Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
هو المروي عن عدة من الصحابة ﵃ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃،
ــ
[البناية]
وفي الحديث: «الولاء للكبر» وهو أن يموت الرجل ويترك ابنا وابن ابن فالولاء للابن دون ابن الابن، وقوله الكبر أي للأقرب، انتهى.
وقال الكاكي: أي لأكبر أولاد المعتق، والمراد أقربهم نسبا لا أكبرهم سنا، ألا ترى أن المعتق إذا مات وترك ابنين كبيرا وصغيرا ثم مات المعتق والولاء بينهما نصفان لاستوائهما في القرب إلى الميت من حيث النسب، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وقال الأسبيجابي في شرح "الكافي ": وأرادوا بالكبر القرب؛ لأن الأكبر من الأولاد يكون وجوده أقرب إلى وجود الأب من غيره، فكنوا به عنه، وفي " شرح الأقطع " وقولهم الولاء لكبر خرج على المعتاد وهو أن الابن يكون أكبر من ابن الابن في أكثر الأحوال وإن كان في حالة قد يكون ابن الابن أكبر من عمه. وقال في " المغرب " المراد أقرب الأولاد نسبا لا أكبرهم سنا. وقال في " الفائق " في حديث النبي ﷺ : «مات رجل من خزاعة أو من الأزد ولم يدع وارثا، فقال: ادفعوه إلى أكبر خزاعة» أي ادفعوا ماله إلى أكبرهم وهو أقربهم إلى الجد الأول، ولم يرد كبر السن. وقال الحاكم في "كافيه " وتفسيره عندهم، أي تفسير قوله ﷺ : «الولاء للكبر» ، رجل أعتق عبدا ثم مات وترك ابنين ثم مات أحد الابنين وترك ابنا ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتق لصلبه دون ابن ابنه، وكذلك القول في كل عصبة على هذا القياس في أن الولاء للكبر منهم ذلك الوقت.
وقال في شرح " الطحاوي ": ولو مات وترك خمسة بني ابن المعتق وابن ابن المعتق من آخر فالميراث أسداسا؛ لأنهم يرثون بالعصبة وعصوبتهم بالسوية.
م: (هو المروي عن عدة من الصحابة ﵃) ش: أي قولهم: الولاء للكبر مروي عن جماعة معدودة من الصحابة ﵃ م: (منهم عمر وعلي وابن مسعود ﵃) ش: روى الدارمي في "مسنده " أخبرنا يزيد بن هارون أن أشعث عن الشعبي عن عمر وعلي وزيد أنهم قالوا: الولاء لكبر، قالوا: يعنون بالكبر ما كان أقرب بأم وأب ورواه من طريق آخر وزاد فيه ابن مسعود. ورواه القاسم بن حزم السرقسطي في كتاب " غريب الحديث " أخبرنا محمد بن علي حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم عن علي وزيد وعبد الله ﵁ أنهم كانوا يقولون: الولاء لكبر، قال ومعناه لا تفد الناس بالمعتق يوم يموت المعتق. وقال في موضع آخر قال يعقوب الولاء للكبر بضم الكاف وهو أكبر ولد الرجل.
стр. 5357
وغيرهم أجمعين، ومعناه القرب على ما قالوا والصلبيّ أقرب
ــ
[البناية]
م: (وغيرهم أجمعين) ش: مثل عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأبو مسعود البدري وزيد بن ثابت، وقد أخرج البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبر من العصب، وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا الثوري عن منصور عن إبراهيم أن عمر وعلي وزيد بن ثابت كانوا يجعلون الولاء للكبر، وبه قال عطاء وطاوس وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين والشعبي وإسحاق وأبو ثور وداود وغيرهم م: (ومعناه) ش: أي معنى قوله: الولاء للكبر م: (القرب على ما قالوا والصلبيّ أقرب) ش: أي الابن الصلبي أقرب إلى الميت.
стр. 5358
فصل في ولاء الموالاة
ــ
[البناية]
[فصل في ولاء الموالاة]
م: (فصل في ولاء الموالاة) ش: إنما أخره على ولاء العتاقة لأنه أقوى من ولاء الموالاة، ولأنه غير قابل للنقل في جميع الأحوال، بخلاف ولاء الموالاة، فإن للمولى أن ينقل فيه قبل العقل، ولأن ولاء العتاقة مجمع عليه وقد مر معناها اللغوي.
وأما معناها الشرعي فما ذكره في شرح " الطحاوي " وهو أن يقول: أنت مولاي جنايتي عليك وجنايتك علي وميراثي لك إن مت، فإذا مات كان ميراثه للأعلى إن لم يكن له وارث ولا يرث الأسفل من الأعلى إلا إذا شرط ميراث الأعلى لنفسه.
ومن أسلم على يد رجل فبنفس الإسلام لا ينعقد له الولاء، وله أن يوالي من شاء إن شاء والى مع الذي أسلم على يديه، وإن شاء والى مع غيره وله أن يتحول بولايته إلى غيره ما لم يعقل عنه، فبعد ذلك ليس له أن يوالي غيره.
فإذا كان أبوه في دار الحرب فانقطع فأعتقه مولاه يثبت ولاؤه مع معتقه وجر ولاء الولد إلى نفسه، واللقيط جر جنايته على بيت المال وميراثه لبيت المال، فإذا أدركه كان له أن يوالي مع من شاء إلا إذا عقل عنه بيت المال فميراثه لبيت المال وليس له أن يوالي أحدا.
وقال شيخ الإسلام في شرح " الكافي ": الولاء أن يقول له إني رجل غريب ليس لي عشيرة ولا ناصر فضم إلى عشيرتك حتى أعد من جملتك فتنصرني وتحمل عني نوائبي، وإن مت كان ميراثي لك فيقبل منه فينعقد بينهما عقد موالاة بهذا.
وذكر في " الذخيرة " أن يسلم الرجل على رجل فيقول للذي أسلم على يديه أو لغيره واليتك على أني إن مت فميراثي لك، وإن حييت فعقلي عليك وعلى عاقلتك، وقبل الآخر، ولا يثبت أحكامه بمجرد الإسلام بدون عقد الموالاة، ذكره في " الذخيرة " و" جامع التمرتاشي ".
وفي " المبسوط " الإسلام على يد ليس بشرط لصحة العقد، وإنما ذكره على سبيل العادة.
وفي " العناية ": لا يثبت الولاء بمجرد الإسلام ما لم يعقد عقد الموالاة، وهذا هو مذهب أصحابنا والشعبي ومالك والثوري وعند عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والليث بن سعد يثبت الولاء بمجرد الإسلام على يد رجل، كذا ذكره سراج الدين أبو طاهر السجاوندي في شرح "فرائضه " انتهى.
وكذا الإسلام على يده ليس بكاف لثبوت ولاء الموالاة عند أكثر أهل العلم إلا ما روي عن الروافض وأحمد في رواية. وروي أيضا عن إبراهيم وإسحاق وعمر بن عبد العزيز وعمر بن
стр. 5359
قال: وإذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أنه يرثه ويعقل عنه إذا جنى أو أسلم على يد غيره ووالاه فالولاء صحيح وعقله على مولاه، فإن مات ولا وارث له غيره فميراثه للمولى.
وقال الشافعي ﵀: الموالاة ليس بشيء؛ لأن فيه إبطال حق بيت المال، ولهذا لا يصح في حق وارث آخر،
ــ
[البناية]
الخطاب لما روى راشد بن سعد أنه ﷺ : "قال «من أسلم على يديه رجل فهو مولاه يرثه» .
قلنا: هذا حديث ضعيف.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا أسلم الرجل على يد رجل ووالاه على أنه يرثه ويعقل عنه إذا جنى أو أسلم على يد غيره ووالاه فالولاء صحيح وعقله على مولاه) ش: وله ثلاث شرائط:
أحدها: أن يكون مجهول النسب بأن لا ينسب إلى غيره، وأما نسبة غيره إليه فغير مانع.
والثانية: أن لا يكون له ولاء عتاقة ولا موالاة مع أحد وقد عقل عنه.
والثالثة: أن لا يكون غريبا.
فإن قيل: من شرط العقل عقل الأعلى وحريته، فإن موالاة الصبي والعبد باطلة، فكيف جعل الشرائط ثلاثا. وأجيب: بأن المذكورة هي الشرائط العامة المحتاج إليها في كل واحد من الصور، وأما ما ذكرت فإنما هو نادر فلم تذكر.
م: (فإن مات ولا وارث له غيره) ش: أي فإن مات الموالي والحال أنه لا وارث له غير الذي والاه م: (فميراثه للمولى) ش: أي المولى الذي والاه.
م: (وقال الشافعي ﵀: الموالاة ليس بشيء) ش: أي عقد الموالاة ليس بشيء في حق الاستحقاق والإرث والتذكير بهذا الاعتبار، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وهو وقول الشعبي م: (لأن فيه) ش: أي في التوريث بعقد الموالاة م: (إبطال حق بيت المال) ش: وذلك لأن الإرث إما بالقرابة أو بالزوجية بالنص أو بالعتق بالحديث، ولم يوجد واحد منهما، وعند عدم الوارث يكون لبيت المال، وفي عقدهما الموالاة إبطال حق بيت المال، وكان تصرفا قصد به وضع الشرع فلا يصح م: (ولهذا لا يصح في حق وارث آخر) ش:، أي ولأجل ما ذكرنا لا يصح عقد الموالاة في حق وارث آخر، فكذا لا يصح في حق بيت المال؛ لأنه بمنزلة الورثة عند عدمهم.
стр. 5360
ولهذا لا يصح عنده الوصية بجميع المال، وإن لم يكن للموصي وارث لحق بيت المال، وإنما يصح في الثلث. ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] (النساء: الآية ٣٣) ، والآية في الموالاة، «وسئل رسول الله ﷺ عن رجل أسلم على يد رجل آخر ووالاه فقال: هو أحق الناس به محياه ومماته»
ــ
[البناية]
م: (ولهذا) ش: توضيح آخر لما ذكرنا م: (لا يصح عنده الوصية بجميع المال وإن لم يكن للموصي وارث لحق بيت المال) ش: أي لأجل حقه لأنه في تجويزه إبطال حقه م: (وإنما يصح في الثلث) ش: بالنص المشهور. م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] (سورة النساء: الآية٣٣)) ش: أي عاقدتم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] (سورة النبأ: الآية ٤٠) أي نفسه، إلا أنه أضاف العقد إلى أيماننا؛ لأن أكثر الكسوب تجري على اليد، وليس المراد به القسم، بل المراد الصفقة باليمين بأن عادة المتعاقدين جرت بأن يأخذ كل واحد منهما بيمين الآخر إذا عاقد فسمي العقد صفقة لهذا.
قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] أي من الميراث؛ لأن المراد من المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] بيان النصيب على جهة الاستحقاق إرثا، فكذا المراد مما يعطف عليه، أو المعطوف في حكم المعطوف عليه ولم ينسخ هذا النصيب بآية المواريث لأن المولى لا يرث إلا بعد العصبة والرحم فلا يقع بينهما تعارض ولا تناسخ.
م: (والآية في الموالاة) ش: أي عقد الموالاة كما ذكرنا م: «وسئل رسول الله ﷺ عن رجل أسلم على يد رجل آخر ووالاه فقال: "هو أحق الناس به محياه ومماته» ش: هذا الحديث أخرجه الأربعة في الفرائض، فأبو داود رواه عن يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمرو بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عن عمر بن عبد العزيز عن قبيصة ابن ذؤيب «عن تميم الداري قال: يا رسول الله ﷺ ما السنة في الرجل يسلم على يد رجل من المسلمين. قال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته» .
стр. 5361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
والترمذي عن أبي أسامة، وابن مثنى، ووكيع ثلاثتهم عن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري فذكره. والنسائي عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن موهب، عن تميم نحوه. وابن ماجه، عن وكيع، عن عبد العزيز بن عمرو، عن عبد الله بن موهب، عن تميم نحوه.
فإن قلت: قال البيهقي: هذا الحديث حيث ذكره من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد العزيز بن عمرو عن عبد الله بن موهب سمعت تميما.. إلى آخره. ثم قال: قال يعقوب: هذا خطأ؛ ابن موهب لم يسمع من تميم ولا لحقه. ثم أخرجه من طريق يعقوب عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة عن عبد العزيز عن ابن موهب، وعن قبيصة بين ذؤيب عن تميم ثم من طريق أبي داود المذكورة. ثم قال: فعاد الحديث مع ذكر قبيصة فيه إلى الإرسال ثم ذكر أن الشافعي قال: ابن موهب ليس بالمعروف عندنا، ولا نعلمه لقي تميما، ومثل هذا لا يثبت عندنا، ولا عندك من قبل أنه مجهول ولا أعلمه متصلا.
قلت: أخرجه الحاكم من طريق ابن موهب عن تميم ثم قال: صحيح على شرط مسلم، وعبد الله بن موهب بن زمعة مشهور، ومشاهد عن تميم حديث قبيصة. وأخرج ابن أبي شيبة الحديث في "مصنفه " عن وكيع عن عبد العزيز، وصرح فيه بسماع ابن موهب من تميم كرواية أبي نعيم. وأخرجه ابن ماجه في "سننه " عن ابن أبي شيبة كذلك، فهذان ثقتان جليلان صرحا في روايتهما بسماع ابن موهب من تميم، وأدخل يزيد بن خالد، وهشام، وأبي يوسف بينهما قبيصة.
فإن كان الأمر كما ذكر أبو نعيم ووكيع حمل على أنه سمع منه بواسطة، وبدونها، وإن ثبت أنه لم يسمع منه ولا لحقه فالواسطة هو قبيصة ثقة أدرك زمان تميم بلا شك، فعنعنته محمولة على الاتصال، فلا أدري ما معنى قول البيهقي، فعاد الحديث مع ذكره إلى الإرسال.
