Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
والزنبور من المؤذيات، والسلحفاة من خبائث الحشرات،
ــ
[البناية]
عنها - حجة على الشافعي في إباحته أكل الضب.
فالمصدر مضاف إلى فاعله، والفاعل محذوف أو يكون مضافا إلى مفعوله ويكون ذكر مطويا.
وبقوله قال مالك، وأحمد، والطحاوي في " شرح الآثار "، [و] رجح إباحة أكل الضب ثم قال: لا بأس بأكل الضب، فقال: وهو القول عندنا، واستدلوا بما روى البخاري، ومسلم «عن خالد بن الوليد ﵁ أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة وهي خالته فوجد عندها ضبا محنوذا فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ بما قدمتن له، فقلن: هو الضب يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقال خالد ﵁: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: " لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " فأحترزته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر فلم ينهني.»
ومما أخرجناه أيضا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «أهدت خالتي أم جفيد إلى رسول الله ﷺ أقطا، وسمنا، وضبا فأكل من الأقط، والسمن، وترك الضب تقذرا، قال ابن عباس: وأكل على مائدته ولو كان حراما لما أكل على مائدة رسول الله ﷺ » - وبما أخرجاه عن الشعبي عن ابن عمر ﵄ قال: «إن النبي ﷺ كان معه فيهم سعد، وأتوا بلحم ضب، فنادت امرأة من نساء النبي ﷺ : إنه لحم ضب. فقال رسول الله ﷺ : " كلوا، فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي» .
وبما رواه أبو يعلى في " مسنده " حدثنا زهير، حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن يزيد بن الأصم، عن خالته ميمونة، قالت: «أهدي لنا ضب، وعندي رجلان من قومي فصنعته ثم قربته إليهما فأكلا منه، ثم دخل رسول الله ﷺ وهما يأكلان فوضع يده فيه فقال: " ما هذا؟ قلنا له: ضب، فوضع ما في يده، وأراد الرجلان أن يضعا ما في أفواههما، فقال لهما ﷺ : " لا تفعلا إنكم أهل نجد تأكلونها، وإنا أهل تهامة نعافها» .
والجواب عن هذا: أنه يدل على الإباحة. وما استدللنا به يدل على الحرمة، والتاريخ مجهول، فيجعل للحرم مؤخرا عن المبيح، فيكون ناسخا له تعليلا للنسخ.
[الزنبور والسلحفاة]
م: (والزنبور من المؤذيات) ش: لأنه من ذوات السم م: (والسلحفاة من خبائث الحشرات) ش: قال داود: السلحفاة حلال. وقال ابن الجلاب في " التفريع ": ولا بأس بأكل السرطان،
стр. 5917
ولهذا لا يجب على المحرم بقتله شيء، وإنما تكره الحشرات كلها استدلالا بالضب؛ لأنه منها.
قال: ولا يجوز أكل الحمر الأهلية والبغال
ــ
[البناية]
والسلحفاة والضفدع، وقال أيضا: ولا بأس بأكل الطير كلها ما كان منها ذا ناب مخلب، وغير ذي مخلب كالبزاة والعقاب، والرخم، والحدأة، والغربان، وسائر سباع الطيور، وهي في ذلك بخلاف سباع الوحوش. وفي " الحلية ": والخنافس والعناكب، والقطاع، [ ... ] من الخبائث.
[ ... ] : دويبة كالسمك تسكن بالرمل ثقلة الجلد يعرض مقدمها، ويدق مؤخرها إذا أحست بإنسان غارت بالرمل. وكذا الخنفسة، أو سام أبرص [
] فسان، والزنانير، والذباب، وما أشبه ذلك، وما كان في بلاد العجم، وليس له شبيه فيما يحل ولا يحرم، فيه وجهان، وقال مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي في ذلك كله الإباحة. وقال مالك: [ ... ] مباح إذا ذكيت واحتجوا بالعمومات المبيحة من قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية.
ولنا قوله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] م: (ولهذا) ش: أي ولكون الزنبور من المؤذيات والسلحفاة من الحشرات م: (لا يجب على المحرم بقتله شيء) ش: أي بقتل كل واحد منهما.
م: (وإنما تكره الحشرات كلها استدلالا بالضب؛ لأنه منها) ش: أي لأن الضب من الحشرات. فإذا رتب الحكم على الجنس صحت على جميع أفراده كما إذا قال طبيب للمريض: لا تأكل لحم البعير، يتناول الكلام عن أكل جميع أفراده.
[أكل الحمر الأهلية والبغال]
م: (قال: ولا يجوز أكل الحمر الأهلية والبغال) ش: أي قال القدوري ﵁: قيد بالأهلية لأن في الحمر الوحشية لا خلاف لأحد في إباحتها، قال الكاكي ﵀: أو في " الكافي "، وغيره من كتب أصحابنا كان بشر المريسي ومالك يبيحان أكل الحمر، ولم أعثر على ذلك في كتبهم، وكتب أصحاب الشافعي، وأحمد - رحمهما الله.
وقال في " المغني " لابن قدامة: قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمه، وإنما حكي عن ابن عباس، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إباحته بظاهر قوله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، انتهى.
قلت: ذكر في " التفريع " للمالكية: ولا بأس بأكل لحوم الحمر الأهلية، والبغال، ويكره أكل الخيل.
стр. 5918
لما روى خالد بن الوليد ﵁ «أن النبي ﵌ نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمر» .
ــ
[البناية]
قال شيخ الإسلام في " شرح الكافي ": وتكره لحوم الحمر، والبغال، وقال مالك وبعض فقهاء الشام: لا بأس به، انتهى.
وأراد ببعض فقهاء الشام الأوزاعي، وبه صرح فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير " وقد احتجوا بما أخرجه أبو داود في الأطعمة: عن منصور بن عبيد أبي الحسن، عن عبد الرحمن، عن غالب بن أبجر قال: «أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيته فقلت: يا رسول الله ﷺ أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية» .
ورواه الطحاوي بلفظ: «أطعم أهلك من سمين مالك» " قوله: جوال القرية بالجيم وتشديد اللام، جمع جالة بمعنى جلالة، وهي آكلة العذرة.
وللجمهور الكتاب، قوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] (النحل: الآية ٨) ، خرجت مخرج الامتنان، وقد من الله بمنفعة الركوب والزينة، ولو كان الأكل من هذه الأشياء حلالا لمن بذلك أيضا؛ لأن منفعة الأكل أكثر من منفعة الركوب والزينة لأن الإنسان يحيى بلا ركوب وزينة، ولا يحيى بلا أكل. ألا ترى أنه بدأ بذكر الأنعام قبل ذكر الزينة وحمل الأثقال. فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] إلى: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] فلم يذكر هنا منفعة الأكل مع أنه فوق منفعة الركوب والزينة دال أنه إنما لم يذكره لأن هذه الأشياء غير مأكولة اللحم.
والسنة وهي ما رواه جماعة من الصحابة ﵃ منهم خالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أشار إليه بقوله.
م: (لما روى خالد بن الوليد ﵁ «أن النبي ﵌ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمر» ش: أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن بقية، حدثني ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد -
стр. 5919
وعن علي ﵁ «أن النبي ﵊ أهدر المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر»
ــ
[البناية]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير» هذا لفظ ابن ماجه.
ولفظ أبي داود قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ : " ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم الحمر الأهلية، وخيلها، وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» وعنده بقية عن ثور لم يقل فيه حدثني.
وكذلك رواه الواقدي في " المغازي ": حدثني ثور بن يزيد عن صالح، به بلفظ أبي داود، ثم قال الواقدي: ثبت عندنا أن خالدا لم يشهد خيبر وأسلم قبل الفتح، هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن أبي طلحة، أول يوم من صفر سنة ثمان، انتهى كلامه.
ورواه أحمد في " مسنده "، والطبراني في " معجمه "، والدارقطني في " سننه ". قال أبو داود: هذا منسوخ. وقال النسائي: لا أعلم رواه غير شعبة ويشبه إن كان صحيحا أن يكون منسوخا لأن قوله في حديث جابر ﵁ وأذن في لحوم الخيل دليل على ذلك، وأخرجه عن صالح، به، وأخرجه الدارقطني عن الواقدي، حدثنا ثور بن يزيد، به، ونقل عن موسى بن هارون، أنه قال: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه ولا بجده وهذا حديث ضعيف.
وزعم الواقدي ﵀ أن خالد بن الوليد ﵁ أسلم بعد فتح خيبر. ثم أخرجه عن عمرو بن هارون البلخي حدثنا ثور بن يزيد عن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده خالد بن الوليد ﵁ فذكره، قال: لم يذكر في إسناده صالحا، وهذا إسناد مضطرب، وقال البخاري في " تاريخه ": صالح بن يحيى بن المقدام فيه نظر، وقال البيهقي في " المعرفة ": إسناده مضطرب وهو مخالف لحديث الثقات، انتهى.
ومنهم علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أشار إليه قوله: م: (وعن علي ﵁ «أن النبي ﵊ أهدر المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ش: أخرجه البخاري، ومسلم عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأنسية» .
стр. 5920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ذكره البخاري ﵀ في " غزوة خيبر "، ومسلم في " الذبائح "، وأخرجاه في " النكاح " أيضا كذلك، وفي لفظ البخاري عام خيبر، وفي لفظ له: زمن خيبر.
ومنهم عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه البخاري ﵀ مسندا إلى سالم، ونافع عن ابن عمر ﵄ «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر،» ومنهم البراء، وابن أبي أوفى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثهما البخاري أيضا بإسناده إليهما، قالا: «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية» ومنهم أبو ثعلبة أخرج البخاري أيضا حديثه قال: «حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية» .
ومنهم عبد الله بن عمر بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه أبو داود عن طاوس عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلالة، وعن ركوبها، وأكل لحمها» .
ومنهم عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه الطحاوي بإسناده إلى مجاهد، عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية» .
ومنهم أبو سليط، وكان بدريًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطحاوي أيضا بإسناده إلى عبد الله بن أبي سليط عن أبيه وكان بدريا، قال: «لقد أتانا نهي رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر ونحن [ ... ] وإن القدور تفور بها فأكفأناها على وجوهها» .
ومنهم أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطحاوي أيضا بإسناده إلى ابن سيرين عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «لما افتتح النبي ﷺ خيبر أصابوا حمرا فطبخوا منها، فنادى منادي رسول الله ﷺ : ألا أن الله ورسوله ﷺ ينهيانكم عنها فإنها نجس فأكفئت القدور» .
وأخرجه البيهقي أيضا في " سننه "، ومنهم أبو هريرة ﵁ أخرج حديثه الترمذي عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن رسول الله ﷺ حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثمة، والحمر الإنسية» . وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 5921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ومنهم المقداد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه البيهقي أيضا من حديث معاوية بن صالح، حدثني ابن جابر أنه سمع المقدام صاحب النبي ﷺ يقول: «حرم رسول الله ﷺ أشياء يوم خيبر ومنها الحمار الأهلي» . وقال الذهبي: إسناده قوي.
ومنهم سلمة [بن الأكوع]- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرجه حديثه البخاري، ومسلم ﵀ عنه قال: «لما قدمنا خيبر رأى رسول الله ﷺ نيرانا توقد قال: علام توقد هذه النيران؟ قالوا له: على لحوم الحمر الأهلية، قال: " أهريقوا، واكسروها " فقيل: يا رسول الله: " أونهريقها ونغسلها؟ " قال: أو ذاك» .
ومنهم جابر ﵁ على ما يأتي عن قريب فهؤلاء الأربعة عشر صحابيا رووا تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، والجواب عن حديث غالب بن الحر أنه حديث في إسناده اختلاف كثير، منهم من يقول: عن عبيد الله بن الحسن، منهم من يقول: عن عبد الرحمن بن معقل، ومنهم من يقول: عن ابن معقل، وغالب بن الحر ويقال: الحر بن غالب، ومنهم من يقول: غالب بن ذريح بن غالب، ومنهم من يقول: عن أناس من مزينة أن رجلا أتى النبي ﷺ ومنهم من يقول أن رجلين سألا النبي ﷺ .
وهذه الاختلافات بعضها في " معجم الطبراني " ﵀، وبعضها في " مصنف " ابن أبي شيبة، وبعضها في " مصنف " عبد الرزاق، وبعضها في " مسند البزار "، وقال البزار ﵀: لا يعلم لغالب بن الحر غير هذا الحديث.
