Полный текст (7 019 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
عبد مأذون مديون أعتقه مولاه حتى ضمن قيمته للغرماء ويطالب العبد بجميع الدين، فلو وكله الطالب بقبض المال عن العبد كان باطلا لما بيناه.
قال: ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بتسليم الدين إليه لأنه إقرار على نفسه؛ لأن ما يقبضه خالص ماله فإن حضر الغائب فصدقه وإلا دفع إليه الغريم الدين ثانيا لأنه لم يثبت الاستيفاء حيث أنكر الوكالة والقول في ذلك قوله مع يمينه
ــ
[البناية]
بعض النسخ: وهو نظير م: (عبد مأذون مديون أعتقه مولاه حتى ضمن قيمته) ش: أي قيمة العبد سواء كان موسرا أو معسرا م: (للغرماء ويطالب العبد بجميع الدين، فلو وكله الطالب) ش: أي طلب مال المولى الطالب م: (بقبض المال عن العبد كان باطلا) ش: أي كان التوكيل باطلا م: (لما بيناه) ش: وهو أنه يصير عاملا لنفسه لأنه مبرئ نفسه.
وفي " شرح الطحاوي ": المولى إذا أعتق عبده المديون جاز عتقه، لأن ملكه باق فيه والغرماء بالخيار إن شاءوا اتبعوا العبد بالدين وإن شاءوا اتبعوا المولى بالأقل من قيمته، ومن الدين سواء كان عالما بالدين أو لم يكن، بخلاف الجناية فإن العبد إذا جنى فأعتقه المولى إن كان عالما بالجناية صار مختارا للعذر، وإن كان غير عالم لم يلزمه شيء إلا قدر القيمة لا غير، وفي باب الدين: يلزمه القيمة وإن كان عالما، بخلاف الغاصب وغاصب الغاصب إذا اختار المغصوب منه تضمين أحدهما انقطع حقه عن الآخر.
[ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بتسليم الدين إليه) ش: وفي بعض النسخ سلم المال إليه، أي الدين، وبه قال المزني ﵀، وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: لم يؤمر بالتسليم بالتصديق لا في الدين ولا في الوديعة، إلا أن يقيم الوكيل ببينته على وكالته فحينئذ يؤمر بالتسليم في الدين والوديعة وعندنا في الوديعة لم يؤمر بالتسليم بالتصديق.
م: (لأنه إقرار على نفسه) ش: بحق وهو استحقاق القبض، وليس فيه إبطال حق للغائب بل هو إقرار حق على نفسه، م: (لأن ما يقبضه خالص ماله) ش: أي خالص مال المديون، فيجوز إقراره عليه لأن الديون تقضى بأمثالها، فما أداه المديون مثل مال رب المال لا عينه، فكان تصديقه إقرارا على نفسه، ومن أقر على نفسه بشيء أمر بتسليمه إلى المقر له م: (فإن حضر الغائب فصدقه) ش: فيها م: (وإلا دفع إليه) ش: أي وإن لم يصدقه م: (الغريم الدين ثانيا، لأنه لم يثبت الاستيفاء حيث أنكر الوكالة فالقول في ذلك قوله) ش: أي القول في إنكار الوكالة قول رب الدين م: (مع يمينه) ش: وبه قال الثلاثة ﵏، وعند الشافعي ﵀ في وجه: له الرجوع على القابض، وبقولنا قال مالك وأحمد والشافعي ﵏ في الأصح.
стр. 4692
فيفسد الأداء ويرجع به على الوكيل إن كان باقيا في يده لأن غرضه من الدفع براءة ذمته ولم تحصل فله أن ينقص قبضه، وإن كان ضاع في يده لم يرجع عليه لأنه بتصديقه اعترف أنه محق في القبض وهو مظلوم في هذا الأخذ والمظلوم لا يظلم غيره. قال: إلا أن يكون ضمنه عند الدفع لأن المأخوذ ثانيا مضمون عليه في زعمهما، وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض فتصح بمنزلة الكفالة بما ذاب له على فلان،
ــ
[البناية]
م: (فيفسد الأداء ويرجع به على الوكيل إن كان باقيا في يده لأن غرضه) ش: أي غرض المديون م: (من الدفع براءة ذمته ولم تحصل) ش: أي براءة الذمة م: (فله أن ينقض قبضه) ش: أي فللمديون أن ينقض قبض الوكيل م: (وإن كان ضاع في يده) ش: أي وإن كان ضاع المال في يد الوكيل م: (لم يرجع عليه) ش: أي لم يرجع المديون على الوكيل، م: (لأنه) ش: أي لأن المديون م: (بتصديقه) ش: أي بتصديق الوكيل م: (اعترف أنه) ش: أي الوكيل م: (محق في القبض وهو) ش: أي المديون م: (مظلوم في هذا الأخذ) ش: أي أخذ رب الدين ثانيا.
م: (والمظلوم) ش: أي المديون م: (لا يظلم غيره) ش: فلا يأخذ من الوكيل بعد الهلاك لأن الوكيل في زعمه محق في قبض الدين عنه وبعدها هلك المدفوع الأخذ منه ظلم، وفي " الذخيرة " و " المبسوط " المسألة على أوجه: إما أن يصدق الغريم القديم وكالة أولا فإن صدقه ولم يدفع المال أجبر على الأداء خلافا لابن أبي ليلى والشافعي وأحمد ﵏ وأنكر وكالته وأراد الوكيل استحلافه بعد وكالة استحلف، فإن حلف برأ، وإن نكل قضي عليه بالمال للوكيل.
وذكر الخصاف: لا يحلف المطلوب على الوكالة عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما: يحلف على العلم، ولو أقر الغريم بالوكالة وأنكر الدين فعند أبي حنيفة ﵀ يستحلف المطلوب، وعندهما: لا يستحلف.
م: (قال) ش: أي محمد والمصنف - رحمهما الله -: م: (إلا أن يكون ضمنه) ش: يجوز فيه التخفيف والتشديد م: (عند الدفع) ش: هذا استثناء من قوله -: وإن كان ضاع من يده لم يرجع عليه إلا أن يضمن المطلوب الوكيل عند دفع المال إليه بأن يقول أصدقك في الوكالة ولكن لا آمن أن يجحد الطالب إذا حضر فاضمن لي ما يقبضه الطالب مني ثانيا وهذا ضمان صحيح م: (لأن المأخوذ ثانيا مضمون عليه) ش: أي على رب الدين م: (في زعمهما) ش: أي في زعم الوكيل والغريم م: (وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض) ش: أي قبض رب الدين ثانيا، فإذا كان الوكيل م: (فتصح) ش: أي الكفالة م: (بمنزلة الكفالة بما ذاب) ش: أي بما ثبت ووجب م: (له على فلان) ش: معناه بما يذوب لفلان على فلان، وهذا ماض أريد به المستقبل وقد مر في الكفالة.
стр. 4693
ولو كان الغريم لم يصدقه على الوكالة ودفعه إليه على ادعائه فإن رجع صاحب المال على الغريم رجع الغريم على الوكيل؛ لأنه لم يصدقه بالوكالة وإنما دفعه إليه على رجاء الإجازة فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه وكذا إذا دفعه إليه على تكذيبه إياه في الوكالة. وهذا أظهر لما قلنا وفي الوجوه كلها ليس له أن يسترد المدفوع حتى يحضر الغائب؛ لأن المؤدى صار حقا للغائب إما ظاهرا أو محتملا، فصار كما إذا دفعه إلى فضولي على رجاء الإجازة لم يملك الاسترداد لاحتمال الإجازة ولأن من باشر التصرف لغرض ليس له أن ينقضه ما لم يقع اليأس عن غرضه ومن قال: إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه المودع لم يؤمر بالتسليم إليه لأنه أقر له بمال الغير بخلاف الدين،
ــ
[البناية]
م: (ولو كان الغريم لم يصدقه على الوكالة) ش: ولم يكذبه أيضا بل سكت م: (ودفعه إليه على ادعائه) ش: أي على دعوى التوكيل م: (فإن رجع صاحب المال على الغريم رجع الغريم على الوكيل لأنه لم يصدقه على الوكالة، وإنما دفعه إليه على رجاء الإجازة، فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه، وكذا إذا دفعه إليه على تكذيبه إياه في الوكالة، وهذا أظهر) ش: أي جواز الرجوع في صورة التكذيب أظهر منه في الصورتين الأوليين، وهو التصديق مع التضمين والسكوت؛ لأنه إذا كذبه صار الوكيل في حقه بمنزلة الغاصب، وللمغصوب منه حق الرجوع على الغاصب م: (لما قلنا) ش: إشارة إلى قوله: دفع إليه على رجاء الإجازة، فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه.
م: (وفي الوجوه كلها) ش: وهي الأربعة المذكورة، وهي الدفع مع التصديق، والتضمين، والدفع بلا تصديق ولا تكذيب، والدفع مع التكذيب، م: (ليس له) ش: أي للغريم م: (أن يسترد المدفوع حتى يحضر الغائب؛ لأن المؤدى صار حقا للغائب؛ إما ظاهرا) ش: أي في حالة التصادق، أو حالة ظهور العدالة في الوكيل لأن الوكيل إذا كان عدلا كان صادقا ظاهرا م: (أو محتملا) ش: أي في حالة كون الوكيل فاسقا أو مستورا لاحتمال الصدق.
م: (فصار) ش: حكم هذا م: (كما إذا دفعه) ش: أي الدين الذي عليه م: (إلى فضولي) ش: أي لأنه تعلق في الوسط م: (رجاء الإجازة) ش: من المالك م: (لم يملك الاسترداد لاحتمال الإجازة ولأن من باشر التصرف لغرض ليس له أن ينقضه ما لم يقع اليأس عن غرضه) ش: لأن سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ومن قال: إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه المودع لم يؤمر بالتسليم إليه لأنه أقر له بمال الغير) ش: وهو لا يملك ذلك م: (بخلاف الدين) ش: أي بخلاف ما إذا صدق الوكيل بقبض الدين، حيث يؤمر بالتسليم إليه لأنه إقرار في خالص ماله على ما مر أن الديون تقضى بأمثالها، فكان إقراره إقرارا على نفسه بحق المطالبة والقبض.
ثم إذا أخذ الوكيل الوديعة في الغائب فصدقه في الوكالة برئا جميعا، وإن أنكر الوكالة
стр. 4694
ومن ادعى أنه مات أبوه وترك الوديعة ميراثا له ولا وارث له غيره وصدقه المودع أمر بالدفع إليه لأنه لا يبقى ماله بعد موته فقد اتفقا على أنه مال الوارث، ولو ادعى أنه اشترى الوديعة من صاحبها فصدقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه؛ لأنه ما دام حيا كان إقراره بملك الغير لأنه من أهله فلا يصدقان في دعوى البيع عليه.
ــ
[البناية]
وحلف على ذلك فله أن يضمن المودع، فإذا ضمنه فإن كانت العين قائمة في يد الوكيل رجع بها المودع على الوكيل فإن ضاعت في يده فهل للمودع أن يرجع عليه؟ فهو على وجوه: أحدها أن يدفعها إليه المودع مع التصديق بلا تضمين فلا رجوع فيه.
والثاني: أن يدفع بالتصديق، وشرط الضمان فله الرجوع، والثالث: أن يدفع مع التكذيب، فإذا ضمنه الغائب فله الرجوع على الوكيل، والرابع: أن يدفع بلا تصديق ولا تكذيب، فإذا ضمنه الغائب فله الرجوع أيضا.
م: (ومن ادعى) ش: ذكر هذا تعريضا على مسألة القدوري، أي فلو ادعى من قال: إني وكيل م: (أنه) ش: أي أن فلانا م: (مات أبوه وترك الوديعة ميراثا له) ش: أي لابن الميت م: (ولا وارث له غيره وصدقه المودع أمر بالدفع إليه) ش: أي إلى الذي قال: إنه مات أبوه م: (لأنه لا يبقى ماله بعد موته) ش: ماله بالنصب، وفي " النهاية ": هكذا معربا بإعراب شيخي على تأويل الحال، كما في كلمة فاه إلى في، أي مشافهة.
وقال الأترازي ﵀ لا يبقى ماله بالنصب، ثم قال مثل ما قال صاحب " النهاية " ﵀ قال الأكمل ﵀: أرى أنه ضعيف، لأن المال مقيد للعامل، فكلمته يجوز أن يكون مقيدا بالمشافهة، أي كلمته في حالة المشافهة، والظاهر في إعرابه الرفع على أنه فاعل لا يبقى، أي لأن المودع لا يبقى ماله بعد موته لانتقاله إلى الوارث.
والصواب الرفع على ما قاله الأكمل ﵀ وقد فاته شيء آخر، وهو أن من شرط الحال أن يكون من المشتقات، والمال ليس منها إلا أنه يجوز بالتأويل. ولو قال صاحب " النهاية " ﵀ ومن تبعه في أنه نصب على الحال أنه حال على تأويل متمولا أي لا يبقى الميت بعد موته متمولا لكان أوجه، م: (فقد اتفقا) ش: أي الذي ادعى الوكالة والمودع م: (على أنه) ش: أي أن الذي قال إنه وديعة م: (مال الوارث) ش: فلا بد من الدفع إليه م: (ولو ادعى أنه اشترى الوديعة من صاحبها وصدقه المودع) ش: فيما قاله م: (لم يؤمر بالدفع إليه لأنه) ش: أي لأن المودع بكسر الدال م: (ما دام حيا كان إقراره بملك الغير لأنه من أهله) ش: أي من أهل الملك م: (فلا يصدقان في دعوى البيع عليه) ش: أي على رب المال.
стр. 4695
قال فإن وكل وكيلا بقبض ماله فادعى الغريم أن صاحب المال قد استوفاه فإنه يدفع المال إليه؛ لأن الوكالة قد ثبتت بالتصادق والاستيفاء لم يثبت بمجرد دعواه فلا يؤخر الحق. قال: ويتبع رب المال فيستحلفه رعاية لجانبه، ولا يستحلف الوكيل لأنه نائب،
قال: وإن وكله بعيب في جارية فادعى البائع رضا المشتري لم يرد عليه حتى يحلف المشتري بخلاف مسألة الدين، لأن التدارك ممكن هنالك باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله، وهاهنا غير ممكن لأن القضاء بالفسخ ماض على الصحة، وإن ظهر الخطأ عند أبي حنيفة ﵀ كما هو مذهبه، ولا يستحلف المشتري عنده بعد ذلك لأنه لا يفيد، وأما عندهما قالوا: يجب أن يتحد
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (فإن وكل وكيلا بقبض ماله فادعى الغريم أن صاحب المال قد استوفاه فإنه يدفع إليه المال، لأن الوكالة قد ثبتت بالتصادق والاستيفاء لم يثبت بمجرد دعواه) ش: أي دعوى الغريم م: (فلا يؤخر الحق) ش: إلى تحليف رب الدين م: (قال: ويتبع) ش: أي الغريم م: (رب المال فيستحلفه رعاية لجانبه) ش: أي لجانب الغريم، وهو المديون م: (ولا يستحلف الوكيل لأنه نائب) ش: لأن النيابة لا تجري فيها الأيمان.
[وكله بعيب في جارية فادعى البائع رضا المشتري]
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ " في الجامع الصغير " م: وإن وكله بعيب) ش: أي بسبب عيب م: (في جارية فادعى البائع رضا المشتري لم يرد عليه حتى يحلف المشتري بخلاف مسألة الدين) ش: التي مضت حيث يؤمر بدفع الدين بدون تحليف الوكيل م: (لأن التدارك ممكن هنالك) ش: أي في مسألة الدين م: (باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله) ش: أي عند نكول رب الدين عن اليمين على أنه لم يستوف الدين.
م: (وهاهنا) ش: أي وفي المسألة الثانية م: (التدارك غير ممكن لأن القضاء بالفسخ ماض على الصحة وإن ظهر الخطأ) ش: لأن قضاء القاضي بالفسخ والعقد بل بالشاهد الباطل ينفذ ظاهرا وباطنا م: (عند أبي حنيفة ﵀ كما هو مذهبه) ش: والمراد بالنفاذ ظاهرا: أن يثبت فيما بيننا، ومن نفاذه باطنا أن يثبت فيما بينه وبين الله تعالى.
