Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
قال: ولا يقرب المظاهر،
ولا يلمس ولا يقبل ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يكفر؛ لأنه لما حرم الوطء إلى أن يكفر حرم الدواعي للإفضاء إليه؛ لأن الأصل أن سبب الحرام حرام كما في الاعتكاف والإحرام، وفي المنكوحة إذا وطئت بشبهة بخلاف حالة الحيض والصوم؛ لأن الحيض يمتد شطر عمرها.
ــ
[البناية]
لعدم تجرد السبب. ثم اعلم أنه إذا تزوجها قبل الشراء، ثم اشتراها يسقط عنه جميع المهر، وفيها إذا تزوجها غير المشتري قبل قبضه يجب نصف المهر على الزوج إذا طلقها قبل دخول المولى الجارية وله أن يبرئه من ذلك.
م: (قال: ولا يقرب المظاهر) ش: أي قال في " الجامع الصغير ": المراد من عدم القربان ترك الجماع.
فإن قلت: هذه المسألة ليست من مسائل الاستبراء فلم يذكر هاهنا بدون المناسبة.
قلت: ذكرها في " الجامع الصغير " استطرادا: فإن الكلام لما انساق في الاستبراء إلى حرمة الدواعي، وفي هذه المسألة أيضا حرمة الدواعي، وذكرها المصنف ﵀ كذلك اتباعا له، وقد قيل: يجوز أن يقال: صدر هذا الفصل بالاستبراء وغيره، وهذه من غيره وفيه نظر؛ لأن مراده من غير أن يكون من جنسه وقد بينا منه.
[لمس المظاهر وتقبيله قبل التكفير]
م: (ولا يلمس ولا يقبل ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يكفر؛ لأنه لما حرم الوطء إلى أن يكفر) ش: لقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وقد أوجب كفارة قبل المسيس: وهو الوطء، فإذا وطئها قبل الكفارة يلزم ترك المأمور به قطعا، فكان حراما، فلما حرم الوطء إلى أن يكفر، م: (حرم الدواعي للإفضاء إليه) ش: أي إلى الوطء م: (لأن الأصل أن سبب الحرام حرام) ش: لا محالة؛ لأنه لو كان السبب حلالا كان السبب أيضا حلالا؛ لأن المقصود من شرعية السبب هو المسبب م: (كما في الاعتكاف) ش: لما حرم الوطء ودواعيه م: (والإحرام) ش: أي كما في حالة الإحرام لما حرم الوطء حرم الدواعي أيضا.
م: (وفي المنكوحة) ش: أي وكما في المنكوحة م: (إذا وطئت بشبهة) ش: حرم وطئها قبل انقضاء العدة، وكذلك حرم الدواعي م: (بخلاف حالة الحيض والصوم) ش: حيث يحرم الوطء فيها ولا يحرم الدواعي، ولكن في الصوم إذا أمن الصائم على نفسه وعليها، م: (لأن الحيض يمتد شطر عمرها) ش: أي يمتد قريب شطر عمرها، وهو الثلث، والمراد من الشطر: البعض، أي لبعض عمرها فتحريم الدواعي يفضي إلى الحرج.
وقال السغناقي: أي يقرب من شطر عمرها، وهو عشرة أيام في كل شهر، فكان قريبا
стр. 6127
والصوم يمتد شهرا فرضا وأكثر العمر نفلا، ففي المنع عنها بعض الحرج ولا كذلك ما عددناها، لقصور مددها، وقد صح أن النبي ﵊: «كان يقبل وهو صائم ويضاجع نساءه وهن حيض.»
ــ
[البناية]
بخمسة عشر يوما، وهي نصف الشهر.
وقال صاحب " العناية ": وفيه نظر؛ لأنه يشير إلى أن الشطر هو النصف ويتقوى بذلك استدلال الشافعي ﵀ علينا بالحديث على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما.
قلت: لم يشر السغناقي إلى أن الشطر من النصف، بل المصنف ﵀ هو الذي أشار إلى ذلك، والنظر وارد عليه؛ لأن شطر الشيء في اللغة كنصفه، وقد قال: يمتد شطر عمرها فأوقع الشطر مفعول يمتد، ولكن كلامه أول بما ذكرنا؛ لأنهم كثيرا ما يطلقون الشطر على أقل من النصف.
م: (والصوم يمتد شهرا فرضا وأكثر العمر نفلا) ش: أي يمتد أكثر العمر حال كونه نفلا م: (ففي المنع عنها) ش: أي عن الدواعي حالة كونها في حالة الحيض والصوم م: (بعض الحرج) ش: والحرج مدفوع شرعا م: (ولا كذلك ما عددناها) ش: وهي الطهارة والاعتكاف والإحرام والموطوءة بشبهة م: (لقصور مددها) ش: أي مدد هذه الأشياء؛ لأنها تقع في أوقات مخصوصة.
م: (وقد صح أن النبي ﵊ «كان يقبل وهو صائم» «ويضاجع نساءه وهن حيض» ش: هذان حديثان، الأول: رواه الجماعة في "كتبهم": عن الأسود وعلقمة عن عائشة ﵂ إلا ابن ماجه فإنه أخرجه عن القاسم بن محمد ﵀ عنها، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم ولكنه أملككم لإربه» .
وأخرجوه إلا البخاري ﵀ عن عمرو بن ميمونة ﵀ عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل في شهر رمضان» .
وفي لفظ لهما بهذا الإسناد، قال: «كان رسول الله ﷺ يقبل في رمضان وهو صائم» .
وأخرجه مسلم ﵀ عن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم» . وأخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم» ، وأخرج أبو داود عن محمد بن دينار، عن سعد بن أوس عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويمص
стр. 6128
قال: ومن له أمتان أختان فقبلهما بشهوة ، فإنه لا يجامع واحدة منهما ولا يقبلها ولا يمسها بشهوة ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يملك فرج الأخرى غيره بملك أو نكاح، أو يعتقها،
ــ
[البناية]
لسانها» . وبوب عليه: "باب الصيام ويبتلع الريق"، فهو منازع في ذلك وإذ لا يلزم من المص الابتلاع، فقد يمكن أن يمصه ويمجه، هكذا قيل: وفيه نظر؛ لأن الذي يمص لسان شخص إنما يمصه من غاية المحبة، وكيف يمص لسانه ثم يبصق فإن هذا بعيد جدا، فإن الشخص إنما يبصق شيئا يكرهه غاية الكراهية، ولو كره لما مصه. ورواه أحمد ﵀ في "مسنده " وهو حديث ضعيف.
قال ابن عدي ﵀: ويمص لسانه لا يقوله إلا محمد بن دينار وقد ضعفه يحيى بن معين، وسعد بن أوس قال ابن معين فيه أيضا: بصري ضعيف، قال عبد الحق ﵀ في "أحكامه ": هذا حديث لا يصح، فإن ابن دينار وابن أوس لا يحتج بهما، وقال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا حديث غير صحيح، انتهى كلام عبد الحق. وأعله ابن القطان في "كتابه " بمصدع فقط. وقال: قال السعدي: كان مصدع زائغا حائدا عن الطريق، يعني في التشيع.
وقال ابن الجوزي ﵀ في " العلل المتناهية ": محمد بن دينار، وسعد بن أوس ومصدع: ضعفاء الحديث.
الثاني: أخرجه الجماعة أيضا عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يضاجعها، وفي لفظ ثم يباشرها» . وأخرج البخاري ومسلم عن زينب بنت أم سلمة عن أمها «أم سلمة ﵂ قالت: بينما أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة معه في الجميلة، حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الجميلة» .
[له أمتان أختان فقبلهما بشهوة]
م: (قال: ومن له أمتان أختان فقبلهما بشهوة فإنه لا يجامع واحدة منهما ولا يقبلها ولا يمسها بشهوة ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى يملك فرج الأخرى غيره بملك أو نكاح أو يعتقها) ش: أي قال القدوري ﵀ في " الجامع الصغير ": أيضا هذه ثلاثة أوجه: إما قبلها أو لم يقبلها، أو قبل إحداهما، فإن لم يقبلهما أصلا كان له أن يقبل ويطأ أيهما شاء سواء إن كان اشتراهما
стр. 6129
وأصل هذا: أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطئا لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] لأن الترجيح للمحرم، وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي لإطلاق النص؛ ولأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء في التحريم على ما مهدناه من قبل، فإذا قبلهما فكأنه وطأهما، ولو وطأهما ليس له أن يجامع إحداهما، ولا أن يأتي بالدواعي فيهما، فكذا إذا قبلهما، وكذا إذا مسهما بشهوة أو نظر إلى فرجيهما بشهوة لما بيناه؛
ــ
[البناية]
معا أو على التعاقب وإن كان قبل إحداهما كان له أن يطأ المقبلة دون الأخرى، وأما إذا قبلها بشهوة وقيد بذلك؛ لأنه إذا لم يكن بشهوة لا يكون معتبرا.
[الجمع بين الأختين المملوكتين]
م: (وأصل هذا أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطئا) ش: أي من حيث الوطء لا يجوز م: (لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ش: والمراد تحريم العقد والوطء بالإجماع، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم تحقيقا لقضية العطف، وهو المروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وعليه أكثر الصحابة.
م: (ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] لأن الترجيح للمحرم) ش: أراد بذلك أن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يدل على الحل، وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] على الحرمة والمحرم مع المباح إذا اجتمعا، فالمحرم أولى؛ لأن الحرام يجب تركه، والمباح لا يجب فعله، ومذهب عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أنه يجوز؛ لأنه أحلتهما آية وحرمتهما آية.
والأصل في الأبضاع الحل بعد وجود سبب الحل، وقد وجد وهو سبب ملك اليمين.
فإن قلت: الأصل في الدلائل الجمع، وأمكن هنا بأن يحمل قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] على النكاح. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] على ملك اليمين.
قلت: المعنى الذي يحرم الجمع بين الأختين نكاحا وجد هنا وهو قطيعة الرحم فيثبت الحكم، هذا أيضا؛ لأن قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مخصوص إجماعا، فإن أمه وأخته من الرضاع، والأمة المجوسية حرام، فلا يعارض ما ليس بمخصوص وهو المحرم للجمع.
م: (وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الدواعي لإطلاق النص، ولأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء في التحريم على ما مهدناه من قبل) ش: أشار به إلى قوله: لأن الأصل أن سبب الحرام حرام م: (فإذا قبلهما فكأنه وطأهما، ولو وطأهما ليس له أن يجامع إحداهما، ولا أن يأتي بالدواعي فيهما، فكذا إذا قبلهما وكذا إذا مسهما بشهوة أو نظر إلى فرجيهما بشهوة لما بيناه) ش: أشار به إلى
стр. 6130
إلا أن يملك فرج الأخرى غيره بملك أو نكاح أو يعتقها؛ لأنه لما حرم عليه فرجها لم يبق جامعا. وقوله: بملك أراد به: ملك يمين فينتظم التمليك بسائر أسبابه بيعا أو غيره. وتمليك الشقص فيه كتمليك الكل؛ لأن الوطء يحرم به، وكذا إعتاق البعض من إحداهما كإعتاق كلها. وكذا الكتابة كالإعتاق في هذا لثبوت حرمة الوطء بذلك كله، وبرهن إحداهما وإجارتها وتدبيرها لا تحل الأخرى؛ ألا ترى أنها لا تخرج بها عن ملكه.
ــ
[البناية]
قوله: لأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء م: (إلا أن يملك فرج الأخرى غيره بملك) ش: بأن يبيعها أو يهديها أو يتصدق بها م: (أو نكاح) ش: بأن يزوجها غيره م: (أو يعتقها؛ لأنه لما حرم عليه فرجها لم يبق جامعا) ش: بين الأختين.
م: (وقوله: بملك أراد به: ملك يمين) ش: أي قول القدوري في "مختصره ": حتى يملك فرج الأخرى بملك أراد بملك يمين م: (فينتظم التمليك بسائر أسبابه) ش: أي ينتظم التمليك بسائر أسباب التمليك م: (بيعا أو غيره) ش: أي من حيث البيع أو غيره نحو الهبة والصدقة.
م: (وتمليك الشقص فيه كتمليك الكل) ش: أي تمليك بعض الأخرى في هذا الباب كتمليك كلها م: (لأن الوطء يحرم به) ش: أي بتمليك الشقص. م: (وكذا إعتاق البعض من إحداهما كإعتاق كلها) ش: أي وكذا إعتاق بعض من إحداهما كإعتاق كلها لحرمة الوطء به.
م: (وكذا الكتابة كالإعتاق) ش: أي وكذا لو كاتب إحداهما فإن الكتابة كالإعتاق لثبوت حرمة الوطء بها حتى لو وطئها يعزم العقد لها.
وقال صاحب " العناية ": وكلمة كذا زائدة.
قلت: زيادة كذا في كلام العرب غير مشهورة م: (في هذا) ش: أي في أنه تحل الأخرى.
فإن قلت: بالكتابة لم يخرج من ملك المولى حتى يستلزمه استبراء جديد بعد العجز، ولم يجعل فرجها للغير، فكان ينبغي أن لا يحل له وطء الأخرى.
