Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
نقل الدم من انسان إلى آخر
المفتي
حسن مأمون.
ذو الحجة ١٣٧٨ هجرية - ٩ يونية ١٩٥٩ م
المبادئ
توقف شفاء المريض أو الجريح أو إنقاذ حياته أو سلامة عضو من أعضائه على نقل دم له من آخر، بأن لا يوجد من المباح ما يقوم مقامه فى شفائه وإنقاذ حياته، يقتضى جواز نقل ذلك الدم إليه للضرورة، وكذلك الحكم عند الحنفية إذا توقف ذلك على تعجيل الشفاء
السؤال
بالطلب المتضمن عن حكم الشرع فيما يتعلق بنقل الدم من إنسان إلى إنسان آخر
الجواب
إنه إذا توقف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته أو سلامة عضو من أعضائه على نقل الدم إليه من شخص آخر، وذلك بأن لا يوجد من المباح ما يقوم مقامه فى شفائه وإنقاذ حياته، جاز نقل الدم إليه، لأن الضرورة تقضى بنقل الدم لإنقاذ حياة المريض، أو سلامة عضو من أعضائه.
لقوله تعالى فى آخر آية ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ البقرة ١٧٣، أما إذا لم يتوقف أصل الشفاء، فإن ذلك جائز أيضا عند بعض الحنفية نرى الأخذ به.
وبهذا علم الجواب عن السؤال.
والله أعلم
стр. 3257
حكم التصوير
المفتي
أحمد هريدى.
٥ ديسمبر ١٩٦٣ م
المبادئ
١ - لا بأس باتخاذ الصورة التى لا ظل لها، وكذا الصورة المرقومة فى ثوب، ويلحق بها الصورة التى ترسم على الحائط أو الورق قياسا على جواز تصوير ما لا روح فيه، كالنبات والأشجار ومناظر الطبيعة.
٢ - يجوز التصوير الشمسى للإنسان أو الحيوان إذا كان لأغراض علمية مفيدة، تعود على المجتمع بالنفع، مع خلوها من مظاهر التعظيم
السؤال
بالطلب المتضمن أنه توجد مخطوطات مصورة فى العصور الإسلامية - كالكتب الطبية - ففيها تصوير الحشائش فى كتاب (الأدوية المفردة) وتصوير بعض الحيوانات فى كتاب (بيطرنامة) ورسوم العقاقير النباتية والأعشاب الدوائية فى كتاب، (الأفربازين والمفردات الطبية (ورسم يبين طبقات العين وتشريحها فى كتاب (العين) وكذا الخرائط والمصورات الجغرافية فى كتاب (صور الأقاليم السبعة) وهو أول مصور جغرافي فى الإسلام.
وصور الأرض وأشكالها وطبيعتها واستدارتها وأطوالها فى كتاب (نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق) للشريف الإدريسى، وكتاب (المسالك والممالك) لابن حوقل فهو يشتمل على عدة صور.
وأمثالها من المراجع الإسلامية، وكلها تمثل ذخيرة علمية وحضارة إسلامية تسامى أعظم الحضارات والثقافات العلمية.
ويعتبر نشرها من أعظم الواجبات لنشر حضارة الإسلام وثقافته، والتعريف بما كان له من فضل على الإنسان، ويريد الطالب نشر نماذج من هذه الكتب فى مؤلفه عنها المسمى (تصوير وتحلية الكتب العربية فى الإسلام) وطلب السائل الإفادة عن حكم الشريعة الإسلامية فى نقل ونشر هذه النماذج الموضحة بالرسوم والصور، كما هى فى أصولها المخطوطة
الجواب
ورد فى التصوير أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخارى عن أبى زرعة قال دخلت مع أبى هريرة دارا بالمدينة فرأى فى أعلاها مصورا يصور فقال سمعت رسول الله ت ﷺ يقول (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة) قال فى فتح البارى شرح صحيح البخارى قال ابن بطال فهم أبو هريرة أن التصوير يتناول ما له ظل وما ليس له ظل، فلهذا أنكر ما ينقش فى الحيطان قلت هو ظاهر من عموم اللفظ.
ويحتمل أن يقصر على ماله ظل من جهة قوله كخلقى فإن خلقه الذى اخترعه ليس صورة فى حائط بل هو خلق تام.
ومنها ما رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت (قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقرام (القرام ستر فيه رقن ونقش وقيل هو ثوب من صوف ملون) لى على سهوة (السهوة بيت صغير ضمن الدار) لى فيها تماثيل.
فلما رآه رسول الله ت ﷺ هتكه (هتكه نزعه) وقال أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله.
قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين) ، قال فى فتح البارى واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظل لها ن وهى مع ذلك مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال كالمخاد والوسائد.
ومنها ما رواه البخارى عن زيد بن خالد عن أبى طلحة قال إن رسول الله ت ﷺ قال (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة إلا رقما فى ثوب) قال فى فتح البارى قال ابن العربى حاصل ما فى اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع.
وإن كانت رقما فأربعة أقوال الأول يجوز مطلقا على ظاهر قوله فى حديث البارى إلا رقما فى ثوب.
الثانى المنع مطلقا حتى الرقم الثالث إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز.
قال وهذا هو الأصح. الرابع إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلقا لم يجز.
وقال صاحب الهداية ولا يكره تمثال غير ذى روح، لأنه لا يعبد.
وعلله صاحب العناية بما روى عن ابن عباس أنه نهى مصورا عن التصوير، فقال كيف أصنع وهو كسبى قال إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار.
والذى تختاره أنه لا بأس باتخاذ الصورة التى لا ظل لها، وكذلك الصورة إذا كانت رقما فى ثوب ويلحق بها الصور التى ترسم على حائط أو نحوه أو على الورق قياسا على تصوير ورسم مالا روح له كالنبات والأشجار ومناظر الطبيعة.
وبناء على ذلك يكون الرسم والتصوير الشمسى المعروف الآن للإنسان والحيوان وأجزائهما - إذا كان لأغراض علمية مفيدة تنفع المجتمع وتعود عليه بالفائدة مع خلوها من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم والعبادة حكمه حكم تصوير النبات والأشجار ومناظر الطبيعة وغيرها مما لا حياة فيه - وهو الجواز شرعا.
ومما يذكر يعلم الجواب عن السؤال. والله أعلم
стр. 3258
اقتناء الكلاب فى المنازل
المفتي
أحمد هريدى.
٢٦ أكتوبر ١٩٦٨ م
المبادئ
١ - اقتناء الكلاب جائز للضرورة، كما إذا كان للصيد أو الحراسة وغيرهما وفيما عدا الضرورة فإنه غير جائز شرعا.
٢ - شعر الكلب طاهر، ولمس المتوضىء له لا ينقض وضوءه.
٣ - لعاب الكلب نجس عند الحنفية، وفى رواية عن الإمام أحمد
السؤال
بالطلب المتضمن أن السائل نشأ من صغره محبا لكلاب واقتنائها، لما عرف عنها من الوفاء والإخلاف لصاحبها، وأنه من المحافظين على الدين، وأنه يقوم بأداء الفرائض وأنه مواظب على الصلاة، وأن الكثيرين من أقاربه يلومونه على تربية الكلاب لنجاستها وأن هذا قد دعاه إلى الاطلاع على كثير من كتب الدين، وأنه لم يستطع الوصول إلى نتيجة حاسمة فى مدى نجاسة الكلب.
ويذكر السائل أنه اطلع فى جريدة الأهرام منذ أكثر من عشرين عاما على فتوى من دار الإفتاء ردا على أسئلة كانت موجهة من بعض المسلمين فى أندونيسيا عن الكلاب وأنه يذكر أن الفتوى ذكرت أن الكلب حكمه حكم أى حيوان آخر وأنه ليس يجسا حتى لعابه.
ويطلب السائل الإفادة عما يأتى: ١ - هل اقتناء الكلب فى المنزل محرم مع العلم بأنه ينبه أهل الدار إلى الغرباء.
٢ - هل جسم الكلب نجس ينقض الوضوء وإذا كان نجسا فما هى الأعضاء النجسة التى تنقض ملامستها الوضوء (الأنف واللعاب مثلا)
الجواب
عن السؤال الأول المقرر شرعا أن اقتناء الكلاب مباح شرعا فى حالة الضرورة، كاقتناء الكلاب للصيد أو الحراسة وما شاكلهما، أما اقتناء الكلاب فى غير حالات الضرورة فلا يجوز شرعا.
عن السؤال الثانى حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الخلاف بين الفقهاء فى طهارة الكلب ونجاسته فقال إنهم تنازعوا فيه على ثلاثة أقوال.
الأول أنه طاهر حتى ريقه وهو مذهب المالكية. الثانى أنه نجس حتى شعره وهو مذهب الشافعى، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل الثالث أن شعره طاهر وريقه نجس وهو مذهب الحنفية والرواية الثانية عن الإمام أحمد بن حنبل.
ثم قال وهذا أصح الأقوال. فإذا أصاب البدن أو الثوب رطوبة شعره لم يتنجس بذلك - وإذا ولغ فى الماء أريق وغسل الإناء.
ومن هذا يتبين أن اقتناء الكلب بالمنزل مباح شرعا إذا استدعت الضرورة ذلك، كما إذا كان الاقتناء للحراسة أو للصيد أو ما شاكلهما.
أما اقتناء الكلب لغير ضرورة تقتضى ذلك فغير جائز شرعا.
وأن شعر الكلب طاهر وملامسة الإنسان المتوضىء لشعر الكلب لا ينقض الوضوء.
أما لعاب الكلب فهو نجس فإذا أصاب الإنسان شىء من لعاب الكلب فإنه يتنجس.
وهذا هو مذهب الحنفية، والرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهو الذى نختاره للفتوى.
ومن هذا يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله أعلم.
ے
стр. 3259
الدعاية بتعيين هدايا لمن يشترى أكثر دون مقابل مشروعة
المفتي
أحمد هريدى.
١١ نوفمبر ١٩٦٨ م
المبادئ
١- الدعاية للمحلات التجارية بتقديم هدايا عينية لمن يشترى أكثر دون أدنى زيادة فى أثمان سلعها مقابل هذه الهدايا جائزة شرعا.
٢- أوراق اليانصيب حرام لأنها نوع من أنواع القمار.
٣- العب بالأزلام والنرد والشطرنج نظير مال يأخذه الغالب والرهان على مال، كل ذلك حرام شرعا
السؤال
بالطلب المقدم من السيد م أح من رعايا المملكة الليبية والمقيم بها قال إنه يملك شركة لتوريد مسحوق صابون (تايد) للغسيل فى المملكة الليبية، وقد اعتادت هذه الشركة أن تطرح فى الأسواق كل بضعة أشهر إنتاجا من هذا الصابون يحمل وسيلة جدية للدعاية والترويج، تتيح للمستهلك فرصة الاشتراك فى جزء من أرباح الشركة بحصوله على عائد من تلك الأرباح فى صور مختلفة، تارة تكون نقودا داخل علب الصابون، وتارة تكون هدايا تمنح لمن يقدم أعدادا مختلفة من أغطية علب الصابون - مثل السيارات والثلاجات الكهربائية والتليفزيونات والراديوهات وغير ذلك من أنواع الهدايا المختلفة، كل ذلك دون أن تحمل المستهل أية زيادة فى ثمن علبة الصابون الذى تباع به فى الأسواق المختلفة - بل تتحمل الشركة كافة تكاليف هذه الهدايا على أساس أن ذلك نوع من أنواع الدعاية والمنافسة المشروعة فى المجال التجارى معترف به فى كافة الأسواق العالمية - وأضافت الشركة أخيرا وسيلة جديدة للدعاية تتيح لعدد أكبر من المستهلكين فرصة الاشتراك فى قدر أكبر من أرباح الشركة على نفس المنهج السابق فطبعت صورا عديدة من الهدايا التى قررت توزيعها ووضع ثلث صورة الهدية داخل علبة من علب الصابون، والثلث الثانى فى علبة أخرى وهكذا - وإذا ما تمكن مستهلك من تجمع أجزاء الصورة كاملة تقدم للحصول على الهدية المعينة بالصورة مجانا من أحد مراكز التوزيع المنتشرة فى المملكة الليبية - ولاقت هذه الدعاية الجديدة رواجا عظيما أتاحت لكثير من المستهلكين فرص الحصول على عديد من الهدايا، وبالتالى الاشتراك فى قدر من الأرباح - وتقوم الشركة بهذا كله تحن إشراف المسئولين بوزارة الداخلية الليبية - ولقد كان لذلك أثر سىء لدى شركات الصابون الأخرى المنافسة نتيجة لرواج التوزيع، واتساع نطاقه، وإقبال أكثر المستهلكين على إنتاج الشركة فشنت تلك الشركات هجوما على تلك الدعاية بدعوى أنها حرام شرعا لأنها نوع من أنواع المقامرة، وطلب السائل حكم الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامى فى مشروعية هذه الدعاية التى تقوم بها الشركة على الوجه السابق بيانه
الجواب
فى المختار القمار المقامرة.
وتقامروا لعبوا القمار.. والميسر قمار العرب بالأزلام، وفى تفسير الألوسى كان للعرب أقداح تسمى الأزلام والأقلام وهى عشرة ت سبعة منها لكل منها نصيب محدد معروف لأولها سهم ولثانيها سهمان ولثالثها ثلاثة أسهم وهكذا إلى السابع له سبة أسهم.
والثلاثة الباقية غفل لا نصيب لواحد منها، وكانوا يذبحون الجزور ويقسمون لحومها أقساما.
ويضعون الأزلام فى خريطة توضع على يد عدل منهم يجلجلها ويخلطها ببعضها ثم يدخل يده فيخرج باسم رجل منهم قدحا وباسم آخر قدحا وهكذا، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المرسوم به ذلك القدح.
ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله مع حرمانه.
وكانوا يدفعون هذه الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه.
وكان ذلك يحمل فى كثير على أكل أموال الناس بالباطل ودفع المقامرين إلى السرقة وتلف النفس وإضاعة العيال وارتكاب الأمور القبيحة والرذائل الشنيعة وإثارة العداوة والبغضاء بينهم.
فحرمه الله تحريما قاطعا بقوله تعالى ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة.
فهل أنتم منتهون﴾ المائدة ٩٠، ٩١، وفى حكم ذلك المقامرة بلعب النرد والشطرنج وجميع أنواع القمار وجميع أنواع المخاطرة والرهان وعن ابن سبرين كل شىء فيه خطر فهو من الميسر.
وفى تفسير الجصاص. أحكام القرآن الميسر القمار.
قال ابن عباس المخاطرة قمار. وأن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة.
وقد كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه، ولا خلاف بين أهل العلم فى تحريم القمار.
فإذا نظرنا إلى قمار العرب بالأزلام وإلى لعب النرد والشطرنج نظير مال يعطيه المغلوب للغالب وإلى الرهان وإلى كل صور المخاطرة - نجد فيها تعليق أخذ المال على حصول شىء غير موجود بالفعل، وهو على خطر الوجود قد يوجد وقد لا يوجد، وفيه أكل أموال الناس بغير حق ولا مسوغ شرعى، ويؤدى إلى المفاسد والشرور التى أشرنا غليها فيما نقلناه من تفسير الألوسى، ومن ثم حرمه الله تعالى ونهى عنه نهيا قاطعا - والصورة التى تعملها الشركة على سبيل الدعاية ليست قمارا وليس فيها معنى القمار وإنما هى تخصيص أنواع وألوان من الهدايا النقدية أو العينية لمن يشترون منجاتها وتضمن بذلك كثرة التوزيع واتساع نطاقه إلى حد يعود عليها بالنفع والكسب الوفير.
والمشترون لمنتجات الشركة لا يدفعون شيئا مطلقا نظير هذه الهدايا أو فى مقابلها، وإنما يدفعون فقط ثمن الصابون الذى يشترونه والذى توزعه الشركة بالسعر المحدد له والسائد فى الأسواق العامة، ولدى سائر الشركات دون زيادة قليلة أو كثيرة.
وبذلك يتمحض ما يحصلون عليه من أموال نقدية أو عينية هدايا من قبل الشركة، وبذلك أيضا يبعد صنيع الشركة عن اليانصيب الذى تقوم به بعض الجمعيات بطبع أوراق ذات أرقام معينة تبيعها للجمهور بثمن معين، وتخصص مبالغ مالية للأوراق ذات الأرقام كذا وكذا.
وبعد تمام التوزيع وبيع الأوراق تعلن عن أرقام الأوراق التى خصصت لها المبالغ، ويتقدم حاملو هذه الأوراق ومن وقعت فى أيديهم لأخذ المبالغ المخصصة لها كل بحسب ما خصص لورقته ورقمه.
هذا اليانصيب حرام وغير جائز شرعا لأنه من أنواع القمار وصوره، إذ تحصل فيه الجمعية على رأس المال جميعه من الجمهور مشترى الأوراق وتخصص جزءا مما تحصل عليه لبعض الأوراق، ويحصل صاحب الورقة الرابحة على المبلغ بالثمن الذى دفعه فى الورقة وهو زهيد لا يساوى شيئا بالنسبة لما حصل عليه فهى مخاطرة وقمار - يدفع قروشا على أمل أن يحصل على مئات الجنيهات.
وقد يحصل ذلك وقد لا يحصل. فهو يأخذ مال الغير بدون مقابل ومن غير سبب مشروع وبطريق المخاطرة.
أما عمل الشركة موضوع الاستفتاء فلا يدفع الجمهور شيئا مطلقا نظير ما عليه من الهدايا - وإنما يدفع فقط ثمن الصابون الذى يشتريه، وإذا حصل على هدية فهو يحصل عليها بدون مقابل تشجيعا له على شراء منتجات الشركة.
ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله أعلم
стр. 3260
سلخ جلد الميت لعلاج حروق الأحياء
المفتي
محمد خاطر.
ذو الحجة ١٣٩٢ هجرية - ٣ فبراير ١٩٧٣ م
المبادئ
١- للميت حرمة كحرمته حيا، فلا يتعدى عليه بكسر أو شق أو غير ذلك.
٢- قواعد الدين الإسلامى مبنية على رعاية المصالح الراجحة، وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر.
٣- أخذ الطبقات السطحية من جلد المتوفين بعد وفاتهم لعلاج الحروق الجسمية والعميقة بالنسبة للأحياء، إن حقق مصلحة ترجح مصلحة المحافظة على الميت جاز ذلك شرعا.
٤- قصر ذلك على الموتى الذين لا أهل لهم، أما من لهم أهل فلا بد من الإذن.
٥ - يحتاط عند إصدار قانون بذلك، بحيث يقتصر فيه على الحاجة الماسة فقط، وألا يتعدى الأموات الذين ليس لهم أهل
السؤال
طلبت وزارة الصحة المركزية - مكتب الوزير - المستشار القانونى بكتابها رقم ٢١٦ المؤرخ ١٨/١٠/١٩٧٢- بيان رأى الدين فى الاستعانة بالطبقات السطحية من جلد المتوفين فى ظرف ثمانى عشرة ساعة بعد الوفاة لعلاج الحروق الجسمية والعميقة بالنسبة للأحياء، حتى يتسنى للسيد الدكتور مدير معهد الحروق بوزارة الصحة فى حالة جوازه شرعا استصدار قانون
الجواب
بأنه بعد بحث هذا الموضوع من جوانبه جميعها - وجدنا أن هناك قاعدة يحرص عليها الدين كل الحرص، ويحوطها بسياج متين من رعايته - هذه القاعدة هى أن للميت حرمة تجب المحافظة عليها ويجب أن يكرم الميت وألا يبتذل، لأنه قد ورد عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه النهى عن كسر عظم الميت لأنه ككسره حيا - ومن هذا يتضح لنا أن للميت حرمة كحرمته حيا، فلا يتعدى عليه بكسر أو شق أو غير ذلك وعلى هذا فيكون إخراج الطبقات السطحية من جلد المتوفين بعد وفاتهم فيه اعتداء عليهم غير جائز شرعا، إلا إذا دعت إليه ضرورة تكون المصلحة فيها أعظم من الضرر الذى يصيب الميت.
وذلك لأن قواعد الدين الإسلامى مبنية على رعاية المصالح الراجحة، وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر.
فإذا كان أخذ الطبقات السطحية من جلد المتوفين بعد وفاتهم لعلاج الحروق الجسمية والعميقة بالنسبة للأحياء يحقق مصلحة ترجح مصلحة المحافظة على الميت جاز ذلك شرعا، لأن الضرر الذى يلحق بالحى المضطر لهذا العلاج أشد من الضرر الذى يلحق الميت الذى تؤخذ الطبقات السطحية من جلده وليس فى هذا ابتذال للميت ولا اعتداء على حرمته المنهى عنه شرعا، لأن النهى إنما يكون إذا كان التعدى لغير مصلحة راجحة، أو غير حاجة ماسة وتطبيقا لذلك نقول إن أخذ الطبقات السطحية من جلد المتوفين بعد وفاتهم لعلاج الحروق الجسيمة والعميقة للأحياء جائز شرعا إذا دعت غليه الضرورة على نحو ما ذكرنا، وكان يحقق مصلحة ترجح مصلحة المحافظة على الميت.
ونرى قصر هذا الجواز على الموتى الذين لا أهل لهم وليس فى هذا اعتداء على حرمة الميت، لأن الضرورة دعت إليه والضرورات تبيح المحظورات.
ولأن الضرورة شرعا تقدر بقدرها، فقد رأينا لذلك قصر الجواز على الموتى الذين لا أهل لهم.
وبهذا تتحقق مصلحة للأحياء الذين أصابتهم حروق جسيمة أو عميقة أعظم بكثير من الضرر الذى يصيب الميت الذى تؤخذ طبقات جلده السطحية وليس فيه امتهان لكرامته أو ابتذال له.
أما صدور قانون بذلك - فإننا نرى الاحتياط فيه بحيث يقتصر فيه على الحاجة الماسة فقط، وألا يتعدى الأموات الذين ليس لهم أهل - أما الأموات الذين لهم أهل فإن أمر أخذ الطبقات السطحية من جلدهم يكون بيدهم وبإذنهم وحدهم، فإذا أذنوا جاز ذلك، وإلا فلا يجوز بدون إذنهم.
وبهذا يعلم الجواب عما جاء بالاستفتاء.
والله أعلم
стр. 3261
حكم رضاع الكبش من أنثى الحمار
المفتي
أحمد هريدى.
٧ مارس ١٩٧٦ م
المبادئ
رضاع الكبش من أنثى الحمار لا أثر له فى تحريمه، وبذا يحل بيعه وأكل لحمه
السؤال
بالطلب المتضمن أن كبشا رضع من أنثى حمار كانا يعيشان معا فى حظيرة واحدة مع بعض الأغنام والمواشى.
وقد تأكد لدى السائل هذا الموضوع - وطلب السائل الإفادة عما إذا كان يحل أكل لحم الكبش أو لا
الجواب
إن رضاع الكبش من لبن أنثى الحمار لا يوجب تحريم الكبش.
وبالتالى لا يحرم بيعه - جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار ص ٣٣٣ الجزء الخامس (وكره لحم الأتان أى الحمارة الأهلية ولبن الجلالة التى تأكل العذرة، كما حل أكل جدى غذى بلبن خنزير لأن لحمه لا يتغير.
وما غذى به يصير مستهلكا لا يبقى له أثر) وطبقا لما ذكر يكون رضاع الكبش من أنثى الحمار لا أثر له فى تحريمه.
وبذا يحل بيعه وأكل لحمه. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله أعلم
стр. 3262
اقامة المتاحف وعرض التماثيل
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
جمادى الآخرة ١٤٠٠ هجرية - ١١ مايو ١٩٨٠ م
المبادئ
١- القرآن الكريم ذم عبادة الأوثان وردد قصص الأقوام الوثنيين السابقين ومواقف الأنبياء معهم.
٢ - التصوير الضوئى المعروف الآن للانسان والحيوان والرسم لا بأس بهما متى كان ذلك لأغراض علمية مفيدة للناس، وخلت الصور والرسوم من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم وإثارة الغرائز لارتكاب الفواحش والمحرمات.
٣ - تحريم النحت والحفر الذى يكون تمثالا كاملا لإنسان أو حيوان.
٤ - آثار الأمم السابقة وسيلة لدراسة تاريخهم علميا وسياسيا وحربيا، وأخذ النافع من هذا التاريخ.
وهذا يقتضى جواز إقامة المتاحف.
٥ - اعتبار الآثار سجلا تاريخيا يلزم المحافظة عليه.
لأنه من الضرورات العلمية.
٦ - جواز استعمال لعب الصغار ولو على هيئة تماثيل لتعليم الأطفال وتسليتهم، ودليل ذلك.
٧ - حرمة وضع التماثيل فى المساجد أو حولها، وحرمة الصلاة فى المتاحف.
٨ - يحرم الإسلام عرض الجثث الانسانية للموتى لما فيه من امتهان الإنسان الذى كرمه الله سبحانه
السؤال
بكتاب السيد المهندس مركز المنيا برقم ١١٧ فى ١٣/٢/١٩٧٩ المقيد برقم ٧٦ لسنة ١٩٧٩.
وفيه أنه قد وردت شكاوى من بعض المواطنين معترضين على إنشاء متحف للآثار على أساس أن هذا مناف لتعاليم وروح الإسلام وأنه لهذا يستبين الرأى الإسلامى فيما يلى: ١ - هل يحرم الدين الإسلامى إقامة المتاحف عموما.
٢ - إذا لم يكن هذا محرما.
فما هى الأشياء التى يحرم عرضها فى المتاحف.
٣ - يقال إن الإسلام حرم عرض التماثيل والصور المجسمة عموما سواء فى المتاحف أو غيرها من الأماكن فما رأى الدين فى ذلك خصوصا عرض التماثيل الفرعونية
الجواب
إن القرآن الكريم نزل على رسول الله ﷺ فى أمة وثنية تصنع أصنامها وتضعها حول الكعبة المشرفة فكانوا يصورون ويعبدون ولقد ذم الرسول ﵊ الصور وصنعها فى كثير من أحاديثه لعلة التشبيه بخلق الله ولعبادتها من دونه، ومن قبله جاهد الأنبياء ﵈ عبادة الأوثان واتخاذها آلهة تعبد من دون الله أو تقربا إلا الله ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ الزمر ٣، ولقد ردد القرآن الكريم قصة إبراهيم ﵇ مع الوثنيين فى كثير من صوره ليلفت الناس إلى إخلاص العبادة والعبودية لله رب العالمين وساق القرآن كثيرا من المحاجة التى جرت والمحاورات بالمنطق والاستدلال العلمى فيما بين الأنبياء وأقوامهم فى شأن عبادة غير الله فى العديد من السور.