وقال صاحب " الكمال ": ابن موهب ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء فلسطين، وروى عنه عبد العزيز بن عمر، والزهري، وابنه يزيد بن عبد الله، وعبد الملك بن أبي جميلة، وعمر بن مهاجر.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد العزيز بن عمر وهو ثقة عن ابن
стр. 5362
وهذا يشير إلى العقل والإرث في الحالتين هاتين، ولأن ماله حقه فيصرفه إلى حيث يشاء والصرف إلى بيت المال ضرورة عدم المستحق لا أنه مستحق.
ــ
[البناية]
موهب الهمداني وهو ثقة، قال: سمعت تميما وكذا ذكر الصيرفي في كتابه بخطه فدل ذلك على أنه ليس بمجهول لا عينا ولا حالا، ثم الظاهر أن الشافعي يخاطب محمد بن الحسن لأنه المخالف في هذه المسألة هو وأصحابه وقد عرف من مذهبهم أن الجهالة، وعدم الاتصال لا يضران الحديث، فلو سلموا له ذلك لكان الحديث ثابتا عندهم محتجا به، فكيف يقول الشافعي: ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك.
فإن قلت: قال الخطابي: فقد ضعف أحمد بن حنبل هذا الحديث، وقال: إن رواية عبد العزيز ليس من الحفظ والإتقان، وقال ابن المنذر: لم يروه غير عبد العزيز ابن عمر، وهو شيخ ليس من الحفظ، وقد اضطربت روايته فيه.
قلت: عبد العزيز هذا من رجال الصحيحين. وقال ابن معين: ثقة روى كثيرا، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال نعيم: ثقة، وقال ابن عمار: ثقة لا خلاف فيه، وبما ذكرنا سقط اعتراض المعترضين كالبيهقي، والخطابي، وابن القطان أيضا، حيث قال في كتابه: وعلة هذا الحديث الجهل بحال عبد الله بن موهب، فإنه لا يعرف حاله، وقد بينا لك حاله فظهر لك سقوط اعتراضه.
ألا ترى أن البخاري ذكر هذا الحديث في الصحيح تعليقا حيث قال في كتاب الفرائض: باب إذا أسلم على يديه ويذكر عن تميم الداري، قال: هو أولى الناس به محياه ومماته.
وقد اختلفوا في صحة هذا الخبر حيث لم يجزم بضعفه، فعبارته تدل على أصل الحديث، وأما صحته فقد بيناها الآن. قوله: محياه ومماته مصدران ميميان بمعنى الحياة والموت، والمعنى هو أحق به في حالة الحياة عقلا، وفي حالة الممات إرثا.
م: (وهذا) ش: أي هذا الحديث م: (يشير إلى العقل والإرث في الحالتين هاتين) ش: أي إلى العقل عنه حالة الحياة والإرث بعد الممات م: (ولأن ماله حقه فيصرفه إلى حيث يشاء) ش: أي ولأن مال الموالي حقه يصرفه إلى أي جهة شاء ولا حجر عليه.
م: (والصرف إلى بيت المال ضرورة عدم المستحق) ش: هذا جواب عن قول الشافعي أن فيه إبطال حق بيت المال، يعني الصرف إلى بيت المال لضرورة عدم المستحق م: (لا أنه) ش: أي بيت المال م: (مستحق) ش: لمال الناس لا يقال إن النبي ﷺ قال: «الولاء لمن أعتق» فيفهم من ذلك أن ولاء الموالاة باطل؛ لأنه لا معتق له؛ لأنا نقول: لا نسلم ذلك لأن تخصيص الشيء بذكر لا يدل على نفي ما عداه.
стр. 5363
قال: وإن كان له وراث فهو أولى منه، وإن كانت عمة أو خالة أو غيرهما من ذوي الأرحام؛ لأن المولاة عقدهما فلا يلزم غيرهما وذو الرحم وارث، ولا بد من شرط الإرث والعقل كما ذكر في الكتاب لأنه بالالتزام وهو بالشرط، ومن شرطه أن لا يكون المولى من العرب؛ لأن تناصرهم بالقبائل فأغنى عن الموالاة.
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن كان له) ش: أي الذي والى غيره م: (وارث فهو أولى منه) ش: أي من الذي والاه م: (وإن كانت عمة، أو خالة، أو غيرهما من ذوي الأرحام؛ لأن الموالاة عقدهما) ش: أي عقد الموالين م: (فلا يلزم غيرهما وذو الرحم وارث) ش: فيقدم عليه.
فإن قيل: ينبغي أن يصح في الثلث لأنه خالص حقه فيصرفه إلى من يشاء، وصار في معنى الوصية.
أجيب: بأنه لو كان بطريق الوصية لقدم على الأب، والابن، ولا كذلك بالإجماع.
م: (ولا بد من شرط الإرث والعقل) ش: وذلك بأن يقول: واليتك على أني إن حييت عقلت عني، وإن حييت عقلت عنك، وإن مت ورثتني، وإن مت ورثتك م: (كما ذكر في الكتاب) ش: أي القدوري م: (لأنه) ش: أي لأن محل واحد من الإرث والعقل م: (بالالتزام) ش: أي يكون بالإلزام، فلا يصح دونه م: (وهو) ش: أي الالتزام م: (بالشرط) ش: أي يكون بالشرط م: (ومن شرطه) ش: أي ومن شرط عقد الموالاة، أي ومن شرط صحته م: (أن لا يكون المولى من العرب) ش: أراد به المولى الأسفل م: (لأن تناصرهم) ش: أي تناصر العرب م: (بالقبائل) ش: أي بالأقارب والعشائر؛ لأنهم يتناصرون بنسبتهم إلى القبائل م: (فأغنى عن الموالاة) ش: لكون التناصر بالقبائل آكد من نصرة الموالاة؛ لأنه لا يلحقه الفسخ.
فإن قلت: التناصر حكمه، وهو لا يراعى في كل فرد، وإنما يراعى في الجنس كما في الاستبراء، فإن الحكمة فيه فراغ الرحم، وإنما تعتبر في الجملة لا في كل فرد، حتى وجب الاستبراء فيمن اشترى من امرأة، أو المشتري أمة صغيرة.
قلت: التناصر علة لا حكمة.
فإن قلت: إن العلة شيء موجود، والتناصر قد يوجد، وقد لا يوجد.
قلت: إنه علة. قلت: أقمنا السبب الظاهر مقام ذلك، ومن جملة الشروط العقل، حتى لو أسلم على يد صبي والاه لا يصح؛ لأن الصبي ليس من أهل النصرة، وليس من أهل الالتزام أيضا. وكذا لو والى رجل عبدا لم يجز إلا أن يكون بإذن المولى؛ لأنه عقد التزام بالنصرة، والعبد لا يملكه بنفسه إلا بإذن سيده. ولو والى صبيا بإذن أبيه أو وصيه يصح؛ لأن
стр. 5364
قال: وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه لأنه عقد غير لازم بمنزلة الوصية، وكذا للأعلى أن يتبرأ عن ولائه لعدم اللزوم، إلا أنه يشترط في هذا أن يكون بمحضر من الآخر كما في عزل الوكيل قصدا،
ــ
[البناية]
عبارته إذا كان يعقل معتبرة في العقود بإذن وليه يصح عقد ولائه كالبيع، كذا في " المبسوط ". وفي المكاتب روايتان في رواية يصح، ويكون ولاؤه، وفي رواية: لا يصح لأنه عبد، كذا في " المحيط ".
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه) ش: أي وللمولى الأسفل الانتقال من الذي والاه إلى غيره ما لم يعقل الذي والاه عنه، أي عن المولى الأسفل م: (لأنه) ش: أي لأن عقد الموالاة م: (عقد غير لازم بمنزلة الوصية) ش: فحينئذ له الرجوع كما في الوصية م: (وكذا الأعلى) ش: أي وكذا للمولى الأعلى م: (أن يتبرأ عن ولائه لعدم اللزوم) ش: لما ذكرنا أنه عقد لازم. وقال الحاكم في "كافيه ": رجل والى رجلا فله أن يتحول عنه ما لم يعقل عنه، وله أن ينقضه بحضرته، وكذلك للرجل أن يتبرأ من ولائه ما لم يعقل عنه، فإذا نقض أحدهما الولاء بغير محضر من صاحبه لم ينتقض إلا أن يوالي الأسفل آخر، فيكون ذلك نقضا وإن لم يحضر صاحبه. وفي " التحفة ": فإذا عقل عنه لا يقدر أن يتحول إلى غيره، وصار العقد لازما إلا إذا اتفقا على النقض.
م: (إلا أنه يشترط في هذا) ش: أي في فسخ عقد الموالاة. وقال تاج الشريعة أي في انتقال الولاء إلى غيره، وتبرؤ الأعلى عن الولاء الأسفل م: (أن يكون بمحضر من الآخر) ش: المراد بالمحضر العلم حتى إذا وجد العلم بلا حضور كان كافيا م: (كما في عزل الوكيل قصدا) ش: حيث لم يصح إلا بالعلم لأنه يؤدي إلى الغرور، فإنه ينصرف على حساب أنه وكيل فيصير ضامنا، كذا هاهنا متى فسخ الأسفل عقد الموالاة بغير محضر من الأعلى ليصير الأعلى مغرورا؛ لأنه ربما يموت الأسفل فيظن أنه وارثه فيصرف فيضمن، وكذلك الأعلى إذا فسخ بغير حضرة الأسفل؛ لأن الأسفل إذا لم يعلم به يعتق عبيده على حساب أن عقل عبيده على مولاه لم يجب عليه فيشترط علمهما.
فإن قلت: لم قيد بقوله قصدا.
قلت: لأن عزل الوكيل بدون عمله يجوز ضمنا، فكذا عقد الولاء ينفسخ بدون العلم ضمنا لا قصدا، لا يقال في عزل الوكيل قصدا يتضرر الوكيل بسبب الضمان عند رجوع الحقوق عليه إذا كان نقد من مال الموكل، وهاهنا لم يتضرر أحد؛ لأنا نقول سبب الاشتراط هاهنا هو السبب هناك، وهو دفع الضرر، فإن العقد بينهما وفي تفرد أحدهما إلزام الفسخ على الآخر
стр. 5365
بخلاف ما إذا عقد الأسفل مع غيره بغير محضر من الأول؛ لأنه فسخ حكمي بمنزلة العزل الحكمي في الوكالة. قال: وإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول بولائه إلى غيره لأنه تعلق به حق الغير ولأنه قضى به القاضي، ولأنه بمنزلة عوض ناله كالعوض في الهبة، وكذا لا يتحول ولده وكذا إذا عقل عن ولده لم يكن لكل واحد منهما
ــ
[البناية]
بدون علمه، وإلزام شيء على الآخر من غير علم به ضرر لا محالة؛ لأن فيه جعل عقد الرجل البالغ كلا عقد، وفيه إبطال فعله بدون علمه.
م: (بخلاف ما إذا عقد الأسفل مع غيره بغير محضر من الأول) ش: أي من المولى الأعلى حيث يجوز هذا م: (لأنه) ش: أي لأن عقد الأسفل مع غيره م: (فسخ حكمي) ش: لأن انتقاض العقد في حق الأول ضرورة صحة العقد مع الثاني، فصار م: (بمنزلة العزل الحكمي في الوكالة) ش: حيث يجوز كما ذكرنا.
فإن قيل: لماذا يجعل صحة العقد مع الثاني موجبة فسخ العقد الأول؟
أجيب: بأن الولاء كالنسب، والنسب ما دام ثابتا من إنسان لا يتصور ثبوته من غيره، فكذلك الولاء، فعرفنا أن من ضرورة صحة العقد مع الثاني بطلان العقد الأول.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا عقل عنه) ش: أي المولى الأعلى إذا عقل عن المولى الأسفل م: (لم يكن له أن يتحول بولائه إلى غيره؛ لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (تعلق به حق الغير) ش: أي تعلق بولاية حق الغير وهو المولى الذي والاه أولا.
م: (ولأنه قضى به القاضي) ش: أي ولأن الشأن قضى بموجب الجناية على القاضي الولي الذي عقل عنه، فتأكد به الولاء؛ ولأن القضاء بموجب الشيء قضاء بتقريره ذلك الشيء، وإن كان كذلك صار بمنزلة المجمع عليه بعد أن كان مجتهدا فيه، فنفد عند الكل فلا ينفسخ.
م: (ولأنه بمنزلة عوض ناله) ش: أي، ولأن عقل المولى عنه صار بمنزلة عوض مال المولى الأسفل م: (كالعوض في الهبة) ش: فإن الموهوب له إذا عوض للواهب عن هبة لم يبق له الرجوع فكذلك هذا م: (وكذا لا يتحول ولده) ش: أي إذا كان للمولى الأسفل ولد لم يكن لولده أن يتحول إلى غير المولى الأعلى لتعلق حق ثبت له في ولاء ابنه وهو يحمل العقد عن أبيه.
وفي " المبسوط ": لا يتحول الولد بعد الكبر إلى غيره؛ لأن ولاء الأب تأكد بعقل الجناية فأكد التبع بتأكد الأصل، فكما ليس للأب أن يتحول بعدما عقل، فكذا ليس لولده ذلك إذا كبر. م: (وكذا إذا عقل عن ولده) ش: أي كما لا يجوز أن يتحول إذا عقل عن المولى الأعلى عنه، فكذا لا يجوز له التحول إذا عقل ولده م: (لم يكن لكل واحد منهما) ش: أي من الوالد والولد م:
стр. 5366
أن يتحول لأنهم في حق الولاء كشخص واحد. قال: وليس لمولى العتاقة أن يوالي أحدا لأنه لازم ومع بقائه لا يظهر الأدنى.