وقد اختلف فيه فبعض أصحاب عبيد بن الحسن يقول: عن غالب بن الحر، ومنهم من يقول: عن الحر بن غالب، ومنهم من يقول: عن غالب بن ذريح، انتهى.
وكذلك اختلف في الميتة. فمنهم من يقول: كل من سمين مالك، وقال البيهقي ﵀ في " المعرفة " وحديث غالب بن الحر إسناده مضطرب وإن صح فإنما رخص له عند الضرورة حيث يباح الميتة. وقال في " سننه الكبرى ": ومثل هذا لا يعارض الصحاح المصرحة بالتحريم، انتهى.
قلت: الدليل على أنه أباح ذلك عند الضرورة ما حدث الطحاوي ﵀ في " شرح الآثار " مسندا إلى غالب بن ذريح، «قيل للنبي ﷺ : إنه أصابتنا سنة، وإن سمين مالنا في الحمر فقال: كلوا من سمين مالكم» فأخبر أن ما كان أباح لهم ذلك في عام سنة ضرورة، ولا يدل
стр. 5922
قال: ويكره لحم الفرس عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول مالك. وقال أبو يوسف ومحمد ﵀ والشافعي ﵏: لا بأس بأكله لحديث جابر ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل يوم خيبر»
ــ
[البناية]
ذلك على الإباحة، ونقول: ما روى غالب بن الحر يدل على الإباحة، وما روى غيره يدل على التحريم، والتاريخ مجهول فيجعل دليل الحرمة مؤخرا تغليبا للنسخ، أو يقال: معنى قوله: «كل من سمين مالك» ؛ أي كل ثمنه، كما يقال: أكل فلان عقاره أي ثمنه، قال الشاعر:
إن لنا حمرا عجافا ... يأكل كل ليلة أكانا
والمراد ثمن الأكان لا يقال حرمها لقلة الحمير يوم خيبر بل لأنها [ ... ] لم تخمس لأن ابن أبي أوفى يعني ابن [
] له ذلك، فقال له: حرمها البتة فتبين أنه ما حرمها لقلة الحمر؛ ولأنه ﷺ أمر بإكفاء القدور بعد ما صار لحما ما بقي فيه منفعة الحمر وصار هو مأكولا وفيه منفعة القائمين بالطعام فلا بأس بالإكفاء، والله أعلم.
وأما البغال فكذلك حرام أكلها لقوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾ [النحل: ٨] كما قد ذكرنا؛ ولأن الولد قد يتبع الأم في الحل والحرمة، وأما البغل، أو الفرس، أو الحمار، وأيا ما كان فالبغل مكروه لأن الأم مكروهة الأكل عند أبي حنيفة ﵀.
وقال ظهير الدين الولوالجي ﵀ في " فتاواه ": أما البغال إن كان الفرس نزا على الحمار يكره لأن لما للإناث غيره بالجماع، وأما الحمار إذا نزا على الرمكة فكذلك قيل هذا قول أبي حنيفة، وأما على قولهما: فلا بأس به لأنه ليس لماء الفحل غيره فبقي ماء الأم، وعندهما لا بأس بأكل الأم وينكر أن يسمى بغلا، والظاهر أن الأول قول الكل.
[لحم الفرس]
م: (قال: ويكره لحم الفرس عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي قال القدوري في " مختصره ": م: (وهو قول مالك) ش: أي قول أبي حنيفة هو قول مالك، وبه قال الأوزاعي، وأبو عبيد م: (وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي ﵏: لا بأس بأكله) ش: وبه قال أحمد، وأبو ثور، وابن المبارك، وابن سيرين، وابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير ﵀ م: (لحديث جابر ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل يوم خيبر» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري في غزوة خيبر، وفي الذبائح. وأخرجه مسلم في " الذبائح " عن عمرو بن دينار ﵀ عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل» . ولفظ البخاري: «ورخص في لحوم الخيل» .
стр. 5923
ولأبي حنيفة ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] خرج مخرج الامتنان والأكل من أعلى منافعها. والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها.
ــ
[البناية]
م: (ولأبي حنيفة ﵀ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] خرج مخرج الامتنان والأكل من أعلى منافعها) ش: أي من أعلى منافع الخيل م: (والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها) ش: قد قررنا معنى هذا الكلام عن قريب.
فإن قلت: إنما لم يذكر؛ لأنه يفهم الأعلى بذكر الأدنى بالطريق الأولى كما في قوله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يفهم منه حرمة الضرب، والشتم بالطريق الأولى دون العكس.
قلت: إنما يصح ذلك إذا كان البيان بطريق الكفاية وما نحن بصدده من قبيل بيان النهاية ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى فيما سبق: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥] . ثم عطف عليها، والخيل، والبغال، والحمير من غير ذكر شيء آخر من المنافع فلما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] علم أن حكم المعطوف عليه حكم المعطوف.
فإن قلت: إنما يستقيم هذا إذ لو كان المقصود من النص الامتنان بمطلق النعمة المخصوصة، فلا يستقيم هذا، وإن سلمنا. لكن لم قلتم إن منفعة الأكل في الخيل يتعلق بها البقاء في الجملة، ولكن غيره يسد مسده في تعليق إبقائه هو البقر، والغنم، وغيرهما. ومنفعة الركوب، والزينة في الخيل تحصل على وجه لا يحصل بغيره من الحيوانات.
فكانت منفعة الركوب والزينة في الجملة بترك الامتنان في منفعة الأكل في الخيل لا يدل على حرمة الأكل، كترك الامتنان بنعمة الدار، والنسل، والبيع.
قلت: وجه الامتنان لا يتعلق باختصاص هذه المنافع بهذه الأشياء إنما يتعلق برجوع هذه المنافع إلى العباد؛ لأن وجه النعمة في ذلك لا في اختصاصها ومنفعة الأكل في الخيل بالإضافة إليها فوق منفعة الركوب والزينة في كونها نعمة.
على أنا نقول: إن منفعة الركوب والزينة لا تختص بهذه الحيوانات بل توجد في غيرها، وهو البقر، والإبل وغير ذلك فلا يكون القصد منه ذكر المنافع بها.
أما قوله: لم قلتم إن منفعة الأكل في الحيوانات يتعلق بها البقاء على ما ذكرنا. ومنفعة الركوب والزينة لا يتعلق بها البقاء ".
وأما قوله: غيره يسد مسده في تعليق البقاء، قلنا: ذلك لا يخرج كون منفعة الأكل من أن يكون فوق منفعة الركوب والزينة.
وأما منفعة البيع والحمل فقد ذكرها دلالة، وإن لم يذكرها صريحا؛ لأنه متى تبين كونه
стр. 5924
ولأنه آلة إرهاب العدو فيكره أكله احتراما له، ولهذا يضرب له بسهم في الغنيمة، ولأن في إباحته تقليل آلة الجهاد، وحديث جابر معارض بحديث خالد ﵁ والترجيح للمحرم
ــ
[البناية]
منتفعا به في ذاته ثبت أنه مال متقوم، ويحل للبيع.
فإن قلت: الآية نزلت بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة أكل جماعة من الصحابة ﵃ الحمار، والفرس إلى يوم خيبر، فلو كانت الآية دالة على الحرمة لما جاز أكلهم ولما صح سكوت رسول الله ﷺ عن البيان في مثل هذه الصورة.
قلت: إنما لم يبين ﵇ قبل فتح خيبر؛ لأنه يمكن أنه لم يطلع على فعلهم، فلما اطلع يوم خيبر نهى وإنما أكلوا لعدم وقوفهم على هذه الدلالة لعمومها.
فإن قلت: ترك ذلك الحمل عليه وينبغي أن لا يحمل عليه وهو فاسد.
قلت: الكلام في أن ترك أعلام النعم والذهاب إلى ما دونه دليل حرمة الأعلى والحمل وليس كذلك.
م: (ولأنه) ش: أي الفرس: (آلة إرهاب العدو فيكره أكله احتراما له) ش: أي احتراما له لأن ما كان بسبب لإخافة العدو يستحق الإكرام، وفي ذبحه إهانة له.
م: (ولهذا) ش: أي ولكونه آلة لإرهاب العدو م: (يضرب له بسهم في الغنيمة) ش: لأن الفارس إنما يستحق السهمين بواسطة فرسه م: (ولأن في إباحته تقليل آلة الجهاد) ش: أي لأن في أكله تقليل مادة الجهاد وهو حرام، ولا شك أن منفعة حياته تربوا على منفعة لحمه بوجوه م: (وحديث جابر معارض بحديث خالد ﵁ والترجيح للمحرم) ش: أراد بحديث جابر المذكور في معرض استدلال أبي يوسف ﵀ ومحمد، وبحديث خالد المذكور في تعرض الاستدلال في تحريم الحمر الأهلية، قيل: فيه نظر؛ لأن حديث جابر صحيح، وحديث خالد بن الوليد ﵁ متكلم فيه إسنادا، ومتنا.
منهم من ادعى نسخه، بحديث جابر ﵁ لأنه قال فيه: فأذن، وفي لفظ: ورخص. قال الحازمي في كتابه: والإذن والرخصة يستدعي سابقة المنفع، ولو لم يرد هذا اللفظ لتعذر القطع بالنسخ لعدم التاريخ، فوجب المصير إليه.
وقيل: ليس فيه نسخ، ولكن الاعتماد على أحاديث الإباحة بصحتها ولكثرة رواتها.
وحديث خالد هذا ورد في قضية معينة وهو أن سبب التحريم في الخيل متحد وفي البغال،
стр. 5925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
والحمير مختلف. وذلك أنه نهي عن البغال، والحمير لذاتها، وعن الحمير لأنهم سارعوا إلى طبخها يوم خيبر قبل أن تخمس، فأمر ﷺ بإكفائها تغليظا عليهم. فلما رأوا نهيه ﷺ عن تناول لحوم الخيل والبغال والحمير، اعتقدوا أن سبب التحريم واحد. وحتى «نادى منادي رسول الله ﷺ : إن الله تعالى ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس» .
فحينئذ فهو أن سبب التحريم مختلف وأن الحكم بتحريم الحمار الأهلي على التأبيد، وأن الخيل إذا كان عن تناول ما لم ينجس فيكون قوله: إذن، أو رخص دفعا لهذه الشبهة.
قلت: مسند حديث خالد ﵁ جيد، ولهذا أخرجه أبو داود، وسكت عنه فهو حسن عنده. وقال النسائي: وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني بقية أخبرني ثور بن يزيد عن صالح فذكره بسنده، وقد صرح فيه بقية بالحديث عن ثور، وثور حمصي أخرج له البخاري، وغيره وبقية: إذا صرح بالحديث كان سنة حجة. كذا قال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وغيرهم، خصوصا إذا كان الذي حدث عن بقية عاما.
قال ابن عدي: إذا روى بقية عن أهل الشام فهو ثبت، وصالح، وذكره ابن حبان ﵀ في الثقات، وأبو يحيى ذكره الذهبي في " الكاشف " وقال: وثق وأبوه المقدام بن معد يكرب صحابي فهذا سند جيد كما ترى. فكيفما كان كذلك صحت المعارضة. فإذا تعارضا ترجح المحرم كما ذكرنا ولا يصح الاستدلال على نسخ حديث خالد بقوله: أذن أو رخص؛ لأنه يحتمل أن يكون إذنه في حالة المخمصة إذ هي أغلب أحوال الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وفي " الصحيح ": أنهم ما وصلوا إلى خيبر إلا وهم جياع، فلا يدل على الإطلاق.
فإن قلت: لو كانت الإباحة للمخمصة لما اختصت بالخيل.
قلت: يمكن أن يكون في زمن الإباحة بالفرس ما أصابوا البغال والحمير.
فإن قلت: قال ابن حزم في حديث خالد دليل الوضع لأن فيه عن خالد ﵁: غزوت مع النبي ﷺ خيبر. وهذا باطل لأن خالدا لم يسلم إلا بعد خيبر بلا خلاف.
قلت: ليس كما قال بل فيه خلاف فقيل: هاجر بعد الحديبية، وقيل: بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله ﷺ من بني قريظة وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وخيبر بعدها سنة سبع، ولو سلم أنه أسلم بعدها فغاية ما فيه أنه أرسل الحديث، ومراسيل الصحابة ﵃ في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم، عن الصاحبة كما ذكره ابن الصلاح وغيره.
стр. 5926
ثم قيل: الكراهية عنده كراهية تحريم، وقيل: كراهية تنزيه والأول أصح، وأما لبنه فقد قيل: لا بأس به، لأنه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد.
ــ
[البناية]
فإن قلت: يشكل عن قوله سؤرة فإنه طاهر.
