← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ولهما رواية أنس ﵁ «أن النبي ﵇: "كان إذا افتتح الصلاة كبر وقرأ سبحانك اللهم وبحمدك» إلى آخره" ولا يزيد على هذا، وما رواه محمول على التهجد، وقوله: "وجل ثناؤك" لم يذكر في المشاهير فلا يأتي به في الفرائض، ــ [البناية] عنه «عن النبي ﷺ أنه كان يجمع في أول صلاته بين سبحانك اللهم وبحمدك، وبين وجهت وجهي» إلى آخرها. قال إسحاق: والجمع بينهما أحب إلي، انتهى. وقال أبو حاتم: هذا حديث باطل موضوع لا أصل له لأنه من رواية خالد بن القاسم المدائني، وأحاديثه معتلة. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد م: (رواية أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبر وقرأ سبحانك اللهم وبحمدك» إلى آخره) ش: هذا الحديث رواه الدارقطني من حديث حميد عن أنس: «كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهامه أذنيه ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك» إلخ، وأخرج من طريق آخر عن عابد بن شريح عن أنس بن مالك «أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: سبحانك اللهم» إلخ. نحوه م: (ولا يزيد على هذا) ش: أي ولا يزيد المصلي على سبحانك اللهم إلخ. م: (وما رواه) ش: أي وما رواه أبو يوسف م: (محمول على التهجد) ش: وهو الاستقبال بالنوافل بالليل، وفي النوافل سعة، وأصل التهجد: السهر، وما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد مروي عن أنس وعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وجابر وبريدة وعائشة ﵃ قالوا: «كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر قال: سبحانك اللهم» . فإن قلت: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ أنه قال: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين» . قلت: هذا محمول على افتتاح القراءة، وقال الشافعي ﵀: معناه أنهم كانوا لا يقرأون م: (وجل ثناؤك لم يذكر في المشاهير) ش: أي لفظ جل ثناؤك، فيما روي سبحانك اللهم اه. لم يذكر في الأخبار المشهورة، وفي " شرح الطحاوي ": وليس عن المتقدمين قول في جل ثناؤك، ولو قال لا بأس به. م: (فلا يأتي به في الفرائض) ش: نتيجة لما قبله، أي فلا يأتي بلفظ وجل ثناؤك في الفرائض

стр. 842

والأولى أن لا يأتي بالتوجه قبل التكبير لتتصل النية به، هو الصحيح. ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] معناه: إذا أردت قراءة القرآن. ــ [البناية] احترازا عن الزيادة فيها ما ليس منها م: (والأولى أن لا يأتي بالتوجه) ش: أي الأولى للمصلي أن لا يقول: وجهت وجهي. اه. م: (قبل التكبير لتتصل النية به) ش: أي بالتكبير م: (هو الصحيح) ش: احترز به عن قول بعض المشايخ المتأخرين، فإنهم قالوا: يأتي به قبل التكبير، فيكون أجمع للعزيمة، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، فقالوا أيضا: إنه يؤدي إلى أن يطول مكثه في المحراب قائما يستقبل القبلة ولا يصلي، وهذا مذموم شرعا لقوله ﷺ : «ما لي أراكم سامدين» أي متحيرين، كذا في " المبسوط " وفي " النظم ": لا يقرأ: وجهت إلخ، في الفرائض عندهما، لا قبله ولا بعده ولا بعد الثناء، هو قول أبي يوسف في الأصل، وعنه أنه يقرأ بعد الثناء قبل التعوذ، واتفقوا أنه يقرأ في النفل إجماعا، واختار المتأخرون أنه يقوله قبل الافتتاح. [حكم الاستعاذة في الصلاة] م: (ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) ش: أي بعد قراءة سبحانك اللهم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خلافا لمالك فإن عنده لا يقول، واستدل بحديث أنس بن مالك ﵁ المذكور عن قريب، وعنه أنه يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ. م: (لقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] (النحل الآية ٩٨) معناه: إذا أردت قراءة الْقُرْآن) ش: ظاهر الأمر يقتضي أن يكون التعوذ فرضا كما قال به عطاء، إلا أن السلف أجمعوا على أنه سنة مؤكدة، وإنما قال: معناه: إذا أردت القراءة؛ نفيا لقول بعض أصحاب الظواهر أنه يتعوذ بعد القراءة عملا بحرف الفاء؛ فإنه ليس بصحيح لما روى أبو سيعد الخدري ﵁ «أن النبي ﵇ كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ، كذا ذكر الأترازي لفظ الحديث. قلت: الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله، ثلاثا، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثلاثا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الترمذي: حديث أبي سعيد أشهر حديث في الباب وقد تكلم في إسناده، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. وقال ابن خزيمة: لا نعلم في الافتتاح بسبحانك اللهم خبرا ثابتا عند أهل المعرفة بالحديث،

стр. 843

والأولى أن يقول: أستعيذ بالله، ليوافق القرآن، ــ [البناية] وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدا ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه، وروى أحمد نحوه وفيه: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وفي إسناده من لم يسم، وروى ابن ماجه وابن خزيمة من حديث ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» . رواه الحاكم بلفظ: «كان إذا دخل في الصلاة» وعن أنس نحوه، ورواه الدارقطني وفيه الحسين بن علي بن الأسود، وفيه اتصال. وروي عن جبير بن مطعم «أن النبي ﷺ كان يتعوذ قبل القراءة» رواه أحمد. ومعنى أعوذ بالله: أتوجه وأعتصم به وألجأ إليه، والشيطان اسم لكل متمرد عات لشطوته على الخير؛ أي تباعده، وقيل: لتشيطه؛ أي هلاكه واحتراقه. فعلى الأول النون أصلية والياء والألف زائدة، وعلى الثاني الياء أصلية والنون والألف زائدتان، يمنع الصرف، والرجيم المطرود، وقيل المرجوم بالشهب. قوله: " من همزه " بدل اشتمال من الشيطان وهو جمع همزة وهي ما يوسوس به، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] (المؤمنون: الآية ٩٧) ، وهمزاته خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. وقرأ أبو داود بالمغربة فقال: وهمزه: الموتة بضم الميم وسكون الواو وفتح التاء المثناة من فوق، وهي الجنون. قوله: ونفخه، بالخاء المعجمة: الكبر، كأن قوله للإنسان من الاستكبار والخيلاء فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه. قوله: ونفثه، قال أبو داود: ونفثه الشعر، وإنما سمي به لأنه كالشيء ينفثه للإنسان من فيه كالرقية، قيل: أراد به السحر، وهو الأشبه لما في التنزيل، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] (الفلق: الآية ٤) . م: (والأولى: أن يقول: أستعيذ بالله، ليوافق القرآن) ش: لأن المذكور في القرآن: فاستعذ، وهو أمر من الاستعاذة، فإذا قال: أستعيذ، يحصل الموافقة للقرآن، واختلف القراء في صفة الاستعاذة، واختار أبو عمرو وعاصم وابن كثير: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وبه أخذ أصحابنا والشافعي وأكثر أهل العلم، نص الشافعي أنه الأفضل، وزاد حفص من طريق هبيرة: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، وهو قول أحمد لكن زاد في آخره أنه هو السميع العليم. واختار نافع وابن عامر والكسائي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، وهو قول

стр. 844

ويقرب منه: أعوذ بالله، ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لما تلونا، حتى يأتي به المسبوق دون المقتدي، ويؤخر عن تكبيرات العيد خلافا لأبي يوسف ﵀ قال: ويقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هكذا نقل في المشاهير. ــ [البناية] سفيان الثوري، واختار حمزة: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو قول ابن سيرين، وبكل ذلك ورد الأثر، وفي " المجتبى " وبقول حمزة نفتي، ولكن ورد في أكثر الأخبار والآثار: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلذلك قال المصنف: م: (ويقرب منه: أعوذ بالله) ش: أي يقرب من أستعيذ، أعوذ بالله لأن المزيد قريب من الثلاثي، ومعنى كل منهما طلب الإعاذة منهما، قاله بعض الشراح. قلت: معنى الطيب في أستعيذ ظاهر بخلاف أعوذ. م: (ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة ومحمد لما تلونا) ش: أي وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] جعل الاستعاذة جزاء لقراءة القرآن فيكون تابعا للقراءة لا للثناء. وعند أبي يوسف تبع للثناء لأنها شرعت بعد الثناء م: (حتى يأتي به المسبوق دون المقتدي) ش: ثمرة ما قبله في قوله تبع للقراءة، فالمسبوق عليه القراءة فيأتي به. وعند أبي يوسف يأتي به المقتدي لأنه يسبح. م: (ويؤخر عن تكبيرات العيد خلافا لأبي يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ش: أي يؤخر الاستعاذة عن تكبيرات الزوائد فيأتي بها بعد التكبيرات عندهما، وعند أبي يوسف يؤتي بها عقيب الثناء بعد تكبيرة الافتتاح. وقال صاحب " الخلاصة ": الأصح قول أبي يوسف، وهذا الخلاف كما رأيت بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف كما ذكره المصنف، وفي بعض نسخ الفقه وفي عامة النسخ " كالمبسوط " و " المنظومة " وشروحها بين أبي يوسف ومحمد، ولم يذكر قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، والتعوذ في الركعة الأولي لا غير، إلا عند ابن سيرين والشافعي على المذهب، ذكره النووي. ولا يجهر بالثناء والتعوذ اتفاقا، وعند أبي ليلى يخير، وقال أبو هريرة: يجهر وخارج الصلاة يجهر اتفاقا. وعند أحمد: المسبوق لا يستفتح ولا يتعوذ مع الإمام، فإذا قام ليقضي استفتح واستعاذ لأن ما يقضيه أول صلاته وما أدرك آخرها. [البسملة في الصلاة] م قال: (ويقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ش: أي بعد التعوذ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ م: (وهكذا نقل في المشاهير) ش: أي في الأخبار المشهور، منها ما روى نعيم بن المجمر: «والذي نفسي

стр. 845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] بيده لأنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » - ". رواه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " والحاكم في " المستدرك " وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ومنها: ما رواه ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم» ، أخرجه الترمذي وقال: ليس إسناده بذاك، فكأنه قال هكذا لأجل أبي خالد الوالبي الكوفي، وهو من رواته. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" واسم أبي خالد هرمز ويقال هرم، ومنها ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في صلاته» وأخرجه الدارقطني فقال: "إسناده علوي لا بأس به، ومنها ما روته أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفاتحة في الصلاة» . وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه ". ومنها ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه «كان إذا افتتح الصلاة يبتدئ ببسم الله الرحمن الرحيم» . أخرجه الدارقطني في "سننه ". ومنها: ما روي عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية، أو بسورة لم تنزل على نبي بعد سليمان ﷺ غيري، فمشى وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، فأخرج رجله وبقيت الأخرى فقلت: أنسي؟ فأقبل علي بوجهه فقال: بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم. قال: هي هي ثم خرج» وفي إسناده صالح وعبد الكريم، قال أحمد ويحيى: ليسا بشيء، وفيه يزيد أبو خالد، قال النسائي:

стр. 846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] متروك الحديث. اعلم أن الكلام في التسمية على وجوه، الأول في كونها من القرآن أم لا؟ والثاني أنها من الفاتحة أم لا؟ والثالث أنها من أول كل سورة أم لا؟ والرابع: يجهر بها أم لا؟. أما الأول: فالصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن لأن الأمة اجتمعت على أن ما كان مكتوبا بين الدفتين بقلم الوتر، فهو من القرآن والتسمية كذلك. وكذلك روى المعلى عن محمد فقال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن؟ فقال: ما بين الدفتين كله من القرآن، وكذا روى الجصاص عن محمد أنه قال: التسمية من القرآن، أنزلت للفصل بين السور والبداية منها تبركا، وليست بآية من كل واحدة منها، ويبنى على هذا أن فرض القراءة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء لأنها آية من القرآن. وقال بعض أصحابنا: لا يتأدى لأن في كونها آية تامة احتمال، فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله تعالى في القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلا في سورة النمل وحدها، وليست بآية تامة، في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] (النمل: الآية ٣٠) ، فوقع الشك في كونها آية تامة، فلا يجوز بالشك، ولذا يحرم على الجنب والحائض والنفساء قراءتها على قصد القرآن. أما على قول الكرخي فظاهر لأن ما دون الآية محرم عليهم، وكذا على رواية الطحاوي؛ لاحتمال كونها آية تامة، فيحرم عليهم قراءتها احتياطا. الثاني: أنها من الفاتحة أم لا؟ قال الشيخ أبو بكر الرازي: عن أصحابنا رواية منصوصة أنها من الفاتحة أو ليست منها. وذكر السرخسي في " أصول الفقه " عن الرازي أن الصحيح من المذهب عندنا: آية منزلة للفصل لا من أول السورة ولا من آخرها. وقال الشافعي: إنها من الفاتحة قولا واحدا، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد في رواية: إنها من الفاتحة دون غيرها تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة، وفي رواية وهي الأصح، أنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وإن قرأ بها في أول القراءة كقراءتها في أول السورة وللفصل بين السور وليست من القرآن إلا في النمل، فإنها بعض آية منها. ١ - الثالث: أنها ليست من أول كل سورة عندنا. وقال الشافعي وأصحابنا: هي من أول كل سورة على الصحيح من المذهب عندهم، وبه قال عطاء والزهري وعبد الله بن المبارك، وهو مذهب ابن كثير وعاصم والكسائي من القراء، ووافقهم حمزة على أنها من الفاتحة خاصة، وبه قال الشافعي في قول في " المجتبى ". قال الأسبيجابي: أكثر مشايخنا على أنها من الفاتحة، ومذهب باقي القراء كمذهب مالك لكن يلزم قراءتها قالون ومن تابعه.

стр. 847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] واحتج الشافعي ومن تابعه بحديث أبي الجوزاء عن عائشة ﵂ «أنه ﷺ قرأ الفاتحة فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وعدها آية منها» . واحتج أصحابه بما رواه الشافعي عن مسلم عن ابن جريح عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أم المؤمنين قالت: «قرأ رسول الله ﷺ فاتحة الكتاب فعد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية والحمد لله رب العلمين آية، الرحمن الرحيم آية، إياك نعبد وإياك نستعين آية، اهدنا الصراط المستقيم آية، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين» ذكره فخر الدين الرازي في " تفسيره الكبير ". واحتجوا أيضا بما رواه الشعبي في تفسيره عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبرك بحديث. وقد ذكرناه عن قريب. والجواب عن هذه الأحاديث، أما حديث عائشة فالصحيح ما رواه مسلم عن بديل بن مسلمة عن أبي الجوزاء عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين» وهذا ظاهر في كون التسمية من الفاتحة. فإن قلت: تأويله على إرادة اسم السورة. قلت: لا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلا بدليل. فإن قلت: أبو الجوزاء لا يعرف له سماع عن عائشة ﵂ ولئن سلم فإنه روي عنها أنه ﷺ كان يجهر بها. قلت: يكفينا أنه حديث أودعه مسلم في "صحيحه ". وأبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله الربعي، ثقة كبير لا ينكر سماعه من عائشة ﵂ وقد احتج به جماعة، وبديل بن ميسرة تابعي صغير مجمع على عدالته وثقته، وقد حدث عنه هذا الحديث الأئمة الكبار وتلقاه العلماء بالقبول ولم يتكلم فيه أحد منهم وما روي عن عائشة ﵂ من الجهر فكذب بلا شك، فيه الحكم بن عبد الله بن سعد، وهو كذاب دجال لا يحل الاحتجاج به، ومن العجب القدح في الحديث الصحيح والاحتجاج بالباطل. وأما حديث أم سلمة فليس بصحيح لأنه يرويه عمر بن مروان البلخي عن ابن جريج قال يحيى: ليس بشيء. وأما حديث أبي هريرة فقد ذكرنا ما فيه من العلل، وإنما استدللنا به فيما مضى لأنه يدل على أن التسمية من القرآن وهو المختار عند بعضهم، ولا يدل على أنها من الفاتحة.

стр. 848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ونقل الخطب عدة أحاديث في ذلك من تفسير الثعلبي وليس لها صحة ولا يثبت شيء منها، والثعلبي حاطب ليل يذكر الغث والسمين. وأما احتجاجات أصحابنا فيما ذهبوا إليه فأحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم في "صحيحه " من حديث أبي هريرة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها إلي ونصفها لعبدي، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علي عبدي، يقول العبد: مالك يوم الدين، يقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله: هذه بيني وبين عبدي، يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: فهؤلاء لعبدي» . قال ابن عبد البر: هذا حديث قد رفع الإشكال في سقوط بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من الفاتحة، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه. قلت: وجه التمسك به أنه ابتدأ القسمة بالحمد لله رب العالمين دون البسملة، فلو كانت منها لابتدأ بها. وأيضا فقد جعل النصف ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فيكون ثلاث آيات لله تعالى في الثناء عليه وثلاث آيات للعبد، وآية بينهما، وفي جعل التسمية منها إبطال هذه القسمة فيكون باطلا. وأيضا أنه قال: يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها، ثم قال: هؤلاء لعبدي، هكذا ذكره أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين، وهو جمع، فيقتضي ثلاث آيات، وعلى قول الشافعي يكون اثنين وللباري أربع ونصف إذا لم يعدوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] آية، وإن عدوها آية تصير ثماني آيات، وهذا كله خلاف تصريح الحديث بالنصف. والمراد بالصلاة القراءة، ألا تراه كيف فسر القراءة وقسم الآيات، ولم الأفعال. فإن قلت: لم لا يراد بالقسمة المعنى لا الآي؟ فيكون لله الحمد والثناء والتحميد، وللعبد الخضوع والتذلل. قلت: هذا باطل، فإن الله تعالى منفرد بالحمد والثناء، والحمد لله الذي لا يكيف بالعبد، والعبد ينفرد بالخضوع والتذلل الذي ينزه الباري عنه، ولا يجوز أن يراد ذلك بقوله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، مثاله إذا كان ثوب لزيد وعبد لعمرو لا يجوز أن يقول: قسمت

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الثوب والعبد بين زيد وعمرو إذا لم يشتركا فيهما. فإن قلت: ما المانع أن يكون قسمة الألفاظ والحروف؟. قلت: لا يجوز لأن القسمة لا تصح مع ذلك، فلم يبق إلا عدد الآيات، على أن قسمة المعاني داخلة في قسمة الآيات. فإن قالوا: إنما لم يذكر البسملة لأنه أدرجها في الاثنين بعدها. قلنا: هذا ظاهر الفساد ويدعيه مكابر. فإن قالوا في مثل العلاء بن عبد الرحمن: وتكلم فيه ابن معين فقال: ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو حديث، وروي عنه هذه الألفاظ كلها. وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به. قلنا: هذا جهل وفرط وتعصب ورداءة فكر ورأي، حيث يترك الحديث الصحيح والضعيف لكونه غير موافق لمذهبهم، وكيف وقد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات كمالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وعبد العزيز الدراوردي، وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق، والوليد ابن كثير، وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق. فإن قالوا: سلمنا ما قلتم ولكن جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه الدارقطني عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها له يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، فأقول: حمدني عبدي» " إلى آخره، فهذه الرواية وإن كان فيها ضعف ولكنها تفسر بحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية. قلنا: هذا أيضا مكابرة وفساد وفرط ونقص مع علمهم بحال ابن سمعان، فقال عمر بن عبد العزيز الواحدي: سألت مالكا عنه فقال: كان كذابا، وقال يحيى بن أبي بكر: قال هشام بن عروة: لقد كذب علي وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها. وعن أحمد بن حنبل: متروك الحديث. وسئل ابن معين عنه فقال: كان كذابا. وقيل لابن إسحاق: إن ابن سمعان يقول: سمعت مجاهدا فقال: لا إله إلا الله، أنا والله أكبر منه ما رأيت مجاهدا ولا سمعت منه. وقال ابن حبان: كان يروي عمن لم يره ويحدث بما لم يسمع. وقال أبو داود: متروك الحديث كان يروي عن الكذابين. وقال النسائي: متروك فكيف يعلل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه بالحديث الضعيف؟ إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح كما

стр. 850

ويسر بهما، لقول ابن مسعود ﵁: أربع يخفيهن الإمام، وذكر منها التعوذ والتسمية وآمين وربنا لك الحمد. ــ [البناية] يفعل. ونحن نذكر من الأحاديث الصحيحة التي استدللنا بها ما رواه البخاري في "صحيحه " من حديث أبي هريرة قال: «كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه فقلت: يا رسول الله كنت أصلي فقال: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ، ثم قال لي: ألا أعلمك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قلت: ما هي؟ قال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» . فأخبر أنها السبع المثاني، ولو كانت البسملة آية منها لكانت ثمانيا، لأنها سبع آيات بدون البسملة. ومنها ما رواه أصحاب السنن الأربعة عن شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] » قال الترمذي: حديث حسن، ورواه أحمد في "مسنده " وابن حبان في "صحيحه " والحاكم في "مستدركه " وصححه، وعباس وثقه ابن حبان، ولم يتكلم فيه أحد. وجه الاستدلال به أن هذه السورة ثلاثون آية بدون البسملة بلا خلاف بين العادين، وأيضا فافتتاحه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] (الملك: الآية ١) دليل على أن البسملة ليست منها. وأما القسم الرابع فنذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. م: (ويسر بهما) ش: أي يخفي بالاستعاذة والتسمية. قال الأترازي: قال المطردي: أسر الحديث: أخفاء، وزيادة الباء سهو، وكذا قال السغناقي. قلت: يستعمل باب أفعل بالباء أيضا. م: (لقول ابن مسعود ﵁: أربع يخفيهن الإمام، وذكر منها التعوذ، والتسمية وآمين، وربنا لك الحمد) ش: وهذا غريب، ولكن معناه رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه " ثنا هشيم عن سعيد بن المرزبان ثنا أبو وائل عن ابن مسعود أنه كان يخفي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والاستعاذة وربنا لك الحمد. وروى سعد بن الحسن في كتاب "الآثار " ثنا أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: أربع يخفيهن الإمام: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، وآمين. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " ثنا معمر عن حماد، فذكره إلا أنه قال عوض سبحانك اللهم ربنا لك الحمد، ثم قال: أنا الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: خمس يخفيهن الإمام، فذكرها، وزاد سبحانك اللهم وبحمدك. وروى أبو معمر عن عمر بن الخطاب أنه قال: يخفي الإمام أربعا: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، وربنا لك الحمد.

