Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
والأصل فيه قوله ﵊: «غض بصرك إلا عن أمتك وامرأتك» . ولأن ما فوق ذلك من المسيس والغشيان مباح، فالنظر أولى إلا أن الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه؛ لقوله ﵊: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع، ولا يتجردان تجرد العير» .
ــ
[البناية]
متعاقبين ولكن في ساعة واحدة، ولئن سلمنا فلا يدل ذلك على أن كلا منهما كان ينظر إلى فرج الآخر، وكيف وقد روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أنها قالت: قبض رسول الله ﷺ ولم ير مني ولم أر منه» .
وقيد بقوله: من أمته التي تحل له، احترازا عن الأمة المجوسية والأمة التي هي أخته من الرضاعة؛ لأن حكمهما في النظر كأم الغير.
وقال الشافعي ﵀: في وجه ستر العورة حال الخلوة: واجب كمنا يجب على أعين الناس م: (والأصل فيه) ش: أي في جواز نظر الرجل من أمته التي تحل له وزوجته إلى فرجها.
م: (قوله ﵊: «غض بصرك إلا عن أمتك وامرأتك» ش: هذا الحديث أخرجه الأربعة: أبو داود في "الحمام"، والترمذي في "الاستئذان"، والنسائي في "عشرة النساء ":، وابن ماجه في "النكاح"، «عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ومعاوية بن حيدة قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قال: قلت يا رسول الله ﷺ : أرأيت لو كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها" قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "الله أحق أن يستحي من الناس» . قال الترمذي: حديث حسن. ورواه الحاكم في "المستدرك في اللباس" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
م: (ولأن ما فوق ذلك من المسيس والغشيان مباح، فالنظر أولى) ش: هذا دليل معقول، أي ولأن ما فوق النظر من الجماع والغشيان مباح، فالنظر الذي هو أدنى منه أولى أن يكون مباحا.
م: (إلا أن الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه لقوله ﵊: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع ولا يتجردان تجرد العير» ش: هذا الحديث رواه خمسة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
стр. 6092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأول: عتبة بن عبد السلمي ﵁، أخرج حديثه ابن ماجه في "النكاح"، حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي عن الوليد بن قاسم الهمداني، عن الأحوص بن حكيم، عن أبيه وراشد بن سعد وعبد الأعلى بن عدي، عن عتبة بن عبد الله السلمي قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرد تجرد العير» .
رواه الطبراني في "معجمه " حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا بشر بن عمارة، عن الأحوص بن حكيم عن عبد الله بن عامر عن عتبة بن عبد.
الثاني: عبد الله بن سرجس ﵁ أخرج حديثه النسائي في "عشرة النساء"، عن صدقة بن عبد الله السمين عن زهير بن محمد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فليلق على عجزه وعجزها شيئا ولا يتجردان تجرد العيرين» . وقال: حديث منكر، وصدقه ضعيف.
ورواه ابن عدي في "الكامل " عن زهير بن محمد، عن ابن جريج، عن عاصم الأحول به، وأعله عبد الحق في "أحكامه" بصدقة وقال: إنه ليس بالقوي، وأعله ابن القطان بعده بزهير وقال: إنه ضعيف. ورواه الطبراني في "معجمه "، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا محمد بن عباد الهنائي، حدثنا عباد بن كثير عن عاصم الأحول به.
الثالث: عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه ابن أبي شيبة والبزار في "مسنديهما"، وابن عدي والعقيلي في "كتابيهما"، والطبراني في "معجمه " عن مندل بن علي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعا بلفظ النسائي، وقال البزار: لا نعلم رواه عن الأعمش هكذا إلا مندل بن علي فأخطأ فيه، وذكر شريك أنه كان عند الأعمش وعنده عاصم ومندل فحدث به عاصم عن أبي قلابة عن النبي ﷺ مرسلا.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه في النكاح"، حدثنا الثوري عن عاصم به كذلك، وأعله
стр. 6093
ولأن ذلك يورث النسيان لورود
ــ
[البناية]
ابن عدي بمندل، وأسند تضعيفه عن ابن معين والسعدي والنسائي ﵀ وقال ابن أبي حاتم في "علله ": قال: أبو زرعة: أخطأ فيه مندل ونقل العقيلي عن الأعمش أنه كذب فيه مندل بن علي، وقال: أنا أخبرت به عن عاصم عن أبي قلابة، انتهى.
قلت: رواه الطبراني في "معجمه "، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو غسان، حدثنا إسرائيل عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا باللفظ المذكور سواء.
الرابع: أبو هريرة ﵁ أخرج الطبراني في "معجمه الأوسط "، حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن زحر عن ابن المسيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر؛ فإنه إذا لم يستتر استحيت الملائكة فخرجت وبقي الشيطان، فإذا كان بينهما ولد كان للشيطان فيه نصيب» . ورواه البزار في"مسنده "، حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني حدثنا سعيد بن أبي مريم، وقال: إسناده ليس بالقوي ولا نعلمه يروى عن أبي هريرة ﵁ إلا بهذا الإسناد.
الخامس: أبو أمامة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أخرج حديثه الطبراني في "معجمه " حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عفير بن معدان، عن سليم بن عامر عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحد أهله فليستترا ولا يتجردان تجرد العيرين» .
قوله: العير - بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء مهملة -وهو الحمار الوحشي، وخص بذكره؛ لأن في الأهلي نوع ستر من الألعاب والشعر، وقيل: هو الأهلي أيضا، وهذا كما ترى وقع في رواية بعضهم بلفظ الواحد، وفي رواية البعض بلفظ التثنية.
م: (ولأن ذلك يورث النسيان) ش: أي ولأن النظر إلى الفرج يورث النسيان م: (لورود
стр. 6094
الأثر وكان ابن عمر ﵄ يقول: "الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة
ــ
[البناية]
الأثر) ش: وهو ما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه قال: "من أكثر النظر إلى عورته عوقب بالنسيان " هكذا ذكر في كتبنا، ولم أر من ذكره من أرباب النقل. وقد ورد حديثان ضعيفان: بأنه يورث العمى هكذا أخرجه، أحدهم [أخرجه] ابن عدي في " الكامل "، وابن حبان في كتاب " الضعفاء " عن بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جامع أحدكم زوجته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى» وجعلاه من منكرات بقية.
ومن طريق ابن عدي رواه ابن الجوزي في " الموضوعات "، وقال: قال ابن حبان: كان بقية يروي عن كذابين وثقات ويدلس، وكان له أصحاب يسقطون الضعفاء من حديثه ويسوونه فيشبه أن يكون سمع هذا من بعض الضعفاء عن ابن جريج، ثم دلس عنه فالتزق به وهذا موضوع.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل ": سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث موضوع وبقية كان يدلس.
والحديث الآخر رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " من طريق أبي الفتح الأزدي: ثنا زكريا بن يحيى المقدسي، حدثنا إبراهيم بن محمد الفريابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن القشيري، عن جعفر بن كدام، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جامع أحدكم فلا ينظر إلى الفرج فإنه يورث العمى، ولا يكثر الكلام فإنه يورث الخرس» . ثم قال: قال الأزدي: إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ساقط.
م: (وكان ابن عمر ﵄ يقول: "الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة ") ش: هذا لم يثبت عن ابن عمر أصلا لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف.
وعن أبي يوسف ﵀: سألت أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه ليتحرك عليهما فما ترى بذلك بأسا. قال: "إني لأرجو أن يعظم الأجر". كذا في " الذخيرة " وفي جميع التفاريق. قال أبو بكر الرازي: لا بأس بوطء المنكوحة بمعاينة الأمة دون العكس، ولا بأس بالوطء ومعه قوم نيام إذا ظن أنهم لا يعلمون. وفي " القيمة ": كره محمد
стр. 6095
قال: وي نظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها وفخذها، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، والمراد والله أعلم مواضع الزينة
ــ
[البناية]
الجمع بين المرأتين والأمتين في فراش واحد ويطأ إحداهما بمرأى الأخرى. وقال أبو يوسف: لا بأس به.
[نظر الرجل من ذوات محارمه]
م: (قال: وينظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين) ش: أي قال القدوري ﵀: وقال الكرخي في "مختصره ": قال محمد بن الحسن: لا بأس بأن ينظر الرجل من أمه وأخته البالغة ومن كل ذات رحم محرم منه، ومن كل محرم من رضاع أو نكاح أو وطء، وكذلك ما حرم بوطء ابنه وأبيه أو نكاح ابنه وإن لم يكن بينهما رحم إلى شعرها، وإلى صدرها، وإلى ثديها، وعضدها، وساقها، وقدمها.
ولا ينبغي أن ينظر إلى بطنها، ولا إلى ظهرها، ولا إلى ما بين سرتها حتى يجاوز الركبة، وإن كان ينظر إلى شيء من ذلك بشهوة فليس له أن ينظر إلى ذلك، وكذلك إن كان أكبر رأيه أنه إن نظر اشتهى. فينبغي له أن يغض بصره، وإن أمن على نفسه فلا بأس.
ولا بأس أن يسافر بها ويكون محرما لها، أو تسافر معه لا محرم غيره، فإن خاف على نفسه لا يسافر معها ولا يخلو بها، ولا ينبغي لها إن خافت ذلك منه أن تخلو معه في بيت، ولا تسافر معه فإذا أمنا ذلك، أو كان غلبة أكبر رأيهما فلا بأس بالخلوة معها والسفر بها. وكل شيء من هذا الذي وصفت لك مما لا بأس بالنظر إليه من أمته أو من ذات محرم، فلا بأس من مسه منها، ولا بأس أن يمس شعر رأسها ويقبله ويدهنه، ويمس ساقها ورجلها، أو يغمز ذلك منها، ويمس صدرها وثديها وعضدها ووجهها وذراعها وكفها.
ويكره أن يمس ما كرهنا النظر إليه إذا كان مجردا وإن كانت غير مجردة واحتاج إلى حملها والنزول بها، فلا بأس أن يحملها وينزلها، ويأخذ بطنها وظهرها، وإن كان يخاف أن يشتهي أن يمس شيئا من ذلك أو كان غلبة أكبر رأيه يتحسب ذلك ويجهده، انتهى.
م: (ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها وفخذها) ش: وكذا لا يجوز مسها. وقال الشافعي ﵀ في "القديم" يجوز مسها. وبقولنا قال القاضي حسين من أصحابه حيث قال: ولا يجوز أن يمس ذات الرحم وإن لم يكن عورة في حقه.
م: (والأصل فيه) ش: أي في جواز ما جاز وعدم جواز ما لم يجز. م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية والمراد والله أعلم مواضع الزينة) ش: ذكر الحال وأراد المحل مبالغة في النهي عن الإبداء؛ لأن الإبداء كان منفصلا إذا كان منهيا عنه فإبداء المتصل أولى م:
стр. 6096
وهي ما ذكرنا في الكتاب،
ويدخل في ذلك الساعد والأذن والعنق والقدم؛ لأن كل ذلك مواضع الزينة، بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست مواضع الزينة ولأن البعض يدخل على البعض من غير استئذان، واحتشام، والمرأة في بيتها في ثياب مهنتها عادة، فلو حرم النظر إلى هذه المواضع أدى إلى الحرج،
ــ
[البناية]
(وهي ما ذكرنا في الكتاب) ش: أي مواضع الزينة هي التي ذكره القدوري من الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين.
م: (ويدخل في ذلك) ش: أي في مواضع الزينة م: (الساعد والأذن والعنق والقدم؛ لأن كل ذلك مواضع الزينة) ش: أما الرأس فلأنه موضع التاج والإكليل، والشعر موضع العقاص، والعنق موضع القلادة، والصدر كذلك، والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم والخضاب، والساق موضع الخلخال، والقدم موضع الخضاب.
فإن قلت: ينبغي أن ينظر إلى ظهرها؛ لأنه موضع القراميل، كما في هذه المواضع.
قلت: القراميل فوق اللباس عادة، ولا يجوز النظر إلى ثوبها الواقع على بطنها وظهرها للأجنبي فضلا عن المحارم م: (بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست مواضع الزينة) ش: الظاهرة ولا الباطنة، ولأنه لا ضرورة في النظر إلى ذلك.
ثم اعلم أن معنى قوله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أي لا يظهر مواضع زينتهن الظاهرة والباطنة إلا لأزواجهن. والبعولة جمع بعل وهو الزوج أو آباؤهن ويدخل في الأجداد وآباء بعولتهن وقد صاروا محارم، أو أبنائهن، ويدخل فيهم النوازل أو أبناء بعولتهن فقد صاروا محارم أيضا، أو إخوانهن، أو بني أخواتهن، ويدخل فيهن نوازل الإخوة والأخوات أيضا، وإذا ثبت في هؤلاء المحارم ثبت في سائر المحارم من الأعمام والإخوان، وفي المحارم بالرضاع؛ لأن ذكر بعضهم تنبيه على سائرهم كذا في " التيسير ".
م: (ولأن البعض يدخل على البعض) ش: أي ولأن بعض المحارم يدخل بعضهم على بعض م: (من غير استئذان واحتشام، والمرأة في بيتها) ش: أي والحال أن المرأة قاعدة في بيتها م: (في ثياب مهنتها عادة) ش: أي في ثياب خدمتها وخلقانها، والمهنة بكسر الميم وفتحها، وعن الأصمعي: لا يجوز إلا الفتح.
م: (فلو حرم النظر إلى هذه المواضع أدى إلى الحرج) ش: لأن ثياب المهنة لا تستر لجميع بدنها لأنها في أعمال بيتها فيها، ففي تحريم النظر إليها حرج ومشقة عظيمة.
