Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
وهذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر حرام، «ورأى رسول الله ﷺ على رجل خاتم صفر، فقال: " ما لي أجد منك رائحة الأصنام ". ورأى على آخر خاتم حديد " فقال: " ما لي أرى عليك حلية أهل النار» . ومن الناس من أطلق في الحجر الذي يقال له: يشب
ــ
[البناية]
م: (وهذا) ش: أي المذكور في " الجامع الصغير " م: (نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر حرام) ش: لأنه ذكر فيه بكلمة الحصر فينحصر الجواز في الفضة. والصفر بضم الصاد، وقال أبو عبيد: بكسرها، وهو الذي يتخذ منه الأواني.
م: «ورأى رسول الله ﷺ على رجل خاتم صفر، فقال: " ما لي أجد منك رائحة الأصنام» ش: أخرجه أبو داود في كتاب " الخاتم "، والترمذي في " اللباس "، والنسائي في " الزينة " عن زيد بن الخباب، عن عبد الله بن مسلم السلمي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، ثم جاءه وعليه خاتم من شبه، فقال: ما لي أرى منك ريح الأصنام، قال: يا رسول الله من أي شيء اتخذه؟ قال: " اتخذه من ورق لا تتمنه مثقالا» .
زاد الترمذي ﵀: ثم جاءه وعليه خاتم من ذهب، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة، وقال: صفر موضع شبه، وقال: حديث غريب.
وعبد الله بن مسلم يكنى أبا طيبة، رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى الموصلي ﵀ في " مسانيدهم "، وابن حبان في " صحيحه "، وذكر فيه أحمد ﵀ زيادة الترمذي دون الباقين.
م: (ورأى على آخر خاتم حديد، فقال: «مالي أرى عليك حلية أهل النار» ش: هذا ليس كذلك، بل هو رجل واحد كما هو في الحديث.
م: (ومن الناس من أطلق في الحجر الذي يقال له: يشب) ش: أي: ومن العلماء منهم شمس الأئمة السرخسي ﵀ من جواز استعمال الخاتم من الحجر الذي يقال له: يشب بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الشين المعجمة، وفي آخره باء موحدة، ويقال له: يشم أيضا بالميم عوض الباء.
стр. 6057
لأنه ليس بحجر، إذ ليس له ثقل الحجر. وإطلاق الجواب في الكتاب يدل على تحريمه.
قال: و التختم بالذهب على الرجال حرام، لما روينا. وعن علي ﵁ " أن النبي ﵊: نهى عن التختم بالذهب "
ــ
[البناية]
قال شمس الأئمة في " شرح الجامع الصغير ": ثم الظاهر لفظ الكتاب، كره بعض مشائخنا التختم باليشب، والأصح أنه لا بأس به، وإن مراده كراهة التختم بالذهب، والحديد على ما ورد به الأثر أنه زي أهل النار، قلنا: يشب ونحوه فلا بأس بالتختم به كالعقيق «. وقد ورد الأثر أن النبي ﷺ كان يتختم بالعقيق وقال: " تختموا به فإنه مبارك ".» م: (لأنه) ش: أي لأن اليشب م: (ليس بحجر إذ ليس له ثقل الحجر) ش: وفيه نظر لأنه لا يلزم من خفته أن لا يكون حجرا، فإن العقيق أيضا خفيف مع أنه من أنواع الحجر.
م: (وإطلاق الجواب في الكتاب) ش: أي في " الجامع الصغير " م: (يدل على تحريمه ") ش: أي تحريم اليشب؛ لأنه قد يتخذ منه الصنم، فيؤخذ منه ريح الأصنام وهو المعول عليه في النهي على تحريم الصفر، على ما وقعت الإشارة النبوية إليه.
وفي " الأجناس ": لا بأس للرجل أن يتخذ خاتما من فضة فصه منه، وإن جعل فصه من جزع أو عقيق أو فيروز، أو ياقوت أو زمرد، فلا بأس إن نقش عليه اسمه، واسم أبيه، أو ما بدا له كقوله: ربي الله، أو نعم القادر الله فلا بأس.
وقال بعضهم: نقش الخاتم بالعربية يكره، وبغير العربية لا بأس به، وقد صح أنه ﷺ نقش على خاتمه ثلاثة أسطر: " محمد " سطر، و " رسول " سطر، و " الله " سطر. وفي " السمة ": ولا ينبغي أن ينقش فيه مثال المناف أو طير.
[التختم بالذهب على الرجال]
م: (قال: والتختم بالذهب على الرجال حرام لما روينا) ش: أشار به إلى قوله ﷺ : «هذان حرامان» الحديث.
م: (وعن علي ﵁ «أن النبي ﵊ نهى عن التختم بالذهب» ش: هذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، من حديث عبد الله بن حنين ﵁ عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أن رسول الله ﷺ نهى عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، والمعصفر، وعن القراءة في الركوع، والسجود» .
стр. 6058
ولأن الأصل فيه التحريم، والإباحة ضرورة الختم أو النموذج، وقد اندفعت بالأدنى وهو الفضة، والحلقة هي المعتبرة؛ لأن قوام الخاتم بها، ولا معتبر بالفص حتى يجوز أن يكون من حجر، ويجعل الفص إلى باطن كفه
ــ
[البناية]
وأخرجه الأربعة أيضا عن هبيرة بن يريم عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أن رسول الله ﷺ نهى عن التختم بالذهب، وعن القسي، وعن الميثرة الحمراء» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه ابن حبان في " صحيحه "، وأخرج مسلم أيضا عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أنه ﷺ نهى عن خاتم الذهب» .
وأخرج البخاري ومسلم - رحمهما الله - أيضا عن البراء بن عازب ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، وفيه: نهانا عن خواتيم، أو عن التختم بالذهب» .
قوله: القسي: بفتح القاف، وكسر السين، وتشديد الياء، وهو ثوب رقيق النسج منسوب إلى قرية بأرض مصر تسمى قسا، والمسرة مسرة السرج، وفي " العباب ": وهو غير مهجورة لأنها من الوباثرة، والجمع مباثر، ومواثر.
م: (ولأن الأصل فيه التحريم) ش: أي في استعمال الذهب، والأولى أن يقال في كل واحد من الذهب والفضة؛ لأن كليهما حرام للرجال، إلا ما استثنى منه الخاتم من الفضة؛ لأجل الضرورة، أشار إليه بقوله: م: (والإباحة ضرورة الختم) ش: أي إباحة استعمال الفضة في الخاتم لضرورة التختم م: (أو النموذج) ش: أي لأجل النموذج م: (وقد اندفعت) ش: أي الضرورة م: (بالأدنى وهو الفضة) ش: فلا يصار إلى الأعلى فبقي الذهب على حكم التحريم. وذكر المحبوبي أنهم قالوا: إن قصد به التزين يكره، وإلا فلا.
م: (والحلقة هي المعتبرة لأن قوام الخاتم بها) ش: أي بالحلقة م: (ولا معتبر بالفص حتى يجوز أن يكون من حجر) ش: أي حجر كان على ما ذكرنا من " الأجناس ".
وفي " الدراية ": وحلقة العظم والحديد والنحاس وفي المنطقة لا يكره.
م: (ويجعل الفص إلى باطن كفه) ش: لا إلى ظاهره لما روى مسلم من حديث الزهري عن أنس ﵁ قال: «اتخذ النبي ﷺ خاتما من فضة في يمينه فيه فص حبشي كان يجعل
стр. 6059
بخلاف النسوان؛ لأنه تزين في حقهن.
ــ
[البناية]
فصه مما يلي كفه» .
م: (بخلاف النسوان؛ لأنه تزين في حقهن) ش: لأنه ذكر أنه لضرورة التختم، وذلك لا يكون إلا في الرجال. وفي النساء ليس للضرورة بل هو زينة لهن، فيجعل فصه إلى ظاهر الكف، ولم يذكر هل تتختم في اليمين أو في اليسار.
فقال في " الأجناس ": وينبغي أن يلبس خاتمه في خنصره اليسرى ولا يلبس في اليمين ولا في غير خنصره اليسرى من أصابعه. وسوى الفقيه أبو الليث ﵀ في شرح " الجامع الصغير " بين اليمين واليسار.
وقال الأترازي ﵀: وهو الحق؛ لأنه اختلفت الروايات عن رسول الله ﷺ في ذلك.
وروي في " السنن " بإسناده إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه» .
وروى أيضا بإسناده إلى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره وكان فصه في باطن كفه» .
وروى أصحاب " السنن " بإسناده إلى محمد بن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتما في خنصره اليمنى فقلت: ما هذا؟ قلت: " رأيت ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لبس خاتمه هكذا، وجعل فصه على ظهرها، ولا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يلبس خاتمه كذلك ".
وما قال بعضهم: إن التختم في اليمين من علامات أهل البغي، ليس بشيء؛ لأن النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ينفي ذلك. انتهى كلامه.
قلت: الحق أن اليسار أفضل لما روى مسلم في صحيحه من حديث ثابت عن أنس ﵁ قال: «كأني أنظر إلى وميض خاتم رسول الله ﷺ ، وأومأ بيساره» وفي لفظ: «وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى» نعم وقد ثبت أيضا في " الصحيح ": «أنه ﷺ تختم في اليمين، ولكن استقر الأمر على اليسار» .
стр. 6060
وإنما يتختم القاضي والسلطان لحاجته إلى الختم، فأما غيرهما فالأصل أن يترك لعدم الحاجة إليه.
قال: ولا بأس بمسمار الذهب يجعل في حجر الفص أي في ثقبه؛ لأنه تابع.
ــ
[البناية]
وروى البيهقي ﵀ في " سننه " من حديث سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ تختم خاتما من ذهب في يده اليمنى على خنصره ثم رجع إلى البيت فرماه فما لبسه، ثم تختم خاتما من ورق فجعله في يساره، وأن أبا بكر وعمر وعليا والحسن والحسين ﵃ كانوا يتختمون في يسارهم» .
وذكر في " جامع قاضي خان " ﵀: وما قال للنعمان بن بشير ﵁ اتخذه في اليمين ولا تزده على مثقال كان في ابتداء الإسلام ثم صار من علامات أهل البغي لقسمة الحكمين.
م: (وإنما يتختم القاضي والسلطان لحاجته إلى الختم فأما غيرهما فالأصل أن يترك لعدم الحاجة إليه) ش: قال الصدر الشهيد ﵀ في شرح " الجامع الصغير ": ثم التختم إنما يكون سنة إذا كان له حاجة إلى التختم بأن يكون سلطانا أو قاض، أما إذا لم يكن محتاجا إلى التختم فالترك أفضل. انتهى.
وقال قوم: كره لبس الخاتم لغير السلطان أو القاضي لما روي عن أبي ريحانة أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان» .
قلنا: المراد من النهي التنزيه على تقدير صحة الحديث، وروي أن كثيرا من الصحابة تختموا.
م: (قال: ولا بأس بمسمار الذهب يجعل في حجر الفص أي في ثقبه) ش: قال في " الجامع الصغير ": والحجر - بضم الجيم وسكون الحاء المهملة - وقد فسرناه بالثقب وهو بالفارسية، سوارخ "، والمراد الفض الذي يجعل فيه الفص.
قال تاج الشريعة ﵀: أي لا بأس بأن يسمر للفص بمسمار الذهب ليحفظ به، والمسمار في الأصل كالوتد من الحديد، يقال: سمر الباب أي أوثقه بالمسمار م: (لأنه تابع) ش: أي لأن مسمار الذهب تابع فصار كالمستهلك، أو كالأسنان المتخذة من الذهب على حواشي خاتم الفضة، فإن الناس يجوزونه من غير نكير ويلبسون ذلك الخواتيم.
стр. 6061
كالعلم في الثوب فلا يعد لابسا له.
قال ﵀: ولا تشد الأسنان بالذهب وتشد بالفضة، وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقال محمد ﵀: لا بأس بالذهب أيضا. وعن أبي يوسف ﵀ مثل قول كل منهما.