стр. 851

وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يجهر بالتسمية عند الجهر بالقراءة، لما «روي أن النبي ﵇ "جهر في صلاته بالتسمية» . ــ [البناية] م: (وقال الشافعي ﵀: يجهر بالتسمية عند الجهر بالقراءة) ش: وبه قال أبو ثور، قال الثوري: يجهر بالبسملة حيث يجهر بالقراءة في الفاتحة والسورة جميعا، قال: وعلى هذا أكثر علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأكابر. أما الصحابة فرواه أبو بكر الخطيب البغدادي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعمار بن ياسر وأنس وأبي هريرة وغيرهم، حتى ذكر عبد الله بن المغفل الذي ذكر الجهر به على ابنه. وأما التابعون ومن بعدهم، فمن قال بالجهر فهم لا يمكن أن يذكروا أو أن يحصوا. قال عمر بن عبد البر في " الاتفاق ": وقد روي عن عمر وعلي وعمار الجهر بها، والطرق عنهم ليست بالقوية، قال: وكذا اختلف عن أبي هريرة وابن عباس، والأشهر عن ابن عباس الجهر بها. وقال ابن أبي ليلى: إن شاء جهر بها وإن شاء خافت. قلت: قال الترمذي: والعمل عليه؛ أي على ترك الجهر بالبسملة عند ذكر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ومن بعدهم من التابعين، وقال أبو عمرو بن المنذر: هو قول ابن مسعود وابن الزبير وعمار بن ياسر وعبد الله بن المغفل والحكم والحسن والشعبي والنخعي والأوزاعي وسعيد بن جبير وعبد الله بن المبارك وقتادة وعمر بن عبد العزيز وسليمان الأعمش والزهري ومجاهد ويحيى بن جعدة وحماد بن أبي سليمان وأبي عبيد والإمام مالك وأحمد وإسحاق. وقال أبو الخطاب: والعمل عليه عند أهل المدينة، وهذا نقل خلاف قد يلتفت إلى العصبية. م: (لما روي أن النبي ﷺ جهر في صلاته بالتسمية) ش: عن أكثر الشراح هذا الحديث إلى أبي هريرة ﵁ وروى الدارقطني عن العلاء عن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا أم الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم» . ورواه ابن عدي فقال فيه: " أسر " عوض " جهر ". وروى النسائي في "سننه " من حديث يعلمه التمرتاشي قال: «صليت وراء أبي هريرة فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين. وفي آخره: فلما سلم قال: إني أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » -. ورواه ابن حبان في "صحيحه "، وابن خزيمة في "صحيحه "، والحاكم في "مستدركه " وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني في "سننه " وقال: حديث صحيح ورواته كلهم ثقات مجمع على [ ... ] ، يحتج بهم في الصحيح. وروى الدارقطني أيضا عن خالد بن إلياس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة

стр. 852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «علمني جبرائيل ﵇ الصلاة فقام فكبر لنا ثم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة» . وروى الطبراني في "الأوسط " عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هزأ منه المشركون ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة» . وروى الحاكم في "مستدركه " من حديث علي وعمار أن النبي ﷺ «كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم» . وقال: صحيح الإسناد، ورواه الدارقطني في "سننه " من حديث جابر عن أبي الطفيل عن علي وعمار نحوه. وروى الدارقطني أيضا عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» . وأخرجه الخطيب من طريق آخر من حديث مسلم بن حسان قال: «صليت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين" فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله ﷺ حتى قبض، وخلف أبي بكر ﵁ حتى قبض، وخلف عمر ﵁ حتى قبض، فكانوا يجهرون بها في السورتين فلا أدع الجهر بها حتى أموت» . وأخرج الدارقطني عن أبي الصخر عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ «أمني جبرائيل ﵇ عند الكعبة فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» . وأخرج أيضا من حديث الحكم بن عمير وكان بدريا قال: «صليت خلف النبي ﷺ فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل وصلاة الغداة وصلاة الجمعة» . وروى الحاكم في "مستدركه " والدارقطني في "سننه «من حديث محمد بن أبي المتوكل بن

стр. 853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أبي السري قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها، الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن قبل فاتحة الكتاب وبعدها. وقال المعتمر: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي بكر. وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس ﵁ وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ » . وأخرجه الحاكم من طريق آخر عن محمد بن السري ثنا إسماعيل ابن أبي أويس ثنا مالك عن حميد عن أنس ﵁ قال: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» . قال الحاكم: وأخرجته شاهدا. أخرجه الخطيب من طريق آخر من حديث حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. الرد عن هذه الأحاديث: أما حديث أبي هريرة الذي روى عنه العلاء، وروى عنه أويس، واسمه عبد الله بن أويس، وهو غير محتج به لأنه لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه، مع أنه متكلم فيه، وقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم الرازي. فإن قلت: أخرج له مسلم في صحيحه، قلت: بناء على أن مجرد الكلام في الرجال لا يسقط العدالة ولا حديثه، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة إذ لم يسلم من كلام إلا من عصمه الله، بل خرج في الصحيح ممن تكلم فيهم، ومع هذا لم يترك حديثه لكلام الناس فيه، بل للتفرد به ومخالفة الثقات له، ولرواية مسلم الحديث في "صحيحه" من طريقه وليس فيه ذكر البسملة. وأما رواية نعيم المجهول عنه فهي معلولة، البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة ﵁ وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حديث عن أبي هريرة أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، فالبخاري ومسلم أعرضا عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة الذي رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، فيكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع، الحديث ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها لصلاة النبي ﷺ إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.

стр. 854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وليس في هذا الحديث ولا في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة ذكر للتسمية، وهذا فيما يغلب على الظن أنه وهم على أبي هريرة. فإن قلت: نعيم المجمر ثقة والزيادة من الثقة مقبولة. قلت: ليس ذلك مجمعا عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقول: زيادة الثقة مطلقا غير مقبولة، ومنهم من يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع إذا كان راويها ثقة حافظا ثبتا، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: من المسلمين، في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها، وفي موضع يجزم بخطئها كزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها بالجهر لأنه قال: فقرأ أو فقال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذلك أعم من قراءتها سرا أو جهرا على من لا يرى قراءتها. فإن قلت: قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . قلت: أراد به أصل الصلاة، ومقاديرها، وهيآتها، والتشبه لا يقتضي أن يكون من كل وجه بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك محقق في التكبير وغيره دون البسملة. وأما الحديث الذي فيه: علمني جبريل ﷺ فإن إسناده ساقط، وإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه، فعن أحمد: منكر الحديث، وعن ابن معين: ليس بشيء، لا يكتب حديثه. وعن النسائي: متروك الحديث. وعن ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. وأما حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس فإنه لم يذكر هل كان في فرض أو نفل. فإن قلت: ذكر الدارقطني حديثين عن ابن عباس أنه ﷺ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: كان يفتتح الصلاة ببسم الله. قلت: قال الترمذي: إسناده ليس بذاك، والأول لا حجة فيه. فإن قلت: قال النووي في " صحيح مسلم ": قال ﵇: «أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] » . اه. قال: وهذا تصريح بالجهر خارج الصلاة، فكذا في الصلاة كسائر الآيات. قلت: هذا الاحتجاج في غاية السقوط فهل يحتج بالقياس مع مخالفة النصوص الصحاح.

стр. 855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وأما حديث علي وعمار، ففي الأول عبد الرحمن بن سعد المؤذن، وقد ضعفه ابن معين لما قال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال: هذا جزاؤه، كأنه موضوع. وفي الطريق الثاني: جابر الجعفي، وقد كذبه أيوب وليث بن أبي سليمان الخزرجاني. وعن أبي حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي إلا أتاني فيه بأثر. وأما حديث ابن عمر فله طريقان، الأول رواه الدارقطني وفيه شيخه عمر بن الحسن، وقد ضعفه الدارقطني، وفيه جعفر بن محمد بن مروان فقال فيه الدارقطني: لا يحتج به، فظهر بذلك بطلان هذا الحديث. والطريق الثاني رواه الخطيب، فهو أيضا باطل لأن فيه عباد بن زياد الأسدي، وقال الحافظ محمد بن النيسابوري: هو مجمع على كذبه، وقال أبو حاتم: كان من رؤساء الشيعة. وأما حديث النعمان بن بشير فإنه حديث منكر بل موضوع، ومن رواته يعقوب بن يوسف الضبي، وهو ليس بمشهور، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني، وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا، ولم يعلق ابن الجوزي في هذا الحديث إلا عن فطر بن خليفة، وهو تقصير منه، فإن البخاري روى له في صحيحه ووثقه أحمد وابن معين ويحيى القطان، فكأنه اعتمد على قول السعدي فيه: هو زائغ غير ثقة، وليس كذلك لما ذكرنا. وأما حديث الحكم بن عمير فهو حديث باطل لوجوه: الأول: أنه ليس بدريا ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا نعرف له راويا سوى ابن حبيب الراوي عنه، لم يلق صحابيا بل هو مجهول لا يحتج بحديثه. وقد ذكر الطبراني في "معجمه الكبير " الحكم بن عمير وقال في نسبته: الثمالي، ثم روى له بضعة عشر حديثا منكرا، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه. وروى له ابن عدي في "الكامل " قريبا من عشرين حديثا ولم يذكر فيها هذا الحديث. والراوي عن موسى هو إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي، قال الدارقطني: متروك الحديث. الثاني: يحتمل أن يكون هذا الحديث صنعه، فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم لم يذكروا هذا الحديث فيها كبقي بن مخلد وابن عدي والطبراني، وإنما رواه مما علمنا الدارقطني ثم الخطيب. الثالث: أن الدارقطني وهم فقال: إبراهيم بن حبيب، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق، وتبعه الخطيب، ورواه وزاد وهما ثانيا، فقال: الضبي، بالضاد المعجمة والباء الموحدة، وإنما الصيني بصاد مهملة ونون.

стр. 856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وأما حديث أنس ﵁ فهو معارض بما رواه ابن خزيمة في "صحيحه " والطبراني في "معجمه" عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وأبا بكر وعمر ﵄» وقوله: في الصلاة، زادها ابن خزيمة. والحديث الذي رواه الحاكم وقال: إنما ذكرته شاهدا، فقال الذهبي في "مختصره ": أما استحى الحاكم يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع، فأنا أشهد بالله والله إنه لكذب. وقال ابن عبد الهادي: سقط منه (لا) وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت في الصحيح خلافه؛ لما عرف من تساهله، وكيف وأصحاب أنس ﵃ الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا، فقال: أنت سمعت أنسا يذكر ذلك؟ فقال: نعم. وأخبره باللفظ الصريح المنافي للجهر. واحتجت الشافعية أيضا بالآثار، ومنها ما رواه البيهقي في "الخلافيات " من حديث عمر بن ذر عن أبيه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: صليت خلف عمر ﵃ فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان أبي يجهر بها. قلنا: هذا مخالف للصحيح الثابت عن عمر أنه كان لا يجهر، وروى الطحاوي بإسناده عن أبي وائل قال: كان عمر وعلي ﵄ لا يجهران. وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن أبيه أيضا عدم الجهر، فإن ثبت الجهر يحمل على أنه فعله مرة لتعليم أو بسبب من الأسباب. ومنها: ما رواه الخطيب من طريق الدارقطني بسنده عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قلنا: هذا باطل، وعثمان بن عبد الرحمن هو الوقاصي، أجمعوا على ترك الاحتجاج به. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: كذاب ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الأشياء والموضوعات لا يحل الاحتجاج به، وقال النسائي: متروك الحديث. ومنها ما أخرجه الخطيب أيضا، عن يعقوب عن عطاء بن أبي رباح عن أبيه، قال: «صليت خلف علي بن أبي طالب، وعدة من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» . قلنا: وهذا أيضا لا يثبت، وعطاء بن أبي رباح لم يلحق عليا، ولا صلى خلفه قط، والحمل فيه على ابنه يعقوب، فقد ضعفه غير واحد من الأئمة، قال أحمد: منكر الحديث. وأما شيخ الخطيب فيه فهو أبو الحسين محمد بن الحسن بن أحمد الأصبهاني الأهوازي، ويعرف بابن أبي علي، فقد تكلموا فيه، وذكروا أنه كان يركب الأسانيد. ونقل الخطيب عن أحمد بن علي الجصاص قال: كنا نسمي ابن أبي علي الأصبهاني جراب الكذب!. ومنها: ما أخرجه الخطيب أيضا من قوله من طريق الدارقطني عن الحسن بن محمد بن عبد الواحد