قلت: ذكر خواهر زاده ﵀ في شرحه أن الحسن روى عن أبي حنيفة ﵀ أن سؤره [ ... ] مثل سؤر الحمار.
فإذا أخذنا بهذا فالسؤال ساقط ولئن سلمنا فالجواب عنه أن حرمة أكل لحمه إنما كانت للاحترام لا للنجاسة فصار كسؤر الآدمي.
فإن قلت: يشكل على قوله بقوله لأنه كبول ما يؤكل لحمه عنده.
قلت: إنما جعله كذلك للتحقيق لعموم البلوى وقد علم أن له أثرا في التحقيق فافهم.
م: (ثم قيل: الكراهية عنده كراهية تحريم) ش: أي كراهية لحم الفرس عند أبي حنيفة كراهية تحريم.
ثم قال صاحب المنظومة: وأكل لحم الخيل، وقال: ويكره، والمراد الحرمة لا التنزيه واختلف المشايخ في معنى الكراهية في معنى الكراهية لاختلاف اللفظ المروي عنه؛ لأنه ذكر في " المبسوط " في كتاب " الصيد " قال أبو حنيفة: رخص بعض العلماء في لحم الخيل فأما أنا فلا يعجبني أكله.
وما قال في الجامع يكره الخيل عنده، يدل على أن المراد كراهية التحريم؛ لأن أبا يوسف ﵀ قال لأبي حنيفة ﵀ إذا قلت: في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ قال أبو حنيفة ﵀: التحريم.
وحكي عن عبد الرحيم الكرمني أنه قال: كنت مترددا في هذه المسألة فرأيت أبا حنيفة في المنام يقول لي كراهية تحريم يا عبد الرحيم.
م (وقيل: كراهية تنزيه) ش: ذكره فخر الإسلام وأبو المعين ﵀ في " جامعيهما ": الصحيح أنه كراهية تنزيه لأن كراهته تعني كرامته، لئلا يحصل تقليل آلة الجهاد بإباحته، ولهذا كان سؤره طاهرا في ظاهر الرواية، وفي " الفتاوى الصغرى " قال قاضي خان أنه كراهية تنزيه؛ لأنه ذكر في كتاب " الصلاة " وسوى بين بوله وبول ما يؤكل لحمه.
م: (والأول أصح) ش: أي القول بكراهية التحريم أصح وأشار به إلى اختياره. هكذا قال صاحب [ ... ] ، وكذا قال [في] " التتمة ": الأصح أنه كراهية تحريم.
م: (وأما لبنه فقد قيل: لا بأس به؛ لأنه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد) ش: ولبن الفرس هو
стр. 5927
قال: ولا بأس ب أكل الأرنب لأن النبي ﵊ أكل منه حين أهدي إليه مشويا وأمر أصحابه ﵃ بالأكل منه:
ــ
[البناية]
الذي يسمى " قمز " في لغة الترك بكسر القاف والميم وفي آخره زاي معجمة، وسماه المصنف ﵀ في كتاب " الحدود " مباحا. وقال: السكر المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك.
وقال فخر الدين قاضي خان: فأما الألبان فلبن المأكول حلال ولبن الرماك كذلك في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -، ويكره في قول أبي حنيفة واختلفوا في كراهيته فقال بعضهم: مكروه كراهية التنزيه لا كراهية التحريم.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في أثناء الكلام أنه مباح كالبنج، وعامة المشايخ ﵏: قالوا مكروه كراهية التحريم إلا أنه لا يحد وإن زال عقله كما لو تناول البنج وارتفع إلى رأسه حتى زال عقله يحرم ذلك ولا يحد فيه؛ لأنه ليس في شربه أي شرب اللبن تقليل آلة الجهاد وفي " الخلاصة ": وهو الأصح.
قال الكاكي: وعلى هذا قيل أكله حلال في هذا الزمان في ديار التبر لأن [ ... ] يبق
[أكل الأرنب]
م: (قال: ولا بأس بأكل الأرنب) ش: أي قال القدوري ﵀: ولا خلاف فيه لأحد من العلماء.
قال الكرخي في " مختصره ": ولم يروا جميعا بأسا بأكل الأرنب قال أبو يوسف ﵀: وأما الوهر فلا أحفظ فيه عن أبي حنيفة ﵀ شيئا وهو عند مثل الأرنب وهو يعتلف البقول والنبت، انتهى.
وفي الجمهرة: والوهر دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون لا ذنب لها توجد في البيوت ويجمع على وهار.
م: (ولأن النبي ﵊ أكل منه حين أهدي إليه مشويا وأمر أصحابه ﵃ بالأكل منه) ش: هذا الذي ذكره مركب من حديثين.
الأول: رواه البخاري في " صحيحه - في كتاب الهبة " عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك قال: «أهيجنا أرنبا بمر الظهران، فسعا القوم فبلغوا، فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث بوركها إلى رسول الله ﷺ أو قال: فخذيها - فقبله، قلت: وأكل منه؟ قال وأكل منه، ثم قال بعد قبله» .
أخرجه أحمد ﵀ في " مسنده " حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج قال: ثنا شعبة
стр. 5928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عن هشام بن زيد عن أنس ﵁ بلفظه سواء وفي آخره: قال حجاج: قال شعبة: فقلت له أكله؟ قال نعم: أكله، ثم قال لي بعد: قبله.
رواه البخاري في " الذبائح " فلم يذكر فيه الأكل.
والحديث الثاني: رواه النسائي في " سننه " - في الصوم " عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا» وزاد في لفظ: «فأني لو اشتهتها أكلتها» .
رواه أحمد في " مسنده " وابن حبان في " صحيحه "، والبزار في " مسنده " ورواه إسحاق ابن راهويه في " مسنده "، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن موسى بن طلحة عن ابن الحوتكية عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ بأرنب يهديها إليه، فقال: " ما هذا؟ " قال هدية، - وكان رسول الله ﷺ لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها فيأكل منها من أجل الشاة التي أهديت إليه بخيبر - فقال له النبي ﷺ : " كل " قال: إني صائم، قال " تصوم ماذا؟ " قال: ثلاثا من كل شهر، قال: " فاجعلها في البيض الغر: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ". قال: فأهوى رسول الله ﷺ بيده إلى الأرنب ليأخذ منها. فقال الأعرابي: أما إني رأيتها تدمي - أي تحيض - فقال للقوم: " كلوا ". ولم يأكل» .
وروى ابن حبان أيضا في صحيحه " عن عاصم الأحول عن الشعبي «عن محمد بن صفوان الأنصاري أنه صاد أرنبين، فمر على النبي ﷺ وهو معلقهما فقال: يا رسول الله إني أتيت غنم أهلي فاصطدت هاتين فلم أجد أذكيهما بها فذكيتهما بمروة أفأطعمهما؟ قال: نعم» .
ورواه الترمذي في " علله الكبرى "، حدثنا محمد بن يحيى القطعي البصري حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد عن قتادة عن الشعبي عن جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أن رجلا من قومه صاد أرنبين، الحديث.
стр. 5929
ولأنه ليس من السباع ولا من أكلة الجيف فأشبه الظبي
ــ
[البناية]
ورواه الدارقطني ﵀ في " سننه "، عن يزيد بن عياض، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، «عن عائشة ﵂ قالت: أهدي إلى رسول الله ﷺ أرنبا وأنا نائمة فخبأ لي منه العجز فلما قمت أطعمني» . ويزيد ابن عياض ضعيف. وروى البيهقي في " سننه " من حديث محمد بن خالد بن الحويرث قال: سمعت أبا خالد بن الحويرث قال: أخبرنا عبد الله بن عمرو، وكان بالصفاح - مكان في مكة -، «وأن رجلا جاءنا بأرنب قد صادها، فقال يا عبد الله بن عمرو ما تقول؟ قال قد جيء بها رسول الله ﷺ وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض» .
ورواه أيضا أبو داود ﵀ قوله أهيجنا أي أثرنا، وعدينا هو مادته هاء، وياء، وجيم، قوله بمر الظهران بفتح الميم وتشديد الراء وهو موضع قريب من عرفة.
م: (ولأنه) ش: أي الأرنب م: (ليس من السباع ولا من أكلة الجيف فأشبه الظبي) ش: فلا يرحم الأكل والجيف جمع جيفة.
فإن قلت: إذا كان كذلك فلم قال: لا بأس بأكل الأرنب، ولم يقل: يحل نحره؟
قلت: لأن له شبهان شبها بالحمار، فإن أذنه تشبه أذن الحمار، والحمار حرام، وشبه بالآدمي في كونه يحيض فيحرم أكله كما يحرم أبو حنيفة الفرس لأن له شبها بالآدمي من حيث إنه يستحق سهما مقدرا من الغنيمة كالرجل. ولكن لما نطقت الأحاديث المذكورة بإباحة أكله لم يحرم قطعا، ولكن لما ذكرنا استعمل فيه لفظة، " لا بأس ".
قال تاج الشريعة: وإنما استعمل كلمة " لا بأس " لأنه روي أن الأرنب كانت امرأة لا تغتسل من الحيض فمسخت، انتهى.
قلت: لم يصح مسخ هذا ولئن مسخ لم يبق من نسل الممسوخ شيء. وكان جنسه موجودا قبل المسخ والله أعلم.
فوائد: القنفذ عندنا حرام ومالك وأحمد، ورخص فيه الشافعي ﵀ فكأنه ما جعله من الخبائث ولا من السباع. قلنا: «إن أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذكر القنفذ لرسول الله ﷺ فقال: ﷺ وهو حسبه من الخبائث» .
стр. 5930
قال: وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه
إلا الآدمي والخنزير فإن الذكاة لا تعمل فيهما. أما الآدمي فلحرمته وكرامته، والخنزير لنجاسته كما في الدباغ.
ــ
[البناية]
ورواه أبو داود - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في من أكل الجلالة من الشاة والبقر والبعير. وبه قال الشافعي: وأحمد ﵀ في رواية: حرام وتزول الكراهة بحبسها بلا خلاف.
وعندنا وأحمد يكره ركوبها مدة الحبس، في الدجاجة ثلاثة أيام، وفي البقرة والبعير أربعون يوما، وقيل سبعة أيام في الشاة وعن أحمد ثلاثة أيام في الكل.
وقال الأسبيجابي في شرح " الكافي ": ويكره لحوم الجلالة والعمل عليها وذلك حالها إلى أن تحبس أياما وتعلف لما روي «أنه ﷺ نهى عن أكل لحوم الجلالة» ولأن تناول النجاسات توجب فساد لحمها فتقرر سنته في فساد أكله. وليس الدجاج كذلك لأن الأثر جاء في الجلالة وليس لها علف غير ذلك. والدجاج يخلط بالعذرة غيره، حتى إذا علم أنها لا تتناول غير النجاسات فقلنا بحرمة أكلها إلى أن تحبس.
وقال شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في " مبسوطه ": ولم يقدر في ذلك مقدارا في الكتاب. وروي في غير رواية الأصول أنه قدر في الإبل شهرا وفي البقر عشرين وفي الشاة عشرة أيام وفي الدجاجة ثلاثة أيام.
وقال الولوالجي ﵀ في " فتاواه "، ذكر في " النوادر ": لو أن جديا غذي بلبن الخنزير فلا بأس بأكله لأنه لم يتغير لحمه وما غذي صار مستهلكا لم يبق أثره. وعلى هذا يقال: لا بأس بالدجاجة التي تختلط بالعذرة، لأنه لا يغير لحمه. والرأي يروي بحبس الدجاجة ثلاثة أيام فذلك على سبيل التنزيه.
وفي الدراية: والزرع والثمار السفه بالنجاسات لا يكره، ولا يحرم عند أكثر الفقهاء.
[طهارة جلد ملا يؤكل لحمه بالذكاة]
م: (قال: وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه، طهر جلده ولحمه) ش: أي قال القدوري إذا ذبح حيوان مما لا يؤكل لحمه من ذي الناب يطهر لحمه وجلده.
وقال الحاكم في " الكافي "، ولا يكره الصلاة على جلد ما يكره أكله من ذي الناب إذا ذبح أو دبغ. وهذا الذي قاله هو الذي اعتمد عليه عامة أصحابنا على قول نصير بن يحيى وابن جعفر الهندواني ﵀ أنه لا يجوز بيعه. وقد مر بيانه في أول الكتاب.
