Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
الحكمة من التفريق بين بول الصبى والصبية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك من حكمة للتفريق بين بول الصبى وبول الصبية؟
الجواب
مبدئيا أقول: تنفيذ الأحكام الشرعية لا يشترط له النص على حكمة مشروعيتها، ولا فهم هذه الحكمة، فإن كانت منصوصة فبها، وإلا كان علينا الاتباع ولا بأس من البحث لالتماس حكمة للتشريع، وسواء صح ما وصل إليه البحث أو لم يصح فذلك لا يؤثر على الحكم الشرعى، وقد حاول العلماء أن يجدوا حكمة لهذا التفريق فأتوا بوجوه ذكر صاحب كفاية الأخيار فى فقه الشافعية عن الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد أنها ركيكة جدًا لا تستحق أن تذكر، وهى راجعة إلى اختلاف طبيعة البول لكل منهما تحتاج فى تحقيقها إلى ذوى الخبرة، ومن أقرب الوجوه أن النفوس أشد تعلقا بالصبيان ولذلك يميلون إلى حملهم كثيرا فخفف الله عنهم طهارة بولهم، وهذا المعنى مفقود غالبا بالنسبة للإناث، فجرى الغسل فيهن على القياس، هذا ما قالوه فىَ ذلك
стр. 3957
بول الطفل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن طفلى الرضيع يبول على ملابسى وأجد مشقة فى خلعها وغسلها من أجل الصلاة، فهل يكفى المسح عليها دون حاجة إلى غسلها، وهل هناك فرق بين بول الطفل وبول الطفلة؟
الجواب
جاء فى صحيح البخارى ومسلم أن النبى ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم يدعو لهم بالبركة - ويحنكهم بالتمر، فأتته أم قيس بنت محصن بابن لها لم يأكل الطعام، فبال فى حجره ﷺ فلم يزد على أن دعا بماء فنضحه، أى رشه على ثوبه ولم يغسله غسلا.
وروى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائى قوله ﷺ "بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل " قال قتادة: وهذا ما لم يطعما، فإن طعما غسل بولهما.
يؤخذ من هذا أن بول الطفل والطفلة نجس، ويجب تطهير الثوب منهما، فقد ثبت ذلك من فعل النبى ﷺ ومن قوله، والتطهير يكون بنضح بول الطفل الذكر، وبغسل بول الطفلة الأنثى، والشرط فى ذلك عدم تغذيهما بالطعام كما قال قتادة.
والإمام النووى ذكر فى شرح صحيح مسلم " ج ٣ ص ١٩٣ " اختلاف العلماء فى كيفية طهارة بول الولد والبنت -وقال إن القول بوجوب غسلهما والقول بالاكتفاء بنضحهما شاذان ضعيفان -أى القول بوجوب الغسل مطلقا فيهما، والقول بالاكتفاء بالنضح مطلقا فيهما شاذان ضعيفان -واختار القول الصحيح المشهور عند الشافعية والحنابلة وما ذهب إليه ابن وهب من أصحاب مالك، وروى عن أبى حنيفة، وهو نضح بول الولد وغسل بول البنت، كما يدل عليه حديث أحمد ومن معه، وحكم بصحته الحافظ ابن حجر فى الفتح. [أبو حنيفة ومالك يقولان بوجوب غسلهما فى المشهور عنهما] .
والنضح -كما اختاره النووى من أقوال العلماء -هو غمر الثوب بالماء غمرا كثيرا لا يبلغ درجة جريانه وتقاطره ولا يشترط عصره، والشرط فى الاكتفاء بالنضح -كما قال قتادة - ألا يطعم الرضيع شيئا غير لبن المرضع. فلو تناول طعاما على جهة التغذية فإنه يجب غسل بوله بلا خلاف. وعليه فإن الأولاد الذين يعتمدون الآن على الغذاء الصناعى أكثر من لبن المرضع يجب غسل بولهم، ولا يكتفى بالنضح والرش، ولا يجوز المسح كما جاء فى السؤال.
أما عن الفرق فى الحكم بين الصبى والصبية فأقول: إن تنفيذ الأحكام الشرعية لا يشترط له النص على حكمة مشروعيتها. فإن كانت منصوصة فبها، وإلا كان علينا الاتباع ولا مانع من البحث لمعرفة حكمة التشريع وسواء صح ما وصل إليه البحث أو لم يصح فذلك لا يؤثر على الحكم الشرعى.
وقد حاول العلماء أن يجدوا حكمة لهذا التفريق فأتوا بوجوه ذكر صاحب "كفاية الأخيار" فى فقه الشافعية عن الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد أنها ركيكة جدا لا تستحق أن تذكر، وهى راجعة إلى اختلاف طبيعة البول لكل من الولد والبنت تحتاج فى تحقيقها إلى ذوى الخبرة.
ومن أقرب الوجوه أن النفوس أشد تعلقا بالصبيان الذكور، ولذلك يميل الناس وبخاصة الآباء والأمهات إلى حملهم كثيرا، فخفف الله عنهم فى طهارة بولهم. وهذا المعنى مفقود غالبا بالنسبة للإناث فجرى الغسل فيهن على القياس.
هذا ما قالوه، والله أعلم بصحته، وإن كان الحكم لا يتغير
стр. 3958
تجديد الوضوء لكل صلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للإنسان ان يصلِّى بالوضوء الواحد فرضين أو ثلاثة، أو لابد من الوضوء لكل فرض؟
الجواب
إذا توضأ الإنسان ولم ينتقض وضوءه يجوز أن يصلى به أكثر من فرض من فروض الصلاة، ولكن الأفضل أن يجدد هذا الوضوء الذى لم ينتقض أما إن نقض فالواجب أن يتوضأ للصلاة يقول الرسول ﷺ "لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك " رواه أحمد بإسناد حسن، ويقول "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه "الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى"ج ١ ص ٧٣. وقال بعد ذلك. وأما الحديث الذى يروى عن النبى ﷺ أنه قال " الوضوء على الوضوء نور على نور" فلا يحضرنى له أصل من حديث النبى ﷺ ولعله من كلام بعض السلف.
هذا، وقد كان من عادة النبى ﷺ تجديد الوضوء لكل صلاة ولكن خالف هذه العادة يوم الفتح، فصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، ولما سأله عمر عن ذلك قال " تعمدته يا عمر" وذلك حتى لا تظن أنه واجب فيشق عليهم، وفعل مثل ذلك فى خيبر، والنصوص المثبتة لذلك يرجع إليها فى فتح البارى لابن حجر "كتاب الوضوء" وفى كتاب المواهب اللدنية بشرح الزرقانى "ج ٧ ص ٢٤٦، ٢٤٧ "
стр. 3959
النوم والوضوء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل ينتقض الوضوء بالنوم؟
الجواب
من الأمور التى ينتقض بها الوضوء النوم المستغرق الذى لا يبقى معه إدراك مع عدم تمكن المقعدة من الأرض، فالذى ينام على جنبه أو على ظهره ينتقض وضوءه، أما الذى ينام جالسا فإن كان متمكنا من المقعد لا يميل يمنة ولا يسرة مثلا فإن وضوءه لا ينتقض.