стр. 857

قلنا: هو محمول على التعليم؛ ــ [البناية] ثنا الحسن بن الحسين ثنا إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح بن نبهان قال: صليت خلف أبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي قتادة وأبي هريرة ﵃، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قلنا: وهذا أيضا لا يثبت، والحسن بن الحسين هو العربي إن شاء الله. وهو شيعي ضعيف، أو هو الحسين بن الحسن الأشقر، وانقلب اسمه، وهو أيضا شيعي ضعيف أو مجهول. وإبراهيم بن أبي يحيى قد رمي بالرفض والكذب. وصالح بن نبهان مولى التوأمة قد تكلم فيه مالك وغيره من الأئمة، وفي إدراكه الصلاة خلف أبي قتادة نظر. وهذا الإسناد لا يجوز الاحتجاج به. وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على النبي ﷺ وأصحابه لأن الشيعة ترى الجهر وهم أكذب الطوائف، فوضعوا في ذلك أحاديث، وكان أبو علي بن أبي هريرة أحد أعيان أصحاب الشافعي يترك الجهر بها، وهو يقول: الجهر بها صار من شعار الروافض. وغالب أحاديث الجهر نجد في روايتها من هو منسوب إلى التشيع. وأما أقوال التابعين في ذلك فليست بحجة مع أنها قد اختلفت، فروي عن غير واحد منهم الجهر، وروي عن غير واحد منهم تركه، والواجب في ذلك الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال. م: (قلنا: هو محمول على التعليم) ش: هذا جواب عما احتج به الشافعي فيما روي أنه ﷺ جهر في صلاته بالتسمية، ويريد أنه ﷺ إنما جهر بها لأجل تعليم أنه بها يسر، أو يقال: إنه محمول على الجهر الذي يسمعه القارئ، ويقال: إنه محمول على وقوعها اتفاقا، ويقال: كان الجهر ابتداء قبل نزول قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (الأعراف: الآية ٥٥) فكأنهم كانوا يجهرون بالثناء والقراءة أيضا حتى نزل قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ﴾ [الإسراء: ١١٠] (الإسراء: الآية ١١٠) . قلت: كل هذا لا يجزئ ولا يرضى به الخصم ولا يندفع. وكانت الطريقة في هذا أن يحتج المصنف نصرة لمذهبه بما روى من الأحاديث الصحيحة، ثم يجيب عما احتج به الخصم بما يجاب به عند ورود الأحاديث والأخبار المتناقضة، فنقول وبالله التوفيق: قد ذكرنا أن للتسمية أربعة أحوال: هل هي من القرآن أم لا؟ وهل هي من الفاتحة أم لا؟ وهل هي من أول كل سورة أم لا؟ فهذه الثلاثة قد ذكرناها وبقى الرابع وهو أنها هل يجهر بها أم لا؟ فقال الشافعي ومن معه: يجهر بها، ونحن نقول: لا يجهر؛ لما روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث شعبة: سمعت قتادة يحدث عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم» . وفي لفظ لمسلم «فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله

стр. 858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] رب العالمين، ولا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، في أول القراءة ولا في آخرها.» رواه النسائي في "سننه " وأحمد في "مسنده " وابن حبان في "صحيحه " والدارقطني في "سننه ". وقالوا فيه: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» وزاد ابن حبان: ويجهرون بالحمد لله رب العالمين. وفي لفظ لابن حبان والنسائي أيضا: «فلم نسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» . وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في "مسنده ": «فكانوا يستفتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين» . وفي لفظ للطبراني في "معجمه " وأبي نعيم في "الحلية " وابن خزيمة في مختصر "صحيحه " والطحاوي في "شرح الآثار ": «فكانوا يسرون في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في " الصحيحين ". وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضا وهي سبعة ألفاظ: فالأول: كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. والثاني: فلم أسمع أحدا يقول أو يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. والثالث: فلم يكونوا يقرأون ببسم الله الرحمن الرحيم. والرابع: فلم أسمع أحدا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. والخامس: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. والسادس: كانوا يسرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. والسابع: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه من حدث أبي نعامة الحنفي، واسمه قيس بن عباية: حدثنا ابن عبد الله بن مغفل قال: «سمعني أبي وأنا أقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: أي بني إياك والحدث! فإني لم أر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعنى منه. قال: وصليت مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها أنت، إذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين» . قال الترمذي: حديث حسن. فإن قلت: قال النووي في "الخلاصة ": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن المغفل وهو مجهول. قلت: رواه أحمد في "مسنده " من حديث أبي نعامة عن بني عبد الله بن المغفل قال: «كان

стр. 859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أبونا إذا سمع أحدا منا يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يقول: أي بني صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدا منهم يقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . ورواه الطبراني في "معجمه " عن عبد الله بن بريدة عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه مثله. ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب عن يزيد بن عبد الله بن مغفل عن أبيه قال: «صليت خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ من صلاته قلت: ما هذا؟! غيب عنا هذه التي أراك تجهر بها! فإني قد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا بها» . فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن المغفل عن أبيه، وهم أبو نعامة وأبو سفيان السعدي. أما أبو نعامة فقد وثقه ابن معين وغيره، وأما عبد الله بن بريدة فأشهر من أن يثنى عليه، وأما أبو سفيان مهران وإن تكلم فيه ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن المغفل يزيد، كما هو عند الطبراني فقط، فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه. وقد تقدم في " مسند أحمد " عن أبي نعامة عن بني عبد الله بن المغفل، وبنوه الذي يروي عنهم يزيد وزياد ومحمد، والنسائي وابن حبان وغيرهم يحتجون بمثل هؤلاء مع أنهم ليسوا مشهورين بالرواية، ولم يرو أحد منهم حديثا منكرا ليس له شاهد ولا متابع حتى يجرح بسببه. وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات. فأما يزيد فهو الذي سمي في هذا الحديث. وأما محمد فروى له الطبراني عنه عن أبيه قال: سمعت النبي ﵊ يقول: «ما من إمام يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» . وأما زياد فروى له الطبراني عنه عن أبيه مرفوعا: «لا تحذفوا فإنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ العدو ولكنه يكسر السن ويفقأ العين» . وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به لاسيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته. فإن قلت: تركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل. [قلت] : قد احتجوا بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع. والبيهقي لم يحسن في تضعيفه هذا الحديث، غير أنه بعد أن رواه في كتابه " المعرفة " قال: تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية، وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا " الصحيح "، وكل ذلك لأجل التعصب والتحامل. وقوله: تفرد به، غير صحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة وأبو سفيان

стр. 860

لأن أنسا ﵁ أخبر أنه ﵊ كان لا يجهر بها، ــ [البناية] كما ذكرنا، وعدم احتجاج صاحبي الصحيح لا يستلزم تضعيف هذا الحديث الصحيح، وهما لم يلتزما إحاطة الأحاديث الصحيحة، ومع هذا فالبخاري كثيرا ما يتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة، فيذكر الحديث ثم يعرض بذكره فيقول: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ثم يقول: وقال بعض الناس كذا، يشير به إليه ويشنع به عليه، ولم يجد حديثا صحيحا في الجهر حتى يذكره في "صحيحه". فهذا أبو داود والترمذي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة والأسانيد الضعيفة، لم يخرجوا منها شيئا، ولولا أنها عندهم واهية بالكلية لما تركوها، وقد تفرد النسائي منها بحديث أبي هريرة وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد بينا ضعفه من وجوه. م: (لأن أنسا ﵁ أخبر أنه ﷺ كان لا يجهر بها) ش: حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه عن قريب. فإن قلت: روي عن أنس ﵁ أن ذلك كان في الجملة، فروى أحمد والدارقطني من حديث سعيد بن زهد بن سلمة قال: «سألت أنسا أكان رسول الله ﷺ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو الحمد لله رب العالمين؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك.» قال الدارقطني: إسناده صحيح. قلت: ما روي من إنكاره لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه في " الصحيح " ويحتمل أن يكون أنس ﵁ نسي في تلك الحالة لكبره، وقد وقع مثل ذلك كثيرا، كما سئل يوما عن مسألة فقال: عليكم بالحسن فاسألوه فإنه حفظ ونسينا، وكم ممن حدث ونسي. ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلا لا عن الجهر بها وإخفائها. فإن قلت: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، لأنه كان صبيا يومئذ. قلت: هذا مردود لأنه ﵇ هاجر إلى المدينة ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات ﵇ وله عشرون سنة فكيف يتصور أنه يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يوما من الدهر يجهر؟! هذا بعيد بل يستحيل. ثم قد روي هذا في زمان رسول الله ﷺ فكيف وهو رجل في زمان أبي بكر وعمر، وكهل في زمان عثمان ﵁ مع تقدمه في زمانهم وروايته للحديث؟! فإن قلت: أحاديث الإخفاء شهادة على النفي، وأحاديث الجهر شهادة على الإثبات، والإثبات مقدم على النفي. قلت: هذه الشهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات، على أن هذا مختلف فيه، فالأكثرون على تقديم الإثبات، وعند البعض سواء، وعند البعض النافي يقدم على المثبت وإليه

стр. 861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] ذهب الأزدي وغيره. فإن قلت: روى الإخفاء اثنان من الصحابة أنس وعبد الله بن المغفل، وروى الجهر أربعة عشر صحابيا، فيقدم الجهر بكثرة الرواة. قلت: الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدليلين. فأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف ما روي في الإخفاء، فإنه حديث ثابت صحيح مخرج في الصحيح والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة. وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة، ولم يرو أحاديث الجهر إلا الحاكم وقد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة. وقال ابن دحية في كتابه " المعلم " المشهور: يجب على أهل الحديث أن لا يحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط ظاهر، وقد غفل عن ذلك كثير من مخالفيه، وقلده في ذلك الدارقطني وملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة والغريبة والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره. وحكي أنه لما دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة [فصنف فيه جزءا] فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي ﷺ في الجهر فليس بصحيح. وأما عن الصحابة فمنه صحيح وضعيف. والخطيب فإنه قد جاوز عن حد التحامل والتعصب، واحتج بالأحاديث الموضوعة مع علمه بذلك، وروى الخطيب عن عكرمة أنه قال: لا يصلى خلف من لا يجهر بالبسملة، وعارضته رواية الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قال: ذلك فعل الأعراب. وسئل الحسن عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب. وقال أبو عمر عن ابن عباس: الجهر فيها قراءة الأعراب، وأراد جهلتهم. وعن النخعي: أن الجهر بها بدعة. ونقل السروجي عن ابن الجوزي: والخطيب لا ينبغي أن يقبل جرحه ولا تعديله، لأن قوله ونقله يدل على قلة دين. والعجب من الثوري أيضا كيف ذكر الأحاديث الضعيفة وانتصر لها وصححها، ولم يذكر ما قيل فيها. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وقال الأكمل في هذا الموضع: فإن قيل: خبر الإخفاء بالبسملة مما تعم به البلوى، إلى آخر ما ذكره في شرحه، قلت: أخذ جميع ذلك عن السغناقي، ومع هذا فليس ما ذكره توفيقا بين الأحاديث الواردة في الجهر والإخفاء على طريقة أهل هذا الفن، وقد ذكرنا الذي هو الأصل

