Полный текст (7 019 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
لقوله ﵊ لأنس ﵁: «إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك» ، ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة، ليكون أمكن من الأخذ، ولا إلى الضم إلا في حالة السجود وفيما وراء ذلك يترك على العادة.
ويبسط ظهره؛ لأن النبي ﵊ «كان إذا ركع بسط ظهره»
ــ
[البناية]
وعلي وسعيد وابن عمر ﵃ وجماعة، وقد ثبت نسخ التطبيق. قال مصعب بن سعيد بن أبي وقاص: «فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي فقال: "كنا نفعل هذا فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» متفق عليه. وفي " شرح الإرشاد ": عن ابن عمر ﵄ أنه ﵊ ما فعل التطبيق إلا مرة واحدة.
م: (لقوله ﷺ لأنس ﵁: «إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك» ش: هذا الحديث أخرجه الطبراني في "معجمه الصغير" و "الأوسط " من طريق سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك ﵄، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا يؤمئذ ابن ثمان سنين، الحديث مطولا، وفيه: «يا بني إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك وفرج بين أصابعك وارفع يديك عن جنبيك» ورواه أبو سعيد الموصلي أيضا في "مسنده ". وعن أبي مسعود وعقبة بن عامر: «أنه ركع فجافى يديه ووضعهما على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبته، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي» رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
م: (ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة) ش: أي لا يستحب تفريج الأصابع أي كشفها إلا في حالة الركوع. (ليكون أمكن من الأخذ) ش: بالركب وبه يأمن السقوط (ولا إلى الضم إلا في حالة السجود) ش: أي ولا يندب إلى ضم الأصابع إلا في حالة السجود، ولأن اليد أقوى في الإقعاد عليها وازدياد قوتها عند الضم، ولتقع رؤوس الأصابع مواجهة إلى القبلة. م: (وفيما وراء ذلك يترك على العادة) ش: أي فيما وراء الركوع والسجود ترك الأصابع على العادة، يعني لا يفرج كل التفريج ولا يضم كل الضم كما هو العادة، وما روي من نشر الأصابع في رفع اليدين عند التحريمة فهو عندنا محمول على النشر الذي هو ضد الطي لا التفريج بين الأصابع.
م: (ويبسط ظهره) ش: في الركوع م: (لأن النبي ﵊ كان إذا ركع بسط ظهره)
стр. 877
ولا يرفع رأسه ولا ينكسه؛ «لأن النبي ﵊ "كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه» ،
ويقول: سبحان ربي العظيم، ثلاثا، وذلك أدناه،
ــ
[البناية]
ش: الحديث رواه أبو العباس محمد بن السراج في "مسنده " من حديث البراء قال: «كان النبي ﷺ إذا ركع بسط ظهره وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة» .
وروى ابن ماجه من حديث راشد قال: سمعت وابصة بن معبد يقول: «كان رسول الله ﷺ يصلي فكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر» . وروى الطبراني من حديث ابن عباس مثل وابصة سواء، وروى أيضا من حديث أبي بردة الأسلمي مثله.
م: (ولا يرفع رأسه) ش: أعلى من عجزه ولا عجزه أعلى من رأسه م: (ولا ينكسه) ش: أي ولا ينكس رأسه أي لا يطأطئه، يقال: نكست الشيء أنكسه نسكا: إذا قلبته على رأسه ونكسته تنكسيا، وإنما يسمى المطأطئ رأسه. وحاصله أنه يسوي رأسه بعجزه.
م: (لأن النبي ﵇ كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه) ش: والحديث رواه الترمذي من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ مطولا وفيه: «ثم قال: الله أكبر، ثم اعتدل ولم يصوب رأسه ولم يقنع» وقال: حديث حسن صحيح. رواه ابن حبان في "صحيحه ".
وروى مسلم من حديث عائشة مطولا وفيه: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك» . وفي البخاري في حديث: «ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا ينصب رأسه ولا يقنع» .
قوله: ولا يصوب، من صوب رأسه: إذا خفضه، وكذلك صبى، وفي رواية: لا يصبي رأسه، يقال: صبى رأسه يصبيه: إذا خفضه جدا.
قوله: ولا يقنعه، من " الإقناع " يقال: أقنع رأسه: إذا رفعه، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] (إبراهيم: الآية ٤٣) .
[قول سبحان ربي العظيم في الركوع]
م: (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا) ش: أي ثلاث مرات، هذا قول عامة أهل العلم، يختارون التسبيح للركوع، وأن لا ينتقص عن ثلاث، وهو مذهب أحمد، وأشار إلى ذلك بقوله: م: (وذلك أدناه) ش: أي القول ثلاث مرات أدناه. واختلفوا في الضمير الذي في أدناه فقيل: يرجع إلى المصدر الذي دل عليه قوله: ويقول في أدنى القول المسنون، وقال الشيخ حافظ الدين: راجع إلى الاستحباب أو الندب، فإن الركوع بدون هذا الذكر جائز، وقيل: أدنى كمال التسبيح
стр. 878
لقوله ﵊: «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم» ، ثلاثا، وذلك أدناه،
ــ
[البناية]
المسنون. وقيل: أدنى التسبيح المسنون.
قلت: على كل، التقدير هو إضمار قبل الذكر، ولكن يفتقر إلى هذا إذا دلت قرينة على ذلك كما في قوله ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» . أي فبالسنة أحسن ونعمت الخصلة.
وفي " الذخيرة ": إذا زاد على الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود فهو أفضل، هذا إن كان الختم على وتر فيقول خمسا أو سبعا، هذا في حق المنفرد، وأما الإمام فلا ينبغي له أن يطول على وجه يمل القوم.
وقال الثوري: يقول الإمام خمسا ليتمكن القوم أن يقولوا ثلاثا.
وفي " شرح الطحاوي ": قيل: يقول الإمام ثلاثا، وقيل: يقول أربعا ليتمكن المقتدي من أن يقول ثلاثا.
وفي " التحفة ": المقتدي يسبح إلى أن يرفع الإمام رأسه.
وفي " الغزنوي ": إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى اثنتي عشرة فهو أفضل عند الإمام ليكون جمع الجمع.
قلت: ينبغي أن يكون تسعا. قال: وعند صاحبيه إلى سبع لأنها عدد كامل. وعند الشافعي: عشرة لانتهاء الركعة، وإذا ترك التسبيح أصلا أو أتى به مرة فقد روي عن محمد أنه يكره.
وفي " الحاوي ": التسبيح في الركوع لا يكون أقل من ثلاث، حتى لو رفع الإمام رأسه أتم المقتدي تسبيحه ثلاثا، روي كذا عن المرغيناني.
وقال أبو الليث: الصحيح أنه تابع للإمام، وقال الوبري: يقول الإمام في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثا على تؤدة حتى يتمكن القوم من أن يقولوا ثلاثا قبل رفع رأسه، وعن الحسن البصري ﵀: التسبيح التام سبع والوسط خمس وأدناه ثلاث، وكان عمر بن عبد العزيز ﵃ يسبح عشر تسبيحات.
وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله: واحدة، ولو سبح مرة كان آتيا بسنة التسبيح عندهما، والكمال عند الشافعي أحد عشر.
م: (لقوله ﷺ : «إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثا، وذلك أدناه» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عون بن عبد الله عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربي العظيم
стр. 879
أي أدنى كمال الجمع.
ــ
[البناية]
وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، وذلك أدناه» هذا لفظ أبي داود وابن ماجه.
ولفظ الترمذي: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه» .
وقال أبو داود: وهذا مرسل، وعون بن عبد الله لم يدرك عبد الله بن مسعود. وقال الترمذي: هذا الحديث ليس إسناده بمتصل، عون لم يلق عبد الله.
م: (أي أدنى كمال الجمع) ش: هذا تفسير المصنف معنى قوله: وذلك أدناه، بقوله: أي كمال الجمع؛ جمعا بين لفظي " المبسوطين "، فإن شمس الأئمة في "مبسوطه " لم يرد بهذا اللفظ أدنى الجواز إنما المراد به أدنى الكمال، فإن الركوع والسجود يجوز بدون هذا الذكر. وقال شيخ الإسلام في "مبسوطه": يريد به أدنى من حيث جمع العدد؛ فإن أقل جمع العدد ثلاثا، والمصنف جمع بينهما فقال: إن كمال الجمع قلته أخذ كلام السغناقي، وليس له وجه لأن الجمع ليس له ذكر في الحديث ولا له معنى، بل الصواب أدنى كمال السنة، أو أدنى كمال التسبيح، ثم قال الأكمل: فإن قيل: المشهور في مثله أدنى الجمع ثلاثة فما معنى كمال الجمع، فالجواب: أن أدنى الجمع لغة يتصور في الاثنين لأن فيه جمع واحد مع واحد، وأما كماله فهو ثلاثة لأن فيه معنى الجمع لغة واصطلاحا وشرعا.
فإن قيل: كمال الجمع ليس بمذكور ولا يحكمه فيرجع إلى غير مذكور، أجيب بأنه سبق ذكره دلالة بذكر الثلاث.
قلت: إذا أطلق الجمع لا يراد به المعنى اللغوي، وقوله: وأما كماله فهو ثلاثة. ليس كذلك بل الثلاث أقل الجمع وكماله ليس له نهاية.
فروع متعلقة بالركوع: قال مالك: ليس عندنا ذكر محدود في الركوع والسجود، وأنكر قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وقال: لا أعرفه وإن قاله جاز، قال صاحب " المنظومة " في مقالة مالك: وترك تسبيح السجود يفسد، ليس مذهبه والنقل به عنه غير صحيح. وعند أبي صالح البلخي تلميذ أبي حنيفة: ذكر التسبيحتين في الركوع والسجود ثلاث مرات فرض، وتكره قراءة القرآن في الركوع والسجود بإجماع الأئمة
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأربعة.
وفي " المحيط ": متى محل القعدة؟ قال محمد ﵁: محلها عند الركوع، وقال أبو يوسف: عند السجود، وقيل: هذان بعيدان لأن وضع اليدين على الركبتين سنة فلا بد من محلها للوضع.
وفي " الروضة ": يكره أن يجيء ركبته فيها شبه القوس عند أهل العلم.
وفي " الذخيرة ": سمع الإمام في الركوع خفق النعال ينتشر، قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ﵀ وابن أبي ليلى عن ذلك فكرهاه، وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرا عظيما، يعني الشرك. وروى هشام عن محمد ﵀ أنه كره ذلك، وعن مطيع أنه كان لا يرى به بأسا، وبه قال الشعبي إذا كان ذلك مقدار التسبيحة أو التسبيحتين، وقال بعضهم: يطول التسبيحات ولا يزيد في العدد. وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الجائي غريبا لا يجوز وإن كان مقيما يجوز انتظاره. وقال أبو الليث: إن كان الإمام عرف الجائي لا ينتظره، وإن لم يعرفه فلا بأس به إذ فيه إعانة على الطاعة، وقيل: إن طال الركوع لإدراك الجائي خاصة، ولا يزيد إطالة الركوع للتقرب إلى الله تعالى، فهذا مكروه، وقيل: إن كان الجائي شريرا ظالما لا يكره دفعا لشره، ومن أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة بخلاف القومة.
وفي قول ابن أبي ليلى ورواية عن الحسن وظاهر قول أحمد: إذا أدركه في طمأنينة الركوع يصير مدركا للركعة. وعن ابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃ قالا: إن وجدهم وقد رفعوا رءوسهم من الركوع كبر وسجد ولم يعتد بها.
وعن ابن عمر ﵁ وابن المسيب وميمون: من يكبر قبل أن يرفعوا رءوسهم فقد أدرك الركعة، ويأتي بتكبيرة أخرى للركوع، فإن اقتصر على الأولى جاز، وروي ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت، وابن المسيب، وعطاء، والحسن، والنخعي، وميمون بن مهران، والحكم، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وعن عمر بن عبد العزيز أن عليه تكبيرتين، وهو قول حماد بن سليمان، شيخ الإمام، هذا إذا نوى بالأولى الافتتاح، وكذا لو نوى بها الركوع عندنا جاز ولغت نيته، ذكره في " المحيط " و " المرغيناني ".
وعند أحمد ﵀ لا يجوز، وإن لم ينو الركوع ولا الافتتاح جاز عنده، وإن نواهما جاز اتفاقا. وفي " الذخيرة ": إذا أدرك الإمام في السجدة الأولى والثانية أتى بالبناء وترك التعوذ ثم خر ساجدا.
стр. 881
ثم يرفع رأسه وي قول: سمع الله لمن حمده ، ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وقالا: يقولها في نفسه،
ــ
[البناية]
[قول سمع الله لمن حمده]
م: (ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده) ش: أي ثم يرفع المصلي رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، يقال له: استمعت، وتسمعت إليه وسمعت له، وكل بمعنى أي أضيفت إليه، قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] (فصلت: الآية ٢٦) ، وقال الله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] (الصافات: الآية ٨) ، المراد منه التسميع مجاز بطريق إطلاق اسم السبب وهو الإصغاء على المسبب وهو القبول والإجابة، أي أجاب له، وقيل: يعني قبل الله حمد من حمده، يقال: سمع الأمير كلام فلان: إذا قبله، ويقال: ما سمع كلامه؛ أي رده ولم يقبله وإن سمعه حقيقة. وفي الحديث: «أعوذ بك من دعاء لا يسمع» أي لا يستجاب.
