، فإذا بقي نصف الحق كان الثالث بالرجوع نصف الحق لا محالة فيضمنه الراجعان؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر، فكان ضمان النصف عليهما على السواء.
стр. 4598
وإن شهد رجل وامرأتان، فرجعت امرأة وضمنت ربع الحق لبقاء ثلاثة الأرباع ببقاء من بقي، وإن رجعتا ضمنتا نصف الحق؛ لأن بشهادة الرجل بقي نصف الحق. وإن شهد رجل وعشر نسوة، ثم رجع ثمان فقط فلا ضمان عليهن؛ لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق، فإن رجعت أخرى كان عليهن ربع الحق؛ لأنه بقي النصف بشهادة الرجل والربع بشهادة الباقية، فبقي ثلاثة الأرباع. وإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق، وعلى النسوة خمسة أسداسه عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: على الرجل النصف، وعلى النسوة النصف؛ لأنهن وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد، ولهذا لا تقبل شهادتهن إلا بانضمام رجل. ولأبي حنيفة ﵀ أن كل امرأتين قامتا مقام رجل واحد. قال ﵊
ــ
[البناية]
فإن قيل: ينبغي أن يضمن الراجع الثاني فقط؛ لأن التلف إنما أضيف إليه.
قلنا: التلف مضاف إلى المجموع، إلا أن برجوع الأول لم يظهر أثره لمانع وهو بقاء من بقي، فإذا رجع الباقي ظهر أن التلف بهما.
[شهد رجل وامرأتان فرجعت امرأة]
م: (وإن شهد رجل وامرأتان فرجعت امرأة وضمنت ربع الحق لبقاء ثلاثة الأرباع ببقاء من بقي، وإن رجعتا) ش: أي المرأتان م: (ضمنتا نصف الحق؛ لأن بشهادة الرجل بقي نصف الحق) .
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن شهد رجل وعشرة نسوة ثم رجع ثمان فقط) ش: من النساء م: (فلا ضمان عليهن؛ لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق) ش: وبه قال مالك والشافعي - رحمهما الله - في قول.
وقال أحمد ﵀ يجب عليهن أربعة أسدسة من الضمان، وبه قال الشافعي ﵀ في الأصح، م: (فإن رجعت أخرى كان عليهن) ش: أي على تسع نسوة م: (ربع الحق) ش: وبه قال مالك ﵀ والشافعي ﵀ في قول.
م: (لأنه بقي النصف بشهادة الرجل والربع) ش: أي ربع الحق م: (بشهادة الباقية فبقي ثلاثة الأرباع، وإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق وعلى النسوة خمسة أسداسه عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏.
م: (وقالا:) ش: أي وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (على الرجل النصف وعلى النسوة النصف) ش: وبه قال أبو العباس ﵀ من أصحاب الشافعي ﵀ م: (لأنهن وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد، ولهذا لا تقبل شهادتهن إلا بانضمام رجل) ش: معهن، فلا تقبل شهادتهن وحدهن، فصارت شهادة عشر نسوة كشهادة امرأتين، فصار الضمان على الرجل والنسوة إنصافا.
стр. 4599
في نقصان عقلهن: " عدلت شهادة اثنتين منهن بشهادة رجل واحد " فصار كما إذا شهد بذلك ستة رجال، ثم رجعوا، وإن رجع النسوة العشرة دون الرجل كان عليهن نصف الحق على القولين لما قلنا.
" ولو شهد رجلان وامرأة بما ثم رجعوا، فالضمان عليهما دون المرأة؛ لأن الواحدة ليست بشهادة، بل هي بعض الشاهد فلا يضاف إليه الحكم. قال: وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا، فلا ضمان عليهما. وكذلك إذا شهدا بأقل من مهر مثلها؛ لأن منافع البعض غير متقومة عند الإتلاف؛ لأن التضمين يستدعي المماثلة على ما عرف، وإنما تضمن وتتقوم بالتملك؛ لأنها تصير متقومة ضرورة الملك إبانة لخطر المحل.
ــ
[البناية]
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن كل امرأتين قامتا مقام رجل واحد. قال ﵊) ش: أي قال النبي ﷺ م: (في نقصان عقلهن: «عدلت شهادة كل اثنتين منهن بشهادة رجل واحد» ش: أخرجه البخاري ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر النساء..... " الحديث، وفيه " أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل بشهادة رجل
.» الحديث " م: (فصار) ش: يعني إذا كانت امرأتان كرجل صار م: (كما إذا شهد بذلك ستة رجال ثم رجعوا، وإن رجع النسوة العشرة دون الرجل كان عليهن نصف الحق على القولين) ش: أي على قول أبي حنيفة ﵀ وقول صاحبيه - رحمهما الله - م: (لما قلنا) ش: إن المعتبر هو بقاء من بقي، فالرجل يبقى ببقائه نصف الحق.
[شهد رجلان وامرأة بمال ثم رجعوا]
م: (ولو شهد رجلان وامرأة بمال ثم رجعوا فالضمان عليهما) ش: أي على الرجلين م: (دون المرأة؛ لأن الواحدة ليست بشاهدة، بل هي بعض الشاهد فلا يضاف إليه) ش: أي إلى بعض الشاهد م: (الحكم) ش: لأن القضاء يضاف إلى شهادة رجلين دون المرأة.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما) ش: أي على الشاهدين م: (وكذلك إذا شهدا بأقل من مهر مثلها؛ لأن منافع البضع غير متقومة) ش: فلا تكون مضمونة م: (عند الإتلاف؛ لأن التضمين يستدعي المماثلة) ش: أي لا ضمان عليهما، وعند الأئمة الثلاثة ﵏: يضمنان لها ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر المثل م: (على ما عرف) ش: يعني بالنصف وهو قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: الآية ١٩٤) . ولا مماثلة بين العين والمنفعة التي هي العوض، أعني منفعة البضع، فلا يجب الضمان كما في إتلاف سائر منافع المغصوب، حيث لا يجب الضمان عندنا خلافا للشافعي.
م: (وإنما تضمن) ش: جواب عما يقال لو لم يكن المنافع متقومة لكانت بالتملك بذلك فأجاب بقوله: إنما تضمن أي المنافع م: (وتتقوم بالتملك لأنها) ش: أي لأن المنافع م: (تصير
стр. 4600
وكذلك إذا شهدا على رجل بتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها؛ لأنه إتلاف بعوض لما أن البضع متقوم حال الدخول في الملك والإتلاف بعوض كلا إتلاف، وهذا لأن مبنى الضمان على المماثلة، ولا مماثلة بين الإتلاف بعوض وبينه بغير عوض. وإن شهدا بأكثر من مهر المثل، ثم رجعا ضمنا الزيادة؛ لأنهما أتلفاها من غير عوض. قال: وإن شهدا ببيع شيء بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا؛ لأنه ليس بإتلاف معنى نظرا إلى العوض. وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان؛ لأنهما أتلفا هذا الجزء بلا عوض، ولا فرق بين أن يكون البيع باتا أو فيه خيار البائع. لأن السبب هو البيع السابق، فيضاف الحكم عند سقوط الخيار إليه، فيضاف التلف إليهم
ــ
[البناية]
متقومة ضرورة الملك إبانة) ش: أي إظهارا م: (لخطر المحل) ش: حتى يكون مصونا عن الابتذال م: (وكذلك) ش: أي لا ضمان م: (إذا شهدا على رجل بتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها؛ لأنه إتلاف بعوض لما أن البضع متقوم حال الدخول في الملك والإتلاف بعوض كلا إتلاف) ش: كما لو شهد بشراء شيء بمثل قيمته ثم رجعا لا يضمنان م: (وهذا لأن مبنى الضمان على المماثلة) ش: معناه لعدم المماثلة بينهما وهو معنى قوله: م: (ولا مماثلة بين الإتلاف بعوض وبينه بغير عوض، وإن شهدا بأكثر من مهر ثم رجعا ضمنا الزيادة؛ لأنهما أتلفها) ش: أي الزيادة م: (من غير عوض) ش: وهو يوجب الضمان.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن شهدا ببيع شيء بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا) ش: قال الكاكي ﵀: هذا إذا كان المدعي هو المشتري، ولو كان المدعي هو البائع بأن ادعى رجل أنه باع عبده منه بألف درهم والمشتري ينكر، وقيمة العبد خمسمائة وشهدا بذلك ثم رجعا يضمنان خمسمائة، ولو كان المشتري يدعي المبيع بخمسمائة والعبد يساوي ألف درهم فشهد المشتري ثم رجعا يضمنان للبائع خمسمائة ذكره في " شرح الطحاوي " م: (لأنه ليس بإتلاف معنى) ش: أي من حيث المعنى م: (نظرا إلى العوض) ش: لأنهما لما أخرجا البيع من ملكه فقد أدخلا في ملكه بإزائه مثله، م: (وإن كان أقل من القيمة ضمنا النقصان) ش: أي للبائع إن كان المدعي هو المشتري م: (لأنهما أتلفا هذا الجزء بلا عوض) ش: أي الجزء الذي هو في مقابله الألف من قيمته بلا عوض.
م: (ولا فرق بين أن يكون البيع باتا أو فيه خيار البائع؛ لأن السبب هو البيع السابق) ش: أي لأن السبب المزيل للملك هو العقد السابق على مضي المدة أو على سقوط بمضي المدة م: (فيضاف الحكم) ش: وهو زوال الملك م: (عند سقوط الخيار إليه) ش: أي إلى ذلك السبب، وقد حصل سبب الزوال بشهادة الشهود م: (فيضاف التلف إليهم) ش: يجب عليهم ضمان النقصان.
وقال الأترازي ﵀: هذا الذي ذكره جواب سؤال بأن يقال: ينبغي أن لا يجب الضمان على الشاهدين إذا شهدا بالبيع بشرط الخيار؛ لأنهما لم تبلغا شيئا على البائع؛ لأنهما أثبتا
стр. 4601
وإن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الدخول بها، ثم رجعا ضمنا نصف المهر؛ لأنهما أكدا ضمانا على شرف السقوط، ألا ترى أنها لو طاوعت ابن الزوج أو ارتدت سقط المهر أصلا، ولأن الفرقة قبل الدخول في معنى الفسخ،
ــ
[البناية]
البيع بشرط الخيار، والبائع لم يزل ملكه عن البيع بعد، وإنما يزول إذا مضت المدة وهو ساكت، فإذا سكت عن الرد كان راضيا بزوال ملكه، فكيف يجب الضمان على الشهود حينئذ؟، فقال: لأن السبب هو السابق...... إلى آخره.
[شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الدخول بها ثم رجعا]
م: (وإن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الدخول بها، ثم رجعا ضمنا نصف المهر) ش: وبه قال أحمد ﵀ ومالك ﵀ في رواية ابن القاسم ﵀، والشافعي ﵀ في رواية الربيع عنه، وقال الشافعي ﵀ في رواية المزني عنه: يضمن مهر المثل؛ لأن البضع عنده متقوم دخولا وخروجا.
