← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

ولا شيء على الفقير. ولو ضلت أو سرقت فاشترى أخرى، ثم ظهرت الأولى في أيام النحر على الموسر ذبح إحداهما، وعلى الفقير ذبحهما، ولو أضجعها فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأه استحسانا عندنا، خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله - لأن حالة الذبح ومقدماته ملحقة بالذبح. ــ [البناية] ﵏: إذا ماتت الشاة المشتراة؛ لأن التضحية على الغني مكان هذه شاة أخرى. م: (ولا شيء على الفقير) ش: يعني إذا ماتت المشتراة؛ لأنها كانت متعينة وماتت كما ذكرنا م: (ولو ضلت) ش: أي ذهبت المشتراة للضحية م: (أو سرقت فاشترى أخرى) ش: أي شاة أخرى. م: (ثم ظهرت الأولى) ش: وهي التي ضلت أو سرقت م: (في أيام النحر على الموسر ذبح إحداهما) ش: أي أحد الشاتين، لعدم التعيين لشرائه م: (وعلى الفقير ذبحهما) ش: أي ذبح الشاتين التي ضلت والتي عوضت عنها لتعيينها بشرائه، وتعويضه بالشراء أيضا هذا على ظاهر الرواية، لا على رواية الزعفراني، واختيار شمس الأئمة، واختار في " فتاوى الظهيرية " ظاهر الرواية. م: (ولو أضجعها) ش: أي ولو أضجع رجل شاته التي عينها للتضحية. م: (فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأه استحسانا عندنا، خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله -) ش: وبقولهما قال أحمد، وأصحاب الظاهر؛ لأنها صارت معيبة قبل الذبح فلم يجز تضحيته. وقال الكاكي: لا فائدة في تخصيص انكسار الرجل؛ لأنها لو تعيبت بكل عيب مانع من الأضحية فالحكم كذلك وبه صرح في " المبسوط ". وقال صاحب " العناية ": قوله: " فانكسرت رجلها " من باب ذكر الخاص وإرادة العام، فإنه إذا أصابها عيب مانع غير الانكسار بالاضطراب حالة الإضجاع للذبح كان الحكم كذلك. قلت: هذا خارج مخرج الغالب فإن الحيوان عند الاضطجاع للذبح يخبط برجله الأرض غالبا فربما ينكسر رجل أو يد فلذلك ذكره، وإلا فالحكم عام فافهم. وفي شرح " الأصل ": كذا إذا انقلبت منه السكين فأصابت عينه فذهبت، وفيه أيضا هذا إذا ذبح في مكانه ذلك، فأما إذا انقلبت الشاة ثم أخذت بعد ذلك وذبحت هل يجوز؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وقد ذكر في غير رواية الأصول خلافا بين أبي يوسف ومحمد. يقال على قول أبي يوسف إن أخذ من فوره ذلك جاز، وإن لم يؤخذ من فوره لا يجوز. وعند محمد: يجوز في الحالين بعد أن يكون التضحية في وقت الأضحية. م: (لأن حالة الذبح ومقدماته ملحقة بالذبح) ش: وهذا إشارة على وجه الاستحسان، ووجهه

стр. 5987

فكأنه حصل به اعتبارا وحكما، وكذا لو تعيبت في هذه الحالة؛ فانفلتت ثم أخذت من فوره، وكذا بعد فوره عند محمد ﵀، خلافا لأبي يوسف؛ لأنه حصل بمقدمات الذبح. قال: والأضحية من الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنها عرفت شرعا، ــ [البناية] أن الشاة تضطرب في حالة الذبح فيلحقه العيوب من اضطرابها فصار ذلك مما لم يكن الاحتراز عنه؛ لأنه في حالة الذبح ومقدماته، وذلك ملحق بالذبح ولو لحقها عيب حالة الذبح كان عفوا فكذلك حالة الاضطجاع، أشار إليه بقوله م: (فكأنه حصل به) ش: أي فكان حصل بالذبح م: (اعتبارا) ش: أي قياسا فإن الذبح متلف جميع الأعضاء م: (وحكما) ش: أي ومن حيث الحكم كأنه حصل تلف الرجل بالذبح. نظيره إذا أعتق نصف عبده عن كفارة ظهاره ثم أعتق النصف الثاني يجوز، وإن انتقص النصف بالإعتاق؛ لأن الانتقاص يثبت في ملكه لأجل الكفارة فلا يمنع كذلك. هاهنا يثبت الانكسار في حالة الذبح فلا يمنع. م: (وكذا لو تعيبت في هذه الحالة) ش: أي وكذا يجوز لو تعيبت الشاة في حالة الاضطجاع م: (فانفلتت) ش: أي نسيت وهربت م: (ثم أخذت من فوره) ش: أي من ساعته من غير تأخير، والضمير في فوره يرجع إلى الوقت الذي دل عليه القرينة. م: (وكذا بعد فوره) ش: أي وكذا يجوز لو أخذت بعد ساعة م: (عند محمد ﵀ خلافا لأبي يوسف) ش: لم يذكر دليل أبي يوسف، ودليله أن الفور لما انقطع خرج الفعل الذي تعيبت به من أن يكون سببا من أسباب الذبح الذي وجد بعد الفور فصار بمنزلة ما حصل بفعل آخر وأشار إلى دليل محمد بقوله م: (لأنه حصل بمقدمات الذبح) ش: أي لأن الذي حصل بمقدمات الذبح فيلحق بالذبح. [ما يجزئ في الأضحية من الأنعام] م: (قال: والأضحية من الإبل والبقر، والغنم) ش: أي قال القدوري: الأضحية من هؤلاء الثلاثة لا غير، وبه قالت الثلاثة، وقالت الظاهرية: يجوز بكل حيوان وبكل وحشي وإنسي وكذا بكل طائر يؤكل لحمه وحشي وإنسي، لحديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه ﷺ قال: «مثل المهاجر إلى الجمعة كمثل من يهدي بدنة ثم كمن يهدي بقرة ثم كمن يهدي شاة ثم كمن يهدي دجاجة ثم كمن يهدي بيضة والعصفور قريب إلى البيضة» . وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحشي تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد وأشار إلى دليلنا بقوله م: (لأنها) ش: أي لأن الإبل والبقر والغنم م: (عرفت شرعا) ش: أي عرفت

стр. 5988

ولم تنقل التضحية بغيرها من النبي ﵊ ولا من الصحابة ﵃. قال: ويجزئ من ذلك كله الثني فصاعدا إلا الضأن؛ فإن الجذع منه يجزئ؛ لقوله ﵊: «ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر على أحدكم فليذبح الجذع من الضأن» . وقال ﵊: «نعمت الأضحية الجذع من الضأن» . ــ [البناية] جواز الأضحية منها من حيث الشرع. م: (ولم تنقل التضحية بغيرها) ش: أي بغير هذه الثلاثة م: (من النبي ﵊ ولا من الصحابة ﵃) ش: لأنه لم يرو حديث ولا أثر بجوازها من غير هذه الثلاثة، واستدلال الظاهرية بالحديث المذكور فاسد؛ لأن المراد منه بيان قدر الثواب لأنه تجوز التضحية، ولهذا لم يجوز النبي ﷺ غير الجذع من الضأن فعلى قياس قولهم ينبغي أن يجوز. م: (قال: ويجزئ من ذلك كله الثني فصاعدا) ش: أي قال القدوري، أي يجوز من المذكور من هذه الثلاثة كلها الثني. فإن قلت: فصاعدا نصب بماذا؟ قلت: على الحال. والتقدير فذهب الحكم فصاعدا أي حال كونه ثمانيا على ذلك؛ لأنه لا زائد عليه متجاوزا عنه، والفاء للعطف. م: (إلا الضأن؛ فإن الجذع منه يجزئ) ش: قيد بالضأن؛ لأنه لا يجوز من غيره وعن ابن عمر ﵁ والزهري لا يجزئ الجذع من الضأن كما لا يجزئ من غيره، وبقولنا قال مالك وأحمد، وقال الشافعي: ولا يجزئ من الضأن إلا التي في السنة الثانية، ومن المعز إلا التي في السنة الثانية. كذا في " وجيزهم ". م: (لقوله ﵊: «ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر على أحدكم فليذبح الجذع من الضأن» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تذبحوا إلا مسنة أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» . م: (وقال ﵊: «نعمت الأضحية الجذع من الضأن» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي عن عثمان بن واقد عن كدام بن عبد الرحمن «عن أبي كباش قال: جلبت غنما جذعانا إلى المدينة فكسرت علي فلقيت أبا هريرة فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نعم - أو نعمت - الأضحية الجذع من الضأن " قال: " فانتهبه الناس» وقال: حديث غريب.

стр. 5989

قالوا: وهذا إذا كانت عظيمة، بحيث لو خلط بالثنيات يشتبه على الناظر من بعيد. والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر في مذهب الفقهاء. ــ [البناية] وقد روي عن أبي هريرة موقوفا. وقال في " علله الكبرى ": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: رواه عثمان بن واقد فرفعه إلى النبي ﷺ ورواه غيره فوقفه عن أبي هريرة، وسألته عن أبي كباش فلم يعرفه، والعجب من الأترازي أنه نسب الحديث الأول إلى صاحب " السنن "، وهو لصاحب " الصحيح " كما ذكرنا، وإن كان أصحاب السنن أخرجوه أيضا. وقال في الحديث الثاني: قال أصحابنا في كتبهم: عن أبي هريرة، وأظهر العجز عن نسبته إلى الترمذي. م: (قالوا: وهذا إذا كانت عظيمة) ش: أي قال المشائخ: جواز الأضحية بالجذع من الضأن إذ كانت الجذع عظيمة م: (بحيث لو خلط بالثنيات) ش: بضم الثاء المثلثة، جمع ثني، وكان يقول ينبغي أن يقول لو خلطت م: (يشتبه على الناظر من بعيد) ش: أنه ثني أو جذع. م: (والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر) ش: وقال القدوري في شرحه: قال الفقهاء الجذع من الغنم ابن ستة أشهر والثني من الغنم ابن سنة، والجذع من البقر ابن سنة، والثني ابن سنتين، والجذع من الإبل ابن أربع سنين والثني ابن خمس. وقال الناطفي في كتاب " الأجناس "، قال في كتاب " الضحايا ": لأن القاسم الحرمي الرازي قال: سمعت أبا علي الدقاق قال: الجذع من الضأن هو ما تمت له ثمانية أشهر وطعن في الشهر التاسع، وفي " أضاحي أبي عبد الله الزعفراني " ما تمت له سبعة أشهر وطعن في الشهر الثامن. ويجوز في الأضحية إذا كانت الشاة عظيمة الجثة وهي جذع وإذا كانت صغيرة الجثة لا يجوز إلا أن يتم لها سنة وطعنت في السنة الثانية، وأما المعز لا يجوز إلا ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، وأما البقر لا يجوز إلا ما تمت له سنتان وطعنت في السنة الثالثة سواء كانت عظيمة الجثة أو لا. والإبل فلا يجوز في الأضحية، إلا ما قد تمت له خمس سنين وطعن في السنة السادسة. ذكره الخصاف من أصحابنا في " ضحاياه " م: (في مذهب الفقهاء) ش: قيد به؛ لأن عند أهل اللغة الجذع من الشاة ما تمت له سنة وطعنت في الثانية. وفي الثني الجذع من البهائم قبل الثني، إلا أنه في الإبل قبل السنة الخامسة وفي البقر

стр. 5990

وذكر الزعفراني ﵀ أنه ابن سبعة أشهر، والثني منها ومن المعز ابن سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإبل ابن خمس سنين، ويدخل في البقر الجاموس؛ لأنه من جنسه، والمولود بين الأهلي والوحشي يتبع الأم؛ لأنها هي الأصل في التبعية، حتى إذا نزا الذئب على الشاة يضحى بالولد. ــ [البناية] والشاة في السنة الثانية، وفي الخيل في الرابعة. وعن الأزهري: من المعز لستة ومن الضأن لثمانية أشهر ثم الثني من الإبل الذي سنه هو ما استكمل الخامسة ودخل في السادسة، ومن الحافر ما استكملت الثالثة ودخل في الرابعة وهو في كلها بعد الجذع. قال الشاعر: الثنايا ابن حول وابن ضعف ... وابن خمس من ذوي ظلف وخف م: (وذكر الزعفراني ﵀ أنه) ش: أي الجذع من الضأن م: (ابن سبعة أشهر) ش: وقد ذكرناه من " الأجناس " و " الزعفراني "، والجذع قبل الثني، والأنثى جذعة ويجمع على جذاع وجذعان وأجذاع، وزاد يونس جذاع بالضم. م: (والثني منها) ش: أي من الضأن م: (ومن المعز ابن سنة) ش: قال الجوهري: الثني الذي يلقى سنة ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة والجمع سنان، ورواه: الأنثى سنة والجمع المعزى بكسر الميم اسم جنس وكذلك المعر والمعز والعور وفي " العباب ": المعز مثال يهز ويهز في الغنم خلاف الضأن. وقيل الماعز الذكر، والأنثى ماعزة وهي العين والجمع مواعز وقيل واحد المعز ماعز. م: (ومن البقر) ش: أي والثني من البقر م: (ابن سنتين، ومن الإبل) ش: أي الثني من الإبل م: (ابن خمس سنين) ش: وطعن في السادسة م: (ويدخل في البقرة والجاموس؛ لأنه من جنسه) ش: كما في الزكاة فإنه يؤخذ من نصاب الجاموس ما يؤخذ من نصاب البقر، وقال في " خلاصة الفتاوى ": والجاموس يجوز في الهدايا والضحايا استحسانا. [التضحية بالمولود بين الأهلي والوحشي] ١ (والمولود بين الأهلي والوحشي يتبع الأم) ش: أي الذي ولد بين الحيوانات الأهلي، كالشاة مثلا وبين الحيوان الوحشي كالظبي مثلا يتبع أمه م: (لأنها هي الأصل في التبعية) ش: لأنها جزء الأم فإن بالفحل صار مستهلكا بحضانتها، والمنفصل من الفحل هو الماء ومن الأم هو الحيوان فلذلك اعتبرت. م: (حتى إذا نزا الذئب على الشاة يضحى بالولد) ش: اعتبارا بالأم وفي بعض النسخ حتى إذا نزا الذئب على الشاة، ولو نزا الكبش على الظبية لا يضحى بولدها اعتبارا بها، وعند الثلاثة لا يجوز كل منهما؛ لأنه ليس من بهيمة الأنعام.