وفي " الفوائد الحميدية ": الهاء في حمده للسكتة والاستراحة لا للكناية، كذا نقل عن الثقات. وفي " المستصفى ": الهاء للكناية كما في قوله: واشكروا له.
م: (ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد) ش: أي المقتدي يقول: ربنا لك الحمد؛ ليوافق مبدأ الركعة بالحمد لله رب العالمين، ويختمها بربنا لك الحمد، وفي " شرح الطحاوي ": اختلفت الأخبار في التحميد، في بعضها يقول: ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا ولك الحمد، والأول أظهر.
وقلت: ثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة: ربنا لك الحمد، ولك الحمد بالواو، واللهم ربنا لك الحمد، والكل صحيح. قال في " المحيط " و " الذخيرة ": اللهم ربنا لك الحمد أفضل لزيادة الثناء. وعن الفقيه أبي جعفر أنه قال: هذه زائدة، يقول العرب يعني هذا الشراب فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة، وقيل: يحتمل أن تكون عاطفة على محذوف أي: ربنا حمدناك ولك الحمد.
م: (ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة) ش: أي لا يقول الإمام: ربنا لك الحمد عند أبي حنيفة، وبه قال مالك وأحمد وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي، قال: وبه أقول.
م: (وقالا: يقولها في نفسه) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: يقول الإمام: ربنا لك الحمد، سرا، وهو معنى قوله في نفسه، وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد في رواية، ويقتصر المأموم على ربنا لك الحمد، وقال الشافعي: يستحب له أن يقول: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى فإنما يستحب له أن يقول: "ربنا [لك] الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، هذا في كتبهم، والذي في الحديث أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد بالواو في كلنا.
стр. 882
لما روى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﵊ "كان يجمع بين الذكرين» ، ولأنه حرض غيره فلا ينسى نفسه. وله قوله ﵇: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد» .
ــ
[البناية]
قلت: في " سنن النسائي ": يحذفها، ويستوي عندهم في استحباب الأذكار الإمام والمأموم والمنفرد، وبه قال عطاء وابن سيرين وداود وجد أصحابنا هذا وأمثاله في النوافل، ويدل عليه حديث ابن أبي ليلى أنه ﵊ زاد بعد ذلك: «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» رواه مسلم، هذا كله لا يقال في الفرض اتفاقا.
م: (لما روى أبو هريرة ﵃ «أن النبي ﷺ كان يجمع بين الذكرين» ش: يعني سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «كان النبي ﵊ إذا أقام الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا» .
وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح رفع يديه حذو منكبيه" وفيه: "وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» .
وأخرج مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» .
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الإمام م: (حرض غيره فلا ينسى نفسه) ش: لئلا يدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] (البقرة: الآية ٤٤) وفى " فتاوى الظاهرية ": كان الفضلي والطحاوي وجماعة من المتأخرين يميلون إلى قوله، وهو قول أهل المدينة، فاختاروا قولهما، وفي " المحيط ": قولهما رواية إسحاق عن أبي حنيفة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة (قوله ﷺ : «إذا قال الإمام: سمع لله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد» ش: روي هذا الحديث عن أنس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي سعيد الخدري، ﵃. أما حديث أنس وأبي هريرة فرواه البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» .
وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد عنه أن رسول الله
стр. 883
هذه قسمة، وأنها تنافي الشركة، ولهذا لا يأتي المؤتم بالتسميع عندنا، خلافا للشافعي ﵀ ولأنه يقع تحميده بعد تحميد المقتدي، وهو خلاف موضوع الإمامة،
ــ
[البناية]
ﷺ قال: «إذا قال الإمام سمع الله من حمده فقولوا: ربنا لك الحمد يسمع الله لكم» .
وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه الحاكم في "مستدركه " عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال الإمام الله أكبر، فقولوا: الله أكبر، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد» : وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.
م: (هذه قسمة) ش: أي هذه الكلمات المذكورة وهي الحديث قسمة؛ أي ذات قسمة لأنه قسم التسميع والتحميد فجعل التسميع للإمام والتحميد للمأموم (وأنها) ش: أي ولأن القسمة (تنافي الشركة) ش: أي تقطعها، كما في قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وقال الأكمل: فإن قيل: هذا الحديث يعارضه ما روي عن ابن مسعود ﵁: "أربع يخفيهن الإمام، وعد منها التحميد".
أجيب: بأنه قال في " الأسرار " أنه غريب.
قلت: هذا أخذه من السغناقي، ولكن الآخذ والمأخوذ منه لو تأمل هذا الموضوع لم يورد هذا السؤال ولا الجواب عنه لأنه ساقط جدا، فمن أين المعارضة هاهنا والحديث مذكور في " الصحيحين ". وما روي عن ابن مسعود موقوف عليه، مع أنه لم يصل إلى الصحة عنده. وقال الأكمل أيضا: أو بأن الرجحان بحديث القسمة لأنه مرفوع إلى النبي ﵊ برواية أبي موسى الأشعرى ﵁.
قلت: إنما يطلب الرجحان من الخبرين إذا كانا ثابتين فظهر التعارض بينهما، وأما إذا كان أحدهما مرفوعا صحيحا والآخر موقوفا لم تثبت صحته، فكيف يقال بالرجحان؟.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون القسمة تنافي الشركة (لا يأتي المؤتم بالتسميع عندنا) ش: لأن الذي أصابه من القسمة التحميد لا التسميع معه م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإن عنده المؤتم يجمع بينهما، وروي عن أبي حنيفة ﵁ أن الإمام والمؤتم يجمعان بين التسميع والتحميد كما هو مذهب الشافعي ﵀ وذكر الأقطع هذه الرواية في " شرحه للقدوري " وهذه رواية شاذة.
م: (ولأنه يقع تحميده) ش: دليل آخر؛ أي ولأن الشأن يقع تحميد الإمام م: (بعد تحميد المقتدي وهو خلاف موضوع الإمامة) ش: لأن الاقتداء عقد موافقة ومتابعة لا مسابقة، وفيه نظر لإمكان
стр. 884
والذي رواه محمول على حالة الانفراد، والمنفرد يجمع بينهما في الأصح، وإن كان يروى الاكتفاء بالتسميع، ويروى بالتحميد، والإمام بالدلالة عليه آت به معنى.
قال: ثم إذا استوى قائما كبر وسجد، أما التكبير والسجود فلما بينا،
ــ
[البناية]
مقارنة تحميد المقتدي، وفيه نظر م: (والذي رواه) ش: أي الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﵊ كان يجمع بين الذكرين» (محمول على حالة الانفراد) ش: أي على حالة انفراد النبي ﷺ في صلاة النقل توفيقا بين الحديثين (والمنفرد يجمع بينهما) ش: أي بين التسميع والتحميد (في الأصح) ش: أي في الأصح من الروايات عن أبي حنيفة، فإنه جاء عنه في رواية ذكرها الصدر الشهيد في شرح " الجامع الصغير " أن المنفرد يأتي بالتسميع لا غير، وجاء في رواية رواها الحسن عنه أنه يأتي بهما، كما هو مذهبنا، وجاء عنه في رواية أنه لا يجمع بينهما، وأشار المصنف إلى أن الأصح من هذه الروايات هو رواية الجمع بينهما. وفي "شرح الأقطع ": الصحيح أنه لا يأتي بهما. وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀ أنه يأتي بالتحميد لا غير، قال في " المبسوط ": وهو الأصح، قال قاضي خان: وعليه أكثر مشايخنا.
م: (وإن كان يروى الاكتفاء بالتسميع ويروى بالتحميد) ش: كلمة إن واصلة لما قبلها، وأشار بهذا إلى أن ها هنا روايتين أخريين، إحداهما: الاكتفاء بالتسميع والأخرى بالتحميد، وأن الرواية التي رويت بالجمع بينهما هي الأصح من هاتين الروايتين، ورواية الاكتفاء بالتسميع هي رواية " النوادر "، ورواية الاكتفاء بالتحميد هي رواية " الجامع الصغير ".
م: (والإمام بالدلالة عليه آت به معنى) ش: هذا جواب عن قولهما أنه حرض غيره فلا ينسى نفسه، تقريره: لا نسلم أن الإمام ينسى نفسه، لأنه أتى بالتحميد أيضا بدلالة غيره عليه؛ أي على التحميد لأن الدال على الخير كفاعله بالحديث.
فإن قلت: مثل هذه الدلالة موجود في حق المنفرد أيضا فينبغي أن يكتفي هو بالتسميع.
قلت: لا دلالة على اكتفاء المنفرد بالتسميع من جهة الشارع بخلاف الإمام، فإنه قام الدليل على ترك التحميد في حقه، وفي " المجتبى " ثم في الرواية التي يجمع بينهما يأتي بالتسميع حال الرفع.
م: (ثم إذا استوى قائما) ش: قال: ربنا لك الحمد ثم إذا استوى قائما (كبر وسجد) ش: أي بعد فراغ المصلي عن الركوع إذا استوى حال كونه قائما منتصبا يقول الله أكبر ويهوي للسجود م: (أما التكبير والسجود فلما بينا) ش: أراد به بين التكبير قبل هذا بقوله: لأن النبي ﵇ كان يكبر عند كل خفض ورفع، وبين السجود في أول الباب بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] (الحج: الآية ٧٧) .
стр. 885
وأما الاستواء قائما فليس بفرض، وكذا الجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في الركوع والسجود، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف: يفترض ذلك كله، وهو قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
ــ
[البناية]
م: (وأما الاستواء قائما فليس بفرض) ش: وهو الذي يسمى القومة (وكذا الجلسة بين السجدتين) ش: أي ليست بفرض (والطمأنينة في الركوع والسجود) ش: أي وكذا الطمأنينة في الركوع ليس بفرض في نفس الركوع ونفس السجود، والطمأنينة مصدر من اطمأن الرجل اطمئنانا وطمأنينة، أي سكن، وهو مطمئن إلى كذا وكذا طبأن بالباء الموحدة على الإبدال، وهذا مزيد الرباعي وأصله طمأن على وزن فعلل فنقل إلى باب افعلل بالتشديد في اللام الأخيرة، فصار اطمأن، وأصله اطمأن، فنقلت حركة النون الأولى إلى الهمزة، وأدغمت النون في النون مثل اقشعر، أصله اقشعرر ورباعيه قشعر على ما عرف في موضعه.
م: (وهذا) ش: أي الذي ذكرنا من عدم فرضية القومة والجلسة والطمأنينة (عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله) ش: وبه قال بعض أصحاب مالك، فإذا لم تكن هذه الأشياء فرضا عندهما فهي سنة، وهذا في تخريج الجرجاني، وفي تخريج الكرخي واجبة، ويجب سجود السهو بتركها. وفي " الجواهر" للمالكية: لو لم يرفع رأسه من ركوعه، وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم عن مالك، ولم يجز في رواية علي بن زياد. وقال ابن القاسم: من يرفع من الركوع والسجود رأسه ولم يعتدل يجزئه ويستغفر الله ولا يعود، وقال أشهب: لا يجزئه.
قال أبو حنيفة: إن من كان إلى القيام أقرب الأولى أن يجب، فإن قلنا بوجوب الاعتدال يجب الطمأنينة وقيل: لا تجب.
م: (وقال أبو يوسف ﵀: يفترض ذلك كله) ش: أي المذكور من القومة والجلسة والطمأنينة، وفي " التحفة ": فقال أبو يوسف: فرض طمأنينة الركوع والسجود مقدار تسبيحة واحدة. وفي " الأسبيجابي ": الطمأنينة ليست بفرض في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنها فرض. قال أبو الليث ﵀ لم يذكر الاختلاف في الكتاب ولكن تلقيناه من أبي جعفر وكذلك لم يذكر في " الأسرار ".
م: (وهو قول الشافعي ﵀) ش: أي ما ذهب إليه أبو يوسف هو قول الشافعي وبه قال أحمد أيضا. وقال إمام الحرمين: في قلبي شيء من وجوب الطمأنينة في الاعتدال، وسببه أنه ﵊ لم يذكرها في الاعتدال قائما وإنما ذكرها في غيره، فلو أتى بالركوع الواجب فعرضت علة منعته من الانتصاب، سجد في ركوعه وسقط عنه الاعتدال، فإن زالت العلة قبل بلوغ جبهته الأرض وجب أن يرفع وينتصب قائما ويعتدل ثم يسجد، وإن زالت بعد قطع صلاته كان عالما بتحريمه.
стр. 886
لقوله ﵊: «قم فصل فإنك لم تصل» قاله لأعرابي حين أخف الصلاة.
ــ
[البناية]
وقال في " المفيد " و " المنافع ": وهذه المسألة بلغت بتعديل الأركان. وقال السرخسي: من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة، وقال أبو الليث: تلزمه الإعادة وتكون الثانية هي الفرض.
م: (لقوله ﵊: «قم فصل فإنك لم تصل، قاله لأعرابي حين أخف الصلاة» ش: الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني يا رسول الله، قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» .
وقال القعنبي: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري [عن أبيه] عن أبي هريرة، وقال في آخره «فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك» .
والترمذي رواه عن رفاعة بن رافع «أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد يوما، قال رفاعة: ونحن معه، إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي ﵇ فقال له: "وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل» . الحديث، وقال: حديث حسن. والنسائي رواه عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، حدثني أبي عن عم له بدري قال: «كنت مع رسول الله ﷺ جالسا في المسجد فدخل رجل فصلى ركعتين ثم جاء فسلم على النبي ﵊ وقد كان ﵇ يرمقه في الصلاة فرد ﵇ ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل» .. الحديث.