م: (ولا يستحلف المشتري بعد ذلك) ش: أي بعد نكول الموكل م: (عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀، م: (لأنه) ش: أي لأن الاستحلاف م: (لا يفيد) ش: يعني متى نفذ قضاء القاضي ظاهرا وباطنا لا يكون للبائع أن يستحلف المشتري إذا حضر على الرضا؛ لأنه لا فائدة في استحلافه؛ لأن فائدته أن ينكل فيظهر أنه كان راضيا بالعيب وأن الحق الفسخ لم يكن ثابتا للمشتري وأن القاضي أخطأ في قضائه بعد الفسخ، ولكن عند ظهور الخطأ في القضاء وبالفسخ لا يبطل قضاؤه بالفسخ عنده.
م: (وأما عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (قالوا يجب أن يتحد
стр. 4696
الجواب على هذا في الفصلين، ولا يؤخر لأن التدارك ممكن عندهما لبطلان القضاء، وقيل: الأصح عند أبي يوسف ﵀ -أن لا يؤخر في الفصلين لأنه يعتبر النظر حتى يستحلف المشتري لو كان حاضرا من غير دعوى البائع فينتظر للنظر، قال ومن دفع إلى رجل عشرة دراهم لينفقها على أهله فأنفق عليهم عشرة من عنده فالعشرة بالعشرة لأن الوكيل بالإنفاق وكيل بالشراء والحكم فيه ما ذكرناه وقد قررناه فهذا كذلك، وقيل: هذا استحسان، وفي القياس ليس له ذلك
ــ
[البناية]
الجواب على هذا في الفصلين) ش: يعني في فصل الدين وفصل الرد بالعيب م: (ولا يؤخره) ش: أي ولا يؤخر القضاء بالرد م: (لأن التدارك ممكن عندهما لبطلان القضاء) ش: لأن قضاء القاضي في مثل ذلك نافذ ظاهرا لا باطنا، فإذا ظهر خطأ القاضي عند نكول المشتري ردت الجارية على المشتري فلا يؤخر إلى التحليف.
م: (وقيل: الأصح عند أبي يوسف ﵀: أن يؤخر) ش: أي الرد م: (في الفصلين) ش: أي فصل الدين وفصل العيب، م: (لأنه) ش: أي لأن أبا يوسف ﵀ م: (يعتبر النظر) ش: للبائع م: (حتى يستحلف المشتري لو كان حاضرا من غير دعوى البائع) ش: قوله " يستحلف بالرفع " لأن حتى ابتدائية يعني يستحلف المشتري نظرا للبائع، لأن من مذهب أبي يوسف ﵀: أن القاضي لا يرد المبيع على البائع إذا كان المشتري حاضرا أو أراد الرد ما لم يستحلفه القاضي بالله ما رضيت بهذا البائع وإن لم يدع العيب، فإذا كان المشتري لا يرد عليه ما لم يستحلف صيانة لقضائه عن البطلان، ونظرا للبائع والمديون فصار عنه روايتان: في رواية مثل قول محمد ﵀ وفي رواية: يؤخر فيهما اعتبارا للنظر م: (فينتظر للنظر) ش: إذا كان المشتري غائبا.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (ومن دفع إلى رجل عشرة دراهم لينفقها على أهله فأنفق عليهم عشرة من عنده فالعشرة بالعشرة) ش: أي العشرة التي أنفقها من ماله بمقابلة العشرة التي أخذها من الوكيل م: (لأن الوكيل بالإنفاق وكيل بالشراء والحكم فيه ما ذكرناه) ش: أي الحكم في الوكيل بالشراء أن يرجع على الموكل بما أداه، م: (وقد قررناه) ش: أي في باب الحوالة بالبيع والشراء عند قوله: " وإذا دفع الوكيل بالشراء من ماله وقبض المبيع فله أن يرجع به على الموكل ".
م: (فهذا كذلك) ش: أي ما نحن فيه من التوكيل بالإنفاق كذلك، لأن الوكيل بالشراء ربما يحتاج إليه الأهل قد يضطره إلى شراء شيء يصلح لنفقتهم، ولم يكن مال الوكالة معه في تلك الحالة، لأن لا يمكن أن يستصحب دراهم الموكل في الأحوال كلها فيحتاج أن يؤدي ثمنه من مال نفسه، فكان في التوكيل بذلك يجوز الاستبدال م: (وقيل هذا استحسان وفي القياس ليس له ذلك
стр. 4697
ويصير متبرعاً، وقيل: القياس والاستحسان في قضاء الدين لأنه ليس بشراء، فأما الإنفاق فيتضمن الشراء فلا يدخلانه والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
ويصير متبرعا) ش: فيما أنفق من ماله ويرد الدراهم المأخوذة من الموكل عليه، وإن استهلكها ضمن، لأن الدراهم تتعين في الوكالات حتى لو هلك قبل الإنفاق بطلت الوكالة، فإذا أنفق من مال نفسه فقد أنفق بغير أمره فيكون متبرعا.
م: (وقيل القياس والاستحسان في قضاء الدين) ش: هو أن يدفع المديون إلى رجل ألفا ويوكله بقضاء دينه بها فيدفع الوكيل غير ذلك من مال نفسه قضاء عنه، فإنه في القياس متبرع حتى إذا أراد المأمور أن يحبس الألف دفعت إليه لا يكون له ذلك، وفي الاستحسان ذلك وليس بمتبرع على ما نذكره الآن، قوله م: (لأنه ليس بشراء) ش: هو دليل القياس لأنه لما لم يكن قضاء الدين شراء لم يكن الأمر راضيا بثبوت الدين في ذمته للوكيل، فلو لم تجعله متبرعا لألزمناه دينا لم يرض به فجعلناه متبرعا قياسا، م: (وأما الإنفاق فيتضمن الشراء فلا يدخلانه والله أعلم بالصواب) ش: إلى القياس والاستحسان لا يدخلان فيما ذكرنا في باب الشراء، فلا يكون متبرعا قياسا واستحسانا.
وقال الكاكي ﵀: وأما مسألة الإنفاق رضا الآمر بثبوت الدين في ذمة الوكيل لأنه أمره بالإنفاق، والأمر بالإنفاق أمر بشراء الطعام، والشراء لا يتعلق بعين تلك الدراهم، بل يتعلق بمثلها في الذمة، ثم يثبت به حق الرجوع على الأمر فكان راضيا بثبوت الدين فلم يجعل متبرعا قياسا أيضا.
стр. 4698
باب عزل الوكيل قال: وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة؛ لأن الوكالة حقه، فله أن يبطله إلا إذا تعلق به حق الغير بأن كان وكيلا بالخصومة بطلب من جهة الطالب لما فيه من إبطال حق الغير وصار كالوكالة التي تضمنها عقد الرهن. قال: فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته وتصرفه جائز حتى يعلم؛ لأن في العزل إضرارا به من حيث إبطال ولايته أو من حيث رجوع الحقوق إليه فينقد من مال الموكل
ــ
[البناية]
[باب عزل الوكيل]
[حكم عزل الوكيل]
م: (باب عزل الوكيل)
ش: أي هذا باب في بيان حكم عزل الوكيل وأخر باب العزل لأنه بعد الإثبات، م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة لأن الوكالة حقه، فله أن يبطله إلا إذا تعلق به حق الغير بأن كان وكيلا بالخصومة بطلب من جهة الطالب) ش: أي بالقياس من جهة المدعي م: (لما فيه من إبطال حق الغير) ش:، وقبل بهذين القيدين لأنه لو وكل المدعى عليه لا يطلب المدعي لملك المدعى عليه عزله، وكذا إذا كان الوكيل من جانب الطالب بملك الطالب عزله سواء كان ذلك بطلب المدعى عليه أو لا.
وعدم صحة العزل إذا كان يطلب من جهة الطالب فيما إذا كان العزل عند غيبة الطالب وبحضوره يصح عزله، سواء رضي به الطالب أو لا، وقال مالك ﵀: إذا ثبت بالخصومة ما تعلق به حق الغير لا يجوز عزله في الغيبة والحضور.
وعند الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: يجوز عزل الوكيل بالخصومة تعلق به حق الغير أم لا، لأن الوكالة عقد جائز غير لازم، م: (وصار) ش: أي الوكيل من جهة الطالب إذا كان يطلب من جهة الطالب م: (كالوكالة التي تضمنها عقد الرهن) ش: بأن وضع الرهن على يدي عدل وشرط في الرهن أن يكون العدل مسلطا على البيع، ثم أراد الراهن أن يعزل العدل عن البيع لا يصح وإن كان بحضرة المرتهن ما لم يرض به، بخلاف عزل الموكل وكيله بالخصومة فإنه يصح إذا كان لم يحضره الطالب، رضي به أو لا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن لم يبلغه العزل) ش: أي فإن لم يبلغ الوكيل عزل الموكل إياه م: (فهو على وكالته وتصرفه جائز حتى يعلم) ش: أي الوكيل عزله، وبه قال الشافعي ﵀ في قول، ومالك ﵀ في رواية، وأحمد ﵀ في رواية.
وقال الشافعي في الأصح: ينعزل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية ﵀، م: (لأن في العزل إضرار به) ش: أي بالوكيل م: (من حيث إبطال ولايته) ش: من غير علمه م: (أو من حيث) ش: أي أو يكون الإضرار به من حيث م: (رجوع الحقوق إليه) ش: أي إلى الوكيل وبين ذلك بقوله م: (فينقد من مال الموكل) ش: إذا كان وكيلا بالشراء.
стр. 4699
ويسلم المبيع فيضمنه فيتضرر به ويستوي الوكيل بالنكاح وغيره للوجه الأول، وقد ذكرنا اشتراط العدد أو العدالة في المخبر فلا نعيده
قال: وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه جنونا مطبقا، ولحاقه بدار الحرب مرتدا لأن التوكيل تصرف غير لازم، فيكون لدوامه حكم ابتدائه، فلا بد من قيام الآمر وقد بطل بهذه العوارض،
ــ
[البناية]
م: (ويسلم المبيع) ش: إلى المشتري إذا كان وكيلا بالبيع، ثم إذا نفذ أو سلم م: (فيضمنه) ش: لأن فعله بعد العزل م: (فيتضرر به) ش:، فلا يجوز لأن الضرر مدفوع شرعا، م: (ويستوي الوكيل بالنكاح وغيره) ش: أي وغير النكاح مثل البيع والشراء ونحو ذلك م: (للوجه الأول) ش: وهو إبطال الولاية يعني أن العزل لا يصح قبل علم الوكيل أصلا، والوكيل بالنكاح وغيره سواء نظرا إلى الوجه الذي في الإضرار بالوكيل من حيث إبطال ولايته.
وكذا عزل الوكيل بالطلاق لا يصح من غير علمه، ذكره في " مختصر الكافي " م: (وقد ذكرنا اشتراط العدد أو العدالة في المخبر فلا نعيده) ش: ذكره في فصل القضاء بالموارث من " أدب القاضي " بقوله: ولا يكون النهي عن الوكالة حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل وهذا عند أبي حنيفة ﵀ والوكالة تثبت بخبر الواحد حرا كان أو عبدا، عادلا كان أو فاسقا، رجلا كان أو امرأة، صبيا كان أو بالغا، وكذلك العدل عندهما.
وعند أبي حنيفة ﵀: لا يثبت العزل إلا بخبر الواحد العدل، أو بخبر الاثنين إذا لم يكونا عدلين والوكيل، لو عزل نفسه بغير علم الموكل لا ينعزل ولا يخرج عن الوكالة، وعند الشافعي وأحمد ومالك ﵏ في رواية: ينعزل، وقال مالك ﵀: إن كان في عزله ضرر على الموكل لم ينعزل بدون علمه، وفي " الذخيرة ": بإنكار الموكل الوكالة لا ينعزل.
[مبطلات الوكالة]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه جنونا مطبقا ولحاقه بدار الحرب) ش: حال كونه م: (مرتدا) ش:، ولا خلاف في هذه الأشياء م: (لأن التوكيل تصرف غير لازم) ش: لأنه يمكنه أن يعزله م: (فيكون لدوام حكم ابتدائه) ش: لأن كل تصرف غير لازم لدوامه حكم ابتدائه، لأن المتصرف بسبيل من نقضه في كل لحظة فصار كأنه يتجدد عقد الوكالة في كل ساعة، وكان على جزء منه بمنزلة ابتداء العقد م: (فلا بد من قيام الآمر) ش: أي أمر الموكل بالتوكيل في كل ساعة.
م: (وقد بطل) ش: أي أمر التوكيل م: (بهذه العوارض) ش: وهي الموت والجنون، والارتداد لا يشكل بالبيع الخيار، فإنه غير لازم، ومع ذلك لا يبطل بالموت بل يتقرر لأن الأصل في البيع اللزوم وعدم اللزوم بسبب العوارض، وهو الخيار، فإذا مات تقرر الأصل وبطل العارض لعدم
стр. 4700
وشرط أن يكون الجنون مطبقا لأن قليله بمنزلة الإغماء وحد المطبق شهر عند أبي يوسف ﵀ اعتبارا بما يسقط به الصوم، وعنه: أكثر من يوم وليلة، لأنه تسقط به الصلوات الخمس، فصار كالميت، وقال محمد ﵀: حول كامل لأنه يسقط جميع العبادات فقدر به احتياطا. قالوا: الحكم المذكور في اللحاق قول أبي حنيفة ﵀ لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده فكذا وكالته فإن أسلم نفذت، وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة، فأما عندهما تصرفاته نافذة فلا تبطل وكالته إلا أن يموت أو يقتل على ردته أو يحكم بلحاقه وقد مر في السير، وإن كان الموكل امرأة فارتدت فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار الحرب لأن ردتها لا تؤثر في عقودها
ــ
[البناية]
بقاء الخيار بموته، م: (وشرط) ش: أي القدوري: م: (أن يكون الجنون مطبقا) ش: بكسر الباء أي دائما، ويليه الحمى المطبقة، أي الدائمة، وقيل: مطبقا أي مستوعبا، من طبق الغيم السماء إذا استوعبها.
م: (لأن قليله بمنزلة الإغماء وحد المطبق شهر عند أبي يوسف ﵀ اعتبارا بما يسقط به الصوم) ش: أي صوم شهر رمضان، روى هذه الرواية أبو بكر الرازي عن أبي حنيفة - رحمهما الله - م: (وعنه) ش: أي وعن أبي حنيفة ﵀ م: (أكثر من يوم وليلة؛ لأنه تسقط به الصلوات الخمس فصار كالميت، وقال محمد ﵀ حول كامل) ش: أي الجنون المطبق يقدر بحول كامل، م: (لأنه يسقط به جميع العبادات فقدر به احتياطا) .
ش: وقال القدوري ﵀ في كتاب " التقريب ": قال في " الأصل ": إذا ذهب عقل الموكل زمانا خرج الوكيل من الوكالة، ولو ذهب عقله ساعة والوكيل على وكالته، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا ينعزل حتى يجن أكثر السنة، وروي عن محمد ﵀: يوم وليلة، ثم رجع فقال: شهر، ثم رجع فقال: سنة، وذكر الكرخي ﵀ في حد الجنون المطبق عند أبي يوسف شهر م: (قالوا) ش: أي قال المشايخ ﵏ م: (الحكم المذكور في اللحاق) ش: في " مختصر القدوري " م: (قول أبي حنيفة ﵀ لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده، فكذا وكالته) ش: موقوفة م: (فإن أسلم نفذت، وإن قتل أو ألحق بدار الحرب بطلت الوكالة، فأما عندهما تصرفاته نافذة فلا تبطل وكالته إلا أن يموت أو يقتل على ردته أو يحكم بلحاقه، وقد مر في السير) ش: أي يصرف المرتد موقوفا أو نافذا في " السير " في باب أحكام المرتدين، عند قوله -: " وما باعه أو اشتراه أو وهبه أو تصرف فيه، من أمواله في حال ردته فهو موقوف".