стр. 5991

قال: وإذا اشترى سبعة بقرة ليضحوا بها فمات أحدهم قبل النحر، وقالت الورثة: اذبحوها عنه وعنكم أجزأهم، وإن كان شريك الستة نصرانيا، أو رجلا يريد اللحم لم يجز عن واحد منهم. ووجهه أن البقرة تجوز عن سبعة، لكن من شرطه أن يكون قصد الكل القربة وإن اختلفت جهاتها كالأضحية والقران والمتعة عندنا لاتحاد المقصود وهو القربة، وقد وجد هذا الشرط في الوجه الأول؛ ــ [البناية] ولنا ما ذكرنا في " جوامع الفقه " و " فتاوى الولوالجي ": الاعتبار بالمتولد للأم في الأضحية والحبل. وقيل: يعتبر بنفسه فيهما حتى ولدت الشاة ظبيا لم تجز الأضحية ولو ولدت الرمكة حمارا لم يجز ولم يؤكل. وفي " الذخيرة " لو نزا الحمار على الرمكة فالمتولد منها مكروه بالاتفاق، فقيل لا يكره عندهما اعتبارا للأم. وفي " خلاصة الفتاوى ": لو نزا الكلب على الشاة فولدت قال عامة الفقهاء: لا يجوز، قال الإمام الجنزاري: إن كان يشبه الأم تجوز ولو نزا شاة على ظبي. قال الإمام الجنزاري: إن كان يشبه الأب يجوز، ولو نزا ظبي على شاة قال عامة العلماء: يجوز وقال الإمام الحراحري: العبرة للمشابهة. م: (قال: وإذا اشترى سبعة بقرة ليضحوا بها فمات أحدهم قبل النحر، وقالت الورثة: اذبحوها عنه وعنكم أجزأهم) ش: أي قالت ورثة الميت: اذبحوا البقرة عن الميت وعنكم أجزأهم ذلك. م: (وإن كان شريك الستة نصرانيا، أو رجلا يريد اللحم لم يجز عن واحد منهم) ش: أراد أن سابع السبعة كان نصرانيا أو كان يريد اللحم، غير مريد الأضحية فإنه لا يجوز عن الجميع، والشركة في البقرة والبدنة جائزة عندنا، وقال مالك لا يجوز الاشتراك في الهداية لو أراد واحد منهم اللحم لا يجوز عن الكل عندنا. وقال الشافعي وأحمد: يجوز، وعند زفر: لا يجوز إذا اختلفت جهات القربة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. م: (ووجهه) ش: أي بين المسألتين وفي بعض النسخ ووجه أي وجه الفرق م: (أن البقرة تجوز عن سبعة، لكن من شرطه أن يكون قصد الكل القربة وإن اختلفت جهاتها كالأضحية والقران والمتعة) ش: بأن أراد أحدهم المتعة الأضحية وأراد الآخرون القران وأراد الآخرون المتعة فإن ذلك لا يضر. م: (عندنا) ش: خلافا لزفر فعنده اتحاد القربة شرط م: (لاتحاد المقصود وهو القربة) ش: وإن كانت هي مختلفة في نفسها م: (وقد وجد هذا الشرط) ش: وهو وجود القربة م: (في الوجه الأول) ش: وهو ما إذا مات أحد السبعة وقالت ورثته: اذبحوها عنه وعنكم.

стр. 5992

لأن التضحية عن الغير عرفت قربة. ألا ترى أن النبي ﵊ ضحى عن أمته على ما روينا من قبل، ولم يوجد في الوجه الثاني؛ لأن النصراني ليس من أهلها، وكذا قصد اللحم ينافيها. وإذا لم يقع البعض قربة، والإراقة لا تتجزأ في حق القربة لم يقع الكل أيضا فامتنع الجواز. وهذا الذي ذكره استحسان، والقياس أن لا يجوز، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأنه تبرع بالإتلاف ــ [البناية] م: (لأن التضحية عن الغير عرفت قربة) ش: كان هذا جواب عما يقال: كيف يكون الأضحية عن الغير قربة لأنها تقوم بالفعل؟، فقال: عرفت قربة بالنص. م: (ألا ترى أن النبي ﵊ ضحى عن أمته) ش: على ما روى مسلم في الضحايا عن يزيد بن قسيط عن عروة بن الزبير عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد فأتي ليضحي به فقال لها: " يا عائشة هلمي المدية "، ثم قال: " اشحذيها بحجر " ففعلت فأخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه وقال: " بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ﷺ " ثم ضحى» وقد ذكرنا أحاديث كثيرة مثل هذا في الذبائح. وإليها أشار بقوله: م: (على ما روينا من قبل) ش: وهو الذي ذكره في الذبائح بقوله لما روى عن النبي ﷺ أنه قال بعد الذبح: «اللهم تقبل هذه عن أمة محمد ﷺ ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ» . م: (ولم يوجد في الوجه الثاني) ش: أي لم يوجد الشرط وهو القربة فيما إذا كان شريك الستة نصرانيا أو مريد اللحم م: (لأن النصراني ليس من أهلها) ش: أي من أهل القربة. م: (وكذا قصد اللحم ينافيها) ش: أي ينافي القربة م: (وإذا لم يقع البعض قربة والإراقة لا تتجزأ في حق القربة لم يقع الكل أيضا) ش: أي لم يقع الكل قربة أيضا لعدم التجزؤ. م: (فامتنع الجواز) ش: أي إذا كان كذلك امتنع جواز الأضحية. فإن قلت: ينبغي أن يجوز؛ لأن البدنة لما قامت مقام سبع شياه، فلو اشترى سبعة أنفس سبع شياه وذبح أحدهم للحم يجوز الستة عن الأضحية كذا هذا؟. قلت: البدنة أقيمت مقام سبع شياه بخلاف القياس بالنص، والنص إنما أقامها مقام السبع إذا وجدت الإراقة بنية القربة عن الكل ففي غير مورد النص نفي على أصل القياس. م: (وهذا الذي ذكره استحسان) ش: أي هذا الذي ذكره محمد استحسان. م: (والقياس أن لا يجوز، وهو رواية) ش: أي القياس رواية م: (عن أبي يوسف؛ لأنه) ش: أي لأن إذن الورثة بالإراقة م: (تبرع بالإتلاف) ش: لأن نصيب الميت صار ميراثا فالتضحية عنه تبرع بالإتلاف ولهذا لو فعله الغاصب يضمن.

стр. 5993

فلا يجوز عن غيره كالإعتاق عن الميت، لكنا نقول: القربة قد تقع عن الميت كالتصدق بخلاف الإعتاق؛ لأن فيه إلزام الولاء على الميت. ولو ذبحوها عن صغير في الورثة، أو أم ولد جاز لما بينا أنه قربة ولو مات واحد منهم فذبحها الباقون بغير إذن الورثة لا يجزيهم؛ لأنه لم يقع بعضها قربة، وفيما تقدم وجد الإذن من الورثة فكان قربة. قال: ويأكل من لحم الأضحية، ــ [البناية] م: (فلا يجوز عن غيره) ش: أي فلا يجوز من الوارث عن الميت م: (كالإعتاق عن الميت) ش: حيث لا يجوز؛ لأنه تبرع بالإتلاف م: (لكنا نقول: القربة قد تقع عن الميت) ش: هذا وجه الاستحسان وتقريره أن الورثة لما أذنوا صار ذلك أيضا قربة فوقع الكل قربة، فالقربة قد تقع عن الميت. م: (كالتصدق) ش: عن الميت والحج عنه، فإن الورثة يملكون أن يتقربوا بنحو ذلك عن الميت، فحينئذ صار نصيب الميت للقربة كأنصاب الباقين. م: (بخلاف الإعتاق) ش: هذا جواب عن قوله كالإعتاق عن الميت، وتقريره أن الإعتاق عن الميت إنما لم يجز م: (لأن فيه إلزام الولاء على الميت) ش: لأن الولاء لمن أعتق، وليس للوارث الإلزام على الميت، بخلاف الأضحية عنه فإنها جازت لعدم الإلزام. م: (ولو ذبحوها عن صغير في الورثة، أو أم ولد جاز) ش: وفي بعض النسخ: ولو ذبحها أي ولو كان أحد الشركاء صغيرا أو أم فضحى عنه أبوه أو مولاه جاز م: (لما بينا أنه قربة) ش: أشار به إلى وجه الاستحسان وفي القياس: لا يجوز؛ لأن الإراقة لا تتجزأ، وبعض الإراقة وقع نفلا أو لحما فصار الكل كذلك. م: (ولو مات واحد منهم) ش: أي من الشركاء م: (فذبحها الباقون بغير إذن الورثة لا يجزيهم) ش: وقال الشافعي وأحمد: يجزيهم، لما ذكر من عدم اشتراط نية الكل قربة عندهما، وعندنا يشترط فلا يجوز م: (لأنه لم يقع بعضها قربة، وفيما تقدم) ش: وهو المسألة الأولى م: (وجد الإذن من الورثة فكان قربة) ش: فإذا كان قربة فقد جازت. [الأكل من الأضحية] م: (قال: ويأكل من لحم الأضحية) ش: أي قال القدوري: هذا في غير المنذورة. أما في المنذورة فلا يأكل الناذر سواء كان معسرا أو موسرا وبه قالت الثلاثة، وعن أحمد في رواية: يجوز الأكل من المنذورة أيضا وفي " الذخيرة ": ولا يجوز أن يأكل الغني في المنذورة؛ لأن سببها التصدق وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته، حتى لو أكل يجب عليه قيمة ما أكل. وقال في " شرح الطحاوي ": لا يجوز الأكل من الدماء إلا من أربعة من الأضحية ودم المتعة ودم القران ودم التطوع، إذا بلغ محله، يعني لا يجوز الأكل من دماء الكفارات والنذور وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله، انتهى.

стр. 5994

ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر، لقوله ﵊: «كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها، وادخروا» . ــ [البناية] ثم الأكل من أضحيته مستحب عند أكثر العلماء، وعند الظاهرية: واجب، وحكي ذلك عن أبي حفص الوكيل من أصحاب الشافعي. م: (ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر؛ لقوله ﵊: «كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا» ش: هذا الحديث رواه ستة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. الأول: جابر بن عبد الله أخرج حديثه مسلم عن ابن زهير عنه عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: " كلوا وتزودوا وادخروا» . الثاني: أبو سعيد الخدري ﵁ أخرج حديثه مسلم أيضا، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ «قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أهل المدينة لا تأكلوا لحم الأضاحي فوق ثلاث " فشكوا إلى رسول الله أن لهم عيالا وحشما وخدما فقال: " كلوا وأطعموا واحبسوا وادخروا» ووهم الحاكم في " المستدرك "، فرواه، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. الثالث: عائشة الصديقة ﵂ أخرج حديثها مسلم أيضا، عنها: «قالوا: يا رسول الله ﷺ إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجعلون فيها الودك قال: " وما ذاك؟ " قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال: " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا» . الرابع: سلمة بن الأكوع ﵁ أخرج حديثه البخاري، عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء " فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله ﷺ : نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: " كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها» . الخامس: نبيشة الهذلي ﵁ أخرج حديثه أبو داود عنه قال: «قال رسول الله ﷺ : " إني كنت نهيتكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاثة لكن ليسعكم الله بسعة فكلوا وادخروا واتجروا، ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله » . السادس: بريدة أخرج حديثه مسلم، عن الثوري عن علقمة بن مرثد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام وإنما أردت ذلك ليوسع أهل السعة على من لا سعة لهم فكلوا إنما هذا لكم وادخروا» .

стр. 5995

ومتى جاز أكله وهو غني، جاز أن يؤكل غنيا. قال: ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث؛ لأن الجهات ثلاث: الأكل والادخار لما روينا، والإطعام لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فانقسم عليها أثلاثا. قال: ويتصدق بجلدها؛ لأنه جزء منها. ــ [البناية] م: (ومتى جاز أكله وهو غني) ش: أي ومتى جاز أكل لحم الأضحية، والحال أنه غني م: (جاز أن يؤكل غنيا) ش: أي أن يطعم غنيا مثله بدلالة النص م: (قال: ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث) ش: هذا لفظ القدوري في " مختصره " أي من ثلث الأضحية م: (لأن الجهات ثلاث: الأكل والادخار لما روينا) ش: أراد به قوله ﷺ «فكلوا منها وادخروا» . م: (والإطعام) ش: بالرفع عطفا على قوله والادخار م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ش: القانع السائل، من قنعت إليه إذا خضعت له وسألته قنوعا، والمعتر المتعرض للسؤال، والقانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير السؤال، من قنعت قنعا وقناعة، والمعتر للسؤال كذا في " الكشاف ". قلت: الأول: من باب فعل يفعل بالفتح فيهما. والثاني: من باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر. وفي " المغرب ": القانع السائل من القنوع لا من القناعة يقال: يقنع قنوعا إذا سأل، وقنع قناعة إذا رضي. والمعتر الذي يتعرض للسؤال ولا يسأل؛ " وتفسير الزمخشري ". م: (فانقسم عليها أثلاثا) ش: أي إذا كان كذلك فانقسم لحم الأضحية على هذه الأشياء الثلاثة وهي الأكل والادخار والإطعام أثلاثا. كل واحد ثلث. فإن قلت: الأشياء الثلاثة مذكورة في الأحاديث التي مضت فلم استدل على كون الطعام ثلثا للآية المذكورة؟. قلت: اعتمد في ذلك على ما نقله في الحديث، فإنه لم يذكر فيه الإطعام، ولم يذكر فيه إلا الأكل والادخار، فكذلك استدل على الإطعام بالآية، ولكن الأحاديث الصحاح والحسان كلها مشتملة على الأقسام الثلاثة، ولم أدر من أخرج مثل ما ذكره من أصحاب هذا الشأن. وقال الشافعي في " القديم ": يجعلها نصفين يأكل نصفا ويتصدق بنصف لقوله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وقال في " الجديد ": يستحب أكل الثلث كما قال أكثر أهل العلم. م: (قال: ويتصدق بجلدها) ش: أي قال القدوري، وفي غالب النسخ ليس فيه لفظة قال. وكذلك قال الأترازي: هذا لفظ القدوري في " مختصره ". ولم يقل: " قال القدوري " كما هو عادته، أي ويتصدق بجلد الأضحية م: (لأنه جزء منها) ش: أي لأن الجلد جزء من