ــ
[البناية]
م: (كالعلم في الثوب فلا يعد لابسا له) ش: فإن العلم في الثوب تابع للثوب، قوله " لا يعد لابسا " لا يجوز أن يرجع إلى مسمار الذهب ويجوز أن يرجع إلى العلم ويجوز أن يرجع إلى الجميع فافهم.
[شد الأسنان بالذهب الفضة]
م: (قال ﵀: ولا تشد الأسنان بالذهب وتشد بالفضة) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": أراد بالأسنان المتعلقة م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي المذكور هو قول أبي حنيفة ﵀ م: (وقال محمد ﵀: لا بأس بالذهب أيضا وعن أبي يوسف ﵀ مثل قول كل منهما) ش: أي مثل قول كل واحد من أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله.
وقال فخر الإسلام ﵀ البزدوي: قول أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة ﵀ كما أشار إليه في " الجامع ". وروي عنه في " الإملاء " مثل قول محمد ﵀ وهو قوله الآخر الذي رجع إليه.
وذكر في " الأمالي " عن أبي حنيفة: أنه لم ير بالذهب بأسا أيضا، وقال الكرخي ﵀ في " مختصره ": قال بشر عن أبي يوسف ﵀ في كتاب الأشربة من " الإملاء ": ولو أن رجلا تحركت ثنيته ولم تسقط فخاف سقوطها فشدها بذهب أو فضة لم يكن به بأس في قول أبي حنيفة ﵀ في رواية.
وفي قول أبي يوسف: وليس هذا يشبه المسمار في الفص، ثم قال الكرخي فيه: فإن سقطت ثنية رجل فإن أبا حنيفة ﵀ كان يكره أن يعيدها ويشد بفضة أو ذهب، ويقول: هي كسن ميتة أخذها فشدها مكانها ولكن يأخذ من شاة زكية يشدها مكانها.
وخالفه أبو يوسف ﵀ فقال: لا بأس أن يشد ثنيته في موضعها ولا يشد منه بسن ميت استحسن ذلك، وبينهما فصل وإن لم يحضر ذلك، ثم قال الكرخي: وقال بشر ﵀ عن أبي يوسف في " نوادر أبي يوسف ": قال أبو حنيفة ﵀: لا بأس بشدها بالفضة ما لم تقع فإن وقعت فلا خير أن يشدها يذهب ولا فضة، فإذا لم يقع فإنه يكره الذهب وهو قول أبي يوسف ﵀ ثم رجع أبو يوسف وقال: لا بأس أن يشدها بالذهب. وقال: سوغه في موضع آخر من " نوادره "، قال أبو يوسف ﵀: أنه لا بأس به؛ لأنه ليس بحلية، فلا بأس أن يشدها إذا وقعت، ولا بأس أن يعيد إذنه، انتهى.
стр. 6062
لهما: «أن عرفجة بن أسعد الكناني " أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من فضة فأنتن فأمره النبي ﵊ بأن يتخذ أنفا من ذهب» .
ــ
[البناية]
ونقل في " الأجناس " في كتاب الكراهية: أما لو قطع قطعة من الأذن محيطة والتأمت تترك بحالها ولا تقلع.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: «أن عرفجة بن أسعد الكناني أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من فضة فأنتن فأمره النبي ﵊ بأن يتخذ أنفا من الذهب» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود في الخاتم، والترمذي في اللباس والنسائي في الزينة، عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة ﵁: «أن جده عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفا من ذهب» .
هكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن أبي الأشهب به، ورواه أيضا عن إسماعيل ابن علية عن أبي الأشهب به، ورواه أيضا عن يزيد بن هارون عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة بنحوه، وزاد: قال يزيد: فقلت لأبي الأشهب: أدرك عبد الرحمن بن طرفة جده عرفجة؟ قال: نعم.
وأخرج الترمذي ﵀ عن علي بن هاشم بن البريد عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة قال: أصيب أنفي، فذكره، وعن محمد بن يزيد الواسطي عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، عن عرفجة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نحوه. وقال: حديث حسن وإنما نعرفه من حديث حسن، وإنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن طرفة، ورواه عنه أبو الأشهب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ورواه أحمد في " مسنده "، وابن حبان في " صحيحه "، عن أبي الوليد الطيالسي حدثنا أبو الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة.
ورواه أبو داود الطيالسي في " مسنده "، حدثنا أبو الأشهب جعفر بن حبان ﵀ فيه فقال ابن القطان في كتابه: وهذا حديث لا يصح، فإنه من رواية أبي الأشهب ﵀ واختلف [فيه] قال: أكثره يقول عنه، عن عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة، عن جده، وابن علية يقول عنه، عن عبد الرحمن بن نافع عن أبيه عن عرفجة ﵀، قال: فعلى: طريقة المحدثين ينبغي أن تكون رواية الأكثرين منقطعة فإنها معنعنة. وقد زاد فيها ابن علية واحدا.
قلت: حسن الترمذي رواية الحديث وصححه ابن حبان وكفى بها حجة على أنه قد روى
стр. 6063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
في هذا الباب أحاديث وأخبار غير ذلك.
منها: ما أخرجه الطبراني في " معجمه الأوسط "، حدثنا موسى بن زكريا، حدثنا شيبان بن فروخ ﵀، حدثنا أبو الربيع السمان، عن هشام بن عروة عن أبيه، «عن عبد الله بن عمر: أن أباه سقطت ثنيته فأمره النبي ﷺ أن يشدها بذهب» وقال: لم يروه عن هشام - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ابن عروة إلا أبو الربيع السمان.
ومنها: ما أخرجه ابن قانع في " معجم الصحابة ": حدثنا محمد بن الفضل بن جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حدثنا إسماعيل بن علية ذرارة، حدثنا عاصم بن عمارة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول قال: «انقدت ثنيتي يوم أحد فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ ثنية من ذهب» .
وفي " الأخبار ": ما رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا يزيد بن هارون القزاز، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا محمد بن سعدان عن أبيه قال: رأيت أنس بن مالك ﵁ يطوف به بنوه حول الكعبة على سواعدهم، وقد شدوا أسنانه بذهب.
ومنها: ما رواه في " مسند " أحمد عن واقد بن عبد الله التميمي عمن رأى عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه " ضببت أسنانه بذهب " وليس من رواية أحمد.
ومنها: ما رواه النسائي في كتاب " الكنى "، حدثنا النفيلي، حدثنا هشيم، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن أبو سهيل مولى موسى بن طلحة قال: رأيت موسى بن طلحة بن عبيد الله قد شد أسنانه بذهب.
ومنها: ما رواه ابن سعد ﵁ في " الطبقات " في ترجمة عبد الملك بن مروان: أخبرنا حجاج عن ابن جريج أن ابن شهاب الزهري سئل عن شد الأسنان؟ فقال: لا بأس به، قد شد عبد الملك بن مروان أسنانه بالذهب.
قوله: يوم الكلاب - بضم الكاف وتخفيف اللام -: وهو اسم واد بين الكوفة البصرة، كانت فيه وقعة عظيمة للعرب.
стр. 6064
ولأبي حنيفة ﵀: أن الأصل فيه التحريم، والإباحة للضرورة وقد اندفعت بالفضة وهي الأدنى، فبقي الذهب على التحريم.
ــ
[البناية]
وقال الجوهري: الكلاب اسم ما كانت عنده وقعة، وللعرب فيها أشعار كثيرة، منها قول امرئ القيس بن حجر الكندي:
وقد طوقت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وأعلم أنني عما قليل ... سأنشب في شبا طرف وباب
كما لاقى أبي حجر وجدي ... ولا أنسى ثقيلا بالكلاب
الإياب الرجوع، قوله: سأنشب أي سأتعلق، وشبا - بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة - وهو حد كل شيء.
وقال شيوخ منهم عدس بن سعد وسفيان الذي ورد الكلاب، وقال الفرزدق: هما أن كلاب ابن عمي اللذان مالك للملوك وفك الأغلال، وقال الأخطل:
وأخوهما السفاح كما خيلة ... حتى وردن حتى الكلاب نهالا
[وفي هذا المحل سقط من نسخة المؤلف روح الله روحه]
يخرجن من ثغر الكلاب عليهم ... حب السباع تبادر الأشبالا
وقال في " ديوانه ": أحد عميه أبو حسن قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمر آكل المرار يوم الكلاب الأول والآخر: روكس بن الغدوكس والسفاح وهو سلمة بن خالد بن كعب بن زهير سمي به؛ لأنه لما دنى من الكلاب عمد إلى جرار أصحابه وسعفها وسفح ماءها، وقال: ما لكم إلا القوم فقاتلوا أو دعوا، قوله جبى الكلاب - بكسر الجيم وفتح الباء الموحدة - وهو مادة من جبه إذا جمعته، والنهار العطاش، والأوشال جمع وشل - بفتح الواو والشين المعجمة - هو الماء في الجبل ينحدر انحدارا ضعيفا.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الأصل فيه التحريم) ش: لعموم قوله ﷺ : «حرامان على ذكور أمتي» وهذا عام على قبوله راجح على الخاص المختلف في قبوله، ولعله ﷺ خص عرفجة بذلك كما خص الزبير بن العوام - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بلبس الحرير لحكة كانت به.
م: (والإباحة للضرورة وقد اندفعت بالفضة وهي الأدنى) ش: فلا يصار إلى الأعلى م: (فبقي الذهب على التحريم) ش: لاندفاع الضرورة بدونه.
стр. 6065
والضرورة فيما روي لم تندفع في الأنف دونه حيث أنتن. قال ﵀: ويكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير؛ لأن التحريم لما ثبت في حق الذكور وحرم اللبس، حرم الإلباس كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها.
قال: وتكره الخرقة التي تحمل فيمسح بها العرق ؛
ــ
[البناية]
م: (والضرورة فيما روي لم تندفع في الأنف دونه حيث أنتن) ش: يعني لما كانت الإباحة للضرورة، والضرورة لم تندفع في حديث عرفجة ﵁ دونه، أي دون الذهب؛ لأنه أنتن، فلذلك أمره بالذهب.
ومسألة الأنف على الاتفاق إذا أنتن أو خيف ذلك. وأما تضبيب الأسنان فتحال عن هذا القدر.
وقال تاج الشريعة: يعني أن الضرورة لم تندفع بالفضة؛ لما روي من النتن ولو كان كذلك فأبو حنيفة يجوز ذلك أيضا، هكذا أشار إليه محمد ﵀ في " السير الكبير ".
م: (قال ﵀: ويكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير) ش: أي قال القدوري في " مختصره ": وعن الشافعي ﵀: يجوز تحلية الصبيان، وعن بعض الصحابة: لا يجوز كما قلنا. وكذا عندنا: يكره أن يخضب يده أو رجليه بالحناء من غير حاجة، كما يكره للرجل.
وفي " فتاوى العتابي " ﵀: في " الدراية ": وعن الثلاثة: لا بأس بتحلية الصبي م: (لأن التحريم لما ثبت في حق الذكور وحرم اللبس، حرم الإلباس كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها) ش: وهذا ظاهر. وفي شرح " الأقطع ": لأن الصبي يجوز أن يعرف ما يجوز في الشريعة دون ما لا يجوز ليألف ذلك، أما ترى إنما يمنعهم من شرب الخمر ويأخذهم بالصوم الصلاة ليألفوا ذلك. وكذلك يمنعهم لبس الحرير والذهب ليألفوا ذلك.
[الخرقة التي تحمل فيمسح بها العرق]
م: (قال: وتكره الخرقة التي تحمل فيمسح بها العرق) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": وصورته محمد عن يعقوب: عن أبي حنيفة ﵀: أنه كان يكره هذه الخرقة التي يمسح بها العرق وهذه من الخواص.
قال فخر الإسلام البزدوي ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": وكذلك الخرقة التي يمسح بها الوضوء محدثة بدعة يجب أن تكره لأنها لم تكن في عهد رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة والتابعين قبل ذلك وإنما كانوا يتمسحون بأطراف أرديتهم.