ــ
[البناية]
(أن يتحول) ش: أي التحول إلى غيره م: (لأنهما في حق الولاء) ش: أي لأن المولى الأعلى، والمولى الأسفل وولده م: (كشخص واحد) ش: حكما، فكما لا يجوز للوالد التحول فكذا لولده.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وليس لمولى العتاقة أن يوالي أحدا؛ لأنه لازم) ش: أي لأن ولاء العتاقة لازم لا يحتمل النقض؛ لأن سببه العتق وهو لا يحتمل النقض بعد ثبوته كالنسب، وإذا لم يبطل فلا يفيد عقد الموالاة؛ لأن الموالاة أدنى م: (ومع بقائه) ش: أي مع بقاء ولاء العتاقة م: (لا يظهر الأدنى) ش: أي: عقد الموالاة، ألا ترى أن ولاء العتاقة والموالاة إذا كانا شخصين تقدم ولاء العتاقة في الإرث، فدل على أنه لا حكم له مع وجود ولاء العتاقة.
فوائد: ولو والت امرأة رجلا فولدت ولدا لا يعرف أبوه يدخل الولد في ولائها تبعا، وكذا إن أقرت أنها مولاة فلان وفي يدها طفل لا يعرف أبوه يدخل الولد في ولائها تبعا عند أبي حنيفة في الصورتين خلافا لهما فيهما. وفي " المحيط ": والى ذمي مسلما أو ذميا جاز وهو موالاة ولو أسلم على يد مولى ووالاه هل يصح لم يذكره في الكتاب. واختلفوا، قيل يصح وقيل لا يصح. والى رجلا ثم ولد له من امرأة والت آخر فولاء الولد لمولى الأب وكذا إن والت وهي حبلى، بخلاف ما إذا أعتقت وهي حبلى فولاء الولد لقوم أمه، والله أعلم بالصواب.
стр. 5367
كتاب الإكراه الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطانا كان أو لصا؛ لأن الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء أهليته، وهذا إنما يتحقق إذا خاف المكره تحقيق ما توعد به،
ــ
[البناية]
[كتاب الإكراه]
[تعريف الإكراه وما يثبت به حكمه]
م: (كتاب الإكراه) ش: إنما ذكره عقيب كتاب الولاء لاشتمال كل منهما على التغيير، فإن الموالاة تغيير حال المولى الأعلى عن حرمة أكل مال المولى الأسفل بعد موته إلى حله، والإكراه يغير حال المكره من الحرمة إلى الحل وهو مصدر أكرهه إذا حمله على أمر يكرهه ولا يريد. والكره بالفتح والضم اسم، وفي الشرع ما ذكره المصنف بقوله لأن الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغير فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء أهليته، وفي " الإيضاح ": هو فعل يوجد من المكره فيحدث في المحل معنى يصير به مدفوعا إلى الفعل الذي طلب منه. وفي " الوافي " هو عبارة عن تهديد القادر غيره على ما هدده ويكره على أمر بحيث ينتفي به الرضاء.
م: (الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به) ش: أي خوفه م: (سلطانا كان أو لصا) ش: لأن تحققه يتوقف على خوف المكره تحقيق ما توعد به لا يخاف إلا إذا كان المكره قادرا على ذلك، ولا فرق بين السلطان وغيره عند تحقيق القدرة م: (لأن الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه) ش: أي فيما يصير آلة كالبيع م: (أو يفسد به اختياره) ش: أي فيما لا يصير آلة له كالإتلاف، وذلك بأن يكون الإكراه كاملا بأن يكون بالقتل أو القطع، أو في الرضاء.
ويفسد الاختيار لتحقق الإيحاء إذ الإنسان يحتوي على حب الحياة فيفسد به الاختيار ويظهر المفاوتة في الأحكام، فإن الإكراه بالحبس والقيد على إجراء كلمة الكفر لا يثبت الرخصة والإكراه بالقتل أو القطع يثبتها م: (مع بقاء أهليته) ش: هذه إشارة إلى أن الإكراه لا يسقط عن المكره الخطاب بالأهلية وهي باقية.
وإذا كانت الأهلية هنا تثبت كان المكره مخاطبا. قال تاج الشريعة: مع بقاء أهليته، أي للثواب والعقاب؛ لأن فساد الاختيار لا يمنع الأهلية.
م: (وهذا) ش: إشارة إلى ما ذكره من قوله لأن الإكراه إلى آخره م: (إنما يتحقق إذا خاف المكره تحقيق ما توعد به) ش: بضم الياء على صيغة المجهول.
стр. 5368
وذلك إنما يكون من القادر والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة، والذي قاله أبو حنيفة ﵀: أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان، لما أن المنعة له والقدرة لا تتحقق بدون المنعة، فقد قالوا هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، ولم تكن القدرة في زمنه إلا للسلطان، ثم بعد ذلك تغير الزمان وأهله، ثم كما تشترط قدرة المكره لتحقق الإكراه يشترط خوف المكره وقوع ما يهدد به، وذلك بأن يغلب على ظنه أنه يفعله ليصير به محمولا على ما دعي إليه من الفعل.
قال: وإذا أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة أو على
ــ
[البناية]
وفي بعض النسخ ما توعد به م: (وذلك) ش: على ما ذكرنا من الشرائط م: (إنما يكون من القادر والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة) ش: سيان بكسر السين أي مثلان وهو تثنية سي والجمع سواء: م: (والذي قاله أبو حنيفة ﵀: أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان، لما أن المنعة له) ش: بتحريك النون، يقال فلان في عز ومنعة، يعني يمنع أهله وعشيرته، يعني يحوطهم وينصرهم.
وعن ابن السكيت: وقد تسكن النون، وكذا قيل الملك لا يكون ملكا إلا بالمنعة، وهي شرط للملك كالوضوء للصلاة. ويجوز أن تكون المنعة جمع مانع، يعني له منعة يمنعون من يخالفه أو من يريده بالسوء.
م: (والقدرة لا تتحقق بدون المنعة) ش: لما أن المنعة شرط للقدرة والمشروط لا يتحقق بدون الشرط، وهذا كما رأيت حقق الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، وكذا حققه خواهر زاده في "مبسوطه " وذكر الطحاوي في "مختصره " قول أبي يوسف مع أبي حنيفة.
وقال الأسبيجابي "في شرحه ": وقول أبي يوسف مع محمد في ظاهر الرواية م: (فقد قالوا) ش: أي المشايخ م: (هذا) ش: أي الذي ذهب إليه أبو حنيفة. وفي بعض النسخ هو م: (اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان) ش: لأن مناط الحكم القدرة م: (ولم تكن القدرة في زمنه إلا للسلطان، ثم بعد ذلك تغير الزمان وأهله) ش: لقوله ﷺ : «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه» ، فإذا كان الزمان شرا يكون أهله أشرارا. م: (ثم كما يشترط قدرة المكره) ش: بكسر الراء م: (لتحقق الإكراه يشترط خوف المكره) ش: بفتح الراء م: (وقوع ما يهدد به) ش: أي بالذي يهدد م: (وذلك) ش: إشارة إلى قوله خوف المكره وقوع ما يهدد به م: (بأن يغلب على ظنه أنه) ش: أي المكره بكسر الراء م: (يفعله) ش: أي يفعل ما يهدد به م: (ليصير به) ش: أي ليصير المكره بالفتح بما يغلب على ظنه م: (محمولا) ش: أي مضطرا م: (على ما دعي إليه من الفعل) ش: الذي هدده به.
[أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإذا أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة أو على
стр. 5369
أن يقر لرجل بألف أو يؤجر داره فأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس فباع أو اشترى فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع؛ لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (النساء: ٢٩) ،
ــ
[البناية]
أن يقر لرجل بألف أو يؤجر داره فأكره على ذلك) ش: أي على ما ذكر من البيع والشراء والإقرار والإجارة م: (بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس) ش: أراد به الحبس المديد، فإن حكم الحبس بيوم سيجيء م: (فباع أو اشترى) ش: أو أقر أو أجر ثم زال الإكراه م: (فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع؛ لأن من شرط صحة هذه العقود) ش: أي البيع والشراء والإقرار والإجارة م: (التراضي، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (سورة النساء: ٢٩) .
ش: فإن قلت: الآية وإن أثبت الحرمة بدون الرضاء ولكن مطلق قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يوجب الجواز بدون التراضي.
قلت: البيع لغة مبادلة المال بالتراضي، والأصل ورد الشرع على وفاق الحقيقة، ولأنه مخصوص محض بدون الرضا.
فإن قلت: هذا بمنزلة الشرط وأنه يقتضي الوجود عند الوجود أما لا يقتضي العدم عند العدم، كما في قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] (سورة النساء: الآية ٢٥) .
قلت: أول الآية ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] واستثنى منه التجارة بالتراضي، فيبقى غيره في صدر الكلام يوضحه أن المستثنى لما كان بصفة التراضي يكون المستثنى منه بخلاف التراضي وهو المكره، وهذا كقوله ﷺ : «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء» أي كيلا بكيل، فلما استثنى البيع الجائز مع الكيل علم أن المستثنى منه بيع المكيل أيضا، فصار، كأنه قال لا تأكلوا أموالكم بينكم بالتجارة الباطلة كرها، حتى تكون عن تراض فيكون الرضاء شرطا ولكن لا ينعدم به أصل البيع.
فإن قلت: ينبغي أن يكون البيع باطلا بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] (سورة النساء: الآية ٢٥) .
قلت: المراد من قوله بالباطل أي بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا.
وقوله: عن تراض صفة التجارة، أي تجارة صادرة عن تراض، وخص التجارة بالذكر
стр. 5370
والإكراه بهذه الأشياء يعدم الرضاء فيفسد، بخلاف ما إذا أكره بضرب سوط أو حبس يوم أو قيد يوم؛ لأنه لا يبالى به بالنظر إلى العادة، فلا يتحقق به الإكراه، إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يستضر به لفوات الرضا
ــ
[البناية]
لأن أسباب الرزق أكثرها يتعلق بها، والتراضي رضى المتبايعين بما تعاقدوا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ وعند الشافعي تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين.
م: (والإكراه بهذه الأشياء) ش: يعني بالبيع وأخواته م: (يعدم الرضاء فتفسد) ش: أي هذه العقول المذكورة. لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، م: (بخلاف ما إذا أكره بضرب سوط) ش: هذا يتصل بقوله والإكراه بهذه الأشياء يعدم الرضاء بخلاف ما إذا أكره على البيع أو الشراء أو الإقرار أو الإجارة بضرب سوط م: (أو حبس يوم أو قيد يوم) ش: حيث لا يكون إكراها م: (لأنه لا يبالي به) ش: بفتح اللام، أي لا يلتفت إلى مثل هذه الأشياء، م: (بالنظر إلى العادة) ش: فإن الرجل قد يقيم في المنزل يوما أو يومين بالاختيار من غير أن يثقل عليه، وكذا ضرب سوط؛ لأن هذا القدر يعيب به ويؤدب به الصغير.
والإنسان يجعل القيد في رجله ثم يمشي مشبها بالمقيد، والحبس الذي هو إكراه ما يجيء منه الاغتمام البين والضرب الذي هو الإكراه ما يوجد منه الألم الشديد، وذلك على قدر ما يرى الحاكم إذا رفع إليه ذلك؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
م: (فلا يتحقق به الإكراه) ش: أي إذا كان الأمر كذلك فلا يتحقق به الإكراه.
م: (إلا إذا كان الرجل) ش: الذي أكره بضرب سوط أو حبس يوم أو قيد يوم م: (صاحب منصب) ش: بفتح الميم وبكسر الصاد، وهو في اللغة الأصل.
وأراد به هاهنا أن يكون ذا جاه م: (يعلم أنه يستضر به) ش: أي بضرب سوط واحد ونحوه كما يتضرر واحد من أوساط الناس بالضرب الشديد، فحينئذ يكون ذلك إكراها وذلك كالقاضي وعظيم البلد، فإن مطلق القيد والحبس إكراه في حقه، حتى لو توعد به وهو رجل وجيه كان ذلك إكراها.
وبه قال بعض الشافعيين ومالك وأحمد رحمهما الله في رواية.
وقال في رواية: الوعيد ليس بإكراه، وعن شريح: القيد والوعيد إكراه والضرب والشتم باختلاف أحوال الناس، حتى قال بعض المشايخ: لو شدت أذن واحد من أشراف الناس في مجلس السلطان يكون مكرها م: (لفوات الرضاء) ش: فإذا فات الرضاء ثبت الإكراه لوجود
стр. 5371
وكذا الإقرار حجة لترجح جنبة الصدق فيه على جنبة الكذب، وعند الإكراه يحتمل أنه يكذب لدفع المضرة، ثم إذا باع مكرها وسلم مكرها يثبت به الملك عندنا، وعند زفر ﵀ لا يثبت لأنه بيع موقوف على الإجازة. ألا ترى أنه لو أجاز، جاز والموقوف قبل الإجازة لا يفيد الملك ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله والفساد لفقد شرطه وهو التراضي، فصار كسائر الشروط المفسدة
ــ
[البناية]
العلة.
م: (وكذا الإقرار حجة) ش: هذا عطف على قوله والإكراه بهذه الأشياء بعدم الرضاء فيفسد، أي والإقرار أيضا يفسد بالإكراه بهذه الأشياء، وذلك لأن الإقرار إنما صار حجة في غير الإكراه م: (لترجح جنبة الصدق فيه على جنبة الكذب) ش: أراد أن الإقرار في نفسه دائر بين الصدق والكذب لأنه اختيار، ولكن يترجح الصدق حال الطواعية بدلالة الحال، إذ الظاهر أن الإنسان لا يكذب على نفسه.
م: (وعند الإكراه يحتمل أنه يكذب لدفع المضرة) ش: والشراء لإظهار ما كان عليه فلا يكون حجة، بخلاف ما إذا أكره على الإقرار بأن يضرب سوطا ويحبس يوما فأقر فهو إقرار كما في البيع إذا كان المكره صاحب منصب كما ذكرنا.