[جلد الآدمي والخنزير]
م: (إلا الآدمي والخنزير فإن الذكاة لا تعمل فيهما. أما الآدمي فلحرمته وكرامته، والخنزير لنجاسته كما في الدباغ) ش: أي كما في حكم الدابغ. فإن المدباغ يطهر جلد كل حيوان إلا الآدمي لكرامته لا يستعمل. والخنزير لنجاسة عينه، أو لعدم قبول الدباغ كما
стр. 5931
وقال الشافعي ﵀: الذكاة لا تؤثر في جميع ذلك لأنه لا يؤثر في إباحة اللحم أصلا
وفي طهارته وطهارة جلده تبعا، ولا تبع بدون الأصل وصار كذبح المجوس. ولنا: أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات
والدماء السيالة وهي النجسة دون ذات الجلد واللحم، فإذا زالت طهر كما في الدباغ، وهذا الحكم مقصود في الجلد كالتناول في اللحم وفعل المجوسي إماتة في الشرع.
ــ
[البناية]
ذكرنا في أول الكتاب مستوفى.
م: (وقال الشافعي ﵀: الذكاة لا تؤثر في جميع ذلك) ش: أي في اللحم والجلد وسائر الأجزاء م: (لأنه لا يؤثر في إباحة اللحم أصلا) ش: أي لأن الذكاة والتذكية بتأويل الذبح يؤثر في إباحتها اللحم من حيث الأصالة.
م: (وفي طهارته وطهارة جلده تبعا) ش: أي ويؤثر في إباحتها طهارة اللحم وطهارة الجلد من حيث التبعية. م: (ولا تبع بدون الأصل) ش: إذا قام بالأصل وهاهنا لم تفد الذكاة الأصل الذي هو إباحة اللحم فكذا لا يفيد التبع م: (وصار كذبح المجوسي) ش: حيث لا يفيد إباحة الأكل ولا غيره وكذا ذبح الوثني م: (ولنا: أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات) ش: احترز بها عن دم اللحم فإنه طاهر وهي النجسة أي الرطوبات.
م: (والدماء السيالة وهي النجسة دون ذات الجلد واللحم فإذا زالت) ش: أي تلك الرطوبات والدماء السيالة النجسة م: (طهر) ش: أي المذبوح أي جلده ولحمه م: (كما في الدباغ) ش: أي يطهر في الدباغ بزوال تلك الرطوبات النجسة م: (وهذا الحكم مقصود في الجلد) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀ أن تأثر الذكاة في إباحة اللحم أصل، وفي الطهارة اللحم والجلد تبع، فقال: هذا أي الطهارة حكم مقصود في الجلد م: (كالتناول في اللحم) ش: يعني كما أن التناول حكم مقصود بالذات في اللحم، وكذلك الطهارة.
وحكم مقصود في الجلد والحاصل؛ أن طهارة الجلد واللحم غير تابعة لطهارة اللحم بل كل منهما حكم مقصود بالذات، فإذا حصلت الذكاة فإن كان المذكى من الحيوان الذي يؤكل، تحصل الطهارة في جميع أجزائه بالأصالة. وإن كان مما لا يؤكل يحصل في لحمه وجلده ثم لا يلزم في حصول الطهارة إباحة الأكل كما عرف م: (وفعل المجوسي، إماتة في الشرع) ش: هذا جواب، عن قياس الشافعي تقريره: أن ذبح المجوسي ليس بمشروع فيكون إماتة، وهذا؛ لأن الفعل، إنما يقع متطهرا إذا أنفق بالحسن لإفادة الأثر الحسن، والحسنات محل الثواب فلا يصير المجوسي أهلا لها.
فإن قيل: كما أن المجوسي ليس من أهل الذكاة فكذا الكلب ليس من جنس ما يذكى ولا
стр. 5932
فلا بد من الدباغ، وكما يطهر لحمه يطهر شحمه حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده خلافا له، وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل؟ قيل: لا يجوز اعتبارا بالأكل، وقيل: يجوز كالزيت إذا خالطه ودك الميتة، والزيت غالب لا يؤكل وينتفع به في غير الأكل.
قال: ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك
ــ
[البناية]
فرق بين أن يكون الذبح من غير أهل الذكاة وبين أن يكون المذبوح من جنس المذكى ألا ترى أن المسلم لو ذبح خنزيرا لا يحل أكله كما أن المجوسي لو ذبح شاة لا يحل أكلها.
قلنا: قد اتفقا في أن المجوسي أيضا على أنه ليس من أهل الذكاة فلم يتفق على أن الكلب والفهد ليس من جنس المذكى بل هو من جنس الذكاة؛ لأنه مختلف في إباحة أكله كذا في " مختصر الأسرار ".
م: (فلا بد من الدباغ) ش: يعني إذا كان ذبح المجوسي إماتة في الشرع فلا بد من الدباغ في جلد ما ذكاه لعدم حصول الطهارة بذبحه ثم أعلم أنهم اختلفوا في أن الموجب لطهارة ما لا يؤكل لحمه مجرد الذبح والذبح مع التسمية قبل مجرد الذبح؛ لأنه يؤثر في إزالة الدم المسفوح وقيل الذبح مع التسمية لأن المطهر هو الذكاة ولا ذكاة بدون التسمية كما في غريب [ ... ] للفربري م: (وكما يطهر لحمه يطهر شحمه حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده) ش: قيد بالقليل لأن الكثير لا يفسد بلا خلاف خصوصا على مذهب الشافعي ﵀، فإن عنده إذا بلغ الماء قلتين لا ينجس إلا باليقين والقلتان عنده كثير.
م: (خلافا له) ش: للشافعي، أن شحمه أيضا لا يطهر كما لا يطهر لحمه وجلده، م: (وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل؟) ش: أي نحو الاستصباح، ودهن الجلود، ونحوها.
م: (قيل: لا يجوز اعتبارا بالأكل، وقيل: يجوز كالزيت إذا خالطه ودك الميتة) ش: الودك بفتح الواو والدال وهو الدسم م: (والزيت غالب) ش: أي والحال أن الزيت غالب م: (لا يؤكل) ش: أي الزيت مما إذا لم يجز أكله فيما إذا كان الزيت غالبا، ففيما إذا كان مغلوبا بالطريق الأولى.
(وينتفع به) ش: أي بالزيت المذكور م: (في غير الأكل) ش: كالاستصباح ونحوه كما ذكرنا.
[حيوان البحر من السمك ونحوه]
م: (قال: ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك) ش: أي قال القدوري ﵀ في " مختصره ": وقال الكرخي ﵀: كره أصحابنا كل ما في البحر إلا السمك خاصة فإنه حلال أكله إلا ما طفى منه فإنهم كرهوه. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: ويكره أكل ما سوى السمك من دواب البحر عندنا كالسرطان، والسلحفاة، والضفدع وخنزير الماء. م:
стр. 5933
وقال مالك ﵀ وجماعة من أهل العلم بإطلاق جميع ما في البحر، واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان وعن الشافعي ﵀: أنه أطلق ذلك كله، والخلاف في الأكل والبيع واحد لهم: قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] من غير فصل، وقوله ﵊ في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . ولأنه لا دم في هذه الأشياء إذ الدموي لا يسكن الماء، والمحرم هو الدم فأشبه السمك.
ــ
[البناية]
م: (وقال مالك ﵀ وجماعة من أهل العلم) ش: ابن أبي ليلى والشافعي في قوله وأصحاب الظاهر م: (بإطلاق جميع ما في البحر) ش: أي إباحة جميع ما في البحر من الحيوان م: (استثنى بعضهم) ش: أي بعض الجماعة المذكورة وأراد به الشافعي؛ لأنه قال: جميع ما في البحر يؤكل.
م: (الخنزير والكلب والإنسان) ش: أي خنزير البحر وكلبه وإنسانه وهو قول الليث ﵀ أيضا م: (وعن الشافعي ﵀: أنه أطلق ذلك كله) ش: أي جميع ما في البحر وبه قال أحمد في رواية عن الشافعي يؤكل جميع ما في البحر إلا الضفدع. وبه قال أحمد في رواية، وقال ابن الجلاب البصري في " التفريع ": وصيد البحر حلال أكله ويكره أكل كلب الماء وخنزيره من غير تحريم له.
م: (والخلاف في الأكل والبيع واحد) ش: أي الخلاف المذكور بيننا وبين مالك وجماعة والشافعي سواء في جواز الأكل وجواز البيع م: (لهم) ش: أي للشافعي م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] من غير فصل) ش: أي من غير فرق بين السمك وغيره، فإطلاق الآية يتناول الكل م: (وقوله ﵊ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي ﵀ من طريق مالك عن صفوان عن سعيد بن سلمة من آل الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: «سأل رجل رسول الله ﷺ وقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وقال الترمذي ﵁: حديث حسن صحيح.
م: (ولأنه لا دم في هذا الأشياء إذ الدموي لا يسكن الماء) ش: لأن طبع الدم يضاد طبع الماء لأن الدم حار والماء بارد م: (والمحرم هو الدم فأشبه السمك) ش: أي فأشبه ما في البحر من الحيوانات كلها كالسمك في عدم الدم الذي هو المحرم إلا الضفدع استثناه الشافعي في قول: «لنهيه ﷺ عن قتله،» رواه النسائي.
стр. 5934
ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما سوى السمك خبيث، ونهى رسول الله ﵊ عن دواء يتخذ فيه الضفدع ونهى عن بيع السرطان
ــ
[البناية]
م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وما سوى السمك خبيث) ش:؛ لأن الخبيث ما يستخبثه الطبع السليم، وما سوى السمك يستخبثه الطبع السليم فيحرم.
م: «ونهى رسول الله ﵊ عن دواء يتخذ فيه الضفدع» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود في " الطب " وفي " الأدب ". والنسائي في " الصيد " عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب «عن عبد الرحمن بن عثمان القرشي أن طبيبا سأل رسول الله ﷺ عن الضفدع يجعلها في دواء فنهى عن قتلها» .
ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في " مسانيدهم " والحاكم في " المستدرك - في الطب " وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال البيهقي: هو أقوى ما ورد في الضفدع.
وقال الحافظ المنذري: فيه دليل على تحريم أكل الضفدع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتله والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمته كالآدمي، وإما لتحريم أكله كالصرد والهدهد والضفدع ليس بمحترم فكان النهي منصرفا إلى الوجه الآخر.
م: (ونهى عن بيع السرطان) ش: أي «نهى النبي ﷺ عن بيع السرطان» وهو ليس بموجود في الكتب المشهورة في الحديث وليس له أصل.
فإن قلت: روى أبو داود ﵀ وغيره مسندا إلى جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا جرابا من تمر لم يجد له غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء، فنأكله. وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ولا تحل لنا، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم إليه فكلوا، فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، فلما قدمنا إلى رسول الله ﷺ ذكرنا ذلك له، فقال: " هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا [منه] ) ؟ " فأرسلنا [منه] إلى رسول الله ﷺ ، فأكل» .
стр. 5935
والصيد المذكور فيما تلا محمول على الاصطياد وهو مباح فيما لا يحل، والميتة المذكورة فيما روي محمولة على السمك
ــ
[البناية]
وهذا يدل على إباحة ما في البحر سوى السمك.
قلت: المراد منها السمك والدليل عليه ما رواه البخاري ﵀ عن جابر ﵁ قال غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر وأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته، والخبط بفتحتين الورق.
م: (والصيد المذكور فيما تلا محمول على الاصطياد) ش: جواب عن استدلالهم فيما ذهبوا إليه في قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] .
تقريره: أن المراد من لفظ الصيد هو المصدر وهو الاصطياد فيتناول ما يحل وما يحرم وليس المراد منه الاسم، وقد قررناه فيما مضى.
فإن قلت: لو كان يستقيم حمله لكانت الكناية من قوله : ﴿وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] لا يستقيم حمله على الاصطياد فإنها راجعة إلى الصيد.
قلت: الطعام المذكور محمول على السمك لأن المتعارف أنه طعام البحر والكناية تنصرف إلى البحر قوله: " فيما تلا " الصواب " فيما تلي " على صيغة المجهول وهكذا هو في النسخ الصحيحة.
م: (وهو) ش: أي الاصطياد م: (مباح فيما لا يحل) ش: لمنافع أخرى غير الأكل م: (والميتة المذكورة فيما روي محمولة على السمك) ش: هذا أيضا، جواب على استدلالهم بقوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» أي الميتة المذكورة في الحديث، محمولة على السمك. وقوله: روي على صيغة المجهول أيضا على ما لا يخفى على الفطن.
فإن قلت: هذا خبر آحاد فكيف يجوز تخصيص الكتاب وهو قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] .
