← Общие книги

Общие книги · id 4312

العلم يدعو للإيمان

كريسي موريسون

Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل السادس: كيف بدأت الحياة

стр. 72

في لغز بداية الحياة نقطة يجب ان يقف العلماء أمامها لنقص الحجج. أجل هناك قرائن كثيرة يمكن اقرارها علمياً. غير ان بداية الحياة بلغت من العجب، والنتائج المترتبة عليها بلغت من التشعب، بحيث ان أكثر العلماء البيولوجيين علما لابد ان تتملكه الدهشة. فهو بوصفه عالما، لا يستطيع ان يؤمن بالمعجزات، ولكن بوصفه انسانا ذكيا يجد - نتيجة لبحثه وبحوث غيره - ان معظم الكائنات الحية الآن تتطور من خلية ميكروسكوبية فريدة، على اثر خروجها من طور الحياة تحت الميكروسكوب واقترابها من طور السدفة الذرية ويبدو ان تلك الخلية قد وهبت القدرة على التكاثر، ومواءمة نفسها على اشكال عديدة من الحياة، وانها أعدت لكي تعيش في كل ركن وشق على ظهر الارض. والعلم يقر بان الواقع لا يمكن ان يكون إلا كذلك. ويعتقد البعض ان هذا مصادفة من المواد الكيموية والماء والوقت. ويرى البعض الاخر النظام مائلا في كل جانب فسيح من الحياة إذ تمضي قدما من منبعها إلى هدفها، سواء أكانت ستصبح حيوانا رخوا ام انسانا - دون ان تعبر الفجوة مرة اخرى. والان لنعالج الموضوع بشعور من الاجلال، لاتحده الحدود الدقيقة التي تفرضها العقائد الدينية، أو الحقائق

стр. 73

العلمية بشان سبب الحياة ومصدرها، ولنصور لانفسنا الوقائع المعترف بها. وبذا يمكننا ان نحكم، وأمامنا الموضوع كاملا. وبهذه الطريقة يمكننا ان نعلم ان كنت أنا أو أنت مجرد مجموعة عريضة من المادة، تولدت عن الكيمويات والماء والوقت، اولا. انظر إلى الشيء الهام الوحيد. انه أهم من الأرض نفسها ومن الكون كله. وأهم من كل شيء آخر - ما عدا الخالق المدبر الذي كان السبب في وجود ذلك الشيء: وأعني تلك النقطة من النقطة (البروتوبلازم) (١) التي لا تكاد ترى، وهي شفافة لزجة (كالجيلاتين)، قادرة على الحركة، تستمد نشاطها من الشمس. وهي بالفعل كفء لاستخدام ضوء الشمس في عزل ثاني اوكسيد الكربون من الهواء، مرغمة الذرات على الانفصال، قابضة على الهيدروجين من الماء، ومنتجة لهيدرونات الكربون، وبذا تعد غذاءها بنفسها من أحد المركبات الكيموية العنيدة للغاية. ان هذه الحلبة الفريدة، هذه النقطة الصغيرة الشفافة

стр. 74

التي تشبه الطل، تحتوي في نفسها على جرثومة الحياة، وبها القدرة على توزيع هذه الحياة على كل كائن حي، كبيرا كان أو صغيرا، وعلى مطابقة كل مخلوق لبيئته حيثما يمكن وجود الحياة، من قاع المحيط إلى السماء. وقد صاغ الزمن والبيئة شكل كل كائن حي بحيث يتفق مع أنواع الظروف المتعددة. وعندما تكون هذه الكائنات الحية شخصيتها الفردية، فانها تكون قد ضحت ببعض مرونتها وقابليتها للتغير، واصبحت مخصصة وثابتة، وقد فقدت القدرة على العودة إلى الوراء ولكنها كسبت مزيدا من المواءمة مع الظروف التي وجدت فيها. ان قوى هذه النقطة الصغيرة من النقطة (البروتوبلازم) ومحتوياتها، كانت ولا تزال اعظم من الزرع الذي تخضر به الارض، وأعظم من كل الحيوانات التي تتنسم نسيم الحياة لانها مصدر كل حياة، وبدونها كان لا يمكن وجود شيء حي. والعلم يوافق على كل ما ذكرنا خطوة خطوة، ولكنه يتردد في ان يتخذ خطوة اخيرة، ويقول ان الانسان، خطر على هذه الأرض بوصفه طفلا لمنبع الحياة الكوني، سيدا بين الحيوانات، وذا تكوين مادي معقد التركيب للغاية، وصاحب عقل أعد عن قصد ليتلقى لمحة من القدرة الالهية التي نسميها بالروح.

стр. 75

وينبغي لنا ان نبدأ بالأرض كلها على انها صحراء، وليس ثمة من مواد غير ما ترك حين بردت الأرض. وقد ارتفعت الأر من المحيطات، وحدث في الصخور تاكل لا يمكن وصفه فمزقها اربا، وكون كثيرا من الصخور الثانوية والغرين والطحل. ولم يوجد سوى المواد غير العضوية في تركيبات كالبازلت والجرانيت وتلك الصخور الأخرى النارية والمتحولة، والغرين الذي سبق رواسب الوجود الحيواني، اما الرواسب من امثل حجر الكلس والمرجان والطباشير والحجر الصوان، فانها لم تكن موجودة. وليس لدينا سوى مواد قليلة لنعالجها، فلدينا الماء، وربما كان على درجة من الحرارة شديدة الثبات. ان لغز ظهور الحياة على الأرض قد يحل وقد لا يحل بحدوثة الذاتي. وقد افترض البعض ان الحياة قد جاءت من بعض الكواكب في شكل جرثومة انسلت دون ان يصيبها تلف، وبعد ان بقيت زمانا غير محدود في الفضاء، استقرت على الارض، ولكن كان من العسير على تلك الجرثومة ان تبقى حية في درجة حرارة الصفر المطلق في الفضاء، واذا استطاعت البقاء رغم ذلك فان الاشعاع الكثيف للموجة القصيرة كان يقتلها. فان كانت قد بقيت حبة رغم ذلك فلا بد انها وجدت لنفسها المكان الملائم، وربما كان المحيط، حيث ادى اتفاق مدهش في الظروف إلى توالدها وبداية الحياة على الارض.