وبهذا يمكن التوفيق بين النصوص التى فيها نقض الوضوء بالنوم مطلقا، والنصوص التى ليس فيها نقض الوضوء بالنوم.
فمما جاء بالنقض مطلقا حديث رواه أحمد والنسائى والترمذى وصححه عن صفوان بن عسال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا - مسافرين - ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم. والمراد أن الخف لا ينزع عند انتقاض الوضوء بالغائط أو البول أو النوم وينزع عند الحنابلة الموجبة للغسل والسفر جمع سافر كصاحب وصحب، وهو الخارج للسفر.
ومما جاء بعدم النقض بالنوم حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذى كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون، وفى رواية أخرى، لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى لأسمع لأحدهم غطيطا ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون.
ومن الأحاديث الواردة فى النقض ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه " العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ" والوكاء هو الخيط الذى يربط به الكيس، والسه هو الدبر. ومما ورد فى عدم النقض ما رواه مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: بتُّ عند خالتى مميونة فقام رسول الله ﷺ يعنى للصلاة-فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدى فجعلنى من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت - نمت أو نعست - يأخذ بشحمة أذنى قال: فصلى إحدى عشرة ركعة.
والنووى فى شرحه لصحيح مسلم "ج ٤ ص ٧٣" ذكر ثمانية مذاهب فى نقض الوضوء بالنوم:
الأول -أنه لا ينقض الوضوء على أى حال كان.وهو محكى عن أبى موسى الأشعرى من الصحابة، وسعيد بن المسيب من التابعين وغيرهما.
الثانى-أنه ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الحسن البصرى والمزنى وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعى، وأخذ به ابن المنذر وروى معناه عن ابن عباس وأنس وأبى هريرة.
الثالث - أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بحال، وهذا مذهب الزهرى وربيعة والأوزاعى، ومذهب مالك وكذلك أحمد فى إحدى الروايتين.
الرابع -أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوءه، سواء كان فى الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه انتقض.وهذا مذهب أبى حنيفة وداود، وهو قول للشافعى غريب.
الخامس -أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روى هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
السادس - أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، وروى أيضا عن أحمد رضى الله عنه.
السابع -أنه لا ينقض النوم فى الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعى رحمه الله تعالى.
الثامن -أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض، سواء قل أو كثر سواء كان فى الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعى، وعنده أن النوم ليس حدثا فى نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن المقعدة غلب على الظن خروج الريح. فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق.
ثم قال النووى: قال أصحابنا: وكان من خصائص رسول الله ﷺ أنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا للحديث الصحيح عن ابن عباس قال: نام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه، ثم صلى ولم يتوضأ.
ثم ذكر النووى فروعا فيها حكم النعاس وهو النوم الخفيف الذى تفتر فيه الحواس من غير سقوطها وفيها حكم القاعد المحتبى إذا نام وفيه ثلاثة أقوال، فيرجع إليها فى المرجع المذكور
стр. 3960
وضع اليدين فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الوضع الصحيح لليدين أثناء القيام فى الصلاة؟
الجواب
اتفق العلماء على أنه لم يرد ما يوجب على المصلى أن تكون يداه فى وضع معين وهو في قيام الصلاة، فليس ذلك ركنا ولا شرطا من شروط صحة الصلاة. وحجتهم فى ذلك حديث المسىء صلاته، فإن النبى ﷺ لما علمه كيفية الصلاة لم يتعرض فيها لوضع اليدين. فدل ذلك على عدم وجوبه. ولكن اختلفوا بعد ذلك فى الوضع المختار لليدين أثناء القيام فى الصلاة.
١ -فقيل: يسن وضع إحدى اليدين على الأخرى، وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. روى ذلك عن علي وأبى هريرة، وعن النخعى وسعيد بن جبير، وعن الثورى والشافعى وأصحاب الرأى.
. وحكاه ابن المنذر عن مالك، كما نقله ابن الحكم عنه أيضا.
٢ - وقيل: يسن إرسال اليدين. أى تركهما إلى الجانبين، رواه ابن المنذر عن ابن الزبير، وعن الحسن البصرى، كما نقله النووى عن الليث بن سعد، ونقله ابن القاسم عن مالك، وهو ظاهر مذهبه الذى عليه أصحابه، كما نقله المهدى فى البحر عن القاسمية والناصرية والباقر " من الشيعة".
٣ - وقيل: يخير المصلى بين وضع يديه وبين إرسالهما دون ترجيح واحد منهما. نقله ابن سيد الناس عن الأوزاعى وجاء فى كلام الشافعى ما يشير إليه.
وأصحاب الرأى الأول الذين قالوا بسنية وضع اليدين إحداهما على الأخرى قالوا: إن ذلك يكون بوضع اليد اليمنى على اليد اليسرى.
وحجتهم فى ذلك ما ياتى:
(أ) عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى فى الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ . رواه البخارى.
(ب) عن وائل بن حجر أنه وصف صلاة النبي ﷺ ، فقال فى وصفه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد. رواه مسلم وأحمد. وفى رواية لأحمد وأبى داود: ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
(ج) عن ابن مسعود أن النبى ﷺ مر به وهو واضع شماله على يمينه. فأخذ يمينه فوضعها على شماله. رواه أبو داود.
(د) عن غطيف قال: ما نسيت من الأشياء فلم أنس أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ واضعا يمينه على شماله فى الصلاة: رواه أحمد فى مسنده.
(هـ) عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. رواه الترمذى وقال:
حديث حسن.
إلى غير ذلك من الأحاديث التى أوصلها بعضهم إلى عشرين حديثا مروية عن ثمانية عشر من الصحابة والتابعين. وحكى الحافط عن ابن عبد البر أنه قال: لم يأت عن النبى صلى لله عليه وسلم فيه خلاف.
وأصحاب هذا القول اختلفوا فى أمرين، الأمر الأول في كيفية وضع اليد اليمنى على اليسرى، والأمر الثانى فى مكان وضعهما على الصدر.
أما الأمر الأول فقد ورد فى حديث وائل بن حجر الذى سبق ذكره، وجاء فيه أن النبى ﷺ وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسر والرسغ والساعد. وصور الفقهاء ذلك، كما فى شرح المنهاج وغيره، فقالوا: بأن يقبض بيمينه كوع يساره وبعض ساعدها والرسغ. روى بعضه مسلم، وبعضه ابن خزيمة، والباقى أبو داود. وقيل يخير بين بسط أصابع اليمنى فى عرض المفصل وبين نشرها صوب الساعد. والمعتمد الأول. ويفرج بين أصابع يسراه وسطا. قال الإمام الشافعى:
والقصد من القبض المذكور تسكين اليدين، فإن أرسلهما ولم يعبث بهما فلا باس، كما نص عليه فى " الأم " والكوع هو العظم الذى يلى إبهام اليد، والرسغ هو المفصل بين الكف والساعد، أما البوع فهو العظم الذى يلى إبهام الرجل.
وأما الأمر الثانى فقد ورد فيه ما يأتى:
(أ) عن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه.
(ب) عن أبى جرير الضبى عن أبيه قال: رأيت عليا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وفى إسناده أبو طالوت عبد السلام بن أبى حازم. قال أبو داود: يكتب حديثه.