وأصل الحديث في " الصحيحين " عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ أبي داود في المسيء الصلاة، وليس فيه: إذا انتقصت من هذا فإنما ينقصه من صلاتك، والعجب من شراح " الهداية " كيف يتركون الكلام في الحديث الذي احتج به المصنف ويذكرون الأحاديث من الخارج، ومع هذا لا يتعرضون إلى بيان حالها ولا إلى مخرجها من الصحابة والرواة.
وأما الأترازي: فإنه ذكر حديث الأعرابي بقوله لأبي يوسف قوله ﵇ للأعرابي حين خفض الركوع والسجود قم فصل فإنك لم تصل، ولم يروه أحد من المحدثين بهذه العبارة. وقال أيضا وقوله ﵇ إن أسوأ الناس سرقة من سرق من صلاته، ولم ينسبه إلى أحد.
стр. 887
ولهما أن الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض لغة فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما، وكذا في الانتقال،
ــ
[البناية]
وأما الأكمل فإنه قال: وأعدل أبو يوسف حديث الأعرابي وهو قوله ﵇ حين رآه ينقر نقر الديك: قم فصل فإنك لم تصل، ولم يرو أحد في الكتب المشهورة بهذه العبارة.
وأما صاحب " الدراية " فإنه قال ولأبي يوسف ما روي أنه ﵇ قال: لا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود، وما روي أنه ﵇ رأى رجلا تاركا للتعديل فلما فرغ قال له: «إن أسوأ الناس سرقة من سرق من صلاته» ، وما روي أنه ﵇ قال للمسيء صلاته: «أقم الركوع حتى تعتدل قائما» . وما روي أنه رأى حذيفة بن اليمان رجلا يصلي ولا يتم الركوع والسجود فقال له: مذ كم تصلي هكذا؟ فقال: مذ كذا، فقال له: ما صليت لله صلاة، فإنك لم تصل بكذا وكذا، ومثل هذا كما ترى وليس فيه نسبة حديث إلى مخرجه ولا يتعرض إلى حاله.
وأما السغناقي فكذلك سلك مسلكهم.
وأما حديث: لا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود، فقد رواه الأربعة عن عبد الله بن سخبرة عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأما حديث حذيفة فأخرجه البخاري وبعد قوله مذ كذا، قال حذيفة: ما صليت لله صلاة، وأحسبه قال: ولو مت مت على غير سنة محمد، ﵊.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد (أن الركوع هو الانحناء) ش: يقال ركع الشيخ: انحنى من الكبر، وركعت النخلة: إذا مالت إلى الأرض م: (والسجود هو الانخفاض) ش: وإمساس جبهته بالأرض عندهم أو أنفه عند أبي حنيفة، والمزيد على ذلك للأكمل وترك الأكمل لا يكون مفسدا، وهذا لأن الأمر بالفعل يوجب أصل الفعل دون الدوام عليه، ولهذا يحنث إذا حلف لا يركع بالانحناء.
م: (لغة) ش: أي من حيث اللغة، وهو يرجع إلى المذكورين (فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما) ش: أي بأدنى الانحناء والانخفاض في الركوع والسجود، والركنية لا تثبت إلا بالنص، وإنما ورد النص بالركوع وهو الانحناء والسجود وهو الانخفاض.
م: (وكذا في الانتقال) ش: أي وكذا الطمأنينة في حال الانتقال من ركن إلى ركن، يعنى ليست
стр. 888
إذ هو غير مقصود، وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال: «وما نقصت من هذا شيئا فقد نقصت من صلاتك» .
ــ
[البناية]
بفرض (إذ هو) ش: أي الانتقال م: (غير مقصود) ش: يعني لذاته، وإنما المقصود أداء الركن، وفي " الخلاصة ": والاعتدال في الانتقال سنة بالاتفاق.
م: (وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال: «وما نقصت من هذا شيئا فقد نقصت من صلاتك» ش: أي تسمية النبي ﷺ وهو مبتدأ والضمير في إياه يرجع إلى الأعرابي، وقوله صلاة منصوب لأنه مفعول ثان للتسمية، وقوله في آخر ما روي جملة في محل الرفع لأنها وقعت خبرا للمبتدأ، وروي، يجوز أن يكون صفة المعلوم؛ أي ما رواه أبو يوسف، ويجوز أن يكون على صيغة المجهول أي فيما روي من حديث الأعرابي، وتقرير الجواب عنه أن النبي ﵇ سمى ما صنعه الأعرابي في صلاته حيث قال: وما نقصت من هذا فقد نقصت من صلاتك، فلو كان ترك التعديل مفسدا لما سماه صلاة، كما لو ترك الركوع والسجود.
وقال الأكمل: ولأنه لو كان فاسدا كان الاشتغال به عبثا وكان تركه ﵇ إلى الفراغ منه حراما، فكان الحديث بمنزلة الإكرام من الوجهين، قلت: لقائل أن يقول: لا نسلم أن تسميته إياه صلاة يرجع إلى ما صلاه الأعرابي أولا بل يرجع إلى الصلاة التي صلاها بعد قوله: «والذي بعثك بالحق نبيا ما أحسن غير هذا فعلمني يا رسول الله، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر» إلى آخره، وقد ذكرناه عن قريب، على أن أصل الحديث في " الصحيحين " وليس فيهما ذكر تسمية الصلاة كما ذكرناه، ولئن سلمنا ذلك فيجوز أن يكون تسميته صلاة باعتبار ما عند الأعرابي من زعمه أنه صلاة، وتعليل الأكمل بقوله: ولأنه لو كان فاسدا إلى آخره، غير سديد ولا موجه من وجوه:
الأول: أن قوله: لو كان فاسدا لعلة غير صحيح لأنه كان فاسدا، ولهذا أمره بإتيان صلاة صحيحة بعد تعليمه إياه.
الثاني: أن قوله: كان الاشتغال به عبثا وتركه ﵇ وبالفراغ منه حراما ليس كذلك لأنه ﵇ منزه عن تقرير آخر عن الاشتغال بالعبث أو بتركه على الحرام، وإنما كان ﵇ يرمقه حتى ينظر كيف يصلي كما ذكرناه فيما مضى عن قريب، وفي الحديث: حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ولو كان فعل الأعرابي عبثا وتقريره ﵇ عليه غير جائز لكان ﵇ منعه في المرة الأولى وعلمه الصلاة الكاملة بعدها، وإنما صبر عليه لأنه ربما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة ولم ينكر عليه لأنه كان من أهل البادية وعندهم جفاء وغلظ، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء وكان المقام مقام تعليم وإرشاد، ففي تمكينه ﵇ في فعله ذلك ثلاث مرات لذلك المعنى.
стр. 889
ثم القومة والجلسة سنة عندهما، وكذا الطمأنينة في تخريج الجرجاني - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وفي تخريج الكرخي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيا عنده.
ــ
[البناية]
الثالث: أن قوله: فكان الحديث مشترك الالتزام، بطل بما ذكرنا، ومن جملة ما قال أبو يوسف في هذا الموضع: إن القومة والجلسة والطمأنينة فرض لأنها ركن من أركان الصلاة فوجبت أن لا تتأدى بأدنى ما يطلق عليه الاسم بل بزيادة توجد بعد قياسا على القيام والقراءة والقعدة الأخيرة، ولأن الركوع ركن شرع فيه تسبيح فوجب أن يكون رفع الرأس ركنا قياسا على السجدة، وأجابوا بأن اعتباره بالقيام، فالركن في القيام عندنا ما يطلق عليه اسم القيام وإنما التقدير بسبب القراءة، ألا ترى أنه متى سقطت القراءة كان نفس القيام يكفيه كما في الثالثة والرابعة وفيمن أدرك الإمام في الركوع.
وأما القراءة فالركن عندنا فيها أدنى ما يطلق عليها اسم القراءة وذلك آية وما دونها، وإن كان قرآنا حقيقة فليس بقرآن حكما حتى حلت قراءته للجنب والحائض.
وأما القعدة فإنما لم يكتف فيها بأدنى ما يطلق عليه الاسم لأن الخروج يلاقي القعدة ويتصل بها، والجزء الذي يلاقيه القطع يخرج من أن يكون صلاة، والباقي مما يطلق عليه اسم القطع، وإذا وجبت الزيادة فقدرت بالتقدير الذي ورد به الشرع بخلاف غيرها من الأركان، فإنه لا يتصل بها، فيبقى القدر الذي وجد تاركا.
وأما قوله: لأن الركوع ركن شرع فيه تسبيح، فقلنا: رفع الرأس في السجدة ليس بفرض وإنما الفرض هو الاشتغال لأنه لا يمكنه أداء الثانية إلا به، إلا أنه لا يمكنه الاشتغال، حتى لو أمكنه الاشتغال من غير الرفع بأن سجد على وسادة فأزيلت الوسادة حتى سقطت جبهته على الأرض أجزأه، هكذا قال القدوري في " التجريد ". وأما في الركوع فالاشتغال إلى السجود يمكن من غير الرفع فلا يحصل الرفع ركنا.
م: (ثم القومة) ش: أي بعد الركوع (والجلسة) ش: أي بين السجدتين (سنة عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد باتفاق الروايات. وفي " المحيط ": الاعتدال في القومة والجلسة سنة قدر التسبيحة (وكذا الطمأنينة) ش: أي وكذا الاطمئنان في الركوع والسجود سنة عندهما م: (في تخريج الجرجاني) ش: وهو الشيخ أبو عبد الله الجرجاني تلميذ الشيخ أبي بكر الرازي وهو تلميذ الشيخ أبي الحسن الكرخي، وجه تخريجه أن الطمأنينة شرعت لإكمال ركن، وما كان مشروعيته للإكمال فهو سنة لا واجبة كطمأنينة الاشتغال، فعلى هذا لا يجب سجود السهو بتركها.
م: (وفي تخريج الكرخي واجبة) ش: أي الطمأنينة لأنها شرعت لإكمال ركن مقصود فصارت كطمأنينة القراءة. (حتى تجب سجدت السهو بتركها ساهيا) ش: أي بترك الطمأنينة (عنده) ش: أي عند الكرخي، وسئل الزهري عمن لا يتم الركوع والسجود أيشتغل بالتطوع أم بقضاء ما صلى
стр. 890
ويعتمد بيديه على الأرض؛ «لأن وائل بن حجر ﵁ وصف صلاة رسول الله ﷺ فسجد وادعم على راحتيه ورفع عجيزته» .
ــ
[البناية]
بلا اعتدال على قول أبي يوسف والشافعي؟ . قال: ما دام في الوقت يؤمر بالإعادة، فإذا خرج لا يؤمر، ولكن يثاب بها. قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الاشتغال بقضائها أولى في الحالتين، كذا في " التتمة ".
م: (ويعتمد بيديه على الأرض) ش: يعني في حالة السجود، وفي " شرح الطحاوي " كيفية الانتقال إلى السجود والقيام منه أول ما يكون يقع على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته، فقال بعضهم: يضع أنفه ثم جبهته، والأولى أن يضع أولا ما كان أقرب إلى الأرض، وإذا رفع يرفع ما كان أقرب إلى السماء، وبه قال الشافعي وأحمد، هذا إذا كان حافيا، فلو كان ذا خف ولا يمكنه ما قلنا، يضع يديه أولا ويقدم اليمنى على اليسرى.
وقال الأوزاعي: يضع يديه ثم ركبتيه، قال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵇: «إذا سجد أحدكم فلا ببرك بروك الجمل وليضع يديه قبل ركبتيه» رواه النسائي وأبو داود، وقال أصحاب مالك: إن شاء وضع يديه وركبتيه أولا، وإن شاء يديه، والبداءة بوضع اليدين أحسن.
م: (لأن وائل بن حجر وصف صلاة رسول الله ﷺ «فسجد وادعم على راحتيه ورفع عجيزته» ش: هذا الحديث لم يرو عن وائل بن حجر وإنما روي عن البراء بن عازب، رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " حدثنا محمد بن الصباح حدثنا شريك عن أبي إسحاق قال: «وصف البراء بن عازب السجود فسجد وادعم على كفه ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يسجد» ورواه أبو داود عن أبي توبة عن شريك، والنسائي عن علي بن حجر عن شريك به.
وقال النووي في " الخلاصة ": ورواه ابن حبان والبيهقي، وهو حديث حسن ولم أر أحدا من الشراح تعرض لهذا الحديث، وإنما فسروا معنى ادعم والعجيزة، وسكتوا ومضوا، وادعم بتشديد الدال من يدعم، يقال: أدعمت الشيء دعما: إذا جعلته دعامة، فنقل إلى باب الافتعال فصار اتدعم أي أتكأ. والراحة: الكف، والعجيزة بفتح العين وكسر الجيم وسكون الباء للمرأة، وقد يستعار للرجل. والعجز بفتح العين وضم الجيم وهو ما بين الوركين.
وقال الأترازي: وكأن صاحب " الهداية " استعار العجيزة للعجزاء، ويحتمل أنها جاءت كالعجز سواء. قلت: لم يستعر صاحب " الهداية " ذلك أيضا، وإنما هو وقع هكذا في حديث البراء كما ذكرناه الآن.