стр. 76

وفضلا عن ذلك يعود بنا هذا الفرض خطوة أخرى فيما نحن بصدده، لاننا يمكننا ان نسال: (وكيف بدات الحياة على أي كوكب من الكواكب؟) ان المتفق عليه عموما هو انه لا البيئة وحدها، ولا المادة مهما كانت موائمة للحياة، ولا أي اتفاق في الظروف الكيموية والطبيعية قد تخلقه المصادفة، يمكنها ان تاتي بالحياة إلى الوجود. وبصرف النظر عن مسالة اصل الحياة التي هي بالطبع من الالغاز العلمية، قد افترض ان هنة ضئيلة من الحياة، بلغت من الضالة انها لا ترى أو تلمح بالميكروسكوب، قد اضافت اليها ذرات، وقبلت توازنها الوثيق، فانقسمت، وكررت الاجزاء المنفصلة هذه الدورة، وبذا اتخذت اشكال الحياة .. ولكن لم يزعم أحد انها اتخذت الحياة نفسها! ان الأميبا هي مخلوق ميكروسكوبي حي على درجة كبيرة من التطور، وهو مكون من ملايين لا حصر لها من الذرات في تنظيم مرتب. و (الأميبات) هي مخلوقات ذوات خلية واحدة، قد لا يزيد قطرها على جزء من مائة من البوصة، ونوجد في جميع مياه العالم. والاميبا تشعر بالجوع، وتبحث عن غذائها عن قصد وعمد. واية درجة من كبر الحجيم يجب ان يبلغها الحيوان حتى نعترف بان له

стр. 77

رغبات وعزيمة؟ ولكن الحجم هو لا شيء في حسبان اللانهائية، لان الذرة لا تقل كمالا عن نظام المجموعة الشمسية. واذا اتخذنا الاميبا مثلا للايضاح - دون ان نزعم ان هذا المخلوق الحي ذا الخلية الواحدة هو المنبع الاصلي للحياة - فانه يمكن القول بان مخلوقا ما نطفيا (بروتوبلازميا) حيا، بعد ان ضاعف تكوينه الداخلي، قد انقسم وصار اثنين، ثم انقسم الاثنان وصارا اربعة، وهكذا إلى غير حد، كما تفعل الخلايا الآن في كل مخلوق حي. فكل خلية تحتوي في نفسها، في تقسيمها الباكر، القدرة على انتاج فرد كامل. والخلايا نفسها باقية إلا إذا وقع لها حادث أو صادفها تغير في الظروف لا قبل لها به. وهي تكون الخلايا البسيطة في جميع المخلوقات، من حيوانات أو نباتات في الوقت الحاضر، وبذا تكون صورا طبق الاصل من اسلافها. ونحن بوصفنا كائنات بشرية، إنما منتظمة من بلايين فوق بلايين من امثال تلك الخلايا، وكل خلية هي مواطن يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة في ذكاء. وهذا يختلف اختلافا بينا عن الجزئية المادية العاطلة من الحياة (١)

стр. 78

ولكن في الاستطاعة ان نشير إلى شيء حدث منذ زمن بعيد، عند بدء الحياة على الارض، وكان له شأن عظيم، ذلك ان خلية واحدة قد نمت عندها القدرة المدهشة على استخدام ضوء الشمس في حل مركب كيموي، واصطناع غذاء لها ولاخواتها من الخلايا. ولا بد أن لذات اخريات لخلية اصيلة أخرى قد عاشت على الغذاء الذي انتجته الخلية الاولى، وأصبحت حيوانا، في حين صارت الخلية الاولى نباتا، والنباتات التي هي نسل هذه الخلية هي التي تغذى جميع الكائنات الحية الان، فهل يمكننا ان نعتقد ان كون خلية قد اصبحت حيوانا، وأخرى قد اصبحت نباتا، إنما حدث بطريق المصادفة (١)؟ ان التوازن العجيب بين الزرع وحياة الحيوان إنما استقر بهذا التقسيم. واذا عدنا إلى قصة ثاني اوكسيد الكربون، وجدنا ان هذا التقسيم هو أساسي اطلاقا بوصفه احدى ضروريات الحياة نفسها. ولو كانت الحياة كلها حيوانية، لكانت الآن قد استنفدت

стр. 79

الأوكسيجين، ولو كانت الحياة كلها نباتية، كانت قد استهلكت كل ثاني اوكسيد الكربون. وفي كلتا الحالتين كانت تنتهي هذه الحياة وتلك. وكما ذكرنا من قبل، من المفروض انه في التاريخ الباكر جدا للكرة الارضية لم يكن بالهواء اوكسيجين مطلق، إذ كان كل الأوكسجين مخزونا في قشرة الأرض وفي الماء وثاني اوكسيد الكربون. فاذا كان الامر كذلك، فان كل الأوكسجين الذي لدينا الان، قد جاء من الزرع. وقد ثبت ذلك بشكل مقبول، لان النباتات تستعمل ثاني اوكسيد الكربون، وتطلق الأوكسيجين. ولكن إذا كان هذا كله صحيحا، فان الحيوانات، التي لا غنى لها عن الأوكسجين لكي تعيش، لا بد قد جاءت إلى الوجود بعد زمن طويل من تطور النباتات في البحر والأرض، فهل كان ظهور الحياة على دفعتين؟ سنترك ذلك للمستقبل ليقرره. ومن عجب انه في كلتا الحياتين الحيوانية والنباتية، منذ ظهور الكائنات البروتوبلازمية الاولى، قد تطور الذكر والانثى بشكل جعل كل نوع يستمر بالاتحاد المتكرر مع الاحتفاظ بمميزاته العامة. وليس هذا مجال البحث في تفاصيل الاضطرابات والنتائج الطبيعية والكيموية التي ادت إلى التوزيع. ويكفي ان نجعل الامر مفهوما لاولئك الذين ليس لهم معرفة خاصة بالعلوم. ويمكن ايضاح الأمر على الوجه الآتي:

стр. 80

الظاهر ان مجموعات الخلايا كانت ادنى إلى البقاء حية حين كانت على صلات وثيقة معا، وبدا بدأت تتحد، ثنائية ورباعية ومئوية والفية ثم مليونية، ثم دعيت كل خلية لان تؤدي مهمة وكلت اليها. وتدريجا، مع تكليفها تلك المهام المختلفة اصبح في حيز الامكان ان يقوم المجموع بوجوه جديدة من النشاط، ففي الحيوانات، صار الحمل CILIA، (وهو عبارة عن تركيبات صغيرة تشبه ال؟؟؟ وصارت الزوائد والاقدام الكاذبة، تساعد على جمع الطعام الذي تنشط خلايا أخرى في هضمه. وبعض الاجزاء كانت مكونة من عدة حلايا. فهناك مجموعة منها صنعت غطاء وقائيا كثيفا، كقشر الشجرة، وأخرى كانت مشغولة بنقل الغذاء من مكان إلى اخر في المخلوق الحي. واخيرا نجدها مشغولة بتكوين الخشب في الجذوع، أو بتكوين العظام أو الاصداف لتدعم جرمها المجتمع النامي، وبعض الاصداف وضعت في الخارج، مثل اصداف اللزيق (سمك صدفي). وهذه الحيوانات الرخوة من النوع الذي يغلق على نفسه. وبعض العظام قد كونت بالداخل، فالإنسان يحتاج إلى سلسلة فقرية. وجميع الأشياء التي تعيش تبدأ من خلية بسيطة وهذه الخلية ترغم كل نسلها على ان يؤدي الخدمات وان يتبع دون انحراف تصميم المخلوق الذي كان على الخلية الأصلية مضاعفته، سواء أكان سلحفاة ام أرنباً.