قلت: هذا خبر مشهور قد تأيد بالإجماع فيجوز تخصيص الكتاب به، على أن حكم السمك ثبت بقوله : ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] . مع أنه لا تعارض بين الكتاب والخبر لأن الميتة المحلاة باللام جنس إذا لم يكن معهودا، والميتة من الدمويات المعهودة بدليل قوله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فعلم أن الميتة تكون ميتة باعتبار الدم المسفوح، ولا دم للسمك فيصرف إلى العهد فلا يبقى التعارض.
стр. 5936
وهو حلال مستثنى من ذلك لقوله ﵊: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال»
ــ
[البناية]
م: (وهو حلال مستثنى من ذلك) ش: أي السمك حلال مستثنى عما لا يحل م: (لقوله ﵊: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» .
ش: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في كتاب " الأطعمة " عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «قال رسول الله ﷺ : " أحلت لنا.» . " إلى آخره.
ورواه أحمد والشافعي وعبد بن حميد ﵀ في " مسانيدهم ". ورواه ابن حبان ﵀ في كتاب " الضعفاء " وأعله بعبد الرحمن، وقال: إنه كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع الموقوفات وإسناد المراسيل، فاستحق الترك.
وأخرجه الدارقطني ﵀ في " سننه " عن عبد الله وعبد الرحمن ابني زيد بن أسلم عن أبيهما. وأخرجه ابن عدي في " الكامل " عن عبد الله فقط.
وعبد الله وعبد الرحمن ضعيفان إلا أن أحمد وثق عبد الله، وأسند ابن عدي إلى أحمد أنه قال: عبد الله ثقة، وأخواه عبد الرحمن وأسامة ضعيفان.
وقال ابن عدي: وهذا الحديث يدور على هؤلاء الإخوة الثلاثة، وأسند ابن معين أنه قال: ثلاثتهم ضعفاء قال ليس حديثهم بشيء في " التنقيح " هو موقوف في حكم المرفوع.
وقال الدارقطني في " علله ": وقد رواه المسور بن الصلت عن زيد بن أسلم.
وقال ابن عدي: وابن وهب يرويه عن سليمان بن بلال ﵁ موقوفا فرواه عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا، وعن ابن زيد بن أسلم يرويه عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ﵄ موقوفا وهو الصواب.
قال في " التنقيح " وهذه الطريق رواها الخطيب بإسناده إلى المسور بن الصلت. والمسور ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وقال النسائي متروك الحديث، انتهى.
قلت: وله طريق آخر قال ابن مردويه في " تفسيره - في سورة الأنعام " حدثنا عبد الباقي
стр. 5937
قال: ويكره أكل الطافي منه وقال مالك والشافعي - رحمهما الله - لا بأس به لإطلاق ما رويناه ولأن ميتة البحر موصوفة بالحل بالحديث، ولنا ما روى جابر ﵁ عن النبي (﵊) أنه قال: «ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه الماء فكلوا وما طفا فلا تأكلوا» ،
ــ
[البناية]
ابن قانع حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا داود بن راشد حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا أبو هشام الأيلي قال: سمعت زيد بن أسلم يحدث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يحل من الميتة اثنتان ومن الدم اثنان، فأما الميتة فالسمك والجراد، وأما الدم فالكبد، والطحال» . .
[أكل الطافي من السمك]
م: (قال: ويكره أكل الطافي منه) ش: أي قال القدوري ﵀ " منه أي من السمك، والطافي هو الذي يموت فيعلو على وجه الماء ويظهر، من طفى الشيء يطفو طفوا إذا علا.
هكذا قال معنى الطافي اسم فاعل كالقاضي من قضاء، وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه من غير سبب معلوم ويعلو على وجه الماء.
م: (وقال مالك والشافعي - رحمهما الله -: لا بأس به) ش: أي الطافي وبه قال أحمد ﵀ وأصحاب الظاهر ﵏ وبعض التابعين.
م: (لإطلاق ما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . فإنه مطلق يفصل بين ما إذا مات بآفة أو بغير آفة. م: (ولأن ميتة البحر موصوفة بالحل بالحديث) ش: أراد به قوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان» الحديث.
م: (ولنا ما روى جابر ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه الماء فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا» ش: هذا الحديث، بهذا اللفظ غريب.
ولكن أبا داود وابن ماجه أخرجا عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه» .
فإن قلت: ضعف البيهقي هذا الحديث وقال: يحيى بن سليم كثير الوهم وقد رواه غيره موقوفا.
стр. 5938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: لا نسلم ذلك فإن يحيى بن سليم أخرج له الشيخان فهو ثقة وزاد فيه الرفع. ونقل ابن القطان في كتابه عن ابن معين قال: هو ثقة ولكن في حفظه شيء ومن أجل ذلك تكلم الناس فيه.
فإن قلت: قال ابن الجوزي: إسماعيل بن أمية متروك. قلت: ليس كذلك لأنه ظن أنه إسماعيل بن أمية أبو الصلت الذارع وهو متروك الحديث وأما هذا فهو إسماعيل بن أمية القرشي الأموي والذي في ظنه ليس في طبيعته.
فإن قلت: قال أبو داود: رواه الثوري وأيوب [وحماد] عن أبي الزبير موقوفا على جابر ﵁ وقد أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما صطدتموه وهو حي فكلوه، وما وجدتم ميتا طافيا فلا تأكلوه» .
وقال الترمذي: ﵀ سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس بمحفوظ، ويروى عن جابر ﵁ خلاف هذا ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئا.
قلت: قول البخاري ﵀ لا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئا هو على مذهبه في أنه يشترط لاتصال الإسناد ثبوت السماع. وقد أنكر مسلم ذلك إنكارا شديدا وزعم أن المتفق عليه أنه يكفي للاتصال إمكان اللقاء، وابن أبي ذئب أدرك زمان أبي الزبير بلا خلاف، فسماعه منه ممكن.
فإن قلت: قال البيهقي: ﵀: ورواه بعد العزيز بن عبد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر ﵁ مرفوعا وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به.
قلت: أخرج الحاكم في " المستدرك " في أبواب " الأحكام " حديثا عنه وصحح سنده.
وأخرج حديثه هذا الطحاوي في " أحكام القرآن " فقال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي بن أشد ابن موسى، حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني عبد العزيز بن عبد الله عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله عن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما جزر البحر وما أبقى فكل وما وجدته طافيا فوق الماء فلا تأكل» .
стр. 5939
وعن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا
ــ
[البناية]
وقوله: : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] عام خص منه غير الطافي من السمك بالاتفاق وبالحديث المشهور. والطافي مختلف فيه فبقي داخلا في عموم الآية.
قوله: " وما نضب " بالنون والضاد المعجمة والباء الموحدة من النضوب وهو ذهاب الماء.
قوله " ولفظه " أي رماه لأن اللفظ في اللغة الرمي، يقال: لفظت الرحى الدقيق أي رمته وقوله: وما طفا أي على وجه الماء.
م: (وعن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا) ش: أي وروى عن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا أن الطافي لا يحل وقد روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " كراهية الطافي عن جابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وابن عباس ﵃.
وكذا عن ابن المسيب وأبي الشعثاء، والنخعي وطاوس والزهري ﵀ وكذا نقل عبد الرزاق في " مصنفه " وقال محمد ﵀ في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كل ما جزر عنه الماء وما قذف به، ولا تأكل ما طفا. يقال جزر الماء يجزر إذا قل ماؤه والجزر ضد الماء ومادته جيم ثم زاء معجمة.
فإن قلت: روى البيهقي من حديث الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر ﵁ أنه قال: السمك الطافي حلال لمن أراد أكله. وزاد فيه وكيع عن سفيان: الطافية على الماء. وروى أيضا من حديث هشام حدثنا قتادة عن جابر بن زيد أن عمر ﵁ قال: الجراد والنون ذكي كله.
وروى غيره أيضا عن الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵀ عن علي ﵁ قال: الحيتان والجراد ذكي كله.
وروى غيره عن أبان عن ابن عباس عن أنس ﵃ أنه ﷺ قال: «كل ما طفا البحر» .
قلت: روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن علي بن مسهر عن الأجلح عن ابن أبي الهذيل سأل رجل ابن عباس ﵄ قال: إني آتي البحر فأجده قد جعل سمكا كثيرا فقال: كل ما لم تر سمكا طافيا.
وروى عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه " عن الثوري عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: لا تأكل طافيا.
وحديث عمر وعلي ﵄ لا ينافيا حديث جابر. وأما حديث أبان فإنه
стр. 5940
وميتة البحر ما لفظه البحر ليكون موته مضافا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة.
قال: ولا بأس بأكل الجريث والمارماهي وأنواع من السمك والجراد من غير ذكاة.
ــ
[البناية]
منكر جدا، قال شعبة لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أروي حديث أبان بن أبي عياش.
ذكره الرازي ﵀ في " أحكام القرآن ".
[ميتة البحر تعريفها وحكمها]
م: (وميتة البحر ما لفظه البحر ليكون موته مضافا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة) ش: هذا جواب عما تمسكوا من قولهم أن ميتة البحر موصوفة بالحل.
يعني ميتة البحر ما لفظه أي رماه البحر حتى يكون موته مضافا إلى البحر لأنه إذا رماه البحر ومات، يكون موته بسبب رمي البحر إياه، فيطلق عليه أنه ميتة بخلاف ما إذا مات في البحر من غير آفة. فإن مات حتف أنفه فإن موته لا يضاف إلى البحر.
[أكل الجريث والمارماهي وأنواع السمك والجراد من غير ذكاة]
م: (وقال: ولا بأس بأكل الجريث والمارماهي وأنواع السمك والجراد من غير ذكاة) ش: أي قال القدوري ﵀: والجريث بكسر الجيم وتشديد الراء بعده آخر الحروف ساكنة وفي آخره ثاء مثلثة.
قال في كتب اللغة: هو نوع من السمك. وفي " الغاية " الجريث الجري. وقال الكاكي الجريث بالفارسية ما هي بأي جوشق.
قلت: الجريث السمك السود والمارماهي السمكة التي تكون في صورة الحية، وما هي هو السمك وإنما أحل أنواع السمك لعموم قوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان» . الحديث.
وروى محمد في الأصل عن عمرو بن وهب عن عمرة بيان الطبيخ قالت: خرجت مع وليدة لنا فاشترينا جريثة بقفيز حنطة فوضعناه في زنبيل فخرج رأسها من جانب وذنبها من جانب آخر، فمر بنا علي ﵁ فقال: بكم أخذت؟ قال: فأخبرته. فقال: أطعمه ما أرخصه وأوسعه للعيال، فيه دليل على أن الجريث يؤكل لأنه نوع من السمك فيجعل كسائر الأنواع. وهذا الحديث حجة لنا على بعض الرافضيين وأهل الكتاب فإنهم يكرهون أكل الجريث ويقولون: إنه كان ديوثا يدعو الناس إلى حليلته فمسخ به.
وهو متروك بقول علي ﵁، كذا قال خواهر زاده ﵀ في " شرحه " وروى محمد ﵀ أيضا عن ابن عباس أنه سئل عن الجريث فقال: أما نحن فلا نرى به بأسا، وأما أهل الكتاب فيكرهون. فإذا صح عن علي ﵁ وابن
стр. 5941
وقال مالك ﵀ لا يحل الجراد إلا أن يقطع الآخذ رأسه ويشويه لأنه صيد البر، ولهذا يجب على المحرم بقتله جزاء يليق به فلا يحل إلا بالقتل كما في سائره والحجة عليه ما روينا. وسئل علي ﵁ عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيها الميت وغيره، فقال: كله كله.
ــ
[البناية]
عباس ﵁ إباحة الجريث ولم يرد عن غيرهما خلاف حل ذلك محل الإجماع.
وكذا الجراد حلال سواء مات حتف أنفه أو قتله الآخذ بأن قطع رأسه.
م: (وقال مالك ﵀: لا يحل الجراد إلا أن يقطع الآخذ رأسه ويشويه لأنه صيد البر ولهذا يجب على المحرم) ش: أي ولأجل كونه صيدا يجب على المحرم م: (بقتله جزاء يليق به) ش: أما كونه صيدا فلا خلاف فيه لأنه متوحش، وأما جزاؤه فهو أن يتصدق بما شاء كما في قتل القمل وقد مر في باب الحج.
م: (فلا يحل إلا بالقتل كما في سائره) ش: أي إذا كان كذلك، فلا يحل، إلا بالقتل كما في سائر الصيد حتى قالوا: إنه إذا غفل عنه حتى مات حتف أنفه، أو جعل الكل في غراره، وماتوا؛ فإنه لا يحل. كذا ذكره الشيخ الإمام خواهر زاده ﵀.
