Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
وقال: وإن لم يترك وفاء وترك ولدا مولودا في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه، فإذا أدى حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعتق الولد؛ لأن الولد داخل في كتابته وكسبه ككسبه، فيخلفه في الأداء، وصار كما إذا ترك وفاء وإن ترك ولدا مشترى في الكتابة قيل له: إما أن تؤدي بدل الكتابة حالة أو ترد رقيقا قال: وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وأما عندهما يؤديه إلى إجله اعتبارا بالولد المولود في الكتابة، والجامع أنه مكاتب عليه تبعا له، ولهذا يملك المولى إعتاقه، بخلاف سائر أكسابه.
ــ
[البناية]
أما انتفاء مانعية المشترك فظاهر، وأما انتفاء شمول العدم فلانتفاء لازمه وهو عدم علية المشترك من لوازم شمول العدم من لوازم علية المشترك بالضرورة أن المشترك بين الوجوبين إذا كان علة راجحة للوجوب في إحدى الصورتين يلزم الوجوب في الأخرى عملا بالعلة الراجحة فيلزم شمول العدم، فثبت أن العدم في النزاعية من لوازم أحد الأمرين، فيكون العدم في الاتفاقية مستلزما لأحدهما بالضرورة ودليل على الآخر والحال أن العدم في الاتفاقية مستلزما لأحدهما بالضرورة، ودليل على الآخر والحال أن العدم في الاتفاقية ثابتة بالإجماع فيلزم أحد الأمرين، فأيهما لزم يلزم المدعي وهو العدم في النزاعية، فافهم.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن لم يترك وفاء) ش: أي ما يؤدي به بدل الكتابة م: (وترك ولدا مولودا في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه) ش: وهذا بالاتفاق لدخوله في كتابته م: (فإذا أدى حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعتق الولد) ش: أي حكمنا بعتق الولد أيضا م: (لأن الولد داخل في كتابته وكسبه ككسبه، فيخلفه في الأداء، وصار) ش: أي حكم هذا م: (كما إذا ترك وفاء) ش: يعني لو ترك وفاء كان يعطي بدل الكتابة منه ويحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته ويعتق ولده أيضا.
م: (وإن ترك ولدا مشترى في الكتابة قيل له إما أن تؤدي بدل الكتابة حالة أو ترد رقيقا قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (وهذا) ش: يعني هذا الحكم المذكور في الولد المشترى م: (عند أبي حنيفة ﵀، وأما عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (يؤديه إلى أجله اعتبارا بالولد المولود في الكتابة) ش: أي قياسا عليه م: (والجامع) ش: أي المعني الجامع بين المقيس والمقيس عليه م: (أنه مكاتب عليه) ش: أي أن الولد المشترى مكاتب على أبيه المكاتب م: (تبعا له) ش: أي حال كونه تابعا لأبيه م: (ولهذا) ش: أي لأجل كونه تبعا له م: (يملك المولى إعتاقه) ش: أي إعتاق الولد المشترى في الكتابة، وهذا الاستدلال على أن المشترى في الكتابة كالمولود فيها م: (بخلاف سائر أكسابه) ش: فإن المولى لا تصرف له في أكسابه، ولهذا لا يقدر على إعتاق عبده، وبقولهما قال مالك.
стр. 5322
ولأبي حنيفة ﵀ وهو الفرق بين الفصلين أن الأجل يثبت شرطا في العقد فيثبت في حق من دخل تحت العقد والمشترى لم يدخل؛ لأنه لم يضف إليه العقد ولا يسري حكمه إليه لانفصاله، بخلاف المولود في الكتابة؛ لأنه متصل وقت الكتابة فيسري الحكم إليه، وحيث دخل في حكمه سعى في نجومه، فإن اشترى ابنه ثم مات وترك وفاء ورثه ابنه؛ لأنه لما حكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته يحكم بحرية ابنه في ذلك الوقت؛ لأنه تبع لأبيه في الكتابة، فيكون هذا حرا يرث عن حر، وكذلك إن كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة؛ لأن الولد إن كان صغيرا فهو تبع لأبيه، وإن كان كبيرا جعلا كشخص واحد، فإذا حكم بحرية الأب يحكم بحريته في تلك الحالة على ما مر.
قال: وإن مات المكاتب وله ولد من حرة وترك دينا وفاء بمكاتبته
ــ
[البناية]
م: (ولأبي حنيفة ﵀ وهو الفرق بين الفصلين) ش: يعني فصل الولد المشترى في الكتابة وفصل الولد المولد فيها م: (أن الأجل يثبت شرطا في العقد فيثبت في حق من دخل تحت العقد والمشترى) ش: أي الولد المشترى م: (لم يدخل) ش: أي في العقد م: (لأنه لم يضف إليه العقد ولا يسري حكمه إليه) ش: أي حكم العقد إلى الولد م: (لانفصاله) ش: أي لكونه منفصلا وقت العقد لا تبعا له.
م: (بخلاف المولود في الكتابة؛ لأنه متصل) ش: أي لكونه متصلا به م: (وقت الكتابة، فيسري الحكم إليه، وحيث دخل في حكمه سعى في نجومه) ش: أي حيث دخل الولد المولود في الكتابة في حكم عقد الكتابة سعى في نجوم والده المكاتب.
م: (فإن اشترى ابنه ثم مات) ش: ذكر تفريعا على مسألة القدوري، وهو من مسائل الجامع الصغير م: (وترك وفاء ورثه ابنه؛ لأنه لما حكم بحريته في آخر جز من أجزاء حياته، يحكم بحرية ابنه في ذلك الوقت؛ لأنه تبع لأبيه في الكتابة، فيكون هذا حرا يرث عن حر، وكذلك) ش: الحكم م: (إن كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة) ش: قيد به؛ لأنه لو كانا مكاتبين كل واحد بعقد على حدة لا يرثه ابنه، كذا ذكره المحبوبي م: (لأن الولد إن كان صغيرا فهو تبع لأبيه، وإن كان كبيرا جعلا كشخص واحد، فإذا حكم بحرية الأب يحكم بحريته) ش: أي بحرية الولد في حال حرية الأب م: (في تلك الحالة) ش: يعني آخر جزء من أجزاء حياته م: (على ما مر) ش: من استناد الحرية باستناد سبب الأداء إلى ما قبل الموت.
[مات وله ولد من حرة وترك دينا وفاء بمكاتبته ثم جنى الولد]
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (وإن مات المكاتب وله ولد من حرة وترك دينا وفاء بمكاتبته) ش: أي ترك دينا على الناس فيه وتأييد الكتابة إنما قال دينا؛ لأنه لو كان عينا لا يتأتى القضاء بالإلحاق بالأم، إذ يمكن الوفاء في الحال.
стр. 5323
فجنى الولد فقضى به على عاقلة الأم لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب؛ لأن هذا القضاء يقرر حكم الكتابة؛ لأن من قضيتها إلحاق الولد بموالي الأم وإيجاب العقل عليهم، لكن على وجه يحتمل أن يعتق فيجر الولاء إلى موالي الأب والقضاء بما يقرر حكمه لا يكون تعجيزا.
وإن اختصم موالي الأم وموالي الأب في ولائه فقضى به لموالي الأم فهو قضاء بالعجز؛ لأن هذا الاختلاف في الولاء مقصود، وذلك يبتنى على بقاء الكتابة وانتقاضها، فإنها إذا فسخت مات عبدا واستقر الولاء على موالي الأم، وإذا بقيت واتصل بها الأداء مات حرا وانتقل الولاء إلى موالي الأب، وهذا فصل مجتهد فيه فينفذ ما يلاقيه من القضاء، فلهذا كان تعجيزا
ــ
[البناية]
قال السغناقي: ذكر هذه المسألة والتي بعدها وهي قوله: فإن اختصم موالي الأم إلى آخره لبيان الفرق بينهما م: (فجنى الولد فقضى به) ش: أي بأرش الجناية أو بموجب الجناية م: (على عاقلة الأم لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب؛ لأن هذا القضاء يقرر حكم الكتابة) ش: وكل ما يقرر شيئا لا يبطله م: (لأن من قضيتها) ش: أي قضية الكتابة م: (إلحاق الولد بموالي الأم وإيجاب العقل عليهم) ش: فلا ينافي القضاء على عاقلها كون الأب مكاتبا.
م: (لكن على وجه) ش: يعني استلزام الكتابة إلحاق الولد بموالي الأم وإيجاب العقل عليهم على وجه م: (يحتمل أن يعتق) ش: المكاتب م: (فيجر الولاء إلى موالي الأب) ش: لأن الولاء كالنسب، والنسب إنما يثبت من قوم الأم عند تعذر إثباته من الأب، حتى لو ارتفع المانع من إثباته منه كما إذا كذب الملاعن نفسه عاد النسب إليه، فكذلك الولاء، فكان إيجاب العقل من لوازمها وثبوت اللازم ثبوت ملزومه م: (والقضاء بما يقرر حكمه) ش: أي حكم عقد الكتابة م: (لا يكون تعجيزا) ش: لأن كل ما يقرر شيئا لا يبطله لئلا يعود على موضوعه بالنقض.
م: (وإن اختصم موالي الأم وموالي الأب في ولائه) ش: هذه هي المسألة الثانية، صورتها مات هذا الولد بعد الأب واختصم موالي الأب وموالي الأم، فقال موالي الأم مات رقيقا والولاء لنا، وقال موالي الأب مات حرا والولاء لنا م: (فقضى به) ش: أي بولايته م: (لموالي الأم فهو قضاء بالعجز) ش: فتفسخ الكتابة اقتضاء م: (لأن هذا الاختلاف في الولاء مقصود) ش: لأن كلا من الفريقين قصدهم الولاء م: (وذلك يبتنى على بقاء الكتابة وانتقاضها، فإنها إذا فسخت مات عبدا، واستقر الولاء على موالي الأم، وإذا بقيت) ش: أي الكتابة م: (واتصل بها الأداء مات حرا وانتقل الولاء إلى موالي الأب، وهذا) ش: أي بقاء الكتابة وانتقاضها م: (فصل مجتهد فيه) ش: لما ذكرنا أن في مذهب زيد بن ثابت ﵁ أن الكتابة تنفسخ لموت المكاتب، فإذا كان كذلك م: (فينفذ ما يلاقيه من القضاء) ش: لأن صيانة القضاء المجمع عليه أولى من إمضاء كتابته، واختلف الصحابة ﵃ في بقائها.
م: (فلهذا) ش: أي فلأجل نفوذ القضاء م: (كان تعجيزا) ش: فتفسخ الكتابة قبل فسخ
стр. 5324
قال: وما أدى المكاتب من الصدقات إلى مولاه ثم عجز فهو طيب للمولى لتبدل الملك، فإن العبد يتملكه صدقة والمولى عوضا عن العتق
ــ
[البناية]
الكتابة معنى على نفوذ القضاء ولزومه، وذلك لصيانة القضاء عن البطلان، وفي صيانته بطلان ما يجبر عليه وهو الكتابة رعاية لحق المكاتب وليس أحد البطلانين أرجح.
أجيب: بما ذكرنا آنفا من أن صيانة القاضي.... إلى آخره.
ثم اعلم أن في مسألة الإرث إذا ظهر للولد ولاء من قبل الأب عند أداء البدل، فهو إلى الأم لا يرجعون بما عقلوا من جناية الولد في حياة المكاتب على موالي الأب؛ لأنه إنما حكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته فلا يستند عتقه إلى أول عقد الكتابة، فكان موالي الأم عند حياته مواليه حقيقة، فلم يرجعوا بما عقلوا، إنما يرجعون بما عقلوا عن جناية بعد موت الأب قبل أداء البدل؛ لأن عتق الأب لما استند إلى حال حياته بين أن ولاءه كان لموالي الأب في ذلك الوقت، وموالي لا يجبرون على الأداء فيرجعون بما أدوا.
وذكر التمرتاشي هذا الذي ذكرنا فيما إذا مات عن وفاء، فإن مات لا عن وفاء قال الإسكاف ﵀: تنفسخ الكتابة، حتى لو تطوع إنسان بأداء بدل الكتابة لا يقبل منه. وقال أبو الليث ﵀: لا تنفسخ ما لم يقض بعجزه، حتى لو تطوع قبل القضاء يقبل منه.
[حكم ما أدى المكاتب من الصدقات إلى مولاه]
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (وما أدى المكاتب من الصدقات إلى مولاه) ش: أراد أن المكاتب إذا أخذ شيئا من الزكاة وأداه إلى مولاه من بدل الكتابة م: ثم عجز) ش: أي عن الكتابة م: (فهو طيب للمولى لتبدل الملك) ش: أي لتغير الملك بتغير السبب م: (فإن العبد يتملكه صدقة) ش: أي حال كونه صدقة م: (والمولى عوضا عن العتق) ش: أي يتملكه المولى حال كونه عوضا عن العتق، وفي بعض النسخ عوضا عن العين.
فإن قلت: إن ملك الرقبة للمولى فإنه يتبدل الملك.
قلت: إن ملك الرقبة للمولى مقلوب في مقابلة ملك السيد، ولهذا التصرف للمكاتب لا للمولى، وله أن يمنع المولى من التصرف وبالعجز يصير الأمر على العكس، فكان تبدلا وقد نظر صاحب العناية فيه بأن قال لا نسلم أن ذلك تبدل، ولئن كان فلا نسلم أن مثله بمنزلة تبدل العين، ولعل أن يقال المولى لم يكن له ملك يد قبل العجز وحصل به فكان تبدلا.
قلت: أول كلامه منع مجرد، والثاني دعوى بلا برهان. وقوله ولعل الأولى فيه نظر؛ لأنه لم يكن له ملك يد فله ملك رقبة، وليس المراد منه التبدل حقيقة بأن يراد تبدل الذات، وإنما المراد التبدل الحكمي فافهم.
стр. 5325
وإليه وقعت الإشارة النبوية في حديث بريرة ﵂ «هي لها صدقة ولنا هدية» . وهذا بخلاف ما إذا أباح للغني والهاشمي؛ لأن المباح له يتناوله على ملك المبيح فلم يتبدل الملك، فلا نطيبه، ونظيره المشتري شراء فاسدا إذا أباح لغيره لا يطيب له ولو ملكه يطيب،
ولو عجز قبل الأداء إلى المولى فكذلك الجواب، وهذا عند محمد ﵀ ظاهر؛ لأن بالعجز يتبدل
ــ
[البناية]
م: (وإليه) ش: أي وإلى التبدل ويحل بعد التبدل م: (وقعت الإشارة النبوية في حديث بريرة ﵂ هي لها صدقة ولنا هدية) ش: يروى عنها قالت: «جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، قالت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها ورسول الله ﷺ جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم قالوا: إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فأخبرته عائشة ﵂، فقال: " خذيها واشترطي الولاء فإنما الولاء لمن أعتق " ففعلت عائشة ﵂ ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله ثم قال: " أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله حق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» .