م: (وإن كان الموكل امرأة فارتدت فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار الحرب لأن ردتها لا تؤثر في عقودها) ش: لأن المرتدة لا تقتل بالحرب ولم يوجد؛ لأنه ليس لها بينة صالحة للحراب
стр. 4701
على ما عرف. قال: وإذا وكل المكاتب ثم عجز أو المأذون له ثم حجر عليه، أو الشريكان فافترقا فهذه الوجوه تبطل الوكالة على الوكيل، علم أو لم يعلم.
ــ
[البناية]
م: (على ما عرف) ش: في موضعه في كتب السير.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا وكل المكاتب ثم عجز أو المأذون له) ش: أي ووكل العبد المأذون له م: (ثم حجر عليه) ش: أي على العبد المأذون له م: (أو الشريكان فافترقا) ش: يعني أحد شريكي العنان، أو المفاوضة إذا وكلا وكيلا ثم افترقا م: (فهذه الوجوه) ش: أي عجز المكاتب أو الحجر على المأذون له وافتراق الشريكين م: (تبطل الوكالة على التوكيل علم أو لم يعلم) ش: أي علم الوكيل بذلك أو لم يعلم.
وقال أبو النصر ﵀ " في شرحه ": هذا الذي ذكره القدوري جميعه جائز على الأصل إلا في الشريكين، لأن ذلك خلاف الرواية، لأن محمدا ﵀ قال في " الأصل ": وإذا وكل أحد المتفاوضين وكلا بشيء ثم افترقا واقتسما أو شهدا أنه لا شركة بينهما، ثم إن الوكيل أمضى الذي كان وكل به وهو يعلم أو لا يعلم فإنه يجوز ذلك كله عليهما جميعا، وكذلك لو كانا وكلاه جميعا؛ لأن وكالة أحدهما جائزة على الآخر وليس تفرقهما ينقض الوكالة.
وكذلك قال الأسبيجابي ﵀ في " شرح الكافي " للحاكم الشهيد ﵀: وليس تفرقهما نقضا للوكالة لأن أثر النقض لا يظهر في توابع عقود بأثرها أحدهما قبل ذلك.
وقال الأترازي ﵀: والعجب من صاحب " الهداية " أنه أبهم الأمر ولم يتعرض لكلام القدوري، والغالب على ظني أن القدوري أراد بذلك الوكالة الثابتة في ضمن عقد الشركة لا الوكالة الابتدائية القصدية، لأن المتضمن وهو عقد الشركة إذا بطل بطل ما في ضمنه لا محالة ولا يلزم أن يكون قوله مخالفا للرواية لا محالة.. انتهى.
ورد عليه الأكمل: بأن هذا على تقدير صحته يختص بمال الشركة لا غير، على أنه مخالف لعبارة الكاتب، انتهى.
وفي " المبسوط ": هذا يعني قوله: فهذه الوجوه تبطل الوكالة إذا كانت الوكالة بالبيع والشراء، أما لو كان التوكيل بقضاء الدين والتقاضي لا يبطل لعجز المكاتب وحجر المأذون، لأن في كل عمل وليه العبد لا تسقط المطالبة عنه بالحجر بل يبقى مطالبا بإيفائه، وبهذا ليس لولي العبد أن يتقاضى دينه إن كان عليه دين أو لا، لأنه إن كان عليه دين فكسبه حق عن مائة والمولى فيه كالأجانب، وإن لم يكن عليه دين فوجب المال بعقد العبد، ولا يكون هو في هذا دون الوكيل، وما وجد من الثمن بعقد الوكيل لا بملك الوكيل المطالبة به فهاهنا أولى.
стр. 4702
لما ذكرنا أن بقاء الوكالة يعتمد قيام الآمر وقد بطل بالحجر والعجز والافتراق، ولا فرق بين العلم وعدمه لأن هذا عزل حكمي فلا يتوقف على العلم كالوكيل بالبيع إذا باعه الموكل. قال: وإذ مات الوكيل أو جن جنونا مطبقا بطلت الوكالة لأنه لا يصح أمره بعد جنونه وموته وإن لحق بدار الحرب مرتدا لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلما، قال ﵁: وهذا عند محمد ﵀، فأما عند أبي يوسف ﵀: لا تعود الوكالة، لمحمد: أن الوكالة إطلاق؛ لأنه رفع المانع أما الوكيل يتصرف بمعان قائمة به، وإنما عجز بعارض اللحاق لتباين الدارين، فإذا زال العجز والإطلاق باق عاد وكيلا، ولأبي يوسف ﵀: أنه إثبات ولاية التنفيذ، لأن ولاية أصل التصرف بأهليته وولاية التنفيذ بالملك
ــ
[البناية]
م: (لما ذكرنا أن بقاء الوكالة يعتمد قيام الآمر وقد بطل) ش: أي قيام الأمر م: (بالحجر) ش: في المأذون له م: (والعجز) ش: في المكاتب م: (والافتراق) ش: في الشريكين، م: (ولا فرق بين العلم) ش: أي علم الوكيل م: (وعدمه لأن هذا عزل حكمي) ش: أي عزل من طريق الحكم، م: (فلا يتوقف على العلم) ش: كالموت م: (كالوكيل بالبيع إذا باعه) ش: أي إذا باع المبيع الموكل حيث يصير الوكيل معزولا حكما لفوات محل تصرف الوكيل.
م: (قال: وإذا مات الوكيل أو جن) ش: أي الوكيل م: (جنونا مطبقا بطلت الوكالة لأنه لا يصح أمره بعد جنونه وموته) ش: ولو جن ساعة ثم أفاق فهو على وكالته وجعل هذا كالنوم، كذا في " التتمة "، م: (وإن لحق) ش: أي الوكيل م: (بدار الحرب) ش: حال كونه م: (مرتدا لم يجز له التصرف إلا أن يعود) ش: من دار الحرب إلى دار الإسلام حال كونه م: (مسلما) ش:، وقال شيخ الإسلام في " مبسوطه " هذا إذا حكم القاضي بلحاقه، وإليه أشار في " مبسوط شمس الأئمة " لأنه لما قضى بلحاقه بعد موته. أو جعله من أهل دار الحرب فتبطل الوكالة، أما قبل القضاء باللحاق لا يخرج عن الوكالة باتفاقهم.
م: (قال ﵁) ش: أي المصنف ﵀: م: (وهذا) ش: أي جواز تصرف الوكيل عند عوده مسلما م: (عند محمد ﵀ فأما عند أبي يوسف ﵀: لا تعود الوكالة؛ ولمحمد: أن الوكالة إطلاق لأنه رفع المانع) ش: ومعناه أن الوكيل كان ممنوعا شرعا أن يتصرف في كل شيء لموكله فإذا وكله رفع المانع م: (أما الوكيل يتصرف بمعان قائمة به) ش: أي بالوكيل من الحرية والعقل والبلوغ.
والقصد في ذلك التصرف، والكل قائم، وصحة التوكيل لحق الموكل وحقه قائم أيضا بعد لحاقه، م: (وإنما عجز بعارض اللحاق لتباين الدارين، فإذا زال العجز والإطلاق باق عاد وكيلا، ولأبي يوسف ﵀: أنه) ش: أي التوكيل م: (إثبات ولاية التنفيذ؛ لأن ولاية أصل التصرف بأهليته وولاية التنفيذ بالملك) ش: أي ولاية التنفيذ ملصق بالملك؛ لأن التمليك بلا ملك غير متحقق،
стр. 4703
وباللحاق لحق بالأموات، وبطلت الولاية، فلا تعود كملكه في أم الولد والمدبر، ولو عاد الموكل مسلما وقد لحق بدار الحرب مرتدا لا تعود الوكالة في الظاهر، وعن محمد ﵀: أنها تعود كما قال في الوكيل، والفرق له على الظاهر أن مبنى الوكالة في حق الموكل على الملك وقد زال، وفي حق الوكيل على معنى قائم به ولم يزل باللحاق.
قال: ومن وكل آخر بشيء ثم تصرف بنفسه فيما وكل به بطلت الوكالة وهذا اللفظ ينتظم وجوها مثل أن يوكله بإعتاق عبده أو بكتابته، فأعتقه أو كاتبه الموكل بنفسه، أو يوكله بتزويج امرأة أو بشراء شيء
ــ
[البناية]
فكان الوكيل مالكا للتنفيذ بالوكالة.
م: (وباللحاق) ش: أي بدار الحرب م: (لحق بالأموات وبطلت الولاية، فلا تعود كملكه في أم الولد والمدبر) ش: يعني يعتق أم ولده ومدبره بالقضاء بلحاقه، وبعوده مسلما لا يعود ملكه، فيهما، ولا يرتفع العقد فكذا الوكالة التي بطلت لا تعود، م: (ولو عاد الموكل مسلما) ش: أي عاد بعد القضاء بلحاقه وبه صرح في " المبسوط " م: (وقد لحق) ش: أي والحال أنه قد لحق م: (بدار الحرب مرتدا لا تعود الوكالة في الظاهر) ش: أي في ظاهر الرواية.
م: (وعن محمد ﵀: أنها) ش: أي أن الوكالة م: (تعود كما قال في الوكيل) ش: أي كما قال محمد ﵀ في الوكيل إذا عاد مسلما: تعود وكالته لأن الموكل إذا عاد مسلما عاد على ماله على قديم ملكه، وقد تعلقت الوكالة بقديم ملكه، فيعود الوكيل على وكالته كما لو وكل ببيع عبده ثم باعه الموكل بنفسه ورد عليه بعيب بقضاء القاضي عاد الوكيل على وكالته، م: (والفرق له على الظاهر) ش: أي الفرق لمحمد ﵀ على ظاهر الرواية م: (أن مبنى الوكالة في حق الموكل على الملك وقد زال) ش: فبطلت الوكالة على البيان م: (وفي حق الوكيل على معنى قائم به) ش: أي بالوكيل م: (ولم يزل) ش: بضم الزاي، أي المعنى القائم به لم يزل م: (باللحاق) ش: بدار الحرب، ولكنه عجز عن التصرف بعارض على شرف الزوال، فإذا زال العارض صار كأن لم يكن.
[تصرف بنفسه فيما وكل به الوكيل]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ومن وكل رجلا بشيء) ش: وفي بعض النسخ: ومن وكل آخر بشيء م: (ثم تصرف بنفسه فيما وكل به) ش: أي الذي وكل به، بأن باعه أو وهبه لأحد أو تصدق به م: (بطلت الوكالة) ش: انتهى كلام القدوري، وقال المصنف: م: (وهذا اللفظ) ش: من كلام المصنف ﵀، أي هذا اللفظ الذي قاله القدوري ﵀ م: (ينتظم وجوها) ش: أي يشمل وجوها كثيرة من المسائل، ثم أوضح ذلك بقوله: م: (مثل أن يوكله) ش: أي أو يوكل أحدا م: (بإعتاق عبده أو بكتابته) ش: أي: أو أن يكاتب عبده م: (فأعتقه) ش: أي الموكل أعتق عبده بنفسه م: (أو كاتبه الموكل بنفسه) ش: بطلت الوكالة م: (أو يوكله) ش: أي أو يوكل أحدا م: (بتزويج امرأة) ش: أي بأن يزوجه امرأة م: (أو بشراء شيء) ش: أي أو
стр. 4704
ففعله بنفسه، أو يوكله بطلاق امرأته فطلقها الزوج ثلاثا أو واحدة، وانقضت عدتها، أو بالخلع فخالعها بنفسه لأنه لما تصرف بنفسه تعذر على الوكيل التصرف فبطلت الوكالة، حتى لو تزوجها بنفسه وأبانها لم يكن للوكيل أن يزوجها منه؛ لأن الحاجة قد انقضت، بخلاف ما إذا تزوجها الوكيل وأبانها له أن يزوج الموكل لبقاء الحاجة، وكذا لو وكله ببيع عبده فباعه بنفسه، فلو رد عليه بعيب بقضاء قاض، فعن أبي يوسف ﵀ أنه ليس للوكيل أن يبيعه مرة أخرى لأن بيعه بنفسه منع له من التصرف فصار كالعزل، وقال محمد ﵀ له أن يبيعه مرة أخرى لأن الوكالة باقية؛ لأنه
ــ
[البناية]
يوكله بشراء شيء م: (ففعله بنفسه) ش: أي فعله الموكل بنفسه بأن يزوجها بنفسه أو اشتراه بنفسه كان ذلك عزلا، حتى لو أباناها بعد الزواج لم يجز للوكيل أن يزوجها إياه، م: (أو يوكله) ش: أي يوكل أحدا م: (بطلاق امرأته فطلقها الزوج ثلاثا) ش: أي ثلاث طلقات م: (أو واحدة) ش: أي أو طلقها واحدة م: (وانقضت عدتها) ش: فليس للوكيل أن يطلقها بعد ذلك، لا في العدة ولا بعدها وإنما قيد بقوله " وانقضت عدتها " لأنه إذا طلقها بنفسه واحدة ولم تنقض عدتها، كان للوكيل أن يطلقها ما دامت في العدة.
م: (أو بالخلع) ش: أي أو يوكله بأن يخالع امرأته م: (فخالعها) ش: أي الزوج م: (بنفسه لأنه) ش: أي لأن الموكل م: (لما تصرف بنفسه) ش: أي لما فعل الذي وكله فيه بنفسه م: (تعذر على الوكيل التصرف فبطلت الوكالة) ش: ثم بين نتيجة ذلك بقوله م: (حتى لو تزوجها بنفسه) ش: أي لو تزوج المرأة التي وكل الرجل بأن يزوجها إياه م: (وأبانها) ش: أي بعد التزوج بنفسه بالطلاق م: (لم يكن للوكيل أن يزوجها منه) ش: أي أن يزوج المرأة البائنة من الوكيل م: (لأن الحاجة قد انقضت) ش: أي لأن حاجته كانت في تزوجها وقد حصلت م: (بخلاف ما إذا تزوجها الوكيل) ش: أي المرأة التي وكل بتزويجها إياه وبعد أن تزوجها م: (وأبانها له) ش: أي للوكيل م: (أن يزوج الموكل) ش: الذي كان وكل لرجل بتزويجها إياه، حيث يجوز تزويجه إياها منه م: (لبقاء الحاجة) ش: أي حاجة الموكل فيها.
م: (وكذا لو وكله ببيع عبده فباع بنفسه) ش: أي فباعه الموكل بطلت الوكالة، م: (فلو رد عليه) ش: أي فلو رده العبد م: (بعيب) ش: ظهر فيه على الموكل م: (بقضاء قاض) ش: قيد به لأنه لو رده بالتراضي بغير قضاء فليس للوكيل أن يبيعه من أخذه بالإجماع، م: (فعن أبي يوسف ﵀: أنه ليس للوكيل أن يبيعه) ش: أي هذا العبد م: (مرة أخرى لأن بيعه بنفسه) ش:، أي لأن بيع الموكل بنفسه العبد م: (منع له) ش: أي الوكيل م: (من التصرف فصار كالعزل) ش: صريحا.
م: (وقال محمد ﵀: له أن يبيعه مرة أخرى لأن الوكالة باقية لأنه) ش: أي لأن عقد
стр. 4705
إطلاق والعجز قد زال، بخلاف ما إذا وكله بالهبة فوهب بنفسه ثم رجع لم يكن للوكيل أن يهب ثانيا لأنه مختار في الرجوع فكان دليل عدم الحاجة، أما الرد بقضاء بغير اختياره فلم يكن دليل زوال الحاجة فإذا عاد إليه قديم ملكه كان له أن يبيعه والله أعلم.
ــ
[البناية]
الوكالة أو لأن التوكل م: (إطلاق) ش: أي إطلاق للتصرف، ولم يوجد العزل صريحا وكان ممنوعا لعارض لعجزه عن ذلك م: (والعجز قد زال) ش: فلا يمنع الوكيل عن بيعه مرة أخرى م: (بخلاف ما إذا وكله) ش: وكل واحدا م: (بالهبة) ش: بأن يهب عبدا من فلان أو غيره من نحو ذلك م: (فوهب بنفسه) ش:، أي فوهب الموكل بنفسه م: (ثم رجع) ش: عن هبته م: (لم يكن للوكيل أن يهب ثانيا) ش: بعد ذلك م: (لأنه) ش: أي لأن الواهب م: (مختار في الرجوع فكان ذلك) ش: أي الرجوع من الواهب مختارا.