م: (ثم إذا باع مكرها وسلم) ش: أي المبيع حال كونه م: (مكرها يثبت به الملك عندنا) ش: أي يثبت بالإكراه الملك الفاسد عند أصحابنا الثلاثة م: (وعند زفر ﵀ لا يثبت) ش: أي الملك م: (لأنه بيع موقوف على الإجازة، ألا ترى أنه) ش: أي المكره بفتح الراء م: (لو أجاز) ش: أي البيع م: (جاز والموقوف قبل الإجازة لا يفيد الملك) ش: عند الثلاثة لا يجوز. ولو أجاز كالبيع بشرط الخيار، وكذا عند الثلاثة إلا أن عندهم لا يكون موقوفا بل باطلا.
م: (ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله) ش: لأن الإيجاب والقبول صدر من المالك البالغ العاقل وصادف محله وهو المال م: (والفساد) ش: أي فساد البيع م: (لفقد شرطه وهو التراضي) ش: قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وتأثير انتفاء الشرط في فساد العقد لا غير كانتفاء المساواة في باب الربا.
م: (فصار) ش: أي الإكراه م: (كسائر الشروط المفسدة) ش: إنما ألحقه بالشروط المفسدة لأن خلو البيع عنها شرط صحة البيع فكذا خلو البيع عن الإكراه.
فاعلم أن بيع المكره يشبه البيع الموقوف من حيث إنه يتوقف على إجازة المالك فلشبهه به يعود جائزا إذا أجاز في أي وقت شاء ويشبه البيع الفاسد من حيث صدوره من المالك وانعدم شرط الجواز وهو الرضاء، فيفيد الملك بعد القبض، وإنما عملنا هكذا إذ لو أظهرنا شبه الوقوف
стр. 5372
فيثبت الملك عند القبض، حتى لو قبضه وأعتقه أو تصرف فيه تصرفا لا يمكن نقضه، جاز ويلزمه القيمة كما في سائر البياعات الفاسدة، وبإجازة المالك يرتفع المفسد، وهو الإكراه وعدم الرضا، فيجوز إلا أنه لا ينقطع به
ــ
[البناية]
في عدم الملك لا يبقى لشبهة الآخر عمل فيعمل العمل بالشبهين، لا يقال لو كان بمنزلة البيع الفاسد لما عاد إلى الجواز بالإجازة كما في البيوع الفاسدة؛ لأن النفاذ لسقوط الفساد وأنه لم يستحكم.
فإن قلت: ينبغي أن لا يثبت الملك بعد القبض كما في البيع بشرط الخيار مع وجود الرضاء بالعقد.
قلت: إنما لا يثبت الملك ثمة لاختلاف الشرط عن الفائدة، وهنا ما وجد الشرط فيثبت الملك.
فإن قلت: بيع الهازل لا يفيد الملك وأنه كالبيع الذي نحن فيه من حيث صدورها من المالك مع عدم الرضاء، فينبغي أن لا يثبت الملك.
قلت: الهازل لا يكون مختارا لثبوت الملك للمشتري، أما هنا المكره قد أكره على بيع يثبت الملك، فإقدامه على ذلك يدل على اختيار ثبوت الملك للمشتري إذ لو لم يكن مختارا لذلك لما أتى بما أكره هو عليه.
م: (فيثبت الملك عند القبض حتى لو قبضه) ش: أي المشتري من المكره بالفتح م: (وأعتقه أو تصرف فيه) ش: أي في المبيع م: (تصرفا لا يمكن نقضه) ش: كالتدبير والاستيلاد م: (جاز ويلزمه القيمة) ش: أي جاز تصرف المشتري وتلزمه قيمة المبيع.
وكذا الحكم في الهبة تلزمه القيمة. وفي " الذخيرة ": المالك بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمته يوم سلمه إلى المشتري أو الموهوب له، وإن شاء ضمن المشتري والموهوب له.
م: (كما في سائر البياعات الفاسدة) ش: حيث يلزم فيها القيمة بعد القبض والتصرف اللازم م: (وبإجازة المالك يرتفع المفسد) ش: هذا جواب عما يقال: لو كان كسائر البياعات الفاسدة لما عاد جائزا بالإجازة لهن.
وتقرير الجواب: أن بإجازة المالك يرتفع المفسد م: (وهو الإكراه وعدم الرضاء فيجوز) ش: بخلاف سائر البياعات الفاسدة لأن المفسد فيها باق م: (إلا أنه) ش: استثناء من قوله كما في سائر البياعات الفاسدة، ذكره للفرق بين الإكراه والبيع الفاسد. الضمير في أنه للشأن م: (لا ينقطع به) ش: أي بسبب الإكراه.
стр. 5373
حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي ولم يرض البائع بذلك بخلاف سائر البياعات الفاسدة لأن الفساد فيها لحق الشرع، وقد تعلق بالبيع الثاني حق العبد، وحقه مقدم لحاجته. أما هاهنا الرد لحق العبد وهما سواء فلا يبطل حق الأول لحق الثاني. قال ﵁ ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعا فاسدا يجعله كبيع المكره حتى ينقض بيع المشتري من غيره، لأن الفساد لفوات الرضاء ومنهم
ــ
[البناية]
م: (حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي) ش: ما لم يتصرف المشتري فيه تصرفا لازما يمكن نقضه م: (ولم يرض البائع بذلك) ش: أي والحال أن البائع لم يرض بذلك.
م: (بخلاف سائر البياعات الفاسدة) ش: حيث ينقطع فيها حق الاسترداد إذا تداولته الأيدي م: (لأن الفساد فيها لحق الشرع) ش: لأنه أقدم على ما نهاه عنه م: (وقد تعلق بالبيع الثاني حق العبد، وحقه مقدم لحاجته) ش: وعني صاحب الشرع م: (أما هاهنا) ش: أي في مسألة الإكراه م: (الرد لحق العبد) ش: وهو المكره، وأنه باق بعد البيع الثاني والثالث.
م: (وهما سواء) ش: أي البائع المكره والمشتري منه الذي باعه لآخر سيان في الحق م: (فلا يبطل حق الأول) ش: وهو البائع المكره م: (لحق الثاني) ش: أي لأجل حق الثاني وهو المشتري منه الذي باعه لآخر، وكذا الحكم في الثالث والرابع وهلم جرا.
وفي " الذخيرة ": البيع حصل بتسليط البائع الأول. وفي البياعات الفاسدة، وهاهنا ما حصل بتسليط المكره وهذا فرق جيد.
م: (قال ﵁) ش: أي صاحب الهداية: م: (ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعا فاسدا يجعله كبيع المكره) ش: وأراد به بيع الوفاء، وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت هذا منك بمالك علي من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي. وقال تاج الشريعة: صورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بكذا على أني لو دفعت إليك الثمن تدفع العين إلي.
أو تقول: بعت منك هذا بمالك من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي، فقوله "ومن" موصولة تتضمن معنى الشرط، وقوله: جعل البيع.. إلى آخره صلتها. وقوله: بيعا فاسدا مفعول ثان القول جعل البيع. وقوله: يجعله في محل الرفع على أنه خبر لقوله من وهم مشايخ بخارى فإنهم جعلوا هذا البيع كبيع المكره م: (حتى ينقض بيع المشتري من غيره، لأن الفساد لفوات الرضاء) ش: كما في بيع المكره عليه.
م: (ومنهم) ش: أي ومن المشايخ كالقاضي الإمام السند أبو شجاع السمرقندي والقاضي
стр. 5374
من جعله رهنا لقصد المتعاقدين، ومنهم من جعله باطلا اعتبارا بالهازل. ومشايخ سمرقند ﵏ جعلوه بيعا جائزا مفيدا لبعض الأحكام على ما هو المعتاد للحاجة إليه.
ــ
[البناية]
على السعدي، والقاضي الإمام الحسن الماتريدي، وشيخ الإسلام عطاء وحمزة وغيرهم م: (من جعله) ش: أي البيع المذكور.
م: (رهنا لقصد المتعاقدين) ش: لأنهما قصدا أن يكون البيع محبوسا بالثمن المؤدى إلى حين رد الثمن إلى المشتري، فكان رهنا معنى، لأنهما وإن سميا بيعا لكن غرضهما الرهن والعبرة للمقاصد والمعاني فلا يملكه المرتهن ولا يطلق له الانتفاع إلا بإذن مالكه وهو ضامن كما أكل من ثمرة واستهلك من عينه والدين ساقط بهلاك في يده إذا كان وفاء بالدين، ولاضمان عليه في الزيادة إذا هلك بغير صنعه وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن.
م: (ومنهم) ش: أي ومن المشايخ م: (من جعله باطلا اعتبارا بالهازل) ش: لأنهما تكلما بلفظ البيع وليس قصدهما فكان لكل منهما أن يفسخ بغير رضا صاحبه. ولو أجاز أحدهما لم يجز على صاحبه والهازل أيضا راض بمباشرة السبب لكنه غير راض ولا مختار لحكمه فكان كخيار الشرط مؤبدا فالعقد فاسد غير موجب للملك.
م: (ومشايخ سمرقند ﵏ جعلوه بيعا جائزا) ش: قال الإمام نجم الدين النسفي: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعا وكان عليه بعض السلف لأنهما تلفظا بلفظ البيع، والعبرة للملفوظ دون المقصود كمن تزوج امرأة بقصد أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد، يعني لم يكن متعة، كذا في الفصول للأستروشني.
وذكر في " فتاوى قاضي خان " والإمام ظهير الدين: والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر إن كانا ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن لم يذكرا وتلفظا بالبيع جاز. وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم، فكذلك أي فاسد.
وإن ذكر البيع من غير شرط ثم ذكر الشرط على وجه الميعاد جاز البيع ويلزم الوفاء بالميعاد، لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجل هذا الميعاد لازما
لحاجة
الناس م: (مفيدا لبعض الأحكام) ش: هو الانتفاع به دون البعض، وهو المبيع والهبة من آخره. واختار المصنف هذا القول، وأشار إليه بقوله البيع الجائز المعتاد م: (على ما هو المعتاد للحاجة إليه) ش: أي
لحاجة
الناس إليهم، لأنهم في عرفهم لا يفهمون لزوم البيع بهذا الوجه، فلا يجيزونه إلى أن يرد البائع الثمن إلى المشتري وبقي المشتري يرد البيع إلى البائع أيضا ولا يمنع عن الرد، فلهذا سموه بيع الوفاء لأنه وفى بما عاهد من رد المبيع.
стр. 5375
قال: فإن كان قبض الثمن طوعا فقد أجاز البيع لأنه دليل الإجازة كما في البيع الموقوف، وكذا إذا سلم طائعا بأن كان الإكراه على البيع لا على الدفع، لأنه دليل الإجازة، بخلاف ما إذا أكره على الهبة ولم يذكر الدفع فوهب ودفع حيث يكون باطلا لأن مقصود المكره الاستحقاق لا مجرد اللفظ، وذلك في الهبة بالدفع، وفي البيع بالعقد على ما هو الأصل فدخل الدفع في الإكراه على الهبة دون البيع. قال: وإن قبضه مكرها فليس
ــ
[البناية]
[أثر الإكراه في الضمان]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (فإن كان قبض) ش: أي البائع المكره م: (الثمن طوعا) ش: أي حال كونه طائعا م: (فقد أجاز البيع، لأنه دليل الإجازة كما في البيع الموقوف) ش: إذا قبض المالك الثمن كان إجازة ودلالة تقوم مقام الإجازة.
م: (وكذا إذا سلم طائعا) ش: أي وكذا تكون إجازة إذا سلم المشتري المكره المبيع حال كونه طائعا م: (بأن كان الإكراه على البيع) ش: أي على نفس العقد م: (لا على الدفع) ش: أي دفع المبيع إلى البائع يعني إذا أكره على البيع دون دفع المبيع فدفع طائعا جاز البيع م: (لأنه دليل الإجازة بخلاف ما إذا أكره على الهبة ولم يذكر الدفع فوهب ودفع) ش: أي العين الموهوبة إلى الموهوب له م: (حيث يكون باطلا) ش: أي حيث يكون العقد فاسدا يوجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناء على أن أصلنا أن إفساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض، فإن تصرف فيه بعد تصرفه عليه ضمان قيمتها.
م: (لأن مقصود المكره) ش: بكسر الراء، وفي بعض النسخ مقصود الإكراه، والأول أصح، وهذا إشارة إلى الفرق بين مسألتي الإكراه على البيوع والإكراه على الهبة تقريره أن مقصود المكره م: (الاستحقاق) ش: أي ما يتعلق به الاستحقاق ليتضرر به المكره م: (لا مجرد اللفظ) ش: يعني لا صورة العقد م: (وذلك) ش: إشارة إلى الاستحقاق م: (في الهبة بالدفع وفي البيع بالعقد) ش: تقريره أن ما يتعلق به الاستحقاق إنما يكون في الهبة بالدفع إلى الموهوب له معنى لا يكون من غير قبض م: (على ما هو الأصل) ش: يعني الأصل في البيع أن يثبت الاستحقاق من غير قبض م: (فدخل الدفع) ش: أي إذا كان الأمر كذلك فوقع الدفع.
م: (في الإكراه على الهبة) ش: يعني كان الإكراه على الهبة إكراها على الدفع نظرا إلى مقصود المكره وهو حمله على شيء يتعلق به الاستحقاق وإزالة الملك ليتضرر به م: (دون البيع) ش: حيث لا يكون الإكراه على المبيع إكراها على الدفع أي الإقباض، فيكون الدفع على اختيار منه فيدل على الإجازة.