(ب) أخرج أبو داود عن طاوس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى. ثم يشد بهما على صدره وهو فى الصلاة. وهذا الحديث مرسل، أى سقط منه الصحابى.
(د) عن على رضى اللَّه عنه: أن من السنة فى الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة. رواه أحمد وأبو داود وفى إسناده عبد الرحمن ابن إسحاق الكونى. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعفه. وقال البخارى: فيه نطر. وقال النووى: هو ضعيف بالاتفاق.
وإزاء هذه النصوص اختلف فى مكان وضع اليدين:
١ -فقال كثيرون: يسن أن يكون وضعهما تحت الصدر وفوق السرة. اعتمادا على النصوص الثلاثة الأولى، وهو قول سعيد بن جبير، وعليه أحمد فى رواية عنه ومالك فى روايته التى قال فيها بمشروعية وضع اليدين لا إرسالهما. وعليه الشافعى أيضا. قال فى شرح المنهاج: ويسن جعل يديه تحت صدره وفوق سرته فى قيامه، لما صح من فعله ﷺ . وحكمة جعلهما تحت صدره أن يكون فوق أشرف الأعضاء وهو القلب، فإنه تحت الصدر مما يلى الجانب الأيسر. والعادة أن من احتفط على شىء جعل يديه عليه.
٢ -وقال جماعة: يسن وضعهما تحت السرة، استنادا إلى الأثر الرابع المروى عن على. وقد علمت أنه ضعيف، وعليه أبو حنيفة وسفيان الثورى، وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق المروزى من أصحاب الشافعى. وعليه أحمد فى رواية ثانية عنه.
٣-وهناك قول ثالث بالتخيير بينهما بلا ترجيح، وهو قول الأوزاعى وابن المنذر الذى قال فى بعض تصانيفه: لم يمبت عن النبى ﷺ فى ذلك شىء فهو مخير. وكذلك هو قول أحمد فى رواية ثالثة عنه كما قال ابن قدامة فى " المغنى " لأن الجميع مروى، والأمر فى ذلك واسع. قال الشوكانى فى " نيل الأوطار ": ولا شىء فى الباب أصح من حديث وائل بن حجر أهـ. وهو قول الأكثرين.
أما أصحاب الرأى الثانى وهو إرسال اليدين إلى الجانبين لا وضعهما على الصدر فحجتهم فى ذلك ما يأتى:
(أ) حديث جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "مالى أراكم رافعى أيديكم كأنها أخناب خيل شمس؟ اسكنوا فى الصلاة " رواه مسلم وأبو داود. قالوا: إن وضع اليدين على الصدر رفع لهما، ورفعهما منهى عنه ٠ ورد ذلك بان هذا الحديث ورد على سبب خاص، فإن مسلما رواه أيضا عن جابر بلفظ: كنا إذا صلينا مع النبى ﷺ وقلنا:
السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لهم النبى ﷺ " علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمس، إنما يكفى أحدكم أن يضع يديه على فخذه. ثم يسلم على أخيه من على يمينه ومن على شماله ".
كما رد هذا الحديث بأن قياس وضع اليدين على الصدر على رفعهما عند السلام قياس مع الفارق، فإن وضعهما على الصدر ضم وتسكين لهما. أما رفهما عند السلام فحركة واضحة لا تناسب الخشوع.
(ب) قالوا: إن وضع اليدين على الصدر مناف للخشوع المأمور به فى الصلاة، ورد قولهم هذا بأن المنافاة للخشوع ممنوعة. بل أن وضعهما على الصدر هو المساعد على الخشوع قال الحافظ: قال العلماء: الحكمة من هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع للعبث وأقرب إلى الخشوع. قال المهدى فى البحر: ولا معنى لقول أصحابنا " الشيعة ": ينافى الخشوع والسكون.
(ج) كما احتجوا أيضا على أن إرسال اليدين سنة بأن النبى ﷺ علم المسىء صلاته كيف يصلى، ولم يذكر وضع اليمين على الشمال. كذا حكاه ابن سيد الناس عنهم.
قال الشوكانى: وهو عجيب، فإن النزاع فى استحباب الوضع لا وجوبه، وترك ذكره فى حديث المسىء صلاته إنما يكون حجة على القائل بالوجوب. وقد علم أن النبى ﷺ اقتصر على ذكر الفرائض فى حديث المسىء أنتهى. هذا وعدم ذكر النبى ﷺ لوضع اليدين فى حديث المسىء صلاته لا ينفى استحبابه الذى دل عليه قوله وفعله كما مر ذكره.
أما أصحاب الرأى الثالث وهو التخيير بين وضع اليدين على الصدر وإرسالهما إلى الجانبين فاحتجوا بأن عدم ذكر شىء عنهما فى حديث المسىء صلاته يدل على عدم تعين كيفية خاصة، ورد ذلك بأن المأثور عن النبى ﷺ فى قوله وفعله يعين استحباب وضعهما لا إرسالهما.
وخلاصة الموضوع أن أرجح الأقوال هو استحباب قبض اليد اليمنى على رسغ اليد اليسرى، ووضعهما على أسفل الصدر فوق السرة، ويجوز إرسالهما عند السكون، وذلك هو قول الشافعية، هذا وليس هناك دليل صحيح على أن اليدين يسن وضعهما لأعلى الصدر عند العنق وأن أخذ بعض الناس من قوله تعالى ﴿فصل لربك وانحر﴾ أن المراد: ضع يدك اليمنى على اليسرى تحت النحر، تفسير لا أصل له يعتمد عليه، يقول ابن كثير: ويروى هذا عن على ولا يصح. كما ذكره الشوكانى، لأن المعنى-الصحيح للآية: اجعل يا محمد صلاتك وتقربك بنحر الإبل للَّه لا للأصنام كما يفعل المشركون.
وأنبه إلى أن الأمر واسع كما قال ابن قدامة،. ولا يجوز التعصب لرأى من الآراء، والخلاف والتنازع فى هذه الهيئة البسيطة مع عدم الاهتمام بالخشوع الذى هو روح الصلاة والأساس الأول فى قبولها عند اللَّه، هو ظاهرة مرضية لا صحية. والإسلام قد نهى عن الجدل وبخاصة فى هذه الهيئات البسيطة
стр. 3961
قراءة البسملة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم قراءة البسملة فى الصلاة؟
الجواب
بسم اللَّه الرحمن الرحيم، آية من القرآن الكريم باتفاق العلماء، وهى آية من النمل ﴿إنه من سليمان وإنه بسم اللَّه الرحمن الرحيم﴾ أما كونها آية من كل ومن الفاتحة بالذات ففيه خلاف بين الفقهاء، بعضهم جعلها فاصلة بين كل سورتين، وبعضهم جعلها آية من كل، وعلى هذا لو لم يقرأها المصلى مع الفاتحة هل تصح صلاته أو لا تصح؟ هناك ثلاثة مذاهب مشهورة فى هذه المسالة، المذهب الأول أنها آية من الفاتحة ومن كل، فقراءتها واجبة فى الفاتحة، وحكمها حكم الفاتحة فى السر والجهر، وأقوى دليل لهذا المذهب حديث نعيم قال: صليت وراء أبى هريرة فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن -أى الفاتحة- وجاء فى آخر الحديث قوله: " والذى نفسى بيده إنى لأشبهكُمْ صلاة برسول اللَّه ﷺ ". رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان، وقال الحافظ ابن حجر: هو أصح حديث ورد فى البسملة.