قلت: الحل يزول بالكتابة كما ذكرنا، فجعل زوال الحل عنها بالكتابة كزواله بالتزويج، فيحل له أن يطأ الأخرى م: (لثبوت حرمة الوطء بذلك كله) ش: أي كما ذكرنا في الصور، وهو تمليك الشقص وإعتاق البعض والكتابة.
م: (وبرهن إحداهما) ش: أي إحدى الأمتين الأختين م: (وإجارتها) ش: أي إجارة إحداهما م: (وتدبيرها) ش: أي تدبير إحداهما م: (لا تحل الأخرى ألا ترى أنها) ش: أي لأن التي رهنها أو أجرها أو دبرها م: (لا تخرج بها) ش: أي بالأشياء المذكورة م: (عن ملكه) ش: فيكون جامعا.
стр. 6131
وقول: أو نكاح أراد به النكاح الصحيح. أما إذا زوج إحداهما نكاحا فاسدا، لا يباح له وطء الأخرى إلا أن يدخل الزوج بها فيه؛ لأنه يجب العدة عليها، والعدة كالنكاح الصحيح في التحريم. ولو وطئ إحداهما حل له وطء الموطوءة دون الأخرى؛ لأنه يصير جامعا بوطء الأخرى لا بوطء الموطوءة. وكل امرأتين لا يجوز الجمع بينهما نكاحا فيما ذكرناه بمنزلة الأختين.
قال: ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئا منه، أو يعانقه ، وذكر الطحاوي أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-. وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس بالتقبيل والمعانقة
ــ
[البناية]
م: (وقول: أو نكاح) ش: أي وقول القدوري: أو نكاح م: (أراد به النكاح الصحيح. أما إذا زوج إحداهما نكاحا فاسدا لا يباح له وطء الأخرى إلا أن يدخل الزوج بها فيه) ش: أي في النكاح الفاسد.
م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (يجب العدة عليها، والعدة كالنكاح الصحيح في التحريم) ش: على المولى فيجعل له حينئذ أن يطأ أختها م: (ولو وطئ إحداهما) ش: أي لو وطأ إحدى الأمتين الأختين م: (حل له وطء الموطوءة دون الأخرى) ش: أي غير الموطوءة م: (لأنه يصير جامعا بوطء الأخرى لا بوطء الموطوءة) ش: أي لأن بالوطئ إنما يصير جامعا بين الأختين، إذا جمعت الأخرى، أما إذا اقتصر على وطء الموطوءة لا يصير جامعا، وهذا ظاهر.
م: (وكل امرأتين لا يجوز الجمع بينهما نكاحا) ش: أي من حيث النكاح كما إذا كانت إحداهما عمة الأخرى أو خالتها م: (فيما ذكرناه بمنزلة الأختين) ش: يعني تكونان بمنزلة الجمع بين الأختين في قضاء الشهوة، فإذا قبلهما أو لمسهما، أو نظر إلى فرجهما بشهوة، لا يجوز له وطء واحدة منهما حتى يحرم فرج الأخرى عليه بوجه من الوجوه، وكذا الحكم فيما إذا كانت إحداهما أم الأخرى أو بينهما لا يجوز الجمع بينهما في قضاء الشهوة.
[يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئا منه أو يعانقه]
م: (قال: ويكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئا منه أو يعانقه) ش: قال في " الجامع الصغير ": وصورتها فيه: محمد عن يعقوب ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: أكره أن يقبل الرجل من الرجل فمه، أو يده، أو شيئا منه، وأكره المعانقة ولا أرى بالمصافحة، ولم يذكر الخلاف كما ترى، ولهذا قال المصنف ﵀ م: (وذكر الطحاوي) ش: أي في " شرح الآثار ": م: (أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- وقال أبو يوسف ﵀ لا بأس بالتقبيل والمعانقة) ش: ذكره الطحاوي في " شرح الآثار " بإسناده إلى «أنس بن مالك قال: قالوا يا رسول الله: "أينحني بعضنها بعضا إذا التقينا؟ قال: "لا"، قالوا: فيعانق بعضنا بعضا؟ قال: "لا"، قالوا: فيصافح بعضنا بعضا؟ قال: "تصافحوا» . قال الطحاوي:
стр. 6132
لما «روي أن النبي ﵊ عانق جعفرا ﵁ حين قدم من الحبشة وقبل بين عينيه» .
ــ
[البناية]
وذهب قوم إلى هذا فكرهوا المعانقة، منهم أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، وخالفهم آخرون ولم يروا به بأسا، منهم أبو يوسف، وأخذ الطحاوي يقول أبي يوسف في " شرح معاني الآثار " فمن أراد ذلك فليعاود إليه في " شرح الآثار "، وقد أمعنا الكلام في هذا الباب في " شرح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار ": فمن أراد ذلك فليعاود إليه.
م: (لما روي أن «النبي ﵊ عانق جعفرا ﵁ حين قدم من الحبشة وقبل بين عينيه» ش: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، منهم: عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أخرج حديثه الحاكم في "مستدركه "، عن حيوة ابن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: «وجه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلى بلاد الحبشة، فلما قدم منها اعتنقه النبي ﷺ وقبل بين عينيه» . قال الحاكم: إسناده صحيح.
ومنهم جابر أخرج حديثه - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الحاكم أيضا عن الأجلح، عن الشعبي عن جابر قال: «لما قدم رسول الله ﷺ من خيبر، وقدم جعفر من الحبشة، تلقاه رسول الله ﷺ وقبل جبهته، وقال: "والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر وسكت عنه» .
ثم أخرجه عن سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال: لما قدم رسول الله ﷺ ، الحديث، وقال: هذا مرسل صحيح، وأخرجه الطحاوي أيضا مرسلا، ورواه البيهقي في " دلائل النبوة في باب: غزوة خيبر "، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الحسن بن إسماعيل أبي العلوي، حدثنا أحمد بن محمد البيروني، حدثنا محمد بن أحمد بن أبي طيبة حدثني مكي بن إبراهيم الرعيني حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ فذكره، وقال: في إسناده إلى الثوري من لا يعرف.
ومنهم أبو جحيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه الطبراني ﵀ في
стр. 6133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
"معجمه الأوسط والصغير "، حدثنا أحمد بن خالد بن مسرح الحراني، حدثنا عمي الوليد بن عبد الملك بن مسرح، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا مسعر بن كدام، عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: «قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فقيل رسول الله ﷺ فعانقه» وقال: تفرد به الوليد بن عبد الملك.
وأخرجه ابن عدي ﵀ في " الكامل ": محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: «لما قدم جعفر ﵁ وأصحابه قبل رسول الله ﷺ ما بين عينيه وقال: "ما أدري أبقدوم جعفر أسر أو بفتح خيبر؟» . ومنهم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أخرج حديثها الدارقطني في "سننه " عنها قالت: «لما قدم جعفر بن أبي طالب ﵁ وأصحابه استقبله رسول الله ﷺ وقبله بين عينيه» .
ومن طريق ابن عدي ﵀ -رواه البيهقي في " شعب الإيمان "، وروى البزار ﵀ في "مسنده "، حدثنا أحمد، حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا إسماعيل بن أبي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك حدثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه قال: «لما قدم جعفر من الحبشة، أتاه النبي ﷺ فقبل بين عينيه، وقال: "ما أنا بفتح خيبر أشد فرحا مني بقدوم جعفر ﵁» . وقال: لا نعلمه يروى عن عبد الله بن جعفر ﵁ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد رواه الشعبي عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه ﵁.
ورواه البيهقي في " شعب الإيمان "، أخبرنا أبو الحسين بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا إسماعيل بن الفضل، حدثنا خليفة بن خياط، حدثنا زياد بن عبد الله البهي، حدثنا مجاهد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: «لما قدم جعفر من الحبشة استقبله النبي ﷺ فقبل شفتيه» .
стр. 6134
ولهما ما «روي أن النبي ﵊ نهى عن المكامعة وهي المعانقة؛ وعن المكاعمة وهي التقبيل» ،
ــ
[البناية]
قال البيهقي ﵀: هكذا وجدته، والمعروف: بين عينيه.
وحديث آخر رواه الترمذي، وفي "الاستئذان" حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد المديني، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله» قال: حديث حسن غريب.
ورواه أبو نعيم في " دلائل النبوة " بالإسناد المذكور، قال: «بلغ رسول الله ﷺ أن امرأة من بني فزارة يقال لها: " أم قرفة " جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها وقالت: اذهبوا إلى المدينة فاقتلوا محمدا، فقال النبي ﷺ : "اللهم أثكلها بولدها"، وبعث إليهم بزيد بن حارثة ﵁. فالتقوا، فقتل زيد بني فزارة وقتل أم قرفة وولدها. فأقبل زيد حتى قدم المدينة» . الحديث.
الآخر رواه ابن سعد في " الطبقات ": أخبرنا الواقدي حدثني يعقوب بن عمر، عن نافع العدوي عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم العدوي، قال: «أسلم نعيم بن عبد الله بن النحام بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه ثم هاجر إلى المدينة في أربعين نفر من أهله، فأتى رسول الله ﷺ فاعتنقه وقبله» .
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀: م: (ما روي أن النبي ﵊ «نهى عن المكامعة وهي المعانقة، وعن المكاعمة وهي التقبيل» ش: هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" و"مسنده " جميعا، حدثنا زيد بن الحباب حدثني يحيى بن أيوب المصري، أخبرني عياش بن عباس الحميري، عن أبي الحصين الهيثم، عن عامر الحجري، قال: سمعت أبا ريحانة ﵁ صاحب النبي ﷺ قال: «كان رسول
стр. 6135
وما رواه محمول على ما قبل التحريم.
ــ
[البناية]
الله ﷺ ينهى عن مكامعة". أو مكاعمة: المرأتين ليس بينهما شيء. وعن مكامعة، أو مكاعمة الرجلين ليس بينهما شيء» .
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في "غريبه ": حدثني أبو النضر عن الليث بن سعد عن عياش بن عباس رفعه إلى النبي ﷺ : «أن نهى عن المكامعة والمكاعمة» . قال أبو عبيد: والمكاعمة أن يلثم الرجل فاه صاحبه، مأخوذ من كعام البعير، وهو أن يشد فاه إذا هاج والمكامعة أن يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحد. وكذلك قيل لزوج المرأة: كميع. قال الأترازي ﵀: أي تفسير المكامعة بالمواثقة فيه نظر؛ لأن المضاجع هوالمعانق غالبا، ولا يضاجع أحدا غيره إلا والغالب أنه يعانقه. قوله: عياش بن عباس، الابن - بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة-، والأب - بالباء الموحدة والسين المهملة-. وأبو الحصين - بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين-، واسمه: الهيثم بن شفي.
قوله: عن عامر الحجري، ويقال: أبو عامر الحجري، وهو الصواب، واسمه عبد الله بن جابر الحجري، وقيل: المعافري. والحجري: -بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم- نسبة حجر عين من اليمن. ثم اعلم أن أبا داود والنسائي: - رحمهما الله- أخرجا حديث المكامعة فقط، فأبو داود ﵀ أخرجه في "اللباس"، والنسائي في "الزينة" عن المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن أبي الحصين الهيثم بن شفي، عن أبي عامر المعافري، عن أبي ريحانة، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن عشرة: عن الوشر والوشم والنتف، ومكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرا مثل الأعاجم، وأن يجعل على منكبيه حريرا، وعن النهي وركوب النمور، ولبس الخاتم إلا لذي سلطان» .
ورواه أحمد في "مسنده "، ورواه ابن ماجه ﵀ عن ابن أبي شيبة بسنده المتقدم سواء: «أن النبي ﷺ ، كان ينهى عن ركوب النمور» ، وأخطأ الحافظ عبد العظيم المنذري في عزوه الحديث بتمامه لابن ماجه، ولكنه قلد أصحاب " الأطراف ".
م: (وما رواه) ش: أي أبو يوسف م: (محمول على ما قبل التحريم) ش: أي كان قبل تحريم التقبيل والمعانقة، والشيخ أبو منصور وفق بين الأحاديث فقال: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، أشار إليه المصنف بقوله.
стр. 6136
قالوا: الخلاف في المعانقة في إزار واحد ، أما إذا كان عليه قميص أو جبة فلا بأس بها بالإجماع وهو الصحيح،
قال: ولا بأس بالمصافحة؛ لأنه هو المتوارث. وقال ﵊: «من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبهما» .
ــ
[البناية]
[المعانقة في إزار واحد]
م: (قالوا: الخلاف في المعانقة في إزار واحد) ش: أي قال المشايخ منهم: أبو منصور الخلاف المذكور فيما إذا عانق رجلا في إزار واحد؛ لأنه سبب يفضي إلى الشهوة م: (أما إذا كان عليه) ش: أي على المعانق م: (قميص أو جبة فلا بأس بها) ش: أي بالمعانقة ذكر الضمير باعتبار العناق. م: (بالإجماع) ش: بين أصحابنا ﵏ م: (وهو الصحيح) ش: أي للذي قاله المشائخ هو الصحيح؛ لأنه ﵀ يكون على وجه البر والكرامة، وهو أمر ممدوح بين الناس.