стр. 5996

أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت كالنطع والجراب والغربال، ونحوها؛ لأن الانتفاع به غير محرم، ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع بعينه في البيت، مع بقائه استحسانا، وذلك مثل ما ذكرنا؛ لأن للبدل حكم المبدل، ولا يشتري به ما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه كالخل والأبازير، اعتبارا بالبيع بالدراهم، والمعنى فيه أنه تصرف على قصد التمول. ــ [البناية] الأضحية م: (أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت) ش: أي ويعمل المضحي من الجلد آلة يستعمل في البيت م: (كالنطع والجراب والغربال ونحوها) ش: كالمنخل والدلو والسفرة والمطهرة، والقربة م: (لأن الانتفاع بها غير محرم ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع بعينه في البيت مع بقائه استحسانا) ش: أي لا بأس بأن يشتري بجلد الأضحية الذي ينتفع بعينه مع بقاء عينه كالجرب والغربال، وقال الأوزاعي: يجوز بكل ما يصادر في البيت مثل الفأس، والقدر والمنخل والميزان، وقال الشافعي وأحمد: لا يجوز بأي شيء كان؛ لأنه ﷺ نهى أن يعطى أجر الجزار منها، والنهي عنها نهي عن البيع؛ لأنه في معنى البيع، وعندنا لا بأس من بيعه بما ذكرنا، وبه قال مالك. وقال شيخ الإسلام الأسبيجابي في " شرح الكافي ": ولا بأس بأن يشتري بجلد الأضحية متاعا للبيت؛ لأنه أطلق له الانتفاع دون البيع فكل ما كان في معنى الانتفاع يجوز، وما لا فلا. قال محمد في " نوادر هشام ": ولا يشتري به الخل والبذر، وله أن يشتري ما لا يؤكل مثل الغربال والثوب؛ لأنا أطلقنا الانتفاع، يجوز ذلك في استبدال الشيء بما ينتفع به من جنسه، كالغربال فإنه ينتفع به مع بقاء عينه فيجوز استبداله بالجلد ولو اشترى باللحم خبزا جاز؛ لأنه ينتفع به كما ينتفع باللحم، إذ اللحم لا يؤكل مفردا وإنما يؤكل مع الخبز. ولو اشترى باللحم متاع البيت لا يجوز. وقال محمد: والقياس في الكل سواء معناه أنه لا يجوز بيع الكل؛ لأنه خرج من جهة التمول. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده في " مبسوطه ": وأما اللحم فالجواب فيه كالجواب في الجلد، إن باعه بالدراهم تصدق بثمنه، وإن باعه بشيء آخر ينتفع به كما في الجلد. م: (وذلك مثل ما ذكرنا) ش: أي الذي ينتفع بعينه مع بقائه مثل النطع والجراب ونحوهما م: (لأن للبدل حكم المبدل) ش: المبدل هو الجلد الذي يشترى به، لما كان البدل من الحكم فهو للمبدل كذلك. م: (ولا يشتري به) ش: أي بالجلد م: (ما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه كالخل) ش: والخل بالخاء المعجمة والمهملة أيضا، فالأول معروف، والثاني هو دهن السمسم م: (والأبازير) ش: وهي التوابل، جمع إبزار، بالفتح وهو جمع بزر، يقال: بذرت القدر إذا ألقيت فيها التوابل. م: (اعتبارا بالبيع بالدراهم) ش: أي قياسا على بيع الجلد بالدراهم حيث لا يجوز. م: (والمعنى فيه: أنه تصرف على قصد التمول) ش: أي المعنى في اشتراء ما لا ينتفع به إلا بعد

стр. 5997

واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح، فلو باع الجلد، أو اللحم بالدراهم، أو بما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه تصدق بثمنه؛ لأن القربة انتقلت إلى بدله، وقوله ﵊: «من باع جلد أضحيته فلا أضحية له» . يفيد كراهة البيع. أما البيع فجائز لقيام الملك والقدرة على التسليم. قال: ولا يعطي أجرة الجزار من الأضحية؛ لقوله ﵊ ــ [البناية] استهلاكه، أنه تصرف على قصد التمول، وهو قد خرج عن جهة التمول، فإذا تمولته بالبيع وجب التصدق؛ لأن هذا الثمن حصل بفعل مكروه، فيكون خبيثا فيجب التصدق. م: (واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح) ش: يعني إذا باعه بالدراهم يتصدق به، وإن باعه بشيء آخر ينتفع به، كما في الجلد، ولو اشترى ما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه لا يجوز، احترز بقوله في الصحيح، عما روي في " الأجناس " قال: وإنما في اللحم أن يأكل ويطعم وليس له غيره فيه، وفي الجلد له أن يشتري الغربال والمنخل ويتخذ منه مسكا. وفي " فتاوى قاضي خان ": ولو اشترى بجلدها جرابا يجوز ولو اشترى بلحمها جرابا لا يجوز، ولو اشترى بجلدها لحما للأكل لا يجوز إلا في رواية عن محمد. وروى ابن سماعة عن محمد: ولو اشترى بلحمه ثوبا فلا بأس بلبسه. م: (فلو باع الجلد أو اللحم بالدراهم، أو بما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه تصدق بثمنه؛ لأن القربة انتقلت إلى بدله) ش: لأن التملك بالبدل من حيث التمول ساقط، فلم يبق إلا جهة القربة، وسبيلها التصدق. وقال الكرخي في " مختصره ": وإن باع الجلد بورق أو ذهب أو فلوس تصدق به. روى هذا أحمد البازي عن محمد م: (وقوله ﵊: " من باع جلد أضحيته فلا أضحية له " يفيد كراهة البيع. أما البيع فجائز لقيام الملك والقدرة على التسليم) ش: هذا الحديث رواه الحاكم في " المستدرك " في تفسير سورة الحج، من حديث زيد بن الحباب عن عبد الله بن عباس المصري عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ سواء، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورواه البيهقي في " سننه الكبرى ". قوله: فلا أضحية له محمول على نفي الكمال، كما في قوله ﷺ : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ولذلك قلنا: يفيد الحديث الكراهة في البيع، وأما الجواز فلقيام الملك والقدرة على تسليمه. [أجرة الجزار] م: (قال: ولا يعطي أجرة الجزار من الأضحية) ش: أي من الأضحية هذا عند عامة أهل العلم ورخص الحسن وعبيد الله بن عبد الله بن عمر في إعطائه الجلد. ولنا ما ورواه علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أشار إليه بقوله م: (لقوله ﵊ -

стр. 5998

لعلي ﵁: «تصدق بجلالها وخطامها، ولا تعط أجر الجزار منها شيئا» . والنهي عنه نهي عن البيع أيضا؛ لأنه في معنى البيع. قال: ويكره أن يجز صوف أضحيته وينتفع به قبل أن يذبحها؛ لأنه التزم إقامة القربة بجميع أجزائها بخلاف ما بعد الذبح؛ لأنه أقيمت القربة بها كما في الهدي. ويكره أن يحلب لبنها فينتفع به كما في الصوف. ــ [البناية] لعلي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «تصدق بجلالها وخطامها، ولا تعط أجر الجزار منها شيئا» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنته وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئا " وقال: " نحن نعطيه من عندنا» انتهى. والجلال بكسر الجيم جمع جل الحيوان والخطم بضمتين جمع خطام وهو الزمام، أي المقود، وقيل هو: حبل يجعل في عنق البعير ومشافر خطمه أي أنفه. م: (والنهي عنه) ش: أي عن إعطاء الجزار منها م: (نهي عن البيع أيضا لأنه) ش: أي لأن الإعطاء منها للجزار م: (في معنى البيع) ش: حيث أصل العين للمنفعة وهو عقد معاوضة وقد احتج ابن الجوزي بظاهر هذا على التحريم في البيع. قيل: احتجاج المصنف به على كراهته بيع جلد الأضحية خلاف ظاهر اللفظ. قلت: هذا مبني على أصل، وقيل عنه هنا المعترض، وهو أن النهي إذا كان لمعنى في غيره لا ينافي مشروعية الأصل، وقد علم هذا في موضعه. م: (قال: ويكره أن يجز صوف أضحيته وينتفع به قبل أن يذبحها) ش: هذا من مسائل " الأصل " ذكره تفريعا على مسألة القدوري: وعن أحمد: إن كان الجز أنفع لها بأن كان في الربيع لا يكره. م: (لأنه التزم إقامة القربة بجميع أجزائها بخلاف ما بعد الذبح؛ لأنه أقيمت القربة بها) ش: أي بالأضحية م: (كما في الهدي) ش: أي كما لا ينبغي، أن يجز الصوف في الهدي لكونه قربة مع أجزائه. م: (ويكره أن يحلب لبنها) ش: أي لبن الأضحية م: (فينتفع به كما في الصوف) ش: بالنصب أي لأن ينتفع به أي باللبن. وقال الشافعي وأحمد: إن كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها، لم يكن له حلبه وإلا فله حلبه، والانتفاع باللبن، وعندنا إذا كان يضر بها لا يحلبها ولكن يرش على الضرع بالماء، وقالوا: هذا إذا كان يقرب من أيام النحر، أما إذا كان بالبعد منها لا يفيد الرش بل يحلبها ويتصدق باللبن، ثم هذه الكراهة في الحلب وجز الصوف في التي عينها العرق، أما في غيرها لا. وقال القدوري في " شرحه ": من أصحابنا من قال: هذا في التي أوجبها وليست واجبة

стр. 5999

قال: والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح. وإن كان لا يحسنه، فالأفضل أن يستعين بغيره، وإذا استعان بغيره ينبغي أن يشهدها بنفسه؛ لقوله ﵊ لفاطمة ﵂: «قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب» . ــ [البناية] مثل المعسر إذا اشترى أو الموسر إذا اشترى ثانية؛ لأن الإيجاب يتعين فيها، فلم يجز الرجوع في جزء منها، أما الموسر إذا عين أضحيته فلا بأس أن يحلبها أو يجزها؛ لأن الوجوب لم يتعين فيها وإنما هو في ذمته ويسقط بالذبح ما يثبت في الذمة. فإذا كان عند الذبح بصفة الجواز فكأنه ابتدأ شراءها على هذه الصفة، فأما إذا ذبحها في وقتها جاز له أن يحلب لبنها فيأكله ويجز صوفها فينتفع بها في الوجهين؛ لأن القربة تعينت فيها بالذبح فجاز الانتفاع بلبنها وصوفها كما يجوز بلحمها. وقال الكرخي في " مختصره ": ولا ينبغي أن يحلبها قبل الذبح وإن فعل تصدق باللبن. [ما يستحب في الأضحية] م: (قال: والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح) ش: أي قال القدوري: - وليس في النسخ الصحيحة لفظة قال - م: (وإن كان لا يحسنه) ش: أي الذبح م: (فالأفضل أن يستعين بغيره) ش: لئلا يتلف أضحيته. م: (وإذا استعان بغيره ينبغي أن يشهدها بنفسه) ش: أي أن يحضر أضحيته بنفسه م: «لقوله ﵊ لفاطمة ﵂: " قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب» ش: هذا الحديث رواه ثلاثة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. الأول: عمران بن الحصين ﵁ أخرج حديثه الحاكم في " المستدرك " من حديث أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال لفاطمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ... " إلى قوله: " من المسلمين ". قال عمران: قلت: يا رسول الله ﷺ هذا لك ولأهل بيت خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: " بل للمسلمين عامة» . ورواه البيهقي في " سننه " والطبراني في " معجمه ". وقال البيهقي: في إسناده مقال، وقال الذهبي في " مختصره للمستدرك " أبو حمزة الثمالي ضعيف جدا. ورواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " أخبرنا يحيى بن آدم وأبو بكر بن عياش عن ثابت عن أبي إسحاق عن عمران بن الحصين فذكره، وأخرجه الكرخي أيضا في " مختصره " بإسناده

стр. 6000

قال: ويكره أن يذبحها الكتابي؛ لأنه عمل هو قربة وهو ليس من أهلها. ولو أمره فذبح جاز؛ ــ [البناية] إلى عمران نحوه. الثاني: أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الحاكم، من حديث عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنبك " فقالت فاطمة: يا رسول الله ﷺ هذا لنا أهل البيت خاصة أو لنا وللمسلمين عامة؟ وسكت عنه» . رواه البزار في " مسنده ". وقال الذهبي: عطية واه، وقال البزار: لا نعلم له طريقا عن أبي سعيد أحسن من هذه الطريق، وعمرو بن قيس كان من أفاضل الكوفة وعبادهم، ممن يكتب حديثه. الثالث علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه أبو القاسم الأصفهاني في كتاب " الترغيب والترهيب "، وأبو الفتح سليم بن أيوب، الفقيه الشافعي عن مسلم بن إبراهيم حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن خالد مولى بني هاشم عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " يا فاطمة..... " الحديث. وقال أبو الفتح: سعيد بن زيد، هو أخو حماد بن زيد، وأخرجه الكرخي في " مختصره " بإسناده إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن النبي ﷺ قال: «يا فاطمة بنت محمد، قومي واشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب أما أنه يؤتى بها بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك وسبعون ضعفا» . م: (قال: ويكره أن يذبحها الكتابي) ش: أي قال القدوري. - وليس في النسخ الصحيحة لفظة قال -: م: (لأنه عمل هو قربة وهو ليس من أهلها) ش: أي الكتابي ليس من أهل القربة، وفي بعض النسخ؛ لأنه عمل قربة، بإضافة العمل إلى القربة. قال القدوري في " شرحه ": إذا أمر مسلم نصرانيا أو يهوديا أن يذبح أضحيته ففعل، أجزأه؛ لأنه من أهل الذبح فصار ذبحه وذبح المسلم سواء، إلا أنه يكره؛ لأن الذبح للأضحية من أمور الدين، ولا ينبغي أن يستعان بالكافر فيما هو من أمور الدين، انتهى.