стр. 81

وقد يمكن السؤال عما إذا كان للخلايا فهم وادراك ام لا: وسواء اعتقدنا أن الطبيعة قد زودت الخلايا بالغريزة - مهما تكن هذه - أو بقوة التفكير، ام لم نعتقد ذلك، فلا مناص لنا من الاعتراف بان الخلايا ترغم على تغيير شكلها وطبيعتها كلها لكي تتمشى مع احتياجات الكائن الذي هي جزء منه. وكل خلية تنتج في أي مخلوق حي يجب ان تكيف نفسها لتكون جزءا من اللحم، او ان تضحي نفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث حتى يبلى. وعليها ان تضع ميناء الأسنان وان تنتج السائل الشفاف في العين، أو ان تدخل في تكوين الانف أو الأذن. ثم على كل خلية ان تكيف نفسها من حيث الشكل وكل خاصية أخرى لازمة لتادية مهمتها. ومن العسير ان نتصور ان خلية ما هي ذات يد يمنى أو يسرى، ولكن احدى الخلايا تصبح جزءا من الاذن اليمنى، بينما الأخرى تصبح جزءا من الأذن اليسرى. ان بعض البلورات المتشابهة كيمويا تحول اشعة الشمس نحو اليمين وبعضها الاخر نحو الشمال. ويبدو ان مثل هذا الميل موجود في الخلايا. ومتى وجدت في المكان الصحيح الذي تخصه. فانها تصبح جزءا من الاذن اليمنى أو الاذن الايسرى. وأذناك تواجه احداهما الأخرى في رأسك، وليستا في كوعيك كما هما عند الصرصور .. وتقوساتهما متضادة، وحين تكمل تكون الأذنان متماثلتين إلى حد يعصب عليك عنده ان تميز بنيهما.

стр. 82

ان مئات الآلاف من الخلايا تبدو كانها مدفوعة لان تفعل الشيء الصواب في الوقت الصواب وفي المكان الصواب، والحق انها طائعةوالحياة تدفع إلى الأمام، بانية، مصلحة متوسعة، وخالقة ما هو حديث وما هو افضل، بنشاط لا يفتر ولا مثيل له في الأشياء الجامدة. فهل هذا ناشئ عن ادراك؟ ام عن غريزة؟ ام انه أمر يحدث فحسب؟ يمكنك ان تجيب عن ذلك بنفسك. بيد انك قد تقول الآن ان كل ما ورد بهذا الفصل لا يفسر لنا كيف بدأت الحياة، أي كيف جاءت إلى هذه الارض. والكاتب لا يعرف كيف، ولكنه يؤمن بانها جاءت كتعبير عن القوة الالهية، وبانها ليست مادية.

стр. 83

الفصل السابع: أصل الانسان

стр. 84

هناك طرق عدة البحث في اصل الانسان. وان متابعة هذه الطرق ليحدث اضطرابا لكثيرين من ذوي الاراء الجامدة، فمن الآراء ما يقول بان الإنسان قد جاء عن طريق عملية تطور من الشرارة الأصلية للحياة. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه فكرة التطور كلها. وهناك رأي آخر يقول بان الله في حكمته قد أودع الحياة على الارض، وخلق الإنسان كما هو أو كما كان، كاملا. وثمة راي يقول بأن العناية الالهية لا تقف، ولكنها انتجت الحياة بكل أطوارها بسلسلة من الخلق. على ان هناك رأيا اخر يقول بان الحياة التي انتهت إلى الإنسان كانت نتيجة سعيدة لمزيج حدث مصادفة من المواد الكيموية، بما فيها الماء .. ويمكن القول بانه مع الايمان بوجود الخالق، فانه قد شاءت ارادته ان يخلق من العناصر الاصلية للارض شيئا تكون له حياة، ويبلغ في النهاية إلى تطور في المخ يسمح بابداعه الذكاء. ويمكن القول بان الله تعالى قد شاء ان يمنح هذا الذكاء سيادة وسيطرة على جميع الكائنات الحية الأخرى وعلى كائنات أخرى كثيرة عاطلة من الحياة. وايا ما تختر لنفسك من هذه الاراء، فان من الواضح ان الإنسان لم يوجد كانسان. منذ بدأت الحياة ولكنه تطور

стр. 85

فيما بعد إلى ما هو عليه الآن، وعلى أي حال لم يظهر كانسان، إلا بعد ان عجزت كل أشكال الحياة الكائنات الأخرى عن إيجاد جهاز بالغ التعقيد كالعقل البشري. واذا فرضنا ان الإنسان بدأ مع ظهور الحياة الاولى، فان وجوده يرجع إلى ٤٠٠ مليون سنة أو اكثر. اما إذا قبلنا النظرية الثانية، فانه يكون قد وجد بعد ذلك، أو في أي وقت نتيجة للمشيئة الالهية. اما إذا قبلنا الفرض الثالث، فاننا لا يمكننا ان نحدد تاريخا لاول وجوده كإنسان إلا بما يرجع لنا ملايين عدة من السنين. وقد أمكن تتبع تاريخ الإنسان كانسان، بالادلة الكافية لاقناع العلماء، لمدة مليون سنة مضت، ولكن هذا حد ادنى متفق عليه. اما قبل ذلك فان تطوره - مهما يكن الحيوان الذي تطور منه - يرجع إلى قدم لا يصل اليه حسبان البشر. ويوجد في المتحف الامريكي للتاريخ الطبيعي بنيويورك حصان اثري ذو ثلاث أصابع، وهو حيوان صغير كان لاريب سريع العدو. ولا شك انه كان حصاناً، غير ان تطوره إلى الحصان الجليل الحإلى الذي يجري على ما نسميه حافراً تطور من اصبع، قد تطلب ملايين السنين. فاذا اتخذنا من ذلك معلما للطريق، فلنقدر اذن الزمن الذي تطلبه الإنسان حتى تطورت يداه وعيناه وذهنه، وبذا صار حيواناً طفيفاً ورفعه ذلك إلى كيانه الحالي.

