Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
ويفوت بمضي الوقت، فلا تجب عليه بمنزلة الجمعة، والمراد بالإرادة فيما روي والله أعلم: ما هو ضد السهو لا التخيير، والعتيرة منسوخة.
ــ
[البناية]
استحضارها أي تحصيلها والضمير يرجع إلى الأسباب فإذا كان كذلك سقطت عن المسافر تخفيفا كما سقط عنه الوضوء وجاز التيمم عند الزيادة على ثمن المثل، فهذا أولى بالسقوط لأنه أقوى حرجا من زيادة ثمن الماء؛ ولأن المسافر لو فرضنا أنه وجد شاة تصلح للأضحية فإنها يحتاج إلى حفظها إلى أن يجيء وقتها ويتعسر عليه ذلك فسقطت عنه دفعا للحرج ولم يوجد حالة السفر هذا المعنى في المقيم لم يسقط عنه قياسا على المسافر لعدم الجامع.
م: (ويفوت) ش: أي الأضحية م: (بمضي الوقت) ش: أي أيام النحر وهي ثلاثة أيام م: (فلا تجب عليه) ش: أي إذا كان الأمر كذلك على ما ذكرنا فلا تجب الأضحية على المسافر م: (بمنزلة الجمعة) ش: حيث سقطت عن المسافر لأمور يشق عليه استحضارها بخلاف المقيم كما ذكرنا.
م: (والمراد بالإرادة فيما روي والله أعلم) ش: هذا جواب عما استدلوا به من قوله ﷺ : «من أراد أن يضحي منكم» تقريره أن المراد بقوله ﷺ : من أراد م: (ما هو ضد السهو) ش: وهو القصد م: (لا التخيير) ش: أي ليس المراد التخيير بين الترك والإباحة فصار كأنه قال من قصد أن يضحي منكم، وهذا لا يدل على نفي الوجوب كما في قوله: «من أراد الصلاة فليتوضأ» وقوله: «من أراد منكم الجمعة فليغتسل» أي من قصد، ولم يرد التخيير فكذا هذا.
م: (والعتيرة منسوخة) ش: هذا جواب عن قولهم: وصار كالعتيرة، يعني: أنها لما كانت منسوخة لا يلزم من عدم وجوبها عدم وجوب ما ليس منسوخا، وروى الأئمة الستة في كتبهم من حديث الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، قال: رسول الله ﷺ : «لا فرع ولا عتيرة» وزاد أحمد في " مسنده ": " في الإسلام " وفي لفظ النسائي: «أن النبي ﷺ نهى عن الفرع والعتيرة» ، وفي الصحيحين: الفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه لطواغيتهم والعتيرة في رجب.
وأسند أبو داود عن سعيد بن المسيب قال: الفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه، وقال الترمذي: والعتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، يعظمونها؛ لأنها أول الأشهر الحرام، والفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه.
وأخرج الدارقطني ثم البيهقي في " سننيهما " في الأضحية عن المسيب بن شريك عن عقبة بن اليقظان عن الشعبي عن مسروق عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : " «نسخت الزكاة كل صدقة ونسخ صوم رمضان كل صوم ونسخ غسل الجنابة كل غسل ونسخت
стр. 5952
وهي شاة تقام في رجب على ما قيل
ــ
[البناية]
الأضحى كل ذبح» وضعفاه، قال الدارقطني: المسيب بن شريك وعقبة بن اليقظان متروكان، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " في أواخر النكاح موقوفا على علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
م: (وهي) ش: أي العتيرة م: (شاة تقام في رجب) ش: أي كانوا يذبحونها في رجب تعظيما له على ما مر، وفي " الصحاح ": العتيرة شاة كانوا يذبحونها لأصنامهم، وفي " العباب ": العتيرة الصنم الذي كان تعتر عنده العتاير. كان الرجل إذا أعتر عتيرة رمى رأسه من بدنه ونصبه إلى حيث الصنم فوق شرف من الأرض ليعلم أنه إنما ذبح لذلك.
والعقر أيضا العقيرة مثال الذبح وذبيحة م: (على ما قيل) ش: أشار به إلى أن في تفسير العتيرة اختلافا وقد ذكرناه.
قلت: قد مر أن هذا حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ولئن صح فالمكتوبة: الفرض، ونحن نقول: إنها غير فرض، وإنما هي واجبة.
فإن قلت: قوله ﵇ «ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم ﵇» - "، وقد أطلق السنة.
فإن قلت: قوله ﷺ : «ثلاث كتبت علي» الحديث يدل على الوجوب؟
قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي عن محمد بن سلمة الواسطي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سلام بن مسكين عن عبد الله المحاسبي عن أبي داود الشعبي عن زيد بن أرقم. «قلنا: يا رسول الله ﷺ ما هذه الأضاحي؟ قال: " سنة أبيكم إبراهيم ﵇ " قلنا: فما لنا فيها؟ قال: " بكل شعرة حسنة " قلنا: فالصوف؟ قال: " بكل شعرة من الصوف حسنة» .
وقال الذهبي: وقال البخاري: لا يصح هذا، واسم أبي داود نفيع وأخرج ابن ماجه عن سلام بن مسكين عن عائذ الله بن عبد الله المحاسبي عن أبي داود الشعبي عن زيد بن أرقم «قلنا يا رسول الله ﷺ : ما هذه الأضاحي؟ قال: " سنة أبيكم إبراهيم ﵇ " قالوا: ما لنا
стр. 5953
وإنما اختص الوجوب بالحرية؛ لأنها وظيفة مالية لا تتأدى إلا بالملك، والمالك هو الحر، وبالإسلام لكونها قربة، وبالإقامة لما بينا، واليسار لما روينا من اشتراط السعة.
ــ
[البناية]
فيها؟ قال: " بكل قطرة حسنة» انتهى.
ولئن صح مع قوله: «ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم» فيقول: إنه مشترك الإلزام.
فإن قوله: ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم أي طريقته، فالسنة هي الطريقة المسلوكة في الدين.
قلت: روي: " أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يراها الناس واجبة ".
فإن قلت: روى البيهقي عن الثوري عن أبيه ومطرف وإسماعيل عن الشعبي عن أبي شريحة الغفاري قال: أدركت أو رأيت أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لا يضحيان في بعض حديثهم كراهة أن يقتدى بهما. وأبو شريحة صحابي.
وروي أيضا عن معمر عن إسماعيل بن أبي خالد عن مطرف عن عامر عن حذيفة بن أسد قال: رأيت أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن بهما. قال الفلاس. قلت: ليحيى بن سعيد: إن معتمرا حدثنا قال: حدثنا مطرف عن الشعبي عن أبي شريحة؟ فقال: هذا مثل حديثه عن الشعبي عن عمر الحملي يريد به يحيى أنه أخطأ في هذا كما أخطأ في ذاك. انتهى.
ولئن صح فجوابه أنهما كانا لا يضحيان في حالة الإعسار مخافة أن يراها الناس واجبة على المعسرين.
[على من تجب الأضحية]
م: (وإنما اختص الوجوب بالحرية) ش: هذا بالشروط المذكورة في أول الكتاب م: (لأنها) ش: أي لأن الأضحية م: (وظيفة مالية لا تتأدى إلا بالملك، والمالك هو الحر) ش: لأن العبد لا يملك شيئا م: (وبالإسلام) ش: أي اختص الوجوب بالإسلام م: (لكونها قربة) ش: والكافر ليس من أهلها، م: (وبالإقامة) ش: أي اختص الوجوب بالإقامة أيضا، م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: غير أن الأداء يختص بأسباب إلى آخره م: (واليسار) ش: بالجزء أي واختص الوجوب أيضا باليسار م: (لما روينا من اشتراط السعة) ش: أشار به إلى قوله ﷺ : «من وجد سعة» ... " الحديث.
стр. 5954
ومقداره ما يجب به صدقة الفطر، وقد مر في الصوم، وبالوقت وهو يوم الأضحى؛ لأنها مختصة به، وسنبين مقداره إن شاء الله تعالى.
وتجب عن نفسه؛ لأنه أصل في الوجوب عليه على ما بيناه، وعن ولده الصغير؛ لأنه في معنى نفسه فيلحق به كما في صدقة الفطر،
ــ
[البناية]
م: (ومقداره) ش: أي مقدار اليسار في هذا الباب م: (ما يجب به صدقة الفطر) ش: وهو أن يملك مقدار مائتي درهم فاضلا عن منزله وأثاثه وكسوته وخادمه وسلاحه، وفي " الأجناس " نقل عن الهارونيات: أنه جاء يوم الأضحى وله مائتا درهم وأكثر لا مال له غيره صرف ذلك أو أداه لم يجب عليه الأضحية وإن جاء يوم الأضحى ولا مال له ثم استفاد مائتي درهم ولا دين له قبل مضي الوقت وجبت عليه الأضحية.
وذكر أبو علي الدقاق الرازي صاحب كتاب " المحيط ": إن في العقارات والمبيعات إذا كان ملكا للرجل لا ينظر إلى قيمته وإنما ينظر إلى دخله. وفي " أضاحي علي الرازي " و " أبي القاسم الحربي " و " أبي عبد الله الزعفراني ": أنه يعتبر قيمتها لا دخلها كما في سائر الأمتعة.
قال أبو علي الدقاق: ولو كان خبازا عنده حطب قيمته مائتا درهم فجاء يوم الأضحى وذلك عنده عليه الأضحية، ولو كان له مصحف قرآن قيمته مائتا درهم وهو ممن يقرأ فيه ولا مال له غيره فلا أضحية عليه، ولو كان له مصحف قرآن قيمته مائتا درهم وهو ممن يقرأ فيه ولا مال له غيره فلا أضحية عليه وإن كان لا يقرأ فيه عليه الأضحية فإن كان ممن يحسن أن يقرأ إلا أنه يتهاون فيه فلا يقرأه ولا يستعمله، فلا أضحية عليه، وإن كان عنده كتب فقه وحديث قيمتها مائتي درهم، وهو من أهل العلم ممن ينفعه ويستعمله فلا أضحية عليه. وإن كان عنده ولا يحسن ذلك فعليه الأضحية، إلى هنا من الأجناس، وصاحب كتب الطب والنجوم والأدب، غنى بها أن كان قيمتها مائتي درهم.
م: (وقد مر في الصوم) ش: أي وقد مر بيان حكم اليسار في باب صدقة الفطر. م: (وبالوقت) ش: بالحر أي واختص الوجوب بالوقت أيضا. م: (وهو يوم الأضحى؛ لأنها مختصة به) ش: أي لأن الأضحية مختصة بيوم الأضحى م: (وسنبين مقداره إن شاء الله تعالى) ش: أي مقدار الوقت.
[الأضحية عن نفس المكلف]
م: (وتجب عن نفسه) ش: أي يجب الأضحية عن نفس المكلف، م: (لأنه أصل في الوجوب عليه على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله ويجب على كل حر مسلم.
م: (وعن ولده الصغير؛ لأنه في معنى نفسه) ش: أي لأن وليه الصغير في معنى نفسه لأنه جزؤه والشيء ملحق بكله م: (فيلحق به كما في صدقة الفطر) ش: لأن كل واحد منهما قربة مالية تعلقت بيوم العيد فكانا نظيرين في هذا الوجه.
стр. 5955
وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -. وروي عنه: أنه لا يجب عن ولده وهو ظاهر الرواية بخلاف صدقة الفطر؛ لأن السبب هناك رأس يمونة ويلي عليه. وهما موجودان في الصغير وهذه قربة محضة، والأصل في القرب أن لا تجب على الغير بسبب الغير ولهذا لا تجب عن عبده وإن كان يجب عنه صدقة فطره. وإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -.
ــ
[البناية]
م: (وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله -) ش: أي الوجوب على الأب عن ولده الصغير رواية رواها الحسن في المجرد عن أبي حنيفة، وما ثبت الإشارة باعتبار الرواية م: (وروي عنه) ش: أي عن أبي حنيفة في الأصل، م: (أنه لا يجب عن ولده) ش: أي أن ذبح الأضحية لا تجب على الأب.
م: (وهو ظاهر الرواية) ش: أي هذا هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة قال قاضي خان: وعليه الفتوى، م: (بخلاف صدقة الفطر) ش: حيث تجب عليه عن ولده، م: (لأن السبب هناك) ش: أي لأن سبب الوجوب في باب صدقة الفطر م: (رأس يمونة ويلي عليه) ش: أي رأس بمؤنة الرجل، أي تجب عليه مؤنته ويلي عليه أن يتولى أمره.
م: (وهما موجودان في الصغير) ش: أي المؤنة والولاية موجودان في الصغير، م: (وهذه) ش: أي الأضحية م: (قربة محضة) ش: أي خالصة لأن الإراقة من العبد للرب من غير شائبة ومشاركة، ولا كذلك التصدق بالمال لأن المال كما يتقرب به إلى الله تعالى، يتقرب به إلى العباد، فلا يكون في صدقة الفطر قربة محضة، فجاز أن يجب على الغير بسبب الغير إذ أقام الدليل وقد قام صدقة الفطر.
م: (والأصل في القرب) ش: بضم القاف وفتح الراء جمع قربة م: (أن لا تجب على الغير بسبب الغير. ولهذا) ش: أي ولكون عدم الوجوب عليه بسبب الغير م: (لا تجب عن عبده) ش: أي لا يجب الأضحية على المولى عن عبده.
م: (وإن كان يجب عنه) ش: أي عن العبد م: (صدقة فطره) ش: لما قلنا: إنها ليست بقربة محضة فيجوز أن يجب عليه بسبب الغير م: (وإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: وبه قال مالك ولكن لا يتصدق باللحم لأن الواجب هو إراقة الدم وأما التصدق باللحم فإنه تطوع.
وقال الصغير: لا يحتمل التطوع فينبغي أن يطعم الصغير ويستبدل لحمه بالأشياء التي ينتفع بها الصغير مع بقاء أعيانها، كما في جلد الأضحية كذا في " التحفة ".