стр. 6001

لأنه من أهل الذكاة، والقربة أقيمت بإنابته ونيته، بخلاف ما إذا أمر المجوسي؛ لأنه ليس من أهل الذكاة فكان إفسادا. قال: وإذا غلط رجلان فذبح كل واحد منهما أضحية الآخر أجزأ عنهما، والضمان عليهما، وهذا استحسان. وأصل هذا أن من ذبح أضحية غيره بغير إذنه لا يحل له ذلك، وهو ضامن لقيمتها، ولا يجزئه عن الأضحية في القياس، وهو قول زفر ﵀، وفي الاستحسان: يجوز، ولا ضمان على الذابح، وهو قولنا. وجه القياس: أنه ذبح شاة غيره بغير أمره، فيضمن كما إذا ذبح شاة اشتراها القصاب، وجه الاستحسان أنها تعينت للذبح لتعينها للأضحية ــ [البناية] وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وقال مالك: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم، وهكذا روى مسلم عن أحمد لما روي عنه ﷺ أن قال: «لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر» وقال جابر: " لا يذبح النسك إلا مسلم ولنا ما قلنا ". م: (ولو أمره فذبح جاز؛ لأنه) ش: أي ولو أمر الكتابي فذبح أضحيته جاز؛ لأن الكتابي م: (من أهل الذكاة، والقربة أقيمت بإنابته ونيته) ش: أي بإنابة المسلم الكتابي ونية المسلم أيضا بالأضحية، م: (بخلاف ما إذا أمر المجوسي) ش: حيث لا يجوز بلا خلاف. م: (لأنه ليس من أهل الذكاة. فكان إفسادا) ش: حيث أمر بذبحها من ليس له ملة التوحيد إلا أنه لا يضمن؛ لأن من فعل ذلك بالأمر بخلاف ما لو أمر مسلما فذبح وترك التسمية عمدا فإنه يضمن؛ لأنه خالف أمر الآمر حيث ترك التسمية عمدا. م: (قال: وإذا غلط رجلان فذبح كل واحد منهما أضحية الآخر أجزأ عنهما والضمان عليهما) ش: أي قال القدوري: وليس في النسخ الصحيحة لفظة قال. وإذا كانت المسألة من مسائل القدوري م: (وهذا استحسان) ش: أي الجواز استحسان العلماء م: (وأصل هذا) ش: أي أصل ما ذكر من الحكم م: (أن من ذبح أضحية غيره بغير إذنه، لا يحل له ذلك، وهو ضامن لقيمتها، ولا يجزئه من الأضحية في القياس، وهو قول زفر ﵀) ش: وقول الثلاثة. م: (وفي الاستحسان: يجوز) ش: أي عن الأضحية م: (ولا ضمان على الذابح وهو) ش: أي الاستحسان م: (قولنا) ش: أي قول أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد م: (وجه القياس: أنه ذبح شاة غيره بغير أمره) ش: وفي بعض النسخ: بغير إذنه م: (فيضمن) ش: لأنه متعد م: (كما إذا ذبح شاة اشتراها القصاب) ش: فإنه يضمن وإن كان القصاب اشتراها للذبح؛ لأنه متعدٍّ حيث فعل بغير أمره وقياسا على ما لو ذبح في غير أيام الأضحية. وقياسا على ما لو قال له لا يذبح. م: (وجه الاستحسان: أنها) ش: أي الشاة المشتراة للأضحية م: (تعينت للذبح لتعينها للأضحية) ش: إما بنفس الشراء بنية الأضحية بل إذا كان فقيرا، أو بالنذر بعينها، فلا يضمن

стр. 6002

حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر، ويكره أن يبدل بها غيرها فصار المالك مستعينا بكل من يكون أهلا للذبح آذنا له دلالة؛ لأنها تفوت بمعنى بهذه الأيام، وعساه يعجز عن إقامتها بعوارض فصار كما إذا ذبح شاة شد القصاب رجلها. فإن قيل: يفوته هو أمر مستحب وهو أن يذبحها بنفسه، أو يشهد الذبح فلا يرضى به. ــ [البناية] قياسا على القصاب إذا شد رجل شاة وقد أضجعها، ثم جاء رجل وذبح فإنه لا يضمن؛ لأنه ذبح شاة عينها المالك للذبح، فكذا هذا، فلما تعينت للذبح شرعا صار الذبح مأذونا فيه عرفا. والإذن الثابت عرفا كالإذن الثابت بالنطق، بدلالة أن من دعا قوما إلى وليمة فقدم لهم طعاما فإنه يكون آذنا بتناوله ذلك في العرف أما شاة القصاب فإنما وجب ضمانها؛ لأنها لم تتعين للذبح؛ لأنه ربما يبيعها حية وربما يبيعها مسلوخة، والأضحية تعينت للذبح إما بنفس الشراء بنيته للأضحية إذا كان فقيرا كما ذكرنا، أو بالنذر بعينها. م: (حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر) ش: لتعينها بعينها م: (ويكره أن يبدل بها غيرها) ش: يعني إذا كان غنيا، وأما في الفقير فلا يجوز الاستبدال ولكن يجوز استبدالها بخير منها عند أبي حنيفة ومحمد وأحمد، وعند مالك: في المنذورة وغيرها وعند الشافعي ﵀ وأبي يوسف، وأبي الخطاب الحنبلي ﵀: لا يجوز؛ لأنه قد جعلها لله فلم يملك أن يتصرف فيها بالاستبدال كالوقف. ولنا ما روي: " «أنه ﷺ ساق مائة بدنة في حجته، وقدم علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - من اليمن فأشركه فيه» ، رواه مسلم، وهذا نوع من الهبة. م: (فصار المالك مستعينا بكل ما يكون أهلا للذبح) ش: أي إذا كان الأمر كذلك فصار مالك الأضحية مستعينا أي طالبا للعتاق من كل من كان أهلا للذبح احترز به عن المجوسي ونحوه. م: (آذنا له دلالة) ش: أي حال كونه دلالة بكل من كان أهلا للذبح من حيث الدلالة، كما في القصاب إذا أضجعها وشد رجلها كما ذكرنا. وقوله: " آذنا " يجوز أن يقرأ على وزن الفاعل وإن قرئ على وزن المصدر فالتقدير أن يكون باسم الفاعل أيضا فافهم، وعلى الوجهين حال كما ذكرنا. م: (لأنها تفوت بمعنى بهذه الأيام وعساه) ش: أي عسى المالك. وعسى هنا بمعنى لعل، أي لعله م: (يعجز عن إقامتها بعوارض) ش: أي لأجل عوارض تعرض له م: (فصار كما إذا ذبح شاة شد القصاب رجلها) ش: أي صار حكم المسألة في أن الذابح فيها مأذون، دلالة لحكم الرجل الذي ذبح شاة قصاب، كان قد أضجعها وشد رجلها للذبح. وقد ذكرناه. م: (فإن قيل: يفوته هو أمر مستحب وهو أن يذبحها بنفسه أو يشهد الذبح فلا يرضى به) ش:

стр. 6003

قلنا: يحصل له مستحبان آخران: صيرورته مضحيا لما عينه، وكونه معجلا به فيرتضيه. ولعلمائنا ﵏ من هذا الجنس مسائل استحسانية، وهي: أن من طبخ لحم غيره، أو طحن حنطته، أو رفع جرته فانكسرت، أو حمل على دابته فعطبت. كل ذلك بغير أمر المالك يكون ضامنا. ولو وضع المالك اللحم في القدر والقدر على الكانون، والحطب تحته. أو جعل الحنطة في الدورق وربط الدابة عليه أو رفع الجرة وأمالها إلى نفسه، أو حمل على دابته فسقط في الطريق. فأوقد هو النار فيه فطبخه، أو ساق الدابة فطحنها، ــ [البناية] حاصل السؤال أن المستحب هو أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح، أو يشهد إن لم يحسن ذبحها وكلاهما فوات هاهنا، أما الأول فظاهر، والثاني أنه لو علم به فربما كان لا يرضى به. م: (قلنا) ش: وفي بعض النسخ. قلت م: (يحصل له مستحبان آخران: صيرورته مضحيا لما عينه) ش: يعني وإن كان لفوته أمران أحدهما مستحب فقد حصل له أمران مستحبان: أحدهما: كونه مضحيا لما عينه والتضحية حتى يكره الإبدال لما ذكرنا م: (وكونه معجلا به فيرتضيه) ش: والآخر: كون المالك معجلا التضحية فيرتضيه بسبب ذلك. م: (ولعلمائنا من هذا الجنس مسائل استحسانية) ش: يعني استحسنها المشائخ ﵏ على خلاف القياس م: (وهي: أن من طبخ لحم غيره، أو طحن حنطته، أو رفع جرته فانكسرت، أو حمل على دابته فعطبت) ش: أي هلكت م: (كل ذلك) ش: يعني من طبخ اللحم وطحن الحنطة ورفع الجرة والحمل على الدابة م: (بغير أمر المالك يكون ضامنا) ش: للتعدي على ما يأتي. م: (ولو وضع المالك اللحم في القدر والقدر على الكانون) ش: أي وضع القدر على الكانون م: (والحطب تحته) ش: أي وضع الحطب تحت القدر. م: (أو جعل الحنطة في الدورق) ش: بفتح الدال وسكون الواو وفتح الراء في آخره قاف والمراد به هنا شيء في صفته صندوق مطاول يعلق فوق الرحى يوضع فيه الحنطة ينزل منه إلى قطب الرحى ليطحن، وفي " الأصل " هو مكيل التراب قاله في " ديوان الأدب ". وقال ابن دريد: وإنما الدورق الذي يستعمل فأعجمي معرب م: (وربط الدابة عليه) ش: يعني حول الرحى حتى تدور بها. م: (أو رفع الجرة وأمالها إلى نفسه، أو حمل على دابته فسقط) ش: أي حملها م: (في الطريق) ش: من ظهر الدابة م: (فأوقد هو النار فيه فطبخه) ش: هذا الحديث لف ونشر مرتب. فإن قوله: فأوقد يرجع إلى المسألة الأولى، وهو قوله: ولو وضع المالك اللحم في القدر والقدر على الكانون والحطب تحته، يعني فأوقد رجل غيره النار في الكانون يطبخ اللحم. م: (أو ساق الدابة فطحنها) ش: يرجع إلى المسألة الثانية وهي قوله: أو جعل الحنطة في

стр. 6004

أو أعانه على رفع الجرة فانكسرت فيما بينهما، أو حمل على دابته ما سقط فعطبت لا يكون ضامنا في هذه الصورة كلها استحسانا، لوجود الإذن، دلالة. إذا أثبت هذا فنقول في مسألة الكتاب: ذبح كل واحد منهما أضحية غيره بغير إذنه صريحا فهي خلافية زفر بعينها وسيأتي فيها القياس والاستحسان كما ذكرنا، فيأخذ كل واحد منهما مسلوخة نفسه عن صاحبه ولا يضمنه؛ لأنه وكيله فيما فعل دلالة فإن كانا قد أكلا ثم علما فليحلل كل واحد منهما صاحبه ويجزيهما؛ لأنه لو أطعمه في الابتداء يجوز وإن كان غنيا فكذا له أن يتحلله في الانتهاء، ــ [البناية] الدورق، وربط الدابة عليه يعني وساق الدابة غيره فطحنها. م: (أو أعانه على رفع الجرة فانكسرت فيما بينهما) ش: يرجع إلى المسألة الثالثة وهي قوله: أي رفع الجرة وأمالها إلى نفسه معنى أو أعانه رجل غيره على رفع الجرة فانكسرت بينهما أي بين المالك والمعني. م: (أو حمل على دابته ما سقط فطبت) ش: يرجع إلى المسألة الرابعة وهي قوله حمل على دابته فسقط يعني حمل رجل غيره على دابته ما سقط منها من الحمل الذي حمله إياها مالكه فعطبت الدابة أي هلكت م: (لا يكون ضامنا في هذه الصورة كلها) ش: جواب المسائل المذكورة. والضمير فيها لا يكون يرجع إلى موقد النار، وسائق الدابة، والحامل باعتبار كل واحد فافهم. م: (استحسانا) ش: يعني من حيث الاستحسان م: (لوجود الإذن دلالة) ش: والثابت دلالة كالثابت نصا. م: (إذا أثبت هذا) ش: أي المذكور من الحكم والمذكور من الأصل والمذكور من الاستحسان في المسائل المذكورة. م: (فنقول في مسألة الكتاب: ذبح كل واحد منهما أضحية غيره بغير إذنه صريحا فهي خلافية زفر بعينها) ش: أي فيهما خلاف بين أصحابنا ﵏ وزفر ﵀ فإنه خالفهم. م: (وسيأتي فيها القياس والاستحسان كما ذكرنا) ش: فإنه ذكر وجه كل منهما عن قريب م: (فيأخذ كل واحد منهما مسلوخة عن صاحبه) ش: أي إذ كان الأمر كذلك فيأخذ كل من الرجلين المذكورين مسلوخة نفسه عن صاحبه م: (ولا يضمنه) ش: أي ولا يضمن أحدهما الآخر م: (لأنه وكيله فيما فعل دلالة) ش: أي من حيث الدلالة فصار كوكيله نصا. م: (فإن كانا قد أكلا ثم علما) ش: فإنهما قد ذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه م: (فليحلل كل واحد منهما صاحبه ويجزيهما) ش: أي يجزي كل واحد منهما من أضحيته وهذا من مسائل " النوادر " ذكره تفريعا على مسألة القدوري. م: (لأنه لو أطعمه في الابتداء يجوز وإن كان غنيا فكذا له أن يتحلله في الانتهاء) ش: أي لأن