وقال مالك ﵀ في رواية أشهب عنه: لا ضمان على الشهود م: (لأنهما) ش: أي لأن الشاهدين م: (أكدا ضمانا على شرف السقوط) ش: بارتدادها وتقبيلها ابن زوجها وهو معنى قوله م: (ألا ترى أنها) ش: أي أن المرأة م: (لو طاوعت ابن الزوج أو ارتدت سقط المهر أصلا) ش: أي لأنه حينئذ يسقط عنه جميع المهر، والتأكيد شبهة بالإيجاب، ولهذا إذا أكره الرجل على طلاق امرأته قبل الدخول بها، كان له أن يرجع بنصف المهر على الذي أكرهه.
م: (ولأن الفرقة قبل الدخول) ش: أي قبل دخول الزوج عليها م: (في معنى الفسخ) ش: يعود المبدل وهو البضع إليها كما كان، فصار بمنزلة الفسخ قبل قبض المبيع، وإنما قال في معنى الفسخ ولم يقل هو فسخ؛ لأن النكاح بعد اللزوم لا يقبل الفسخ، لكن لما عاد المبدل إليها قبل الدخول كما كان صار بمنزلة الفسخ، فيكون وجوب نصف المهر ابتداء بشهادتهما.
وإنما قال: النكاح بعد اللزوم لا تقبل الفسخ، فيكون وجوب نصف المهر بشهادتهما، وإنما قال النكاح بعد اللزوم لا تقبل الفسخ؛ لأنه قبل اللزوم يقبله، كما لو نكح الصغيرة أخره، فلها خيار الفسخ بعد البلوغ لما أن النكاح لم يقع لازما، وإنما قيد قبل الدخول؛ لأنه لو طلقها بعد الدخول لم يجب شيء عليهما بالرجوع عندنا ومالك ﵀ وأحمد ﵀.
وعند الشافعي ﵀: يجب مهر المثل عليهما والمسألة مشهورة، وفي " الكافي ": لو شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا بعد موته عزما لورثته نصف المهر، ولم ترث لأنا حكمنا بالبينونة قبل الموت في حال الحياة، ولو شهدا بعد موت الزوج أنه طلقها قبل الدخول في حياته، ثم رجعا لم يضمنا للورثة؛ لأن الشهادة وقعت لهم وضمنا للمرأة نصف المهر والميراث، وبه قال
стр. 4602
فيوجب سقوط جميع المهر كما مر في النكاح، ثم يجب نصف المهر ابتداء بطريقة المتعة، فكان واجبا بشهادتهما.
قال: وإن شهدا على أنه أعتق عبده ثم رجعا ، ضمنا قيمته لأنهما أتلفا مالية العبد عليه من غير عوض والولاء للمعتق؛ لأن العتق لا يتحول إليهما بهذا الضمان، فلا يتحول الولاء إليهما.
ــ
[البناية]
مالك ﵀.
م: (فيوجب) ش: أي الفرقة م: (سقوط جميع المهر كما مر في النكاح) ش: أي في باب المهر عند قوله: وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا لمطلقة واحدة، وهي التي طلقها قبل الدخول بها وقد سمى لها مهرا.
وفي " التحفة ": ولو شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا، وقد دخل بها وقضى القاضي ثم رجعا يضمنان الأمان أو على مهر المثل؛ لأن بقدر المهر إتلاف بعوض وهو استيفاء منافع البضع؛ لأن قبل الدخول إن كان المهر مسمى ضمنا النصف وإن لم يكن مسمى يضمنان المتعة؛ لأن ذلك تلف بشهادتهما، ولم يحصل له بمقابلته عوض.
م: (ثم يجب نصف المهر ابتداء بطريقة المتعة) ش: ولهذا لا يجمع بينهما وبين مهر المثل. حاصل الكلام: أن نصف المهر إنما يجب في الطلاق قبل الدخول ابتداء على طريق المتعة، وقد ألزمه الشاهدان على الزوج ولم يكن واجب عليه م: (فكان واجبا بشهادتهما) ش: فوجب الضمان عليهما كما إذا شهدا بمال فقضى به ثم رجعا.
[شهدا على أنه أعتق عبده ثم رجعا]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن شهدا على أنه أعتق عبده، ثم رجعا ضمنا قيمته) ش: أي قيمة العبد، ولا خلاف فيه موسرين كانا أو معسرين م: (لأنهما أتلفا مالية العبد عليه) ش: أي على مولى العبد م: (من غير عوض والولاء للمعتق؛ لأن العتق لا يتحول إليهما) ش: أي إلى الشاهدين م: (بهذا الضمان) ش: لأنه مما لا يحتمل الفسخ، فإذا كان كذلك م: (فلا يتحول الولاء إليهما) ش: لأن الولاء لمن أعتق، فإن قيل ينبغي أن لا يكون الولاء للمولى لأنه ينكر العتق، قلنا صار مكذبا شرعا بالقضاء؛ لأن القاضي لما قضى عليه بالعتق تبعه بالولاء.
وفي " المبسوط ": لو شهدا أنه دبره فقضى بذلك ثم رجعا ضمنا ما نقضه التدبير؛ لأن ملك المالية للموصي ينتقض بالتدبير فيضمنان النقصان؛ ولو شهدا بالكتابة فقضى بذلك، ثم رجعا ضمنا قيمة العبد، ويتبعان المكاتب ببدل الكتاب على نحوهما؛ لأنهما قاما مقام المولى في ذلك حتى ضمنا قيمته، وبه قال مالك ﵀ وهكذا قال في المدبر.
وقال أحمد ﵀: في المكاتب يرجع بالنقصان ولا يعتق المكاتب حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه إليهما، فالولاء للذي كاتبه، ولو عجز ورد إلى الرق كان لمولاه؛ لأن رقبته لم
стр. 4603
وإن شهدوا بقصاص، ثم رجعوا بعد القتل ضمنوا الدية، ولا يقتص منهم. وقال الشافعي: يقتص منهم لوجود القتل منهم تسبيبا، فأشبه المكره بل أولى؛ لأن الولي يعان والمكره يمنع. ولنا: أن القتل مباشرة لم يوجد، وكذا تسبيبا؛ لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبا. وهاهنا لا يفضي؛ لأن العفو مندوب بخلاف المكره؛ لأنه يؤثر حياته ظاهرا،
ــ
[البناية]
تعد مملوكة لهما، ولو شهدا بإقرار المولى أن أمته أم ولده والمولى ينكر فقضى بذلك ثم رجعا، فإن لم يكن معها ولد ضمنا نقصان قيمتها، وبه قال أحمد ﵀، وقال مالك ﵀: ضمنا قيمتها للمولى.
[شهدوا بقصاص ثم رجعوا بعد القتل]
م: (وإن شهدوا بقصاص ثم رجعوا بعد القتل ضمنا الدية) ش: وبه قال ابن القاسم المالكي ﵀ م: (ولا يقتص منهم) ش: أي من الشاهدين م: (وقال الشافعي: يقتص منهم) ش: وبه قال أحمد وأشهب المالكي ﵀ م: (لوجود القتل منهم تسبيبا) ش: أي من حيث السببية م: (فأشبه المكره) ش: بكسر الراء، أي فأشبه المسبب ها هنا وهو الشاهد المكره.
قال الأكمل ﵀ وهو الشاهد المكره إن كان اسم فاعل أو أشبه القاضي المكره؛ لأنه كالملجأ بشهادتهما حتى لو لم ير الوجوب كفر إن كان اسم مفعول، وقيل: أشبه الولي المكره وهو ليس بشيء؛ لأنه ليس بملجأ إلى القتل م: (بل أولى) ش: أي التشبيه ها هنا أولى من الإكراه؛ لأن التشبيه موجب من حيث الإفضاء، ولا إفضاء ها هنا أكثر م: (لأن الولي يعان) ش: على الاستيفاء م: (والمكره) ش: بفتح الراء م: (يمنع) ش: لأن الشاهد بمنزلة المكره بكسر الراء، والولي بمنزلة المكره بفتح الراء.
م: (ولنا أن القتل مباشرة) ش: أي من حيث المباشرة م: (لم يوجد، وكذا) ش: أي وكذا لم يوجد م: (تسبيبا) ش: أي من حيث السببية، وكل واحد من قوله مباشرة وتسبيبا نصب على التمييز لما قدرنا.
م: (لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبا، وها هنا لا يفضي) ش: فيما نحن فيه م: (لأن العفو مندوب) ش: من الولي. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] (البقرة الآية: ٢٣٧) . م: (بخلاف المكره) ش: بفتح الراء م: (لأنه يؤثر حياته ظاهرا) ش: والإكراه يفضي إلى القتل غالبا.
وفي " الكافي ": وقوله في " الهداية " ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد، إلى قوله: لأنه يؤثر حياته ظاهرا، مشكل لأن الأمر على القلب والظاهر، أن الولي يقدم على القتل لكونه مباحا، وبه يدرك تارة، والظاهر أن المكره لا يقتل لأنه لا يباح له قتله، ويحتمل أن يرتدع المكره عنه أو يلحقه الفوت، أجيب عنه بأنه إنما قال الشيخ ظاهرا بالنظر إلى حال المسلم المتدين؛ لأنه لا يلحقه بعفوه ضرر بنفسه وماله، ويحصل له للأجر الكثير، فأما المكره يختار حياته بأدنى رخصة في الشرع، وترجحه على حياة غيره، واحتمال الفوت نادر، وعلى تقدير لحوق الفوت لم يبق
стр. 4604
ولأن الفعل الاختياري مما يقطع النسبة، ثم لا أقل من الشبهة وهي دارئة للقصاص، بخلاف المال؛ لأنه يثبت مع الشبهات والباقي يعرف المختلف.
قال: وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا
ــ
[البناية]
الإكراه وكلامنا في الإكراه.
م: (ولأن الفعل الاختياري) ش: هذا جواب عما يقال ظهور إيثار حياته، إما أن يكون شرعا أو طبعا، فالأول ممنوع لأن المسلم مندوب إلى الصبر على القتل، فصار كالعفو عن القصاص، والثاني مسلم ولكنه معارض بطبع ولي المقتول، فإنه يؤثر السعي في القصاص ظاهرا، فأجاب المصنف ﵀ بطريق التبدل فقال: ولأن الفعل الاختياري - يعني سلمنا أن ثمة سبب ولكن الفعل الاختياري م: (مما يقطع النسبة) ش: أي نسبة ذلك العقل إلى غيره، والفعل ها هنا وهو القتل وجد من المولى باختياره الصحيح، فيقطع نسبته إلى الشهود، سلمنا أنه لا يقطع نسبته إلى الشهود، ولكن من شبهة هو معنى قوله:
م: (ثم لا أقل من شبهة) ش: أي لا أقل أن يورث شبهته، أي شبهة قطع النسبة م: (وهي دارئة للقصاص) ش: أي مانعة من القصاص.