وأخرج البخاري ومسلم أيضا «ودخل النبي ﷺ وبرمته على النار فقرب إليه خبزا وإدام من أدم البيت فقال: " لم أر البرمة " فقيل لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة، قال: " هو لها صدقة ولنا هدية ".»
م: (وهذا) ش: أي الحكم المذكور م: (بخلاف ما إذا أباح للغني والهاشمي) ش: أي بخلاف ما إذا أباح الفقير ما أخذه من مال الزكاة لغني أو هاشمي فإنه لا يباح لهما م: (لأن المباح له يتناوله على ملك المبيح فلم يتبدل الملك فلا نطيبه) ش: فلم يتبدل سبب الملك، ولهذا ليس للضيف أن يعطي شيئا مما تقدم عليه؛ لأنه لم يصر ملكا حتى يتولى الإعطاء إلى الغير.
م: (ونظيره) ش: أي نظير ما ذكر م: (المشتري شراء فاسدا) ش: بأن اشترى رجل طعاما مأكولا بيعا فاسدا م: (إذا أباح لغيره لا يطيب له) ش: أي لا يطيب للغير تناوله؛ لأن في الأولى الملك غير مستقر لوجود الفسخ، بخلاف الثاني م: (ولو ملكه يطيب) ش: بأن باعه بيعا صحيحا أو وهبه حل له التناول.
م: (ولو عجز قبل الأداء إلى المولى) ش: أي ولو عجز المكاتب عن الكتابة قبل أداء ما أخذه من الزكاة إلى المولى م: (فكذلك الجواب) ش: يعني أنه طيب للمولى على الصحيح م: (وهذا) ش: أي وكون هذا طيبا قبل الأداء أيضا م: (عند محمد ﵀ ظاهر؛ لأن بالعجز يتبدل
стр. 5326
الملك عنده، وكذا عند أبي يوسف ﵀ وإن كان بالعجز يتقرر ملك المولى عنده؛ لأنه لا خبث في نفس الصدقة، وإنما الخبث في فعل الأخذ لكونه إذلالا به فلا يجوز ذلك للغني من غير حاجة، وللهاشمي لزيادة حرمته، والأخذ لم يوجد من المولى فصار كابن السبيل إذا وصل إلى وطنه، والفقير إذا استغنى وقد بقي في أيديهما ما أخذا من الصدقة حيث يطيب لهما، وعلى هذا إذا أعتق المكاتب واستغنى يطيب له ما بقي من الصدقة في يده. قال: وإذا جنى العبد فكاتبه مولاه ولم يعلم بالجناية ثم عجز فإنه يدفع أو يفدي؛ لأن هذا. موجب جناية العبد في الأصل ولم يكن عالما بالجناية عند الكتابة، حتى يصير مختارا للفداء، إلا أن الكتابة مانعة من الدفع، فإذا زال
ــ
[البناية]
الملك عنده) ش: بقيد الملك، فإن عند المكاتب إذا عجز ملك المولى إكسابه ملكا مبتدأ، وهذا وجب نقض الإجارة في المكاتب إذا أجر أمته ظئرا ثم عجز م: (وكذا عند أبي يوسف ﵀) ش: أي وكذا يطيب له عند أبي يوسف أيضا.
م: (وان كان بالعجز يتقرر ملك المولى عنده) ش: فإن للمولى نوع ملك في إكسابه وبالعجز يتأكد ذلك الحق، يصير المكاتب فيما مضى كالعبد المأذون، ولهذا إذا أجر المكاتب أمته ظئرا ثم عجز لا يوجب فسخ الإجارة م: (لأنه لا خبث في نفس الصدقة) ش: وإلا لما فارقها أصلا م: (وإنما الخبث في فعل الأخذ لكونه إذلالا به) ش: أي بالأخذ م: (فلا يجوز ذلك) ش: أي الإذلال والهوان م: (للغني من غير حاجة، وللهاشمي لزيادة حرمته والأخذ لم يوجد من المولى فصار كابن السبيل إذا وصل إلى وطنه، والفقير إذا استغنى وقد بقي) ش: أي والحال أهـ قد بقي م: (في أيديهما ما أخذا من الصدقو حيث يطيب لهما) ش: أي لابن السبيل الواصل وطنه، والفقير الذي استغنى ولهذا لو مات ابن السبيل والفقير حل لوارثهما الغني ما تركاه من الصدقة.
م: (وعلى هذا) ش: أي على ما ذكرنا م: (إذا أعتق المكاتب واستغنى يطيب له ما بقي من الصدقة في يده) ش: لأن الخبث ليس في نفس الصدقة وقد قال بعض المشايخ على قول أبي يوسف لا يطيب؛ لأن المكاتب عنده لا يملك إكسابه ملكا مبتدأ وبالعجز يتأكد ذلك، والصحيح ما ذكره المصنف على الإطلاق، فلذلك بينها عليه بالصحيح.
[جنى العبد فكاتبه مولاه ولم يعلم بالجناية ثم عجز]
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (وإذا جنى العبد فكاتبه مولاه ولم يعلم بالجناية ثم عجز فإنه) ش: أي فإن المكاتب الذي عجز م: (يدفع) ش: على صيغة المجهول، أي يدفع إلى ولي الجناية م: (أو يفدي) ش: على صيغة المجهول أيضا، أراد أن المولى لا يكون مختارا م: (لأن هذا موجب جناية العبد في الأصل) ش: أي لأن هذا الحكم يعني أحد الأمرين هو مقتضى جناية العبد في أصل المسألة كما علم في بابه م: (ولم يكن) ش: أي المولى م: (عالما بالجناية عند الكتابة، حتى يصير مختارا للفداء، إلا أن الكتابة مانعة من الدفع) ش: لتعذره م: (فإذا زال) ش: أي المانع م:
стр. 5327
عاد الحكم الأصلي،
وكذلك إذا جنى المكاتب ولم يقض به حتى عجز لما قلنا من زوال المانع، وإن قضى به عليه في كتابته ثم عجز فهو دين يباع فيه لانتقال الحق من الرقبة إلى قيمته بالقضاء، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وقد رجع أبو يوسف ﵀ إليه، وكان يقول أولا: يباع فيه وإن عجز قبل القضاء، وهو قول زفر؛ لأن المانع من الدفع وهو الكتابة قائم وقت الجناية، فكما وقعت انعقدت موجبة للقيمة، كما في جناية المدبر وأم الولد. ولنا أن المانع قابل للزوال للتردد ولم يثبت الانتقال في الحال.
ــ
[البناية]
(عاد الحكم الأصلي) ش: وهو الدفع والفداء.
م: (وكذلك) ش: أي وكما مر من عود الحكم الأصلي م: (إذا جنى المكاتب ولم يقض به) ش: أي بموجب الجناية عليه م: (حتى عجز) ش: عن الكتابة، يعني يدفع أو يفدي م: (لما قلنا من زوال المانع) ش: من الدفع م: (وإن قضى به عليه في كتابته) ش: أي وإن قضى بموجب الجناية على المكاتب م: (ثم عجز فهو دين) ش: أي ما قضى به من موجب الجناية دين في ذمته. م: (يباع فيه) ش: وعند الثلاثة بالعجز يرد إلى الرق يجبر سيده، وعند زفر ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀ أولا يباع في قيمته في الفصلين، إلا أن يقضي المولى عنه على ما يأتي الآن م: (لانتقال الحق من الرقبة إلى قيمته بالقضاء) ش: أراد انتقال الحق بالقضاء من الموجب الأصلي وهو دفع الرقبة إلى القيمة قبل زوال المانع، فإذا زال لم يعد الحكم الأصلي صيانة القضاء م: (وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وقد رجع أبو يوسف ﵀ إليه) ش: أي إلى قولهما.
م: (وكان يقول أولا: يباع فيه) ش: أي في موجب الجناية م: (وإن عجز قبل القضاء وهو قول زفر؛ لأن المانع من الدفع) ش: إلى ولي الجناية م: (وهو الكتابة قائم وقت الجناية، فكما وقعت) ش: الجناية م: (انعقدت موجبة للقيمة كما في جناية المدبر وأم الولد) ش: فإن جنايتهما موجبة للقيمة بنفس الوقوع، إلا أن حكم جناية المدبر وجوب القيمة على المولى؛ لأن كسبه له، وحكم جناية المكاتب؛ لأن كسبه ملكه.
وقوله: انعقدت موجبة يشير إلى أن الواجب هو القيمة لا الأقل منها ومن أرش الجناية، وهو مخالف لما ذكر من رواية الكرخي و" المبسوط " أن الواجب هو الأول من القيمة ومن أرش الجناية، وعلى هذا يكون تأويل كلامه إذا كانت القيمة أقل من أرش الجناية.
م: (ولنا أن المانع) ش: من الحكم الأصلي م: (قابل للزوال) ش: لقبول الكتابة الفسخ والزوال م: (للتردد) ش: أي لتردد المكاتب بين أن يؤدي فيعتق وبين أن يعجز فيرد إلى الرق م: (ولم يثبت الانتقال في الحال) ش: أي الانتقال عن الموجب الأصلي.
стр. 5328
فيتوقف على القضاء والرضا وصار كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض يتوقف الفسخ على القضاء لتردده واحتمال عوده، كذا هذا بخلاف التدبير والاستيلاد؛ لأنهما لا يقبلان الزوال بحال.
قال: وإذا مات مولى المكاتب لم تنفسخ الكتابة كيلا يؤدي إلى إبطال حق المكاتب إذ الكتابة سبب الحرية وسبب حق المرء حقه، وقيل له أد المال إلى ورثة المولى على نجومه؛ لأنه استحق الحرية على هذا الوجه، والسبب انعقد كذلك، فيبقى بهذه الصفة ولا يتغير إلا أن الورثة يخلفونه في الاستيفاء
ــ
[البناية]
فإن قيل: قوله ولم يثبت الانتقال عن الحال متنازع فيه؛ لأن مذهب زفر ﵀ أن جناية المكاتب تصير مالا في الحال من غير توقف على الرضا والقضاء، فما وجب أخذه في الدليل.
قلنا: ظهوره فإن التردد في زوال المانع يمنع الانتقال لإمكان عود الموجب الأصلي. م: (فيتوقف على القضاء والرضا، وصار كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض يتوقف الفسخ على القضاء لتردده واحتمال عوده، كذا هذا) ش: أي لحكم العبد المبيع الآبق قبل القبض حكم المكاتب المذكور م: (بخلاف التدبير والاستيلاد؛ لأنهما لا يقبلان الزوال بحال) ش: فكان الموجب في الابتداء هو القيمة.
[هل تنفسخ الكتابة بموت المولى]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا مات مولى المكاتب لم تنفسخ الكتابة كيلا يؤدي إلى إبطال حق المكاتب) ش: أي العبد المكاتب م: (إذ الكتابة سبب الحرية وسبب حق المرء حقه) ش: لإفضائه إلى وصوله. الحاصل أن الحرية حق العبد، والكتابة سببها، فتكون الكتابة حقه، والحق لا يبطل بالموت كما لو كان على آخر دين ومات الآخر م: (وقيل له) ش: أي للمكاتب م: (أد المال إلى ورثة المولى على نجومه) ش: أي مؤجلا م: (لأنه استحق الحرية على هذا الوجه، والسبب انعقد كذلك فيبقى بهذه الصفة، ولا يتغير) ش: وهذا لأن المولى لما كان صحيحا صح تصرفه بتأجيل الكل كإسقاطه، بخلاف ما إذا كان مريضا وكاتب، فإن المكاتب يؤدي ثلث القيمة حالا أو يؤدي رقيقا لأنه لما كان مريضا لم يصح تصرفه بتأجيل غير الثلث كإسقاطه.
فإن قلت: أين علم هاهنا أن المولى كان صحيحا.
قلت: وضع المسألة على الإطلاق يدل على ذلك؛ لأن ذلك هو المطلق من الأحوال. م: (إلا أن الورثة) ش: استثناء من قوله فلا يتغير قبل، كأنه جواب عما يقال كيف لا يتغير سبب الحرية وقد كان له حق استيفاء البدل، فصار للورثة وهو نظير، فقال: إلا أن الورثة م: (يخلفونه في الاستيفاء) ش: فلا يكون تغيرا في عود الكتابة لأنها باقية، كما كانت، فكما أن في سائر الديون يخلفونه فيه ولا يسمى ذلك تغيرا فكذلك دين الكتابة.
стр. 5329
فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه؛ لأنه لم يملكه، وهذا؛ لأن المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك فكذا بسبب الوراثة، وإن أعتقوه جميعا عتق وسقط عنه بدل الكتابة؛ لأنه يصير إبراء عن بدل الكتابة فإنه حقهم، وقد جرى فيه الإرث،
وإذا برئ المكاتب عن بدل الكتابة يعتق كما إذا أبرأه المولى، إلا أنه إذا أعتقه أحد الورثة لا يصير إبراء عن نصيبه؛ لأنا نجعله إبراء اقتضاء تصحيحا لعتقه،
والإعتاق لا يثبت بإبراء البعض أو أدائه في المكاتب
ــ
[البناية]
وقال الطحاوي في " مختصره ": ومن مات وله مكاتب كاتب المكاتبة التي على المكاتب موروثة من مولاه كما يورث عنه سائر أمواله سواها، وكان للمكاتب إذا أدى لمولاه لا لورثته.
وقال الأسبيجابي في " شرحه ": المكاتب لا يورث وإنما يورث ما في ذاته من الكتابة فإن أدى وعتق يكون الولاء من الميت لا من الورثة حتى إنه يرثه المذكور من عصبة الميت دون الإناث.
[هل ينفذ عتق أحد الورثة للمكاتب]
م: (فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه؛ لأنه لم يملكه) ش: أي لأن المعتق لم يملك المكاتب حتى يصح عتقه. وفي شرح " الأقطع ": وقال الشافعي ﵀ ينفذ عتقه، وهذا الخلاف فرع على أصل وهو أن المكاتب لا يصح بيعه ولا يصح أن يملك.