م: (دليل عدم الحاجة) ش: أي إلى الهبة إذا لو كان محتاجا لما رجع، فكان دليلا على نقض الوكالة، م: (أما الرد بقضاء) ش: أي أما رد الهبة بقضاء القاضي م: (بغير اختياره) ش: أي اختيار الواهب م: (فلم يكن دليل زوال الحاجة، فإذا أعاد إليه قديم ملكه كان له) ش: أي للوكيل م: (أن يبيعه والله أعلم) ش: وقال محمد ﵀ في " الأصل ": وإذا وكل الرجل رجلا ببيع عبد له، ثم إن الموكل باع العبد، أو دبره، أو كاتبه، أو وهبه، أو تصدق به، أو رهنه، وقبض منه أو أجره، أو كاتب أمته فوطئها فولدت أو لم تلد، فإن ذلك كله نقض للوكالة، ما خلا الوطئ إذا لم تلد، وما خلا الإجارة والرهن، وكذلك الخدمة ليس تنقض الوكالة.
وقال الأسبيجابي ﵀: ولو وكله أن يزوجه امرأة بينهما فأذن لها الزوج فمات عنها أو طلقها وانقضت العدة، ثم زوجها إياه الوكيل جاز لأنه أمره بإنكاحها إياه، وهو متصور بواسطة الموت وانقضاء العدة، فانصرف التوكيل إليه، وصار كأنه نص على إضافة التوكيل إلى تلك الحالة والوكالات مما لا يقبل التعليق والإضافة إلى زمان في المستقبل، والله أعلم.
стр. 4706
كتاب الدعوى
ــ
[البناية]
[كتاب الدعوى]
[تعريف الدعوى وأركانها]
م: (كتاب الدعوى) ش: أي هذا كتاب في بيان الأحكام المتعلقة بالدعوى، وهي في اللغة: اسم لادعاء الذي هو مصدر ادعى زيد على عمرو مالا، وبفتح الواو لا غير، كفتوى وفتاوى، وقيل: الدعوى لغة قول يقصد به إيجاب حق على الغير.
وذكر شيخ الإسلام المحبوبي -: الدعوى لغة: إضافة الشيء إلى نفسه بأن قال: لي ذمته دعوة الولد.
وذكرت في " شرحي الكنز " أن الدعوى فعلى من الدعاء وهو الطلب، والفعل منه ادعى يدعي وادعاء فهو مدع، والعين الذي يدعي مدع، ولا يقال مدعى فيه ولا به، وأصل دعا ادتعى، وأصل مدع مدتعي، قلبت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال، والدعوة بفتح الدال الدعاء إلى الطعام وبكسرها في النسب، وبضمها في دار الحرب فافهم.
وفي الشرع: الدعوى: إضافة الشيء إلى نفسه في حالة المنازعة، وقيل: هي مطالبة حق في مجلس من له الخلاص عند ثبوته، ولها ركن وشرط وحكم وسبب، أما ركنها هو معناها لغة، وهي إضافة الشيء إلى نفسه، لأن ركن الشيء ما يقوم به الشيء، والدعوى إنما تقوم بإضافة المدعي إلى نفسه فكان ركنا، وأما شرطها مجلس القضاء لأن الدعوى لا تصح في غير مجلس القاضي حتى لا يجب على المدعى عليه جواب المدعي، وأما حكمها: فوجوب الجواب على الخصم إما بنعم أو بلا، وأما سببها: فما هو السبب الذي ذكرناه في النكاح والبيوع!.
وفي " المبسوط " وغيره: سبب فسادها شيئان، جهالة المدعي، وكونها لا تكون ملزما على الخصم وهي مشروعة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، أما الكتاب: قَوْله تَعَالَى في قصة داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] (سورة ص: الآية ٢٠) وفسر علي ﵁ بقوله: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» .
وأما السنة: فما رواه عمرو بن شعيب ﵁ عن أبيه عن جده عن رسوله الله ﷺ «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» ، وأما الإجماع: فقيل: انعقد إجماع الأمة عليها من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا.
ووجه المناسبة بين هذا الكتاب وبين كتاب الوكالة هو أن الوكالة كانت بالخصومة لأجل الدعوى.
стр. 4707
قال: المدعي من لا يجبر على الخصومة إذا تركها، والمدعى عليه من يجبر على الخصومة، ومعرفة الفرق بينهما من أهم ما يبتنى عليه مسائل الدعوى. وقد اختلفت عبارات المشايخ فيها، فمنها ما قال في الكتاب، وهو حد عام صحيح، وقيل: المدعي من لا يستحق إلا بحجة كالخارج، والمدعى عليه من يكون مستحقا بقوله من غير حجة كذي اليد، وقيل: المدعي من يتمسك بغير الظاهر، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر، وقال محمد ﵀ في الأصل: المدعى عليه هو المنكر وهذا صحيح، لكن الشأن في معرفته والترجيح بالفقه عند الحذاق من أصحابنا ﵏؛ لأن الاعتبار للمعاني دون الصور،
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في " مختصره " م: (المدعي من لا يجبر على الخصومة إذا تركها، والمدعى عليه من يجبر على الخصومة) ش: هذا الحد هو الذي اختاره القدوري ﵀، وقال المصنف ﵀: م: (ومعرفة الفرق بينهما) ش: أي بين المدعي والمدعى عليه م: (من أهم ما يبتنى عليه مسائل الدعوى) ش:، وذلك لأن الإنسان قد يكون مدعيا صورة، ومع ذلك القول قوله "مع يمينه "، كالمودع إذا ادعى رد الوديعة على ما ذكرنا في الكتاب.
م: (وقد اختلفت عبارات المشايخ فيها،) ش: أي في الفرق بين المدعي والمدعى عليه م: (فمنها) ش: أي فمن جملة عبارات المشايخ م: (ما قال في الكتاب) ش: أي القدوري ﵀: م: (وهو حد عام صحيح) ش: أما عمومه فلأنه يتناول كل حد من الحدود التي ذكرت في المدعي والمدعى عليه، وأما صحته فلأنه جامع مانع على ما لا يخفى، فلذلك اختاره المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
م: (وقيل: المدعي من لا يستحق إلا بحجة) ش: يعني البينة والإقرار م: (كالخارج) ش: الذي يدعي عينا في يد رجل فإنه لا يستحق إلا بحجة، يعني البينة أو الإقرار م: (والمدعى عليه من يكون مستحقا بقوله من غير حجة كذي اليد) ش: أي كصاحب اليد فإنه لا يحتاج إلى بينته واستحقاقه بقوله هذا ملكي وأنا واضع اليد. وقال الأكمل: هو ليس بعام لعدم تناوله لصورة المودع إذا ادعى رد الوديعة، ولعله غير صحيح.
م: (وقيل: المدعي من يتمسك بغير الظاهر) ش: إذ الظاهر أن الأملاك في يد المالك وبراءة الذمة م: (والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر) ش: لأنه يدعي قرار يده وملكه على ظاهره، وهذا منقوض بالمودع فإنه مدعى عليه، وليس بتمسك بالظاهر، لأن رد الوديعة ليس بظاهر، لأن الفراغ ليس بأصل بعد الاشتغال؛ م: (وقال محمد ﵀ في " الأصل ": المدعى عليه هو المنكر وهذا صحيح، لكن الشأن في معرفته) ش: أي في معرفة المنكر م: (والترجيح بالفقه) ش: يعني باعتبار المعنى دون الصورة م: (عند الحذاق من أصحابنا ﵏؛ لأن الاعتبار للمعاني دون الصور) ش: بيانه إذا تعارضت الجهتان في صورة فالترجيح لأحدهما على الآخر يكون بالفقه كما ذكرنا،
стр. 4708
فإن المودع إذا قال: رددت الوديعة فالقول قوله مع اليمين ينكر، وإن كان مدعيا للرد صورة لأنه ينكر الضمان معنى. قال: ولا تقبل الدعوى حتى يذكر شيئا معلوما في جنسه وقدره لأن فائدة الدعوى الإلزام بواسطة إقامة الحجة والإلزام في المجهول لا يتحقق.
ــ
[البناية]
ثم أوضح ذلك بقوله:
م: (فإن المودع إذا قال: رددت الوديعة فالقول قوله مع اليمين ينكر، وإن كان مدعيا للرد صورة لأنه ينكر الضمان معنى) ش: فلو أقام على ذلك بينة قبلت، لأنه متمسك بالأصل إذ الأصل في الذمم البراءة، ويحلف القاضي أنه لا يلزمه رد ولا ضمان، ولا يحلفه على أنه رده لأن اليمين أبدا يكون على النفي، فلو أقام على بينة قبلت والقول قوله مع يمينه أيضا فكان مدعى عليه، فإذا أقام البينة اعتبر الصورة، وإذا عجز عنها اعتبر معناها فإنه ينكر الضمان والقول قول المنكر مع يمينه، فإن قيل: المودع بدعوى الرد يتمسك بما ليس بثابت وهو الرد، إذ الرد لم يكن ثابتا، والمودع متمسك بما هو ثابت، وهو عدم الرد، فإن كان ثابتا فينبغي أن يكون الأمر على العكس.
قلت: المودع يدعي براءة ذمته عن الضمان معنى، وهو أصل المودع يدعي الشغل، ولم يكن ثابتا، ولهذا تقبل بينته اعتبارا للصورة، ويجبر على الخصومة، ويحلف اعتبارا للمعنى، فإن قيل: يشكل هذا بما إذا ادعى المديون رفع الدين إلى وكيل رب الدين، ثم حضر رب الدين وأنكر الوكالة فالقول له على ما مر في باب الوكالة، مع أن المديون يدعي البراءة؟.
قلنا: المديون يدعي البراءة هنا بعد الشغل، فكان الشغل أصلا والبراءة عارضا، أما في رد الوديعة فالبراءة أصل والشغل عارض ما ذكرنا فالقول له.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا تقبل الدعوى حتى يذكر شيئا معلوما في جنسه وقدره) ش: قال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (لأن فائدة الدعوى الإلزام) ش: أي إلزام الخصم م: (بواسطة إقامة الحجة) ش: أي بواسطة الحجة وهي البينة والإقرار م: (والإلزام في المجهول لا يتحقق) ش: لأن يلتفت القاضي إذا ادعى شيئا مجهولا، ولا يكلف المدعى عليه الجواب، لأنه إن أنكر لا يصح إقامة البينة عليها مع الجهالة، وإن نكل عن اليمين لا يمكن القضاء بالمجهول فسقطت الدعوى، فإذا كان كذلك اعتبرت الدعوى الصحيحة، وهي بأن يكون المدعي معلوما في جنسه كالدراهم والدنانير والحنطة وغير ذلك وقدره مثل كذا وكذا درهما أو دينارا، أو كرا ويذكر مع ذلك صفتها، كالحنطة البيضاء أو الحمراء، ويذكر أنها جيدة أو رديئة كذا في " الذخيرة ".
وإذا كان المدعي مجهولا في نفسه لا تسمع ولا تعلم فيه خلافا إلا في الوصية؛ فإن الأئمة الثلاث يجوزون دعوى المجهول في الوصية بأن ادعى حقا من وصية أو إقرارا فإنهما يصحان
стр. 4709
فإن كان عينا في يد المدعى عليه كلف إحضارها ليشير إليها بالدعوى، وكذا في الشهادة والاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط، وذلك بالإشارة في المنقول لأن النقل ممكن، والإشارة أبلغ في التعريف، ويتعلق بالدعوى وجوب الحضور، وعلى هذا القضاة من آخرهم في كل عصر، ووجوب الجواب إذا حضر ليفيد حضوره ولزوم إحضار العين المدعاة لما قلنا، واليمين إذا أنكره وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ــ
[البناية]
بالمجهول، وتصح دعوى الإبراء بالمجهول بلا خلاف، ولا يشترط لسماع الدعوى المخالطة والمعاملة، ولا فرق فيه بين طبقات الناس، وعن مالك ﵀: لا يسمع دعوى الذمي الزاني على الشريف إذا لم يعرف بينهما نسب.
م: (فإن كان) ش: أي المدعي م: (عينا في يد المدعى عليه كلف إحضارها ليشير إليه) ش: المدعي م: (بالدعوى) ش: فيقول: هذا الذي أدعيه، لأن المنقول لا يحيط بالوصف فيجب إحضاره، فيجب العلم بأقصى ما يمكن، ويرتفع الاشتباه، لأن الإشارة أبلغ في التعريف، م: (وكذا في الشهادة) ش: أي المدعى عليه بإحضار المدعي ليشير إليه عند أداء الشهادة، وقالوا في المنقولات التي يتعذر نقلها كالرحى ونحوه: يحضر الحاكم عندها أو يبعث أمينا، وفي " المجتبى ": قال الأسبيجابي في مسألة سرقة البقرة: " لو اختلفا في ألوانها تقبل الشهادة عنده خلافا لهما".
وهذه المسألة تدل على أن إحضار المنقول ليس بشرط لصحة الدعوى، إذ لو شرط ألوانها لأحضرت، ولما وقع الاختلاف عند المشاهدة، ثم قال: والناس عنها غافلون، م: (والاستحلاف) ش: يعني إذا استحلف المدعى عليه على العين المدعاة كلف إحضارها، م: (لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط وذلك) ش: أي الإعلام م: (بالإشارة في المنقول لأن النقل ممكن والإشارة أبلغ في التعريف ويتعلق بالدعوى وجوب الحضور) ش: يعني يتعلق بالدعوى الصحيحة الحضور م: (وعلى هذا القضاة من آخرهم) ش: أي بأجمعهم، كذا قاله [في] " الكافي " ﵀.
وقال الأكمل: من أولهم إلى آخرهم م: (في كل عصر) ش: أي من كل زمان من أزمنة الفقهاء والمجتهدين م: (ووجوب الجواب إذا حضر) ش: أو يتعلق بالدعوى أيضا وجوب الجواب على المدعى عليه بنعم أو بلا إذا حضر م: (ليفيد حضوره) ش: لأن المقصود من حضوره الجواب م: (ولزوم إحضار العين المدعاة) ش: أي ويتعلق بالدعوى أيضا وجوب إحضار العين المدعاة مجلس القاضي على المدعى عليه إذا كانت منقولة قائمة في يده م: (لما قلنا:) ش: أشار به إلى قوله: ليشير إليها بالدعوى م: (واليمين) ش: بالجر عطفا على إحضار العين أي يتعلق بالدعوى أيضا لزم اليمين على المدعى عليه م: (إذا أنكره) ش: الحق إذا لم يقدر المدعي على إقامة البينة، م: (وسنذكره إن شاء الله تعالى) ش: أي سنذكر وجوب اليمين على المدعى عليه في آخر هذا الباب،
стр. 4710
قال: وإن لم تكن حاضرة ذكر قيمتها ليصير المدعي معلوما لأن العين لا تعرف بالوصف والقيمة تعرف به وقد تعذر مشاهدة العين، وقال الفقيه أبو الليث: يشترط مع بيان القيمة ذكر الذكورة والأنوثة.
ــ
[البناية]
م: (قال: وإن لم تكن) ش: أي العين المدعاة م: (حاضرة ذكر قيمتها ليصير المدعى معلوما) ش: وعدم حضور العين أعم من أن يكون لهلاكها أو للتعذر.
وقال شمس الأئمة الحلواني -رحمه لله-: ومن المنقولات ما لا يمكن إحضاره عند القاضي كالصبرة من الطعام، والقطيع من الغنم، فالقاضي بالخيار إن شاء حضر ذا الموضع إن تيسر له، وإلا بعث خليفته إن كان مأذونا بالاستخلاف، وإذا رفعت الدعوى في جملة ولا يسع باب داره فإنه يخرج إلى باب داره أو يأمر نائبه حتى يخرج ليشير إليه الشهود لحضرته.