وقال تاج الشريعة ﵀: ولأن الفعل الاختياري..... إلى آخره، وهو قتل الولي يعني بعد الشهادة وحكم القاضي، وجد فعل الولي وهو ذلك مختار، فيقطع النسبة عن الشهود، كما إذا اشتكى إنسان كلبا على آخر فخرق ثوب المشتكى عليه لا يضمن المشتكى شيئا؛ لأن الخوف فعل اختياري من الكلب فيقطع النسبة عن المشتكى، وكمن فتح باب القفص حتى طار الطير، بخلاف المكره، فإنه وإن كان مختارا لكنه فاسد الاختيار، فصار كالآلة، بخلاف شق الذق بعدم إمكان الإضافة إلى المائع لعدم الاختيار.
م: (بخلاف المال) ش: أي الدية م: (لأنه) ش: أي لأن المال م: (يثبت مع الشبهات) ش: فلا يلزم من سقوط ما يسقط بالشبهات سقوط ما يثبت بها. فإن رجع أحدهما فعليه نصف الدية، فإن رجع الولي معهما، أو جاء المشهود بقتله حيا فلولي المقتول الخيار بين تضمين الشاهدين، أو تضمين القاتل لأن القاتل متلف حقيقة، والشاهدين حكما، فإن ضمن الولي لم يرجع على الشاهدين بشيء.
وإن ضمن الشاهدين لم يرجعا على الولي في قول أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما م: (والباقي يعرف في المختلف) ش: أي في مختلف الرواية تصنيف الفقيه أبي الليث ﵀ لا مصنف علاء الدين العالم.
[رجوع شهود الفرع عن شهادتهم في مجلس القاضي بعد القضاء بشهادتهم]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا) ش: يعني إذا
стр. 4605
لأن الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم، فكان التلف مضافا إليهم. ولو رجع شهود الأصل وقالوا: لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا، فلا ضمان عليهم؛ لأنهم أنكروا السبب وهو الإشهاد. فلا يبطل القضاء لأنه خبر محتمل، فصار كرجوع الشاهد بخلاف ما قبل القضاء. وإن قالوا: أشهدناهم وغلطنا ضمنوا، وهذا عند محمد ﵀، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: لا ضمان عليهم؛ لأن القضاء وقع بشهادة الفروع؛ لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة وهي شهادتهم، وله: أن الفروع نقلوا شهادة الأصول، فصار كأنهم
ــ
[البناية]
رجعوا عن شهادتهم في مجلس القاضي بعد القضاء بشهادتهم ضمنوا المشهود به م: (لأن الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم، فكان التلف مضافا إليهم) ش: فوجب عليهم الضمان.
م: (ولو رجع شهود الأصل وقالوا لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا، فلا ضمان عليهم لأنهم أنكروا السبب وهو الإشهاد) ش: وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعن أحمد ﵀ في وجه: يضمنون كالمرتهن، م: (فلا يبطل القضاء لأنه خبر محتمل) ش: للصدق والكذب، فلا يبطل القضاء بالاحتمال.
م: (فصار كرجوع الشاهد) ش: أي شاهد الأصل، كما لو شهد بنفسه وقضى القاضي بشهادته، ثم رجع لا يبطل القضاء بالرجوع، فكذا لا يبطل بإنكار الإشهاد م: (بخلاف ما قبل القضاء) ش: يعني إذا أنكر شهود الأصل الإشهاد قبل القضاء بشهادة الفروع لا يقضي القاضي بشهادة الفروع بعد ذلك، كما إذا رجع الشهود قبل القضاء حيث لا يحكم القاضي بذلك.
م: وإن قالوا:) ش: أي الأصول م: أشهدنا وغلطنا ضمنوا) ش: أي الأصول م: (وهذا) ش: أي وجوب الضمان م: (عند محمد ﵀، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - لا ضمان عليهم، لأن القضاء وقع بشهادة الفروع؛ لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة وهي) ش: أي الحجة م: (شهادتهم) ش: فالمسألة ذكرها القدوري ﵀ ولم يذكر الخلاف، وذكره المصنف ﵀، ومثل ما ذكره ذكر " شرح الطحاوي " وعامة " شروح الجامع الكبير " و " الشامل ".
وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في " شرح أدب القاضي ": وروى محمد ﵀ عن أصحابنا أنه لا شيء عليهم. وروى أبو يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ في " الإملاء ": أن عليهم ضمان ذلك عاما في ظاهر الرواية، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - لا يضمنون، وعلى قول محمد ﵀ يضمنون كما روى أبو يوسف ﵀ في " الإملاء ".
م: (وله: أن) ش: أي ولمحمد ﵀ م: (الفروع نقلوا شهادة الأصول، فصار كأنهم
стр. 4606
حضروا، ولو رجع الأصول والفروع جميعا يجب الضمان عندهما على الفروع لا غير؛ لأن القضاء وقع بشهادتهم. وعند محمد ﵀ المشهود عليه بالخيار إن شاء ضمن الأصول، وإن شاء ضمن الفروع؛ لأن القضاء وقع بشهادة الفروع من الوجه الذي ذكرا، وبشهادة الأصول من الوجه الذي ذكر، فيتخير بينهما. والجهتان متغايرتان، فلا يجمع بينهما في التضمين.
وإن قال شهود الفرع: كذب شهود الأصل أو غلطوا في شهادتهم لم يلتفت إلى ذلك؛ لأن ما أمضى من القضاء لا ينتقض بقولهم، ولا يجب الضمان عليهم؛ لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم إنما شهدوا على غيرهم بالرجوع.
ــ
[البناية]
حضروا) ش: وشهدوا ثم حضروا ورجعوا م: (ولو رجع الأصول والفروع جميعا) ش: أي فعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (يجب الضمان عندهما على الفروع لا غير؛ لأن القضاء وقع بشهادتهم) ش: وهذا لأن سبب الإتلاف الشهادة القائمة في مجلس القاضي، وإذا وجد من الفروع فيجب عليهم الضمان عند الرجوع.
م: (وعند محمد ﵀: المشهود عليه بالخيار إن شاء ضمن الأصول، وإن شاء ضمن الفروع؛ لأن القضاء وقع بشهادة الفروع من الوجه الذي ذكرا) ش: أي أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله -: وهو أن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة، وهي شهادتهم م: (وبشهادة الأصول) ش: أي القضاء وقع بشهادة الأصول م: (من الوجه الذي ذكر) ش: أي محمد ﵀ وهو قوله - إن الفروع نقلوا شهادة الأصول - م: (فيتخير بينهما) ش: أي يتخير الشهود عليه في التضمين بينهما، أي بين الوجهين إن شاء ضمن الأصول، وإن شاء ضمن الفروع على مذهب محمد ﵀.
م: (والجهتان متغايرتان) ش: هذا جواب عما يقال لم لا يجمع بين الجهتين حتى يضمن كل فريق نصف التلف، وتقريره أن الجهتين متغايرتان؛ لأن شهادة الأصول كانت على أصل الحق وشهادة الفروع على شهادة الأصول ولا مجانسة بينهما م: (فلا يجمع بينهما) ش: أي بين الأصول والفروع م: (في التضمين) ش: بأن يقال: يضمن الفريقان حق المدعي عليه أيضا قابل له الخيار وفي تضمين أي الفريقين شاء.
[قال شهود الفرع كذب شهود الأصل وغلطوا في شهادتهم]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإن قال شهود الفرع: كذب شهود الأصل وغلطوا في شهادتهم لم يلتفت إلى ذلك) ش: أي إلى قولهم، وهذا القول بعد القضاء بشهادتهما، ولم يكن مهما ضمان ذلك؛ لأنهما يقران على غيرهما بأنهما كذبا، فلا يقبل قولهما فيه م: (لأن ما أمضى من القضاء لا ينتقض بقولهم، ولا يجب الضمان عليهم؛ لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم، إنما شهدوا على غيرهم بالرجوع) ش: وذلك لا يفيد شيئا.
стр. 4607
قال: وإن رجع المزكون عن التزكية ضمنوا، وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يضمنون لأنهم أثنوا على الشهود خيرا، فصاروا كشهود الإحصان. وله أن التزكية إعمال للشهادة، إذ القاضي لا يعمل بها إلا بالتزكية، فصارت بمعنى علة العلة. بخلاف شهود الإحصان؛ لأنه شرط محض.
قال: وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا، فالضمان على شهود اليمين خاصة؛ لأنه هو السبب، والتلف يضاف إلى مثبتي السبب دون الشرط المحض.
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن رجع المزكون عن التزكية ضمنوا) ش: لم يذكر القدوري فيه الخلاف، وقال المصنف ﵀: م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش:، وبه قال مالك وأحمد ﵀ م: (وقالا: لا يضمنون؛ لأنهم أثنوا على الشهود خيرا) ش: ولم يشهدوا بحق م: (فصاروا كشهود الإحصان) ش: إذا شهدوا بإحصان المشهود عليه، فإذا رجعوا بعد ذلك لا يضمنون. م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن التزكية إعمال للشهادة) ش: أي هي التي تميز الشهادة ويعمل بها م: (إذ القاضي لا يعمل بها) ش: أي بالشهادة م: (إلا بتزكية فصارت) ش: أي التزكية. م: (في معنى علة العلة) ش: والحكم يضاف إلى علة العلة كما يضاف إلى العلة، وإنما قال في معنى علة العلة؛ لأن الشهادة ليست بعلة، وإنما هي سبب أضيف الحكم إليه لتعذر الإضافة إلى العلة.
م: (بخلاف شهود الإحصان لأنه شرط محض) ش: لأن الشهادة على الزنا بدون الإحصان موجبة للعقوبة، وشهود الإحصان ما جعلوا غير الموجب موجبا، والحاصل أن الإحصان ليس فيه معنى العلة؛ لأن الإحصان علامة معرفة لحكم الزنا الصادر بعد الإحصان، فلا يتوقف بثبوت الزنا على ثبوت الإحصان، ويتوقف الحكم بشهود الزنا على التزكية فظهر الفرق، ولو رجع شهود الإحصان لم يضمنوا عندنا، وعند الشافعي في قول، ومالك ﵀ في رواية، وأحمد ﵀ في رواية: سواء رجعوا مع الشهود أو وحدهم، وقال زفر ﵀ والشافعي في قول، ومالك في رواية، وأحمد في رواية ﵀: يضمنون.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان) ش: أي وشهد شاهدان آخران م: (بوجود الشرط) ش: بيانه إذا شهد شاهدان على رجل أنه قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر وشهد آخران أنه دخل الدار، وقضى القاضي بعتقه.
م: (ثم رجعوا فالضمان) ش: أي ضمان قيمة العبد أو ضمان العبد م: (على شهود اليمين خاصة) ش: لفظ خاصة احتراز عن قول زفر ﵀ فإن الضمان عنده على الجميع م: (لأنه) ش: أي لأن اليمين م: (هو السبب، والتلف يضاف إلى مثبتي السبب دون الشرط المحض) ش: لأن السبب إذا صلح لإضافة الحكم إليه لا يضاف إلى الشرط كحافر البئر مع الملقي، فإن الضمان
стр. 4608
ألا ترى أن القاضي يقضي بشهادة اليمين دون شهود الشرط، ولو رجع شهود الشرط وحدهم اختلف المشايخ فيه. ومعنى المسألة يمين العتاق والطلاق قبل الدخول.