وقال الشافعي - في أحد قوليه -: يجوز م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأن المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك، فكذا بسبب الوراثة) ش: فإن لم يملك لم يصح عتقه؛ لأنه لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم م: (وإن أعتقوه جميعا) ش: أي مجتمعين م: (عتق) ش: استحسانا، والقياس أن لا يعتق هنا أيضا؛ لأنه أضيف تصرفهم إلى ما ليس بملكهم، غير أن الاستحسان جوزه فصح م: (وسقط عنه بدل الكتابة؛ لأنه) ش: أي لأن عتقهم جميعا م: (يصير إبراء عن بدل الكتابة) ش: هذا وجه الاستحسان م: (فإنه) ش: أي بدل الكتابة م: (حقهم وقد جرى فيه الإرث) ش: أي في بدل الكتابة فلهم أن يتركوا حقهم.
[برئ المكاتب عن بدل الكتابة]
م: (وإذا برئ المكاتب عن بدل الكتابة يعتق، كما إذا أبرأه المولى) ش: فإنه كان يسقط ويعتق، فكذلك هاهنا م: (إلا أنه إذا أعتقه أحد الورثة) ش: وهذا جواب عما يقال اجعل إعتاق أحد الورثة إبراء عن نصيبه فقال: م: (لا يصير) ش: أي إعتاق أحد الورثة، وفي بعض النسخ لا يكون م: (إبراء عن نصيبه؛ لأنا نجعله إبراء) ش: أي لأنا نجعل إعتاق الكل إبراء م: (اقتضاء) ش: أي بطريق الاقتضاء هم يجعلون غير المنطوق منطوقا لتصحيح المنطوق م: (تصحيحا لعتقه) ش: لأنه لا يتصور من الورثة إلا بهذا الطريق؛ لأنهم ما ملكوا فجعل إعتاقهم إبراء للبدل تصحيحا لتصرفهم وصونا لكلامهم عن الإلغاء.
م: (والإعتاق لا يثبت بإبراء البعض) ش: أي الإعتاق لا يثبت في المكاتب بإبراء بعض بدل الكتابة م: (وأدائه) ش: أي أو أداء بعض البدل وقوله م: (في المكاتب) ش: يرجع إلى
стр. 5330
لا في البعض ولا في الكل، ولا وجه إلى إبراء الكل لحق بقية الورثة، والله أعلم.
ــ
[البناية]
الصورتين م: (لا في البعض) ش: أي لا يثبت في بعض المكاتب م: (ولا في الكل) ش: أي في كل المكاتب، وفي بعض النسخ لا في بعضه ولا في كله، إن أعتقه معلق بسقوط جميع البدل، فإذا لم يكن إثبات المقتضي لا يثبت المقتضى. م: (ولا وجه إلى إبراء الكل) ش: يعنى في صورة إبراء البعض؛ لأن الكل حق الكل وهو معنى قوله م: (لحق بقية الورثة والله أعلم) ش: لأن الكل مشتركون فيه.
فائدة: شرط الخيار جائز في عقد الكتابة عندنا خلافا للثلاثة.
تم الجزء العاشر من البناية في شرح الهداية
ويليه الجزء الحادي عشر مبتدئا بكتاب الولاء
стр. 5331
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الولاء
قال: الولاء نوعان ولاء عتاقة ويسمى ولاء نعمة، وسببه العتق على ملكه في الصحيح، حتى لو عتق قريبه عليه بالوراثة كان الولاء له وولاء موالاة، وسببه العقد، ولهذا يقال: ولاء العتاقة، وولاء الموالاة،
ــ
[البناية]
[كتاب الولاء]
[تعريف الولاء وأنواعه]
م: (كتاب الولاء) ش: أورده عقيب المكاتب؛ لأنه من آثار زوال ملك الرقبة، قيل: الإعتاق أيضا زوال ملك الرقبة فكان ينبغي أن يذكر عقيبه. أجيب بأن فيه أثرا من آثار المكاتب وهو المرجح لإيراده هاهنا دون عقيب الإعتاق، ثم الولاء والولاية بالفتح النصرة والمحبة، إلا أنه اختص في الشرع بمولى العتق، والموالاة اشتقاقه من الولي وهو القرب، وحصل الثاني بعد الأول من غير فصل. وفي عرف الفقهاء عبارة عن تناصر يوجب الإرث والعقل.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀ م: (الولاء نوعان ولاء عتاقة) ش: أي أحدهما ولاء عتاقة، وتنوع الولاء إلى نوعين باختلاف السبب م: (ويسمى) ش: أي ولاء العتاقة م: (ولاء نعمة) ش: اقتداء بكتاب الله تعالى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (سورة الأحزاب الآية: ٣٧) أي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق، والآية في زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ .
م: (وسببه) ش: أي سبب ولاء العتاقة م: (العتق على ملكه في الصحيح) ش: احترز بالصحيح عن قول أكثر أصحابنا حيث قالوا: إن سببه الإعتاق مستدلين بقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» وجه الصحيح ما أشار إليه بقوله م: (حتى لو عتق قريبه عليه) ش: أي على الشخص م: (بالوراثة) ش: بأن ورث ابنه وأباه م: (كان الولاء له) ش: أي للذي ورثه ولا إعتاق هنا، فعلم أن السبب هو العتق والحكم يضاف إلى سببه، يقال: ولاء العتاقة، ولا يقال ولاء العتاق.
وقال الأترازي: استدلالهم بقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» ضعيف فإن من يملك القريب يعتق عليه ويثبت الولاء بإجماع أهل العلم وفيه نظر؛ لأن عندهم إذا ملك قريبه يعتق عليه، ولا يثبت الولاء لعدم الإعتاق، نص عليه تاج الشريعة وغيره، فكيف يقول: ويثبت الولاء بإجماع أهل العلم. والأوجه أن يقال: جعل العتق سببا أولى لعمومه بخلاف الإعتاق، ولأن في الإعتاق عتقا بدون عكس، والاستدلال بما فيه العموم أولى.
م: (وولاء موالاة) ش: أي النوع الثاني: ولاء موالاة وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى م:
стр. 5332
والحكم يضاف إلى سببه والمعنى فيهما التناصر، وكانت العرب تتناصر بأشياء. وقرر النبي ﵊ تناصرهم بالولاء بنوعيه، فقال ﷺ : «إن مولى القوم منهم وحليفهم منهم»
ــ
[البناية]
(وسببه) ش: أي ولاء الموالاة م: (العقد، ولهذا يقال: ولاء العتاقة وولاء الموالاة) ش: بإضافة الولاء إلى العتاقة والموالاة م: (والحكم يضاف إلى سببه) ش: كما عرف في الأصول م: (والمعنى فيهما التناصر) ش: هذا بيان مفهومهما الشرعي، أراد أن الولاء في الشرع عبارة عن التناصر، سواء كان ذلك ولاء عتاقة أو ولاء موالاة ومن آثار التناصر العقد والإرث.
ثم أشار إلى بيان ذلك بقوله م: (وقد كانت العرب تتناصر بأشياء) ش: بالقرابة والصداقة والمؤاخاة والحلف والعصبية وولاء العتاقة وولاء الموالاة.
م: (وقرر النبي ﵊ تناصرهم بالولاء بنوعيه) ش: وهما ولاء العتاقة وولاء الموالاة ثم فسر ذلك بقوله م: (فقال ﷺ «إن مولى القوم منهم وحليفهم منهم» ش: هذا الحديث رواه أربعة من الصحابة ﵃:
الأول رفاعة بن رافع الزرقي روى حديثه أحمد في "مسنده " وابن أبي شيبة في "مصنفه " في كتاب "الأدب" حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن أبي عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبد الله بن رفاعة أي رافع الزرقي عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «مولى القوم منهم وابن أختهم منهم وحليفهم منهم» ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الطبراني في "معجمه " ورواه الحاكم في "المستدرك " في تفسير سورة الأنفال، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورواه البخاري في كتابه المفرد في الأدب ثنا عمرو بن خالد الحراني ثنا زهير ثنا عبد الله بن
стр. 5333
والمراد بالحليف مولى الموالاة لأنهم كانوا يؤكدون الموالاة بالحلف
ــ
[البناية]
عثمان به، وذكر فيه قصة ولفظه «أن النبي ﷺ قال لعمر: "اجمع لي قومك" فجمعهم فلما حضروا باب النبي ﷺ دخل عليه عمر ﵁ فقال قد جمعت لك قومي فسمع ذلك الأنصار فقالوا قد نزل في قريش الوحي فجاء المستمع والناظر يسمعون ما يقال لهم فخرج النبي ﷺ فقام بين أظهرهم فقال: "هل فكيم من غيركم"، قالوا: نعم فينا حليفنا وابن أخينا وموالينا فقال النبي ﷺ : "حليف القوم..» إلى آخره، ورواه أحمد أيضا ثنا عفان ثنا بشر بن المفضل ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم به.
الثاني: أبو هريرة ﵁ روى حديثه البزار في "مسنده " ثنا رزيق بن البخت ثنا محمد بن عمرو بن وائل عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «حليف القوم منهم وابن أخيهم منهم» .
الثالث: عمرو بن عوف، روى حديثه الدارمي وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبراني في "معجمه " من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عمرو بن عوف «أن رسول الله ﷺ كان قاعدا معهم فدخل بينهم ثم قال: "ادخلوا علي ولا يدخل علي إلا قرشي" قال فتسللت فدخلت فقال ﷺ : "يا معشر قريش هل معكم أحد ليس منكم"، قالوا: يا رسول الله ﷺ : معنا ابن الأخت والمولى والحليف فقال رسول الله ﷺ : "ابن أخت القوم منهم وحليفهم منهم ومولاهم منهم» ومن طريق ابن أبي شيبة رواه إبراهيم الحربي في كتابه " غريب الحديث ".
الرابع: عتبة بن غزوان روى حديثه الطبراني في "معجمه ": ثنا الحسن بن على العمر، ثنا عبد الملك بن بشير الشامي، ثنا عمر أبو حفص، ثنا عتبة بن غزوان عن أبيه ابن غزوان «أن رسول الله ﷺ قال يوما لقريش: "هل فيكم من ليس منكم" قالوا: ابن أختنا عتبة بن غزوان، قال: "ابن أخت القوم منهم، وحليف القوم منهم» ورواه ابن سعد في " الطبقات " أخبرنا محمد بن عمر الواقدي حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدي عن عتبة بن غزوان فذكره، فهذه الأحاديث ترد على أبي الحسن بن الغر حيث يقول في كتابه " التنبية على مشكلات الهداية " الثابت مولى القوم منهم، وأما قوله وحليف القوم منهم فلا تعرف في كتب الحديث هذه الزيادة.
م: (والمراد بالحليف مولى الموالاة لأنهم كانوا يؤكدون الموالاة بالحلف) ش: أي المراد بقوله ﷺ «وحليفهم هو مولى الموالاة» ولقائل أن يقول لا نسلم أن يكون المراد بالحليف مولى الموالاة ومن أين علم أنهم كانوا يؤكدون الموالاة بالحلف، بل الحلف أنهم كانوا يتحالفون على أن يكونوا يدا
стр. 5334
قال: وإذا أعتق المولى مملوكه فولاؤه له لقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» . ولأن التناصر به فيعقله وقد أحياه معنى بإزالة الرق عنه فيرثه ويصير الولاء كالولاد،
ــ
[البناية]
واحدة على من عاداهم وخالفهم ولا يفهم من ذلك عقد الموالاة.
[ولاء العبد المعتق]
[الولاء لمن أعتق]
م: (قال) ش: أي: القدوري م: (وإذا أعتق المولى مملوكه فولاؤه له لقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة «عن عائشة ﵂ لما اشترت بريرة اشترط أهلها أن ولاءها لهم فسألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقال: "أعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق» . أخرجه البخاري في المكاتب، ومسلم وأبو داود في العتق والترمذي في الولاء، والنسائي وابن ماجه في الأحكام، وأخرجه أيضا مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال «أرادت عائشة ﵂ أن تشتري جارية تعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق» .
وقال عبد الحق في " الجمع بين الصحيحين " وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر في المكاتب وفي الفرائض، وجه الاستدلال بهذا الحديث أن الحكم إذا ترتب على مشتق دل على أن المشتق منه علة لذلك.
فإن قلت: الاستدلال به على هذا الوجه يناقض جعل العتق سببا؛ لأن أعتق مشتق من الإعتاق.
قلت: الأصل في الاشتقاق مصدر الثلاثي وهو العتق.
م: (ولأن التناصر به) ش: أي بسبب الإعتاق، أي يحصل بسببه م: (فيعقله) ش: أي إذا كان المولى ينتصر بمولاه بسبب العتق فيعلقه؛ لأنه إذا غنم بنصره يغرم عقله م: (وقد أحياه معنى) شي: أي وقد أحيا المولى مولاه من حيث المعنى م: (بإزالة الرق عنه) ش: الذي هو جزء الكفر الأصلي والكفر موت معنى والرقيق هالك حكما، ألا ترى أنه لا يثبت في حقه كثير من الأحكام التي تعلقت بالأحياء نحو القضاء والشهادة والسعي إلى الجمعة والخروج إلى العيدين وأشباه ذلك، وبالإعتاق تثبت هذه الأحكام في حقه، فكان إحياء معنى، ومن أحيا غيره معنى م: (فيرثه) ش: كالوالد م: (ويصير الولاء كالولاد) ش: فالولاد يوجب الإرث فكذلك الولاء.
فإن قلت: ينبغي أن يرث المعتق من المعتق أيضا إذا لم يترك المعتق عصبة نسبية كما هو قول الحسن بن زياد.
قلت: المعتق أجنبي منه وقد جاء في المعتق نص بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره، وذكر الإمام سراج الدين في شرح الفرائض للسراجي أن المعتق لا يرث من المعتق عند العامة.
стр. 5335
ولأن الغنم بالغرم، وكذلك المرأة تعتق لما روينا «ومات معتق لابنة حمزة ﵄ عنها وعن بنت فجعل النبي ﵇ المال بينهما نصفين»
ــ
[البناية]
وقال إسحاق بن راهويه والحسن بن زياد وبشر المريسي: يرث لما روي «أن رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن له وارث إلا عبدا كان أعتقه فدفع النبي ﷺ ميراثه إليه» والصحيح قول العامة؛ لأن ذلك الحديث غير صحيح، ولئن صح فهو منسوخ بقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» ، وكذلك معارض بقول علي وزيد بن ثابت ﵄ حيث قالا: لا ميراث للمعتق.