стр. 6097
وكذا الرغبة تقل للحرمة المؤبدة، فقلما تشتهى بخلاف ما وراءها؛ لأنها لا تنكشف عادة، والمحرم من لا تجوز المناكحة بينه وبينها على التأبيد بنسب كان أو بسبب كالرضاع والمصاهرة لوجود المعنيين فيه. وسواء كانت المصاهرة بنكاح أو سفاح في الأصح لما بينا.
قال: ولا بأس بأن يمس ما جاز أن ينظر إليه منها
ــ
[البناية]
م: (وكذا الرغبة تقل) ش: ما تشتهى بل ينعدم أصلا بالكلية عند أرباب الدين والطبع السليم م: (للحرمة المؤبدة، فقلما تشتهى) ش: فلا يحرم م: (بخلاف ما وراءها) ش: أي ما وراء المواضع المذكورة م: (لأنها لا تنكشف عادة) ش: فلا يكون في منع النظر إليها حرجا م: (والمحرم من لا تجوز المناكحة بينه وبينها) ش: أي بين الرجل والمرأة م: (على التأبيد بنسب كان أو بسبب كالرضاع والمصاهرة لوجود المعنيين فيه) ش: أي في المحرم، وأراد بالمعنيين الحرج، وقلة الرغبة.
فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن لا يقطع من إذا سرق من بيت أمه من الرضاع بجواز الدخول من غير احتشام واستئذان فوقع نقصان في الحرز.
قلت: لا يقطع عند البعض، وأما جواز الدخول من غير احتشام واستئذان فممنوع، ذكر خواهر زاده أن المحارم من جهة الرضاع لا يكون لهم الدخول من غير استئذان ولهذا يقطعون بسرقة بعضهم من بعض.
م: (وسواء كانت المصاهرة بنكاح أو سفاح) ش: أي زنا م: (في الأصح) ش: احترز به عن قول بعض المشائخ فإنهم قالوا: إذا كانت حرمة المصاهرة بالزنا لا يحل النظر والمس؛ لأن ثبوت الحرمة بطريق العقوبة على الزاني لا بطريق النعمة.
والأصح: أنه لا بأس بذلك لأنه حرمة على التأبيد م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله لوجود المعنيين؛ لأن بالمصاهرة ثبت المحرمية كيف ما كانت وبالمحرمية تعلل الرغبة، فلو حرم النظر لأدى إلى الحرج.
[يمس الموضع الذي يجوز له النظر إلى ذلك الموضع من ذوات المحارم]
م: (قال: ولا بأس بأن يمس ما جاز له أن ينظر إليه منها) ش: أي قال القدوري، أي لا بأس للرجل أن يمس الموضع الذي يجوز له النظر إلى ذلك الموضع من ذوات المحارم. وبه قالت الثلاثة. وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي: لا يجوز مسها، وإن لم تكن عورة في حقه لما فيه من خوف الفتنة.
ولنا ما روي «أنه ﷺ كان يقبل رأس فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - ويقول: "أجد منها ريح الجنة"، وكان إذا قدم من سفر بدأ بها فعانقها، وقبل رأسها» . وعن الحسن بن علي -
стр. 6098
لتحقق الحاجة إلى ذلك في المسافرة وقلة الشهوة للمحرمية، بخلاف وجه الأجنبية وكفيها حيث لا يباح المس، وإن أبيح النظر؛ لأن الشهوة متكاملة إلا إذا كان يخاف عليها أو على نفسه الشهوة فحينئذ لا ينظر ولا يمس، لقوله ﵊: «العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش» .
ــ
[البناية]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أنه كان يقبل رأس أمه.
وعن محمد ابن الحنيفة: أنه كان يمشط شعر أمه. وفي " شرح الكافي ": وعن محمد بن المنكدر أنه قال: بت أغمز رجل أمي، وبات أخي يصلي، وما أحب أن تكون ليلتي بليلته.
م: (لتحقق الحاجة إلى ذلك في المسافرة) ش: أي المس في المسافرة؛ لأنه يحتاج إلى إركابها وإنزالها وخدمتها. وتخصيص المسافرة باعتبار الغلبة، وإلا في الحضر أيضا، وربما تتحقق الحاجة.
م: (وقلة الشهوة للمحرمية) ش: أي ولتحقق قلة الشهوة لأجل تحقق المحرمية م: (بخلاف وجه الأجنبية وكفيها حيث لا يباح المس، وإن أبيح النظر؛ لأن الشهوة متكاملة) ش: فلو جوز المس أدى إلى الفساد م: (إلا إذا كان يخاف عليها أو على نفسه الشهوة فحينئذ لا ينظر ولا يمس) ش: هذا استثنى من قوله: وينظر الرجل من ذوات محارمه. إلخ.
وقال صاحب " العناية ": هذا استثناء من قوله: ولا بأس وفيه نظر؛ لأنه إذا كان استثناء من هذا يلزم أن لا يجوز المس عند الخوف، ولكن يجوز النظر، وليس كذلك، بل عند الخوف لا يجوز كلاهما، كما صرح المصنف بقوله: فحينئذ لا ينظر ولا يمس إذا كان الاستثناء على ما ذكرنا، يجوز نظر الرجل من ذوات محارمه إلى كذا، وكذا إلا إذا خاف لا ينظر، فإذا انتفى النظر عند الخوف فالمس بطريق الأولى، وذلك حذرا عن الوقوع في الفساد.
م: (لقوله ﵊: «العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم في "كتاب القدر" عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واللسان يزني وزناه الكلام، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يهوى ويتمنى،
стр. 6099
وحرمة الزنا بذوات المحارم أغلظ فيجتنب، ولا بأس بالخلوة والمسافرة بهن لقوله ﵊: «لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم منها» .
ــ
[البناية]
ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» .
وأخرج البخاري، ومسلم فيه، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم: مما قال أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .
[الزنا بذوات المحارم]
م: (وحرمة الزنا بذوات المحارم أغلظ فيجتنب) ش: أي النظر والمس عند الخوف لأنه ربما يوقعه في الزنا، والزنا بالمحرم أغلظ من الزنا بالأجنبية.
م: (ولا بأس بالخلوة والمسافر بهن) ش: أي بذوات محارمه م: (لقوله ﵊: «لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم منها» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن قزعة عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها» وفي لفظ له: ثلاثا.
ورواه البخاري بلفظ: يومين، وأخرجا عن نافع عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: «لا تسافر المرأة فوق ثلاث» . وفي لفظ للبخاري: «ثلاثة أيام» وأخرجا عن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها» . وفي لفظ لمسلم: «مسيرة ليلة» وفي لفظ: " يوم"، وفي لفظ لأبي داود ﵀: «بريدا» وهي عند ابن حبان في "صحيحه "، والحاكم في " المستدرك "، وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال المنذري في " مختصر السنن ": في هذه الروايات تباين.
وقد أخرج الطحاوي هذه الروايات كلها في " شرح معاني الآثار " ثم قال: وفي توقيت رسول الله ﷺ بالثلاث دليل على ما حل دون الثلاث بخلافها، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
وقد اتفقت الآثار على مسافرتها بلا محرم مسيرة مدة ثلاثة أيام ولياليها. واختلفت فيما دونها، والأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه. انتهى.
قلت: أشار بذلك إلى اختلاف العلماء في هذا الباب حيث قال بعضهم: لا يجوز لها السفر قريبا، أو بعيدا إلا بذي رحم، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي ﵀ بإسناده إلى أبي سعيد مولى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يقول: قال ابن عباس -
стр. 6100
وقوله ﵊: «ألا لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل، فإن ثالثهما الشيطان» .
ــ
[البناية]
﵄: خطب رسول الله ﷺ في الناس فقال: «لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو رحم، ولا يدخل عليها إلا ومعها ذو رحم محرم» .
وقال بعضهم: كل سفر دون البريد، واحتجوا بلفظ أبي داود الذي ذكرناه. وقال بعضهم: كل سفر دون اليوم فلها أن تسافر بلا محرم، وكل سفر يوما فصاعدا ليس لها أن تسافر إلا بمحرم، واحتجوا بلفظ لمسلم مسيرة يوم كما ذكرناه.
وقال بعضهم: كل سفر يكون دون ليلتين فلها أن تسافر بغير محرم. واحتجوا بلفظ البخاري ﵀: "يومين" الذي ذكرناه، واحتج أصحابنا بلفظ "الثلاث" كما ذكرناه.
وكلمة: "فوق" في قوله: "فوق ثلاث" صلة، إذ حرمة المسافرة ثابتة في الثلاث أيضا فصار كقوله : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] . م: (وقوله ﵊: «ألا لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل، فإن ثالثهما الشيطان» ش: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة ﵃، وليس في حديث واحد منهم: "ليس منها بسبيل": منهم عمر بن الخطاب ﵁، أخرج حديثه الترمذي في "أوائل الفتن"، والنسائي في "عشرة النساء"، عن عبد الله بن عمر: «أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خطب بالجابية، وقال: "يا أيها الناس قمت فيكم، كما قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل، ولا يستحلف، يستشهد الشاهد ولا يشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» وقال: حديث حسن صحيح غريب.
وأخرج ابن حبان في "صحيحه "، والحاكم في "مستدركه في كتاب العلم"، وسكت عنه. وأعاده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن عمر ﵁ فذكره، وقال: صحيح الإسناد.
ومنهم جابر بن سمرة ﵁ أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه " عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عن النبي ﷺ : «ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما» مختصر.
стр. 6101
والمراد إذ لم يكن محرما، فإن احتاجت إلى الإركاب والإنزال، فلا بأس بأن يمسها من وراء ثيابها، ويأخذ ظهرها وبطنها، دون ما تحتهما إذا أمنا الشهوة، فإن خافها على نفسه أو عليها تيقنا أو ظنا أو شكا
ــ
[البناية]
ومنهم عامر بن ربيعة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه أحمد ﵀ في "مسنده " عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه مرفوعا نحوه.
ومنهم عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أخرج حديثه الطبراني في "معجمه الأوسط "، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعا بنحوه. وقال: تفرد به حجاج بن محمد.
ومنهم جابر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه مسلم، وهو معنى حديث الكتاب، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحها أو ذا محرم» .
م: (والمراد إذا لم يكن محرما) ش: أي المراد من قوله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة» إذا لم يكن الرجل محرما.
م: (فإن احتاجت إلى الإركاب والإنزال فلا بأس أن يمسها من وراء ثيابها) ش: أي فإن احتاجت المرأة في السفر إلى من يركبها على الدابة وينزلها عنها فلا بأس لمحرمها بأن يمس من خارج ثوبها.
م: (ويأخذ ظهرها وبطنها دون ما تحتهما) ش: إلى الركبة حيث لا يجوز مسه فوق الثياب؛ لأن الإباحة للضرورة، وهي ترتفع بمس الظهر والبطن لأن ما تحت السرة عورة في حق جميع الناس، بخلاف الظهر والبطن فإنهما ليسا بعورة في حق النساء، والضرورة ترتفع بالأدنى، فلا يثبت الإباحة في الإعلاء الحرمتين، كذا في " الذخيرة ".
وقيد بقوله: م: (إذا أمنا الشهوة) ش: لأنها إذا لم يأمنا لا يأخذ ظهرها وبطنها م: (فإن خافها على نفسه أو عليها) ش: أي فإن خاف المحرم الشهوة على نفسه، أو على نفس المرأة م: (تيقنا أو ظنا أو شكا) ش: أي من حيث اليقين، أو من حيث الظن، أو من حيث الشك، وأشار بهذا إلى أن الكل سواء عند الخوف، واليقين هو الأمر الجازم، والظن الطرف الراجح، والشك هو استواء الطرفين، والطرف المرجوح هو الوهم.
стр. 6102
فليتجنب ذلك بجهده. ثم إن أمكنها الركوب بنفسها يمتنع عن ذلك أصلا، وإن لم يمكنها يتكلف بالثياب كيلا تصيبه حرارة عضوها. وإن لم يجد الثياب يدفع الشهوة عن قلبه بقدر الإمكان.
قال: وي نظر الرجل من مملوكة غيره إلى ما يجوز له أن ينظر إليه من ذوات محارمه؛ لأنها تخرج لحوائج مولاها وتخدم أضيافه، وهي في ثياب مهنتها فصار حالها خارج البيت في حق الأجانب كحال المرأة داخلة في حق محارم الأقارب. وكان عمر ﵁ إذا رأى جارية متقنعة علاها بالدرة، وقال: ألق عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر.
ــ
[البناية]
م: (فليتجنب ذلك بجهده) ش: أي فحينئذ فليمتنع من المس بقدر جهده وطاقته تحرزا عن الوقوع في الفتنة.
م: (ثم إن أمكنها الركوب بنفسها يمتنع عن ذلك أصلا) ش: أي إن أمكن المرأة الركوب على الدابة بنفسها يمنع الرجل المحرم عن مسها بالكلية.
م: (وإن لم يمكنها بالثياب كيلا تصيبه حرارة عضوها) ش: أي إن لم يكن في مقدور المرأة الركوب بنفسها، يتكلف المحرم في مسها بالثياب حتى لا يصيبه شيء من حرارة جسمها م: (وإن لم يجد الثياب يدفع الشهوة عن قلبه بقدر الإمكان) ش: أي وإن لم يجد المحرم الثياب ليمتنع بها وصول شيء من حرارة عضوها، يركبها ويتدبر أمرها، ولكن بدفع الشهوة عن قلبه مهما أمكن للضرورة.
[نظر الرجل من مملوكة غيره]
م: (قال: وينظر الرجل من مملوكة غيره إلى ما يجوز له أن ينظر إليه من ذوات محارمه) ش: أي قال القدوري ﵀ في "مختصره ": وما يجوز أن ينظر منه إلى محارمه وهو الوجه، والرأس، والصدر، والساقان، والعضدان كما مر.