إباحة التصوير والخلاف فيه ومن هنا كان اختلاف فقهاء الإسلام فى حكم التصوير المجسم التماثيل الكامل أو الناقص، وحكم الرسم بين التحريم والكراهة.
إباحة التصوير الضوئى والرسم الذى تدل عليه الأحاديث النبوية الشريعة التى وراها البخارى وغيره من أصحاب السنن وترددت فى كتب الفقهاء أن التصوير الضوئى للإنسان والحيوان المعروف الآن والرسم وكذلك لا بأس به متى كان لأغراض علمية مفيدة للناس، إذا خلت الصور والرسوم من مظاهر التعظيم ومظنة التكريم والعبادة، وخلت كذلك من دوافع تحريم غريزة الجنس وإشاعة الفحشاء والتحريض على ارتكاب المحرمات.
تحريم النحت والحفر المكون لتمثال كامل لإنسان أو حيوان النحت والحفر الذى يتكون منه تمثال كامل لإنسان أو حيوان فإنه محرم.
لما رواه البخارى ومسلم عن مسروق قال دخلنا مع عبد الله بيتا فيه تماثيل فقال لتمثال منها تمثال من هذا قالوا تمثال مريم قال عبد الله قال رسول الله ﷺ إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون وفى رواية الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم فهذا النص صريح فى أن نفس صنع التماثيل معصية، وإنما كان ذلك سدا لذريعة عبادة التماثيل واتخاذها وسيلة للتقرب إلى الله كما كانت محاجة بعض الأمم السابقة حسبما حكى القرآن الكريم.
الآثار وسيلة لدراسة التاريخ وإذ كان ذلك وكانت الأمم الموغلة فى القدم كالمصريين القدماء والفرس والرومان، وغير أولئك وهؤلاء ممن ملئوا جنبات الأرض صناعة وعمران قد لجئوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيا وسياسيا وحربيا نقوشا ورسوما ونحتا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمى والحضارى النافع، وكان القرآن الكريم فى كثيرة من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير فى الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها.
إذا منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم فى الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة، وما قصة حجر رشيد الذى كان العثور عليه وفك رموزه وطلائمه فاتحة التعرف علميا على التاريخ القديم لمصر، وما قصة هذا الحجر وقيمته التاريخية والعلمية بخافية على أحد.
والقرآن الكريم حث على دراسة تاريخ الأمم وتبين الآيات فى هذا الموضع إذ كان كل ذلك.
كان حتما الحفاظ على الآثار والاحتفاظ بها سجلا وتاريخا دراسيا، لأن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام والابتعاد عما ينهى عنه، من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة فى القرآن الكريم فى آيات كثيرة.
منها قوله تعالى ﴿أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور﴾ الحج ٤٦، وقوله تعالى ﴿قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شىء قدير﴾ العنكبوت ٢٠، وقوله سبحانه ﴿أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ الروم ٩، وقوله تعالى ﴿أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شىء فى السموات ولا فى الأرض إنه كان عليما قديرا﴾ فاطر ٤٤، إقامة المتاحف ضرورة لما كان التحفظ على هذه الآثار هو الوسيلة الوحيدة لهذه الدراسة أصبح حفظها وتهيئتها للدارسين أمرا جائز إن لم يكن من الواجبات باعتبار أن هذه الوسيلة للفحص والدرس ضرورة من الضروروات.
وقاعدة الضرورة مقررة فى القرآن الكريم فى قوله تعالى ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ الأنعام ١١٩، وغير هذا من الآيات.
ولعل مما نسترشد به فى تقرير هذه الضرورة الدراسية والأخذ بها ما نقله أبو عبد الله محمد ابن أحمد النصارى القرطبى فى كتابه الجامع لأحكام القرآن عند تفسيره قول الله تعالى فى سورة سبأ ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل﴾ سبأ ١٣، من استثناء لعب البنات المجسمة من تحريم صنع التماثيل.
فقد قال فى المسألة الثامنة ما نصه وقد استثنى من هذا لعب البنات لما ثبت (عن عاشئة رضى الله عنها أن النبى ﷺ تزوجها وهى بنت سبع سنين، وزفت إليه وهى بنت تسع ولعبها معها ومات عنها وهى بنت ثمان عشرة سنة) وعنها أيضا قالت (كنت ألعب بالبنات عند النبى ﷺ وكان لى صواحب يلعبن معى) فكان رسول الله ﷺ إذا دخل ينفمعن منه أى يتخفاء منه فيسر بهن أى يرسلهن ويبعثهن إلى ليلعبن معى.
أخرجهما مسلم. قال العللماء وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن.
ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له.
فرخص فى ذلك. وتخريجا على هذا كان الاحتفاظ بالآثار سواء كانت تماثيل أو رسوا أو نقوشا فى متحف للدراسات التاريخية ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضا علميا وعقائديا إيمانيا حث عليه القرآن فكان ذلك جائزا إن لم يصل إلى مرتبة الواجب، بملاحظة أن الدراسات التاريخية مستمرة لا تتوقف.
حرمة وضع التماثيل فى المساجد أو حولها وحرمة الصلاة فى المتاحف هذا ويجب الالتفات إلى ضرورة البعد بهذه التماثيل وكافة الآثار عن المساجد إذ يحرم جمعها ووضعها فيها أو حولها أو قريبا منها، كما تحرم الصلاة فى الأماكن التى تحتويها (المتاحف) حتى لا تشتبه الأمور وتؤول إلى عبادتها وتصير بتقادم الزمان وضعف العقائد آلهة تعبد، ويسجد لها من دون الله الذى نعوذ به من كل سوء فى الدنيا والدين.
وبعد فإنه مما سلف يستبين الجواب واضحا على الأسئلة المطروحة.
بما موجزه أولا لا يحرم الإسلام إقامة المتاحف بوجه عام، لأن ما يحفظ بها من آثار وسيلة لدراسة تاريخ الأمم السابقة.
ثانيا لا يحرم الإسلام عرض أى شىء من الآثار ما دام حفظها وعضها بهدف الدراسة، ويحرم عرض الجثث الإنسانية للموتى لما فيه من امتهان الإنسان الذى كرمه الله سبحانه.
ثالثا وبناء على ما سلف لا يحرم الإسلام عرض التماثيل والصور المجسمة بالمتاحف للتاريخ والدراسة ويحرم عرضها على وجه التعظيم، كما يحرم صنعها لهذا الغرض.
والله أعلم
стр. 3263
حكم سماع الموسيقى
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
رمضان ١٤٠٠ هجرية - ١٢ أغسطس ١٩٨٠ م
المبادئ
١ - الضرب بالدف وغيره من الآلات مباح باتفاق فى أمور معينة.
٢ - سماع الموسيقى وحضور بمجالسها وتعلمها أيا كانت آلاتها من المباحات ما لم تكن محركة للغرائز باعثة على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنة بالخمر والرقص والفسق والفجور، أو اتخذت وسيلة للمرحمات أو أوقعت فى المنكرات أو ألهت عن الواجبات
السؤال
بالكتاب الوارد من مجلة منبر الإسلام المقيد برقم ٢١٧ لنسة ١٩٨٠ باستطلاع الحكم الشرعى فى الموسقى منفردة معزولة عن أى لون من ألوان الفنون التى تصاحبها عادة بعد أن أثير هذا فى الندوة التى عقدها المجلس فى هذا الشأن واختلف الندويون بين مرحم ومبيح
الجواب
نقل ابن القيسرانى فى كتابه السماع (س ٣١ وص ٦٣ وهو طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ١٣٩٠ هجرية - ١٩٧٠ م تحقيق الأستاذ أبو الوفا المراغى) قول الإمام الشافعى الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الإسناد فيه فهو سنة والإجماع أكبر من خبر المنفرد والحديث على ظاهره، وإذا احتمل الحديث معانى فما أشبه منها ظاهرة أولاها به، فإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولادها وليس المنقطع بشىء ما عدا منقطع ابن المسيب وفى هذا الكتاب أيضا (س ٣١ وص ٦٣ وهو طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ١٣٩٠ هجرية - ١٩٧٠ م تحقيق الأستاذ أبو الوفا المراغى) وأما القول فى استماع القضيب والأوتار ويقال له التغيير.
ويقال له الطقطقة أيضا فلا فرق بينه وبين الأوتار إذ لم نجد فى إباحته وتحريمه أثرا لا صحيحا ولا سقيما، وإنما استباح المتقدمون استماعه لأنه ما لم يرد الشرع بتحريمه فكان أصله الإباحة.
وأما الأوتار فالقول فيها كالقول فى القضيب، لم يرد الشرع بتحريمها ولا بتحليلها، وكل ما أوردوه فى التحريم فغير ثابت عن رسول الله ﷺ وقد صار هذا مذهبا لأهل المدينة، لا خلاف بينهم فى إباحة استماعه، وكذلك أهل الظاهر بنوا الأمر فيه على مسألة الحظر والإباحة.
وأما القول (المرجع السباق ص ٧١ وما بعدها) فى المزامير والملاهى فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها، كما يدل على الإباحة قول الله ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾ الجمعة ١١، وبيان هذا من الأثر ما أخرجه مسلم فى باب الجمعة عن جابر بن سمرة (أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفى صلاة) وعن جابر بن عبد الله (أنه كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام، فأنفتل الناس إلهيا حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا فأنزلت هذه الآية) وأخرج الطبرى هذا الحديث عن جابر وفيه (أنهم كانوا إذا نكحوا تضرب لهم الجوارى بالمزامير فيشتد الناس إليهم ويدعون رسول الله ﷺ قائما) .
فهذا عتاب الله بهذه الآية.
ثم قال ابن القيسرانى (من ٧٢ من المرجع السابق) والله عطف اللهو على التجارة وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه وبالإجماع تحليل التجارة، فثبت أن هذا الحكم مما أقره الشرع على ما كان عليه فى الجاهلية، لأنه غير محتمل أن يكون النبى ﷺ حرمه ثم يمر به على باب المسجد يوم الجمعة، ثم يعاتب الله من ترك رسوله ﷺ قائما، وخرج ينظر إليه ويستمع ن ولم ينزل فى تحريمه آية، ولا سن رسول الله ﷺ فيه سنة، فعلمنا بذلك بقاءه على حاله، ويزيد ذلك بيانا ووضوحا ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها زفت امرأة من الأنصار إلى رجل من الأنصار فقال رسول الله ﷺ (أما كان معكن من لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو) وهذا الحديث أورده البخارى (شرح عمدة القارىء على صحيح البخارى ١٤٦/٢٠ هامش المرجع السابق) فى صحيحه فى كتاب النكاح.
وقد عقد الغزالى فى كتاب إحياء علوم الدين (ص ١١٥٠ ج - ٦ لجنة نشر الثقافة الإسلامية ١٣٥٦ هجرية) الكتاب الثامن فى السماع وفى خصوص آلات الموسيقى قال إن الآلة إذا كانت من شعار أهل الشرب أو الخنين وهى المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة، وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين والضرب بالقضيب وسائل الآلات ونقل القرطبى فى الجامع الأحكام القرآن (ج - ١٤ ص ٥٤) قول القشيرى ضرب بين يدى النبى ﷺ يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله ﷺ (دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح) فكن يضربن ويقلن نحن بنات النجار حبذا محمد من جار ثم قال القرطبى وقد قيل إن الطبل فى النكاح كالدف والكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن رفث (أحكام القرآن لابن العربى ج - ٣ ص ١٤٩٤) ونقل الشوكانى فى نيل الأوطار (ج - ٨ ص ١٠٤ و ١٠٥) فى باب ما جاء فى آلة اللهو أقوال المحرمين والمبيحين وأشار إلى أدلة كل من الفريقين، ثم عقب على حديث (كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه ورميه عن قوسه) بقول الغزالى قلنا قوله ﷺ فهو باطل لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة ثم قال الشوكانى وهو جواب صحيح لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح، وساق أدلة أخرى فى هذا الصدد من بينها حديث (ج - ٨ ص ١٠٦ المرجع السابق) من نذرت أن تضرب بالدف بين يدى رسول الله ﷺ إن ورده الله سالما من إحدى الغزوات وقد أذن لها عليه صلوات الله وسلامه بالوفاء بالنذر والضرب بالدف، فالإذن منه يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية فى مثل ذلك الموطن، وأشار الشوكانى إلى رسالة له عنوانها إبطال دعوى الاجماع على تحريم مطلق السماع.
وفى المحلى (ج - ٩ ص ٦٠) لابن حزم أن رسول الله ﷺ قال (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى) فمن نوى استماع الغناء عونا على معصية الله تعالى فهو فاسق، وكذلك كل شىء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها.
وفعوده على باب داره متفرجا.
وعقد البخارى فى صحيحه (ج - ٩ ص ١٧١ فى آخر كتاب الاستئذان.
المطبعة الأميرية سنة ١٣٠٥ هجرية على هامشه صحيح مسلم) بابا بعنوان كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله.
وعقب فى الرشاد السارى على هذا العنوان بقوله ولو كان مأذونا فيه، كمن اشتغل بصلاة نافلة أو تلاوة أو ذكر أو تفكر فى معانى القرآن حتى خرج وقت المفروضة عمدا.
وفى الفقه الحنفى جاء فى كتاب البدائع (ج - ٦ ص ٢٦٩) للكاسانى فيمن تقبل شهادته ومن لا تقبل وأما الذى يضرب شيئا فى الملاهى فإنه ينظر إن لم يكن مستشنعا كالقضيب والدف ونحوه لا بأس به ولا تسقط عدالته وإن كان مستشنعا كالعود ونحون سقطت عدالته، لأنه لا يحل بوجه من الوجوه.
وفى مجمع الأنهر (ج - ٢ ص ١٩٨) فى ذات الموضع أو يلعب بالطنبور لكونه من اللهو، والمراد بالطنبور كل لهو يكنون شنيعا بين الناس احترازا عما لم يكن شنيعا كضرب القضيب فإنه لا يمنع قبولها، إلا أن يتفاحش بأن يرقصوا به فيدخل فى حد الكبائر.
وجاء مثل هذا فى كتاب الدر (ج - ٤ ص ٣٩٨) المختار للحصكفى وحاشية رد المحتار لابن عابدين وفى المغنى لابن قدامه (ج - ١٠ ص ٢٤٠ و ٢٤٢) الملاهى على ثلاثة أضرب محرم وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها ردت شهادته.
وضرب مباح وهو الدف فإن النبى ﷺ قال (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف) أخرجه مسلم، وذكر أصحابنا وأصحاب الشافعى أنه مكروه فى غير النكاح وهو مكروه للرجال على كل حال.
وأما الضرب بالقضيب فمكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص، وإن خلا عن ذلك كله لم يكره، لأنه ليس بآلة طرب ولا يطرب ولا يسمع منفردا بخلاف الملاهى، ومذهب الشافعى فى هذا الفصل كمذهبنا.
وفى لسان العرب اللهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوى وطرب ونحوهما، والملاهى آلات اللهو.
وفيه القصب كل نبات ذى أنابيب، والقاصب الزامر، والقصاب الزمار.
وفى المصباح المنير وأصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، وألهانى الشىء شغلنى، وفى فتوى للإمام الأكبر (ص ٣٧٥ - ٣٨٥ فتاوى الشيخ شلتوت طبعة ١٣٧٩ هجرية - ١٩٥٩ م الادارة الثقافية بالأزهر) المرحوم الشيخ محمود شلتوت فى تعلم الموسيقى وسماعها ك ان الله خلق الإنسان بغريزة يميل بها إلى المستلذات والطيبات التى يجدها لها أثرا فى نفسه، به يهدأ وبه يرتاح وبه ينسشط وتسكن جوارحه، فتراه ينشرح بالمناظر الجميلة كالخضرة المنسقة والماء الصافى والوجه الحسن الروائح الزكية، وأن الشرائع لا تقضى على الغرائز بل تنظمها، والتوسط فى الإسلام أصل عظيم أشار إليه القرآن الكريم فى كثير من الجزئيات، منها قوله تعالى ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ الأعراف ٣١، وبهذا كانت شريعة الإسلام موجهة الإنسان فى مقتضيات الغريزة إلى الحد الوسط، فلم تترك لا نتزاع الغريزة فى حب المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة وإنما جائت بتهذيبها وتعديلها إلى مالا ضرر فيه ولا شر.
وأضاف الإمام الأكبر فى هذه الفتوى أنه قرأ فى الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادى عشر المعروفين فيه بالورع والتقوى رسالة هى (إيضاح الدلالات فى سماع الآلات) للشيخ عبد الغنى النابلسى الحنفى قرر فيها أن الأحاديث التى استند بها القائلون بالتحريم على فرض صحتها مقيدة بذكر الملاهى وبذكر الخمر والقينات والفوسق والفجور ولا يكاد حديث يخلو من ذلك، وعليه كان الحكم عنده فى سماع الأصوات والآت المطربة أنه إذا اقترن بشىء من المحرمات أو اتخذ وسيلة للمحرمات أو أوقع فى المحرمات كان حرامات، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحا فى حضوره وسماعه وتعلمه.
وقد نقل عن النبى ﷺ ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والمحرم، وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء وانتهت الفتوى إلى أن سماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات لا يمكن أن يحرم باعتباره صوت آلة وإنما يحرم إذا استعين به على محرم أو اتخذ وسيلة إلى محرم أو ألهى عن واجب ونخلص من هذه النقول من كتب فقه المذاهب وأحكام القرآن واللغة إلى أن الضرب بالدف وغيره من الآلات مباح باتفاق على الحداء وفى تحريض الجند على القتال وفى العرس وفى العيد وقدوم الغائب وللتنشيط على الأعمال الهامة، وأن الاختلاف الذى ثار بين الفقهاء وجرى فى كتبهم كان فى حل أو عدم حل الاشتغال بالموسيقى سماعا وحضورا وتعلما إذا صاحبها محرم كشرب الخمر أو غناء ماجن أو غزل أو كانت الموسيقى مما يحرك الغزئز ويبعث على الهوى والفسوق كتلك التى تستثير فى سامعها الرقص والخلاعة وتلك التى تستعمل فى المنكرات المحرمات كالزار وأمثاله أو فوتت واجبا.
وهذا ظاهر مما قاله (انظر الهوامش السابقة) فقهاء المذهب الحنفى من أن الضرب غير المستشنع لا بأس به ولا يسقط العدالة وفسروا المستشنع بأن يرقصوا به فيدخل فى حد الكبائر.
وظاهر أيضا مما قال به ابن (انظر الهوامش السابقة) العربى المالكى فى أحكام القرآن من أن الطبل فى النكاح كالدف - وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن رفثا.
ومن جملة ما قال به ابن قدامة فى المغنى (انظر الهوامش السابقة) نقلا لمذهب الإمامين الشافعى وأحمد فى هذا الموطن يتضح أنه لا يخالف أو يختلف مع ما قال به الفقه الحنفى والمالكى وأورده من قيود.
ثم إن ما جاء فى عبارات الفقهاء (انظر الهوامش السابقة) من إجازة الضرب ببعض الآلات دون بعض يبدون أن المنع فى بعضها إنما هو للآلات التى تدفع سامعها لفحش القول أو الرقص وليس لذات الآلات، كما يدل على هذا قول فقهاء (انظر الهوامش السابقة) الحنفية الذى سبق نقله، ومال قال به الفقه الحنبلى والشافعى (انظر الهوامش السابقة) من انضمام المرحم أو المكروه كالتصفيق والرقص هو المحرم، وما قال به ابن العربى المالكى ولم يكن معه رفث.
لما كان ذلك وكانت القضية قد واجهها الفقه على هذا الوجه وتصدى لتحقيق النصوص فيها صاحب كتاب السماع (انظر الهوامش السابقة) وهو محمد بن طاهر ابن على بن أحمد بن أبى الحسن الشيبانى أبو الفضل المقدسى المعروف بابن القيسرانى من رجال الحديث وقال إنه لا فرق بين استماع القضيب وبين الأوتار إذ لم نجد فى إباحته وتحريمه أثرا لا صحيحا ولا سقيما، وإنما استباح المتقدمون اسماعه لأنه لم يرد الشرع بتحريمه فكان أصله الإباحة كما تصدى لذلك الشيخ عبد الغنى النابلسى الحنفى فى رسالته (انظر الهوامش السابقة) المنوه بها آنفا التى قرر فيها أن الأحاديث التى استدل بها القائلون بالتحريم على فرض صحتها مقيدة بذكر الملاهى وبذكر الخمر والقينات والفسوق والفجور ولا يكاد حديث يخلو من ذلك.
وهذا أيضا قول ابن حزم (انظر الهوامش السابقة) إن الأمر مرتبط بالنية.
فمن نوى ترويح نفسه وتنشيطها للطاعة فهو مطيع محسن، ومن لم ينو لا طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها وقعوده على باب داره متفرجا.
وأيضا قول الغزالى (انظر الهوامش السابقة) فيما نقله الشوكانى فى تفسير الحديث الشريف (كل هلو يلهو به المؤمن فهو باطل) لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة، ومالا فائدة فيه من قسم المباح.
كما قال الشوكانى. لما كان ذلك كان القول بالتحريم على وجه الإطلاق خاليا من السند الصحيح قال تعالى ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ النحل ١١٦، والقول بأن تحريم سماع الموسيقى وتعلمها وحضورها من باب سد الذرائع أو من باب أو درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ليس مقبولا لأن الموسيقى وإن كان قد يصاحبها الخمر والرقص وغير هذا من المنكرات إلا أن هذا ليس الشأن فيها دائما، ومن ثم صار مثلها مثل الجلوس على الطريق.
ففى الحديث الشريف (شرح السنة للبغوى ٣٣٣٨/١٢) الذى أخرجه مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال إياكم والجلوس بالطرقات فقالوا يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها.
فقال فإذا أبينهم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه.
قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ومن هذا نأخذ أن من المباحات ما يحرم إذا اقترن به محرم، وعندئذ تكون الحرمة طارئة، بمعنى أنها ليست حكما أصليا.
لما كان ذلك.
كان الوقوف عند الوسط (الموافقات للشاطبى ج - ٤ ص ٢٥٨ وما بعدها طبع المكتبة التجارية تحقيق المرحوم الشيخ عبد الله دراز) من الأقوال هو الأولى بالاتباع.
ومن ثم نميل إلى أن سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلمها أيا كانت آلاتها من المباحات ما لم تكن محركة للغرائز باعثة على الهوى والغواية والغزل والمجون مقترنة بالخمر والرقص والفسوق والفجور، أو اتخذت وسيلة للمحرمات أو أوقعت فى المنكرات أو ألهت عن الوجبات، كما جاء فى تبويب (ارشاد السارى ج - ٢ ص ١٧١ على هامشه صحيح مسلم) البخارى فإنها فى هذه الحالات تكون حراما كالجلوس على الطريق دون حفظ حقوقه التى بينها ذلك الحديث الشريف لأن الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله (أعلام الموقعين لابن القيم ج - ١ ص ٣٢) قال جل شأنه ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون.
قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ الأعراف ٣٢، ٣٣، قال ابن العربى (أحكام القرآن ج - ٢ ص ٧٨٢) من معانى (زينة الله) جمال الدنيا فى ثيابها وحسن النظرة فى ملابسها وملذاتها قال تعالى ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ الأعراف ١٥٧، قال الشوكانى (نيل الأوطار ج - ٨ ص ١٠٥) الطيبات فى الآية تشمل كل طيب، والطيب يطلق بإزا المستلذ، وهو الكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن ويطلق بإزاء الظاهر والحلال وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد العام، فتدخل أفراد المعانى الثلاثة كلها ولو قصرنا العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر وهو الظاهر.
وقد صرح ابن عبد السلام فى دلائل الأحكام أن المراد فى الآية بالطيبات المستلذات.
والله أعلم
стр. 3264
الزى الجامعى وهل يجوز الحضور بالجلباب
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
ربيع الأول ١٤٠١ هجرية - ١٤ يناير ١٩٨١ م
المبادئ
١ - الالتزام بلبس الثياب وستر البدن للرجال والنساء أمر شرعى واجب الامثتال لثبوته بالقرآن والسنة.
٢ - هيئة الثيات وطريقة إحاطتها بالجسد وتفاصليها ترك الشارع بيانها باعتبارها أمورا دنيوية لتعرف بالضرورات والتجارب والعادات.
٣ - أمر الناس موكول إلى أولياء الأمور فيهم كل فى موقعه ولأولى الأمر على الناس الطاعة فيما لا معصية فيه، وهذا يتناول المسائل المباحة التى لم يرد فيها نص صريح.
٤ - هيئة الزى وما يلبسه الطلاب والطالبات من المباحات التى تخضع للعرف والعادة، ولا دخل للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة فى تحديد رسمها وهيئتها.
٥ - على الجامعة أن تلزم الطالبات بارتداء الزى السابغ الساتر لجميع الجسد دون الوجه والكفين، ودون أن يشف أو يحدد تفاصيل الجسد.
والطلاب بالزى الذى استقر العرف على ارتدائه فى الجامعات أو تراه مناسبا.
٦ - لا يجوز للطلاب الخروج على تنظيمات الجامعة فيما تفرضه من زى فى النطاق المشروع
السؤال
بكتاب اتحاد كلية الفنون الجميلة بالاسكندرية الوارد بدون رقم وبلا تاريخ، والمقيد برقم ٣٥٠ سنة ١٩٨٠ بالسؤال التالى ما هو الزى الذى يجب أن تلزم به الجامعة الطلاب الطالبات وهل يجوز أن يحضر الطلاب بالجامعة بالجلباب فى فصول الدراسة
الجواب
قال الله فى القرآن الكريم ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأعراف ٣١، وقال سبحانه ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ النور ٣١، وقال سبحانه ﴿يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ الأحزاب ٥٩، وجه الله فى الآية الأولى الخطاب عاما شاملا إلى بنى آدم ليشمل الرجال والنساء والمسلمين وغير المسلمين.