стр. 6005

وإن تشاحا فلكل واحد منهما أن يضمن لصاحبه قيمة لحمه ثم يتصدق بتلك القيمة؛ لأنها بدل عن اللحم فصار كما لو باع أضحيته، وهذا لأن التضحية لما وقعت عن صاحبها كان اللحم له، ومن أتلف لحم أضحية غيره كان الحكم ما ذكرناه، ومن غصب شاة فضحى بها ضمن قيمتها، وجاز عن أضحيته؛ لأنه ملكها بسابق الغصب بخلاف ما لو أودع شاة فضحى بها؛ لأنه يضمنه بالذبح، فلم يثبت الملك له إلا بعد الذبح. ــ [البناية] كل واحد منهما لو أطعم صاحبه في ابتداء الأمر من أضحيته في غير صورة الغلط كان يجوز ذلك وإن كان صاحبه غنيا فكذا له ذلك في الانتهاء بأن يحلله؛ لأن حكم الابتداء حكم الانتهاء. م: (وإن تشاحا) ش: بالحاء المهملة، أي تنازعا وتخاصما ولم يحلل كل منهما صاحبه م: (فلكل واحد منهما أن يضمن لصاحبه قيمة لحمه ثم يتصدق بتلك القيمة؛ لأنها) ش: أي لأن القيمة م: (بدل عن اللحم فصار كما لو باع أضحيته) ش: يعني لو باع أضحيته واشترى بثمنها غيرهما فإن كان غيرها أنقص من الأولى يتصدق بما فضل عن الثانية، ولو لم يشتر حتى مضت أيام النحر يتصدق بثمنها م: (وهذا لأن التضحية لما وقعت عن صاحبها كان اللحم له) ش: يعني أن تضحية كل واحد منهما وقعت عن صاحبه لا عن نفسه فكان اللحم لصاحبه أيضا، فلما أكل المضحي ذلك كان متلفا لحم أضحية غيره فيضمن. م: (ومن أتلف لحم أضحية غيره كان الحكم ما ذكرناه) ش: وهو تضمين قيمة اللحم والتصدق بها. [غصب شاة فضحى بها] م: (ومن غصب شاة فضحى بها ضمن قيمتها وجاز عن أضحيته) ش: وقال زفر وأبو يوسف - رحمهما الله - في رواية، والثلاثة: لا يجوز عن أضحيته؛ لأنها وقعت في غير ملكه فصار كعتاق الغاصب ثم ملكه بأداء الضمان حيث لا ينفذ عتقه وأشار إلى دليلنا بقوله: م: (لأنه ملكها بسابق الغصب) ش: أي لأن الغاصب ملك الشاة التي ضحى بها مسندا إلى الغصب السابق فكانت التضحية واردة على ملكه. وكذا يكفي للتضحية ولكن قبل هذا إذا أدى الضمان في أيام النحر بخلاف الإعتاق فلأنه يستدعي كمال الملك؛ لأن الملك فيه مفوض ولا كذلك الأضحية ولا يقال: الاستناد يظهر في القائم لا في الهالك؛ لأن ذلك بمعزل منافاة الإراقة ليست من المملوك بشيء؛ لأنها ليست بصفة الشاة ليظهر أثره فيه، فإن الملك يثبت في المذبوحة ثم يسند إلى الوقت الغاصب، فيظهر أن الأربعة حاصلة في ملكه كذا في " الفوائد الشاهية ". م: (بخلاف ما لو أودع شاة فضحى بها) ش: حيث لا تجزيه م: (لأنه يضمنه بالذبح فلم يثبت الملك له إلا بعد الذبح) ش: فيكون غير مالك عند التضحية بوجه ونقل الناطفي في كتاب

стр. 6006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] " الأجناس " عن اختلاف زفر ﵀: ولو غصب شاة فذبحها عن المتعة أو ضحى بها ضمن قيمتها أنه يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -. وفي " نوادر ابن رستم " عن محمد ﵀: لم يجز عن أضحيته وإن عزم القيمة. وفي " أضاحي الإيلاء ": رواية بشر بن الوليد: لو غصب شاة وذبحها عن الأضحية ثم أدى قيمتها لا يجزيه؛ لأن لصاحب الأضحية أن يأخذها مذبوحة ولا يضمنها قيمتها فهذه الرواية توافق قول محمد ﵀، إلى هنا لفظ " الأجناس "، والله أعلم.

стр. 6007

كتاب الكراهية قال ﵁: تكلموا في معنى المكروه . ــ [البناية] [كتاب الكراهية] [معنى المكروه] م: (كتاب الكراهية) ش: قالت الشراح: أورد الكراهية بعد الأضحية؛ لأن عامة مسائل كل واحد لم يجز من أصل أو فرع يرد فيه الكراهية كما قلنا من كراهية جز الصوف وذبح الكتابي وغيرها. قلت: قل في كتاب من الكتب السابقة [أن] تخلو من هذا فلم يتحقق بذلك وجه المناسبة، والأولى أن يقال: عامة مسائل الذبائح بالآثار والأخبار، وكذلك عامة مسائل الكراهية بالسنة والآثار. فلذلك ذكرهما متباينين. ثم عبارات الكتب اختلفت في ترجمة هذا الباب فخصه بلفظ الكراهية في " الجامع الصغير " و " شرح الطحاوي "، وتبعهما المصنف، وبلفظ الحظر والإباحة في القدوري و " الإيضاح " و " التتمة " و " التحفة " وفي " فتاوى قاضي خان ﵀ والكرخي ﵀ في " مختصره ". وبلفظ الاستحسان في " الشرط " و " المحيط " و " الذخيرة " و " المغني " و " الكافي " للحاكم الشهيد وإنما خصوه بالاستحسان وإن كان القياس ثابتا في مقابلته أن المعمول به جهة الاستحسان. ثم الكراهية على وزن فعالية مصدر، وقولهم كره الشيء يكره كرها وكراهية إذا لم يرده. قال في " الميزان ": هي ضد المحبة والرضى. قال الله : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] . فالمكروه خلاف المندوب والمحبوب لغة، والكراهية ليست بضد الإرادة عندنا، فإن الله كاره للكفر والمعاصي أي ليس براض بهما ولا يوجب لهما، فإن الكفر والمعاصي بإرادة الله بمشيئته، وعند المعتزلة ضد الكراهية الإرادة أيضا كما عرف في أصول الكلام. م: (قال ﵁) ش: أي قال المصنف ﵀ م: (تكلموا في معنى المكروه) ش: أي تكلمت العلماء في معنى الكراهية فقيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله وقيل: ما يكون الأولى أن لا يفعله.

стр. 6008

والمروي عن محمد ﵀ نصا: أن كل مكروه حرام، إلا أنه لما لم يوجد فيه نص قاطع لم يطلق عليه لفظ الحرام، وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله -: أنه إلى الحرام أقرب، وهو يشتمل على فصول منها: فصل في الأكل والشرب ، قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تكره لحوم الأتن وألبانها. ــ [البناية] م: (والمروي عن محمد ﵀ نصا: أن كل مكروه حرام، إلا أنه لما لم يوجد فيه نص قاطع لم يطلق عليه لفظ الحرام) ش: الحاصل أنهم اختلفوا في مراد محمد ﵀ من المكروه. فقالوا: كل مكروه حرام، كذلك روي عن محمد ﵀ نصا، إلا أن إذا وجد نصا ثبت القول في المنصوص بالتحريم والتحليل وفي غير المنصوص بقوله: في الحل لا بأس وفي الحرمة مكروه. م: (وعن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: أنه إلى الحرام أقرب) ش: قال تاج الشريعة ﵀ هذه رواية شاذة؛ لأنه ذكر في " المبسوط ": أن أبا يوسف ﵀ قال لأبي حنيفة: إذا قلت: في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ قال: التحريم. وفي " المحيط " لفظ الكراهية عند الإطلاق يراد بها: التحريم. قال أبو يوسف ﵀ قلت لأبي حنيفة ﵀ إذا قلت في شيء " أكرهه ": فما رأيك فيه؟ قال: التحريم، وفي " الحقائق " قال أبو يوسف ﵀: الشبهة إلى الحرام أقرب. [فصل في الأكل والشرب] م: (وهو يشتمل على فصول) ش: أي كتاب الكراهية يجتمع على فصول م: (منها) ش: أي من الفصول م: (فصل في الأكل والشرب) ش: أي في بيان أحوال الأكل والشرب م: (قال أبو حنيفة ﵀: تكره لحوم الأتن وألبانها) ش: الأتن بضمتين، جمع أتان هي الحمارة وإنما خص الأتن مع كراهة لحم سائر الحمير يستقيم، عطف الألبان عليه إذ اللبن لا يكون إلا من الأتان. فقال الأوزاعي ﵀ وبشر المريسي ﵀ لحوم الحمر الأهلية حرام وقد ذكرناه مستقصى في كتاب الذبائح فإذا ثبت حرمة اللحم عندنا ثبت له حكم اللبن؛ لأنه متولد منه. وقال فخر الإسلام ﵀: في شرح " الجامع الصغير ": اتفق أصحابنا على أن الحمار إذا ذبح يطهر لحمه وأنه لا يؤكل، وأما شحمه فلا يؤكل وهل ينتفع به في غير وجه الأكل اختلفت فيه مشايخنا ﵏، فقال بعضهم: لا يحل كما لا يحل الأكل، وقال بعضهم بل ذلك جائز.

стр. 6009

وأبوال الإبل. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - لا بأس بأبوال الإبل. وتأويل قول أبي يوسف: أنه لا بأس بها للتداوي. وقد بينا هذه الجملة فيما تقدم في الصلاة، والذبائح فلا نعيدها، واللبن متولد من اللحم فأخذ حكمه. قال: ولا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب، والفضة للرجال والنساء لقوله ﵊ في الذي يشرب في إناء الذهب والفضة: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» . ــ [البناية] م: (وأبوال الإبل) ش: أي يكره أبوال الإبل أيضا عند أبي حنيفة ﵀ م: (وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: لا بأس بأبوال الإبل، وتأويل قول أبي يوسف) ش: لأنه ذكر مطلقا في " الجامع الصغير " حيث قال محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة قال: أكره شرب أبوال الإبل وأكل لحم الفرس، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: لا بأس بذلك كله. قال المصنف: تأويل أبي يوسف ﵀ م: (أنه لا بأس بها للتداوي) ش: لا مطلقا كما هو مذهب محمد ﵀ م: (وقد بينا هذه الجملة فيما تقدم في الصلاة) ش: في كتاب الطهارات في فصل البئر م: (والذبائح) ش: أي في كتاب الذبائح، وأراد به حكم لحوم الأتن م: (فلا نعيدها) ش: أي من التكرار. م: (واللبن متولد من اللحم فأخذ حكمه) ش: أي فيما لم يختلف ما هو المقصود من كل واحد منهما، ولا بد من ذلك القيد وإلا يلزم نقضا على هذا الأصل لبن الفرس على قول أبي حنيفة ﵀ في رواية هذا الكتاب: جعل شرب لبنه حلالا لما أن المقصود من تحريم لحمه تعليل آلة الفن ولا يوجد ذلك في اللبن. [الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة] م: (قال: ولا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء) ش: أي قال القدوري " ﵀ " في " مختصره ": قبل: صورة الادهان المحرم أن يأخذ الإناء ويصب على رأسه، أما إذا أدخل يده فيها وأخذ الدهن ثم صب على رأسه من اليد لا يكره ذلك في " الجامع " و " الذخيرة " و " المحيط ". وكذا لو دفع الطعام ووضعه على الخبز وأكله لأنه يحل لانقطاعه عن آنية الفضة م: (لقوله ﵊ في الذي يشرب في إناء الذهب والفضة: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أن النبي ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» . وفي لفظ لمسلم ﵀: «من يشرب في إناء ذهب أو فضة» وفي لفظ له: «الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة» .

стр. 6010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ولم يذكر البخاري ﵀ الأكل ولا ذكر الذهب، أخرجه البخاري ﵀ في الأشربة، ومسلم ﵀ في أول اللباس. وأخرجه الدارقطني ﵀ ثم البيهقي ﵀ عن يحيى بن محمد الجاري ﵀ ثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر نحوه، وزاد فيه: «آنية الذهب والفضة» أو فيه شيء من ذلك، ويحيى الجاري فيه، فقال: أخرجاه في الطهارة. وروى البخاري أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كان حذيفة بالمدائن فاستقى الماء وأتى دهقان بقدح فضة فرمى به فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته، وأن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: " هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة» ". وقال الخطابي: أصل الجرجرة هدير الفحل إذا اهتاج ويقال: جرجر الفحل إذا هدر في شقشقته، ومثله جرجرة الرحى. وقال الجوهري ﵀: الجرجرة صوت يردده البعير في حنجرته ومعناه يرددها في بطنه. وقال صاحب " العناية ": و " نار " منصوب على ما هو محفوظ من الثقات. قلت: روى الزمخشري أيضا بالنصب في تابعه واقتصر عليه وقال: أي يرددها فيه من حرز الفحل إذا ردد الصوت في حنجرته. انتهى. ذلك يجوز فيه الوجهان. قال الخطابي ﵀: وفي إعرابه وجهان: أحدهما: إن رفع النار، أي كأنه يصوت في جهة بطنه نار جهنم، والوجه الآخر: أن ينصب النار، أي كأنه يجرع في شربه نار جهنم: كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] انتهى. قلت: التحقيق في إعراب هذا الحديث الذي قوله: الذي: مبتدأ موصول، وقوله: يشرب من إناء الذهب: صلة، قوله: إنما يجرجر في بطنه نار جهنم: خبر المبتدأ، وهي جملة وفيها العائد إلى الاسم للأول، ثم قوله: يجرجر سواء رفعت النار أو نصبت على بناء الفاعل، ولكن معناه في النصب متعدد في الرفع لازم، ونار جهنم في النصب تردد وفي الرفع متردد، والأصل هذا الفعل لازم، ولكن يتعدى في النصب؛ لأنه يكون معنى يتجرع وهو من باب التضمين وفيه يصير اللازم متعديا، فافهم. وهكذا فسره الزمخشري ﵀ في النصب بقوله: أي يرددها؛ لأنها حينئذ تتضمن جرجر معنى ردد، وردد متعد وإلا فأصله لازم لأنك تقول جرجر الرحى إذا سمع منه

стр. 6011

وأتي أبو هريرة بشراب في إناء فضة فلم يقبله، وقال: نهانا عنه رسول الله ﷺ وإذا ثبت هذا في الشراب، فكذا في الادهان ونحوه؛ لأنه في معناه، ولأنه تشبه بزي المشركين وتنعم بتنعم المترفين والمسرفين. وقال في " الجامع الصغير ": يكره، ــ [البناية] صوت فتردد. م: «وأتي أبو هريرة بشراب في إناء فضة فلم يقبله، وقال: نهانا عنه رسول الله ﷺ » ش: هذا عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غير صحيح، وهو في الكتب الستة عن حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: «استسقى حذيفة فسقاه مجوسي في إناء من فضة فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» أخرجه البخاري ﵀ في الأشربة والأطعمة واللباس، ومسلم في الأطعمة، وأبو داود والترمذي في الأشربة، وابن ماجه في الأشربة واللباس، والنسائي ﵀ في الزينة والوليمة. م: (وإذا ثبت هذا) ش: أي عدم الجواز م: (في الشراب فكذا في الادهان ونحوه) ش: أي فكذا ثبت عدم الجواز في الادهان ونحوه مثل التداوي يداوي فيه والإسقاط والإنحار والاختتان م: (لأنه في معناه) ش: أي لأن الادهان في معنى الشرب منه؛ لأن كل واحد استعمال للمحرم والمحرم الاستعمال بأي وجه كان. م: (ولأنه تشبه بزي المشركين) ش: أي ولأن كل من الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة، تشبيه بأفعال المشركين؛ لأنهم لا يستعملون من الأشياء إلا في أواني الذهب والفضة، ولا سيما ملوك الروم والغجر. م: (وتنعم بتنعم المترفين والمسرفين) ش: المترف - بضم الميم وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الراء وفي آخره فاء -، وهو المنعم، يقال: أترفه أي نعمه وأترفته النعمة أي أطغته، كذا في " الديوان ". ومنه قوله : ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] . وقال الكاكي ﵀: تنعم المترفين أي الطاغين. قال : ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] والإسراف المجاوزة عن الحد في استعمال الأشياء. م: (وقال في " الجامع الصغير ": يكره) ش: حيث قال محمد ﵀ عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀: أنه كان يكره الأكل والشرب والادهان في آنية الذهب، وكان لا يرى