وقوله: أو يحتمل إلخ، ليس كذلك لأن العجز خاص للمرأة نص عليه أصحاب اللغة وإنما
стр. 891
قال: ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه؛ لما روي أنه ﵇ فعل كذلك قال: وسجد على أنفه وجبهته؛
ــ
[البناية]
استعماله في موضع العجز بطريق الاستعارة كما ذكرنا.
م: (قال) ش: أي القدوري (ووضع وجهه بين كفيه ويديه) ش: أي وضع يديه (حذاء أذنيه) ش: وبه قال أحمد ﵀ لأن آخر الركعة معتبر بأولها، فكما يجعل رأسه بين يديه في أول ركعة عند التكبير، فكذلك في آخرها. وفي " الكافي ": لو وضع وجهه بين كفيه يكون واضعا يديه حذاء أذنيه، فلهذا صرح بلفظ اليد، وذكر اليد لأجل التأكد كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال الشافعي: يضع يديه حذو منكبيه.
م: (لما روي أنه ﵇ فعل كذلك) ش: يعني لما سجد وضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه، فهذا لا يوجد إلا معرفا ففي " صحيح مسلم " من حديث وائل «أن النبي ﷺ سجد فوضع وجهه بين كفيه مختصرا» . وفي " مسند إسحاق بن راهويه " عن وائل «رمقت النبي ﷺ فلما سجد وضع يديه حذاء أذنيه» وكذلك رواه الطحاوي في " شرح الآثار ". ورواه عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا الثوري به، ولفظه: «كانت يداه حذو أذنيه» . والعجب من الأترازي أنه يقول في هذا الموضع: قال في " شرح الأقطع ": روى وائل بن حجر «أن النبي ﷺ كان إذا سجد وضع جبهته بين كفيه» وهذا التقصير منه [له] وجهان، الأول: أنه نسب الحديث إلى ما ذكره الأقطع في شرحه ولم ينسبه إلى مخرجه.
والثاني: المذكور ها هنا اثنتان: وضع الوجه بين الكفين في السجدة، ووضع اليدين حذو الأذنين، فذكر دليل أحدهما وترك الآخر، ثم قال: والذي روي أنه وضع يديه حذاء منكبيه يحتمل أنه فعل ذلك حالة التكبير.
قلت: هذا رواه البخاري في حديث أبي حميد «أنه ﷺ لما سجد وضع كفيه حذو منكبيه» . ورواه أبو داود والترمذي ولفظهما: «كان إذا سجد مكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه» ، وإليه ذهب الشافعي ﵀.
والجواب الذي قاله الأترازي عن هذا الحديث ليس بكاف، والأحسن يقال: إن الذي روينا أولى بالأخذ من حديث أبي حميد، لأن في سنده فليح بن سليمان وهو وإن أخرج له الأئمة الستة وهو من كبار العلماء، فقد تكلم فيه، فضعفه النسائي وابن معين وأبو حاتم وأبو داود ويحيى القطان والساجي، قاله الذهبي في "ميزانه ".
م: (قال) ش: أي القدوري (وسجد على أنفه وجبهته) ش: والجمع بينهما مستحب عندنا، وبه
стр. 892
لأن النبي ﵇ واظب عليه. فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
ــ
[البناية]
قال الشافعي وأبو ثور، وقال سعيد بن جبير والنخغي وإسحاق: يجب السجود عليهما. وعن مالك وأحمد رحمهما الله روايتان كالمذهبين، ثم إذا جمع بينهما قيل يقدم الجبهة على الأنف، وقيل يقدم الأنف عليهما، حكاه الأسبيجابي.
م: (لأن النبي ﷺ واظب عليه) ش: أي على السجود على الأنف والجبهة، ومواظبته ﷺ على ذلك تفهم من أحاديث جاءت في هذا الباب، منها حديث أبي حميد رواه البخاري في "صحيحه "، وفيه: «ثم سجد فأمكن أنفه من جبهته من الأرض» ، ورواه أبو داود والنسائي كذلك. ومنها حديث وائل رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، والطبراني في "معجمه " وفيه: «كان النبي ﷺ يضع أنفه على الأرض مع جبهته» .
ومنها حديث ابن عباس ﵄ رواه ابن عدي في "الكامل " وفيه عن النبي ﷺ : «من لم يلصق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته» وفيه الضحاك بن حمزة، قال ابن معين: ليس بشيء.
ومنها حديث عائشة ﵂ أخرجه الدارقطني قالت: «أبصر رسول الله ﷺ امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض فقال: "ما هذا؟ ضعي أنفك بالأرض فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة» وفيه ثابت بن عمرو الشيباني، وهو ضعيف.
(فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة ﵀) الاقتصار على الأنف والجبهة يجوز عند أبي حنيفة ﵀ مطلقا، لكن بلا عذر يكره. وفي " المبسوط ": السجدة جائزة عند أبي حنيفة وتكره في " التجنيس " لو وضع جبهته على حجره. غير أن وضع أيسرها على الأرض يجوز وإلا فلا.
أبو حنيفة يقول: ينبغي أن يضع مع جبهته مقدار الأنف حتى جاز وإلا فلا. وفي " البدائع " و " التحفة ": إن وضع الجبهة وحدها من غير عذر تجوز عند أبي حنيفة بلا كراهة، وفي الأنف وحده يجوز مع الكراهة، والمستحب الجمع بينهما في حالة الاختيار بلا خلاف، وفي " المفيد " و " المزيد " وضع الجبهة وحدها والأنف وحده يكره ويجزي عنده.
فإن قلت: قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه، حكي ذلك عن النووي في " شرح المهذب " وابن قدامة في " المغني ".
стр. 893
وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، وهو رواية عنه لقوله ﵊: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» وعد منها الجبهة،
ــ
[البناية]
قلت: ذكر الطحاوي في " شرح الآثار " أن حكم الجبهة والأنف سواء. وقال أبو يوسف عن طاووس أنه سئل عن السجود على الأنف وقال: أليس أكرم للوجه؟ قال أبو هلال: سئل ابن سيرين عن الرجل يسجد على أنفه فقال: أوما تقرأ ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] (الإسراء: الآية ١٠٧) ، فالله مدحهم بخرورهم على الأذقان في السجود، فإذا يسقط السجود على الذقن بالإجماع بصرف الجواز إلى الأنف لأنه أقرب إلى الحقيقة لعدم الفصل بينهما بخلاف الجبهة، إذ الأنف فاصل بينهما فكان من الجبهة، وقال تقي الدين العبدي: وهو قول مالك.
وذكر في " المبسوط " جواز الاقتصار على الأنف عن ابن عمر ﵄ قال في العارض: في بعض طرق حديث ابن عباس ﵄ «أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم، الجبهة أو الأنف» وقال بعض شراح مسلم أن المراد من ذكر الجبهة أو الأنف لئلا تصير ثمانية، ويدل عليه أو الأنف في الرواية المذكورة.
وقول ابن المنذر: لا أعلم أيضا فيه منه إذ ما جهله أكثر مما علمه. وما ذكر تحامل منه وتعصب، وقد بينا من قال بقوله قبله وبعده من السلف والخلف.
م: (وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر وهو رواية عنه) ش: أي عن أبي حنيفة ﵀ وهو رواية أسد بن عمرو عنه، وفي " الوبري ": لو كان على أحدهما عذر جاز السجود على الآخر بلا كراهية في قولهم جميعا، ولو ترك السجود على المعذور منها وأدى لا يجوز اتفاقا، وإن كان بهما عذر يومئ ولا يسجد على غيرهما كالخد والذقن، ويومئ قاعدا وإن قدر على القيام، وبقولهما قال الشافعي وأحمد رحمهما الله في رواية، وقال أحمد في رواية: يجب السجود، وقال إسحاق وبعض أصحاب مالك: إن اقتصر على وضع الجبهة أعاد في الوقت، وإن اقتصر على الأنف أعاد أبدا، وفي " المجمع ": وعلى قولهما الفتوى.
م: (لقوله ﵇: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وعد منها الجبهة» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن طاووس عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين» ، وفي لفظ لهم: «أمر النبي ﵊ أن يسجد على سبعة أعضاء» فذكرها.
وجه الاستدلال به ظاهر لأنه ذكر الجبهة من السبعة.
فإن قلت: لا يتم الاستدلال لهما بهذا الحديث، ألا ترى أنه لو ترك وضع اليدين والركبتين جازت سجدته بالإجماع، وهذه الأعضاء الأربعة من تلك السبعة، فحينئذ يستقيم لأبي حنيفة أن
стр. 894
ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه، وهو المأمور به، إلا أن الخد والذقن خارج بالإجماع، والمذكور فيما روي الوجه في المشهور،
ــ
[البناية]
يحتج عليهما بجواز ترك الجبهة بهذا الحديث، لأن كونها فيها في كونه مأمور به سواء.
قلت: أورد الحديث لبيان أن هذه الأعضاء هي محل السجدة؛ لأنه غيرها لا لبيان أن وضع هذه الأعضاء السبعة لازم لا محالة، والأنف غير هذه الأعضاء المذكورة، فيجب أن لا يتأدى الفرض بوضع الأنف مجردا كما لو وضع الذقن مجردا، لأن نص الحديث لم يتناوله، فلم يكن الأنف محلا للسجدة، فلذلك تعرض في الكتاب لتصريح الجبهة بقوله: وعد منها الجبهة، ولم يعد الأنف، فكان نفيا لمحلية الأنف للسجدة ليفيد التخصيص، فلما لم يكن محلا لا يقع الفرض بوضعه منفردا.
م: (ولأبي حنيفة ﵁ أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه) ش: لأن السجود ينبئ عن الوضع على الأرض، يقال: سجدت الناقة: إذا وضعت جرانها على الأرض، فإذا كان كذلك يتحقق بوضع بعض الوجه على الأرض (وهو المأمور به) ش: أي وضع بعض الوجه على الأرض هو المأمور به لأنه ﵇ بين أن محل السجدة هو الوجه، ولا يمكن بكله فيكون بالبعض مأمورا بها والأنف بعضه م: (إلا أن الخد والذقن خارج) ش: عن إرادة البعض (بالإجماع) ش: فتعين الجبهة والأنف، والاقتصار على الجبهة يجوز بالاتفاق لكونها بعض الوجه وسجد، أثم الاقتصار على الأنف لأنها بعض الوجه، وسجد إلا أنه يكره لمخالفة السنة.
م: (والمذكور فيما روي الوجه في المشهور) ش: هذا جواب عن الحديث الذي احتج به أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تقريره أن الذي ذكره في الحديث الذي رواه لفظ الوجه موضع الجبهة، وهو الذي رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه، وركبتاه، وقدماه» .
ورواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في "مستدركه " وسكت عنه. ورواه البزار في "مسنده " بلفظ: «أمر العبد أن يسجد على سبعة» قال البزار: وقد روى هذا الحديث سعد، وابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم ولا نعلم أحدا قال: آراب، إلا العباس.
قلت: قد قالها ابن عباس ﵁ أيضا، أخرجه أبو داود في "سننه " عنه مرفوعا: «أمرت أن أسجد، وربما قال: أمر نبيكم أن يسجد على سبعة آراب» .
وقالها سعد أيضا كما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده " والطحاوي في " شرح الآثار " من حديث عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص عن النبي ﵇ قال: «أمر العبد أن يسجد على سبعة آراب» فذكرها بلفظ السنن وزاد:
стр. 895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
«أيها لم يضعه فقد انتقص» . وأخطأ المنذري أن عزاه في " مختصره " هذا الحديث للبخاري ومسلم إذ ليس فيهما لفظة الآراب أصلا.
وقول المصنف ﵁: في المشهور عنه، نظر، لأن المشهور هو ذكر الجبهة، ولم أر أحدا من الشراح حقق هذا الموضع.
فإن قلت: ذكر الأنف في رواية مسلم حيث قال: «أمرت أن أسجد على سبعة: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين» ".
قلت: الأنف تابع للجبهة، ألا ترى كيف أصحاب التشريح قالوا: إن عظمي الأنف يبتدآن من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحدا، وهو المعنى المشار إليه في حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه قال ﵇: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه والرجلين وأطراف القدمين ولا تكفت الثياب ولا الشعر» فقد سوى بينهما، ولأن أعضاء السجود سبعة إجماعا، ولا تكون سبعة إلا إذا كانت الجبهة والأنف عضوا واحدا.
والآراب: جمع إرب بكسر الهمزة وسكون الراء وهو العضو.
فإن قلت: حديث العباس بن عبد المطلب خبر ومعناه الأمر وإلا يلزم الكذب.
قلت: لا نسلم ذلك، ويجوز أن يكون خرج مخرج الغالب إذ الظاهر من حال المصلي الإتيان بالسنة فلا يلزم منه الأمر، وجعل الخبر معنى الأمر خلاف الأصل فيه، في " الواقعات ": لو لم يضع يديه وركبتيه على الأرض عند سجوده لا يجزئه.
قال: كذا قاله أبو الليث، قال: وفتوى مشايخنا على الجواز حتى لو كان موضع ركبته نجسا يجوز. وقال في " الذخيرة ": لم يصحح أبو الليث هذه الرواية. وفي عمدة الفتاوى ": الصحيح أن موضع الركبة لو كان نجسا لا يجوز وكذا موضع اليد.