م: (قال: ولا بأس بالمصافحة) ش: أي قال في " الجامع الصغير "، م: (لأنه هو المتوارث) ش: أي لأن المصافحة هو التوارث بين الناس أراد به سنة قديمة بين الناس في البيعة وغيرها. وذكر الضمير باعتبار التصافح.
م: (وقال ﵊: «من صافح أخاه المسلم وحرك يده تناثرت ذنوبهما» ش: رواه الطبراني في "معجمه الأوسط "، عن أحمد بن رشدين، عن يعقوب الخريقي ﵀ عن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر» .
وأخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " عن صفوان بن سليم، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، حدثنا ابن أبي ليلى، عن حذيفة ﵁ مرفوعا نحوه سواء.
وأخرج أيضا عن «يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ ، فرحب بي وأخذ بيدي ثم قال: "يا براء أتدري لم أخذت بيدك؟ " قال: قلت: خيرا يا رسول الله، قال: "لا يلقى مسلم مسلما فيرحب به ويأخذه بيده، إلا تناثرت الذنوب بينهما، كما يتناثر ورق الشجر» .
وأخرج أبو داود ﵀ والترمذي، وابن ماجه، عن الأجلح، عن أبي
стр. 6137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
إسحاق، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» .
وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه أحمد في "مسنده "، والأجلح: اسمه يحيى بن عبد الله أبو حجية. فيه مقال.
وأخرج أبو داود ﵀ أيضا عن «رجل من عنزة أنه قال لأبي ذر ﵁: أريد أن أسألك عن حديث، هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: "ما لقيته قط إلا صافحني» . وفيه مجهول.
وأخرج الترمذي عن خيثمة، عن رجل، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: «من تمام التحية الأخذ باليد» . وقال: غريب.
وسألت محمد بن إسماعيل عنه فلم يعده محفوظا.
قلت: وفيه مجهول أيضا.
وأخرج الترمذي ﵀ أيضا عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته، ومن تمام التحية المصافحة» وقال: إسناده ليس بقوي، وعلي بن يزيد ضعيف.
وفي "الصحيحين" في حديث كعب بن مالك: «فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ولا أنساها لطلحة» ، وعند البخاري عن قتادة ﵀ قال: قلت لأنس ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
ثم اعلم أن الكلام في هذا الباب على فصول:
الأول: في أنواع القبل.
قال الفقيه أبو الليث ﵀ في شرح " الجامع الصغير ": يقال: القبلة على خمسة أوجه: قبلة تحية، وقبلة شفقة، وقبلة رحمة، وقبلة مودة، وقبلة شهوة.
стр. 6138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فأما قبلة التحية: فكان المؤمنون يقبل بعضهم بعضا على اليد. وقبلة الرحمة: الوالد لولده، والوالدة لولدها على الخد. وقبلة الشفقة: قبلة الولد لوالده أو لوالدته يقبله على الرأس. وأما قبلة المودة: يقبل أخاه وأخته على الخد. وأما قبلة الشهوة: قبلة الزوج لزوجته على الفم.
وفي " كفاية" تاج الشريعة: وزاد بعضهم قبلة ديانة، وهي القبلة على الحجر الأسود، انتهى.
قلت: روى أحاديث كثيرة منها ما أخرجه أبو داود في "الجهاد" و"الأدب" والترمذي في "الجهاد"، وابن ماجه في "الأدب"، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن «ابن عمر ﵁: "أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ...."، فذكر قصته، قال: فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده» .
قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد. ولم يذكر ابن ماجه القصة.
ومنها ما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة بنت طلحة، عن «عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قالت: "ما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله ﷺ من فاطمة ابنته - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: وكانت إذا دخلت عليه قام إليها يقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت له فقبلته وأجلسته في محلها» .
وقال الترمذي ﵀: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح.
ومنها: ما أخرجه الترمذي في "الاستئذان"، والنسائي في السير، وابن ماجه عن عبد الله بن سلمة - بكسر اللام-، عن صفوان بن عسال: «أن قوما من اليهود قبلوا يد النبي ﷺ ورجليه» . وقال الترمذي ﵀: حديث حسن صحيح. قال النسائي: حديث منكر. وقال المنذري ﵀: وكان إنكاره له من جهة عبد الله بن سلمة فإن فيه مقالا.
ومنها: ما أخرجه أبو داود ﵀، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، عن مطر
стр. 6139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بن عبد الرحمن الأعتق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها «الزارع بن عامر قال: "فجعلنا نتبادر من رواحلنا، ونقبل يد النبي ﷺ ورجله» . ورواه البخاري ﵀ في كتابه " الأدب المفرد "، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مطر، به.
ومنها: ما أخرجه الترمذي وابن ماجه في "الجنائز" عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فأكب عليه وقبله ثم بكى حتى رأيت دموعه تسيل على وجنتيه» .
وقال الترمذي ﵀: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم في "المستدرك " وقال: إن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبد الله. وشاهده: حديث ابن عباس، وجابر، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: «أن الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قبل رسول الله ﷺ وهو ميت» . ثم أعاده في " الفضائل " بالسند المذكور، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في "مختصره " وقال: سنده واه.
ومنها: ما أخرجه أبو داود ﵀ عن «أسيد بن حضير قال: "بينا هو يحدث القوم يضحكهم وكان فيه مزاج إذ طعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود فقال: أصبرني يا رسول الله، قال: اصطبر. قال: إن عليك قميصا وليس علي قميص فرفع النبي ﷺ عن قميصه فاحتضنه وجعل يقبل كشحه، وقال: إنما أردت هذا يا رسول الله» .
قوله: اصطبرني؛ أي أقدني، وقوله: اصطبر: استقد.
ومنها: ما أخرجه الحاكم في "مستدركه في البر والصلة" عن عاصم بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن «رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرني شيئا أزداد به يقينا، فقال: اذهب إلى تلك الشجرة فادعها، فذهب إليها فقال لها: إن رسول الله ﷺ يدعوك، فجاءت حتى سلمت على النبي ﷺ ، فقال لها: ارجعي. فرجعت".
стр. 6140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قال: ثم أذن له فقبل رأسه ورجليه، وقال: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» ، وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: صالح بن حبان متروك، ورواه البزار في "مسنده " وقال فيه: " فقبل رأسه ويديه ورجليه " وقال: لا يعلم في تقبيل الرأس غير هذا الحديث.
قلت: هذا عجيب منه كيف غفل عن حديث الإفك؟!
«قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: "قومي فقبلي رأس رسول الله ﷺ » الحديث.
وقال الحافظ المنذري في "مختصره ": وقد صنف الحافظ أبو بكر الأصبهاني المعروف بابن المقرئ جزء في الرخصة في تقبيل اليد ذكر فيه أحاديث عن النبي ﷺ ، وآثار عن الصحابة والتابعين - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين.
فعلم من مجموع ما ذكرنا إباحة قبلة اليد والرجل والرأس والكشح، كما علم من الأحاديث المتقدمة إباحتها من الجبهة المتقدمة وبين العينين وعلى الشفتين، كما علم من حديث عبد الله بن جعفر الذي أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان ".
وقد ذكرناه عن قريب في جملة أحاديث التقبيل ولكن كل ذلك إذا كان على وجه المبرة والإكرام، وأما إذا كان على وجه الشهوة لا يجوز إلا في حق الزوجين.
وذكر في " الواقعات " تقبيل يد الإمام أو السلطان العادل جائز لما روى سفيان أنه قال: "تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة" فقام عبد الله بن المبارك وقبل رأسه وقال: "من يحسن هذا غيرك ".
[تقبيل الأرض بين يدي العلماء] ١
وأما تقبيل يد غيرهم فتكلموا فيه، فمنهم من قال: إن كان الرجل يأمن على نفسه وينوي حسنة وهي تعظيم المسلم وإكرامه، ولا بأس به.
ثم قال في " الواقعات ": والمختار أنه لا رخصة فيه عن المتقدمين.
قلت: هذا خلاف في الأحاديث، وفي " الغاية ": وأما تقبيل الأرض بين يدي العلماء وغيرهم، قالوا: إنه حرام لا إشكال فيه والفاعل والراضي به كذلك آثم؛ لأنه يشبه عبادة الوثن.
وفي " شرح الطحاوي ": وأما ما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره: فهو مكره فلا رخصة فيه.
стр. 6141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " الكافي ": ورخص بعض المتأخرين ﵏ تقبيل يد العالم والمتورع.
قلت: كذلك تقبيل يد الوالدين والأستاذ وكل من يستحق التعظيم والإكرام.
الفصل الثاني: في قيام الرجل اختلفوا فيه، فمنهم من منع ذلك لما روى أبو داود بإسناده إلى أبي أمامة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ متكئا على عصا فقمنا له، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم عظم بعضهم بعضا» .
ومنهم من أباحه استدلالا بقيام النبي ﷺ لابنته فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وهو الذي ذكرناه عن قريب.
ومنهم من فضل على من قال في " قاضي خان ": قوم يقرؤون القرآن أو واحد، فدخل عليهم واحد من الأشراف، فقالوا: إن دخل عليه عالم أو أبواه أو أستاذه جاز أن يقوم لأجله، وفيما سوى ذلك لا يجوز، انتهى.
ومنهم من قال: إن كان الداخل على قوم أو على أحد ممن يتوقع القيام له ينبغي أن يقوم حتى لا يتضرر بتركه، وإن كان يتوقع ذلك يتركه. كما حكي عن الشيخ أبي القاسم السمرقندي الحكيم ﵀: أنه كان إذا دخل عليه أحد من الأغنياء يقوم له ويعظمه ولا يقوم للفقراء وطلبة العلم، فقيل له في ذلك، فقال: لأن الأغنياء يتوقعون مني التعظيم فلو تركت تعظيمهم انزعجوا، والفقراء وطلبة العلم لا يطمعون في ذلك وإنما يطمعون جواب السلام والتكلم معهم في العلم ونحوه فلا يتضررون بترك القيام.
الفصل الثالث: في السجود لغير الله: ذكر المحبوبي ﵀ في شرح؛ "الجامع الصغير ": أما السجود لغير الله فهو كفر إذا كان من غير إكراه وما يفعله الجهال من الصوفية بين يدي شيخهم فحرام محض أقبح البدع فينهون عن ذلك لا محالة، لقوله ﷺ : «لا تفعلوا، لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق» ، أخرجه أبو داود وغيره، أي: لا تسجدوا، وذلك حين قالوا له: أنت أحق أن نسجد لك.
стр. 6142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " الواقعات ": إذا قيل للمسلم: اسجد للملك وإلا قتلناك، فالأفضل أن لا يسجد، لأنه كفر، والأفضل أن لا يأتي بما هو كفر صورة. وإذا كان في حالة الإكراه، وإن كان السجود سجود التحية، فالأفضل أن يسجد، لأنه ليس بكفر، وهذا دليل على أن السجود إذا كانت سنة التحية، إذا كان خائفا لا يكون كفرا، فعلى هذا القياس لا يصير من سجد عند السلطان على وجه التحية كافرا، انتهى ألفاظ " الواقعات ".
قلت: في هذا الزمان لا يسجدون لسلطان إلا تعظيما وإجلالا فلا يشك في كفرهم.
وفي " فتاوى الحسيني ": التواضع لغير الله حرام.
وفي " الكافي ": قال شمس الأئمة السرخسي: السجود لغير الله في وجه التعظيم كفر.
стр. 6143
فصل في البيع قال: ولا بأس ببيع السرقين ، ويكره ببيع العذرة. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع السرقين أيضا؛ لأنه نجس العين، فشابه العذرة وجلد الميتة قبل الدباغ. ولنا: أنه منتفع به؛ لأنه يلقى في الأراضي لاستكثار الريع فكان مالا، والمال محل للبيع بخلاف العذرة؛ لأنه ينتفع بها مخلوطا، ويجوز بيع المخلوط هو المروي عن محمد ﵀ وهو الصحيح.
وكذا يجوز الانتفاع بالمخلوط لا بغير المخلوط في الصحيح والمخلوط بمنزلة زيت خالطته النجاسة.
ــ
[البناية]
[فصل في البيع]
[ببيع السرقين]
م: (فصل في البيع) ش: أخر هذا الفصل عن فصل الأكل والشرب واللمس والوطء لأن أمر تلك الأفعال متصل ببدن الإنسان، وهذا لأن ما كان أكثر اتصالا كان أحق بالتقديم. م: (قال: ولا بأس ببيع السرقين) ش: أي قال في " الجامع الصغير " والسرقين بكسر السين هو السرجين، ويقال له: العوة بضم العين المهملة وتشديد الواو والهاء. وفي حديث سعيد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أنه كان بدليل أرضه بالعوة. أي يصلح أرضه ويحسن معالجتها، ومنه سمى الدمال لأن الأرض تصلح به. وفسر العوة في الفائق: بالسرجين، وفسرها الأصمعي بعذرة الناس. وقال في " الجمهرة ": العودة البعر وما أشبه مما تشابه الأرض. م: (ويكره ببيع العذرة) ش: وهو رجيع الآدمي م: (وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع السرقين أيضا؛ لأنه نجس العين فشابه العذرة وجلد الميتة قبل الدباغ) ش: وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله.