ــ
[البناية]
عليه دون الحافر، ثم أوضح المصنف ﵀ ذلك بقوله.
م: (ألا ترى أن القاضي يقضي بشهادة شهود اليمين دون شهود الشرط) ش: يعني أن القاضي يسمع الشهادة باليمين ويحكم بها، وإن لم يشهد بالدخول، وإن لم يتعلق بشهادتهم حق صاروا كشهود الإحصان، فلا يلزمهم الضمان كذا في " شرح الأقطع ".
م: (ولو رجع شهود الشرط وحدهم اختلف المشايخ ﵏ فيه) ش: وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: إلى عدم وجوب الضمان على شهود الشرط. وفي " المبسوط ": ظن بعض مشايخنا أن شهود الشرط يضمنون بالرجوع فيما إذا كان اليمين ثابتا بإقرار الولي، وقالوا: لأن العلة لا تصلح لإضافة الحكم إليها؛ لأنها ليست تنفذ، فيكون الحكم مضافا إلى الشرط، إذ الشرط يخلف العلة، وهو غلط، بل الصحيح من المذهب: أن شهود الشرط لا يضمنون، نص عليه في الزيادات؛ لأن قوله أنت حر مباشرة للإتلاف عند وجود المباشرة يضاف الحكم إليه لا إلى الشرط، سواء كان الشرط بطريق التعدي أو لا.
م: (ومعنى المسألة) ش: يريد به صورة المسألة م: (يمين العتق والطلاق قبل الدخول) ش: يعني شهد رجلان على أنه على عتق عبده أو طلاق امرأته بدخول الدار، وشهد آخران أنه وجد الشرط، فقضى القاضي بوقوع العتق والطلاق، ثم رجعوا جميعا، فالضمان على شهود اليمين دون الشرط لما قلنا، وإنما قيد بقوله قبل الدخول؛ لأن رجوع الشهود بالطلاق عن الشهادة إذا كان بعد دخول الزوج لا يضمنون شيئا، والله أعلم.
стр. 4609
كتاب الوكالة
ــ
[البناية]
[كتاب الوكالة]
[تعريف الوكالة وحكمها]
م: (كتاب الوكالة)
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الوكالة، وجه المناسبة بينه وبين كتاب الشهادات من حيث أن كلا منهما إعانة الغير واجبا حقه. والوكالة بكسر الواو وفتحها، التفويض والتسليم من وكل إليه الأمر إذا فوضه إليه. ويقال: الوكالة لغة الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى بمعنى الحافظ، وهو اسم للتوكيل من وكله، يوكله، توكيلا، والتوكيل إظهار العجز والاعتماد على الغير، والاسم التكلان، والوكيل القائم بما فوض إليه، والجمع الوكلاء فعيل بمعنى مفعول، ومعناه شرعا إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم وركنها لفظ وكلت وأشباهه.
وروى بشر عن أبي يوسف ﵀: إذا قال الرجل لغيره أحببت أن تبيع عبدي هذا أو هويت أو رضيت، أو شئت، أو أردت، فذلك توكيل وأمر بالبيع، وشرطها أن يملك الموكل تصرفا ويلزم الأحكام، كما سيجيء إن شاء الله تعالى، وحكمها جواز مباشرة الوكيل، فوض إليه وصفتها أنه عقد جائز، يملك كل من الموكل والوكيل العزل بدون رضى صاحبه، وسببها ما هو السبب في سائر المعاملات، وهو تعلق بناء المقدور تعاطيها، ومشروعيتها بالكتاب هو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] (الكهف: الآية ١٩) . ولم يلحقه النكير.
وبالسنة وهو ما روي: «أن النبي ﷺ وكل حكيم بن حزام بشراء الأضحية، وعروة البارقي به أيضا، وعمرو بن أمية بقبول نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأبا رافع بقبول نكاح ميمونة،» وبإجماع الأمة على جوازها من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وكذا المعقول يدل عليه، إذ الإنسان قد يعجز عن حفظ ماله عند خروجه للسفر، وقد يعجز عن التصرف في ماله، إما لقلة
стр. 4610
قال: كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره؛ لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال،
ــ
[البناية]
هديته أو لكثرة أشغاله أو لكثرة ماله، أو لضعفه أو لوجاهته لا يتولى الأمور بنفسه فاقتضى هذا المعنى جوازها.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره) ش: هذه ضابطة يتبين بها ما يجوز للوكيل به وما لا يجوز، واعترض عليها بأنها غير متطردة منعكسة.
أما الأول: فلأن الإنسان جاز له أن يستقرض بنفسه، والتوكيل به باطل وتبع على المستقرض الذي هو التوكيل لا على الموكل، والوكيل يعقد بنفسه، وإذا وكل غيره ولم يؤذن له في ذلك لا يجوز له. والذي إذا وكل مسلما في الخمر لم يجز، وجاز أن يعقد الذي بنفسه فيها.
وأما الثاني: فإن المسلم لا يجوز له عقد بيع الخمر وشراءها بنفسه، ولو وكل ذميا بذلك جاز عند أبي حنيفة ﵁.
والجواب عن الأول: أن محل العقد من شروطه كون المحل ملكا مشروطا كما عرف وليس بموجود في التوكيل بالاستقراض؛ لأن الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض، والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل.
وفي " الذخيرة ": لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مخرج الرسالة، بأن قال: فلان يستقرض منك كذا، ففعل المقرض تكون الدراهم للآمر حتى لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه، ولو أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن قال: أقرضني عشرة فالعشرة للوكيل، وله أن يمنعها من الآمر؛ لأن التوكيل بالاستقراض باطل، بخلاف الرسالة، والمراد من قوله " أن يعقده بنفسه " هو أن يكون مستبدا به، والوكيل ليس كذلك، والذي جاز له توكيل المسلم والممتنع توكيل المسلم عنه ليس كلامنا في ذلك لجواز أن يمنع مانع عن التوكيل، وإن صح التوكيل فقد وجد المانع وهو حرمة اقتراضه منها.
والجواب عن الثاني: بأن العكس غير لازم وليس بمقصود.
م: (لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال) ش: بأن يكون مريضا أو شيخا فانيا أو ذا وجاهة لا يتولى الأمور بنفسه، والتوكيل صحيح بدون هذه العوارض؛ لأن حكمة الحكم تراعى في الجنس لا في الإفراد كالسفر مع المسنة، وبهذا يجاب عما قيل بأن قوله " لأن الإنسان قد يعجز " دليل أخص من المدلول وهو جواز الوكالة فإنها جائزة. وإن لم يكن ثمة عجز
стр. 4611
فيحتاج إلى أن يوكل به غيره، فيكون بسبيل منه
دفعا للحاجة.
وقد صح أن النبي ﵊ وكل بالشراء حكيم بن حزام وبالتزويج عمر بن أم سلمة ﵄
ــ
[البناية]
أصلا، وتقرير الجواب كان ذلك بيان حكمة الحكم، وهي تراعي في الجنس لا في الإفراد، ويجوز أن يقال: ذكر الخاص وأراد العام، وهو الحاجة لأن الحاجة للعجز حاجة خاصة، وهو مجاز شائع وحينئذ يكون المناط وهو الحاجة، وقد يوجد بلا عجز م: (فيحتاج إلى أن يوكل به غيره فيكون بسبيل منه) ش: أي من التوكيل م: (دفعا للحاجة) ش: أي لأجل دفع الحاجة.
م: (وقد صح «أن النبي ﷺ وكل بالشراء حكيم بن حزام» ش: هذا رواه أبو داود في " سننه " حدثنا محمد بن كثير عن سفيان، حدثني أبو حصين عن شيخ من أهل المدينة «عن حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار فباعها بدينارين، فرجع واشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ فتصدق به النبي ﷺ ودعا له أن يبارك له في تجارته» وفي إسناده مجهول ورواه الترمذي.
حدثنا أبو كريب عن أبي حفص عن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام فذكره، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب لم يسمع عندي عن حكيم، انتهى.
وهكذا كما رأيت رواية أبي داود فيه مجهول، ورواه الترمذي منقطعا، فكيف يكون صحيحا حتى يقول المصنف، وقد صح؟! ولكن يمكن أن أستدل هنا بحديث عروة البارقي، فإن البخاري أخرجه في " صحيحه " عن على بن عبد الله، عن سفيان «عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى له به شاتين. فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعى له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه» .
فإن قلت: قالوا البخاري ﵀ بما أخرجه بغير الاحتجاج به وذكروا فيه كلاما كثيرا.
قلت: قال ابن العربي: إنه حديث صحيح، وقال الترمذي ﵀: فذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا به، وهو قول أحمد وإسحاق ﵏ وكفى بهذين الإمامين حجة، وحكيم بن حزام بكسر الحاء المهملة وبالزاي ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ويكنى أبا خالد يوم الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ مسلما، وكان من وجوه قريش وأشرافها، وعاش في الجاهلية ستين عاما، وفي الإسلام ستين عاما، ومات بالمدينة في خلافة معاوية ﵀ سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وذهب بصره قبل أن يموت.
م: (وبالتزويج عمر بن أم سلمة ﵄) ش: أي وكل رسول الله ﷺ بالتزويج عمر
стр. 4612
قال: وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق
ــ
[البناية]
ابن أم سلمة ﵂ وهذا رواه النسائي في " سننه " في النكاح عن حماد بن سلمة، أنبأنا ثابت، حدثني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه «عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ بعث إليها يخطبها..... الحديث، وفي آخره: فقالت أم سلمة: قم يا عمر فزوج رسول الله ﷺ ، فزوجه إياها ".»
وقال الأترازي: ولنا في توكيل عمر بن أبي سلمة ﵀ نظر؛ لأن النبي ﷺ تزوج أم سلمة بعد واقعة بدر في سنة اثنين، كذا قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى ﵀، وكان عمر ابن أبي سلمة ﵁ يوم توفي رسول الله ﷺ ابن تسع سنين، قاله الواقدي ﵀، ويكون على هذا الحساب سن عمر بن أبي سلمة سنة واحدة، فكيف يوكله رسول الله ﷺ يوم تزوج أم سلمة وهو طفل لا يعقل؟! انتهى.
قلت: منه والذي قاله سبق به ابن الجوزي ﵀، فقال في " التحقيق " في هذا الحديث نظر؛ لأن عمر ﵀ كان له من العمر يوم تزوجها رسول الله ﷺ ثلاث سنين، وكيف يقال لمثل هذا أن يزوج؟!، بيانه: أن رسول الله ﷺ تزوجها في سنة أربع، ومات ﵇ ولعمر تسع سنين، فعلى هذا يحمل قولها لعمر: قم فزوج، على الداعية للصغير، ولو صح أن الصغير زوجها فلأنه ﵇ لا يحتاج إلى ولي؛ لأنه مقطوع بكفاية.
وقال صاحب " التنقيح ": قوله: " أنه ﵇ مات ولعمر تسع سنين " بعيد وإن كان قد قاله الكلاباذي وغيره.