стр. 6012

ومراده التحريم، ويستوي فيه الرجال والنساء لعموم النهي. وكذلك الأكل بملعقة الذهب، والفضة والاكتحال بميل الذهب والفضة، وكذا ما أشبه ذلك كالمكحلة والمرآة وغيرهما لما ذكرنا، قال: ولا بأس باستعمال آنية الرصاص والزجاج والبللور والعقيق. وقال الشافعي ﵀: يكره؛ لأنه في معنى الذهب والفضة في التفاخر به. قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ما كان من عادتهم التفاخر بغير الذهب والفضة، . قال: ويجوز الشرب في الإناء المفضض عند أبي حنيفة ﵀ والركوب في السرج المفضض والجلوس على الكرسي المفضض والسرير المفضض إذا كان يتقي موضع الفضة ومعناه: يتقي موضع الفم، وقيل: هذا وموضع اليد في الأخذ، ــ [البناية] بأسا بالإناء المفضض م: (ومراده التحريم) ش: هذا كلام المصنف ﵀ أي مراد محمد ﵀ من قوله يكره: كراهة التحريم؛ لأنه ثبت بالنص القاطع، م: (ويستوي فيه) ش: هذا كلام المصنف أي في الحكم المذكور م: (الرجال والنساء لعموم النهي) ش: حيث لم يخص طائفة منهم. م: (وكذلك الأكل بملعقة الذهب والفضة) ش: أي لا يجوز م: (والاكتحال) ش: بالرفع أي وكذا لا يجوز الاكتحال م: (بميل الذهب والفضة وكذا ما أشبه ذلك كالمكحلة والمرآة وغيرهما) ش: نحو المجمرة والملقط والمسقط، وكذا الركاب واللجام والثغر والكرسي والسرير ونحوهم. م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله: ولأنه تشبه بزي المشركين م: (قال: ولا بأس باستعمال آنية الرصاص والزجاج والبللور والعقيق. وقال الشافعي ﵀: يكره؛ لأنه في معنى الذهب والفضة في التفاخر به) ش: أي بكل واحد من هذه الأشياء. وقال الأقطع في " شرحه ": وقال الشافعي ﵀ يكره؛ لأنه في معنى الذهب والفضة من ذلك كأن نافس عينا بجنسه كالبللور. م: (قلنا: ليس كذلك) ش: أي ليس كما قال الشافعي ﵀ م: (لأنه) ش: أي الشأن م: (ما كان من عادتهم التفاخر بغير الذهب والفضة) ش: أي من عادة المشركين أو المترفين والأصل في الأشياء الإباحة. قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] . [الشرب في الإناء المفضض] م: (قال: ويجوز الشرب في الإناء المفضض عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي قال القدوري: والمفضض المرصع وبالفارسية سيم كوفته م: (والركوب في السرج المفضض والجلوس على الكرسي المفضض والسرير المفضض إذا كان يتقي موضع الفضة) ش: أي يجتنب موضع الفضة م: (ومعناه) ش: أي معنى قول القدوري ﵀ يتقي موضع الفضة م: (يتقي موضع الفم) ش: عن الشرب من الإناء المفضض م: (وقيل: هذا، وموضع اليد في الأخذ) ش: أي قبله يتقي

стр. 6013

وفي السرير والسرج موضع الجلوس، وقال أبو يوسف: يكره ذلك. وقول محمد: يروى مع أبي حنيفة ويروى مع أبي يوسف، وعلى هذا الخلاف الإناء المضبب بالذهب والفضة والكرسي المضبب بهما، وكذا إذا جعل ذلك في السيف والمشحذ وحلقة المرأة، أو جعل المصحف مذهبا، أو مفضضا وكذا الاختلاف في اللجام والركاب والثفر إذا كان مفضضا. ــ [البناية] موضع الفم وموضع اليد عند الأخذ، فعرفت أن هذا في موضع النصب على المفعولية. وقوله وموضع اليد بالنصب عطف عليه. م: (وفي السرير والسرج موضع الجلوس) ش: أي ويتقي في السرج والسرير موضع الجلوس. م: (وقال أبو يوسف: يكره ذلك) ش: وبه قالت الثلاثة ﵏ م: (وقول محمد يروى مع أبي حنيفة ويروى مع أبي يوسف) ش: يعني قوله مضطرب. روى الإمام الأسبيجابي ﵀ أنه مع أبي حنيفة، وروى أبو عامر العامري أنه مع أبي يوسف ﵀ م: (وعلى هذا الخلاف الإناء المضبب بالذهب والفضة والكرسي المضبب بهما) ش: أي بالذهب والفضة، يقال: بأن يضبب أي مشدد، وبالضبان جمع ضبة وهي حديد به الفريضة التي يضبب بها ومنه يضبب استناصه بالفضة إذا شدها. كذا في " المغرب " و " الذخيرة ": الضبة الذهب العريضة أو الفضة العريضة يجعل على وجه الباب وما أشبه ذلك. ثم عند أبي حنيفة ﵀: لا بأس بالجلوس على الكرسي المضبب والسرير المضبب إذا لم يقعد على موضع الذهب. م: (وكذا إذا جعل ذلك) ش: وكذا الخلاف بين أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ إذا جعل التضبيب م: (في السيف والمشحذ) ش: أي في المسن. وفي بعض النسخ: والمسجد، والمراد به سقف المسجد م: (وحلقة المرأة) ش: والمراد من الحلقة التي تكون على خوال المرأة لا ما تأخذه المرأة بيدها، فإن ذلك مكروه بالاتفاق م: (أو جعل المصحف مذهبا أو مفضضا) ش: يجوز عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لأبي يوسف ﵀، وبقول أبي يوسف ﵀ قال الشافعي وأحمد في تحلية المسجد والمصحف بالذهب والفضة: له وجهان، فذكر بعض أصحابه أنه يجوز إعظاما ونصه أنه حرام. م (وكذا الاختلاف) ش: يعني بين أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (في اللجام والركاب والثفر) ش: بفتح الثاء المثلثة والفاء وفي آخره راء، وهو الذي يجعل تحت ذنب الدابة م: (إذا كان مفضضا) ش: أي كل واحد منهما.

стр. 6014

وكذا الثوب فيه كتابة بذهب أو فضة على هذا، وهذا الاختلاف فيما يخلص، وأما التمويه الذي لا يخلص فلا بأس به بالإجماع. لهما: أن مستعمل جزء من الإناء مستعمل جميع الأجزاء فيكره كما إذا استعمل موضع الذهب والفضة. ولأبي حنيفة ﵀: أن ذلك تابع ولا معتبر بالتوابع فلا يكره كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب، ومسمار الذهب في الفص. قال: ومن أرسل أجيرا له مجوسيا أو خادما فاشترى لحما فقال: اشتريته من يهودي أو ــ [البناية] م: (وكذا الثوب فيه كتابة بذهب أو فضة على هذا) ش: أي على الخلاف المذكور، وكذا الخلاف إذا كان في نصل السكين فضة أو قبضة السيف قال أبو حنيفة ﵀: إن أخذ من السكين موضع الفضة يكره وإلا فلا، خلاف لأبي يوسف والثلاثة ﵏ م: (وهذا الاختلاف فيما يخلص) ش: أي يتميز من الآنية م: (وأما التمويه الذي لا يخلص) ش: بالإذابة فلا يتميز م: (فلا بأس به بالإجماع) ش: أراد بالإجماع اتفاق أصحابنا ﵏ لأن فيه خلاف الشافعي ﵀ والتمويه هو التطلية بماء الذهب أو الفضة وهو مصدر موهت السكين إذا طليته. م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (أن مستعمل جزء من الإناء مستعمل جميع الأجزاء فيكره كما إذا استعمل موضع الذهب والفضة) ش: حيث يكره بالإجماع ولعموم النهي أيضا م: (ولأبي حنيفة ﵀ إن ذلك تابع) ش: أي استعمال ذلك الجزء هو تابع إلى الاستعمال، قصد الجزء الذي يلاقيه العضو وما سواه تبع في الاستعمال م: (ولا معتبر بالتوابع فلا يكره كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب، ومسمار الذهب في الفص) ش: فصار كمن شرب من كفه وفي أصبعه خاتم فضة. وحكي أن هذه المسألة وقعت في دار أبي جعفر الدرانقي بحضرة أبي حنيفة ﵀ وأئمة عصره فقالت الأئمة ﵏: يكره، فقيل لأبي حنيفة: ما تقول؟ فقال: إن وضع فمه على الفضة يكره وإلا فلا، فقيل له: ما الحجة فيه؟ فقال: رأيت لو كان في الأصبع خاتما من فضة فشرب من كفه لا يكره، فوقف كلهم وتعجب أبو جعفر، كذا في " الجامع المحبوبي ". وفي " المجتبى " قيل: الجلوس على سرير من ذهب أو فضة يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ويكره عند محمد ﵀ لاختلافهم في الجلوس على الحرير، والصحيح أنه يكره بالاتفاق. وفي " العيون ": قال محمد ﵀: ولا بأس بأن يكون في بيته شيء من الديباج لا يقعد عليه ولا ينام، وأواني الذهب للتجمل لا يشرب فيها. [أرسل أجيرا له فاشترى لحما فقال اشتريته من يهودي أو نصراني أو مسلم] م: (قال: ومن أرسل أجيرا له مجوسيا أو خادما فاشترى لحما فقال: اشتريته من يهودي، أو

стр. 6015

نصراني أو مسلم وسعه أكله؛ لأن قول الكافر مقبول في المعاملات؛ لأنه خبر صحيح لصدوره عن عقل ودين يعتقد في حرمة الكذب، والحاجة ماسة إلى قبوله لكثرة وقوع المعاملات. قال: وإن كان غير ذلك لم يسعه أن يأكل منه، معناه: إذا كان ذبيحة غير الكتابي والمسلم؛ لأنه لما قبل قوله في الحل أولى أن يقبل في الحرمة. قال ﵀: ويجوز أن يقبل في الهدية والإذن قول العبد والجارية والصبي. ــ [البناية] نصراني أو مسلم وسعه أكله) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": وفي بعض النسخ: وسعه أكله. م: (لأن قول الكافر مقبول في المعاملات) ش: لأجل الضرورة، فإن المعاملات يكثر وقوعها بين الناس ولا يوجد في كل خبر عدل يرجع إليه. م: (لأنه خبر صحيح لصدوره عن عقل ودين يعتقد فيه حرمة الكذب والحاجة ماسة إلى قبوله لكثرة وقوع المعاملات قال: وإن كان غير ذلك لم يسعه أن يأكل منه) ش: أي غير ما قال: اشتريته من يهودي أو نصراني بأن قال: اشتريته من مجوسي فلم يسعه الأكل حينئذ أشار إلى هذا المعنى بقوله م: (معناه) ش: أي معنى قول محمد ﵀ وإن كان غير ذلك م: (إذا كان ذبيحة غير الكتابي والمسلم؛ لأنه لما قبل قوله) ش: أي قول الأجير المجوسي م: (في الحل أولى أن يقبل في الحرمة) ش: لوجوب الاحتياط في باب الحرمة. م: (قال ﵀: ويجوز أن يقبل في الهدية والإذن قول العبد والجارية والصبي) ش: أي قال القدوري ﵀: يعني إذا قال العبد أو الصبي: أن هذا الشيء هدية أهداها مولاي أو أبي إليك، أو قال: أنا مأذون في التجارة يعتمد على قوله في " الجامع الصغير " أي روى محمد في " الجامع الصغير " عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ قال: إذا جاءت أمة رجل إلى رجل وقالت: بعثني مولاي إليك بهدية، قال: يسعه أن يأخذها. انتهى. وأصله أن خبر الواحد حجة في المعاملات لإجماع المسلمين على ذلك بالكتاب والسنة. فإن الله تعالى جعل خبر الواحد حجة في كتابه. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] وقال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] . وقد توارثنا السنة عن الصحابة والتابعين بذلك، وقال أبو نصر ﵀ في " شرح القدوري ": وهو الذي ذكره استحسانا والقياس أن لا يقبل لما لم يكن لهما قول صحيح، وإنما تركوا القياس للعادة الجارية، أنهم ليقبلون قولهما في الهدية والإذن في سائر الأعصار من غير نكير، فإنهم لو اعتبروا في ذلك خبر الحر البالغ لشق على الناس فجوزوا ذلك وقد قالوا: يجب أن يعمل على ذلك بغلبة الظن في جواز من السامع في صفات المخبر فإذا رأى العبد يبيع شيئا حتى يسأل عنه، فإذا ذكر أن مولاه أذن له في ذلك، وكان ثقة فلا بأس بشرائه منه، وكذا إن

стр. 6016

لأن الهدايا تبعث عادة على أيدي هؤلاء، وكذا لا يمكنهم استصحاب الشهود على الإذن عند الضرب في الأرض والمبايعة في السوق، فلو لم يقبل قولهم يؤدي إلى الحرج. وفي " الجامع الصغير ": إذا قالت جارية لرجل بعثني مولاي إليك هدية وسعه أن يأخذها؛ لأنه لا فرق بين ما إذا أخبرت بإهداء المولى غيرها أو نفسها لما قلنا. ــ [البناية] قال: هذا أهداه إلي مولاي فإن كان أكبر رأيه أنه كاذب أو لم يكن له رأي لم يتعرض لشيء منه؛ لأن الأصل أنه محجور عليه وهو الإذن صار فلا يجوز إثباته بالشك. وإنما قلنا: قول العبد إذا كان ثقة في الإذن؛ لأنه من أخبار المعاملات وهو أضعف من أخبار الديانات. فإذا قيل: قوله في أخبار الدين ففي أخبار المعاملات أولى. وقد قالوا في رجل في يده شيء أخبر أنه لغيره وأنه وكله ببيعه أو وهبه له أو اشتراه منه فإن كان مسلما ثقة صدق فيما قال: إن كان أكبر رأيه أنه صادق، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يصدق، وهذا إذا لم يعلم الملك لغير البائع إلا من جهة؛ لأن الناس في سائر الأعصار يقبلون قول الوكلاء والدلالين من غير نكير. وعلى هذا إذا علم أن الشيء لغير البائع له من جهة، اعتبر في جوازه غلبة الظن. وقد قالوا فيمن باع شيئا ولم يخبر أن ذلك لغيره فلا بأس بأن يشتري منه ويقبل قوله أنه له وإن كان غير ثقة إلا أن يكون مثله لا يملك مثل ذلك الشيء وأوجب إلى أن يسترده منه ولا يتعرض بشراء أو لا غيره وإنما جاز الشراء؛ لأن اليد والتصرف دليل الملك إلا أن يعلم غيره، ولأن الناس يشترون في سائر الأعصار من الثقات وغير الثقات من غير نكير فدل على جوازه. وأما إذا كان مثل ذلك الرجل لا يملك ذلك كالفقير يبيع جواهر قيمة وما أشبه ذلك فإن الظاهر ينفي أن يكون مثل ذلك له ولم يدع وقاله من جهة الغير، فيرجع إلى قوله، فكان الأولى الثمرة في ذلك. م: (لأن الهدايا تبعث عادة على أيدي هؤلاء، وكذا لا يمكنهم) ش: أي العبد والجارية والصبي م: (استصحاب الشهود على الإذن عند الضرب في الأرض) ش: أراد به السفر م: (والمبايعة في السوق فلو لم يقبل قولهم يؤدي إلى الحرج) ش: وهو مدفوع شرعا م: (وفي " الجامع الصغير " إذا قالت جارية لرجل بعثني مولاي إليك هدية وسعه أن يأخذها؛ لأنه لا فرق بين ما إذا أخبرت بإهداء المولى غيرها أو نفسها) ش: أي وبإهداء المولى نفسها م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: فلو لم يقبل قولهم يؤدي إلى الحرج، وقيل: أشار به إلى قوله: لأن الهدايا تبعث عادة على أيدي هؤلاء، وأتى برواية " الجامع الصغير " لأن الهدية فيها نفس الجارية.