م: (ولنا: أنه) ش: أي السرقين م: (منتفع به؛ لأنه يلقى في الأراضي لاستكثار الريع فكان مالا، والمال محل للبيع بخلاف العذرة؛ لأنه ينتفع به مخلوطا) ش: لأن العادة لم تجر بالانتفاع بها إلا مخلوطا بالتراب أو الرماد م: (ويجوز بيع المخلوط) ش: لأنه مال ونجاسة العين يمنع الأكل ولا يمنع الانتفاع م: (هو المروي عن محمد ﵀ وهو الصحيح) ش: واحترز به عن ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس ببيع غير المخلوط أيضا.
[الانتفاع بالمخلوط]
م: (وكذا يجوز الانتفاع بالمخلوط لا بغير المخلوط في الصحيح) ش: احترز به عما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا بأس بالانتفاع بالعذرة الخالصة.
والروايتان نقلهما الفقيه أبو الليث ﵀ في شرح "الجامع الصغير ". م: (والمخلوط بمنزلة زيت خالطته النجاسة) ش: أي الخلوط من العذرة بالتراب بمنزلة زيت خالطته النجاسة حيث يجوز بيعه والانتفاع به كالاستصباح ونحوه اتفاقا فذلك العذرة المخلوطة بالتراب الغالب يجوز بيعه قياسا عليه، والجامع كونهما منتفعا بها لأن الناس ينتفعون بها مخلوطة.
стр. 6144
قال: ومن علم بجارية أنها لرجل فرأى آخر يبيعها، وقال: وكلني صاحبها ببيعها، فإنه يسعها أن يبتاعها ويطأها؛ لأنه أخبر بخبر صحيح لا منازع له، وقول الواحد في المعاملات مقبول على أي وصف كان لما مر من قبل. وكذا إذا قال: اشتريتها منه أو وهبها لي أو تصدق بها علي لما قلنا، وهذا إذا كان ثقة، وكذا إذا كان غير ثقة وأكبر رأيه أنه صادق؛ لأن عدالة المخبر في المعاملات غير لازمة للحاجة على ما مر. وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يسع له أن يتعرض لشيء من ذلك؛
ــ
[البناية]
م: (قال: ومن علم بجارية أنها لرجل فرأى آخر يبيعها، وقال: وكلني صاحبها ببيعها، فإنه يسعه أن يبتاعها ويطأها) ش: أي قال في " الجامع الصغير "؛ م: (لأنه أخبر بخبر صحيح) ش: لأنه صدر عن عقل ودين مع اعتقاد حرمة الكذب م: (لا منازع له) .
م: (وقول الواحد من المعاملات مقبول على أي وصف كان) ش: يعني حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، رجلا كان أو امرأة، عدلا كان أو غير عدل، صبيا كان أو بالغا، بعد أن كان عاقلا مميزا م: (لما مر من قبل) ش: أي في فصل الأكل والشرب أن قول الواحد يقبل في المعاملات دفعا للحرج.
م: (وكذا إذا قال: اشتريتها منه) ش: أي وكذا الحكم إذا قال الذي في يده الجارية: اشتريتها من فلان وهو الذي كان يعلم الرجل أنها له م: (أو وهبها لي أو تصدق بها علي لما قلنا) ش: أشار بها إلى قوله لأنه أخبر بخبر صحيح لا منازع له. م: (وهذا) ش: أي قبول قوله، وصحة العمل به م: (إذا كان ثقة) .
فإن قلت: هذا مناقض قوله: على أي وصف كان؟. قلت: معنى قوله ثقة، أن يكون من يعتمد كلامه، وإن كان فاسقا يجوز أن لا يكذب الفاسق لمروءته ولوجاهته.
م: (وكذا إذا كان غير ثقة وأكبر رأيه أنه صادق) ش: أي وكذا الحكم إذا كان المخبر غير ثقة، والحال أن أكبر رأيه أن المخبر صادق. م: (لأن عدالة المخبر في المعاملات غير لازمة للحاجة على ما مر) ش: أي في فصل الأكل والشرب. م: (وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يسع له أن يتعرض لشيء من ذلك) ش: وفي ضبط تاج الشريعة ﵀: لا يسع له أن يعرض، ثم فسره بقوله: أن يتعرض. وفي "شرح الأترازي " ﵀: لم يسع له أن يعزم بشيء موضع قوله: لا يسع له أن يتعرض لشيء من ذلك. ثم فسره بقوله: أي يقصد بشيء من الانتفاع والوطء يعني لا يشتريها ولا يطأها.
стр. 6145
لأن أكبر الرأي يقام مقام اليقين، وكذا إذا لم يعلم أنها لفلان ولكن أخبره صاحب اليد أنها لفلان، وأنه وكله ببيعها أو اشتراها منه والمخبر ثقة قبل قوله، وإن لم يكن ثقة يعتبر أكبر الرأي؛ لأن إخباره حجة في حقه، وإن لم يخبره صاحب اليد بشيء، فإن كان عرفها للأول لم يشترها حتى يعلم انتقالها إلى ملك الثاني؛ لأن يد الأول دليل ملكه، وإن كان لا يعرف ذلك له أن يشتريها، وإن كان ذو اليد فاسقا؛ لأن يد الفاسق دليل الملك في حق الفاسق والعدل
ــ
[البناية]
قال في " الكافي ": وكذلك الطعام والشراب في جميع ذلك م: (لأن أكبر الرأي يقام مقام اليقين) ش: فيما هو أعظم من هذا كالفروج.
ألا ترى أن من تزوج امرأة فأدخلها عليه إنسان، وأخبره أنها امرأته فله أن يعتمد على خبره ويطأها إذا كان ثقة عنده، أو كان أكبر رأيه أنه صادق.
وكذا إذا دخل رجل على غيره ليلا شاهرا سيفه فلصاحب المنزل أن يقتله، وإن كان أكبر رأيه أنه لص قصد قتله وأخذ ماله، وإن كان أكبر رأيه أنه هارب من لص لم يعجل بذلك، مؤيده ما ذكرنا من قوله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] جعل أكبر الرأي بمنزلة اليقين إذ العلم بإيمان الغير يقينا لا يكون إلا بأكبر الرأي فاسقا أو عدلا، «لقوله ﷺ لوابصة ﵁: "ضع يدك على صدرك واستفت قلبك، فما حاك في صدرك فدعه وإن أفتاك الناس به» .
م: (وكذا إذا لم يعلم أنها لفلان ولكن أخبره صاحب اليد أنها لفلان) ش: أي وكذا الحكم إذا لم يعلم الرجل أن الجارية لفلان، ولكن الذي في يده أخبره أنها لفلان. م: (وأنه) ش: أي وأن فلانا م: (وكله ببيعها أو اشتراها منه) ش: أي وأخبره أنه اشترى الجارية من فلان م: (والمخبر ثقة) ش: أي والحال أن المخبر ثقة م: (قبل قوله، وإن لم يكن ثقة يعتبر أكبر الرأي؛ لأن إخباره حجة في حقه) ش: أي في حق نفسه فيما يرجع إليه وهو قوله، ليس لي، بل لفلان، ولكن غير حجة فيما لا يرجع إليه وهو قوله: وكلني أو اشتريت منه، فلا بد من حجة وهو أكبر الرأي.
م: (وإن لم يخبره صاحب اليد بشيء، فإن كان عرفها للأول) ش: هذا أيضا في الصورة المذكورة وهو أن يعلم بجارية أنها لفلان مثلا ثم رآها في غير يده ولم يخبره بشيء، فإنه لا يشتريها حتى يعلم انتقالها إليه، وهو معنى قوله: فإن كان عرفها للأول، م: (لم يشترها حتى يعلم انتقالها إلى ملك الثاني) ش: بشيء من أسباب الملك. م: (لأن يد الأول دليل ملكه، وإن كان لا يعرف ذلك) ش: أي كونها للأول.
م: (له أن يشتريها، وإن كان ذو اليد فاسقا؛ لأن يد الفاسق دليل الملك في حق الفاسق والعدل) ش: يعني هذا التركيب أن يد المتصرف دليل شرعي للملك وفي حق هذا الدليل الفاسق والعدل
стр. 6146
ولم يعارضه معارض، ولا معتبر بأكبر الرأي عند وجود الدليل الظاهر، إلا أن يكون مثله لا يملك مثل ذلك، فحينئذ يستحب له أن يتنزه ومع ذلك لو اشتراها يرجى أن يكون في سعة من ذلك لاعتماده الدليل الشرعي،
وإن كان الذي أتاه بها عبدا، أو أمة لم يقبلها ولم يشترها حتى يسأل؛ لأن المملوك لا ملك له، فيعلم أن الملك فيها لغيره، فإن أخبره أن مولاه أذن له وهو ثقة قبل، وإن لم يكن ثقة يعتبر أكبر الرأي. وإن لم يكن له رأي لم يشترها لقيام الحاجر فلا بد من دليل.
ــ
[البناية]
سواء حتى إذا تنازعه اثنان فالقول له، وكان حق التركيب أن يقول: لأن اليد دليل الملك في حق الفاسق والعدل. أو نقول: لأن يد الفاسق دليل الملك والفاسق والعدل فيه سواء.
م: (ولم يعارضه معارض) ش: فيعتمد على كلامه يشتريها ويطأها م: (ولا معتبر بأكبر الرأي عند وجود الدليل الظاهر) ش: لأن الدليل الظاهر أقوى من أكبر الرأي م: (إلا أن يكون مثله لا يملك مثل ذلك) ش: كدرة في يد الفقير لا يملك شيئا أو كتاب في يد جاهل لم يكن في إيابه وهو أهل لذلك م: (فحينئذ يستحب له أن يتنزه) ش: ويترك الشراء لأنه وقع التردد في حالة يوجب التنزه والاحتياط م: (ومع ذلك لو اشتراها يرجى أن يكون في سعة من ذلك) ش: أي من الشراء م: (الشرعي) ش: وهو اليد ظاهر لأن صاحب اليد يزعم أنه مالك. فالقول قوله شرعيا فيما زعم فالذي يريد الشراء يعتمد دليلا إلا أن حاله يخالف هذا الدليل فلم يثبت الجواز وعلة لذلك.
[بيع وشراء الصبي]
م: (وإن كان الذي أتاه بها عبدا أو أمة لم يقبلها ولم يشترها حتى يسأل) ش: وإن كان الذي أتى الرجل بالجارية عبدا أو أمة وقال: وهاهنا شك لم يقبلها ولم يشترها حتى يسأل عن ذلك لأنه عالم أنها لغيره واليد من حق الملك ليس بمطلق للتصرف م: (لأن المملوك لا ملك له) ش: فلا يصلح يده دليلا للملك لأن الرق منان للملك، م: (فيعلم أن الملك فيه لغيره) ش: أي فهو يعلم أن الملك في الذي أتاه به وهو الجارية لغيره لكونه مملوكا.
وكان الواجب أن يقول: فيعلم أن الملك فيها لغيره، ولكن تأويله ما ذكرناه.
م: (فإن أخبره أن مولاه أذن له وهو ثقة قبل) ش: قوله لأن الاسم الواحد مقبول في المعاملات، وهذا إخبار في غير موضع المنازعة فيقبل م: (وإن لم يكن ثقة يعتبر أكبر الرأي) ش: فإن كان أكبر رأيه أنه صادق صدقه. وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يتعرض لشيء من ذلك م: (وإن لم يكن له رأي لم يشترها لقيام الحاجر فلا بد من دليل) ش: بالراء المهملة؛ لأن الرق حاجر عن التصرف أي مانع عنه، فما لم يوجد نوع دليل لا يعمل مجرد اليد.
وفي " الكافي " للحاكم: وكذا الصبي الذي لم يبلغ حرا كان أو مملوكا فيما يخبر أنه أذن
стр. 6147
قال: ولو أن امرأة أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات عنها، أو طلقها ثلاثا، أو كان غير ثقة وأتاها بكتاب من زوجها بالطلاق ولا تدري أنه كتابه أم لا، إلا أن أكبر رأيها أنه حق، يعني بعد التحري، فلا بأس بأن تعتد ثم تتزوج؛ لأن القاطع طارئ، ولا منازع
ــ
[البناية]
له وسعه، وأن فلانا بعث إليه معه هدية أو صدقة، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق وسعه أن يصدقه، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يسع أن يقبل منه شيئا وذلك لأن أكبر الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين.
وقال شمس الأئمة السرخسي في " شرح الكافي ": كان شيخنا الإمام يقول يعني شمس الأئمة الحلواني: الصبي إذا أتى بقالا بفلوس يشتري منه، وأخبره أن أمه أمرته بذلك فإن طلب الصابون ونحوه، فلا بأس ببيعه منه، وإن طلب الزبيب وما يأكله الصبيان عادة لا ينبغي أن يبيعه منه؛ لأن الظاهر أنه كاذب فيما يقوله، وقد عثر على فلوس أمه، فأراد أن يشتري بها حاجة نفسه. وفي العيون ولو أن صبيا جاء إلى القاضي بفلوس أو بخبز وغير ذلك فإن طلب منه شيء ينتفع به في البيت مثل الملح والفلفل ونحو ذلك فلا بأس أن يبيع منه، ولو أراد أن يشتري منه جوازا أو فستقا مثل ما يشتري به الصبيان فالأفضل أن لا يبيع منه حتى يسأل هل أذن له أبوه في ذلك أم لا.