آمرا إياهم بالزينة أى بلبس الثياب للستر والزينة عند اجتماع يلتقى فيه بنو آدم، سواء كان ذلك فى المسجد أى مسجد، أو ناد أو مدرسة أو جامعة، وبهذا تكون هذه الآية الكريمة قد قررت أصلا من أصول الاصلاحات الدينية والمدنية، يدل لهذا ما ذكره المفسرون فى أسباب نزولها من أن العرب كانوا يطوفون حول البيت متجردين من الثياب، رجالا ونساء على حد سواء وهذا الأمر قد كان سائدا فى كثير من أمم الأرض، بل إنه مازال إلى اليوم فى بعض البلاد الأفريقية والآسيوية التى لم يدخلها الإسلام.
ولم تحدد هذه الآية نوع الثياب ولا هيئتها (الموديل) لأن الإسلام يشرع أصولا صالحة لكل زمان ومكان، فالأمر العام أن يأخذ الإنسان زينته عند كل اجتماع مع الغير حسب وسعه وقدرته وفى نطاق عرف زمنه وعادات قومه، وما اصطلح عليه الناس من هيئة للزى ورسمه وحب الزينة وتهيئة الثياب أمر مشروع فى الإسلام، ارتفع بهذه الآية إلى مرتبة الواجبات المفروضات، لأن الزينة بهذا المعنى من أسباب العمران، وفيها إظهار استعداد الإنسان لمعرفة سنن الله وآياته، والانتفاع بما خلق من نعم امتن بها على عباده، كما استنكر قول من يقولون بتحريم الطيبات من اللبس والطعام وسائر الطيبات، نجد كل هذا واضحا فى قوله سبحانه ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ الأعراف ٣٢، وقوله تعالى ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين.
والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون﴾ النحل ٨٠، ٨١، كل ذلك دون إسراف أو اتخاذه وسيلة التكبر والاستعلاء على الناس ففى القرآن الكريم الكثير من أوامر الله الناهية عن الإسراف والتبذير والتكبر على الناس والتعالى عليهم، وإنما إظهارا لنعمة الله وشكرا له فقد روى أبو داود عن أبى الأحوص عن أبيه قال (أتيت رسول الله ﷺ فى ثوب دون (يغنى غير لائق) فقال ألك مال قال نعم.
قال من أى المال قال قد آتانى الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق.
قال فإذا آتاك الله فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته) وفى هذا الباب أحاديث كثيرة أخرجها الترمذى وأبو داود وغيرهما.
ثم اختص الله النساء بالآيات الأخرى (٣١ سورة النور و ٥٩ سورة الأحزاب) ففى آية سورة النور كان أمر الله للنساء المسلمات بألا يبدين زينتهن للناظرين، ثم استثنى فيها بعض الناظرين وما يجوز للمسلمة إظهاره من الزينة لغير هؤلاء.
قال العلماء إن ظاهر الزينة هو الثياب والوجه والكفان، يباح للمرأة المسلمة أن تبدى هذا لكل من دخل علهيا من الناس، ويؤكد هذا المعنى ما رواه أبو داود عن عائشة رضى الله عنها قالت (إن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق (تظهر ما تحتها من جسدها) فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها يا أسماء إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه) .
وذهب بعض العلماء إلى أن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك (كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج - ١٢ ص ٢١٨ وما بعدها) وفى آية سورة الأحزاب أمر صريح واضح لكافة بنات ونساء المؤمنين بأن يسترن أجسادهن بارخاء الجلاليب عليهن حتى لا يبين ولا يظهر من أجسادهن إلا ما قضت ضرورة التعامل بإظهاره وهو الوجه والكفان على ما تقدم بيانه.
والجلاليب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار وروى عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء.
وقال أبو بكر (أحكام القرآن لأبى بكر بن العربى ج - ٢ ص ١٥٨٦) بن العربى فى تفسيره اختلف الناس فى تفسير الجلباب على ألفاظ متقاربة عمادها أنه الثوب الذى يستر البدن.
وبهذا المعنى كانت هذه الآية آمرة لجميع بنات ونساء المسلمين بستر أجسادهن، وإذا ضمت إليها آية سورة النور كان هذا الستر من قمة الرأس إلى أخمص القدمين فيما عدا الوجه والكفين وفى رأى بعض الفقهاء والقدمين، وعلى ألا تصف الملابس الجسد أو تبدى تفاصيلة، وقد بينت السنة الشريفة أوامر رسول الله ﷺ وبيانه للنساء ألا يبدين أجسادهن لغير أزواجهن ومن جاءوا بعدهم فى آية سورة النور.
(كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج - ١٤ ص ٢٤٣ وما بعدها) لما كان ذلك كان الالتزام بلبس الثياب وستر البدن للرجال والنساء أمرا شرعيا واجب الامتثال لأنه ثابت بالقرآن والسنة.
أما هيئة هذه الثياب وطريقة إحاطتها بالجسد وتفاصيلها، فإن الشرع أمرا شرعيا واجب الامتثال لأنه ثابت بالقرآن والسنة.
ومن أجل هذا لم يكن للرسول ﷺ لباس خاص لا يتعداه إلى غيره، وقد نقلت كتب السنة أنه كان يلبس الضيق من الثياب والواسع منها، وكذلك الصحابة والتابعون ولم يرد عن النبى ﵊ ولا عن أحد من أصحابه أو التابعين صفة أو هيئة خاصة للثياب سواء للرجال أو للنساء.
وإذ كان ذلك وكانت حاجة الناس إلى من يقودهم ويسوس أمورهم ويقوم بصالحهم، وكان أمر الناس موكولا إلى أولياء الأمور فيهم كل فى موقعه الذى يتولى الأمر فيه.
كان لأولى الأمر على الناس الطاعة فيما لا معصية فيه.
ووجوب إقامة أولى الأمر، قد استنبطه فقهاء المسلمين من نصوص القرآن الكريم ومن السنة الشريفة، فقد فهموه من قول الله سبحانه ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ البقرة ٣٠ ولزوم طاعتهم فهموه من قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ النساء ٥٩، قال كثير من العلماء إن أولى الأمر فى هذه الآية هم الأمراء والولاة والعلماء، وفى هذا قال ابن تيمية (ان المراد بأولى الأمر، أصحاب الأمر وذووه وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام.
كما قال (أولو الأمر صنفان الأمراء والعلماء) .
(تفسير الألوسى ج - ٥ ص ٦٦ والسياسة الشرعية لابن تيمية ص ١٦٢ طبعة سنة ١٩٦١ م دار الجهاد) فحاجة المجتمع ماسة إلى ضرورة إقامة ولى يرجع إليه فى تنظيم شئون الناس، وجمهور الفقهاء على أن إقامة الحكام وولاة الأمر من فروض الدين، قال ابن تيمية (إن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، ولا قيام للدين إلا بها فإن بنى آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، ولا بدلهم عند اجتماعهم من رأس، حتى قال النبى ﷺ فيما رواه أبو داود (إذا خرج ثلاثة فى سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم) لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل) .
وهذا أمر يكاد يكون متفقا عليه بين الأمة الإسلامية جميعا.
(الفصل فى الملل والنحل لابن حزم ج - ٤ ص ٨٧) وإذا كانت إقامة أولياء الأمور من الواجبات التى لا تستقيم الحياة والنظام إلا بها كانت ظاعتهم واجبة شرعا فيما لا معصية فيه، امتثالا لأمر الله فى تلك الآية الكريمة، وتحقيقا لمعنى الولاية، حتى لا تتفرق كلمة المسلمين، وضمانا لانتظام أمور الدولة.
ففى الحديث الشريف (لا طاعة لبشر فى معصية الله) . أخرجه ابن أبى شيبة عن على رضى الله عنه.
لهذا قال العلماء إنه يشترط لطاعة ولى الأمر، ألا يكون أمره بمعصية متيقنة، وهذا يتناول المسائل المباحة التى لم يرد فيها نص صريح وكانت بهذا موضع الاجتهاد، فالامتثال فى المباح أمرا أو نهيا لا يترتب عليه معصية، فتجب طاعة ولى المر إذا أمر بفعل المباح أو بتركه.
وقد سبق لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أن تعرض لتحريم المباح فى بعض الصور، فإن أكل اللحوم المشروعة مباح بنص القرآن الكريم ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ المائدة ١، ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ البقرة ١٧٢، جاءت هذه الإباحة من غير تقييد ببعض الأيام دون بعض، ودرحج المسلمون على ذلك منذ عهد النبوة، ولما كانت خلافة عمر رأى أن يمنع الناس من أكل اللحم يومين متواليين أسبوعيا، فكان يأتى مجزرة الزبير ابن العوام بالبقيع ولم يكن بالمدينة غيرها فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة وقال (ألا طويت بطنك يومين) .
(عمر بن الخطاب لأبى الفرج الجوزى ص ٦٨) وهذا اجتهاد من الخليفة الثانى أداه إلى حظر تناول اللحم يومين متتاليين حتى يكون هناك مجال لتداوله بين الناس، وقد كان اللحم مباحا طوال جميع الأيام على ما يقتضيه نص القرآن الكريم.
ومنع عمر كبار الصحابة من التزوج بالكتابيات، وقال أنا لا أحرمه ولكنى أخشى الإعراض عن الزواجب المسلمات، وفرق بين كل من طلحة وحذيفة زوجتيهما الكتابيتين، فاالزواج بالكتابية مباح عند من فعله من الصحابة بنص القرآن الكريم، ولأن النهى عن نكاح المشركات لا يشمل الكتابيات، ومع ذلك اجتهد عمر وهو ولى أمر المسلمين ورأى المصلحة فى منعه وإن كان لا يحرمه، والتزم بأمره صحابيان من أهل الاجتهاد (الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج - ٣ ص ٦٨) ولقد ابتنى على هذا ما قال به الفقهاء من سلطة ولى الأمر فى تغيير المباح إلى الوجوب أو التحريم، بما لا يختلف مع أصول الشريعة أو يناقضها وأن عليه أن يتحرى مصلحة الناس فى نطاق أحكام الشرع، وما جرى به العرف والعادة الصحيحان.
وإذ كان تحديد هيئة الزى أو الثياب من المور التى لم يرد فيها نص فى القرآن والسنة، بل لم تعرض نصوصها لهذا التحديد، لأنه من الأمور التى تختلف فيها الأحكام، باختلاف العصور والأعراف، كان هذا من الأمور المنوطة بولى الأمر، وكان تحديد للناس جميعا أو لفئة معينة جائزا، ولقد جرت عادة المسلمين وعرفهم، بل وعرف وعادة الناس جميعا على تحديد زى لرجال الجيش والشرطة وتحريمه على غيرهم، إذ المقوصد بهذا أى يندس فى مزاولة المهام المنوطة بهم من ليس منهم، وليكونوا معروفين لعامة الناس وخاصتهم، لأن الشريعة - كما قال ابن القيم (أعلام الموقعين ج - ٣ ص ١٤ - ٢٢) - مبناها وأساسها على الحكم والمصالح، فهى عدل كلها ورحمة ومصالح وحكم.
وإذ كانت هيئة الزى وما يلبسه الطلاب والطالبات من المباحات التى تخضع للعرف والعادة، ولا دخل للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة فى تحديد رسمها وهيئتها.
كان لأولى الأمر، فى الجامعات والمدارس بمقتضى ما تقدم من القواعد الشرعية - أن يلزموا الطلبة والطالبات بالزى الذى يرونه مناسبا، بحيث لا يكشف عورة ولا ينبىء عنها، ويمتنع على هؤلاء مخالفة ما يراه أولياء الأمر فى الجامعة أو المدرسة، باعتباره أمرا تنظيميا من صاحب الاختصاص المنوط به رعاية المصلحة شرعا، وباعتبار أن ما يأمرون به لم يمنعه نص شرعى، بل أوجب القرآن طاعة أولى الأمر مادام ما يأمرون به لا يدخل فى دائرة المعاصى، بمعنى أنهم لم يأمروا بفعل ما حرم الله، ولم ينهوا عن فعل ما ألزم الله به الناس، وما عدا هذا فيجوز أن يضع له ولى الأمر من الأنظمة ما يرى فيه مصلحة للناس ولكيان الحكم، اتباعا لما فعل عمر بن الخطاب فى المثالين سالفى الذكر مع أن كلا منهما مباح بنص القرآن.
لما كان ذلك ففى واقعة السؤال يكون على الجامعة أن تلزم الطالبات بارتداء الزى السابغ السائر لجميع الجسد من الرأس إلى القدم فيما عدا الوجه والكفين دون أن يشف عما تحته أو يحدد تفاصيل الجسد، وأن تلزم الطلاب بالزى الذى استقر العرف فى المجتمع على ارتدائه فى الجامعات أو الزى الذى تراه مناسبا، ولا يجوز للطلاب الخروج على تنظيمات الجامعة فيما تفرضه من زى فى النطاق المشروع، فإذا كانت الجلابية ليست زى الجامعات عرفا، فلاى يجوز للطلاب ارتداؤها داخل الجامعة وكان عليها أن تلزمهم بذلك، باعتبار أن القائمين على الأمر فيها هم من أولياء الأمور فى نطاقهم يعملون للمصلحة المنوطة بهم، ماداموا لم يأمورا بمعصية امتثالا للقرآن الكريم، ولحديث الرسول ﵊، ففى الصحيحين أن النبى بالغ فى الترغيب فى طاعة الأمراء فقال (من أطاعنى فقد أطاع الله ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى) وروى البخارى عن أنس أن رسول الله ﷺ قال (اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة ما اقام فيكم كتاب الله) .
والله أعلم
стр. 3265
اطلاق اللحى
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
شعبان ١٤٠١ هجرية - ٢١ يونيه ١٩٨١ م
المبادئ
١ - إطلاق اللحى من سنن الإسلام التى ينبغى المحافظة عليها.
٢ - إتلاف شعر اللحية بحيث لا ينبت بعده جناية توجب المساءلة بالدية على خلاف فى مقدارها.
٣ - إطلاق الأفراد المجندين اللحى اتباع لسنة الإسلام، فلا يؤاخذون على ذلك فى ذاته، ولا ينبغى إجبارهم على إزالتها، أو عقابهم بسبب إطلاقها
السؤال
بالكتاب ٦٠/٨١ المؤرخ ١٦/٦٦/١٩٨١ المقيد برقم ١٩٤ سنة ١٩٨١ وبه طلب بيان الرأى عن إطلاق الأفراد المجندين اللحى، حيث إن قسم القضاء العسكرى قد طلب الإفتاء بخصوص ذلك الموضوع، لوجود حالات لديها
الجواب
إن البخارى روى فى صحيحه عن ابن عمر عن النبى ﷺ قال (خالفوا المشكرين، ووفروا اللحى، واحفو والشوراب) وفى صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبى ﷺ قال (احفوا الشوارب واعفوا اللحى) وفى صحيح مسلم أيضا عن عائشة عن النبى ﷺ قال (عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (البراجم مفاصل الأصابع من ظهر الكف (بتصرف مختار الصحاح)) ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء.
قال بعض الرواة وتسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة) .
قال الإمام النووى فى شرحه حديث (احفوا الشوارب واعفوا اللحى) أنه وردت روايات خمس فى تلك اللحية، وكلها على اختلاف فى ألفاظها تدل على تركها على حالها، وقد ذهب كثير من العلماء إلى منع الحلق والاستئصال بين فقهاء المسلمين فى أن إطلاق اللحى من سنن الإسلام فيما عبر عنه الرسول ﷺ فى الحديث السابق الذى روته عائشة (عشر من الفطرة) .
ومما يشير إلى أن ترك اللحية وإطلاقها أمر تقره أحكام الإسلام وسننه ما أشار إليه فقه (تحفة المحتاج بشرح المنهاج وحواشيها ج - ٩ ص ١٧٨ فى باب التعزير) الإمام الشافعى من أنه (يجوز التعزيز بحلق الرأس لا اللحية) وظاهر هذا حرمة حلقه على رأى أكثر المتأخرين.
ونقل ابن قدامة الحنبىل فى المغنى (ص ٤٣٣ ج - ٨ مطبعة الامام فى باب التعزير) أن الدية تجب فى شعر اللحية عند أحمد وأبى حنيفة والثورى، وقال الشافعى ومالك فيه حكومة عدل.
وهذا يشير أيضا إلى أن الفقهاء قد اعتبروا التعدى بإتلاف شعر اللحية حتى لا ينبت جناية من الجنايات التى تستوجب المساءلة، إما بالدية الكاملة كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثورى، أو دية يقدرها الخبراء كما قال الإمامان مالك والشافعى.
ولا شك أن هذا الاعتبار من هؤلاء الأئمة يؤكد أن اللحى وإطلاقها أمر مرغوب فيه فى الإسلام وأنه من سننه التى ينبغى المحاظفة عليها.
لما كان ذلك كان إطلاق الأفراد المجندين اللحى ابتاعا لسنة الإسلام فلا يؤاخذون على ذلك فى ذاته، ولا ينبغى إجبارهم على إزالتها، أو عقابهم بسبب إطلاقها - إذ (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق) وهم تبعون لسنة عملية جرى بها الإسلام.
ولما كانوا فى إطلاقهم اللحى مقتدين برسول الله ﷺ لم يجز أن يؤثموا أو يعاقبوا، بل إن من الصالح العام ترغيب الأفراد المجندين وغيرهم فى الالتزام بأحكام الدين، فرائضه وسننه، لما فى هذا من حفز همتهم، ودفعهم لتحمل المشاق، والالتزم عن طيب نفس حيث يعملون بإيمان وإخلاص.
وتبعا لهذا لا يعتبر امتناع الأفراد الذين أطلقوا اللحى عن إزالتها رافضين عمدا لأوامر عسكرية، لأنه - بافتراض وجود هذه الأوامر - فإنها - فيما يبدون ت لا تتصل من قريب أو بعيد بمهمة الأفراد، أو تقلل من جهدهم، وإنما قد تكسبهم سمات وخشونة الرجال، وهذا ما تتطلبه المهام المنوطة بهم.
ولا يقال إن مخالفة المشركين تقتضى - لأن - حلق اللحى، لأن كثيرين من غير المسلمين فى الجيوش وفى خارجها يطلقون اللحى، لأنه شتان بين من يطلقها عبادة اتباعا لسنة الإسلام وبين من يطلقها للمجرد التجمل، وإضفاء سمات الرجولة على نفسه، فالأول منقاد لعبادة يثاب عليها، إن شاء الله تعالى، والآخر يرتديها كالثوب الذى يرتديه ثم يزدريه بعد أن تنتهى مهمته.
ولقد عاب الله الناهين عن طاعته وتوعدهم ﴿أرأيت الذى ينهى.
عبدا إذا صلى. أرأيت إن كان على الهدى. أو أمر بالتقوى.
أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى﴾ العلق ٩ - ١٤، والله أعلم
стр. 3266
الغاء الوقف الأهلى وسنده
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
شعبان ١٤٠٠ هجرية - ٢٩ يونيه ١٩٨٠ م
المبادئ
١ - وقف المسجد صحيح نافذ لازم شرعا، متى توفرت شروطه.
٢ - وقف غير المسجد عند جمهور الفقهاء صحيح على خلاف فى لزومه وفيما يجوز وقفه وما لا يجوز.
٣ - عدم لزوم الوقف وجواز الرجوع عنه مذهب أبى حنيفة ويرى باقى الأئمة لزومه من وقت حصوله على خلاف فى ذلك.
٤ - الوقف يتم الإرادة المنفردة، ولا يكون إلا مؤبدا، وأجاز البعض تأقيته.
٥ - الوقف فى مرض الموت ولو لكل أملاكه صحيح بإجازة الورثة وإلا كان كالوصية صحيح فى الثلث باطل فيما عداه.
٦ - تصرف ولى الأمر بالمصلحة فيما بتعلق بالأمور العامة وصدور قانون إلغاء الوقف على غير الخيرات من هذا القبيل
السؤال
من السيد /.
بجامعة الملايو - ماليزيا بالكتاب المحرر فى ٩ من شهر جمادى الآخرة سنة ١٤٠٠ هجرية ٢٤ من أبريل سنة ١٩٨٠ المقيد لدينا برقم ١٧٥ سنة ١٩٨٠ وقد جاء به أن السائل قال إنه قد استولى ولا يزال يستولى على فكرى وهمى من حين لآخر سؤال ولم أجد له جوابا شافيا مقنعا وأتوقع الرد على هذا لما فى الرد من مصلحة تهم المسلمين، وبالأخص مسلمى ماليزيا،.
وسؤال كالآتى بعد الاطلاع على المادة الأولى من قانون الوقف (الوقف الأهلى) رقم ١٨٠ لسنة ١٩٥٢، حيث تنص على أنه (لا يجوز الوقف على غير الخيرات) مما يبدون لى أن هذه المادة تشير إلى إلغاء الوقف الأهلى إن صح تصورى.
فهل يعتبر هذا إلغاء مشروعا لدى الشرع، فإذا كان كذلك فما وجهة نظر الفقهاء فى ذلك استنادا إلى الحجج المعتبرة لديهم والله يوفقكم مع رجائى التفضل فى الرد عليه
الجواب
إن الأصل فى جواز الوقف وشرعيته هو قول رسول الله ﷺ لعمر رضى الله عنه حينما شاوره فى أرض له بخيبر، حبس أصلها وسبل الثمرة) ، وقد اختلف أفهام الأئمة وفقهاء المذاهب المعتبرة فى معنى هذا الأثر ومداه تبعا لاختلاف ما وصل إلى كل منهم من الروايات لهذا الحديث، وما روى من آثار أخرى عن وقوف لبعض الصحابة رضى الله عنهم.
وتبعا كذلك لاختلاف مداركهم لمدلول تلك الآثار، ولقد أدى هذا إلى اختلافهم فى خصائص الوقف وحقيقته اختلافا بينا واسع المدى، ولعل فقهاء المذاهب الإسلامية لم يتخلفوا على عقد من العقود الشرعية اختلافهم فى الوقف.
ونوجز عناصر كل ذلك فيما يلى اتفاق واختلاف اتفقت كلمة الفقهاء على أن وقف المسجد صحيح نافذ لازم متى توافرت الشروط، ولا يعرف - فيما طالعنا من كتب الفقه التى بأيدينا أن أحدا منهم خالف فى أصل صحة وقف المسجد ولزومه بشروطه وإن تفاوتوا فى بعض الأحكام التفصيلية.
أما وقف غير المسجد فقد تشعبت فيه أقوالهم، فمنهم من قال ببطلانه وهذا مروى عن على بن ابى طالب وعبد الله بن عباس وابن مسعود من فقهاء الصحابة، وبه قال شريح من فقهاء التابعين ومروى أيضا عن الإمام أبى حنيفة وعن أبى جعفر الطبرى، فقط روى عن ابن مسعود قول لا حبس إلا فى سلاح أو كراع، وروى ابن أبى شيبة موقوفا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قوله لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع، وروى الطحاوى فى شرح معانى الآثار أن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض نهى عن الحبس وآثار أخرى رواها الطحاوى وابن حزم.
(معانى الآثار ج - ٢ ص ٦٤٩ والمحلى لابن حزم ج - ٩ ص ١٧٥ وفتح القدير للكمال بن الهمام الحنفى المصرى ج - ٥ ص ٤٢) .
وذهب جمهور الفقهاء وأئمة الأمصار إلى جواز وقف غير المسجد وصحته على خلاف بينهم فى لزومه، وفيما يجوز وقفه وما لا يجوز، وحججهم فى هذا مشروحة ومستفيضة فى مواضعها من كتب الفقه.
ومما سلف يتضح أن ما ذهب إليه بعض فقهاء الصحابة والتابعين قول له أدلته، ويصح الاستناد إليه والأخذ به متى دعت إلى ذلك مصلحة الأمة وخيرها، وإن خالف ما عليه جمهور الفقهاء.
أما عدم لزوم الوقف وجواز الرجوع عنه فهو قول افمام أبى حنيفة نفسه فى اصح الروايتين عنه وقول زفر بن الهذيل (المبسوط للسرخسى ج - ١٢ ص ٣٧ والفتاوى الخانية ج - ٣ ص ٢٨٥ وشرح معانى الآثار للطحاوى ج - ٩ ص ١٧٥) .
أما لزوم الوقف الصحيح الناجز من وقت حصوله، لا يباع ولا يرهن ولا يوهب ولا يورث ولا ينقض فهو قول باقى الفقهاء على اختلاف بينهم فى لزوم الوقف وعدم لزومه.
ولقد اختلف الفقهاء كذلك فى عقد الوقف، فقالت طائفة إنه يتم بالإرادة المنفردة، ولا يتوقف انعقاده وصحته وثبوت الاستحقاق للموقوف عليه إلى القبول، وطائفة ثانية تقول إن الأصل فى العقود أنها رباط بين متعاقدين وهذا يقتضى اشتراط القبول، والوقف من العقود فلابد فيه من القبول، هذا بينما ذهبت طائفة ثالثة إلى أن الوقف لابد أن يظهر فيه معنى القرية، فى حيز أن طائفة رابعة لا تشترط ذلك.
ثم من قال من الفقهاء إن الوقف عند غير لازم وللواقف فسخه.
قال أيضا إن الزوم وعدمه تابع لمشيئة الواقف، ولا يجبر على إنفاذه لو أراد الفسخ، وأن لوارثته كذلك هذه المشيئة والاختيار.
ومن قالوا بلزوم الوقف متى انعقد صحيحا اختلفوا، فمنهم من جعله لازما بالنسبة للعقد وللشروط وللموقوف ومن وقف عليه، وتبعا لهذا منعوا الواقف من اشتراط الحق فى الاستبدال أو التغيير فى المصارف والشروط، لأن فى هذا منافاة لمقتضى العقد وهو اللزوم، ومنهم من أجاز للواقف اشتراط كل ذلك ورتب عدم لزوم الوقف فيما يشترط فيه التغيير.
ثم جرى الخلاف أيضا فى أبدية الوقف أو عدمها فمنهم من قال إن الوقف لا يكون إلا مؤبدا، ومنهم من أجازه مؤبدا ومؤقتا.