وفي شرح كتاب " الصيد " م: (والحجة عليه ما روينا) ش: أي على مالك، أراد بقوله: ما رويناه قوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان» الحديث. ولا يرد علينا كراهة الطافي لأنه مخصوص بالحديث الآخر.
وقال محمد ﵀ في الأصل: بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ذكاة السمك والجراد واحدة. م: (وسئل علي ﵁ عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيها الميت وغيره فقال: كله كله) .
ش: هذا ذكره محمد في الأصل، وقد بلغنا عن علي ﵁ أنه سئل عن الجراد إلى آخره فدل على حل الجراد مطلقا سواء مات حتفه أنفه أو مات بعلة بأن أصابه المطر في الطريق فمات.
وفي " الكافي ": ولأن موته لا بد أن يكون بسبب فإنه يجري الأصل مجرى المعاش كما قيل: إن بيض السمك إذا انحشر عليه الماء يصير جرادا. فإذا مات في البر فقد مات في غير موضع أصله، وإذا مات في الماء فقد مات في غير موضع معاشه وذلك سبب لموته. وروى ابن مريم سألت لحما هينا فرزقت الجراد، وعمر ﵁ كان يأكل الجراد.
стр. 5942
وهذا عد من فصاحته ودل على إباحته وإن مات حتف أنفه بخلاف السمك إذا مات من غير آفة لأنا خصصناه بالنص الوارد في الطافي،
ثم الأصل في السمك عندنا أنه إذا مات بآفة يحل كالمأخوذ،
وإذا مات حتف أنفه من غير آفة لا يحل كالطافي وتنسحب عليه فروع كثيرة بيناها في كفاية المنتهى، وعند التأمل يقف عليه المبرز منها: إذا قطع بعضها فمات يحل أكل ما أبين وما بقي؛ لأن موته بآفة، وما أبين من الحي وإن كان ميتا فميتته حلال
ــ
[البناية]
م: (وهذا) ش: أي قول علي ﵁ كله، كله م: (عد من فصاحته) ش: حيث أجاب بلفظتين متجانستين في اللفظ مختلفتين في المعنى. فإن قوله كله، أمر من أكل، يأكل، والضمير فيه يرجع إلى الجراد.
وقوله: كله، تأكيد لما بعده، وهو من ألفاظ التوكيد المعنوي. م: (ودل على إباحته وإن مات حتف أنفه) ش: أي على إباحة أكل الجراد وإن مات من غير آفة م: (بخلاف السمك إذا مات من غير آفة لأنا خصصناه بالنص الوارد في الطافي) ش: وهو حديث جابر ﵁ ثم: وحديث جابر لم يكن فرق بين السمك والجراد فافهم.
[السمك إذا مات بآفة أو حتف أنفه]
م: (ثم الأصل في السمك عندنا: أنه إذا مات بآفة) ش: كالصدمة وإلقائه الماء على طرف ونحو ذلك م: (يحل كالمأخوذ) ش: هذا أصل في اشتراط الآفة في موت السمك لتصير حلالا، وهو أنه إذا مات بآفة يحل كالمأخوذ، أي كالسمك المأخوذ من الماء، فإن أخذه سبب لموته.
فإن قلت: يتوهم فيما ينبذه الماء ما كان طافيا قبل النبذ.
قلت: لم يعتبر هذا الوهم منا وإنما يعتبر في غير السمك من الحيوانات، فإنه إذا توارى عنه الصير، ولم يتبع لا يحل لاحتمال أنه مات من هوام الأرض.
والقياس أن لا يعتبر التوهم في موضع، وإنما اعتبرناه بالنص في ماء السمك، ولم يعتبر هنا لأنه قال: ما لفظ البحر كله.
م: (وإذا مات حتف أنفه من غير آفة لا يحل) ش: لعدم الشرط وهو الآفة، ولهذا قال م: (كالطافي) ش: لأنه ميت حتف أنفه بغير آفة م: (وتنسحب عليه) ش: أي يمتد على الأصل المذكور م: (فروع كثيرة بيناها في كفاية المنتهي وعند التأمل يقف عليها) ش: أي على الفروع م: (المبرز) ش: بالتشديد، من برز الرجل، فإنه أصحابه فضلا أو شجاعة، وثلاثية من برز الرجل يبرز بروزا، أي ظهر، وقوله : ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] أي ظهروا.
م: (منها) ش: أي من الفروع م: (إذا قطع بعضها فمات يحل أكل ما أبين وما بقي؛ لأن موته بآفة، وما أبين من الحي وإن كان ميتا) ش: يعني في سائر الحيوانات م: (فميتته حلال) ش: أي
стр. 5943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ميتة السمك حلال بخلاف غيره من الحيوانات.
ومنها: وجد في بطنها سمكة أخرى أو قتلها طير الماء، فلا بأس بأكلها لأن الموت يحال إلى سبب ظاهر وهو ابتلاع السمك أو قتل الطير.
ومنها: إذا ألقى سمك في جب ماء فماتت فيه، فلا بأس بأكلها، لأنها ماتت بسبب ضيق المكان عليها، فكان موتها بآفة ظاهرة فيحل دمها إذا جمعها في حظيرة لا يستطيع الخروج منها، وهو يقدر على أخذها بغير صيد، لأن الجمع في مكان ضيق سبب لموتها، وإن كانت تؤخذ بغير صيد، فلا خير في أكلها لانعدام سبب ظاهر يحال الموت إليه، فكان موتها حتف أنفها، فلا يحل.
قال القدوري ﵀ في " شرحه ": روى هشام عن محمد ﵀ في السمك إذا كان بعضها في الماء، وبعضها على الأرض إن كان رأسها في الأرض، أكلت لأنه موضع نفسها.
وإذا كان خارجا من الماء، فإن الظاهر أنها ماتت بسبب. وإن كان رأسها وأكثرها في الماء لم تؤكل لأنه موضع حياتها فكان الظاهر أنها ماتت بغير سبب وإن كان رأسها في الماء وأكثرها في الأرض، أكلت لأنه ليس موضع حياتها، فعلم أن موتها بسبب.
وقد شنع ابن حزم على محمد ﵀ في هذا فقال: هذا قول مخالف للقرآن والسنة، ولأقوال العلماء، والقياس والمعقول. قيل في جوابه: هذا من غاية تعصبه لأن محمدا قال ذلك بالاستدلال من حديث جابر ووجه ما مر.
وقال الولوالجي ﵀ في " فتاواه ": إذا ماتت السمكة في الشبكة وهو لا يقدر على التخلص منها أو أكلت شيئا ألقاه في الماء لتأكله فماتت منه وذلك معلوم فلا بأس بأكلها لأنها ماتت بآفة.
وفي " الفتاوى الصغرى " ناقلا عن " الجامع الصغير ": إذا وجد السمك ميتا على الماء وبطنه من فوق، لم يؤكل لأنه طافٍ. وإن كان ظهره من فوق أكل لأنه ليس بطاف. وفي " الذخيرة ": لو وجد سمكة في بطن طائفة يؤكل، وإن كانت الطافية لا تؤكل. ولو وجد في حوصلة طائر يؤكل وعند الشافعي ﵀ لا يؤكل لأنه كالرجيع، ورجيع الطائر عنده نجس.
قلنا: إنما يصير رجيعا إذا تغير. وفي السمك الصغار التي تقلى من غير أن يشق
стр. 5944
وفي الموت بالحر والبرد روايتان، والله أعلم بالصواب
ــ
[البناية]
جوفها، قال أصحابنا: لا يحل أكله لأن رجيعته نجس. وعندنا وسائر أجزائه تحل. م: (وفي الموت بالحر والبرد روايتان) ش: أي في موت السمك بحرارة الماء أو برودته روايتان.
إحداهما: أنه لا يؤكل لأنه مات بسبب حادث، فهو كما لو ألقاه الماء على اليبس، والرواية الأخرى: لا يؤكل لأن الحر والبرد صفة من صفات الزمان، فليست من الموت غالبا.
وأطلق القدوري ﵀ في شرحه مختصر الكرخي الروايتين ولم ينسبها إلى أحد وقال شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في كتاب " الصيد ": وقد ذكره في غير رواية الأصول خلافا، وقال على قول أبي حنيفة ﵀: لا يحل، وعلى قول محمد: يحل. فكذلك قال في " العيون " حيث قال: وقال أبو حنيفة: إذا قتلها برد الماء أو حره لم يؤكل، فهو في منزلة الطافي.
وقال محمد: يؤكل لأنه مات بآفة. فوائد: وفي " الكافي " للحاكم ولا يحل صيد المجوسي ولا ذبيحته إلا فيما يحتاج إليه من التذكية من سمكة أو جرادة وبيضة يأخذها، وما أشبه ذلك، وكذلك المرتد، ولا بأس بصيد المسلم بكلب المجوسي المعلم، كما يذبح بسكينه، ولو ذبح شاة أو بقرة فتحركت بعد الذبح أو خرج منها دم تحل، وإن لم تتحرك ولم يخرج منها الدم، لم تحل، وهنا إذا لم يدرك حياته وقت الذبح، فإن علم حل. ولو ذبح الموقوذة أو المسفوفة البطن أو المريضة وفيها حياة، حل في ظاهر المذهب، بقوله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فيما ذبح، ولا يفصل في ظاهر الرواية.
وفي " المحيط ": وعليه الفتوى. وعن أبي حنيفة ﵀: إن كان بحال يعيش يوما لولا الذكاة يحل وإلا لا.
وعن أبي يوسف: إذا كان بحال يعيش أكثر اليوم لولا الذكاة يحل وإلا لا.
وفي " المحيط " ذبح شاة وقيل: إن كان أكثر رأيه أنها حية أكل، وإلا لا.
وقيل: إن تحركت أكل خرج الدم أو لا، وإن خرج الدم ولم يتحرك لم يؤكل تم الجزء الحادي عشر من البناية في شرح الهداية. ويليه الجزء الثاني مبتدئا بكتاب الأضحية.
стр. 5945
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأضحية
ــ
[البناية]
[كتاب الأضحية]
[تعريف الأضحية]
م: (كتاب الأضحية)
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الأضحية، وجه المناسبة بين الكتابين من حيث اشتمال كل منهما على الذبح، إلا أن الذبح أعم من الأضحية. والخصوص يكون بعد العموم.
وفي اللغة اسم ما يذبح في يوم الأضحى، على وزن أفعلة وكان أصلها أضحوية اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وكسرت الحاء لتناسب الياء، ويجمع على أضاحي بتشديد الياء كالياء في جمع أروية، هي أنثى من الوعل.
قال الأصمعي: فيها أربع لغات: أضحية بضم الهمزة وكسرها، وضحية بفتح الضاد على وزن فعلية كهدية وهدايا، وأضحاة وجمعها أضحى كأرطاة وأرطى قال الفراء: الأضحية تذكر وتؤنث. وفي " الشريعة ": عبارة عن ذبح حيوان مخصوص في وقت مخصوص وهذا يوم الأضحى وشرائطها تذكر في أثناء الكتاب، وسببها الوقت وهو أيام النحر؛ لأن السبب إنما يعرف بنسبة الحكم إليه.
وتعلقت به إذ الأصل في إضافة الشيء إلى الشيء أن يكون سببا، وكذا الأزمنة فيتكرر بتكرره كما عرف في الأصول، ثم الأضحية تكررت بتكرر الوقت، وهو ظاهر، وقد أضيف المسبب إلى حكمه فقال: يوم الأضحى، فكان كقولهم يوم الجمعة ويوم العيد ولا نزاع في أن سببه ذلك، ومما يدل على سببية الوقت امتناع التقديم عليه كامتناع تقديم الصلاة عليها.
فإن قلت: لو كان الوقت سببا لوجبت على الفقير؟
قلت: الغنى شرط الوجوب وهي واجبة بالقدرة الممكنة بدليل أن الموسر إذا اشترى شاة للأضحية في أول يوم النحر ولم يضح حتى مضت أيام النحر ثم افتقر كان عليه أن يتصدق بعينها أو بقيمتها ولا تسقط عنه الأضحية، ولو كانت بالقدرة الميسرة لكن دوامها شرطا كما في الزكاة والعشر والخراج بهلاك النصاب والخراج واصطلام الزرع آفة.
فإن قلت: أدنى ما يتمكن به المؤمن إقامتها تملك قيمة ما يحصل الأضحية ولا تجب إلا بملك النصاب، فدل على أن وجوبها بالقدرة الميسرة.
قلت: اشتراط النصاب لا ينافي وجوبها بالمكنة كما في صدقة الفطر، وهذا لأنها وظيفة مالية نظرا إلى شرطها وهو الحرية فيشترط فيه الغنى كما في صدقة الفطر.