[أخبرها ثقة أو غيره أن زوجها الغائب مات عنها أو طلقها ثلاثا]
م: (قال: ولو أن امرأة أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات عنها، أو طلقها ثلاثا، أو كان غير ثقة وأتاها بكتاب من زوجها بالطلاق ولا تدري أنه كتابه أم لا، إلا أن أكبر رأيها أنه حق يعني بعد التحري) ش: يعني بعد أن تحرت علمت أنه كتابه حق م: (فلا بأس بأن تعتد ثم تتزوج؛ لأن القاطع طارئ) ش: لأن القاطع للزوجية طارئ أي عارض، وهو الموت أو الطلاق والزوجية السابقة لا تنازعه؛ لأنها لا تدل على البقاء وهو معنى قوله م: (ولا منازع) ش: يعني ولا منازع موجود هنا.
وفي بعض النسخ فلا منازع بالفاء، فيكون شرط محذوف أي إذا كان كذلك القاطع طارئا فلا منازع حينئذ. وقيد بقوله طارئ لأن القاطع إذا كان مقارنا فلا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. والأصل أن الأصل إذا لم يكن له منازع ولا يلزم عن الغير مفسد سواء كان المخبر رجلا أو امرأة، عبدا كان أو أمة، عدلا أو فاسقا. أما في المنكوحة فالإلزام يكون ضمنا لا قصدا.
فإن قلت: إن خبر جعل الواحد في إفساد النكاح بعد الصحة من هذا الوجه، فوجه آخر فيه يوجب عدم القبول، وهو أن الملك للزوج ثابت، والملك الثابت للغير فيها لا يبطل بخبر الواحد.
قلت: إن ذلك كان ثابتا بدليل موجب وملكه فيها ليس كذلك بل باستصحاب الحال،
стр. 6148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وخبر الواحد أقوى منه ثم هذا الذي ذكره في الأخبار، أما في الشهادة فلا يصح، وإن كان الشاهد اثنين حتى لا يقضي القاضي بالفرقة لأنه قضاء على الغائب ذكره في " الفصول " للأستروشني، وفي " التتمة ": إذا شهد اثنين أن فلانا طلق امرأته والزوج غائب لا يقبل، وإن شهد عند المرأة حل لها أن تعتد وتتزوج بآخر، وكذا إذا شهد عندها رجل عدل ووقع في قلبها أنه صادق.
وفي " شرح الكافي " رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى غاب عنها فأخبر مخبر أنها قد ارتدت عن الإسلام، فإن كان المخبر عدلا ثقة حل له أن يتزوج بأختها أو بأربع نسوة سواها لعدم المنازع في أمر يتصور وقوعه وإن غلب على ظنه أنه كاذب لا يعمل بخبره. وكذا إذا كانت صغيرة فأخبر أنها ارتضعت من أمه أو أخته؛ لأن هذا من باب الديانة فقبل في خبر الواحد، ولو قال تزوجتها يوم تزوجتها وهي مرتدة أو معتدة أو بعدما ارتضعت من أهلك لم يسعه أن يتزوج بأختها أو أربع سواها. وإن كان المخبر عدلا لأن هذا الخبر في موضع المنازعة لأن الظاهر من حال العاقل أنه يدعي صحة عقده وهذا يدعي فساده فلا يقبل إلا إذا شهد عنده شاهدان عدلان على ذلك.
ولو قالت المرأة لرجل: قد طلقني زوجي وانقضت عدتي يحل له أن يتزوجها إذا غلب على ظنه صدقها. وكذلك المطلقة ثلاثا إذا أخبرت أنها استحلت بزوج ثان وطلقها وانقضت عدتها حل للزوج أن يتزوجها لأنها أخبرت عن أمر لا منازع لها فيه. ولو أتاها رجل فأخبر أن أصل نكاحها فاسد، وإن زوجها كان أخاها من الرضاعة، أو مرتدا، لم يسعها أن تتزوج بزوج آخر، وإن غلب على ظنها؛ لأنه في موضع المنازعة إذ الزوج يدعي صحة العقد، فلا يكون مقبولا.
وكذلك جارية صغيرة لا تعبر عن نفسها في يدي رجل يدعي أنها له فلما كبرت، لقيها رجل فقالت: إن سيدي أعتقني، حل له أن يزوجها. ولو قالت: أنا حرة الأصل لم تحل له أن يتزوجها لأن الخبر الأول في غير موضع المنازعة، والثاني في موضع المنازعة.
وكذلك الحرة نفسها لو تزوجت رجلا ثم أتت غيره فأخبرته أن نكاحها كان فاسدا لم يحل له أن يتزوجها، ولو ادعت أنه طلقها، حل لمن سمع مقالتها أن يتزوجها لهذا المعنى.
وكذلك لو قالت ارتد عن الإسلام بعد ما تزوجني أو أقر بعد النكاح أنه كان مرتدا حين تزوجني؛ لأنها ادعت أمرا عارضا في غير محل التنازع فيقبل.
وقد أشار المصنف ﵀ إلى هذه المسائل على ما يأتيك مفصلة، وهذه المسائل من
стр. 6149
وكذا لو قالت الرجل: طلقني زوجي وانقضت عدتي فلا بأس بأن يتزوجها. وكذا إذا قالت المطلقة الثلاث: انقضت عدتي وتزوجت بزوج آخر ودخل بي ثم طلقني وانقضت عدتي، فلا بأس بأن يتزوجها الزوج الأول. وكذا لو قالت جارية: كنت أمة لفلان فأعتقني لأن القاطع طارئ، ولو أخبرها مخبر أن أصل النكاح كان فاسدا، أو كان الزوج حين تزوجها مرتدا أو أخاها من الرضاعة لم يقبل قوله حتى يشهد بذلك رجلان أو رجل وامرأتان، وكذا إذا أخبره مخبر: أنك تزوجتها وهي مرتدة أو أختك من الرضاعة لم يتزوج بأختها أو أربع سواها، حتى يشهد بذلك عدلان؛ لأنه أخبر بفساد مقارن، والإقدام على العقد يدل على صحته وإنكار فساده، فثبت المنازع بالظاهر، بخلاف ما إذا كانت المنكوحة صغيرة فأخبر الزوج أنها ارتضعت من أمه أو أخته حيث يقبل قول الواحد فيه؛ لأن القاطع طارئ والإقدام الأول لا يدل على انعدامه،
ــ
[البناية]
قوله: ولو أن امرأة أخبرها ثقة إلى قوله وإذا باع المسلم خمرا، من مسائل كتاب " الاستحسان "، ذكرها تفريعا على مسائل " الجامع الصغير ". وكذا لو قالت لرجل: طلقني زوجي وانقضت عدتي فلا بأس بأن يتزوجها. وكذا إذا قالت المطلقة الثلاث: انقضت عدتي وتزوجت بزوج آخر ودخل بي ثم طلقني وانقضت عدتي، فلا بأس بأن يتزوجها الزوج الأول. وكذا لو قالت جارية: كنت أمة لفلان فأعتقني لأن القاطع طارئ، ولو أخبرها مخبر أن أصل النكاح كان فاسدا، أو كان الزوج حين تزوجها مرتدا أو أخاها من الرضاعة لم يقبل قوله حتى يشهد بذلك رجلان أو رجل وامرأتان، وكذا إذا أخبره مخبر: أنك تزوجتها وهي مرتدة أو أختك من الرضاعة لم يتزوج بأختها أو أربع سواها، حتى يشهد بذلك عدلان؛ لأنه أخبر بفساد مقارن، والإقدام على العقد يدل على صحته وإنكار فساده، فثبت المنازع بالظاهر، بخلاف ما إذا كانت المنكوحة صغيرة فأخبر الزوج أنها ارتضعت من أمه أو أخته حيث يقبل قول الواحد فيه؛ لأن القاطع طارئ والإقدام الأول لا يدل على انعدامه.
قوله: ولو أن امرأة أخبرها ثقة إلى قوله وإذا باع المسلم خمرا، من مسائل كتاب "الاستحسان"، ذكرها تفريعا على مسائل " الجامع الصغير ".
م: (وكذا لو قالت لرجل: طلقني زوجي وانقضت عدتي فلا بأس أن يتزوجها) ش: المخبر إذا غلب على ظنه صدقها.
[قالت انقضت عدتي وتزوجت بآخر ودخل بي ثم طلقني وانقضت عدتي]
م: (وكذا إذا قالت المطلقة الثلاث: انقضت عدتي وتزوجت بزوج آخر ودخل بي، ثم طلقني وانقضت عدتي، فلا بأس بأن يتزوجها الزوج الأول) ش: لأنها أخبرت عن أمر لا منازع فيه. م: (وكذا لو قالت جارية: كنت أمة لفلان فأعتقني) ش: يحل للمخبر له أن يتزوجها م: (لأن القاطع طارئ) ش: أي القاطع للرقبة، عارض وهو العتق ولا منازع.
م: (ولو أخبرها مخبر أن أصل النكاح كان فاسدا، أو كان الزوج حين تزوجها مرتدا أو أخاها من الرضاعة لم يقبل قوله حتى يشهد بذلك رجلان أو رجل وامرأتان) ش: لأن هذا خبر في موضع المنازعة.
م: (وكذا إذا أخبره مخبر: أنك تزوجتها وهي مرتدة أو أختك من الرضاعة، لم يتزوج بأختها أو أربع سواها حتى يشهد بذلك عدلان؛ لأنه أخبر بفساد مقارن) ش: للعقد. م: (والإقدام على العقد يدل على صحته وإنكار فساده) ش: أي العقد. م: (فثبت المنازع بالظاهر) ش: فلا يقبل قوله. م: (بخلاف ما إذا كانت المنكوحة صغيرة فأخبر الزوج أنها ارتضعت من أمه أو أخته حيث يقبل قول الواحد فيه) ش: أي في الإخبار بالارتضاع م: (لأن القاطع طارئ) ش: أي القاطع للزوجة عارض وهو الرضاع. م: (والإقدام الأول) ش: وهو ما تقدم من صحة عقد النكاح بدليل موجب له وهو العقد الذي م: (لا يدل على انعدامه) ش: أي على انعدام الارتضاع دل عليه قوله ارتضعت م:
стр. 6150
فلم يثبت المنازع. فافترقا، وعلى هذا الحرف يدور الفرق،
ولو كانت جارية صغيرة لا تعبر عن نفسها في يد رجل يدعي أنها له، فلما كبرت لقيها رجل في بلد آخر، فقالت: أنا حرة الأصل، لم يسعه أن يتزوجها لتحقق المنازع وهو ذو اليد، بخلاف ما تقدم.
قال: وإذا باع المسلم خمرا وأخذ ثمنها وعليه دين فإنه يكره لصاحب الدين أن يأخذ منه، وإن كان البائع نصرانيا فلا بأس به، والفرق
ــ
[البناية]
(فلم يثبت المنازع) ش: فلم يقبل قوله.
فإن قلت: ينبغي أن لا يقبل لما أن الملك الثابت فيها للغير لا يبطل بخبر الواحد، كما لو اشترى لحما، ثم أخبر واحدا أنه ذبيحة مجوسي حيث لا يبطل بهذا الخبر ملك المشتري ولا يرجع بالثمن على البائع؛ لأن ملك الغير لا يبطل بخبر الواحد.
قلت: قد أجيب لك في السؤال الماضي: أن ملك الغير في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال، وخبر الواحد أقوى منه. أما الخبر بكون ذبيحة المجوسي بخبر بالمقصد الطارئ، بل هو خبر بفساد البيع من الأول والإقدام على الشراء منازعة منه بصحة البيع فلا يقبل خبر الواحد بدون شهادة شاهدين.
م: (فافترقا) ش: أي حكم هذه المسألة. وحكم الشيء قبلها لوجود المنازعة في الأولى دون هذه فافهم. م: (وعلى هذا الحرف يدور الفرق) ش: أي على هذه الثلاثة يدور الفرق بين هذه المسائل التي فيها قبول قول الواحد، والتي ليس فيها ذلك، يعني إذا كان الإخبار في غير موضع المنازعة، ويقبل قول الواحد، وإذا كان في المنازعة لا يقبل.
م (ولو كانت جارية صغيرة لا تعبر عن نفسها في يد رجل يدعي أنها له، فلما كبرت) ش: بكسر الباء، يقال كبر بالكسر في السن، وكبر بالضم في الجثة والشرف. م: (لقيها رجل في بلد آخر، فقالت: أنا حرة الأصل، لم يسعه أن يتزوجها لتحقق المنازع وهو ذو اليد، بخلاف ما تقدم) ش: أراد به قوله أنها لو قالت: كنت أمة لفلان فأعتقني، حيث يقبل قولها؛ لأن الخبر الأول في غير موضع المنازعة.