стр. 5956
وقال محمد وزفر والشافعي ﵏: يضحي من مال نفسه لا من مال الصغير فالخلاف في هذا كالخلاف في صدقة الفطر، وقيل: لا تجوز التضحية من مال الصغير في قولهم؛ لأن القربة تتأدى بالإراقة، والصدقة بعدها تطوع، فلا يجوز ذلك من مال الصغير. ولا يمكنه أن يأكله كله، والأصح أن يضحي من ماله ويأكل منه ما أمكنه، ويبتاع مما بقي ما ينتفع بعينه،
قال: ويذبح عن كل واحد منهم شاة، أو يذبح بقرة، أو بدنة عن سبعة
ــ
[البناية]
م: (وقال محمد وزفر والشافعي ﵏ م: يضحي من مال نفسه من مال الصغير) ش: لأنها في نفس الأمر إتلاف، ومال الصغير يحفظ عن هذا.
م: (فالخلاف في هذا كالخلاف في صدقة الفطر) ش: وفي بعض النسخ بالواو، أي الخلاف في وجوب الأضحية على الأب عن ولده الصغير كالخلاف في صدقة الفطر.
وقال القدوري في شرح " مختصر الكرخي ": تكلم أصحابنا المتأخرون في هذه المسألة فمنهم من قال: إنها محمولة على صدقة الفطر فيجب في مال الصغير عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجب عند محمد وزفر. ومنهم من قال: لا تجب في قولهم جميعا؛ لأن الواجب في الأضحية إراقة الدم، فالصدقة بها تطوع وذلك لا يجوز في مال الصغير، ولا يقدر الصغير في العادة أن يأكل جميعها، ولا يجوز أن تباع فكذلك لم تجب. والصحيح أن يقال: إنها تجب، ولا يتصدق بها؛ لأن ذلك تطوع، ولكن يأكل منها الصغير وبدخوله قدر حاجته، ويبتاع له بالباقي ما ينتفع به، كما يجوز أن يبيع البائع جلد الأضحية.
م: (وقيل لا يجوز التضحية من مال الصغير في قولهم) ش: جميعا أي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ﵏ م: (لأن القربة تتأدى بالإراقة، والصدقة بعدها تطوع) ش: أي بعد الإراقة وتذكير الضمير باعتبار بعد الذبح م: (فلا يجوز ذلك من مال الصغير) ش: أي التصدق من مال الصغير؛ لأنه تبرع.
م: (ولا يمكنه أن يأكله كله) ش: أي ولا يمكن للصغير أن يأكل كل ما ذبح له فيصير ضائعا وماله محفوظ عن ذلك م: (والأصح أن يضحي من ماله) ش: أي من مال الصغير م: (ويأكل منه) ش: بالنصب، أي ويأكل من الذي يضحي له م: (ما أمكنه) ش: أكله أي الذي أمكنه أكله كله م: (ويبتاع) ش: بالنصب أيضا ويشتري م: (مما بقي ما ينتفع بعينه) ش: كالمنخل والغربال ونحو ذلك، ولا يتصدق باللحم أيضا أصلا؛ لأن مال الصغير لا يحتمل ذلك.
[من تجزيء عنه الأضحية وحكم الإشتراك في الأضحية]
م: (قال: ويذبح عن كل واحد منهم شاة) ش: أي قال القدوري: من كل واحد عن نفسه وأولاده شاة م: (أو يذبح بقرة أو بدنة عن سبعة) ش: أي سبعة أنفس، واعلم أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد وأنها أقل ما تجب، وذكر الأترازي أن هذا إجماع وقال الكاكي: وقال مالك وأحمد
стр. 5957
والقياس: أن لا تجوز إلا عن واحد؛ لأن الإراقة واحدة، وهي القربة إلا أنا تركناه بالأثر؛ وهو ما روي «عن جابر ﵁ أنه قال: نحرنا مع رسول الله ﵊ البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة.»
ــ
[البناية]
والليث والأوزاعي: يجوز الشاة عن أهل بيت واحد، وكذا بقرة أو بدنة؛ لأنه ﷺ «لما ضحى كبشين وقرب أحدهما، قال: " اللهم هذا عن محمد، وأهل بيته " وقرب الآخر وقال: " إن هذا منك ولك عمن وجد من أمتي» .
وعن أبي هريرة لما ضحى بالشاة جاءت ابنته وتقول: عني فقال: وعنك. قلت: هذا لا يدل على وقوعه من اثنين بل هذا هبته ثوابه.
وقد روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أنه قال: الشاة عن واحد، انتهى.
والبدنة تجزئ عن سبعة إذا كانوا يريدون بها وجه الله ، وكذلك البقرة، وإن كان أحدهم يريد اللحم لم يجز عن الكل، وكذا لو كانت نصيب أحدهم أقل من السبع لم تجز، وأما إذا كانوا أقل من سبعة ونصيب أحدهم الثلث والآخر الربع جاز بعد أن لا يكون نصيب أحدهم أقل من السبع، هذا إذا اشتروا بالشركة أو اشترى أحدهم بنية الاشتراك ثم اشتراك بعد ذلك، يجوز الأضحية ولكن يضمن قيمة ما باع ويستوي الجواب إذا كان الكل من جنس واحد ومن أجناس مختلفة أحدهم يريد جزاء الصيد والآخر هدي المتعة والآخر الأضحية، بعد أن يكون الكل لوجه الله تعالى ويجوز استحسانا والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر، كذا في " شرح الطحاوي ".
م: (والقياس: أن لا تجوز إلا عن واحد؛ لأن الإراقة واحدة، وهي القربة إلا أنا تركناه بالأثر وهو ما روي «عن جابر ﵁ أنه قال: نحرنا مع رسول الله ﵊ البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري عن مالك عن أبي الزبير عن جابر وقال: «نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» وأخرج أبو داود في الأضحية والنسائي في الحج عن قيس عن عطاء عن جابر أن النبي ﷺ قال: «البقر عن سبعة والجزور عن سبعة» .
وإن قلت: أخرج الترمذي في " جامعه " والنسائي في " سننه " وأحمد في " مسنده " وابن حبان في " صحيحه " عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور
стр. 5958
ولا نص في الشاة، فبقي على أصل القياس.
وتجوز عن خمسة، أو ستة، أو ثلاثة، ذكره محمد ﵀ في " الأصل "؛ لأنه لما جاز عن سبعة فعمن دونهم أولى، ولا تجوز عن ثمانية أخذا بالقياس فيما لا نص فيه
ــ
[البناية]
عشرة» . وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
قلت: قال البيهقي: حديث أبي الزبير عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في اشتراكهم وهم مع النبي ﷺ في الجزور سبعة أصح، أخرجه مسلم، على أن اشتراكهم في العشرة محمول على أنه في القسمة لا في التضحية. م: (ولا نص في الشاة فبقي على أصل القياس) ش: أي لم يرد نص على أن يكون الشاة عن أكثر من واحد فاقتصر على أصل القياس وهو أن الإراقة واحدة فلا يجوز إلا عن واحد.
فإن قلت: كيف يقول ولا نص في الشاة، وقد روى الحاكم عن أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام، «وكان قد أدرك النبي ﷺ وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله ﷺ وهو صغير فمسح رأسه ودعا له، قال: " كان رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله» وقال: صحيح الإسناد.
قلت: هذا لا يدل على وقوعه من الجماعة، بل معناه أنه كان يضحي ويجعل ثوابه هبة لأهل بيته كما ذكرناه آنفا.
[إذا ذبحت البقرة عن خمس أو ستة أو ثلاثة هل تجزئهم]
م: (وتجوز عن خمسة، أو ستة، أو ثلاثة) ش: أي تجوز البقرة والبدنة، ذكره تفريعا على مسألة القدوري م: (ذكره محمد ﵀ في " الأصل ") ش: حيث قال: إذا ذبحت البقرة عن خمس أو ستة أو ثلاثة هل تجزئهم؟ قال: نعم م: (لأنه لما جاز عن سبعة فعمن دونهم أولى) ش: أي لأن ذبح الأضحية إذا جاز عن سبعة أنفس فما دونها بالطريق الأول، وكان فائدة التقييد بالسبعة يمنع الزيادة والنقصان. م: (ولا تجوز عن ثمانية) ش: يعني لا تجزئ البقرة أو البدنة أكثر من سبعة عن عامة العلماء.
قال القدوري: قال مالك: يجزئ عن أهل البيت وإن زادوا عن سبعة، ولا يجزئ عن البيتين وإن كانوا أقل من سبعة ويجيء بيانه الآن م: (أخذا بالقياس فيما لا نص فيه) ش: أخذا
стр. 5959
وكذا إذا كان نصيب أحدهم أقل من السبع، ولا تجوز عن الكل؛ لانعدام وصف القربة في البعض، وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى.
وقال مالك ﵀: تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة ولا تجوز عن أهل بيتين، وإن كانوا أقل منها؛ لقوله ﵊: " على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة ".
ــ
[البناية]
بالقياس، أخذا بمعنى مأخوذا نصب على الحال أي حال كون عدم الجواز مأخوذا بالقياس في الذي لم يرد فيه نص ويجوز أن يكون التقدير آخذين بالقياس والعامل محذوف تقديره: قلنا: هذا حال كون آخذين بالقياس، ويجوز أن يكون نصبا على التعليل، أي لأجل الأخذ بالقياس م: (وكذا إذا كان نصيب أحدهم أقل من السبع) ش: بضم السين.
م: (ولا تجوز عن الكل؛ لانعدام وصف القربة في البعض) ش: يعني لا يجوز من صاحب الكثير كما لا يجوز من صاحب القليل، كما إذا مات الرجل وخلف امرأة وابنا، وترك بقرة يضحياها، فلم يجز؛ لأن نصيب المرأة أقل من السبع؛ لأن نصيبها الثمن، وإذا لم يجز في نصيبها لم يجز في نصيب الابن. م: (وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى) ش: أي سنبين الأصل في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
[الأضحية عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة]
م (وقال مالك ﵀: تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة، ولا تجوز عن أهل بيتين وإن كانوا أقل منها؛ لقوله ﵊: «على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة» ش: هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عون عن أبي رملة حدثنا نحيف بن سليم قال: «كنا وقوفا مع رسول الله ﷺ بعرفات فقال: " يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هي التي يقول الناس لها: الرجبية» وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون.
ورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى الموصلي، والبزار في " مسانيدهم " والبيهقي في " سننه "، والطبراني في " معجمه "، وقال عبد الحق: إسناده ضعيف، وقال ابن القطان: وعلته الجهل بحال أبي رملة واسمه عامر، فإنه لا يعرف إلا بهذا يرويه عنه ابن عون، وقد رواه عنه أيضا حبيب بن محنف وهو مجهول أيضا.
قلت: ورواه من هذا الطريق عبد الرزاق في " مصنفه "، أخبرنا ابن جريج أخبرني عبد
стр. 5960
قلنا: المراد منه - والله أعلم - قيم أهل البيت؛ لأن اليسار له يؤيده ما يروى: «على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة»
ولو كانت البدنة بين اثنين نصفين تجوز
ــ
[البناية]
الكريم عن حبيب بن محنف بن سليم عن أبيه قال: انتهيت «إلى النبي ﷺ يوم عرفة وهو يقول: هل تعرفونها؟ فلا أدري ما رجعوا إليه، فقال النبي ﷺ : " على كل أهل بيت أن يذبحوا شاة في رجب وفي كل أضحى شاة» ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في " معجمه " بسنده ومتنه.
م: (قلنا: المراد منه - والله أعلم - قيم أهل البيت؛ لأن اليسار له) ش: هذا جواب بطريق التسليم وهذا إنما يكون إذا فتش عن حال حديث الخصم، وعرف حقيقته، فإن ظهر صحيحا، فحينئذ يشتغل بالجواب عنه، والحديث المذكور غير صحيح، ولئن صح فجوابه ما ذكره.
وقال البيهقي في " المعرفة ": إن صح هذا فالمراد به على طريق الاستحباب بدليل أنه فرق بين الأضحاة والعتيرة، والعتيرة غير واجبة بالإجماع.
م: (يؤيده ما يروى: «على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة» ش: أي: يؤيد التأويل المذكور هذه الرواية، وفيه نظر؛ لأن هذه الرواية لم تثبت، والعجب العجاب من الشراح، حيث قالوا: وهذا محكم وما رواه محتمل فحملناه على المحكم، كيف يكون محكما، ولم يثبت بهذه الرواية، فهي غير صحيحة.
وقيل في جوابه: إن المراد من الأضحاة البدنة والبقرة؛ لأن الإجماع دل على أن الشاة لا تجوز إلا عن واحد.
قلت: هذا ساقط بمرة؛ لأنا ذكرنا أحاديث تدل على أن الشاة تجوز عن أكثر من واحد، وذكرنا أنه مذهب جماعة من العلماء، فكيف يقال: إن الإجماع دل على أن الشاة لا تجوز إلا عن واحد؟!
م: (ولو كانت البدنة بين اثنين نصفين تجوز) ش: ذكره تفريعا على مسألة القدوري، وقد اختلف المشائخ فيه، قال في " النوازل ": سئل أحمد بن محمد القاضي عن جزور بين اثنين ضحيا به، قال: لا يجوز إذا كان الجزور بينهما نصفين؛ لأنه صار لكل واحد منهما ثلاثة أسباع ونصف سبع، وصار السبع نصفين ونصف السبع لا يجوز عن الأضحية وإذا بطل السبع بطل الكل، ألا ترى لو أراد أحدهما بنصيبه لحما لا يجوز الكل.
стр. 5961
في الأصح؛ لأنه لما جاز ثلاثة الأسباع جاز نصف السبع تبعا له، وإذا جاز على الشركة فقسمة اللحم بالوزن؛ لأنه موزون، ولو اقتسموا جزافا لا يجوز إلا إذا كان معه شيء من الأكارع والجلد اعتبارا بالبيع.