م: (لأنها تخرج لحوائج مولاها وتخدم أضيافه، وهي في ثياب مهنتها) ش: أي خدمتها، وهي الثياب الخلقة التي تلبس لأجل الخدمة. م: (فصار حالها خارج البيت في حق الأجانب كحال المرأة داخله) ش: أي فصار حال الأمة خارج البيت في حق الأجانب كحال المرأة الحرة داخل البيت م: (في حق محارم الأقارب) ش: حيث يجوز للمحارم والأقارب أن ينظروا إلى المواضع المذكورة من المرأة.
م: (وكان عمر ﵁ إذا رأى جارية متقنعة علاها بالدرة، وقال: ألق عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر) ش: وروى أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ بمعناه: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -رأى جارية مكمكمة، فسأل عنها، فقالوا: أمة آل فلان، فضربها بالدرة، وقال: يا لكع، أتتشبهين بالحرائر.
стр. 6103
ولا يحل النظر إلى بطنها وظهرها خلافا لما يقوله محمد بن مقاتل ﵀: إنه يباح إلا ما دون السرة إلى الركبة؛ لأنه لا ضرورة كما في المحارم،
ــ
[البناية]
وأخرج البيهقي عن نافع: أن صفية بنت أبي عبيد حدثته قالت: خرجت امرأة مختمرة متجلببة، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: من هذه المرأة؟ فقيل: جارية لفلان، لرجل من بيته، فأرسل إلى حفصة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، فقال لها: ما حملك على أن تخمري هذه الأمة، وتجلببيها، حتى هممت أن أقع بها، لا أحسبها إلا من المحصنات؟ لا تشبهوا الإماء بالمحصنات.
وقال الذهبي في "مختصره ": سنده قوي.
قوله: متقنعة: أي متلففة في مقنعة.
قوله: علاها بالدرة: أي ضرب على رأسها بالدرة. والخمار: بكسر الخاء المعجمة: ما تخمر به المرأة رأسها أي تعصبها، قوله: يا دفار بفتح الدال المهملة، يعني: يا منبتة من الدفر وهو النتن، وهو على وزن فعال مبني على الكسر.
قوله: مختمرة: أي لابسة الخمار. متجلببة: أي لابسة الجلباب.
قوله: مكمكمة: أي متقنعة متلففة في ثيابها لا يبدو منها شيء، وذلك من شأن الحرائر. قوله: لكنا، بمعنى لكاع بمعنى تسمية.
وقال أبو عبيد ﵀: وفي هذا الحديث من الفقه: أنه رأى أن تخرج الأمة بلا قناع، فإذا برزت الناس كذلك فينبغي أن تكون في الصلاة بلا قناع. ولهذا قال إبراهيم ﵀ في صلاة الأمة: تصلي كما تخرج إلى الأسواق، ويدل عليه أيضا ما روي أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مر بجارية تباع فضرب في صدرها ذراعها، وقال: اشتروا.
وكذا في المس ضرورة؛ لأن في أمة امرأة الرجل يحتاج إلى أن تخدم زوج مولاتها وتغمز رجله، وكذا أمة الابن يحتاج إلى أن تخدم المولى فمست الضرورة إلا الإباحة.
[النظر إلى ظهر الأمة الأجنبية]
م: (ولا يحل النظر إلى بطنها وظهرها) ش: أي إلى ظهر الأمة الأجنبية وبطنها م: (خلافا لما يقوله محمد بن مقاتل ﵀: أنه يباح إلا ما دون السرة إلى الركبة) ش: أراد أن حكمها في النظر كحكم الرجل عند محمد بن مقاتل الرازي ﵀.
وبه قال الشافعي في ظاهر مذهبه، لما روينا عن ابن عباس ﵄، أنه قال في حديث طويل: ومن أراد أن يشتري جارية فلينظر إليها إلا موضع الإزار، ولتعامل أهل الحرمين. ولنا ما ذكره بقوله: م: (لأنه لا ضرورة كما في المحارم) ش: أي لا ضرورة في النظر
стр. 6104
بل أولى لقلة الشهوة فيهن وكذلك في الإماء ولفظة المملوكة تنتظم المدبرة والمكاتبة وأم الولد لتحقق الحاجة، والمستسعاة كالمكاتبة عند أبي حنيفة ﵀ على ما عرف. وأما الخلوة بها والمسافر معها، فقد قيل: يباح كما في المحارم، وقد قيل: لا يباح لعدم الضرورة. وفي الإركاب والإنزال اعتبر محمد ﵀ في الأصل الضرورة فيهن، وفي ذوات المحارم مجرد الحاجة.
قال: ولا بأس بأن يمس ذلك إذا أراد الشراء وإن خاف أن يشتهي كذا ذكره في " المختصر ".
ــ
[البناية]
إلى الظهر، والبطن من الأمة كما لا ضرورة في المحارم م: (بل أولى) ش: أي في الأمة م: (لقلة الشهوة فيهن، وكذلك في الإماء) ش: أي لقلة الشهوة في المحارم، وكمال الشهوة في الإماء.
م: (ولفظة المملوكة) ش: أي في عبارة القدوري ﵀ بقوله: وينظر الرجل من مملوكة غيره م: (تنتظم المدبرة والمكاتبة وأم الولد لتحقق الحاجة) ش: فيهن كما في القنة. ولا خلاف لأحد في المدبرة. وعن ابن سيرين ﵀: أن أم الولد مثل الحرة حتى تصل منفعة. وبه قال مالك ﵀ ويحكى عن أحمد مثله.
م: (والمستسعاة كالمكاتبة عند أبي حنيفة ﵀) ش: لأن عنده الإعتاق يتحرى وعندهما حرة وعليها دين، وبه قال الشافعي ﵀ م: (على ما عرف) ش: في كتاب الإعتاق.
م: (وأما الخلوة بها) ش: أي بأمة الغير م: (والمسافرة معها فقد قيل: يباح كما في المحارم) ش: أي كما يباح في المحارم ولكن إذا أمن عليه وعليها م: (وقد قيل: لا يباح لعدم الضرورة) ش: أي للأجنبي في السفر معها م: (وفي الإركاب والإنزال اعتبر محمد ﵀ في الأصل الضرورة فيهن) ش: يعني إذا لم تقدر الأمة الأجنبية على الركوب إلا بمشقة وضرر يلحقها فحينئذ يركبا الأجنبي وينزل بها، وهو معنى قوله: اعتبر محمد ﵀ في الأصل أي في " المبسوط ": الضرورة فيهن أي في الإماء.
قال الكاكي ﵀: أراد الضرورة التي لا مدفع بها.
م: (وفي ذوات المحارم مجرد الحاجة) ش: أي اعتبر محمد في ذوات المحارم مجرد الحاجة يعني بمجرد حاجتها إلى الركوب والنزول سواء كان في ركوب نفسها ونزولها ضرورة أو لا.
[مس الأمة إذا أراد شراءها]
م: (قال: ولا بأس بأن يمس ذلك إذا أراد الشراء وإن خاف أن يشتهي) ش: أي قال القدوري ﵀ ولا بأس للأجنبي أن يمس المواضع التي يجوز النظر إليها إذا أراد شراءها وإن خاف على نفسه الشهوة م: (كذا ذكره في " المختصر ") ش: أي كذا ذكر القدوري ﵀ في
стр. 6105
وأطلق أيضا في " الجامع الصغير " ولم يفصل. قال مشايخنا ﵏: يباح النظر في هذه الحالة وإن اشتهى للضرورة، ولا يباح المس إذا اشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك؛ لأنه نوع استمتاع، وفي غير حالة الشراء يباح النظر والمس بشرط عدم الشهوة.
: وإذا حاضت الأمة لم تعرض في إزار واحد، ومعناه: بلغت وهذا موافق لم بينا أن الظهر والبطن منها عورة. وعن محمد ﵀: أنها إذا كانت تشتهى ويجامع مثلها فهي كالبالغة لا تعرض في إزار واحد لوجود الاشتهاء.
ــ
[البناية]
"مختصره " م: (وأطلق أيضا في " الجامع الصغير " ولم يفصل) ش: يعني بين الاشتهاء وعدمه؛ لأنه قال في " الأصل الجامع ": عن محمد عن يعقوب، عن أبي حنيفة ﵀ في الرجل يريد شراء جارية فلا بأس بأن يمس ساقها، وصدرها، وذراعها، وينظر إلى ذلك كله مكشوفا، انتهى. فدل على جواز من يريد الشراء بالاشتهاء؛ لأن إطلاق اللفظ يشمل ذلك.
م: (قال مشايخنا: يباح النظر في هذه الحالة) ش: أي حالة الشراء م: (وإن اشتهى للضرورة، ولا يباح المس إذا اشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك) ش: أي الاشتهاء م: (لأنه نوع استمتاع) ش: أي لأن المس نوع استمتاع؛ لأن المس بشهوة جماع معنى، والجماع حقيقة حرام، وإن أراد الشراء فكذا الجماع معنى. م: (وفي غير حالة الشراء يباح النظر والمس بشرط عدم الشهوة) ش: فإذا كانت بشهوة لا يباح شيء من ذلك. وقال فخر الإسلام ﵀ في شرح "الجامع الصغير ": وذكر القدوري ﵀ عن محمد: أنه يكره للشاب مس شيء من ذلك؛ لأن النظر كفاية، ولم ير أبو حنيفة بأسا لضرورة العلم ينسر بها.
م: (قال: وإذا حاضت الأمة لم تعرض في إزار واحد) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ". م: (ومعناه: بلغت) ش: أي معنى قول محمد ﵀ وإذا حاضت: بلغت، وذلك لأن الحيض رديف البلوغ، فأراد به المردوف كناية.
وقال تاج الشريعة ﵀: هذا من باب إطلاق السبب على المسبب؛ لأن غالب بلوغهن بالحيض.
وقوله: لم تعرض في إزار واحد، يعني تؤمر بلبس القميص لأن ظهرها وبطنها عورة. والمراد بالإزار ما يستر به من السرة إلى الركبة.
م: (وهذا) ش: أي عدم جواز عرضها في إزار واحد م: (موافق لما بينا أن الظهر والبطن منها عورة) ش: أي من الأمة.
م: (وعن محمد ﵀: أنها إذا كانت تشتهى ويجامع مثلها فهي كالبالغة لا تعرض في إزار واحد لوجود الاشتهاء) ش: فيه بهذا على أنها إذا كانت لا تشتهى ولا يجامع مثلها، فلا
стр. 6106
قال: والخصي في النظر إلى الأجنبية كالفحل لقول عائشة ﵂: الخصاء مثلة فلا يبيح ما كان حراما قبله؛ ولأنه فحل يجامع، وكذا المجبوب؛ لأنه يساحق وينزل،
وكذا المخنث في الرديء من الأفعال؛ لأنه فحل فاسق.
ــ
[البناية]
بأس بعرضها في إزار واحد لعدم الاشتهاء.
[نظر الخصي إلى الأجنبية]
م: (قال: والخصي في النظر إلى الأجنبية كالفحل) ش: أي قال القدوري ﵀: والخصي، منزوع الخصيتين، من خصاه إذا نزع خصيته. قال: خصيت الفحل خصاء ممدودا: إذا سللت خصيته.
م: (لقوله عائشة ﵂: الخصاء مثلة) ش: هاهنا إيرادان على المصنف: الأول: إن هذا لم يثبت عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه "، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فقال: حدثنا أسباط بن محمد، ابن فضل عن مطرف، عن رجل، عن ابن عباس ﵄ قال: خصاء البهائم مثلة ثم تلا: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه "، عن مجاهد وعن شهر بن حوشب: "الخصاء مثلة ". ذكره في "كتاب الحج".
الثاني: أن هذا لا يدل على مدعاكم، فإن كون الخصاء مثلة لا يدل على أن نظر الخصي إلى الأجنبية كالفحل؛ لأنه فحل وشهوته موجودة، فصار كغير الخصي في الحالتين. قوله الخصاء: على وزن فعال بكسر الخاء من خصاه وأخصى بزيادة الهمزة خصاء قوله بضم الميم.
م: (فلا يبيح ما كان حراما قبله) ش: أي فلا يبيح الخصاء ما كان حراما قبله، يعني أن الحرام موجود في الحالتين.
م: (ولأنه فحل يجامع) ش: أي ولأن الخصي فحل يجامع حتى قيل أشد الجماع جماع الخصي؛ لأن آلته لا تفتر.
[نظر المجبوب إلى الأجنبية] ١
م: (وكذا المجبوب) ش: وهو مقطوع الذكر والخصيتين، من جبه إذا قطعه، أي كذا المجبوب في النظر إلى الأجنبية كالفحل م: (لأنه يساحق وينزل) ش: أي المني من الإنزال، وبهذا لو جاءت امرأته بولد ثبت نسبه منه، فصار هو والفحل بمنزلة واحدة.
وإن كان مجبوبا قد جف ماؤه فقد رخص بعض مشائخنا الاختلاط بالنساء لوقوع الأمن من الفتنة. وقد قال : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] قيل: هو المجبوب الذي جف ماؤه، والأصح: أنه لا يحل لعموم النصوص.
[نظر المخنث إلى الأجنبية]
م: (وكذا المخنث في الرديء من الأفعال؛ لأنه فحل فاسق) ش: أراد به المخنث الذي يمكن
стр. 6107
والحاصل: أنه يؤخذ فيه بحكم كتاب الله المنزل فيه، والطفل الصغير مستثنى بالنص.
وقال: لا يجوز للمملوك أن ينظر من سيدته إلا إلى ما يجوز للأجنبي النظر إليه منها.
ــ
[البناية]
غيره من نفسه، وقيد به؛ لأن المخنث الذي في أعضائه لين، وفي لسانه تكسر، ولا يشتهي النساء أصلا وبه عنانة. فإنه قد رخص بعض مشائخنا في ترك مثله مع الفساد وهو أحد تأويل قوله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] ، وقيل المراد: الأبله الذي لا يدري ما يصنع بالنساء، إنما همه بطنه، والأصح أنه في المثابة.