وفي " النوازل " اشترى أمة فقالت: أنا حرة لا يرد بها على البائع، ولكن يتزوجها وحل له وطئها؛ لأنها أمة أو امرأة. وكان شداد إذا اشترى أمة يتزوجها ويقول: لا أدري لعلها حرة أو لعل جرى كلام الحرية على لسان أنسبائها هذا بطريق الاحتياط، ولكن لا يعتق بذلك.
م: (قال: وإذا باع المسلم خمرا وأخذ ثمنها وعليه دين فإنه يكره لصاحب الدين أن يأخذ منه، وإن كان البائع نصرانيا فلا بأس به) ش: أي قال في " الجامع الصغير " م: (والفرق) ش: بين
стр. 6151
أن البيع في الوجه الأول قد بطل؛ لأن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم فبقي الثمن على ملك المشتري فلا يحل أخذه من البائع. وفي الوجه الثاني: صح البيع؛ لأنه مال متقوم في حق الذمي، فملكه البائع فيحل الأخذ منه.
قال: ويكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله.
ــ
[البناية]
الوجهين م: (أن البيع في الوجه الأول قد بطل؛ لأن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم فبقي الثمن على ملك المشتري فلا يحل أخذه من البائع) ش: يعني أن العقد على الخمر غير منعقد في حق المسلمين فيكون الثمن المقبوض مستحق الرد على البائع شرعا، فصار كالمغصوب في يده، ومن قضى بالدراهم المغصوبة لا يحل للقابض أن يقبضه إذا علم به فهذا مثله.
م: (وفي الوجه الثاني: صح البيع؛ لأنه مال متقوم في حق الذمي، فملكه البائع فيحل الأخذ منه) ش: لأن الخمر لهم كالعصير لنا لأنه رخص لهم في البيع.
قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: ولو هم ببيعها وأخذوا العشر من أثمانها.
وعن محمد ﵀: هذا إذا كان القضاء والاقتضاء بالتراضي، فأما إن كان بالقضاء بأن قضى القاضي عليه بهذا الثمن، ولم يعلم القاضي بكونه ثمن الخمر يطيب له ذلك بقضائه، وإنما حرم عند الاقتضاء بالتراضي.
وفي " فتاوى الولوالجي ": رجل مات وكسبه من بيع البازق إن تورع الورثة عن أخذ ذلك كان أولى، ويردون على أربابها؛ لأنها ممكن فيه نوع حيث وإن لم يعرفوا أربابها تصدقوا بها، وكذلك الجواب فيما أخذ رشوة وظلما إن تورع الورثة كان أولى. وأما المغني والنائحة والقول والأمل فيه أيسر؛ لأن فيه أعطى بالرضا من غير شرط وعقد، وأما الإهدار والضيافة فينظر إن كان غالبا المهدي والضيف لا يقبله ما لم يجز أن ذلك المال حلال، وإن كان غالب ماله حلالا فلا بأس بأن يقبل حتى يتبين عنده أنه حرام.
رجل مات وابنه يعتمد أنه كان يكتسب من حيث لا يحل لكن لا يعلم ذلك بعينه ليرد عليه، فالميراث له حلال في الحكم لوجود المطلق وانعدام المانع بعينه فيتصرف فيه حيث شاء ولا يؤمر بالتصدق، فإن تورع وتصدق كان أولى لكن يصدق بينه خصى أبيه.
رجل جمع المال وهو مطرب مغن، هل يباح له ذلك إن كان أخذ المال من غير شرط يباح له لأنه أعطى المال عن طوع، كذا في " فتاوى الولوالجي ".
وفي " الدراية " ولو قضى دينه بدراهم أو دنانير مغصوبة لا يحل للقابض قبضه إذا علم.
[الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم]
م: (قال: ويكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله)
стр. 6152
وكذلك التلقي. فأما إذا كان لا يضر فلا بأس به، والأصل فيه قوله ﵊: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".»
ــ
[البناية]
ش: أي قال القدوري ﵀: والاحتكار الجمع والحبس، يقال: احتكر الطعام وغيره إذا جمعه يتربص به الغلاء، كذا في " ديوان الأدب ". وفي " المجمل ": الحكر حبس الطعام إرادة غلائية وهو الحكر، والحكر أيضا.
وفي " الكافي ": الاحتكار حبس الطعام للغلاء، افتعال من حكر، إذا ظلم. وقيل حبس وحكر الشيء إذا استبد به وحبسه عن غيره.
وفي اصطلاح أهل الشرع: حبس أقوات الناس والبهائم عن البيع يتربص الغلاء شهرا فما زاد فيهما اشتراه في المصروفية إضرارا بالناس.
م: (وكذلك التلقي) ش: أي وكذا يكره التلقي: الجلب، إذا كان في بلد يضر أهله، وإلا فلا، والمراد منه أن يخرج من البلدة إلى القافلة التي جلبت الطعام، فاشتراها خارج البلد، يكره وإلا فلا، إذا كان لا يضر فلا بأس به.
م: (فأما إذا كان لا يضر فلا بأس به) ش: وكذا التلقي كما ذكرنا م: (والأصل فيه) ش: أي في كون الاحتكار مكروها، وفي التلقي أيضا، والأحسن أن يقال: والأصل في كون كل واحد من الاحتكار والتلقي مكروها إذا كانا يضران بالبلد.
فإن قلت: كيف يقول الأحسن هذا؟ والحديث لا يدل على كراهته الاحتكار وحديث التلقي باي.
قلت: علة كراهة الاحتكار، التضييق على الناس وهي موجودة في التلقي، فصح أن يكون حديث الاحتكار أصلا في البابين، وحديث التلقي الذي يأتي فيما بعد يكون زيادة بيان وتوضيح لأنه صريح في بابه فافهم.
م: (قوله ﵊: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» ش: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في التجارات، عن علي بن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد ابن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» .
رواه إسحاق بن راهويه والدارمي، وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي في "مسانيدهم"
стр. 6153
ولأنه تعلق به حق العامة، وفي الامتناع عن البيع إبطال حقهم وتضييق الأمر عليهم فيكره إذا كان يضر بهم ذلك بأن كانت البلدة صغيرة، بخلاف ما إذا لم يضر بأن كان المصر كبيرا؛ لأنه حابس ملكه من غير إضرار بغيره،
ــ
[البناية]
والبيهقي في " شعب الإيمان ".
ورواه العقيلي في كتاب " الضعفاء "، وأعله بعلي بن سالم وقال: لا يتابعه عليه أحد بهذا اللفظ. وقد روي بغير هذا السند، والمتن عن معمر بن عبد الله العدوي عن النبي ﷺ قال «لا يحتكر إلا خاطئ» . وحديث معمر هذا أخرجه مسلم ﵀ في "صحيحه " باللفظ المذكور في كتاب "البيوع".
روى حديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الحاكم في "المستدرك في البيوع" ولم يذكر فيه الجالب. ورواه إبراهيم الحربي في كتاب " غريب الحديث " عن عثمان بن عفان ﵁ حدثنا أبو خيثمة حدثنا يحيى بن أبي بكير عن إسرائيل، عن علي بن سالم، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب ﵁ عن عثمان بن عفان مثله سواء.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀ في كتاب " تنبيه الغافلين ": وروي عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله- ﷺ قال: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» .
قال الفقيه أبو الليث ﵁: "وأراد بالجالب الذي يشتري الطعام للبيع فيجلبه إلى بلده، فيبيعه فهو مرزوق لأن الناس ينتفعون به فيناله بركة دعاء المسلمين، والمحتكر يشتري الطعام للمنع ويضر بالناس لأن في ذلك تعنيفا على المسلمين.
فإن قلت: ما معنى اللعن هنا؟
قلت: اللعن هنا على نوعين، أحدهما: الطرد عن رحمة الله ، وذلك لا يكون إلا للكافر، والثاني: الإبعاد عن درجة الأبرار، ومقام الصالحين، وهو المراد هنا؛ لأن عند أهل السنة والجماعة: المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة.
م: (ولأنه تعلق به حق العامة) ش: أي ولأن الشيء الذي احتكره المحتكر تعلق به حق الناس جميعهم.
م: (وفي الامتناع عن البيع إبطال حقهم وتضييق الأمر عليهم فيكره إذا كان يضر بهم ذلك) ش: أي الاحتكار أو الحبس م: (بأن كانت البلدة صغيرة، بخلاف ما إذا لم يضر بأن كان المصر كبيرا؛ لأنه حابس ملكه من غير إضرار بغيره) ش: لأن العلة هي الإضرار، فإذا انتهى الإضرار ينبغي
стр. 6154
وكذا التلقي على هذا التفصيل؛ لأن «النبي ﵊ نهى عن تلقي الجلب، وعن تلقي الركبان» ، قالوا: هذا إذا لم يلبس المتلقي على التجار سعر البلدة، فإن لبس فهو مكروه في الوجهين؛ لأنه غادر بهم، وتخصيص
ــ
[البناية]
الكراهة.
[تلقي الركبان]
م: (وكذا التلقي على هذا التفصيل) ش: يعني أن أضر بأهل البلدة يكره، وإلا فلا م: (لأن «النبي ﵊ نهى عن تلقي الجلب» ، «وعن تلقي الركبان» ش: هذان حديثان، فالأول أخرجه مسلم ﵀ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تلقي الجلب» . وفي لفظ: «لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشتراه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» . الثاني أخرجه البخاري ومسلم عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لبادي» ، انتهى.
والجلب، بفتح الجيم بمعنى المجلوب، ومن جلب الشيء جلبه من بلد إلى بلد التجارة جلبا وجلبا والركبان الجماعة من أصحاب الإبل في السفر، وكذلك الركبان أصحاب الإبل دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها والجمع أراكب، والركبة أقل من الركب والأركوب أكثر من الركب.
وقال تاج الشريعة ﵀: فلو كانت الرواية على طريق الجمع يكون ذكر الأول على سبيل العموم، وذكر الثاني على الخصوص كما في قوله : ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ولو لم يكن كذلك يكون حديثين، ويكون التقدير نهى عن تلقي الركبان قيل في معنى تلقي الركبان، يستقبل الركب فيشتري الطعام منهم بما دون السعر في المصر، وهم لا يشعرون بذلك ثم يبيع بما هو سعر المصر فيكون للضرر بالناس انتهى كلامه.
قلت: قد بينا أن هذين حديثان لا اختلاط لأحدهما بالآخر، الأول رواه أبو هريرة والثاني ابن عباس ﵁ كما بينا، فلا يحتاج إلى التكلف الذي ذكره. م: (قالوا: هذا إذا لم يلبس المتلقي على التجار سعر البلدة، فإن لبس فهو مكروه في الوجهين) ش: أي قال المشائخ ﵏ هذا الذي ذكرناه من الكراهة فيما إذا أضر بأهل البلدة، وعدم الكراهة فيما إذا لم يضر بهم، فيما إذا اشترى المتلقي بلا تلبيس السعر على التجار، وأما إذا لبس عليهم فإنه يكره سواء أضر بأهل البلدة أو لم يضر، وهو معنى قوله في الوجهين أي في صورة الإضرار وعدم الإضرار.
م: (لأنه غادر بهم) ش: أي لأن المتلقي حينئذ غادر بهم بالتجارة والغدر حرام م: (وتخصيص
стр. 6155
الاحتكار بالأقوات كالحنطة والشعير والتبن والقت قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهبا أو فضة أو ثوبا، وعن محمد ﵀ أنه قال: لا احتكار في الثياب، فأبو يوسف ﵀ اعتبر حقيقة الضرر، إذ هو المؤثر في الكراهة، وأبو حنيفة ﵀ اعتبر الضرر المعهود المتعارف.
ــ
[البناية]
الاحتكار بالأقوات) ش: أي تخصيص القدوري ﵀ بالاحتكار بالأقوات وهو جمع قوت.
م: (كالحنطة والشعير والتبن والقت) ش: بفتح القاف وتشديد التاء.
قال في " العباب ": هو الفصفصة إذا جفت وهو جمع قتة كتمر وتمرة.
ثم قال في باب الفصفصة الرطبة وأصلها بالفارسية أمست.
قلت: المراد منه الفرط اليابس وهو الذي يسميه أهل مصر الدريس، ويسمون الرطب الفرط والبرسيم.
م: (قول أبي حنيفة ﵀) ش: خبر لقوله و"تخصيص الاحتكار" م: (وقال أبو يوسف ﵀: كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهبا أو فضة أو ثوبا، وعن محمد ﵀ أنه قال: لا احتكار في الثياب) ش: قال الكرخي في "مختصره ": وقال ابن سماعة، عن أبي يوسف ﵀: الاحتكار في كل ما يضر بالعامة احتكاره.
قال: والاحتكار أن يحبسه عنده أكثر من سنة فإن حبسه عنده شهرا أو نحو ذلك فإثمه على قدر ما يحبسه. وقال هشام: الحكرة في الحنطة والشعير والتمر الذي هو قوت الناس والقت الذي هو قوت البهائم، وليس في الثياب حكرة، ولا في العسل، ولا في الثمن، ولا في الزيت حكرة.
وقال أبو يوسف: في الزيت حكرة م: (فأبو يوسف ﵀ اعتبر حقيقة الضرر إذ هو المؤثر في الكراهة) ش: أي وحقيقة الضرر موجودة في كل شيء ولعموم النهي أيضا.