وقد قال محمد ﵀ في كتاب " الآثار ": وأخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن حماد عن إبراهيم ﵏ في الرجل يتوضأ ويمسح وجهه بالثوب، قال: لا بأس، ثم
стр. 6066
لأنه نوع تجبر وتكبر. قال: وكذا التي يمسح بها الوضوء أو يتمخط بها وقيل: إذا كان عن حاجة لا يكره وهو الصحيح، وإنما يكره إذا كان عن تكبر وتجبر وصار كالتربع في الجلوس.
ــ
[البناية]
قال: أرأيت لو اغتسل بالماء البارد في ليلة باردة أيقوم حتى يجف قال محمد ﵀: وبه نأخذ ولا نرى بذلك بأسا، وهو قول أبي حنيفة ﵀.
م: (لأنه نوع تجبر وتكبر) ش: لأنه يشبه زي العجم فيكره، وقال الفقيه أبو الليث ﵀ في شرح " الجامع الصغير "، وكان الفقيه أبو جعفر ﵀ يقول: إنما يكره ذلك إذا كان شيئا نفيسا؛ لأن في ذلك فخر أو تكبر، وأما إذا لم تكن الخرقة نفيسة فلا بأس؛ لأنه لا يكون فيه كبر.
م: (قال: وكذا التي يمسح بها الوضوء) ش: أي وكذا تكره الخرقة التي يمسح بها الوضوء بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به م: (أو يتمخط بها) ش: أي بالخرقة م: (وقيل: إذا كان عن حاجة لا يكره) ش: أي حمل الخرقة واستعمال المنديل عقيب الوضوء إذا كان عن ضرورة التنشيف لا يكره م: (وهو الصحيح) ش: أي هذا القول هو الصحيح.
وكذا قال في " جامع قاضي خان " و " المحبوبي "، وذلك لأن المسلمين قد استعملوا في عامة البلدان مناديل الوضوء، كيف وقد روى الترمذي في " جامعه ": حديث سفيان بن وكيع، قال حدثنا عبد الله بن وهب ﵁، عن زيد بن حباب عن أبي معاذ عن الزهري، عن عروة ﵁ عن عائشة ﵂ قالت: «كان لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء» .
ثم قال: وحديث عائشة ﵂ ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
ثم قال أبو عيسى: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء، ومن كره فإنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري - رحمهما الله - وقال الزهري: إنما أكره المنديل بعد الوضوء فإن الوضوء يوزن.
م: (وإنما يكره إذا كان عن تكبر وتجبر وصار كالتربع في الجلوس) ش: فإن كان يفعله تجبرا أو
стр. 6067
قال: ولا بأس بأن يربط الرجل في أصبعه أو خاتمه الخيط للحاجة ويسمى ذلك الرتم والرتيمة، وكان ذلك من عادة العرب، قال قائلهم:
لا ينفعنك اليوم إن هممت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم
ــ
[البناية]
تكبرا فيكره، وأن يفعله للضرورة والحاجة فلا يكره.
وقد روى أبو داود مسندا إلى جابر بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس» . وكذلك الاتكاء إن كان تكبرا يكره، وإن كان لضرورة فلا.
م: (قال: ولا بأس بأن يربط الرجل في أصبعه أو خاتمه الخيط للحاجة) ش: هذه من خواص " الجامع الصغير " صورتها فيه محمد عن يعقوب، عن أبي حنيفة: أنه كان لا يرى بأسا بربط الرجل في أصبعه الخيط أو في خاتمه للحاجة انتهى.
وذلك لأنه لو كره إنما يكره لكونه عبثا وهذا ليس بعبث؛ لأنه تعلق به ضرب فائدة وهو التأكيد في رعاية حق المسلمين ليكون ذلك أقرب للذكر وأبعد عن النسيان والتقصير، فلما كان كذلك لم يكن به بأس. م: (ويسمى ذلك الرتم والرتيمة) ش: أي ويسمى ذلك الخيط الذي يعقد على الأصبع للتذكرة الرتم - بفتح الراء وفتح التاء المثناة من فوق وفي آخره ميم - وهو الجمع رتمة - بالفتحات أيضا - وكذلك سمي رتيمة - بالياء آخر الحروف بع الميم - ويجمع على رتائم، يقال: أرتمت الرجل إرتاما، إذا عقدت في أصبعه خيطا يستذكره حاجة، كذا قال أبو عبيد في " غريب المسند ".
وقال ابن دريد في " الجمهرة ": والرتمة شيء كان يفعله أهل الجاهلية كان الرجل إذا أراد سفرا عمدا إلى شجرتين متقاربتين فعقد غصنين منهما، فإذا رجع من سفره فإذا كان الغصان بحالهما علم أنه لم يخن في أهله، وإن كانا منحلين ظن بأهله ظن السوء يقال ارتمت رتمت إذا فعلت ذلك.
م: (وكان ذلك من عادة العرب) ش: أي ربط الخيط على الأصبع للتذكرة كان من عادة العرب، م: (قال قائلهم) ش: أي قائل العرب، قال الكاكي: قائل شعر الكتاب ابن السكيت وليس كذلك بن قائلة من العرب، وإنما استشهد به ابن السكيت:
م:
(لا ينفعنك اليوم إن هممت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم)
стр. 6068
وقد روي أن النبي ﵊ أمر بعض أصحابه بذلك.
ــ
[البناية]
استدل أبو عبيد بهذا البيت على أن الرتم. والرتيمة هو الخيط الذي يعقد على الإصبع للتذكرة كما قد ذكره الآن.
وقال ابن السكيت: الرتم شجرة ثم أنشد هذا البيت ثم قال: كان الرجل إذا أراد سفرا عمد إلى هذه الشجرة فعقد بعض أغصانها ببعض فإذا رجع من سفره وأصابها على تلك الحالة قال: لم تخن امرأتي، وإن أصابه قد انحل قال: خانتني امرأتي.
ومعنى البيت: هل منعتك أن همت امرأتك أن تخونك وصيتك لها وإقامتك من يحفظها وبعقادك الشجرة، قوله إن هممت بهم أي بشيء تريده، يعني أنها إن كانت عفيفة حفظت نفسها وإن لم يكن كذلك لا حيلة فيها. كذا قال أبو محمد يوسف بن الحسن بن عبيد الله السيرافي كتاب " الربيع شرح الاصطلاح ".
وقوله: بعقاد الرتم، التعقاد - بفتح التاء - مصدر بمعنى على وزن التفعال كالمتعلقات والتشهاد، وهو مضاف إلى الرتم، والرتم مجرور بالإضافة، ثم البيت المذكور مروي عن الثقات.
هل ينفعنك بلفظ هل الاستفهامية وهو القياس؛ لأن الأصل في نون التأكيد أن لا يدخل النفي. والفقهاء يردونه بحرف النفي كما في رواية المصنف كذلك وقال بعضهم: بالغ الإنكار فيه.
قلت: لا مجال للإنكار في ذلك؛ لأن حرف التوكيد قد يدخل النفي أيضا في الشعر كما في قول العمر بن مولت:
فلا إيجاره الدنيا بها بلحيتها
فهذه نون التوكيد بعد لا النافية.
ثم اعلم أن قوله: إن هممت بتاء التأنيث في رواية الثقاة، وقد رواه بعضهم همت بتاء الخطاب المذكر وحذف أحد الميمين وهمت على لغة من يقول: ظلت من ظللت، ومست من مست وأحست من أحسست. قال الشاعر:
أحسنت إليه سوس
أي أحسن به.
م: (وقد روي أن النبي ﵊ أمر بعض أصحابه بذلك) ش: أي بالرتم يعني عقد الخيط في الأصبع للتذكرة، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمر بذلك ولكنه قد روي فيه أحاديث كلها ضعيفة.
منها: ما رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " من حديث سالم بن عبد الأعلى عن نافع
стр. 6069
ولأنه ليس بعبث لما فيه من الغرض الصحيح، وهو التذكر عند النسيان.
ــ
[البناية]
عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في أصبعه خيطا ليذكرها» ، ورواه ابن عدي في " الكامل "، والعقيلي في " الضعفاء "، وابن حبان أيضا في " الضعفاء " وأسند ابن عدي عن ابن معين والبخاري والنسائي: في سالم هذا أنه متروك، وأسنده العقيلي عن البخاري فقط، وقال ابن حبان: كان سالم هذا يضع الحديث، لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه.
وقال الترمذي في " علله الكبرى ": سألت البخاري عن هذا الحديث: يقال: سالم بن عبد الأعلى، ويقال سالم بن غيلان منكر الحديث. وقال ابن أبي حاتم في " علله ": سألت أبي عن هذا الحديث قال: حديث باطل، وسالم هذا ضعيف وهذا منه.
ومنها ما رواه الطبراني في " معجمه الأوسط " عن بشر بن إبراهيم الأنصاري: حدثنا الأوزاعي عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع «أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أوثق في خاتمه خيطا» .
ورواه ابن عدي في " الكامل "، وأعله ببشر هذا، وقال: إنه عندي ممن يضع الحديث.
ومنها ما رواه الطبراني في " معجمه " عن غياث بن إبراهيم الكوفي، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن سعيد المقبري، عن رافع بن خديج ﵏ قال: «رأيت رسول الله ﷺ ربط في أصبعه خيطا، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: " شيء أستذكر به» .
وذكر ابن الجوزي في " الموضوعات " الأحاديث الثلاثة، ونقل في الأول كلام ابن حبان في سالم، ونقل في الثاني كلام ابن عدي في بشر، ونقل في الثالث عن السعدي وابن حبان في غياث هذا أنه كان يضع الحديث، وعن أحمد والبخاري: أنه متروك الحديث.
فإن قلت: أخرج ابن عدي في " الكامل " عن بشر بن حسين الأصبهاني، عن الزبير بن عدي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «من حول خاتمه أو عمامته أو علق خيطا لتذكره، فقد أشرك بالله، إن الله هو يذكر الحاجات» .
قلت: هذا أيضا حديث ضعيف؛ لأن ابن عدي أعله ببشر بن الحسين فإذن ليس الدليل إلا ما ذكره بقوله م: (ولأنه ليس بعبث لما فيه من الغرض الصحيح، وهو التذكر عند النسيان) ش: والفعل إذا تعلق بغرض صحيح لا يكره ولا يمنع، وقد جرت بذلك عادة الناس من غير نكير والله أعلم.
стр. 6070
فصل: في الوطء والنظر واللمس قال ﵀: ولا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ،
ــ
[البناية]
[فصل في الوطء والنظر واللمس]
[النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها]
م: (فصل في الوطء والنظر واللمس) ش: هذا فصل في بيان أحكام الوطء وأحكام النظر والمس والقبلة. وقد فصل الأكل لكثرته، ثم فصل اللبس قدم على هذا الفصل لكثرة شدة الاحتياج إليه بالنسبة إلى هذا الفصل.
م (قال ﵀: ولا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية) ش: أي قال القدوري في " مختصره ": أي إلى المرأة الأجنبية. وبه قال مالك والشافعي - رحمهما الله - والأصل فيه قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] .
وموضع الزينة الرأس؛ لأنه موضع الإكليل. والشعر؛ لأنه موضع الفصاص الدريهمات. والأذن؛ لأنها موضع القرط. والعنق؛ لأنه موضع القلادة. والصدر؛ لأنه موضع الوشاح. والعضد؛ لأنه موضع الدملج. والذراع؛ لأنه موضع السوار. والساق؛ لأنه موضع الخلخال، وذكر الزينة وأراد موضعها من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل للمبالغة في الستر.
م: (إلا إلى وجهها وكفيها) ش: استثناء من قوله: لا يجوز، والمعنى يجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] ش: أي لا يظهرن أي النساء أي مواضع زينتهن وقد بينتها الآن.
م: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ش: استثنى من قوله: ولا يبدين، إلا ما ظهر من الزينة، ثم اختلفوا فيها: يعني فيما ظهر ما هو؟ فقال بعضهم: المراد الملاءة والبرقع والخفاف لا يحل النظر للأجانب إلا إلى ملاءتها وبرقعها وخفيها الظاهرة، وهو قول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
وقد روى الطحاوي ﵀ بإسناده إلى أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: " وما ظهر منها: الثياب والجلبات " وقال بعضهم: هو ما فوق الدرع. روى الطحاوي بإسناده إلى أبي منصور ﵀ عن إبراهيم قال: هو ما فوق الدرع. وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: المراد منه إحدى عينيها؛ لأنها مضطرة إلى
стр. 6071
قال علي وابن عباس ﵄: ما ظهر منها الكحل والخاتم. والمراد موضعهما وهو الوجه والكف. كما أن المراد بالزينة المذكورة موضعها؛ ولأن في إبداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذا وإعطاء وغير ذلك.