ــ
[البناية]
قال أبو الليث: لا نأخذ بهذا بل تجوز الأضحية إذا كان بينهما نصفان، أو على التفاوت؛ لأنه أراد نصف السبع التقرب وليس كالذي أراد اللحم؛ لأن هناك لم يرد به التقرب، أشار إليه بقوله م: (في الأصح) ش: وبه أخذ الصدر الشهيد أيضا.
م: (لأنه لما جاز ثلاثة الأسباع جاز نصف السبع تبعا له) ش: لأن ذلك النصف وإن لم يصر أضحية، لكنه صار قربة تبعا للأضحية، وكم من شيء ثبت ضمنا ولا يثبت قصدا وله نظائر كثيرة منها إذا ضحى شاة فخرج من بطنها جنين حي، فإنه يجب عليه أن يضحيها وإن لم تجز أضحيته ابتداء.
م: (وإذا جاز على الشركة فقسمة اللحم بالوزن) ش: وإذا جاز ذبح الأضحية على الشركة فقسمة لحمها لا يكون إلا بالوزن. م: (لأنه موزون) ش: أي لأن اللحم موزون م: (ولو اقتسموا جزافا لا يجوز) ش: لأن في القسمة معنى التمليك فلم يجزيه إلا مجازفة عند وجود الجنس والوزن لاحتمال الربا.
فإن قلت: بالتمليك يجوز هذا؟
قلت: لا يجوز التمليك أيضا؛ لأنه في معنى الهبة وهبة المشاع فيما يقسم لا يجوز. إليه أشار في " الإيضاح ".
فإن قلت: جزافا منصوب بماذا؟.
قلت: يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: ولو اقتسموا اقتساما جزافا ويجوز أن يكون حالا بمعنى مجازفين فافهم.
م: (إلا إذا كان معه) ش: أي مع أحد الشركاء م: (شيء من الأكارع والجلد) ش: فحينئذ يجوز لكون بعض اللحم مع الأكارع ومع الآخر البعض مع الجلد حتى يصرف الجنس إلى الجنس م: (اعتبارا بالبيع) ش: أي قياسا على البيع يعني الجنس بالجنس مجازفة لا يجوز إلا إذا كان مع كل واحد من العوضين شيء خلاف ذلك الجنس حتى يصرف الجنس إلى خلافه، كما لو باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم، والأكارع جمع أكرع، وأكرع جمع كراع، والكراع في الغنم والبقر بمنزلة الانطلاق في الفرس والبعير، وهو الساق يذكر ويؤنث، وفي " المثل ": أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا؛ لأن الذراع في اليد وهو اتصل من الكراع في الرجل.
стр. 5962
قال: ولو اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه، ثم اشترك فيها ستة معه جاز استحسانا، وفي القياس: لا يجوز، وهو قول زفر؛ لأنه أعدها للقربة، فيمنع عن بيعها تمولا، والاشتراك هذه صفته، وجه الاستحسان: أنه قد يجد بقرة سمينة يشتريها ولا يظفر بالشركاء وقت البيع، وإنما يطلبهم بعده، فكانت الحاجة إليه ماسة فجوزناه دفعا للحرج. وقد أمكن؛ لأن بالشراء للتضحية لا يمتنع البيع، والأحسن أن يفعل ذلك قبل الشراء ليكون أبعد عن الخلاف وعن صورة الرجوع في القربة. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يكره الإشراك بعد الشراء لما بينا.
ــ
[البناية]
[اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه، ثم اشترك فيها ستة معه]
م: (قال: ولو اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه، ثم اشترك فيها ستة معه جاز استحسانا) ش: هذا من مسائل الأصل ذكره تفريعا على مسألة القدوري.
م: (وفي القياس: لا يجوز، وهو قول زفر؛ لأنه أعدها للقربة) ش: أي لأن المشتري لما اشترى البقرة أعدها للتقرب؛ لأنه نوى بها التقرب.
م: (فيمنع عن بيعها تمولا) ش: أي إذا كان كذلك فيمنع عن بيع البقرة لأجل التمول م: (والاشتراك هذه صفته) ش: وفي بعض النسخ والاشتراك، قوله: هذه إشارة إلى المبادلة التي ذكر عليها سياقا والضمير في صفته يرجع إلى الاشتراك، وحاصل المعنى إذا وقع الاشتراك صار مبادلة؛ لأنه أعطي بدلا مالا وأخذ مالا، فقوله: والاشتراك مبتدأ وهذه مبتدأ ثاني وصفته خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، فهذا هو تحقيق هذا التركيب والنظر إلى الشروح ترى أنها بمعزل عن هذا.
م: (وجه الاستحسان: أنه) ش: أي في المضحي م: (قد يجد بقرة سمينة يشتريها ولا يظفر بالشركاء وقت البيع، وإنما يطلبهم بعده) ش: أي بعد الشراء م: (فكانت الحاجة إليه) ش: أي إلى الاشتراك م: (ماسة فجوزناه) ش: أي الاشتراك بعد الشراء م: (دفعا للحرج) ش: لأن الحرج مرفوع شرعا.
م: (وقد أمكن) ش: أي دفع حاجة في هذه الصورة م: (لأن بالشراء للتضحية لا يمتنع البيع) ش: ذكره في " المبسوط " بنفس الشراء لا يمنع البيع ولا يتعين في الأضحية وبه قالت الثلاثة، ولهذا لو اشترى أضحية، ثم باعها، فاشترى مثلها، لم يكن به بأس.
م: (والأحسن أن يفعل ذلك) ش: أي الاشتراك مع غيره م: (قبل الشراء ليكون أبعد عن الخلاف) ش: ويقع أضحية على وجه التعيين م: (وعن صورة الرجوع في القربة) ش: وليكون أيضا أبعد عن صورة الرجوع عن نية التقرب في شراء البقرة للتضحية.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يكره الإشراك بعد الشراء لما بينا) ش: أشار به على قوله: لأنه أعدها للتقرب فيمتنع بيعها تمولا، ثم إذا جاز عنه وعن شركائه، فهل يجب عليه
стр. 5963
قال: وليس على الفقير والمسافر أضحية لما بينا وأبو بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان إذا كانا مسافرين، وعن علي ﵁: ليس على المسافر جمعة ولا أضحية.
قال: و وقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر،
ــ
[البناية]
الذبح بسبب الأسباع التي باعها، ما بقي الوقت والتصدق بها بعد فوات الوقت أم لا؟، لم يذكره محمد في " الأصل "، وقد قال شيخ الإسلام المؤذن بخواهر زاده في شرح " الأصل ": حكي عن بعض مشايخ بلخ أنهم قالوا: عليه الذبح، ستة أسباع بقرة مثل الأولى في القيمة يشتري مع عتيرة فيذبح أو يشتري في ستة شاة، وفي الستة مثل قيمة ستة أسباع البقرة أو أكثر ويذبحها وإن مضى الوقت فإنه يتصدق بقيمة ستة أسباع البقرة غنيا كان أو فقيرا.
وقال القدوري في " شرحه لمختصر الكرخي ": وهذا الذي ذكره محمد من جواز الاشتراك بعد الشراء للأضحية، محمول على الغني إذا اشترى بقرة الأضحية؛ لأن ملكه لا يزول بالشراء، وإنما يقيمها عند الذبح مقام ما وجب عليه فإذا بقي منها سبع وكأنه اشترى ذلك في الأصل، إلا أنه يكره؛ لأنه حين اشتراها ليضحي بها فقد وعد وعدا، فلا ينبغي أن يرجع فيه.
وأما الفقير الذي أوجبها بالشراء فإنه لا يجوز أن يشترك فيها؛ لأنها تعينت بالوجوب فلم يسقط عنه ما لو أوجب على نفسه، ثم قال القدوري: وقد قالوا في مسألة الغني إذا اشترك بعدما اشتراها: ينبغي أن يتصدق بالثمن وإن لم يذكره محمد.
[الأضحية على الفقير والمسافر]
م: (قال: وليس على الفقير والمسافر أضحية) ش: أي قال القدوري م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله: واليسار ولما روينا والإقامة لما بينا م: (وأبو بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان إذا كانا مسافرين) ش: هذا لم يثبت عنهما بهذه العبارة، ولا ذكره أهل الحديث، وإنما الذي ذكره عن أبي شريحة الغفاري أنه قال: أدركت أو رأيت أبا بكر ﵁ وعمر ﵁ لا يضحيان. وقد ذكرناه فيما مضى وهذا أعم من الإقامة والسفر م: (وعن علي ﵁: ليس على المسافر جمعة ولا أضحية) ش: هذا أيضا لم يثبت عن علي ﵁.
فإن قيل: هذا مقدم في الجمعة.
قلت: هذا ليس بصحيح، وإنما الذي يقدم في الجمعة إنما هو حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مرفوعا: «لا جمعة ولا تشريق ولا أضحى ولا فطر إلا في مصر جامع» ولم يتقدم غيره.
[وقت الأضحية]
م: (قال: ووقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر) ش: أي قال القدوري: وقال إسحاق، وأحمد، وابن المنذر: إذا مضى من نهار يوم العيد قدر ما تحل الصلاة فيه والخطبات جازت الأضحية سواء صلى الإمام أو لم يصل، وسواء كان في المصر أو في القرى
стр. 5964
إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام العيد، فأما أهل السواد فيذبحون بعد الفجر والأصل فيه قوله ﵊: «من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» ، وقال ﵊: «إن أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة، ثم الأضحية» . غير أن هذا الشرط في حق من عليه الصلاة، وهو المصري دون أهل السواد؛ لأن التأخير لاحتمال التشاغل به عن الصلاة، ولا معنى للتأخير في حق القروي، ولا صلاة عليه. وما روينا
ــ
[البناية]
م: (إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام العيد، فأما أهل السواد) ش: أي أهل القرى م: (فيذبحون بعد الفجر) ش: ولا يسقط فيهم صلاة الإمام م: (والأصل فيه قوله ﵊: «من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» ش: أي الأصل فيه ترتيب الأضحية على الصلاة.
الحديث أخرجه البخاري، ومسلم عن البراء بن عازب ﵁ «- قال: ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة، وقال رسول الله ﷺ : " تلك شاة لحم " فقال: يا رسول الله ﷺ : إن عندي جذعة من المعز؟، فقال: " ضح بها، ولا يصلح لغيرك " ثم قال: " من ضحى قبل الصلاة لا يجوز، ومن ضحى بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» .
وأخرجه البخاري عن أنس أن النبي ﷺ قال: «من ذبح قبل الصلاة فليعد، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وقد أصاب سنة المسلمين» .
م: (وقال ﵊: «إن أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة، ثم الأضحية» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، بمعناه عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يبتدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء» .
م: (غير أن هذا الشرط) ش: وهو كون ذبح الأضاحي بعد صلاة الإمام م: (في حق من عليه الصلاة) ش: أي صلاة العيد، وهو المصري، أي الذي عليه الصلاة م: (وهو) ش: الرجل م: (المصري دون أهل السواد) ش: لأنه لا صلاة عليهم.
م: (لأن التأخير) ش: أي تأخير ذبح الأضاحي عن صلاة الإمام م: (لاحتمال التشاغل به عن الصلاة) ش: أي بالذبح عن صلاة العيد مع الإمام.
م: (ولا معنى للتأخير في حق القروي ولا صلاة عليه) ش: أي والحال أنه لا صلاة عليه فلا يحصل التشاغل بالمذكور. م: (وما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «من ذبح قبل الصلاة» .... "
стр. 5965
حجة على مالك والشافعي - رحمهما الله - في نفي الجواز بعد الصلاة قبل نحر الإمام.
ــ
[البناية]
الحديث. م: (حجة على مالك والشافعي - رحمهما الله - في نفي الجواز بعد الصلاة قبل نحر الإمام) ش: مذهب الشافعي ليس كذلك؛ لأنه ما يشترط نحر الإمام، ولكنه اشترط فراغ الإمام عن الخطبة فمن هذا الوجه يكون حجة عليه، لا من الوجه الذي ذكره، ولذلك قال في " المحلى ": لا معنى لمنع الشافعي التضحية قبل تمام الخطبة؛ لأنه ﷺ لم يحدد وقتا لتضحيته بذلك، فإنما مالك ﵀ هو الذي شرط نحر الإمام.
واختلف أصحاب مالك في الإمام الذي لا يجوز أن يضحى قبل تضحيته. قال بعضهم: هو أمير المؤمنين، وقال بعضهم: أمير البلد، وقال بعضهم: هو الذي يصلي بالناس صلاة العيد.
وقال ابن حزم: وقول مالك فلا حجة به، وخلاف الخبر أيضا، إذ لم يأمر النبي ﷺ . فقدر المراعاة قدر لصحة الغير وما يعرف في مراعاة تضحية الإمام عن أحد قبله. قيل في جوابه: فقد أخبر أبو الزبير ﵁ أنه قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: «أمر رسول الله ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى نحر النبي ﷺ » .
والجواب عن هذا: أن قوله ﷺ : «إن أول نسكنا في هذا اليوم....» الحديث، يدل عل أن الوقت نحر الإمام، وقيل الصلاة، لإضافة النسك إلى اليوم، وهو من أول طلوع الفجر، إلا أن في المصر شرط الصلاة بجوازها لحديث البراء بن عازب ﵁ الذي ذكره عن قريب.
فإن قلت: المعارضة لا تندفع مما ذكرت.
قلت: تندفع بحديث جابر ﵁ هذا لا يساوي حديث البراء، لصحة حديث البراء، ولعدم تبين صحة ذلك.
وفي " الدراية ": ولو كانت بلدة لا يصلى فيها لوقوع الفتنة، ولغلبة أهل الفتنة، أو لعدم السلطان أو نائبه يضحون بعد الزوال لا قبله؛ لأن قبل ذلك الصلاة مرجوح.
وفي " فتاوى الولوالجي ": بلدة وقع فيها فتنة ولم يبق فيها وال ليصلي بهم صلاة العيد، فضحى بعد طلوع الفجر جاز. وهو المختار؛ لأنه صارت البلدة في حق هذا الحكم كالسواد.