م: (قال: وإن قبضه مكرها) ش: أي بأن قبض المشتري الثمن حال كونه مكرها م: (فليس
стр. 5376
ذلك بإجازة وعليه رده إن كان قائما في يده لفساد العقد. قال: وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته للبائع، معناه والبائع مكره لأنه مضمون عليه بحكم عقد فاسد، وللمكره أن يضمن المكره إن شاء لأنه آلة له فيما يرجع إلى الإتلاف، فكأنه دفع مال البائع إلى المشتري فيضمن أيهما شاء كالغاصب وغاصب الغاصب، فلو ضمن المكره رجع على المشتري بالقيمة لقيامه مقام البائع، وإن ضمن المشتري نفذ كل شراء كان بعد شرائه لو تناسخته العقود،
ــ
[البناية]
ذلك بإجازة عليه) ش: أي على المكره م: (رده) ش: أي رد الثمن م: (إن كان قائما في يده لفساد العقد) ش: فيكون الثمن أمانة عند المكره لأنه كذلك، لأنه كان مكرها على قبضه. وإن كان هالكا فلاشيء عليه لأنه هلك أمانة.
م: (قال: وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته للبائع) ش: لأنه قبضه للتملك م: (معناه) ش: أي معنى قول القدوري وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غيره مكره، أي والحال أنه غير مكره، (والبائع مكره لأنه مضمون عليه بحكم عقد فاسد) ش: لعدم الرضا، وما كذلك فهو مضمون بالقيمة.
م: (وللمكره) ش: بفتح الراء م: (أن يضمن المكره) ش: بكسر الراء م: (إن شاء لأنه) ش: أي المكره م: (آلة له) ش: أي للمكره م: (فيما يرجع إلى الإتلاف) ش: وإن لم يصلح آلة له من حيث إنه كلام، لأن التكلم بلسان الغير لا يصح م (فكأنه) ش: أي فكأن المكره م: (فع مال البائع إلى المشتري) ش: أي أراد به البائع المكره بفتح الراء م: (فيضمن) ش: أي المكره بالفتح م: (أيهما شاء كالغاصب وغاصب الغاصب) ش: حيث يتخير المال في تضمين أيها شاء.
م: (فلو ضمن المكره) ش: أي فلو ضمن المكره بالفتح المكره بالكسر م: (رجع على المشتري بالقيمة) ش: أي رجع المكره بالكسر على المشتري بقيمة المقبوض م: (لقيامه مقام البائع) ش: أي لقيام المكره مقام البائع بأداء الضمان لأن المضمون يصير ملكا للضامن من وقت سبب الضمان.
م: (وإن ضمن المشتري) ش: يعني وإن ضمن المكره بالفتح، أي مشتركان بعد الأول م: (نفذ كل شراء كان بعد شرائه لو تناسخته العقود) ش: أي تناولته، وقال الأترازي: يعني في صورة الغصب إذا تداولت الأيدي وتناسخت العقود بأن باع هذا من ذلك وذلك من آخر ثم ضمن المالك المشتري الثاني مثلا نفذ كل شراء بعد شراء الثاني لأنه ملك بالزمان فتعين أنه باع ملك نفسه ولا ينفذ ما كان بالشراء قبل الشراء الثاني، لأن إسناد الملك إلى وقت الضمان لا غير، بخلاف البائع المكره إذا جاز بعض العقود ينفذ الكل، لأن العقود موقوفة على الإجازة، فلما وجدت جاز الكل.
قال تاج الشريعة: إذا تداولته الأيدي وضمن البائع المشتري نفذ كل شراء كان بعد شرائه،
стр. 5377
لأنه ملكه بالضمان فظهر أنه باع ملكه ولا ينفذ ما كان قبله، لأن الاستناد إلى وقت قبضه، بخلاف ما إذا أجاز المالك المكره عقدا منها حيث يجوز ما قبله وما بعده، لأنه أسقط حقه وهو المانع فعاد الكل إلى الجواز، والله أعلم.
ــ
[البناية]
لأن المشتري حينئذ باع ملك نفسه وكذلك لو ضمنه مشتريا آخر من هؤلاء المشترين ينفذ كل شراء كان بعد شرائه دون ما كان قبل شرائه. وفي " الكافي ": فإن ضمن أحد المشترين وقد تناسخته العقود، أي تداولته نفذ كل شراء بعد شرائه ولا ينفذ ما كان قبله، أي قبل شراء المشتري أو قبل الضمان.
م: (لأنه) ش: أي لأن المشتري م: (ملكه بالضمان فظهر أنه باع ملكه) ش: أي ملك نفسه م: (ولا ينفذ ما كان قبله) ش: أي قبل شراء المشتري أو قبل الضمان م: (لأن الاستناد إلى وقت قبضه) ش: أي استناد ثبوت الملك إلى وقت قبضه فقط.
م: (بخلاف ما إذا أجاز المالك المكره عقدا منها) ش: أي من العقود التي تناسختها الأيدي م: (حيث يجوز ما قبله وما بعده) ش: لأنه م: (أسقط حقه) ش: جواب عما يقال ما الفرق بين تضمينه مشتريا وإجازة عقدا منها حيث اقتصر النفاذ هاهنا على ما كان بعده وعم الجمع هنالك، وتقديره أن المالك أسقط حقه. يعني في صورة الإجازة م: (وهو) ش: أي حقه هو م: (المانع، فعاد الكل إلى الجواز، والله أعلم) ش: نظيره اشترى دارا ولها شفيع فباع المشتري حتى تناسخته العقود وأجاز الشفيع واحدا منها فإنه يجوز الكل، وكذا الراهن باع حتى تناسخت العقود ثم أجاز المرتهن واحدا من العقود فإنه يجوز الكل، بخلاف الفضولي إذا باع وتناسخت البيوع وأجاز المالك، ولهذا يجوز ما أجازه بعينه، لأنه باع كل واحد منهم ملك غيره، وهنا باع كل واحد ملكه.
فإن قيل: ما الفرق بين إجازة المكره وإجازة المغصوب منه، فإنه إذا أجاز بيعا من البيوع نفذ ما أجازه خاصة. أجيب: بأن الغصب لا يزيل ملكه بكل بيع من هذه البيوع توقع على إجابته لمصادفته ملكه فيكون إجازته أحد البيوع تمليكا للعين من المشتري بحكم ذلك البيع فلا ينفذ ما سواه، وأما المشتري من المكره نفذ ملكه بالبيع من كل شراء صادف ملكه، وإنما توقف نفوذه على سقوط حكم المكره في الاسترداد وفي هذا لا يفترق الحال بين إجازته البيع الأول والآخر، فلهذا أنفذ البيوع كلها بإجازته عقدا منها.
стр. 5378
فصل وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر فأكره على ذلك بحبس أو بضرب أو قيد لم يحل له إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف على ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه، وكذا على هذا الدم ولحم الخنزير؛ لأن تناول هذه المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في حالة المخمصة لقيام المحرم فيما وراءها
ــ
[البناية]
[حكم الإكراه الواقع في حقوق الله]
م: (فصل) ش: لما ذكر حكم الإكراه الواقع في حقوق العباد شرع في بيان حكم الإكراه الواقع في حقوق الله، وقد الأول لأن حق العبد مقدم لحاجته.
م: (وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر فأكره على ذلك بحبس أو بضرب أو قيد) ش: أراد بالضرب الضرب الخفيف الذي لا يخاف منه تلف نفس أو تلف عضو م: (لم يحل له) ش: أي الإقدام على ذلك. وفي " المبسوط ": كل ضرب لا يخاف منه تلف نفس أو عضو في أكبر الرأي لا يحل لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة.
وقد قال بعض العلماء في ذكر أدنى الحد أربعين، حتى لو تهدد بأقل من أربعين منها لم يحل الإقدام على ذلك، لأن ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرا لا متلفا.
ولكنا نقول نص المقدار بالرأي لا يكون ولا نص في التقدير هنا، وأحوال الناس مختلفة في أحوال بدنهم، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه. فإن وقع غالب رأيه أنه متلف نفسا له أو عضوا يحل له الإقدام، والأول في " الذخيرة ". ولو هدد بضرب سوط أو سوطين فهو لا يعتبر إلا أن يقول لأضربنك على عينك أو على مذاكيرك.
م: (إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف على ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه، وكذا على هذا) ش: أي وكذا الحكم على ما ذكر م: (الدم ولحم الخنزير) ش: يعني إذا أكره على شرب الدم وأكل لحم الخنزير لا يحل الإقدام إلا إذا خاف على نفسه أو عضو من أعضائه م: (لأن تناول هذا المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في حالة المخمصة) ش: فإنه تعالى استثنى حالة الضرورة من التحريم بقوله ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] (سورة الأنعام: ١٩٩) ، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] (سورة المائدة: الآية:٣) ، يتحقق بالإكراه م: (لقيام المحرم فيما ورائها) ش: أي فيما وراء الضرورة.
стр. 5379
ولا ضرورة إلا إذا خاف على النفس أو على العضو، حتى لو خيف على ذلك بالضرب الشديد وغلب على ظنه ذلك يباح له ذلك ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم؛ لأنه لما أبيح كان بالامتناع معاونا لغيره على إهلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة. وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا يأثم لأنه رخصة، إذ الحرمة قائمة فكان آخذا بالعزيمة. قلنا: حالة الاضطرار مستثنى بالنص وهو تكلم بالحاصل بعد الثنيا فلا محرم، فكان إباحة لا رخصة، إلا أنه إنما يأثم إذا علم بالإباحة في هذه الحالة؛
ــ
[البناية]
م: (ولا ضرورة إلا إذا خاف على النفس أو على العضو، حتى لو خيف على ذلك بالضرب الشديد) ش: أي التلف م: (وغلب على ظنه يباح له ذلك ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به) ش: أي قتلوه أو أتلفوا عضوه م: (ولم يأكل فهو آثم) ش: أي في ظاهر الرواية، وكذا هذا فيمن أصابته مخمصة.
وبه قال الشافعي ﵀ في قول صحيح وأحمد في رواية ومالك م: (لأنه لما أبيح) ش: من حيث إن حرمة هذه الأشياء كانت باعتبار خلل يعود إلى البدن أو العقل أو العرض وحفظ ذلك مع فوات النفس غير ممكن م: (كان بالامتناع) ش: عن الإقدام م: (معاونا لغيره على إهلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يأثم) ش: وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية م: (لأنه رخصة) ش: أي لأن الإقدام على ذلك رخصة م: (إذ الحرمة قائمة) ش: أي إذ الحرمة بصفة أنها ميتة أو خمر قائمة، فإذا امتنع عن ذلك م: (فيكون آخذا بالعزيمة) ش: فلا يأثم.
م: (قلنا: حالة الاضطرار مستثنى بالنص) ش: هذا منع لما قاله أبو يوسف، تقريره لا نسلم أن الحرمة قائمة، لأن الله تعالى استثنى حالة الاضطرار وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] (سورة الأنعام: ١١٩) .
م: (وهو) ش: أي الاستثناء دل عليه قوله مستثنى م: (تكلم بالحاصل بعد الثنيا) ش: يعني الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، فكان لبيان أن المستثنى لم يدخل في صدر الكلام م: (فلا محرم) ش: أي إذا كان كذلك فلا يحرم حينئذ م: (فكان إباحة لا رخصة) ش: أي كان إباحة ابتداء، لأنه داخل في الحرمة ثم خرج فامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى تلفت نفسه أو عضوه فكان آثما.
م: (إلا أنه إنما يأثم إذا علم بالإباحة في هذه الحالة) ش: هذا جواب إشكال كأنه يقول: إذا ثبت إباحته ينبغي أن لا يأثم، إذ الإنسان لا يأثم بترك المباح، فأجاب: بأنه يأثم إذا علم بالإباحة ولم يأكل حتى تلف، لأنه يصير ساعيا في إتلاف نفسه، أما إذا لم يعلم ذلك فلا يأثم
стр. 5380
لأن انكشاف الحرمة خفاء فيعذر بالجهل فيه كالجهل بالخطاب في أول الإسلام أو في دار الحرب
قال: وإن أكره على الكفر بالله تعالى والعياذ بالله أو سب رسول الله ﷺ بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراها حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه؛ لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لما مر، ففي الكفر وحرمته أشد أولى وأحرى. قال: وإذا خاف على ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به ويوري، فإن أظهر ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه لحديث «عمار بن ياسر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -
ــ
[البناية]
م: (لأن في انكشاف الحرمة خفاء) ش: لأنه أمر يستأثر بمعرفته الفقهاء، فيكون أوساط الناس مغرورين فيه م: (فيعذر بالجهل فيه) ش: لخفائه عليه م: (كالجهل بالخطاب في أول الإسلام) ش: حيث كان عذرا م: (أو في دار الحرب) ش: بأن أسلم في دار الحرب لا يجب عليه شيء ما لم يعلم بأوامر الشرع.
فإن قيل: إضافة الإثم إلى ترك المباح من باب فساد الوضع وهو فاسد. فالجواب: أن المباح إنما يجوز تركه والإتيان به إذا لم يترتب عليه محرم، وهاهنا قد ترتب عليه قتل النفس المحرم فصار الترك حراما، لأن ما أفضى إلى الحرامِ حرام.
[الإكراه على الكفر أو سب الرسول]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن أكره على الكفر بالله، والعياذ بالله أو سب رسول الله ﷺ بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراها حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو عضو من أعضائه لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لما مر) ش: في أول الفصل م: (ففي الكفر وحرمته) ش: أي والحال أن حرمة الكفر م: (أشد أولى وأحرى) ش: بأن لا يكون إكراها.
وقوله: أشد خبر لقوله وحرمته، وقوله أولى خبر لقوله ففي الكفر تقديره عدم كون الإكراه في الكفر أولى.
م: (قال: فإذا خاف على ذلك) ش: يعني على نفسه أو على عضو من أعضائه م: (وسعه أن يظهر ما أمروه به) ش: الضمير في أمروه يرجع إلى المكره بالفتح وفي يد إلى ما في قوله ما أمروه م: (ويوري) ش: بنصب الياء، أي وأن يوري عطفا على قوله أن يظهر وهو من التورية وهو أن يظهر خلاف ما يضمره وهو الإتيان بلفظ يحتمل معنيين بأن يظهر الكفر باللسان مع إضمار الإيمان في قلبه.