قال ابن عبد البر: قال: إنه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى الحبشة، ويقوي هذا ما أخرجه مسلم في " صحيحه " «عن عمر بن أبي سلمة ﵁: أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال ﵇: " سل هذه "، فأخبرته أم سلمة أنه ﵇ يصنع ذلك، الحديث» . فظاهر هذا أن عمر ﵁ كان كبيرا، وعرفت هذا أن الأترازي تكلم في هذا من غير تحرير ولا مراجعة إلى كتب الحديث، والحديث أخرجه أيضا أحمد وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى في " مسانيدهم "، ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[الوكالة بالخصومة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق) ش: قال الكاكي ﵀ في سائر الحقوق أي جميعا، ثم قال: وفي الصحاح سائر الناس جميعهم.
قلت: ذكر الجوهري هذا في كتاب " الراء في فصل السين مع الياء "، سائر الناس جميعهم.
стр. 4613
لما قدمنا من الحاجة، إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات، وقد صح أن عليا ﵁ وكل فيها عقيلا وبعدما أسن وكل عبد الله بن جعفر ﵁ وكذا بإيفائها واستيفائها، إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفائها مع غيبة الموكل عن المجلس
ــ
[البناية]
قالوا إنه وهم من وجهين، أحدهما في تفسيره؛ لأن السائر بمعنى الباقي لا بمعنى الجميع، والثاني أنه أورد في الأجوف وهو مهموز العين، وفي المثل السائر: اليوم وقد زال الظهر من سار، يعني نفي يضرب لطالب الشيء من بعد اليأس منه.
قلت: ذكر الجوهري أيضا أن كونه من مهموز العين لغة م: (لما قدمنا من الحاجة) ش: أشار به إلى قوله - " لأن الإنسان قد يعجز.... " إلى آخره م: (إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات، وقد صح أن عليا ﵁ وكل فيها عقيلا وبعدما أسن وكل عبد الله بن جعفر ﵁) ش: هذا أخرجه البيهقي عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: كان علي ﵁ يكره الخصومة، وكان إذا كانت له خصومة وكل فيها عقيل بن أبي طالب ﵁، فلما كبر عقيل وكلني. وأخرج أيضا عن علي ﵁ أنه كان وكل عبد الله بن جعفر ﵁ بالخصومة.
وقال الخصاف ﵀ في " أدب القاضي ": حدثنا معاذ بن أنس الخرساني، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق، عن جهم بن أبي الجهم، أن عليا ﵁ كان لا يحضر الخصومة، وكان يقول: إن لها قحما ويحضرها الشيطان، فجعل علي الخصومة إلي، فلما كبر ورق حولها إلي، فكان علي ﵁ يقول: ما قضى لوكيل وما قضى على وكيلي فعلي.
وفي " الفائق ": لكن [.....] أنه وكل أخاه عقيلا بالخصومة، ثم وكل بعده عبد الله بن جعفر وقال: لا يحضر الخصومة ويقول: إن لها قحما وإن الشياطين تحضرها إلى مهالك وشدائد، وقحم الطريق ما صعب منه وشق على سالكه، وفي هذا الحديث دليل أيضا على أن لا يحضر مجلس الخصومة بنفسه، وهو مذهبنا ومذهب عامة العلماء لصنيع علي ﵁. وقال بعض العلماء: الأولى أن يحضر بنفسه؛ لأن الامتناع من الحضور إلى مجلس القاضي من علامات المنافقين، وقد ورد الذم على ذلك، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] (النور: الآية ٤٨) ، وفيه تأمل. م: (وكذا) ش: أي وكذا يجوز م: (بإيفائها) ش: أي بإيفاء الحقوق وهو أداؤها م: (واستيفائها) ش: أي وباستيفاء الحقوق وهو قبضها م: (إلا في الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غيبة الموكل عن المجلس) ش: قيد به لأنه يجوز استيفاء القصاص والقذف في حضوره بإجماع الأئمة الأربعة، وفي غيبته لا يجوز عندنا، وبه قال الشافعي ﵀ في قول وهو نصه: ويقضي به القاضي الروياني من أصحابه
стр. 4614
لأنها تندرئ بالشبهات. وشبهة العفو ثابتة حال غيبة الموكل، بل هو الظاهر للندب الشرعي، بخلاف غيبة الشاهد؛ لأن الظاهر عدم الرجوع، وبخلاف حالة الحضرة لانتفاء هذه الشبهة، وليس كل أحد يحسن الاستيفاء، فلو منع عنه ينسد باب الاستيفاء أصلا، وهذا الذي ذكرناه قول أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ﵀:
لا تجوز الوكالة بإثبات الحدود والقصاص بإقامة الشهود أيضا، وقول محمد ﵀ مع أبي حنيفة ﵀، وقيل: مع أبي يوسف ﵀ وقيل: هذا الاختلاف في غيبته دون حضرته؛
ــ
[البناية]
﵀ وقال الشافعي ﵀ في الأصح، ومالك وأحمد: يجوز له استيفاء القصاص والقذف في غيبة الموكل، م: (لأنها تندرئ بالشبهات) .
م: (وشبهة العفو) ش: يعني في القصاص لأن الحدود لا يعفى عنها، وشبهة عفو ولي القصاص م: (ثابتة حال غيبة الموكل، بل هو الظاهر) ش: أي بل العفو هو الظاهر م: (للندب الشرعي) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] (البقرة الآية) م: (بخلاف غيبة الشاهد) ش: حيث يستوفى الحدود والقصاص مع غيبة الشهود وإن كان رجوعهم محتملاً م: (لأن الظاهر عدم الرجوع) ش: احترازاً عن الكذب والفسق. م: (وبخلاف حالة الحضرة) ش: أي حضرة الموكل في المجلس م: (لانتفاء هذه الشبهة) ش: أي شبهة العفو.
م: (وليس كل أحد يحسن الاستيفاء) ش: هذا جواب إشكال، وهو أن يقال: إذا كان الموكل حاضراً لم يحتج إلى التوكيل بالاستيفاء، إذ هو يستوفيه بنفسه، فأجاب بقوله " وليس كل أحد يحسن الاستيفاء "، يعني لقلة هدايته، أو لأن قلبه لا يحتمل ذلك، فيجوز التوكيل بالاستيفاء عند حضوره استحساناً م: (فلو منع عنه) ش: أي عن التوكيل م: (ينسد باب الاستيفاء أصلاً) ش: فلا يبقى.
م: (وهذا الذي ذكرناه) ش: يعني جواز التوكيل بإثبات الحدود والقصاص م: (قول أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال الأئمة الثلاثة ﵏.
م: (وقال أبو يوسف ﵀) ش: لا.
[الوكالة بإثبات الحدود والقصاص بإقامة الشهود]
م: (لا تجوز الوكالة بإثبات الحدود والقصاص بإقامة الشهود أيضاً) ش: وبه قال زفر ﵀ م: (وقول محمد ﵀ مع أبي حنيفة ﵀ وقيل: مع أبي يوسف ﵀) ش: وفي " شرح الطحاوي قول محمد ﵀ مضطرب، وفي بعض الروايات ذكر قوله مع أبي حنيفة ﵀ وفي بعضها مع أبي يوسف ﵀ وذكر الطحاوي في " مختصره " قول محمد ﵀ مع أبي حنيفة ﵀ م: (وقيل: هذا الاختلاف في غيبته) ش: أي في غيبة الموكل م: (دون حضرته) ش: فإن في حضرته يجوز التوكيل بلا خلاف م:
стр. 4615
لأن كلام الوكيل ينتقل إلى الموكل عند حضوره، فصار كأنه متكلم بنفسه. له أن التوكيل إنابة وشبهة النيابة يتحرز عنها في هذا الباب، كما في الشهادة على الشهادة، وكما في الاستيفاء. ولأبي حنيفة ﵀ أن الخصومة شرط محض؛ لأن الوجوب مضاف إلى الجناية والظهور إلى الشهادة، فيجري فيه التوكيل كما في سائر الحقوق. وعلى هذا الخلاف التوكيل بالجواب من جانب من عليه الحد والقصاص، وكلام أبي حنيفة ﵀ فيه أظهر؛ لأن الشبهة لا تمنع الدفع غير أن إقرار الوكيل غير مقبول عليه لما فيه من شبهة عدم الأمر به.
ــ
[البناية]
(لأن كلام الوكيل ينتقل إلى الموكل عند حضوره فصار كأنه متكلم بنفسه له) ش: أي لأبي يوسف ﵀ م: (أن التوكيل إنابة) ش: أي بدل عن خصومة الموكل والإنابة فيها شبهة م: (وشبهة الإنابة يتحرز عنها في هذا الباب) ش: أي في باب الحدود والقصاص م: (كما في الشهادة على الشهادة) ش: أي كما يتحرز عن الإنابة في الشهادة، يعني لا تجوز م: (وكما في الاستيفاء) ش: أي وكما يتحرز عن الإنابة، أي عن التوكل باستيفاء الحدود والقصاص مع اتفاقاً بالجواب مع غيبة الموكل. م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الخصومة شرط محض) ش: يعني ليس لها حظ في الوجوب ولا في الظهور م: (لأن الوجوب مضاف إلى الجناية، والظهور إلى الشهادة، فيجري فيه التوكيل كما في سائر الحقوق) ش: لأن " التوكيل " بها إثبات حق لا تؤثر فيه الشبهة. م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ م: (التوكيل بالجواب من جانب من عليه الحد والقصاص) ش: أي الحد، يعني إذا وكل مطلوب وهو من عليه الحد أو القصاص رجلاً بالجواب عنه في دفع ما يطالبه عليه، قال أبو حنيفة ﵀: يجوز. وقال أبو يوسف ﵀: لا يجوز. وقول محمد ﵀ مضطرب، وقوله " التوكيل " مبتدأ وخبره مقدماً عليه هو قوله " وعلى هذا الخلاف بالجواب " أي بأن يجيب عنه.
م: (وكلام أبي حنيفة ﵀ فيه) ش: أي في - التوكيل من جانب من عليه الحد م: (أظهر؛ لأن الشبهة لا تمنع الدفع) ش: أي لأن الشبهة المذكورة وهي شبهة البدلية على تقدير كونها معتبرة لا تمنع الدفع إلى الدار، ألا ترى الشهادة على الشهادة النساء مع الرجال في العفو صحيحة.
م: (غير أن إقرار الوكيل غير مقبول عليه) ش: يعني إذا أقر هذا الوكيل في مجلس القضاء بوجوب القصاص على موكله لا يصح استحساناً م: (لما فيه من شبهة عدم الأمر به) ش: أي في باب الإقرار من شبهة عدم الأمر بالإقرار.
وفي " المبسوط ": لو أقر في مجلس القضاء بوجوب القصاص على موكله يصح قياساً؛ لأنه قام مقام الموكل كما في سائر الحقوق. وفي الاستحسان لا يجوز كما ذكره المصنف.