فإن قلت: لو كان كذلك لوجب التمليك وليس كذلك لأن القرب المالية قد تحصل
стр. 5946
قال: الأضحية واجبة على كل حر مسلم مقيم موسر في يوم الأضحى عن نفسه، وعن ولده الصغار. أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵏، وعنه: أنها سنة ذكره في " الجوامع "، وهو قول الشافعي ﵀، وذكر الطحاوي ﵀
ــ
[البناية]
بالإتلاف كالإعتاق، وللمضحي أن يتصدق باللحم فقد حصل النوعان أعني التمليك والإتلاف بإراقة الدم وإن لم يتصدق حصل الأخير، وأما حكمها فالخروج عن عهدة الواجب في الدنيا والوصول إلى الثواب في العقبى بفضل الله ورحمته، وشريعتها بالكتاب وهو قوله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] .
قيل: المراد منه صلاة العيد والتضحية كذا في " الكشاف "، وروى ذلك عن ابن عباس في تفسيره أي: أصل الصلاة العيد والنحر والجزور، كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده في " مبسوطه ".
والسنة هو ما روى البخاري عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «كان النبي ﷺ يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين» " وعلى ذلك انعقد الإجماع
[حكم الأضحية]
م: (قال: الأضحية واجبة) ش: أي قال القدوري في " مختصره "، ذكر الأضحية وأراد بها الضحية لأن الوجوب في صفات الفعل، وإنما قال هذا تسمية للحال باسم المحل.
م: (على كل حر مسلم مقيم موسر في يوم الأضحى) ش: إنما شرط الحرية لأنها قربة مالية لا يصح أداؤها بلا ملك ولا ملك للرقيق، وشرط الإسلام؛ لأنها قربة ولا يتصور في الكافر، وشرط الإقامة؛ لأن المسافر يلحقه المشقة في أدائها، وشرط اليسار؛ لقوله ﷺ : «من وجد سعة ولم يضح» على الوجوب بالسعة للفقير على ما يجيء ذلك مفصلا.
م: (عن نفسه وعن ولده الصغار) ش: يتعلق بقوله واجبة وولده بضم الواو وسكون اللام والولد جمع ولد تتناول الذكر والأنثى.
م: (أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵏) ش: وبه قال مالك والليث وربيعة والثوري والأوزاعي، وروي الوجوب عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وهشام بن عبد الله الرازي.
م: (وعنه: أنها سنة) ش: أي وعن أبي يوسف: أن الأضحية سنة م: (ذكره في " الجوامع ") ش: وهو اسم كتاب في الفقه صنفه أبو يوسف م: (وهو قول الشافعي ﵀) ش: وقول أحمد، وبه قال أكثر أهل العلم. م: (وذكر الطحاوي ﵀) ش: وهو الشيخ الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن مسلم بن سلمة الأزدي الطحاوي الجنزي القومي ابن أخت المزني
стр. 5947
أن على قول أبي حنيفة ﵀ واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - سنة مؤكدة: وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف، وجه السنة قوله ﵊: «من أراد أن يضحي منكم فلا يأخذ من شعره، وأظفاره شيئا» والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب.
ــ
[البناية]
صاحب الشافعي.
م: (أن على قول أبي حنيفة ﵀ واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - سنة مؤكدة وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف) ش: أي الاختلاف في وجوب الأضحية وسنتها حيث قالوا إنها واجبة على قول أبي حنيفة على قولهما.
م: (وجه السنة قوله ﵊: «من أراد منكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئا» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري، عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى هلال ذي الحجة منكم وأراد أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره» " انتهى.
أراد لا يحلق شعره ولا ينتف إبطه ولا يقلم أظافره إلى يوم النحر تشبيها بالمحرمين، وإليه ذهب بعض العلماء.
م: (والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب) ش: التعليق بالإرادة وهو قوله ﷺ : " من أراد " فإن " من " شرطية وأراد فعلها.
وكذا قول الشافعي، وفي هذا الحديث دليل على عدم وجوب الأضحية لأنه علقه بالإرادة وهو ينافي الوجوب وبذلك أسند ابن الجوزي في " التحقيق " لمذهب أحمد.
[....
]
قلت: روى أحمد في " مسنده " والحاكم في " مستدركه " وسكت عنه من حديث أبي جناب الكلبي يحيى بن حبة عن عكرمة عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وصلاة الضحى» .
وقال الذهبي في " مختصره ": سكت الحاكم وفيه أبو جناب الكلبي وقد ضعفه النسائي والدارقطني، وأخرجه الدارقطني عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: «كتب
стр. 5948
ولأنها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر؛ لأنهما لا يختلفان في الوظائف المالية كالزكاة وصار كالعتيرة.
ووجه الوجوب قوله ﵊: «من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا»
ــ
[البناية]
على النحر ولم يكتب عليكم» وجابر الجعفي يضعف، قال صاحب " التنقيح ": وروي من طريق آخر وهو ضعيف على كل حال.
م: (ولأنها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر؛ لأنهما لا يختلفان في الوظائف المالية كالزكاة) ش: احترز به عن الوظائف البدنية كالصوم والصلاة فإنهما مختلفان فيهما؛ لأن المسافر لحقه المشقة في أدائها.
م: (وصار كالعتيرة) ش: أي صار حكم الأضحية كحكم العتيرة يعني أنها لم تجب على المسافر لا تجب على المقيم، فكذا الأضحية لما لم تكن واجبة على المسافر لا تكون واجبة على المقيم والجامع في كل واحدة منهما قربة يتقرب بها إلى الله ، فصار كقوله: كالزكاة والعتيرة، لبيان العكس والعكس مرجع ومؤكد للعلة. وهذا كما قلنا ما يلزم بالشروع بالنذر كالحج والصلاة وما يلزم بالشروع لا يلزم بالنذر كالوضوء وصلاة الجنازة، وهي شاة تذبح في الجاهلية في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية والمسلمون في صدر الإسلام ثم نسخ، وفي " الإيضاح ": العتيرة أول ولد الناقة، فالشاة تذبح وتؤكل وتطعم، وقال الثلاثة، وما كانت في الجاهلية الرخسة والعتيرة والعقيقة نسختها الأضحية.
[من وجد سعة ولم يضح]
م: (ووجه الوجوب قوله ﵊: «من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» ش: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن زيد بن الحباب عن عبد الله بن عباس عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» رواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن
стр. 5949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
راهويه وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم "، والدارقطني في " سننه " والحاكم في " المستدرك " في سورة الحج، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرجه في الضحايا عبد الله بن يزيد المقري حدثنا عبد الله بن عياش به مرفوعا وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه في الضحايا، ثم رواه من حديث ابن وهب أخبرني عبد الله بن عباس فذكره موقوفا، قال: هكذا وقفه ابن وهب والزيادة عن الثقة مقبولة، وعبد الله بن يزيد المقري فوق الثقة.
وقال في " التنقيح ": حديث ابن ماجه كلهم رجال الصحيحين إلا عبد الله بن عباس النسائي فإنه من أفراد مسلم، قال: وكذلك رواه حيوة بن شريح وغيره عن عبد الله بن عباس مرفوعا، ورواه ابن وهب عن عبد الله بن عباس به موقوفا.
وكذلك رواه جعفر بن ربيعة وعبد الله بن أبي جعفر بن ربيعة وعبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفا وهو أشبه بالصواب.
وقال ابن الجوزي في " التحقيق ": وهذا الحديث لا يدل على الوجوب كما في حديث: «من أكل الثوم فلا يقربن مصلانا» . قوله: سعة بفتحتين أي غنى ويسار، وقيل: مما يدل على الوجوب حديث أخرجه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن يسار «قال: يا رسول الله ﷺ إن عندي جذعة؟ قال: " اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك ".» ومثل هذا لا يستعمل إلا في الواجب.
وقال ابن الجوزي: معناه يجري في إقامة الشدة بدليل أنه ورد في الحديث: «فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا» ، قبل حديث آخر أخرجه الدارقطني عن ابن المسيب بن شريك حدثنا عبد الملك بن شعبة عن مسروق عن علي عن النبي ﷺ : «نسخ الأضحى كل ذبح ورمضان كل صوم» وقال البيهقي: إسناده ضعيف بمرة، والمسيب بن شريك متروك.
وقال في " التنقيح ": قال الفلاس أجمعوا على ترك حديث المسيب بن شريك. قيل: أخرجه الدارقطني أيضا عن هريرة بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج «عن عائشة -
стр. 5950
ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب ولأنها قربة يضاف إليها وقتها. يقال: يوم الأضحى، وذلك يؤذن بالوجوب؛ لأن الإضافة للاختصاص وهو بالوجود، والوجوب هو المفضي إلى الوجود ظاهرا بالنظر إلى الجنس غير أن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها.
ــ
[البناية]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: يا رسول الله ﷺ : أستدين وأضحي؟ قال: " نعم وإنه دين مقتضى ".» قال: وهو ضعيف ولم يدرك عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -.
م: (ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب) ش: لأنه نهيه ﷺ من لم يضح عن سعة عن قربان مصلاه يدل على أنه فعل أمرا عظيما وهو ترك التضحية، فدل على أنها واجبة، وفيه نظر على ما ذكرنا.
فإن قلت: أليس أن النبي ﷺ قال: «من ترك سنتي لم ينل شفاعتي» ؟
قلت: ذلك محمول على الترك اعتقادا، والترك أصلا حرام، لهذا تجب المقابلة مع جماعة تركوا الأذان وإن كان الأذان سنة؛ لأن إحياء السنة واجب.
م: (ولأنها) ش: ولأن الأضحية م: (قربة يضاف إليها وقتها يقال: يوم الأضحى) ش: كما يقال: يوم الجمعة م: (وذلك يؤذن بالوجوب) ش: أي الإضافة يعلم بالوجوب وتذكير الإشارة باعتبار المذكور م: (لأن الإضافة للاختصاص) ش: أي الاختصاص المضاف إليه م: (وهو بالوجود) ش: أي الاختصاص المضاف بالمضاف إليه إنما يثبت بوجود المضاف إليه؛ لأنه إذا لم يوجد فيه لا يكون متعلقا به فضلا عن الاختصاص.
م: (والوجوب هو المفضي إلى الوجود ظاهرا بالنظر إلى الجنس) ش: أي جنس المكلفين لجواز أن يجتمع الناس على ترك ما ليس هو واجب ولا يجتمعون على ترك الواجب، واعترض بأن السنة أيضا تفضي إلى الوجود ظاهرا بالنظر إلى الجنس لأن الناس لا يجتمعون على ترك السنة، فأجيب بأن الوجوب انتفى إلى الوجود لاستحقاق العقاب لتركه.
م: (غير أن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها) ش: هذا جواب عن قولهم: ولأنها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر، تقريره: أن الأضحية تختص بأسباب أي بشرائط وهي تحصيل شاة خالية من العيوب المانعة ورعاية فراغ الإمام عن الصلاة في حق أهل المصر على وجه لم يبق عليه من واجباتها.
ورعاية طلوع الفجر الثاني من يوم النحر في حق أهل السواد فهذا يشق على المسافر
стр. 5951
ويفوت بمضي الوقت، فلا تجب عليه بمنزلة الجمعة، والمراد بالإرادة فيما روي والله أعلم: ما هو ضد السهو لا التخيير، والعتيرة منسوخة.
ــ
[البناية]
استحضارها أي تحصيلها والضمير يرجع إلى الأسباب فإذا كان كذلك سقطت عن المسافر تخفيفا كما سقط عنه الوضوء وجاز التيمم عند الزيادة على ثمن المثل، فهذا أولى بالسقوط لأنه أقوى حرجا من زيادة ثمن الماء؛ ولأن المسافر لو فرضنا أنه وجد شاة تصلح للأضحية فإنها يحتاج إلى حفظها إلى أن يجيء وقتها ويتعسر عليه ذلك فسقطت عنه دفعا للحرج ولم يوجد حالة السفر هذا المعنى في المقيم لم يسقط عنه قياسا على المسافر لعدم الجامع.
م: (ويفوت) ش: أي الأضحية م: (بمضي الوقت) ش: أي أيام النحر وهي ثلاثة أيام م: (فلا تجب عليه) ش: أي إذا كان الأمر كذلك على ما ذكرنا فلا تجب الأضحية على المسافر م: (بمنزلة الجمعة) ش: حيث سقطت عن المسافر لأمور يشق عليه استحضارها بخلاف المقيم كما ذكرنا.