ــ
[البناية]
كشف عين واحدة للمشي، ولا ضرورة في غير ذلك، فلا يباح بها إلا بدا ولا بغيرها النظر إلا في عين واحدة للمشي.
واختار العلماء قول علي وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فكذلك اختاره المصنف وقال: م: (قال علي وابن عباس ﵄: ما ظهر منها الكحل والخاتم) .
ش: أخرج الطبراني في رواية ابن عباس ﵀ في "تفسيره" وقال: حدثنا أبو كريب حدثنا مروان بن معاوية حدثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال: هي الكحل والخاتم. وأخرجه البيهقي ﵀ أيضا عن جعفر بن عون: أخبرنا مسلم الملائي به، ثم أخرجه عن المراد بالضعيف هو عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: نحوه سواه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" في النكاح، عن عكرمة وأبي صالح وسعيد بن جبير ﵏ من قولهم: وأما الرواية عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فغريب.
م: (والمراد موضعهما) ش: أي موضع الكحل والخاتم كما قلنا من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل م: (وهو الوجه والكف) ش: أي موضع الكحل هو الوجه، وموضع الخاتم الكف.
م: (كما أن المراد بالزينة المذكورة موضعها) ش: أراد بالمذكورة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] كما ذكرناه. م: (ولأن في إبداء الوجه) ش: أي في إظهارهما وهذا دليل معقول م: (والكف ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذا وإعطاء) ش: أي من حيث الأخذ ومن حيث الإعطاء م: (وغير ذلك) ش: مثل كشف وجهها عند الشهادة، وعند المعرض لمن يريد نكاحها، وعند المحاكمة. ومثل كشف الكفين عند الخبز ونحوه.
ولو استدل في ذلك بالحديث المرفوع لكان أولى وأحسن وهو ما رواه أبو داود في "سننه" بإسناده إلى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أن أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال: "يا أسماء إذا
стр. 6072
وهذا تنصيص على أنه لا يباح النظر إلى قدمها. وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يباح؛ لأن فيه بعض الضرورة. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا؛ لأنه قد يبدو منها عادة.
قال: فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها
ــ
[البناية]
بلغت المرأة المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفه. وأخرجه البيهقي أيضا في "سننه".
م: (وهذا تنصيص على أنه لا يباح النظر إلى قدمها) ش: أراد به أن ما روي عن علي وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تنصيص على عدم إباحة النظر إلى قدمي الأجنبية.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀: أنه يباح؛ لأن فيه بعض الضرورة) ش: هذه رواية ابن شجاع عن أبي حنيفة؛ لأن القدم موضع الزينة الظاهرة. م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا؛ لأنه قد يبدو منها عادة) ش: خصوصا إذا جردت نفسها للخبز والطبخ، ذكره شمس الأئمة البيهقي في "كفايته".
م: (قال: فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها) ش: أي قال القدوري والحاصل أن الذي ذكره من جواز النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها إذا أمن الشهوة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ، وأما إذا لم يأمن الشهوة لم يجز النظر إلى وجهها أيضا ولا إلى كفيها. والدليل على ما رواه البخاري ومسلم -رحمهما الله- عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت أسسه باللمم.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» .
وأخرج مسلم وأبو داود -رحمهما الله- من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، يدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذب» .
стр. 6073
إلا لحاجة لقوله ﵊: «من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة» . فإن خاف الشهوة لم ينظر من غير حاجة تحرزا عن المحرم، وقوله: لا يأمن يدل على أنه لا يباح إذا شك في الاشتهاء كما إذا علم أو كان أكبر رأيه ذلك، ولا يحل أن يمس وجهها ولا كفها وإن كان يأمن الشهوة لقيام المحمر وانعدام الضرورة والبلوى بخلاف النظر؛ لأن فيه بلوى
ــ
[البناية]
م: (إلا لحاجة) ش: كالشهادة وحكم الحاكم والتزويج، فعند هذه الأشياء يباح النظر إلى وجهها، وإن يخاف الشهوة للضرورة.
وقال الحاكم ﵀: وفيه ينظر إلى الوجه والكف منها ما أمن الشهوة فإذا أشقها لم ينظر إلا أن يكون دعي إلى شهادة عليها وأراد تزويجا وكان حاكما فينظر ليخبر إقرارها وتشهد الشهود على معرفتها، فلا بأس بالنظر إليهما وهذه المواضع م: (لقوله ﵊: «من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة» ش: هذا الحديث أخرجه شمس الأئمة الحلواني في شرح "الكافي " ولكنه غير صحيح والمعروف: «من استمع إلى حديث قوم له كارهون صب في أذنيه الأنك يوم القيامة» أخرجه البخاري في "صحيحه " في كتاب التعبير، وعن أيوب السجستاني، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: «من تحكم بحكم لم يره كلف أن يعقد بين شعر بير ولن يفعل، ومن استمع إلى قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ» .
قوله محاسن: جمع حسن ضد القبح على خلاف القياس وكأنه جمع محسن والأنك بفتح الهمزة وضم النون وفي آخره كاف وهو: الأشرب. قال الجوهري وأفعل من ألسنة الجمع ولم يجيء عليه الواحد الأنك وفيه نظر.
م: (فإن خاف الشهوة لم ينظر من غير حاجة تحرزا عن المحرم) ش: أي لأجل الاحتراز عن الوقوع في المحرم م: (قوله: لا يأمن يدل على أنه لا يباح إذا شك في الاشتهاء) ش: أي قال القدوري: فإن كان لا يأمن الشهوة يدل على أن النظر إلى وجهها لا يباح إذا شك في الشهوة م: (كما إذا علم) ش: أي كما إذا تيقن وجود الشهوة، م: (أو كان أكبر رأيه ذلك) ش: أي وجود الشهوة.
م: (ولا يحل أن يمس وجهها ولا كفها وإن كان يأمن الشهوة لقيام المحرم) ش: وهو النص على ما يأتي م: (وانعدام الضرورة والبلوى) ش: في مس وجهها وكفيها؛ لأنه أبيح النظر إلى الوجه والكف لدفع الحرج، ولا حرج في ترك مسها فبقي على أصل القياس م: (بخلاف النظر؛ لأن فيه بلوى) ش: وهي الحاجة إليه كما ذكرنا.
стр. 6074
والمحرم قوله ﵊: «من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع على كفه جمرة يوم القيامة» ، وهذا إذا كانت شابة تشتهى، أما إذا كانت عجوزا لا تشتهى، فلا بأس بمصافحتها ولمس يدها؛ لانعدام خوف الفتنة.
ــ
[البناية]
[مصافحة العجوز التي لا تشتهى ولمس يدها]
م: (والمحرم) ش: -بكسر الراء- أراد به المحرم الذي قال في قوله لقيام المحرم م: (قوله ﵊: «من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع على كفه جمرة يوم القيامة» ش: وهذا لم يثبت عن النبي ﷺ ولم يذكره أحد من أرباب الصحاح والحسان.
م: (وهذا إذا كانت شابة تشتهى) ش: أي هذا الذي ذكرنا من حرمة وجه الأجنبية وكفيها إذا كانت شابة تشتهي منها الرجال، م: (أما إذا كانت عجوزا لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها ولمس يدها لانعدام خوف الفتنة) ش: قال تاج الشريعة ﵀ فإن قلت هذا تعليل في مقابلة النص وهو ما ذكرناه في الكتاب من مس كف امرأة. الحديث.
قلت: المرأة أمرة تدعو النفس إلى مسها أما إذا هربت العين من رؤيتها واترادى يجد الحاثر من لعابها فلا إثم.
ثم قال: أباح للرجال المس هنا إذا كانت عجوزا ولم يشترط كون المساس لا يجامع مثله ولا يشتهى مثله.
وقد ذكر مثل هذا ووضع المسألة فيما إذا كانت المرأة هي الماسة لما فوق الإزار فقال: إن كانت المرأة عجوزا لا تجامع مثلها والرجل شيخ كبير لا يجامع مثله لا بأس فالمصافحة حينئذ.
فصار في المسألة روايتان، في رواية: أباح المصافحة إذا لم يشته أحدهما، وفي رواية: يشترط أن يكون كل واحد منهما لا يشتهي.
وجه الأولى: أن العجوز ألحقت بالصغيرة ويجوز مصافحتها وإن اشتهى الماس.
وجه الأخرى: وهو الفرق بينهما أن أحد المصافحين إذا كان صغيرا لا تؤدي المصافحة، إلى الاشتهاء من الجانبين، أما في حق البالغ فلأنه غير بالغ مسته وأما في حق الصغيرة فلأنها لا تعلم الاشتهاء. أما إذا كان بالغين فالشاب إن لم يشته بمس العجوز فهي تشتهي بمس الشاب؛ لأنها قد علمت بذلك فتؤدي إلى الاشتهاء وهو حرام ما يؤدي إليه كذلك.
ثم قال تاج الشريعة ﵀: وقد كنت سمعت من بعض أساتذتنا طيب الله ثراه أبياتا يليق استشهادها في هذا الموضع فأوردتها تذكرة، طيب الله مرقد الماضين آمين (شعر) .
стр. 6075
وقد روي أن أبا بكر ﵁ كان يدخل بعض القبائل التي كان مسترضعا فيهم، وكان يصافح العجائز. وعبد الله بن الزبير ﵁ استأجر عجوزا لتمرضه، وكانت تغمز رجليه وتفلي رأسه. وكذا إذا كان شيخا يأمن على نفسه وعليها
ــ
[البناية]
وهي عجوز ترجى أن تكون فتنة ... وقد يبس الجنبان واحتدب الظهر
تروح إلى العطار تبغي شبابها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
وما غرني إلا خضاب بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفر
بنيت بها قبل المحاق بليلة ... فصار محاق كله ذلك الشهر
قلت: هذا الذي ذكره تاج الشريعة كله من " المبسوط " و " الذخيرة ". م: (وقد روي أن أبا بكر ﵁ كان يدخل بعض القبائل التي كان مسترضعا فيهم وكان يصافح العجائز) ش: هذا غريب لم يثبت وإنما الذي روي عن أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أنهما كانا يزوران أم أيمن ﵂ بعد رسول الله ﷺ وكانت حاضنة النبي ﷺ رواه البيهقي وغيره.
م: (وعبد الله بن الزبير ﵁ استأجر عجوزا لتمرضه وكانت تغمز رجليه وتفلي رأسه) ش: هذا أيضا غريب لم يثبت قوله تمرضه من التمريض يقال: مرضه أي قام عليه في مرضه. قوله: تفلي من فلى رأسه تفلي إذا أخذ القمل منه وفلى يفلو أيضا وفليت الشعر إذا تدبرته واستخرجت معائنه والمناسب هنا أن يكون قوله تفلي رأسه من المعنى الثاني على معنى أنها كانت تدبر شعر ابن الزبير ﵁ وتصلحه وتدهنه وتسرحه لأن هذا هو المناسب بحاله؛ لأنه كان ملكا ادعى الخلافة بأرض الحجاز فمن كانت هذه صفته لا تقمل رأسه فافهم.
م: (وكذا إذا كان شيخا يأمن على نفسه وعليها) ش: أي وكذا لا بأس بمصافحتها إذا كان الرجل شيخا كبيرا يأمن على نفسه وعلى نفس المرأة؛ لأن الشيخ الكبير لم يبق له إربة كالصغير. قال : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] . وروى البيهقي في "سننه " عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: هو الرجل يتبع القوم وهو مغفل في غفلة لا يكترث النساء ولا يشتهيهن. وروي عن التيمي أنه قال: هو الذي ليس له إرب أي حاجة في النساء. ولا شك أن الشيخ الكبير ليس له إرب في النساء كما قلنا.