стр. 86

والان نعود فنقتبس التقلبات التي مر بها هذا المخلوق الصغير الاعزل من وسائل الدفاع، وان يكن حقا سريع الحركة فانه معرض للخطر من كل مخلوق ياكل اللحم، ومن كل زاحف سام، ومن كل جسم يحدث المرض. وكان عليه ان يعني بصغاره زمنا طويلا من عجزهم، فان اطفال الإنسان تولد عديمة الحول والحيلة، وهي تأتي تباعاً وبذا قد يصبح عدة اطفال عاجزين، في حاجة إلى الغذاء والوقاية في وقت واحد. وهذا يضاعف عجيبة بقاء الإنسان في خلال الدهور! فقد عاش خلال تغيرات كالعصر الثلجي وفي كل طور اخر من أطوار الحياة المحرومة الوقاية. وهذا ينطبق طبعا على جميع الحيوانات الاخرى. وانه لمن معجزات العناية الالهية ان استطاعت هذه المخلوقات ان تثبت امام تلك الظروف. ومن جهة أخرى فان أنواعاً لا عدد لها كانت قد ولدت ثم انقطعت عن الوجود. وليست عظام (الديناصورات) (١) الا دليلا واحدا يثبت به علماء الجيولوجيا (علم طبقات الارض) انه وجدت في الماضي حيوانات غريبة قدر لها الفشل فعفى عليها النسيان. وكان ذلك أيضاً مثال ملايين من الحشرات والاسماك والطيور وانواع أخرى عديدة

стр. 87

من مخلوقات شتى. ولعل (الحمام المسافر) (١) كان في وقت ما أكثر عددا من البشر، ولكن آخر واحدة منه ماتت في عهدنا، وانقرضت سلالته الفاخرة كما انقرض (البطريق) العظيم و (الدودو) (٢). وتجد علماء الآثار في اظهارهم لتطور الانسان، يتخذون من سعة المخ في جمجمته مفتاحاً لتقدمه. وقد حلت اجناس ولا تزال تحل، محل اخرى، ويبدو ان الجنس الابيض هو في الذروة في الوقت الحاضر. أفيأتي الزمن بالإنسان الممتاز (السوبرمان) الذي ينسل ذرية من نوعه تملأ الأرض على رحبها؟ ان العظام في جمجمة الطفل يفرقها غضروف يتيح لمخه مزيدا من النمو، وقد يستمر ذلك في طور الشباب إذا كان ثمة حاجة إلى مثل هذا التوسع. ولكن الواقع اننا نصبح ذوي أدمغة صلبة. وقت باكر .. ويحسن بنا إلا نغلق عقولنا دون الحقيقة قبل الأوان!.

стр. 88

الفصل الثامن: غرائز الحيوانات

стр. 89

ان تقدم الإنسان قد بلغ من الوجهة الطبيعية مبلغا محمودا، ولا يبدو ان ثمة مجالا لنمو تكوين جسدي جديد به. ولكن ينبغي ان نتقدم صحته، وان يبلغ تقدمه الطبيعي درجة الكمال بفضل التغذية وعجائب الطب والجراحة، وتبعا لذلك يجب ان ترقى الاذهان بوجه عام. فهناك - على الأقل - متسع للعقلية الصالحة لكي تعبر عن نفسها، وبذا تتحسن احوال الإنسان المادية والخلقية والروحية، سواء من حيث الفرد أو الجنس. ان المدنية وقبول المقاييس الخلقية، تتحركان إلى الامام والى الخلف، ولكن هناك كسبا دائما، وقد كان تقدم الإنسان امرا ملحوظا بلاريب، ولكن عليه ان يقطع مراحل عدة. ويبدو لحسن الحظ انه ليس هناك حد لما يمكن ان يقع من تقدم جديد في الذهن البشري مع الوقت، اعني الوقت الكافي، بوصفه العامل الغالب .. ان الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن، فعصفور الهزاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوبا في الخريف، ولكنه يعود إلى عشه القديم في الربيع التالي. وفي شهر سبتمبر تطير أسراب معظم طيورنا إلى الجنوب، وقد تقطع في الغالب نحو الف ميل فوق عرض البحار، ولكنها لا تضل

стр. 90

طريقها. والحمام الزاجل إذا تحير من جراء اصوات جديدة عليه في رحلة طويلة داخل قفص، يحوم برهة ثم يقصد قدما إلى موطنه دون ان يضل .. والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح في هبوبها على الاعشاب والاشجار، كل ذلك دليل يرى. وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الانسان، ولكنه يكمل عتاده القليل منها بأدوات الملاحة. ونحن في حاجة إلى هذه الغريزة، وعقولنا تسد هذه الحاجة ولا بد ان للحشرات الدقيقة عيونا ميكروسكوبية لا ندري مبلغها من الاحكام، وان للصقور بصرا تلسكوبيا وهنا أيضاً يتفوق الإنسان بأدواته الميكانيكية. فهو بتلسكوبه يمكنه ان يبصر سديما بلغ من الضعف انه يحتاج إلى مضاعفة قوة ابصار مليوني مرة ليراه، وهو بميكروسكوبه الكهربي يستطيع ان يرى بكتريا كانت غير مرئية، (بل كذلك الحشرات الصغيرة التي تعضها). وانت إذا تركت حصانك العجوز وحده، فان يازم الطريق مهما اشتدت ظلمة الليل. وهو يقدر ان يرى ولو في غير وضوح، ولكنه يلحظ اختلاف درجة الحرارة في الطريق وجانبيه، بعينين تأثرتا قليلا بالاشعة تحت الحمراء التي للطريق. والبومة تستطيع ان تبصر الفأر الدافئ اللطيف وهو يجري على العشب البارد مهما تكن ظلمة الليل. ونحن نقلب الليل نهاراً باحداث اشعاع في تلك المجموعة التي نسميها بالضوء ..

стр. 91

إن عدسات عينك تلقي صورة على الشبكية، فتنظم العضلات العدسات بطريقة الية إلى بؤرة محكمة، وتتكون الشبكية من تسع طبقات منفصلة، هي في مجموعها ليست اسمك من ورقة رفيعة. والطبقة التي في أقصى الداخل تتكون من اعواد ومخروطات، ويقال ان عدد الاولى ثلاثون مليون عود، وعدد الثانية ثلاثة ملايين مخروط. وقد نظمت هذه كلها في تناسب محكم، بعضها بالنسبة إلى بعض، وبالنسبة إلى العدسات، ولكن العجب انها تدير ظهورها للعدسات، وتنظر نحو الداخل لا نحو الخارج. واذا استطعت ان تنظر في خلال العدسات، فانك ترى عدوك مقلوب الوضع، والجانب الايمن منه هو الايسر. وهذا امر يربكك إذا حاولت ان تدافع عن نفسك، ولذا فان الطبيعة قد عرفت بطريقة ما ماذا سيحدث، ولذا اجرت ذلك التصميم قبل ان تقدر العين على الابصار، ورتبت اعادة تنظيم كاملة عن طريق ملايين من خويطات الاعصاب المؤدية إلى المخ. ثم رفعت مدى ادراكنا الحسي من الحرارة إلى اللضوء، وبذا جعلت العين حساسة بالنسبة للضوء. وهكذا نرى صورة ملونة للعالم من الجانب الايمن إلى فوق، وهو احتياط بصري سليم. وعدسة عينك تختلف في الكثافة، ولذا تجمع كل الأشعة في بؤرة. ولا يحصل الإنسان على مثل ذلك في أية مادة في جنس واحد كالزجاج مثلا. وكل هذه التنظيمات العجيبة