م: (والمراد بالإرادة فيما روي والله أعلم) ش: هذا جواب عما استدلوا به من قوله ﷺ : «من أراد أن يضحي منكم» تقريره أن المراد بقوله ﷺ : من أراد م: (ما هو ضد السهو) ش: وهو القصد م: (لا التخيير) ش: أي ليس المراد التخيير بين الترك والإباحة فصار كأنه قال من قصد أن يضحي منكم، وهذا لا يدل على نفي الوجوب كما في قوله: «من أراد الصلاة فليتوضأ» وقوله: «من أراد منكم الجمعة فليغتسل» أي من قصد، ولم يرد التخيير فكذا هذا.
م: (والعتيرة منسوخة) ش: هذا جواب عن قولهم: وصار كالعتيرة، يعني: أنها لما كانت منسوخة لا يلزم من عدم وجوبها عدم وجوب ما ليس منسوخا، وروى الأئمة الستة في كتبهم من حديث الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، قال: رسول الله ﷺ : «لا فرع ولا عتيرة» وزاد أحمد في " مسنده ": " في الإسلام " وفي لفظ النسائي: «أن النبي ﷺ نهى عن الفرع والعتيرة» ، وفي الصحيحين: الفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه لطواغيتهم والعتيرة في رجب.
وأسند أبو داود عن سعيد بن المسيب قال: الفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه، وقال الترمذي: والعتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، يعظمونها؛ لأنها أول الأشهر الحرام، والفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه.
وأخرج الدارقطني ثم البيهقي في " سننيهما " في الأضحية عن المسيب بن شريك عن عقبة بن اليقظان عن الشعبي عن مسروق عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : " «نسخت الزكاة كل صدقة ونسخ صوم رمضان كل صوم ونسخ غسل الجنابة كل غسل ونسخت
стр. 5952
وهي شاة تقام في رجب على ما قيل
ــ
[البناية]
الأضحى كل ذبح» وضعفاه، قال الدارقطني: المسيب بن شريك وعقبة بن اليقظان متروكان، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " في أواخر النكاح موقوفا على علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
م: (وهي) ش: أي العتيرة م: (شاة تقام في رجب) ش: أي كانوا يذبحونها في رجب تعظيما له على ما مر، وفي " الصحاح ": العتيرة شاة كانوا يذبحونها لأصنامهم، وفي " العباب ": العتيرة الصنم الذي كان تعتر عنده العتاير. كان الرجل إذا أعتر عتيرة رمى رأسه من بدنه ونصبه إلى حيث الصنم فوق شرف من الأرض ليعلم أنه إنما ذبح لذلك.
والعقر أيضا العقيرة مثال الذبح وذبيحة م: (على ما قيل) ش: أشار به إلى أن في تفسير العتيرة اختلافا وقد ذكرناه.
قلت: قد مر أن هذا حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ولئن صح فالمكتوبة: الفرض، ونحن نقول: إنها غير فرض، وإنما هي واجبة.
فإن قلت: قوله ﵇ «ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم ﵇» - "، وقد أطلق السنة.
فإن قلت: قوله ﷺ : «ثلاث كتبت علي» الحديث يدل على الوجوب؟
قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي عن محمد بن سلمة الواسطي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سلام بن مسكين عن عبد الله المحاسبي عن أبي داود الشعبي عن زيد بن أرقم. «قلنا: يا رسول الله ﷺ ما هذه الأضاحي؟ قال: " سنة أبيكم إبراهيم ﵇ " قلنا: فما لنا فيها؟ قال: " بكل شعرة حسنة " قلنا: فالصوف؟ قال: " بكل شعرة من الصوف حسنة» .
وقال الذهبي: وقال البخاري: لا يصح هذا، واسم أبي داود نفيع وأخرج ابن ماجه عن سلام بن مسكين عن عائذ الله بن عبد الله المحاسبي عن أبي داود الشعبي عن زيد بن أرقم «قلنا يا رسول الله ﷺ : ما هذه الأضاحي؟ قال: " سنة أبيكم إبراهيم ﵇ " قالوا: ما لنا
стр. 5953
وإنما اختص الوجوب بالحرية؛ لأنها وظيفة مالية لا تتأدى إلا بالملك، والمالك هو الحر، وبالإسلام لكونها قربة، وبالإقامة لما بينا، واليسار لما روينا من اشتراط السعة.
ــ
[البناية]
فيها؟ قال: " بكل قطرة حسنة» انتهى.
ولئن صح مع قوله: «ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم» فيقول: إنه مشترك الإلزام.
فإن قوله: ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم أي طريقته، فالسنة هي الطريقة المسلوكة في الدين.
قلت: روي: " أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يراها الناس واجبة ".
فإن قلت: روى البيهقي عن الثوري عن أبيه ومطرف وإسماعيل عن الشعبي عن أبي شريحة الغفاري قال: أدركت أو رأيت أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لا يضحيان في بعض حديثهم كراهة أن يقتدى بهما. وأبو شريحة صحابي.
وروي أيضا عن معمر عن إسماعيل بن أبي خالد عن مطرف عن عامر عن حذيفة بن أسد قال: رأيت أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن بهما. قال الفلاس. قلت: ليحيى بن سعيد: إن معتمرا حدثنا قال: حدثنا مطرف عن الشعبي عن أبي شريحة؟ فقال: هذا مثل حديثه عن الشعبي عن عمر الحملي يريد به يحيى أنه أخطأ في هذا كما أخطأ في ذاك. انتهى.
ولئن صح فجوابه أنهما كانا لا يضحيان في حالة الإعسار مخافة أن يراها الناس واجبة على المعسرين.
[على من تجب الأضحية]
م: (وإنما اختص الوجوب بالحرية) ش: هذا بالشروط المذكورة في أول الكتاب م: (لأنها) ش: أي لأن الأضحية م: (وظيفة مالية لا تتأدى إلا بالملك، والمالك هو الحر) ش: لأن العبد لا يملك شيئا م: (وبالإسلام) ش: أي اختص الوجوب بالإسلام م: (لكونها قربة) ش: والكافر ليس من أهلها، م: (وبالإقامة) ش: أي اختص الوجوب بالإقامة أيضا، م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: غير أن الأداء يختص بأسباب إلى آخره م: (واليسار) ش: بالجزء أي واختص الوجوب أيضا باليسار م: (لما روينا من اشتراط السعة) ش: أشار به إلى قوله ﷺ : «من وجد سعة» ... " الحديث.
стр. 5954
ومقداره ما يجب به صدقة الفطر، وقد مر في الصوم، وبالوقت وهو يوم الأضحى؛ لأنها مختصة به، وسنبين مقداره إن شاء الله تعالى.
وتجب عن نفسه؛ لأنه أصل في الوجوب عليه على ما بيناه، وعن ولده الصغير؛ لأنه في معنى نفسه فيلحق به كما في صدقة الفطر،
ــ
[البناية]
م: (ومقداره) ش: أي مقدار اليسار في هذا الباب م: (ما يجب به صدقة الفطر) ش: وهو أن يملك مقدار مائتي درهم فاضلا عن منزله وأثاثه وكسوته وخادمه وسلاحه، وفي " الأجناس " نقل عن الهارونيات: أنه جاء يوم الأضحى وله مائتا درهم وأكثر لا مال له غيره صرف ذلك أو أداه لم يجب عليه الأضحية وإن جاء يوم الأضحى ولا مال له ثم استفاد مائتي درهم ولا دين له قبل مضي الوقت وجبت عليه الأضحية.
وذكر أبو علي الدقاق الرازي صاحب كتاب " المحيط ": إن في العقارات والمبيعات إذا كان ملكا للرجل لا ينظر إلى قيمته وإنما ينظر إلى دخله. وفي " أضاحي علي الرازي " و " أبي القاسم الحربي " و " أبي عبد الله الزعفراني ": أنه يعتبر قيمتها لا دخلها كما في سائر الأمتعة.
قال أبو علي الدقاق: ولو كان خبازا عنده حطب قيمته مائتا درهم فجاء يوم الأضحى وذلك عنده عليه الأضحية، ولو كان له مصحف قرآن قيمته مائتا درهم وهو ممن يقرأ فيه ولا مال له غيره فلا أضحية عليه، ولو كان له مصحف قرآن قيمته مائتا درهم وهو ممن يقرأ فيه ولا مال له غيره فلا أضحية عليه وإن كان لا يقرأ فيه عليه الأضحية فإن كان ممن يحسن أن يقرأ إلا أنه يتهاون فيه فلا يقرأه ولا يستعمله، فلا أضحية عليه، وإن كان عنده كتب فقه وحديث قيمتها مائتي درهم، وهو من أهل العلم ممن ينفعه ويستعمله فلا أضحية عليه. وإن كان عنده ولا يحسن ذلك فعليه الأضحية، إلى هنا من الأجناس، وصاحب كتب الطب والنجوم والأدب، غنى بها أن كان قيمتها مائتي درهم.
م: (وقد مر في الصوم) ش: أي وقد مر بيان حكم اليسار في باب صدقة الفطر. م: (وبالوقت) ش: بالحر أي واختص الوجوب بالوقت أيضا. م: (وهو يوم الأضحى؛ لأنها مختصة به) ش: أي لأن الأضحية مختصة بيوم الأضحى م: (وسنبين مقداره إن شاء الله تعالى) ش: أي مقدار الوقت.
[الأضحية عن نفس المكلف]
م: (وتجب عن نفسه) ش: أي يجب الأضحية عن نفس المكلف، م: (لأنه أصل في الوجوب عليه على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله ويجب على كل حر مسلم.
م: (وعن ولده الصغير؛ لأنه في معنى نفسه) ش: أي لأن وليه الصغير في معنى نفسه لأنه جزؤه والشيء ملحق بكله م: (فيلحق به كما في صدقة الفطر) ش: لأن كل واحد منهما قربة مالية تعلقت بيوم العيد فكانا نظيرين في هذا الوجه.
стр. 5955
وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -. وروي عنه: أنه لا يجب عن ولده وهو ظاهر الرواية بخلاف صدقة الفطر؛ لأن السبب هناك رأس يمونة ويلي عليه. وهما موجودان في الصغير وهذه قربة محضة، والأصل في القرب أن لا تجب على الغير بسبب الغير ولهذا لا تجب عن عبده وإن كان يجب عنه صدقة فطره. وإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -.
ــ
[البناية]
م: (وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -) ش: أي الوجوب على الأب عن ولده الصغير رواية رواها الحسن في المجرد عن أبي حنيفة، وما ثبت الإشارة باعتبار الرواية م: (وروي عنه) ش: أي عن أبي حنيفة في الأصل، م: (أنه لا يجب عن ولده) ش: أي أن ذبح الأضحية لا تجب على الأب.
م: (وهو ظاهر الرواية) ش: أي هذا هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة قال قاضي خان: وعليه الفتوى، م: (بخلاف صدقة الفطر) ش: حيث تجب عليه عن ولده، م: (لأن السبب هناك) ش: أي لأن سبب الوجوب في باب صدقة الفطر م: (رأس يمونة ويلي عليه) ش: أي رأس بمؤنة الرجل، أي تجب عليه مؤنته ويلي عليه أن يتولى أمره.
م: (وهما موجودان في الصغير) ش: أي المؤنة والولاية موجودان في الصغير، م: (وهذه) ش: أي الأضحية م: (قربة محضة) ش: أي خالصة لأن الإراقة من العبد للرب من غير شائبة ومشاركة، ولا كذلك التصدق بالمال لأن المال كما يتقرب به إلى الله تعالى، يتقرب به إلى العباد، فلا يكون في صدقة الفطر قربة محضة، فجاز أن يجب على الغير بسبب الغير إذ أقام الدليل وقد قام صدقة الفطر.
م: (والأصل في القرب) ش: بضم القاف وفتح الراء جمع قربة م: (أن لا تجب على الغير بسبب الغير. ولهذا) ش: أي ولكون عدم الوجوب عليه بسبب الغير م: (لا تجب عن عبده) ش: أي لا يجب الأضحية على المولى عن عبده.
م: (وإن كان يجب عنه) ش: أي عن العبد م: (صدقة فطره) ش: لما قلنا: إنها ليست بقربة محضة فيجوز أن يجب عليه بسبب الغير م: (وإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: وبه قال مالك ولكن لا يتصدق باللحم لأن الواجب هو إراقة الدم وأما التصدق باللحم فإنه تطوع.
وقال الصغير: لا يحتمل التطوع فينبغي أن يطعم الصغير ويستبدل لحمه بالأشياء التي ينتفع بها الصغير مع بقاء أعيانها، كما في جلد الأضحية كذا في " التحفة ".
следующие страницы →