المذهب الثانى أنها آية مستقلة نزلت للتبرك والفصل بين السور، وقراءتها فى الفاتحة جائزة بل مستحبة، لكنها غير واجبة وتصح الصلاة بدونها، وهذا المذهب يقول: لا يجهر بالبسملة، ولكن تقال سرا.
والدليل عليه قول أنس: صليت خلف الرسول وأبى بكر وعمر وعثمان وكانوا لا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، رواه النسائى وابن حبان بإسناد على شرط الشيخين.
والمذهب الثالث أنها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، وتصح الصلاة بدونها، وقراءتها مكروهة فى الفرض دن النافلة، وليس لهذا المذهب دليل قوى.
ويمكن أن يقال:أن النبى ﷺ كان يجهر بها أحيانا وأحيانا كان يسر بقراءتها، وما دام الأمر خلافيا فلا يجوز التعصب لرأى من الآراء، وأرى أن الإتيان بها ينفع ولا يضر، وأن عدم الإتيان بها لا يفسد الصلاة
стр. 3962
قول آمين بعد الفاتحة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجب على من يقرا الفاتحة فى الصلاة أن يقول بعدها " آمين " وهل يجهر بها أو يسر؟
الجواب
كلمة آمين معناها: اللهم استجب، وفيها لغتان مشهورتان: المد على وزن فاعيل مثل ياسين، والقصر على وزن يمين. وهى ليست من القراَن، ويسن قولها بعد كل دعاء، روى أبو داود عن أبى زهير النميرى أن النبى ﷺ وجد رجلا يلح فى المسألة، أى الدعاء، فوقف يسمع منه ثم قال " أوجب إن ختم " وسئل عن الختم فقال "بآمين ".
وفى الخبر " لقننى جبريل آمين عند فراغى من فاتحة الكتاب وقال: إنه كالخاتم على الكتاب.
وثبت فى الحديث " إذا أمنَ الإمام فأمنوا، فإنه مَنْ وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه البخارى ومسلم وغيرهما بعبارات مختلفة ويستحب التأمين فى الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد.
يقول النووى فى " الأذكار ": ويجهر به الإمام والمنفرد فى الصلاة الجهرية، والصحيح أن المأموم أيضا يجهر به، سواء كان الجمع قليلا أو كثيرا، ويستحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده - للحديث المتقدم - وليس فى الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإمام إلا فى قوله آمين. وأما باقى الأقوال فيتأخر قول المأموم.
وجاء فى تفسير القرطبى "ج ١ ص ١٢٩" أن العلماء اختلفوا: هل يقولها الإمام وهل يجهر بها فذهب الشافعى ومالك فى رواية المدنيين إلى ذلك، وقال الكوفيون وبعض المدنيين: لا يجهر بها. وروى ابن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقولها بل يقولها المأمون، والدليل حديث مسلم " إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، يحبكم اللَّه " والصحيح قول الإمام لها لحديث أبى داود والدارقطنى عن وائل بن حُجْر: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قرأ "ولا الضالين " قال " آمين " يرفع بها صوته.
وقال عطاء "آمين " دعاء، أمَّن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد للجَّة أى صوتا أو دويا، قال الترمذى: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى ﷺ ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها، وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق، وفى الموطا والصحيحين قال ابن شهاب: وكان رسول اللَّه ﷺ يقول "آمين " وفى سنن ابن ماجه أن النبى ﷺ كان إذا قال " غير المغضوب عليهم ولا للضالين " قال " آمين " حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد.
يقول القرطبى: قال أصحاب أبى حنيفة: الإخفاء بآمين أولى من الجهر بها، لأنه دعاء وقد قال اللَّه تعالى " ادعوا ربكم تضرعا وخفية " ورد عليه بأن إخفاء الدعاء أفصل لما يدخله من الرياء. أما صلاة الجماعة فشهودها إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يُنْدَبُ العباد إلى إظهاره، وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين فى آخرها، فإذا كان الدعاء مما يُسنُّ الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له وجارٍ مجراه. وهذا بيِّن.
ثم تحدث القرطبى عن أن كلمة " آمين " لم تكتب قبلنا إلا لموسى وهارون ﵉. ذكر حديث ابن ماجه " ما حسدتكم اليهود على شىء ما حسدتكم على السلام والتأمين " والمراد بالسلام هو تحية المسلمين لأنها تحية أهل الجنة، هذا وذكر الحافظ المنذرى هذا الحديث وقال: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح وابن خزيمة فى صحيحه وأحمد ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال " إنهم لم يحسدونا على شىء كما حسدونا على الجمعة هدانا اللَّه لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التى هدانا اللَّه لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين ".
يؤخذ من هذا أنه يندب قول آمين لكل مصلٍّ قراءة الفاتحة كما يندب الجهر بها للإمام والمأموم وتحرى موافقة المأموم للإمام فيها، وذلك على رأى جمهور الفقهاء وفيه إظهار لشعيرة الصلاة والاجتماع عليها، وهو أولى بالأتباع من رأى أبى حنيفة لأمرين: أنه رأى الأغلبية الذى تؤيده النصوص القوية، وأن فيه إشهارًا وإعلامًا بشعيرة إسلامية ومظهرا من مظاهر الوحدة
стр. 3963
ركعتان قبل المغرب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك ركعتان سنة قبلية لصلاة المغرب؟
الجواب
هناك أحاديث عامة يؤخذ من عمومها مشروعية صلاة ركعتين قبل المغرب، وهناك أحاديث خاصة بمشروعيتها.
فمن الأحاديث العامة ما رواه البخارى ومسلم " بين كل أذانين - الأذان والإقامة - صلاة لمن شاء " وما رواه ابن حبان فى صحيحه " ما من صلاة مفروضة إلا وببن يديها ركعتان ".
ومن الأحاديث الخاصة ما رواه البخارى ومسلم أن الصحابة كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب قبل أن يخرج إليهم النبى ﷺ . وفى رواية لمسلم وأبى داود، وقال أنس رآنا رسول الله ﷺ فلم يأمرنا ولم ينهنا، وقال عقبة: كنا نفعل على عهد رسول اللَّه ﷺ كما رواه البخارى ومسلم، وجاء حديث البخارى وأحمد وأبى داود " صلوا ركعتين قبل المغرب لمن شاء ".
يؤخذ من هذا أن مشروعية صلاة ركعتين قبل المغرب ثابتة بقول النبى ﷺ وبإقراره، وكون الرسول لم يصلها لا ينفى الاستحباب، كما أن مشروعيتها ثابتة بفعله أيضا كما رواه ابن حبان.
وبعض الفقهاء لم يستحبها بناء على ما روى عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنه لم ير أحدا من أصحاب النبى ﷺ يصليهما. لكن رواية المثبت، وهو أنس، تقدم على رواية النافى وهو ابن عمر ذلك إلى جانب أن الأحاديث السابقة لم يرد ما ينسخها، فتبقى محكمة. وما يقال من أن صلاتهما تؤدى إلى تأخير صلاة المغرب قول مردود بأمر النبى بهما وبإقراره لهما، وبأن زمنهما يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها " نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ٨ ".