م: (فإن أظهر ذلك) ش: أي التلفظ بالكفر م: (وقلبه مطمئن بالإيمان) ش: أي والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان م: (فلا إثم عليه) ش: أي فلا إثم عليه حينئذ م: (لحديث «عمار بن ياسر
стр. 5381
حين ابتلي به وقد قال له النبي ﵊: "كيف وجدت قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، فقال ﵊: "فإن عادوا فعد»
ــ
[البناية]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حين ابتلي به، وقد قال له النبي ﵊ "كيف وجدت قلبك؟ "، قال: مطمئنا بالإيمان، فقال ﵊ "إن عادوا فعد» .
ش: هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك في تفسير سورة النحل من حديث عبيد الله بن عمر الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوني حتى سببت النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلما أتاه رسول الله ﷺ [قال] ما وراءك؟ قال: سر يا رسول الله ﷺ تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: "كيف تجد قلبك"، قال: مطمئنا بالإيمان، قال: "فإن عادوا فعد» وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه البيهقي في "المعرفة " وأبو نعيم في " الحلية " في ترجمة عمار، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا معمر عن عبد الكريم الجزري به، وعن عبد الرزاق رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده " في مسند عمار بن ياسر.
قوله: فإن عادوا قال بعض الشراح: أي إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى طمأنينة القلب لا إلى إجراء كلمة الكفر، إذ لا يجوز منه ﵇ الأمر بإجراء كلمة الكفر.
وقال صاحب " العناية ": معناه عد إلى طمأنينة القلب لا إلى الإجراء والطمأنينة جميعا، لأن أدنى درجات الأمر الإباحة فيكون إجراء كلمة الكفر مباحا وليس كذلك، لأن الكفر مما لا تنكشف حرمته.
وقال تاج الشريعة: وبعض العلماء يحملون قوله فإن عادوا فعد على ظاهره، يعني إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى ما كان منك من النيل مني وذكر آلهتهم بخير وهو غلط، فإنه لا يظن برسول الله ﷺ أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الشرك، ولكن مراده إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان، وهذا لأن التكلم إن كان مرخصا به فالامتناع منه أفضل.
وقال الأترازي: يعني إن عاد الكفار إلى الإكراه فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان.
يعني فاثبت على الطمأنينة وهو أمر بالثبات على ما كان لا أمر بما ليس بكائن من
стр. 5382
وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (النحل: الآية ١٠٦) ولأن بهذا الإظهار لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة فيسعه الميل إليه. قال: فإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجورا، لأن خبيبا ﵁ صبر على ذلك حتى صلب وسماه رسول الله ﵊ سيد الشهداء، وقال في مثله: «هو رفيقي في الجنة» .
ــ
[البناية]
الطمأنينة كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] معناه إن عادوا إلى الإكراه ثانيا فعد أنت إلى مثل ما أتيت به أولا من إجراء كلمة الكفر على اللسان وطمأنينة القلب بالإيمان، انتهى.
قلت: هذا صواب من الكل لأن مقتضى التركيب هذا على ما لا يخفى ولا نسلم أنه أمر من رسول الله ﷺ : بالتكلم بكلمة الشرك، بل هذا التشريع للمبتلى بالإكراه فكيف يفعل، لأن ﷺ مبين مشرع فافهم.
م: (وفيه) ش: أي وفي عمار بن ياسر ﵁ م: (نزل قول تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (سورة النحل: الآية ١٠٦) ش: ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ﵁، وقصته أنه خرج مهاجرا إلى رسول الله ﷺ مع جماعة، فأخذهم كفار مكة، وقالوا إنكم تريدون محمدا، وعذبوهم وأكرهوهم على الكفر فصبر بعضهم حتى قتل وتكلم عمار ﵁ بما أكرهوه وقلبه مطمئن بالإيمان فخلوا عنه، فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فنزلت الآية.
م: (ولأن بهذا الإظهار لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق) ش: هذا دليل معقول وتقريره أن الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والتصديق هو الركن الأصلي، وهو قائم حقيقة والإقرار ركن زائد وهو قائم تقديرا، لأن التكرار ليس بشرط فلا يفوت الإيمان بذلك حقيقة م: (وفي الامتناع) ش: عن إتيان ما تهدد به م: (فوت النفس حقيقة) ش: فكان مما اجتمع فيه فوت حق العبد يقينا وفوت حق الله توهما م: (فيسعه الميل إليه قال: فإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجورا، لأن خبيبا ﵁ صبر على ذلك حتى صلب وسماه رسول الله ﵊ سيد الشهداء وقال في مثله: «هو رفيق في الجنة» .
ش: هذا الحديث بهذا الوجه لم يثبت وقتل خبيب في " صحيح البخاري " في مواضع وليس فيه أنه صلب ولا أنه أكره، ولا أن النبي ﷺ سماه سيد الشهداء ولا قال فيه: وهو رفيقي في الجنة فأخرج البخاري في الجهاد عن عمر بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة قال: «بعث النبي ﷺ سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم
стр. 5383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر ترددوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم.
فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا لكم العهد والميثاق إن أنزلتم إلينا عاصما في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فنزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها.
فقال الرجل الثالث الذي معهم: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا على قتله استعار موسي من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته.
قالت فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذك مني وفي يده الموسي فقال أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يوما يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال دعوني أصلي ركعتين، فصلى ثم رجع إليهم فقال لهم: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لأطلت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا، ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله وبعثت قريش إلى عاصم بن ثابت ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء» انتهى.
قال عبد الحق: وقصة خبيب كانت في غزوة الرجيع، والرجيع على ثمانية أميال من عسفان، وعسفان على مرحلة من خليص في الجنوب ومن عسفان إلى بطن مر ثلاثة وثلاثون ميلا ومن بطن مر إلى مكة مسيرة يوم، وخليص بضم الخاء المعجمة. وعسفان بضم العين المهملة. وبطن مر بفتح الميم وتشديد الراء.
وغزوة أحد كانت في النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة.
стр. 5384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقوله: إلى فدفد بفائين مفتوحتين ودالين مهملتين، وهي الأرض المستوية، وقيل الأرض المرتفعة. وقال ابن دريد: الفدفد هي الأرض الغليظة المرتفعة ذات الحصى، فلا تزال الشمس تبرق فيها.
قوله: " من قطف عنب " أي عنقود عنب وهو بكسر القاف وسكون الطاء وفي آخره فاء.
وقال الليث: القطف اسم للثمار المقطوفة، يقال قطفت العنب أقطفه قطفا جنيته. قوله: شلو بكسر الشين المعجمة وسكون اللام وهو العضو من أعضاء اللحم وأشلاء الإنسان أعضاؤه. قوله: ممزع من التمزيع وهو التفريق، ومادته ميم وزاي معجمة وعين مهملة. قوله: لأن خبيبا صبر على ذلك حتى صلب، وهو بضم الخاء المعجمة وفتح الباء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة أخرى.
وقد ذكرنا أن صلبه لم يثبت في الصحيح ولكن محمد بن إسحاق ذكره في كتاب السيرة وقال: ابتاع خبيبا حجير بن أبان التيمي ﵀ ليقتله بأبيه ثم أخرجوه إلى التنعيم وصلبوه على خشبة وقتلوه.
قوله: وسماه، أي خبيبا، رسول الله ﷺ : سيد الشهداء، هذا لم يثبت والمعروف من قوله ﷺ «سيد الشهداء» أنه في حمزة ﵁. رواه الحاكم في الفضائل من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ﵀ قال سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «سيد الشهداء عند الله يوم القيام حمزة " ﵁» .
وأخرجه الطبراني عن أبي إسحاق الشيباني عن علي بن حذور عن الأصبغ بن نباتة عن علي ﵁ قال: «إن أفضل الخلق يوم يجمعهم الله الرسل، وأفضل الناس بعد الرسل الشهداء، وأفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ وقد تكلم به رسول الله ﷺ فقال: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁» . حديث آخر نحو ذلك ورد في بلال: رواه البزار في مسنده من حديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «نعم المرء بلال وهو سيد الشهداء» .. الحديث.
قوله: وقال في مثله، أي فيه أي في خبيب، وكلمة مثل زائدة، هو رفيقي في الجنة. وقيل: لفظ مثل عبارة عن الذات، أي قال في ذاته أي ذات خبيب.
وقال تاج الشريعة: أي في مثل خبيب في الصبر على أذى المشركين وصلبهم وعدم إجراء كلمة الكفر فمن كان كذلك يكون باذلا نفسه لإعزاز الدين فيكون مثل خبيب ﵁.
стр. 5385
ولأن الحرمة باقية والامتناع لإعزاز الدين عزيمة بخلاف ما تقدم للاستثناء
ــ
[البناية]
قلت: المفهوم من كلامه أن قوله ﷺ : «هو رفيقي في الجنة» في حق غير خبيب ولكن يدخل فيه خبيب بمشاركته غيره في الصبر على الأذى وغيره، والمفهوم مما ذكرنا أولا، أي قوله ﷺ هذا في حق خبيب ﵁ والأحرى ما قاله تاج الشريعة، لأن قوله ﷺ هذا لم يثبت في حق خبيب، وإن كان هو من رفقاء النبي ﷺ في الجنة.
م: (ولأن الحرمة باقية) ش: لتناهي قبيح الكفر، فكان بالصبر على الإكراه مجتنبا محرم الشرع ممتثلا نهيه م: (والامتناع لإعزاز الدين عزيمة) ش: أي الامتناع عن إظهار ما توعد به لأجل إعزاز الدين عزيمة، أي أخذ بالعزيمة، ولا شك أن الأخذ بالعزيمة أفضل من الأخذ بالرخصة ولا سيما في مثل هذا الموضع م: (بخلاف ما تقدم) ش: من أكل الميتة وشرب الخمر، فإن الحرمة هناك لم تكن باقية م: (للاستثناء) ش: أراد به قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] (سورة الأنعام الآية: ١٩٩) ، والاستثناء من التحريم إباحة.
فإن قلت: الله تعالى كما استثنى في إجراء كلمة الكفر أيضا في قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] (سورة الأنعام: الآية ١٠٦) . قلت: من كفر بالله شرط مبتدأ وحذف جوابه لأن جواب ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] دال عليه، كأنه قيل من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ [النحل: ١٠٦] ولا يلزم من انتفاء الغصب الإباحة. وتقريره أن في الآية تقديما وتأخيرا، وتقديره من كفر بالله من بعد إيمانه وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فالله تعالى ما أباح إجراء كلمة الكفر على لسانهم حالة الإكراه، وإنما وضع عنه العذاب والغضب وليس من ضرورة نفي الغضب وهو حكم الحرمة، لأنه ليس من ضرورة عدم الحكم عدم العلة كما في شهود الشهر في حق المسافر والمريض، فإن السبب موجود والحكم متأخر فجاز أن يكون النصب منفيا مع قيام العلة الموجبة للغضب وهو الحرمة، فلم يثبت إباحة إجراء كلمة الكفر.
هذا ما قالوه وفيه نظر، لأن المراد بالعلة إن كان هو المصطلح فذاك ممتنع التخلف عن الحكم الذي هو معلوله، وإن كان المراد بها السبب الشرعي كما مثل به فإنما يتخلف الحكم عنه بدليل آخر شرعي يوجب تأخيره كما في المثال المذكور من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (سورة البقرة: الآية ١٨٥) ، ولا دليل فيما نحن فيه على ذلك.
وعن هذا ذهب أبو بكر الرازي ﵀ إلى أن الأمر في قوله ﷺ : «فإن عادوا فعد» للإباحة، وقولهم لأن الكفر فيما لا تنكشف حرمته صحيح، ولكن الكلام في إجراء كلمة
стр. 5386
قال: وإن كان أكره على إتلاف مال مسلم بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك؛ لأن مال الغير يستباح للضرورة كما في حالة المخمصة وقد تحققت، ولصاحب المال أن يضمن المكره؛ لأن المكره آلة للمكره فيما يصلح آلة له والإتلاف من هذا القبيل.
وإن أكره بقتله على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما، فكذا بهذه الضرورة.
ــ
[البناية]
الكفر مكرها لا في المكره.
[الإكراه على إتلاف مال]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وإن أكره على إتلاف مال مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وسعه أن يفعل ذلك) ش: أي إتلاف مال مسلم م: (لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حالة المخمصة) ش: أي يعامل به معاملة المباح، لا أنه يجعل مباحا في تلك الحالة، ولهذا لو لم يتناول، حتى قتل، يثاب على ذلك.
وفي الخمر لو لم يشرب حتى قتل يأثم، قالوا هذه المسألة تدل على أن تناول مال الغير أشد حرمة من شرب الخمر م: (وقد تحققت) ش: أي الضرورة م: (ولصاحب المال أن يضمن المكره) ش: بكسر الراء م: (لأن المكره) ش: بفتح الراء م: (آلة للمكره) ش: (بكسر الراء) م: (فيما يصلح آلة له) ش: قد مر أن في كل موضع يصلح كون المكره آلة للمكره يكون الضمان على المكره، واحترز بقوله فيما يصلح عن الأكل والتكلم والوطء، فإنه فيها لا يصلح آلة له إذ الأكل.
بفم الغير والتكلم بلسان الغير لا يتصور م: (والإتلاف من هذا القبيل) ش: أي من قبيل أن يصلح آلة بأن يأخذه ويلقيه على مال فيتلفه.
[الإكراه على القتل]
م: (وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل) ش: بأن قال له غيره إن لم تقتل فلانا لأقتلنك لا يسعه الإقدام على قتله. قوله ويصبر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي وهو يصبر على ذلك ولا يجوز نصبه عطفا على أن يقدم عليه لفساد المعنى فافهم.
م: (فإن قتله كان آثما، لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما) ش: إذ دليل الرخصة خوف التلف والمكره عليه في ذلك سواء فسقط حق المكره في حق تناول دم المكره عليه للتعارض، بخلاف ما إذا صبر على إتلاف مال الغير، فإن دليل الرخصة قائمة وحرمة النفس فوق حرمة المال.