كما وقع الاختلاف فى ملكية الموقوف، وهل يخرج بالوقف عن ملك الواقف لا إلى مالك، أو يبقى فى ملكه، أو يخرج إلى ملك الموقوف عليه وإن كان جهة عامة.
ولقد ترتب على هذا الاختلاف أن تنوعت تعاريف الفقهاء للوقف فراعى كل منهم حقيقة الوقف وخصائصه التى انتهى إليها اجتهاده.
وفى تأبيد الوقف وتأقيته كانت أقوال الفقهاء متنوعة حيث ذهب الإمامان أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى إلى أن التأبيد من شروط صحة الوقف وأن توقيته مبطل له، وأن التأبيد قد يكون صراحة فى القعد، أو يجعل مآل الاستحقاق فيه أخيرا إلى جهة بر لا تنقطع غالبا كالمساكين ومصالح المساجد.
ونقل عن الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى قولان أحدهما أنه لا يشترط التأبيد لصحة الوقف، وأنه بعد انقطاع الجهة الموقوف عليها يرجع ألوقف إلى ملك الواقف أو لورثته، جاء هذا القول فى أوائل كتاب الوقف فى المبسوط للسرخسى ج - ١٢، وجاء فى أجناس الناطفى فروع دالة على هذا القول وقال الناطفى إن عليه الفتوى، وفى فتح القدير وإذا عرف عن أبى يوسف جواز عوده إلى الورثة فقد يقول فى وقف عشرين سنة بالجواز، لأنه لا فرق أصلا.
أما القول الآخر عن أبى يوسف فهو أنا التأبيد شرط لصحة الوقف، لكنه لا يشترط النص عليه ولا جعله لجهة لا تنقطع، لأن لفظ الوقف والصدقة منبىء عن التأبيد.
أما وقف المساجد فلا بد فيه من التأبيد لأن التوقيت ينافيه، ولأن المسجدية جهة لا تنقطع، فمتى وجد من الواقف ما يدل عليهما حصل التأبيد.
(فتح القدير للكمال بن الهمام على شرح الهداية ج - ٥ ص ٦٤ وما بعدها والإسعاف ص ٧١ وما بعدها) .
وذهب الفقه المالكى إلى أن التأبيد فى الوقف ليس شرطا لصحته فيصح مؤبدا، ومؤقتا، إذا لم يتأبد الوقف رجع بعد انقطاع جهته ملكا لمالكه أو لورثته، وإذا تأبد لا يباع ولا يوهب ولا يورث.
(حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج - ٤ ص ١٠٠ إلى ص ١٠٥ طبع دار الطباعة سنة ١٢٨٧ هجرية) .
ولفقهاء المالكية تفصيلات فيمن يستحق الوقف المؤبد بعد انقطاع مصرفه.
وقد جاء فى إجارات المدونة انه لا بأس بأن يكرى أرضه على أن تتخذ مسجدا عشر سنين فإذا انقضت كان النقض لمن بناه.
(منح الجليل شرح مختصر خليل ج- ٤ ص ٣٦ أوائل الوقف) وهذا واضح فى أن المسجد يصح أن يكون وقفه مؤقتا كسائر الوقاف، وأظهر الأقوال فى فقه الإمام الشافعى أن الوقف لا يكون إلا مؤبدا.
(التحفة ج - ٢ ص ٣٢٢) . وفى فقه مذهب الإمام أحمد بن حنبل لا يصح الوقف مؤقتا (الفروع لابن مفلح ج - ٢ ص ٨٦٧) .
وفى المغنى لابن قدامة (ج - ٦ ص ٢١٤) المطبوع مع الشرح الكبير أن الوقف المنقطع، وهو ما لا يعلم انتهاؤه، فالوقف مع ذكر ما ينقطع به يصح، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعى فى أحد قوليه، وقال محمد ابن الحسن لا يصح وهو القول الثانى للشافعى.
وفى الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية (ج - ٤ ص ١٠١) ان مأخذ الوقف المنقطع هو أن الوقف هل يسح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة فعلى قول من قال لا يزال وقفا لا يصح توقيته، وعلى قول من قال يعود ملكا يصح توقيته، فإن غلب جانب التحريم فالتحريم لا يتوقف، وإن غلب جانب التمليك فتوقيته جميعه قريب من توقيته على بعض البطون، كما لو قال وقفت على زيد سنة ثم على عمر سنة ثم على بكر سنة.
وذهب فقه الإمامية إلى صحة الوقف الؤقت لمدة صراحة، والمؤقت ضمنا بذكر مصرف ينقطع، وقالوا بانتهاء الوقف بانتهاء المدة وانقطاع المصرف (جواهر الكلام ص ٦٣٨) .
مسلك القانون المصرى فى التأبيد والتأقيت وسنده لهذا الاختلاف فى تأبيد الوقف وتوقيته أخذ القانون المصرى رقم ٤٨ لسنة ١٩٤٨ بمذهب الحنفية فى المجسد فلابد من تأبيده، وكذلك الموقوف على المسجد حيث لا يجوز الرجوع ولا التغيير فيه، وعدل القانون عن هذا المذهب فيما عداه إلى الأخذ بقول القائلين بجواز تأبيد الوقف الخيرى وتوقيته تيسيرا على الناس فى فعل الخير.
وقد أخذ فى جواز تأقيته بالمدة وبذكر مصرف ينقطع مع التصريح بعودته ملكا بعد الانتهاء بمذهب المالكية.
وهو أيضا مذهب الإمامية وأحد قولين فى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وإحدى روايتين عن الإمام أبى يوسف فيما إذا ذكر الواقف جهة تنقطع، وما اقتضاه التوقيت فى المدة على ما ستظهره الكمال بن الهمام فى فتح القدير، واعتبر الوقف مؤبدا إذا أطلق عن التأبيد والتوقيت أخذا بالرواية الأخرى عن أبى يوسف.
كما أخذ هذا القانون بوجوب توقيت الوقف على ما عدا وجوه الخير، ومبنى هذا القول بجواز توقيت الوقف، والقول بعدم جوازه أصلا.
فمن وقت الوقف من تلقاء نفسه بمدة معينة لا تجاوز ٦٠ ستين سنة جاز وقفه، ومن وقته بطبقة أو بطبقتين جاز أيضا أخذا بقول القائلين بجواز توقيت الوقف، وإن تجازو ذلك صح وقفه على الطبقتين، وفى المدة المذكورة فقط، وبطل فيما عدا ذلك أخذا فى الجائز بقول المجيز، وفى الباطل بقول من قال بعدم جواز الوقف أصلا.. وتصحيح الوقف فى بعضه وإبطاله فى بعض آخر بمعنى إعطاء كل أمر منهما حكما لم يعط للآخر، لا مانع منه فقهاء وإن كان العقد واحدا، إذ لو وقف فى عقد واحد ما يجوز وقفه وما لا يجوز صح الوقف فيما يجوز وقفه وبطل فيما لا يجوز وقفه، ولو وقف المريض مرض الموت كل أملاكه ورد الورثة وقفه صح وقفه فى الثلث وبطل فيما زاد عليه.
بهذه الأحكام جرى نص المادة الخامسة من هذا القانون إذا جاء بها وقف المسجد لا يكون إلا مؤبدا، ويجوز أن يكون الوقف على ما عداه من الخيرات مؤقتا أو مؤبدا وإذا أطلق كان مؤبدا، أما الوقف على غير الخيرات فلا يكون إلا مؤقتا ولا يجوز على أكثر من طبقتين.
تصرف ولى الأمر فى التشريع وغيره ومناطه شرعا من القواعد الشرعية ان تصرف الإمام (ولى أمر المسلمين) منوط بالمصلحة، نص على ذلك الإمام الشافعى إذ قال (منزلة الإمام من الرعية منزلة الولى من اليتيم) .
وأصل هذه القاعدة ما أخرجه سعيد بن منصور فى سننه عن البراء ابن عازب قال قال عمر رضى الله عنه (إنى أنزلت نفسى من مال الله بمنزلة والى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت) .
وهذه القاعدة واردة بعنوان القاعدة الخامسة فى كتابى الأشباه والنظائر لابن نجيم المصرى الحنفى وللسيوطى الشافعى.
وقد أسندها ابن نجيم إلى الإمام أبى يوسف أيضا، وساق واقعات عن الخليفتين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ثم قيد القاعدة بأن فعل الإمام إذا كان مبنيا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة لم ينفذ أمره شرعا إلا إذا وافقه، فإن خالفه لم ينفذ وأورد أمثلة لهذا القيد.
إلغاء الوقف الأهلى فى مصر وهل يجيزه الشرع تقدم أن فقهاء المذاهب قد اختلفوا فى تأبيد الوقف وتأقيته، بل إن منهم من قال إن الوقف باطل أصلا وغير جائز، وفى نطاق هذا وما سبق تفصيله صدر القانون المصرى رقم ١٨٠ لسنة ١٩٥٢ ونصت مادته الأولى على أنه لا يجوز الوقف على غير الخيرات.
ونصت مادته الثانية على إنهاء كل وقف لا يكون مصرفه فى الحال خالصا لجهة من جهات البر.
وجاء فى المذكرة الإيضاحية لهذا القانون إن نظام الوقف نشأ لتشجيع التصدق على الفقراء من طريق حبس الملك على وجه التأبيد بيد أن تطور الأوضاع الاقتصادية فى عالم اليوم كشف عن مسافة الخلف بين آثار نظام الوقف وبين ما تتطلبه الأوضاع الاقتصدارية من حرية تداول المال وما جد فى ثناياها من معانى البر، ولذلك أضحى نظام الوقف أداة لحبس المال عن التداول، وعقبة فى سبيل تطور الحياة الاقتصادية على نحو جعل الفقراء فى طليعة ضحايا هذا النظام، ذلك أن نصيبهم من خيرات الوقف تضاءل حتى أصبح عديم الجدوى، فضلا عن أن حبس الأموال حال دون استثمارها على وجه يفسح مجال العمل والكسب الكريم لهؤلاء الفقراء، وهذه هى أرفع صور البر وأبلغها فى معنى التقرب إلى الله وبصدور تشريع الإصلاح الزراعى للحد من الملكية الزراعية صار من الضرورة التنسيق بين نظام الوقف وبين أغراض للإصلاح، وكانت مناسبة موفقة لإعادة النظر فى هذا النظام على الأقل فيما يتصل بحبس الملك على غير الخيرات، وقد قصد من مشروع القانون إلى إلغاء نظان الوقف على غير الخيرات حتى يتسنى تطبيق أحكام تشريع الإصلاح الزراعى على الأراضى الزراعية الموقوفة التى يتمتع فيها المستحقون بحكم الواقع بمركز لا يختلف فى جوهره عن مركز الملاك فى الوقت الحاضر - وحتى يتسنى إطلاق طائفة جسيمة من الأموال من عقالها لتصبح عنصرا من عناصر التداول.
وهذا الذى أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية بيان للمصلحة العامة التى استهدفها هذا القانون من إنهاء الوقف على غير الخيرات (الوقت الأهلى) .
ولما كان تقدير المصلحة منوطا بولى المر المسلم - كما سبق بيانه وتأصيله - كان ما انتهى إليه القانون واقعا فى نطاق الشرع، إذا قد تقدم أن من الفقهاء من قال بعدم لزوم الوقف بل وببطلانه وعدم جوازه أصلا.
وأخذا بفقه هؤلاء كان لولى الأمر فى مصر إصدار هذا القانون باعتباره مقلدا، له أن يختار من أقوال الفقهاء ما يراه مناسبا لمصالح الناس وله أن يأخذ حكما من مذهب فى مسألة وحكما فى مسألة أخرى من مذهب آخر على ما حرره علماء أصول الفقه فى أحكام التقليد والتلفيق والتخريج.
وكما سلف القول كان جائزا تصحيح بعض الوقف وإبطال بعضه الآخر.
فحين استبقى القانون الوقف على الخيرات اتبع قول القائلين بلزوم الوقف عليها، وحين أنهى الوقف على غير الخيرات (الأهلى) اتبع قول القائلين بعدم جواز الوقف أصلا وبطلانه، وذلك تلفيق فى التشريع تجيزه أقوال الفقهاء وعلماء أصول الفقه.
ولا شك أن المصلحة التى تغياها هذا القانون واضحة ظاهرة لأن تطور الأنظمة الاقتصادية اقتضى إطلاق الأموال المحبوسة عن التداول حرصا على تعميرها، وزيادة غلاتها وخبراتها حين تؤول ملكا خاصا لمن استحقها، ومن ثم تكون هذه المصلحة شرعية جاءت فى إطار القواع المتقدمة، وأقوال الفقهاء المختلفة فى شأن الوقف المشار إليها.
والله أعلم
стр. 3267
التداوى بالخمر
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
ربيع الآخر ١٣٩٩ هجرية - ١٢ مارس ١٩٧٩ م
المبادئ
الخمر حرام ويجوز التداوى بالمحرم عند الضرورة بشروط معينة
السؤال
بالطلب المتضمن بيان رأى الدين فيما إذا كانت الخمر هى العلاج الوحيد بدون بديل لشفاء مريض مسلم.
والحكم الشرعى فى ذلك
الجواب
إن الخمر رجس محرم قطعا بقول الله تعالى فى سورة المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ المائدة ٩٠، وقد أبان النبى ﷺ فى أحاديث كثيرة تحريم الخمر أيا كانت المادة التى أخذت منها.
ومن هذه الأحاديث (كل مسكر خمر وكل خمر حرام) رواه الإمام مسلم فى صحيحه.
وقوله (ما أسكر كثيره فقليله حرام) رواه الإمام أحمد وابن ماجه والدار قطنى.
وقد اختلف فقهاء المذاهب فى إباحة التداوى بالمحرم ومنه الخمر.
فمنع التداوى بالمحرم فقهاء مذهبى الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وأجاز التداوى به فقهاء مذهب الإمام أبى حنيفة فى القول المختار وفقهاء المذهب الشافعى فى أحد الأقوال وذلك بشرطين أحدهما أن يتعين التداوى بالمحرم بمعرفة طبيب مسلم خبير بمهنة الطب معروف بالصدق والأمانة والتدين.
والشرط الآخر ألا يوجد دواء من غير المحرم ليكون التداوى بالمحرم متعينا، ولا يكون القصد من تناوله التحايل لتعاطى المحرم، وألا يتجاوز به قدر الضرورة.
هذا وأساس هذه الإباحة الضرورة، لأن صون نفس الإنسان عن الهلاك من الضرورات الخمس التى هى مقاصد الإحكام فى الإسلام.
وقد استدل الفقهاء الذين أجازوا التداوى بالمحرم عند الضرورة بالشروط السابقة بآيات القرآن الكريم التى أباحت المحرمات عند الضرورة، ومنها قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ البقرة ١٧٣، ولما كانت إباحة التداوى بالمحرم حسبما تقدم فى قول فقهاء المذهب الحنفى، وقول فى مذهب الإمام الشافعى للضرورة، وكانت الضرورة تقدر بقدرها، فإنه ينبغى ألا يتمادى المريض المسلم فى تعاطى المحرم استغلالا لحال الضرورة.
فإن الله سبحانه يعلم السر وأخفى. وعلى المسلم الحريص على دينه أن يتحرى الصدق، وأن يبتعد عن الشبهات استبراء للدين، وألا يسوغ لنفسه رخصة أباحها الله دون حاجة وضرورة، وأن يجد ويجتهد فى طلب مشورة أكثر من طبيب مسلم قبل الإقدام على التداوى بالمحرم.
هذا وإنه مع التقدم العلمى فى كيمياء الدواء لم تعد حاجة ملحة لاستعمال الخمر فى التداوى لوجود البديل المباح.
ومما تقدم يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.
والله أعلم
стр. 3268
تفضيل الابن البار بالمال وحرمان العاق منه
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
ربيع الآخر ١٤٠٠ هجرية - ١٨ فبراير ١٩٨٠ م
المبادئ
١ - تفضيل بعض الأولاد ببعض من المال دون بعض مكروه ويجوز ذلك مادام هناك سبب يدعو إليه.
٢ - عقوق الولد لأمه وتعديه عليها يبيح تفضيل غيره عليه فى العطية
السؤال
بالطلب المتضمن أن للسائلة ابنين أنفقت على تربيتهما وتعليمهما حتى كبرا، والتحق كل منهما بوظيفة يتكسب منها، وقد زوجت أحدهما وهيأت له أسباب الراحة بالسكن فى شقة ملائمة على حسابها، ولكن هذا الابن الذى تزوج وأنجب أولادا بدأ يعاملها بقسوة، بل ويعتدى عليها بالضرب والشتم والسب العلنى فهو عاق لدرجة أنها لا تطيق رؤيته.
أما الولد الآخر فهو بار بها يعطف عليها ويحترمها ويقدرها ويعترف بفضلها، ويبذل قصارى جهده للعمل على إرضائها، وأن السائلة إزاء ذلك تريد أن تتصرف فى مالها بحيث لا ينال هذا الولد العاق شيئا منه.
وأن تعطى ذلك المال السائلة كما تقول فى مالها لأى إنسان آخر دونهما، أو أن الولد البار قبل التصرف لنفسه.
هل يكون فى تصرفها هذا شىء تحاسب عليه أم ماذا
الجواب
عن النعمان بن بشير قال قال النبى ﷺ (اعدلوا بين أبنائكم.
اعدلوا بين أبنائكم. اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائى.
وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن جابر قال (قالت امرأة بشير انحل ابنى علاما (أى اعطه عبدا) وأشهد لى رسول الله ﷺ .
فأتى رسول الله ﷺ فقال إن ابنة فلان (أى زوجته وسماها) سألتنى أن أنحل ابنها غلامى.
فقال له إخوة قال نعم.
قال فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته. قال لا. قال فليس يصلح هذا، وإنى لا أشهد إلا على حق) ورواه أبو داود من حديث النعمان بن بشير.
قال فيه (لا تشهدنى على جور. إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم) .
هذا وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على كراهية التفاضل أو التفضيل أو إفراد بعض الأولاد ببعض المال أو كله.
ثم اختلفوا هل يحرم ذلك التخصيص أو التفضيل بينهم فيرى أبو حنيفة والشافعى أن ذلك لا يحرم وقال الإمام مالك إنه يجوز إعطاء الرجل بعض ماله لبعض ولده دون بعض.
وقال الإمام أحمد بن حنبل إن التفاضل بين الأولاد أو تفضيل بعضهم على بعض أو تخصيصه لا يجوز، ومن فعل ذلك فقد أساء.
والذى نختاره للفتوى ما قال به الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعى بشرط أن يكون هناك سبب يدعو إلى تخصيص بعض الأولاد بشىء من المال دون بعض.
وقد قال بهذا أيضا فقهاء الحنبالة، كما جاء فى كتاب المغنى لابن قدامة فى باب الهبة إذا قال فإنه خص بعضهم لمعنى بقتضى تخصيصه لحاجة أو زمانة (أى مرض طويل مزمن) أو عمى أو كثرة عائلته أو استغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل فذلك جائز وكذا لو صرف غطيته ومنعها عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصيه الله فله ذلك، ولا شك أن عقوق الابن وتعديه على أمه بالضرب والشتم والسب من أكبر الفوسق والآثام لأن الله أمر بالبر بالوالدين، وجعل برهما قرين عبادته فقال ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ النساء ٣٦، وغير هذا من الآيات والأحاديث الوفيرة عن رسول الله ﷺ فى هذا الشأن.
ومنها حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال (يا رسول الله من أحق بحسن صحابتى قال أمك.
قال ثم من قال أمك. قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك) رواه البخارى.
وإذا كان ذلك كان للسائلة أن تصرف مالها غلى البار من أولادها إثم عليها فى ذلك، وإن كان الأولى من هذا أن تعفو وتصفح وتدعو لولدها العاق بالهداية والتوفيق وتترك المال على ذمتها، فإن الآجال بيد الله ﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت﴾ لقمان ٣٤، وفى العفو عن الإساءة الكثير من الآيات الكريمة منها قوله تعالى ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ الشورى ٤٠، وفى الحديث الشريف (أحسن إلى من أساء إليك) .
وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله أعلم
стр. 3269
الصيد الواقع فى الماء
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
ربيع الآخر ١٤٠٠ هجرية - ٢٣ فبراير ١٩٨٠ م
المبادئ
١ - الصيد حلال شرعا ما لم يكن لمجرد اللهو أو تعذيب الحيوان أو كان فيه ضرر بالناس.
٢ - إذا وقع الصيد فى الماء فأخرج ميتا لا يحل أكله
السؤال
بالطلب المتضمن أنه يوجد لدى أهالى الصحراء الغربية موسم لصيد الطيور فى شهرى أغسطس وسبتمبر من كل عام، والصيادون يكونون بجوار البحر الأبيض المتوسط، فأحيانا يضربون الطيور بالبندقية فتقع فى البحر وينزل أحدهم لإخراجها منه وأحيانا يجدونها لا تزال بها حياة فيذبحونها فيكون أكلها حلالا، وأحيانا يجدونها ميتة وليس بها حياة.
وقد اختلفت الآراء فى ذلك فبعض العلماء يقول إن أكلها حلال.
والبعض يحرم أكلها بعد إخراجها من البحر ميتة. وطلب السائل الإفادة عن حكم الدين فيما أخرج من البحر ميتا
الجواب
إن الصيد من الحلال الطيب الذى أباح الله أكله والانتفاع به ن وهو مباح إذا لم يترتب عليه إضرار للناس بإتلاف مزارعهم، أو إزعاجهم فى منازلهم أو كان الغرض منه مجرد اللهو أو اللعب أو القمار وتعذيب الحيوان.
وإلا فيحرم، وقد ثبت حل الصيد وأكله بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى فى سورة المائدة ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ المائدة ٤، وقوله تعالى أيضا ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ المائدة ٢، وأما السنة فما رواه البخارى ومسلم أنا أبا ثعلبة قال (قلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسى وبكلبى الذى ليس بمعلم وبكلبى المعلم فما يصلح لى فقال الرسول ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل) وروى مسلم عن عدى بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال (إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه.
فإذا وجدته ميتا فكل، إلا أن تجده قد وقع فى الماء فمات.
فإن لا تدرى الماء قتله أو سهمك) ولو رمى صيدا فوقع فى الماء أو على سطح أو جبل ثم تردى منه على الأرض فمات حرم.
لقوله تعالى فى سورة المائدة ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية﴾ المائدة ٣، إلخ الآية.
ولهذا أجمع فقهاء المسلمين على أن الصيد إن وجد فى الماء ميتا أو تردى من فوق سطح أو جبل ميتا لا يحل أكله، لجواز أن يكون موته اختناقا بالماء أو قتل مترديا من السطح أو الجبل، فيدخل فى هذه المحرمات المنصوص عليها فى هذه الآية الكريمة.
لما كان ذلك فإن الصيد الذى وقع فى الماء لا يحل أكله أو الانتفاع به إذا خرج ميتا فاقدا كل مظاهر الحياة، وكذلك ما تردى من فوق جبل أو سطح فمات قبل إرداكه.
والله أعلم
стр. 3270
نزول المريض على رأى الأطباء
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
شعبان ١٤٠٠ هجرية - ٩ يونيه ١٩٨٠ م
المبادئ
١ - على المريض النزول على رأى الأطباء لأن من الضرورات فى الإسلام المحافظة على النفس من التلف.
٢ - إذا تيسر وجود الطبيب المسلم للعلاج كان أولى، وإلا جاز ذلك للطبيب غير المسلم للضرورة.
٣ - على المريضة أن تطلقع أولياء أمرها على رأى الأطباء ليكونوا على علم ودراية بسبب زوال غشاء البكارة، وأنه ضرورة علاج للمحافظة على صحتها.
ولهم أن ياشروا معها كل ذلك. ٤ - الدم الأسود الذى ينزل من رحم المرأة قبل ميعاد الدولة الشهرية بأسبوع أو خمسة أيام هو من ألوان دم الحيض حسبما قرر الفقهاء، وعليها أن تعتبر ذلك مبدأ الدورة الشهرية مادام يسيل تلقائيا إلى الخارج.
٥ - تحرم عليها الصلاة كما يحرم عليها الصوم إلى انقطاعه كعادتها أو إلى مدة أقصاها عشرة أيام.
٦ - تقضى الصوم إن كان فى شهر رمضان ولا تقضى الصلاة
السؤال
بالطلب المقدم من الآنسة ف س بأمريكا المتضمن أنها طالبة بإحدى الجامعات بأمريكا، وتبلغ من العمر ثلاثين عاما ولم يسبق لها الزواج، وأنها دخلت إحدى المستشفيات للعلاج من روم فى رجلها اليمنى، وعند الكشف عليها وجد الأطباء أن لديها أوراما غير معروفة داخل الرحم المر الذى يتطلب إدخال آلة لأخذ عينات من هذه الأورام وتحليلها، وهذا يعنى إجراء فحص داخلى مما يتسبب عنه إزالة غشاء البكارة، ولما امتنعت عن إتمام هذا الإجراء أخرجوها من المستشفى على أن تعود إليها فى أقرب وقت لإجراء هذه الفحوص قبل أن يستفحل الأمر، وأشاروا عليها بإحضار أحد الأطباء المسلمين ليقف على أن هذا الفحص لازم للعلاج.
ثم انتهت إلى السؤال عن هل إجراء مثل هذه العملية من الناحية الدينية جائز أو يعتبر زنا وإذا جاز لها إجراء تلك العملية فما هى الخطوات التى تتبعها ليعرف الأهل ما حدث وما حكم الصلاة فى حالة نزول نزيف أسود قبل ميعاد الدورة الشهرية بأسبوع أو خمسة أيام وما حكم الصوم أيضا فى رمضان فى حالة نزول هذه المادة السوداء التى تشبه القهوة وليس دم حيض
الجواب
إنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه تداوى وأمر بالتداوى.
فقد روى عن أسامة بن شريك قال (جاء أعرابى فقال يا رسول الله أنتداوى قال نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله) رواه أحمد.
وفى لفظ (قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى قال نعم عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا، قالوا يارسول الله وما هو قال الهرم) رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذى وصححه.