م: (والحاصل: أنه يؤخذ فيه بحكم كتاب الله تعالى) ش: وهو قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وهذا محكم، وقوله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] متشابه فيؤخذ بالحكم دون المشابهة. ويدل على صحة هذا ما روي في " صحيح البخاري " وغيره مسند إلى هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها «أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: دخل على النبي ﷺ وعندي مخنث، فسمعه يقول لعبد الله بن أمية: يا عبد الله، أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. وقال النبي ﷺ : "لا يدخلن هؤلاء عليكم» .
قال أبو عبيدة في " غريب الحديث ": قوله: «تقبل بأربع وتدبر بثمان» ، يعني أربع عكن في بطنها، فهي تقبل بهن، وقوله تدبر بثمان يعني أطراف هذه العكن الأربع، وذلك لأنها محيط بالجانبين حتى لحقت بالردفين من مؤخرها، من هذا الجانب أربع أطراف، ومن الجانب الآخر مثلها، فهذه ثمان.
والعكن - بضم العين وفتح الكاف-: جمع عكنة وهي الطي الذي يكون في البطن من السمن.
وفي " صحيح البخاري " عن ابن جريج ﵀: أن اسم المخنث بهيت وقيل: اسمه نافع.
فإن قلت: ما كان وجه دخوله على أزواج النبي ﷺ ؟
قلت: كان عند النبي ﷺ من غير أولي الإربة من الرجال، لقوله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] وبهذا كان تركه ﷺ أن يدخل على نسائه. فلما وصف الذي وصف من المرأة، علم أنه ليس من أولئك وأمر بإخراجه ونهى عن دخوله. م: (المنزل فيه، والطفل الصغير مستثنى بالنص) ش: وهو قوله : ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] .
[نظر العبد إلى سيدته]
م: (وقال: لا يجوز للمملوك أن ينظر من سيدته إلا إلى ما يجوز للأجنبي النظر إليه منها) ش:
стр. 6108
وقال مالك ﵀: وهو كالمحرم، وهو أحد قولي الشافعي ﵀؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] . ولأن الحاجة متحققة لدخوله عليها من غير استئذان. ولنا: أنه فحل غير محرم ولا زوج، والشهوة متحققة لجواز النكاح في الجملة والحاجة قاصرة؛ لأنه يعمل خارج البيت، والمراد بالنص الإماء. قال سعيد والحسن وغيرهما: "لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإناث دون الذكور ".
ــ
[البناية]
أي قال القدوري: والضمير في إليه يرجع إلى ما في قوله ما يجوز: والذي في "منها" إلى السيدة، وفي بعض النسخ "النظر منه إليها" أي من الأجنبي إلى المرأة.
م: (وقال مالك ﵀: هو كالمحرم، وهو أحد قولي الشافعي ﵀) ش: أي العبد كالمحرم من سيدته، وفي بعض النسخ كالمحارم م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] ش: لأن كلمة ما عامة، تتناول الذكور والإناث فيحل لهن إبداء مواضع زينتهن إلى مماليكهن.
م: (ولأن الحاجة متحققة لدخوله عليها من غير استئذان) ش: أي لدخول العبد على سيدته، وهي كاشفة شعرها، وقدمها، ونحو ذلك: فلو لم يجز النظر أدى إلى الحرج.
م: (ولنا: أنه فحل غير محرم ولا زوج، والشهوة متحققة لجواز النكاح في الجملة) ش: يعني حرمة نكاحها عليه ليست للتأبيد، والذي يؤثر في التحريم في محل النظر ما كان على التأبيد، ولم يوجد، فحرم الخلوة معها، والنظر إلى مواضع زينتها، أنهما داعيان إلى الفساد ولتحقق الشهوة في العبد ومولاته.
م: (والحاجة قاصرة؛ لأنه يعمل خارج البيت) ش: هذا جواب عن قوله: ولأن الحاجة تتحقق، وتقديره أن العبد يخدم ظاهر البيت لا داخل البيت عادة وعرفا، فلم تمس الحاجة إليه.
م: (والمراد بالنص الإماء) ش: هذا جواب عن استدلال مالك والشافعي رحمهما الله: أنه أي المراد من قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلا ما دون الغلمان.
م: (قال سعيد والحسن وغيرهما: لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإناث دون الذكور) ش: أما قول سعيد ﵀ فأخرجه ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنفه في كتاب النكاح" وقال: حدثنا أبو أسامة، حدثنا يونس عن ابن أبي إسحاق عن طارق، عن سعيد بن المسيب قال: لا تغرنكم الآية ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] إنما عني به الإماء ولم يعن به العبيد.
وأما قول الحسن البصري - فأخرجه أيضا بمعناه وقال: حدثنا عبد الأعلى عن هشام، عن الحسن ﵀: أنه كره أن يدخل المملوك على مولاته بغير إذنه.
قوله: وغيرهما، أي غير أبي سعيد والحسن مثل الشعبي ﵀ وهو عامر بن
стр. 6109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
شرحبيل، فقد أخرج الطحاوي في " شرح الآثار ": حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة عن الشعبي ﵀ ويونس عن الحسن: أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته.
ونقل نجم الدين النسفي في "تفسيره "، عن سمرة بن جندب، مثل قول سعيد. وقال الأترازي ﵀: ولنا فيه نظر؛ لأنه لو كان صحيحا - وسمرة من أصحاب النبي ﷺ لنقل عنه الطحاوي ﵀ لشدة سفر في "الأخبار والآثار"
قلت: هذا نظر عليه غشاوة لأن عدم نقل الطحاوي لا يدل على عدم صحة ما روي عن سمرة، ولا شدة سفره يستلزم وقوفه على جميع الأخبار، وقال السفناقي: أطلق السعيد ولم يقيده بالنسبة يتناول السعيد بن أبي سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومعه على ذلك الكاكي وصاحب " العناية ". وقال الأترازي ﵀: وفيه نظر؛ لأنه يلزم حينئذ أن يكون للمشترك عموم في موضع الإثبات وهو فاسد.
قلت: نظره وارد، ولكن تعليله غير مستقيم، أما وروده فلأنه لم يستعمل أحد من السلف لفظ سعيد من غير تشبه، وإرادته سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير. وأما تعليله غير مستقيم، فإنه ادعى فيه لزوم عموم المشترك، ولا نسلم الاشتراك هاهنا؛ لأن الاشتراك ما وقع لمعنى، وهنا شيء آخر نزل كلام السغناقي، وهو أن قول سعيد بن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة ﵀ كما ذكرنا.
وأما قول سعيد بن جبير مثل قول سعيد بن المسيب، لم ينقله أحد لا بسند صحيح، ولا بسند ضعيف، فكيف يذكر المصنف سعيدا دون نسبة ويريد به السعيد؟. والحق هنا أن يقال: أما أن النساخ أسقطوا ابن المسيب، واستمرت النسخ على سعيد بغير نسبة، أو مصطلح على ذلك، حيث ذكر سعيدا على الإطلاق، وأراد به سعيد بن المسيب، كما قال المحدثون وغيرهم: قال: " عبد الله " من غير نسبة، ويريدون به عبد الله بن مسعود ﵁ وإن كان يتناول غيره بحسب الظاهر.
وكذلك يقولون: قال ابن عمر، ونحو ذلك، ويريدون به عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، مع أن عمرا ﵁ له أولاد غير عبد الله، فافهم ذلك.
فإن قلت: نظر الإماء إلى نسائهن استفيد من قوله في تلك الآية: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، فلو حملت هذه الآية على الإماء لزم التكرار.
стр. 6110
قال: ويعزل عن أمته بغير إذنها، ولا يعزل عن زوجته إلا بإذنها؛ لأنه ﵊ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها، وقال لمولى أمة: «اعزل عنها إن شئت»
ــ
[البناية]
وقلت: دعوى التكرار غير مسلم، فإن المراد من قوله: أو نسائهن الحرائر المسلمات التي في صحبتهن؛ لأنه ليس لمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية، كذا عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
فإن قلت: لو لم يكن مراده من قوله: أو نسائهن، وجب أن لا يكون مراده من قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] أيضا؛ لأن البيان بالحكم إنما يكون في موضع الإشكال ولا يشكل لأحد أن للأمة أن تنظر إلى سيدتها كالأجنبيات، والمالك إن لم يرد توسعة فلا أقل أن لا يزيد تضييقا.
قلت: الموضع موضع الإشكال؛ لأن حالة الأمة يقرب من حالة الرجال حتى تسافر من غير محرم، فكان يشكل أنه يباح لها التكشف بين يدي أمتها، ولم يزل هذا الإشكال بقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر دون الإماء.
[العزل عن الأمة بغير إذنها]
م: (قال: ويعزل عن أمته بغير إذنها، ولا يعزل عن زوجته إلا بإذنها) ش: أي قال القدوري م: (لأنه ﵊ «نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها» ش: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في "سننه في النكاح"، عن إسحاق بن عيسى عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه، عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أن النبي ﷺ نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها» . ورواه أحمد في "مسنده "، والدارقطني ثم البيهقي في "سننيهما"، قال الدارقطني: تفرد به إسحاق الطباع عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرز بن أبي هريرة، عن أبيه، عن عمر، قال: ووهم فيه أيضا خالفه عبد الله بن وهب فرواه عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه، ووهم فيه أيضا. والصواب عن حمزة عن عمر ليس فيه عن أبيه، وقال الذهبي في "مختصره ": الحديث ضعيف.
م: (وقال لمولى أمة: «اعزل عنها إن شئت» ش: أي: وقال النبي ﷺ : هذا الحديث أخرجه مسلم في "النكاح"، عن أبي الزبير عن جابر. قال: «جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: إن لي جارية أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها". فلبث الرجل. ثم أتاه فقال: "إن الجارية قد حملت، قال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» . وأخرجه أبو داود ﵀ أيضا.
فالحديث دل على أن له أن يعزل بلا إذن الأمة لأنه فوض المشيئة إلى المولى.
стр. 6111
ولأن الوطء حق الحرة قضاء للشهوة، وتحصيلا للولد ولهذا تخير في الجب والعنة، ولا حق للأمة في الوطء، فلهذا لا ينقص حق الحرة بغير إذنها ويستبد به المولى، ولو كانت تحته أمة غيره، فقد ذكرناها في النكاح.
ــ
[البناية]
م: (ولأن الوطء حق الحرة قضاء للشهوة، وتحصيلا للولد) ش: يعني في المرأة الأولى بطريق الوجوب، وفي الثانية بطريق الاستحباب والديانة، والعزل يحل بلذة الجماع إليهما م: (ولهذا) ش: أي كون الوطء حقها لأجل قضاء الشهوة وتحصيل الولد م: (تخير) ش: أي المرأة م: (في الجب والعنة) ش: يعني فيما إذا وجدت زوجها مجبوبا أو عنينا م: (ولا حق للأمة في الوطء فلهذا) ش: أي فلأجل الوطء حق الحرة، ولا حق للأمة م: (لا ينقص) ش: أي الزوج م: (حق الحرة) ش: يعني في الوطء بأن يعزل عنها م: (بغير إذنها) ش: أي بغير إذن الحرة. م: (ويستبد به المولى) ش: أي يستقل بالعزل المولى.
م: (ولو كانت تحته أمة غيره فقد ذكرناها في النكاح) ش: هل يعزل بإذن مولاها أم لا؟ وقد ذكرناه هناك مستوفى فلا فائدة في إعادته، والله أعلم.
стр. 6112
فصل في الاستبراء وغيره قال: ومن اشترى جارية فإنه لا يقربها، ولا يلمسها، ولا يقبلها، ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يستبرئها. والأصل فيه قوله ﵊ في سبايا أوطاس: «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن، ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة» .
ــ
[البناية]
[فصل في الاستبراء وغيره]
[تعريف الاستبراء]
م: (فصل في الاستبراء وغيره) ش: أي: هذا فصل في بيان أحكام الاستبراء: وهو طلب براءة الرحم عن الحمل، وأراد بغيره مسألة المعانقة، والمصافحة، والقبلة. وأخر فصل الاستبراء لأنه احترز عن وطء مقيد فالمقيد بمنزلة المركب، والمركب مؤخر عن المفرد.
وفي فتاوى " قاضي خان ": اختلف فيمن أنكر وجوب الاستبراء، هل يكفر. قيل: لأنه أنكر إجماع المسلمين. وقال عامة المشائخ: لا يكفر لأن ظاهر قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يقتضي إباحة الوطء مطلقا. وعرف وجوب الاستبراء بالخبر فلا يكفر جاحده.
م: (قال: ومن اشترى جارية فإنه لا يقربها، ولا يلمسها، ولا يقبلها، ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يستبرئها) ش: أي قال في " الجامع الصغير "
قوله: لا يقربها أي لا يطأها. ولا يمسها من اللمس باليد من باب نصر، وضرب، وقوله: بشهوة يرجع إلى أصل المجموع. م: (والأصل فيه) ش: أي في وجوب الاستبراء م: «قوله ﵊ في سبايا أوطاس: "ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن، ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود في "النكاح"، عن شريك، عن قيس بن وهب ﵀، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ورفعه أنه «قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» .
رواه الحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأعله ابن القطان ﵀ بشريك، وقال: إنه مدلس، وهو ممن ساء حفظه بالقضاء، وعن الحاكم: رواه البيهقي ﵀ في " السنن "، وفي " المعرفة ".
وروى أبو داود ﵀ أيضا: حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، «عن حنش الصنعاني: أن رويفع ابن ثابت الأنصاري قام فينا خطيبا فقال: أما إني ما أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله ﷺ -
стр. 6113
أفاد وجوب الاستبراء على المولى.
ــ
[البناية]
يقول يوم حنين: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره -يعني إتيان الحبالى- ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم» .
حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو معاوية عن بن إسحاق بهذا الحديث، وقال: «حتى يستبرئها بحيضة» ، وقال أبو داود ﵀: [الحيضة] ليست بمحفوظة، ورواه ابن حبان ﵀ في "صحيحه ".
وأخرج ابن أبي شيبة في"مصنفه " حدثنا حفص عن حجاج، عن عبد الله بن زيد عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله ﷺ أن توطأ الحامل حتى تضع أو الحائل حتى تستبرأ بحيضة» .
وأخرج الدارقطني في "سننه "، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مسلم الجنهدر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن توطأ الحامل حتى تضع، أو حائل حتى تحيض» .
قوله: في سبايا أوطاس، السبايا جمع سبية، وهي الجارية التي تسبى، وأوطاس: اسم موضع على ثلاث مراحل من مكة، ولرسول الله ﷺ غزوة مشهورة وهي غزوة حنين، وكلمة إلا للسبية.
والحبالى جمع حبلى، والأصل في الجمع كسر اللام؛ لأن كل جمع ثالثه ألف يتكرر الحرف الذي بعدها، نحو مساجد وجوامع، ومن ثم أبدلوا من الياء المنقلبة من ألف التأنيث ألفا. وقالوا: حبالى بالفتح ليفرقوا بين الألفين، كما قلنا في الصحاري.
قوله: ولا الحيالى بالياء آخر الحروف بعد الحامل جمع حايل وهي التي لا حمل بها جاء على خلاف القياس للأزواج الحبالى، والقياس حوايل كما فعلوا ذلك في الغدايا والعشايا، والقياس الغدوات.
قوله: حتى يستبرأ، أن الهمز لا غير من استبراء الجارية، وهو طلب براءة رحمها.
م: (أفاد وجوب الاستبراء على المولى) ش: لأن النهي عن الوطء مع الملك المطلق يدل على
стр. 6114
ودل على السبب في المسبية، وهو استحداث الملك واليد؛ لأنه هو الموجود في مورد النص، وهذا لأن الحكمة فيه التعرف عن براءة الرحم صيانة للمياه المحترمة عن الاختلاط، والأنساب عن الاشتباه، وذلك عند حقيقة الشغل، أو توهم الشغل بماء محترم، وهو أن يكون الولد ثابت النسب
ــ
[البناية]
وجوب الاستبراء، أو لأنه لو لم يجب لما منع المالك عن استيفاء حقه، والنفي أبلغ من النهي، أو لأن حل الوطء بقي إلى غاية وجود الاستبراء فكان الحل موقوفا على وجوده م: (ودل على السبب في المسبية) ش: أي ودل الحديث أيضا على سبب وجوب الاستبراء في الجارية المسبية.
م: (وهو استحداث الملك واليد) ش: أي المسبب هو استحداث الملك واليد م: (لأنه هو الموجود في مورد النص) ش: وهو قوله: لا توطأ الحبالى، ليس إلا استحداث الملك، واليد فيكون هو السبب. م: (وهذا) ش: أي وجوب الاستبراء كون استحداث الملك سببا م: (لأن الحكمة فيه) ش: أي في وجوب الاستبراء م: (التعرف عن براءة الرحم صيانة للمياه المحترمة عن الاختلاط) ش: بغيرها م: (والأنساب) ش: أي وصيانة الأنساب، م: (عن الاشتباه) ش: أي عن استيهانها، ولا يجوز أن يكون الحكمة موجبة؛ لأنها متعقبة، والعلة سابقة فحينئذ تعلق الحكم شرعا بالسبب الظاهر، وهو حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة فيدار الحكم عليه فتستبرأ.
وذكر البزدوي في "مبسوطه ": إن علة وجوب الاستبراء إرادة الوطء فإنه متى أراد الوطء لا يحل إلا في محل فارغ يجب أن يعرف براءة الرحم حتى لا يصير ساقيا ماءه زرع غيره، وفيه حكمة صيانة الولد عن إرادة الوطء لا يوقف عليها حقيقة، فيضاف الحكم إلى التمكن من الوطء، فأقيم التمكن منه مقام إرادة الوطء، وذلك إنما يتحقق بالملك والقبض، ولهذا لا يخبر بالحقيقة قبل القبض من الاستبراء لما إنه لم يوجد علة.
م: (وذلك) ش: إشارة إلى شرط وجوب الاستبراء م: (عند حقيقة الشغل) ش: بفتح الشين بأن يكون حاملا م: (أو توهم الشغل بماء محترم وهو) ش: أي توهم الشغل بماء محترم م: (أن يكون الولد ثابت النسب) ش: احترز به عن الزنا، ولمعنى أن يمكن إثبات نسبه من الغير لتقدم ملك الغير في المحل، فمن استحدث ملك الوطء بملك اليمين من قبل الغير بأي سبب استحداث، وتمكن منه حقيقة بالقبض وجب عند ذلك وجوب الاستبراء، وشرطه فيجب عليه الاستبراء، لا يقال: الموجب كونها مبيتة إضافة، والإضافات لا مدخل لها في العلة؛ لأنه لو اعتبر ذلك انسد باب القياس، وأنه مفتوح بالنصوص فلم يبق هاهنا إلا كونها مملوكة رقبة ويدا، وهو المؤثر كما ذكر في الكتاب، وإنما قيده بماء محترم، وإن كان الحكم في غير المحترم كذلك. فإن الجارية إذا كانت حاملا من الزنا لا يحل وطئها؛ لأنه أخرج الكلام مخرج أوضاع الشرع؛ لأنه وضع لا يكون إلا في الحلال.
стр. 6115
ويجب على المشتري لا على البائع؛ لأن العلة الحقيقية إرادة الوطء، والمشتري هو الذي يريده دون البائع، فيجب عليه غير أن الإرادة أمر مبطن فيدار الحكم.
ــ
[البناية]
وهذا كما قلنا في قوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها» الحديث، والحكم في الترك عامدا كذلك. إلا أن الظاهر لما كان من حال المسلم أن لا تفوت منه الصلاة إلا بالنسيان فذكره، هكذا كذلك هاهنا.
وعلم من كلامه وجوب الاستبراء، وسببه، وعلته، وحكمته، أما الوجوب: ففيها الحديث المذكور، وأما سببه: فاستحداث الملك، واليد، وأما علته: فإرادة الوطء، وأما حكمته: فالتعريف عن براءة الرحم، ولكن لما كانت الإرادة خفية أقيم دليلها الظاهر وهو التمكن عن الوطء بالملك، واليد قائما مقامها تيسرا فجعل استحداث الملك، واليد علة كما في السفر مع المشقة، ثم تعدى الحكم إلى سائر باب ملك اليمين، ملك حتى وجب عليه الاستبراء بأي سبب ملك سواء كان شراء أو هبة أو وصية، أو ميراثا أو خلعا، أو كتابة، وإذا ثبت وجوب الاستبراء وحرم الوطء حرم دواعيه أيضا من اللمس والقبلة والنظر إلى الفرج بشهوة.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀ في " شرح الجامع الصغير ": روي عن أبي مطيع: أنه كان لا يرى بالقبلة، والملامسة بأسا، وذلك لأن القربان إنما لا يجوز لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وليس في القبلة والملامسة هذا المعنى، قلنا: قياسا على الطهارة، وكما في غير الملك لأنها تفضي إليه، وسبب الحرام حرام.
وقال فخر الإسلام: روي عن محمد ﵀ أنه قال: يحل الدواعي لأنها لا تحتمل الوقوع في غير الملك؛ لأن المالك الأول لا يملك الدعوى، وإنما حرم الوطء بمعنى السقي زرع غيره، وهذا لا يوجد في الدواعي.
[على من يجب الاستبراء]
م: (ويجب على المشتري لا على البائع) ش: أي يجب الاستبراء على المشتري دون البائع، وبه قالت الثلاثة، وقال النخعي، والثوري، والحسن البصري، وابن سيرين ﵏: يجب على البائع دون المشتري؛ لأنه الصيانة كما تجب على المشتري تجب على البائع.
وقال الليثي: هذا صيانة عن ماء البائع فيجب عليه. ولنا ما أشار إليه بقوله: م: (لأن العلة الحقيقة إرادة الوطء) ش: لأن الشارع نهى عن الوطء، والنهي إنما يستقيم عند تمكن الوطء، وتمكن للمشتري لأنه هو المتملك لا البائع، وهو معنى قوله: م: (والمشتري هو الذي يريده) ش: الوطء لتمكنه منه م: (دون البائع فيجب عليه) ش: أي على المشتري م: (غير أن الإرادة أمر مبطن) ش: أي خفي على ما ذكرنا؛ لأن بعض الناس يريد الوطء، وبعضهم لا يريده م: (فيدار الحكم
стр. 6116
على دليلها، وهو التمكن من الوطء، والتمكن إنما يثبت بالملك واليد فانتصب سببا وأدير الحكم عليه تيسيرا، فكان السبب استحداث ملك الرقبة المؤكد باليد وتعدي الحكم إلى سائر أسباب الملك، كالشراء والهبة والوصية والميراث والخلع والكتابة وغير ذلك، وكذا يجب على المشتري من مال الصبي، ومن المرأة، ومن المملوك
ــ
[البناية]
على دليلها) ش: أي على دليل الإرادة م: (وهو التمكن من الوطء، والتمكن إنما يثبت بالملك واليد فانتصب سببا) ش: أي انتصب التمكن سبب في الوطء لوجوب الاستبراء.
م: (وأدير الحكم عليه) ش: أي على التمكن من الوطء م: (تيسيرا) ش: أي لأجل التيسير.
فإن قلت: الإرادة ليست بأمر مبطن، ولهذا جعلت إرادة الصلاة سببا لوجوب الطهارة.
قلت: لأن إرادة الصلاة متحققة كفرضية الصلاة، ولا كذلك إرادة الوطء.
م: (فكان السبب استحداث ملك الرقبة المؤكد باليد) ش: أي إذا كان ذلك سبب وجوب الاستبراء استحداث سبب ملك يمين الرقبة الذي تأكده باليد م: (وتعدى الحكم إلى سائر أسباب الملك كالشراء) ش: بأن اشترى أمة م: (والهبة) ش: بأن وهب له رجل أمة م: (والوصية) ش: بأن أوصى له رجل بأمة فقبضها بعد موته م: (والميراث) ش: بأن مات مورثه فورث منه أمة م: (والخلع) ش: بأن خالع امرأة على أمة فقبضها م: (والكتابة) ش: بأن كاتب عبده على جارية فإنه لا يحل للزوج والمولى وطء الجارية قبل الاستبراء م: (وغير ذلك) ش: بأن تصدق عليه بجارية فإنه لا يطأها حتى يستبرئها، أو أجر داره إلى سنته وجعل الأجرة جارية وقبضها، فإنه لا يحل له الوطء إلا بعد الاستبراء، أو دفع إليه الجاني جارية عوض أرش الجناية. فكذلك لا يحل له الوطء إلا بعد الاستبراء.
م: (وكذا يجب على المشتري من مال الصبي) ش: يعني إذا باع أب الصبي، أو وصية جارية الصبي، فإنه يجب على المشتري الاستبراء م: (ومن المرأة) ش: أي وكذا يجب على المشتري من المرأة م: (ومن المملوك) ش: أي وكذا يجب على المشتري من المملوك بأن يشتري من عبده المأذون، وعليه دين مستغرق.
وفي " المبسوط ": لو اشترى من عبده المأذون الاستبراء عليه، إن كانت قد حاضت بعدما اشتراها. ولا دين عليه؛ لأن المالك ملك رقبتها من وقت الشراء فتكفي تلك الحيضة كما في يد الوكيل. وإن كان على العبد دين محيط برقبته وكسبه فكذلك الجواب عند أبي حنيفة ﵀ يستبرئها استحسانا.
وفي القياس: لا؛ لأن المولى أحق بها حتى يملك استخلاصها لنفسه بقضاء الدين من
стр. 6117
وممن لا يحل له وطؤها.
وكذا إذا كانت المشتراة بكرا لم توطأ؛ لتحقق السبب وإدارة الأحكام على الأسباب دون الحكم لبطونها، فيعتبر تحقق السبب عند توهم الشغل،
ــ
[البناية]
مواضع أخرى يجبر بتلك الحيضة. والعبد لا يثبت له الحل ولا الغرماء في الاستحسان يجب استبراءها؛ لأن المولى قبل الشراء لا يملك رقبتها عنده حتى لو أعتقه لا ينفذ عتقه. وإنما حدث له ملك الحل بسبب ملك الرقبة.
وفي " شرح الطحاوي ": ولو اشترى من ابنه الصغير وجب عليه الاستبراء م: (وممن لا يحل له وطؤها) ش: أي وكذا لا يجب الاستبراء على المشتري ممن لا يحل له وطؤها، كما لو اشتراها أخوها من الرضاع أو ورثها من أبيه، وأبوه استمتع بها، أو كان البائع مكاتبا أو جاريته وطئ البائع أمها أو باع الابن موطوءة أبيه، والأب موطوءة ابنه، أو كانت مجوسية.
فإن قلت: الموجب ورد في السببية على خلاف القياس لتحقق المطلق كما ذكرتم فهل لا اقتصر عليها؟.
قلت: غيرها في معناه حكما وعلة وسببا فألحق بها دلالة.
[الاستبراء إذا كانت الأمة المشتراة بكرا لم توطأ]
م: (وكذا إذا كانت المشتراة بكرا لم توطأ) ش: أي وكذا يجب الاستبراء إذا كانت الأمة المشتراة بكرا لم توطأ. وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال مالك ﵏: إن كانت ممن يوطأ مثلها لزمه الاستبراء، وإن كانت ممن لا توطأ مثلها لا يجب الاستبراء. وقال داود ﵀: إن كانت بكرا لا يجب لعدم توهم الشغل، وعن أبي يوسف ﵀: فيما إذا تيقن بفراغ رحمها من ماء البائع، لا يجب الاستبراء.