م: (فكذا بهذه الضرورة) ش: أي فكذا لا يباح بهذه الضرورة وهي الإكراه على قتل النفس فيقول الإكراه يبيح ما تبيحه الضرورة وما تبيحه الضرورة لا يبيحه الإكراه ثم قتل المسلم لا يباح لضرورة ما، فكذا لا يباح بالإكراه.
стр. 5387
قال: والقصاص على المكره إن كان القتل عمدا قال ﵁: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله
ــ
[البناية]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والقصاص على المكره) ش: بكسر الراء م: (إن كان القتل عمدا) ش: أي إن كان القتل قتل عمد، وإن كان القاتل عامدا م: (قال ﵁ وهذا عند أبي حنيفة ومحمدا رحمهما الله) ش: أي قال المصنف: المذكور وهو وجوب القصاص على المكره بكسر الراء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وبه قال الشافعي ﵁ في قول. وقال السغناقي ﵀ سواء كان الآمر عاقلا بالغا أو معتوها أو غلاما غير بالغ، فالقود على الآمر وعزاه إلى المبسوط.
ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل لو كان المكره الآمر بمنزلة الآلة للمباشرة في القتل والمكره المأمور آله لوجب أن لا يجب القصاص على الآمر فيما إذا كان صبيا أو معتوها؛ لأن انتقال فعل المكره إليه لا يكون أقوى من مبشرته بنفسه، وفيما باشر الصبي القتل العمد لا يجب القصاص عليه.
وقد ذكر في المبسوط أن القصاص يجب على الصبي إذا أمر غيره بالقتل العمد بالإكراه كما ذكرت، فما وجهه؟
قلنا لما انتقل فعل المأمور إلى الآمر انتقال مع وصفه من العقل والبلوغ، فصار ذلك بمنزلة جناية الآمر بيد المأمور في أحكام القتل، فلهذا لم يعتبر عقد الآمر وبلوغه بخلاف ما لو باشر بنفسه لأنه لا واسطة هناك أحد يوصف بالعقل والبلوغ لينتقل قوله إليه بذلك الوصف، فكان ذلك قتلا خاصا من الصبي لا غير، ولا اعتبار لعمد الصبي من القتل في إيجاب القصاص.
وقال الشيخ علاء الدين بن عبد العزيز رحمهما الله: ما نقله السغناقي عن " المبسوط " سهو فإنه ذكر في هذا الباب، إذا عرفنا هذا فنقول سواء كان المكره عاقلا بالغا أو معتوها أو غلاما غير بالغ فالقود على المكره، لأن المكره صار كالآلة له والعقل والبلوغ غير معتبر في حق الآلة، وإنما المعتبر تحقق الإلجاء فعلم أن قوله سواء كان المكره بالغا أو معتوها بفتح الراء وبكسرها والدليل الذي ذكره ينادي عليه فتوهمه بكسر الراء، وذلك غير سديد يؤيده ما قال أبو اليسر في " المبسوط "، ولو كان المكره الآمر صبيا أو مجنونا لا يجب القصاص على أحد، لأن القاتل في الحقيقة هذا الصبي والمجنون وهو ليس بأهل لوجوب العقوبة به عليه.
وذكر الحلواني في "مبسوطه " ولو كان المأمور مختلط العقل، أو صبيا يجب القصاص على المكره الآمر؛ لأن فعل القاتل ينقل، إليه فيكون الصبي، والبالغ في حقه سواء، فعلم بهذا، أن إيجاب القصاص على الصبي الآمر سهو، وما ذكره من الفرق بين المباشر والآمر غير
стр. 5388
وقال زفر ﵀: يجب على المكره. وقال أبو يوسف ﵀: لا يجب عليهما. وقال الشافعي ﵀ يجب عليهما. لزفر ﵀ أن الفعل عن المكره حقيقة وحسا وقرر الشرع حكمه عليه وهو الإثم، بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير؛ لأنه سقط حكمه وهو الإثم فأضيف إلى غيره، وبهذا يتمسك الشافعي في جانب المكره ويوجبه على المكره أيضا لوجود التسبيب إلى القتل منه، وللتسبيب في هذا حكم المباشرة عنده كما في شهود القصاص.
ــ
[البناية]
مسلم؛ لأن المنتقل الفعل ووصفه من العمد والخطأ لا وصف القاتل من العقل والبلوغ، ألا ترى أن المأمور لو كان صبيا أو معتوها لا ينتقل وصف الصبا والقسر إليه، حتى لا يجب القصاص على المكره احتيالا للدرء في القصاص.
م: (وقال زفر ﵀ يجب على المكره) ش: بفتح الراء، أراد به يجب القصاص على المكره المأمور وهو وراية عنه وفي رواية أخرى عنه كقول الشافعي ﵁ م: (وقال أبو يوسف ﵀: لا يجب عليهما) ش: أي لا يجب القصاص على المكره والمكره جميعا، م: (وقال الشافعي ﵀ يجب عليهما) ش: أي على المكره والمكره جميعا، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.
م: (لزفر ﵀ أن الفعل من المكره) ش: أي أن الفعل وهو القتل حاصل من المكره بفتح الراء م: (حقيقة) ش: أي من حيث الحقيقة لصدوره منه بغير واسطة م: (وحسا) ش: أي ومن حيث الحس، فإنه معاين مشاهد م: (وقرر الشرع حكمه) ش: أي حكم القتل م: (عليه) ش: أي على القاتل.
م: (وهو) ش: أي حكم القتل م: (الإثم) ش: بالإجماع، فإيجاب القصاص على غيره غير معقول وغير مشروع م: (بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير؛ لأنه سقط حكمه وهو الإثم) ش: فلم يكن مقدرا عليه شرعا م: (فأضيف إلى غيره) ش: أي إلى غير المكره.
م: (وبهذا) ش: أي بما ذكره زفر ﵀ من الدليل م: (يتمسك الشافعي في جانب المكره) ش: بفتح الراء، يعني في وجوب القصاص م: (ويوجبه) ش: أي ويوجب الشافعي القصاص م: (على المكره أيضا) ش: بكسر الراء م: (لوجود التسبيب في القتل منه) ش: أي من المكره الآمر حيث أحدث فيه معنى كان حاملا له على القتل.
م: (وللتسبيب في هذا) ش: أي في القتل م: (حكم المباشرة عنده) ش: أي عند الشافعي ﵁ م: (كما في شهود القصاص) ش: يعني إذا شهد على رجل بالقتل العمد فاقتص المشهود عليه فجاء المشهود بقتله حيا، فإنه يقتل الشاهدان عنده للتسبب لأنهما قتلاه حكما،
стр. 5389
ولأبي يوسف: أن القتل بقي مقصورا على المكره من وجه نظرا إلى التأثيم، وأضيف إلى المكره من وجه نظرا إلى الحمل فدخلت الشبهة في كل جانب، ولهما: أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياته فيصير آلة للمكره فيما يصلح آلة له وهو القتل بأن يلقيه عليه، ولا يصلح آلة في الجناية على دينه فبقي الفعل مقصورا عليه في حق الإثم كما تقول في الإكراه على العتاق،
ــ
[البناية]
قيل في عبارة المصنف تسامح، لأن دليل زفر ﵀ يدل على عدم جواز إضافة القتل إلى غير المكره، فكيف يجعل ذلك دليلا للشافعي ﵁ وهو يضيفه إلى غيره أيضا.
أجيب بأن دليله يدل على عدم جواز إضافته إلى غير المكره مباشرة، والشافعي ﵁ يضيفه إلى الغير تسبيبا فلا تنافي.
م: (ولأبي يوسف: أن القتل مقصورا على المكره) ش: بفتح الراء م: (من وجه نظرا إلى التأثيم) ش: للتسارع إياه، فإنه يدل على تقرر الحكم وقصره عليه م: (وأضيف إلى المكره) ش: بكسر الراء م: (من وجه نظرا إلى الحمل) ش: بفتح الحاء، أي حمل المكره عليه، تقديره أن كونه محمولا على الفعل يدل على أنه كالآلة والفعل ينتقل عنه، وكل ما كان كذلك كان شبهة م: (فدخلت الشبهة في كل جانب) ش: والقصاص يندفع بها.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله م: (أنه) ش: أي أن المكره بالفتح م: (محمول على القتل) ش: أي ملجأ إليه بواسطة التهديد بالقتل م: (بطبعه) ش: يعني يصير المكره القاتل في ذلك قاتلا بطبعه، أي باقتضاء طبعه، ذلك كالسيف يقطع بطبعه فإن طبعه يقتضي القطع.
وذلك م: (إيثارا لحياته) ش: أي لأجل إيثاره حياته على حياة غيره لأن الإنسان جبل على حب حياة نفسه، فحينئذ نفذ اختياره م: (فيصير آلة للمكره) ش: بكسر الراء م: (فيما يصلح آلة له وهو القتل بأن يلقيه عليه) ش: فلا يكون على المكره قصاص ولا دية ولا كفارة لأن الفعل يضاف إلى الفاعل لا إلى الآلة.
م: (ولا يصلح آلة له في الجناية على دينه) ش: هذا جواب عما يقال لو كان آلة لأضيف الإثم إلى المكره كالقتل، فأجاب بقوله ولا يصلح أي المكره آلة له، أي للمكره بكسر الراء في الجناية على دينه؛ لأن القتل من حيث إنه يوجب المأثم جناية على دين القاتل، لأنه إنما أكرهه ليجني عليه دينه، فلو أضيف إليه لصار جناية على دين المكره، وفي بطلان الإكراه.
م: (فبقي الفعل) ش: من حيث كونه جناية على دينه م: (مقصورا عليه) ش: أي على المكره بالفتح م: (في حق الإثم كما تقول في الإكراه على الإعتاق) ش: ومن حيث الإتلاف منقولا إلى
стр. 5390
وفي إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير ينتقل الفعل إلى المكره في الإتلاف دون الذكاة حتى يحرم كذا هذا. ﵀
قال: وإن أكره على طلاق امرأته أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه عندنا خلافا للشافعي ﵀
ــ
[البناية]
المكره من حيث الإتلاف حتى يجب الضمان على المكره ومن الإعتاق بقي مقصورا على المكره حتى يكون الولاء له.
[إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير]
م: (وفي إكراه المجوسي) ش: أي وكما تقول في إكراه المجوسي أي إكراه المسلم المجوسي فالمصدر مضاف إلى مفعوله وطوى ذكر الفاعل، لأن المجوسي مكره وقد صرح به في الإيضاح وهو كما لو أكره مجوسيا م: (على ذبح شاة الغير يتنقل الفعل إلى المكره) ش: بكسر الراء م: (في الإتلاف) ش: يضمن قيمة الشاة م: (دون الذكاة حتى يحرم) ش: فلا يحل تناوله لأن حل الذبح يتعلق بأمور الدين م: (كذا هذا) ش: كذا حكم القتل.
فإن قلت: لو كان المأمور محمولا على القتل بطبعه لإيثار حياته ينبغي أن يسقط القصاص عن إصابة مخمصة فقتل إنسانا وأكل من لحمه حتى بقي حيا فما الفرق.
قلت: وملجأ هناك من جهة الغير فصار آلة، وأما المضطر فقيم ملجأ إلى القتل من جهة غيره حتى يصير آلة، ولهذا يجب عليه الضمان في المال فعلم أن الحكم مقصورا عليه.
فإن قلت: ينبغي أن لا يصلح المكره آلة له في الإعتاق من حيث الإتلاف، لأن الإتلاف يثبت في ضمن التلفظ بهذا اللفظ وهو لا يصلح آلة له في حق التلفظ، فكذا في حق ما يثبت في ضمنه.
قلت: نفس الإعتاق إتلاف إذ هو إزالة الملك وليس في قدرة العبد إلا ذلك وهو يصلح في إزالة الملك، أما إثبات القوة فخالص حق الله تعالى لا يقال يشكل بما إذا أكره محرم على صيد حتى قتله وأدى الضمان لا يرجع على المكره وإن صلح آلة له في الإتلاف، لأنا نقول الضمان في قتل الصيد إنما تجب بالجناية على إحرامه وهو لا يصلح آلة له في ذلك.
[الإكراه على التوكيل بالطلاق]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإن أكره على طلاق امرأته) ش: أي إن أكره الرجل على أن يطلق امرأته، وفي بعض النسخ وإن أكرهه الرجل على طلاق امرأته م: (أو عتق عبده ففعل) ش: أي طلق امرأته أو أعتق عبده م: (وقع ما أكره عليه عندنا خلافا للشافعي ﵀) .
ش: وبقول الشافعي قال مالك وأحمد رحمهما الله ثم الإكراه لا يعمل في أشياء: منها الطلاق والعتاق والنكاح والرجعة والتدبير والعفو عن القصاص واليمين والنذر والظهار
стр. 5391
وقد مر في الطلاق. قال: ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فانضاف إليه فله أن يضمنه موسرا كان أو معسرا ولا سعاية على العبد؛ لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية أو لتعلق حق الغير
ــ
[البناية]
والإيلاء والفيء في الإيلاء والإسلام، لأنه إنشاء تصرف م: (وقد مر في الطلاق) ش: أي في فصل طلاق المكره والسكران.
وفي فتاوى قاضي خان ﵀ إكراه بوعيد القتل على الطلاق والعتاق فلم يفعل حتى قتل لم يأثم كما لو أكره بالقتل على إتلاف مال نفسه فلم يتلف كان شهيدا، فكذا في الامتناع عن إبطال ملك النكاح.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويرجع) ش: أي المكره بفتح الراء م: (على الذكر أكرهه بقيمة العبد، لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف، فانضاف إليه فله) ش: أي فللمكره المأمور م: (أن يضمنه) ش: أي المكره الآمر م: (موسرا كان أو معسرا) ش: لأن وجوب الضمان باعتبار مباشرة الإتلاف فيكون ضمان جيران، فلا يختلف باليسار والإعسار، ألا ترى أن شهود الإعتاق يضمنون إذا رجعوا موسرين كانوا أو معسرين.