стр. 6017

قال: ويقبل في المعاملات قول الفاسق، ولا يقبل في الديانات إلا قول العدل. ــ [البناية] م: (قال: ويقبل في المعاملات قول الفاسق ولا يقبل في الديانات إلا قول العدل) ش: أي قول القدوري ﵀، وعند الثلاثة ﵏ لا يقبل إلا القول العدل في المعاملات مثل البيع والشراء والشهادات ونحوها. والديانات: جمع ديانة وهي التي يتدين بها العبد من العبادات ونحوها، ومن صورها أن يخبر رجل مسلم ثقة بنجاسة الماء فإنه لا يجوز له أن يتوضأ به، وإن كان غير ثقة وغلب على ظنه صدقه فالأولى أن يتنزه وإن توضأ به جاز. ومنها رجل تزوج امرأة فأخبرهما ثقة أن بينهما رضاعة فالأولى أن يفارقها؛ لأن شهادة الواحد لا تثبت بها الرضاعة ولكن يلزمه التنزه. كذا في " شرح الأقطع "، والحاصل إنما يحصل الخبر فيه حجة أربعة أقسام: أحدها: أحكام الشرع التي هي فروع الدين وهي نوعان: عبادات فخبر الواحد العدل فيها صحة مع اشتراط الضبط والعقل والعقوبات. فقد روي في " الأمالي " عن أبي يوسف أن خبر الواحد فيها حجة أيضا وهو اختيار الجصاص ﵀ وقال الكرخي ﵀: لا يكون حجة. والقسم الثاني: حقوق العباد الذي فيها إلزام محض ويشترك فيها أهل المال فلا يثبت بخبر الواحد بل يشترط فيها العدد والعدالة والأهلية وتعيين لفظة الشهادة. فمن القسم الأول: الشهادة على رؤية الهلال كرمضان إذا كان بالسماء علة. ومن القسم الثاني: في الشهادة على هلال الفطر لأن فيه حق العباد ولأن فيه منفعة لهم، ومن ذلك الإخبار بحرمة الرضاع في ذلك النكاح أو ملك اليمين؛ لأنه يبتنى على زوال الملك أي ملك المنفعة بخلاف طهارة الماء ونجاسته، وحل الطعام والشراب وحرمته فإنه من القسم الأول فإن الحل لا يبتنى ثمة على زوال الملك ضرورة. والقسم الثالث: حقوق العباد الذي ليس فيه إلزام كالوكالة للمضاربات والإذن للعبد والشراء من الوكلاء والملاك، فخبر الواحد فيها حجة إذا كان مميزا عدلا كان أو غير عدل صبيا كان أو بالغا، كافرا أو مسلما. والقسم الرابع من حقوق العباد: ما فيه إلزام من وجه دون وجه، كعزل الوكيل وحجر العبد المأذون، وفيه إلزام؛ لأنه يلزم العهدة على الوكيل بعد العزل، ويلزم فساد العقد بعد الحجر، وفيه عدم الإلزام أيضا؛ لأن الموكل أو المولى فيصرف في حقه، فصار كالإذن.

стр. 6018

ووجه الفرق أن المعاملات يكثر وجودها فيما بين أجناس الناس، فلو شرطنا شرطا زائدا يؤدي إلى الحرج فيقبل قول الواحد فيها عدلا كان أو فاسقا، كافرا كان أو مسلما، عبدا كان أو حرا، ذكرا كان أو أنثى، دفعا للحرج، أما الديانات فلا يكثر وقوعها حسب وقوع المعاملات، فجاز أن يشترط فيها زيادة شرط فلا يقبل فيها إلا قول المسلم العدل؛ لأن الفاسق متهم والكافر لا يلتزم الحكم فليس له أن يلزم المسلم بخلاف المعاملات؛ لأن الكافر لا يمكنه المقام في ديارنا إلا بالمعاملة، ولا يتهيأ به المعاملة إلا بعد قبول قوله فيها، فكان فيه ضرورة فيقبل، ولا يقبل فيها قول المستور. ــ [البناية] ثم عند أبي حنيفة ﵀: يشترط في هذا القسم أحد شطري الشهادة، إما العدد أو العدالة خلافا لهما حتى إذا أخبر واحد فضولي فاسق أن مولاه حجر عليه، أو موكله عزله، ثبت الحجر والعزل عندهما خلافا لأبي حنيفة. م: (ووجه الفرق) ش: بين الفصلين أحدهما بقوله: قول الفاسق في المعاملات. والآخر اشتراط العدالة في الديانات. م: (أن المعاملات يكثر وجودها فيما بين أجناس الناس) ش: في المسلم الصالح والمسلم الفاسق والذمي والمستأمن والذكر والأنثى والحر والعبد م: (فلو شرطنا شرطا زائدا يؤدي إلى الحرج) ش: والحرج مدفوع الشرط الزائد اشتراط العدالة فقبل فحينئذ م: (فيقبل قول الواحد فيها) ش: أي في المعاملات م: (عدلا كان أو فاسقا، كافرا كان أو مسلما، عبدا كان أو حرا، ذكرا كان أو أنثى، دفعا للحرج) ش: أي قيل ذلك لأجل الدفع للحرج، فباعتبار العدالة فيه حرج عظيم، ألا ترى أن في سائر الأعصار يقبلون أقوال الدلالين والمنادين والسماسرة، ويرجعون إلى أقوالهم وإن كانت السلعة لغيرهم. م: (أما الديانات فلا يكثر وقوعها حسب وقوع المعاملات) ش: أي قدر وقوع المعاملات، أراد أن الديانات بالنسبة إلى المعاملات قليلة م: (فجاز أن يشترط فيها) ش: أي في الديانات م: (زيادة شرط) ش: وهي العدالة م: (فلا يقبل فيها إلا قول المسلم العدل؛ لأن الفاسق متهم والكافر لا يلتزم الحكم فليس له أن يلزم المسلم) ش: لأن في قبول قوله إلزام المسلم فلا يجوز. م: (بخلاف المعاملات؛ لأن الكافر لا يمكنه المقام في ديارنا) ش: أي لا يمكنه الإقامة في دار الإسلام سواء كان ذميا أو حربيا م: (إلا بالمعاملة) ش: لأن المعاش لا يكون إلا بها. م: (ولا يتهيأ له المعاملة) ش: أي ولا يتيسر للكافر المعاملة م: (إلا بعد قبول قوله فيها) ش: أي في المعاملة م: (فكان فيه ضرورة فيقبل) ش: أي فوجد في قبول قوله ضرورة. وضرورة مرفوع؛ لأنه اسم كان، وهي تامة فلا يحتاج إلى خبر م: (ولا يقبل فيها قول المستور) ش: أي في الديانات وهو الذي لا يعلم ما حاله ولم يظهر عدالته ولا فسقه.

стр. 6019

في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يقبل قوله فيها جريا على مذهبه أنه يجوز القضاء به، وفي ظاهر الرواية: هو والفاسق سواء حتى يعتبر فيهما أكبر الرأي. قال: ويقبل فيها قول العبد والحر، والأمة، إذا كانوا عدولا؛ لأن عند العدالة الصدق راجح، والقبول لرجحانه فمن المعاملات ما ذكرناه ومنها التوكيل. ــ [البناية] م: (في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يقبل قوله فيها) ش: أي قول المستور في الديانات م: (جريا على مذهبه أنه يجوز القضاء به) ش: أي لأجل الجري على مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه يجوز القضاء بقول المستور. وقال شمس الأئمة ﵀ السرخسي في " أصوله ": وروى الحسن ﵀ عن أبي حنيفة أنه بمنزلة العدل في رواية الأخبار لثبوت العدالة له ظاهرا بالحديث المروي عن رسول الله ﷺ وعن عمر ﵁: «المسلمون عدول بعضهم على بعض» . ولهذا جوز أبو حنيفة ﵀ القضاء بشهادة المستور فيما ثبت بالشبهات إذا لم يطعن الخصم. قال: ولكن ما ذكره في الاستحسان أصح في زماننا فإن الفسق غالب في أهل هذا الزمان فلا تعتمد رواية المستور ما لم يبين عدالته، كما لا تعتمد شهادته في القضاء قبل أن يظهر عدالته. م: (وفي ظاهر الرواية: هو والفاسق سواء حتى يعتبر فيهما) ش: أي في المستور والفاسق: م: (أكبر الرأي) ش: فإن كان غالب الرأي صدقهما يقبل قولهما وإلا فلا، مثلا إذا أخبر بنجاسة الماء يحكم فيه بأكبر الرأي. م: (قال: ويقبل فيها قول الحر والعبد والأمة إذا كانوا عدولا) ش: أي قال القدوري ﵀: وليس في النسخ الصحيحة لفظة قال، أي يقبل في الديانات قول العبد إلى آخره م: (لأن عند العدالة الصدق راجح) ش: الصدق منصوب؛ لأنه اسم إن فافهم. م: (والقبول لرجحانه) ش: أي قبول قول واحد من المذكورين لكونه مرجحا بالعدالة. م: (فمن المعاملات ما ذكرناه) ش: أراد به الهدية والإذن م: (ومنها) ش: أي ومن المعاملات م: (التوكيل) ش: بأن قال وكلني فلان فإنه يقبل قوله وإذا كان مميزا سواء كان عدلا أو غير عدل صبيا كان أو بالغا، كافرا كان أو مسلما كما ذكرناه.

стр. 6020

ومن الديانات: الإخبار بنجاسة الماء ، حتى إذا أخبره مسلم مرضي لم يتوضأ به ويتيمم، ولو كان المخبر فاسقا أو مستورا تحرى، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق يتيمم ولا يتوضأ به، وإن أراق الماء ثم تيمم كان أحوط. ومع العدالة يسقط احتمال الكذب، فلا معنى للاحتياط بالإراقة، أما التحري فمجرد ظن ولو كان أكبر رأيه أنه كاذب يتوضأ به ولا يتيمم لترجح جانب الكذب بالتحري، وهذا جواب الحكم، فأما في الاحتياط يتيمم بعد الوضوء لما قلنا، ومنها: الحل والحرمة إذا لم يكن فيه زوال الملك. ــ [البناية] [الإخبار بنجاسة الماء] م: (ومن الديانات: الإخبار بنجاسة الماء، حتى إذا أخبره مسلم مرضي لم يتوضأ به ويتيمم) ش: أي لم يتوضأ بذلك الماء بل يتيمم لوجود العمل بأخباره في باب الدين م: (ولو كان المخبر) ش: بنجاسة الماء م: (فاسقا أو مستورا تحرى، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق يتيمم ولا يتوضأ به) ش: لأن غلبة الظن دليل شرعي م: (وإن أراق الماء ثم تيمم كان أحوط) ش: أي أفضل وأشد للاحتياط؛ لأنه إذا تيمم في الصورة المذكورة وكان المخبر في نفس الأمر كاذبا، يكون متيمما مع وجود الماء، فإذا أراقه كان عادما للماء فيكون تيممه على الوجه المشروع. م: (ومع العدالة يسقط احتمال الكذب فلا معنى للاحتياط بالإراقة) ش: لأن الأمر الذي ذكرناه ينعدم عند العدالة فلأجل هذا لا تبقى فائدة في الاحتياط بإراقة الماء. م: (أما التحري فمجرد ظن ولو كان أكبر رأيه أنه كاذب يتوضأ به ولا يتيمم لترجح جانب الكذب بالتحري) ش: لأن للخبر جانبان جانب الصدق وجانب الكذب، وقد يترجح جانب الكذب بتحري المخبر له. فإن قلت: ينبغي أن يتيمم أيضا للاحتياط وللتعارض بين خبر الفاسق والتحري كما في سؤر الحمار يجمع بينهما لتعارض الأدلة. قلت: النص حكم بالتوقف في خبر الفاسق والأمر بالتيمم هنا عمل بخبره من وجه فكان خلاف النص، ولما بقي التوقف في خبره بقي أصل الطهارة فلا حاجة إلى ضم التيمم. م: (وهذا جواب الحكم) ش: أي المذكور من قولنا: يتوضأ به ولا يتيمم جواب الحكم. م: (فأما في الاحتياط يتيمم بعد الوضوء لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: أما التحري فمجرد ظن. فإن قلت: لم يترجح أحد الوجهين؟ قلت: قيل: الأصل الطهارة. م: (ومنها) ش: أي ومن الديانات م: (الحل والحرمة إذا لم يكن فيه زوال الملك) ش: يعني