стр. 6076
لما قلنا، وإن كان لا يأمن عليها لا تحل مصافحتها لما فيه من التعريض للفتنة. والصغيرة إذا كانت لا تشتهى يباح مسها والنظر إليها لعدم خوف الفتنة.
قال: ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، وللشاهد إذا أراد الشهادة عليها النظر إلى وجهها، وإن خاف أن يشتهي للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بواسطة القضاء وأداء الشهادة، ولكن ينبغي أن يقصد به أداء الشهادة أو الحكم عليها لا قضاء الشهوة تحرزا عما يمكنه التحرز عنه، وهو قصد القبيح،
ــ
[البناية]
م: (لما قلنا) ش: أراد به قوله: لانعدام خوف الفتنة م: (وإن كان لا يأمن عليها لا تحل مصافحتها لما فيه من التعريض للفتنة. والصغيرة إذا كانت لا تشتهى يباح مسها والنظر إليها لعدم خوف الفتنة) ش: لأنه ليس لبدنها حكم العورة، ولأن العادة ترك التكليف بستر عورتها إن لم تبلغ حد الشهوة كذا في " المبسوط ".
فإن قلت: ما حكم الأمر؟
وقلت: روى البيهقي عن بقية من الوصيين عن بعض المشيخة قال: يكره أن يحد النظر إلى الغلام الأمرد الجميل الوجه، وقد روي هذا عن بقية الوازع وهو ضعيف عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا والمشهور بقية عن الوصيين.
وقد روى أبو حفص الطحان في معناه حديثا موضوعا عن الثوري عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا، قال البيهقي ﵀: وفتنة الأمرد ظاهرة لا يحتاج إلى خبر، وقد أفتى الشيخ محيي الدين النووي بمنع النظر إليه سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. وبعضهم فصلوا فقالوا: إن كان بشهوة لا يباح وإن كان بغير شهوة فلا بأس.
قلت: الأولى في هذا الزمان أن يفتي بقول الشيخ محيي الدين لظهور الفسق والشناعة بين الناس.
وذكر في " فتاوى الإمام ناصر الحسامي ﵀ ": الغلام إذا بلغ مبلغ الرجال ولم يكن صبيحا فحكمه حكم الرجال وإن كان صبيحا فحكمه حكم النساء وهو عورة من قرنه إلى قدمه. قال العبد الضعيف: لا يحل النظر إليه عن شهوة فأما الخلوة به والنظر إليه لا عن شهوة لا بأس به ولهذا لم يأمر بالتقارب.
[نظر القاضي للمرأة للحكم عليها]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، وللشاهد إذا أراد الشهادة عليها النظر إلى وجهها، وإن خاف أن يشتهي للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بواسطة القضاء وأداء الشهادة، ولكن ينبغي أن يقصد به أداء الشهادة أو الحكم عليها لا قضاء الشهوة تحرزا عما يمكنه التحرز عنه، وهو قصد القبيح) ش: هذا كالظاهر، وهكذا كما يجوز للشهود النظر إلى الصورة عند الزنا ليقيموا الشهادة وكما يجوز للمسلمين أن يرموا صبيان المسلمين وأسرابهم
стр. 6077
وأما النظر لتحمل الشهادة إذا اشتهى، قيل: يباح، والأصح: أنه لا يباح؛ لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة بخلاف حالة الأداء.
، ومن أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس بأن ينظر إليها وإن علم أنه يشتهيها لقوله ﵊ فيه: «أبصرها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» .
ــ
[البناية]
إذا اندس بهم الكفار ولكن يقصدون المشركين وإن علموا أنه يصيب المسلمين.
م: (وأما النظر لتحمل الشهادة إذا اشتهى، قيل: يباح) ش: ولكن يقصد عمل الشهادة لا قضاء الشهوة كشهود الزنا م: (والأصح: أنه لا يباح؛ لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة بخلاف حالة الأداء) ش: لأنه التزم هذه الأمانة بالتحمل وهو متعين لأدائها.
[نظر الخاطب]
م: (ومن أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس بأن ينظر إليها وإن علم أنه يشتهيها لقوله ﵊ فيه: «أبصرها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي في النكاح عن عاصم بن سليمان، عن أبي بكر بن عبد الله المزني، «عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» وقال الترمذي: حديث حسن.
قوله أبصرها: الخطاب للمغيرة بن شعبة ﵁ وهو أمر من أبصر يبصر إبصارا أي أنظرها، وهكذا هو في رواية الترمذي ﵀، وفي رواية الزمخشري ﵀ في " الفائق ": «لو نظرت إلهيا فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» . والضمير فإنه يرجع إلى الإبصار الذي دل عليه قوله أبصرها، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي العدل أقرب.
قوله: أن يؤدم: أصله بأن يؤدم، فحذفت الباء وحذفها مع أن كثير، والمعنى فإن الإبصار أحرى أي أولى بالمؤادمة منكما، أي بالموافقة، من أدم الطعام إذا أصلحه بالإدام وجعله موافقا للطعام. وأن مصدرية فكذلك أولت الوادم بالمؤادمة ويجوز أن يكون الضمير فإنه للشأن، وعلى التقديرين: الضمير اسم أن، وقوله أحرى أن يؤدم خبرها فتكون هذه الجملة محلها الرفع. وعلى رواية" الفائق ": أو بمعنى ليت فلذلك دخلت الفاء في جوابها كأنه قيل ليت ليتك نظرت إليها، والغرض الحث على النظر، والله أعلم.
ولما أخرج الترمذي ﵀ هذا الحديث قال: وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وأنس ﵃ ومحمد بن سلمة وأبي جند.
стр. 6078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: «خطب رجل امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ : "اذهب فانظر إلهيا فإن في أعين الأنصار شيئا» . وأما حديث جابر ﵁ فأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عبد الرحمن، «عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" فخطبت جارية فكنت أتخفى لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها» .
قال ابن القطان: هذا حديث لا يصح فإن واقدا هذا لا يعرف حاله، وواقد المعروف إنما هو واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ أبو عبد الله الأنصاري الأشهلي ﵀ الذي يروي عنه يحيى بن سعيد وداود بن الحصين ومحمد بن زياد ﵏ وغيرهم من المدنيين.
وروى مالك ﵀ عن يحيى بن سعيد ﵀ عنه وهدمه في ثقة، قاله أبو زرعة ﵀، وأما واقد بن عبد الرحمن فلا أعرفه.
وأما حديث أنس ﵁ فأخرجه ابن حبان في "صحيحه "، والحاكم في "مستدركه "، وقال: على شرط الشيخين وأحمد والبزار وأبو يعلى الموصلي وعبد بن حميد والدارمي ﵏ في "مسانيدهم". والطبراني في "معجمه " والدارقطني في "سننه "، كلهم من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس: «أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة فقال له النبي ﷺ : "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» .
وأما حديث محمد بن سلمة ﵁ فأخرجه ابن حبان في "صحيحه "، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن حازم «عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة عن عمه محمد بن سلمة -
стр. 6079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
﵁ قال: خطب امرأة فجعلت أتخفى إليها حتى نظرت إليها في نخل فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ألقى الله في قلب امرئ منكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها» .
وأخرج الحاكم من حديث إبراهيم بن صرمة ﵀ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة [عن عمه سهل بن أبي حثمة] قال: " كنت جالسا مع محمد بن سلمة فمرت ابنة الضحاك فجعل يطاردها ببصره ". الحديث. وقال: هذا حديث غريب وإبراهيم بن صرمة ضعفه الدارقطني. وأخرج البيهقي من حديث أبي شهاب عبد ربه عن حجاج عن ابن أبي مليكة، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة عن عمه سهل بن أبي حثمة، قال: رأيت محمد بن سلمة ﵀ يطارد امرأة ببصره على إجار يقال لها: ثبيتة بنت الضحاك أخت أبي جبيرة. الحديث.
وقال الذهبي في "مختصره ": حجاج لين، وإسناده مختلف فيه، وأخرجه ابن ماجه عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن سليمان، الحديث.
ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في "مصنفيهما" في اسم المرأة، في " مسند أحمد ": نبيهة بنت الضحاك وسماها عند ابن أبي شيبة نبيشة، كما سماها في " مسند البيهقي "، وفي نسخة أخرى: بثنية.
وأما حديث أبي حميد فأخرجه الطبراني في "معجمه "، حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة» . ورواه إسحاق بن
стр. 6080
ولأن مقصوده إقامة السنة لا قضاء الشهوة.
ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها للضرورة، وينبغي أن يعلم امرأة مداواتها؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل فإن لم يقدروا يستر كل عضو منها سوى موضع المرض ثم ينظر ويغض بصره ما استطاع؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها
ــ
[البناية]
راهويه في "مسنده " من حديث عبد الله بن عيسى الأنصاري ﵁.
م: (ولأن مقصوده إقامة السنة لا قضاء الشهوة) ش: فيعتبر المقصود وهو إقامة النكاح المسنون لا قضاء الشهوة النهي المحرم.
[نظر الطبيب للمرأة الأجنبية]
م: (ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها) ش: أي من المرأة م: (للضرورة) ش: لأن للضرورة تأثير في إباحة المحرمات بدليل إباحة الميتة والخمر عند الضرورة وخشية التلف م: (وينبغي أن يعلم المرأة مداواتها؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل فإن لم يقدروا يستر كل عضو منها سوى موضع المرض ثم ينظر ويغض بصره ما استطاع؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها) ش: أي يتعذر بالضرورة أراد بأن يكون بقدر الضرورة ولا يتجاوز عنها لاندفاع الحاجة بقدرها.
وفي " فتاوى الولوالجي ": لا يحل النظر إلى ما تحت السرة إلى الركبة من الرجل والمرأة لأحد من غير عذر، فإذا جاء العذر حل النظر. والأعذار:
منها حالة الولادة فلا بأس للقابلة أن تنظر إلى فرجها.
ومنها حالة الاختتان: للرجل أن ينظر من الرجل موضع الاختتان منه عند الحاجة.
ومنها: إذا أصابه قولنج واحتيج إلى حقنه.
ومنها: إذا أصاب امرأة قرحة في موضع لا يحل للرجال أن ينظر إليها وعملت المرأة ذلك لتداويها وإن لم تعلم أو لم يجدوا امرأة وخافوا عليها أن تهلك أو يصيبها بلاء، أو دخل من ذلك وجع لا تتحمله، ولم يكن للعلاج بد من الرجل، يباح للرجل أن ينظر لكن يستر منها كل شيء إلا موضع القرحة؛ لأن الضرورة تندفع بها وسواء فيها ذات المحرم وغيرها.
ومنها: امرأة العنين إذا قالت بعد سنة: لم يصل إلي وأنا بكر، فالقاضي يريها النساء.
ومنها: رجل اشترى جارية على أنها بكر فقبضها فقال: وجدتها ثيبة فأراد ردها على البائع بيمينه على أنه باعها وسلمها وهي بكر، نظر إليها النساء، فإن قلن: إنها بكر فلا يمين على البائع، وإن قلن: هي ثيب استحلف البائع على أنه باعها وسلمها وهي بكر فإن حلف لم ترد عليه. وقال شيخ الإسلام الأسبيجابي في " شرح الكافي ": قال بعض مشائخنا: هذا
стр. 6081
وصار كنظر الخافضة والختان
وكذا يجوز للرجل النظر إلى موضع الاحتقان من الرجل ؛ لأنه مداواة
ويجوز للمرض. وكذا للهزال الفاحش على ما روي عن أبي يوسف؛
ــ
[البناية]
الجواب إنما يستقيم فيما إذا اختلفا قبل القبض، أما بعده فلا؛ لأنه يجعل زوال البكارة عند المشتري فلا فائدة في أن ترى النساء إن وقع الاختلاف بعد القبض؛ لأنه يحتاج إلى توجيه الخصومة، ولا يمكن من ذلك إلا بعد ظهور الحال فكان في إرائه فائدة.