стр. 92

للعدسات والعيدان والمخروطات والاعصاب وغيرها. لابد انها حدثت في وقت واحد، لانه قبل ان تكمل كل واحدة منها، كان الابصار مستحيلا. فكيف استطاع كل عامل ان يعرف احتياجات العوامل الأخرى ويوائم بين نفسه وبينها؟ ان المحار العادي الذي تأكل عضله، له عيون عدة تشبه عيوننا كثيرا، وهي تلمع، لان كل عين منها لها عاكسات صغيرة لا تحصى، ويقال انها تساعدها على رؤية الأشياء من اليمين إلى فوق. وهذه العاكسات غير موجودة في العين البشرية. فهل رتبت المحار تلك العاكسات لانه لا يملك كالإنسان قوة ذهنية؟ ولما كان عدد العيون في الحيوانات يتراوح بين اثنتين وعدة الاف، وكلها مختلفة، فلا ريب ان الطبيعة كانت تلتقي مشقة كبيرة في احكام علم المرئيات، اللهم إلا إذا وجدت عونا من الخالق! ان نحلة العسل لا تجذبها الازهار الزاهية كما نراها، ولكنها تراها بالضوء فوق البنفسجي الذي يجعلها أكثر جمالا في نظرها. وفيما بين اشعة الاهتزازات البطيئة واللوحة الفوتوغرافية وما وراءها، عوالم من الجمال والبهجة والالهام، بدأنا نقدرها ونسيطر عليها. فلنأمل ان ياتي علينا يوم نستطيع فيه ان نستمتع بعالم الضوء عن طريق النبوغ في الابتكار. وها نحن أولاء قد أصبحنا قادرين على أن

стр. 93

نكتشف اهتزازات الحرارة في كوكب بعيد، ونقيس طاقتها. ان العاملات من النحل تصنع حجرات مختلفات الاحجام في المشط الذي يستخدم في التربية. وتعد الحجرات الصغيرات للعمال، والأكبر منها لليعاسيب (١)، وتعد غرفة خاصةى للملكات الحوامل. والنحلة الملكة تضع بيضا غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكر، وبيضا مخصبا في الحجرات الصحية المعدة للعاملات الاناث والملكات المنتظرات. والعاملات اللائي هي اناث معدلات بعد ان انتظرن طويلا مجيء الجيل الجديد، تهيأن أيضاً لاعداد الغذاء النحل الصغيرة بمضغ العسل واللقح، ومقدمات هضمه، ثم ينقطعن عن عملية المضغ ومقدمات الهضم عند مرحلة معينة من تطور الذكور والاناث، ولا يغذين سوى العسل واللقح. والاناث اللائي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات. أما الاناث اللائي في حجرات الملكة، فان التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم تستمر عندهن. وهؤلاء اللائي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورون إلى ملكات نحل، وهن وحدهن اللائي ينتجن بيضا مخصبا، وعملية تكرار الانتاج هذه تتضمن حجرات خاصة، وبيضا خاصا، كما تتضمن الاثر العجيب الذي لتغيير الغذاء. وهذا يتطلب الانتظار والتمييز

стр. 94

وتطبيق اكتشاف اثر الغذاء، وهذه التغيرات تنطبق بوجه خاص على حياة الجماعة، وتبدو ضرورية لوجودها، ولابد ان المعرفة والمهارة اللازمتين لذلك قد تم اكتسابهما بعد ابتداء هذه الحياة الجماعية، وليستا بالضرورة ملازمتين لتكوين النحل ولا لبقائه على الحياة. وعلى ذلك فيبدو ان النحل قد فاق الإنسان معرفة تاثير الغذاء تحت ظروف معينة. والكلب بما أوتي من انف فضولي، يستطيع ان يحس الحيوان الذي مر. وليس ثمة أداة من اختراع الإنسان لتقوي حاسة الشم الضعيفة لديه، ونحن لا نكاد ندري اين نبدا لنفحص امتدادها. ومع هذا فان حاسة الشم الخاصة بنا هي على ضعفها قد بلغت من الدقة انها يمكنها ان نتبين الذرات الميكروسكوبية البالغة الدقة. وكيف نعرف اننا نتأثر جميعا نفس التأثر من رائحة بعينها؟ الواقع اننا لا نتأثر تأثرا واحدا. كذلك حاسة الذوق تعطي كلا منا شعورا مختلفا عن شعور الاخر. والعجيب ان اختلافات الاحساس هذه هي ورائية! وكل الحيوانات تسمع الاصوات التي يكون كثير منها خارج دائرة الاهتزازات الخاصة بنا، وذلك بدقة تفوق كثيرا حاسة السمع المحدودة عندنا. وقد اصبح الإنسان يستطيع بفضل وسائله ان يسمع صوت ذبابة تطير على بعد اميال كما

стр. 95

لو كانت فوق (طبلة) أذنه، ويستطيع بمثل تلك الأدوات ان يسجل وقع شعاع شمس. ان جزءا من أذن الإنسان هو سلسلة من نحو اربعة آلاف حنية (قوس) دقيقة معقدة، متدرجة بنظام بالغ، في الحجم والشكل. ويمكن القول بان هذه الحنيات تشبه آلة موسيقية، ويبدو انها معدة بحيث تلتقط، وتنقل إلى المخ، بشكل ما، كل وقع صوت أو ضجة، من قصف الرعد إلى حفيف الشجر فضلا عن المزيج الرائع من أنغام كل أداة موسيقية في الاوركسترا، ووحدتها المنسجمة، لو كان المراد عند تكوين الاذن ان تحسن خلاياها الأداء، كي يعيش الانسان، فلماذا لم يمتد مداها حتى تصل إلى ارهاف السمع؟ لعل (القوة) التي وراء نشاط هذه الخلايا قد توقعت حاجة الإنسان في المستقبل إلى الاستماع الذهني ام ان المصادفة قد شاءت تكوين الاذن خيرا من المقصود؟ ان احدى العناكب (جمع عنكبوت) المائية تصنع لنفسها عشا على شكل منطاد (بالون) من خيوط بيت العنكبوت وتعلقه بشيء ما تحت الماء، ثم تمسك ببراعة فقاعة هواء في شعر تحت جسمها، وتحملها إلى الماء ثم تطلقها تحت العش ثم تكرر هذه العملية حتى ينتفخ العش، وعندئذ تلد صغارها وتربيها، آمنة عليها من هبوب الهواء. فها هنا نجد طريقة النسج، بما يشعله من هندسة وتركيب وملاحة جوية.