стр. 4616
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز التوكيل بالخصومة من غير رضا الخصم، إلا أن يكون الموكل مريضا أو غائبا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا، وقالا: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم، وهو قول الشافعي ﵀. ولا خلاف في الجواز، إنما الخلاف في اللزوم،
ــ
[البناية]
م: (وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز التوكيل بالخصومة من غير رضا الخصم) ش: سواء كان التوكيل من جانب المدعي أو من جانب المدعى عليه، ويستوي عنده الموكل إذا كان رجلاً أو امرأة، بكراً كانت أو ثيباً م: (إلا أن يكون الموكل مريضاً أو غائباً مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً، وقالا يجوز التوكيل بغير رضا الخصم وهو قول الشافعي ﵀) ش: وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله -.
وفي " فتاوى قاضي خان ": كان أبو يوسف ﵀ أولاً يقول: لا تقبل الوكالة بغير رضى الخصم من الرجال وتقبل من النساء، ثم رجع وقال: تقبل من الرجال والنساء، ويستوي فيه الوضيع والشريف. وهو قول محمد والشافعي رحمهما الله، وبه أخذ الصفار.
وقال الإمام السرخسي ﵀: إذا علم القاضي التعنت من المدعي في إباء التوكيل يقبل التوكيل بغير رضاه وهو الصحيح عندي. وإن علم المقصد أي الاضطرار من الموكل بالمدعي ليشغل الوكيل بالحيل والأباطيل والتلبيس لا يقبل.
م: (ولا خلاف في الجواز) ش: أي لا خلاف بين أبي حنيفة ﵀ وبين صاحبيه في جواز التوكيل بالخصومة، م: (إنما الخلاف في اللزوم) ش:، فعند أبي حنيفة ﵀ لا يلزم، وعندهما يلزم معناه، وهل ترتد الوكالة برد الخصم أم لا عنده ترتد خلافاً لهما، فعلى هذا يكون معنى قول القدوري ﵀: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضى الخصم، أي لا يلزم إطلاق الاسم اللازم على الملزوم؛ لأن الجواز من لوازم اللزوم، هكذا قاله الأترازي ﵀.
وقال الأكمل ﵀: وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن الجواز لازم للزوم عرف ذلك في أصول الفقه سلمنا لكن ذلك ليس مجازاً. والحق: أن قوله: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضى الخصم في قوة قولنا التوكيل بالخصومة غير لازم، بل إن رضي به الخصم صح، وإلا فلا حاجة إلى قوله، ولا خلاف في الجواز وإلى التوجيه يجعله مجازاً، وفي " فتاوى العتابي " ﵀: التوكيل بغير رضى الخصم لا يجوز، معناه لا يجبر خصمه على قبول الوكالة، وهو المختار.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: التوكيل عند أبي حنيفة ﵀ بغير رضى الخصم صحيح، ولكن للخصم أن يطالب الموكل بأن يحضر بنفسه.
стр. 4617
لهما: أن التوكيل تصرف في خالص حقه، فلا يتوقف على رضاء غيره، كالتوكيل بتقاضي الديون. وله: أن الجواب مستحق على الخصم، ولهذا يستحضره. والناس متفاوتون في الخصومة، فلو قلنا بلزومه، يتضرر به فيتوقف على رضاه كالعبد المشترك إذا كاتبه أحدهما يتخير الآخر بخلاف المريض والمسافر؛ لأن الجواب غير مستحق عليهما هنالك، ثم كما يلزم التوكيل عنده من المسافر يلزم إذا أراد السفر
لتحقق الضرورة.
ــ
[البناية]
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله م: (أن التوكيل تصرف في خالص حقه) ش: أي في حق الموكل، وهذا لأنه وكله إما بالجواب أو بالخصومة، وكلاهما حق الموكل، فإذا كان كذلك م: (فلا يتوقف على رضاء غيره كالتوكيل بتقاضي الديون وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن الجواب مستحق على الخصم) ش: أي على الخصم م: (ولهذا يستحضره) ش: في مجلس القاضي.
م: (والناس متفاوتون في الخصومة) ش: وفي جوابها، فرب إنسان يصور الباطل بصورة الحق، ورب إنسان لا يمكنه تمشية الحق على وجه، فيحمل أن الوكيل ممن له حذق في الخصومات فيتضرر بذلك الخصم فيتشرط رضاه م: (فلو قلنا بلزوم) ش: أي بلزوم التوكيل بالخصومة م: (يتضرر به) ش: أي الخصم. فإذا كان كذلك م: (فيتوقف على رضاه) ش: أي على رضى الخصم ثم نظر هذا بقوله: م: (كالعبد المشترك إذا كاتبه أحدهما) ش: أي أحد الشريكين م: (يتخير الآخر) ش: أي الشريك الآخر بين أن يرضى به وبين أن يفسخه دفعاً للضرر عنه.
م: (بخلاف المريض والمسافر) ش: أما المريض فلعجزه بالمرض، وأما المسافر فلغيبته م: (لأن الجواب غير مستحق عليهما) ش: لو لم يسقط عنهما لزم الحرج. قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (الحج: الآية ٧٨) . م: (هنالك) ش: أي في المكان الذي كان فيه.
وفي " فتاوى قاضي خان " ﵀: ثم المريض إذا كان لا يستطيع أن يمشي على قدميه، ولكن يمكنه بركوب الدابة أو أيدي الناس، فإن ازداد مرضه بالركوب صح توكيله بغير رضى الخصم، وإن كان لا يزداد اختلفوا فيه على الخلاف أيضاً، وقيل له أن يوكل بغير رضاء وهو الصحيح م: (ثم كما يلزم التوكيل عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (من المسافر يلزم إذا أراد السفر لتحقق الضرورة) ش: إذ لو لم يجز يلحقه الحرج بالانقطاع عن مصالحه.
وقال قاضي خان ﵀ في فتاواه ": لكن لا يصدق أنه يريد السفر، ولكن القاضي ينظر إلى زيد وعدة سفره، أو يسأل عمن يريد أن يخرج معه فيسأله عن رفقائه، كما في فسخ الإجازة إذا أراد المستأجر فسخها بعذر السفر، فبمجرد قوله أريد السفر لا يثبت العذر إذا لم يصدقه الآجر، لكن يسأله القاضي فيقول له مع من تريد الخروج؟ ثم يسأل رفقته فإن قالوا: نعم تحقق العذر، وهو السفر في فسخ الإجارة فكذا هنا.
стр. 4618
ولو كانت المرأة مخدرة لم تجر عادتها بالبروز وحضور مجلس الحكم قال الرازي ﵀ يلزم التوكيل؛ لأنها لو حضرت لا يمكنها أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها. قال ﵁ وهذا شيء استحسنه المتأخرون. قال: ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف.
ــ
[البناية]
م: (ولو كانت المرأة مخدرة) ش: قال البزدوي: المخدرة هي التي لا يراها غير المحارم من الرجل، أما التي جلست على المنصة فرآها الأجانب لا تكون مخدرة، فلو وكلت بالخصومة، فوجب عليها اليمين وهي لا تعرف بالخروج ومخالطة الرجال في الحوائج يبعث القاضي إليها ثلاثة من العدول ويستحلفها أحدهم، ويشهد الآخران على حلفها. وكذا في المريضة إذا وجب عليها يمين؛ لأن النيابة لا تجري في الأيمان.
هكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ في " أدب القاضي "، وذكر فيه: وإن كان يبعث إلى المخدرة والمريضة وإلى المريض خليفته فيفصل الخصومة هنالك يجوز؛ لأن مجلس الخليفة كمجلسه.
وفي " الذخيرة ": ومن الأعذار التي توجب لزوم التوكيل بغير رضى الخصم عند أبي حنيفة ﵀ الحيض في المرأة، إذا كان القاضي يقضي في المسجد، وهذه المسألة على وجهين: إن كانت الحائض طالبة قبل منها التوكيل بغير رضى الخصم، وإن كانت مطلوبة أو أخرها الطالب حتى يخرج القاضي من المسجد لا يقبل توكيلها بغير رضى خصمه، وإلا يقبل ولو كان الموكل محبوساً فهو على وجهين، إن كان محبوساً في سجن هذا القاضي لا يقبل التوكيل بغير رضى خصمه؛ لأن القاضي يخرجه حتى يخاصم ثم يعيده إلى السجن. وإن كان محبوساً في سجن الوالي ولا يمكنه الوالي من الخروج يلزم توكيله بغير رضى خصمه.
م: (لم تجر عادتها بالبروز وحضور مجلس الحكم. قال الرازي ﵀ يلزم التوكيل؛ لأنها لو حضرت لا يمكنها أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها) ش: والمراد بالرازي أبو بكر الخصاف أحمد بن علي ﵀ صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول والفروع وأحكام القرآن، وإليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة ﵀ ببغداد بعد الشيخ أبي الحسن الكرخي، وكانت ولادته سنة خمس وثلاثمائة ومات سنة سبع وثلاثمائة م: (قال ﵁ وهذا شيء استحسنه المتأخرون) ش: قال الأترازي ﵀ أي قال أبو بكر الرازي ﵀: وقال الأكمل، أي قال المصنف وشيخي العلاء - رحمهما الله - قال مثل ما قال الأترازي، وهو الظاهر.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف) ش: أي التصرف الذي وكل به. وفي " الذخيرة ": هذا القيد، وقع على قولهما لا على
стр. 4619
وتلزمه الأحكام،
ــ
[البناية]
قول أبي حنيفة ﵀ فإن عنده شرط الوكالة كون التوكيل حاصلاً بما يملكه، بيانه أن الشرط عنده أن يكون الوكيل مالكاً لذلك التصريف الذي وكل به، ولهذا قالا: كل عقد لا يجوز للموكل أن يباشره بنفسه لا يجوز للموكل أن يباشره له كما وكله ببيع الدم والميتة.
قلنا: ينتقض هذا الكلي بعقد الصرف، فإنه لا يجوز للموكل أن يباشره بنفسه إذا كان غائباً، ويجوز للوكيل أن يتولاه، وكذلك الحاكم لا يجوز أن يحكم لنفسه، ويجوز أن يحكم له غيره، والقياس على الدم والميتة ضعيف؛ لأن أهل الذمة لا يعتقدونه مالاً، فلا يملك الوكيل تصرفه.
وقال الأترازي ﵀ هذا الشرط الذي يشرطه القدوري يستقيم على مذهب الكل، وإنما خص هذا القائل للاستقامة على مذهبهما؛ لأنه لم يدرك كنه كلام القدوري ﵀ إذ مضمونه كلامه: أن الوكالة لها شرط في الموكل وشرط في الوكيل:
فالأول: أن يكون الموكل ممن يملك التصرف ويلزمه الأحكام.
والثاني: أن يكون الوكيل ممن يعقل البيع ويقصده، ومعنى قوله: أن يكون ممن يملك التصرف، أن يكون له ولايته شرعاً في جنس التصرف بأهلية نفسه، بأن يكون عاقلاً بالغاً على وجه يلزمه حكم التصرف، وهذا المعنى حاصل في توكيل المسلم الذمي في الخمر والخنزير بيعاً وشراء؛ لأن المسلم الموكل عاقل بالغ له ولاية شرعاً في جنس التصرف، إلا في كل الأفراد على وجه يلزمه التصرف فيما يتصرف بولايته.