وفي " الفتاوى الكبرى ": ولو كانت الصلاة إما سهوا أو عمدا جاز لهم التضحية في هذا اليوم، ولو خرج الإمام إلى الصلاة من الغد فضحى الناس قبل أن يصلي الإمام، جاز؛ لأن الوقت المسنون فات من زوال الشمس من اليوم الأول فبعده الصلاة على وجه القضاء فلا تظهر
стр. 5966
ثم المعتبر في ذلك مكان الأضحية حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر يجوز كما انشق الفجر، ولو كان على العكس لا يجوز إلا بعد الصلاة وحيلة المصري إذا أراد التعجيل أن يبعث بها إلى خارج المصر فيضحي بها كما طلع الفجر؛ هذا لأنها تشبه الزكاة من حيث إنها تسقط
ــ
[البناية]
في حق التضحية.
ولو صلى الإمام صلاة العيد بغير وضوء، ولم يعلم به حتى ذبح الناس جازت أضحيتهم سواء أعلموا قبل أن يتفرق الناس أو بعده، ومتى علم الإمام ونادى للصلاة ليعيدها فمن ذبح قبل العلم بالنداء جاز، وبعده لا. ولو خرج بعد الزوال جاز؛ لأنه مضى مدة وقت الإعادة. كذا في " الذخيرة "، و " فتاوى قاضي خان ".
[سافر رجل فأمر أهله وهم في المصر أن يضحوا عنه]
م: (ثم المعتبر في ذلك) ش: أي في الذبح م: (مكان الأضحية حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر) ش: أي: وكان الذي يضحي في المصر م: (يجوز كما انشق الفجر) ش: لدخول الوقت م: (ولو كان على العكس) ش: وهو ما إذا كانت الأضحية في المصر والمضحي في السواد م: (لا يجوز إلا بعد الصلاة) ش: لعدم دخول الوقت قبل الصلاة، قال الكرخي في " مختصره ": إن كان رجل من أهل السواد، وسكنه فيه دخل المصر لصلاة الأضحى، وأمر أهله أن يضحوا عنه، فإنه يجوز أن يذبحوا عنه بعد طلوع الفجر.
وإن سافر رجل فأمر أهله وهم في المصر أن يضحوا عنه، فإنه لا يجوز أن يذبحوا عنه إلا بعد صلاة الإمام وطلوع الفجر.
قال محمد: أنظر إلى موضع الذابح ولا أنظر إلى موضع المذبوح عنه، وروي ذلك عن ابن سماعه في " نوادره "، وكذلك روى الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنه قال: يعتبر المكان الذي يكون فيه الذبح، ولا يعتبر الموضع الذي يكون فيه المذبوح عنه.
وقال الحسن: إن كان الرجل في المصر، وأهله في آخر لم يذبحوا حتى يصلى في المصرين جميعا، فإن ذبحوا قبل ذلك لم يجزه.
وقال محمد: يؤخر الذبح حتى يصلى في المصر الذي فيه الذبيحة ولا ينتظر بذلك صلاة المصر الآخر، فإن صلى الإمام العيد ولم يخطب أجزئ من الذبح، وقال محمد: إن أخر الإمام صلاة العيد فليس للرجل أن يذبح الأضحية حتى ينتصف النهار.
م: (وحيلة المصري إذا أراد التعجيل أن يبعث بها) ش: أي بالأضحية م: (إلى خارج المصر فيضحي بها كما طلع الفجر) ش: لأن الاعتبار لمكان الأضحية كما مر. م: (هذا) ش: أشار إلى كون مكان الأضحية معتبرا. م: (لأنها) ش: أي الأضحية م: (تشبه الزكاة من حيث إنها تسقط
стр. 5967
بهلاك المال قبل مضي أيام النحر كالزكاة بهلاك النصاب، فيعتبر في الصرف مكان المحل، لا مكان الفاعل اعتبارا بها بخلاف صدقة الفطر؛ لأنها لا تسقط بهلاك المال بعدما طلع الفجر من يوم الفطر.
ولو ضحى بعدما صلى أهل المسجد، ولم يصل أهل الجبانة أجزأه استحسانا؛ لأنها صلاة معتبرة حتى لو اكتفوا بها أجزأتهم، وكذا على عكسه. وقيل: هو جائز قياسا واستحسانا.
ــ
[البناية]
بهلاك المال قبل مضي أيام النحر كالزكاة) ش: تسقط م: (بهلاك النصاب فيعتبر في الصرف) ش: أي صرف الواجب م: (مكان المحل) ش: أي محل الذبح م: (لا مكان الفاعل اعتبارا بها) ش: أي بالزكاة حيث يؤدى في موضع المال دون موضع صاحبه.
م: (بخلاف صدقة الفطر) ش: حيث يعتبر فيها مكان الفاعل وهو المؤدي م: (لأنها لا تسقط بهلاك المال بعدما طلع الفجر من يوم الفطر) ش: فحينئذ يعتبر مكان صاحب الذمة وهو المؤدي.
[ضحى بعدما صلى أهل المسجد ولم يصل أهل الجبانة]
م: (ولو ضحى بعدما صلى أهل المسجد، ولم يصل أهل الجبانة) ش: بفتح الجيم وتشديد الباء وبعد الألف نون، وهو المصلى الذي يتخذ في قفار المصر ليصلى فيها العيد، ونحوه، وهذا من مسائل " الأصل " ذكره تفريعا على مسألة القدوري، وصورته: ما ذكره الكرخي في " مختصره ": وإذا كان الإمام قد خلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد وفي المصر، ويخرج بالآخرين إلى المصلى فصلى في أحد المسجدين أيهما كان جاز ذبح الأضحى، انتهى.
وهو معنى قوله: م: (أجزأه استحسانا؛ لأنها صلاة معتبرة حتى لو اكتفوا بها) ش: أي بالصلاة في المسجد في المصر م: (أجزأتهم) ش: حتى لا يجب عليهم الذهاب إلى الجبانة، ولو لم تكن معتبرة يجب عليهم الذهاب إلى الجبانة في القياس لا يجوز؛ لأنها عبارة دارت بين الجواز وعدمه، فيبقى أن لا تجوز احتياطا وهذا لأنه من حيث كونها بعد الصلاة يجوز من حيث كونها قبل الصلاة التي تؤدى في الجبانة لا تجوز.
م: (وكذا على عكسه) ش: أي: وكذا يجوز استحسانا لا قياسا عكس الحكم المذكور وهو أن يصلي أهل الجبانة دون أهل المسجد. م: (وقيل: هو) ش: أي العكس م: (جائز قياسا واستحسانا) ش: لأن أداء الصلاة في المسجد أخص منها بالجبانة.
قال الحلواني: هذا إذا ضحى رجل ممن صلى. أما إذا ذبح رجل من الذين لم يصلوا لم يجز قياسا واستحسانا.
قال الزعفراني: يجري القياس والاستحسان في الذبح بعد أحد الصلوات مطلقا بعدما تصلي إحدى الطائفتين.
فإن قلت: أصل هذه المسألة: فإذا قلت صورها محمد على هذا الوجه؛ لأن علي بن أبي
стр. 5968
قال: وهي جائزة في ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده
ــ
[البناية]
طالب ﵁ كان يستخلف بالكوفة من يصلي صلاة العيد بالصفة في المسجد الجامع، وكان يخرج مع الأقرباء إلى الجبانة، كذا ذكره شيخ خواهر زاده في " شرح الأصل ".
وقالوا في " شرح الجامع الصغير " في كتاب الحج: دونت المسألة على أن صلاة العيد في مصر واحد في موضعين تجوز بخلاف صلاة الجمعة فإنها لا تجوز في موضعين في مصر واحد؛ لأنها سميت جمعة لاجتماع الناس وفي ذلك تفرقهم.
[أيام النحر وأفضل هذه الأيام]
م: (قال: وهي جائزة في ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده) ش: أي قال القدوري: الأضحية جائزة في ثلاثة أيام: يوم النحر أولها، والثاني والثالث: وهما يومان بعد يوم النحر.
وبه قال مالك، وأحمد، والثوري، وهو قول ستة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وهم عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس ﵃.
وقال ابن سيرين: لا يجوز إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد فلا يجوز إلا في يوم واحد كأداء الفطرة يوم الفطر.
وبقوله قال سعيد بن جابر، وجابر بن زيد ﵃ في أهل الأمصار، وبقولنا في أهل منى، وقال أهل الظاهر: يجوز التضحية إلى هلال محرم، وبه قال سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار. وروى محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵃، وسليمان بن يسار أنهما قالا بلغنا أنه ﷺ قال: «الأضاحي إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك» .
قلت: روى ذلك أبو داود في " المراسيل ".
فإن قلت: " المراسيل " عندكم حجة، وكذا عند المالكية فكان ينبغي أن يقول به.
قلت: قول الصحابة الذين لم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافه أولى بأن يقال به. وعن قريب يتبين أقوالهم.
وقال صاحب " الاستذكار ": روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر ﵃ ولم يختلف فيه عن أبي هريرة وأنس ﵁ وهو الأصح عن ابن عمر ﵄ وهو مذهب أبي حنيفة والثوري ومالك، وفي " نوادر الفقهاء " لابن بنت نعيم: أجمع الفقهاء أن التضحية في اليوم الثالث عشر غير جائز إلا الشافعي فإنه أجازها فيه.
стр. 5969
وقال الشافعي ﵀: ثلاثة أيام بعده لقوله ﵊: «أيام التشريق كلها أيام ذبح» .
ــ
[البناية]
وفي " التفريع ": قال مالك: وقتها يوم النحر ويومان بعده، ولا يضحى في اليوم الرابع ولا يضحى بليل، وقال الحربي: وإذا مضى نهار من يوم الأضحى مقدار صلاة الإمام العيد وخطبته فقد حل الذبح إلى آخر يومين من أيام التشريق نهارا ولا يجوز ليلا.
م: (وقال الشافعي ﵀: ثلاثة أيام بعده) ش: أي بعد يوم النحر، فالجملة أربعة أيام عنده، وبه قال عطاء والحسن.
وقال أصحاب الشافعي: أول الوقت بانقضاء وقت الكراهة بعد طلوع الشمس يوم العيد وبعد مقدار خطبتين وركعتين خفيفتين، وقيل: بل طويلتين على العادة، وآخره غروب الشمس ثالث أيام التشريق، ويجزئ بالليل وفي اليوم الثالث من أيام التشريق.
م: (لقوله ﵊: «أيام التشريق كلها أيام ذبح» ش: هذا الحديث أخرجه أحمد في " مسنده " وابن حبان في " صحيحه " من حديث عبد الرحمن بن أبي جبير عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح وعرفة كلها موقف......» الحديث وقد مر في الحج ورواه البيهقي أيضا.
والجواب عن هذا: أن فيه اضطرابا كثيرًا بين صاحب الشعر وبين البيهقي أيضا بعضه.
قال: ورواه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف عند بعض أهل النقل.
قلت: هو ضعيف عند كلهم أو أكثرهم، وقد ذكره في كتابه في باب المعتكف يصوم فقال: ضعيف بمرة لا يقبل منه ما ينفرد به، ورواه البزار في " مسنده "، وقال ابن أبي حسين: لم يلق جبير بن مطعم فيكون منقطعا؛ لأنه يرجحه.
فإن قلنا: أخرجه أحمد أيضا والبيهقي عن سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ .
قلت: قال البيهقي سليمان بن موسى لم يدرك جبير بن مطعم فيكون منقطعا.
فإن قلت: أخرج ابن عدي في " الكامل " عن معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن ابن المسيب ﵁ عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق كلها ذبح» .
стр. 5970
ولنا: ما روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃: أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها. وقد قالوه سماعا؛ لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير. وفي الأخبار تعارض، فأخذنا بالمتيقن
ــ
[البناية]
قلت: معاوية بن يحيى ضعفه النسائي وابن معين وعلي بن المديني، وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": فإن هذا حديث موضوع بهذا الإسناد.
فإن قلت: أخرج البيهقي من حديث طلحة بن عمر وعن عطاء وعن ابن عباس ﵁ قال: الأضحى ثلاث أيام بعد أيام النحر.
قلت: أخرج الطحاوي بسند جيد عن ابن عباس ﵁ قال: الأضحى ثلاثة أيام ويومان بعد يوم النحر.
م: (ولنا ما روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ أنهم قالوا أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها) ش: قال الزيلعي في " تخريج أحاديث الهداية ": هذا غريب جدا، يعني عن هؤلاء الأصحاب الثلاثة، وليس كذلك.
قال الكرخي: قال في " مختصره ": حدثنا أبو بكر محمد بن الجنيد قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا ابن أبي ليلى عن المنهال ابن عمرو عن زر بن حبيش وعباد بن عبد الله الأسدي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أنه كان يقول: أيام النحر ثلاثة أيام أولهن أفضلهن. وعن ابن عباس وعن ابن عمر مثله قال: " النحر ثلاثة أيام أولها أفضلها ".
وروي: " النحر ثلاثة أيام " عن عمر ﵁ وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وعن الحسن وعن إبراهيم النخعي.
وقال محمد في كتاب " الآثار ": أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: الأضحى ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده.
وحديث مالك ﵁ في " الموطأ " عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى.
وفي " سنن البيهقي " عن قتادة عن أنس ﵁ قال: الذبح بعد يوم النحر يومان.
م: (وقد قالوه سماعا؛ لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير) ش: لأن تخصيص العبادات بوقت لا يعرف إلا سماعا وتوقيتا. فالمروي عنهم كالمروي عن رسول الله ﷺ .
م: (وفي الأخبار تعارض فأخذنا بالمتيقن) ش: أراد بالأخبار ما رواه الشافعي - رضي الله
стр. 5971
وهو الأقل، وأفضلها أولها كما قالوا؛ ولأن فيه مسارعة إلى أداء القربة، وهو الأصل إلا لمعارض،
ويجوز الذبح في لياليها إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل.