م: (ولأن الغنم بالغرم) ش: أي لأن الغنيمة بالغرامة وهذا يخدم الوجهين فلذلك أخره م: (وكذا المرأة تعتق) ش: أي وكذا حكم المرأة التي تعتق، يعني ولا معتق لها. وقوله تعتق جملة وقعت حالا وليست بصفة لأنها نكرة فلا تقع صفة لمعرفة م: (لما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» وكلمة من عامة تتناول الذكور والإناث م: «ومات معتق لابنة حمزة ﵄ عنها وعن بنت فجعل النبي ﷺ المال بينهما نصفين» ش: هذا معطوف على قوله لما روينا معنى، ذكره استدلالا على ثبوت الولاء للمرأة وجميع الشراح سكتوا عن بيان أصل هذا الحديث وعن بيان اسم ابنة حمزة هذا.
وعن بيان حكمه في الصحة فنقول وبالله التوفيق: هذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه في سننيهما في الفرائض عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد عن ابنة حمزة بن عبد المطلب ﵂ قالت: «مات مولى وترك ابنة له فقسم رسول الله ﷺ ماله بيني وبين ابنته فجعل إلي النصف ولها النصف» .
ثم أخرجه النسائي عن عبد الله بن عون عن الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد أن «ابنة حمزة أعتقت مملوكا لها فمات وترك ابنته ومولاته..» الحديث، قال وهذا أولى بالصواب من
стр. 5336
ويستوي فيه الإعتاق بمال وبغيره لإطلاق ما ذكرناه.
ــ
[البناية]
حديث ابن أبي ليلى وابن أبي ليلى كثير الخطأ.
وروى الدارقطني في سننه في الفرائض عن سليمان بن داود حدثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄ «أن مولى لحمزة توفي وترك ابنته وابنة حمزة فأعطى النبي ﷺ ابنته النصف ولابنة حمزة النصف» انتهى.
ففي هذا الحديث السابق أن المولى لابنته وأنها التي أعتقته، ولكنه ضعيف فقد قال صاحب " التنقيح ": وسليمان بن داود هذا هو الشاذكوني وقد ضعفوه وكذبه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
وقال البخاري: هو عندي أضعف من كل صعيد وأما اسم ابنة حمزة هذا فهو أمامة صرح به الحاكم في "المستدرك " فرواه في كتاب الفضائل عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عبد الله بن شداد وهو أخو أمامة بنت حمزة لأنها عن أخته أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب فذكره بلفظ النسائي وسكت عنه، هكذا وقع فيه اسمها أمامة، قال ابن الأثير: وهو الصحيح.
وقال ابن عساكر في أطرافه لم تكن ابنة حمزة هذه أمامة، فلا أدري من هي انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الله بن شداد عن فاطمة بن حمزة بن عبد المطلب قالت: «مات مولى وترك بنته فقسم رسول الله ﷺ ماله بيني وبين ابنته فجعل لي النصف ولها النصف» . من طريق ابن أبي شيبة رواه الطبراني في "معجمه ".
ورواه ابن أبي شيبة أيضا حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن عبد الله بن أبي الجعد عن عبد الله بن شداد عن فاطمة بنت حمزة ﵁ فذكره، ففي هذين الكتابين اسمها فاطمة ورواه أبو داود في "المراسيل " عن شعبة عن الحكم عن عبد الله بن شداد وقالوا: «أتدرون ما ابنة حمزة مني كانت أختي لأمي وإنها أعتقت مملوكا لها فتوفي وترك ابنته ومولاته، فجعل رسول الله ﷺ : ميراثه بينهما نصفين» .
وروى أبو داود أيضا في مراسيله ما يخالف هذا عن إبراهيم «قال توفي مولى لحمزة بن عبد المطلب فأعطى النبي ﷺ بنت حمزة النصف وقبض النصف» والله أعلم.
م: (ويستوي فيه) ش: أي في ثبوت الولاء م: (الإعتاق بمال وبغيره) ش: أي: وبغير المال، وكذا العتق بقرابة أو كتابة عند الأداء، وتدبير أو استيلاد بعد الموت، وسواء أيضا كان العتق حاصلا ابتداء أو بجهة الواجب ككفارة اليمين وما أشبهها م: (لإطلاق ما ذكرناه) ش: يعني قوله
стр. 5337
قال: فإن شرط أنه سائبة فالشرط باطل والولاء لمن أعتق؛ لأن الشرط مخالف للنص فلا يصح
قال: وإذا أدى المكاتب عتق والولاء للمولى وإن عتق بعد موت المولى؛ لأنه عتق عليه بما باشر من السبب وهو الكتابة وقد قررناه في المكاتب، وكذا العبد الموصى بعتقه أو بشرائه وعتقه بعد موته؛ لأن فعل الوصي بعد موته كفعله والتركة على حكم ملكه
ــ
[البناية]
ﷺ : «الولاء لمن أعتق» ، وما ذكره من المعنى المعقول.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (فإن شرط أنه سائبة) ش: أي أن العبد يكون حرا أولا ولا بينة، من ساب الماء يسيب إذا جرى وذهب كل مذهب. قال الصغاني في " العباب ": السائبة العبد كان الرجل إذا قال لغلامه أنت سائبة فقد عتق، ولا يكون ولاؤه لمعتقه ويضع ماله حيث شاء ولا عقل بينهما، والسائبة أيضا الناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه م: (فالشرط باطل والولاء لمن أعتق؛ لأن الشرط مخالف للنص) ش: وهو قوله ﷺ : أعتق م: (فلا يصح) ش: أي إذا كان مخالفا للنص، فلا يصح.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وعند أحمد لم يكن به الولاء عليه إن أعتقه سائبة، فلو أخذ من ميراثه شيئا رده في مثله. وفي المنصوص عن أحمد لو خلف مالا ولم يدع وارثا اشترى بماله رقابا فأعتقهم؛ لأن ابن عمر ﵄ أعتق عبدا سائبة فمات فاشترى بماله رقابا فأعتقهم. وقال مالك ومكحول وأبو العالية والزهري وعمر بن عبد العزيز يجعل ولاؤه لجماعة المسلمين، كذا فعله بعض الصحابة.
[ولاء المكاتب]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا أدى المكاتب) ش: أي بدل الكتابة م: (عتق والولاء للمولى، وإن عتق بعد موت المولى؛ لأنه عتق عليه بما باشر من السبب وهو الكتابة وقد قررناه في المكاتب) ش: أي قررنا في باب الكتابة أن ولاءه لمولاه، وهو قول عامة الفقهاء.
وعن عمرو بن دينار: لا ولاء على المكاتب لأنه اشترى نفسه من سيده فلم يكن عليه ولاؤه، كما لو اشتراه أجنبي، وقال مكحول: المكاتب إذا شرط ولاء مع رقبته جاز، وقال قتادة: من لم يشترط ولاء مكاتبه، فلمكاتبه أن يوالي من شاء، وللجمهور حديث بريرة وقد مضى مستقصى.
م: (وكذا العبد الموصى بعتقه) ش: أي وكذا يكون ولاؤه للميت لأن العتق يقع عنه م: (أو بشرائه) ش: أي أو الموصى بشرائه م: (وعتقه بعد موته؛ لأن فعل الوصي بعد موته) ش: أي بعد موت الموصي م: (كفعله) ش: أي كفعل الموصي في حياته م: (والتركة على حكم ملكه) ش: أي على حكم ملك الموصي الميت في حق الوصية.
стр. 5338
وإن مات المولى عتق مدبروه وأمهات أولاده لما بينا في العتاق وولائهم له؛ لأنه أعتقهم بالتدبير والاستيلاد. ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه لما بينا في العتاق وولاؤه له لوجود السبب وهو العتق عليه. وإذا تزوج عبد رجل أمة لآخر فأعتق مولى الأمة الأمة وهي حامل من العبد عتقت وعتق حملها وولاء الحمل لمولى الأم لا ينتقل عنه أبدا؛ لأنه عتق على معتق الأم مقصودا إذ هو جزء منها يقبل الإعتاق مقصودا فلا ينتقل ولاؤه عنه عملا بما روينا وكذلك إذا ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر للتيقن بقيام الحمل وقت الإعتاق أو ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر لأنهما توأمان يتعلقان معا وهذا بخلاف ما إذا والت رجلا وهي حبلى والزوج والى غيره حيث يكون ولاء الولد لمولى الأب؛ لأن الجنبين غير قابل لهذا الولاء
ــ
[البناية]
م: (وإن مات المولى عتق مدبروه وأمهات أولاده لما بينا في العتاق وولاؤهم له؛ لأنه أعتقهم بالتدبير والاستيلاد) ش: فيه لف ونشر، فقوله بالتدبير يرجع إلى قوله مدبروه، وقوله والاستيلاد يرجع إلى قوله وأمهات أولاده م: (ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه لما بينا في العتاق، وولاؤه له لوجود السبب وهو العتق عليه) ش: أي على الذي ملك، وقد مر في العتاق مستقصى.
م: (وإذا تزوج عبد رجل أمة لآخر) أي لرجل آخر، وفي بعض النسخ أمة رجل آخر م: (فأعتق مولى الأمة الأمة وهي حامل) ش: أي والحال أن الأمة حامل م: (من العبد عتقت وعتق حملها) ش: تبعا لها م: (وولاء الحمل لمولى الأم لا ينتقل عنه أبدا؛ لأنه عتق على معتق الأم) ش: بكسر التاء م: (مقصودا إذ هو جزء منها يقبل الإعتاق مقصودا) ش: أي حال كونه مقصودا بالعتق؛ لأنه أضاف الإعتاق إلى جميع أجزائها وهو منها، فيعتق مقصودا كالأم، فإذا كان كذلك م: (فلا ينتقل ولاؤه عنه عملا بما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» .
م: (وكذلك إذا ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر) ش: من حين أعتقت م: (للتيقن بقيام الحمل وقت الإعتاق) ش: أي للتيقن بوجوده في البطن حين الإعتاق فيعتق م: (أو ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر) ش: أي يوم مثاله وللآخر بعد يوم م: (لأنهما توأمان يتعلقان معا) ش: لأن المدة المتخللة بين الولادتين إذا كانت أقل من ستة أشهر يكون الولد توأما وحكم التوأم لا يختلف وإذا ثبت وجود أحدهما وقت الإعتاق ثبت وجود الآخر، فقد جرى عليهما عتق مقصود، فلا ينتقل الولاء.
م: (وهذا) ش: أي الحكم المذكور م: (بخلاف ما إذا والت رجلا وهي حبلى) ش: أي والحال أنها حبلى م: (والزوج والى غيره حيث يكون ولاء الولد لمولى الأب؛ لأن الجنين غير قابل لهذا الولاء
стр. 5339
مقصودا؛ لأن تمامه بالإيجاب والقبول هو ليس بمحل له. قال: فإن ولدت بعد عتقها لأكثر من ستة أشهر ولدا فولاؤه لموالي الأم؛ لأنه عتق تبعا للأم لاتصاله بها بعد عتقها فيتبعها في الولاء ولم يتيقن بقيامه وقت الإعتاق حتى يعتق مقصودا، فإن أعتق الأب جر الأب ولاء ابنه وانتقل عن موالي الأم إلى موالي الأب؛ لأن العتق هاهنا في الولد يثبت تبعا للأم بخلاف الأول، وهذا لأن الولاء بمنزلة النسب. قال ﵇: "الولاء لحمة كلُحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث
ــ
[البناية]
مقصودا؛ لأن تمامه بالإيجاب والقبول وهو) ش: أي الجنين م: (ليس بمحل له) ش: أي للإيجاب والقبول فهذا أظهر الفرق بين الصورتين.
م: (قال: فإن ولدت بعد عتقها لأكثر من ستة أشهر ولدا فولاؤه لموالي الأم؛ لأنه عتق تبعا للأم لاتصاله بها) ش: أي لاتصال الولد بالأم م: (بعد عتقها فيتبعها في الولاء) ش: لولاء الأم لمولى الأم، فكذا ولاؤه تبعا لها م: (ولم يتيقن بقيامه) ش: أي بقيام الولد أي بوجوده م: (وقت الإعتاق، وحتى يعتق مقصودا) ش: كما في الفصل الأول فلا جرم عتق تبعا لها.
م: (فإن أعتق) ش: وهو م: (الأب) ش: فلذلك فسره بقوله: م: (جر الأب ولاء ابنه) ش: إلى مواليه م: (وانتقل عن موالي الأم إلى موالي الأب) ش: وهو وقول جمهور الفقهاء، والتابعين، والصحابة ﵃.
وقال داود، وميمون بن مهران، وحميد بن عبد الرحمن: إن الولاء لا يجري عن موالي الأم، وقد روي عن عثمان، وزيد بن ثابت ﵄ مثل هذا م: (لأن العتق هاهنا) ش: أي فيما إذا ولدت لعتقها أكثر من ستة أشهر م (في الولد يثبت تبعا) ش: لا مقصودا، والأصل إذ العتق متى ثبت مقصودا لا ينتقل الولاء كما بينا، ومتى ثبت بطريق التبعية ينتقل، وهنا ثبت العتق تبعا م: (للأم) ش: لعدم التيقن بقيامه وقت الإعتاق، فإذا تبعها في العتق تبعها في الولاء أيضا كما ذكرنا لعدم أهلية الأب، فإذا صار الأب أهلا بالإعتاق عاد الولاء إليه.
م: (بخلاف الأول) ش: أي الفصل الأول، وهو ما إذا أعتقها وهي حامل، أو ولدت لأقل من ستة أشهر، فإن العتق فيه ثبت مقصودا فلا ينتقل الولاء فيه ألبتة م: (وهذا) ش: أي انتقال الولاء من موالي الأم إلى موالي الأب م: (لأن الولاء بمنزلة النسب) ش: والنسب إلى الآباء، فكذا الولاء، وإنما جعل لموالي الأم بطريق التبعية ضرورة لعدم وجود مولى للأب، فإذا ارتفعت هذه الضرورة بحدوث المولى له عاد إليه، ثم استدل على كون الولاء بمنزلة النسب بقوله: م: (قال ﵇: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث» ش: هذا الحديث رواه ثلاثة
стр. 5340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
من الصحابة:
الأولي: عبد الله بن عمر ﵄ أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه " في القسم الثاني عن بشر بن الوليد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع، ولا توهب» . ورواه الشافعي في "مسنده": أخبرنا محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار به.