стр. 96

ربما كان ذلك كله مصادفة .. ولكن ذلك لا يفسر لنا عمل العنكبوت! وسمك (السلمون) الصغير يمضي سنوات في البحر، ثم يعو إلى نهره الخاص به، والأكثر من ذلك انه يصعد جانب النهر الذي يصب عنده النهر الذي ولد فيه. وقد تكون قوانين الولاية الأمريكية التي على أحد جانبي النهر صارمة وقوانين الولاية التي على الجانب الاخر غير صارمة، ولكن هذه القوانين إنما تسري على السمك الذي يمكن ان يقال عنه انه يخص جانبا دون الآخر .. فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد؟ ان سمكة (السلمون) التي تسبح في النهر صعدا، إذا نقلت إلى نهير آخر، ادركت توا انه ليس جدولها، فهي لذلك تشق طريقها خلال النهر، ثم تحيد ضد التيار قاصدة إلى مصيرها. وهناك لعز اصعب من ذلك، يتطلب الحل، وهو الخاص بثعابين الماء التي تسلك عكس هذا السلك، فان تلك المخلوقات العجيبة متى اكتمل نموها، هاجرت من مختلف البرك والانهار، واذا كانت في أوروبا قطعت آلاف الأميال في المحيط، قاصدة كلها إلى الاعماق السحيقة جنوبي برمودا، وهنا تبيض وتموت. اما صغارها - تلك التي لا تملك الوسيلة نتعرف بها أي شيء سوى انها في مياه قفزة - فانها تعود ادراجها وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها، ومن ثم إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة،

стр. 97

ولذا يظل كل جسم من الماء آهلا بثعابين البحار لقد قاومت التيارات القوية وثبتت للامداد والعواصف، وغالبت الامواج المتلاطمة على كل شاطئ، وهي الآن يتاح لها النمو، حتى إذا اكتمل نموها، دفعها قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد ان تتم المرحلة كلها. فمن أي ينشأ الحافز الذي يوجهها لذلك؟ لم يحدث قط ان صيد ثعبان ماء أمريكي في المياه الاوروبية، أو صيد ثعبان ماء اوروبي في المياه الامريكية. والطبيعة تبطئ في انماء ثعبان الماء الاوروبي مدة سنة أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي يقطعها. ترى هل الذرات والهباءات إذا توحدت معا في ثعبان ماء، يكون لها حاسة التوجيه، وقوة الارادة اللازمة للتنفيذ؟ ويبدو ان الحيوانات لها القدرة على تبادل الشعور. ومن ذا الذي يرقب طائر الطيطوي (او زمار ال؟؟؟) ولم يعجب به، وهو يحلق في الجو، ويدور، حتى تطير كل وطيور ذوات الصدر الابيض في اشعة الشمس في وقت واحد؟ واذا حملت الريح فراشة انثى من خلال نافذة إلى علية بيتك، فانها لا تلبث ان ترسل اشارة خفية، وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة ولكنه يتلقى تلك الاشارات ويجاوبها مهما احدثت انت رائحة بمعملك لتضليلهما. ترى هل لتلك المخلوقة الضئيلة محطة اذاعة، وهل لذكر الفراشة

стр. 98

جهاز راديو عقلي فضلا عن السلك اللاقط للصوت (إيريال)؟ أنراها تهز الاثير فهو يتلقى الاهتزاز؟ والجندية (النطيط) الامريكية KATYDID تحك ساقيها أو جناحيها معا، فيسمع صريرها هذا في الليلة الساكنة على مسافة نصف ميل. انها تهز بها سمائه طن من الهواء وتنادي رفيقها. والفراشة التي تعمل في عالم آخر من عوالم الطبيعة، وفي سكوت ظاهر، تنادي أيضاً مثل ذلك النداء المجاب! وقبل ان يكتشف الراديو، كان العلماء يقولون ان الرائحة هي التي تجذب الفراش الذكر إلى أنثاه، وسواء اكان هذا ام ذاك، فانها معجزة، لان لابد للرائحة ان تمضي في كل اتجاه، مع الريح أو بدونها، وفي هذه الحالة يكون على الفراش الذكر ان يتبين هباءة (ذرة)، وان يعرف الاتجاه الذي جاءت منه. ونحن الآن نتخذ عدة هائلة لنكتسب مثل هذه القدرة على الاتصال معا، وسوف ياتي الويم الذي ينادي فيه الشاب حبيبته على بعد، دون أداة ميكانيكية، فتجاوبه، ولن يعوقهما حاحز أو رتاج. ان التليفون والراديو هما من العجائب الآلية، وهما يتيحان لنا الاتصال السريع، ولكنا مرتبطون في شأنهما بسلك ومكان. وعلى ذلك لا تزال الفراشة متفوقة علينا من

стр. 99

هذه الوجهة، وليس لنا إلا ان نحسدها على ذلك، حتى تبتكر عقولنا راديو فردياً. وعندئذ نكتسب القدرة على (انتقال الفكر) من بعض الوجوه. والنبات يتحايل على استخدام وكلاء لمواصلة وجوده دون رغبة من جانبهم. كالحشرات التي تحمل اللقح من زهرة إلى اخرى، والرياح، وكل شيء يطير أو يمشي ليوزع بذوره. واخيرا قد أوقع النبات الإنسان ذا السيادة في الفخ، فقد حسن الطبيعة، وجازته بسخاء، غير انه شديد التكاثر حتى اصبح مقيدا بالمحراث. وعليه ان يبذر، ويحصد، ويخزن، وعليه ان يربي ويهجن، وان يشذب، ويطعم. واذا هو اغفل هذه الاعمال، كانت المجاعة نصيبه، وتدهورت المدنية، وعادت الأرض إلى حالتها الفطرية. والطيور التي تؤخذ صغيرة من أعشاشها، تصنع لنفسها حيت تكبر اعشاشا على نمط نوعها، وللعادات المتوارثة جذور عميقة في ظلمات القدم، فهل هذه الاعمال نتيجة المصادفة أو نتيجة اعداد حكيم؟ ان في هذا الكفاية لاظهار قوة العادة الوراثية التي نسميها بالغريزة. ومن بين جميع الكائنات الحية التي جابت نواحي الارض، لا نجد احدا منها حاز من قوة التعليل مثل ما حازه الانسان. فهناك بقاء في الحياة بفضل الضبط، وهناك فناء لان الضبط قد تخلى الحد اللازم. ولكن الإنسان وحده هو الذي نمى معرفته بالارقام. ولو ان احدى الحشرات عرفت عدد سيقانها،

стр. 100

لما امكنها ان تعرف عدد سيقان اثنين من نوعها، فان ذلك يتطلب قوة تعليل. وكثير من الحيوانات هي مثل سرطان البحر LOBSTER الذي إذا فقد مخلبا، عرف ان جزءا من جسمه قد ضاع، وسارع إلى تعويضه باعادة تنشيط الخلايا وعوامل الوراثة ومتى تم ذلك كف الخلايا عن العمل، لانها تعرف بطريقة ما ان وقت الراحة قد حان. (وكثير الارجل) المائي إذا انقسم إلى قسمين: استطاع ان يصلح نفسه عن طريق أحد هذين النصفين، وأنت إذا قطعت رأس (دودة الطعم) تسارع إلى صنع راس بدلا منه. ونحن نستطيع ان ننشط التئام الجروح ولكن متى يتاح للجراحين ان يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتنتج ذراعا جديدة، أو لحما، أو عظاما، أو أظافر، أو اعصابا - إذا كان ذلك حقا في حيز الامكان؟ وهناك حقيقة مدهشة تلقى بعض الضوء على لغز هذا الخلق من جديد: فان الخلايا في المراحل الاولى من تطويرها إذا تفرقت، صار لكل منها القدرة على خلق حيوان كامل. ومن ثم فانه إذا انقسمت الخلية الاولى إلى قسمين، وتفرقه هذان، تطور منهما فردان. وقد يكون في ذلك تفسير لتشابه التوأمين، ولكنه يدل على أكثر من ذلك، وهو ان كل خلية في البداية يمكن ان تكون فردا كاملا بالتفصيل، فليس هناك شك اذن في انك أنت، في كل خلية ونسيج.