وذكر الإمام القاضي ظهير الدين ﵀: وهذا إنما يستقيم إذا كانت العين المدعاة في المصر، أما إذا كانت خارج المصر كيف يقضي القاضي به والمصر شرط جواز القضاء في ظاهر الرواية، لكن الطريق فيه أن يبعث واحدا من أعوانه حتى يسمع الدعوى والبينة ويقضي، ثم بعد ذلك يمضي قضاؤه.
م: (لأن العين لا تعرف بالوصف) ش: لأنه ربما توجد أعيان كثيرة بهذا الوصف فلا يصير المدعى معلوما مع وجود المزاحم م: (والقيمة تعرف به) ش: أي بالوصف لأنه إذا قيل: عشرة دراهم من الفضة وكذا دينارا من الذهب، الركن يصير قيمته معلومة بهذا الوصف.
قال تاج الشريعة: وقال الأكمل - رحمهما الله-: وإذا لم تكن حاضرة لزمه ذكر قيمتها يعني إذا وقع الدعوى في عين غائبة لا يدري مكانها لزم المدعي ذكر قيمتها، فيصير المدعى معلوما، وذكر الوصف بكاف لأن العين لا تعرف الوصف وإن بويع فيه لإمكان المشاركة فيه فذكره في تعريفه غير مفيد، والقيمة شيء يعرف به المعين فبذكرها يكون مفيدا، وقوله: م: (وقد تعذرت مشاهدة العين) ش: جملة حالية بمن قوله لأن العين لا تعرف بالوصف، يعني والحال أن المشاهدة تعذرت، وأغلاق تركيبه لا يخفى انتهى.
قلت: لا إغلاق في تركيبه على ما لا يخفى، بل التحقيق على ما ذكره تاج الشريعة ﵀ ومثله قال الكاكي ﵀: قوله -: وقد تعذرت مشاهدة العين الوصف والقيمة في الغائب مقام المشاهدة، م: (وقال الفقيه أبو الليث: يشترط مع بيان القيمة ذكر الذكورة والأنوثة) ش:، وقال محمد بن محمود الأستروشني في " فصوله ": وإذا ادعى قيمة دابة مستهلكة هل يحتاج إلى ذكر الأنوثة والذكورة؟، اختلف المشايخ فيه، وذكر الصدر الشهيد: لا بد من ذكر الأنوثة والذكورة، ولا بد من بيان السن، ومن المشايخ من أبى ذكر الذكورة والأنوثة، لأن المقصود في
стр. 4711
قال: وإن ادعى عقارا وحدده وذكر أنه في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل فيصار إلى التحديد، فإن العقار يعرف به ويذكر الحدود الأربعة، ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم ولا بد من ذكر الحد؛ لأن تمام التعريف به عند أبي حنيفة ﵀ على ما عرف هو الصحيح ولو كان الرجل مشهورا يكتفى بذكره، فإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفى بها عندنا خلافا لزفر ﵀ لوجود الأكثر، بخلاف ما إذا غلط في الرابعة؛ لأنه يختلف به المدعي ولا كذلك بتركها، وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة وقوله في الكتاب، وذكر أنه
ــ
[البناية]
دعوى الدابة المستهلكة القيمة فلا حاجة إلى ذكرهما.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في " مختصره ": م: (وإن ادعى عقارا وحدده) ش: أي ذكر حدوده م: (وذكر أنه في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به) ش: أي وأن المدعي يطالب المدعى عليه بالمدعى م: (لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل فيصار إلى التحديد، فإن العقار يعرف به) ش: أي بالتحديد م: (ويذكر الحدود الأربعة ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم) ش: ويذكر أصحاب حدود العقار، ويذكر أنساب أصحاب الحدود بأن يقال: فلان بن فلان بن فلان م: (ولا بد من ذكر الجد لأن تمام التعريف به عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي يذكر الجد م: (على ما عرف هو الصحيح) ش: احترز به عما روي عنهما أن ذكر الأب يكفي م: (ولو كان الرجل مشهورا) ش: كأبي حنيفة ﵀ ومحمد بن الحسن، وابن أبي ليلى، وأبي جعفر الكبير البخاري ﵏ جميعا - م: (يكتفي بذكره) ش: أي بذكر الرجل بدون نسبته.
م: (فإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفى بها عندنا خلافا لزفر ﵀) ش: هو يقول: التعريف لم يتم بدون ذكره وقوله م: (لوجود الأكثر) ش:، دليلنا أن إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع، ثم مقدار الطول يعرف بالحدين، ومقدار العرض بذكر أحد الحدين، وقد يكون الأصل مثليه م: (بخلاف ما إذا غلط في الرابعة) ش: يعني إذا ذكر الحدود الثلاثة وسكت عن الرابعة جاز، أي عن الحد الرابع وإنما أنثه باعتبار الجهة وإنما قلنا: " وسكت عن الرابعة " لأنه إذا ذكر الرابع وغلط فيه لا يجوز باتفاق بيننا وبين زفر.
م: (لأنه يختلف به) ش: أي بالغلط م: (المدعي ولا كذلك بتركها) ش: أي بترك الرابعة، كما لو شهد شاهدان بالبيع وقبض الثمن، وتركا ذكر الثمن جاز، ولو غلطا في الثمن لا تجوز شهادتهم، لأنه صار عقد آخر بالغلط م: (وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة) ش: حتى لو ذكروا ثلاثة في الحدود في الشهادة قبلت شهادتهم خلافا لزفر كما مر.
م: (وقوله في الكتاب) ش: أي قول القدوري ﵀ في " مختصره ": م: (وذكر أنه
стр. 4712
في يد المدعى عليه لا بد منه؛ لأنه إنما ينتصب خصما إذا كان في يده وفي العقار لا يكتفى بذكر المدعي وتصديق المدعى عليه أنه في يده بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبينة أو علم القاضي هو الصحيح نفيا لتهمة المواضعة إذ العقار عساه في يد غيرهما، بخلاف المنقول لأن اليد فيه مشاهدة، وقوله أنه يطالبه به؛ لأن المطالبة حقه فلا بد من طلبه،
ــ
[البناية]
في يد المدعى عليه لا بد منه لأنه) ش: أي لأن المدعى عليه م: (إنما ينتصب خصما) ش: دعواه، في " الخلاصة " ادعى على آخر دارا في يده، وقال: في ملكي وفي يدي، وأنكر المدعى عليه أنها ملك المدعي، فإن القاضي لا يقضي بهذه البينة ما لم يشهدوا أنها في يد المدعى عليه، وفي " أدب القاضي " للخصاف: لو أقام أحدهما البينة أنها في يديه وقام الآخر البينة على أنها له فهو لصاحب الملك دون صاحب اليد.
قال مشايخنا ﵏: نصفه على وجه القضاء، ونصفه على وجه الترك، كان الكلام فيما م: (إذا كان في يده) ش: والظاهر أن كله وجه القضاء، وقال الأسبيجابي في " شرح الكافي " للحاكم الشهيد: وإذا كانت الدار في يدي رجلين، كل واحد منهما يدعي أنها له، فكل واحد منهما مدعى لما في يد صاحبه وعليه البينة.
ولكل واحد منهما على صاحبه اليمين فأيهما حلف على دعوى صاحبه برئ عنها، وأيهما نكل عن اليمين ألزمته ثمنه صاحبه، لأن يد كل واحد منهما ثابتة على النصف، فكان خارجا فيما في يد صاحبه، فتكون البينة بينة على ما في يد الآخر، واليمين يمين على صاحبه، وكذلك الحيوان والعروض، م: (وفي العقار لا يكتفي بذكر المدعي وتصديق المدعى عليه أنه في يده، بل لا تثبت اليد فيه) ش: أي في العقار م: (إلا بالبينة) ش: بأن يشهدوا أنهم عاينوا أنه في يده، حتى لو قالوا: سمعنا ذلك لم يقبل وكذا في غير هذه الصورة لا بد في الشهادة على اليد من ذلك، م: (أو علم القاضي) ش: بأنه في يده م: (وهو الصحيح) ش: احترز به عن قول من يقول: يكتفي بتصديق المدعى عليه أنه في يده.
م: (نفيا لتهمة المواضعة إذ العقار عساه) ش: أي لعله م: (في يد غيرهما) ش: الحاصل: أنه يحتمل أنهما تواصفا على أن يصدق المدعى عليه المدعي بأن العقار في يد المدعى عليه ليحكم القاضي باليد للمدعى عليه، حتى يتصرف فيه المدعي، فكان القضاء فيه قضاء بالتصرف في مال الغير، وذلك يقضي إلى نقض القضاء عند ظهوره في يد ثالث، م: (بخلاف المنقول لأن اليد فيه مشاهدة) ش: فلا حاجة إلى اشتراط الزيادة.
م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري ﵀: م: (إنه يطالبه به لأن المطالبة حقه فلا بد من طلبه) ش: أي لأن المطالبة حق المدعي فلا بد من طلبه حتى تجب على القاضي إعانته، وقال
стр. 4713
ولأنه يحتمل أن يكون مرهونا في يده أو محبوسا بالثمن في يده وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال، وعن هذا قالوا في المنقول: يجب أن يقول في يده بغير حق. قال: وإن كان حقا في الذمة ذكر أنه يطالبه به لما قلنا، وهذا لأن صاحب الذمة قد حضر فلم يبق إلا المطالبة، لكن لا بد من تعريفه بالوصف لأنه يعرف به.
ــ
[البناية]
الأكمل - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: في عبارته تسامح، لأنه إلى تقدير فلا بد من طلب المطالبة فتأمل، ثم قال: ويمكن أن يجاب عنه بأن المطالبة مصدر بمعنى المفعول فكان معناه المطالب حقه فلا بد من طلبه، انتهى.
قلت: إنما قال " فيه تسامح " لأنه توهم من ذلك أن الضمير في طلبه يرجع إلى حقه كما يدل عليه تقديره، ولأن المطالبة حقه فلا بد من طلب حقه فوقع فيما وقع فيه، وإنما الضمير في" طلبه " يرجع إلى المدعي.
والمعنى أصح، على أن في قوله " ولأن المطالبة " مصدر بمعنى المفعول في كلام يتأمل فيه، م: (ولأنه) ش: أي ولأن المدعي م: (يحتمل أن يكون مرهونا في يده) ش: أي ولأن المدعي يحتمل أن يكون مرهونا في يده أي في يد المدعى عليه م: (ومحبوسا بالثمن في يده) ش: فلا تصح الدعوى قبل أداء الدين أو أداء الثمن، م: (وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال) ش: لأنه لو كان مرهونا أو محبوسا بالثمن، لا يطالب بالانقطاع من ذي اليد بخلاف مجرد الدعوى أنه ملكه، إذ مجرد الملك لا يدل على أن اليد له م: (وعن هذا قالوا في المنقول) ش: إشارة إلى قوله: يحتمل أن يكون مرهونا أو محبوسا بالثمن لم يطالب م: (يجب أن يقول: في يده بغير حق) ش: لهذا المعنى الذي ذكر وهو احتمال كونه مرهونا أو محبوسا بالثمن، وفي " الفتاوى الصغرى " و" التتمة ": أنه إذا ملك المدعي ولم يشهد أنه في هذا بغير حق، يعني أنه يقبل؛ وسمعت أنه ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في " الجامع ": أنه اختلف المشايخ فيه، قال: والأوضح أنه لا يقبل؛ وذكر نجم الدين النسفي عن أبي الحسن السعدي والبزدوي: أنه شرط ما لم يثبت أنه في يده بغير حق لا يمكنه المطالبة بالتسليم، وبه كان يفتي أكثر مشايخنا، وقال صاحب " التتمة ": وهو الصحيح وعليه الفتوى.
م: (قال) ش: القدوري ﵀ في " مختصره " م: (وإن كان حقا في الذمة ذكر أنه يطالبه به لما قلنا) ش: إشارة إلى قوله: إن المطالبة حقه فلا بد من طلبه م: (وهذا) ش: يعني قوله: أن يطالبه م: (لأن صاحب الذمة قد حضر فلم يبق إلا المطالبة ولكن لا بد من تعريفه) ش: أي تعريف ما في الذمة م: (بالوصف) ش: مثل أن يقول: - كذا درهما أو دينارا - فبعد ذلك إن كان مضروبا بذكر نوعه كبخاري الضرب أو نيسابوري الضرب، م: (لأنه يعرف به) ش: أي لأن ما في الذمة يعرف بالوصف بأنه جيد أو وسط أو رديء، وإنما يحتاج إلى ذكر الصفة إذا كان في البلد نقود مختلفة،
стр. 4714
قال: وإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عنها لينكشف له وجه الحكم فإن اعترف قضى عليه بها لإن الإقرار موجب بنفسه فيأمره بالخروج عنه، وإن أنكر سئل المدعي البينة لقوله ﵊ «ألك بينة "؟ فقال: لا، فقال: " لك يمينه» سأل ورتب اليمين على فقد البينة فلا بد من السؤال ليمكنه الاستحلاف. قال: فإن أحضرها قضى بها لانتفاء التهمة عنها
ــ
[البناية]
أما إذا كان نقدا واحدا فلا يحتاج.
ولو كان في البلد نقود مختلفة والكل في الرواج سواء، والأفضل للمبعض على البعض المبيع ويعطي المشتري البائع أي نقد شاء، إلا أن في الدعوى لا بد من تعيين أحدهما، وإن كان أحدهما أروج يصير ذلك [ ... ] في البيع والدعوى، فلا حاجة إلى البيان، وإن كانت الدعوى لسبب القرض أو استهلاكه فلا بد من بيان صفته على كل حال.
[إقرار المدعى عليه بصحة الدعوى وما يترتب عليه]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا صحت الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عنها) ش: أي عن الدعوى م: (لينكشف له وجه الحكم) ش: لأن الأشياء التي تنقطع بها المنازعة الإقرار والبينة واليمين، م: (فإن اعترف قضى عليه بها) ش: أي يقضي القاضي على المدعى عليه بالدعوى ولفظ القضاء هنا مجاز للزومه، فإقراره فلا حاجة إلى القضاء، م: (لأن الإقرار موجب بنفسه) ش: فلا يتوقف على القضاء، وإذا كان كذلك م: (فيأمره بالخروج عنه) ش: موجب إقراره.
م: (وإن أنكر) ش: أي المدعى عليه م: (سئل المدعي البينة لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : «ألك بينة؟ فقال: لا، فقال: لك يمينه» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله ﷺ إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، وقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال ﵊ للحضرمي: " ألك بينة "؟ قال: لا، قال: " فلك يمينه "، قال: يا رسول الله ﷺ الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع عن شيء، فقال: " ليس لك منه إلا ذلك "، فانطلق ليحلف فقال ﷺ : " أما الذي حلف على مال يأكله ظلما ليلقين الله تعالى وهو عنه غير راض ".»
م: (سأل) ش: أي النبي ﷺ عن المدعي والمدعى عليه م: (ورتب اليمين على فقد البينة فلا بد من السؤال) ش: عن البينة أولا م: (ليمكنه الاستحلاف) ش: أي فيمكن القاضي طلب اليمين من المدعى عليه، م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (فإن أحضرها) ش: أي فإن أحضر المدعي البينة على وفق دعواه م: (قضى بها) ش: أي قضى القاضي بالبينة م: (لانتفاء التهمة عنها)
стр. 4715
وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلفه عليها لما روينا، ولا بد من طلبه لأن اليمين حقه، ألا ترى أنه كيف أضيف إليه بحرف اللام فلا بد من طلبه.
ــ
[البناية]
ش: أي عن الدعوى لرجحان جانب المصدق في خبر المدعي بالبينة، م: (وإن عجز عن ذلك) ش: أي وإن عجز المدعي عن الإثبات بالبينة، م: (وطلب يمين خصمه) ش: وهو المدعى عليه م: (استحلفه عليها) ش: أي على دعواه م: (لما روينا) ش: وهو قوله ﵊: " لك يمينه " م: (ولا بد من طلبه) ش: أي من طلب المدعي استحلاف خصمه، م: (لأن اليمين حقه) ش: ثم أوضح ذلك بقوله: م: (ألا ترى أنه كيف أضيف إليه؟) ش: أي كيف أضيف اليمين إلى المدعي؟، إنما ذكر أضيف وإن كان مسندا إلى ضمير اليمين التي هي مؤنثة على تأويل القسم أو الحلف م: (بحرف اللام فلا بد من طلبه) ش: أي لام الاختصاص، ففي قوله ﵊: " فلك يمينه "، نعلم أن اليمين حقه.