لما كان ذلك وكان الظاهر من السؤال أن الأطباء الذين تولوا فحص السائلة قد قرروا لزوم أخذ جزء من الأورام الداخلية بالرحم لتحليلها لمعرفة، نوعها وتشخيص المرض إن كان تحديد طرق العلاج، كان على السائلة النزول عند رأيهم، لأن من الضرورات فى الإسلام المحافظة على النفس من التلف.
ففى القرآن الكريم قوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ البقرة ١٩٥، وقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ النساء ٢٩، ولا شك أن إهمال العلاج من باب إهلاك النفس الإنسانية ومؤد إلى قتلها، وهو مرحم ومنهى عنه شرعا بهذه النصوص.
وإذا تيسر وجود الطبيب الملم كان أولى، وإلا جاز ذلك للطبيب غير المسلم للضرورة، أو أخذا بمذهب الإمام مالك ﵀ الذى يجيز العمل برأى الطبيب غير المسلم الثقة.
ومن ثم فعلى السائلة المبادرة إلى إجراء هذا الفحص حماية لنفسها عن الهلال امتثالا، لأمر الله بالمحافظة على النفس فى القرآن الكريم، وترخيص الرسول ﷺ فى التداوى بل وأمره به.
وعليها أيضا أن تطلع أولياء أمرها على رأى الأطباء، ليكونوا على علم ودراية بسبب زوال غشاء البكارة، وأنه ضرورة علاج للمحافظة على صحتها، وعليهم أن يباشروا معها كل ذلك.
أما عن الدم الأسود المشبه للقهوة الذى ينزل من رحم السائلة قبل ميعاد الدورة الشهرية بأسبوع أو خمسة أيام، فإن الدم الأسود من ألوان دم الحيض حسبما قرر الفقهاء.
وتبعا لذلك عليها أن تعتبر هذا مبدأ الدورة الشهرية مادام يسيل تلقائيا إلى الخارج، وعندئذ تحرم عليها الصلاة كما يحرم الصوم إلى حين انقطاع الدم كعادتها، أو إلى مدة أقصاها عشرة أيام، ويجب عليها أن تقضى الصوم إن كان فى شهر رمضان ولا تقضى الصلاة.
والله أعلم
стр. 3271
جراحة تحويل الرجل إلى امرأة وبالعكس جائزة للضرورة
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
شعبان ١٤٠١ هجرية - ٢٧ يونية ١٩٨١ م
المبادئ
إجراء عملية جراحية بتحويل الرجل إلى امرأة أو العكس جائز متى كان المقصود منها إبراز عضو خلقى مطمور ولا يجوز ذلك لمجرد الرغبة فى التغيير فحسب
السؤال
بالطلب المقدم من السيد / أس أ - من ماليزيا المتضمن أن مركز البحث الإسلامى فى ماليزيا طلب منه بيان حكم الشريعة الإسلامية فى إجراء عمليات جراحية يتحول بها الرجل إلى امرأة وما أشبه ذلك.
وبيان ما إذا كان يوجد من النصوص الشرعية والفقهية ما يؤيد ذلك وطلب السائل بيان الحكم الشرعى فى هذا الموضوع حتى يتسنى له أن يرسله إلى حكومة ماليزيا
الجواب
عن أسامة بن شريك قال (جاء أعرابى فقال يا رسول الله أنتداوى.
قال نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله) - رواه أحمد وفى لفظ (قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى.
قال نعم. عباد الله تداووا.
فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا.
قالوا يا رسول الله وما هو. قال الهرم) . رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذى وصححه (منتقى الأخبار وشرحه نيل الأوطار للشوكانى ج - ٨ ص ٢٠٠) وعن جابر قال (بعث رسول الله ﷺ إلى أبى بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه) رواه أحمد ومسلم.
(المرجع السابق ص ٢٠٤) وفى حديث عرفجه الذى قطع أنفه يوم الطلاب قال (أصيب أنفى يوم الكلاب فى الجاهلية فاتخذت أنفا من ورق (فضة) فأنتن على، فأمرنى رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفا من ذهب) (صحيح الترمذى بشرح ابن العربى المالكى ج - ٧ ص ٢٦٩ و ٢٧٠ طبعة أولى المطبعة البهية المصرية بالأزهر سنة ١٣٥٠ هجرية - ١٩٣١ م) - قال ابن العربى فى شرحه لهذا الخبر إنه استثناء من تحريم الذهب بإجازة الانتفاع به عند الحاجة على طريق التداوى.
وعن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبى سلمة أخبرته أن أم سلمة أخبرتها أن النبى ﷺ كان عندها وفى البيت مخنث (بفتح النون وكسرها) وهو المؤنث من الرجال وإن لم تعرف منه الفاحشة، وفإن كان ذلك فيه خلقه فلا لوم عليه، وعليه أن يتكلف إزالة ذلك وإن كان بقصد منه فهو المذموم (صحيح البخارى بشرح ارشاد السارى للقسطلانى ج - ٧ ص ١٤٦٠ طبعة سادسة المطبعة الأميرية ببولاق ١٣٠٥ هجرية مع شرح النووى على صحيح مسلم فى باب اخراد المتشبهين بالنساء من البويت) وفى فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج - ٩ ص ٢٧٣ طبعة حسنة ١٣٤٨ هجرية المطبعة البهية المصرية بالأزهر) لابن حجر العسقلانى فى باب المتشبهين بالنساء (أما ذم التبشبيه بالكلام والمشى فمختص ممن تعمد ذلك وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتركه والإدمان على ذلك بالتدريح، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين، وأما إطلاق من أطلق - كالنووى - وأن الخنث الخلقى لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثنى والكسر فى المشى والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم.
واستدل لذلك الطبرى بكونه ﷺ لم يمنع المخنث من الدخول على النساء حتى سمع منه التدقيق فى وصف المرأة، كما فى ثالث أحاديث الباب الذى يليه، فمنعه حينئذ.
فدل على أنه لاذم على ما كان من أصل الخلقة.
لما كان ذلك كان من فقه هذه الأحاديث الشريفة وغيرها من الأحاديث الواردة فى التداوى إجازة إجراء جراحة يتحول بها الرجل إلى امرأة، أو المرأة إلى رجل متى انتهى رأى الطبيب الثقة إلى وجود الدواعى الخلقية فى ذات الجسد بعلامات الأنوثة المطمورة، أو علامات الرجولة المغمورة، باعتبار هذه الجراحة مظهرة للأعضاء المطمورة أو المغمورة تداويا من علة جسدية - لا تزول إلا بهذه الجراحة، كما جاء فى حديث قطع عرق من أبى بن كعب وكيه بالنار حسبما تقدم.
ومما يزكى هذا النظر ما أشار إليه القسطلانى والعسقلانى فى شرحيهما على النحو السابق حيث قالا ما مؤداه إن على المخنث أن يتكلف إزالة مظاهر الأنوثة، ولعل ما قال به صاحب فتح البارى (بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك) واضح الدلالة على أن التكلف الذى يؤمر به المخنث قد يكون بالمعاجلة والجراحة علاج، بل لعله أنجح علاج.
ولا تجوز هذه الجراحة لمجرد الرغبة فى التغيير دون دواع جسدية صريحة غالبة، وإلا دخل فى حكم الحديث (منتقى الأخبار وشرحه نيل الأوطار للشوكانى ج - ٦ ص ١٩٢) الشريف الذى رواه البخارى عن أنس قال (لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبى ﷺ فلانا وأخرد عمر فلانا) رواه أحمد والبخارى.
وإذا كان ذلك جاز إجراء الحراحة لإبراز ما استتر من أعضاء الذكورة أو الأنوثة، بل إنه يصير واجبا باعتباره علاجا متى نصح بذلك الطبيب الثقة.
ولا يجوز مثل هذا الأمر لمجرد الرغبة فى تغيير نوع الإنسان من امرأة إلى رجل أو من رجل إلى امرأة.
وسبحان الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى.
والله أعلم
стр. 3272
حكم ماء الزنا
المفتي
بكرى الصدفى.
جمادى الأولى ١٣٢٥ هجرية
المبادئ
١ - ماء الزنا لا اعتبار له شرعا فلا يثبت به نسب.
٢ - الإقرار بنسب ولد مع ذكر أنه من الزنا لا يعتد به ولا يثبت النسب.
٣ - إذا ادعى نسب هذا الولد غليه من ذلك فلا يقبل ذلك منه لقطع نسبه منه شرعا قبل ذلك
السؤال
فى رجل مسلم وجد عنده امرأة نصرانية وعاشرها دون يعقد عليها وأنجب منها بنين وبنات ثم توفى هذا الرجل المسلم وترك ما يخصه فى وقف وقدره ثمانية أفدنة فهل هؤلاء الأولاد يكون لهم استحقاق فى ذلك الوقف المذكور بعد وفاة ذلك الرجل المسلم
الجواب
صرح العلماء بأن ماء الزنا لا اعتبار له فلا يثبت به النسب.
فإذا قال الشخص المذكور إن الأولاد المذكورين أولادى من الزنا لا يثبت نسبهم منه ولا يجوز له أن يدعيهم لأن الشرع قطع نسبهم منه فلا يحل له استلحاقهم به فلا يكون لهم شىء فى ريع الوقف المذكور فى هذه الحادثة حيث كان الأمر كما ذكر فى السؤال والله أعلم
стр. 3273
الحرام لا يحرم الحلال
المفتي
محمد بخيت.
رمضان ١٣٣٦ هجرية - ٢٠ من يونية ١٩١٨ م
المبادئ
الزنا بامرأة لا يحرم أختها
السؤال
شخص متزوج بامرأة وزنى بأختها.
فهل تحرم عليه امرأته
الجواب
نفيد أنه لا تحرم امرأة الرجل المذكور عليه بزناه بأختها.
بل الواجب على ذلك الرجل أن يستغفر الله تعالى ويتوب بأن يندم على ما وقع منه ويعزم على أن لا يعود إليه
стр. 3274
تحريم بالزنا
المفتي
عبد الرحمن قراعة.
صفر ١٣٤٥ هجرية - ١٠ من اغسطس ١٩٢٦ م
المبادئ
١ - إذا زنى رجل بامرأة ثم تزوج بانتها ودخل بها ثم زنى بأمها حرمتا عليه.
٢ - التكفير عن هذا الذنب يكون بالتوبة والندم والعزم على عدم العودة لمثل ذلك
السؤال
زنى شاب بامرأة ثم تزوج بابنتها وبعد دخوله بها زنى بأمها.
فهل تبقى هذه الزوجة على ذمته شرعا وكيف يكفر عن هذا الذنب
الجواب
علم ما جاء بخطابكم المؤرخ ٦ اغسطس سنة ١٩٢٦ الذى يتضمن أن شابا زنى بإمرأة ثم تزوج بابنتها وبعد دخوله بها زنى بأمها وتستفهمون عن بقاء هذه الزوجة على ذمته شرعا بعد ذلك وعن كيفية مايلزم للتكفير عن هذا الذنب.
وجوابنا عن ذلك أن كلا من المرأتين البنت وأمها حرمت على هذا الشاب حرمة مؤبدة.
أما الأم فلوطئه بنتها وأما البنت فلوطئه لأمها قبل العقد وبعده.
ومنه يعلم أن هذه البنت لم تكن زوجة له فى حالة من الحالات. وأما التكفير عن ذلك الذنب فيكون بالتوبة والندم والعزم على عدم العود لمثل ذلك ومع هذا فهو لا يفيد حل نكاحه لواحدة منهما
стр. 3275
ولد الزنا لا يثبت نسبه
المفتي
علام نصار.
ربيع الثانى ١٣٧٠ هجرية - ٢٨ يناير ١٩٥١ م
المبادئ
١- قبول الإقرار بالنسب مبنى على احتمال تخلق الولد من نكاح أو وطء بشبهة.
٢- الزنا لا يصلح سببا لثبوت النسب ولو ادعاه الزانى.
٣- إقرار الرجل بالنسب وقيد الولود باسمه بواسطته لا يعتد به بعد إقراره بأنه من زنا
السؤال
بكتاب نيابة الأزبكية رقم ٧٥١١ المؤرخ ١٩ يوليه سنة ١٩٥٠ المرفق به المذكرة الخاصة بالجناية رقم ١٦٧١ سنة ١٩٤٩ جنايات الأزبكية المتضمن أن امرأة مسلمة غير متزوجة اتصلت بشخص مسيحى متزوج وعاشرها فحملت، وفى يوم ١٣ يونية سنة ١٩٤٨ وضعت مولودة ثم التجأت المرأة إلى شخص مقيم فى منزلها طالبة منه قيد الطفلة فى دفتر قيد المواليد، فقبل وقام بالتبليغ وقرر أنه والد المولودة، وبسؤال المرأة قررت أنها حملت بالطفلة من الشخص المسيحى، وبسؤال المسيحى أقر باتصاله بالمرأة وأنها حملت أثناء المعاشرة لها.
ومن الجائز أن تكون هذه المولودة نتيجة تلك المعاشرة، وبسؤال الشخص الذى قيدها قرر أن المرأة هى التى طلبت منه تبنى هذه المولودة فقبل وقام بقيدها بدفتر المواليد، وذكر أن هذه المولودة ليست ابنته وأنه لا يعرف والدها الحقيقى.
وطلب الإفادة عما يأتى: ١- حكم هذه المولودة شرعا.
٢- هل للشخص الذى قيدها أن يستحق مثل هذه المولودة فيثبت فى دفتر المواليد أنه والدها، أم أن مثل هذه المولودة تعتبر مقطوعة النسب فلا تستلحق وما قيمة الإقرار فى دفتر المواليد شرعا
الجواب
نفيد أن المنصوص عليه شرعا أن الإقرار بالولد إنما يصح شرعا ويثبت به النسب إذا كان الولد مجهول النسب ويولد مثله لمثل المقر ويصدق المقر فى ذلك إن كان من أهل التعبير عن نفسه.
وأن الزنا لا يصلح سببا لثبوت النسب.
وأنه إذا صرح به لا يثبت النسب ولو ادعاه الزانى - ومعنى هذا أن قبول الإقرار بالنسب فيما ذكر مبنى على احتمال تخلق الولد من نكاح أو وطء بشبهة - أما إذا تمخض الزنا سببا فلا يثبت به النسب - وعلى ذلك فالجواب عن السؤال الأول أن هذه المولودة لا يثبت نسبها من المسيحى، لأن وطأه لأمها محض زنا، كما روته مذكرة النيابة على لسانها، والزنا لا يثبت به نسب لاسيما من مسيحى وعن الثانى أن استلحاق الشخص الذى قيد هذه المولودة لنفسه غير مقبول شرعا، ولا يثبت به نسب البنت منه لتصريح أمها بأنها من الزنا، وتصريحه هو بأنها ليست بنته، وإنما أراد إنقاذ أمها من عثرتها وظهور أمرها بأن يتبنى البنت وإن لم تكن له - فالمصرح به أولا وآخرا أن البنت ليست من هذا الشخص، وبمثله لا يثبت النسب شرعا - لما سبق تقريره فى النصوص الشرعية.
والجواب عن السؤال الثالث أنه لا قيمة لإقراره بنسبة البنت إليه وقيدها باسمه فى دفتر المواليد للأسباب السابق ذكرها.
والله أعلم
стр. 3276
وطء الأم
المفتي
حسن مأمون.
ذو القعدة ١٣٧٤ هجرية - ٢٣ يونية ١٩٥٥م
المبادئ
زنا الرجل بأمه أو بإحدى محارمه كبيرة شنعاء.
وهى أفظع فى الإثم وأبلغ فى العقاب، ويجب الإقلاع عنها والندم على ارتكابها، والتوبة عنها، وليس الانتحار تكفيرا لها، بل هى جريمة أخرى يعاق عليه شرعا
السؤال
من السيد/.
عن بيان الحكم الشرعى فيمن غره الشيطان فزين له مواقعة أمه فواقعها.
فهل إذا تاب واستغفر الله من هذه السيئة يغفر الله له، أم ينتحر
الجواب
إن زنا الرجل المكلف العاقل المختار بأجنبية من أفحش الكبائر التى نهى الله ورسوله عن ارتكابها، وتوعد المقترفين لها بالعذاب الشديد.
قال تعالى ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ الإسراء ٣٢، وزنا الرجل بإحدى محارمه كبيرة شنعاء، أفظع فى الإثم وأبلغ فى العقاب وإنه كبيرة يقلع عنها المسلم، ويندم على ارتكابها، ويتوب عنها مع عدم العودة إليها مرة ثانية، ويرجى أن تقبل توبته منها - فأمره إلى الله وليس الإقدام على الانتحار وقتل النفس سبيلا إلى تكفير هذا الذنب الكبير.
إنما هو جريمة أخرى نهى الله عنها، وتوعد مقترفها بالعقاب الشديد فلا تقدم على قتل نفسك، وتب إلى ربك مما اقترفت من الزنا، ودوام على الطاعات وعلى الاستغفار، وأمرك إلى الله.
والله أعلم
стр. 3277
الإكراه على الزنا
المفتي
حسن مأمون.
ذو القعدة ١٣٧٦ هجرية - ٢٦ يونية ١٩٥٧م
المبادئ
١- إكراه الرجل على الزنا ولو بملجئ لا يرخص له به، لأن فيه قتل النفس حكما، وهى ولد الزنا بضياعه، ولا يستباح ذلك ولو لضرورة ما كالقتل.
٢- إكراه المرأة على الزنا يملجئ يرخص لها به، لأن نسب الولد لا ينقطع عنها، بل ينسب إلى الأم، لم يكن الزنا فيه فى معنى القتل من جانبها.
٣- يسقط الحد عنها بزناها مكرهة.
ولا يسقط عن الرجل بذلك لأنه لما لم يكن الملجئ رخصة له لم يكن غيره شبهة تدرأ الحد.
٤- لا يحل للمرأة المكرهة على الزنا بملجئ أو بغيره قتل نفسها لتنجو من عار الزنا
السؤال
بالطلب المتضمن أن امرأة مسلمة وقعت أسيرة فى يد عدو أراد اغتصابها، وحاولت الدفاع عن نفسها وشرفها فعجزت ويئست فانتحرت حتى لا تمكنه من نفسها - فهل تعتبر شهيدة، أو منتحرة وعليها عقوبة الانتحار
الجواب
جاء فى الدر شارح التنوير وحاشيته رد المحتار ولو أكره على الزنا بملجئ لا يرخص له، لأن فيه قتل النفس وهى ولد الزنا بضياعه، لأنه هلك حكما، لعدم من يربيه، فلا يستباح بضرورة ما كالقتل.
وفى جانب المرأة يرخص لها الزنا بالإكراه الملجئ لا بغيره، لأن نسب الولد لا ينقطع بل ينسب إلى الأم، فلم يكن الزنا فى معنى القتل من جانبها، بخلاف الرجل لكن يسقط الحد فى زناها لا زناه.
لأنه لما لم يكن الملجئ رخصة له لم يكن غير الملجئ شبهة له وجاء فى در التنقى شرح مجمع الأنهر - والحاصل أن الزنا لا يرخص للرجال بحال، لتضمنه قتل النفس.
وأما فى حقها فيرخص بالملجئ ثبوت نسبه منها، فلم يكن زناها فى معنى القتل إلا بغير الملجئ لكنه يسقط الحد عنها للشبهة لا عنه، لأنه لما لم يرخص له الملجئ لم يكن غير الملجئ شبهة له - ومما سبق يتضح أن المنصوص عليه شرعا، أن المرأة إذا أكرهت على الزنا بمجلئ كقتلها إن لم تطاوع المكره رخص لها فى الزنا ولا حد عليها.
وإذا أكرهت بغير الملجئ سقط الحد عنها أيضا عند المطاوعة - لوجود الشبهة ولكن لا يرخص لها فى الزنا - وفى كلتا الحالتين لا يحل لها أن تقتل نفسها لتنجو من عار الزنا لأن قتل نفسها جريمة شنيعة، لا يقبل الله صاحبها ولا يرضى عنه، وهى فى هذه الحالة لا تقل إثما عمن قتل نفسا حرم الله قتلها بغير حق.
قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ النساء ٢٩، وقال عليه الصلاة السلام فيما روى عن سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه (من قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده ينوجأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) وعن جابر رضى الله عنه أن رجلا قتل نفسه بمشاقص (المشقص سهم فيه نصل عريض) فلم يصل عليه النبى ﷺ رواه الجماعة إلا البخارى.
والله أعلم
стр. 3278
لا قنوط من رحمة الله
المفتي
جاد الحق على جاد الحق.
٢٠ ذو الحجة ١٤٠١ هجرية - ١٨ أكتوبر ١٩٨١ م
المبادئ
١ - على من ارتكب ذنبا ألا يقنط من رحمة الله، وأن يرجع إليه بالتوبة، ويكثر من الاستغفار وقراءة القرآن والصلاة والصدقات.
لما ورد أن هذه الأمور تمحو الخطايا. ٢ - الواقع فى الذنب لا يتحدث به، وإلا كان من المجاهرين بالذهب الذين لا يقبل الله لهم توبة
السؤال
بالطلب المقدم من السيد /.
المتضمن أنه عصى الله مع بنت أخ زوجته المتزوجة وندم على ما فعل، ويسأل هل لو تاب إلى الله يقبل الله توبته وما كفارة خطئه
الجواب
قال الله تعالى ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ الزمر ٥٣، وقال تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
الذين ينفقون فى السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ آل عمران ١٣٣ - ١٣٥، وفى الصحيحين عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم قال أن تجعل الله ندا وهو خلقك قلت ثم أى قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك.
قلت ثم أى قال أن تزنى بحليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديق ذلك قوله تعالى ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما.
يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا - إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ الفرقان ٦٨ - ٧٠، وفى صحيح البخارى عن النبى ﷺ قال أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذى نفسى بيده إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة.
ومن هنا كان على من ارتكب ذنبا أن يرجع إلى الله بالتوبة ويكثر من الاستغفار وقراءة القرآن والصلاة والصدقات وعمل الحسنات، فقد ورد أن هذه الأمور تمحو الخطايا حيث روى عم عمرو (رواه الطبرانى وغيره البيان والتصريف ج - ١ ص ١٣٠) بن العاص رضى الله عنه قال أراد معاذ بن جبل سفرا فقال أوصنى يا رسول الله، فقال ﷺ إذا أسأت فأحسن.
وروى (زاد المسلم ج - ١ ص ١٢) عدى بن حاتم عن رسول الله ﷺ أنه قال (اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخارى ومسلم.
وعن (رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح) معاذ بن جبل رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ (الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار) ... وعن أبى هريرة (رواه مالك ومسلم - الدين الخالص ج - ٢) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) ... وقال ﷺ (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) .
(أخرجه الامام أحمد فى الزهو - البيان والتصريف ج - ١ ص ٦٥) فبادر أيها المسلم بالتوبة إلى الله مما اقترفت من إثم كبير، توبة خالصة نادما على ما فرطت فى جنب الله، ولا تتحدث بهذه المعصية وإلا كنت من المجاهرين بها وقد سترها الله عليك، ولا يقبل الله توبة مجاهر بالذنب لأنه قدوة سيئة، وأكثر من الصدقات والإحسان إلى الفقراء واليتامى والمساكين رغبة فى مغفرة من الله ورضوان، فإنه سبحانه وعد التائبين المتصدقين بالقبول وهو سبحانه القائل ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ النساء ١١٠، والله أعلم
стр. 3279
القضاء فى الغيبة
المفتي
حسونة النواوى.
رمضان ١٣١٣ هجرية
المبادئ
١ - إذا كان المدعى عليه فى المصر واختفى أو تعنت أو كان ذا سلطان لا يجب الخصم إلى حضور مجلس القضاء يعذر إليه بالحضور قبل الحكم عند محمد وأبى يوسف.
٢ - إذا غاب المدعى عليه بعد إعلانه يقضى عليه بلا إعذار لأنه أرفق بالناس.
٣ - لا تعارض بين ذلك وبين ما جاء فى لائحة المحاكم الشرعية من وجوب العمل بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة لأن قول أبى يوسف المأخوذ به هنا هو المعول عليه والمعتمد فيما يتعلق بالقضاء
السؤال
بإفادة من حضرة قاضى محكمة مصر الكبرى الشرعية مؤرخة ١٩ رمضان سنة ١٣١٣ منظور بالمجلس الشرعى بمحكمة هذا الطرف قضايا متنازع فيها بعض أشخاص بعضها فى مواريث وبعضها فى حقوق أخرى والمدعى عليه فى كل منها منكر لما ادعى عليه وفى بعضها أقام المدعى بينه شهدت له بما ادعاه بحضور وفى وجه خصمه المدعى عليه وقبل الحكم فيها غاب المدعى عليه عن المجلس وامتنع عن الحضور إليه مع وجوده فى مصر وطلبه مرارا تعنتا منه بقصد الإضرار بخصمه ولم يمكن إحضاره بأى طريقة من الطرق.
والمدعى متردد على المحكمة متضررا من عدم حضور خصم ويطلب الحكم له فى دعواه وحيث إن أبا يوسف ﵀ يرى فى مثل ذلك أن يقضى على المدعى عليه فى غيبته كما هو مصرح به فى جملة نصوص معتبرة فى المذهب منها ما فى الخانية من كتاب الدعوى والبينات.
إذا غاب المدعى عليه بعد ما سمع القاضى عليه البينة أو غاب الوكيل بالخصومة بعد قبول البينة قبل التعديل أو مات الوكيل ثم عدلت تلك البينة لا يقضى بتلك البينة.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يقضى.
وقال شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله تعالى وهذا أرفق بالناس.