والشرط الآخر: وهو أن يعقل البيع ويقصده حاصل في الوكيل أيضاً وهو الذمي؛ لأنه يعقل معنى البيع والشراء، أو يقصده، فصح الشرط إذن على مذهب الكل.
وقال الأكمل: ﵀ بعد قوله المصنف ﵀ قال: ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف ويلزمه الأحكام. قال صاحب " النهاية " إن هذا القصد وقع على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -، وأما على قول أبي حنيفة فمن شرطها أن يكون الوكيل ممن يملك التصرف؛ لأن المسلم لا يملك التصرف في الخمر، ولو وكل به جاز عنده، ومنشأ هذا التوهم أن جعل اللام في قوله يملك التصرف للعبد أي يملك التصرف الذي وكل به.
وأما إذا جعلت للجنس حتى يكون معناه يملك جنس التصرف احترازاً عن الصبي والمجنون فيكون على مذهب الكل.
م: (وتلزمه الأحكام) ش: قيل هذا احتراز عن الوكيل، فإن الوكيل لا يثبت له حكم تصرفه حتى لا يملك الوكيل بالشراء المبيع ولا الوكيل بالبيع الثمن، فلا يصح توكيل الوكيل غيره، وقيل:
стр. 4620
لأن الوكيل يملك التصرف من جهة الموكل، فلا بد من أن يكون الموكل مالكا ليملكه من غيره. ويشترط أن يكون الوكيل ممن يعقل العقد ويقصده؛ لأنه يقوم مقام الموكل في العبارة، فيشترط أن يكون من أهل العبارة حتى لو كان صبيا لا يعقل أو مجنونا كان التوكيل باطلا.
وإذا أوكل الحر العاقل البالغ، أو المأذون مثلهما جاز؛ لأن الموكل مالك للتصرف، والوكيل من أهل العبارة. وإن وكل صبيا محجورا يعقل البيع والشراء، أو عبدا محجورا جاز، ولا يتعلق بهما الحقوق، وتتعلق بموكلهما؛ لأن الصبي من أهل العبارة. ألا ترى أنه ينفذ تصرفه بإذن وليه،
ــ
[البناية]
احتراز عن الصبي المحجور، فإنهما لو اشتريا شيئاً لا يملكانه فلذلك لم يصح توكيلهما م: (لأن الوكيل يملك التصرف من جهة الموكل، فلا بد من أن يكون الموكل مالكاً ليملكه من غيره، ويشترط أن يكون الوكيل ممن يعقل العقد) ش: بأن يعرف أن البيع سالب للملك، والشراء جالب وعرف الغبن اليسير من الفاحش م: (ويقصده) ش: أي يقصد العقد بمباشرة السبب لثبوت الملك ولا يكون هازلاً فيه م: (لأنه) ش: أي لأن الوكيل م: (يقوم مقام الموكل في العبارة، فيشترط أن يكون من أهل العبارة) ش: في الكلام فلا بد أن يكون من العبارة ولا يكون هذا إلا بالعقل والتمييز؛ لأن كلام غير المميز كألحان الطيور ونتيجة هذا هو قوله م: (حتى لو كان) ش: أي الوكيل م: (صبياً لا يعقل أو مجنونا كان التوكيل باطلاً) ش: إذ لا يتعلق بقولهما حكم وليس لهما قول صحيح.
[أوكل الحرالعاقل البالغ أو المأذون مثلهما]
م: (وإذا أوكل الحر العاقل البالغ، أو المأذون مثلهما جاز) ش: قال الكاكي ﵀: هذا غير منحصر على المثلية في صفة الحرية والرقية، بل يجوز للموكل أن يوكل من فوقه كتوكيل العبد المأذون الحر، أو من دونه كتوكيل الحر العبد المأذون لأن التعليل بقوله م: (لأن الموكل مالك للتصرف، والوكيل من أهل العبارة) ش: يشمل الأوجه الثلاثة من المثلية والفوقية والدونية.
وقال الأترازي: كان ينبغي أن يقيد قوله " الحر البالغ " بالعاقل أيضاً؛ لأن المجنون إذا وكل غيره لا يصح، وكأنه إنما لم يقيد الحر بذلك بناء على الغالب، وإن الغالب أحوال الحر البالغ أن يكون عاقلاً، وكونه مجنوناً نادر، إنما أطلق المأذون حتى يشمل العبد والصبي الذي يعقل البيع والشراء، إذا كان مأذوناً له في التجارة؛ لأن توكيل الصبي المأذون غيره جائز كسائر تصرفاته، بخلاف ما إذا كان الصبي محجوراً حيث لا يجوز له أن يوكل غيره.
م: (وإن وكل) ش: يعني أحد م: (صبياً محجوراً يعقل البيع والشراء، أو عبداً محجوراً جاز) ش: وبه قال أحمد ﵀، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز م: (ولا يتعلق بهما الحقوق) ش: كالقاضي وأمينه، حيث لا عهدة عليهما فيما فعلا، وفيه إشارة إلى أنهما لو كانا مأذونين تتعلق الحقوق بهما لا بموكلهما م: (وتتعلق بموكلهما) ش: أي وتتعلق الحقوق لموكل الصبي المحجور والعبد المحجور م: (لأن الصبي من أهل العبارة، ألا ترى أنه ينفذ تصرفه بإذن وليه) .
стр. 4621
والعبد من أهل التصرف على نفسه مالك له، إنما لا يملكه في حق المولى. والتوكيل ليس تصرفا في حقه، إلا أنه لا يصح منهما التزام العهدة. أما الصبي لقصور أهليته والعبد لحق سيده، فتلزم الموكل. وعن أبي يوسف ﵀ أن المشتري إذا لم يعلم بحال البائع ثم علم أنه صبي أو مجنون أو محجور له خيار الفسخ؛ لأنه دخل في العقد على أن حقوقه تتعلق بالعاقد، فإذا ظهر خلافه يتخير. كما إذا عثر على عيب
قال: والعقد الذي يعقده الوكلاء على ضربين كل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه كالبيع والإجارة، فحقوقه تتعلق بالوكيل دون الموكل. وقال الشافعي ﵀ تتعلق بالموكل؛ لأن الحقوق تابعة لحكم التصرف، والحكم هو الملك يتعلق بالموكل، فكذا توابعه وصار كالرسول والوكيل في النكاح.
ــ
[البناية]
م: (والعبد من أهل التصرف على نفسه مالك له، وإنما لا يملكه) ش: أي التصرف م: (في حق المولى) ش: دفعاً للضرر م: (والتوكيل ليس تصرفاً في حقه) ش: أي في حق المولى، إذ صحة التوكيل تتعلق بعبارته وأهليته والعبد يبقى على أصل الحرية في ذلك؛ لأن صحة العبارة بكونه آدمياً.
م: (إلا أنه) ش: جواب إشكال وهو أن يقال إنهما لو كانا من أهل التصرف، ينبغي أن يصح منهما التزام العهدة، فأجاب بقوله " إلا أنه " أي ضمير أن الشأن م: (لا يصح منهما) ش: أي من الصبي والعبد م: (التزام العهد. أما الصبي لقصور أهليته) ش: بعدم البلوغ م: (والعبد لحق سيده) ش: لئلا يلزم الضرر به، وإذا كان كذلك م: (فتلزم) ش: أي الحقوق م: (الموكل) ش: لأنه لما تعذر التزام العهدة بهما تعلق بأقرب الناس إليهما، وهو من انتفع بهذا التصرف وهو الموكل.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أن المشتري إذا لم يعلم بحال البائع ثم علم أنه صبي أو مجنون) ش: قيل في " حاشية نسخة المصنف " - أو محجور - ومتنها " مجنون "، في بعض النسخ " أو عبد محجور " ولهذا قال في الكافي " -: ثم علم أنه صبي محجور أو عبد محجور م: (له خيار الفسخ) ش: وذلك م: (لأنه) ش: أي لأن المشتري م: (دخل في العقد على أن حقوقه تتعلق بالعاقد، فإذا ظهر خلافه يتخير، كما إذا عثر) ش: أي اطلع م: (على عيب) ش: الجامع بينهما عدم الرضى.
[أضرب العقد الذي يعقده الوكلاء]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والعقد الذي يعقده الوكلاء على ضربين كل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه كالبيع والإجارة، فحقوقه تتعلق بالوكيل دون الموكل. وقال الشافعي ﵀ تتعلق بالموكل) ش: قال مالك وأحمد - رحمهما الله - م: (لأن الحقوق تابعة لحكم التصرف، والحكم هو الملك يتعلق بالموكل، فكذا توابعه) ش: أي توابع الملك م: (وصار) ش: أي الوكيل م: (كالرسول) ش: بأن قال لآخر: كن رسولي في بيع عبدي م: (والوكيل في النكاح) ش: فإن حقوق عقد النكاح تتعلق بالموكل اتفاقاً.
стр. 4622
ولنا: أن الوكيل هو العاقد حقيقة؛ لأن العقد يقوم بالكلام وصحة عبارته لكونه آدميا. وكذا حكما؛ لأنه يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو كان سفيرا عنه لما استغنى عن ذلك كالرسول، وإذا كان كذلك كان أصيلا في الحقوق فتتعلق به. ولهذا قال في الكتاب: يسلم المبيع ويقبض الثمن ويطالب بالثمن إذا اشترى، ويقبض المبيع ويخاصم في العيب ويخاصم فيه؛ لأن كل ذلك من الحقوق والملك يثبت للموكل له خلافة عنه اعتبارا للتوكيل السابق،
ــ
[البناية]
م: (ولنا أن الوكيل هو العاقد حقيقة) ش: أي من حيث الحقيقة م: (لأن العقد يقوم بالكلام وصحة عبارته) ش: أي عبارة العاقد م: (لكونه آدمياً) ش: عاقلاً أهلاً للتصرف، فقضيته تستدعي أن يكون الحاصل بالتصرف واقعاً له، غير أن الموكل استنابه في تحصيل الحكم وجعلناه نائباً في حق الحكم وراعينا الأصل في حق الحقوق.
م: (وكذا حكماً) ش: أي وكذا العاقد هو العاقد من حيث الحكم، واستدل المصنف على ذلك بقوله م: (لأنه) ش: أي لأن الوكيل م: (يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو كان سفيراً عنه لما استغنى عن ذلك) ش: أي من إضافة العقد إليه م: (كالرسول) ش: فإنه لا يستغنى عن إضافة العقد إلى الرسول م: (وإذا كان كذلك كان) ش: أي الوكيل م: (أصيلاً في الحقوق فتتعلق به) ش: أي بالوكيل.
م: (ولهذا) ش: أي فلأجل كون الوكيل أصيلاً في الحقوق م: (قال في الكتاب) ش: أي: قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير " و " المبسوط ".
وقال الأترازي ﵀: أي قال القدوري ﵀ في " مختصره " وهذا هو الظاهر فإنه قال في " مختصره ": م: (يسلم المبيع ويقبض الثمن) ش: إذا كان وكيلاً بالبيع م: (ويطالب) ش: على صيغة المجهول أي الوكيل يطالب م: (بالثمن إذا اشترى، ويقبض المبيع ويخاصم) ش: بفتح الصاد على بناء المجهول أي يخاصم الوكيل م: (في العيب ويخاصم فيه) ش: إذا اشترى م: (لأن كل ذلك من الحقوق) ش: أي من حقوق العقد.