ومن طريق الشافعي رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الفرائض، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وبطريق آخر أخرجه الحاكم في كتاب " مناقب الشافعي" عن علي بن سليمان الأخميمي ثنا محمد بن إدريس الشافعي، ثنا محمد بن الحسن، ثنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة، عن عبد الله بن دينار، قال الحاكم: كذا قال فيه عن أبي حنيفة وهو وهم. قال الشافعي: رواه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار نفسه.
وبطريق آخر أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط عن محمد بن زياد، حدثنا يحيى بن سليم الطالقي، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، وقال: لم يروه عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن سليم.
الثاني: ابن أبي أوفى، أخرج حديثه الطبراني في معجمه عن عبيد بن القاسم الأسدي، عن إسماعيل بن ابي خالد عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع، ولا توهب» ورواه ابن عدي في الكامل واعله بعبيد بن القاسم، ونقل عن ابن معين أنه قال فيه: كان كذابا.
الثالث: أبو هريرة، أخرج حديثه ابن عدي في الكامل عن يحيى بن أبي أنيسه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحم ... » إلى آخره، سواء واعله بيحيى بن أبي أنيسه، وأسند تضعيفه عن البخاري، والنسائي، وأحمد، وعلى بن المديني، وابن معين.
فإن قلت: ذكر البيهقي حديث النهي عن بيع الولاء وهبته، ثم ذكر عن الشافعي انا محمد بن الحسن عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه ﷺ قال: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع، ولا توهب» ثم ذكر عن أبي بكر النيسابوري قال: هذا خطأ؛ لأن
стр. 5341
ثم النسب إلى الآباء فكذلك الولاء، والنسبة إلى موالي الأم كانت لعدم أهلية الأب ضرورة، فإذا صار أهلا عاد الولاء إليه
ــ
[البناية]
الثقات لم يرووه هكذا، وإنما رواه الحسن مرسلا، ثم قال البيهقي: روي من أوجه أخر كلها ضعيفة.
قلت: يرد عليهما ما ذكرناه من حديث عبد الله بن عمر حديث عبد الله بن أبي أوفى من الطريق الذي أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وهو طريق صحيح فقال: حدثني موسى بن سهل الرملي، ثنا محمد بن عيسى يعني الطباع ثنا عبد بن القاسم عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا تباع، ولا توهب» .
ثم اعلم أنه ليس في الحديث بوجوهه المذكورة "ولا يورث" قال الدارقطني في كتاب العلل: ورواه أيوب بن سليمان الأعور عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن عبد الله بن دينار به " لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " فزاد فيه ولا يورث ثم قال: ولم أجد في شيء من طريق الحديث "ولا يورث".
قوله: «لحمة كلحمة النسب» ، أي تشابك ووصلة كوصلة النسب، قالوا: يورث عند جمهور العلماء، والفقهاء، وأصحاب الظاهر، وقد شذ شريح وقال بأنه يورث كالمال عن المعتق، فمن ملك شيئا من الولاء حال حياته فهو لورثته وكان بين ابن المعتق وبنته للذكر مثل حظ الأنثيين. وعن سليمان بن يسار أنه كان مولى لميمونة فوهبت ولاءها لابن عباس ﵄، وللجمهور ما مر ذكره.
فإن قلت ما معنى قولهم: الولاء لا يورث.
قلت: معناه مما لا يورث عينه، يعني لا يجري فيه سهام الورثة ولكن يورث به، وهو قول علي، وزيد، وإحدى الروايتين عن ابن مسعود ﵃، وبه أخذ علماؤنا، وفي رواية أخرى لابن مسعود أن الولاء مما يورث عينه كما المال يجري فيه سهام الورثة، وهو قول شريح، والنخعي، وقد روي مثله عن أبي يوسف في غير رواية الأصول، حتى لو ترك المعتق أبا، وابنا كان لأبيه السدس، والباقي لابنه، وكذلك إذا ترك ابنا وابنة فميراث المعتق بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
م: (ثم النسب إلى الآباء فكذلك الولاء) ش: إلى الآباء م: (والنسبة إلى موالي الأم كانت لعدم أهلية الأب ضرورة) ش: لكونه عبدا م: (فإذا صار أهلا) ش: بالحرية م: (عاد الولاء إليه) ش:
стр. 5342
بمنزلة ولد الملاعنة ينسب إلى قوم الأم ضرورة. فإذا أكذب الملاعن نفسه ينسب إليه بخلاف ما إذا أعتقت المعتدة عن موت أو طلاق فجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الموت أو الطلاق حيث يكون الولد مولى لموالي الأم، وإن أعتق الأب لتعذر إضافة العلوق إلى ما بعد الموت والطلاق البائن لحرمة الوطء، وبعد الطلاق الرجعي لما أنه يصير مراجعا بالشك فأسند إلى حالة النكاح فكان الولد موجودا عند الإعتاق فعتق مقصودا،
ــ
[البناية]
لارتفاع الضرورة م: (بمنزلة ولد الملاعنة ينسب إلى قوم الأم ضرورة) ش: لأجل اللعان الثاني نسبة إلى الأب م: (فإذا أكذب الملاعن نفسه ينسب إليه) ش: أي إلى الملاعن وهو الأب لارتفاع الضرورة بالإكذاب.
فإن قيل: الولاء كالنسب، والنسب لا يحتمل الفسخ بعد ثبوته، فكذا الولاء يجب أن لا ينفسخ بعد ثبوته.
قلنا: لا تنفسخ، ولكن حدث ولاء المولى منه، فقدم عليه، كما نقول في الأخ أنه عصبة، فإذا حدث من هو أولى منه في الإرث لا يبطل تعصيبه، ولكن يقدم عليه.
م: (بخلاف ما إذا أعتقت المعتدة عن موت أو طلاق) ش: هذا يبطل بقوله: فإذا صار أهلا عاد الولاء إليه يعني هنا يعود الولاء، وهاهنا لا يعود. قوله: إذا أعتقت المعتدة عن موت بأن كانت الأمة امرأة مكاتب فمات عن وفاة، أو طلاق أي: أو أعتقت المعتدة عن طلاق، وأطلق الطلاق ليشمل البائن، والرجعي جميعا، وكذا أطلق الطلاق الحاكم الشهيد، والطحاوي قيده بالبائن في "مختصره "، واتبعه الإمام الإسبيجابي في "شرحه " م: (فجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الموت أو الطلاق حيث يكون الولد مولى لموالي الأم. وإن أعتق الأب لتعذر إضافة العلوق إلى ما بعد الموت) ش: لاستحالته من الميت م: (والطلاق البائن) ش: أي ولتعذر إضافة العلوق إلى ما بعد الطلاق البائن م: (لحرمة الوطء) ش: بعد الطلاق البائن م: (وبعد الطلاق الرجعي) ش: أي ولتعذر إضافة العلوق أيضا إلى ما بعد الطلاق الرجعي.
م: (لما أنه يصير مراجعا بالشك) ش: لأنه لو حمل وطؤه في العدة يصير مراجعا، ولو حمل إلى ما قبل الطلاق لا يصير مراجعا، والمراجعة لم تكن فلا يثبت بالشك، فإذا تعذر إضافته إلى ما بعد ذلك م: (فأسند إلى حالة النكاح فكان الولد موجودا عند الإعتاق فعتق مقصودا) ش: ومن أعتق مقصودا لا ينتقل ولاؤه كما تقدم، وتبين من هذا أنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، كان الحكم كذلك بطريق الأولى للتيقن بوجود الولد عند الموت والطلاق، وأما إذا جاءت به لأكثر من سنتين فالحكم فيه يختلف بالطلاق البائن والرجعي: ففي البائن مثل ما كان.
стр. 5343
وفي " الجامع الصغير " فإذا تزوجت معتقة بعبد فولدت أولادا فجنى الأولاد فعقلهم على موالي الأم لأنهم عتقوا تبعا لأمهم ولا عاقلة لأبيهم ولا موالي فألحقوا بموالي الأم ضرورة كما في ولد الملاعنة على ما ذكرنا، فإن أعتق الأب جر ولاء الأولاد إلى نفسه لما بينا، ولا يرجعون على عاقلة الأب بما عقلوا لأنهم حين عقلوه كان الولاء ثابتا لهم، وإنما يثبت للأب مقصورا لأن سببه مقصور، وهو العتق بخلاف ولد الملاعنة إذا عقل عنه قوم الأم ثم أكذب الملاعن نفسه حيث يرجعون عليه؛ لأن النسب هناك يثبت مستندا إلى وقت العلوق
ــ
[البناية]
وأما الرجعي فولاء الولد لموالي الأب للتيقن بمراجعته.
وفي " الكافي ": وما وقع في نسخ " الهداية " فجاءت بالولد لأكثر من سنتين لا يكاد يصح.
والصحيح ما ذكر في " شرح الطحاوي " لأقل من سنتين كما ذكرت، وعليه يدل التعليل المذكور فيها، فالظاهر أنه وقع من الكتاب، انتهى.
قلت: وقع في بعض النسخ لأقل من سنتين، وفي نسختي أيضا كذلك، وكذا ذكر في " المبسوط " لأقل من سنتين أو لتمام السنتين؛ لأن النسب تنسب إلى سنتين. ومن ضرورته أن يكون العلوق قبل الطلاق.
م: (وفي " الجامع الصغير ": فإذا تزوجت معتقة بعبد فولدت أولادا فجنى الأولاد فعقلهم على موالي الأم؛ لأنهم عتقوا تبعا لأمهم، ولا عاقلة لأبيهم ولا موالي) ش: لكونه في الرقبة م: (فألحقوا بموالي الأم ضرورة كما في ولد الملاعنة) ش: حيث تنسب إلى قوم الأم ضرورة م: (على ما ذكرنا) ش: أراد به قوله: كولد الملاعنة ينتسب إلى قوم الأم.. إلى آخره، وإنما ذكر لفظ " الجامع الصغير " لاشتماله على بيان العقل.
م: (فإن أعتق الأب) ش: أرد به العبد الذي هو زوج المعتقة المذكورة م: (جر ولاء الأولاد إلى نفسه لما بينا) ش: أراد به قوله: فإن أعتق الأب جر به ولاء ابنه.. إلى آخره.
م: (ولا يرجعون) ش: أي عاقلة الأم م: (على عاقلة الأب بما عقلوا؛ لأنهم حين عقوله كان الولاء ثابتا لهم، وإنما يثبت للأب مقصورا) ش: أي على زمان عتق الأب م: (لأن سببه) ش: وهو عتق الأب م: (مقصور) ش: أي غير مستند إلى وقت سابق م: (وهو العتق) ش: أي السبب هو العتق.
م: (بخلاف ولد الملاعنة إذا عقل عنه قوم الأم ثم أكذب الملاعن نفسه حيث يرجعون) ش: أي قوم الأم م: (عليه) ش: أي على الملاعن، أي على عاقلته م: (لأن النسب هناك يثبت مستندا إلى وقت العلوق) ش: لا من وقت الإكذاب فإنه لا يتصور أن لا يكون عند العلوق ولد الإنسان ثم
стр. 5344
وكانوا مجبورين على ذلك فيرجعون.
قال: ومن تزوج من العجم بمعتقة من العرب فولدت له أولادا فولاء أولادها لمواليها عند أبي حنيفة ﵀
ــ
[البناية]
يصير ولدا له بعد فتبين أن النسب كان ثابتا من الأب حين جنى، وأن موجب جنايته على عاقلة الأب وأجبر عاقلة الأم على القضاء فيرجعون عليهم بذلك، وهو معنى قوله:
م: (وكانوا مجبورين على ذلك) ش: أي وكان عاقلة الأم مجبورين على القضاء م (فيرجعون) ش: على عاقلة الأب؛ لأنهم قضوا دينا، عن غيرهم بحكم القاضي فلهم الرجوع.
[تزوج من العجم بمعتقة من العرب فولدت له أولادا لمن ولاؤهم]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ومن تزوج من العجم) ش: وهو جمع عجمي، وهو خلاف العربي وإن كان فصيحا م: (بمعتقة من العرب فولدت له أولادا فولاء أولادها لمواليها عند أبي حنيفة ﵀) ش: وكذا أموالهم لذوي أرحامه، حتى لو ترك هذا الولد عمة أو خالة لم يكن لها شيء في وجود معتق الأم وعصبته.
وفي " الزاد " و" شرح الأقطع " صورة المسألة بالحر العجمي الذي ليس بمعتق ليس بمعتق لأحد سواء كان له ولاء موالاة أو لم يكن. وفي " الفوائد ": هذه المسألة على وجوه.
إن زوجت نفسها من عربي فولاء الأولاد لقوم الأب في قولهم؛ لأن الشرف بأنساب الأعراب أقوى.
وإن زوجت نفسها من العجمي الذي له آباء في الإسلام فولاء الأولاد لقوم الأب عند أبي يوسف ﵀ بلا ريب، وعلى قولهما اختف المشايخ، حكي عن أبي بكر الأعمش وأبي بكر الصفار أنه لقوم الأب، وقال غيرهما لقوم الأم.
وإن زوجت نفسها من رجل أسلم من أهل الحرب والى أحدا أو لم يوال وهي مسألة الكتاب.
وإن زوجت نفسها من عبد أو مكاتب فولاء الولد لموالي الأم إجماعا، إلا إذا أعتق العبد فيجد الولاء، وفي " المبسوط ": إذا كانت الأمة معتقة إنسان والأب مسلم نبطي لم يعتقه أحد فالولد مولى لمولي الأم، وكذا إذا كان نبطي كافر ثم أسلم ووالى رجلا فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يكون الولد مولى لموالي الأم، وعند أبي يوسف ﵀ في الفصلين لا يكون الولد مولى لموالي الأم ولكنه منسوب إلى قوم أبيه؛ لأنه كالنسب والنسب إلى الآباء.
وفي " مغني الحنابلة ": إذا كان الأب حر الأصل فالولد يتبعه ولا يكون عليه ولاء وهو قول أكثر أهل العلم، سواء كان الأب عربيا أو عجميا، وسواء كان مسلما أو ذميا أو مجهول النسب
стр. 5345
قال ﵁: وهو قول محمد. وقال: أبو يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حكمه حكم أبيه؛ لأن النسب إلى الأب كما إذا كان الأب عربيا، بخلاف ما إذا كان الأب عبدا؛ لأنه هالك معنى.
ــ
[البناية]
أو معلومه، وهو قول أبي يوسف ومالك ﵀ وابن شريح من أصحاب الشافعي.