وما فى الانقروية من مسائل شتى القضا ما نصه قال عن أبى حنيفة إذا اختفى المشهود عليه لا يقضى عليه حتى يحضر وقال محمد يعذر ثلاثة أيام ينادى على بابه فإن ظهر وإلا قضى عليه وإن غاب عن المصر لا يقضى عليه وقال أبو يوسف فى الأمالى يقضى عليه من قضاء خزانة الأكمل نقلا عن العيون قال هشام قلت لمحمد ما تقول فى رجل له حق على ذى سلطان فلا يجيبه إلى القاضى فأخبرنى أن أبا يوسف كان يعمل بالإعذار وهو قول أهل البصرة وبه نأخذ والإعذار أن يبعث إلى بابه من يناديه أياما إن القاضى يدعوك إلى مجلس الحكم فإن أجابه وإلا جعل القاضى وكيلا عنه ولا يأخذ أبو حنيفة بالإعذار وفى فصل القضا على الغايب من الانقروية أيضا والذى توجه عليه الحكم ثم اختفى لا يقضى عليه عند أبى حنيفة وقال محمد ينادى على بابه ثلاثة أيام فإن خرج وإلا قضى عليه وإن لم يختف لكنه غاب لا يقضى وكتب بهامشها نقلا عن البزازية فى نوع من المعاملة فى الفصل الثانى وإن لم يتوار ولكنه لا يقضى عليه لعجز القاضى عن الإعذار وهذا أوفق للقياس وقال الثانى يقضى وهو أرفق بالناس وبالهامش أيضا فى فصل القضا على الغايب قال وفى دعوى التتمة وذكر فى آخر الباب الثانى والثلاثين فى آداب القاضى إذا ثبت له على غيره مال إما بإقرار أو بينة قامت عليه بحضرته ثم غاب المطلوب عن خصمه وامتنع من الحضور معه فالقاضى على قول أبى يوسف ينصب عنه وكيلا ويحكم عليه بالمال إن سأل الخصم ذاك وما نقل فى الهندية فى الباب الحادى والثلاثين فى القضا على الغائب أن المذكور عن أبى يوسف فى عامة الكتب أنه كان يقول أولا إن القاضى لا يقضى فى فصل البينة حتى يحضر الغايب وفى فصل الإقرار يقضى حتى ابتلى بالقضا وقال يقضى فيهما جميعا واستحسن ذلك حفظا لأموال الناس وصيانة لحقوقهم كذا فى الذخيرة.
وحيث مما توضح يعلم أن المشهود عليه إذا كان فى المصر واختفى أو تعنت أو كان ذا سلطان لا يجيب خصمه على القاضى.
محمد وأبو يوسف يقولان بالإعذار وأما إذا غاب عن المصر.
محمد مع أبى حنيفة يقولان لا يقضى عليه لعجز القاضى عن الإعذار وأبو يوسف لأنه أرفق بالناس فضلا عن أن قول أبى يوسف هو المعول عليه والمعتمد فيما يتعلق بالقضا وعلى حسب ما نص بالبند العاشر فى لائحة إجراءات المحاكم الشرعية يجب العمل بأرجح الأقوال فى مذهب الإمام الأعظم وقد رؤى مكاتبة فضيلتكم للنظر فى ذلك والإفادة بما يتراءى ليجرى العمل على موجبه
الجواب
الذى نراه فى أمثال المسائل المذكورة بهذه الإفادة هو العمل يقول أبى يوسف لأنهم نصوا على أن الفتوى على قوله فيما يتعلق بالقضا لزيادة تجربته والله أعلم،والتعليل المذكور مذكور فى شرح الدر المختار من كتاب القضا نقلا عن البزازية.
قبيل فصل فى الحبس
стр. 3280
لا تبطل الشهادة اذا حصل التعريف بغير اشارة
المفتي
حسونة النواوى.
محرم ١٣١٤ هجرية
المبادئ
لا تلزم الإشارة من الشهود إلى المدعى عليه اذا تم تعريفه بغيرها
السؤال
بإفادة من قاضى مديرية الدقهلية مؤرخة ١٧ محرم سنة ١٣١٤ مضمونها أنه لحصول الاشتباه عنده فى صحة الإعلام الشرعى الصادر من محكمة مركز فارسكور الشرعية بثبوت وص٤اية من يدعى على منتصر الوصاية المختارة على أولاد أخيه بدر منتصر القصر قد حول النظر فيه على مفتى المديرية فأفاده بما يفيد اشتباه فى صحته أيضا ولذا يؤمل الإطلاع عليه والإفادة بما يزيل هذا الاشتباه ومضمون الإعلام المذكور صدور الدعوى الشرعية بعد التعريف الشرعى بمحكمة فارسكور المذكورة من على منتصر بدر على يوسف حليمة بن عبد الرازق بأن عليه وبذمته للحاج بدر منتصر عمدة الناحية المذكورة ابن بدر منتصر ستة وتسعين قرشا فضة جيدة مضروبة ضرب مصر رايج ومستعمل كل قرش منها بأربعين نصفا فضة صاغا ميريا وذلك عن قرض شرعى كان اقترضه المدعى عليه من الحاج بدر منتصر المذكور حال حياته وأقرضه ذلك من ماله الخاص به شرعا وقبضه منه واستهلكه فى شئون نفسه وصار مثله دينا لازما وحقا واجبا بذمته له إلى الآن وأن الحاج بدر منتصر المذكور توفى إلى رحمة الله قبل تاريخه ببندر الزقازيق شرقية ودفن بها وانحصر إرثه الشرعى فى أمه وزوجته وبنته فرحة البالغة وأولاده القصر الخمسة وهم عبد الحليم وبدر وعبد الهادى وصديقة وأحمد وأنه لا وارث للمتوفى المذكور سواهم وأن من جملة ما خلفه وتركه الحاج بدر المذكور ويورث عنه شرعا مبلغ القرض المذكور الذى بذمة هذا المدعى عليه المذكور وأن المدعى عليه ممتنع من أداء ذلك المبلغ للورثة المذكورين وأن الحاج بدر منتصر المتوفى المذكور سنة ١٣٠٣ وهو فى حال صحته ونفوذ تصرفاته وجواز أمره وطواعيته واختياره أقام هذا المدعى وصيا مختارا من قبله على القصر المذكورين وأنه قبل الوصاية المذكورة لنفسه حال حياته وبعد وفاته ومات مصرا على الوصاية المذكورة وطالب هذا المدعى عليه بنصيب محاجيره الخمسة القصر المذكورين وقدره سبعة وأربعون قرشا وعشرون فضة من مثل مبلغ القرض المرقوم ليحوزه لهم إرثا من والدهم المذكور للذكر مثل حظ الأنثيين وسأل سؤاله عن ذلك وبسؤاله عن ذلك أجاب معترفا بترتب المبلغ المذكور بذمته للحاج بدر منتصر المذكور وأنه باق بذمته له إلى الآن وأنكر ماعدا ذلك فكلف هذا المدعى إثبات ما ادعاه وأنكره هذا المدعى عليه فأحضر شاهدين شهد كل منهما على انفراده فى غيبة الآخر بعد استشهاده عقب الدعوى والجواب المذكورين بوفاة المتوفى المذكور وانحصار إرثه فى ورثته المذكورين وبوصايته لأخيه هذا المدعى الوصاية المختارة على أولاده الخمسة القصر المذكورين وقبولها منه لنفسه حال حياته وبعد وفاته وموته مصرا عليها على الوجه المطابق للدعوى.
ولما لم يبد هذا المدعى عليه طعنا ولا جرحا فى الشاهدين المذكورين ولا فى شهادتهما زكيا وعدلا سرا ثم علنا بشهادة شاهدين فعند ذلك حكم قاضى محكمة المركز المذكور لهذا المدعى على هذا المدعى عليه بثبوت الوصاية المختارة المذكورة على القصر الخمسة المذكورين من قبل والدهم المذكور وبوفاة المتوفى المذكور وانحصار إرثه فى ورثته المذكورين لا وارث له سواهم وأمر هذا المدعى عليه بأداء سبعة وأربعين قرشا وأربعة وعشرين فضة لهذا المدعى مثل نصيب محاجيره فى مبلغ القرض المذكور ليحوزه لهم إرثا من والدهم المذكور فامتثل لذلك حكما وأمرا وامتثالا شرعيا بالطريق الشرعى.
وتوضح بفتوى مفتى المديرية المذكورة المحررة منه لقاضيها أن وجه اشتباهه عدم الإشارة فى الشهادة من الشهود للمدعى عليه الحاضر مع أنها لازمة كما فى التنوير وشرحه (وهى أن على حاضر يحتاج الشاهد إلى الإشارة إلى الضمين) وأن المدعى قال فى الدعوى وصار مثله دينا لازما بذمته له مع أن المستقر فى الذمة هو الدين لا مثله
الجواب
بالاطلاع على الإعلام الشرعى الصادر من محكمة مركز فارسكور الشرعية المؤرخ بتاريخين ثانيهما ٢٦ شعبان سنة ١٣١٢ المنوه عنه بهذه الإفادة ظهر أنه صحيح شرعا ولا وجه للاشتباه فيه
стр. 3281
وفاة ووراثة بالزوجية
المفتي
حسونة النواوى.
ربيع ثان ١٣١٤ هجرية
المبادئ
١ - الشهادة بالزيادة على الدعوى تكون مخالفة لها ويكون ذلك مانعا من قبولها.
٢ - لا تقبل دعوى الطلاق على ميت لأن شرط الدعوى بذلك أن يكون حاضرا
السؤال
بافادة من نايب مديرية الجيزة المؤرخة فى ٨ ربيع آخر سنة ١٣١٤ مضمونها أنه مرسل طيه المرافعة المختصة الشيخ أحمد السقارى الوكيل عن عديلة عوض الله بزوجية ووراثة موكلته المذكورة للمرحوم الحاج أحمد صوان والد المدعى عليه للاطلاع والإفادة عن الحكم الشرعى فى ذلك مع الإفادة أيضا عما إذا كان مدعى الطلاق المذكور عجز عن إثباته هل يكلف مدعى الوفاة والوراثة والزوجية ببينة تشهد له طبق دعواه المذكورة أم لا وذلك لاشتباه مفتى المديرية وصورة الملخص المذكور (دعوى الشيخ أحمد السقارى الوكيل عن السيد أفندى شعراوى الوكيل عن الست عديلة عوض الله على عثمان أفندى صوان ابن المرحوم الحاج أحمد صوان الثابت من التوكيلين المذكورين شفاها لدينا بالمجلس بوفاة ووراثة ورثة المرحوم الحاج أحمد صوان المذكور الذى من ضمنهم زوجته الست عديلة المذكورة وبزوجبتها ووراثتها له وسؤال المدعى عليه المذكور وإجابته بإنكار زوجية ووراثة الست عديلة المذكورة لوالده المرحوم وادعائه هو والوكيل عنه فى ذلك الشيخ على ناصر الثابت توكيله لدينا شفاها بالمجلس أيضا بأن الست عديلة المذكورة بعد أن تزوجها الحاج أحمد رضوان المذكور وعاشرها معاشرة الأزواج طلقها ثلاثا وهى فى ذلك الوقت تقيم بناحية البتانون منوفية بطوعه واختياره وفى حال صحته وسلامة عقله وانقضت عدتها منه فى حال حياته ومات وهى أجنبية منه وبسؤال سيد أفندى شعراوى المذكور وإجابته بأن الست عديلة موكلته المذكورة زوجة للمرحوم أحمد صوان المذكور وأنه مات وهى حلال له وعلى عصمته وكانت مقيمة معه بمنزله بمنيل الروضة لحين وفاته وكلف الشيخ على ناصر المذكور بإحضار البينة الشرعية التى تشهد له طبق دعواه الطلاق المذكورة فوعد بإحضارها ثم أحضر شاهدين شهدا بأن الحاج أحمد صوان المذكور طلق زوجته عديلة المذكورة فى ناحية البتانون منوفية وهو فى حال صحته وكمال التصرفات الشرعية لا إكراه ولا إجبار بقوله لها أنت طالق بالثلاث فى نظير إبرائها له من مؤخر صداقها وذلك فى أواخر شهر رمضان سنة ١٣٠٠ وانقضت عدتها وخرجت من عصمته قبل وفاته الصادرة الدعوى المذكورة بمحكمة مديرية الجيزة الشرعية بتاريخ ١٧ يونية سنة ١٨٩٦
الجواب
بالاطلاع على هذه الإفادة والملخص المرفق بها ظهر أن شهادة الشاهدين على الوجه المسطور بذلك الملخص غير مقبولة شرعا، وحينئذ فمتى كانت دعوى الطلاق صحيحة وأثبتها المدى بالبينة الشرعية يحكم له بذلك، وإن عجز عن إثباتها فبعد تحليف الزوجة بالوجه الشرعى يمنع من دعواه المذكور مادام عاجزا عن البرهان الشرعى.
وإذا كانت دعوى مدعى الوفاة والوراثة والزوجية صحيحة شرعا وأراد المدعى المذكور إثباتها بالبينة الشرعية لأجل التعدى فلا مانع من ذلك ويجرى ما تقتضيه الأصول الشرعية.
والله تعالى أعلم وجه كون الشهادة المذكورة غير مقبولة زيادتها على الدعوى بما قاله الشاهدان فى شهادتهما (فى نظير إبرائها له من مؤخر صداقها) وقد نصوا على أن الشهادة لو خالفت الدعوى بزيادة يحتاج إلى إثباتها فإن ذلك يمنع من قبولها.
كما يؤخذ من الأنقروية وغيرها، ولا يقال إن الشهادة بالطلاق حسبة وهى لا تتوقف على دعوى حتى يحتاج لعدم المخالفة بينهما.
لأنا نقول إن ما هنا شهادة بعد الموت بالطلاق وهى من قبيل الشهادة بالمال.
فلابد من تقدم دعوى عليها. وعلى فرض كونها حسبة فهى غير مقبولة أيضا لأنه قيد القبول فى النهاية بما إذا كان الزوج حاضرا، أما إذا كان غائبا فلا.
كما فى تكملة ابن عابدين عند قول المصنف (وبلا طلب لو فى حقوق الله تعالى كطلاق امرأة) فى كتاب الشهادات
стр. 3282
شهادة المسيحى على عقد زواج المسلم مبطلة له
المفتي
عبد الرحمن قراعة.
محرم ١٣٤٢ هجرية ٥ سبتمبر ١٩٢٣ م
المبادئ
إذا كان أحد الشاهدين على عقد زواج المسلم مسيحيا بطل العقد
السؤال
فى رجل مسلم تزوج بمسلمة وكان شهود العقد أحدهم مسلم والثانى مسيحى، فهل يكون العقد صحيحا شرعا أو باطلا
الجواب
فى متن التنوير وشرحه مانصه.
وشرط حضور شاهدين حرين أو حر وحرتين مكلفين سامعين قولهما على الأصح فاهمين أنه نكاح على المذهب مسلمين لنكاح مسلمة ومنه يعلم أن العقد المذكور باطل شرعا لكون أحد الشاهدين المذكورين غير مسلم.
كما ذكر بالسؤال والله أعلم
стр. 3283
شهادة الوكيل لموكله غير جائزة
المفتي
عبد المجيد سليم.
محرم ١٣٦١ هجرية ٣ فبراير ١٩٤٢ م
المبادئ
لا يجوز للوكيل أن يشهد فيما هو موكل فيه وإن لم يخاصم بالفعل ولا تقبل شهادته فى ذلك ولو بعد عزله من الوكالة
السؤال
شخص وكل آخر وخوله الخصومة عند للحصول على نصيبه فى تركة ما.
فهل لهذا الوكيل أن يشهد بصحة دعوى موكله فى القضية التى وكل فيها وما حكم هذه الشهادة مع العلم بأنه أخفى على المحكمة أنه وكيل من شهد له، مع العلم بأنه كان وكيلا عمن شهد له وقت أداء الشهادة
الجواب
اطلعنا على هذا السؤال.
ونفيد بأن علماء الحنفية اتفقوا على أن من يكون خصما فى شىء لا تقبل شهادته فيه.
فالوصى بعد قبوله الوصاية لا تقبل شهادة فيما هو وصى فيه سواء أخاصم بالفعل أم لا، ولو كانت شهادته بعد عزله من الوصاية.
وإن لم يقبل الوصاية بعد وفاة الموصى ولم يرد حتى شهد عند القاضى فالقاضى يقول له أتقبل الوصاية أم تردها فإن قبل أبطل شهادته لصيرورته خصما من وقت الموت، وإن رد الوصاية أبقى شهادته لعدم صيرورته خصما وإن سكت ولم يخبر بشىء توقف القاضى فى شهادته لأن سبب الرد موقوف.
وأبو يوسف جعل حكم الوكيل بمجرد قبوله الوكالة كحكم الوصى، فلا تقبل شهادته فيما وكل فيه سواء أخاصم بالفعل أم لا، ولو كانت شهادته بعد العزل.
وأبو حنيفة ومحمد لا يجعلان للوكيل حكم الوصى.
إذ قالا إن الوكيل لا يصير خصما إلا بالمخاصمة بالفعل أمام القضاء.
وقد فرقا بين الوصى والوكيل بفرق يعلم مما ذكره صاحب المحيط فى كتاب الشهادة.
والظاهر أنه على رأيهما إذا شهد وهو وكيل قبل المخاصمة أن القاضى يتوقف فى شهادته فلا يحكم بقبولها ولا يردها، فإن عزل قبل المخاصمة قبلها، وإن خاصم عن الموكل فى المشهود به ردها قياسا على الوصى الذى لم يقبل الوصاية ولم يردها حتى شهد.
هذا، وقد قالوا إن الفتوى على على قول أبى يوسف فيما يتعلق بالقضاء وتوابعه التى فيها الشهادة لزيادة تجربته يراجع شرح الرسالة المسمى مقصود رسم المفتى لابن عابدين وعلى ذلك يكون قول أبى يوسف هنا هو المفتى به.
وحينئذ لا يكون للوكيل المذكور أن يشهد فيما هو موكل فيه وإن لم يخاصم بالفعل ولا تقبل شهادته إذا شهد فى ذلك ولو بعد عزله من الوكالة.
وبهذا علم الجواب عن السؤال والله تعالى أعلم
стр. 3284
سماع دعوى الوراثة بالزوجية وعدمه
المفتي
حسن مأمون.
جمادى الثانية ١٣٧٥ هجرية - ١٥ يناير ١٩٥٦ م
المبادئ
١- لا تسمع عند الإنكار دعوى الإرث بسبب الزوجية لمطلقة توفى زوجها بعد سنة من تاريخ الطلاق/ طبقا لنص المادة ١٧ من القانون ٢٥ سنة ١٩٢٩.
٢- تسمع دعوى المطلق إرثه بسبب الزوجية لمطلقته المتوفاة بعد سنة من تاريخ الطلاق، مادامت لم تقر قبل وفاتها بانقضاء عدتها ولا تطبق عليه المادة آنفة الذكر
السؤال
من السيد/.
ما حكم الفقرة الثانية من المادة ١٧ من قانون المحاكم الشرعية رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ التى نصها (كما أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى الإرث بسبب الزوجية لمطلقة توفى زوجها بعد سنة من تاريخ الطلاق) هل حكم هذه الفقرة خاص بعدم سماع الدعوى التى ترفع من الزوجة التى توفى زوجها بعد سنة من تاريخ الطلاق، ولا تمنع من سماع دعوى الزوج الذى ماتت مطلقته بعد سنة من تاريخ الطلاق، أو أن حكم الاثنين واحد فتشملهما هذه الفقرة ويكون حكم الزوج كحكم الزوجة
الجواب
إن حكمة تشريع هذه الفرقة كما جاء بمذكرتها التفسيرية من أن المشرع لاحظ بعد أن اعتبر كل طلاق يقع رجعيا بمقتضى المادة الخامسة من القانون المذكور إلا ما نص على كونه بائنا فيها - أن هذا قد يغرى بعض النساء على الدعاوى الباطلة بعد وفاة أزواجهن، فيدعين كذبا أن عدتهن لم تنقض من حين الطلاق إلى وقت الوفاة وأنهن وارثات، وليس هناك من الأحكام الجارى عليها العمل الآن ما يمنعهن من هذه الدعاوى مادام كل طلاق يقع رجعيا، لأن الطلاق الرجعى لا يمنع الزوجة من الميراث إذا مات زوجها فى العدة، ومن السهل على فاسدات الذمم أن يدعين كذبا أنهن من ذوات الحيض، وأنهن لم يحضن ثلاث مرات، ولو كانت المدة بين الطلاق والوفاة عدة سنين، وعسير على الورثة أن يثبتوا انقضاء عدتها لأن الحيض لا يعرف إلا من جهتها، ودعوى إقرارها بانقضاء العدة لا تسمع إلا بالقيود المدونة بالمادة ١١٩ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وهيهات أن تحقق هذه القيود، لهذا رؤى منع سماع دعوى الوراثة بسبب عدم انقضاء العدة إذا كانت المدة بين الطلاق والوفاة أكثر من سنة سواء أكانت الدعوى من الزوجة أو من ورثتها من بعدها فهذا كله يدل على أن حكم هذه الفقرة خاص بعدم سماع هذه الدعوى إذا كانت مرفوعة من الزوجة أو من ورثتها بعد وفاتها وذلك فضلا عن أن نص الفقرة المذكورة صريح كل الصراحة فيما ذكر غير محتاج إلى تأويل أو إيضاح.
أما الزوج فإن حكمه فى مثل هذه الحالة باق على الأصل الفقهى، ولم تتعرض له هذه الفقرة ولا غيرها.
ومن هذا يعلم الجواب عن السؤال. والله أعلم.
ے
стр. 3285
دعوى الدين على التركة
المفتي
حسن مأمون.
ذو الحجة ١٣٧٨ هجرية - ٨ يونية ١٩٥٩ م
المبادئ
١- دعوى الدين على التركة على وارث واحد صحيحة شرعا متى كان هو واضع اليد على أعيان التركة، وكونه مستأجرا لبعض الأعيان غير مانع من صحة الدعوى.
٢- لا حاجة إلى إدخال جميع الورثة فى مثل هذه الدعوى
السؤال
من السيد/.
بالطلب المتضمن أن شقيق السائل توفى سنة ١٩٥٤ عن زوجته وأمه وبنته وإخوته الأشقاء ومنهم السائل، وقد قسمت تركته بين ورثته المذكورين فخص السائل جزء منها بصفته شقيق المتوفى وقد استأجر السائل باقى أعيان التركة من باقى الورثة المذكورين، ثم رفعت زوجة المتوفى المذكور دعوى على شقيقه المذكور بمؤخر صداقها باعتباره وارثا وواضعا يده على أعيان التركة، وطلب بيان الحكم الشرعى فيما إذا كانت هذه الدعوى صحيحة وهى مرفوعة عليه وحده ومعه باقى الورثة أو لا
الجواب
إن جاء فى الفتاوى الأنقروية أنه ذكر الحاكم - ادعى الدين فى التركة لا حاجة إلى ذكر كل الورثة، بل إذا ذكر واحدا منهم وبرهن عليه أنه واجب عليه أداء الدين من تركته التى فى يده يكفى.
وهذا ينطبق على السائل بصفته وارثا، وأما بصفته مستأجرا والعقار فى يده فمادام طرفا فى الدعوى فالحكم يسرى عليه وينفذ.
ومن هذا يعلم أن الدعوى المذكورة صحيحة على السائل بصفتيه المذكورتين والله أعلم
стр. 3286
نزاع فى أعلام شرعى
المفتي
أحمد هريدى.
ربيع الآخر ١٣٨٥ هجرية - ١٢ يولية ١٩٦٥ م
المبادئ
وجود نزاع فى الوراثة أو فى دليلها يقتضى رفع الأمر إلى القضاء للفصل فى النزاع بحكم ملزم
السؤال
من السيد/.
بالطلب المتضمن أن رجلا توفى سنة ١٩٢٥ عن أولاد ذكور وإناث، وقد قاموا بعمل إشهاد شرعى بوفاة والدهم وإثبات ورثته الشرعيين، وأثناء السير فى المادة تقدم اثنان ذكر وأنثى إلى المحكمة وقالا إنهما ولدا المتوفى، وقدما للإثبات شهادتى ميلادهما على أنهما من سيدة أخرى كان المتوفى يعاشرها حال حياته وليس لديهما وثيقة شرعية، ولا يعلم الورثة عن ذلك شيئا، وأنكروا نسبة الولدين المذكورين إلى مورثهم، وطلب السائل بيان ما إذا كان للولدين المذكورين حق فى ميراث المتوفى المذكور.
وهل يكونان من أولاده
الجواب
إذا قدم الولدان اللذان يدعيان أنهما ولدا المتوفى ما يثبت نسبهما منه شرعا كانا ولديه ويرثان منه ميراث الأولاد، وكانت لهما سائر الحقوق التى للأولاد الشرعيين ثابتى النسب.
وإذا حصل نزاع فى نسبتها إلى الميت أو فى الدليل المقدم منهما لإثبات النسب فيجب رفع الأمر إلى القضاء ليفصل فى النزاع بحكم ملزم.
ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال. والله أعلم
стр. 3287
شهادة الكافر على المسلم
المفتي
أحمد هريدى.
ربيع الآخر ١٣٨٨ هجرية - ٢٠ يولية ١٩٦٨ م
المبادئ
١- شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر للضرورة بشرط عدم وجود مسلمين عند الحنابلة ويرى الإمامان مالك الشافعى عدم جواز شهادتهم مطلقا، لا على ذميين ولا على مسلمين، ويرى الإمام أبو حنيفة جواز شهادتهم على بعضهم فقط.
٢- مذهب الظاهرية عدم جواز قبول شهادة الكافر أصلا إلا على الوصية وفى السفر ويحلف الكافر مع شهادته.
٣- يرى الإمام ابن تيمية أن ما نقل عن الإمام أحمد من تعليل جواز هذه الشهادة وقبولها بالضرورة يدل على جوازها وقبولها فى كل ضرورة حضرا وسفرا
السؤال
من السيد/.
قال أن سيدة رفعت دعوى تطليق للضرر على زوجها وهما مسلمان أمام قضاء الأحوال الشخصية فى الجمهورية العربية المتحدة، وأن وقائع القضية وحوادثها وأسباب طلب التطليق حدثت بين الزوجين أثناء إقامتهما بالخارج فى بلد غير إسلامى، وفى مكان لم يوجد فيه أحد من المسلمين أثناء جريان الحوادث ووقوع الأسباب، وأهل المكان جميعا والجيران من غير المسلمين وقد شهدوا الحوادث وعلموا الأسباب، ولم يقبل القضاء شهادة أحد من هؤلاء المحيطين العالمين بحقيقة أمور الزوجين وأحوالهما، وما جرى بينهما بحجة أنه لا ولاية لكافر على مسلم.
ويقول السائل هل يضيع الحق نتيجة لهذه الظروف.