م: (وصار كنظر الخافضة والختان) ش: إليه يعني صار نظر الطبيب إلى موضع لا يحل النظر إليها كنظر الخافضة والختان إليه، أي إلى ما لا يجوز النظر إليه كالعورة الغليظة فإن النظر إليها لا يجوز إلا في حالة العذر، والختان عذر؛ لأنه سنة مؤكدة من شعائر الإسلام لا يجوز تركها في حق الرجل والمرأة جميعا، فكذا نظر الطبيب لأجل العذر. والخافضة فاعلة من الخفض وهو قطع بظر المرأة كالختان في حق الرجل، وهو قطع جلدة الحشفة، يقال امرأة مخفوضة ورجل مختون.
[النظر إلى موضع الاحتقان من الرجل]
م: (وكذا يجوز للرجل النظر إلى موضع الاحتقان من الرجل؛ لأنه مداواة) ش: أي لأن الاحتقان مداواة يحصل بها إسهال الفضلات والإخلاطة الروية وإذا جاز الاحتقان يجوز للحاقن النظر إلى موضع الاحتقان.
م: (ويجوز للمرض) ش: أي يجوز الاحتقان لأجل المرض م: (وكذا للهزال الفاحش) ش: أي وكذا يجوز الاحتقان للهزال الفاحش؛ لأن آخره الدق م: (على ما روي عن أبي يوسف) ش: احترز به عما روي عن شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن الحقنة إنما تجوز إذا كان يخشى من الهزال المتلو وإلا فلا.
وفي " الكافي ": والصحيح ما روي عن أبي يوسف ﵀: أنه نوع مرض يكون آخره الدق والسل.
وقال الحلواني: فلو كان في الحقنة منفعة ولا ضرورة فيها بأن يتقوى على الإجماع لا يحل عندنا.
وذكر أبو الليث ﵀ عن محمد بن مقاتل: أنه لا بأس أن يتولى صاحب الحمام عورة إنسان بيده عند التنوير إذا كان يغض بصره. كما أنه لا بأس به إذا كان يداوي جرحا أو قرحا.
قال أبو الليث: هذا في حالة الضرورة وينبغي لكل أحد أن يتولى عانته إذا تنور، كذا في " الذخيرة ".
стр. 6082
لأنه إمارة المرض. قال: وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا إلى ما بين سرته إلى ركبته؛ لقوله ﵊: «عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته".» ويروى: «ما دون سرته حتى يجاوز ركبتيه» وبهذا ثبت أن السرة ليست بعورة، خلافا لما يقوله أبو عصمة
ــ
[البناية]
م: (لأنه إمارة مرض) ش: أي لأن الهزال علامة المرض وهو السل كما ذكرنا.
[ما ينظر إليه الرجل من الرجل]
م: (قال: وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا إلى ما بين سرته إلى ركبته) ش: أي قال القدوري وقال الكرخي -رحمهما الله- في "مختصره ": لا ينبغي أن ينظر الرجل من الرجل إلى ما بين سرته وركبته ولا بأس أن ينظر إلى سرته، ويكره النظر منه إلى الركبة. وكذلك المرأة من المرأة.
وبلغنا عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أنه كان إذا ائتزر أبدى عن سرته، انتهى.
وقال أبو القاسم بن الجلاب المالكي ﵀ في كتاب " التفريع ": وعورة الرجل فرجاه وفخذاه ويستحب له أن يستر من سرته وركبتيه.
وقال في " وجيز الشافعية ": وعورة الرجل ما بين السرة والركبة م: (لقوله ﵊: «عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته» .
ش: وروى الدارقطني في "سننه " عن يوسف بن يعقوب بن بهلول: حدثنا جدي عن أبيه، عن سعيد بن راشد، عن عباد بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما في الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة» . وسعيد بن راشد ضعيف. م: (ويروى: ما دون سرته حتى يجاوز ركبته) ش: وهذه الرواية إن صحت تدل على أن كلمة "إلى" في الرواية السابقة بمعنى مع عملا بالحديثين مم: (وبهذا) ش: أي بالحديث المذكور م: (ثبت أن السرة ليست بعورة) ش: لأن في كل واحدة من الروايتين يكون ابتداء العورة من تحت السرة، فتكون السرة خارجة من العورة م: (خلافا لما يقوله أبو عصمة) ش: وهو سعد بن معاذ المروزي ﵀ من كبار أصحابنا. وقد قال أبو عصمة: السرة عورة؛ لأنها حد إحدى العورة فيكون من العورة كالركبة.
стр. 6083
والشافعي ﵀،
والركبة عورة خلافا لما قاله الشافعي،
والفخذ عورة خلافا لأصحاب الظواهر. وما دون السرة إلى منبت الشعر عورة خلافا لما يقوله الإمام أبو بكر محمد بن الفضل الكماري ﵀ معتمدا فيه العادة؛ لأنه لا معتبر بها مع النص بخلافه.
ــ
[البناية]
م: (والشافعي ﵀) ش: بالرفع عطفا على أبي عصمة، أي وخلافا لما يقوله الشافعي ﵀ أيضا كما يقول أبو عصمة.
قيل: عطف الشافعي على أبي عصمة ﵀ غير مستقيم؛ لأن هذا التعليل إنما يستقيم على قول من يقول الركبة عورة وهو لا يقول به. وهذا ساقط؛ لأن المصنف ﵀ لم يعلل بهذا التعليل في هذا الكتاب، وإنما ذكر المذهب فيجوز أن يكون مذهبهما واحدا والمأخذ متعددا فالمذكور يكون تعليلا لأبي عصمة ﵀ وتعليل الشافعي غير ذلك وهي أن السرة محل الاشتهاء.
[عورة الرجل]
م: (والركبة عورة خلافا لما قاله الشافعي) ش: فإنه يقول: الركبة ليست بعورة واستدل بما روي عن أنس بن مالك ﵁: «ما أبدى ركبة بين جليس قط» إنما قصد بهذا ذكر الشمائل، فلو كانت الركبة عورة لم يكن هذا من الشمائل؛ لأن ستر العورة فرض على كل أحد.
[والفخذ هل تعتبر عورة أم لا]
م: (والفخذ عورة خلافا لأصحاب الظواهر) ش: فإنهم قالوا: الفخذ ليس بعورة واستدلوا بقوله : ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] ، والمراد منها العورة الغليظة.
م: (وما دون السرة إلى منبت الشعر عورة خلافا لما يقوله الإمام أبو بكر محمد بن الفضل الكماري ﵀) ش: فإنه يقول: ما دون السرة إلى منبت شعر العانة ليس بعورة، إنما قال ذلك حال كونه م: (معتمدا فيه العادة) ش: لأن الإزار قد ينحط في العمل إلى ذلك الموضع إن كان فيه ضرورة فأبيح النظر إلى ذلك للتعامل.
وكما روي: -بضم الكاف وتخفيف الميم بعدها ألف ساكنة-، وهو اسم قرية ببخارى نسب إليها الإمام المذكور أبو بكر.
لأنه لا يعبر بها مع النص بخلافه. هذا جواب عما يقوله الإمام أبو بكر المذكور ويتعلق بقوله ودون السرة إلى منبت الشعر عورة م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن لا اعتبار بالعادة مع وجود النص بخلافها، وفي بعض النسخ؛ لأنها أي لأن العادة م: (لا معتبر بها مع النص بخلافه) ش: والمعتبر -بضم الميم-، مصدر ميمي بمعنى الاعتبار.
стр. 6084
وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «الركبة من العورة» ، وأبدى الحسن بن علي ﵄ سرته فقبلها أبو هريرة ﵁. وقال لجرهد: «وار فخذك، أما علمت أن الفخذ عورة» .
ــ
[البناية]
م: (وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «الركبة من العورة» ش: هذا جواب على قول الشافعي ﵀ ودليل على كون الركبة عورة، ولكن الحديث غريب لم يثبت عن أبي هريرة ﵁ فإنما روي من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عند الدارقطني وفيه ضعيف أيضا وقد تقدم في شروط الصلاة.
م: (وأبدى الحسن بن علي ﵄ سرته فقبلها أبو هريرة ﵁) ش: هذا بقوله جواب عما يقوله أبو عصمة والشافعي والحديث أخرجه أحمد في "مسنده "، وابن حبان في "صحيحه "، والبيهقي في "سننه " عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: كنت أمشي مع الحسن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في بعض طرق المدينة فلقينا أبو هريرة فقال للحسن. اكشف لي عن بطنك -جعلت فداك- حتى أقبل حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبله. قال: وكشف عن بطنه فقبل سرته ولو كانت من العورة ما كشفها، انتهى.
وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده " وفي " معجم الطبراني " خلاف هذا، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا أبو عاصم عن أبي عون عن عمير بن إسحاق: أن أبا هريرة لقي الحسن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فقال له: ارفع ثوبك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبل، فرفع عن بطنه ووضع يده على سرته.
م: «وقال لجرهد: وار فخذك، أما علمت أن الفخذ عورة» ش: هذا جواب عن قول أهل الظاهر. والحديث أخرجه أبو داود ﵀ في "الحمام" من طريق مالك ﵀ عن أبي النظر عن زرعة «عن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه قال: كان جرهد من أصحاب الصفة أنه قال: جلس رسول الله ﷺ عندنا وفخذي منكشفة فقال: "أما علمت أن الفخذ عورة» . وأخرج الترمذي ﵀ في "الاستئذان". عن سفيان، عن أبي النضر، عن زرعة بن مسلم بن جرهد عن جده جرهد قال: «مر النبي ﷺ بجرهد في المسجد، وقد انكشف فخذه فقال: "إن الفخذ عورة» وقال: حديث حسن وما أرى إسناده بمتصل.
стр. 6085
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ثم أخرجه عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي الزناد قال: «أخبرنا ابن جرهد عن أبيه: أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه فقال له النبي ﷺ : "غط فخذك فإنها من العورة» . وقال أيضا: حديث حسن، ثم أخرجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن جرهد الأسلمي عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «الفخذ عورة» وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وبسند أبي داود رواه أحمد في " مسنده " وابن حبان في " صحيحه "، وزرعة بن عبد الرحمن بن جرهد الأسلمي وثقه النسائي وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: من زعم أنه زرعة بن مسلم بن جرهد فقد وهم، ورواه الدارقطني في "سننه في آخر الطهارة " من حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، وحدثني آل جرهد عن مجاهد. ورواه الحاكم في " المستدرك "في كتاب "اللباس " عن سفيان عن سالم بن أبي النضر عن زرعة بن مسلم بن جرهد عن جده جرهد فذكره وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال ابن القطان في "كتابه ": وحديث جرهد له علتان: إحداهما: الاضطراب المؤدي لسقوط الثقة به وذلك أنهم يختلفون فيه، فمنهم من يقول: زرعة بن عبد الرحمن، ومنهم من يقول: زرعة بن عبد الله، ومنهم من يقول: زرعة بن مسلم، ثم من هؤلاء من يقول: عن أبيه، عن أبيه عن النبي ﷺ ، ومنهم من يقول: عن أبيه عن جرهد عن النبي ﷺ ، ومنهم من يقول: زرعة عن آل جرهد عن جرهد ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة فإنما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقة، فحينئذ لا يضره اختلاف الثقة فيه إلى مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع. وأما إذا كان الذي اضطرب عليه الحديث غير ثقة أو غير معروف فالاضطراب يوهنه أو يزيده وهنا وهذه حال هذا الخبر.
والعلة الثانية: أن زرعة وأباه غير معروفي الحال ولا مشهوري الرواية، انتهى. قلت: قال البيهقي ﵁: هذه أسانيد صحيحة. وقال الذهبي في "مختصره " لا تصل إلى الصحة بل هي صالحة الحجر بانضمام بعضها إلى بعض. فإن قلت: قد قال القاضي علاء الدين في " الجواهر ": النفي في حديث جرهد ثلاث علل، أحدها: أن في سنده اضطراب وقد بينه ابن القطان، والثانية: أن زرعة مجهول الحال، والثالثة: أن الترمذي أخرجه ثم قال ما أرى إسناده متصل.
قلت: الجواب ما قاله الذهبي الذي ذكرناه الآن على أن في هذا الباب أحاديث أخرى.