ــ
[البناية]
عنه - من حديث جبير بن مطعم - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وما رواه الكرخي ﵁ عن الصحابة المذكورين، وجه التعارض: أن الحديث يقتضي جواز الأضحية في اليوم الرابع من النحر، والأخبار تقتضي الاقتصار على ثلاثة أيام.
م: (وهو الأقل) ش: أي المتيقن هو الأقل.
فإن قلت: إذا كان الأخذ بالمتقين أولى كان ينبغي أن يؤخذ بقول ابن سيرين، حيث لم يجوز إلا يوم النحر خاصة كما ذكرناه.
قلت: ترك هذه المخالفة قول الصحابة الكبار فلا يعتبر على ما ورد عن هؤلاء الذين ذكرناه م: (وأفضلها أولها كما قالوا) ش: أي أفضل الأيام الثلاثة أولها وهو يوم النحر كما قال عمر وعلي وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
م: (ولأن فيه) ش: أي في أول الأيام م: (مسارعة إلى أداء القربة) ش: فيكون أفضل لقوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] الآية.
م: (وهو الأصل) ش: أي المسارعة إلى أداء القربة هو الأصل. وذكر الضمير باعتبار التنازع م: (إلا لمعارض) ش: أي إلا لأجل عرض يؤخذ كما في الإسفار بالفجر والإبراد بالظهر. وهو قوله ﷺ : «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر وأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» .
م: (ويجوز الذبح في لياليها) ش: أراد الليلتين المتسوطتين لا ليلة الرابع عندنا لخروج وقت التضحية بغروب الشمس، من اليوم الثاني عشر، وعند الشافعي ﵀: يبقى، أما ليلة العاشر وهي ليلة العيد لا يجوز بإجماع العلماء ﵃ فبقولنا قال الشافعي ﵁ وأحمد وأصحاب الظواهر. وقال مالك وأحمد ﵃ في رواية: لا يجوز في الليل؛ لأنه قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] (الحج: الآية ٢٨) . ولنا أن الليل تبيع اليوم فصار وقتا للذبح، ولهذا يجوز الرمي فيه بالإجماع فيكون وقتا للذبح. م: (إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل) ش: أي في الذبح أو في الشاة من أنها له أو لغيره. أو لغلط مع شاة فإن فيها بعض الشروط.
فإن قلت: «روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الذبح بالليل» .
стр. 5972
وأيام النحر ثلاثة، وأيام التشريق ثلاثة، والكل يمضي بأربعة أولها نحر لا غير، وآخرها تشريق لا غير. والمتوسطان: نحر وتشريق. والتضحية فيها أفضل من التصدق بثمن الأضحية؛ لأنها تقع واجبة، أو سنة،
ــ
[البناية]
قلت: في سنده ميسر بن عبيد وهو مذكور بوضع الحديث عمدا.
فإن قلت: روى البيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسن «أنه قال لقيم له خديجة بالليل: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن حداد الليل وحرام النحل أو قال: حصار النحل» . قال الثوري: يكون بالنهار ويحصره المساكين. فسألوا جعفرا عن الأضحى بالليل فقال: لا.
وروى البيهقي من حديث أشعب بن عبد الملك عن الحسن قال: «نهى عن حداد الليل وحصاد الليل والأضحى بالليل» .
قلت: قال البيهقي: إنما كان ذلك من شدة حال الناس، كان الرجل يفعله ليلا فنهي، ثم رخص في ذلك.
م: (وأيام النحر ثلاثة، وأيام التشريق ثلاثة، والكل يمضي بأربعة أولها نحر لا غير) ش: يعني غير تشريق م: (وآخرها تشريق لا غير) ش: يعني وآخر أيام الأربعة تشريق من غير نحر م: (والمتوسطان) ش: وهما الحادي عشر والثاني عشر من الشهر م: (نحر وتشريق) ش: فيساويان في يومين ويشابهان في يومين.
وقال القدوري في " شرحه ": هذه الأيام الثلاثة عندنا تدخل فيها المعلومات والمعدودات. لأن أبا يوسف قال: إن المعلومات أيام التشريق وأيام النحر من المعدودات وليس من المعلومات، وآخر أيام التشريق من المعلومات وليس من المعدودات، واليوم الثاني والثالث من المعدودات والمعلومات.
م: (والتضحية فيها) ش: أي في أيام النحر م: (أفضل من التصدق بثمن الأضحية؛ لأنها) ش: أي التضحية م: (تقع واجبة) ش: على ظاهر الرواية الذي هو قول أبي حنيفة م: (أو سنة) ش: أي أو تقع سنة على رواية أخرى، وهي قولهما والشافعي وأحمد؛ لأن إراقة الدم في هذه الأيام أفضل؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء ﵃ بعده ضحوا فيها. ولو كان التصدق أفضل لاشتغلوا به.
стр. 5973
والتصدق تطوع محض فتفضل عليه، ولأنها تفوت بفوات وقتها. والصدقة يؤتى بها في الأوقات كلها، فنزلت منزلة الطواف والصلاة في حق الآفاقي، ولو لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه، أو كان فقيرا، وقد اشترى شاة للتضحية تصدق بها حية، وإن كان غنيا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر؛ لأنها واجبة على الغني، وتجب على الفقير بالشراء بنية التضحية عندنا،
ــ
[البناية]
[لم يضح حتى مضت أيام النحر]
م: (والتصدق تطوع محض) ش: وإتيان السنة المؤكدة أفضل من إتيان التطوع م: (فتفضل عليه) ش: أي تفضل الأضحية على الصدقة، ولو قال " عليه " أي على التصدق لكان أولى؛ لأنه هو المذكور م: (ولأنها) ش: أي التضحية م: (تفوت بفوات وقتها والصدقة يؤتى بها في الأوقات كلها فنزلت منزلة الطواف والصلاة في حق الآفاقي) ش: فإن طواف التطوع في حقه أفضل من صلاة التطوع بمكة، بخلاف المكي، لما ذكرنا من المعنى ولا يعلم فيه خلاف.
م: (ولو لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه) ش: بأن قال: لله تعالى علي أن أضحي بها أو أذبحها أو نحو ذلك سواء كان الموجب غنيا أو فقيرا.
وقال الكاكي: قيد الإيجاب غير مفيد؛ لأنه لو كان واجبا بدون الإيجاب على نفسه والحكم كذلك.
قلت: بل هو مفيد؛ لأنه إذا كان فقيرا واشترى من غير نية الأضحية، ومضت أيام النحر لم يجب عليه التصدق.
م: (أو كان فقيرا) ش: أي أو كان الرجل فقيرا م: (وقد اشترى شاة للتضحية تصدق بها حية) ش: يعني الفقير.
م: (وإن كان غنيا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر؛ لأنها واجبة على الغني، وتجب على الفقير بالشراء بنية التضحية عندنا) ش: خلافا للشافعي وأحمد، واعلم أن الشاة تتعين للأضحية بأن نذر أن يضحي بها أو نوى عند الشراء وأن يضحي بها، وكان المشتري فقيرا. هذا ظاهر الرواية.
وروى الزعفراني عن أصحابنا: أن التضحية بعينها لا تجب إلا بالنذر ولا تجب التضحية بعينها بنية الشرى للأضحية، وإن كان المشتري فقيرا، وهو القياس، وهو قول الشافعي. لأن القرب يلزم بأحد الأمرين: إما بالشروع أو بالنية، لم يوجد بالشراء مع نية الأضحية لا هذا ولا ذاك فلا يلزمه كما لو اشترى مالا بنية التصدق، أو عبدا بنية العتق.
وجه الاستحسان: «أن النبي ﷺ دفع إلى حكيم بن حزام دينارا يشتري له بها أضحية
стр. 5974
فإذا فات الوقت يجب عليه التصدق إخراجا له عن العهدة، كالجمعة تقضى بعد فواتها ظهرا، والصوم بعد العجز فدية.
ــ
[البناية]
فاشترى بها ثم باعها بدينارين ثم اشترى شاة بدينار فجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك فقال رسول الله ﷺ : " بارك الله لك في صفقة يمينك " وأمره أن يضحي بالشاة ويتصدق بالدينار.» فلولا أن الأضحية لزمته بمجرد النية لما أمر بالتصدق وفيه دليل على جواز بيع الأضحية.
[وقت ذبح الأضحية]
م: (فإذا فات الوقت يجب عليه التصدق إخراجا عن العهدة) ش: فيتصدق بالشاة إن كانت حية وكان فقيرا، وإن كان غنيا يتصدق بقيمة شاة اشترى أو لا، كما ذكرنا حتى لو ذبح الغني أو الفقير ولم يتصدق بعينها لا يحل له تناولها ويضمن فضل ما قيمتها مذبوحة وغير مذبوحة. كذا في " الأوضح ".
م: (كالجمعة تقضى بعد فواتها ظهرا) ش: إذ الجامع بينهما من حيث إن قضاء ما وجب عليه في الأداء غير جنس الأداء بطريق الاحتياط، وهذا لأن التضحية، وإن ثبتت قربة في أيامها بالنص، إلا أنه احتمل أن يكون التصدق بعين الشاة أو بقيمتها أصلا؛ لأنه هو المشروع في باب المال. كما في سائر الصدقات. وإنما نقل إلى التضحية تطيبا لطعام الضيافة.
فإن قلت: لو كان التصدق أصلا لكان أحب من التضحية في أيامها.
قلت: هذا موهوم، فلم يعتبر مقابلة المنصوص المتيقن، فإذا فات المتيقن عملنا بالموهوم احتياطا، كما في الفدية، إذا عجز عن الصوم، أشار إليه بقوله: (والصوم بعد العجز فدية) ش: أي كالصوم يقضى بعد العجز فدية.
فإن قلت: فدية منصوب بماذا؟
قلت: على التمييز يعني من حيث الفدية وكذا انتصاب ظهرا فافهم. وفي " الذخيرة " من كان موسرا في آخر الوقت فلم يضح ومضى الوقت وجب عليه التصدق بقيمة شاة حتى يلزمه الإيصاء بها وفيها.
ومن نذر أن يضحي شاة بأن قال: لله علي أن أضحي شاة. فإن كان موسرا فعليه أن يضحي بشاتين إلا أن يعين ما يجب عليه. ولو كان فقيرا فعليه شاة، فإن أيسر كان عليه شاتان، فأوجب بالنذر وما وجب باليسر.
وفي " الإيضاح ": لا يأكل مما وجب بالنذر شاة بعينها يصدق بينها بعد مضي الوقت.
وفي " الأصل " لخواهر زاده: ولو باع ما اشترى للأضحية واشترى غيرها وضحى بها في
стр. 5975
قال: ولا يضحي بالعمياء والعوراء والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك، ولا العجفاء لقوله ﵊: «لا تجزئ في الضحايا أربعة: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقى» .
ــ
[البناية]
أيام النحر فإن كانت الثانية مثل الأولى أو خير منها جاز ولا شيء عليه؛ لأنه أدى الواجب بالمثل وزيادة فإن كانت الثانية أقل قيمة من الأولى وقد اشترى الأولى بنية التضحية.
وإن كان المشتري غنيا فإنه يجزيه ولا يلزمه التصدق بشيء، وإن كان فقيرا ضحى بالثانية يجزيه ويتصدق إلى تمام قيمة الأولى؛ لأن الثانية بنية الأضحية يجعل كالنذر من الفقير، ولو نذر أن يضحي بالأولى ثم باعها واشترى الأخرى وضحى بها، فإنه يجوز التضحية بالأخرى، كان عليه أن يتصدق إلى تمام قيمة الأولى فكذا هذا.
[مالا يجزئ في الأضحية]
[التضحية بالعمياء]
م: (قال: ولا يضحي بالعمياء) ش: أي قال القدوري، وقال داود الأصفهاني: يجوز العمياء لأن الشرع ورد في العوراء ولم يرد في العمياء والقياس عندي ليس بحجة، وقالت العامة: الشرع لم يجوز العوراء والعمياء عور وزيادة فيكون النص الوارد في العوراء، وأراد في العمياء بدلالة النص كما في قوله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
م: (والعوراء) ش: وهي الذاهبة إحدى العينين. م: (والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك) ش: بفتح الميم وسكون دون كسر السين، وهو الموضع الذي يذبح فيه والقياس فيه فتح من نسك لله نسكا ومنسكا إذا ذبح لوجهه. وقال القدوري في شرح " مختصر الكرخي ": إن العرج إذا لم يمنعها من المشي بنفسها جازت، وإن كان لا تمشي فإنه لا يجوز.
م: (ولا العجفاء) ش: أي المهزولة، من عجف يعجف من باب علم يعلم م: (لقوله ﵊: «لا تجزئ في الضحايا أربعة: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى» ش: هذا الحديث أخرجه الأربعة عن شعبة أخبرني سليمان بن عبد الرحمن سمعت عبيد بن فيروز قال: «سألت البراء بن عازب ﵁ عما نهى النبي ﷺ عنه من الأضاحي؟ فقال: قام فينا رسول الله ﷺ وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله فقال: " أربع لا تجوز في الضحايا العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسير التي لا تنقى» .
стр. 5976
وقال: ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب، أما الأذن فلقوله ﵊: «استشرفوا العين والأذن»
ــ
[البناية]
وقال الترمذي: العجفاء عوض الكسير، وقال: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز عن البراء ﵁ ورواه أحمد في " مسنده "، ومن طريق أحمد رواه الحاكم في " المستدرك " في الحج.
ورواه مالك في الحج ورواه مالك في " الموطأ " عن عمرو بن الحارث عن عبيد بن فيروز عن البراء وقال: «العجفاء» ... ". وأخرجه الحاكم أيضا عن أيوب بن سويد حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن البراء بمثله وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إنما أخرج مسلم حديث سليمان بن عبد الله عن عبيد بن فيروز عن البراء وهو مما أخذ على مسلم اختلاف الناقلين فيه، وأصحه حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن أبي سالم بن أيوب بن سويد. انتهى كلامه. قال الذهبي في " مختصره ": وأيوب بن سويد ضعفه أحمد. انتهى.