стр. 862

ثم عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يأتي بها في أول كل ركعة كالتعوذ، وعنه أنه يأتي بها احتياطا، وهو قولهما، ولا يأتي بها بين السورة والفاتحة إلا عند محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فإنه يأتي بها في صلاة المخافتة، ــ [البناية] فللناظر فيه نظر. م: (ثم عند أبي حنيفة أنه) ش: أي أن المصلي م: (لا يأتي بها) ش: أي بالتسمية م: (في أول كل ركعة) ش: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة أن المصلي إذا سمى أول صلاته فإنه لا يعيدها لأنها شرعت لافتتاح الصلاة م: (كالتعوذ) ش: أي كقراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يقرأها مرة في أول السورة اتفاقا. م: (وعنه) ش: أي وعن أبي حنيفة (أنه يأتي بها) ش: أي أن المصلي يأتي بالتسمية في أول كل ركعة، وهذه الرواية رواها أبو يوسف عن أبي حنيفة. وفي " قنية الفتاوى ": والأحسن أن يأتي بها في أول كل ركعة عند أصحابنا جميعا لا اختلاف فيه، ولا تختلف الرواية عنهم، ومن قال، مرة، فقد غلط على أصحابنا غلطا فاحشا عرفه من تأمل كتب أصحابنا، لكن الخلاف في الوجوب، فعندهما في رواية المعلى عن أبي حنيفة أنها تجب في الثانية كوجوبها في الأولى. ورواية الحسن عنه أنها لا تجب إلا عند افتتاح الصلاة وإن قرأها في غيره فحسن، والصحيح أنها تجب في كل ركعة حتى لو سها عنها قبل الفاتحة سجد للسهو. وفي " المجتبى ": وأما وجوبها خارج الصلاة، فالصحيح أنها تجب، وأجمع القراء أن يقرأها أول الفاتحة وكذا في سائر السور إلا عند غيره وأبي عمرو. م: (احتياطا) ش: أي على سبيل الاحتياط، لأنها أقرب إلى متابعة المصحف لأن عليه إعادة الفاتحة، فكذا إعادتها. وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن قرأها عند السورة فحسن. م: (وهو قولهما) ش: أي قول أبي يوسف ومحمد م: (ولا يأتي بها) ش: أي بالتسمية م: (بين السورة والفاتحة) ش: لأن محلها أول الصلاة م: (إلا عند محمد فإنه يأتي بها في صلاة المخافتة) ش: أي فإن المصلي يأتي بالتسمية بين الفاتحة والسورة في الصلاة التي يخافت فيها القراءة اتباعا للمصحف، وأما إذا جهر فلا، وعند الشافعي: لا تجوز الصلاة بدون التسمية، فلذلك قالوا: الأجود أن يأتي بها في كل ركعة، وهو المنقول عن ابن عباس ﵁ ومجاهد، وذلك للاحتياط. وقال حميد الدين: لا احتياط فيه، لأن عند سعد بن أبي وقاص تسمية المقتدي مفسدة لصلاته، لكن لم يفند هذا الخلاف إذ فساد الصلاة لها بعيد، حتى إنه استحسن قراءة البعيد خلف الإمام فيما يخافت.

стр. 863

قال: ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء، وقراءة الفاتحة لا تتعين ركنا عندنا، وكذا ضم السورة، خلافا للشافعي ﵀ في الفاتحة، ولمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيهما، له قوله ﵊: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها» . ــ [البناية] واعتبر خلاف الشافعي لأن معه غيره ولم يعتد بخلافه في الجهر لانفراده، ومخالفة النصوص على ما ذكرنا. [الواجب من القراءة في الصلاة] م: (قال) : أي القدوري: (ثم يقرأ فاتحة الكتاب) ش: أي ثم بعد قراءة الثناء والتعوذ والتسمية يقرأ سورة فاتحة الكتاب، هذا بيان الواجب من القراءة دون الركن والسنة على ما يأتي إن شاء الله تعالى م: (وسورة) ش: أي ويقرأ سورة من القرآن (أو ثلاث آيات من أي سورة شاء) ش: أي ويقرأ ثلاث آيات مع الفاتحة، والخيار فيها من أي سورة شاء، وهذا أيضا بيان الواجب من القراءة. م: (وقراءة الفاتحة لا تتعين ركنا عندنا) ش: أي من حيث الركنية، ويجوز أن ينصب على الحال. وقال أبو بكر الرازي ﵀: لا خلاف بين الفقهاء في جواز الصلاة مع الفاتحة وحدها، ويروى مثل مذهبنا عن ابن عباس والحسن وإبراهيم والشعبي وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وداود ومالك في رواية. م: (وكذا ضم السورة إليها) ش: أي إلى الفاتحة م: (خلافا للشافعي في الفاتحة) ش: يعنى قراءة الفاتحة عنده فرض حتى لو لم يقرأها تبطل صلاته، ولو ترك حرفا منها وتشديدا عمدا لا تجوز صلاته، ولو ترك التشديد من لفظ الله، فإن كان عمدا تبطل صلاته، وإن كان ناسيا فيؤمر بسجود السهو، ولو ترك من "إياك نعبد" فإن تعمد ذلك وعرف معناه يكفر، وإن كان ساهيا أو جاهلا يسجد للسهو، كذا في تتمتهم. وعند عامة مشايخنا لو ترك التشديد من إياك ومن رب العالمين يعيد، والمختار أنه لا يعيد صلاته، ذكره في " الخلاصة ". م: (ولمالك فيهما) ش: أي خلافا لمالك في قراءة الفاتحة وضم السورة إليها ونصب خلاف مالك على هذا الوجه غير صحيح، لأن " صاحب الجواهر " قال: وضم السورة إلى الفاتحة سنة عند مالك خلاف ما نقله عنه أصحابنا. وقال غيره: المشهور عن مالك جعل أم القرآن ركنا، ولم يقل أحد أن ضم السورة إلى الفاتحة ركن فيما علمته. وأكثر الشراح سكتوا عن هذا ونسبوا إلى مالك قولا وهو لم يقل به، على أنه روي عنه أن مذهبه في هذا كمذهبنا لمالك. م: (له قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها» ش: هذا الحديث روي بوجوه مختلفة

стр. 864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] عن أبي سعيد بلفظ الكتاب رواه ابن عدي في " الكامل "، وفي لفظ: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ الفاتحة وما تيسر» . وفي لفظ: «لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها» ، وفي لفظ: «وسورة، في فريضة أو غيرها» ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لا يقرأ بالحمد لله وسورة في فريضة وغيرها» . هذا لفظ الترمذي، واقتصر ابن ماجه على قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بالجهر» وسكت عنه الترمذي، وهذا معلول بأبي سفيان. وقال عبد الحق في "أحكامه ": لا يصح هذا الحديث من أجله. ورواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في "مسنديهما" والطبراني في " مسند الشاميين " من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد: «لا صلاة إلا بأم القرآن ومعها غيرها» وروى أبو داود عن أبي نضرة عنه قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» . ورواه أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما". قال الدارقطني في "علله ": هذا يرويه قتادة وأبو سفيان السعدي عن أبي نضرة مرفوعا، ووقفه أبو سلمة عن أبي نضرة هكذا. قال أصحاب شعبة عنه: ورواه ربيعة عن عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي سلمة مرفوعا، ولا يصح رفعه من شعبة. وروى الطبراني في " مسند الشاميين " من حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين من القرآن» . ورواه ابن عدي من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا «تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا» . وفيه عمرو بن يزيد، قال ابن عدي: ضعيف منكر الحديث، ورواه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها» .

стр. 865

وللشافعي ﵀ قوله ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (المزمل: الآية ٢٠) ــ [البناية] وروى أبو داود من حديث رفاعة بن رافع قال: جاء رجل ورسول الله ﷺ جالس في المسجد. الحديث. وفي رواية: «إذا قمت وتوجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله» . ورواه أحمد أيضا في "مسنده". م: (وللشافعي ﵀ قوله ﵊: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم من حديث محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب» . ورواه الدارقطني بلفظ: «لا تجزئ الصلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب» وقال: إسناده صحيح. وأخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" قلت: وإن كنت خلف الإمام، قال: فأخذ بيدي وقال: "اقرأ في نفسك» وجه الاستدلال بالحديث المذكور ظاهر وهو نفي حسن الصلاة عن الجواز إلا بقراءة فاتحة الكتاب. م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (المزمل: الآية ٢٠) ش: وجه الاستدلال بهذه أن الله تعالى أمر بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا وتقييده بفاتحة الكتاب زيادة على مطلق النص، وهذا لا يجوز، لأنه نسخ، فيكون أدنى ما يطلق على القرآن فرضا لكونه مأمورا به فإن قراءته لصلاة ليست بفرض يتعين أن يكون في الصلاة. فإن قلت: هذه الآية في صلاة الليل وقد نسخت فرضيتها وكيف يصح التمسك بها؟ قلت: ما شرع ركنا لم يصر منسوخا، وإنما نسخ وجوب قيام الليل دون فروض الصلاة وشرائطها وسائر أحكامها. ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ، والصلاة بعد النسخ تثبت نفلا. وكل من شرط الفاتحة في الفرض لعدم المقابل بالفصل، وأيضا الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب على القول المنقول على ما عرف في موضعه. فإن قلت: كلمة ما مجملة والحديث مبين والمبين يقضي على المبهم. قلت: كل من قال هذا يدل قوله على عدم معرفته بأصول الفقه لأن كلمة من من ألفاظ العموم، يجب العمل بعمومها من غير توقف، ولو كانت مجملة لما جاز العمل بها قبل البيان كسائر مجملات يسير القراءة، والحديث معناه أي شيء يسير، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه فيلزم الترك بالقرآن والحديث، والعام عندنا لا يحمل على الخاص مع ما في الخاص من الاحتمالات.

стр. 866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فإن قلت: هذا الحديث مشهور فإن العلماء تلقته بالقبول فيجوز الزيادة بمثله. قلنا: لا نسلم ذلك لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول. وقد اختلف التابعون في هذه المسألة، ولئن سلمنا أنه مشهور، فالزيادة بالخبر المشهور إنما يجوز إذا كان محكما، أما إذا كان محتملا فلا. وهذا الحديث محتمل لأن مثله نفي الجواز ويستعمل لنفي الفضيلة كقوله ﵊: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ، ولأنه معارض لما روي أنه ﷺ قال: «لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب أو غيرها» . وروي: «لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب» وقد ذكرناه عن قريب. وروي أنه ﵇ علم الأعرابي الصلاة إلى أن قال: «الله أكبر ثم اقرأ ما تيسر أو ما معك من القرآن» . فإن قلت: نفي الجواز أصل فيكون هذا المراد. قلت: لا نسلم أن الأصل هو المراد بالحديث لجواز ترك الأصل بدليل يقتضي الترك. فإن قلت: أخرج مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام» . فهذا يدل على الركنية. قلت: لا نسلم ذلك لأن معناه ذات خداج أي نقصان صلاة ناقصة، وهذا لا يوافق مذهبنا لأنه ثبت النقصان لا الفساد، ونحن نقول: لأن النقصان في الوصف لا في الذات، ولهذا قلنا بوجوب الفاتحة. فإن قلت: قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ﴾ [المزمل: ٢٠] عام خص منه البعض وهو ما دون الآية، فإن المصنف ذكر في فصل القراءة أدنى ما يجزئ من القراءة عند أبي حنيفة أنه آية، لأن ما دون الآية خارج بالإجماع، فإذا كان كذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد بل القياس أيضا. قلت: القرآن يتناول ما هو معجز عرفا فلا يتناول ما دون الآية. فإن قلت: هذا مستقيم على قولهما لأنهما قالا: فرض القراءة ثلاث آيات قصار وآية طويلة. أما على قول أبي حنيفة لا يستقيم، لأن الفرض يتأدى عنده بالآية القصيرة وهي ليست بمعجزة. قلت: الشرط فيه أن تكون الآية القصيرة كلمتين أو أكثر، ولا يتأدى الفرض بآية هي كلمة واحدة ك "ص" و "ن"، وقال: مذهنبا بائن في الصحيح، فإذا كان كذلك لم يدخل ما دون الآية في النص. وقال الأترازي: فإن قلت: إن مالكا مستدل على ركنية الفاتحة وضم السورة جميعا بقوله:

стр. 867

والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز، لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما. ــ [البناية] «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها» فما جوابه؟ قلت: جوابه هو الذي سمع من ردنا على الشافعي فلا نعيده، انتهى. قلت: هذا السؤال غير موجه أيضا، لأن مالكا لم يقل بركنية ضم السورة إلى الفاتحة كما ذكرنا. م: (والزيادة عليه) ش: أي على النص (بخبر الواحد) ش: وهو الحديث المذكور (لا تجوز) ش: لأنه نسخ كما ذكرنا، لأن خبر الواحد دون نص الكتاب والنسخ لا يجوز بما دون المنسوخ كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (البقرة: الآية ١٠٦) . فإن قلت: ما معنى النسخ هاهنا؟ قلت: الذي كان مشروعا قبل الزيادة لما كان بعضه بعد الزيادة لزم تبدله من الكل إلى البعض وليس معنى النسخ إلا التبديل. فإن قلت: ما تيسر عام، فقال المصنف بالزيادة عليه، وهذا يدل على أنه مطلق، والمطلق خاص لا عام عندنا. قلت: كأنه أراد العام المطلق وهو العام غير المخصوص. م: (لكنه يوجب العمل) ش: أي لكن الحديث المذكور يوجب العمل به وبين ذلك بقوله: م: (فقلنا بوجوبهما) ش: أي قلنا بوجوب قراءة الفاتحة وضم السورة حتى يأثم تاركهما إذا عمد ويلزمه سجود السهو إذا سها، والحاصل أنما نحن عملنا بالعدل باستعمالنا بالقرآن والحديث، وأثبتنا فريضة مطلق القراءة بالنص ووجوبية قراءة الفاتحة وضم السورة بالحديث، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار، وليس من العدل أن يعمل بأحدهما ويهمل الآخر، وهاهنا دقيقة وهي أن الحديث الذي رواه أبو هريرة وهو الذي أخرجه أبو داود والطبراني في " الأوسط " أنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب» عما إذا ترك على فريضة ما زاد على الفاتحة وليس ذلك مذهب الخصم. ولنا جواب وهو أن الحكم يثبت بقدر دليله وخبر الواحد ليس بقطعي، فلا تثبت به الفرضية. نعم يثبت به الوجوب، ونحن نقول به. فإن قلت: الخصم يقول: الفرض والواجب عندي سواء. قلت: النزاع لفظي. فإن قلت: الحديث مجمل، لأن نصبه يقتضي نفي الذات ومعلوم ثبوتها حسا.

стр. 868

وإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، ويقولها المؤتم؛ لقوله ﵇: «إذا أمن الإمام فأمنوا» ، ولا متمسك لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله ﵊: «إذا قال الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين» من حيث القسمة؛ لأنه قال في آخره: "فإن الإمام يقولها". ــ [البناية] قلت: قد أجيب عن هذا، والتحقيق أن قدر نفي الإجزاء يلزم به نفي الكمال أيضا، فيلزم نفي شيئين قبله للمخالفة، فتعين به نفي الكمال. [قول المأموم آمين] م: (وإذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ، قال: آمين) ش: أي قال الإمام عقيب ولا الضالين آمين. قال الأترازي: خلافا لمالك. قلت: لم يقل مالك بأن الإمام لا يقول آمين ولكن يقولها على وجه الفضيلة دون السنة على ما حكاه القاضي أبو محمد عنه، ذكره في " الجواهر ". م: (ويقولها المؤتم) ش: أي يقول المقتدي أيضا: آمين. والأترازي يقول: هذا ما كان المقتدي في علم التصريف بقوله وهو أن المؤتم به؛ أي اقتدى به، يجوز أن يكون اسم الفاعل ويجوز أن يكون اسم المفعول، لأن التقدير يختلف، وإن كان اللفظ يحتاج إلى تقدير اسم الفاعل مؤتم بكسر الميم الأولى وتقدير اسم المفعول مؤتم بفتح الميم الأولى والمراد هنا هو الثاني وهو الإمام لمناسبة الكلام. قلت: هذا إنما يصح إذا كان الضمير في قال في قوله آمين كما ذهب إليه بعض الشراح، ويفهم من كلامه هذا أيضا وليس كذلك، وإنما الضمير فيه للإمام، ويكون من قوله ويقولها المؤتم هو المقتدي كما ذكرنا. م: (لقوله ﷺ «إذا أمن الإمام فأمنوا» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ، قال ابن شهاب: «وكان رسول الله ﷺ يقول آمين» . ولفظ النسائي وابن ماجه فيه: «إذا أمن القارئ» وزاد فيه البخاري في كتاب الدعوات: «فإن الملائكة تقول آمين» . قال ابن حبان: يريد أنه إذا أمن كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصا لله تعالى، فإنه حينئذ يغفر له. م: (ولا متمسك لمالك ﵁ في قوله ﷺ : «إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين» من حيث القسمة لأنه قال في آخره: فإن الإمام يقولها) ش: أي ولا حجة لغير مالك في هذا الحديث فيما ذهب إليه من أن الإمام لا يقول عند فراغه من قراءة الفاتحة آمين من حيث أنه ﷺ قسم ذلك بينه وبين القوم، لأن القسمة تنافي الشركة. ثم بين المصنف عدم احتجاجه بذلك بقوله: (لأنه قال) ش: أي لأن النبي ﷺ قال في آخر

стр. 869

قال: ويخفونها ــ [البناية] الحديث المذكور: «فإن الإمام يقولها» أي يقول لفظ آمين، ولفظ الحديث: «فإن الإمام يقول آمين» كما نذكره يقطع بتلك الشركة، فصار الإمام والقوم مشتركين في الإتيان بلفظ آمين. ثم إن المالكية حملوا قوله ﷺ : إذا أمن الإمام، على بلوغ موضع التأمين وقالوا: سنة الدعاء تأمين السامع دون الداعي، وآخر الفاتحة دعاء فلا يؤمن الإمام لأنه داع. وقال القاضي أبو الطيب: هذا غلط بل الداعي أولى بالاستيجاب. واستبعد أبو بكر بن العربي تأويلهم لغة وشرعا، وقال: الإمام أحسن الداعين وأولهم وأولاهم. وفي " المعارضة ": قال الإمام مالك: لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر. وقال ابن حبيب: يؤمن. وقال ابن كليب: هو ما يختار. وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قول مالك ﵀ أن الإمام لا يأتي بها. وفي " المبسوط ": قال أبو حنيفة ﵀: يخفي الإمام آمين، ثم قال: وقد طعنوا فيه، وقالوا: إن مذهب أبي حنيفة ﵀ أن الإمام لا يقوله أصلا فكيف يستقيم جوابه: ويخفي به، لكنا نقول: عرف أبو حنيفة ﵀ أن بعض الأئمة لا يأخذون بقوله لحرمة قول علي وابن مسعود ﵄ ففرع الجواب على قولهما كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها. فإن قلت: إذا كان مذهب أبي حنيفة أن الإمام لا يقول آمين، كما روى عنه الحسن فما جوابه عن قوله ﷺ : إذا أمن الإمام؟ قلت: جوابه أنه إنما سمى الإمام مؤمنا باعتبار المسبب والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر كما يقال بنى الأمير داره. ثم الحديث الذي في آخره: فإن الإمام يقولها، أخرجه النسائي في "سننه " من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» . ورواه عنه عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا معمر عن الزهري، ومن طريقه رواه ابن حبان في "صحيحه " بسنده، والحديث في " الصحيحين " وليس فيه: فإن الإمام يقول: آمين. م: (ويخفونها) ش: أي يخفي الإمام والقوم جميعا لفظة آمين، وبه قال الشافعي في قوله الجديد، ومالك في رواية. وعند الشافعي يجهر الإمام، وبه قال أحمد وعطاء وداود لما روي عن أبي هريرة أنه قال: «كان إذا أمن النبي ﷺ أمن من خلفه حتى كان في المسجد ضجة» . وفي رواية

стр. 870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] بجة، وهو اختلاف الأصوات. وروي عن بعض أصحابه أنه قال: كنت أسمع من الأئمة كابن الزبير ومن بعده يقولون آمين ويقول من خلفهم آمين، حتى يكون في المسجد ضجة. وكذا روي عن عكرمة، كذا ذكره صاحب " الدارية " عنهم. قلت: حديث الجهر بالتأمين رواه أبو داود والترمذي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، واللفظ لأبي داود قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته» ، وقال: حديث حسن. وأخرج أبو داود والترمذي من طريق آخر عن علي بن صالح، ويقال العلاء بن صالح، الأسدي عن سلمة بن كهيل عن عمر عن عنبس عن وائل بن حجر عن النبي ﷺ : «أنه صلى فجهر بآمين وسلم عن يمينه وشماله» انتهى وحكى عنه. وروى النسائي أنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق «عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذيا أذنيه ثم قرأ فاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين، رفع بها صوته» . وروى أبو داود وابن ماجه عن ميسر بن رافع عن أبي عبد الله بن عمر عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا تلى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين حتى تسمع من الصف الأول» وزاد ابن ماجه: «فيرتج بها المسجد» . ورواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في "مستدركه " وقال: على شرط الشيخين. رواه الدارقطني في "سننه " قال: إسناده حسن. وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده " أخبرنا النضر بن شميل حدثنا هارون الأعور عن إسماعيل بن مسلم عن أبي إسحاق «عن ابن أم الحصين عن أمه: أنها صلت خلف النبي ﷺ فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، فسمعته وهي في صف النساء» . قلت: أما الحديث الأول الذي رواه الشافعية من حديث أبي هريرة وفيه: «حتى كان في المسجد ضجة» فليس كذلك لفظه، بل لفظه في زيادة ابن ماجه: «فيرتج بها المسجد» كما ذكرناه، وهو حديث ضعيف، وفي إسناده بشر بن رافع الحارثي، ضعفه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد

стр. 871

لما روينا من حديث ابن مسعود ﵁، ولأنه دعاء فيكون مبناه على الإخفاء، ــ [البناية] وابن معين، وقال ابن القطان في كتابه: بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي، ضعيف، وهو يروي هذا الحديث عن أبي عبد الله ابن [عم] أبي هريرة، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال ولا روى عنه غير بشر، والحديث لا يصح من أجله فقط بذلك [.... ... ] قول الحاكم: على شرط الشيخين، وتحسين الدارقطني إياه. وأما قولهم: وروي عن بعض أصحابه؛ أي بعض أصحاب الشافعي، فإن الذي رواه هو الشافعي في " الأم " أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة كابن الزبير ومن بعده أه. ومسلم بن خالد شيخ الشافعي ضعيف. فإن قلت: قال النووي: ذكر البخاري هذا الأثر عن ابن الزبير تعليقا. قلت: التعليق ليس بحجة. وأما الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر فيعارضه ما رواه الترمذي أيضا عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر بن العنبس عن وائل عن أبيه وقال فيه: «وخفض لها صوته» . فإن قلت: قال الترمذي: سمعت محمدا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وأخطأ شعبة في مواضع فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن، وزاد فيه علقمة وليس فيه علقمة وإنما هو حجر عن وائل، وقال: خفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته. قلت: تخطئه مثل شعبة خطأ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث وقوله حجة هو ابن عنبس وليس بأبي عنبس، وليس هو كما قاله بل هو ابن عنبس، وجزم به ابن حبان في " الثقات "، فقال: كنيته كاسم أبيه. وقول محمد: كونه أبا السكن لا ينافي أن يكون كنيته أيضا أبا عنبس؛ لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان المختار، زاد فيه علقمة لا يضر لأن الزيادة كانت من الثقة مقبولة، ولا سيما من قبل شعبة. وقوله: قال وخفض بها صوته وإنما هو ومد بها صوته، يؤيده ما رواه الدارقطني عن وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله ﷺ بجمعة حين قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين، وأخفى صوته» . وحجر بضم الجيم. وعنبس بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وفي آخره سين مهملة. م: (لما روينا من حديث ابن مسعود ﵃) ش: وهو الذي ذكره فيما تقدم عن قريب عند قوله: ويلزمها، وقد مر الكلام فيه مستقصى م: (ولأنه) ش: أي ولأن التأمين أي التلفظ به. (دعاء فيكون مبناه على الإخفاء) ش: أي الأصل فيه الإخفاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (الأعراف: الآية ٥٥) ، وقال ﵇: «خير الدعاء ما خفي وخير الرزق ما يكفي» ولأن بإخفائها يقع التمييز بين القرآن وغيره، فإنه إذا جهر بها مع الجهر بالفاتحة يلبس أنها