стр. 6086
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
منها: ما أخرجه أبو داود عن حجاج عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب عن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ «لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» .
وقال أبو داود ﵀: حديث فيه نكارة، وأخرجه ابن ماجه في "الجنائز" عن زوج ابن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب به.
وقال الشيخ في " الإمام ": ورواية أبي داود تقتضي أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب وأن بينهما رجلا مجهولا، انتهى.
ورواه الحاكم في "مستدركه في اللباس" وسكت عنه، ورواه الدارقطني في "سننه " في آخر الصلاة، وفيه: أخبرني حبيب بن أبي ثابت. وقال ابن القطان في "كتابه ": وقد ضعف أبو حاتم هذا الحديث في "علله".
وقال: إن ابن جريج لم يسمعه من حبيب ولا حبيب من عاصم، وعاصم وثقة العجلي وابن المديني وابن معين. وقال النسائي: ليس به بأس وتكلم فيه ابن عدي وابن حبان -رحمهما الله.
ومنها: ما أخرجه الترمذي ﵀ عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الفخذ عورة» . وقال: حديث حسن غريب.
وأخرجه الحاكم في " المستدرك " ولفظه: قال: «مر النبي ﷺ على رجل فرأى فخذه مكشوفة فقال: "غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته» . وسكت عنه.
وقال ابن القطان في "كتابه ": وأبو يحيى القتات اختلف في اسمه فقيل: زاذان، وقيل: دينار، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: غير ذلك، ضعفه شريك، ويحيى في رواية، ووثقه في رواية أخرى وقال: أحمد روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جدا. وقال النسائي: ليس
стр. 6087
ولأن الركبة ملتقى عظم الفخذ والساق، فاجتمع المحرم والمبيح، وفي مثله يغلب المحرم، وحكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ، وفي الفخذ أخف منه في السوءة،
حتى إن كاشف الركبة ينكر عليه برفق، وكاشف الفخذ يعنف عليه،
ــ
[البناية]
بالقوي، وقال ابن حبان: فحش خطؤه وكثر وهمه حتى سلك غير مسلك العدول في الروايات.
ورواه أحمد ﵀ في "مسنده "، والبيهقي في "سننه " والطبراني في "معجمه ".
ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده ": حدثنا هشيم، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن بن أبي كثير مولى محمد بن عبد الرحمن بن جحش «عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: كنت مع رسول الله ﷺ فمر على معمر ﵁ وهو جالس على باب داره وفخذه مكشوفة فقال: "يا معمر غط فخذك؛ فإن الفخذ عورة» وهذا مسند صالح، ورواه الطبراني في "معجمه " في ست طرق دائرة على العلاء، ورواه الطحاوي، وصححه، ورواه الحاكم في "المستدرك " في "الفضائل" وسكت عنه. ورواه البخاري في "تاريخه الكبير ".
فإن قلت: يخالف هذه كلها ما رواه البخاري في "صحيحه "، عن عبد العزيز بن صهيب، «عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النبي ﷺ ، وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ النبي ﷺ ، فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» .
قلت: المراد من الحسر الانحسار بغير اختياره لضرورة الجري، والدليل على صحة ذلك ما رواه مسلم ﵀ بلفظ: فانحسر الإزار. وقال النووي في "الخلاصة ": وهذه الرواية تبين رواية البخاري، أن المراد بالحسر الانحسار بغير اختياره كضرورة الجري، مثل ما قلنا والله أعلم.
م: (ولأن الركبة ملتقى عظم الفخذ والساق، فاجتمع المحرم والمبيح) ش: هذا دليل على أن الركبة عورة، أراد بالمحرم: عظم الفخذ، وبالمبيح: عظم الساق. م: (وفي مثله) ش: أي في مثل اجتماع المحرم والمبيح م: (يغلب المحرم) ش: احتياطا في أمور الدين م: (وحكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ، وفي الفخذ أخف منه في السوءة) ش: أراد بها العورة الغليظة وهي الفرجان.
م: (حتى إن كاشف الركبة ينكر عليه برفق) ش: وبين لوجود المعنيين وهما دليل الإباحة ودليل الحظر، م: (وكاشف الفخذ يعنف عليه) ش: أي إن كاشف الفخذ يغلظ عليه في الإنكار،
стр. 6088
وكاشف السوءة يؤدب إن لج.
و ما يباح النظر إليه للرجل من الرجل يباح المس؛ لأنهما فيما ليس بعورة سواء.
: ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه إذا أمنت الشهوة
. لاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس بعورة كالثياب والدواب، وفي كتاب الخنثى من "الأصل ": أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه؛ لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ، فإن كان في قلبها شهوة أو أكبر رأيها أنها تشتهي أو شكت في ذلك -
ــ
[البناية]
ولا يضرب إن ألج؛ لوجود الاختلاف، م: (وكاشف السوءة يؤدب إن لج) ش: أي وإن كاشف العورة الغليظة يؤدب بضرب إن علمه ولم يسمع؛ لأن حرمتها يجمع عليه.
[ما يباح النظر إليه للرجل من الرجل]
م: (وما يباح النظر إليه للرجل من الرجل يباح المس) ش: يعني إذا كان المس بغير شهوة. وبه صرح في " التحفة " م: (لأنهما فيما ليس بعورة سواء) ش: أي لأن النظر والمس فيه سواء فلما يجوز النظر إليه يجوز مسه بغير شهوة. وفي " المجتبى ": اختلف في غمز الرجل فخذ الرجل فوق الإزار قيل: يجوز إذا كان الإزار كشفا، وبه أخذ الحلواني والاحتياط تركه. ومس ما تحت الإزار على ما اعتاد الجهلة في الحمام حرام ولو نظر إلى عورة غيره وهي غير بادية لم يأثم.
[ما تنظر إليه المرأة من الرجل الرجل]
م: (قال: ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه إذا أمنت الشهوة) ش: أي قال القدوري في "مختصره ": يعني يجوز للمرأة الحرة الأجنبية أن تنظر إلى ما ينظر الرجل إليه منه أي من الرجل، والضمير في إليه يرجع إلى ما في قوله: ما ينظر الرجل، وقيد بقوله: إذا أمنت الشهوة؛ لأنها إذا لم تأمن لم يجز لها النظر إليه.
وفي " فتاوى الولوالجي ": أما إذا نظرت إلى الرجل فوقعت في قلبها شهوة أو كان ذلك أكب رأيها أو شكت في ذلك فالمستحب أن تغض بصرها منه. وفي الرجل إذا نظر إلى المرأة فوقع في قلبه شهوة، أو كان ذلك أكبر رأيه، أو شك يحرم عليه النظر، ويجيء الفرق بينهما عن قريب إن شاء الله .
[نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي]
م: (لاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس بعورة) ش: وهذا التعليل خلاف ما ذكر الولوالجي، ويجيء الآن وجه ما ذكره م: (كالثياب والدواب) ش: أي كنظرها إلى الثياب والدواب ونحو ما ليس بعورة، فإن الرجل والمرأة في ذلك متساويان.
م: (وفي كتاب الخنثى من " الأصل ") ش: أي " المبسوط " م: (أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بمنزلة نظر الرجل إلى محارمه) ش: يعني لا ينظر إلى ظهره وبطنه م: (لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ) ش: ألا ترى أنه لا يحل للمرأة غسل الرجل الأجنبي بعد موته ويحل للرجل ذلك. م: (فإن كان في قلبها شهوة أو أكبر رأيها أنها تشتهي أو شكت في ذلك) ش: أي في الاشتهاء والشك
стр. 6089
يستحب لها أن تغض بصرها. ولو كان الناظر هو الرجل إليها وهو بهذه الصفة لم ينظر، وهذا إشارة إلى التحريم، ووجه الفرق أن الشهوة عليه غالبة، وهو كالمتحقق اعتبارا. فإذا اشتهى الرجل كانت الشهوة موجودة في الجانبين، ولا كذلك إذا اشتهت المرأة؛ لأن الشهوة غير موجودة في جانبه حقيقة واعتبارا، فكانت من جانب واحد، والمتحقق من الجانبين في الإفضاء إلى المحرم أقوى من المتحقق من جانب واحد.
قال: وت نظر المرأة من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل -
ــ
[البناية]
استواء الطرفين م: (يستحب لها أن تغض بصرها. ولو كان الناظر هو الرجل إليها وهو بهذه الصفة) ش: أي كان في قلبه شهوة أو كان في أكبر رأيه أنه يشتهي أو شك في الاشتهاء م: (لم ينظر) ش: يعني لا يجوز له النظر إليها. م: (وهذا) ش: وفي بعض النسخ: وهذه، أشار به إلى قوله: لم ينظر م: (إشارة إلى التحريم) ش: أي تحريم نظره إليها في هذه الصورة بخلاف المرأة.
م: (ووجه الفرق) ش: أي بين الرجل والمرأة حيث كان النظر إلى الرجل مراما وغض بصرها مستحب هو م: (أن الشهوة عليهن غالبة وهو كالمتحقق اعتبارا) ش: أي الغالب المتحقق من حيث الاعتبار.
م: (فإذا اشتهى الرجل كانت الشهوة موجودة في الجانبين) ش: أي من جانب الرجل وجانب المرأة، أما من جانب الرجل فحقيقة لوجودها، وأما من جانب المرأة فكالمتحقق باعتبار الغلبة فيقتضي ذلك إلى زيادة القبح.
م: (ولا كذلك إذا اشتهت المرأة) ش: يعني ليس الأمر كما ذكر إذا وجدت الشهوة من المرأة حقيقة م: (لأن الشهوة غير موجودة في جانبه حقيقة واعتبارا) ش: أما حقيقة فظاهر وأما اعتبارا فلعدم غلبة الشهوة فيه م: (فكانت) ش: أي الشهوة م: (من جانب واحد) ش: فلا يؤدي إلى زيادة قبح.
م: (والمتحقق من الجانبين في الإفضاء إلى المحرم أقوى من المتحقق من جانب واحد) ش: فكذلك قالوا لها الاستحسان في جانب المرأة وبالحرمة في جانب الرجل.
[نظر المرأة من المرأة]
م: (قال: وتنظر المرأة من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل) ش: أي قال القدوري ﵀: لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالبا، والغالب كالمتحقق في شرح "الكافي "، وكرهه بعض الناس وقال: إنه لا ضرورة إليه.
قلنا: المراد تحتاج إلى دخول الحمام وأن تعمل في نفسها والنساء يدخلن عليها فلو لم يجز ذلك لأدى إلى تضييق الأمر على الناس فقلنا بالجواز كما في نظر الرجل إلى الرجل.
стр. 6090
لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالبا كما في نظر الرجل إلى الرجل، وكذا الضرورة قد تحققت إلى الانكشاف فيما بينهن. وعن أبي حنيفة ﵀: أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى محارمه، بخلاف نظرها إلى الرجل؛ لأن الرجال يحتاجون إلى زيادة الانكشاف للاشتغال بالأعمال، والأول أصح.
قال: وي نظر الرجل من أمته التي تحل له وزوجته إلى فرجها، وهذا إطلاق في النظر إلى سائر بدنها عن شهوة وغير شهوة.
ــ
[البناية]
م: (لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالبا كما في نظر الرجل إلى الرجل، وكذا الضرورة قد تحققت إلى الانكشاف فيما بينهن) ش: قال الكاكي ﵀: أي في الحمام فصار كغسلها بها بعد موتها، وعن بعض الناس يمنعن عن الدخول في الحمام؛ لأنه - « ﷺ نهى النساء عن الدخول في الحمامات بمئزر وغير مئزر» .
قلنا: العرف ظاهر في جميع البلدان بناء الحمامات للنساء، وحاجتهن للدخول فوق حاجة الرجال على الخصوص في أيام البرد، فإن الرجل متمكن من الاغتسال في الحياض والأنهار، والمرأة لا. ولأن المقصود من الدخول تحصل الزينة والمرأة إليها أحوج كذا في " المبسوط ".