قلت: وعلى الحاكم هنا اعتراضان، أحدهما: إن حديث عبيد بن فيروز عن البراء لم يروه مسلم، وإنما رواه أصحاب السنن، والآخر: أنه صح حديث أيوب بن سويد ثم أخرجه، قوله: «العوراء البين عورها» أي التي قد انتخست وذهبت؛ لأنها قد ذهبت عينها، والعضو عضو مستطاب، ولو كان على عينها بيان ولم يذهب جازت التضحية؛ لأن عورها ليس ببين، ولا ينقص ذلك لحمها. قوله: والمريضة البينة مرضها أي التي يبين أثر المرض عليها؛ لأن ذلك ينقص لحمها. وبه قال أحمد في الأصح.
وقال الشافعي والقاضي الحنبلي: المراد بالمريضة الجرباء؛ لأن الجرب يفسد اللحم ويهزل إذا كثر، وهذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل، قوله: التي لا تنقى أي التي ليس بها نقي أي مخ من شدة الهزال وهو بكسر النون وسكون القاف.
[التضحية بمقطوعة الأذن والذنب]
م: (وقال: ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب) ش: أي قال القدوري م: (أما الأذن فقوله ﵊: «استشرفوا العين والأذن» ش: هذا الحديث رواه اثنان من الصحابة أحدهما: علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 5977
وإن بقي أكثر الأذن والذنب جاز؛ لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهابا، ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفوا. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة ﵀ في مقدار الأكثر، ففي " الجامع الصغير " عنه: وإن قطع من الذنب أو الأذن أو العين أو الإلية الثلث أو أقل أجزأه، وإن كان أكثر لم يجزه؛ لأن الثلث تنفذ فيه الوصية من غير رضا الورثة فاعتبر قليلا
ــ
[البناية]
م: (وإن بقي أكثر الأذن والذنب جاز؛ لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهابا) ش: أي من حيث البقاء ومن حيث الذهاب، فإن كان الباقي كثيرا والذاهب قليلا يجوز، وإن كان الباقي قليلا والذاهب كثيرا لا يجوز.
م: (ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفوا) ش: لأن في اعتباره حرجا وهو مرفوع بالنص م: (واختلفت الرواية عن أبي حنيفة ﵀ في مقدار الأكثر ففي " الجامع الصغير " عنه) ش: أي عن أبي حنيفة.
م: (وإن قطع من الذنب أو الأذن أو العين أو الإلية الثلث أو أقل) ش: أي من الثلث م: (أجزأه وإن كان أكثر) ش: أي من الثلث م: (لم يجزه) ش: وفي بعض النسخ لا يجوز م: (لأن الثلث تنفذ فيه الوصية من غير رضا الورثة فاعتبر قليلا) ش: وهو رواية هشام عن محمد قال الصدر الشهيد: وهو الأصح؛ لأنه ظاهر الرواية.
قال محمد في " الأصل ": أرأيت إن كان ذهب من العين والأذن والطرف أقل من الثلث، هل يجزي؟ قال: نعم، وهذا لأن على ظاهر الرواية الثلث وما دونه من حد القلة عند أبي حنيفة ﵀ فلا يمتنع الجواز.
وقال في " الأصل " أيضا: رأيت إن كان ذهب أكثر من الثلث هل يجزئ؟ قال: لا. قال شيخ الإسلام في شرح " الأصل " وهذا عند أبي حنيفة لأن ما زاد على الثلث كثير عند أبي حنيفة، باتفاق الروايات. وقال في " الأصل " أيضا: أرأيت إن كان ذهب الثلث سواء، هل يجزئ؟ قال: نعم حسن صحيح، ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال: إسناده صحيح. ورواه أيضا أبو داود عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بنحوه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك " وصحح إسناده أيضا، [....
.] يحتج الشيخان بحجية بن عدي وهو من كبار أصحاب علي ﵁ والآخر حذيفة ﵁ أخرج حذيفة البزار في " مسنده " والطبراني في " معجمه الأوسط " عن محمد ابن كثير الملائي حدثنا أبو سنان سعيد بن سنان عن أبي إسحاق الشيباني عن صلة بن زفر عن
стр. 5978
أي اطلبوا سلامتهما، وأما الذنب؛ فلأنه عضو كامل مقصود فصار كالأذن.
قال: ولا التي ذهب أكثر أذنها وذنبها وفيما زاد لا تنفذ إلا برضاهم فاعتبر كثيرا. ويروى عنه: الربع؛ لأنه يحكي حكاية الكمال على ما مر في الصلاة.
ــ
[البناية]
حذيفة قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن» . انتهى بلفظ البزار.
وقال الطبراني: قال: قال رسول الله ﷺ : " استشرف العين ". وقال: لا يروى عن حذيفة إلا بهذا الإسناد وكذلك قال البزار رواه، قال: وقد روي عن علي من غير وجه م: (أي اطلبوا سلامتهما) ش: من آفة مخرج أو عور، والمعنى اطلبوهما شريفتين بالتمام والسلامة. م: (وأما الذنب فلأنه عضو كامل مقصود فصار كالأذن) ش: حيث لا يجوز إذا كانت مقطوعة.
[التضحية بالشاة التي ذهب أكثر أذنيها]
م: (قال: ولا التي ذهب أكثر أذنها وذنبها) ش: أي قال القدوري: ولا تجزئ الشاة التي ذهب أكثر أذنيها أو ذهب أكثر أذنها، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: إذا ذهب كل الأذن لا يجوز ولو ذهب دونه يجوز وبه قال عطاء.
ولنا ما رواه أبو داود مسندا إلى علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن» ، قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه، وهذا يدل على أن العيب الكبير في العين والأذن يمنع من الأضحية، فأما اليسير من العين فلا يمنع؛ لأن الغنم لا تخلو من ذلك، ألا ترى أنه يفعل فيها على طريق المسمنة والعلاقة، فلو منع الأضحية لشق على الناس، وإذا كان الكثير مانعا والقيل غير مانع اختلفت الروايات في الحد الفاصل بينهما، عن أبي حنيفة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وهذا لأن عند أبي حنيفة الثلث في ظاهر الرواية في حد العلة م: (وفيما زاد) ش: أي على الثلث م: (لا تنفذ) ش: أي الوصية م: (إلا برضاهم) ش: أي برضاء الورثة م: (فاعتبر) ش: أي ما زاد على الثلث م: (كثيرا) ش: نصب على الحال على ما لا يخفى.
م: (ويروى عنه) ش: أي عن أبي حنيفة م: (الربع؛ لأنه يحكي حكاية الكمال على ما مر في الصلاة) ش: من انكشاف ربع العورة، وتقدير النجاسة بربع الثوب، وهذه الرواية رواية شجاع عن أبي حنيفة، وقد ذكر ابن شجاع في كتاب " المناسك ": أن الربع إذا ذهب لم يجز.
стр. 5979
ويروى الثلث؛ لقوله ﵊ في حديث الوصية: «الثلث، والثلث كثير» ، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة على ما تقدم في الصلاة، وهو اختيار الفقيه أبي الليث. وقال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة فقال: قولي هو قولك، قيل: هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف. وقيل: معناه: قولي قريب من قولك،
ــ
[البناية]
م: (ويروى الثلث لقوله ﵊ في حديث الوصية: «الثلث، والثلث كثير» ش: هذا الحديث رواه الجماعة عن سعيد بن أبي وقاص قال: «قلت: يا رسول الله إن لي مالا كيرا وإنما ترثني ابنتان وأنا أوصي بمالي كله؟ قال: " لا "، قال: بالثلثين؟ قال: " لا "، قال: فالبنصف؟ قال: " لا "، فبالثلث؟ قال: " الثلث، والثلث كثير» ، وسيجيء من بعد الكلام في كتاب الوصية.
م: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة) ش: لأن القليل والكثير في الأسماء المتقابلة فما دون النصف يكون قليلا م: (على ما تقدم في الصلاة) ش: يعني إذا كان أكثر من نصف الساق يمنع وعن أبي يوسف في ذلك ثلاث روايات: في رواية يجزئه ما دون النصف ويمنع بما زاد عليه، وفي رواية " الجامع ": يمنع النصف، وفي رواية كقولهما يمنع الربع لا ما دونه ويمنع ما فوقه مطلقا.
م: (وهو اختيار الفقيه أبي الليث) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد وهو الذي اختاره أبو الليث في شرح " الجامع الصغير " وإليه رجع أبو حنيفة.
م: (وقال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة فقال: قولي هو كقولك) ش: يعني أخبرت بقولي في النصف فقال أبو حنيفة: قولي هو قولك، قيل: معناه أحدث بقولك، وقيل معناه: أن تقديري بالثلث اجتهاد كتقديرك بالنصف، كذا في " المختلف ".
م: (قيل: هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف) ش: أي قول أبي حنيفة ﵀ لأبي يوسف قولي هو قولك، رجوع من قوله إلى قول أبي يوسف؛ لأنه كان يقول أولا بالثلث قليلا، والكثير ما زاد على الثلث، ثم رجع وقال: الكثير النصف وما زاد عليه كقولهما.
م: (وقيل: معناه: قولي قريب من قولك) ش: لأن أبا يوسف ﵀ اعتبر الأكثر من النصف وأبا حنيفة اعتبر الأكثر من الثلث والثلث أقرب إلى النصف من الربع وغيره. وقال الكاكي: أي قولي الأول وهو أن الأكثر من النصف، الثلث مانع لا ما دونه، أقرب إلى قولك الذي هو أن الأكثر من النصف إذا نفى أجزأه بالتشبه إلى قول من يقول إن الربع أو الثلث مانع.
стр. 5980
وفي كون النصف مانعا روايتان عنهما، كما في انكشاف العضو عن أبي يوسف، ثم معرفة المقدار في غير المعين متيسر وفي العين قالوا: تشد العين المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يوما أو يومين، ثم يقرب العلف إليها قليلا قليلا، فإذا رأته من موضع أعلم على ذلك المكان، ثم تشد عينها الصحيحة، وقرب إليها العلف قليلا قليلا حتى إذا رأته من مكان أعلم عليه، ثم ينظر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان ثلثا، فالذاهب الثلث، وإن كان نصفا، فالنص`ف قال: ويجوز أن يضحي بالجماء، وهي التي لا قرن لها؛ لأن القرن لا يتعلق به مقصود، وكذا مكسورة القرن
ــ
[البناية]
م: (وفي كون النصف مانعا روايتان عنهما) ش: أي عن أبي يوسف ومحمد في رواية مانع لأن القيل عفو، والنصف ليس بقليل لأن ما يقابله ليس بكثير، وفي رواية: غير مانع لأن المانع هو الكثير والنصف غير كثير لأن ما يقبله ليس بقليل. وفي " المبسوط ": النصف مانع مطلقا، فقال: لما استوى المانع والمجوز يرجح المانع احتياطا.
م: (كما في انكشاف العضو عن أبي يوسف) ش: أي كما جاءت روايتان عن أبي يوسف في انكشاف نصف العضو وقد ذكرناه الآن م: (ثم معرفة المقدار في غير العين متيسر) ش: لأنه محسوس ظاهر.
م: (وفي العين قالوا: تشد العين المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يوما أو يومين، ثم يقرب العلف إليها قليلا قليلا، فإذا رأته من موضع أعلم على ذلك المكان) ش: أي جعل عليه علامة م: (ثم تشد عينها الصحيحة، وقرب إليها العلف قليلا قليلا حتى إذا رأته من مكان أعلم عليه، ثم ينظر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان ثلثا) ش: أي إن كان التفاوت، أراد به المسافة ما بين الرؤية الأولى والثانية ثلثاه. م: (فالذاهب الثلث) ش: أي فالذي ذهب من عينها الثلث م: (وإن كان نصفا) ش: أي وإن كان التفاوت بين الرؤيتين نصفا، م: (فالنصف) ش: أي فالذاهب من عينها النصف، فهذا هو الحلية في معرفة أنه كم ذهب من العين وكم بقي.
[التضحية بالجماء]
م: (قال: ويجوز أن يضحي بالجماء وهي التي لا قرن لها) ش: أي قال القدوري: ولا خلاف فيه لأحد م: (لأن القرن لا يتعلق به مقصود) ش: لأنه ينتفع به في الأضحية وليس منصوص عليه فلا يؤثر، م: (وكذا مكسورة القرن) ش: أي يجوز.
م: (لما قلنا) ش: أن القرن لا يتعلق به مقصود، وبه قال الشافعي، وقال أحمد: إن انكسر أكثر من نصف القرن لا يجوز، وما دونه يجوز، لما روينا عن علي ﵁ أنه «قال: نهى النبي ﷺ أن يضحى بعضباء الأذن والقرن» والعضب الكثير من النصف، فكرهت ذلك رواه أبو داود. وقال مالك: إن كان قرنها يدمي كثيرا لم يجزه، وإلا جاز
стр. 5981
لما قلنا والخصي؛ لأن لحمها أطيب، وقد صح «أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجوءين» .
ــ
[البناية]
لأن ما لا دماء لها تعتبر كالمريضة.
وفي " اللباب " حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لا يخلو من أن يكون مقدما على حديث البراء، وهو ما روي أنه ﷺ قال: «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها.....» . الحديث، فيكون منسوخا بحدث البراء متأخرا، فيكون حديث علي زائدا عليه، وما علمنا ثبوته لم يجعله منسوخا بالشك فيكون واجب العمل، وهذا فيه توضيح قول أحمد ولكن أصحابنا قالوا: إن العيب اليسير لا يمنع بالإجماع وبهذا جازت الوجوه؛ لأنه لا يسر في المقصود وهو اللحم، فكسر القرن كذلك.
وعن عبيد بن فيروز قال: قلت للبراء: فإني أكره النقص من القرن؟، فقال: أكره لنفسك ما شئت وإياك أن تضيق على الناس، فيحمل على الاستحباب، كما حمل حديث الشركاء على الاستحباب ويدل عليه إنكار البراء على ابن فيروز.