стр. 872

والمد والقصر فيه وجهان والتشديد فيه خطأ فاحش. ــ [البناية] من القرآن. فإن قلت: ورد الجهر والإخفاء فماذا يعمل؟. قلت: إذا تعارضت الأخبار والآثار يعمل بالأصل [والأصل] في الدعاء الإخفاء كما ذكرنا، أو يحمل ما فيه على أنه وقع اتفاقا وعلى التعليم أو على أصل الأمر. وفي " المحيط " و " فتاوى الظاهرية ": لو سمع المقتدي من الإمام: ولا الضالين، في صلاته يجهر بها، هل يؤمن؟ قال بعض مشايخنا: لا يؤمن لأن ذلك الجهر لغو فلا يتبع وعن الهندواني: يؤمن لظاهر الحديث. م: (والمد والقصر فيها وجهان) ش: أي مد ألف آمين وقصرها فيه لغتان، وفي " الخلاصة ": المد اختيار الفقهاء لموافقته للمروي عنه ﵇ والقصر اختيار الأصوليين، وعلى الوجهين هو مبني على الفتح قطعا كيف كان لاجتماع الساكنين. وفي " الجنازية ": فيه أربع لغات: فتح الألف ومدها وقصرها، وفتح النون في الوجهين وتسكينه، وحكى الواحدي فيه لغة أخرى وهو إمالة مع. وحكي أيضا المد والتشديد. قال: وروي ذلك عن الحسن. وحكى القاضي عياض عنه أنها مردودة. وقال ابن السكيت وغيره من أهل اللغة: على أن التشديد لغة العوام وهو خلاف المذاهب الأربعة. واختلف الشافعية في بطلان الصلاة بذلك، وفي " التجنيس ": ولو قال آمين بتشديد الميم في آمين لا تفسد، أشار إليه المصنف بقوله: م: (والتشديد فيه خطأ فاحش) ش: أي تشديد الميم فيه، ولكنه لم يذكر هنا فساد الصلاة به ها هنا لأن فيه خلافا، وهو أن الفساد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما لا تفسد لأنه يوجد في القرآن مثله وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] م: (المائدة: الآية ٢) وعلى قولهما الفتوى، فلذلك لم يتعرض إلى الفساد هنا. وأما معنى آمين رواية وأصله فوزنه ليس من أوزان كلام العرب وهي مثل هابيل وقابيل، وأصله يا ألله استجب دعاءنا، اسم من أسماء الله تعالى، إلا أنه أسقط ياء النداء فأقيم المد مقامه، فلذلك أنكر جماعة القصر فيه، وقالوا: المعروف فيه المد، وهو اسم فعل مثل صه بمعنى اسكت، ويوقف عليه بالسكون، فإن وصل بغيره تحرك لالتقاء الساكنين، ويفتح طلبا للخفة لأجل البناء كأين وكيف، أو معناه، فقيل: لكن كذلك، وقيل: أعقل، وقيل: لا يخيب رجانا. وقيل: لا يقدر على هذا غيرك. وقيل: طالع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات. وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله، وقيل: اسم من أسماء الله تعالى.

стр. 873

قال: ثم يكبر ويركع، وفي " الجامع الصغير ": ويكبر مع الانحطاط، ــ [البناية] قال النووي: وهو ضعيف. وفي " المنافع ": قيل: هو معرب همين وعن أبي زهير البحتري قال: «وقف رسول الله ﵇ على رجل ألح في الدعاء فقال ﵇: "وجب؛ أي ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ فقال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد وجب» رواه أبو داود، وأبو زهير اسمه معاذ. وفي " المجتبى ": لا خلاف أن آمين ليس من القرآن حتى قالوا بارتداد من قال: إنه منه، وأنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصلاة. واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم السورة إليها، والأصح أنه يأتي بها. فروع: ينبغي أن يراوح المصلي بين قدميه في القيام، وهو أفضل من أن ينصبهما نصبا، والرواية إن تمكن على هذا القدم مرة وعلى الأخرى مرة، نص عليه عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله في صلاة الأكثر، ولم يرو عن أبي يوسف ﵀ خلافه. وفي " النسفي " أي الاستراحة من رجل إلى رجل أخرى مكروهة ومثله في " المرغيناني "، وكذا القيام على إحدى الرجلين إلا لعذر. وفي " الواقعات ": ينبغي أن يكون بين قدمي المصلي قدر أربع أصابع اليد لأنه أقرب إلى الخشوع، والمراد من قوله ﵊: «الصقوا الكعاب بالكعاب» اجتماعهما. [التكبير قبل الركوع وبعد الرفع منه] م: (قال: ثم يكبر ويركع) ش: أي بعد الفراغ من قراءة الفاتحة وضم السورة يكبر ويركع، وهذا يقتضي أن يكون التكبير في محل القيام، وهذه رواية القدوري، وبه قال بعض مشايخنا. (وفي " الجامع الصغير " ويكبر مع الانحطاط) ش: وهذا يقتضي مقارنة التكبير للركوع لأن كلمة مع للمقارنة، وبه قال بعض مشايخنا، وإنما صرح " بالجامع الصغير " لأن دأبه إذا وقع نوع مخالفة بين رواية " الجامع الصغير " ورواية " القدوري " التصريح بلفظ الجامع الصغير. وفي " شرح الإرشاد ": ينبغي أن يكون بين حالة الانحناء وحالة الرفع لا في حالة الاستواء ولا في حالة تمام الانحناء. وقال بنو أمية: لا يكبر حال ما يركع بل يكبر حال ما يرفع رأسه من الركوع لأنه روي أنه ﵇ فعل هذا، وأن الحديث الذي يأتي لأنه ﵊ كان يكبر عند كل خفض ورفع، المراد بالخفض والرفع ابتداء كل ركن وانتهاؤه، ومعناه: الله أعظم من أن يؤدى حقه بهذا القدر من العبادة، لا يقال: إذا كان المعنى هذا فلم لا يكبر عند رفع الرأس من الركوع، لأنا نقول: المراد من التكبير أن لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة خاليا عن الذكر، فبعد الركوع الإمام يسمع والمقتدي يحمد والمنفرد يأتي بهما، فلا يخلو ذلك الجزء عن الذكر، فلم يسن التكبير لأجل هذا.

стр. 874

«لأن النبي ﵊، كان يكبر عند كل خفض ورفع، ويحذف التكبير حذفا؛» ــ [البناية] م: (لأن النبي ﵊ كان يكبر عند كل خفض ورفع) ش: هذا دليل قوله ثم يكبر، والحديث رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرحمن بن الأسود بن علقمة، رواه الأسود عن عبد الله بن مسعود قال: «كان النبي ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر ﵄» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، رواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والدارقطني في "مسانيدهم" والطبراني في "معجمه ". وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سلمة «عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » -. وفي " الموطأ " عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عن ابن شهاب الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ قال: «كان رسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله » . وقد قلت: ينبغي الخفض والرفع، ومذهب الشافعي في هذا كما ذكر في " الجامع الصغير ". وقال الطحاوي: يخر راكعا مكبرا، وفي " خزانة الأكمل ": لا يكره وصل القراءة بتكبير الركوع. وعن أبي يوسف: ربما فعلت وربما تركت. وقال أبو حفص: فعلها وصلا وربما أن أبا يوسف ﵀ ترك الأفضل خلافا للرافضة. وفي " المجتبى ": واختلف في وقت الركوع والأصح أنه بعد الفراغ من القراءة، وقال: إنه في حالة الخروج حرف أو كلمة عن القراءة لا بأس به، ثم هذه التكبيرات كلها سنة عند الجمهور من الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم. وقال ابن المنذر: وبه قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجابر والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي، ﵏. وروي عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري: أنه لا يشرع إلا بتكبيرة الإحرام بلفظه، ونقله ابن المنذر أيضا عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، ونقله ابن بطال في "شرح البخاري " عن جماعة منهم معاوية وابن سيرين وسعيد بن جبير. وقال البغوي: اتفقت الأمة أنها سنة وليس كما قاله، وقد قالت الظاهرية وأحمد في رواية أنها واجبات. م: (ويحذف التكبير حذفا) ش: أي لا يمد في غير موضع المد، والحذف في الأصل الإسقاط،

стр. 875

لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين، لكونه استفهاما، وفي آخره لحن من حيث اللغة. ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه؛ ــ [البناية] ويعتبر به عن ترك التطويل والتخليط في القراءة. (لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين لكونه استفهاما) ش: أي في أول التكبير، وهو الهمزة، فإذا مدها عامدا يكفر، ولا تجوز صلاته لكونه شاكا في كبرياء الله تعالى باستفهامه، هكذا قاله الأترازي، والذي قاله المصنف ﵀ هو الحق لأن الهمزة للإنكار، لكن من حيث إنها تجوز أن تكون للتقرير لا يلزمه الكفر. وفي " الخلاصة ": لو قال: الله أكبر، بمد الألف من أكبر، تكلموا في كفره، ولا تجوز صلاته لأنه إن لزمه الكفر فظاهر، وإن لم يلزمه يكون كلاما فيه احتمال الكفر فيخشى عليه الكفر، وهو خطأ أيضا شرعا، لأن الهمزة إذا دخلت على كلام منفي كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] (الانشراح: آية١) ، تكون للتقرير بخلاف الكلام المثبت، وفيه ضعف من حيث اللغة وذلك لأن العرف بالقرآن. م: (وفي آخره لحن من حيث اللغة) ش: أي المد في آخر التكبير، وهو أن يمد الباء؛ أي خطأ من لحن الكلام فيه في كلامه إذا أخطأ، يقال: فلان لحان ولحانة؛ أي مخطئ، ولكن لا تفسد صلاته. وعن بعض المشايخ: لا يصير شارعا، ولو شرع تفسد صلاته، وبه قال الفقيه أبو جعفر. وفي " المبسوط ": ولو مد ألف الله لا يصير شارعا، وخيف عليه الكفر إن كان قاصدا، وكذا لو مد ألف أكبر، وكذا لو مد باءه لا يصير شارعا، لأن إكبار جمع كبر، فكان فيه إثبات الشركة. وقيل: إكبار اسم للشيطان. وقيل: إكبار جمع كبر وهو الطبل. فإن قلت: يجوز أن تشبع فتحة الباء، فصارت ألفا. قلت: هذا في ضرورة الشعر، ويجزم الراء في أكبر، وإن كان أصله الرفع بالخبرية، لأنه روي عن إبراهيم التكبير جزم والسلام جزم، وفي رواية: والإقامة جزم أيضا، وهو بالجيم والزاي، وروي عنه ﵇ حزم بالحاء المهملة والزاء المعجمة، ومعناه سريع، والجزام في اللسان السرعة ومنه حديث عمر ﵁: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاجزم. م: (ويعتمد بيديه على ركبتيه) ش: أي يعتمد المصلي بيديه على ركبتيه في الركوع (ويفرج بين أصابعه) ش: يعني لا يضمها، وبه قال الثوري والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق. وذهب جماعة إلى التطبيق بين ركبتيهم إذا ركعوا، وصورته أن يضم إحدى ركبتيه إلى الأخرى ويرسلهما إلى بين فخذيه. وفي " المبسوط ": كان ابن مسعود وأصحابه يقولون بالتطبيق. وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ وضع يديه على ركبتيه في الركوع، ونقله عمر