وقال في " شرح الطحاوي " ﵀: وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال الاستبراء في البكر، م: (لتحقق السبب) ش: وهو استحداث الملك م: (وإدارة الأحكام على الأسباب دون الحكم) ش: -بكسر الحاء وفتح الكاف- جمع حكمة، يعني أن العلة في وجوب الاستبراء استحداث ملك اليمين واليد. والحكمة تعرف ببراءة الرحم، والحكمة تدور على السبب لا على الحكمة م: (لبطونها) ش: أي لبطون الحكم، أراد به حقيقته كما ذكرنا م: (فيعتبر تحقق السبب عهد توهم الشغل) ش: كماء محترم كما ذكرنا.
فإن قلت: كيف يتوهم الشغل في الصور الثلاث؟
قلت: يحتمل أن يكون جارية الصبي أو المرأة موطوءة بشبهة فيثبت النسب من الوطئ، فيثبت توهم الشغل أيضا لهذا الطريق.
стр. 6118
وكذا لا يجتزأ بالحيضة التي اشتراها في أثنائها، ولا بالحيضة التي حاضتها بعد الشراء أو غيره من أسباب الملك قبل القبض، ولا بالولادة الحاصلة بعدها قبل القبض خلافا لأبي يوسف ﵀؛ لأن السبب استحداث الملك واليد، والحكم لا يسبق السبب. وكذا لا يجتزأ بالحاصل قبل الإجازة في بيع الفضولي، وإن كانت في يد المشتري،
ــ
[البناية]
م: (وكذا لا يجتزأ بالحيضة التي اشتراها في أثنائها) ش: وكذا لا يكتفى بالحيضة التي كانت في حالة البيع، يعني اشتراها وهي حائض فطهرت من تلك الحيضة فلا تجزئها. م: (ولا بالحيضة التي حاضتها بعد الشراء) ش: أي وكذا لا يجتزأ بالحيضة التي رأتها بعد الشراء قبل القبض؛ لأن الحكم لا يسبق السبب.
وروي عن أبي يوسف: أنه كان يقول: تجزأ بتلك الحيضة. كذا في " شرح الطحاوي ". م: (أو غيره من أسباب الملك) ش: مثل الهبة والصدقة، والوصية، والإرث ونحو ذلك.
م: (قبل القبض) ش: قيد للمسألتين جميعا م: (ولا بالولادة الحاصلة بعدها قبل القبض) ش: أي ولا يجزء أيضا بالولادة الحاصلة بعد أسباب الملك مثل البيع والهبة ونحوهما قبل القبض، بأن اشترى أمة، وأن وهبت له، أو تصدق بها عليه، أو ورثها فولدت قبل قبضها، فإنه لا بد من الاستبراء.
م: (خلافا لأبي يوسف ﵀) ش: فإن عنده تجزأ بتلك الحيضة. وبه قال الشافعي ﵀ في وجه؛ لأن تباين فراغ رحمها يحصل بتلك الحيضة. ثم الشراح كلهم صرفوا قوله خلافا لأبي يوسف ﵀ إلى قوله: وكذا لا تجزأ تماما الحيضة التي استبرأها في أثنائها مع أن المذكور ثلاث مسائل: الأولى: قوله: وكذا لا تجزأ بالحيضة التي اشتراها. والثانية: قوله: ولا بالحيضة التي حاضتها بعد الشراء، والثالثة: قوله: ولا بالولادة الحاصلة بعدها قبل القبض. ولكن تعليل تاج الشريعة لأبي يوسف ﵀ يدل على أن خلافه في الكل، حيث قال: يعني أن عنده لا يجب الاستبراء إذا كان يتيقن فراغ رحمها من ماء البائع لحصول المقصود وهو فراغ الرحم، كما في المطلقة قبل الدخول لا يلزمها العدة، كذا هذا فافهم.
م: (لأن السبب استحداث الملك واليد) ش: وقد وجد هذا جواب الاسبتراء، وفي المسائل الثلاث أي لأن سبب وجوب الاستبراء استحداث الملك واليد وقد وجد م: (والحكم لا يسبق السبب) ش: أراد بالحكم الاستبراء، وبالسبب هو استحداث الملك؛ لأن المعلول لا يسبق العلة على ما عرف م: (وكذا لا يجتزأ بالحاصل قبل الإجازة في بيع الفضولي، وإن كانت في يد المشتري) ش: أي وكذا لا يكتفي بالاستبراء الحاصل قبل إجازة البائع في عقد الفضولي.
وإن كانت الجارية في يد المشتري وصورته: فضولي باع جارية فقبضها المشتري.
стр. 6119
ولا بالحاصل بعد القبض في الشراء الفاسد قبل أن يشتريها شراء صحيحا لما قلنا.
ويجب في جارية للمشتري فيها شقص فاشترى الباقي؛ لأن السبب قد تم الآن، والحكم يضاف إلى تمام العلة، ويجتزأ بالحيضة التي حاضتها بعد القبض وهي مجوسية أو مكاتبة بأن كاتبها بعد الشراء، ثم أسلمت المجوسية أو عجزت المكاتبة؛ لوجودها بعد السبب، وهو استحداث الملك واليد، إذ هو مقتض للحل والحرمة لمانع كما في حالة الحيض، ولا يجب الاستبراء إذا رجعت الآبقة،
ــ
[البناية]
وحاضت عنده حيضة، ثم أجاز البائع البيع لا يكتفي بتلك الحيضة؛ لأن العلة هي استحداث الملك واليد ولم يوجد قبل الإجازة م: (ولا بالحاصل بعد القبض في الشراء الفاسد قبل أن يشتريها شراءا صحيحا) ش: لعدم وجود العلة، وحكم الشيء لا يسبق عليه فكان الاستبراء قبل السبب كأن لم يكن م: (لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: ولأن السبب استحداث الملك واليد أو الحكم لا يسبق السبب.
م: (ويجب في جارية للمشتري فيها شقص) ش: أي يجب الاستبراء في جارية للمشتري فيها نصيب م: (فاشترى الباقي) ش: صورته جارية مشتركة بين اثنين أو أكثر فاشترى أحد الشريكين أو الشركاء بقية الجارية يجب عليه الاستبراء م: (لأن السبب قد تم الآن) ش: لأن حدوث الملك الحل مسبب ملك الرقبة وإذا يملك جميع الرقبة؛ لأن تملك بعض الرقبة سبب له بعض العلة.
م: (والحكم يضاف إلى تمام العلة) ش: فإذا ملك جميع الجارية تمت العلة وترتب عليها الحكم وهو وجوب الاستبراء م: (ويجتزأ بالحيضة التي حاضتها بعد القبض وهي مجوسية) ش: أي تكتفي بالحيضة التي رأتها الأمة بعد قبض المشتري والحال أنها مجوسية م: (أو مكاتبة بأن كاتبها بعد الشراء، ثم أسلمت المجوسية أو عجزت المكاتبة) ش: صورته اشترى رجل أمة مجوسية فحاضت عنده في مجوستها حيضة ثم أسلمت أجزأت تلك الحيضة تلك الحيضة من الاستبراء أو اشترى أمة مسلمة فكاتبها قبل أن تستبرأ ثم حاضت في حال كتابتها ثم عجزت عن الكتابة وردت إلى الرق أجزأت تلك الحيضة من الاستبراء.
م: (لوجودها بعد السبب) ش: أي لوجود الحيضة بعد السبب م: (وهو استحداث الملك واليد، إذ هو مقتض للحل والحرمة لمانع) ش: أي الحرمة كانت لمانع وهو التمجس أو الكتابة، وذا لا يمنع الاعتداد بالاستبراء كما لو اشترى أمة محرمة فحاضت من حال إحرامها م: (كما في حالة الحيض) ش: أي كما كانت الحرمة في حالة الحيض لمانع وهو الحيض م: (ولا يجب الاستبراء إذا رجعت الآبقة) ش: أي الجارية الآبقة.
وفي " فتاوى قاضي خان ": هذا إذا أبقت، ولم تخرج من دار الإسلام، فلو دخلت بدار
стр. 6120
أو ردت المغصوبة أو المؤاجرة، أو فكت المرهونة لانعدام السبب، وهو استحداث الملك واليد، وهو سبب متعين فأدير الحكم عليه وجودا وعدما، ولها نظائر كثيرة كتبناها في " كفاية المنتهى ".
ــ
[البناية]
الحرب ثم خرجت بغنيمة، أو اشترى، ثم أخذها المولى لا يجب الاستبراء عند أبي حنيفة وعندهما، وبه قالت الثلاثة.
م: (أو ردت المغصوبة) ش: أي الجارية المغصوبة إلى مولاها م: (أو المؤاجرة) ش: أي الجارية المستأجرة - بفتح الجيم- إلى مولاها المؤجر. م: (أو فكت المرهونة) ش: أي الجارية المرهونة م: (لانعدام السبب، وهو استحداث الملك واليد، وهو سبب متعين فأدير الحكم عليه وجودا وعدما) ش: أي من حيث الوجود ومن حيث العدم والمعنى كلما وجد السبب. واستحداث الملك يدار عليه الحكم وهو الاستبراء كلما عدم لما ترتب عليه شيء؛ لأن هذا بيان السبب والمسبب.
م: (ولها نظائر كثيرة كتبناها في " كفاية المنتهى ") ش: أي لهذه المسائل نظائر وأخوات كتبناها في كتابنا الموسوم " بكفاية المنتهى " منها: أن فرج الأمة إذا حرم عليه ولكن لم يخرج من ملكه كما في الحيض والنفاس والردة والكتابة ثم زالت هذه العوارض، حلت له بغير استبراء.
وعند الثلاثة: يجب في الكتابة إذا عجزت وردت إلى الرق، ومنها: إذا باع جارية من رجل ثم تقايلا البيع قبل التسليم فعادت إلى القياس أنه يجب على البائع الاستبراء لوجود العلة. وفي الاستحسان: لا يجب، لأن ملك المشتري لم يكن ثم عليها. وروي عن أبي حنيفة: أنه أخذها بالقياس، ولو تقايلا بعد القبض وجب على البائع الاستبراء قياسا واستحسانا. وكذا في " شرح الطحاوي ".
ومنها: أن الجارية إذا ردت على البائع بخيار رؤية أو عيب، وجب عليه الاستبراء؛ لأن خيار العيب، وخيار الرؤية، لا يمنعان وقوع الملك للمشتري. وأما إذا ردت إلى البائع بخيار الشرط، فإن كان الخيار للبائع، فلا يجب عليه الاستبراء؛ لأنها لم تخرج عن ملكه، ويجب على المشتري بعد إجارة البائع المبيع بعد القبض، وإذا حاضت قبل ذلك تجزأ بتلك الحيضة. وإن كان خيار الشرط للمشتري فسخ، وعادت الجارية إلى ملك البائع، فإن كان الفسخ قبل القبض، لم يجب على البائع بالإجماع، وإن كان بعده. فكذلك عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يجب على البائع.
ومنها: أن البيع إذا كان فاسدا أو فسخ البيع وردت على البائع، فإن كان قبل القبض فلا استبراء على البائع في قولهم، وإذا كان بعده فعلى البائع الاستبراء في قولهم. كذا في " شرح الطحاوي ".
ومنها: إذا أسرها لعدد ثم عادت إليه بعد الإحراز بدار الحرب فعليه الاستبراء، ولو
стр. 6121
وإذا ثبت وجوب الاستبراء وحرمة الوطء، حرم الدواعي لإفضائها إليه أو
ــ
[البناية]
أخذت من العبد وقبل الإحراز بدراهم، فردت إلى صاحبها فلا استبراء عليه.
ومنها: إذا اشترى جارية وهي في عدة من زوج، أو عدة وفاة، أو عدة طلاق، وقد بقي من عدتها يوم أو بعض يوم، أو انقضت عدتها بعد قبض المشتري، فلا استبراء عليها. وإن انقضت قبل القبض فلا تحل إلا بالاستبراء.
ومنها: إذا نقل الإمام الجند وقال: من أصاب منكم جارية فهي له، فأصاب واحد من الجند جارية فاستبرأها بحيضة، فأراد أن يطأها في دار الحرب، أو قسم الإمام الغنائم في دار الحرب، فأصاب واحد منهم جارية، فاستبرأ بحيضة وأراد أن يطأها، أو باع الإمام الجارية من الغنيمة من رجل فاستبرأها المشتري بحيضة، وأراد أن يطأها في دار الحرب، قال أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله-: يكره أن يطأها قبل الإحراز بالدار، فإذا أحرزها بالدار، فعليه أن يستبرئها ثم يطأها.
وقال محمد ﵀: لا بأس أن يطأها.
وإذا خل واحد غازيا فغنم جارية واستبرأها بدار الحرب، فليس له وطؤها بالإجماع.
ومنها: إذا تزوج أمة فطلقها قبل الدخول يستبرئها المولى؛ لأن ملك المتعة زائل، وفي رواية لا يستبرئها وهو الصحيح؛ لأن ملك اليمين لم يحدث.
ومنها: أنه لو باع مدبرته وقبضها المشتري ثم ردها لا يستبرئها البائع؛ لأن الملك لم يثبت للمشتري، ولهذا لو أعتقها لا ينفذ إعتاقه، المسألتان في " الشامل ".
ومنها: ذمي اشترى أمة لا يستبرئ؛ لأنه واجب حقا لله ، وإنه غير مخاطب، فإن أسلم قبل أن يطأها استبرأها إن لم تكن حائضة استحسانا؛ لأنه صار من أهله وقت الاستبراء فيخاطب به حتى لو وطئها. لم يجب؛ لأن الوقت فات.
ومنها: إذا زنت أمته فلا استبراء عليه، خلافا لزفر ﵀ لعدم سببه، وهو استحداث الملك واليد.