وقال ابن اللبان من أصحاب الشافعي: وقيل هذا قول أبي حنيفة، وبه قال القاضي الحنبلي إن كان مجهول النسب يثبت الولاء على ولده إلى الأم إن كانت موالاة، وهو ظاهر مذهب الشافعي ﵀ وبه قال القاضي الحنبلي.
وقيل هذا قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد ﵏، ولكن ذكر في " الحلية ": فإن كان الأب حر الأصل والأم معتقة ثبت الولاء على الولد، سواء كان الأب عربيا أو عجميا. وقال أبو حنيفة: إن كان عجميا يثبت الولاء على الولد وبناؤه على أصله في جواز استرقاق عبدة الأوثان من العجم دون العرب.
فإن كان الأب معتقا والأم حرة الأصل فهل يثبت الولاء على الولد، فيه وجهان: أحدهما أنه لا يثبت، والثاني أنه يثبت، أما إذا كان الأب مجهول النسب محكوما بحريته بالظاهر والأم معتقة قيل يثبت الولاء على الولد لمولى الأم. قال أبو العباس: قياس قول الشافعي لا يثبت، كما لو كان معروف النسب. وقال ابن اللبان: يثبت وهو قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد.
م: (قال ﵁: وهو قول محمد) ش: أي قول أبي حنيفة هو قول محمد بن الحسن أيضا م: (وقال أبو يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حكمه حكم أبيه) ش: فلا يكون عليه ولاء إعتاقه، وإنما يورث ماله حين انعدام ذوي أرحامه، كما إذا كان الأب عربيا والأم معتقة فلأنه لا يكون ولاؤه لموالي أمه م: (لأن النسب إلى الأب كما إذا كان الأب عربيا) ش: إنما كان النسب إلى الابن لأنه منسوب إليه، قال : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فصار ملحقا بالأب، فأخذ حكمه، كأنه حي من كل وجه لأنه حر.
م: (بخلاف ما إذا كان الأب عبدا) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال لما كان النسب إلى الإماء وجب أن يستوي الأب الحر والعبد، وليس كذلك. فأجاب بقوله بخلاف ما إذا كان الأب عبدا م: (لأنه) ش: أي لأن العبد م: (هالك معنى) ش: لأنه لا يملك شيئا، ولأنه أثر الكفر والكفر موت حكمي، قال الله تعالى: ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] (سورة الأنعام: الآية ١٢٢) ، فصار حال هذا الولد في الحكم حال من الأب له فنسب إلى موالي الأم، وهذا المعنى معدوم إذا كان الأب حرا؛ لأن الحرية حياة باعتبار صفة المالكية والعرب والعجم فيه سواء.
стр. 5346
ولهما أن ولاء العتاقة قوي معتبر في حق الأحكام حتى اعتبرت الكفاءة فيه والنسب في حق العجم ضعيف، فإنهم ضيعوا أنسابهم، ولهذا لم تعتبر الكفاءة فيما بينهم بالنسب والقوي لا يعارضه الضعيف، بخلاف ما إذا كان الأب عربيا لأن أنساب العرب قوية معتبرة في حكم الكفاءة والعقل كما أن تناصرهم بها فأغنت عن الولاء، قال: ﵁: الخلاف في مطلق المعتقة والوضع في معتقة العرب وقع اتفاقا.
ــ
[البناية]
فإن قلت: لو كان هالكا لما جرى القصاص. قلت: جريانه لآدميته لا لحريته ورقه ولا نقصان في ذلك.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله م: (أن ولاء العتاقة قوي معتبر في حق الأحكام) ش: لأنه ولاء نعمة م: (حتى اعتبرت الكفاءة فيه) ش: أي في ولاء العتاقة، حتى لا يكون معتق العجم كفئا لمعتقة العرب، ولهذا يجوز إبطال حرمة العجم بالاسترقاق م: (والنسب في حق العجم ضعيف فإنهم) ش: أي فإن العجم م: (ضيعوا أنسابهم) ش: حيث لم يعتبروا ذلك قبل الإسلام، وكان تفاخرهم وتقييدهم بعمارة الدنيا حتى جعلوا من له أب واحد في الإمارة ليس كفئا لمن له أبوان في ذلك. وتفاخرهم بعد الإسلام بالإسلام، وإليه أشار سلمان ﵁ حين قيل له سلمان ابن من؟ فقال سلمان ﵁:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونهم ضيعوا أنسابهم م: (لم تعتبر الكفاءة فيما بينهم بالنسب والقوي لا يعارضه الضعيف، بخلاف ما إذا كان الأب عربيا؛ لأن أنساب العرب قوية معتبرة في حكم الكفاءة والعقل، لما أن تناصرهم بها) ش: أي بالأنساب م: (فأغنت عن الولاء) ش: أي أغنت أنسابهم عن التناصر بالولاء.
م: (قال ﵁: الخلاف) ش: المذكور بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه م: (في مطلق المعتقة) ش: إنما قال ذلك لأن محمدا ﵀ ذكر المعتقة مطلقا، حتى لو تزوج بمعتقة غير العربي كان كذلك م: (والوضع في معتقة العرب وقع اتفاقا) ش: أي وضع القدوري هذه المسألة في "مختصره " بقوله: ومن تزوج من العجم بمعتقة العرب وقع على سبيل الاتفاق له القصد، قيل تعليل قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله في قوله والنسب في حق العجم ضعيف يرجح ولاء العتاقة إذا كانت المعتقة من العرب؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، والنسب في حق العرب قوي، فكذلك معتقهم يحكي حكاية النسب، فكان قربا فرجح حينئذ معتق العرب على المنسوب في المعجم لا مطلق المعتق.
стр. 5347
وفي " الجامع الصغير ": نبطي كافر تزوج بمعتقة قوم ثم أسلم النبطي ووالى رجلا ثم ولدت أولادا ، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: مواليهم موالي أمهم، وقال أبو يوسف ﵀: مواليهم موالي أبيهم؛ لأن الولاء وإن كان أضعف فهو من جانب الأب فصار كالمولود بين واحد من الموالي وبين العربية.
ــ
[البناية]
وأجيب: بأن الضعف والقوة فيما إذا كان في جانب الأب، حتى إن الأب إذا كان عربيا والأم معتقة إنسان فولاء الولد لقوم الأب بالاتفاق. وأما في جانب الأم فألحقوه بمجرد كونها معتقة على نسب العجم، ألا ترى أنهما تعرضا لمطلق ولاء العتاقة، فإن من له أب واحد في الحرية لا يكون كفؤا لمن له أبوان في الحرية، وأما في النسب فليس كذلك، فإن من له أب واحد في الخلافة أو الإمارة يكون كفؤا لمن له أبوان فيهما، فعلم بهذا أنهما يرجحان مجرد ولاء العتاقة، سواء كان معتق العرب أو العجم على نسب العجم، فصح قوله الخلاف في مطلق المعتقة.
[تزوج بمعتقة قوم ثم أسلم النبطي ووالى رجلا ثم ولدت أولادا]
م: (وفي " الجامع الصغير ": نبطي) ش: النبطي واحد النبط وهم جبل من الناس بسواد الطرق، وعند الفقيه أبي الليث النبطي رجل من غير العرب. وفي " العباب " قال ابن دريد: النبط جبل معروف وهم النبيط والأنباط، وقال غيره النبط والنبيط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين والجمع أنباط، يقال رجل نبطي ونباطي ونباطا مثل يمني ويماني، وحكى يعقوب نُباطي بضم النون.
فإن قلت: لم ذكر لفظ " الجامع الصغير ".
قلت: لبيان أن محمدا ذكر المعتقة مطلقا ولاشتماله على ولاء الموالاة بحيث قال نبطي م: كافر تزوج بمعتقة قوم) ش: أي بمعتقة كافرة نصرانية، إنما قلت هكذا ليتصور المسألة إذ المسلمة لا تزوج تحت الكافر بعقد النكاح، وكذلك قال فخر الإسلام: معنى هذا أن تكون المعتقة كافرة كتابية إنما قيد بالكتابية؛ لأن غير الكتابية من الكفار لا يجوز أن يبقى نكاحها بعد إسلام الزوج فافهم.
مِ: (ثم أسلم النبطي ووالى رجلا) ش: أي عقد عقد الموالاة م: (ثم ولدت أولادا) .
م: (قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: مواليهم موالي أمهم، وقال أبو يوسف: مواليهم موالي أبيهم؛ لأن الولاء وإن كان أضعف فهو من جانب الأب، فصار كالمولود بين واحد من الموالي وبين العربية) ش: يعني بين العجم الأصلي والعربية الأصلية، فيكون النسب للأب بالاتفاق، توضيحه أن واحدا من العجم إذا تزوج بعربية وهما حران غير معتقين لحر فولدت أولادا فإنهم ينسبون إلى قوم أبيهم، فكذا إذا كانت معتقة، وهنا لأن النسبة إلى الأم
стр. 5348
ولهما أن ولاء الموالاة أضعف حتى يقبل الفسخ وولاء العتاقة لا يقبله، والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي. ولو كان الأبوان معتقين فالنسبة إلى قوم الأب لأنهما استويا والترجيح لجانبه لشبهه بالنسب أو لأن النصرة به أكثر.
قال: و ولاء العتاقة تعصيب وهو أحق بالميراث من العمة والخالة لقوله ﵇ للذي اشترى عبدا فأعتقه: «هو أخوك ومولاك إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو خير لك وشر له، ولو مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته»
ــ
[البناية]
ضعيفة، لهذا لا يستحق لها العصوبة.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله م: (أن ولاء الموالاة أضعف) ش: من ولاء العتاقة م: (حتى يقبل الفسخ) ش: بأن أراد أحدهما فسخه م: (وولاء العتاقة لا يقبله) ش: أي الفسخ م: (والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي) ش: أراد بالضعف ولاء الموالاة، وبالقوي ولاء العتاقة.
م: (ولو كان الأبوان معتقين فالنسبة إلى قوم الأب لأنهما استويا) ش: أي لأن الأبوين استويا في المعتوقية م: (والترجيح لجانبه) ش: أي لجانب الأب م: (لشبهه) ش: أي لشبهه الولد م: (بالنسب) ش: بالحديث المذكور م: (أو لأن النصرة به) ش: أي بقوم الأب م: (أكثر) ش: من النصرة بقوم الأم.
[ولاء العتاقة تعصيب]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وولاء العتاقة تعصيب) ش: أي موجب للعصوبة والتعصيب هو جعل الإنسان عصبة، ومنه قولهم الذكر يعصب الأنثى، أي يجعلها عصبة م: (وهو) ش: أي مولى العتاقة م: (أحق بالميراث من العمة والخالة) ش: وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وعن ابن مسعود ﵄ تقدم ذوي الأرحام على مولى العتاقة، وروي عن عمر وعلي مثله.
م: (لقوله ﵇ للذي اشترى عبدا فأعتقه: «هو أخوك ومولاك إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهر خير لك وشر له. ولو مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته» ش: الكلام في هذا الحديث على أنواع، الأول أنه أخرجه الدارمي في "مسنده " أخبرنا يزيد بن هارون عن الأشعث عن الحسن «أن رجلا أتى النبي ﷺ برجل فقال: إني اشتريت هذا فأعتقته فما ترى
стр. 5349
وورث ابنة حمزة ﵄ على سبيل العصوبة مع قيام وارث،
ــ
[البناية]
فيه، قال: "أخوك ومولاك إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر له وخير لك"، قال: فما ترى في ماله؟ قال: "إن مات ولم يدع وارثا فلك ماله» .
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا أبو عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن ﵁ قال: «أراد رجل أن يشتري عبدا فلم يقض بينه وبين صاحبه، فحلف رجل من المسلمين بعتقه فاشتراه فأعتقه فذكره النبي ﷺ فقال: "إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر له وخير لك"، قال: فكيف بميراثه؟ فقال ﷺ : "إن لم يكن له عصبة فهو لك» .
ورواه أيضا محمد في كتاب الولاء من الأصل عن أبي يوسف عن إسماعيل بن سلم عن الحسن البصري عن رسول الله ﷺ .
النوع الثاني: أن هذا الحديث مرسل من مراسيل الحسن البصري الصحيحة وهي مقولة عندنا يعمل بها.
النوع الثالث: في معناه فقوله: هو أخوك يعني في الدين، قوله: إن شكرك يعني إن شكرك بالمجازاة على ما صنعت إليه فيه خير له؛ لأنه انتدب لما ندب إليه، ولأنه يثاب بمقابلة شكره؛ لأن شكر النعمة مندوب، قوله: وشر لك لأنه أوصل إليك بعض الثواب في الدنيا فينقص بقدره في الآخرة من الثواب.
قوله: وإن كفرك فهو خير لك لأنه يبقى ثواب العمل كله في الآخرة وشر له؛ لأنه كفر النعمة وكفران النعمة قبيح، قال ﷺ : «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» ، رواه أحمد وغيره قوله: ولم يترك وارثا أي وارثا وهو عصبته. قوله: كنت أنت عصبته يدل على أن المراد لم يترك عصبة حيث لم يقل كنت أنت وارثه.
م: (وورث) ش: بالتشديد أي ورث النبي ﷺ : م: (ابنة حمزة ﵄ على سبيل العصوبة مع قيام وارث) ش: وهو بنت الميت، وذلك لأن «النبي ﷺ أعطى بنت الميت
стр. 5350
وإذا كان عصبة يقدم على ذوي الأرحام وهو المروي عن علي ﵁ فإن كان للمعتق عصبة من النسب فهو أولى من المعتق؛ لأن المعتق آخر العصبات، وهذا لأن قوله ﵊: "ولم يترك وارثا" قالوا: المراد منه وارث هو عصبة بدليل الحديث الثاني فتأخر عن العصبة دون ذوي الأرحام.
ــ
[البناية]
النصف والباقي لبنت حمزة» وقد مر بيان الحديث من قريب مستوفى.
م: (وإذا كان) ش: أي المعتق بكسر التاء م: (عصبة) ش: أي المعتق بفتح التاء م: (يقدم على ذوي الأرحام) ش: لأن العصبة هو الذي يأخذ ما أبقته أصحاب الفرائض وهو مقدم على ذوي الأرحام م: (وهو المروي عن علي ﵁) ش: يعني تقديم المولى على ذوي الأرحام، وهو المروي عن علي بن أبي طالب ﵁ ولم يثبت هذا عن علي ﵁ بل الثابت عنه خلاف ذلك، فإن عبد الرزاق أخرج في "مصنفه " وقال أخبرنا الثوري أخبرني منصور عن حصين عن إبراهيم قال: كان عمر وابن مسعود ﵄ يورثان ذوي الأرحام دون الموالي فقلت لعلي بن أبي طالب فقال كان أشدهم في ذلك، انتهى.