وجاء فى المواهب اللدنية القسطلانى (ج ٢ ص ٢٧٢، ٢٧٣) أنهما مستحبتان عند الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأصحاب الحديث، وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونها، رواه عنهم محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعى عنهم، وهو منقطع كما قال الزرقانى شارح المواهب، فادعى بعض المالكية نسخهما، وتُعُقِّب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. ويتابع القسطلانى كلامه فيقول: وعن مالك قول أخر باستحبابهما، وهو عند الشافعية وجه رجحه النووي ومن اتبعه، وقال فى شرح مسلم: مجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، وقال المحب الطبري: لم يرد نفى استحبابهما لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أول الأدلة على استحبابهما.
وروى مسلم عن أنس: كنا بالمدينة إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السوارى فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما.
وبعد، فأرجو من المسلمين ألا يثيروا فتنة بسبب التعصب لمسائل فرعية خلافية. فمن شاء صلاهما ومن شاء لم يصلهما كما أرجو ألا يبادروا بالحكم على الأشياء قبل دراستها والتثبت منها ومعرفة آراء العلماء فيها، وأن تكون دعوتهم إلى ما يريدون دعوة قائمة على الحكمة والموعظة الحسنة
стр. 3964
عدد ركعات التراويح
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صلى الرسول ﷺ التراويح عشرين ركعة؟
الجواب
روى البخارى وغيره عن السيدة عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ ما كان يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا.
وقولها: " يصلى أربعا " لا ينافى أنه كان يسلم من ركعتين، وذلك لقول النبى ﷺ " صلاة الليل مثنى مثنى ". وقولة " يصلى ثلاثا" معناه أنه يوتر بواحدة والركعتان شفع. روى مسلم عن عروة عن السيدة عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، وجاء فى بعض الطرق لهذا الحديث: يسلم من كل ركعتين.
وروى ابن حبان وابن خزيمة فى صحيحيهما عن جابر رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ صلى بهم ثمانى ركعات والوتر، ثم انتظروه فى القابلة فلم يخرج إليهم.
هذا هو ما صح من فعل النبى ﷺ ، ولم يصح عنه شىء غيرذلك.
لكن صح أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلى رضى اللَّه عنهم عشرين ركعة، وهو رأى جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة وداود.
قال الترمذى: وأكثر أهل العلم على ما روى عن عمر وعلى وغيرهما من أصحاب النبى ﷺ عشرين ركعة. وهو قول الثورى وابن المبارك والشافعى. وقال: هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين ركعة، وذهب مالك إلى أنها ست وثلاثون ركعة غير الوتر. قال الزرقانى فى شرح المواهب اللدنية: وذكر ابن حبان أن التراويح كانت أولا إحدى عشرة ركعة، وكانوا يطيلون القراءة، فثقل عليهم، فخففوا القراءة وزادوا فى عدد الركعات. فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة. ثم خففوا القراءة وجعلوا الركعات ستا وثلاثين غير الشفع والوتر. ومضى الأمر على ذلك.
هذا، وقد قال الحافظ فى الجمع بين الروايات: أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطؤل القراءة تقلل الركعات، وبالعكس.
وبه جزم الداودى وغيره.
ثم ذكر الحافظ أن أهل المدينة كانوا يصلونها ستا وثلاثين لمساواة أهل مكة، فإنهم كانوا يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات
стр. 3965
اختلاف الصلاتين بين الإمام والمأموم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تصح صلاة الظهر خلف إمام يصلى العصر؟
الجواب
لو صلى المأموم الظهر خلف إمام يصلى العصر مثلا، أو صلى خلف إمام يصلى نافلة، أو صلى أداء خلف قضاء فهل تصح الصلاة؟ الإمام الشافعى أجاز الإقتداء بأى إمام يصلى أية صلاة، فرضا كانت أو نافلة قضاء أو أداء، ما دامت صلاة الإمام ذات ركوع وسجود، والممنوع هو صلاة فرض أو نفل خلف من يصلى صلاة الجنازة لخلوها من الركوع والسجود. وخلف صلاة الكسوف.
أما عند غير الشافعى فقد جاء فى فقه المذاهب الأربعة: أنه لا يجوز إقتداء المفترض بالمتنقل إلا عند الشافعية، وأن من شروط صحة الإمامة اتحاد فرض الإمام والمأموم، فلا تصح صلاة ظهر خلف عصر، ولا ظهر أداء خلف ظهر قضاء ولا عكسه، ولا ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد وإن كان كل منهما قضاء، وذلك عند الأحناف والمالكية، أما الشافعية والحنابلة فقالوا: يصح الإقتداء فى كل ما ذكر، إلا أن الحنابلة قالوا: لا يصح ظهر خلف عصر ولا عكسه ونحو ذلك، والشافعية قالوا: يشترط اتحاد صلاة المأموم وصلاة الإمام فى الهيئة والنظام، فلا يصح ظهر مثلا خلف صلاة جنازة لاختلاف الهيئة، ولا صلاة صبح مثلا خلف صلاة كسوف، لأن صلاة الكسوف ذات قيامين وركوعين ومذهب الشافعى أيسر المذاهب فى هذا الموضوع
стр. 3966
انفراد المأموم عن الصف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم المأموم الذى يصلى منفردا خلف الصفوف؟
الجواب
١ - عن أنس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ " سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " رواه البخارى ومسلم، وفى رواية للبخارى عن أبى هريرة " فإن إقامة الصف من حسن الصلاة ".
٢ - وعن أنس رضى الله عنه قال، كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول " تراصوا واعتدلوا " رواه البخارى ومسلم.
٣- وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ " سووا صفوفكم، وحافوا بين مناكبكم، ولينوا فى أيدى إخوانكم، وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل فيها بينكم بمنزلة الحذف " يعنى أولاد الضأن الصغار. رواه أحمد.
٤ - وعن جابر بن سمرة رضى اللَّه عنه قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " فقلنا يا رسول اللَّه كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال " يتمون الصف الأول، يتراصون فى الصف " رواه الجماعة إلا البخارى والترمذى.
التسوية والاعتدال والإقامة والاستقامة معناها: اتخاذ سمت واحد وعدم الاعوجاج، والتراص عدم وجود فرج، وقد يراد به التسوية.
تدل هذه الأحاديث على ندب التسوية فى الصفوف وسد الفرج وإتمام الصف الأول، وجاءت أحاديث صحيحة بفضل الصلاة فى الصف الأول، وأنه خير من الصف الذى يليه.
وبهذا يعلم أن المصلى لو دخل فوجد الجماعة مقامة وأن الصف الأول غير تام أو فيه فرجة فانفراده بصف مكروه، ولا خلاف فى ذلك، لكن هل مع الكراهة تصح صلاته أو تبطل وعليه إعادتها؟ الجواب عن ذلك يترتب على بيان الحكم فيمن لم يجد فرصة فى الصف الأول فصلى وحده، وقد وردت فى ذلك أحاديث منها:
١ - عن على بن شيبان أن النبى ﷺ رأى رجلا يصلى خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له " استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف " رواه أحمد وابن ماجه، وقال أحمد: انه حديث حسن.