ومنها إذا باع جارية أو أعادها لا يجب الاستبراء لعدم سببه.
م: (وإذا ثبت وجوب الاستبراء وحرمة الوطء، حرم الدواعي) ش: وحرم القبلة واللمس والنظر بشهوة، وبه قال الشافعي ﵀ في وجه م: (لإفضائها إليه) ش: أي لإفضاء الدواعي إلى الوطء، وقال الشافعي ﵀: لا يحرم، وبه قال أكثر الفقهاء م: (أو
стр. 6122
لاحتمال وقوعها في غير الملك على اعتبار ظهور الحبل ودعوة البائع، بخلاف الحائض حيث لا تحرم الدواعي فيها؛ لأنها لا تحتمل الوقوع في غير الملك؛ ولأنه زمان نفرة، فالإطلاق في الدواعي لا يفضي إلى الوطء والرغبة في المشتراة قبل الدخول أصدق الرغبات فتفضي إليه، ولم يذكر الدواعي في المسبية. وعن محمد ﵀: أنها لا تحرم؛ لأنها لا يحتمل وقوعها في غير الملك؛ لأنه لو ظهر بها حبل لا تصح دعوى الحربي، بخلاف المشتراة على ما بينا.
ــ
[البناية]
لاحتمال وقوعها) ش: أي وقوع الدواعي م: (في غير الملك على اعتبار ظهور الحبل ودعوة البائع) ش: بأن تكون قد حبلت من البائع فتصير أم ولده بدعواه والبيع باطل، فتصير الدواعي في غير ملكه.
م: (بخلاف الحائض حيث لا تحرم الدواعي فيها) ش: أي في الحائض م: (لأنها لا تحتمل الوقوع في غير الملك) ش: لا تحتمل الدواعي في غير الملك في الحائض؛ لأنها في ملكه، يعني في ملك المتعة، م: (ولأنه زمان نفرة) ش: الطبيعة لأجل الدم م: (فالإطلاق في الدواعي لا يفضي إلى الوطء) ش: لوجود النفرة م: (والرغبة في المشتراة قبل الدخول أصدق الرغبات) ش: وأقواها؛ لأنها جديدة كما ملكها وفي قلبها منه حركات، فلو أبيح له الدواعي ربما يوقعه في الجماع وهو معنى قوله م: (فتفضي إليه) ش: أي فتفضي الرغبات إلى الوطء م: (ولم يذكر الدواعي في المسبية) ش: يعني لم يذكر الدواعي في ظاهر الرواية في المسبية.
م: (وعن محمد ﵀: أنها لا تحرم؛ لأنها لا يحتمل وقوعها في غير الملك؛ لأنه لو ظهر بها حبل لا تصح دعوة الحربي) ش: فلا تقع الدواعي في غير الملك متخل واستشكل حيث تعدى الحكم من الأصل وهي المسبية إلى الفرع وهو غيرها بغير خبث حرمة الدواعي في غير المسبية، ودونها واجبها بأن ذلك باعتبار اقتضاء الدليل المذكور في الكتاب وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن التعدي إن كان بالقياس فالجواب المذكور غير دافع؛ لأن عدم التغير شرط القياس كما عرف في موضعه، وانتفاء الشرط أن يلزم انتفاء المشروط.
والثاني: أن ما دل على حرمة الدواعي في غير المسبية الأمر أن الاقتضاء والوقوع في غير الملك، وإن لم يحرم بالثاني فتحرم بالأول، إذ الحرمة توجد بالاحتياط، ويمكن أن يجاب عنه بأن التعدية هاهنا بطريق الدلالة كما تقدم، ولا يبعد أن يكون اللاحق دلالة حكم الدليل لم يكن ليلحق به لعدم الدليل هاهنا؛ لأن حرمة الدواعي في هذا الباب مجتهد فيه لم يقبل بها الشافعي ﵀ وأكثر الفقهاء، فلما كان علتها في المسبية أمرا واحدا لم يعتبر فلما كان في غيرها أمران تفاضلا اعتبرت.
م: (بخلاف المشتراة على ما بينا) ش: أشار به إلى قوله: والرغبة في المشتراة أصدق
стр. 6123
والاستبراء في الحامل بوضع الحمل لما روينا. وفي ذوات الأشهر بالشهر؛ لأنه أقيم في حقهن مقام الحيض كما في المعتدة، وإذا حاضت في أثنائه بطل الاستبراء بالأيام للقدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل كما في المعتدة فإن ارتفع حيضها تركها حتى إذا تبين أنها ليست بحامل وقع عليها، وليس فيه تقدير في ظاهر الرواية. وقيل: يتبين بشهرين أو ثلاثة، وعن محمد ﵀: أربعة أشهر وعشرة أيام، وعنه: شهران وخمسة أيام اعتبارا بعدة الحرة
ــ
[البناية]
الرغبات.
[استبراء الحامل]
م: (والاستبراء في الحامل بوضع الحمل لما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «ولا الحبالى حتى يضعن» . وعند الشافعي ﵀: إن كانت حاملا تحيض استبراؤها بقرء، وفي القرء قولان عنده، في قوله: ثلاث حيض، وهو الأصح، وفي قول: ثلاثة أطهار، والأصل عنده: أن الحامل تحيض، والعجب منه أن خالف النص الصريح.
م: (وفي ذوات الأشهر بالشهر) ش: أي والاستبراء في ذوات الأشهر بشهر واحد، وبه قال الشافعي ﵀ في قول: وقال في آخر ثلاثة أشهر م: (لأنه أقيم في حقهن مقام الحيض) ش: لأن الشهر أقيم في حق ذوات الأشهر مقام الحيض م: (كما في المعتدة) ش: أي كما أن الشهر يقوم مقام الحيض في حق المعتدة إذا كانت من ذوات الأشهر.
م: (وإذا حاضت في أثنائه) ش: أي في أثناء الشهر م: (بطل الاستبراء بالأيام للقدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل) ش: يبطل حكم الحلف م: (كما في المعتدة) ش: أي كما في المرأة إذا كانت عدتها بالأشهر فرأت الدم في خلالها، يجب عليها الاعتداد بالحيض، فكذا هذا يجب الاستبراء بالحيضة. م: (فإن ارتفع حيضها) ش: فإن صارت ممتدة الطهر م: (تركها حتى إذا تبين أنها ليست بحامل وقع عليها) ش: أي واقعها، أي جامعها.
م: (وليس فيه) ش: أي مقدار الترك م: (تقدير في ظاهر الرواية) ش: لأن محمدا ﵀ -روى عن أبي يوسف ﵀، عن أبي حنيفة أنه قال: لا يطأها حتى يعلم أنها غير حامل ولم يقدر ذلك بشيء، وفي " المبسوط ": وهو الأصح؛ لأن ينصب المقادير بالرأي لا تجوز، وفيه نص.
م: (وقيل: يتبين بشهرين أو ثلاثة وعن محمد ﵀: أربعة أشهر وعشرة أيام) ش: لأنه أقضى ما يقع به الاستبراء بالشهور أربعة، فإذا مضت ولم يظهر الحمل حل الوطء.
م: (وعنه) ش: أي وعن محمد ﵀ م: (شهران وخمسة أيام اعتبارا بعدة الحرة
стр. 6124
والأمة في الوفاة. وعن زفر ﵀: سنتان، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀. قال: ولا بأس بالاحتيال لإسقاط الاستبراء عند أبي يوسف خلافا لمحمد ﵀، وقد ذكرنا الوجهين في الشفعة، والمأخوذ قول أبي يوسف فيما إذا علم البائع لم يقربها في طهرها ذلك، وقول محمد ﵀ فيما إذا قربها، والحيلة إذا لم تكن تحت المشتري حرة أن يتزوجها قبل الشراء، ثم يشتريها
ــ
[البناية]
والأمة في الوفاة) ش: قوله اعتبارا بعدة الحرة يرجع إلى قوله: أربعة أشهر وعشر. وقوله: أو الأمة يرجع إلى قوله: شهران وخمسة أيام بطريق اللف والنشر، وقوله: في الوفاة، يرجع إلى الحرة والأمة جميعا.
وفي " الأسبيجابي ": وفي " فتاوى قاضي خان ": وخمسة أيام بطريق اللف وعليه الفتوى.
م: (وعن زفر ﵀ سنتان) ش: لأن الاستبراء يجوز أن يكون خوفا من أن تكون حاملا ولأثر زوال الحمل إلا بأكثر مضي مدته وجب اعتبار ذلك م: (وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀) ش: أي قول زفر ﵀ رواية عن أبي حنيفة ﵀، وبه قال الثوري، وعند أبي مطيع البلخي: أنه قدر بتسعة أشهر، وعن أبي يوسف ﵀: أنه قدر بثلاثة أشهر.
[الحيلة في إسقاط الاستبراء]
م: (قال: ولا بأس بالاحتيال لإسقاط الاستبراء عند أبي يوسف خلافا لمحمد ﵀) ش: أي قال المصنف ﵀، م: (وقد ذكرنا الوجهين في الشفعة) ش: أي وجهين قول أبي يوسف وقول محمد -رحمهما الله-، يعني سبيل الإشارة هما قالا في الشفعة وهو: أن هذا منع عن وجوب الاستبراء ودفع لثبوته، فلا يكره الاحتيال في الإسقاط عند أبي يوسف وجه قول محمد ﵀: أنه إنما يجب صيانة للمياه المحترمة عن الاختلاط والاشتباه فيكره م: (والمأخوذ قول أبي يوسف) ش: أي المفتى به قول أبي يوسف ﵀.
م: (فيما إذا علم البائع لم يقربها في طهرها ذلك، وقول محمد ﵀ فيما إذا قربها) ش: أي المأخوذ قول محمد ﵀ فيما إذا علم أن البائع قربها في طهرها م: (والحيلة) ش: في صورة الحيلة في إسقاط الاستبراء م: (إذا لم تكن تحت المشتري حرة أن يتزوجها) ش: أي الأمة التي يريد شراؤها م: (قبل الشراء، ثم يشتريها) ش: قبل الشراء ثم يشتريها فيبطل النكاح ويحل له وطئها من ساعته ويسقط الاستبراء.
وفي " الفتاوى الصغرى " ناقلا عن بيوع واقعات الناطفي: الحيلة في إسقاط الاستبراء: أن يزوج البائع الجارية أولا من الذي يريد شراءها إن لم يكن له امرأة حرة ثم يبيعها منها فيبطل
стр. 6125
ولو كانت فالحيلة أن يزوجها البائع قبل الشراء، أو المشتري قبل القبض ممن يوثق به، ثم يشتريها ويقبضها، أو يقبضها ثم يطلق الزوج؛ لأن عند وجود السبب وهو استحداث الملك المؤكد بالقبض إذا لم يكن فرجها حلالا له لا يجب الاستبراء، وإن حل بعد ذلك؛ لأن المعتبر أوان وجود السبب كما إذا كانت معتدة الغير.
ــ
[البناية]
النكاح ويحل له وطئها من ساعته ويسقط الاستبراء. ثم قال فيها: قال ظهير الدين: رأيت في كتاب الاستبراء لبعض المشائخ أنه إنما يحل للمشتري وطئها في هذه الصورة أن لو تزوجها ووطئها ثم اشتراها؛ لأنه حينئذ يملكها وهي في عدتها، أما إذا اشتراها قبل أن يطأها، فكما اشتراها بطل النكاح ولا نكاح حال ثبوت الملك فيجب الاستبراء لتحقيق سببه وهو استحداث حل الوطء بملك اليمين.
قال: وهذا لم يذكر في الكتاب وهو دقيق حسن م: (ولو كانت) ش: أي حرة تحت المشتري م: (فالحيلة أن يزوجها البائع قبل الشراء، أو المشتري قبل القبض) ش: أي أو تزوجها المشتري قبل القبض م: (ممن يوثق به) ش: أي يعتمد عليه ولا يخاف عليه أن لا يطلقها؛ لأنه إذا لم يوثق به ربما لا يطلقها.
وفي " فتاوى قاضي خان ": ولو وقع أن لا يطلقها الزوج بعد قبض المشتري إذ الشرطان أن يكون طلاق زوجها بعد قبض المشتري فإن في طلاقها قبل قبضه لا فائدة لوجوب الاستبراء بعد القبض في الأصح، الحيلة: أن يزوجها على أن يكون أمرها بيدها يطلقها متى شاء. م: (ثم يشتريها ويقبضها، أو يقبضها) ش: هذا لف ونشر يعني يشتريها ويقبضها إذا زوجها البائع أو يقبضها إذا تزوجها المشتري قبل القبض.
م: (ثم يطلق الزوج) ش: يعني بعد القبض وقيد به؛ لأنه إن طلقها قبله كان على المشتري الاستبراء إذا قبضها في أصح الروايتين عن محمد ﵀؛ لأنه إذا طلقها قبل القبض، فإذا قبضها والقبض بحكم العقد بمنزلة العقد فصار كأنه اشتراها في هذه الحالة، وليست في نكاح ولا عدة فيلزمه الاستبراء.
م: (لأن عند وجود السبب وهو استحداث الملك المؤكد بالقبض إذا لم يكن فرجها حلالا له لا يجب الاستبراء وإن حل بعد ذلك) ش: لأن القبض إذ ذاك ليس ممكنا من الوطء والممكن منه جزء العلة، ألا ترى أن تزويج المشتري وإن كان قبضا حكما لم يعتبر لكونه مزيلا للتمكن.
م: (لأن المعتبر أوان وجود السبب كما إذا كانت) ش: أي الأمة م: (معتدة الغير) ش: يعني: إذا اشترى أمة معتدة وقبضها وانقضت مدتها بعد القبض لا يجب الاستبراء؛ لأن استحداث الملك المؤكد بالقبض لم يكن فرجها حلالا للمشتري فلما لم يجب وقت الإحداث لم يجب بعده
стр. 6126
قال: ولا يقرب المظاهر،
ولا يلمس ولا يقبل ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يكفر؛ لأنه لما حرم الوطء إلى أن يكفر حرم الدواعي للإفضاء إليه؛ لأن الأصل أن سبب الحرام حرام كما في الاعتكاف والإحرام، وفي المنكوحة إذا وطئت بشبهة بخلاف حالة الحيض والصوم؛ لأن الحيض يمتد شطر عمرها.