قال: هذه العلة غير سديدة فإنه لو صلى واقفا إحدى رجليه يجوز، وواضعها على النجاسة لا يجوز، ولو رفع أصابع رجليه في سجوده لا يجوز. وقال في " الذخيرة ": كذا ذكره الكرخي في "كتابه " والجصاص في "مختصره "، وللشافعي ﵀ في وجوب هذه الأعضاء قولان، أشهرهما: أنه لا يجب، أي لا يجب الإتمام بها إذا عجز كالجبهة.
ونص في " الأمالي ": إن وضعها مستحب، قال أبو الطيب: مذهب الشافعي أنه لا يجب، وهو قول عامة العلماء، وقال صاحب " المهذب " والبغوي: هذا القول الأشهر وصححه الجرجاني في التحرير والروياني في " الحلية "، وعند زفر وأحمد: واجب، وعند أحمد في
стр. 896
ووضع اليدين والركبتين سنة عندنا، لتحقق السجود بدونهما، وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه فريضة في السجود. قال: فإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز،
ــ
[البناية]
الأنف روايتان. وروى الترمذي عن أحمد أن وضع منه كقولنا.
م: (ووضع اليدين والركبتين سنة عندنا) ش: احترز بقوله: عندنا، عن قول زفر. فإنه عنده واجب، وهو أحد قولي الشافعي ﵀ وقد استوفينا الكلام فيه آنفا.
(لتحقق السجود بدونهما) ش: أي دون وضع اليدين، وأما الركبتان فإذا تحقق فلا يشترط وضعهما م: (وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري أنه فريضة في السجود) ش: فقد ذكره القدوري والكرخي والجصاص، ووضع القدمين على الأرض حال السجود فرض.
وذكر الجلالي في صلاته سنة، وما ذكره القدوري يقتضي أنه إذا رفع إحدى رجليه لا يجوز.
وفي " الخلاصة ": لو رفع إحدى رجليه يجوز، ولم يذكر الكراهة، وذكر الكراهة في " فتاوى قاضي خان " وفي " الجامع مع التمرتاشي ": لو لم يضع القدمين واليدين جاز. وفي " المحيط ": لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجوز.
م: (فإن سجد على كور عمامته) ش: كور العمائم: دورها إذا أدارها على رأسه، كذا في " المغرب ". وفي " الصحاح ": الكور مصدر كار العمامة على رأسه أي لفها، وكل دور كور م: (أو فاضل ثوبه) ش: أي أو سجد على فاضل ثوبه من ذيله أو أكمامه (جاز) ش: فعل ذلك فلا يضر صلاته، وقال بالجواز على كور العمامة والقلنسوة والكم والذيل والذؤابة الحسن وعبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي ومسروق وشريح والنخغي والأوزاعي وسعيد بن المسيب والزهري ومكحول والإمام مالك وإسحاق وأحمد ﵏ في أصح الروايتين عنه.
قال صاحب " التهذيب " من الشافعية: وبه قال أكثر العلماء، وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله في رواية: لا يجوز على كورها، وكذا طرتها وطرفها وعلى كمه.
وفي " التجنيس " و " المختلف ": والخلاف فيما إذا وجد حر الأرض، أما بدونه فلا يجوز إجماعا، وتفسير وجدان الحر ما قالوا أنه لو بالغ [......] رأسه أبلغ من ذلك.
وفي " المفيد ": لو سجد على الجبهة بحائل يتصل به يتحرك بحركته في القيام أو القعود لا يجوز، واتفقوا على سقوط مباشرة الأرض في بقية الأعضاء غير الجبهة لحديث ابن مسعود
стр. 897
«لأن النبي ﵊ "كان يسجد على كور عمامته» .
ــ
[البناية]
﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي في النعلين والخفين» رواه ابن ماجه، «وسئل أنس ﵁: "أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم» متفق عليه، وفي الركبتين أولى لأنهما عورة فلا يكشفان.
وقال ابن تيمية: سقوط مباشرة اليدين قول أكثر أهل العلم، واحتج الشافعي بقوله ﷺ : «مكن جبهتك وأنفك من الأرض» وفي رواية: «ألصق جبهتك من الأرض» . وعما روى خباب قال: «شكونا إلى النبي ﷺ حر الرمضاء في جباهنا، فلم يشكنا" أي لم يزل شكوانا [....
... ] إلى النبي ﷺ أنه قال: "ترب جبينك يا رباح» فأمره بتتريب جبينه، ودليلنا يأتي الآن مع الجواب عن أحاديثهم.
م: (لأن النبي ﵊ كان يسجد على كور عمامته) ش: هذا الحديث رواه أبو هريرة وابن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأنس وابن عمر ﵃، فحديث أبي هريرة رواه عبد الرزاق في "مصنفه "، أخبرنا عبد الله بن محرر أخبرنى يزيد بن الأصم أنه سمع أبا هريرة يقول: «كان رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته» .
وحديث ابن عباس ﵁ رواه أبو نعيم في " الحلية " في ترجمة إبراهيم بن أدهم ﵁.
وحديث عبد الله بن أبي أوفى رواه الطبراني في "معجمه الأوسط " عنه «رأيت رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته» .
وحديث جابر رواه ابن عدي في " الكامل " نحوه.
وحديث أنس رواه ابن أبي حاتم في كتابه " العلل " عنه «أنه ﵊ سجد على كور عمامته» .
стр. 898
ويروى «أنه ﵊ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها» .
ــ
[البناية]
وحديث ابن عمر رواه الحافظ أبو القاسم همام بن محمد الرازي في "فوائده " عنه «أنه ﷺ كان يسجد على كور عامته» .
فإن قلت: قال البيهقي في " المعرفة ": وأما ما روي أن رسول الله ﷺ كان يسجد على كور عمامته، فلا يثبت منه شيء.
وفي حديث أبي هريرة: عبد الله بن محرر، ضعيف، وفي حديث جابر: عمرو بن شمر ضعيف. وقال أبو حاتم: حديث أنس منكر.
قلت: حديث ابن عباس وابن أبي أوفى والضعيف يسند بالقوي.
وأخرج البيهقي في "سننه " عن هشام عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل منهم على عمامته، وذكر البخاري في صحيحه تعليقا فقال: وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه " عن أبي الورقاء قال: رأيت ابن أبي ليلى يسجد على كور عمامته.
م: (ويروى أنه ﷺ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها) ش: هذا الحديث رواه ابن عباس ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عنه أنه ﷺ نحوه. ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى في "مسانيدهم" والطبراني في "معجمه " وابن عدي في "كامله "، وبمعناه أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن بكر بن عبد الله المزني «عن أنس قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم نستطع أخذنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» .
والجواب عن أحاديث الشافعي أنها مجملة، وما روينا بحكم المجمل المحتمل على الحكم، أو يقول بموجبها وهو وجدان أحجم الأرض حتى إذا بيع حجمها لا يجوز إلا بدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع.
وحديث ابن حبان ليس فيه ذكر الجبهة والأنف في المسانيد المشهورة، وإن ثبت فهو محمول على التأخير الكثير حتى يبرد للرمضاء، وذلك يكون في أرض الحجاز ليعط الصغير، ويقال: إنه منسوخ لقوله ﷺ : «أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عبد الرحمن قال: «حيانا رسول الله ﷺ فصلى في بيتي في مسجد بني عبد الأشهل فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد» . رواه أحمد وابن ماجه.
стр. 899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: هذا محمول على الثوب المنفصل الذي لا يتحرك بحركته.
قلت: هذا بعيد لقلة الثياب عندهم، وبقوله: بسط ثوبه فسجد عليه، إذ الفاء فيه للتعقيب.
فروع: لو وضع كفيه وسجد عليهما جاز، ذكره في " عدة المفتي "، وروى ابن عساكر ذلك عن عبد الله بن عمر.
وفي " الذخيرة ": قال عبد الكريم الفقيه: لا يجوز، وقال غيره: يجوز، قال المرغيناني: هو الأصح، ولو بسط كمه على النجاسة وسجد عليه قيل: يجوز وهو الصحيح، وقيل: لا يجوز، وفي " الذخيرة " و " الواقعات ": لو سجد على ظهر من هو في صلاته يجوز للضرورة، وعلى ظهر من يصلي صلاة أخرى لا يجوز لعدم الضرورة، وسجود على فخذيه من غير حاجة لا يجوز على المختار، وبعذر يجوز على المختار، وإن سجد على ركبتيه لا يجوز بعذر وبغيره، لكن يكفيه الإيماء.
وفي " الذخيرة ": لو سجد على ظهر غيره بسبب الزحام، ذكر في الأصل أنه يجوز، وقال الحسن بن زياد: لا يجوز، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه إنما يجوز إذا سجد على ظهر المصلي.
وقال الشافعي ﵀: على ذيل غيره أو ظهر رجل أو امرأة أو شاة أو حمار أو كلب عليه ثوب، تصح صلاته، وكذا إن سجد على ميت وعليه لبد لا يجد حجم الميت يجوز.
وفي " المجتبى ": إذا سجد على الثلج أو الحشيش الكثير أو القطن المحلوج يجوز إن اعتمد حتى إذا استقرت جبهته ووجد حجم الأرض جاز وإلا فلا.
وفي "فتاوى أبي حفص ": لا بأس بأن يصلي على الحمل أو البرد والشعير والكدس والتبن والذرة، ولا يصلي على الأرز لأنه لا يستمسك، ولا يجوز على الثلج المنحال والجص وما أشبهه حتى تلبده يجد حجمه.
ولو سجد على ظهر ميت عليه لبد وجد حجمه جاز وإلا فلا. وقيل: إن كان مغسولا جاز وإن لم يكن عليه إزار. وفي " النظم: لو تبدل الإزار والبساط عليه الأشجار الأربعة وصلى عليه لا يجوز، وعلى قطنة جمد يجري في الماء كالسفينة، وقيل: إنما يجوز إذا أبطلت طرفاه، وفي " المبسوط ": يكبر ولو كان موضع السجود أرفع من موضع القدمين بعد ركبتيه أو بشين منصوبتين يجوز، وإن زاد لم يجز، ويجوز السجود على جلد وسخ خلافا لمالك، وقالت الرافضة: لا يجوز إلا على ما أخرجته الأرض من قطن أو كتان أو خشب أو قصب أو حشيش، ولا يجوز على ما يتخذ من الحيوان فافهم.
стр. 900
ويبدي ضبعيه، لقوله ﵊: «وأبد ضبعيك» . ويروى: "وأبد" من الإبداد وهو المد، والأول من الإبداء، وهو الإظهار. ويجافي بطنه عن فخذيه؛ «لأنه ﵊: "كان إذا سجد جافى حتى إن بهيمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت» .
ــ
[البناية]
م: (ويبدي ضبعيه) ش: من الابتداء، وفي " المغرب ": ابتداء الضبعين: تفريجهما، والضبع بسكون الباء، قال الأترازي: بالسكون لا غير، وفي " مبسوط شيخ الإسلام ": فيه لغتان الضم والسكون، وهو العضد، وهي ضبع الرجل وسطه وباطه.
م: (لقوله ﷺ : "وأبد ضبعيك") ش: هذا غريب لم يرد مرفوعا هكذا، وإنما روى عبد الرزاق في "مصنفه " عن سفيان الثوري عن آدم بن علي البكري قال: «رآني ابن عمر ﵄ وأنا أصلي لا أتجافى عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تبسط بسط السبع، وادعم على راحتيك وأبد ضبعيك، فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك» . ورفعه ابن حبان في "صحيحه " بلفظ: «وجاف بين ضبعيك» . وكذلك الحاكم في " المستدرك " وصححه عن ابن عمر ﵁ مرفوعا: «لا تبسط بسط السبع» إلى آخره.
م: (ويروى وأبد من الإبداد وهو المد) ش: هذه الرواية ليست لها أصل، ولا لها وجود في كتب الحديث، وكان ينبغي أن يحتج في هذا بما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مالك بن بحينة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد يتحلج في سجوده حتى يرى وضح إبطيه» ، والوضح: البياض. وروي أيضا أنه ﵊: «كان إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» وينون مالك لأن ابن بحينة ليس صفة لمالك، وبحينة اسم أم عبد الله، وقيل: أم مالك، والأول أصح، وهي بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة.
وبما رواه أنس أنه ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» رواه الجماعة، وبما رواه أبو حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ قال: "وإذا «سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه» رواه أبو داود، وروى مسلم أنه ﵇ «نهى أن يفترش المصلي ذراعيه افتراش السبع» . وفي " سنن أبي داود " وابن ماجه «نهى عن فرشة السبع» .
م: (والأول) ش: وهو قوله: وأبد ضبعيك (من الإبداء وهو الإظهار) ش: يقال: أبدى يبدي إبداء، من باب الإفعال بالكسر. م: (ويجافي بطنه عن فخذيه) ش: أي يباعد، وثلاثيه جفى يقال: جفى السرج عن ظهر الفرس، وأجفيته أنا: إذا رفعته، وجافاه عنه يتجافى ويجافي عليه عن الفراش؛ أي ما قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] (السجدة: الآية ١٦) ، أي تتباعد م: (لأنه ﷺ «كان إذا سجد جافى» ش: بطنه عن فخذيه (حتى إن بهيمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت) ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن زيد بن الأصم عن ميمونة ﵂ «أن النبي ﵊ كان إذا سجد» .. الحديث، وهو في " مسند أبي يعلى " أن تمر تحت يديه، ورواه الحاكم
стр. 901
وقيل: إذا كان في الصف لا يجافي كيلا يؤذي جاره.
ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة؛ لقوله ﵊: «إذا سجد المؤمن سجد كل عضو منه، فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع»
ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثا، وذلك أدناه.
ــ
[البناية]
في "مستدركه " والطبراني في "معجمه " وقالا فيه: بهيمة بالياء الساكنة بعد الهاء المكسورة، والصواب: بهيمة بضم الباء تصغير بهمة، والبهمة واحدة البهم وهي صغار الضأن والمعز جميعا، وربما خص الضأن بذلك، كذا في " الجهيرة "، واقتصر الجوهري على أولاد الضأن، وخصه القاضي عياض بأولاد المعز.
م: (وقيل: إذا كان) ش: أي المصلي (في الصف لا يجافي كيلا يؤذي جاره) ش: هذا إذا كان في الصف ازدحام وقرب البعض من البعض، وإذا لم يكن كذلك لا يترك السنة لأنه حينئذ لا إيذاء، وفي " الروضة ": إن أعيا فاستعان بركبتيه فوضع ذارعيه عليهما فلا بأس به.
م: (ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة لقوله ﵊: «إذا سجد المؤمن سجد كل عضو منه، فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع» ش: هذا الحديث غريب، نعم جاء في رواية النسائي عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: «من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة ما استطاع والجلوس على اليسرى» وبوب على باب الاستقبال بأطراف الأصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد. وجاء في حديث أبي حميد الذي أخرجه البخاري: «واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» .
[قول سبحان ربي الأعلى في السجود]
(ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه) ش: أي ثلاث مرات، وقال الشافعي: يضيف إلى ذلك وهو الأفضل: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» لحديث على ﵁ أنه ﵊ كان إذا سجد قال ذلك، رواه مسلم، قلنا: هذا وأمثاله محمولة على النوافل لأن بابها أوسع.
قوله: شق سمعه وبصره أي فتقهما ومعنى ﵎ قال ابن الأنباري: يتبرك العباد بتوحيده وذكر اسمه، وقال الخليل: تمجيده، وقال إسحاق: أحسن الخالقين أي المصورين والمقدرين.
فروع: وفي الأسبيجابي: لو خفف سجوده وهو إلى القعود أقرب يجوز، وإن كان إلى السجود والأرض أقرب لا يجوز، روي ذلك عن أبي حنيفة ﵀ وقال محمد بن
стр. 902
لقوله ﵊: «إذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثا، وذلك أدناه» أي
ــ
[البناية]
سلمة: لو رفع رأسه وهو لا يشكل على الناظر أنه رفع رأسه، يجوز، ذكرها في " العيون ". وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا رفع رأسه من السجود مقدار ما يمر الريح بينه وبين الأرض جازت صلاته. وروى أبو يوسف عنه إذا رفع مقدار ما سمي به رافعا جاز لوجود الفصل بين السجدتين، قال في " المحيط: وهو الأصح بخلاف الركوع، حيث ترجح بالأكثر، وقيل: إذا أزيلت جبهته عن الأرض ثم عادت جاز، ذكره المرغيناني، وفي " الروضة ": لا يجوز ذلك عندهما.
وفي " جمل النوازل ": يستحب البكاء في السجود لأنه تعالى أثنى بقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] (مريم: الآية ٥٨) ، ويسن النظر إلى أرنبة الأنف فيه، وفي " فتاوى الظاهرية ": وليس بين السجدتين ذكر مسنون. وعن الحسن بن أبي مطيع أنه يقول: سبحان الله والحمد لله أستغفر الله العظيم. وعند الشافعي: يستحب أن يدعو في جلوسه بين السجدتين لما روى حذيفة أنه ﷺ كان يقول بينهما: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وعافني وارزقني» وفي "تتمتهم": ولا يتعين عليه دعاء، ولكن يستحب أن يدعو كما وردت به السنة.
قلنا: هذا كله وارد في التهجد لا في الفرائض والأمر فيه واسع.
فإن قلت: ما الحكمة في تكرار السجود دون الركوع.
قلت: مذهب الفقهاء أنه تعبد لا يطلب فيه المعنى كعدد الركعات، والسجدة الثانية فرض كالأولى بالإجماع، والجلوس بينهما قدر التسبيح، وأما عند أهل الحكمة فقد اختلفوا فيه فقيل: ترغيما للشيطان؛ فإنه أمر بالسجود فلم يفعل، فنحن نسجد مرتين ترغيما له، وإليه أشار النبي ﷺ في سجود السهو، وقال: هما سجدتان ترغيما للشيطان، وقيل: الأولى إشارة إلى أنه خلق من الأرض والثانية إشارة إلى أنه يعود إليها، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] (طه: الآية ٥٥) وقيل: لما أخذ الله الميثاق على ذرية آدم ﵇ حيث قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] (الأعراف: الآية ١٧٢) ، أمرهم بالسجود تصديقا لما قالوا، فسجد الملائكة والمؤمنون كلهم ولم يسجد الكفار، فلما رفعوا رؤوسهم ورأوهم لم يسجدوا، سجدوا ثانيا شكرا لما وفقهم الله تعالى، صار المفروض سجدتين وذلك أدناه، وقد استقصينا الكلام فيه عند ذكر الركوع.
(لقوله ﵇ «إذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثا، وذلك أدناه؛» أي
стр. 903
أدنى كمال الجمع. ويستحب أن يزيد على الثلاث في الركوع والسجود بعد أن يختم بالوتر؛ «لأنه ﵊: "كان يختم بالوتر» وإن كان إماما لا يزيد على وجه يمل القوم حتى لا يؤدي إلى التنفير، ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة لأن النص تناولهما دون تسبيحاتهما، فلا يزاد على النص. والمرأة تنخفض في سجودها وتلزق بطنها بفخذيها؛ لأن ذلك أستر لها. قال: ثم يرفع رأسه من السجدة
ــ
[البناية]
أدنى كمال الجمع) ش: وقد تقدم الحديث هناك، ووقع في أكثر النسخ: وإذا سجد أحدكم، بواو العطف، عطف على قوله ﵇ إذا ركع أحدكم؛ لأنها في حديث واحد وإنما ذكره المصنف ﵀ مقطعا لأن نصفه الركوع ونصفه السجود.
(ويستحب أن يزيد على الثلاث) ش: أي ثلاث تسبيحات بأن يقول خمسا أو سبعا أو تسعا، وهي سنة عند أكثر العلماء، وقال أبو مطيع تلميذ أبي حنيفة ﵀: فرض، ولم يجزه أقل من ثلاث، فقال أحمد وداود: ويستحب مرة إذ الأمر لا يوجب التكرار، إلا أن عند أحمد إذا تركه ناسيا لا تبطل صلاته، وعنه ولو كان عامدا.
(في الركوع والسجود بعد أن يختم بالوتر) ش: أي بعد أن يختم تسبيحه بالأوتار كما قلنا م: (لأن النبي ﵇ كان يختم بالوتر) ش: يعني في تسبيحات الركوع والسجود، وهذا الحديث غريب جدا م: (وإن كان المصلي إماما لا يزيد على وجه يمل القوم) ش: بضم الياء من الإملال، والقوم منصوب على المفعولية (حتى لا يؤدي إلى التنفير) ش: أي حتى لا يؤدي مجاوزته عن الثلاث إلى تنفير الجماعة، وعن سفيان: يقول الإمام خمسا حتى يمكن القوم من الثلاث.
م: (ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة) ش: عند أكثر العلماء، والآن مضى الكلام فيه (لأن النص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] م: (الحج: الآية ٧٧) . م: (تناولهما) ش: أي تناول الركوع والسجود م: (دون تسبيحاتهما) ش: أي لم يتناول تسبيحات الركوع والسجود. م: (فلا يزداد على النص) ش: بخبر الواحد وهو قوله ﵇: «اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم» قالوا: إنما قال ذلك حين نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (الأعلى: الآية ١) ، وإنما لا يزاد على النص بخبر الواحد لأنها تكون نسخا فلا يجوز، ويؤيده أنه ﵊ لما علم الأعرابي واجبات الصلاة لم يعلمه تسبيحات الركوع والسجود، ولأنه ذكر جائز على كل حال فيكون كالتأمين، وهذا لأن مبنى الفرائض على الشهرة والإعلان، ومبنى التطوعات على الخفية والكتمان.
م: (والمرأة تنخفض في سجودها وتلزق بطنها) ش: أي تلصق بطنها (بفخذيها لأن ذلك) ش: أي الانخفاض والإلزاق (أستر لها) ش: أي لأن مبنى حالها على الستر.
م: (قال) ش: أي القدوري (ثم يرفع رأسه من السجدة) ش: وقد بينا مقدار الرفع، ويذكره
стр. 904
ويكبر؛ لما روينا، فإذا اطمأن جالسا كبر وسجد؛ لقوله ﵊ في حديث الأعرابي: «ثم ارفع رأسك حتى تستوي جالسا» ولو لم يستو جالسا وكبر وسجد أخرى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقد ذكرناه، وتكلموا في مقدار الرفع. والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز؛ لأنه يعد ساجدا، وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز؛ لأنه يعد جالسا، فتتحقق الثانية، قال: فإذا اطمأن ساجدا كبر، وقد ذكرناه، واستوى قائما على صدور قدميه، ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض،
ــ
[البناية]
المصنف على ما يجيء الآن، وقوله (ويكبر) ش: حال (لما روينا) : أشار به إلى قوله «أن النبي ﵇ كان يكبر عند كل خفض ورفع» .
م: (فإذا اطمأن جالسا) ش: أي حال كونه جالسا عقيب السجدة الأولى (كبر وسجد) ش: السجدة الثانية، وقد ذكرنا أن الجلوس بين السجدتين قدر تسبيحة (لقوله ﵇ في حديث الأعرابي: «ثم ارفع رأسك حتى تستوي جالسا» ش: وقد تقدم حديث الأعرابي مستقصى، وفيه: ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، وعند النسائي: «ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدا» وعند البيهقي: «حتى تطمئن جالسا» .
م: (ولو لم يستو جالسا وسجد أخرى) ش: أي لو لم يستو في الجلوس بعد السجدة الأخرى (أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقد ذكرناه) ش: أي في قوله: وأما الاستواء قائما فليس بفرض، وكذا الجلسة بين السجدتين.
م: (وتكلموا في مقدار الرفع) ش: يعنى قد تكلم علماؤنا في مقدار الرفع الذي يكون فاصلا بين السجدتين فقال بعضهم: إذا زالت جبهته عن الأرض ثم أعادها جاز، وعن القدوري: أدنى ما يطلق عليه اسم الرفع، وهو رواية عن أبي يوسف، وفيه أقوال أخرى قد ذكرناها عن قريب، وأشار المصنف إلى الأصح من ذلك بقوله: م: (والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز) ش: أي سجوده م: (لأنه يعد ساجدا وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد ساجدا وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد جالسا) ش: فتتحقق السجدة الثانية.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (فإذا اطمأن ساجدا كبر، وقد ذكرناه) ش: أراد بأنه ﵊ كان يكبر عند كل خفض ورفع، وفي حديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ «أنه كان يكبر كلما خفض ورفع، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك» م: (واستوى قائما على صدور قدميه ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض) ش: يعني بعد رفع رأسه من السجدة الثانية، وفي " جمل النوازل ": جلسة الاستراحة مكروهة عندنا لأن الصحابة ﵃ كانوا ينهضون على صدور أقدامهم.
م: (ولا يعتمد بيديه على الأرض) ش: بأن يعتمد براحتيه على الأرض، منصوص عليه عن أبي
стр. 905
وقال الشافعي ﵀: يجلس جلسة خفيفة، ثم ينهض معتمدا على يديه على الأرض، لما روي أن النبي ﵊ فعل ذلك. ولنا حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﵊: "كان ينهض في الصلاة معتمدا على صدور قدميه» .
ــ
[البناية]
حنيفة ﵀ وفي " الوبري ": لا بأس بأن يعتمد على الأرض عند النهوض من غير فصل، وقال مالك: ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد، وهو قول أحمد ﵀.
م: (وقال الشافعي يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض معتمدا على يديه على الأرض لما روي أن النبي ﷺ فعل ذلك) ش: أي الاعتماد على الأرض، والمروي هنا ما أخرجه البخاري «عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في الوتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا» .
وقال النووي: وقال الأكثر: لا يستحب ذلك؛ أي الجلسة بعد السجدة الثانية، قال: حكاه ابن المنذر عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃، وأبي الزناد والثوري والنخعي ومالك وإسحاق وأحمد، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ يفعل هذا، وقال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، ولم يذكر ذلك في حديث المسيء في صلاته. وقال أبو إسحاق المروزي والشافعي: إن كان ضعيفا جلس للاستراحة وإن كان قويا لا يجلس، وقال الإمام حميد الدين في "شرحه " ناقلا عن شمس الأئمة الحلوائي: الخلاف في الأفضلية حتى إذا جلس لا بأس به عندنا، وإذا لم يجلس لا بأس به عند الشافعي.
م: (ولنا حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﵊ كان ينهض في الصلاة معتمدا على صدور قدميه» ش: هذا الحديث رواه الترمذي عن خالد بن إياس عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه» وقال الترمذي: هذا حديث عليه العمل عند أهل العلم.
فإن قلت: خالد ويقال ابن إياس وقيل إلياس، ضعيف ضعفه البخاري والنسائي وأحمد وابن معين.