وقال الكرخي في " مختصره ": قال هشام: سألت أبا يوسف عن السعية التي لا قرن لها فقال: السكاء: إن كان بها أذن فهي تجزئ، وإن كانت صغيرة الأذن أو إن لم يكن لها أذن فإنها لا تجزئ، وهو قول أبي يوسف، وتجزئ الشاة وإن لم يكن لها قرن عندهم جميعا.
وقال محمد في " الأصل ": لو كسر بعض قرنها أو جميعه أجزأت وأما السكاء وهي التي لا أذن لها خلقة فإن كانت الأذن صغيرة والعضو موجود وصغير الأعضاء لا يمنع وإن لم يكن لها أذن بينة فإن الأذن مقصودة في الخلقة بدلالة النص عليها فعدمها أكثر من نقصانها.
[التضحية بالخصي]
م: (والخصي) ش: بالجر، أي ويجوز أن يضحي بالخصي وهو منزوع الخصيتين م: (لأن لحمها أطيب) ش: وأن لحمه أوجه على ما لا يخفى.
م: (وقد صح: «أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجوءين» ش: هذا الحديث رواه خمسة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
الأول: جابر بن عبد الله، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش المعافري عن جابر بن عبد الله قال: «ذبح رسول الله ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين» .
стр. 5982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الثاني: أبو هريرة أخرج حديثه أبو نعيم في " الحلية " في ترجمة ابن المبارك عنه عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوءين» وقال: مشهور من [غير] وجه، غريب من حديث يحيى.
الثالث: أبو رافع أخرج حديثه أحمد وإسحاق بن راهويه في " مسنديهما " والطبراني في " معجمه " عن شريك بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن علي بن حسين عن أبي رافع قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين» . الحديث.
الرابع: أبو الدرداء: أخرج حديثه أحمد في " مسنده " عنه قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين جذعين موجوءين» .
الخامس: عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، أخرج حديثها ابن ماجه في " سننه " من طريق عبد الرزاق أخبرنا سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو أبي هريرة: «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين موجوءين ... » - الحديث.
ورواه أحمد في " مسنده " أيضا: حدثنا إسحاق بن يوسف أخبرنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ فذكره.....، حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة
.. فذكره.
وبهذا الإسناد الأخير رواه الحاكم في " المستدرك " من طريق أحمد وسكت عند قوله أملحين، وهو الكبشين فيه سواد وبياض، وقيل: يقال: كبش أملح أي فيه ملحة، وهي بياض مشوبة شعرات سود وهي من لون الملح.
وفي " العباب ": الملحة من الألوان وهي بياض يخالطه سواد. قلت: هو بضم الميم وسكون اللام. قوله: موجوءين الموجوء على وزن مفعول من الوجاء، بكسر الواو وبالمد، وهو عارض البيضتين حتى يتفضخ فيكون بتها بالخصي.
وفي " المغرب ": هو أن يضرب العروق بحديدة ويطعن فيها من غير إخراج البيضتين. وقال الحافظ المنذري: في " حواشيه ": المحفوظ موجوءين أي منزوعي [....
....] ؛ قاله أبو موسى
стр. 5983
والثولاء وهي المجنونة، وقيل: هذا إذا كانت تعتلف؛ لأنه لا يخل بالمقصود. أما إذا كانت لا تعتلف لا تجزئه، والجرباء إن كانت سمينة جاز؛ لأن الجرب في الجلد ولا نقصان في اللحم، وإن كانت مهزولة لا تجوز؛ لأن الجرب في اللحم فانتقص، وأما الهتماء وهي التي لا أسنان لها، فعن أبي يوسف ﵀: أنه يعتبر في الأسنان الكثرة، والقلة، وعنه: إن بقي ما يمكن الاعتلاف به أجزأه لحصول المقصود
ــ
[البناية]
الأصبهاني. وقال في " النهاية ": ومنهم من يرويه موجيين بغير همز على التخفيف ويكون من وجيته وجيا فهو موجي.
قال تاج الشريعة: فإن قلت: كيف يجمع الكبوشية مع الوجاء؟
قلت: جاز أن يكون الكبوشية باعتبار ما كانت، والوجاء باعتبار الحال - انتهى.
قلت: الكبوشية لا تزول عنه أصلا فلا حاجة إلى هذا السؤال والجواب.
[التضحية بالجرباء والثولاء]
م: (والثولاء) ش: أي قال القدوري: ويجوز أن يضحي بالثولاء م: (وهي المجنونة) ش: لأن العقل غير مقصود في البهائم.
وقال الكرخي في " مختصره ": قال هشام: وسألته عن الجرباء والثولاء؛ قال: إذا كانا سمينتين أجزأتا، وإن كانا عجفاوين لم يجزئا، وهو قول أبي يوسف.
م: (وقيل: هذا إذا كانت تعتلف) ش: أي ما ذكر من الجواز إنما يكون إذا كانت المجنونة تأكل العلف م: (لأنه لا يخل بالمقصود) ش: أي لأن الجنون لا يخل بالمقصود وهو الانتفاع باللحم م: (أما إذا كانت لا تعتلف لا تجزئه) ش: لأنه ينتقص به اللحم.
م: (والجرباء إن كانت سمينة جاز؛ لأن الجرب في الجلد ولا نقصان في اللحم، وإن كانت مهزولة لا تجوز؛ لأن الجرب في اللحم فانتقص) ش: والأصل عند العلماء كل عيب يؤثر في اللحم يمنع وإلا فلا.
م: (وأما الهتماء وهي التي لا أسنان لها فعن أبي يوسف ﵀: أنه يعتبر في الأسنان الكثرة والقلة) ش: وهو من اللحم وهو كسر الثنايا من أصلها يقال: ضربه ضربة هشم، فإذا ألقى مقدم أسنانه، وإنما اعتبر أبو يوسف الكثرة والقلة في هذه الرواية؛ لأن الأسنان عضو كالأذن فيعتبر فيه بقاء الأكثر.
م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف م: (إن بقي ما يمكن الاعتلاف به أجزأه لحصول المقصود) ش: لأن المقصود من الأسنان الأكل بها فاعتبر بقاء المقصود دون غيره. قال القدوري في " شرحه ": من أصحابنا لأن الهتماء التي يكسر أطراف أسنانها.
стр. 5984
والسكاء وهي التي لا أذن لها خلقة لا تجوز، إن كان هذا؛ لأن مقطوع أكثر الأذن إذا كان لا يجوز، فعديم الأذن أولى وهذا الذي ذكرناه إذا كانت هذه العيوب قائمة وقت الشراء، ولو اشتراها سليمة ثم تعيبت بعيب مانع، إن كان غنيا عليه غيرها، وإن كان فقيرا تجزئه هذه؛ لأن الوجوب على الغني بالشرع ابتداء، لا بالشراء، فلم تتعين،
ــ
[البناية]
واعتبر أبو يوسف فيها أن تعتلف؛ لأن الأسنان باقية وإنما نقصت، فإذا لم يؤثر في الأكل لم يمنع وإذا كانت متعلفة الأسنان فاعتبر بقاء الأكثر.
[التضحية بالسكاء]
م: (والسكاء وهي التي لا أذن لها خلقة لا تجوز) ش: لأنها فائتة العضوين المقصودين م: (إن كان هذا) ش: يعني إن وجد هذا الذي ذكره والمعنى أنه لا يكون هكذا فإن وقع هذا نادرا فلا يجوز؛ لأنه فائت الأذنين من الأصل وإنما قال هذا؛ لأن السكاء لا يكون إلا في الطير، يقال: سليم السلا والعامة سكاء وجميع الطير يسك ويستعمل أيضا في صغير الأذنين وقال: جدي أسك وجدية سكاء إذا كانت صغيرة الأذنين.
فإن كان المراد من السكاء المعنى الأول وهو المعنى الأصلي فإنها لا تجوز لما ذكرنا. وإن كان المعنى الثاني: فإنها تجوز كما ذكرنا في ما مضى عن أبي يوسف أنه قال: السكاء إن كانت صغيرة الأذن فإنها تجزئ وإن كانت ليس لها أذن فإنها لا تجزئ، فافهم، فإنه موضع غض الشراح فيه أعينهم.
م: (لأن مقطوع أكثر الأذن إذا كان لا يجوز، فعديم الأذن أولى) ش: بأن لا يجوز م: (وهذا الذي ذكرناه) ش: أشار به إلى ما ذكره من الأحكام التي بعضها يجوز بعضها لا يجوز م: (إذا كانت هذه العيوب) ش: من العماء والعور والعرج والعجف وانقطاع الأذن أو الإلية أو انقطاع أكثرهما م: (قائمة وقت الشراء) ش: فإنها تمنع الأضحية، وإنما إذا حدث بعده فالجواب على التفضيل أشار إليه بقوله: م: (ولو اشتراها سليمة) ش: لو اشترى الشاة أو نحوها حال كونها سليمة عن العيب.
م: (ثم تعيبت بعيب مانع) ش: من جواز التضحية م: (إن كان غنيا عليه غيرها) ش: وعند الثلاثة، أجزته هذه المعيبة ولا يلزم عليه أخرى بناء على أن الأضحية غير واجبة، وكذلك لو أوجبها بالنذر فكذلك عندهم وبقولهم قال الزبيري والثوري والنخعي والحسن وعطاء.
م: (وإن كان فقيرا تجزئه هذه) ش: أي المعيبة م: (لأن الوجوب على الغني بالشرع ابتداء) ش: يعني قبل الشرع، حاصله أن الغني لا يتعين عليه بالشراء بل الواجب عليه قبل الشراء م: (لا بالشراء فلم تتعين) ش: أي لا الوجوب عليه بسبب الشراء إذا كان كذلك فلم يتعين عليه بالشراء.
стр. 5985
وعلى الفقير بشرائه بنية الأضحية فتعينت، ولا يجب عليه ضمان نقصانه كما في نصاب الزكاة، وعن هذا الأصل. قالوا: إذا ماتت المشتراة للتضحية على الموسر مكانها أخرى.
ــ
[البناية]
[أوجب على نفسه أضحية بغير عينها فاشترى صحيحة ثم تعيبت]
م: (وعلى الفقير بشرائه بنية الأضحية فتعينت) ش: أي والوجوب على الفقير بسبب شرائه بنية الأضحية، فتعينت الأضحية بسبب ذلك، بخلاف ما يقوله الزعفراني: إنه لا يتعين بالشراء أصلا، فإذا تعينت بشرائه تجزئه أن يضحي بها، بخلاف الغني؛ لأن الواجب عليه أضحية كاملة ابتداء فلا يخرج عن العهدة بالناقص وكذلك الحكم في الفقير إذا أوجب على نفسه أضحية بغير عينها، فاشترى صحيحة ثم تعيبت قبل الذبح عيبا مانعا فضحى لا يسقط عنه الواجب، كذا في " التحفة " وفي " الذخيرة "، قال بعض مشائخنا: تصير واجبة بنية الأضحية موسرا كان المشتري أو معسرا.
وذكر شيخ الإسلام: إذا كان المشتري موسرا لا تصير واجبة بالشراء بنية الأضحية باتفاق الروايات. وإن كان معسرا ففي ظاهر الروايات تجب وبه قال مالك.
وروى الزعفراني: أنها لا تجب، وإليه أشار شمس الأئمة واتفقوا على أنها لا تجب بمجرد النية للأضحية حتى كانت له شاة فنوى أن يضحي بها ولم يذكر بلسانه شيئا لا تصير واجبة للأضحية، ثم إذا أوجبت عليه بإيجابه أو بشرائه بنية الأضحية، وهو معسر فعلى قول من قال بوجوبها أن يصدقه بعينها في أيام النحر ولم يضحها فعليه مثلها؛ لأن الواجب عليه الإراقة وإنما ينتقل إلى التصدق عند العجز، وذلك بعد أيام النحر.
فإذا تصدق بما وجب عليه لزمه مثلها في أيام النحر وبعدها تصدق بقيمتها ولا تجزيه الصدقة الأولى التي في أيام النحر؛ لأنها وقعت قبل وجوب التصدق، فتجب بعينها حية بعد أيام النحر احتياطا كما ذكر في الأصول، فلو لم يتصدق بعينها في أيام النحر تصدق بعينها حية بعد أيام النحر كما ذكرنا.
م: (ولا يجب عليه ضمان نقصانه) ش: في بعض النسخ: ولا يجب عليه الضمان لنقصانه أي لا يجب على الفقير ضمان نقصان العيب م: (كما في نصاب الزكاة) ش: أي كما لا يجب النقصان في نصاب الزكاة إذا انتقص بعد الوجوب فإن الزكاة تسقط عنه بقدره، ولا يجب ضمان ذلك القدر، والجامع بقيمتها أن محل الوجوب فيهما جميعا المال لا الذمة. فإذا هلك المال سقط الوجوب م: (وعن هذا الأصل) ش: أي الأصل المذكور، وهو أن الوجوب على الغني بالشرع لا بالشراء، فلم يتعين الشاة، فلما لم يتعين كان عليه أخرى، والوجوب على الفقير بالشراء، فتعينت فلم يجب عليه أخرى.
م: (قالوا: إذا ماتت المشتراة للتضحية على الموسر مكانها أخرى) ش: أي قال المشائخ -
стр. 5986
ولا شيء على الفقير.
ولو ضلت أو سرقت فاشترى أخرى، ثم ظهرت الأولى في أيام النحر على الموسر ذبح إحداهما، وعلى الفقير ذبحهما، ولو أضجعها فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأه استحسانا عندنا، خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله - لأن حالة الذبح ومقدماته ملحقة بالذبح.
ــ
[البناية]
﵏: إذا ماتت الشاة المشتراة؛ لأن التضحية على الغني مكان هذه شاة أخرى.