٢ - عن وابصة بن معبد أن النبى ﷺ رأى رجلا يصلى خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته. أخرجه الخمسة إلا النسائى، ورواه الدارقطنى وابن حبان وحسنه الترمذى.
٣ - عن أبى بكرة أنه انتهى إلى النبى ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال " زادك اللَّه حرصا ولا تعد "، أخرجه أحمد والبخارى وأبو داود والنسائى وابن حبان.
إزاء هذه الأحاديث اختلف السلف فيمن لم يجد فرجه ولا سعة فى الصف الأول فصلى وحده.
أ - فقالت طائفة: لا يجوز ولا تصح صلاته. وممن قال به النخعى وأحمد وإسحاق، وحجتهم الحديثان الأولان، وعلى قولهم هذا يكون الحكم من باب أولى على من تمكن من الدخول فى الصف الأول ولم يدخل بل صلى وحده.
ب - وقالت طائفة أخرى: تجوز صلاته ولا إعادة عليه، ومنهم الحسن البصرى والأوزاعى ومالك والشافعى وأصحاب الرأى، وحجتهم فى ذلك الحديث الثالث، حيث لم يأمر النبى ﷺ أبا بكرة بالإعادة، ومثل هذا الحكم فيمن صلى وحده مع وجود فرجة فى الصف الأول.
ورد هؤلاء على حجة الأولين بأن الأمر بالإعادة فى حديث وابصة هو للندب، للمبالغة فى المحافظة على الأولى والأحسن. ومن متمسكاتهم ما روى أن الشافعى كان يضعف حديث وابصة ويقول: لو ثبت لقلت به، ولكن البيهقى-وهو من الشافعية- قال: إن الخبر المذكور ثابت وهناك اتجاه للجمع بين الأخبار، وهو: أن الأمر بالإعادة يحمل على من انفرد عن الصف لغير عذر، والأمر على سبيل الوجوب عند أحمد والندب عند غيره، ويحمل عدم الأمر بالإعانة على من انفرد عن الصف لعذر، مع خشية الفوات لو انضم إلى الصف. وفسّر الشراح قول النبى ﷺ لأبى بكرة " ولا تعد " بمعنى لا تعد إلى التأخر عن الصلاة، أو لا تعد إلى الإتيان إلى الصلاة مسرعا، وذلك مبنى على الخلاف فى التاء من " تعد" هل هى مفتوحة أو مضمومة.
وعلى هذا من لم يجد فرجة ولا سعة فى الصف فما الذى يفعله؟ قيل: يقف منفردا ولا يجذب إلى نفسه أحدا، لأنه لو جذبه إليه لفؤت عليه فضيلة الصف الأول، ولأوقع الخلل فى الصف. وبهذا قال الطبرى، وحكاه عن مالك. وقال أكثر أصحاب الشافعى: يجذب إلى نفسه واحدا، ويستحب للمجذوب أن يساعده، وروى عن عطاء والنخعى أن الداخل إلى الصلاة والصفوف قد استوت واتصلت يجوز أن يجذب إلى نفسه واحدا ليقوم معه، واستقبح ذلك أحمد وإسحاق، وكرهه الأوزاعى ومالك. وقال بعضهم: جذب الرجل فى الصف ظلم.
واستدل القائلون بالجواز بما رواه الطبرانى فى الأوسط والبيهقى من حديث وابصة: أن النبى ﷺ قال لرجل صلى خلف الصف " أيها المصلى، هلا دخلت فى الصف أو جررت رجلا من الصف، أعد صلاتك " وهو ضعيف ورواه أبو داود مرسلا، وما رواه الطبرانى عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما فى جذب رجل إليه إسناده واه.
" انظر نيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ٢٢٦ "
стр. 3967
القراءة خلف الإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم قراءة المأموم خلف الإمام؟
الجواب
قراءة المأموم خلف الإمام فيها خلاف كبير للفقهاء، نشرت خلاصته فى كتاب " الإسلام ومشاكل الحياة " جاء فيها:
أن القراءة إما أن تكون للفاتحة أو للسورة والآية، فقراءة المأموم للفاتحة واجبة عند الإمام الشافعى إلا إذا كان مسبوقا بجميع الفاتحة أو بعضها فإن الإمام يتحمل عنه ما سبق به فى الركعة الأولى إن كان الإمام أهلا للتحمل، ودليله حديث " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " رواه البخارى ومسلم.
وعند الحنفية مكروهة كراهة تحريم فى الصلاة السرية والجهرية لحديث " من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له " وهو حديث ضعيف وقد أثر هذا المنع عن ثمانين من كبار الصحابة، وإعمالا للنصين قال الشافعى: إن عدم قراءة المأموم خاص بالسورة لا بالفاتحة.
وعند المالكية أن القراءة خلف الإمام مندوبة فى الصلاة السرية، مكروهة فى الصلاة الجهرية، إلا إذا قصد مراعاة الخلاف فتندب.
وكذلك قال الحنابلة إنها مستحبة فى السرية وفى سكتات الإمام فى الجهرية، وتكره حال قراءة الإمام فى الصلاة الجهرية.
هذا حكم قراءة الفاتحة، أما قراءة غيرها فهى سنة عند الشافعية إذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام، أما إذا سمع فلا تسن له. وقال الحنفية:
لا يجوز للمأموم أن يقرأ خلف الإمام مطلقا لا الفاتحة ولا السورة، وقال المالكية: تكره القراءة للمأموم فى الجهرية وإن لم يسمع أو سكت الإمام.
وقد روى فى ذلك حديث عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: " إنى أراكم تقرءون وراء إمامكم " قال: قلنا يا رسول اللَّه إى واللَّه، قال: " لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن يقرأ بها " رواه أبو داود والترمذى. وفى لفظ: " فلا تقرءوا بشىء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن " رواه أبو داود والنسائى والدارقطنى وكلهم ثقات.
هذا وروى أبو داود وأحمد والترمذى وقال حديث حسن، عن الحسن بن سمرة أن النبى ﷺ كان يسكت سكتتين، إذا استفتح الصلاة - يعنى بعد تكبير الإحرام -وإذا فرغ من قراءة الفاتحة.
قال الخطابى: إنما كان يسكت فى الموضعين ليقرأ من خلفه فلا ينازعونه القراءة إذا قرأ.
وفى الحديث المتقدم الذى رواه أبو داود وغيره قال النووى، عن أصحاب الشافعى: يسكت قدر قراءة المأمومين للفاتحة، وقد ذهب إلى استحباب هذه السكتات الثلاثة - قبل دعاء الاستفتاح، وبعد الفاتحة، وقبل الركوع - الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأى- أبو حنيفة وأصحابه -ومالك: السكتة مكروهة.
وللمأموم أن يختار من هذه الآراء ما يشاء دون تعصب ضد من يختار رأيا آخر، والموضوع مبسوط فى تفسير القرطبى " ج ١ ص ١١٧ -١٢٧ " لمن أراد الإطلاع على أدلة الأقوال ومناقشتها، فيرجع إليه
стр. 3968
إمامة الفاسق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يجوز لرجل يتعاطى المخدرات أن يكون إماما فى الصلاة؟
الجواب
روى البخارى أن عبد اللَّه بن عمر كان يصلى خلف الحجاج ابن يوسف الثقفى، وروى مسلم أن أبا سعيد الخدرى صلى خلف مروان صلاة العيد، وصلى عبد الله بن مسعود خلف الوليد بن عقبة بن أبى معيط وكان يشرب الخمر، وفى مرة صلى الصبح بالمصلين أربع ركعات فجلده عثمان بن عفان على ذلك، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن عبيد، وكان متهما بالإلحاد وداعيا إلى الضلال.