وهل تقف الشريعة الإسلامية جامدة أمام هذا الوضع، ولا تجد حلا لمثل هذه المشكلة يخرج الناس من الضيق والحرج ويطمئنهم على حقوقهم ويحفظ عليهم مصالحهم
الجواب
المسالة على هذا الوضع لها جانبان جانب القضية المعروضة على القضاء، والتى يطلب فيهل حل يكفل تحقيق العدالة وصيانة حقوق الزوجية ومصالحها وجانب المشكلة الناشئة من عدم قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين - أما الجانب الأول فإن قضاء الأحوال الشخصية فى الجمهورية العربية المتحدة مقيد بالنسبة لمسائل الأحوال الشخصية للمسلمين بما تقرره المادة ٢٨٠ من المرسوم بقانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية، والإجراءات المتعلقة بها، وهى تنص على مايأتى تصدر الأحكام طبقا للمدون فى هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة، ماعدا الأحوال التى ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة، فيجب فيها أن تصدر الأحكام طبقا لتلك القواعد وقد استبقى المشرع هذه المادة بنصها المذكور فى التنظيم القضائى الذى أعقب إلغاء المحاكم الشرعية، وإحالة المسائل التى كانت تفصل فيها إلى دوائر للأحوال الشخصية أنشئت بالمحاكم الوطنية، وبقى القضاء مقيدا بحكمها لا يملك أن يطبق غير الأحكام التى نصت عليها، وليس فى لائحة المحاكم الشرعية ولا فى القوانين التى صدرت لتلك المحاكم، ولا فى مذهب أبى حنيفة ما يجيز شهادة غير المسلمين على المسلمين، فلا يستطيع القضاء فى ظل هذا النظام أن يقبل هذه الشهادة فى موضوع القضية المعروضة وأما الجانب الثانى فإنا نطمئن السائل على أن الشريعة الإسلامية وهى التى عاشت قرونا متطاولة لم يتح لشريعة من الشرائع فى العالم كله أن تعيش مثلها، وفى هذا المدى الطويل طوفت فى الآفاق شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وتقبلت فى جميع البيئات والمجتمعات، ولاقت مختلف العادات والتقاليد وعاصرت الرخاء والشدة، والسيادة والاستبعاد، والحضارة والتخلف وحكمت فى أزهى العصور وأرقى المجتمعات، وواجهت فى ذلك كله الأحداث والمشاكل والحاجات، فلم تقصر عن حاجة، ولم تضق بمشكلة ولا قعدت عن الوفاء بأى مطلب، ولا تخلفت بأهلها فى أى وقت، ولكن تخلف أهلها حين فرطوا فيها وتهاونوا فى الاستمساك بعروتها الوثقى - هذه الشريعة تفيض بالرحمة واليسر - وإليكم بيان آراء الفقهاء والعلماء المسلمين فى حكم شهادة غير المسلمين على المسلمين - قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين.
فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين.
ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافون أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾ المائدة ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، قال أبو عبد الله أحمد بن محمد الأنصارى القرطبى المالكى فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن فى سبب نزول هذه الآيات لا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الدارى وعدى بن براء - روى البخارى والدارقطنى وغيرهما عن ابن عباس قال كان تميم الدارى وعدى يختلفان إلى مكة للتجارة فخرج معهما فتى من بنى سهم فى بعض الروايات مولى لبنى سهم يقال له بديل بن أبى مريم بتجارة فتوفى بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما بأن يبلغا ما ترك أهله - فى بعض الروايات وكانا نصرانيين، وأن الموصى كتب وصيته ثم جعلها فى المتاع فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب فاستحلفهما رسول الله ﷺ ما كتمتا ولا اطلعتما، ثم وجد الجام بمكة.
فقالوا اشتريناه من عدى وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمى فحلفا أن هذا الجام للسهمى ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال فخذوا الجام، وفيهم نزلت هذه الآيات - وقال فى تفسير الآيات.
وقد اختلف العلماء فى فهم قوله تعالى ﴿ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول - أن الكاف والميم فى قوله سبحانه ﴿منكم﴾ ضمير للمسلمين وقوله أو آخران من غيركم للكافرين.
فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر إذا كانت بوصية، وهو الأشبه بسياق الآية مع ما تقرر من الأحاديث التى وردت فى أسباب نزول الآيات وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل.
أبى موسى الأشعرى وعبد الله بن قيس وعبد الله بن عباس - فمعنى الآية على هذا القول - أن الله تعالى أخبر أن حكمه فى الشهادة على الموصى إذا حضره الموت أن يكون شهادة عدلين، فإن كان فى سفر وهو الضرب فى الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين فليشهد شاهدان ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الشهادة أنهما ما كذبا وما بدلا وأن ما شهدا به حق، وما كتما فيه شهادة، وحكم بشهادتهما.
فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم - حلف رجلان من أولياء الموصى، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما - هذا معنى الآية على مذهب أبى موسى الأشعرى وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبى مجلز وشريح وعبيدة السلمانى وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدى وابن عباس وغيرهم وقال به من الفقهاء سفيان الثورى ومال إليه أبو عبيد القاسم ابن سلام لكثرة من قال به واختاره أحمد بن حنبل وقال شهادة أهل الذمة جائز على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين وكلهم يقولون منكم من المؤمنين ومعنى من غيركم يعنى الكفار والآية محكمة على مذهب أبى موسى وشريح وغيرهما.
القول الثانى - أن قوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم والنخعى ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء، إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض، ولا تجوز على المسلمين.
واحتج أصحاب هذا القول بقوله تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقوله ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل، وأن فيها ممن ترضون من الشهداء فهو ناسخ لذلك.
ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة، فجازت شهادة أهل الكتاب.
والإسلام اليوم قد طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.
قال القرطبى قلت ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبة وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر خاصة للضرورة، بحيث لا يوجد مسلم، وأما مع وجود مسلم فلا.
ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهدوا التنزيل.
وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة، وليس ذلك فى غيره، ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما إنه لا منسوخ فيها وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ، ولا يمتنع اختلاف الحكم عن الضرورات ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة فليس فيما قالوه ناسخ.
القول الثالث - أن الآية لا نسخ فيها.
قاله الزهرى والحسن وعكرمة ويكون معنى قوله تعالى ﴿منكم﴾ أى من عشيرتكم وقرابتكم، لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان - ومعنى قوله ﴿أو آخران من غيركم﴾ أى من غير العشيرة والقرابة، وقد نقل القرطبى عن أبى جعفر التماس مناقشة هذا التفسير.
ثم قال على أنه قد عورض هذا القول بأن فى أول الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فالخطاب لجماعة المؤمنين فيكون قوله منكم من المؤمنين المخاطبين فى الآية وقوله من غيركم من غير المؤمنين ولم يجر للعشيرة ولا للقرابة ذكر مطلقا.
وقد روى الإمام البخارى فى صحيحه فى كتاب الوصايا.
الحديث الذى ذكرناه عن القرطبى فى أسباب نزول هذه الآيات من طريق محمد بن أبى القاسم عن عبد الملك ابن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس معبرا عن سماعه بقوله، وقال لى على بن عبد الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن أبى زائدة عن محمد ابن أبى القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس إلخ وجاء فى فتح البارى بشرح صحيح البخار للإمام الحافظ بن حجر العسقلانى الشافعى فى شرح هذا الحديث ما يأتى واستدل بهذا الحديث على جواز شهادة الكفار بناء على أن المراد بالغير فى قول الله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ الكفار - والمعنى منكم أى من أهل دينكم أو آخران من غيركم من غير أهل دينكم وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ.
منهم ابن عباس وأبو موسى الأشعرى وسعيد بن المسيب وشريح وابن سيرين والأوزاعى والثورى وأبو عبيد وأحمد وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية، وقوى ذلك حديث الباب فإن سياقه مطابق لظاهر الآية.
وقيل المراد بالغير العشيرة. والمعنى منكم أى من عشيرتكم أو آخران من غيركم أى من غير عشيرتكم وهو قول الحسن.
وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة وأن ناسخها قوله تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ واحتجوا بالإجماع على رد شهادة الفاسق، والكفر شر من الفاسق.
وأجاب الأولون بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما وبأن سورة المائدة محكمة.
وعن ابن عباس أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين فإن اتهما استحلفا أخرجه الطبرى بإسناد رجال ثقات وأنكر أحمد على من قال إن هذه الآية منسوخة وصح عن أبى موسى الأشعرى أنه عمل بذلك بعد النبى ﷺ فقد روى أبو دواد بإسناد رجال ثقات عن الشعبى قال حضرت رجل من المسلمين الوفاة بدقوقا (ويقال دقوقاء بالمد وهى مدينة بالعراق بين أربل وبغداد) ولم يجد أحدا من المسلمين فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة بتركته ووصيته فأخبر الأشعرى فقال هذا لم يكن بعد الذى كان فى عهد رسول الله ﷺ فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا كتما ولا بدلا وأمضى شهادتهما.
ورجحه الفخر الرازى وسبقه الطبرى لذلك لأن قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ خطاب للمؤمنين فلما قال ﴿أو آخران من غيركم﴾ وصح أنه أراد غير المخاطبين تعين أنهما من غير المؤمنين وأيضا فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطا بالسفر وأن أبا موسى حكم بذلك ولم ينكره أحد من الصحابة فكان حجة إلى أن قال وقد قبلت شهادة الكافر فى بعض المواضع كما فى الطب.
وجاء - فى كتاب أحكام القرآن فلإمام حجة الإسلام أبى بكر الجصاص الحنفى فى تفسير هذه الآيات - قد اختلفوا فى معنى الشهادة ههنا قال قائلون هى الشهادة على الوصية فى السفر واجازوا بها شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر وروى الشعبى عن أبى موسى الأشعرى أن رجلا مسلما توفى بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فأحلفهما أبو موسى بع العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا.
وأنها لوصية الرجل وتركته، وأمضى أبو موسى شهادتهما وقال هذا أمر لم يكن بعد الذى كان فى عهد رسول الله ﷺ فذهب أبو موسى إلى أنها الشهادة على الوصية التى تثبت بها عند الحكام وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ.
وروى مثله عن شريح وهو قول الثورى وابن أبى ليلى والأوزاعى وروى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين وعبيدة وشريح والشعبى.
وقال آخرون إن الشهادة هنا أيمان الوصية بالله إذا ارتاب الورثة بهما، وهو قول مجاهد مرغوب عنه، وإن كانت اليمين قد تسمى شهادة فى نحو قوله تعالى ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ النور ٦، لأن الشهادة إذا أطلقت فهى الشهادة المتعارفة التى تقام عند الحكام كقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ الطلاق ٢، ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ البقرة ٢٨٢، ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ البقرة ٢٨٢، ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ الطلاق ٢، وكذلك ما هنا قوله تعالى ﴿شهادة بينكم﴾ وقوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ الخطاب فيه للمؤمنين الموجه إليهم النداء فى صدر الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أى إن لم يوجد شاهدان من المؤمنين فآخران من غير المؤمنين، والتأويل بأن المراد من غير قبيلتكم لا معنى له، إذا لم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع إليه الكناية، فالكناية إنما ترجع إلى ظاهر مذكور فى الكلام أو معلوم بدلالة الحالة، فاقتضت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر وقد اختلف فى بقاء هذا الحكم ونسخه.
فذهب أبو موسى الأشعرى ومن ذكرنا من الفقهاء إلى أنه باق وثابت لم ينسخ، وروى عن إبراهيم النخعى أن الآية منسوخة نسختها وأشهدوا ذوى عدل منكم وروى ضمرة ابن جندب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله ﷺ (المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) والآية تدل على جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر سواء أكان فى الوصية بيع أو إقرار بدين أو وصية بشئ أو هبة أو صدقة، إذ يشمل اسم الوصية ذلك كله إذا عقد فى المرض.
ثم قد روى أن آية الدين من آخر ما نزل من القرآن فهى ناسخة لحكم هذه الآية وهو جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر، لأن الخطاب فيها للمؤمنين.
وقد قيل فيها ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ البقرة ٢٨٢، والكفار غير مرضيين فى الشهادة على المسلمين، وهى عامة فى السفر وغير السفر وفى الوصية وغيرها، فتكون ناسخة لحكم آية المائدة التى معنا - انتهى بتصرف.
وجاء فى كتاب الطرق الحكمية فلإمام المجتهد أبى عبد الله محمد بن أبى بكر الحنبلى المعروف بابن القيم - (أما المسألة الثانية وهى قبول شهادة الكفار على المسلمين فى السفر فقد دل عليها صريح القرآن وعمل بها الصحابة، وذهب إليها فقهاء الحديث - قال صالح بن أحمد قال أبى لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا فى موضع فى السفر الذى قال الله تعالى فيه ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض﴾ فأجازها أبو موسى الأشعرى، وقد روى عن ابن عباس أو آخران من غيركم من أهل الكتاب وهذا موضع ضرورة، لأنه فى سفر ولا تجد من يشهد من المسلمين، وإنما جاءت فى هذا المعنى.
وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجى سألت أحمد فذكر هذا المعنى.
قلت فإن كان ذلك على وصية المسلمين هل تجوز شهادتهم قال نعم إذا كان على الضرورة - قلت أليس يقال هذه الآية منسوخة قال من يقول وأنكر ذلك.
قال وهل يقول ذلك إلا إبراهيم وقال فى رواية ابن عبد الله تجوز شهادة النصرانى واليهودى فى الميراث على ما أجاز أبو موسى فى السفر وأحلفه وقال فى رواية أبى الحارث لا تجوز شهادة اليهودى والنصرانى فى شئ إلا فى الوصية فى السفر إذا لم يوجد غيرهم - قال الله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾ فلا تجوز شهادتهم إلا فى هذا الموضع، وهذا مذهب قاضى العم والعدل شريح وقول سعيد بن المسيب وحكاه عن ابن عباس وأبى موسى الأشعرى) ثم ساق ابن القيم حديث قبول أبى موسى الأشعرى شهادة النصرانيين من أهل دقوقا على وصية المسلم فى السفر وحكمه بها، وحديث ابن عباس عن تميم الدارى فى سبب نزول الآية موضوع البحث والقول بهذه الآية هو قول جمهور السلف وقالت عائشة رضى الله عنها سورة المائدة آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها حراما فحرموه، وصح عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية.
هذا لمن مات وعنده المسلمون فأمر الله أن يشهد فى وصيته عدلان من المسلمين ثم قال تعالى ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض﴾ فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين فأمر الله أن يشهد على وصيته رجلان من غير المسلمين وقد تقدم أن أبا موسى حكم بذلك، وقال سفيان الثورى عن أبى اسحق البيعى عن عمرو بن شرحبيل - ولم ينسخ من سورة المائدة شئ - وعن سعيد بن المسيب ﴿أو آخران من غيركم﴾ من أهل الكتاب وفى رواية ابن جبير ومجاهد ويحيى وابن سيرين فهؤلاء أئمة المسلمين أبو موسى الأشعرى وابن عباس وروى نحو ذلك عن على رضى الله عنه - ذكر ذلك أبو محمد بن حزم وذكره أبو يعلى عن ابن مسعود ولا مخالف لهم من الصحابة.
ومن التابعين عمرو بن شرحبيل وشريح وعبيدة والنخعى والشعبى والسعيدان وأبو مجلز وابن سيرين ويحيى بن يعمر، ومن تابعى التابعين كسفيان الثورى ويحيى بن حمزة والأوزاعى، وبعد هؤلاء كأبى عبيد وأحمد بن حنبل وجمهور فقهاء أهل الحديث، وهو قول جميع أهل الظاهر.
وخالفهم آخرون. ثم اختلفوا فى تخريج الآية على ثلاثة طرق أحدها أن المراد بقوله من غيركم من غير قبيلتكم.
روى ذلك عن الحسن والزهرى - والثانى أن الآية منسوخة وهذا مروى عن زيد بن أسلم وغيره.
والثالث - أن المراد بالشهادة فيها أيمان الوصى بالله تعالى للورثة لا الشهادة المعروفة، وساق ابن القيم المناقشة بين الآخذين بالآية والمؤولين لها احتجاجا وردا.
ثم قال فظهر أن القول بموجب هذه الآية هو الحق الذى لا نعدل عنه نصا وقياسا ومصلحة.
وبالله التوفيق - قال شيخنا ﵀ (يعنى الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية وقول الإمام أحمد فى قبول شهادتهم فى هذا الموضع هو ضرورة يقتضى هذا التعليل قبولها فى كل ضرورة حضرا وسفرا وعلى هذا لو قيل يحلفون فى شهادة بعضهم على بعض كما يحلفون فى شهادتهم على المسلمين فى وصية السفر لكان منسوخها - ولو قيل تقبل شهادتهم مع ايمانهم فى كل شئ عدم فيه المسلمون لكان له وجه ويكون بدلا مطلقا - قال الشيخ ويؤيد هذا ما ذكره القاضى وغيره - محتجا به - وهو فى الناسخ والمنسوخ لأبى عبيد أن رجلا من المسلمين خرج فمر بقرية فمرض ومعه رجلان من المسلمين فدفع إليهما ماله ثم قال ادعوا لى من أشهده على ما قبضتماه فلم يجدا أحدا من المسلمين فى تلك القرية، فدعوا أناسا من اليهود والنصارى فأشهدهم على ما دفع إليهما وذكر الوصية، فانطلقوا إلى ابن مسعود فأمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق فحلفوا.
فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودى والنصرانى وذلك فى خلافة عثمان رضى الله عنه فهذه شهادة للميت على وصيته، وقد قضى بها ابن مسعود مع يمين الورثة لأنهم المدعون وقد ذكر القاضى هذا فى مسألة دعوى الأسير إسلاما فقال وقد قال الإمام أحمد فى السبى إذا ادعوا نسبا وأقاموا بينة من الكفار قبلت شهادتهم.
نص عليه فى رواية حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم لأنه قد تتعذر البينة العادلة، ولم يجز ذلك فى رواية عبد الله وأبى طالب قال شيخنا رحمه الله تعالى فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص فيه وفيه روايتان.
لكن التحليف ههنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال لأنه إنما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا كما فى مسألة الوصية بخلاف ما إذا كانوا أصولا.
والله أعلم - ويقول الإمام أبو محمد بن حزم الظاهرى إمام أهل الظاهر بالأندلس فى كتابه المحلى (لا يجوز أن يقبل كافر أصلا لا على كافر ولا على مسلم حاشا الوصية فى السفر فقط، فإنه يقبل فى ذلك مسلمان أو كافران من أى دين كانا، أو كافر وكافرتان، أو أربع كوافر، ويحلف الكفار ههنا مع شهادتهم بعد الصلاة لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين - برهان ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ الحجرات ٦، والكافر فاسق فوجب أن لا تقبل.
وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض﴾ فوجب أخذ حكم الله كله.
وأن يستثنى الأخص من الأعم ليتوصل بذلك إلى طاعة الجميع) هذا جانب يسير من النصوص التى تزخر بها كتب الفقه والتفسير والحديث تبين آراء العلماء والفقهاء فى شهادة غير المسلمين على المسلمين، وتدل دلالة صريحة وقاطعة على أن كثيرا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وفقهاء الأمصار والأئمة المجتهدين يرون جواز هذه الشهادة ويقبلونها فى القضاء ويحكمون بها، وإن كانوا يختلفون بعد ذلك فى النطاق والمسائل التى تقبل فيها هذه الشهادة.
وقد رأينا فيما ذكره الإمام القرطبى أنه لا مانع من اختلاف الحكم عند الضرورة وأنه يجوز أن يكون الكافر ثقة عند المسلم، ويرتضيه عند الضرورة، وهذا يشير إلى أن جواز شهادة غير المسلم على المسلم إنما هو للضرورة وفى حالة قيامها.
وفيما تقل عن ابن عباس ما يشير إلى ذلك أيضا وفيما نقل عن الإمام أحمد التصريح بأن جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين هو ضرورة وقد نقل ابن القيم عن شيخه الإمام المجتهد ابن تيمية أنه قال إن ما نقل عن الإمام أحمد من تقليل جواز هذه الشهادة وقبولها للضرورة يدل على جوازها وقبولها فى كل ضرورة حضرا وسفرا وأنه لو قيل تقبل شهادتهم مع أيمانهم فى كل شئ عدم فيه المسلمون لكان له وجه وتكون بدلا مطلقا.
ومن ثم جرى فيها الحلف. وقد رأينا مما ذكرنا أن القائلين بعدم جواز قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين فى أى مجال أو نطاق لم يبنوا جميعهم آراءهم على أساس أن الشهادة من باب الولاية، وأنه لا ولاية لكافر على مسلم وإنما بنى أكثرهم الرأي على معان أخرى تتصل بالشروط والمعانى التى اعتبروا توافرها أساسا لقبول الشهادة ولا نريد بما ذكرنا أن نستبيح حكما أو نقرر رأيا فى الموضوع.
وإنما نريد أن نبين أن فى آراء الفقهاء المسلمين ما فيه العلاج الحاسم لهذه المشكلة التى برزت فى حياة الناس، واستعصى على القضاء حلها فى ظل النظام القائم، وقد تتوالى الحوادث وتبدوا المشكلة فى صورة أو أخرى أشد تعقيدا وأكثر إلحاحا فى طلب الحل، وسيبقى القضاء عاجزا عن الحل وغير قادر على مواجهة طلبه مادام هذا الوضع قائما - وقد تضيع حقوق وتهدر مصالح - الأمر الذى لا يمكن قبوله والسكوت عليه.
ولقد كشف التطور الاجتماعى الذى أحدثته الثورة عن ضرورة إحداث تغيير جذرى وشامل فى الأوضاع والنظم والأحكام التى تسود حياة المجتمع، وقامت نهضة تشريعية شاملة تناولت بالتغيير والتبديل النظم والقوانين والأحكام القائمة فى جميع النواحى والجوانب والفروع.
وكان من نتيجة ذلك أن ألفت لجنة لوضع تشريع شامل مستمد من الشريعة الإسلامية، والفقه الإسلامى لتنظيم مسائل الأحوال الشخصية بفروعها المختلفة، وقامت اللجنة فعلا بوضع تشريع شامل اختارت أحكامه من أقوال الفقهاء المسلمين غير متقيدة برأى فقيه ولا بأرجح الأقوال فى مذهب فقيه، بل استهدفت علاج المشاكل التى لازمت التطور الاجتماعى العميق الشامل وكشف عنها التطبيق والعمل فى ظل النظام القائم.
وقدمت اللجنة المشروع إلى وزارة العدل، ولا يزال لدى الوزارة إلى الآن.
وحبذا لو أمكن أن يعاد المشروع إلى اللجنة لتعيد النظر فيه، وتعالج هذه المشكلة موضوع البحث، وما عسى أن يظهره البحث أو تتمخض عنه الحوادث من مشاكل أخرى تمس حياة الناس ومصالحهم.
وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
стр. 3288
صحة الشهادة ومدى حجية الصور الفوتوغرافية
المفتي
أحمد هريدى.
ربيع الأول ١٣٨٩ هجرية - ٢٢ مايو ١٩٦٩م
المبادئ
١- قول المدعى أمام القاضى لا بينة لى على الدعوى أو ليس عندى شهود عليها سوى أشخاص عينهم.
ثم أحضر شهودا أو أحضر غير من عينهم لا يسمع القاضى ولا يقبل شهادة واحد منهم إذا سمعها عملا بالمادة ١٩١ من القانون ٧٨ سنة ١٩٣١ وهذا هو رأى أبى حنيفة.
ويرى الإمام محمد من الحنفية قبول الشهادة فى الصورتين فى الأصح وهو الأرجح فى المذهب.
٢- مذهب المالكية فى ذلك أنه إن عجز المدعى نفسه عن البينة ثم أتى ببينة كنت عنه غائبة غيبة بعيدة، وثبت عذره فى عدم الإتيان بها تقبل بينته، كما يرى المالكية أنه إذا سمع القاضى شهوده ثم أراد إحضار بينة أخرى على الدعوى لا يمنع من ذلك وتقبل منه إلا فى حالة ما إذا استوثق القاضى واستقصى ما عند المدعى بكل الطرق اللهم إلا إذا أثبت عذرا لدى القاضى.
٣- إذا قدم المدعى شهودا لم تثبت الدعوى بشهادتهم، فطلب المدعى التأجيل لسماع شهادة امرأة واحدة يجوز للقاضى القضاء برفض الدعوى مادامت شهادتها وحدها لا تكفى فى إثبات الدعوى.
٤- الشهادة بحق من حقوق العباد يجب أن تكون مسبوقة بدعوى صحيحة شرعا.
٥- يشترط فى صحة الشهادة أن تكون موافقة للدعوى نوعا وكما وكيفا وفعلا وانفعالا ووصفا وملكا ونسبة.
فإن اختل شرط من ذلك لا تقبل ولا يحكم بمقتضاها.
٦- الشهادة بأقل مما ادعاه المدعى لايقتضى رفض الدعوى ولكن يستوجب الحكم بما شهد به الشهود فقط، وترفض الدعوى بالنسبة للباقى.
٧- الموافقة اللفظية بين الدعوى والشهادة ليست ضرورية بل تكفى الموافقة فى المعنى.
٨- لا يلزم فى صحة الشهادة أن يبين الشاهد مصدر علمه بما شهد به.
٩- للقاضى سؤال الشاهد عن الأزمنة والأمكنة والألوان والأوصاف والتفاصيل التى تتعلق بوقائع الدعوى وحوادثها، كما أن له أن يسأله عن مصدر علمه بما شهد للتوثيق، ومعرفة أنه شهد عن علم لا عن مجرد سماع من الغير أو ظن بما يشهد.
١٠- إذا أغفل الشاهد بيان مصدر علمه بما شهد ولم يسأله القاضى عن ذلك فإن هذا وحده لا تأثير له فى صحة شهادته، فإذا رد القاضى شهادته لهذا السبب وحده كان ذلك مخالفا للقانون، لأن الأمر فى هذه الحالة لا يخضع لسلطة القاضى فى تقدير الدليل، وإنما يصبح منطويا على مخالفة للقانون.