م: (والملك يثبت) ش: جواب سؤال مقدر وهو أن يقال كما ثبت الملك م: (للموكل) ش: ينبغي أن تثبت الحقوق له كما قاله الشافعي ﵀ فأجاب عنه بقوله: والملك يثبت م: (له) ش: أي للموكل م: (خلافه عنه) ش: أي بطريق الخلافة عن الوكيل لا أصالة م: (اعتباراً للتوكيل السابق) ش: يعني يقوم الموكل مقامه في ثبوت الملك له للاعتبار للتوكيل الذي سبق.
واعلم أن المشايخ ﵏ اختلفوا في أن الملك يثبت للوكيل بالشراء ثم ينتقل إلى الموكل منه أو يثبت للموكل ابتداء.
قال الكرخي ﵀: ومن تابعه بالأول وإليه ذهب بعض أصحابنا وهو اختيار
стр. 4623
كالعبد يتهب ويصطاد ويحتطب هو الصحيح.
قال ﵁ وفي مسألة العيب تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى. قال: وكل عقد يضيفه إلى موكله كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فإن حقوقه تتعلق بالموكل دون الوكيل، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها؛ لأن الوكيل فيها سفير محض. ألا ترى أنه لا يستغنى عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو أضافه إلى
ــ
[البناية]
قاضي خان ﵀، وقاله أبو طاهر الدباس ﵀ بالثاني، وهو مذهب الجماعة من أصحابنا ﵏.
م: (كالعبد يتهب ويصطاد) ش: أي كالعبد يقبل الهبة ويصطاد الصيد فإنه يثبت الملك للمولى م: (ويحتطب) ش: ابتداء م: (هو الصحيح) ش: احترز به عن قول الكرخي ﵀.
وفي " الفتاوى الصغرى " قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: قول أبو طاهر ﵀ أصح، وقول الشافعي ﵀ كقول أبي طاهر ﵀.
وذكر الصدر الشهيد: أن القاضي أبا زيد خالفهما، فقال الوكيل نائب في حق الحكم أصيل في حق الحقوق يثبت له ثم ينتقل إلى الموكل من قبله، فوافق الكرخي ﵀ في حق الحقوق، ووافق أبا طاهر في حق الحكم وهذا أحسن.
وقال في الفتاوى الصغرى: الوكيل ما دام حياً وإن كان غائباً لا تنتقل الحقوق إلى الموكل، وقال أيضاً: ذكر الفضيل ﵀ أن الوكيل بالبيع إذا مات عن وصي فالحقوق تنتقل إلى وصيه دون الموكل، ولو مات ولم يوص يرفع الأمر إلى القاضي لينصب وصياً وهو قول بعض مشايخنا ﵏.
وقال بعضهم ينتقل إلى موكله ولأنه قبض الثمن.
م: (قال ﵁) ش: أي المصنف ﵀: م: (وفي مسألة العيب تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى) ش: نذكره بعد هذا عند قوله: وإن اشترى الوكيل ثم اطلع على عيب.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وكل عقد) ش: هذه ضابطة الضرب الثاني م: (يضيفه) ش: أي الوكيل م: (إلى موكله كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فإن حقوقه تتعلق بالموكل دون الوكيل) ش: فإذا كان كذلك م: (فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها) ش: أي تسليم المرأة إلى موكله م: (لأن الوكيل فيها) ش: أي في هذه الأشياء المذكورة م: (سفير محض) ش: كالرسول.
م: (ألا ترى أنه) ش: أي أن الوكيل م: (لا يستغنى عن إضافة العقد إلى الموكل ولو أضافه إلى
стр. 4624
نفسه كان النكاح له، فصار كالرسول وهذا لأن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن السبب؛ لأنه إسقاط فيتلاشى فلا يتصور صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره فكان سفيرا.
والضرب الثاني من أخواته العتق على مال، والكتابة والصلح عن الإنكار. فأما الصلح الذي هو جار مجرى البيع فهو من الضرب الأول، والوكيل بالهبة والتصدق والإعارة والإيداع والرهن والإقراض سفير أيضا؛ لأن الحكم فيها يثبت بالقبض، وأنه يلاقي محلا مملوكا للغير فلا يجعل أصيلا.
ــ
[البناية]
نفسه كان النكاح له فصار كالرسول) ش: في باب البيع م: (وهذا) ش: أي كونه كالرسول فيها م: (لأن الحكم فيها) ش: أي في هذه العقود وهي النكاح وأمثاله م: (لا يقبل الفصل عن السبب) ش: وهو العقد، ولهذا لا يدخل فيها خيار الشرط؛ لأنه من قبيل الإسقاطات، فلا يقبل تراخي الحكم بالخيار وغيره، وأشار إلى هذا بقوله: م: (لأنه إسقاط فيتلاشى) ش: أي فيضمحل.
م: (فلا يتصور صدوره) ش: أي صدور السبب بطريق الأصالة م: (من شخص وثبوت حكمه لغيره فكان سفيراً) ش: بخلاف البيع، فإن حكمه ينفصل عن السبب كما في البيع بشرط الخيار، فجاز أن يصدر السبب من شخص أصالة ويقع الحكم لغيره خلافة، وقيدنا بقوله " أصالة " إذ السبب يصدر من الوكيل نيابة في النكاح.
م: (والضرب الثاني من أخواته) ش: أي ومن أخوات الضرب الثاني، م: (العتق على مال) ش: قوله " الضرب الثاني " مبتدأ وقوله " من أخواته " جملة وقعت خبراً له، وأراد بالضرب الثاني كل عقد يضيفه الوكيل إلى موكله، قاله الأترازي ﵀ والصواب: أن يكون الضرب الثاني مبتدأ وقوله " من أخواته " خبراً لقوله " العتق على مال " مقدماً على المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول، وصورة العتق على مال أن يوكل أحداً على أن يعتق عبده على مال م: (والكتابة والصلح عن الإنكار) ش: جعل من هذا القبيل؛ لأن بدل الصلح بمقابلة دفع الخصومة في حق المدعى عليه.
م: (فأما الصلح الذي هو جار مجرى البيع) ش: أراد به الصلح عن إقرار وجعله جار مجرى البيع؛ لأنه مبادلة مال بمال، فكان حكمه حكم البيع م: (فهو من الضرب الأول) ش: متعلق الحقوق بالوكيل دون الموكل. م: (والوكيل بالهبة) ش: يعني إذا وكل رجلاً بأن يهب عبده لفلان م: (وبالتصدق) ش: بأن وكله أن يتصدق على فلان م: (والإعارة) ش: بأن وكله أن يؤجر فلاناً داره م: (والإيداع) ش: بأن وكله أن يودع متاعه.
م: (والرهن) ش: بأن وكله بأن يرهن متاعه م: (والإقراض) ش: بأن وكله بأن يقرض فلاناً م: (سفير أيضاً) ش: هذا خبر لقوله " والوكيل بالهبة " فإذا كان الوكيل في هذه الأشياء سفيراً تعلقت حقوق العقد بموكله م: (لأن الحكم فيها) ش: أي في العقود المذكورة م: (تثبت بالقبض وأنه) ش: أي وأن القبض م: (يلاقي محلاً مملوكاً للغير فلا يجعل أصيلاً) ش: أي فلا يجعل الوكيل في هذه
стр. 4625
وكذا إذا كان الوكيل من جانب الملتمس، وكذا الشركة والمضاربة، إلا أن التوكيل بالاستقراض باطل حتى لا يثبت الملك للموكل بخلاف الرسالة فيه.
قال: وإذا طالب الموكل المشتري بالثمن ، فله أن يمنعه إياه؛ لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه، لما أن الحقوق إلى العاقد، فإن دفعه إليه جاز ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانيا؛ لأن نفس الثمن المقبوض حقه، وقد وصل إليه ولا فائدة في الأخذ منه ثم الدفع إليه،
ــ
[البناية]
الأشياء أصيلاً؛ لأنه أجنبي عن المحل الذي يلاقي القبض، فكان سفيراً ومعبراً عن المالك.
م: (وكذا) ش: يعني يكون سفيراً م: (إذا كان الوكيل من جانب الملتمس) ش: لذلك، نحو أن وكله بالاستعارة أو الارتهان أو الاستيهاب، فالحكم والحقوق كلها تتعلق بالموكل م: (وكذا الشركة والمضاربة) ش: يعني إذا وكل بالشركة أو بالمضاربة، فالوكيل فيهما سفير أيضاً، لا تتعلق حقوق العقد به بل تتعلق بالموكل؛ لأن الوكيل لا بد له من إضافة العقد إلى موكله، فكان سفيراً حتى لو أضاف العقد إلى نفسه لا يقع عن موكله.
م: (إلا أن التوكيل بالاستقراض باطل) ش: هذا استثناء من قوله: وكذا إذا كان الوكيل من جانب الملتمس بيان بطلان استقراض الوكيل بأن العبارة للوكيل والمحل الذي أمره بالتصرف ملك الغير، فإن الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض، والأمر بالتصرف في ملك [الغير] باطل م: (حتى لا يثبت الملك للموكل) ش: حتى لو هلك الذي استقرضه هلك على الوكيل، م: (بخلاف الرسالة فيه) ش: أي في الاستقراض، فإن الرسالة فيه تصح بأن يقول: أرسلني فلان إليك يستقرض منك، ويثبت الملك للمستقرض.
[طالب الموكل المشتري بالثمن]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا طالب الموكل المشتري بالثمن فله أن يمنعه إياه) ش: أي فللمشتري منعه إياه خلافاً للأئمة الثلاثة؛ لأن الحقوق ترجع إلى الموكل عندهم م: (لأنه) ش: أي لأن الموكل م: (أجنبي عن العقد وحقوقه، لما أن الحقوق إلى العاقد فإن دفعه إليه) ش: أي ولو دفع المشتري الثمن إلى الموكل م: (جاز) ش: دفعه م: (ولم يكن للوكيل أن يطالبه به) ش: أي أن يطالب المشتري بالثمن م: (ثانياً) ش: أي ثاني مرة م: (لأن نفس الثمن المقبوض حقه) ش: أي حق الموكل م: (وقد وصل إليه) ش: أي وقد وصل حقه إليه، وإذا كان كذلك م: (ولا فائدة في الأخذ منه) ش: أي من الموكل م: (ثم الدفع إليه) ش: وهذا بخلاف الوكيل في بيع الصرف، فإن هناك لو قبض الموكل بدل الصرف لا يجوز لأن بيع الصرف يتعلق بالقبض، فكان القبض فيه بمنزلة الإيجاب والقبول. ولو ثبت للوكيل حق القبول، وقبل الموكل لم يجز، فكذا إذا ثبت له حق القبض.
وفي " الذخيرة ": ونقل من " مختلف الرواية " أن المشتري من الوصي لو دفع الثمن إلى الصبي، فللوصي أن يرجع إلى المشتري.
следующие страницы →