م: (ولا شيء على الفقير) ش: يعني إذا ماتت المشتراة؛ لأنها كانت متعينة وماتت كما ذكرنا
م: (ولو ضلت) ش: أي ذهبت المشتراة للضحية م: (أو سرقت فاشترى أخرى) ش: أي شاة أخرى.
م: (ثم ظهرت الأولى) ش: وهي التي ضلت أو سرقت م: (في أيام النحر على الموسر ذبح إحداهما) ش: أي أحد الشاتين، لعدم التعيين لشرائه م: (وعلى الفقير ذبحهما) ش: أي ذبح الشاتين التي ضلت والتي عوضت عنها لتعيينها بشرائه، وتعويضه بالشراء أيضا هذا على ظاهر الرواية، لا على رواية الزعفراني، واختيار شمس الأئمة، واختار في " فتاوى الظهيرية " ظاهر الرواية.
م: (ولو أضجعها) ش: أي ولو أضجع رجل شاته التي عينها للتضحية. م: (فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأه استحسانا عندنا، خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله -) ش: وبقولهما قال أحمد، وأصحاب الظاهر؛ لأنها صارت معيبة قبل الذبح فلم يجز تضحيته.
وقال الكاكي: لا فائدة في تخصيص انكسار الرجل؛ لأنها لو تعيبت بكل عيب مانع من الأضحية فالحكم كذلك وبه صرح في " المبسوط ".
وقال صاحب " العناية ": قوله: " فانكسرت رجلها " من باب ذكر الخاص وإرادة العام، فإنه إذا أصابها عيب مانع غير الانكسار بالاضطراب حالة الإضجاع للذبح كان الحكم كذلك.
قلت: هذا خارج مخرج الغالب فإن الحيوان عند الاضطجاع للذبح يخبط برجله الأرض غالبا فربما ينكسر رجل أو يد فلذلك ذكره، وإلا فالحكم عام فافهم.
وفي شرح " الأصل ": كذا إذا انقلبت منه السكين فأصابت عينه فذهبت، وفيه أيضا هذا إذا ذبح في مكانه ذلك، فأما إذا انقلبت الشاة ثم أخذت بعد ذلك وذبحت هل يجوز؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وقد ذكر في غير رواية الأصول خلافا بين أبي يوسف ومحمد. يقال على قول أبي يوسف إن أخذ من فوره ذلك جاز، وإن لم يؤخذ من فوره لا يجوز. وعند محمد: يجوز في الحالين بعد أن يكون التضحية في وقت الأضحية.
م: (لأن حالة الذبح ومقدماته ملحقة بالذبح) ش: وهذا إشارة على وجه الاستحسان، ووجهه
стр. 5987
فكأنه حصل به اعتبارا وحكما، وكذا لو تعيبت في هذه الحالة؛ فانفلتت ثم أخذت من فوره، وكذا بعد فوره عند محمد ﵀، خلافا لأبي يوسف؛ لأنه حصل بمقدمات الذبح.
قال: والأضحية من الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنها عرفت شرعا،
ــ
[البناية]
أن الشاة تضطرب في حالة الذبح فيلحقه العيوب من اضطرابها فصار ذلك مما لم يكن الاحتراز عنه؛ لأنه في حالة الذبح ومقدماته، وذلك ملحق بالذبح ولو لحقها عيب حالة الذبح كان عفوا فكذلك حالة الاضطجاع، أشار إليه بقوله م: (فكأنه حصل به) ش: أي فكان حصل بالذبح م: (اعتبارا) ش: أي قياسا فإن الذبح متلف جميع الأعضاء م: (وحكما) ش: أي ومن حيث الحكم كأنه حصل تلف الرجل بالذبح.
نظيره إذا أعتق نصف عبده عن كفارة ظهاره ثم أعتق النصف الثاني يجوز، وإن انتقص النصف بالإعتاق؛ لأن الانتقاص يثبت في ملكه لأجل الكفارة فلا يمنع كذلك. هاهنا يثبت الانكسار في حالة الذبح فلا يمنع.
م: (وكذا لو تعيبت في هذه الحالة) ش: أي وكذا يجوز لو تعيبت الشاة في حالة الاضطجاع م: (فانفلتت) ش: أي نسيت وهربت م: (ثم أخذت من فوره) ش: أي من ساعته من غير تأخير، والضمير في فوره يرجع إلى الوقت الذي دل عليه القرينة.
م: (وكذا بعد فوره) ش: أي وكذا يجوز لو أخذت بعد ساعة م: (عند محمد ﵀ خلافا لأبي يوسف) ش: لم يذكر دليل أبي يوسف، ودليله أن الفور لما انقطع خرج الفعل الذي تعيبت به من أن يكون سببا من أسباب الذبح الذي وجد بعد الفور فصار بمنزلة ما حصل بفعل آخر وأشار إلى دليل محمد بقوله م: (لأنه حصل بمقدمات الذبح) ش: أي لأن الذي حصل بمقدمات الذبح فيلحق بالذبح.
[ما يجزئ في الأضحية من الأنعام]
م: (قال: والأضحية من الإبل والبقر، والغنم) ش: أي قال القدوري: الأضحية من هؤلاء الثلاثة لا غير، وبه قالت الثلاثة، وقالت الظاهرية: يجوز بكل حيوان وبكل وحشي وإنسي وكذا بكل طائر يؤكل لحمه وحشي وإنسي، لحديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه ﷺ قال: «مثل المهاجر إلى الجمعة كمثل من يهدي بدنة ثم كمن يهدي بقرة ثم كمن يهدي شاة ثم كمن يهدي دجاجة ثم كمن يهدي بيضة والعصفور قريب إلى البيضة» .
وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحشي تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد وأشار إلى دليلنا بقوله م: (لأنها) ش: أي لأن الإبل والبقر والغنم م: (عرفت شرعا) ش: أي عرفت
стр. 5988
ولم تنقل التضحية بغيرها من النبي ﵊ ولا من الصحابة ﵃. قال: ويجزئ من ذلك كله الثني فصاعدا إلا الضأن؛ فإن الجذع منه يجزئ؛ لقوله ﵊: «ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر على أحدكم فليذبح الجذع من الضأن» . وقال ﵊: «نعمت الأضحية الجذع من الضأن» .
ــ
[البناية]
جواز الأضحية منها من حيث الشرع.
م: (ولم تنقل التضحية بغيرها) ش: أي بغير هذه الثلاثة م: (من النبي ﵊ ولا من الصحابة ﵃) ش: لأنه لم يرو حديث ولا أثر بجوازها من غير هذه الثلاثة، واستدلال الظاهرية بالحديث المذكور فاسد؛ لأن المراد منه بيان قدر الثواب لأنه تجوز التضحية، ولهذا لم يجوز النبي ﷺ غير الجذع من الضأن فعلى قياس قولهم ينبغي أن يجوز.
م: (قال: ويجزئ من ذلك كله الثني فصاعدا) ش: أي قال القدوري، أي يجوز من المذكور من هذه الثلاثة كلها الثني.
فإن قلت: فصاعدا نصب بماذا؟
قلت: على الحال. والتقدير فذهب الحكم فصاعدا أي حال كونه ثمانيا على ذلك؛ لأنه لا زائد عليه متجاوزا عنه، والفاء للعطف.
م: (إلا الضأن؛ فإن الجذع منه يجزئ) ش: قيد بالضأن؛ لأنه لا يجوز من غيره وعن ابن عمر ﵁ والزهري لا يجزئ الجذع من الضأن كما لا يجزئ من غيره، وبقولنا قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: ولا يجزئ من الضأن إلا التي في السنة الثانية، ومن المعز إلا التي في السنة الثانية. كذا في " وجيزهم ".
م: (لقوله ﵊: «ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر على أحدكم فليذبح الجذع من الضأن» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تذبحوا إلا مسنة أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» .
م: (وقال ﵊: «نعمت الأضحية الجذع من الضأن» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي عن عثمان بن واقد عن كدام بن عبد الرحمن «عن أبي كباش قال: جلبت غنما جذعانا إلى المدينة فكسرت علي فلقيت أبا هريرة فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نعم - أو نعمت - الأضحية الجذع من الضأن " قال: " فانتهبه الناس» وقال: حديث غريب.
стр. 5989
قالوا: وهذا إذا كانت عظيمة، بحيث لو خلط بالثنيات يشتبه على الناظر من بعيد. والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر في مذهب الفقهاء.
ــ
[البناية]
وقد روي عن أبي هريرة موقوفا. وقال في " علله الكبرى ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: رواه عثمان بن واقد فرفعه إلى النبي ﷺ ورواه غيره فوقفه عن أبي هريرة، وسألته عن أبي كباش فلم يعرفه، والعجب من الأترازي أنه نسب الحديث الأول إلى صاحب " السنن "، وهو لصاحب " الصحيح " كما ذكرنا، وإن كان أصحاب السنن أخرجوه أيضا.
وقال في الحديث الثاني: قال أصحابنا في كتبهم: عن أبي هريرة، وأظهر العجز عن نسبته إلى الترمذي.
م: (قالوا: وهذا إذا كانت عظيمة) ش: أي قال المشائخ: جواز الأضحية بالجذع من الضأن إذ كانت الجذع عظيمة م: (بحيث لو خلط بالثنيات) ش: بضم الثاء المثلثة، جمع ثني، وكان يقول ينبغي أن يقول لو خلطت م: (يشتبه على الناظر من بعيد) ش: أنه ثني أو جذع.
م: (والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر) ش: وقال القدوري في شرحه: قال الفقهاء الجذع من الغنم ابن ستة أشهر والثني من الغنم ابن سنة، والجذع من البقر ابن سنة، والثني ابن سنتين، والجذع من الإبل ابن أربع سنين والثني ابن خمس.
وقال الناطفي في كتاب " الأجناس "، قال في كتاب " الضحايا ": لأن القاسم الحرمي الرازي قال: سمعت أبا علي الدقاق قال: الجذع من الضأن هو ما تمت له ثمانية أشهر وطعن في الشهر التاسع، وفي " أضاحي أبي عبد الله الزعفراني " ما تمت له سبعة أشهر وطعن في الشهر الثامن.
ويجوز في الأضحية إذا كانت الشاة عظيمة الجثة وهي جذع وإذا كانت صغيرة الجثة لا يجوز إلا أن يتم لها سنة وطعنت في السنة الثانية، وأما المعز لا يجوز إلا ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، وأما البقر لا يجوز إلا ما تمت له سنتان وطعنت في السنة الثالثة سواء كانت عظيمة الجثة أو لا.
والإبل فلا يجوز في الأضحية، إلا ما قد تمت له خمس سنين وطعن في السنة السادسة. ذكره الخصاف من أصحابنا في " ضحاياه " م: (في مذهب الفقهاء) ش: قيد به؛ لأن عند أهل اللغة الجذع من الشاة ما تمت له سنة وطعنت في الثانية.
وفي الثني الجذع من البهائم قبل الثني، إلا أنه في الإبل قبل السنة الخامسة وفي البقر
стр. 5990
وذكر الزعفراني ﵀ أنه ابن سبعة أشهر، والثني منها ومن المعز ابن سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإبل ابن خمس سنين، ويدخل في البقر الجاموس؛ لأنه من جنسه، والمولود بين الأهلي والوحشي يتبع الأم؛ لأنها هي الأصل في التبعية، حتى إذا نزا الذئب على الشاة يضحى بالولد.
ــ
[البناية]
والشاة في السنة الثانية، وفي الخيل في الرابعة.
وعن الأزهري: من المعز لستة ومن الضأن لثمانية أشهر ثم الثني من الإبل الذي سنه هو ما استكمل الخامسة ودخل في السادسة، ومن الحافر ما استكملت الثالثة ودخل في الرابعة وهو في كلها بعد الجذع. قال الشاعر:
الثنايا ابن حول وابن ضعف ... وابن خمس من ذوي ظلف وخف
م: (وذكر الزعفراني ﵀ أنه) ش: أي الجذع من الضأن م: (ابن سبعة أشهر) ش: وقد ذكرناه من " الأجناس " و " الزعفراني "، والجذع قبل الثني، والأنثى جذعة ويجمع على جذاع وجذعان وأجذاع، وزاد يونس جذاع بالضم.
م: (والثني منها) ش: أي من الضأن م: (ومن المعز ابن سنة) ش: قال الجوهري: الثني الذي يلقى سنة ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة والجمع سنان، ورواه: الأنثى سنة والجمع المعزى بكسر الميم اسم جنس وكذلك المعر والمعز والعور وفي " العباب ": المعز مثال يهز ويهز في الغنم خلاف الضأن. وقيل الماعز الذكر، والأنثى ماعزة وهي العين والجمع مواعز وقيل واحد المعز ماعز.
م: (ومن البقر) ش: أي والثني من البقر م: (ابن سنتين، ومن الإبل) ش: أي الثني من الإبل م: (ابن خمس سنين) ش: وطعن في السادسة م: (ويدخل في البقرة والجاموس؛ لأنه من جنسه) ش: كما في الزكاة فإنه يؤخذ من نصاب الجاموس ما يؤخذ من نصاب البقر، وقال في " خلاصة الفتاوى ": والجاموس يجوز في الهدايا والضحايا استحسانا.
[التضحية بالمولود بين الأهلي والوحشي] ١
(والمولود بين الأهلي والوحشي يتبع الأم) ش: أي الذي ولد بين الحيوانات الأهلي، كالشاة مثلا وبين الحيوان الوحشي كالظبي مثلا يتبع أمه م: (لأنها هي الأصل في التبعية) ش: لأنها جزء الأم فإن بالفحل صار مستهلكا بحضانتها، والمنفصل من الفحل هو الماء ومن الأم هو الحيوان فلذلك اعتبرت.
م: (حتى إذا نزا الذئب على الشاة يضحى بالولد) ش: اعتبارا بالأم وفي بعض النسخ حتى إذا نزا الذئب على الشاة، ولو نزا الكبش على الظبية لا يضحى بولدها اعتبارا بها، وعند الثلاثة لا يجوز كل منهما؛ لأنه ليس من بهيمة الأنعام.
следующие страницы →