فإن قلت: ينبغي أن لا يجب الضمان على المكره؛ لأنه أتلفه بعوض وهو الولاء والإتلاف بعوض كالإتلاف.
قلت: هذا يكون أن لو كان العوض مالا أو في حكم المال، والولاء ليس بمال ولا أشبه بالمال؛ لأنه بمنزلة النسب وهو ليس بمال.
م: (ولا سعاية على العبد؛ لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية) ش: وقد خرج فلا يمكن تخريجه ثانيا كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀ أن المستسعى كالمكاتب والذي يحتاج إلى التخريج إلى الحرية كالعبد المشترك إذا أعتقه أحد الشريكين يحتاج إلى تخريجه إلى الحرية إما بالاستسعاء أو بالتضمين، أو يعتق الشريك الآخر كما عرف م: (أو لتعلق حق الغير) ش: أي أو السعاية إنما تجب لتعلق حق الغير بالعبد كما هو مذهبهما كعتق المريض عبده وعتق الراهن عبد المرهون، فإنه يجب السعاية على العبد فيما إن كان معسرا لتعلق حق الغير به.
وفي " الذخيرة " مسألة الإعتاق والطلاق على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يقول المكره خطر ببالي الإخبار بالحرية فيما مضى كاذبا وقد أردت ذلك لا الإنشاء بعتق العبد قضاء لا ديانة، ولا يضمن المكره شيئا لأنه عدل عما أكرهه وعتق العبد بإقراره طائعا.
стр. 5392
ولم يوجد واحد منهما ولا يرجع المكره على العبد بالضمان لأنه مؤاخذ بإتلافه قال ويرجع بنصف مهر المرأة إن كان قبل الدخول، وإن لم يكن في العقد مسمى يرجع على المكره بما لزمه من المتعة؛ لأن ما عليه كان على شرف السقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها وإنما يتأكد بالطلاق فكان إتلافا للمال من هذا الوجه، فيضاف إلى المكره من حيث إنه إتلاف بخلاف ما إذا دخل بها لأن المهر قد تقرر بالدخول لا بالطلاق
ــ
[البناية]
الثاني: أن يقول خطر ببالي الإخبار كاذبا وتركت ذلك وأردت عتقا مستقبلا كما طلب مني، ففي هذا عتق العبد قضاء وديانة ويضمن المكره قيمة العبد.
والثالث: أن يقول لم يخطر ببالي شيء وقد أتيت بما طلب مني، فالجواب فيه كالجواب في الوجه الثاني، والجواب في الإكراه على الطلاق وقد سمى لها مهرا قبل الدخول كالجواب في الإكراه على عتق العبد في الوقوع ورجوع الزوج على المكره، إلا أن في الطلاق الرجوع بنصف المهر، وفي الإعتاق بقيمة العبد.
م: (ولم يوجد واحد منهما) ش: أي من التخريج إلى الحرية وتعلق حق الغير م: (ولا يرجع المكره) ش: بكسر الراء م: (على العبد بالضمان لأنه مؤاخذ بإتلافه) ش: أي لأن المكره نفسه إنما يضمن من حيث إنه جعل متلفا للعبد حكما كأنه قتله والمقتول لا يسعى لأحد حكما.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويرجع بنصف مهر المرأة إن كان) ش: أي الإكراه م: (قبل الدخول) ش: بها. فإن قلت: المماثلة شرط في ضمان العدوان والمكره لم يضع غير تأكيد نصف المهر والإيجاب أعلى من التأكيد.
قلت: المماثلة في المضمون لا في الفعل، والمضمن نصف المهر بالاتفاق فتتحقق المماثلة م: (وإن لم يكن في العقد مسمى يرجع على المكره) ش: بكسر الراء م: (بما لزمه من المتعة، لأن ما عليه) ش: أي على الزوج م: (كان على شرف السقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها) ش: بتمكين أي الزوج منها بغير إكراه أو بالارتداد والعياذ بالله تعالى.
م: (وإنما يتأكد) ش: أي ما كان عليه إنما يتأكد م: (بالطلاق فكان إتلافا للمال من هذا الوجه فيضاف إلى المكره) ش: بكسر الراء م: (من حيث إنه إتلاف) ش: فإذا أضيف إليه يرجع المكره عليه لأن للتأكيد شبها فكان المكره بمنزلة الآلة فيرجع عليه.
م: (بخلاف ما إذا دخل بها) ش: حيث لا يضمن المكره الآمر شيئا وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وعند الشافعي ﵀ يضمن مهر المثل م: (لأن المهر قد تقرر بالدخول لا بالطلاق) ش: فبقي مجرد إتلاف ملك النكاح وهو ليس بمال عند الخروج وما ليس بمال لا يضمن
стр. 5393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بمال، ألا ترى أن الشاهدين إذا رجعا بعد الشهادة بالطلاق لا يضمنان. ثم إن المصنف لم يضمن الإكراه على النكاح.
قال محمد: في " الأصل " ولو أن رجلا أكره بوجه قتل أو بحبس أو بقيد أو بضرب حتى تزوج امرأة على عشرة آلاف ومهر مثلها ألف درهم كان النكاح جائزا، ويكون من العشرة آلاف درهم مهر مثلها ألف درهم ويبطل الفضل.
وذكر الطحاوي في "مختصره " أن الزوج يلزمه جميع ذلك فيرجع بالفضل على من أكرهه وهو ليس بظاهر الرواية، ولو أن المرأة هي التي أكرهت حتى تزوجها الزوج على ألف درهم ومهر مثلها عشرة آلاف أو زوجها أولياؤها مكرهين فالنكاح جائز ولا ضمان على المكره.
ثم هل للمرأة والأولياء الاعتراض على هذا النكاح. فالمسألة على وجهين إما أن يكون الزوج دخل بها أو لم يدخل بها وكل وجه على وجهين: إما أن تكون المرأة رضيت بما سمى لها من الصداق أو لم ترض، وكل وجه على وجهين: إما أن يكون الزوج كفؤا لها أو غير كفؤ، فإن كان كفؤا لها وقد رضيت بالمسمى كان للأولياء حق الاعتراض عند أبي حنيفة، وعندهما لا أصل.
ولو زوجت نفسها في الابتداء من كفؤ بأقل من مهر المثل كانت المسألة على الاختلاف، وإن كان الزوج غير كفؤ لها، فللأولياء الاعتراض على هذا النكاح، عندهم جميعا، هذا إذا رضيت بالمسمى، ولم يدخل بها الزوج، فإن لم ترض بالمسمى ينظر.
فإن كان الزوج كفؤا لها، فلها حق الاعتراض على هذا النكاح بسبب نقصان المهر عندهم جميعا، فإذا رفعت الأمر إلى القاضي بخير زوجها، فيقول: له أتم لها مهرها وإلا فرقت بينكما، فإذا أتم نفذ النكاح، وإن أبى يفرق بينهما ولا يكون لها مهر.
لأن الفرقة جاءت من قبلها لما لم ترض بالزيادة، والفرقة الواقعة من قبلها تسقط الصداق كله قبل الدخول كما في ارتدادها، وإن لم يكن الزوج كفؤا لها فلها، وللأولياء حق الاعتراض، على هذا النكاح، عند أبي حنيفة، لعدم الكفارة، ونقصان المهر. وعندهما ليس لها حق الاعتراض كذلك للأولياء لعدم الكفاءة لا غير.
هذا كله فيما إذا لم يدخل بها. فإن دخل بها وهي مكرهة فإن كان الزوج كفؤا لها فللأولياء والمرأة حق الاعتراض بسبب عدم الكفاءة، وأما إذا دخل بها وهي طائعة فقد رضيت بالمهر المسمى دلالة، فكان كما لو رضيت بالمسمى نصا، فعلى قول أبي حنيفة للأولياء حق
стр. 5394
ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل جاز استحسانا لأن الإكراه مؤثر في فساد العقد والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، ويرجع على المكره استحسانا لأن مقصود المكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل، والنذر لا يعمل فيه الإكراه
ــ
[البناية]
الاعتراض.
وإن كان الزوج غير كفؤ فللأولياء حق الاعتراض عند أبي حنيفة لعدم الكفاءة ونقصان المهر، وعندهما لعدم الكفاءة لا غير، هذا خلاصة ما ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀.
م: (ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل) ش: أي طلق أو أعتق م: (جاز استحسانا) ش: أي يقع الطلاق والعتاق بفعل الوكيل. وفي القياس لا يقع، وبه قالت الثلاثة لأن القياس أن لا تصح الوكالة بالإكراه لأن الأصل أن كل عقد يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الإكراه وما لا فلا، لأنهما ينفيان الرضى، والوكالة تبطل بالهزل، فكذا مع الإكراه.
م: (لأن الإكراه) ش: إشارة إلى بيان وجه الاستحسان، تقريره أن الإكراه م: (مؤثر في فساد العقد) ش: فكان كالشرط الفاسد م: (والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة) ش: فالإكراه لا يؤثر في فساد الوكالة أما أنه كالشرط الفاسد فلما تقدم أنه بعدم الرضى فيفسد به الاختيار فصار كأنه شرط شرطا فاسدا فإنه يفسد العقد ولا يمنع عن الانعقاد، وأما أن الوكالة لا تفسد بالشروط فلأنهما من الإسقاطات إذ الموكل يسقط حقه بالتعويض إليه، فإذا لم تبطل الوكالة ينفذ تصرف الوكيل.
م: (ويرجع على المكره) ش: بكسر الراء بما عزم من نصف الصداق وقيمة العبد م: (استحسانا) ش: والقياس أن لا يرجع عليه، لأن الإكراه وقع على الوكالة وزوال الملك لم يقع بها، فإن الوكيل قد يفعل وقد لا يفعل، فلا يضاف التلف إليه كما في الشاهدين شهدا أن فلانا وكل فلانا يعتق عبده فأعتق الوكيل ثم رجعا.
وجه الاستحسان هو وقوله م: (لأن مقصود المكره) ش: بالكسر م: (زوال ملكه إذا باشر الوكيل) ش: فكان الزوال مقصودا فيضمن ولا ضمان على الوكيل لأنه لم يوجد منه إكراه م: (والنذر لا يعمل فيه الإكراه) ش: يشير بهذا إلى بيان ما يعمل فيه الإكراه، وإما لا يعمل وضابط ذلك أن كل ما يؤثر فيه الفسخ بعد وقوعه لا يعمل فيه الإكراه، فإذا كان كذلك يصح النذر مع الإكراه بأن أكرهه بوعيد تلف حتى جعل على نفسه صدقة لله أو صوما أو حجا أو مثل ذلك لزمه كله خلافا للثلاثة.
стр. 5395
لأنه لا يحتمل الفسخ ولا رجوع على المكره بما لزمه لأنه مطالب له في الدنيا فلا يطالب به فيها، وكذا اليمين والظهار لا يعمل فيهما الإكراه لعدم احتمالهما الفسخ، وكذا الرجعة والإيلاء والفيء فيه باللسان لأنها تصح مع الهزل
ــ
[البناية]
م: (لأنه) ش: أي لأن النذر م: (لا يحتمل الفسخ) ش: لأنه يمين لقوله ﷺ : «النذر يمين» واليمين لا يحتمل الفسخ فلا يؤثر فيه الإكراه. وروى محمد في أوائل الإكراه عن عمر ﵁ أنه قال أربع مقفلات مبهمات ليس فيهن رد بذي الإعتاق ولا الطلاق والنكاح والنذر، أراد بقوله مبهمات وقوعها وصحتها مطلقة بلا قيد الرضى والطواعية، والحل إذا صدرت عن المكلف.
م: (ولا رجوع على المكره) ش: بالكسر م: (بما لزمه لأنه لا مطالب له في الدنيا فلا يطالب) ش: أي المكره بالكسر م: (به) ش: أي لما أكرهوه م: (فيها) ش: أي في الدنيا م: (وكذا اليمين) ش: أي وكذا إذا أكره على يمين فحلف انعقدت.
م: (والظهار) ش: بأن أكره على أن يظاهر امرأته فظاهر صح م: (لا يعمل فيهما الإكراه لعدم احتمالهما الفسخ، وكذا الرجعة) ش: أي لعدم احتمالهما الفسخ والظهار من أسباب التحريم كالطلاق فيستوي فيه الجد والهزل والإكراه والطوع، خلافا للثلاثة لا يعمل فيها الإكراه لأنه استدامة للنكاح.
فكانت ملحقة به م: (والإيلاء) ش: أي وكذا الإيلاء لأنه يمين في المال والإكراه لا يمنع كل واحد منهما م: (والفيء فيه باللسان) ش: أي في الإيلاء بأن أكرهه على فيء إليها باللسان ففعل صح، لأنه كالهبة في استدامته أي الرجعة في الاستدامة م: (لأنها) ش: أي الرجعة والإيلاء والفيء في بعض النسخ لأنه، أي لأن كل واحد من المذكورات.
م: (تصح مع الهزل) ش: وما صح مع الهزل لا يحتمل الفسخ، فإن أكره على إعتاق عبد عن كفارة اليمين أو الظهار ففعل أجزأه عنها ولم يرجع على المكره بقيمته لأنه أمره بالخروج عما لزمه وذلك منه حسبة لا إتلافا بغير حق وإن عين عبدا لذلك ففعل عتق ولم يجز عن الكفارة رجع على المكره بقيمته، لأنه أتلف عليه مالية العبد حيث لم يكن مستحقا عليه.
وإذا ثبت له الرجوع لم يكن كفارة لأنها ليست بمضمونة على أحد، وإن ترك التي آلى منها أربعة أشهر حتى بانت ولم يكن دخل بها وجب عليه نصف المهر ولا يرجع به على المكره،
следующие страницы →