ــ
[البناية]
لعدم تجرد السبب. ثم اعلم أنه إذا تزوجها قبل الشراء، ثم اشتراها يسقط عنه جميع المهر، وفيها إذا تزوجها غير المشتري قبل قبضه يجب نصف المهر على الزوج إذا طلقها قبل دخول المولى الجارية وله أن يبرئه من ذلك.
م: (قال: ولا يقرب المظاهر) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": المراد من عدم القربان ترك الجماع.
فإن قلت: هذه المسألة ليست من مسائل الاستبراء فلم يذكر هاهنا بدون المناسبة.
قلت: ذكرها في " الجامع الصغير " استطرادا: فإن الكلام لما انساق في الاستبراء إلى حرمة الدواعي، وفي هذه المسألة أيضا حرمة الدواعي، وذكرها المصنف ﵀ كذلك اتباعا له، وقد قيل: يجوز أن يقال: صدر هذا الفصل بالاستبراء وغيره، وهذه من غيره وفيه نظر؛ لأن مراده من غير أن يكون من جنسه وقد بينا منه.
[لمس المظاهر وتقبيله قبل التكفير]
م: (ولا يلمس ولا يقبل ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يكفر؛ لأنه لما حرم الوطء إلى أن يكفر) ش: لقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وقد أوجب كفارة قبل المسيس: وهو الوطء، فإذا وطئها قبل الكفارة يلزم ترك المأمور به قطعا، فكان حراما، فلما حرم الوطء إلى أن يكفر، م: (حرم الدواعي للإفضاء إليه) ش: أي إلى الوطء م: (لأن الأصل أن سبب الحرام حرام) ش: لا محالة؛ لأنه لو كان السبب حلالا كان السبب أيضا حلالا؛ لأن المقصود من شرعية السبب هو المسبب م: (كما في الاعتكاف) ش: لما حرم الوطء ودواعيه م: (والإحرام) ش: أي كما في حالة الإحرام لما حرم الوطء حرم الدواعي أيضا.
م: (وفي المنكوحة) ش: أي وكما في المنكوحة م: (إذا وطئت بشبهة) ش: حرم وطئها قبل انقضاء العدة، وكذلك حرم الدواعي م: (بخلاف حالة الحيض والصوم) ش: حيث يحرم الوطء فيها ولا يحرم الدواعي، ولكن في الصوم إذا أمن الصائم على نفسه وعليها، م: (لأن الحيض يمتد شطر عمرها) ش: أي يمتد قريب شطر عمرها، وهو الثلث، والمراد من الشطر: البعض، أي لبعض عمرها فتحريم الدواعي يفضي إلى الحرج.
وقال السغناقي: أي يقرب من شطر عمرها، وهو عشرة أيام في كل شهر، فكان قريبا
стр. 6127
والصوم يمتد شهرا فرضا وأكثر العمر نفلا، ففي المنع عنها بعض الحرج ولا كذلك ما عددناها، لقصور مددها، وقد صح أن النبي ﵊: «كان يقبل وهو صائم ويضاجع نساءه وهن حيض.»
ــ
[البناية]
بخمسة عشر يوما، وهي نصف الشهر.
وقال صاحب " العناية ": وفيه نظر؛ لأنه يشير إلى أن الشطر هو النصف ويتقوى بذلك استدلال الشافعي ﵀ علينا بالحديث على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما.
قلت: لم يشر السغناقي إلى أن الشطر من النصف، بل المصنف ﵀ هو الذي أشار إلى ذلك، والنظر وارد عليه؛ لأن شطر الشيء في اللغة كنصفه، وقد قال: يمتد شطر عمرها فأوقع الشطر مفعول يمتد، ولكن كلامه أول بما ذكرنا؛ لأنهم كثيرا ما يطلقون الشطر على أقل من النصف.
م: (والصوم يمتد شهرا فرضا وأكثر العمر نفلا) ش: أي يمتد أكثر العمر حال كونه نفلا م: (ففي المنع عنها) ش: أي عن الدواعي حالة كونها في حالة الحيض والصوم م: (بعض الحرج) ش: والحرج مدفوع شرعا م: (ولا كذلك ما عددناها) ش: وهي الطهارة والاعتكاف والإحرام والموطوءة بشبهة م: (لقصور مددها) ش: أي مدد هذه الأشياء؛ لأنها تقع في أوقات مخصوصة.
م: (وقد صح أن النبي ﵊ «كان يقبل وهو صائم» «ويضاجع نساءه وهن حيض» ش: هذان حديثان، الأول: رواه الجماعة في "كتبهم": عن الأسود وعلقمة عن عائشة ﵂ إلا ابن ماجه فإنه أخرجه عن القاسم بن محمد ﵀ عنها، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم ولكنه أملككم لإربه» .
وأخرجوه إلا البخاري ﵀ عن عمرو بن ميمونة ﵀ عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل في شهر رمضان» .
وفي لفظ لهما بهذا الإسناد، قال: «كان رسول الله ﷺ يقبل في رمضان وهو صائم» .
وأخرجه مسلم ﵀ عن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم» . وأخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم» ، وأخرج أبو داود عن محمد بن دينار، عن سعد بن أوس عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويمص
стр. 6128
قال: ومن له أمتان أختان فقبلهما بشهوة ، فإنه لا يجامع واحدة منهما ولا يقبلها ولا يمسها بشهوة ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يملك فرج الأخرى غيره بملك أو نكاح، أو يعتقها،
ــ
[البناية]
لسانها» . وبوب عليه: "باب الصيام ويبتلع الريق"، فهو منازع في ذلك وإذ لا يلزم من المص الابتلاع، فقد يمكن أن يمصه ويمجه، هكذا قيل: وفيه نظر؛ لأن الذي يمص لسان شخص إنما يمصه من غاية المحبة، وكيف يمص لسانه ثم يبصق فإن هذا بعيد جدا، فإن الشخص إنما يبصق شيئا يكرهه غاية الكراهية، ولو كره لما مصه. ورواه أحمد ﵀ في "مسنده " وهو حديث ضعيف.
قال ابن عدي ﵀: ويمص لسانه لا يقوله إلا محمد بن دينار وقد ضعفه يحيى بن معين، وسعد بن أوس قال ابن معين فيه أيضا: بصري ضعيف، قال عبد الحق ﵀ في "أحكامه ": هذا حديث لا يصح، فإن ابن دينار وابن أوس لا يحتج بهما، وقال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا حديث غير صحيح، انتهى كلام عبد الحق. وأعله ابن القطان في "كتابه " بمصدع فقط. وقال: قال السعدي: كان مصدع زائغا حائدا عن الطريق، يعني في التشيع.
وقال ابن الجوزي ﵀ في " العلل المتناهية ": محمد بن دينار، وسعد بن أوس ومصدع: ضعفاء الحديث.
الثاني: أخرجه الجماعة أيضا عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يضاجعها، وفي لفظ ثم يباشرها» . وأخرج البخاري ومسلم عن زينب بنت أم سلمة عن أمها «أم سلمة ﵂ قالت: بينما أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة معه في الجميلة، حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الجميلة» .
[له أمتان أختان فقبلهما بشهوة]
م: (قال: ومن له أمتان أختان فقبلهما بشهوة فإنه لا يجامع واحدة منهما ولا يقبلها ولا يمسها بشهوة ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يملك فرج الأخرى غيره بملك أو نكاح أو يعتقها) ش: أي قال القدوري ﵀ في " الجامع الصغير ": أيضا هذه ثلاثة أوجه: إما قبلها أو لم يقبلها، أو قبل إحداهما، فإن لم يقبلهما أصلا كان له أن يقبل ويطأ أيهما شاء سواء إن كان اشتراهما
стр. 6129
وأصل هذا: أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطئا لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] لأن الترجيح للمحرم، وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي لإطلاق النص؛ ولأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء في التحريم على ما مهدناه من قبل، فإذا قبلهما فكأنه وطأهما، ولو وطأهما ليس له أن يجامع إحداهما، ولا أن يأتي بالدواعي فيهما، فكذا إذا قبلهما، وكذا إذا مسهما بشهوة أو نظر إلى فرجيهما بشهوة لما بيناه؛
ــ
[البناية]
معا أو على التعاقب وإن كان قبل إحداهما كان له أن يطأ المقبلة دون الأخرى، وأما إذا قبلها بشهوة وقيد بذلك؛ لأنه إذا لم يكن بشهوة لا يكون معتبرا.
[الجمع بين الأختين المملوكتين]
م: (وأصل هذا أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطئا) ش: أي من حيث الوطء لا يجوز م: (لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ش: والمراد تحريم العقد والوطء بالإجماع، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم تحقيقا لقضية العطف، وهو المروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وعليه أكثر الصحابة.
م: (ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] لأن الترجيح للمحرم) ش: أراد بذلك أن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يدل على الحل، وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] على الحرمة والمحرم مع المباح إذا اجتمعا، فالمحرم أولى؛ لأن الحرام يجب تركه، والمباح لا يجب فعله، ومذهب عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أنه يجوز؛ لأنه أحلتهما آية وحرمتهما آية.
والأصل في الأبضاع الحل بعد وجود سبب الحل، وقد وجد وهو سبب ملك اليمين.
فإن قلت: الأصل في الدلائل الجمع، وأمكن هنا بأن يحمل قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] على النكاح. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] على ملك اليمين.
قلت: المعنى الذي يحرم الجمع بين الأختين نكاحا وجد هنا وهو قطيعة الرحم فيثبت الحكم، هذا أيضا؛ لأن قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مخصوص إجماعا، فإن أمه وأخته من الرضاع، والأمة المجوسية حرام، فلا يعارض ما ليس بمخصوص وهو المحرم للجمع.
م: (وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي لإطلاق النص، ولأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء في التحريم على ما مهدناه من قبل) ش: أشار به إلى قوله: لأن الأصل أن سبب الحرام حرام م: (فإذا قبلهما فكأنه وطأهما، ولو وطأهما ليس له أن يجامع إحداهما، ولا أن يأتي بالدواعي فيهما، فكذا إذا قبلهما وكذا إذا مسهما بشهوة أو نظر إلى فرجيهما بشهوة لما بيناه) ش: أشار به إلى
стр. 6130
إلا أن يملك فرج الأخرى غيره بملك أو نكاح أو يعتقها؛ لأنه لما حرم عليه فرجها لم يبق جامعا. وقوله: بملك أراد به: ملك يمين فينتظم التمليك بسائر أسبابه بيعا أو غيره. وتمليك الشقص فيه كتمليك الكل؛ لأن الوطء يحرم به، وكذا إعتاق البعض من إحداهما كإعتاق كلها. وكذا الكتابة كالإعتاق في هذا لثبوت حرمة الوطء بذلك كله، وبرهن إحداهما وإجارتها وتدبيرها لا تحل الأخرى؛ ألا ترى أنها لا تخرج بها عن ملكه.
ــ
[البناية]
قوله: لأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء م: (إلا أن يملك فرج الأخرى غيره بملك) ش: بأن يبيعها أو يهديها أو يتصدق بها م: (أو نكاح) ش: بأن يزوجها غيره م: (أو يعتقها؛ لأنه لما حرم عليه فرجها لم يبق جامعا) ش: بين الأختين.
م: (وقوله: بملك أراد به: ملك يمين) ش: أي قول القدوري في "مختصره ": حتى يملك فرج الأخرى بملك أراد بملك يمين م: (فينتظم التمليك بسائر أسبابه) ش: أي ينتظم التمليك بسائر أسباب التمليك م: (بيعا أو غيره) ش: أي من حيث البيع أو غيره نحو الهبة والصدقة.
م: (وتمليك الشقص فيه كتمليك الكل) ش: أي تمليك بعض الأخرى في هذا الباب كتمليك كلها م: (لأن الوطء يحرم به) ش: أي بتمليك الشقص. م: (وكذا إعتاق البعض من إحداهما كإعتاق كلها) ش: أي وكذا إعتاق بعض من إحداهما كإعتاق كلها لحرمة الوطء به.
م: (وكذا الكتابة كالإعتاق) ش: أي وكذا لو كاتب إحداهما فإن الكتابة كالإعتاق لثبوت حرمة الوطء بها حتى لو وطئها يعزم العقد لها.
وقال صاحب " العناية ": وكلمة كذا زائدة.
قلت: زيادة كذا في كلام العرب غير مشهورة م: (في هذا) ش: أي في أنه تحل الأخرى.
فإن قلت: بالكتابة لم يخرج من ملك المولى حتى يستلزمه استبراء جديد بعد العجز، ولم يجعل فرجها للغير، فكان ينبغي أن لا يحل له وطء الأخرى.
قلت: الحل يزول بالكتابة كما ذكرنا، فجعل زوال الحل عنها بالكتابة كزواله بالتزويج، فيحل له أن يطأ الأخرى م: (لثبوت حرمة الوطء بذلك كله) ش: أي كما ذكرنا في الصور، وهو تمليك الشقص وإعتاق البعض والكتابة.
م: (وبرهن إحداهما) ش: أي إحدى الأمتين الأختين م: (وإجارتها) ش: أي إجارة إحداهما م: (وتدبيرها) ش: أي تدبير إحداهما م: (لا تحل الأخرى ألا ترى أنها) ش: أي لأن التي رهنها أو أجرها أو دبرها م: (لا تخرج بها) ش: أي بالأشياء المذكورة م: (عن ملكه) ش: فيكون جامعا.
следующие страницы →