стр. 101

وقد أشار المزمور ١٣٩ - ١٤/ ١٦ من مزامير داود في بساطة، إلى الطريقة العجيبة التي يمكن بها خلية أن تتطور إلى كائن مفرد، إذ ورد فيه ما يأتي: أحمدُكَ من أجلِ أني قد امتزتُ عجبا. عجيبةٌ هيَ أعمالك ونفسي تعرفُ ذلك يقيناً. لم تختفِ عنك عظامي حينما صُنعتْ في الخلفاء ورُقمت في أعماق الأرض. رأت عيناكَ أعضائي، وفي سفركَ كلّها كتبتْ يوم تصورتْ، إذ لم يسكن واحدٌ منها. وفي الامكان ان نملأ صفحات عدة بعجائب الاحساس التي لا تزال فوق ادراكنا، ولكن هذه الامثلة تكفي تماما لان تدلنا على أننا لا يزال امامنا الكثير لتعلمه، والى ان يتكون لدى الإنسان حواس جديدة، أو إلى ان يضاهى الحيوانات بالاجهزة التي يخترعها حتى يكتسب مثل كفاياتها الخاصة، فان أمامه طرقا طويلة للتطور. ان كل كفاية يملكها الحيوان ولا نملكها نحن، إنما هي تحد لذكائنا، ونحن لا تزال ناقصي العلم حتى نستطيع الاجابة عن ذلك التحدي. اننا حتى الآن لا نقدر ان نفهم الغريزة، ولا نقدر ان نضع قواعد عامة ونحن مطمئنون

стр. 102

على اساس معرفة ناقصة، والى أن نملك كل حاسة كسبتها الكائنات الحية، فاننا سنبقى عاجزين عن ادراك الارتباط الحقيقي الذي بين قوانين الطبيعة، وسنظل نبحث في اللانهائية يفهم جزئي. ان التطور الروحي للإنسان هو الآن في البداية. والقبس الالهي قد بدأ يسيطر في بطء على عقله المادي. واخطاء الانسان، التي تصل به إلى هلاك نفسه بيده، إنما هي مآسي طفولته. وزماننا إذا قيس بالأزلية الماضية والأبدية المستقبلة لا يزيد على دقة الساعة، غير ان الروح التي بنا، هي ملك لهذه وتلك. ونحن إذا فكرنا في الفضاء الذي لا يفتأ يمتد أمامنا، وفي الزمن الذي لا بداية له ولا نهاية، وفي الطاقة المقيدة والمحبوسة في الذرة، وفي الكون الذي لا حد له بعوامله التي لا تحصى ونجومه التي لا تعد، وفي الاهتزازات التي نسمها بالضوء والحرارة والكهرباء والمغناطيسية، وفي النشاط المستمر للنجوم، وفي الجاذبية وسيطرة القوانين الطبيعية على العالم، إذا فكرنا في ذلك كله، أدركنا أننا لا نعرف في الحق إلا قليل. فالى أي حد يجب ان يتقدم الانسان حتى يدرك تماما وجود الخالق الاعلى، ويحاول ان يرتفع إلى اعلى ما يستطيع بلوغه من الفهم، دون ان يحاول تفسير حكمة الله ومقاصده أو بصف الصفات التي له تعالى؟

стр. 103

الفصل التاسع: تطور العقل

стр. 104

مما يدعو إلى أشد العجب انه في أنواع الحياة الحيوانية التي لا تحصى - سواء أبقيت الحيوانات ام انقرضت - لسنا نجد عندها أي مظهر للعقل، ولكنا نجد الغرائز وحدها حتى نصل إلى الانسان، فتراه قد استأثر بالعقل وحده. ان أي حيوان لم يسجل لنفسه قدرة على تربيع حجر، أو العد لغاية عشرة، أو فهم معنى عشرة! في خليج الخلق، قد اتيح لكثير من المخلوقات ان تبدى درجة عالية من أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما لا ندري. فالزنبور مثلا يصيد الجندب (النطاط) ويحفر حفرة في الأرض، ويحز الجندب في الكان المناسب تماما حتى يفقد وعيه، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ. وانثى (الزنبور) تضع بيضا في المكان المناسب بالضبط، ولعلها لا تدري أن صغارها حين تفقس يمكنها ان تتغذى دون ان تقتل الحشرة التي هي غذاؤها فيكون ذلك خطرا على وجودها، ولا بد ان (الزنبور) قد فعل ذلك من البداية وكرره دائما، والا ما بقيت زنابير على وجه الأرض. والعلم لا يجد تفسيرا لهذه الظاهرة الخفية، ولكنها مع ذلك لا يمكن ان تنسب إلى المصادفة! ان أنثى (الزنبور) تغطي حفرة في الأرض، وترحل

стр. 105

فرحا، ثم تموت. فلا هي ولا أسلافها قد فكرن في هذه العملية، ولا هي تعلم ماذا يحدث لصغارها، أو ان هناك شيئا يسمى صغارا .. بل انها لا تدري انها عاشت وعملت لحفظ نوعها. والنحل والنمل يبدو انها تدرك كيف تنظم وتحكم نفسها، فلها جنودها، وعمالها، وعبيدها، ويعاسيها (١). ولكنك إذا التقطت قطعة كهرمان على شاطئ البلطيق، فقد تجد بها نملة محبوسة منذ دهور لا تعد. وستجدها نسخة طبق الاصل من النمل الموجود الان. فهل وقف التطور عن سيره حين طوبق بين النملة وبيئتها في الطبيعة؟ وهل كان ذهن النملة

стр. 106

الصغيرة، اداة أشد ضالة من أن تضطلع بغرض أكبر، لا شك ان النملة بوصفها اصبحت حشرة اجتماعية، قد تعلمت الكثير، ويبدو انها تطبق النظرية العجيبة القائلة (أعظم خير لأكثر عدد)، وانها تضل بها إلى نهايتها المنطقية، كما فعل بعض أهإلى الهند الشرقية من الجيل الأخير. وفي بعض أنواع النمل، ياتي العملة منه بحبوب صغيرة لاطعام غيرها من النمل من خلال فصل الشتاء. وينشئ النمل ما هو معروف (بمخزن الطحن)، وفيه يقوم النمل الذي اوتي أفكاكا كبيرة معدة للطحن، باعداد الطعام للمستعمرة، وهذا هو شاغلها الوحيد. وحين ياتي الخريف، وتكون الحبوب كلها قد طحنت، فان (أعظم خير لأكبر عدد) يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام، وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيرا من النمل الطحان، فان جنود النمل ثقتل النمل الطاحن الموجود، ولعلها ترضى ضميرها الحشري بان ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي إذا كانت له الفرصة الاولى في الافادة من الغذاء اثناء طحنه. وهناك انواع من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير (واختر منها ما يحلو لك)، إلى زرع اعشاش للطعام فيما يمكن تسمية (بحدائق الاعشاش) وتصيد انواعا معينة من الدود والأرق أو اليرق (١). فهذه المخلوقات هي بقر