قلت: قاله الترمذي، ومع ضعفه يكتب حديثه، ويقويه ما روي عن الصحابة في ذلك، فأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه ولم يجلس، وأخرج نحوه عن علي وابن الزبير وعمر بن الخطاب رضي الله
стр. 906
وما رواه محمول على حالة الكبر، ولأن هذه قعدة استراحة، والصلاة ما وضعت لها.
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى؛ لأنه تكرار الأركان، إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ، لأنهما لم يشرعا إلا مرة واحدة. ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، خلافا للشافعي ﵀ في الركوع وفي الرفع منه؛ لقوله ﵊: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين» . وذكر الأربع في الحج والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء. كذا نقل عن ابن الزبير ﵁.
ــ
[البناية]
تعالى عنهم وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر وعلي وأصحاب النبي ﷺ ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم. وأخرج عن النعمان عن ابن عباس قال: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ كان إذا رفع أحدهم رأسه من السجود الثاني في الركعة الأولى ينهض كما هو ولم يجلس. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه " عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر نحوه. وأخرج البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى عبد الله بن مسعود ﵁ يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولم يجلس إذا صلى في أول ركعة حتى يقضي السجود.
م: (وما رواه محمول على حالة الكبر) ش: وما رواه الشافعي وهو حديث مالك بن الحويرث محمول على فعله ﵇ بعدما كبر وأسن، وفيه تأمل، لأن نهاية عمر النبي ﵇ ثلاث وستون سنة، وفي هذا القدر لا يعجز الرجل عن النهوض، اللهم إذا كان لعذر مرض أو جراحة أو نحوها.
والدليل الثاني أوجه وهو قوله: م: (ولأن هذه قعدة استراحة والصلاة ما وضعت لها) ش: أي للاستراحة، بل هي مشقة في نفسها، ولأنه اعتمد على غيره في صلاته فيكون مسيئا قياسا على ما قالوا: لو اتكأ على حائط أو على عصا، بخلاف ما لو اعتمد على ركبتيه.
م: (ويفعل في الركعة الثانية) ش: أي يفعل المصلي في الركعة الثانية م: (مثل ما فعل في الأولى) ش: أي في الركعة الأولى (لأنه) ش: أي لأن الركعة الثانية، وذكر الضمير باعتبار الخبر وهو قوله: (تكرار الأركان) ش: والتكرار يقتضي إعادة الأولى، وكان ينبغي أن يزاد عليه ولا ينوي ولا يكبر للإحرام.
م: (إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ لأنهما لم يشرعا إلا مرة واحدة، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى؛ خلافا للشافعي ﵀ في الركوع والرفع منه، لقوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين» . وذكر الأربع في الحج، والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء، كذا نقل عن ابن الزبير ﵁) ش: أي إلا أن المصلي لا يقول: سبحانك اللهم، اهـ. وهذا الدعاء يسمى الاستفتاح، وعلى هذا قيل: لكل صلاة مفتاح وافتتاح
стр. 907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
واستفتاح، فمفتاح الصلاة الطهور، وافتتاحها تكبيرة الإحرام، واستفتاحها سبحانك اللهم اهـ، وأخرجه الترمذي أيضا.
وبحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه ابن ماجه والطحاوي عنه، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الصلاة حذاء منكبيه حين يفتتح الصلاة وحين يركع وحين يسجد» .
وبحديث وائل بن حجر قال: «رأيت النبي ﷺ حين يكبر للصلاة وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه حذاء أذنيه» أخرجه أبو داود والنسائي.
وبحديث علي بن أبي طالب ﵁ أخرجه الأربعة وفيه: «ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويضعه إذا فرغ ورفع من الركوع» واحتج أصحابنا بحديث البراء بن عازب قال: «كان النبي ﵊ إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتي أذنيه ثم لا يعود» أخرجه أبو داود والطحاوي من ثلاث طرق، وابن أبي شيبة في "مصنفه " ومحمد بن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ «أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود» أخرجه أبو داود والطحاوي وابن أبي شيبة في "مصنفه ".
وبالحديث الذي ذكره المصنف ولكنه بغير اللفظ الذي ذكره، فروى البخاري معلقا في كتابه المفرد في "رفع اليدين" وقال: قال وكيع: عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي استقبال الكعبة، وعلى الصفا والمروة وبجمع، وفي المقامين، وعند الجمرتين» ، رواه البزار عن نعيم عن ابن عباس.
وعن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين وعند الحجر» . ورواه الطبراني في "معجمه " عن نعيم عن ابن عباس عن النبي ﵊ قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا والمروة مع الناس عشية عرفة وبجمع والمقامين حين يرمي الجمرة» ورواه ابن أبي شيبة موقوفا في "مصنفه" حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «ترفع الأيدي في سبع مواطن: إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي جمع، وفي عرفات، وعند الجمار» . وقال السروجي: ورواية أصحابنا في كتب الفقه: لا يرفع الأيدي إلا في سبع مواطن.
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: ليس كما قاله؛ فإن اللفظين رويا كما ذكرناه، قول المصنف، وذكر الأربع في الحج: وهي عند استلام الحجر، وعند الصفا والمروة، وفي الموقفين، وعند الجمرتين، وعند المقامين، والمتنازع فيه خارج عن السبع على ما ذكره البخاري والبزار والطبراني وغيرهم، فانظر إلى باقي رواياتهم هل تجد فيها ذكر رفع اليدين عند القنوت؟ وإنما يوجد هذا عند أصحابنا في كتبهم، منهم المصنف، ويذكر رفع اليدين عند تكبيرة تكون المواطن ثمانية، وسنذكر بقية الكلام فيه في باب صلاة الوتر إن شاء الله تعالى.
واستدل أصحابنا بحديث جابر بن سمرة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعين أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة» ، أخرجه مسلم.
فإن قالوا في حديث البراء: قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم وخالد بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن البراء، ولم يذكروا: ثم لا يعود، وقال الخطابي: لم يقل رجل في هذا: ثم لا يعود، غير شريك، وقال أبو عمر في " التمهيد ": تفرد به يزيد ورواه عنه الحفاظ فلم يذكر واحد منهم قوله: ثم لا يعود وقال البراز: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين: ثم لا يعود، وقال عباس الدوري عن يحيى: ليس هو بصحيح الإسناد. وقال البيهقي عن أحمد: هذا حديث واه، قد كان يزيد يحدث به لا يذكر: ثم لا يعود، فلما كبر أخذ يذكره فيه. وقال جماعة: إن يزيد يحدث به لا يذكر: ثم لا يعود، فلما لقن أخذ يذكره فيه.
وقال غيره: إن يزيد كان تغير بآخره وصار يتلقن، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة كما أخرجه الدارقطني عن علي بن عاصم: ثنا محمد بن أبي ليلى عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: «رأيت النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه» فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد، قال: لا أحفظ هذا، ثم عاودته فقال: لا أحفظه.
وقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد الله يقول: يزيد بن أبي زياد كان يذكر الحفظ، فلما كبر نسي حفظه، وكان يقلب عليه الأسانيد ويزيد في المتون ولا يميز.
قلت: تعارض قول أبي داود وقول ابن عدي في " الكامل " رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد بإسناده، وقالوا فيه: لم يعد، يظهر أن شريكا لم يتفرد برواية هذه الزيادة، فسقط
стр. 909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أيضا بذلك كلام الخطابي: لم يقل في هذا: ثم لا يعود غير شريك؛ لأن شريكا قد توقع عليها كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل بن زكريا ثنا يزيد بن أبي زياد نحوه، أخرجه البيهقي في " الخلافيات " من طريق النضر بن شميل عن إسرائيل، هو ابن يونس بن إسحاق عن يزيد بلفظ: «رفع يديه حذو أذنيه ثم لم يعد» وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث حفص بن عمر: ثنا حمزة الزيات كذلك، وقال: لم يروه عنه إلا حفص، تفرد به محمد بن حرب.
فإن قلت: تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
قلت: لا نسلم ذلك لأن عيسي بن عبد الرحمن رواه أيضا عن ابن أبي ليلى، فلذلك أخرجه الطحاوي إشارة إلى أن يزيد قد توقف في هذا، وأما يزيد في نفسه فهو ثقة يقال جائز الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: هو وإن تكلم فيه لتغيره فهو مقبول القول عدل ثقة. وقال أبو داود: ثبت لا أعلم أحدا ترك حديثه، وغيره أحب إلي منه. وقال ابن معين في كتاب " الثقات ": قال أحمد بن صالح: يزيد ثقة ولا يعجبني قول من تكلم فيه. وخرج حديثه ابن خزيمة في "صحيحه".
وقال الساجي: صدوق، وكذا قال ابن حبان، وخرج مسلم حديثه في "صحيحه" واستشهد به البخاري، فإذا كان حاله كذلك جاز أن يحمل أمره على أنه حدث ببعض الحديث تارة وبجملة أخرى، أو يكون قد نسي أولا ثم ذكر.
فإن قلت: إن عارضونا برواية إبراهيم بن بشار عن سفيان: ثنا يزيد بن أبي زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع» . قال سفيان: فلما أتيت الكوفة سمعته يقول: يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود، فظننت أنه يخيره.
قلت: هذا لا يخير لأنه لم يرو هذا المتن بهذه الزيادة غير إبراهيم بن بشار، كذا قال الشيخ في " الإمام " عن الحاكم، وابن بشار، قال النسائي فيه: ليس بالقوي، وذمه أحمد ذما شديدا. وقال ابن معين: ليس بشيء، لم يكن يكتب عند سفيان وما رأيت في يده قلما قط، وكان يحكي على الناس ما لم يقله سفيان، وما رواه البخاري وابن الجارود بالوهم فجاز أن يكون وهم في هذا.
فإن قلت: قال ابن قدامة في " المغني " ما ملخصه: حديث يزيد بن أبي زياد ضعيف، ولئن سلمنا فأحاديثنا ترجح عليه بصحة الإسناد وعند أكثر الرواة، وظن الصدق في الكثير أقوى والغلط منهم أبعد والمثبت يخبر عن شيء شاهده ورواه، والنافي لم ير شيئا فلا يؤخذ بقوله، ورواه حديثا فصلوا في روايتهم ونصبوا في الرفع على الحالتين المختلف فيهما، والمخالف لهم عمم رواية
стр. 910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
المختلف فيه وغيره، فيجب تقديم أحاديثنا لنصها وخصوصها على أحاديثهم العامة التي لا نص فيها، كما يقدم الخاص على العام والنص على الظاهر المحتمل، والسلف من الصحابة والتابعين تحملوا بها، فدل ذلك كله على قولنا.
قلت: حديث ابن مسعود ﵁ صحيح، نص عليه الترمذي وغيره، وما يذكره الرواة في الترجيح إنما يكون إذا كان راوي الخبر واحدا، وراوي الخبر الذي يعارضه صفة اثنان أو أكثر، فالذي نحن فيه روي عن جماعة، وهم عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن الزبير ﵃، فحينئذ تساوت الأخبار في ظن الصدق بقولهم وبعدم الغلط، ولا نسلم تقديم خبر المثبت على خبر النافي مطلقا، وإذا كان خبر النفي عن دليل يوجب العلم به يتساوى مع المثبت فتتحقق المعارضة بينهما، ثم يجب طلب المخلص، فإن كان خبر النافي لا عن دليل يوجب العلم، يقدم خبر المثبت كما في حديث بلال أنه ﵊ لم يصل في الكعبة، مع حديث ابن عمر أنه ﵊ صلى فيها عام الفتح، فإنهم اتفقوا أنه ﵊ ما دخلها يومئذ إلا مرة واحدة، ومن آخر أنه لم يصل فيها فإنه لم يعتمد دليلا موجبا للعلم لأنه لم يعاين صلاته فيها، والآخر عاين ذلك، وكان المثبت أولى من النافي.
وأما الذي نحن فيه عن دليل يوجب العلم به لأن ابن مسعود ﵁ شاهد النبي ﷺ وعاينه أنه رفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يعد، فحينئذ تساويا في القوة والضعف، فكيف يرجح الإثبات على النفي، وكما أن الخاص يوجب الحكم فيما تناوله مطلقا، فكذلك العام يوجب له فيما تناوله مطلقا، وكل واحد من الحديثين نص، فكيف يقال: والنص يقدم على الظاهر المحتمل؟ وأحاديثنا أيضا عمل بها السلف من الصحابة والتابعين، وقد ذكرناه عن قريب.
فإن قلت: حديث ابن مسعود ﵁ معترض فيه بما رواه الترمذي بسنده عن ابن المبارك قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود أنه ﵇ لم يرفع يديه إلا في أول مرة، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع وعند الرفع وعند القيام من الركعتين.
وقال المنذري: وعبد الرحمن لم يسمع من علقمة قاله. وقال الحاكم: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه في " الصحيحين " وكان يختصر الأحكام فيؤديها بالمعنى، وأن لفظة: ثم لا يعود غير محفوظة، قاله البيهقي عن الحاكم.