стр. 6021

وفيها تفاصيل وتفريعات ذكرناها في " كفاية المنتهى ". ــ [البناية] يقبل في الحل والحرمة خبر الواحد إذا لم يكن فيه زوال الملك كما إذا قال: هذا الطعام أو هذا الشراب حلال أو حرام، فإذا تضمن زوال الملك لا يقبل إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، كما إذا أخبر امرأة أو رجل عدل أن الزوجين ارتضعا من امرأة واحدة لا تثبت الحرمة؛ لأن ثبوتها زوال ملك المتعة، فيشترط العدد والعدالة جميعا، فإذا كان كذلك فلا يجب التفريق ولا يقبل خبرها إلا على قول أحمد ﵀ والحسن البصري ﵀: أن يقبل خبر المرضعة فقط. وفي " فتاوى قاضي خان " و " الكافي ": والأفضل أن يتنزه؛ لأن شهادة الواحد حجة في التنزيه، فشهادة رجل عدل بالطلاق البائن أو الثلاث فالحاكم يحول بينهما. وإن كان لا يقتضي زوال الملك كذلك هنا. فإن قلت: قد تقدم من قوله؛ لأنه لما قيل له: إن قول المجوسي في الحل والحرمة يقبل وهو يدل على أن العدالة في الخبر بالحل والحرمة غير شرط فكان كلامه متناقضا. قلت: ذاك كان ضامنا وكم من شيء ثبت ضمنا لا يثبت قصدا، فلا يتناقض؛ لأن المراد هنا ما كان قصديا. م: (وفيها) ش: أي وفي " أخبار الديانات " وغيرها م: (تفاصيل) ش: يعني في كل مسألة منها تفصيلا في البيان م: (وتفريعات) ش: للمسائل مثل مسألة أن الماء نجس، ومثل مسألة أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي ومثل مسألة رؤية الهلال في رمضان أو الفطر ومثل مسألة أن الزوجين ارتضعا من واحدة ونحو ذلك. م: (ذكرناها في " كفاية المنتهى ") ش: أي ذكرنا تلك التفاصيل والتفريعات في الكتاب الموسوم " بكفاية المنتهى ". ومن جملة التفريعات: ما لو اشترى مسلم لحما فأخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي يكره له بيعه وأكله؛ لأنه أخبره بحرمة العين وهو خبر ديني فتمت الحجة بخبر الواحد، وتبقى العين مملوكة متقومة؛ لأن نقض الملك لا يجوز بخبر الواحد وحرمة الأكل تنفصل عن زوال الملك كالدهن النجس. وكالمباح له الطعام إذ نهي من أكله يحرم عليه الأكل بدون زوال الملك فهذا الاعتبار يوجب الحرمة لكن الحل في هذا العين ثبت بسببه الملك لا بسبب الإباحة كما في النكاح. فإذا اجتمع ما يوجب الحل وما يوجب الحرمة أثبتنا أمرا بين أمرين وهو الكراهة، بخلاف النكاح فإذا أثبتنا فيه

стр. 6022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] التنزه لا غير لما قلنا أن الحرمة لا تنفصل عن زوال الملك. وفي " المحيط ": رجل دخل على قوم من المسلمين يأكلون ويشربون فدعوه إليهم، فقال مسلم قد عرفه ثقة: هذا اللحم ذبيحة مجوسي وهذا الشراب خالطه خمر، فقال الذي دعاه: ليس الأمر كما قال بل هو حلال، فإنه ينظر في حالهم، فإن كانوا عدولا، لا يلتفت إلى قول المخبر بالحرمة؛ لأن خبر الواحد لا يعارض خبر الجماعة، فإن خبر الواحد حجة في الديانات والأحكام، وخبر الواحد ليس بحجة في الأحكام، ولأن الظاهر من حال المسلمين التحرز عن ذبيحة المجوسي وعن مخالطة خمر، فيكون خبر الواحد في معارضة خبرهم خبرا مستنكرا فلا يقبل، وإن كانوا متهمين فإنه يؤخذ بقول المخبر ولا يسعه التناول؛ لأن خبر الواحد باعتبار حاله مستقيم صالح، ولا معتبر بخبرهم في حكم العمل به لفسقهم. وإن كان في القوم رجلان ثقتان أخذ بقولهم؛ لأن خبر الواحد لا يعارض خبرهم، فإن كان فيهم واحد ثقة يعمل فيه بأكثر رأيه، فإن لم يكن له رأي واستوت الحالات عنه فلا بأس بأن يأكل ويشرب ويتوضأ. فإن أخبره بأحد الأمرين مملوكان ثقتان أخذ بقولهما لاستواء الحر والعبد في الخبر الديني. ولو أخبره بأحد الأمرين عبد ثقة وبالآخر ثقة عمل فيه بأكثر الرأي للمعارضة بين الحر والعبد فيصار إلى الترجيح بأكبر الرأي. وإن أخبره بأحد الأمرين مملوكان ثقتان وبالأمر الآخر حران ثقتان يأخذ بقول الحرين؛ لأن الحجة تتم بقولهما دون المملوكين فعند التعارض بترجح قول الحرين. وإن أخبره بأحد الأمرين ثلاثة عبيد ثقات وبالأمر الآخر مملوكان ثقتان يأخذ بقول العبيد. وكذلك إن أخبره بأحد الأمرين رجل وامرأتان وبالآخر رجلان يأخذ بقول رجل وامرأتان. والحاصل في جنس هذه المسائل: أن خبر المملوك والحر في الأمر الديني على السواء بعد الاستواء في العدالة، فيطلب الترجيح أولى من حيث العدد، وإن استوى العدد أن يطلب الترجيح لكونه حجة في الأحكام في الجملة، فإذا استويا، طلب الترجيح من حيث التحري، فعلى هذا إذا كان المخبر بأحد الأمرين من أربعة من الأحرار، وبالأمر الآخر حرين يؤخذ بقول الأربعة انتهى. ومن التفاصيل ما ذكره الحاكم الشهيد ﵀ في " الكافي ": إذا حضر المسافر الصلاة ولم يجد ماء إلا في إناء وأخبره رجل أنه قذر وهو عند مسلم مرضي لم يتوضأ به،

стр. 6023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وكذلك إذا كان المخبر عبدا أو امرأة حرة أو أمة. فإن كان المخبر غير ثقة أو كان لا يدري أنه ثقة أو غير ثقة نظر فيه، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق تيمم ولم يتوضأ به، وإن كان عنده غير صادق توضأ ولم يلتفت إلى قوله وأجزأه ذلك ولا يتيمم. ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حين ورد حياض ماء المدينة فقال عمرو بن العاص ﵁ لرجل من أهل الماء: أخبرنا عن السباع أتردكم هذا؟ فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لا تخبرنا عن شيء نكره أن يخبر، ولولا أنه عد خبره خبرا ما نهى، فإن كان الذي أخبره بنجاسته رجل من أهل الذمة لم يقبل قوله، وإذا وقع في قلبه أنه صادق فأحب إلي أن تهريق الماء ثم يتيمم ويصلي فإن توضأ به وصلى أجزأه؛ لأن هذا شيء من الدين ولا يلزم به الحجة فيه إلا بمسلم. وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان. ومنها: رجل تزوج امرأة فجاء مسلم ثقة فأخبرهما أنهما ارتضعا من امرأة واحدة فأحب إلي أن تنزه منها فطلقها ويعطيها نصف الصداق إن لم يكن دخل بها، وأحب إلي أن لها أن لا يأخذ منه صداقا وإن تنزه منه إن كان لم يدخل بها وإن أقاما على نكاحهما لم يحرم ذلك عليهما. ومنها رجل اشترى جارية فأخبره عدل ثقة أنها حرة لأبوين أو أنها أخته من الرضاعة فإن تنزه عن وطئها فهذا أفضل وإن لم يفعل ذلك واسع له. وإنما فارق هذا ما قاله في الوضوء والطعام؛ لأن جميع ذلك يحل بغير ملك. ألا ترى أن رجلا لو قال لرجل كل طعامي هذا أو توضأ بمائي هذا أو اشربه وسعه أن يفعل ذلك. ولو قال: جاريتي هذه فقد أذنت لك فيها، أو قال له تلك حرة في نفسها لم يحل له الوطء حتى يتزوج الحرة أو يملك الأمة. ومنها: اشترى رجل طعاما أو جارية أو ملك ذلك بهبة أو ميراث أو وصية فجاء مسلم ثقة فشهد أن هذا الفلان الفلاني غصبه منه البائع أو الواهب أو الميت فأوجب إلينا أن يتنزه عن أكله وشربه ووطئ الجارية، وإن لم يتنزه كان في سعة. وكذلك طعام أو شراب في يد رجل أذن له في أكله وشربه، وقال له مسلم ثقة هذا غصب في يديه من فلان والذي في يديه يكذبه ويزعم أنه له وهو متهم غير ثقة، فأحب إلينا أن يتنزه

стр. 6024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عنه فإن أكله أو شربه أو توضأ به كان في سعة، وإن لم يجد وضوء غيره وهو في سفر توضأ ولم يتيمم. ومنها: أن رجلا مسلما شهد عند رجل أن هذه الجارية التي في يد فلان المقر له بالرق أمة لفلان غصبها، والذي في يده يجحد ذلك وهو غير مأمون فأحب إلي أن يشتريها، وإن اشتراها ووطئها فهو في سعة من ذلك؛ لأن هذا أخبر في موضع المنازعة فوجب الإجشان منه ديانة لا قضاء، ولو أخبره أنها حرة الأصل، وإنها كانت أمة لهذا الذي في يديه فأعتقها، والذي أخبره بذلك مسلم ثقة فأحب إلي أن لا يفعل. وإن كانت الجارية لرجل فأخذها رجل آخر فأراد بيعها لم ينبغ لمن عرفها الأولى أن يشتريها من هذا حتى يعلم أنها قد خرجت من ملكه إلى ملك وهذا الذي في يده بشراء أو هبة أو صدقة أو يعلم أنه قد وكله بيعها، وإن قال الذي هو في يديه: إني قد اشتريتها منه أو وهبها أو تصدق بها علي أو وكلني ببيعها، فإن كان القائل لذلك عدلا فلا بأس أن يصدقه على ذلك ويشتريها منه. وكذلك إن وهبها له أو تصدق بها عليه حل له قبولها أو وطئها وإن كان غير ثقة إلا أن أكبر رأيه فيه أنه صادق، فكذلك أيضا، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يقع له أن يتعرض لشيء من ذلك. ١ - وكذلك الطعام والشراب في جميع ذلك، وكذلك لو لم يعلم أن ذلك الشيء لغير الذي هو في يده حتى أخبره الذي هو في يديه أنه لغيره، وإن وكله ببيعه أو تصدق به عليه أو وهبه أو اشتراه. فإن كان مسلما ثقة صدقه فيما قاله وإن كان غير ثقة وأكبر رأيه أنه صادق فيه صدقه أيضا، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب فيه لم يقبل ذلك ولم يشتره. وإن كان لم يخبره أن ذلك الشيء لفلان فلا بأس بشرائه وقبوله منه. وإن كان غير ثقة إلا أن يكون مثله لا يملك مثل ذلك فأوجب له أن يشتريه منه ولا يتعرض له بشراء ولا غيره، وإن اشترى وهو لا يعلم أنه لغيره أو أخبره أنه له وجوز أن يكون في سعة من شرائه وقبوله التنزه عنه أفضل. فإن كان الذي أتى به عبدا أو امرأة لم يسع له أن يشتريه ولا يقبله حتى يسأله عن ذلك، فإن ذكر له أن مولاه قد أذن له فيه وهو ثقة مأذون فلا بأس بشرائه منه وقبوله، وإن كان أكبر رأيه أنه صادق فيما قاله صدقه بقوله، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يتعرض لشيء من ذلك، وإن كان لا رأي له فيه لم يتعرض لشيء من ذلك.

стр. 6025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وكذا الغلام الذي لم يبلغ حرا كان أو مملوكا فيه بحر أنه أذن له ببيعه أو أن فلانا أرسل إليه معه هدية أو صدقة فإن أكبر رأيه أنه صادق، وسعه أن يصدقه عن مولاه، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم ينبغ أن يقبل منه شيئا. وكذلك الفقير إذا أتاه عبد أو أمة يصدقه من مولاه. ولو أن رجلا علم أنها جارية لرجل يدعيها ثم رآها في يدي آخر يبيعها ويزعم أنها كانت في يدي فلان وذلك كان يدعيها أنها له وكانت مقرة له بالرق غير أنها كانت لي وإنما أمرتها بذلك لأمر خصته وصدقته الجارية بذلك والرجل ثقة مسلم فلا بأس بشرائها منه. وإن كان عنده كاذب فيما قال لم يبلغ له أن يشتريها منه ولا يقبلها ولو لم يقل هذا، ولكنه قال: ظلمني وغصبني فأخذها لم تسع له أن يتعرض له بشراء ولا قبول؛ لأنه خبره متى وقع في موضع المنازعة كان دعوى، والعدالة غير مرعية في باب الدعوى والخصومات. وإن قال: إنه كان غصبني وظلمني ثم رجع عن ظلمه فأقر لي بها ودفعها إلي فإن كان عنده أنه ثقة مأمون فلا بأس بتصديقه؛ لأنه أخبر عن انقطاع المنازعة، وإن قال: خاصمته إلى القاضي فقضى لي بها ببينة أقمتها عليه أو ينكر له عن اليمين، فكذلك إن كان غير ثقة وأكبر رأيه أنه صادق وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يشترها منه. وكذلك في جميع هذه الوجوه إن قال: قضى لي القاضي عليه فأخذها منه ودفعها إلي، أو قال: قضى لي بها فأخذها من منزله أو بغير إذنه؛ لأنه أخبر عن انقطاع المنازعة، وإن كان قضى لي بها فجحد في قضائه فأخذها منه لم يسع له أن يشتريها منه؛ لأنه أخبر عن قيام المنازعة وإنما هذا بمنزلة قوله اشتريتها منه ونقدته ثمنها ثم أخذتها بغير أمره من منزله فهذا لا بأس بشرائها منه إذا كان عنده أنه صادق في قوله. وإن قال: اشتريتها منه ونقدته الثمن فجحد في الشراء وأخذتها من منزله بغير إذنه لم يسع له أن يشتريها منه، ولو قال: اشتريتها من فلان وقبضتها بأمره ونقدته الثمن وكان ثقة عنده بأمرها جاز الشراء منه. ولو قال له رجل آخر: إن فلانا قد جحد هذا الشراء وزعم أنه لم يبع بهذا شيئا والذي قال هذا أيضا ثقة مأمون لم يبلغ له أن يتعرض لشيء من ذلك بشراء ولا بغيره. وكذلك إن كان الذي أخبره الخبر الثاني غير ثقة إلا أن أكبر رأيه أنه صادق، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب، وإن كان غير ثقة فلا بأس بشرائها منه وقبولها.
следующие страницы →