стр. 107

النمل وعنزاتها، ومنها ياخذ النمل افرازات معينة تشبه العسل ليكون طعاما لها. والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها. وبعض النمل حين يصنع أعشاشه، يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب، وبينما يضع بعض عملة النمل الاطراف في مكانها، تستخدم صغارها - التي وهي في الطور اليرقي تقدر ان تعزل الحرير - لحياكتها معا. وربما حرم طفل النمل فرصة عمل شرنقة لنفسه ولكنه قد خدم الجماعة. فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة، ان تقوم بهذه العمليات المعقدة؟ لا شك ان هناك خالقا أرشدها إلى كل ذلك. ان الإنسان وحده هو الذي أوتي عقلا بلغ من التطور انه يستطيع ان يفكر به تفكرا عاليا. والغريزة ليست إلا كنغمة واحدة من الناي. نغمة جميلة ولكنها محدودة. في حين ان العقل البشري يحتوي كل الانغام التي لكل الآلات الموسيقية في أوركسترا. والإنسان يمكنه ان يوفق بين تلك الأنغام جميعها، وان يقدم للعالم قطعا موسيقية متحدة النغم (سيمفونيات) تدنو من الاعجاز. إلى ان خلق الانسان، لم تخرج العناية الالهية كائنا حيا من بين الصخور الفطرية، وله عقل مرن كعقل الانسان. والان يمكننا ان نتصور امكان تلقي الإنسان قبسا من نور الله يجعله سيداً على الأرض، عجيبا في مقدرته، باقيا في مصيره

стр. 108

ان التطور لابد له، طبقا لكل قانون من قوانين الطبيعة، والكيميا، من ان يقصر اقصى حدوده على أكثر ما يمكن من المطابقة البيئة. يقال ان جمال ريش أحد الطيور انما هو اظهار للجاذبية الجنسية، وبذا يمكن تفسيره، ولكن الرسم الجميل ليس ضرورياً لوجود الانسان، وان تكن المرأة الجميلة لازمة لهذا الوجود .. ان المادة، كالذرات والصخور والماء، قد تتحد، واذا نفخت فيها الحياة، فقد تتطور إلى انسان. ولكن ايمكن هذه العناصر، بعد إذ أتمت المطابقة الكاملة للبيئة الطبيعية، ان تقطع مرحلة اخرى، وتنتج رجلا موسيقيا يستطيع ان يكتب الأنغام الموسيقية (النوتات) على الورق، ويسجل تناسقها البديع، ويصنع بيانو، ويخلب الباب الجمهور المستمع، ويدع موسيقاه تسجل على أقراص من البلاستيك، وتذاع حول العالم عن طريق وسيط يسمى (الأثير) ولا تعرف الذرات شيئا عنه سوى انها توجد فيه أو بوساطته؟ ان بعض أنواع الحيوانات تتعاون في جهودها، فهي لاتصطاد إلا في جماعات، وهي تجمع غذاءها وتخزنه للمستقبل، وهي تضاعف جهودها الفردية بطرق شتى بفضل العمل المشترك، ولكنها لا يبدو انها تخطو خطوة واحدة بعد ذلك. أما الإنسان فانه من جهة أخرى قد شيد الاهرام بمضاعفة القوة الفردية، ولكنه كذلك اكتشف الرافعة

стр. 109

والطنبور، والعجلة، والنار. وقد جعل حيوانات الحمل مستأنسة، وأضاف اليها عجلته، وبذا أطال في ساقيه، وقوى من ظهره. وقد تغلب على قوة سقوط الماء، وتحكم في البخار والغاز، والكهربا، وحول العمل اليدوي إلى مجرد السيطرة على الاجهزة الميكانيكية التي هي من مستحدثات عقله. وهو في انتقاله من مكان إلى مكان، قد فاق الظبي في سرعته، وحين ركب اجنحة لعربته، قد سبق الطيور في طيرانها، فهل حدث ذلك كله عن طريق تفاعل في المادة وقع مصادفة؟ والجمال يبدو ملازماً للطبيعة، وجمال السحب، وقوس قزح، والسماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملا نفس الناظر إلى النجوم، والى القمر في طلوعه، والشمس في غروبها، والى روعة الظهر الفائقة، كل ذلك يهز مشاعر الإنسان ويسحره. وتحت الميكروسكوب تجد أصغر حيوان وأدق زهرة، تزينها خطوط من الجمال محكمة الصنع. والخطوط البلورية التي للعناصر والمركبات، من ندفة الثلج إلى الاشكال الأصغر منها، إلى ما لا نهاية، هي مصادفة لدرجة مدهشة، حتى ان الفنان ليس بوسعه إلا اني يقلدها أو يجمعها معا.

стр. 110

وكل ورقة من أوراق كل شجرة سليمة مشكلة في أكمل شكل، وتخطيط كل نبات يعمل بصفة فردية، وبخطوط فن أصيل، والازهار مشكلة برشاقة وبتنظيمات كاملة، وتخطيطها وفق تصميمات صحيحة، والوانها موزعة بشكل مدهش، ومن النادر، ان لم يكن من المحال، ان تختلط معاً. والحيوان الكامل هو شيء جميل، وحركاته مملوءة بالسهولة والرشاقة. وحينما تطور مخلوق عن طريق المطابقة الضرورية البيئة والوقاية، وبدا غير متناسب الشكل، فانه يبدو فريدا في نوعه حتى ليحسبه الناظر اليه تعبيرا فنيا عن احدى المضاحك. ان الوادي الاخضر، والنهر والاشجار الباسقة، والصخور، والجبال التي يجلل قممها الثلج - كل أولاء تحدث في النفس اثرا عميقاً. وان الإنسان ليستمد البهجة من رؤية كثبان الرمال الفسيحة الممتدة في الصحراء. وان التتابع الفاخر لأمواج المحيط، وتلاطمها على أرض الشاطئ، وتحليق الطيور في الجو. سواء فوق البحر أو على طول الشاطئ أو في الغابة مع ألوانها المكيفة، كل اولاء تتحدى من له عين يرى بها، وعقل يقدر به. وان حركات السمك، وتموجات حشائش البحر في نعومة تحت سطحه، لتملأ نفس الإنسان بشعور من الإنسجام يستجيب إلى تشوقه.
следующие страницы →