م: (وأبو حنيفة ﵀ اعتبر الضرر المعهود المتعارف) ش: غالبا بين الناس، وذكر في " الكافي " محمد مع أبي حنيفة -رحمهما الله- قال: وعليه الفتوى. والحاصل أنهما اعتبرا الأمر الغالب العام، وذلك لا يكون إلا فيما هو ضرر مطلق.
وقال القدوري: في " شرح الكرخي ": وأما قول محمد ﵀: إن حبس الأرز ليس باحتكار فهو محمول على البلاد التي لا يتقوتون به، وأما الموضع الذي هو قوتهم مثل
стр. 6156
ثم المدة إذا قصرت لا يكون احتكارا لعدم الضرر، وإذا طالت يكون احتكارا مكروها لتحقق الضرر، ثم قيل: هي مقدرة بأربعين يوما لقول النبي ﵊: «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه» .
ــ
[البناية]
طبرستان فهو احتكار، وأما الثياب فلأن قوام الأبدان وبقاء الحياة لا يقف عليها. وقوت الحياة ما كان قيامه به من المأكول.
م: (ثم المدة إذا قصرت لا يكون احتكارا لعدم الضرر، وإذا طالت يكون احتكارا مكروها لتحقق الضرر، ثم قيل: هي مقدرة بأربعين يوما لقول النبي ﵊: «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه» .
ش: هذا الحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى الموصلي ﵏ في "مسانيدهم"، والحاكم ﵀ في " المستدرك "، والدارقطني في " غرائب مالك "، والطبراني في "معجمه الأوسط "، وأبو نعيم في " الحلية " كلهم من حديث أصبغ بن زيد حدثنا أبو بشر عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة الحضرمي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله» .
وكلهم رووه عن يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد إلا الحاكم فإنه أخرجه عن عمرو بن الحصين، عن أصبغ بن زيد، به ... وأصبغ بن زيد مختلف فيه فوثقه أحمد والنسائي وابن معين، وضعفه ابن سعد وذكره ابن عدي ﵀ في " الكامل " وساق له ثلاثة أحاديث منها هذا الحديث، وقال: ليس بمحفوظ.
قال: ولا أعلم روى عنه يزيد بن هارون وقال الذهبي في "الميزان ": قلت: روى عنه عشرة أنفس، وقال في " مختصر المستدرك ": عمرو بن الحصين تركوه، وأصبغ بن يزيد فيه لين.
وقال ابن حاتم في كتاب " العلل ": سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد به سندا أو متنا؟ فقال أبي: هذا حديث منكر وأبو بشر لا أعرفه.
стр. 6157
وقيل: بالشهر؛ لأن ما دونه قليل عاجل والشهر وما فوقه كثير آجل، وقد مر في غير موضع.
ويقع التفاوت في المأثم بين أن يتربص العسرة، وبين أن يتربص القحط والعياذ بالله. وقيل: المدة للمعاقبة في الدنيا، أما يأثم وإن قلت المدة. والحاصل أن التجارة في الطعام غير محمودة.
قال: ومن احتكر غلة ضيعته أو ما جلبه من بلد آخر فليس بمحتكر، أما الأول فلأنه خالص حقه لم يتعلق به حق العامة. ألا ترى أن له أن لا يزرع، فكذلك له أن لا يبيع. وأما الثاني: فالمذكور قول أبي حنيفة ﵀ لأن حق العامة إنما يتعلق بما جمع في المصر وجلب إلى فنائها.
ــ
[البناية]
م: (وقيل: بالشهر) ش: أي قيل هي مقدرة بالشهر. م: (لأن ما دونه قليل عاجل والشهر وما فوقه كثير آجل) ش: لهذا سقط الصوم بالجنون شهرا بخلاف ما دونه، وكذا إذا جن الوكيل والموكل جنونا مطبقا بطلت الوكالة، وحده شهرا عند أبي يوسف ﵀ ولو قال: لا قصير دينه عن قريب، فهو ما دون الشهر لأن الأشهر، وما زاد عليه بعيد، ولهذا كان الشهر أدنى الأجل في الحكم وما دونه في حكم الحال.
م: (وقد مر في غير موضع) ش: أي قد مر بيان أن الشهر كثير وما دونه قليل في غير موضع من الكتاب في الصلاة، والسلم والوكالة واليمين وغيرها.
م: (ويقع التفاوت في المأثم) ش: أي الإثم وهو مصدر أثم م: (بين أن يتربص العسرة) ش: أي بين أن يترقب ثمرة الطعام م: (وبين أن يتربص القحط والعياذ بالله) ش: أراد أن إثم من يتربص القحط أعظم من إثم من يتربص عسرة الطعام وهي الغلاء.
م: (وقيل: المدة للمعاقبة في الدنيا) ش: يعني ضرب المدة في الاحتكار لأجل المعاقبة في الدنيا يعني يقدر الإمام المحتكر ويهدده م: (أما يأثم وإن قلت المدة) ش: تقديره أما الإثم فإنه يأثم.
وإن قلت: المدة وهذا تركيب تأباه قواعد العربية إلا بالتأويل.
م: (والحاصل أن التجارة في الطعام غير محمودة) ش: يعني بطريق الاحتكار، أما الاسترباح فيه بلا احتكار فلا بأس به كذا في الفوائد الشاهية.
[احتكر غلة ضيعته أو ما جلبه من بلد آخر]
م: (قال: ومن احتكر غلة ضيعته أو ما جلبه من بلد آخر فليس بمحتكر) ش: أي قال القدوري ﵀: م: (أما الأول) ش: وهو ما إذا احتكر غلة ضيعته م: (فلأنه خالص حقه لم يتعلق به حق العامة. ألا ترى أن له أن لا يزرع فكذا له أن يبيع) ش: فإذا كان كذلك لا يكون مبطلا حق العامة. م: (وأما الثاني) ش: وهو ما جلبه من بلد آخر م: (فالمذكور قول أبي حنيفة ﵀ لأن حق العامة إنما يتعلق بما جمع في المصر وجلبه إلى فنائها) ش: بكسر الفاء، وفي غير ذلك لا يتعلق حقهم.
стр. 6158
وقال أبو يوسف ﵀: يكره لإطلاق ما روينا. وقال محمد ﵀: كل ما يجلب منه إلى المصر في الغالب، فهو بمنزلة فناء المصر يحرم الاحتكار فيه لتعلق العامة به بخلاف ما إذا كان البلد بعيدا لم تجر العادة بالحمل منه إلى المصر؛ لأنه لم يتعلق به حق العامة.
ــ
[البناية]
م: (وقال أبو يوسف ﵀: يكره لإطلاق ما روينا) ش: أشار به إلى قوله ﷺ : «والمحتكر ملعون» .
م: (وقال محمد ﵀: كل ما يجلب منه إلى المصر في الغالب، فهو بمنزلة فناء المصر، يحرم الاحتكار فيه لتعلق حق العامة به بخلاف ما إذا كن البلد بعيدا لم تجر العادة بالحمل منه إلى المصر؛ لأنه لم يتعلق به حق العامة) . ش: وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في شرح "الجامع الصغير ": أن هذا على ثلاثة أوجه: في وجه: لا بأس به، وفي وجه: مكروه، وفي وجه: اختلفوا فيه. فأما الذي هو مكروه: هو: أن يشتري طعاما في مصر ويمتنع عن مبيعه، وفي ذلك ضرر بالناس فإنه مكروه. وروي عن محمد بن الحسن ﵀ أنه قال: أجبره على البيع فإن امتنع عن ذلك أغره ولا أشعره ويقول: بعه كما يبيعه الناس. وأما الذي لا بأس به: فهو: ما إذا كان له طعام دخل من ضيعته أو حمله من مصر آخر، أو اشترى من مصر، ولا يضر ذلك بالناس.
يعلم من هذا أن ما ذكره صاحب " الهداية " بقوله: والمذكور قول أبي حنيفة ﵀.
وقال أبو يوسف ﵀: يكره، يعني فيما جلبه من بلد آخر فيه نظر؛ لأن الفقيه أورده في القسم المتفق عليه.
وقال القدوري ﵀ أيضا في كتاب " التقريب ": روى هشام عن أبي يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ فيمن جلب طعاما ثم احتكره لم يكره وكره وإنما الحكرة أن يشتري في المصر وقال أبو يوسف ﵀: إن جلبه من نصف ميل فليس بحكرة، فإذا لم يكن في هذه حكرة؟ فيكف يكون فيما إذا جلبه من مصر آخر؟ نص عليه الكرخي ﵀ في "مختصره ".
وقال أبو يوسف ﵀: إذا جلبه من نصف ميل فليس بحكرة. وأما الوجه الذي اختلفوا فيه فهو: أنه إذا اشتراه من الرساتيق وحبسه في المصر، قال الفقيه ﵀: روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه: قال لا بأس به.
وفي قول محمد ﵀: هو محتكر، لأن أهل المصر يتوسعون بالرساتيق فصار حكمها حكم المصر.
стр. 6159
قال: ولا ينبغي للسلطان أن يعسر على الناس، لقوله ﵊: «لا تسعروا فإن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق» .
ــ
[البناية]
قال الفقيه أبو الليث ﵀: وبه نأخذ.
[تسعير الوالي]
م: (قال: ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس) ش: أي قال القدوري ﵀: وعند مالك ﵀ يجب التسعير على الوالي
دفعا للضرر
عن العامة، هكذا نقل خلافه الأترازي ﵀. وقال الكاكي: ﵀: التسعير لا يحل بلا خلاف للعلماء فيه إلا في صورة تعدي أرباب الطعام فإنه لا يكره عندنا، والصواب ما ذكره الكاكي ﵀.
م: (لقوله عليه الصلاة السلام: «لا تسعروا، فإن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق» ش: هذا الحديث رواه أربعة من الصحابة: الأول، أنس بن مالك ﵁ أخرج حديثه أبو داود والترمذي في البيوع، وابن ماجه في التجارات، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحميد، ثلاثتهم عن أنس «قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله هو المسعر، القابض، الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي، والبزار، وأبو يعلى الموصلي في "مسانيدهم"، ورواه ابن حبان في "صحيحه "، ولم يذكر فيه: "السعر" هكذا وجدته في نسختين.
الثاني: أبو جحيفة، أخرج حديثه الطبراني في "معجمه "، حدثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي، حدثنا غسان بن الربيع، حدثنا أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي جحيفة قال: «قالوا يا رسول الله سعر لنا، فقال: "المعسر هو الله، وإني لأرجو أن ألقى الله ولس أحد منكم يطالبني بعرض ولا مال» . الثالث: عبد الله بن عباس ﵄، أخرج حديثه الطبراني في "معجمه الصغير "، حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الوارث، حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي، حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش، عن أبي سالم بن أبي الجعد، عن أبي كريب، عن ابن عياش بلفظ حديث أبي جحيفة.
стр. 6160
ولأن الثمن حق العاقد فإليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة على ما نبين. وإذا رفع إلى القاضي هذا الأمر يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعة في ذلك، وينهاه عن الاحتكار فإن رفع إليه مرة أخرى حبسه وعزره على ما يرى زجرا له، ودفعا للضرر عن الناس،
فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون عن القيمة تعديا فاحشا، و عجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير ، فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصيرة، فإذا فعل ذلك وتعدى رجل عن ذلك
ــ
[البناية]
الرابع: أبو سعيد الخدري ﵁ أخرج حديثه الطبراني في "معجمه الأوسط "، حدثنا محمد بن محمد التمار، حدثنا أبو معن الرقاشي، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله سعر لنا. فقال: "إن الله هو المسعر، إني لأرجو الله أن ألقاه وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دين ولا دنيا» .
م: (ولأن الثمن حق العاقد فإليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة) ش: بأن يتعدى المعتاد تعديا فاحشا يبيع ما يساوي خمسين بمائة
فحينئذ يمنع منه دفعا للضرر عن المسلمين
، وأما المتعارف فليس به بأس م: (على ما نبين) ش: يعني عن قريب بعد سطرين م: (وإذا رفع إلى القاضي هذا الأمر) ش: يعني الأمر الذي وقع بين الناس من الاحتكار م: (يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعة في ذلك) ش: يعني في قوله: وقوت أهله. م: (وينهاه عن الاحتكار، فإن رفع إليه مرة أخرى حبسه وعزره على ما يرى زجرا له،
ودفعا للضرر
عن الناس) ش: وذلك حتى يمتنع عن سوء عمله لأنه ارتكب أمرا محرما. وقوله: زجرا ودفعا كلاهما منصوبان على التعليل، وإنما ذكر العاطف، لأن زجرا تعليل للتغرير ودفعا تعليل الزجر وليس فيه حد مقدر فيعذر بحسب ما يراه الحاكم.
[عجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير]
م: (فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون عن القيمة تعديا فاحشا) ش: بأن يبيعوا قفيزا بمائة مشتراه خمسون. م: (وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس به) ش: أي بالتسعير م: (بمشورة من أهل الرأي والبصيرة) ش: أي البصيرة والمشورة بفتح الميم وبضم الشين وهو استخراج ما في البطن بالرأي، ومحل الياء فيها النصب على الحال من الضمير المجرور في به.