стр. 4716
باب اليمين وإذا قال المدعي: لي بينة حاضرة وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة ﵀ معناه حاضرة في المصر، وقال أبو يوسف ﵀: يستحلف، لأن اليمين حقه بالحديث المعروف فإذا طالبه به يجيبه ولأبي حنيفة ﵀: أن ثبوت الحق في اليمين مرتب على العجز عن إقامة البينة لما روينا، فلا يكون حقه دونه كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس ومحمد مع أبي يوسف - رحمهما الله - فيما ذكره الخصاف، ومع أبي حنيفة فيما ذكر الطحاوي ﵀
ــ
[البناية]
[باب اليمين]
[قال المدعي لي بينة حاضرة وطلب اليمين]
م: (باب اليمين) ش: أي هذا باب في بيان أحكام اليمين، قال الأترازي ﵀: ما كان يحتاج هنا إلى الفصل بالباب، بل كان ينبغي أن يسوق الكلام متواليا، لأنه لما ذكر صحة الدعوى ترتب عليها الحكم بالإقرار والبينة واليمين، قلت: الذي رتبه المصنف هو الأصل لأنه لما كانت اليمين مشروعة بعد فقد البينة تعين ذكرها بعدها بأحكامها وشرائطها.
قال: أي القدوري ﵀ م: (وإذا قال المدعي: لي بينة حاضرة وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة ﵀) ش: قال المصنف ﵀: م: (معناه) ش: أي معنى قول القدوري: م: (حاضرة في المصر) ش: واحترز به عن البينة الحاضرة في مجلس الحكم فحينئذ لا يجوز الحكم باليمين بالإجماع، وإن طلب الخصم واحترز به أيضا عما إذا كانت البينة غائبة عن المصر، فحينئذ يستحلف بالاتفاق.
م: (وقال أبو يوسف ﵀: يستحلف؛ لأن اليمين حقه بالحديث المعروف) ش: وهو قوله ﵊: " لك يمينه "، وقد مر عن قريب، م: (فإذا طالبه) ش: أي فإذا طالب المدعي المدعى عليه باليمين م: (يجيبه) ش: أي يجيب القاضي المدعي ويستحلف المدعى عليه م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن ثبوت الحق في اليمين مرتب على العجز عن إقامة البينة لما روينا) ش: إشارة إلى قوله ﵊: «ألك بينة؟ " فقال: لا، قال: "لك يمينه» .
فإنه ﵊ رتب اليمين على فقد البينة، م: (فلا يكون حقه دونه) ش: أي لا تكون اليمين حق المدعي دون العجز عن البينة، يعني لا تكون ولاية الاستحلال دون العجز عن إقامة البينة، م: (كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس) ش: أي في مجلس القاضي حيث لا يجوز الاستحلاف، م: (ومحمد مع أبي يوسف - رحمهما الله - فيما ذكر الخصاف، ومع أبي حنيفة فيما ذكره الطحاوي ﵀) ش: وأنكر الأترازي ﵀ على المصنف في جعل محمد ﵀ مع أبي يوسف ﵀ فيما ذكره الخصاف، فقال: لأن الخصاف لم يذكر
стр. 4717
قال: ولا ترد اليمين على المدعي لقوله ﵊ «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» قسم، والقسمة تنافي الشركة وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء
ــ
[البناية]
الخلاف في "أدب القاضي" إلا بين أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-، ولم يذكر لمحمد ﵀ قولًا.
وكذلك فعل أبو بكر الرازي ﵀ في "شرح أدب القاضي" للخصاف، ولم يذكر قول محمد ﵀ أصلًا، وكذا قال الإمام أبو محمد الناصحي النيسابوري في "تهذيب أدب القاضي" للخصاف، فقال: ولم يذكر الخصاف قول محمد ﵀، ثم قال: وذكر أبو علي بن موسى: إن قول محمد ﵀ مع أبي يوسف ﵀ فيما روى عبد الرحمن البزدي وغيره من أصحاب محمد ﵏.
وأنكر الأترازي أيضًا عليه في جعل محمد ﵀ مع أبي حنيفة ﵀ فيما ذكره الطحاوي، ثم قال: لأن الطحاوي ذكر هذه المسألة في "مختصره" وذكر الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، ثم قال: ولم نجد هذه الرواية عن محمد ﵀، وأنكر الرواية عن محمد ﵀ أصلًا ومع هذا كيف يدعي صاحب " الهداية " أن محمدا مع أبي حنيفة - رحمهما الله- فيما ذكره الطحاوي ﵀؟، قلت: لا وجه لهذا الإنكار، لأن عدم وقوف الطحاوي على أن محمدًا ﵀ مع أبي حنيفة لا يستلزم عدم وقوف غيره من المصنف وغيره.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ولا ترد اليمين على المدعي) ش:، وقال مالك والشافعي وأحمد ﵏ في رواية: ترد، وقول أحمد ﵀ في الظاهر كقولنا، م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» ش: الحديث أخرجه البيهقي في "سننه" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر» .
وروى محمد بن الحسن ﵀ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وجه الاستدلال به هو: ما قال المصنف ﵀ بقوله: م: (قسم) ش: أي قسم النبي ﷺ بين الخصمين، فجعل البينة على المدعي واليمين على من أنكر، م: (والقسمة تنافي الشركة وجعل) ش: أي النبي ﷺ م: (جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء) ش: بيانه: أنه ذكر اليمين محلى بالألف واللام وأنه للجنس إذا لم يكن ثمة معهود.
стр. 4718
وفيه خلاف الشافعي ﵀.
قال: ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق
ــ
[البناية]
ويقال: جعل البينة حجة جنس المدعين، واليمين حجة جنس المنكرين، فتكون جميع الأيمان على المنكرين فمن رد اليمين على المدعي لم يجعل جميعها على المنكرين، فيكون ذلك نسخًا للحديث المشهور، ولأنه عمل به الأئمة، وأنه لا يجوز بخبر الواحد ولا بالقياس، م: (وفيه خلاف الشافعي ﵀) ش: قد ذكرنا رد حجته ومن معه في مسألة القضاء بشاهد ويمين.
روي عن جماعة من الصحابة ﵃ حديث ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد» والجواب عنه من وجهين، أحدهما: أنه معلول بالانقطاع لأن فيه عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵁، وقال الترمذي في "علله الكبير": إن هذا الحديث قاله عمرو بن دينار ولم يسمعه من ابن عباس ﵁.
وقال ابن القطان في كتابه: والحديث وإن كان مسلمًا أخرجه عن قيس بن سعد وعمرو بن دينار، عن ابن عباس، ولكنه يروى بالانقطاع، وقال الطحاوي: وقيس بن سعد لا نعلمه إلا بحديث عمرو بن دينار.
الوجه الثاني: أن هذا على صحته لا يفيد العموم. قال الإمام فخر الدين ﵀: قول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن كذا، وقضى بكذا لا يفيد العموم، لأن الحجة في المحكي عنه لا في الحكاية، والمحكي قد يكون خاصًا وأيضًا فالقضاء له.. قد وجد البياض في السختين....، أقر بها إلا في هذا الموضع فعل الخصومات، وهذا مما يتعين به الخصومات، إذ لا يأتى فيه الحكم يعمل من شاهد النبي ﷺ إلى قيام الساعة، بل إنما يقتضي شاهد خاص.
فإن قلت: روى سهل بن أبي حثمة ﵀ في القسامة «أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا" فقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟، فقال رسول الله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون» .
فهذا رسول الله ﷺ جعل الأيمان على المدعين بعد أن جعلها على المدعى عليهم فعلم أن رد اليمين جائز، والجواب: أنه لا دليل فيه لخصم، لأنه ﵊ قال ذلك على سبيل الإنكار عليهم، بدليل أن اليمين عند المخالف لا ترد على المدعي إلا بعد أن يمتنع المدعى عليه، واليهود لم يمتنعوا من اليمين، وإنما قالت الأنصار: لا نرضى بأيمانهم، فدل على أن الكلام خرج على وجه الإنكار.
[بينة صاحب اليد في الملك المطلق]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق)
стр. 4719
وبينة الخارج أولى، وقال الشافعي ﵀: ويقضي ببينة ذي اليد لاعتضادها باليد، فيتقوى الظهور وصار كالنتاج والنكاح ودعوى الملك مع الإعتاق والاستيلاء والتدبير. ولنا: أن بينة الخارج أكثر إثباتا أو إظهارا
ــ
[البناية]
ش: وأراد بالمطلق أن يدعي الملك من غير أن يتعرض للسبب، بأن يقول "هذا ملكي" ولم يقل ملكه بسبب الشراء والإرث ونحو ذلك، لأن المطلق ما يتعرض الذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، فلذلك قيد به احترازًا عن الملك المقيد بدعوى النتاج، وبسبب لا يتكرر، وعن ماذا ادعيا الملك من واحد وأحدهما قابض؟، وعن ماذا ادعيا الشراء من اثنين وتارخ أحدهما أسبق؟، فإن هذه الصورة تقبل بينة ذي اليد بالإجماع.
فإن قلت: أما انتقض مقتضى القسمة حيث قبلت بينة ذي اليد وهو مدعى عليه؟ قلت: نعم، لأن قبولها من حيث ما ادعى من زيادة النتاج، والقبض، وسبق التاريخ، فهو من تلك الجهة مدعى عليه، والبينة للمدعي.
فإن قلت: فهل تجب على الخارج اليمين لكونه إذ ذاك مدعى عليه، قلت: لا، لأن اليمين إنما تجب عند عجز المدعي عن البينة، وهاهنا لم يعجز، وإذا تعارضت بينة الخارج وذي اليد في ملك المطلق فبينة الخارج أولى لعدم زيادة يصير بهما ذو اليد مدعيًا.
م: (وبينة الخارج أولى) ش: إن أقاما بينة م: (وقال الشافعي ﵀: يقضي ببينة ذي اليد) ش: وبه قال مالك ﵀ والقاضي منه من أصحاب أحمد ﵀، وقول أحمد ﵀ كقولنا
م: (لاعتضادها باليد) ش: أي لتقوية البينة باليد، إذ اليد دليل الملك م: (فيتقوى الظهور) ش: لأن بينة الخارج أكثر إثباتًا م: (وصار) ش: أي وصار حكم ذي اليد بالقضاء بينة م: (كالنكاح) ش: بأن ادعى نكاح امرأة وهي في يد أحدهما يقضي لصاحب اليد بالإجماع م: (والنتاج) ش: بأن أقاما بينة على نتاج دابة وهي في يد أحدهما يقضي لصاحب اليد.
م: (ودعوى الملك مع الإعتاق) ش: بأن ادعى عبدًا في يد رجل وأقام بينة أنه عبده وأعتقه وأقام ذو اليد بينة أنه أعتقه وهو يملكه فبينة ذي اليد أولى، م: (والاستيلاء) ش: بأن أدعى أنها أمته استولدها وهي في يد أحدهما فبينة ذي اليد أولى، م: (والتدبير ولنا: أن بينة الخارج أكثر إثباتًا) ش: بأن ادعيا أنه عبده ومدبره فبينة ذي اليد أولى في كل وجه، وبينة ذي اليد لا تثبت الملك من كل وجه، بل من وجه، لأن اليد دليل الملك، ولهذا لو رأى عينًا في يد إنسان يتصرف فيها تصرف الملاك جاز لمن رأى أن يشهد بالملك له م: (أو إظهارًا) ش: يعني في الواقع، فإن بينته تظهر ما كان ثابتًا في الواقع.
стр. 4720
؛ لأن قدر ما أثبتته اليد لا يثبته ببينة ذي اليد إذ اليد دليل مطلق الملك بخلاف النتاج لأن اليد لا تدل عليه، وكذا على الإعتاق وأختيه، وعلى الولاء الثابت بها.
قال وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضى عليه بالنكول وألزمه ما ادعى عليه، وقال الشافعي ﵀: لا يقضي به بل يرد اليمين على المدعي، فإذا حلف يقضي به
ــ
[البناية]
م: (لأن قدر ما أثبتته اليد لا يثبته ببينة ذي اليد، إذ اليد دليل مطلق الملك) ش: فبينته لا تثبت لئلا يلزم تحصيل الحاصل بخلاف بينة الخارج فإنها تثبت الملك وتظهره، وما هو أكثر إثباتًا، من البينات فهو أولى لتوفر ما شرعت البينات لأجله فيه، فإن قيل: بينة الخارج تزيل ما أثبته ذو اليد من الملك فبينة ذي اليد تفيد الملك، ولا يلزم تحصيل الحاصل، أجيب بأنها ليست موجبة بنفسها حتى يزيل ما ثبت باليد، وإنما تصير موجبة عند اتصال القضاء بها، فقبله يكون الملك ثابتا للمدعى عليه، وإثبات الثابت لا يتصور، فلا يكون بينة مثبتة بل مؤكدة لملك ثابت والتأسيس أولى من التأكيد.
م: (بخلاف النتاج، لأن اليد لا تدل عليه) ش: فكانت البينة مثبتة لا مؤكدة، فكان كل واحد من البينتين للإثبات فترجح إحداهما باليد، م: (وكذا على الإعتاق وأختيه) ش: أي وكذا اليد لا تدل على أختي الإعتاق، وهما التدبير والاستيلاد فتعارضه بينة الخارج، وذي اليد ثم ترجحت بينة ذي اليد م: (وعلى الولاء الثابت بها) ش: أي بالإعتاق والاستيلاد والتدبير ومعناه: أن البينتين في الإعتاق وأختيه يدلان على الولاء، إذ العتق حاصل للعبد بتصادقهما، وهما استويا في ذلك، وترجح صاحب اليد بحكم يده، ثم يستوي الجواب بين أن يكون الخارج مسلما أو ذميا، أو عبدًا أو حرا أو امرأة أو رجلا، والمدعى عليه كذلك والمدعي به كذلك أي مال كان.
[نكل المدعى عليه عن اليمين]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضي عليه بالنكول) ش: أي قضي القاضي على المدعى عليه بالنكول م: (وألزمه ما ادعى عليه) ش: أي ألزم القاضي المدعى عليه بما ادعى عليه المدعي، وفي بعض النسخ: ولزمه، م: (وقال الشافعي ﵀ لا يقضي به) ش: أي بالنكول م: (بل ترد اليمين على المدعي، فإذا حلف يقضي به) ش: أي إذا حلف المدعي يقضي له بما يدعيه.
وفي " التفريع " للمالكية: وإذا ادعى على رجل دعواه لم يحلف له بمجرد دعواه حتى يثبت أن بينهما خلطة، فإذا ثبت ذلك حلف المدعى عليه وبرئ، فإن نكل عن اليمين لم يحكم عليه بمجرد النكول، وحلف المدعي على ما ادعاه واستحق ما ادعاه بيمينه ونكول خصمه، فإن لم يحلف لم يحكم له بشيء، انتهى.
وروي عن أحمد أنه قال: إذا نكل المدعى عليه حبسته أبدا حتى يحلف فيبرأ، أو يقر
стр. 4721
لأن النكول يحتمل التورع عن اليمين الكاذبة والترفع عن الصادقة واشتباه الحال فلا ينتصب حجة مع الاحتمال ويمين المدعي دليل الظهور فيصار إليه. ولنا: أن النكول دل على كونه باذلا أو مقرا، إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب ودفعا للضرر عن نفسه فترجح هذا الجانب، ولا وجه لرد اليمين على المدعي لما قدمناه. قال: وينبغي للقاضي أن يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بما ادعاه، وهذا الإنذار لإعلامه بالحكم، إذ هو موضع الخفاء،
ــ
[البناية]
فيحكم عليه، وبقولنا قال سفيان بن سعيد الثوري، م: (لأن النكول يحتمل التورع عن اليمين الكاذبة والترفع عن الصادقة) ش: أي عن اليمين الصادقة م: (واشتباه الحال) ش: يعني ويحتمل أن يكون الحال مشتبهة عليه، لا يدري أصادق في الإنكار فيحلف، أو كاذب فيمتنع، م: (فلا ينتصب) ش: أي يمين المدعي عليه م: (حجة مع الاحتمال، ويمين المدعي دليل الظهور) ش: لما كانت يمين المدعي عليه، وينكر له، وبنكوله صار الظاهر شاهدا للمدعي، فإذا كان كذلك م: (فيصار إليه) ش: أي إلى المدعي.