قلت: عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع ثبوته عند غيره، فقد قال الترمذي: حديث ابن مسعود ﵁ حديث صحيح، وصححه ابن حزم في " المحلى " وهو يدور على عاصم بن كليب وقد وثقه ابن معين، وأخرج له مسلم، فلا يسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به، وقول
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
المنذري غير قادح عن رجل مجهول وهو قول عجيب؛ لأنه تعليل برجل مجهول شهد على النفي، وقال الشيخ في " الإمام " تتبعت هذا القائل فلم أجده، وقد صرح في كتاب " المتفق والمفترق " في ترجمة عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه وعلقمة وكذا قال في الحمال سمع عائشة وأباه وعلقمة بن قيس، وعاصم بن كليب وثقه ابن معين، وأنه من رجال الصحيح وقول الحاكم أن حديثه لم يخرج في الصحيح غير صحيح فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة عن الهذلي.
فإن قلت: الحديث الذي ذكره المصنف فيه الحكم عن نعيم قال البخاري: قال شعبة لم يسمع الحكم من نعيم إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها فهو مرسل وغير محفوظ؛ لأن أصحاب نافع خالفوا، وأيضا فهم قد خالفوا هذا الحديث ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبيرة القنوت.
قلت: قول شعبة مجرد دعوى ولئن سلمنا فمرسل الثقات مقبول يحتج به، وكونهم لم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبيرة القنوت لا توجب المخالفة؛ لأن الحديث لا يدل على الحصر.
فإن قالوا: هذا الحديث رواه غير واحد موقوفا وابن أبي ليلى لم يكن بالحافظ. قلنا: ابن أبي ليلى من كبار التابعين أدرك مائة وعشرين رجلا من الصحابة ﵃ فإن لم يعمل يرفع مثله يعمل يرفع من.
إن قلت: حديث جابر بن سلمة لا يدل على ما ادعيتم؛ لأنه لم يرو لما ذكرتم وإنما ورد لمنع الإشارة؛ لأنهم كانوا يشيرون بأيديهم إلى الجانبين يرون بذلك السلام على من على الجانبين، والدليل على رواية مسلم أيضا عن جابر بن سمرة أنه قال: «كنا إذ صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ علام تفعلون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من يمينه وشماله» .
وقال النووي: واحتجاجهم بحديث جابر بن سمرة من أعظم الأشياء وأقبح أنواع الجهالة بالسنة؛ لأن الحديث لم يرو في رفع الأيدي في الركوع والرفع عنه، ولكنهم كانوا يرفعون أيديهم في حالة السلام من الصلاة ويشيرون بها إلى الجانبين يريدون بذلك السلام، وهذا لا خلاف بين أهل الحديث ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث، قال ومثله عن البخاري.
قلت: في الحديث الأول إنكار لرفع اليد في الصلاة وأمر بالسكون فيها فكيف يحمل هذا على الإيماء باليد والإشارة بهما بعد السلام كما في الحديث الثاني؟ وليس فيه ذكر رفع الأيدي ولا
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأمر بالسكون إذا خرجوا من الصلاة بالسلام، وحديث إنكار رفع اليدين والأمر بالسكون مقيد بداخل الصلاة، وحديث إنكار الإيماء والإشارة بالأيدي مقيد بحال السلام الذي قد خرجوا به من الصلاة، والمقيد بقيد لا يندرج تحته مقيد آخر بقيد آخر، فالحديث الثاني غير الحديث الأول قطعا، فكيف يجعل هو فاتحة بيان يختلفان في الحكم الذي يحمل أحدهما على الآخر بلا دليل مع إنكار إفادتهما تأييد بين منقلبين هو الذي أتي بأعظم الأشياء وأقبح أنواع الجهالة بالسنة، على أن الثوري، ومالك بن أنس شيخ إمام، وأجيد بالحديث، وأعلم بالسنة، وقد رفع اليدين في الصلاة إلا عند التحريمة وهي رواية ابن القاسم عنه ورواية متقدمة على المالكية على جميع أصحابه حتى كانت القضاة بالضرب يكتبون في تقاليدهم أن لا يحكموا إلا برواية ابن القاسم الذي روى من الرفع محمول على الابتداء.
هذا جواب عما احتج به الشافعي من الذي روي من رفع اليدين في الركوع وفي الرفع سنة. وأراد بقوله: - محمول على الابتداء - أنه كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ كذا نقل عن ابن الزبير بن العوام ﵄، وابن الزبير من الأسماء العالية على بعض [.....] المسلمين به كابن عمر وابن عباس والذي نقل عن ابن الزبير هو ما نقله البعض «أن ابن الزبير رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال له: لا تفعل فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه» قال ابن الجوزي في " التحقيق ": زعمت الحنفية أن أحاديث الرفع منسوخة بحديثين رووا.
أحدهما: عن ابن عباس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة ترك ما سوى ذلك» .
والثاني: رووه «عن ابن الزبير أنه رأى رجلا يرفع يديه من الركوع فقال: مه فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه» وهذان الحديثان لا يعرفان أصلا، وإنما المحفوظ عن ابن عباس وابن الزبير ﵄ خلاف ذلك فأخرج أبو داود عن ميمون، لكن أنه رأى ابن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد، قال: فذهبت إلى ابن عباس فأخبرته بذلك فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله ﷺ فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير، ولو صح ذلك لم يصح دعوى النسخ؛ لأن شرط الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ.
قلت: قوله: لا يعرفان أصلا لا يستلزم عدم معرفة أصحابنا هذا ودعوى النافي ليست بحجة على المثبت وأصحابنا أيضا ثقات لا يرون الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته،؛ لأن هذا أمر الدين، فالمسلم لا يستهزئ فيه، ويؤيد ما روي من عدم الرفع عند الركوع وعند الرفع منه ما رواه الطحاوي ﵀ حديث ابن أبي داود قال: أنبأ أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ثنا أبو بكر
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: صليت خلف ابن عمر ﵁ فلم يكن يرفع يديه في التكبير الأول من الصلاة.
قال الطحاوي: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع ثم ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبي ﷺ فعله، وإسناد ما رواه الطحاوي صحيح وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في "مصنفه " ثنا أبو بكر بن عياش، عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتح.
فإن قلت: هذا حديث مسند؛ لأن طاوسا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روي عنه عن النبي ﷺ من ذلك.
قلت: يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رواه طاوس يفعلها قبل أن تقوم الحجة عنده بنسخه، ثم قامت الحجة عنده بنسخه فيه له وفعل ما ذكره عنه مجاهد وهكذا ينبغي أن يحمل ما روى عنهم وينفي عنهم الوهم حتى يتحقق ذلك، ولا يكثر أكثر الروايات.
وأما الجواب عن أحاديث الخصم فنقول: أما حديث ابن عمر ﵄ فإنه روي عنه خلاف ذلك فقال الطحاوي: أما ابن أبي داود إلى آخر ما ذكرناه الآن.
أما حديث أبي حميد الساعدي، فإن أبا داود وقد أخرجه من وجوه كثيرة أحدها عن أحمد بن حنبل، وليس فيه ذكر رفع اليدين عند الركوع والطريق الذي فيه عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد في عشر من أصحاب النبي ﷺ . الحديث، وعبد الحميد عندهم ضعيف فكيف يحتجون به في مثل هذا الموضع في معرض الاحتجاج على خصمهم؟ وقالوا: عبد الحق مطعون في حديثه، روى ذلك عن يحيى بن معين، وهو إمام في هذا الباب.
فإن قلت: عبد الحميد من رجال مسلم، واحتجت به الأربعة، واستشهد به البخاري في "الصحيح "، وعن أحمد ويحيى: ثقة.
قلت: إن سلمنا ذلك ولكن الحديث معلول بحجة أخرى، وهو محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد بن عدي، ولا ممن ذكر معه في هذا الحديث مثل: أبي قتادة وغيره، وذلك؛ لأن سنده لا يحتمل ذلك؛ لأن أبا قتادة قتل مع على ﵁ وصلي عليه كذا قال الهيثم بن عدي.
وقال ابن عبد البر: هو الصحيح، وقيل: توفى بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، ومحمد بن عمرو بن عطاء توفي في خلافة وليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافته في سنة خمس وعشرين ومائة، ولهذا قاله ابن حزم ولعله وهم يعني عبد الحميد.
стр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: قال البيهقي في " المعرفة " حكم البخاري في "تاريخه " أنه سمع أبا حميد، وأبا قتادة، وابن عباس ﵃ وقوله: - قتل مع على - رواية شاذة رواه الشعبي، والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذي، والواقدي، والليث، وابن منده.
قلت: القائل بأنه لم يسمع من أبي حميد هو بين الحجة في هذا الباب، وهو قول الهيثم بن عدي، وهذا صححه ابن عبد البر، فكيف يقول البيهقي هذه رواية شاذة، فلم لا يجوز أن تكون رواية البخاري شاذة؟ بل هي شاذة بلا شك؛ لأن قوله لا يرجح على قول الشعبي، والهيثم بن عدي، وفي هذا الحديث علة أخرى وهي أن بين محمد بن عمرو بن عطاء، وبين أبي حميد رجل مجهول، بين ذلك الطحاوي، فقال: حدثنا سهيل بن سليمان، ثنا يحيى وسعيد بن أبي مريم، قال: ثنا عطاف بن خالد، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال حدثنا رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﵊ جلوسا.. الحديث. وعطاف وثقة ابن معين، وعنه صالح، وليس به بأس. وقال أحمد: من أهل مكة ثقة صحيح الحديث.
والدليل على أن بينهما واسطة أن أبا حاتم بن حبان أخرج هذا الحديث في "صحيحه" من طريق عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي. الحديث، وذكر المزني، ومحمد بن طاهر المقدسي في أطرافها، عن أبي داود أخرجه من هذا الطريق، فظهر من ذلك أن هذا الحديث منقطع ومضطرب السند والمتن أيضا.
وأما حديث أبي هريرة فإنه من طريق إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان وهم لا يجعلون إسماعيل فيما روى عن غير الشاميين حجة، فكيف يحتجون على خصمهم بما لو احتج بمثله عليهم لم يسوغني إياه، وقال [......] إسماعيل في الشاميين غاية وخلط عن المدنيين وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: كثير الخطأ في حديثه، فخرج عن حد الاحتجاج به. وقال ابن خزيمة لا يحتج به.
وأما حديث وائل بن حجر فقد ضاده ما رواه إبراهيم النخغي، عن عبد الله بن مسعود ﵃ أنه لم يكن رأى النبي ﵊ نقل مما ذكرنا من رفع اليدين من غير تكبيرة الإحرام فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله ﷺ وأفهم بأفعاله من وائل، وقد كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون ليحفظوا عنه، وكان عبد الله أكثر الولوج على رسول الله ﷺ ، ووائل بن حجر أسلم في المدينة في سنة تسع من الهجرة وبين إسلامهما اثنان وعشرون سنة، فحينئذ حفظ ابن مسعود ﵄ لم يحفظه وائل وأمثاله، ولهذا قال إبراهيم للمغيرة حين
стр. 915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قال: إن وائلا حدث أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك.
فإن قلت: ما ذكرتموه عن إبراهيم لم يدرك عبد الله؛ لأن عبد الله توفي سنة اثنين وثلاثين من الهجرة بالمدينة، وقيل: بالكوفة وولد إبراهيم سنة خمسين كما صرح به ابن حبان.
قلت: كانت عادة إبراهيم إذا أرسل حديثا عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده من الرواة عنه بعد تكاثر الرواة عنه، ولا شك أن خبر الجماعة أقوى من خبر الواحد وأولى.
وأما حديث علي ﵁ المذكور فقد روي عنه ما ينافيه ويعارضه أيضا فإن عاصم بن كليب روى عن أبيه أن عليا ﵁ كان يرفع يديه في تكبيره من الصلاة، ثم لا يرفعه فقد رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه "، ولا يجوز لعلي ﵁ أن يرى النبي ﷺ يرفع ثم يترك هو الرفع بعده، ولا يجوز ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ الرفع في غير تكبيرة الإحرام؛ لأن هذا هو حسن الظن بالصحابة، وحديث عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم.
وفي سنن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن المبارك، عن الأعمش، عن الشعبي أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يرفعهما فيما بقي. وعن شعبة، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب عبد الله وأصحاب علي ﵃ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة.
وقال وكيع: ثم لا يعودون، وعن إبراهيم أنه كان يقول: إذا كبرت في فاتحة الكتاب فارفع يديك، ثم لا ترفعهما فيما بقي وبغيره عن إبراهيم: لا ترفع يديك إلا في افتتاح الأولى.
وعن طلحة، عن خيثمة كان لا يرفع يديه إلا في بدء الصلاة. وعن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل كان قيس يرفع يديه أول ما يدخل في الصلاة، ثم لا يرفعهما.
وعن مسلم الجهني قال كان ابن أبي ليلى يرفع يديه في أول شيء إذا كبر، قال عبد الملك: ورأيت الشعبي، وإبراهيم، وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة، ذكر ذلك كله أبو بكر بن أبي شيبة. ويحكى في " المبسوط " أن الأوزاعي لقي أبا حنيفة في المسجد الحرام فقال: ما بال أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، وقد حدثني الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه ﵇ كان يرفع يديه عندهما، فقال أبو حنيفة حدثني حماد، عن إبراهيم النخغي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵃ «أن النبي ﵊ كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثم لا يعود» .
قال عجبا من أبي حنيفة أحدثه بحديث الزهري عن سالم، وهو يحدثني بحديث حماد عن إبراهيم، فأشار إلى علو إسناده.
следующие страницы →