م: (فإذا فعل ذلك) ش: أي القاضي م: (وتعدى رجل عن ذلك) ش: أي عن التسعير الذي
стр. 6161
وباع بأكثر منه أجازه القاضي، وهذا ظاهر عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم. ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره على البيع،
و هل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه ؟ قيل: هو على الاختلاف الذي عرف في بيع مال المديون وقيل: يبيع بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة ﵀ يرى الحجر لدفع ضرر عام،
ــ
[البناية]
سعره م: (وباع بأكثر منه) ش: أي من الذي سعره م: (أجازه القاضي) ش: يعني لا ينقضه م: (وهذا ظاهر عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي الذي ذكرناه من إجازة القاضي ببيعه، ظاهر عند أبي حنيفة م: (لأنه لا يرى الحجر على الحر) ش: وفي إبطال بيعه رأي حجر عليه م: (وكذا عندهما) ش: أي وكذا هو ظاهر عندهما، لأنهما وإن رأيا الحجر، ولكن على حر معين أو قوم بأعيانهم، أما على قوم مجهولين فلا، وهاهنا كذلك فلا يصح، وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏.
وفي " المحيط ": سعر السلطان، وقال: لا تنقصوا فاشترى أحد شيئا والخيار يخاف إن نقص ذلك يضربه السلطان لا يحل أكله وحيله يعني أن يقول المشتري بعني بما تجب.
م: (إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم) ش: وهذا استثناء من محذوف تقديره، وكذا عندهما لا يكون الحجر إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم، وقد ذكرنا أن الحجر على قوم مجهولين لا يصح.
م: (ومن باع منهم بما قدره الإمام صح؛ لأنه غير مكره على البيع) ش: وقال الكرخي: قال محمد ﵀: أجبر المحتكر على بيع ما احتكره وأعزره ولا أسعر عليه. وقوله: بع له كما يبيع الناس وبزيادة فيما يتغابن الناس بينهم، ولا أتركه يبيع القفيز بمائة وهو يباع بأربعين.
وقال القدوري في "شرحه ": وينبغي أن يكون قوله أجبره على قولهما على أصلهما في جواز الحجر على الحر. وأما على قول أبي حنيفة ﵀ يجب أن لا يجبر على البيع، لأن الحجر على الحر لا يجوز.
[هل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه]
م: (وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو على الاختلاف الذي عرف في بيع مال المديون) ش: أشار به إلى اختلاف المشائخ فيه قال بعضهم: لا يبيع على مذهب أبي حنيفة ويبيع على قولهما في بيع مال المديون المفلس إذا امتنع عن البيع.
م: (وقيل: يبيع بالاتفاق) ش: وإليه ذهب القدوري في "شرحه " م: (لأن أبا حنيفة ﵀ يرى الحجر
لدفع ضرر عام
) ش: كالحجر على الطيب الجاهل والمكاري المفلس والمفتي الماجن
стр. 6162
وهذا كذلك.
قال: ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة ، معناه: ممن يعرف أنه من أهل الفتنة؛ لأنه تسبيب إلى المعصية، وقد بيناه في " السير "، وإن كان لا يعرف أنه من أهل الفتنة لا بأس بذلك؛ لأنه يحتمل أن لا يستعمله في الفتنة فلا يكره بالشك.
قال: ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ؛ لأن المعصية لا تقام بعينه، بل بعد تغييره بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه.
قال: ومن أجر بيتا ليتخذ فيه بيت نار أو كنيسة أو بيعة أو يباع فيه الخمر بالسواد
ــ
[البناية]
لأن ضررهم يرجع إلى العامة.
م: (وهذا كذلك) ش: أي وهذا الحكم وهو بيع القاضي طعام المحتكر بغير رضاه كالحجر
لدفع ضرر
عام لأن ضرره يرجع على العامة.
[بيع السلاح في أيام الفتنة]
م: (قال: ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة) ش: أي قال القدوري: م: (معناه) ش: أي معنى كلام القدوري يكره بيع السلاح في أيام الفتنة م: (ممن يعرف أنه من أهل الفتنة؛ لأنه تسبب إلى المعصية) ش: وهو الإعانة على العدوان وقد نهينا عنه، قال الله : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
م: (وقد بيناه في " السير ") ش: أي في آخر كتاب " السير " م: (وإن كان لا يعرف أنه من أهل الفتنة لا بأس بذلك، لأنه يحتمل أن لا يستعمله في الفتنة فلا يكره بالشك) ش: لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والاستقامة، فصار كبيع الحرير والديباج إلى الرجل، وإن جاز أن يلبسه لاحتمال أن يرفعه إلى امرأته وأولاده الإناث.
[ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا]
م: (قال: ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا) ش: أي قال القدوري ﵀ م: (لأن المعصية لا تقام بعينه) ش: أي بعين العصير م: (بل بعد تغييره) ش: واستحالته إلى الخمر م: (بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه) ش: أي بعين السلاح.
وفي " فتاوى الولوالجي ": رجل له عبد أمرد أراد أن يبيعه من فاسق يعلم أنه يعصي الله فيه، يكره هذا البيع لأنه إعانة على المعصية.
[أجر بيتا ليتخذ فيه بيت نار]
م: (قال) ش: أي في " الجامع الصغير ": م: (ومن أجر بيتا ليتخذ فيه بيت نار) ش: للمجوس م: (أو كنيسة) ش: للنصارى م: (أو بيعة) ش: لليهود م: (أو يباع فيه الخمر) ش: لأهل الذمة أو الفسقة من المسلمين م: (بالسواد) ش: يتعلق بالجميع تقديره: من أجر بيتا في السواد ليتخذ فيه بيت نار وكذلك البواقي، وإنما قيد بالسواد لأن أهل الذمة يمنعون عن إحداث البيع، والكنائس وبيع الخمر في الأمصار ولا يمنعون عن ذلك في السواد لأن عامة شعائر الإسلام من الجمع والجماعات والأعياد وإقامة الحدود وغير ذلك يختص بالأمصار، ففي هذه الأشياء
стр. 6163
فلا بأس به، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقال: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك، لأنه إعانة على المعصية. وله: أن الإجارة ترد على منفعة البيت، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه فقطع نسبته عنه،
ــ
[البناية]
استحقاق بالمسلمين بخلاف السواد.
وقالوا أيضا في سواد الكوفة، لأن الغالب فيها أهل الذمة والروافض، أما في سوادنا فيمتنعون عن إحداث ذلك، لأن الغلبة في سوادنا لأهل الإسلام فيمنعون عن ذلك في السواد والأمصار جميعا.
م: (فلا بأس به) ش: أي بما ذكر من الأشياء م: (وهذا عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي هذا الذي ذكرناه من الجواز عند أبي حنيفة.
م: (وقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك) ش: أي يؤجره، يقال: أكراني داره أو دابته، أي أجرنيها، والمعنى: أنه لا يجوز أن يكري بيته بشيء من الذي ذكرناه، وبه قالت الثلاثة ﵏ م: (لأنه إعانة على المعصية) ش: والمعين على المعصية عاص.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀: م: (أن الإجارة ترد على منفعة البيت ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم، ولا معصية فيه) ش: أي في إجارة البيت م: (وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه) ش: أي المستأجر مختار في فعل المعصية يعني أن ذلك باختياره، م: (فقطع نسبته عنه) ش: أي قطع نسبة المعصية عن العقد. وفي بعض النسخ: فيقطع نسبه عنه، وهذا كما إذا أخذ من هرب ممن قصده بالقتل حتى قتله لا شيء على الآخر لتخلل فعل فاعل مختار، وكذلك هذا الإثم على الآخر بهذا المعنى.
وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في باب الإجارة الفاسدة من " الأصل ": وهو كمن باع جارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها من غير المأتى لم يأثم من فعل المشتري. وكذا قوله: فيمن باع غلاما قصد الفاحشة.
فإن قلت: ألا ترى أن قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية، حرم المسبب وإن تخلل فعل فاعل مختار.
وقلت: الكلام في المسبب المحض، أما إذا كان سببا بعمل العلة فلا وسب الكافر والضم كذلك، لأنه يبعث لهم ذلك على الفعل القبيح، بخلاف إجارة البيت، لأنه لا يحمل المستأجر على اتخاذه بيت نار، ولهذا لو أجر داره ليضع فيها متاعا، أو ليكن تحت الأجرة، لأنه لم يتعلق الإجارة بما قال، بخلاف بيع السلاح من أهل الفتنة، لأن البائع يعمل العلة، لأنهم لا يتمكنون من إنارة الفتنة إلا بالسلاح ليكون البيع منهم بمنزلة علة العلة.
стр. 6164
وإنما قيده بالسواد؛ لأنهم لا يمكنون من اتخاذ البيع والكنائس وإظهار بيع الخمور والخنازير في الأمصار، لظهور شعائر الإسلام فيها بخلاف السواد، قالوا: هذا كان في سواد الكوفة؛ لأن غالب أهلها أهل الذمة، فأما في سوادنا فأعلام الإسلام فيها ظاهرة، فلا يمكنون فيها أيضا وهو الأصح.
قال: ومن حمل لذمي خمرا، فإنه يطيب له الأجر عند أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يكره له ذلك، لأنه إعانة على المعصية، وقد صح أن النبي ﵊: «لعن في الخمر عشرا: حاملها، والمحمول إليه» .
ــ
[البناية]
م: (وإنما قيده بالسواد؛ لأنهم لا يمكنون من اتخاذ البيع والكنائس وإظهار بيع الخمور والخنازير في الأمصار، لظهور شعائر الإسلام فيها) ش: أي في الأمصار وهي الجمع والجماعات والأعياد، وإقامة الحدود على ما ذكرنا عن قريب. م: (بخلاف السواد) ش: أي أهل القرى، لأنه ليست فيه شعائر الإسلام كالأمصار.
م: (قالوا) ش: أي المشائخ م: (هذا كان في سواد الكوفة؛ لأن غالب أهلها أهل الذمة، فأما في سوادنا فأعلام الإسلام فيه ظاهرة، فلا يمكنون فيها أيضا وهو الأصح) ش: وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، عند الفضلي: لا يمنعون من ذلك في السواد، واحترز بقوله: " في الأصح " عن قوله.
[استأجر من مسلم دابة أو سفينة لينقل عليها خمرا]
م: (قال: ومن حمل لذمي خمرا فإنه يطيب له الأجر عند أبي حنيفة ﵀) ش: أي قال في " الجامع الصغير ".
م: (وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: يكره له ذلك) ش: وبه قالت الثلاثة ﵏ لا يجوز العقد عندهم أصلا، وعلى هذا الخلاف إذا استأجر من مسلم دابة أو سفينة لينقل عليها خمرا أو استأجره ليرعى خنازيره، ذكره شيخ الإسلام م: (لأنه إعانة على المعصية وقد صح أن النبي ﵊ «لعن في الخمر عشرا: حاملها والمحمول إليه» ش: هذا الحديث رواه أربعة من الصحابة ﵃:
الأول: عبد الله بن عمر، أخرج أبو داود ﵀ في "سننه " حديثه عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وأبي علقمة مولاهم أنهما سمعا عمر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله: الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وآكل ثمنها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمول إليه» .
стр. 6165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ورواه أحمد وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، والبزار في "مسانيدهم".
قال المنذري في "مختصره ": وسئل ابن معين عن عبد الرحمن الغافقي قال: لا أعرفه. وذكره ابن يونس في "تاريخه " وقال: إنه روى عن ابن عمر، وروى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عياض، وأنه كان أمير الأندلس، قتله الروم بالأندلس سنة خمسة عشر ومائة، وأبو علقمة مولى ابن عباس ذكر ابن يونس أنه يروي عن ابن عمر وغيره من الصحابة وأنه كان على قضاء أفريقية وكان أحد فقهاء الموالي، انتهى.
وأخرجه الحاكم في " المستدرك في الأشربة" من طريق ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن ابن شريح الخولاني عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وفيه قصة وقال: صحيح الإسناد.
ورواه إسحاق بن ر اهويه في "مسنده "، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا محمد بن أبي حميد، عن أبي حميد، عن أبي توبة المصري، سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لعن: الخمر وغارسها لا يغرسها إلا للخمر، ولعن مجتنيها ولعن حاملها إلى المعصرة وعاصرها، وشاربها وبائعها وآكل ثمنها ومدرها» .
الثاني: أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه عن أبي عاصم عن شبيب بن بشر عن أنس بن مالك: «أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة....» فذكره إلا أن فيه عوض: الخمر والمشتراة له. قال الترمذي ﵀: حديث غريب من حديث أنس.
الثالث: عبد الله بن عباس ﵁ أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه " عن مالك بن سعيد التجيبي أنه سمع ابن عباس ﵄، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبرائيل فقال لي: يا محمد ﷺ : إن الله لعن الخمر» فذكره باللفظ الأول، إلا أن فيه عوض: «آكل ثمنها والمسقاة له» .
ورواه الحاكم في " المستدرك "، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وشاهده
следующие страницы →