م: (ولنا أن النكول) ش: أي نكول المدعى عليه م: (دل على كونه باذلا) ش: أي كان النكول بذلا كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀، م: (أو مقرا) ش: أي كان إقرار كما هو مذهبهما م: (إذ لولا ذلك) ش: أي لولا أن اليمين بذل أو إقرار م: (لأقدم على اليمين الصادقة إقامة للواجب) ش: لأن اليمين واجبة عليه، لقوله ﷺ «واليمين على من أنكر» وكلمة " على " للوجوب م: (ودفعا للضرر عن نفسه) ش: وهو بذل المال م: (فترجح هذا الجانب) ش: أي جانب كون الناكل باذلا ومقرا على الوجه المحتمل، وهو كونه متورعا، أو نحو ذلك.
م: (ولا وجه لرد اليمين على المدعي لما قدمناه) ش: إشارة إلى قوله ﵊: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وفي " المبسوط " و " الأسرار ": مذهبنا مؤيد بإجماع الصحابة ﵃ على ذلك، فإن قيل: كيف يكون إجماع الصحابة ﵃ وقد روي عن علي ﵁ أنه حلف المدعي بعد نكول المنكر؟ .
قلت: وروي عن علي ﵁ في المنكر طلب منه رد اليمين إلى المدعي فقال: ليس لك عليه سبيل، وقضى بالنكول بين يدي علي ﵁، فقال له علي: قالون، بلغة الروم، أي: أصبت.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وينبغي للقاضي أن يقول له) ش: أي للمدعى عليه م: (إني أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن حلفت وإلا فقضيت عليك بما ادعاه) ش: أي المدعي م: (وهذا الإنذار لإعلامه بالحكم، إذ هو موضع الخفاء) ش: أي الحكم بالنكول موضع الخفاء لأنه
стр. 4722
قال: فإذا كرر العرض عليه ثلاث مرات قضى عليه بالنكول وهذا التكرار ذكره الخصاف لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبلاء العذر، وأما المذهب إنه لو قضى بالنكول بعد العرض مرة جاز لما قدمناه هو الصحيح، والأول أولى، ثم النكول قد يكون حقيقيا كقوله - لا أحلف - وقد يكون حكميا بأن يسكت، وحكمه حكم الأول إذا علم أنه لا آفة به من طرش أو خرس هو الصحيح.
ــ
[البناية]
مجتهد فيه، ولعدم دلالة النص على ذلك فيجوز أن يلتبس عليه ما يلزمه النكول.
م: (قال: فإذا كرر العرض عليه ثلاث مرات قضى عليه بالنكول، وهذا التكرار ذكره الخصاف) ش: لأن التكرار ليس بشرط على ما ذكره في الأصل، بل إذا قضى بالنكول مرة جاز، وإنما ذكره الخصاف ﵀ م: (لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبلاء العذر) ش: فصار كإمهال المرتد ثلاثة أيام م: (وأما المذهب فإنه لو قضى بالنكول بعد العرض مرة جاز لما قدمناه) ش: إشارة إلى ما ذكر إذ النكول دل على كونه باذلا أو مقرا، كذا قاله الأترازي، والكاكي، والأكمل ﵏.
وقال تاج الشريعة: قوله: م: (لما قدمنا) ش: يعني أنه لولا كونه كاذبا لأقدم على اليمين إقامته للجواب م: (هو الصحيح) ش: قال الأترازي ﵀: احتراز عن قول الخصاف فإنه يشترط التكرار، وقال الأكمل: احتراز عما قيل - لو قضى بالنكول مرة واحدة لا ينفذ وهذا هو الأوجه، م: (والأول أولى) ش: أي ما ذكره الخصاف أولى، كما في الإمهال للمرتد، فإن قتل بلا إمهال جاز.
وفي " الكافي ": والتقدير بالثلاث في العرض لازم في المروي عن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -، وبه قال أحمد والجمهور- رحم الله الجميع - على أنه للاحتياط، وبه قال مالك والشافعي ﵀، م: (ثم النكول قد يكون حقيقيا كقوله: لا أحلف، وقد يكون حكميا بأن يسكت وحكمه) ش: أي حكم السكوت م: (حكم الأول) ش: وبه قال الثلاثة م: (إذا علم أنه لا آفة به من طرش) ش: بفتح الراء من يطرش طرشا، من باب علم، أي صار أطروشا، وهو الأصم، والطرش أهون من الصمم م: (أو خرس) ش: بفتح الراء، وهو آفة باللسان تمنع الكلام أصلا م: (هو الصحيح) ش: أشار به إلى اختلاف الروايات فيما إذا سكت المدعى عليه بعد عرض اليمين عليه ولم يقل - لا أحلف.
فقال بعض أصحابنا: إذا سكت المدعى عليه سأل القاضي: هل به خرس أو طرش؟ فإذا قالوا: لا، جعله ناكلا، وقضى عليه، ومنهم من قال: يحبس حتى يجيب، والأول هو الصحيح، كذا في " شرح الأقطع "، وفي " الفصول ": لو كان استحلاف عند غير القاضي كان المدعي على دعواه، لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، واليمين عند القاضي قاطعة لها.
ولو قال المدعي: إن حلف المدعى عليه فأنا بريء، أو قال: فدعواه باطلة لا تبطل دعواه،
стр. 4723
قال: وإذا كانت الدعوى نكاحا لم يستحلف المنكر عند أبي حنيفة ﵀، ولا يستحلف عنده في النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود واللعان،
ــ
[البناية]
حتى لو أقام بينة بعد يمين الخصم تقبل بينته، وفي " المبسوط ": بعض القضاء من السلف لا يسمع البينة بعد يمين الخصم، ولسنا نأخذ بذلك، وإنما نأخذ فيه بقول عمر ﵁، فإنه جوز قبول بينة المدعي بعد حلف المدعى عليه، وبه قالت الثلاثة.
وفي " النوازل ": لو ادعى دواعي متفرقة لا يحلفه القاضي على كل شيء لملكه جمعها في يمين واحدة، وفي " التتمة ": لو ادعى دينًا في التركة وصلت في يد هذا يحلف بالله وحده، بالله ما وصل إليه شيء من التركة ولا يعلم أن له دينًا على أبيه، وقيل: يحلف يمينين على الوصول على البتات، وعلى الدين على العلم، وبه قال عامة المشايخ، وأجمعوا: أن المدعي بعد إقامة البينة يحلف أنه ما استوفاه ولا أبرأه، وإن لم يدع الخصم ولا يعلم فيه خلاف.
[ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها وأنكرت المرأة وبالعكس]
م: (وقال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن كانت الدعوى نكاحًا لم يستحلف المنكر عند أبي حنيفة ﵀) ش: ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها وأنكرت المرأة وبالعكس، فلا استحلاف فيه عنده.
م: (ولا يستحلف عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀ م: (في النكاح) ش: سواء كان الرجل مدعيًا أو المرأة , م: (والرجعة) ش: أي ولا يستحلف أيضًا في الرجعة، بأن ادعى الزوج بعد انقضاء العدة أنه كان راجعًا في العدة، وهي تجحد أو ادعت هي كذلك وهو يجحد، م: (والفيء في الإيلاء) ش: أي ولا يستحلف في الفيء في الإيلاء أيضًا، بأن ادعى بعد مضي هذه الإيلاء أنه فاء إليها في المدة وهي تجحد، أو ادعت المرأة كذلك وهو يجحد م: (والرق) ش: أي ولا يستحلف أيضًا في الرق بأن ادعى على مجهول النسب أنه عبده أو ادعى مجهول النسب، م: (والاستيلاد) ش: بأن ادعت الأمة على مولاها أنها ولدت منه وأنكر المولى، ولا يتصور العكس من قبله عليها، لأن الاستيلاد يثبت بإقراره.
م: (والنسب) ش: أي ولا يستحلف في الولاء أيضًا بأن ادعى على معروف النسب أنه معتقه أو بالعكس م: (والولاء) ش: أي ولا يستحلف أيضًا في النسب، بأن ادعى الوالد على الولد وأنكر الآخر م: (والحدود واللعان) ش: أي ولا يستحلف أيضًا فيهما.
أما الدعوى في الحد بأن قال رجل لآخر: لي عليك حد قذف وهو ينكر لا يستحلف بالإجماع، لأنه يندرأ بالشبهات، إلا إذا تضمن حقًا بأن علق عتق عبد بالزنا، وقال: إن زنيت فأنت حر، وادعى العبد: أني زنيت، ولا بينة له عليه يستخلف المولى حتى إذا نكل ثبت العتق
стр. 4724
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله- يستحلف في ذلك كله إلا في الحدود واللعان.
وصورة الاستيلاد: أن تقول الجارية: أنا أم ولد لمولاي وهذا ابني منه وأنكر المولى؛ لأنه لو ادعى المولى ثبت الاستيلاد بإقراره، ولا يلتفت إلى إنكارها، لهما أن النكول إقرار، لأنه يدل على كونه كاذبا في الإنكار على ما قدمناه، إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين الصادقة إقامة للواجب، فكان إقرارا أو بدلا عنه.
ــ
[البناية]
دون الزنا، كذا ذكره الصدر الشهيد في " أدب القاضي ".
وقال القدوري ﵀ في " شرح كتاب الاستحلاف " وقد قالوا إنه يستحلف في التعزير لأنه في حكم الأموال، وهذا يصح فيه العفو والإبراء، وقال القدوري فيه أيضًا: قال أبو حنيفة ﵀: وإذا تعلق بهذه الأشياء استحقاق مال استحلف القاضي في المال وإن كان لا يستحلف في سببه كالمرأة إذا ادعت النكاح والمهر، والرجل إذا ادعى النسب والنفقة.
أما الدعوى في اللعن بأن ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها قذفًا يوجب اللعان وأنكر الزوج لا يستحلف بالإجماع، فإنه في معنى الحد.
م: (وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-: يستحلف في ذلك كله إلا في الحدود واللعان) ش: فلا يستحلف فيهما بالإجماع كما ذكرنا، وبقولهما قال الشافعي ﵀، لكن عنده: يجري في حد القذف والقصاص، ولا يجري في الحدود الخالصة.
وقال مالك وأحمد - رحمهما الله-: لا يجري التحالف إلا فيما لا يثبت إلا بشاهدين، وعن أحمد ﵀ في رواية: يجري في القصاص وحد القذف والطلاق، والعتاق م: (وصورة الاستيلاد: أن تقول الجارية: أنا أم ولد مولاي وهذا ابني منه، وأنكر المولى؛ لأنه لو ادعى المولى ثبت الاستيلاد بإقراره، ولا يلتفت إلى إنكارها) ش:، وإنما ذكر صورة الاستيلاد فقط لأن في الباقي من صور التنازع فيه الدعوى في الجانبين سوى هذه الصورة، وقد مر الكلام فيه م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- م: (أن النكول إقرار لأنه يدل على كونه كاذبًا في الإنكار) ش: السابق م: (على ما قدمناه) ش: يعني قوله: م: (إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب) ش: ودفعًا للضرر عن نفسه.
م: (فكان) ش: أي النكول م: (إقرارًا أو بدلًا) ش: بفتح الدال المهملة، أي خلفًا م: (عنه) ش: أي عن الإقرار، هذا في الحقيقة جواب عن شبه، ترد على كون النكول إقرار عندهما. أحدها: ما لو اشترى نصف عبد ثم اشترى النصف الثاني، ثم وجد به عيبًا فخاصمه في النصف الأول فنكل، ولو كان النكول إقرارًا لزمه النصف بنكوله في المرة الأولى، كما لو أقر في تلك المرة، وأجيب: بأن النكول ليس بإقرار في نفسه، ولكن يجعل مقام الإقرار خلفًا عنه لقطع
стр. 4725
والإقرار يجري في هذه الأشياء لكنه إقرار فيه شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات، واللعان في معنى الحد، ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه بذل لأن معه لا يبقى اليمين واجبة لحصول المقصود وإنزاله باذلا أولى كي لا يصير كاذبا في الإنكار، والبذل لا يجري في هذه الأشياء،
ــ
[البناية]
الخصومة، فيقوم النكول مقام الإقرار بقدر الحاجة إلى دفع الخصومة، فكان كالإقرار في المرة الأولى لا في الثانية.
الشبهة الثانية: الوكيل بالبيع إذا ادعى عليه عيب في المبيع فنكل فإنه يلزم الموكل، ولو جعل إقرارًا للزم الوكيل كما في الإقرار به، وأجيب: بأنه وإن كان الإقرار فهو أمر لزمه بسبب البيع، بحيث لا اختيار أمر الموكل أدخله فعليه خلاصه، أما إذا أقر فهو شيء لزمه باختيار الإقرار، فإنه كان ينقضي في عهدة الدعوى بالسكوت أو النكول فيلزمه الضمان، ولا يرجع به على الموكل.
الشبهة الثالثة: هي ما إذا كفل بما وجب على فلان، فادعى المكفول له مالًا على فلان فنكل فلان لا تقضى بالمال على الكفيل، ولو كان المنكول إقرارًا لقضي به على الكفيل كما لو أقر، وأجيب: أن أبا يوسف ومحمدًا - رحمهما الله- يقولان: إن النكول يدل على الإقرار في قطع الخصومة، لأنه يكون إقرار حقيقة، ولهذا لا يثبت المدعي بنفس النكول بخلاف الإقرار، كذا في " المبسوط " وغيره.
وذكر الأكمل هذه الشبهة بقوله "وعليه تفرض إجمالية" م: (والإقرار يجري في هذه الأشياء) ش: المذكورة م: (لكنه إقرار فيه شبهة) ش: هذا جواب من يقول "لو كان النكول إقرارًا ينبغي أن يجب الحد "، فأجاب بقوله: فإنه إقرار فيه شبهة، م: (والحدود تندرئ بالشبهات، واللعان في معنى الحد) ش: لأنه قائم مقام القذف في حق الزوج، وقائم مقام حد الزنا في حق المرأة، وقد مر ذلك في اللعان.
م: (ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أنه) ش: أي أن النكول م: (بذل) ش: وإباحة وهذه الحقوق لا يجري فيها البذل والإباحة، فلا يقضى فيها بالنكول، كالقصاص في النفس وعليها الأموال م: (لأن معه) ش: أي مع البذل م: (لا يبقى اليمين واجبة لحصول المقصود) ش: ولا تبقى لليمين فائدة، وتحقيق الكلام هاهنا: أن النكول وإن كان بدلًا لكنه يحتمل أن يكون كذبًا م: (وإنزاله باذلا أولى) ش: حملًا لحاله على الصلاح م: (كي لا يصير كاذبا في الإنكار) ش: السابق لأنه كان أنكر أولًا فلا يظن بينكم الكذب فجعل بذلًا.
م: (والبذل لا يجري في هذه الأشياء) ش: أي الأشياء المذكورة التي لا يستحلف فيها، فإذا كان كذلك لا يقضي فيها بالنكول، فإنه إذا قال مثلًا: أنا حر وهذا الرجل يؤويني فدفعت إليه نفسي أن يسترقني، أو قال: أنا ابن فلان، ولكن أحب أن يدعي نسبي، أو قالت: أنا لست
стр. 4726
وفائدة الاستحلاف القضاء بالنكول فلا يستحلف، إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة فيملكه المكاتب، والعبد المأذون بمنزلة الضيافة اليسيرة، وصحته في الدين بناء على زعم المدعي وهو ما يقبضه حقا لنفسه، والبذل معناه هاهنا ترك المنع، وأمر المال هين. قال: ويستحلف السارق، فإن نكل ضمن ولم يقطع
ــ
[البناية]
بامرأته، لكن دفعت إليه نفسي وأبحت له الإمساك لا يصح، م: (وفائدة الاستحلاف القضاء بالنكول) ش: يعني أن البذل فيها لا يجري وفات فائدة الاستحلاف، لأن فائدة القضاء بالنكول، والنكول بذل والبذل فيها لا يجري.