م: (وعن أبي حنيفة ﵀: أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى محارمه) ش: يعني لا تنظر المرأة إلى المرأة إلى ظهرها وبطنها أيضا بخلاف نظرها إلى الرجل أي بخلاف نظر المرأة إلى المرأة إلى ظهرها وبطنها أيضا (بخلاف نظرها إلى الرجل) ش: أي بخلاف نظر المرأة إلى الرجل حيث جاز نظرها إلى ظهر الرجل وبطنه م: (لأن الرجال يحتاجون إلى زيادة الانكشاف للاشتغال بالأعمال والأول أصح) ش: وهو جواز نظر المرأة إلى ظهر المرأة وبطنها لئلا يضيق الأمر على الناس.
[نظر الرجل من أمته التي تحل له وزوجته]
م: (قال: وينظر الرجل من أمته التي تحل له وزوجته إلى فرجها) ش: أي قال القدوري م: (وهذا إطلاق في النظر) ش: أي قول القدوري ﵀ إطلاق في نظر الرجل م: (إلى سائر بدنها عن شهوة وغير شهوة) ش: واستدل الأترازي في ذلك بما رواه البخاري في "صحيحه " بإسناده إلى عروة «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق» . والفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا، فلو لم يجز النظر لم يتجردا في مكان واحد.
قلت: لا يتم الاستدلال بهذا؛ لأنه لا يلزم أن يكون اغتسالهما مقابل بجوار أن يكونا
стр. 6091
والأصل فيه قوله ﵊: «غض بصرك إلا عن أمتك وامرأتك» . ولأن ما فوق ذلك من المسيس والغشيان مباح، فالنظر أولى إلا أن الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه؛ لقوله ﵊: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع، ولا يتجردان تجرد العير» .
ــ
[البناية]
متعاقبين ولكن في ساعة واحدة، ولئن سلمنا فلا يدل ذلك على أن كلا منهما كان ينظر إلى فرج الآخر، وكيف وقد روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أنها قالت: قبض رسول الله ﷺ ولم ير مني ولم أر منه» .
وقيد بقوله: من أمته التي تحل له، احترازا عن الأمة المجوسية والأمة التي هي أخته من الرضاعة؛ لأن حكمهما في النظر كأم الغير.
وقال الشافعي ﵀: في وجه ستر العورة حال الخلوة: واجب كمنا يجب على أعين الناس م: (والأصل فيه) ش: أي في جواز نظر الرجل من أمته التي تحل له وزوجته إلى فرجها.
م: (قوله ﵊: «غض بصرك إلا عن أمتك وامرأتك» ش: هذا الحديث أخرجه الأربعة: أبو داود في "الحمام"، والترمذي في "الاستئذان"، والنسائي في "عشرة النساء ":، وابن ماجه في "النكاح"، «عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ومعاوية بن حيدة قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قال: قلت يا رسول الله ﷺ : أرأيت لو كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها" قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "الله أحق أن يستحي من الناس» . قال الترمذي: حديث حسن. ورواه الحاكم في "المستدرك في اللباس" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
م: (ولأن ما فوق ذلك من المسيس والغشيان مباح، فالنظر أولى) ش: هذا دليل معقول، أي ولأن ما فوق النظر من الجماع والغشيان مباح، فالنظر الذي هو أدنى منه أولى أن يكون مباحا.
م: (إلا أن الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه لقوله ﵊: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع ولا يتجردان تجرد العير» ش: هذا الحديث رواه خمسة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
стр. 6092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأول: عتبة بن عبد السلمي ﵁، أخرج حديثه ابن ماجه في "النكاح"، حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي عن الوليد بن قاسم الهمداني، عن الأحوص بن حكيم، عن أبيه وراشد بن سعد وعبد الأعلى بن عدي، عن عتبة بن عبد الله السلمي قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرد تجرد العير» .
رواه الطبراني في "معجمه " حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا بشر بن عمارة، عن الأحوص بن حكيم عن عبد الله بن عامر عن عتبة بن عبد.
الثاني: عبد الله بن سرجس ﵁ أخرج حديثه النسائي في "عشرة النساء"، عن صدقة بن عبد الله السمين عن زهير بن محمد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فليلق على عجزه وعجزها شيئا ولا يتجردان تجرد العيرين» . وقال: حديث منكر، وصدقه ضعيف.
ورواه ابن عدي في "الكامل " عن زهير بن محمد، عن ابن جريج، عن عاصم الأحول به، وأعله عبد الحق في "أحكامه" بصدقة وقال: إنه ليس بالقوي، وأعله ابن القطان بعده بزهير وقال: إنه ضعيف. ورواه الطبراني في "معجمه "، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا محمد بن عباد الهنائي، حدثنا عباد بن كثير عن عاصم الأحول به.
الثالث: عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه ابن أبي شيبة والبزار في "مسنديهما"، وابن عدي والعقيلي في "كتابيهما"، والطبراني في "معجمه " عن مندل بن علي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعا بلفظ النسائي، وقال البزار: لا نعلم رواه عن الأعمش هكذا إلا مندل بن علي فأخطأ فيه، وذكر شريك أنه كان عند الأعمش وعنده عاصم ومندل فحدث به عاصم عن أبي قلابة عن النبي ﷺ مرسلا.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه في النكاح"، حدثنا الثوري عن عاصم به كذلك، وأعله
стр. 6093
ولأن ذلك يورث النسيان لورود
ــ
[البناية]
ابن عدي بمندل، وأسند تضعيفه عن ابن معين والسعدي والنسائي ﵀ وقال ابن أبي حاتم في "علله ": قال: أبو زرعة: أخطأ فيه مندل ونقل العقيلي عن الأعمش أنه كذب فيه مندل بن علي، وقال: أنا أخبرت به عن عاصم عن أبي قلابة، انتهى.
قلت: رواه الطبراني في "معجمه "، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو غسان، حدثنا إسرائيل عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا باللفظ المذكور سواء.
الرابع: أبو هريرة ﵁ أخرج الطبراني في "معجمه الأوسط "، حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن زحر عن ابن المسيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر؛ فإنه إذا لم يستتر استحيت الملائكة فخرجت وبقي الشيطان، فإذا كان بينهما ولد كان للشيطان فيه نصيب» . ورواه البزار في"مسنده "، حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني حدثنا سعيد بن أبي مريم، وقال: إسناده ليس بالقوي ولا نعلمه يروى عن أبي هريرة ﵁ إلا بهذا الإسناد.
الخامس: أبو أمامة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطبراني في "معجمه " حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عفير بن معدان، عن سليم بن عامر عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحد أهله فليستترا ولا يتجردان تجرد العيرين» .
قوله: العير - بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء مهملة -وهو الحمار الوحشي، وخص بذكره؛ لأن في الأهلي نوع ستر من الألعاب والشعر، وقيل: هو الأهلي أيضا، وهذا كما ترى وقع في رواية بعضهم بلفظ الواحد، وفي رواية البعض بلفظ التثنية.
م: (ولأن ذلك يورث النسيان) ش: أي ولأن النظر إلى الفرج يورث النسيان م: (لورود
стр. 6094
الأثر وكان ابن عمر ﵄ يقول: "الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة
ــ
[البناية]
الأثر) ش: وهو ما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه قال: "من أكثر النظر إلى عورته عوقب بالنسيان " هكذا ذكر في كتبنا، ولم أر من ذكره من أرباب النقل. وقد ورد حديثان ضعيفان: بأنه يورث العمى هكذا أخرجه، أحدهم [أخرجه] ابن عدي في " الكامل "، وابن حبان في كتاب " الضعفاء " عن بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جامع أحدكم زوجته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى» وجعلاه من منكرات بقية.
ومن طريق ابن عدي رواه ابن الجوزي في " الموضوعات "، وقال: قال ابن حبان: كان بقية يروي عن كذابين وثقات ويدلس، وكان له أصحاب يسقطون الضعفاء من حديثه ويسوونه فيشبه أن يكون سمع هذا من بعض الضعفاء عن ابن جريج، ثم دلس عنه فالتزق به وهذا موضوع.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث موضوع وبقية كان يدلس.
والحديث الآخر رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " من طريق أبي الفتح الأزدي: ثنا زكريا بن يحيى المقدسي، حدثنا إبراهيم بن محمد الفريابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن القشيري، عن جعفر بن كدام، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جامع أحدكم فلا ينظر إلى الفرج فإنه يورث العمى، ولا يكثر الكلام فإنه يورث الخرس» . ثم قال: قال الأزدي: إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ساقط.
م: (وكان ابن عمر ﵄ يقول: "الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة ") ش: هذا لم يثبت عن ابن عمر أصلا لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف.
وعن أبي يوسف ﵀: سألت أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه ليتحرك عليهما فما ترى بذلك بأسا. قال: "إني لأرجو أن يعظم الأجر". كذا في " الذخيرة " وفي جميع التفاريق. قال أبو بكر الرازي: لا بأس بوطء المنكوحة بمعاينة الأمة دون العكس، ولا بأس بالوطء ومعه قوم نيام إذا ظن أنهم لا يعلمون. وفي " القيمة ": كره محمد
стр. 6095
قال: وي نظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها وفخذها، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، والمراد والله أعلم مواضع الزينة
ــ
[البناية]
الجمع بين المرأتين والأمتين في فراش واحد ويطأ إحداهما بمرأى الأخرى. وقال أبو يوسف: لا بأس به.
[نظر الرجل من ذوات محارمه]
م: (قال: وينظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين) ش: أي قال القدوري ﵀: وقال الكرخي في "مختصره ": قال محمد بن الحسن: لا بأس بأن ينظر الرجل من أمه وأخته البالغة ومن كل ذات رحم محرم منه، ومن كل محرم من رضاع أو نكاح أو وطء، وكذلك ما حرم بوطء ابنه وأبيه أو نكاح ابنه وإن لم يكن بينهما رحم إلى شعرها، وإلى صدرها، وإلى ثديها، وعضدها، وساقها، وقدمها.
ولا ينبغي أن ينظر إلى بطنها، ولا إلى ظهرها، ولا إلى ما بين سرتها حتى يجاوز الركبة، وإن كان ينظر إلى شيء من ذلك بشهوة فليس له أن ينظر إلى ذلك، وكذلك إن كان أكبر رأيه أنه إن نظر اشتهى. فينبغي له أن يغض بصره، وإن أمن على نفسه فلا بأس.
ولا بأس أن يسافر بها ويكون محرما لها، أو تسافر معه لا محرم غيره، فإن خاف على نفسه لا يسافر معها ولا يخلو بها، ولا ينبغي لها إن خافت ذلك منه أن تخلو معه في بيت، ولا تسافر معه فإذا أمنا ذلك، أو كان غلبة أكبر رأيهما فلا بأس بالخلوة معها والسفر بها. وكل شيء من هذا الذي وصفت لك مما لا بأس بالنظر إليه من أمته أو من ذات محرم، فلا بأس من مسه منها، ولا بأس أن يمس شعر رأسها ويقبله ويدهنه، ويمس ساقها ورجلها، أو يغمز ذلك منها، ويمس صدرها وثديها وعضدها ووجهها وذراعها وكفها.
ويكره أن يمس ما كرهنا النظر إليه إذا كان مجردا وإن كانت غير مجردة واحتاج إلى حملها والنزول بها، فلا بأس أن يحملها وينزلها، ويأخذ بطنها وظهرها، وإن كان يخاف أن يشتهي أن يمس شيئا من ذلك أو كان غلبة أكبر رأيه يتحسب ذلك ويجهده، انتهى.
م: (ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها وفخذها) ش: وكذا لا يجوز مسها. وقال الشافعي ﵀ في "القديم" يجوز مسها. وبقولنا قال القاضي حسين من أصحابه حيث قال: ولا يجوز أن يمس ذات الرحم وإن لم يكن عورة في حقه.
م: (والأصل فيه) ش: أي في جواز ما جاز وعدم جواز ما لم يجز. م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية والمراد والله أعلم مواضع الزينة) ش: ذكر الحال وأراد المحل مبالغة في النهي عن الإبداء؛ لأن الإبداء كان منفصلا إذا كان منهيا عنه فإبداء المتصل أولى م:
следующие страницы →