١١- لا يجوز الأخذ بالصور الفوتوغرافية للأوراق والمستندات الكتابية فى حالة عدم وجود أصلها
السؤال
بالطلب المتضمن أن هناك نزاعا مرددا أمام القضاء بإحدى الدول العربية الشقيقة حول ملكية عقار، وأنه يراد استطلاع الرأى لدى الحنفية والمالكية وما تقتضيه أحكام المجلة العدلية فى المسائل الآتية: أولا - إذا استشهد المدعى بشهود توفرت فيهم شروط الشهادة الشرعية وحضر بعض هؤلاء وأدوا الشهادة أمام القاضى، وطلب المدعى التأجيل لحضور الباقيين وسماع شهادتهم.
فهل يجوز للقاضى أن يحكم فى الدعوى دون انتظار لسماع شهادة الشهود الذين لم يحضروا رغم اصرار المدعى على سماع شهادتهم وفى واقعة النزاع استشهد المدعى بثلاثة رجال وسيدة وسمعت المحكمة شهادة الرجال الثلاثة ولم تحضر السيدة وتمسك المدعى بسماع شهادتها وطلب التأجيل لحضورها.
فهل يجوز للقاضى أن يقضى برفض الدعوى دون انتظار لساع شهادة السيدة بمقولة أن شهادتها لا جدوى منها ثانيا - هل ينبغى لاعتبار الشهادة موافقة للدعوى أن يبين الشاهد مصدر علمه بما شهد به ولو لم يطلب إليه القاضى ذلك، فإذا قال الشاهد الدار المتنازع عليها ملك المدعى أو ملك مورثه، فهل يلزم للأخذ بشهادته بيان مصدر علمه بذلك ولو لم يستوضحه القاضى ويطلب إليه البيان ثالثا - ما هو الحكم فى الشريعة الإسلامية بشأن حجية الصورة الشمسية (الفوتوغرافية) كدليل ومدى إمكان الاعتداد بها فى الإثبات فى حالة عدم وجود الأصل الذى أخذت منه الصورة.
وهل يصح قضاء القاضى برفض الاستدلال بالصورة الشمسية فى هذه الحالة مطلقا بمقولة أنها عاطلة عن الحجية ما لم يقدم أصلها
الجواب
عن النقطة لأولى ذكر الفقهاء أن المدعى إذا قال للقاضى - عند طلب البينة منه على دعواه - لا بينة لى على الدعوى.
أو ليس عندى على ما أدعى به سوى فلان وفلان وعد شهودا وعينهم، ثم أحضر شهودا فى الصورة الأولى، أو أحضر غير الذين عينهم فى الصورة الثانية، لا يقبل القاضى شهادة الذين أحضرهم ولا يسمع شهادتهم، ولا تثبت الدعوى بشهادتهم إذا سمعت.
وعللوا ذلك بأن المدعى حين ذكر أن لا بينة له أو ليس عنده شهود يعتبر مكذبا لهؤلاء الشهود الذين أحضرهم.
والمقرر أن من شروط صحة الشهادة عدم تكذيب المدعى لشهوده.
ومن ثم لم تقبل شهادتهم وهذا عند الإمام أبى حنيفة. وقال الإمام محمد بن الحسن تقبل شهادة هؤلاء الشهود لاحتمال أن المدعى قد نسى أولا ثم تذكر ثانيا، فلا يحمل ما صدر منه على التكذيب ومثل ذلك ما إذا قال الشاهد لا شهادة لى على هذه الدعوى ثم شهد عليها بعد ذلك لا تقبل شهادته عند أبى حنيفة وتقبل عند محمد والأصح قول محمد وهو قبول الشهادة.
غير أن المشرع المصرى قد رأى الأخذ بالقول المخالف للأصح، ونص فى المادة رقم ١٩١ من المرسوم بقانون رقم ٧٨ سنة ١٩٣١ بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية على منع القضاة من سماع الشهادة فى الصور المذكور، وعدل بذلك عما هو مقرر أساسا فى المادة رقم ٢٨٠ من هذا القانون من أن يقضى بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة سدا لباب التحايل وإحضار الشهود المأجورين ومنعا للفساد بقدر الإمكان، وطبقا للقول الراجح فى مذهب الحنفية يقبل من المدعى فى حادثة الدعوى أى شهود يحضرهم ممن عينهم ومن غيرهم.
أما فى مذهب المالكية فقد جاء فى الجزء الأول من تبصرة الحكام لابن فرحون المالكى صفحة ٤١ طبع المطبعة البهية بمصر سنة ١٣٠٢ هجرية ما يأتى مسألة - قال ابن حبيب قال مطرف فى القاضى يتواضع الخصمان عنده الحجج، فيقول لهما اجتهدا فغنى لسن أقيلكما فيضعان حجتهما ويوقع ذلك فى ديوان القاضى.
ثم يريد أحدهما أن يتحول من حجته إلى حجة أخرى فإنى أرى له أن يقبل الناس من حججهم ولا يظفرها عليهم حججا لا ينتقلون عنها إلى غيرها، لأن الرجل قد يضع حجته فيسقط منها كثيرا نسيانا لها أو عجلا أو حصرا.
إلا أن يستوعب أمر الخصمين بالكشف عن أمرهما ويعجزا أنفسهما ويقولا له ليس عندنا من البينة والحجج إلا الذى وضعناه عندك.
ثم إن القاضى وقف ليستشير فى ذلك فحينئذ إن بدا لأحدهما أن ينتقل عن حجته تلك إلى غيرها تكون أنفع له لم يكن له ذلك إلا أن يرى القاضى لذلك وجها ويثبت عنده عذره، فإن أتى ببينة وكان قد عجز نفسه عنها فإن رأى السلطان أن بينته تلك كانت غائبة عنه غيبة بعيدة أو لم يكن يعرف بها قبل ذلك منه ونظر له ما لم يفصل الحكم بينهما إلى أن قال.
قال فضل بن مسلمة قال ابن عبدوس.
حكى ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك رضى الله عنه أنه إذا أتى ببينة لم يكن علم بها أنه يقوم بها.
وهذا النص صريح فى أن المدعى إذا قدم بينة على دعواه وسمع القاضى الشهادة ودونها ثم بدا للمدعى أن يحضر ببينة أخرى على الدعوى فإن المذهب أن تقبل منه البينة ولو كان قد عجز نفسه، أو قال ليس عندى سوى ما قدمت من بينة، لأن الرجل قد يترك شهودا له يعرفون حقه ويشهدون به إما نسيانا أو تعجلا أو حصرا بتأثير الخوف والهيبة، أو عدم معرفة منه بهؤلاء الشهود ثم ينكشف له الأمر ولا يستثنى من ذلك إلا حالة واحدة لا يقبل فيها منه البينة الأخرى وهى ما إذا كان القاضى قد استوثق من أمر المدعى واستقصى ما عنده بكل الطرق وعجز المدعى نفسه وقال ليس عندى من الحجج سوى ما قدمت، وحتى فى هذه الحالة إذا بدا للقاضى أن للمدعى عذرا ووجها فيما قرره وصدر منه وثبت عنده عذره فإن له أن يقبل ببنته فى هذه الحالة، وذلك كله ما لم يكن قد فصل فى الدعوى.
ولكن هل أبدى المدعى فى حادثة الدعوى استعداده لتقديم بينة على دعواه غير التى قدمها وطلب إلى القاضى سماع بينته إذا كان قد فعل فقد طلب حقا مشروعا ومقررا لا يجوز حرمانه منه وإن كان قد اقتصر على من استشهد بهم وتمسك فقط بسماع شهادة السيدة التى لم تحضر، وكان القاضى قد رأى - فى تقديره - أن شهادة الرجال الثلاثة غير كافية للإثبات بقطع النظر عن سلامة التقدير أو قابليته للمناقشة فإنه فى هذه الحالة يجوز للقاضى على أساس تقديره أن يقضى برفض الدعوى دون انتظار لسماع شهادة السيدة، لأن شهادتها وحدها لا تكفى لإثبات الدعوى، إذ أن موضوعها ليس مما يقضى فيه بشهادة امرأة واحدة فلا جدوى من سماع شهادتها إذن.
عن النقطة الثانية نص الفقهاء على أن الشهادة إذا كانت بحق من حقوق العباد وجب أن تسبقها دعوى صحيحة شرعا، ووجب لصحتها أن تكون موافقة للدعوى نوعا وكما وكيفا وفعلا وانفعالا ووصفا وملكا ونسبة، فلو ادعى عشرة جنيهات وشهد الشهود عشرين جنيها، أو ادعى سرقة ثوب وشهدوا بغصبه منه، أو ادعى قتل وليه وشهدوا بالضرب، أو ادعى عقارا محدودا بحدود معينة وشهدوا بعقار محدد بحدود أخرى، أو ادعى زواج ابنته فاطمة وشهدوا بزواج أخته زينب لم تكن الشهادة موافقة للدعوى فى جميع هذه الصور.
وبالتالى لا تقبل ولا يحكم بمقتضاها - العناية وتكملة ابن عابدين من باب الدعوى) وليست الموافقة فى اللفظ بين الشهادة والدعوى ضرورية، بل تكفى الموافقة فى المعنى، وليس كل اختلاف بين الشهادة والدعوى يضر ويمنع من قبول الشهادة، فلوا شهدا بأقل مما ادعاه المدعى تقبل ويقضى بما شهدا به من الدعوى وترفض فى الباقى، وليس من عناصر التوافق بين الشهادة والدعوى بيان الشاهد مصدر علمه بما شهد به، لأنه ليس من عناصر الدعوى ووقائعها شئ يتعلق بذلك حتى تلزم موافقة الشهادة فيه.
والقاضى حين يريد التوثق من الشاهد وشهادته والوقوف على مدى معرفته بما يشهد به وتمكنه منه يسأله عن الأزمنة والأمكنة والألوان والأوصاف والتفاصيل التى تتعلق بوقائع الدعوى وحوادثها، كما يسأله عن مصدر علمه بما شهد به للتوثيق ومعرفة أنه يشهد عن علم لا عن مجرد الظن أو بالسماع من الغير، لأن الشهادة بالسماع لا تقبل إلا فى مواضع معينة وفى المادة رقم ١٨٢ من المرسوم بقانون رقم ٧٨ سنة ١٩٣١ بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية يسأل القاضى الشاهد عن الأزمنة والأمكنة وغيرها وعن طريق علمه بالمشهود به وكيفية وصوله إليه، وعن مجلس الشهادة وغير ذلك مما تبين به درجة شهادته بدون حاجة إلى التزكية وإذا لم يطلب القاضى إلى الشاهد بيان مصدر علمه بما شهد به، ولم يبين الشاهد ذلك من تلقاء نفسه لا تعتبر شهادته مخالفة للدعوى، ولا يقدح فى سلامة شهادته وصحتها إذا كانت قد سلمت من أوجه النقص الأخرى التى تؤثر فى صحتها شرعا.
وإذا كان إغفال شهود المدعى فى حادثة الدعوى بيان مصدر علمهم بما شهدوا به هو وحده السبب فى رد شهادتهم فإن الأمر لا يبقى راجعا إلى سلطة القاضى فى تقدير الدليل، وإنما يصبح منطويا على مخالفة للقانون لأن ذلك لا يستوجب رد الشهادة شرعا كما ذكرنا - بيد أنه وردت فى الوقائع عبارة - إذا قال الشاهد إن الدار ملك المدعى أو ملك مورثه - وقد يؤخذ من هذه العبارة أن الشاهد ذكر أن طريق ملكية المدعى للعقار المتنازع عليه هو إرثه من مورثه وأشار إلى الوفاة والوراثة، فإن كان ذلك صحيحا فإنه يكون واجبا على الشاهد أن يبين وفاة المورث وورثته وملكيته للعين إلى وقت وفاته وتركها ميراثا لورثته ولو لم يسأله القاضى عن ذلك وإذا لم يبين ذلك ويستوفيه على الوجه الذى ذكره الفقهاء تكون شهادته ناقصة وغير صحيحة ولا يعول عليها.
ولا يعتبر هذا بيانا لمصدر علمه بما شهد به، بل هو من صلب الشهادة وتتمها يجب على الشاهد أن يذكره من تلقاء نفسه - تراجع التبصرة لابن فرحون المالكى جزء أول صفحة ١٩٩ وتكملة ابن عابدين فى فقه الحنفية جزء أول صفحة ١٩٤ وما بعدها طبع المطبعة الأميرية بمصر ١٢٩٩ هجرية عن النقطة الثالثة اختلف الفقهاء اختلافا كثيرا فى جواز الاعتماد فى الإثبات على الخط والأوراق والمستندات الكتابية والحكم بالحق على ذلك.
فجوزه بعض منهم ومنعه آخرون.
وقد أخذ المشرع المصرى برأى القائلين بالجواز وضمن القوانين الصادرة للمحاكم الشرعية بلوائح ترتيبها والإجراءات المتعلقة بها فى سنة ١٨٩٧، سنة ١٩١٠، سنة ١٩٣١ أحكاما واسعة فى الإثبات بالخط والأوراق والمستندات الكتابية وتنظيم الإثبات بها وطرق الطعن فيها.
ولم يكن تصوير المستندات والأوراق الكتابية معروفا من قبل، ومن ثم لم يبن الفقهاء - القائلون بجواز الاعتماد فى الإثبات على الخط والأوراق الكتابية - حكم الاعتماد على الصور الشمسية للأوراق كدليل على الدعوى، ومدى جواز الأخذ بها فى الإثبات.
وقد جرى القضاء فى المحاكم الشرعية على عدم جواز الأخذ بالصور الشمسية للأوراق والمستندات الكتابية فى حالة عدم وجود الأصل، لاحتمال أن يكون قد وقع فى الأصل تزوير على وجه لا يظهر ولا ينكشف فى الصورة كزيادة كلمة أو عبارة تغير مضمون السند أو تغير معنى فيه.
أى أن مبنى إهدار دلالة هذه الصور هو الاحتياط ومنع الضرر.
والشريعة تقتضى ذلك وتوجبه. ومن ثم يكون قضاء القاضى فى حادثة الدعوى برفض الاستدلال بالصورة الشمسية فى حالة عدم وجود أصلها بمقولة أنها عاطلة عن الحجية ما لم يقدم أصلها قضاء صحيحا.
ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال والله.
أعلم
стр. 3289
احتراف الموسيقى غير مسقط للشهادة
المفتي
أحمد هريدى.
شوال ١٣٨٩ هجرية - ١٧ ديسمبر ١٩٦٩ م
المبادئ
١- يشترط فى الشاهد العدالة الظاهرة.
٢- احتراف الموسيقى لا يسقط عدالة الشاهد ولا يسلبه أهلية الشهادة ما لم يصحب ذلك منكرا، أو لم تؤد إلى منكر أو محرم شرعا
السؤال
بالطلب المقدم من السيد / م ع المتضمن أن موسيقيا يمتهن الموسيقى ويتكسب من الألحان - تقدم للشهادة فى محكمة الأحوال الشخصية.
طلب السائل الإفادة عما إذا كانت شهادته تقبل أو لا تقبل
الجواب
يشترط فى الشاهد أن يكون عدلا - لقوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ والمقصود بالعدالة - هو العدالة الظاهرة، لأن الأصل فى المسلم أن يكون عدلا.
قال ﷺ المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا فى قذف.
واحتراف المسئول عنه للموسيقى لا يسقط عدالته ولا يسلبه أهلية الشهادة.
إذ أن الموسيقى تعتبر نوعا من الفن والمعرفة، ومن ثم لا يكون لها تأثير على قبول الشهادة، والعرف له أثره فى مثل هذا الاعتبار، إذ لم يرد من الشارع نص خاص يجعل احتراف الموسيقى أو تعلمها أو تعليمها منافيا للعدالة مادام لم يصحبها منكر، أو لم تؤد إلى منكر أو محرم.
ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال. والله أعلم
стр. 3290
الحلف بأيمان المسلمين ليس بطلاق
المفتي
محمد عبده.
جمادى الآخرة ١٣١٧ هجرية
المبادئ
١ - الحلف بأيمان المسلمين لا يقع به طلاق لأنه ليس من صيغ الطلاق.
٢ - لا يجوز للزوجة أن تمنه نفسها عن زوجها فى هذه الحالة
السؤال
امرأة تدعى على زوجها أنه حلف لها بأيمان المسلمين بجميع الطلاق والعتاق أن لا يفعل الأمر الفلانى وفعله ولا بينة لها وهو ينكر دعواها فهل على تصديقها يكون اليمين المذكور طلاقا ثلاثا أم طلقة واحدة رجعية أم بائنة أو لا يلزمه شىء، وعلى تصديقها يجوز لها أن تمكنه من نفسها مع عملها بحلفه أولا، ولو مكنته يكون عليها إثم أم لا
الجواب
حلف الشخص بأيمان المسلمين فيه بحث مشهور فى أن يقع به طلاق لو نواه أو صرح بشموله له كما فى واقعة السؤال.
فقد صرح جماعة بأنه يقع به طلقة رجعية إن نوى به الطلاق أو صرح بشموله.
كما فى قوله الحالف وقال آخرون لا يقع به شىء، لأنه ليس من صيغ الأيمان الشرعية والأيمان الشرعية والذى يظهر أنه كذلك فهو من اللغو الذى يريد قائله التغليظ على نفسه ويستحق التأديب عليه لأنه إحداث فى الشريعة لما ليس منها.
وعلى كل حال فليس للزوجة أن تمنع نفسها منه ولو علمت حلفه لأنه إن وقع عليه طلاق فهو رجعى ولا إثم عليها إن سلمت نفسها لزوجها.
هذا والله أعلم
стр. 3291
شهادة ويمين
المفتي
محمد عبده.
رمضان ١٣١٧ هجرية
المبادئ
١ - تحليف الشاهد غير جائز عندنا.
٢ - لا يشترط اليمين فى صحة الشهادة وإنما يجب ذكر لفظ أشهد.
إلا إذا اتهم القاضى شاهدا فله تحليفه جوازا إذا ألح الخصم فى طلب ذلك.
٣ - الحلف بلا داع ممقوت شرعا ومنهى عنه
السؤال
من الدكتور بشارة يوسف فيما إذا كانت الشريعة الإسلامية توجب على الشاهد تأدية اليمين لتكون شهادته مقبولة شرعا.
وإن كان ذلك غير واجب. فهل هو جائز على الإطلاق أو فى أحوال خاصة
الجواب
أما تحليف الشاهد فليس بجائز عندنا ولا تشترط اليمين فى صحة الشهادة.
وإنما يجب لصحة الشهادة ذكر لفظ أشهد فقط إلا إذا اتهم القاضى شاهدا فهل تحليفه جوازا فى حالة التهمة إذا ألح الخصم فى طلب ذلك.
وأما الحلف لغير داع فهو ممقوت شرعا منهى عنه كما فى قوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ البقرة ٢٢٤، ومن اليمين ما يكون مثبتا لحق أو دافعا لدعوى فمن وجهت إليه فهو مخير بين أن يحلف وبين أن يدع حقه أو يؤدى ما يطالبه به خصمه والله تعالى أعلم
стр. 3292
لا يحلف المفتى بأن هذا هو الحكم الشرعى
المفتي
محمد عبده.
محرم ١٣٣٢ هجرية
المبادئ
لا يتوقف العمل بفتوى المفتى على حلفه بأنها الحكم الشرعى لأن منزلته مع الحلف كمنزلته فى عدم الحلف فى قوته والعمل به
السؤال
من جناب الخواجة قسطندى كادينا فى الفتوى التى أعطيت بتاريخ ٣ محرم سنة ١٣٢٢ هجرية ٢٥٨ فتاوى المتعلقة ببنوة ولد لآخر بإقراره ببنوته على الوجه المسطور بالسؤال المحررة عليه هذا الفتوى.
هل هذه الفتوى نافذة ويعمل بها شرعا ولا يتوقف العمل بها على تحليف المفتى يمينا عليها وتكون منزلتها فى القوة منزلة ما لو حلف المفتى يمينا عليها.
أفيدوا الجواب
الجواب
فتوى المفتى هى إفادته للحكم الشرعى وهو لا شك يعمل به شرعا ولا يتوقف العمل به على حلف المفتى بأن هذا هو الحكم الشرعى لأن منزلته مع الحلف كمنزلته مع عدم الحلف فى قوته والعمل به - كما لا يخفى
стр. 3293
الحلف بغير الله لا يكون يمينا
المفتي
بكرى الصدفى.
ربيع الأول ١٣٢٩ هجرية
المبادئ
الحلف بغير الله لا يعتبر يمينا شرعا
السؤال
من حضرة أحمد أفندى أميرة تغيرت على إحدى السيدات المتصلات بها.
فحلفت يمينا بالصيغة الآتية وحياة النبى والبخارى لا ترى وجهى بعد الآن.
فهل هذه اليمين تمنع الأميرة من أن ترى السيدة المحلوف عليها كما كانت من قبل.
وإذا كانت اليمين تمنع فما كفارتها إن رضيت الأميرة عن المحلوف عليها وتريد التكفير عن يمينها أفيدوا الجواب ولكم الثواب
الجواب
فى رد المحتار عن الهداية ما نصه ومن حلف بغير الله تعالى لم يكن حالفا كالنبى والكعبة لقوله ﵊ (من كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر) .
ومن ذلك يعلم أن ما صدر من هذه الأميرة فى حادثة السؤال لا يمنعها من أن ترى المحلوف عليها كما كانت من قبل الأن ذلك ليس يمينا شرعا.
والله تعالى أعلم
стр. 3294
يمين وكفارة
المفتي
عبد الرحمن قراعة.
جمادى الآخرة ١٣٤٢ هجرية - ١٣ يناير ١٩٢٤ م
المبادئ
من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها كفر عن يمينه وأتى الذى هو خير
السؤال
فى حالف بالله ليفعلن شيئا من الأشياء ثم ظهر له أن غيره خير منه فهل له أن يفعل الذى هو خير ويكفر عن يمينه أولا.
وأى الأمرين أفضل أفعل ما حلف عليه أم عليه ما هو خير منه أفيدوا الجواب
الجواب
فى صحيح الإمام البخارى ما نصه حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبى بردة عن أبيه قال أتيت النبى ﷺ فى رهط من الأشعريين استحمله فقال.
والله لا أحملكم وما عندى ما أحملكم عليه قال ثم لبثنا ما شاء الله أن نلبث أتى بثلاث ذود، غر الذرى (بياض فى الجبهة، والأغر الأبيض من كل شىء) (الذود جمع ذادة.
وهى الراحلة من الابل) فحلمنا عليها فلما انطلقنا قلنا أو قال بعضنا والله لا يبارك لنا.
أتينا النبى ﷺ نستحمله فحلف أن يحملنا ثم حملنا فارجعوا بنا إلى النبى ﷺ فنذكره فأتيناه فقال ما أنا حملتكم بل الله حملكم وإنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى وأتيت الذى هو خير.
أو أتيت الذى هو خير وكفرت عن يمينى انتهى.
وفى شرح الدر أن المحلوف عليه إما فعل أو ترك وكل منهما إما معصية أو واجب كحلفه ليصلين الظهر.
وبره فرض. أو هو أولى من غيره أو غيره أولى منه كحلفه على ترك وطء زوجته شهرا ونحوه وحنثه أولى، أو يستويان كحلفه لا يأكل هذا الخبز مثلا وبره أولى وآية ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ تفيد وجوبه - ومن ذلك يعلم الجواب عن هذه الحادثة والله أعلم
стр. 3295
الحلف بالقرآن أو بآية منه يمين
المفتي
عبد المجيد سليم.
ربيع الثانى ١٣٥٨ هجرية ٣١ مايو ١٩٣٩ م
السؤال
هل الحلف بالقرآن العظيم كالحلف بالله تعالى بحيث ينعقد به اليمين ويأثم الحانث به وتلزمه الكفارة أم لا
الجواب
إطلعنا على هذا السؤال ونفيد أن الأئمة الثلاثة مالكا والشافعى وأحمد وعامة أهل العلم قد ذهبوا إلى أن الحلف بالقرآن أو بأية منه أو بكلام الله يمين.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الحلف بالقرآن ليس بيمين.
قال ابن قدامة - من الحنابلة فى المغنى ما نصه وجملته أن الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله يمين منعقدة تجب الكفارة به بالحنث فيها.
وبهذا قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك والشافعى وأبو عبيدة وعامة أهل العلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه. ليس بيمين ولا تجب به كفارة فمنهم من زعم أنه مخلوق ومنهم من قال لا يعهد اليمين به ولنا أن القرآن كلام الله وصفه من صفات ذاته فتنعقد اليمين به كما لو قال.
وجلال الله وعظمته. وقولهم هو مخلوق قلنا هذا كلام المتزلة وإنما الخلاف مع الفقهاء.
وقد روى عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال القرآن كلام الله غير المخلوق وقال ابن عباس فى قوله تعالى ﴿قرآنا عربيا غير ذى عوج﴾ الزمر ٢٨، أى غير مخلوق الخ ما قال وقد علل شمس الأئمة السر خس كون الحلف بالقرآن ليس يمينا بأن الناس لم يتعارفوا الحلف بالقرآن فقد جاء فى المبسوط من الجزء السابع صفحة ٢٤ ما خلاصته أنه إذا قال والقرآن لا أقربك لا يكون موليا لأن الناس لم يتعارفوا الحلف بالقرآن والمعتبر فى الأيمان العرف فكل لفظ لم يكن الحلف به متعارفا لا يكون يمينا.
وقد طعن عليه بعض الناس وقالوا القرآن كلام الله تعالى والكلام صفة المتكلم فلماذا لم يجعل الحلف بهذه الصفة يمينا ولكنا نقول.
كلام الله تعالى صفة ولكن الحلف به غير متعارف.
فكان هذا بمنزلة قوله. وعلم الله. وكذلك اختار صاحب الهداية فى تعليل كون الحلف بالقرآن غير يمين على مذهب متقدمى الحنفية أنه غير متعارف ومن أجل ذلك ذهب صاحب فتح القدير إلى أنه يمين لأن العرف الآن الحلف بالقرآن وبهذا يتبين أن الحلف بالقرآن الآن يمين عند الحنفية أيضا للعرف كما قال صاحب الفتح فلا فرق الآن بين الحلف بالقرآن والحلف باسم من أسمائه تعالى وبهذا علم الجواب عن السؤال والله أعلم
следующие страницы →