والذي ذكره هو المروي عن زيد بن ثابت ﵁ فأخرج عبد الرزاق في "مصنفه " قال: أخبرنا عمر عن قتادة أن زيد بن ثابت كان يورث الموالي دون ذوي الأرحام. ولو قال "المصنف" وهو المروي عن زيد بن ثابت ﵄ لكان أصح وأبعد من الخطأ.
م: (فإن كان للمعتق) ش: بفتح التاء م: (عصبة من النسب فهو أولى من المعتق؛ لأن المعتق) ش: بكسر التاء م: (آخر العصبات) ش: لأنه عصبة سببية فتأخر عن العصبة النسبية م: (وهذا) ش: أي كون العصبة من النسب أولى بالميراث من المولى م: (لأن قوله ﵊: «وإن لم يترك وارثا قالوا المراد منه وارث هو عصبة» ش: يرفع قوله عصبة على أنه صفة لقوله وارث م: (بدليل الحديث الثاني) ش: الباء تتعلق بقوله قالوا، أي قالت: العلماء ذلك مستدلين بالحديث الثاني وهو حديث بنت حمزة ﵄، وذلك لأنه ﷺ جعلها عصبة مع وجود الوارث.
لأن البنت الصلبية وارثة وليست بعصبة، فعلم بهذا أن قوله ﷺ : فإن مات ولم يترك وارث وارثا هو عصبة لا وارث مطلق م: (فتأخر) ش: أي الموالي م: (عن العصبة) ش: أي عن عصبة المعتق بفتح التاء م: (دون ذوي الأرحام) ش: يعني لا يتأخر عنهم، بل يتقدم عليهم كما ذكرنا.
стр. 5351
قال: فإن كان للمعتق عصبة من النسب فهو أولى منه لما ذكرنا وإن لم يكن له عصبة من النسب فميراثه للمعتق تأويله: إذا لم يكن هناك صاحب فرض ذو حال. أما إذا كان فله الباقي بعد فرضه؛ لأنه عصبة على ما روينا، وهذا لأن العصبة من يكون التناصر به لبيت النسبة وبالموالي الانتصار على ما مر والعصبة تأخذ ما بقي، فإن مات المولى ثم مات المعتق فميراثه لبني المولى دون بناته،
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (فإن كان للمعتق) ش: بفتح التاء م: (عصبة من النسب فهو أولى منه لما ذكرنا) ش: أراد به قوله: وإذا كان عصبة تقدم على ذوي الأرحام م: (وإن لم يكن له عصبة من النسب فميراثه للمعتق) ش: بكسر التاء، وهو المولى م: (تأويله) ش: أي تأويل قول القدوري فميراثه للمعتق م: (إذا لم يكن هناك صاحب فرض ذو حال) ش: ذكروا لهذه الجملة تأويلين.
أحدهما: أن معنى قوله صاحب فرض ذو حال الفرض كالأب والجد، فإن لهما حالا سوى حال الفرض وهي العصوبة، فالمعتق لا يرث مع وجودهما، بل الأب أو الجد يأخذ الباقي بعد فرضه.
والثاني: أن معناه ذو حال واحد كالبنت، فإن كان مثل ذلك فللمعتق الباقي بعد فرض ذلك الوارث. وقال الأترازي: يكون الضمير في فله الباقي على التأويل الأول راجعا إلى صاحب الفرض، وعلى الثاني إلى المعتق.
وقال صاحب " العناية " والثاني أوجه؛ لأنه علل قوله م: (أما إذا كان فله الباقي بعد فرضه) ش: أي بعد أخذ فرضه بقوله م: (لأنه عصبة على ما روينا) ش: أشار به إلى قوله ﷺ : «ولو مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته» م: (وهذا) ش: أشار إلى قوله م: (لأن العصبة من يكون التناصر به لبيت النسبة) ش: أي القبيلة، يقال للقبيلة الواحدة بيت النسبة م: (وبالموالي التناصر) ش: أي ويكون بالمولى الانتصار، وهكذا في بعض النسخ، م: (على ما مر) ش: أشار به إلى ما ذكره في أول كتاب الولاء بقوله وكانت العرب تناصر بأشياء وقرر النبي ﷺ تناصرهم بالولاء بنوعيه م: (والعصبة يأخذ ما بقي) ش: هذا من تمام الدليل، وتقريره فله الباقي؛ لأنه عصبة والعصبة تأخذ الباقي.
م: (فإن مات المولى ثم مات المعتق فميراثه لبني المولى دون بناته) ش: أراد أن الذكور من أولاد المولى يرثون العتق دون الإناث منهم، حتى لو مات ولم يترك إلا بنت المعتق فميراثه لبيت المال
стр. 5352
وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن بهذا اللفظ ورد الحديث عن النبي ﷺ وفي آخره: أو جر ولاء معتقهنّ
ــ
[البناية]
لا لبنت المعتق في ظاهر الرواية، ولكن بعض مشايخنا يفتون بدفع المال إليها في هذا الزمان لعدم بيت المال وقصور احتياط القضاة وبيت المال كان في زمن الصحابة والتابعين ﵃ ولهذا أفتوا بإعطاء المال للابن والابنة من الرضاع لا لبيت المال لعدمه، كما أفتى أصحاب الشافعي بإرث ذوي الأرحام في هذا الزمان لعدم بيت المال، كذا في " الذخيرة " " وفرائض السجاوندي ".
ثم استدل على ذلك بقوله م: (لأنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، بهذا اللفظ ورد الحديث عن النبي ﷺ وفي آخره «أو جر ولاء معتقهن» ش: الكلام فيه على أنواع: الأول: أن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ وإنما أخرج البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ أنهم كانوا يجعلون الولاء أكبر من العصبة ولا يرثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن.
وأخرج أيضا عن إبراهيم قال: كان عمر وعلي وزيد بن ثابت ﵃ لا يرثون النساء من الولاء إلا ما أعتق. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه " عن الحسن أنه قال: لا ترث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو كاتبن.
وأخرج نحوه عن ابن سيرين وابن المسيب وعطاء والنخعي، وروى عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الحرار عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لا تورث النساء من الولاء إلا ما كاتبن أو أعتقن.
النوع الثاني: في معناه: فقوله: إلا ما أعتقن كلمة هاهنا بمعنى من كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] (سورة الشمس الآية: ٥) ، أي ومن بناها، وهاهنا محذوفات مقدرة منها المستثنى منه فتقدير الكلام ليس للنساء من الولاء شيء إلا ولاء ما أعتقته أو ولاء ما أعتقه من أعتقنه أو ولاء ما كاتبن أو ولاء ما كاتبه من كاتبنه، وذكر في شرح كتب الفرائض بعد قوله أو كاتب أو كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن أو معتق معتقهن، انتهى.
وكذلك التقدير في هذا ولاء ما دبره أو ولاء ما دبره من دبره أو جر ولاء معتق معتقهن،
стр. 5353
وصورة الجر قدمناها،
ــ
[البناية]
أو ولاء معتق معتقهن أو ولاء مكاتب مكاتبهن، أو ولاء مدبرهن أو ولاء مدبر مدبرهن والولاء الذي هو مجرور معتقهن أو الولاء الذي هو مجرور معتق معتقهن.
النوع الثالث: في صورة ما ذكر، فصورة ولاء معتقهن ظاهرة بأن أعتقت عبدها ثم مات المعتق وترك معتقته هذا فولاه لها، فلو أعتق معتقها عبدا آخر ومات المعتق الأول، ثم الثاني فولاء الثاني لها أيضا، وهذا صورة معتق المعتق، وصورة ولاء مكاتبهن بأن قالت امرأة لعبدها كاتبتك: عل ألف درهم مثلا فقبل العبد ذلك.
فإذا أدى بدل الكتابة يكون ولاؤه للمرأة، وصورة ولاء مكاتب مكاتبهن بأن كاتب هذا المكاتب عبدا فولاء مكاتب المكاتب لها أيضا إذا لم يكن المكاتب الأول.
وصورة ولاء مدبرهن بأن دبرت امرأة عبدها بأن قالت له: أنت حر إن دبرتني أو بعد موتي أو إذا مت ونحوه، ثم ارتدت والعياذ بالله وألحقت بدار الحرب وقضى القاضي بإلحاقها فعتق مدبرها ثم جاءت المرأة إلى دار الإسلام ثم مات المدبر وترك مدبرته هذا فولاؤه لها وصورة ولاء مدبر مدبر مدبرهن بأن اشترى هذا المدبر بعد الحكم بعتقه عبدا ثم دبره ثم مات وجاءت المرأة إلى دار الإسلام قبل موت مدبرها أو بعده ثم مات المدبر الثاني فولاؤه لمدبرة مدبره، وصورة جر ولاء معتقهن بأن زوجت امرأة عبدها معتقة الغير فولدت منه.
ولهذا يثبت نسب الولد منه ويكون حدا تبعا لأمه؛ لأن الولد تبع الأم في الرق والحرية وولاء الولد لمولى الأم يعقلون عنه ويرثون منه، فلو أن المرأة أعتقت العبد جر بإعتاقها إياه ولاء ولده إلى نفسه ثم من نفسه إلى مولاه. حتى لو مات المعتق ثم مات ولده وترك معتقة أبيه فولاؤه انتقل من موالي أمه إليها وصورة جر ولاء معتق معتقهن بأن أعتقت امرأة عبدا ثم اشترى المعتق عبدا وزوج معتقة غيره من عبد فولد بينهما ولد فولاء هذا الولد لمولى أمه، فلو أن المعتق أعتق عبده جر بالإعتاق ولاء معتقه إلى نفسه ثم يرجع منه إلى مولاه.
م: (وصورة الجر قدمناها) ش: وفي بعض النسخ قد بيناها، وأشار به إلى قوله فإن ولدت بعد عتقها أكثر من ستة أشهر إلى أن قال جر الأب ولاء ابنه، والجد هل يجر الولاء، فقال الحاكم في "كافيه ": قال الشعبي: إذا أعتق الجد جر الولاء.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ لا يجر الجد الولاء ولا يكون مسلما بإسلام الجد. وفي " السروجية " قال شريح وسفيان ومالك وأهل المدينة: إن الجد يجر ولاء ولد الابن من موالي نفسه.
وبه قال الأوزاعي وابن أبي ليلى وابن المبارك. وقال زفر إن كان الأب حيا فالجد لا يجر
стр. 5354
ولأن ثبوت المالكية والقوة في المعتق من جهتها، فينسب الولاء إليها وينسب إليها من ينسب إلى مولاها، بخلاف النسب؛ لأن سبب النسبة فيه الفراش وصاحب الفراش إنما هو الزوج والمرأة مملوكة لا مالكة.
وليس حكم ميراث المعتق مقصورا على بني المولى بل هو لعصبته الأقرب فالأقرب؛ لأن الولاء لا يورث ويخلفه فيه من تكون النصرة به، حتى لو ترك المولى أبا وابنا فالولاء للابن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله
ــ
[البناية]
الولاء، وإن كان ميتا يجر الولاء. وفي " الأسرار " و" شرح الأقطع " ثم قال الشافعي: يجر الولاء.
ولنا: أن الجد يدلى إليه بواسطة فلم يجر الولاء كالأخ والعم، ولا يكون مسلما بإسلام الجد، إذ لو جاز اتباعه الجد في الإسلام جاز اتباعه جد الجد إلى ما لا نهاية له فيلزم أن يكون الكفار كلهم مسلمين تبعا لآدم ﵇: ولا وجه إلى ذلك للزوم الجمع بين النقيضين.
م: (ولأن ثبوت المالكية) ش: هذا دليل ثان عقلي على أن ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن فأعتق من أعتقن، تقديره أن ثبوت المالكية يعني كونه مالكا م: (والقوة في المعتق) ش: بفتح التاء م: (من جهتها) ش: أي من جهة المعتقة، وكل من ثبت من جهته شيء ينسب إليه؛ لأنه علته إذ ذاك تنتسب بالولاء إليها، أي إلى المعتقة م: (فينسب الولاء إليها وينسب إليها من ينسب إلى مولاها) ش: أي مولى المعتقة؛ لأن معتق المعتق ينسب إلى معتقه بالولاء، وفي ذلك لا فرق بين الرجل والمرأة.
م: (بخلاف النسب) ش: فإنه لا يثبت إلا من الفراش م: (لأن سبب النسبة فيه الفراش، وصاحب الفراش إنما هو الزوج) ش: لأنه المالك م: (والمرأة مملوكة لا مالكة) ش: فلا ينسب إليه الفراش.
م: (وليس حكم ميراث المعتق) ش: بفتح التاء م: (مقصورا على بني المولى، بل هو لعصبته الأقرب فالأقرب؛ لأن الولاء لا يورث) ش: حتى يكون لأصحاب الفروض منه نصيب، فلو كان بالإرث لكان الذكر والأنثى سواء، ولكن الولاء باعتبار النصرة والنصرة بالذكور لا الإناث للضعف بينهن فيخلف المولى الذي أعتق العبد في الولاء من يتحقق النصرة به، فكان الولاء للذكور دون الإناث، وهو معنى قوله: م: (ويخلفه فيه) ش: أي يخلف المولى الذي أعتق في الولاء م: (من تكون النصرة به) ش: والنصرة بالذكور دون الإناث م: (حتى لو ترك المولى أبا وابنا فالولاء للابن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله) ش: صورته امرأة أعتقت عبدا ثم مات العبد فميراثه للابن خاصة عندهما.
وبه قال الشافعي ومالك والثوري والشعبي والزهري وابن المسيب وعطاء والحسن والحكم وقتادة وأكثر الفقهاء، وهو قول أبي يوسف أولا ثم رجع وقال لأبيهما السدس والباقي
стр. 5355
لأنه أقر بها عصوبة، وكذلك الولاء للجد دون الأخ عند أبي حنيفة لأنه أقرب في العصوبة عنده، وكذا الولاء لابن المعتقة حتى يرثه دون أخيها لما ذكرنا، إلا أن عقل جناية المعتقة على أخيها لأنه من قوم أبيها، وجنايته كجنايتها. ولو ترك المولى ابنا وأولاد ابن آخر معناه بني ابن آخر فميراث المعتق للابن دون بني الابن؛ لأن الولاء للكبر
ــ
[البناية]
للابن؛ لأن الأب عصبة كالابن، والابن والأب في القرب سواء فيكون حكمهما سواء، وبه قال أحمد والنخعي والأوزاعي ومشايخ وإسحاق.