فكل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره ما لم يكن أقل منه.
ولكن الصلاة خلف المنحرفين مكروهة، فقد حدث أن رجلا أمَّ قوما فبصق جهة القبلة والرسول ينظر إليه فقال: " لا يصلى لكم " فمنعوه من الصلاة من أجل ذلك، ولما شكا للرسول قال له " نعم، إنك آذيت اللَّه ورسوله " رواه أبو داود وابن حبان، وسكت عنه أبو داود والمنذرى فهو حديث مقبول.
فإذا وجد شخص مستقيم كانت الصلاة خلفه أولى. أما إذا تحتم المشبوه أو المنحرف لأن وظيفته الإمامة مثلا جازت الصلاة خلفه مع القيام بواجب نصحه ليرضى عنه الناس ويستريحوا لإمامته، فقد جاء فى الحديث الذى رواه ابن ماجه وابن حبان فى صحيحه " ثلاثة لا يقبل اللَّه منهم صلاة: إمام قوم وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها غضبان، وأخوان متصارمان ".
هذا، ومع كون الصلاة خلف الفاسق مكروهة فهى صحيحة غير باطلة، ويؤيد ذلك إلى جانب ما سبق من روايات البخارى ومسلم حديث البيهقى " صلوا خلف كل بر وفاجر، صلوا خلف كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر".
جاء فى تفسير القرطبى "ج ١ ص ٣٢٦ " قوله: وأما أهل البدع من أهل الأهواء كالمعتزلة والجهمية وغيرها فذكر البخارى عن الحسن: صَل وعليه بدعته، وقال أحمد لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه، وقال مالك: ويصلى خلف أئمة الجور، ولا يصلى خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم، وقال ابن المنذر: كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز الصلاة خلفه، ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة، ولا يجوز تقديم مَنْ هذه صفته.
ثم قال القرطبى: وأما الفاسق بجوارحه كالزانى وشارب الخمر ونحو ذلك فاختلف المذهب - المالكى-فيه، فقال ابن حبيب: من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبدا-حتمًا -إلا أن يكون الوالى الذى تؤدى إليه الطاعة، فلا إعادة على من صلى خلفه إلا أن يكون حينئذ سكران، قاله من لقيت من أصحاب مالك. ثم ذكر القرطبى حديثا فيه " ولا يؤمَّن فاجر برًا إلا أن يكون ذا سلطان " وحكم بأنه ضعيف
стр. 3969
الأذان والطهارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن المؤذن إذا لم يكن طاهرا يكون سببا فى كثرة الأمراض؟
الجواب
لم يقل أحد من الفقهاء بأن المؤذن يجب أن يكون متطهرا من الحدث والنجس، وأن الأذان بغير طهارة باطل، ولكن الطهارة أفضل، وما يقال من أن الأذان بغير وضوء يكثر الآفات فلا أصل له، وهو كلام يقصد منه الحث على الطهارة
стр. 3970
القيام للأذان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض الناس إذا سمعوا الأذان يظلون واقفين ولا يجلسون، فما هو رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
إذا سمع الإنسان الأذان وهو واقف لا يلزمه الاستمرار فى الوقوف حتى ينتهى الأذان، فله أن يجلس ويتحرك كما يشاء، ولم يرد بذلك حديث صحيح ولا ضعيف، كما أنه لا يشرع له الجلوس عند سماع الأذان إذا كان مضطجعا، فله أن يحكى ألفاظ الأذان مع المؤذن وهو مضطجع، لأن الآية وردت فى جواز ذكر الله تعالى على كل حال لأولى الألباب قال تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والأرض﴾ آل عمران: ١٩١، وروى مسلم فى صحيحه عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه
стр. 3971
تقبيل الأصابع عند الأذان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض من يسمعون الأذان يقبلون أصابعهم ويمسحون بها عيونهم عند ذكر النبى ﷺ ، فهل هذا مشروع؟
الجواب
مسح العينين بالأصابع عند سماع الشهادة برسالة النبى ﷺ فى الأذان، وقول: مرحبا بحبيبى محمد بن عبد الله وقرة عينى، والدعاء بالشفاعة -لم يرد به نص صحيح عن النبى ﷺ . وقد عزا الديلمى فى الفردوس هذا الفعل لأبى بكر الصديق رضى الله عنه وأن النبى ﷺ قال - لما رآه فعل ذلك "من فعل مثل ما فعل خليلى فقد حلت له شفاعتى" وهو غير صحيح كما قال الحافظ السخاوى، بل اخترعت أحاديث تذكر أن من فعل ذلك لم ترمد عيناه أبدا، منها ما ذكره أحمد بن أبى بكر الرداد اليمنى فى كتابه " موجبات الرحمة وعزائم المغفرة " بسند فيه انقطاع ومجاهيل أن الذى قال ذلك هو الخضر ﵇. وما ذكره شمس الدين محمد بن صالح المدنى فى تاريخه مرويا عن الحسن رضى الله عنه.
وما ذكره صاحب " المسائل الملقوطة " أن نور الدين الخراسانى العالم المشهور بمدية شيراز كان يفعل ذلك من غير رواية حديث، ولما تركه مرضت عيناه، فرأى الرسول ﷺ فى المنام فأمره أن يعود لمسح عينيه ففعل فبرئت عيناه.
ذكر ذلك الشيخ عبد الله محمد الصديق الغمارى الحسنى " مجلة الإسلام - المجلد الرابع - العدد ٢٩ " وذكر فى حاشية الصعيدى على كفاية الطالب الربانى على رسالة أبى زيد القيروانى فى مذهب الإمام مالك (ج ١ ص ١٦٥ المطبعة العثمانية) وانظر المنحة الوهبية ج ٢ ص ٣٦
стр. 3972
الأوقات التى تكره فيها الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الأوقات التى تحرم أو تكره فيها الصلاة؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال: " لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس " وروى مسلم أن عمرو بن عبسة سأل النبى ﷺ عن الصلاة فقال له " صل صلاة الصبح ثم اقعد عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرنى شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فان الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقعد عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفىء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر، ثم اقعد عن الصلاة حتى تغرب، فإنها تغرب بين قرنى شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار ". وروى الجماعة إلا البخارى عن عقبة بن عامر قال:
ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلى فيهن وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضَيَّفُ - تميل - للغروب حتى تغرب.
فالأوقات المذكورة فى هذه الأحاديث خمسة: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند استواء الشمس فى وسط السماء، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وعند غروبها.
وهناك وقت آخر جاء فى صحيح مسلم وهو عند إقامة الصلاة " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
والصلاة المنهى عنها فى هذه الأوقات هى النافلة عند الجمهور، وقصرها الشافعى على النافلة التى لا سبب لها، أو التى لها سبب متأخر كالاستخارة. وأبو حنيفة منع كل أنواع الصلاة حتى المفروضة، ما عدا عصر اليوم وصلاة الجنازة.