م: (فلا يستحلف) ش: فيها لعدم الفائدة م: (إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال: إن النكول لو كان بدلًا ينبغي أن لا يملكه المكاتب والمأذون لأنهما لا يملكون البذل، فأجاب بقوله: م: (فيملكه المكاتب والعبد المأذون) ش: له يحتمل م: (بمنزلة الضيافة اليسيرة) ش: وتقدير الجواب: أنهما ملكاه باعتبار ما فيه من دفع الخصومة في حق المدعي، وإن كان لا يملك أنه بانفراده كالضيافة منهما لأنها من توابع التجارة، م: (وصحته في الدين) ش: أي صحة القضاء بالنكول م: (بناء على زعم المدعي) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقريره بأن يقال: لو كان النكول بدلًا لم يصح القضاء بالنكول في الدين، لأن البذل لا يتحقق فيه، لأن الدين وصف ثابت في الذمة، والبذل لا يجري فيه.
وتقرير الجواب: أن صحة البذل في الدين بناء على زعم المدعي م: (وهو ما يقبضه حقًا لنفسه) ش: تقرير هذا: أن البذل لم يصح في الدين فيما يكون من جهة القابض، ومن جهة الدافع، فإن كان الأول فلا مانع لأنه يقبضه حقًا لنفسه بناءًا على زعمه وإن كان الثاني وهو قوله: م: (والبذل معناه هاهنا) ش: أي في الدين م: (ترك المنع) ش: وجاز له أن يترك المنع م: (وأمر المال هين) ش: جواب عما يقال: فهلا جعل أيضًا في الأشياء، والسبعة المذكورة تركًا للمنع، فأجاب: بأن أمر المال هين أي سهل، لأنه خلق في الأصل مباحًا مبذولًا لمصالح الناس، ولم يصح في الأشياء السبعة، لأن أمرها ليس بهين.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (ويستحلف السارق) ش: يعني إذا كان مراد المسروق منه المال يستحلف بالله ما له عليك هذا المال، لأنه يثبت بالشبهات، فجاز أن يثبت بالنكول.
م: (فإن نكل ضمن ولم يقطع) ش: ولا خلاف فيه، وقال القدوري ﵀ في "شرح كتاب الاستحلاف": قال أبو حنيفة ﵀: لا يستحلف شيء من الحدود، لا في الزنا، ولا في السرقة، ولا في القذف، ولا شرب الخمر، ولا السكر، إلا أنه طالب المسروق منه
стр. 4727
لأن المنوط بفعله شيئان الضمان ويعمل فيه المنكول، والقطع ولا يثبت به فصار كما إذا شهد عليه رجل وامرأتان.
قال: وإذا ادعت المرأة طلاقا قبل الدخول، استحلف الزوج فإن نكل ضمن نصف المهر في قولهم جميعا، لأن الاستحلاف يجري في الطلاق عندهم، لا سيما إذا كان المقصود هو المال، وكذا في النكاح إذا ادعت هي الصداق لأن ذلك دعوى المال، ثم يثبت المال بنكوله ولا يثبت النكاح، وكذا في النسب، إذا ادعى حقا كالإرث، والحجر في اللقيط
ــ
[البناية]
ضمان المال، استحلف، فإن نكل عن اليمين ضمنه المال ولم يقطع، هـ م: (لأن المنوط بفعله) ش: أي لأن المتعلق بفعل السارق م: (شيئان) ش: أحدهما: م: (الضمان) ش: أي ضمان المال م: (ويعمل فيه المنكول) ش: يعني يثبت بالنكول لأنه يجري فيه البذل، ويثبت بها فيه شبهة، م: (والقطع) ش: والثاني: القطع.
م: (ولا يثبت به) ش: أي ولا يثبت القطع بالنكول لأنه لا يجري البذل بالنكول، لأنه لا يجري البذل في الحدود، ولا يثبت بما فيه شبهة الإقرار م: (فصار) ش: حكم هذا م: (كما إذا شهد عليه) ش: أي على السرقة م: (رجل وامرأتان) ش: حيث يثبت المال فلا يثبت القطع.
م: (قال) ش: أي محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": م: (وإذا ادعت امرأة طلاقًا قبل الدخول) ش: وفائدة تعيين صورة المسألة في الطلاق قبل طلاق الدخول حتى يعلمهم أن الدعوى في كل المهر أو نصفه سواء كان دعوى المهر في ضمن أو بدونه هذا، قاله الكاكي ﵀.
وقال الأكمل: فيه نظر، لأن الطلاق يغني عن ذلك، وليس فيه توهم التقيد بذلك م: (استحلف الزوج، فإن نكل ضمن نصف المهر في قولهم جميعًا؛ لأن الاستحلاف يجري في الطلاق عندهم، لا سيما إذا كان المقصود هو المال، وكذا في النكاح) ش: أي وكذا يجري الاستحلاف إذا كان دعوى المال في النكاح، وهو معنى قوله م: (إذا ادعت هي الصداق، لأن ذلك دعوى المال، ثم يثبت المال بنكوله ولا يثبت النكاح) ش: في النكاح.
فإن قلت: وجب أن يثبت النكاح أيضًا لأنه يثبت بالشبهات؟.
قلت: البذل لا يجري فيه كما ذكرنا.
م: (وكذا) ش: أي وكذا يستحلف م: (في النسب إذا ادعى حقًا كالإرث) ش: بأن ادعى رجل على رجل آخر أنه أخ المدعى عليه، مات أبوهما وترك مالا في يد المدعى عليه، أو طلب من القاضي فرض النفقة على المدعى عليه بسبب الأخوة فإنه يستحلف على النسب، فإن حلف برئ، وإن نكل يقضى بالمال والنفقة دون النسب م: (والحجر في اللقيط) ش: أي وكذا إذا ادعى الحجر في اللقيط إن كان صبيا لا يعبر عن نفسه في يده ملتقط، فادعت إخوته امرأة تريد قصر يد
стр. 4728
والنفقة، وامتناع الرجوع في الهبة لأن المقصود هذه الحقوق، وإنما يستحلف في النسب المجرد عندهما، إذا كان يثبت بإقراره، كالأب والابن في حق الرجل، والأب في حق المرأة؛ لأن في دعواها الابن تحميل النسب على الغير والمولى والزوج في حقهما.
ــ
[البناية]
الملتقط لحق حضانتها، وأرادت استحلافه فنكل، ثبت لها الحجر دون النسب.
م: (والنفقة) ش: بأن ادعى النفقة بسبب الإخوة وهو زمن، فأنكر المدعى عليه الأخوة يستحلف بالإجماع، فإن حلف برئ وإن نكل يقضى بالبينة بالنفقة، ولا يقضى بالنسب م: (وامتناع الرجوع في الهبة) ش: أي وكذا يستحلف في امتناع الرجوع في الهبة، صورته أن الواهب أراد الرجوع فقال الموهوب له: أنا أخوك فلا رجوع لك، فالواهب يستحلف، فإن نكل ثبت الامتناع من الرجوع ولا يثبت النسب.
م: (لأن المقصود هذه الحقوق) ش: هذا دليل " المجموع "، أي لأن المقصود في الصور المذكورة إثبات المال، فعند النكول يثبت المال ولا يثبت النسب، لأن فيه تحميل له على الغير، وهو لا يجوز، م: (وإنما يستحلف في النسب المجرد) ش: قيد به احترازًا عما هو مقرون بدعوى المال، فإنه يثبت المال ولا يثبت النسب م: (عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، م: (إذا كان يثبت بإقراره) ش: المدعى عليه، فإن النكول عندهما إقرار.
بيان ذلك في قوله: م: (كالأب والابن في حق الرجل) ش: فإن إقراره يصح بالأب والابن م: (والأب في حق المرأة) ش: كما إذا ادعت أنه أبوها م: (لأن في دعواها الابن) ش: أي في إقرارها به م: (تحميل النسب على الغير) ش: فلا يجوز، حاصله: أنه يصح إقرار المرأة بأربعة بالوالدين، والزوج والمولى، ولا يصح بالولد لما قلنا.
وإقرار الرجل يصح بخمسة: بالوالدين، والولد، والزوجة والمولى، لأنه أقر بما يلزمه، وليس فيه تحميل النسب على الغير، ولا يصح إقراره بما سواهم م: (والمولى والزوج في حقهما) ش: أي في حق الرجل والمرأة، وهو متعلق بقوله: والمولى والزوج جميعًا، لأن إقرار الرجل والمرأة جميعًا بالمولى والزوج يصح.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في "مبسوطه": الأصل في هذا الباب أن المدعى عليه النسب إذا أنكر هل يستحلف، إن كان بحيث لو أقر به لا يصح إقراره عليه فاستحلف عندهم جميعًا، لأن اليمين لا تفيد، فإن فائدة اليمين النكول، حتى يجعل النكول بدلًا وإقرارًا فيقضى عليه لو أقر فإنه لا يستحلف عندهم جميعًا إن كان المدعى عليه حيث لو أقر به لزمه ما أقر به، وإذا أنكر هل يستحلف على ذلك؟، فالمسألة على الاختلاف، عند أبي حنيفة ﵀: لا يستحلف، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله-: يستحلف، فإن حلف
стр. 4729
قال: ومن ادعى قصاصا على غيره فجحده استحلف بالإجماع، ثم إن نكل عن اليمين فيما دون النفس يلزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يحلف أو يقر وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لزمه الأرش فيهما، لأن النكول إقرار فيه شبهة عندهما، فلا يثبت به القصاص ويجب به المال خصوصا إذا كان امتناع القصاص لمعنى من جهة من عليه، كما إذا أقر بالخطأ والولي يدعي العمد، ولأبي حنيفة ﵀: أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فيجري فيها البذل بخلاف الأنفس، فإنه لو قال: أقطع يدي، فقطعها لا يجب الضمان، وهذا إعمال للبذل، إلا أنه لا يباح
ــ
[البناية]
برئ عن الدعوى وإن نكل عن اليمين لزمته الدعوى، فعلى هذا الأصل يخرج مسائل الباب.
[ادعى قصاصا على غيره فجحده]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ في "مختصره": م: (ومن ادعى قصاصًا على غيره فجحده استحلف بالإجماع) ش: ولا خلاف فيه م: (ثم إن نكل عن اليمين فيما دون النفس لزمه القصاص) ش: عند أبي حنيفة ﵀، وبه قال القاضي ومالك - رحمهما الله- بعد حلف المدعي، وأحمد ﵀ في رواية، م: (وإن نكل في النفس حبس حتى يحلف أو يقر، وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي الذي ذكر من النكول فيما دون النفس، والنكول في النفس.
م: (وقالا:) ش: أي أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: م: (لزمه الأرش فيهما) ش: أي يلزمه المال في النفس والطرف جميعًا، وهذا الاختلاف فرع اختلافهم في معنى النكول، فعند أبي حنيفة ﵀: هو في معنى البذل، وعندهما في مضي إقرار فيه شبهة، لأنه لم يصرح بالإقرار، وهو معنى قوله: م: (لأن النكول إقرار فيه شبهة) ش: أي شبهة البدلية، أو شبهة الإقرار، لأن النكول إقرار فيه شبهة الإنكار م: (عندهما فلا يثبت به القصاص ويجب به المال خصوصًا إذا كان امتناع القصاص لمعنى من جهة من عليه) ش: قيد به لأنه لو كان امتناعه من جهة من له القصاص لا يجب القصاص، ولا المال أيضًا، كما إذا أقام مدعي القصاص رجلا أو امرأتين أو الشهادة على الشهادة، حيث لا يقضى بشيء، فامتنع القصاص، قوله فلا يجب المال ونظائره بقوله: م: (كما إذا أقر بالخطأ والولي يدعي العمد) ش: يجب المال وبعكسه لا يجب.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال) ش: لأنها خلقت وقاية النفس، كالأموال فإذا كانت كذلك فيجب، أي فيه البذل، كما في الأموال م: (بخلاف الأنفس) ش: حيث لا يجري البذل فيها، وأوضح ذلك بقوله م: (فإنه لو قال) ش: أي فإن أحدًا لو قال لآخر: م: (اقطع يدي فقطعها لا يجب عليه الضمان، وهذا) ش: أي عدم الضمان م: (إعمال للبذل) ش: وهو بذل مقيد لكونه دافعًا للخصومة م: (إلا أنه لا يباح) ش: جواب إشكال، وهو أن يقال لو كانت الأطراف الأموال، ينبغي أن يباح القطع بالبذل، كما يباح المال بالبذل،
стр. 4730
لعدم الفائدة، وهذا البذل مفيد لاندفاع الخصومة، فصار كقطع اليد للآكلة وقلع السن للوجع وإذا امتنع القصاص في النفس، واليمين حق مستحق عليه يحبس به كما في القسامة. قال: وإذا قال المدعي: لي بينة حاضرة قيل لخصمه: أعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيام، كي لا يغيب نفسه فيضيع حقه والكفالة بالنفس جائزة عندنا، وقد مر من قبل، وأخذ الكفيل بمجرد الدعوى استحسان عندنا؛ لأن فيه نظرا للمدعي وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه، وهذا لأن الحضور مستحق عليه بمجرد الدعوى حتى يعدى عليه
ــ
[البناية]
فأجاب: بأنه لا يباع القطع م: (لعدم الفائدة) ش: أي كما إذا قال له الغير، احرق ثوبي، أو أتلف مالي لا يباح لعدم الفائدة.
م: (وهذا البذل مفيد لاندفاع الخصومة) ش: أي بهذا البذل م: (فصار مقطع اليد للآكلة) ش: على وزن الفاعلة، وهي قرحة غائرة في البدن ينحر العفن، وسببها دم فاسد عفن يستحيل إلى السواد، وأول علاجها استنزاع الخط السوداوي، م: (وقلع السن للوجع) ش: عطف على قوله: "تقطع اليد للآكلة" فإن القطع هاهنا مفيد، فلو قطعه لا يجب عليه شيء بخلاف القطع السرقة، فإن القطع فيها خالص حق الله تعالى، فلا يثبت حق الشبهة.
م: (وإذا امتنع القصاص في النفس) ش: لكونه حق الله تعالى خالصًا، ولا يجري البذل في حقوقه م: (واليمين حق مستحق عليه يحبس به) ش: أي بحق اليمين، قاله الكاكي، وقال الأترازي ﵀: بالحق المستحق م: (كما في القسامة) ش: فإنهم إذا نكلوا عن اليمين يحسبون حتى يقروا أو يحلفوا.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإذا قال المدعي: لي بينة حاضرة، قيل لخصمه: أعطه كفيلًا بنفسك ثلاثة أيام كي لا يغيب نفسه فيضيع حقه) ش: أي حق المدعي، وقد اختلف السلف في أخذ الكفيل.
وروى قتادة والشعبي: أنه لا يجوز، وروي عن إبراهيم النخعي: أنه يجوز م: (والكفالة بالنفس جائزة عندنا) ش: وهذا استحسان كما يجيء وبه أخذ علماؤنا، والقياس: أنه لا يجوز كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀، لأنه مجرد الدعوى ليس سبب الاستحقاق م: (وقد مر من قبل) ش: أي في أول كتاب الكفالة، وعند الشافعي ﵀: لا تجوز الكفالة بالنفس م: (وأخذ الكفيل بمجرد الدعوى استحسان عندنا) ش: قيد به، لأن في القياس أن لا يؤخذ كفيل قبل إقامة البينة، وبه قال الشافعي ﵀.
م: (لأن فيه) ش: أي في أخذ الكفيل م: (نظرًا للمدعي وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه لأن الحضور مستحق) ش: أي على المدعي م: (عليه بمجرد الدعوى حتى يعدى عليه) ش: بلفظ المجهول
следующие страницы →