م: (لأنه) ش: أي لأن الابن م: (أقربهما عصوبة) ش: أي من حيث العصوبة والولاء بالعصوبة ولا يظهر عصوبة الأب مع الابن م: (وكذلك الولاء للجد دون الأخ عند أبي حنيفة) ش: يعني لو ترك جد موالاة أبا ابنه وأخاه لأب وأم وأخاه لأب وأم أو لأب كان ميراثه للجد عند أبي حنيفة م: (لأنه أقرب) ش: أي لأن الجد أقرب من الأخ م: (في العصوبة عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀، وبه قال أبو ثور.
وعند أبي يوسف ومحمد كلاهما سواء، وبه قال أحمد والشافعي في قول لأنهما عصبتان، فيكون الولاء بينهما نصفين كالأخوين، وعند مالك أن المال للأخ وهو قول عن الشافعي وهكذا روي عن زيد ﵁.
م: (وكذا الولاء لابن المعتقة حتى يرثه) ش: الضمير يرجع إلى المعتق، صورته امرأة أعتقت عبدا ثم ماتت وتركت ابنها وأخاها ثم مات العبد ولا وارث له غيرها فالميراث لابنها م: (دون أخيها) ش: وعليه إجماع الصحابة والتابعين والفقهاء، وما روي عن علي ﵁ أن امرأة ماتت وخلفت ابنها وأخاها وابن أخيها أن ميراث مولاها لأخيها وابن أخيها دون ابنها فقد رجع علي ﵁ إلى قول الجماعة م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله لأنه أقربهما عصوبة.
م: (إلا أن عقل جناية المعتقة) ش: بفتح التاء م: (على أخيها) ش: أي على أخ المعتقة م: (لأنه من قوم أبيها) ش: أي لأن الأخ من قوم أبيها، والأصل في العقل قوم الأب وابنها لا ينسب إلى قوم أبيها، بل ينسب إلى قوم زوجها م: (وجنايته كجنايتها) ش: أي جناية المعتق كجناية المعتقة م: (ولو ترك المولى ابنا وأولاد ابن آخر، معناه بني ابن آخر فميراث المعتق) ش: بفتح التاء م: (للابن دون بني الابن؛ لأن الولاء للكبر) ش: بضم الكاف وسكون الباء الموحدة، وكبر الشيء في اللغة معظمة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١] (سورة النور: الآية ١١) ، قرأ يعقوب وحميد الأعرج بالضم، قال ابن السكيت: يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث. وفي " العباب " وقولهم هو كبر قومه بالضم، أي هو أقعدهم في النسب.
стр. 5356
هو المروي عن عدة من الصحابة ﵃ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃،
ــ
[البناية]
وفي الحديث: «الولاء للكبر» وهو أن يموت الرجل ويترك ابنا وابن ابن فالولاء للابن دون ابن الابن، وقوله الكبر أي للأقرب، انتهى.
وقال الكاكي: أي لأكبر أولاد المعتق، والمراد أقربهم نسبا لا أكبرهم سنا، ألا ترى أن المعتق إذا مات وترك ابنين كبيرا وصغيرا ثم مات المعتق والولاء بينهما نصفان لاستوائهما في القرب إلى الميت من حيث النسب، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وقال الأسبيجابي في شرح "الكافي ": وأرادوا بالكبر القرب؛ لأن الأكبر من الأولاد يكون وجوده أقرب إلى وجود الأب من غيره، فكنوا به عنه، وفي " شرح الأقطع " وقولهم الولاء لكبر خرج على المعتاد وهو أن الابن يكون أكبر من ابن الابن في أكثر الأحوال وإن كان في حالة قد يكون ابن الابن أكبر من عمه. وقال في " المغرب " المراد أقرب الأولاد نسبا لا أكبرهم سنا. وقال في " الفائق " في حديث النبي ﷺ : «مات رجل من خزاعة أو من الأزد ولم يدع وارثا، فقال: ادفعوه إلى أكبر خزاعة» أي ادفعوا ماله إلى أكبرهم وهو أقربهم إلى الجد الأول، ولم يرد كبر السن. وقال الحاكم في "كافيه " وتفسيره عندهم، أي تفسير قوله ﷺ : «الولاء للكبر» ، رجل أعتق عبدا ثم مات وترك ابنين ثم مات أحد الابنين وترك ابنا ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتق لصلبه دون ابن ابنه، وكذلك القول في كل عصبة على هذا القياس في أن الولاء للكبر منهم ذلك الوقت.
وقال في شرح " الطحاوي ": ولو مات وترك خمسة بني ابن المعتق وابن ابن المعتق من آخر فالميراث أسداسا؛ لأنهم يرثون بالعصبة وعصوبتهم بالسوية.
م: (هو المروي عن عدة من الصحابة ﵃) ش: أي قولهم: الولاء للكبر مروي عن جماعة معدودة من الصحابة ﵃ م: (منهم عمر وعلي وابن مسعود ﵃) ش: روى الدارمي في "مسنده " أخبرنا يزيد بن هارون أن أشعث عن الشعبي عن عمر وعلي وزيد أنهم قالوا: الولاء لكبر، قالوا: يعنون بالكبر ما كان أقرب بأم وأب ورواه من طريق آخر وزاد فيه ابن مسعود. ورواه القاسم بن حزم السرقسطي في كتاب " غريب الحديث " أخبرنا محمد بن علي حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم عن علي وزيد وعبد الله ﵁ أنهم كانوا يقولون: الولاء لكبر، قال ومعناه لا تفد الناس بالمعتق يوم يموت المعتق. وقال في موضع آخر قال يعقوب الولاء للكبر بضم الكاف وهو أكبر ولد الرجل.
стр. 5357
وغيرهم أجمعين، ومعناه القرب على ما قالوا والصلبيّ أقرب
ــ
[البناية]
م: (وغيرهم أجمعين) ش: مثل عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأبو مسعود البدري وزيد بن ثابت، وقد أخرج البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبر من العصب، وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا الثوري عن منصور عن إبراهيم أن عمر وعلي وزيد بن ثابت كانوا يجعلون الولاء للكبر، وبه قال عطاء وطاوس وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين والشعبي وإسحاق وأبو ثور وداود وغيرهم م: (ومعناه) ش: أي معنى قوله: الولاء للكبر م: (القرب على ما قالوا والصلبيّ أقرب) ش: أي الابن الصلبي أقرب إلى الميت.
стр. 5358
فصل في ولاء الموالاة
ــ
[البناية]
[فصل في ولاء الموالاة]
م: (فصل في ولاء الموالاة) ش: إنما أخره على ولاء العتاقة لأنه أقوى من ولاء الموالاة، ولأنه غير قابل للنقل في جميع الأحوال، بخلاف ولاء الموالاة، فإن للمولى أن ينقل فيه قبل العقل، ولأن ولاء العتاقة مجمع عليه وقد مر معناها اللغوي.
وأما معناها الشرعي فما ذكره في شرح " الطحاوي " وهو أن يقول: أنت مولاي جنايتي عليك وجنايتك علي وميراثي لك إن مت، فإذا مات كان ميراثه للأعلى إن لم يكن له وارث ولا يرث الأسفل من الأعلى إلا إذا شرط ميراث الأعلى لنفسه.
ومن أسلم على يد رجل فبنفس الإسلام لا ينعقد له الولاء، وله أن يوالي من شاء إن شاء والى مع الذي أسلم على يديه، وإن شاء والى مع غيره وله أن يتحول بولايته إلى غيره ما لم يعقل عنه، فبعد ذلك ليس له أن يوالي غيره.
فإذا كان أبوه في دار الحرب فانقطع فأعتقه مولاه يثبت ولاؤه مع معتقه وجر ولاء الولد إلى نفسه، واللقيط جر جنايته على بيت المال وميراثه لبيت المال، فإذا أدركه كان له أن يوالي مع من شاء إلا إذا عقل عنه بيت المال فميراثه لبيت المال وليس له أن يوالي أحدا.
وقال شيخ الإسلام في شرح " الكافي ": الولاء أن يقول له إني رجل غريب ليس لي عشيرة ولا ناصر فضم إلى عشيرتك حتى أعد من جملتك فتنصرني وتحمل عني نوائبي، وإن مت كان ميراثي لك فيقبل منه فينعقد بينهما عقد موالاة بهذا.
وذكر في " الذخيرة " أن يسلم الرجل على رجل فيقول للذي أسلم على يديه أو لغيره واليتك على أني إن مت فميراثي لك، وإن حييت فعقلي عليك وعلى عاقلتك، وقبل الآخر، ولا يثبت أحكامه بمجرد الإسلام بدون عقد الموالاة، ذكره في " الذخيرة " و" جامع التمرتاشي ".
وفي " المبسوط " الإسلام على يد ليس بشرط لصحة العقد، وإنما ذكره على سبيل العادة.
وفي " العناية ": لا يثبت الولاء بمجرد الإسلام ما لم يعقد عقد الموالاة، وهذا هو مذهب أصحابنا والشعبي ومالك والثوري وعند عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والليث بن سعد يثبت الولاء بمجرد الإسلام على يد رجل، كذا ذكره سراج الدين أبو طاهر السجاوندي في شرح "فرائضه " انتهى.
وكذا الإسلام على يده ليس بكاف لثبوت ولاء الموالاة عند أكثر أهل العلم إلا ما روي عن الروافض وأحمد في رواية. وروي أيضا عن إبراهيم وإسحاق وعمر بن عبد العزيز وعمر بن
стр. 5359
قال: وإذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أنه يرثه ويعقل عنه إذا جنى أو أسلم على يد غيره ووالاه فالولاء صحيح وعقله على مولاه، فإن مات ولا وارث له غيره فميراثه للمولى.
وقال الشافعي ﵀: الموالاة ليس بشيء؛ لأن فيه إبطال حق بيت المال، ولهذا لا يصح في حق وارث آخر،
ــ
[البناية]
الخطاب لما روى راشد بن سعد أنه ﷺ : "قال «من أسلم على يديه رجل فهو مولاه يرثه» .
قلنا: هذا حديث ضعيف.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا أسلم الرجل على يد رجل ووالاه على أنه يرثه ويعقل عنه إذا جنى أو أسلم على يد غيره ووالاه فالولاء صحيح وعقله على مولاه) ش: وله ثلاث شرائط:
أحدها: أن يكون مجهول النسب بأن لا ينسب إلى غيره، وأما نسبة غيره إليه فغير مانع.
والثانية: أن لا يكون له ولاء عتاقة ولا موالاة مع أحد وقد عقل عنه.
والثالثة: أن لا يكون غريبا.
فإن قيل: من شرط العقل عقل الأعلى وحريته، فإن موالاة الصبي والعبد باطلة، فكيف جعل الشرائط ثلاثا. وأجيب: بأن المذكورة هي الشرائط العامة المحتاج إليها في كل واحد من الصور، وأما ما ذكرت فإنما هو نادر فلم تذكر.
م: (فإن مات ولا وارث له غيره) ش: أي فإن مات الموالي والحال أنه لا وارث له غير الذي والاه م: (فميراثه للمولى) ش: أي المولى الذي والاه.
م: (وقال الشافعي ﵀: الموالاة ليس بشيء) ش: أي عقد الموالاة ليس بشيء في حق الاستحقاق والإرث والتذكير بهذا الاعتبار، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وهو وقول الشعبي م: (لأن فيه) ش: أي في التوريث بعقد الموالاة م: (إبطال حق بيت المال) ش: وذلك لأن الإرث إما بالقرابة أو بالزوجية بالنص أو بالعتق بالحديث، ولم يوجد واحد منهما، وعند عدم الوارث يكون لبيت المال، وفي عقدهما الموالاة إبطال حق بيت المال، وكان تصرفا قصد به وضع الشرع فلا يصح م: (ولهذا لا يصح في حق وارث آخر) ش:، أي ولأجل ما ذكرنا لا يصح عقد الموالاة في حق وارث آخر، فكذا لا يصح في حق بيت المال؛ لأنه بمنزلة الورثة عند عدمهم.
стр. 5360
ولهذا لا يصح عنده الوصية بجميع المال، وإن لم يكن للموصي وارث لحق بيت المال، وإنما يصح في الثلث. ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] (النساء: الآية ٣٣) ، والآية في الموالاة، «وسئل رسول الله ﷺ عن رجل أسلم على يد رجل آخر ووالاه فقال: هو أحق الناس به محياه ومماته»
ــ
[البناية]
م: (ولهذا) ش: توضيح آخر لما ذكرنا م: (لا يصح عنده الوصية بجميع المال وإن لم يكن للموصي وارث لحق بيت المال) ش: أي لأجل حقه لأنه في تجويزه إبطال حقه م: (وإنما يصح في الثلث) ش: بالنص المشهور. م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] (سورة النساء: الآية٣٣)) ش: أي عاقدتم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] (سورة النبأ: الآية ٤٠) أي نفسه، إلا أنه أضاف العقد إلى أيماننا؛ لأن أكثر الكسوب تجري على اليد، وليس المراد به القسم، بل المراد الصفقة باليمين بأن عادة المتعاقدين جرت بأن يأخذ كل واحد منهما بيمين الآخر إذا عاقد فسمي العقد صفقة لهذا.
قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] أي من الميراث؛ لأن المراد من المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] بيان النصيب على جهة الاستحقاق إرثا، فكذا المراد مما يعطف عليه، أو المعطوف في حكم المعطوف عليه ولم ينسخ هذا النصيب بآية المواريث لأن المولى لا يرث إلا بعد العصبة والرحم فلا يقع بينهما تعارض ولا تناسخ.
م: (والآية في الموالاة) ش: أي عقد الموالاة كما ذكرنا م: «وسئل رسول الله ﷺ عن رجل أسلم على يد رجل آخر ووالاه فقال: "هو أحق الناس به محياه ومماته» ش: هذا الحديث أخرجه الأربعة في الفرائض، فأبو داود رواه عن يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمرو بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عن عمر بن عبد العزيز عن قبيصة ابن ذؤيب «عن تميم الداري قال: يا رسول الله ﷺ ما السنة في الرجل يسلم على يد رجل من المسلمين. قال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته» .
следующие страницы →