стр. 876

لقوله ﵊ لأنس ﵁: «إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك» ، ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة، ليكون أمكن من الأخذ، ولا إلى الضم إلا في حالة السجود وفيما وراء ذلك يترك على العادة. ويبسط ظهره؛ لأن النبي ﵊ «كان إذا ركع بسط ظهره» ــ [البناية] وعلي وسعيد وابن عمر ﵃ وجماعة، وقد ثبت نسخ التطبيق. قال مصعب بن سعيد بن أبي وقاص: «فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي فقال: "كنا نفعل هذا فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» متفق عليه. وفي " شرح الإرشاد ": عن ابن عمر ﵄ أنه ﵊ ما فعل التطبيق إلا مرة واحدة. م: (لقوله ﷺ لأنس ﵁: «إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك» ش: هذا الحديث أخرجه الطبراني في "معجمه الصغير" و "الأوسط " من طريق سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك ﵄، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا يؤمئذ ابن ثمان سنين، الحديث مطولا، وفيه: «يا بني إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك وفرج بين أصابعك وارفع يديك عن جنبيك» ورواه أبو سعيد الموصلي أيضا في "مسنده ". وعن أبي مسعود وعقبة بن عامر: «أنه ركع فجافى يديه ووضعهما على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبته، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي» رواه أبو داود والترمذي وأحمد. م: (ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة) ش: أي لا يستحب تفريج الأصابع أي كشفها إلا في حالة الركوع. (ليكون أمكن من الأخذ) ش: بالركب وبه يأمن السقوط (ولا إلى الضم إلا في حالة السجود) ش: أي ولا يندب إلى ضم الأصابع إلا في حالة السجود، ولأن اليد أقوى في الإقعاد عليها وازدياد قوتها عند الضم، ولتقع رؤوس الأصابع مواجهة إلى القبلة. م: (وفيما وراء ذلك يترك على العادة) ش: أي فيما وراء الركوع والسجود ترك الأصابع على العادة، يعني لا يفرج كل التفريج ولا يضم كل الضم كما هو العادة، وما روي من نشر الأصابع في رفع اليدين عند التحريمة فهو عندنا محمول على النشر الذي هو ضد الطي لا التفريج بين الأصابع. م: (ويبسط ظهره) ش: في الركوع م: (لأن النبي ﵊ كان إذا ركع بسط ظهره)

стр. 877

ولا يرفع رأسه ولا ينكسه؛ «لأن النبي ﵊ "كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه» ، ويقول: سبحان ربي العظيم، ثلاثا، وذلك أدناه، ــ [البناية] ش: الحديث رواه أبو العباس محمد بن السراج في "مسنده " من حديث البراء قال: «كان النبي ﷺ إذا ركع بسط ظهره وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة» . وروى ابن ماجه من حديث راشد قال: سمعت وابصة بن معبد يقول: «كان رسول الله ﷺ يصلي فكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر» . وروى الطبراني من حديث ابن عباس مثل وابصة سواء، وروى أيضا من حديث أبي بردة الأسلمي مثله. م: (ولا يرفع رأسه) ش: أعلى من عجزه ولا عجزه أعلى من رأسه م: (ولا ينكسه) ش: أي ولا ينكس رأسه أي لا يطأطئه، يقال: نكست الشيء أنكسه نسكا: إذا قلبته على رأسه ونكسته تنكسيا، وإنما يسمى المطأطئ رأسه. وحاصله أنه يسوي رأسه بعجزه. م: (لأن النبي ﵇ كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه) ش: والحديث رواه الترمذي من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ مطولا وفيه: «ثم قال: الله أكبر، ثم اعتدل ولم يصوب رأسه ولم يقنع» وقال: حديث حسن صحيح. رواه ابن حبان في "صحيحه ". وروى مسلم من حديث عائشة مطولا وفيه: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك» . وفي البخاري في حديث: «ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا ينصب رأسه ولا يقنع» . قوله: ولا يصوب، من صوب رأسه: إذا خفضه، وكذلك صبى، وفي رواية: لا يصبي رأسه، يقال: صبى رأسه يصبيه: إذا خفضه جدا. قوله: ولا يقنعه، من " الإقناع " يقال: أقنع رأسه: إذا رفعه، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] (إبراهيم: الآية ٤٣) . [قول سبحان ربي العظيم في الركوع] م: (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا) ش: أي ثلاث مرات، هذا قول عامة أهل العلم، يختارون التسبيح للركوع، وأن لا ينتقص عن ثلاث، وهو مذهب أحمد، وأشار إلى ذلك بقوله: م: (وذلك أدناه) ش: أي القول ثلاث مرات أدناه. واختلفوا في الضمير الذي في أدناه فقيل: يرجع إلى المصدر الذي دل عليه قوله: ويقول في أدنى القول المسنون، وقال الشيخ حافظ الدين: راجع إلى الاستحباب أو الندب، فإن الركوع بدون هذا الذكر جائز، وقيل: أدنى كمال التسبيح

стр. 878

لقوله ﵊: «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم» ، ثلاثا، وذلك أدناه، ــ [البناية] المسنون. وقيل: أدنى التسبيح المسنون. قلت: على كل، التقدير هو إضمار قبل الذكر، ولكن يفتقر إلى هذا إذا دلت قرينة على ذلك كما في قوله ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» . أي فبالسنة أحسن ونعمت الخصلة. وفي " الذخيرة ": إذا زاد على الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود فهو أفضل، هذا إن كان الختم على وتر فيقول خمسا أو سبعا، هذا في حق المنفرد، وأما الإمام فلا ينبغي له أن يطول على وجه يمل القوم. وقال الثوري: يقول الإمام خمسا ليتمكن القوم أن يقولوا ثلاثا. وفي " شرح الطحاوي ": قيل: يقول الإمام ثلاثا، وقيل: يقول أربعا ليتمكن المقتدي من أن يقول ثلاثا. وفي " التحفة ": المقتدي يسبح إلى أن يرفع الإمام رأسه. وفي " الغزنوي ": إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى اثنتي عشرة فهو أفضل عند الإمام ليكون جمع الجمع. قلت: ينبغي أن يكون تسعا. قال: وعند صاحبيه إلى سبع لأنها عدد كامل. وعند الشافعي: عشرة لانتهاء الركعة، وإذا ترك التسبيح أصلا أو أتى به مرة فقد روي عن محمد أنه يكره. وفي " الحاوي ": التسبيح في الركوع لا يكون أقل من ثلاث، حتى لو رفع الإمام رأسه أتم المقتدي تسبيحه ثلاثا، روي كذا عن المرغيناني. وقال أبو الليث: الصحيح أنه تابع للإمام، وقال الوبري: يقول الإمام في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثا على تؤدة حتى يتمكن القوم من أن يقولوا ثلاثا قبل رفع رأسه، وعن الحسن البصري ﵀: التسبيح التام سبع والوسط خمس وأدناه ثلاث، وكان عمر بن عبد العزيز ﵃ يسبح عشر تسبيحات. وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله: واحدة، ولو سبح مرة كان آتيا بسنة التسبيح عندهما، والكمال عند الشافعي أحد عشر. م: (لقوله ﷺ : «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثا، وذلك أدناه» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عون بن عبد الله عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربي العظيم

стр. 879

أي أدنى كمال الجمع. ــ [البناية] وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، وذلك أدناه» هذا لفظ أبي داود وابن ماجه. ولفظ الترمذي: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه» . وقال أبو داود: وهذا مرسل، وعون بن عبد الله لم يدرك عبد الله بن مسعود. وقال الترمذي: هذا الحديث ليس إسناده بمتصل، عون لم يلق عبد الله. م: (أي أدنى كمال الجمع) ش: هذا تفسير المصنف معنى قوله: وذلك أدناه، بقوله: أي كمال الجمع؛ جمعا بين لفظي " المبسوطين "، فإن شمس الأئمة في "مبسوطه " لم يرد بهذا اللفظ أدنى الجواز إنما المراد به أدنى الكمال، فإن الركوع والسجود يجوز بدون هذا الذكر. وقال شيخ الإسلام في "مبسوطه": يريد به أدنى من حيث جمع العدد؛ فإن أقل جمع العدد ثلاثا، والمصنف جمع بينهما فقال: إن كمال الجمع قلته أخذ كلام السغناقي، وليس له وجه لأن الجمع ليس له ذكر في الحديث ولا له معنى، بل الصواب أدنى كمال السنة، أو أدنى كمال التسبيح، ثم قال الأكمل: فإن قيل: المشهور في مثله أدنى الجمع ثلاثة فما معنى كمال الجمع، فالجواب: أن أدنى الجمع لغة يتصور في الاثنين لأن فيه جمع واحد مع واحد، وأما كماله فهو ثلاثة لأن فيه معنى الجمع لغة واصطلاحا وشرعا. فإن قيل: كمال الجمع ليس بمذكور ولا يحكمه فيرجع إلى غير مذكور، أجيب بأنه سبق ذكره دلالة بذكر الثلاث. قلت: إذا أطلق الجمع لا يراد به المعنى اللغوي، وقوله: وأما كماله فهو ثلاثة. ليس كذلك بل الثلاث أقل الجمع وكماله ليس له نهاية. فروع متعلقة بالركوع: قال مالك: ليس عندنا ذكر محدود في الركوع والسجود، وأنكر قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وقال: لا أعرفه وإن قاله جاز، قال صاحب " المنظومة " في مقالة مالك: وترك تسبيح السجود يفسد، ليس مذهبه والنقل به عنه غير صحيح. وعند أبي صالح البلخي تلميذ أبي حنيفة: ذكر التسبيحتين في الركوع والسجود ثلاث مرات فرض، وتكره قراءة القرآن في الركوع والسجود بإجماع الأئمة

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] الأربعة. وفي " المحيط ": متى محل القعدة؟ قال محمد ﵁: محلها عند الركوع، وقال أبو يوسف: عند السجود، وقيل: هذان بعيدان لأن وضع اليدين على الركبتين سنة فلا بد من محلها للوضع. وفي " الروضة ": يكره أن يجيء ركبته فيها شبه القوس عند أهل العلم. وفي " الذخيرة ": سمع الإمام في الركوع خفق النعال ينتشر، قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ﵀ وابن أبي ليلى عن ذلك فكرهاه، وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرا عظيما، يعني الشرك. وروى هشام عن محمد ﵀ أنه كره ذلك، وعن مطيع أنه كان لا يرى به بأسا، وبه قال الشعبي إذا كان ذلك مقدار التسبيحة أو التسبيحتين، وقال بعضهم: يطول التسبيحات ولا يزيد في العدد. وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الجائي غريبا لا يجوز وإن كان مقيما يجوز انتظاره. وقال أبو الليث: إن كان الإمام عرف الجائي لا ينتظره، وإن لم يعرفه فلا بأس به إذ فيه إعانة على الطاعة، وقيل: إن طال الركوع لإدراك الجائي خاصة، ولا يزيد إطالة الركوع للتقرب إلى الله تعالى، فهذا مكروه، وقيل: إن كان الجائي شريرا ظالما لا يكره دفعا لشره، ومن أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة بخلاف القومة. وفي قول ابن أبي ليلى ورواية عن الحسن وظاهر قول أحمد: إذا أدركه في طمأنينة الركوع يصير مدركا للركعة. وعن ابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃ قالا: إن وجدهم وقد رفعوا رءوسهم من الركوع كبر وسجد ولم يعتد بها. وعن ابن عمر ﵁ وابن المسيب وميمون: من يكبر قبل أن يرفعوا رءوسهم فقد أدرك الركعة، ويأتي بتكبيرة أخرى للركوع، فإن اقتصر على الأولى جاز، وروي ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت، وابن المسيب، وعطاء، والحسن، والنخعي، وميمون بن مهران، والحكم، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد. وعن عمر بن عبد العزيز أن عليه تكبيرتين، وهو قول حماد بن سليمان، شيخ الإمام، هذا إذا نوى بالأولى الافتتاح، وكذا لو نوى بها الركوع عندنا جاز ولغت نيته، ذكره في " المحيط " و " المرغيناني ". وعند أحمد ﵀ لا يجوز، وإن لم ينو الركوع ولا الافتتاح جاز عنده، وإن نواهما جاز اتفاقا. وفي " الذخيرة ": إذا أدرك الإمام في السجدة الأولى والثانية أتى بالبناء وترك التعوذ ثم خر ساجدا.
следующие страницы →