هذا هو الحكم إجمالا، وهناك تفصيلات فى المذاهب نلخصها فيما يلى:
أولا: مذهب الحنفية:
قالوا: يكره التنفل تحريما فى أوقات هى:
١ - بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح، إلا سنتها فلا تكره.
٢-بعد طلوع الصبح حتى تطلع الشمس، فلا يصلى فى هذا الوقت نافلة ولو سنة الفجر إذا فاته، لأنها متى فاتت وحدها سقطت ولا تعاد.
٣-بعد صلاة فرض العصر إلى غروب الشمس.
٤ - بعد الغروب قبل صلاة المغرب إذا أطال، أما صلاة ركعتين خفيفتين فهى مباحة لأنه لم يثبت دليل على الكراهة.
٥-عند خروج الخطيب من خلوته للخطبة.
٦ - عند إقامة المؤذن للصلاة المكتوبة، إلا سنة الفجر إذا أمن فوت الجماعة فى الصبح.
٧ -قبل صلاة العيد وبعدها.
٨-بين الظهر والعصر المجموعتين فى عرفة جمع تقديم، ولو سنة الظهر.
٩ -بين المغرب والعشاء المجموعتين فى المزدلفة جمع تأخير، ولو سنة المغرب.
١٠ -عند ضيق وقت المكتوبة.
وإذا وقع النفل فى وقت من هذه الأوقات انعقد مع الكراهة التحريمية، ويجب قطعه وأداوه فى وقت الجواز.
ولا تنعقد صلاة الفريضة والجنازة وسجدة التلاوة فى ثلاثة أوقات:
١-وقت طلوع الشمس حتى ترتفع، فلو شرع فى صلاة الصبح ثم طلعت عليه الشمس أثناءها بطلت صلاته.
٢-وقت توسط الشمس فى كبد السماء إلى أن تزول.
٣-عند احمرار الشمس حتى تغيب، ويستثنى من ذلك عصر اليوم الحاضر، فإنه يصح أداؤه عند غروب الشمس مع الكراهة التحريمية.
ثانيا - مذهب الحنابلة:
قالوا: يحرم التنفل ولا ينعقد ولو كان له سبب فى أوقات ثلاثة:
١ -من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قدر رمح، ما عدا ركعتى الفجر فإنها تصح فى هذا الوقت قبل صلاة الصبح، وتحرم ولا تنعقد بعده.
٢ -من صلاة العصر ولو مجموعة مع الظهر تقديما إلى غروب الشمس.
إلا سنة الظهر فإنها تجوز بعد العصر المجموعة مع الظهر.
٣- عند توسط الشمس، فى كبد السماء حتى تزول، ما عدا ركعتى الطواف فإنها تصح فى هذه الأوقات مع كونها نافلة، ومثلها تحية المسجد حال خطبة الإمام، أما صلاة الجنازة فتحرم وقت توسط الشمس فى كبد السماء، وفى وقت شروعها فى الغروب حتى يتكامل، وفى وقت طلوعها حتى يتكامل، ولا تنعقد إلا لعذر.
ثالثا - الشافعة:
قالوا: تكره النافلة التى ليس لها سبب تحريما، وكذلك التى لها سبب متأخر، ولا تنعقد فى خمسة أوقات:
١ - بعد صلاة الصبح أداء إلى أن تطلع الشمس.
٢ -عند طلوعها إلى ارتفاعها قد رمح.
٣-بعد صلاة العصر أداء ولو مجموعة مع الظهر فى وقته.
٤ - عند اصفرار الشمس حتى تغرب.
هـ -عند استواء الشمس فى كبد السماء حتى تزول.
ويستثنى من ذلك الصلاة بمكة، فإنها تنعقد بلا كراهة فى أى وقت من الأوقات كما يستشنى أيضا من الاستواء يوم الجمعة.
نعم تحرم الصلاة مطلقا بعد جلوس الخطيب على المنبر يوم الجمعة إلا تحية المسجد، ويكره تنزيها التنفل عند إقامة الصلاة المكتوبة غير الجمعة، أما هى فيحرم التنفل عند إقامتها إن ترتب عليه فوات ركوعها الثانى مع الإمام.
رابعا - المالكية:
قالوا: يحرم التنفل فى سبعة أوقات:
١ -من ابتداء طلوع الشمس إلى تمامه.
٢ -من ابتداء غروب الشمس إلى تمامه.
٣-حال خطبة الجمعة اتفاقا، والعيد على الراجح.
٤ - حال خروج الإمام للخطبة.
٥ - حال ضيق الوقت الاختيارى أو الضرورى للمكتوبة.
٦ - حال تذكر الفائتة.
٧ - حال إقامة الصلاة للإمام الراتب.
ويكره التنفل فى خمسة أوقات:
١ -بعد طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الشمس، ما عدا سنة الفجر وصلاة الشفع والوتر إذا لم يصلهما حتى طلع الفجر، وصلاة الجنازة وسجود التلاوة فى أحوال خاصة.
٢-بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح.
٣-بعد أداء صلاة العصر إلى قبيل الغروب، ما عدا بعض أشياء.
٤ -بعد تمام الغروب إلى أن تصلى المغرب.
٥ - قبل صلاة العيد أو بعدها بالمصلى.
هذه هى أقوال المذاهب الأربعة، وأيها يطمئن إليه القلب فلا حرج فى أتباعه. ولا يجوز أن يخطئ بعضنا بعضا فى ذلك، وإن كان مذهب الشافعى فى رأيى أقرب إلى الحق.
هذا وجمهور العلماء على جواز قضاء الصلاة الفائتة فى الوقت الذى بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، لحديث البخارى ومسلم "من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك "
стр. 3973
صلاة غير المحجبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا غير محجبة ولكن أصوم رمضان ٠ فهل يقبل الله صلاتى وصيامى؟
الجواب
العبادة إذا صحت يرجى أن يقبلها الله إذا كانت خالصة لوجهه، ولا ينبغى أن نجزم بالقبول، فالأمر مفوض إلى الله سبحانه وهو القائل "إنما يتقبل الله من المتقين " والراجح أن المراد بالمتقين هنا المؤمنون لا المشركون، لأنها وردت فى قصة هابيل وقابيل، أما المتقون من المؤمنين فهم الذين لا يعصون الله، وإن عصوه بادروا بالتوبة، وهؤلاء أعمالهم الصالحة مقبولة كما أخبر الله، وذلك من باب التفضل منه، وليس من باب الوجوب عليه وهم فى الدرجة العليا من القبول.
أما المؤمنون الذين يعصون الله فإن أعمالهم الصالحة لا يحرمهم الله من قبولها، كما قال سبحانه ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ الكهف: ٣٠، إلى جانب أن يعاقبهم الله على سيئاتهم كما قال سبحانه ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ الزلزلة: ٧، ٨.
فالتى تصلى وتصوم صوما صحيحا خالصا لوجه الله يرجى قبول عملها، ومع ذلك تعاقب على خلع الحجاب لأنه معصية، وإذا كان الله يقول ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود:
١١٤، فهو أعلم بحجم المعصية وهل يمكن لثواب الطاعة أن يذهب عقابها، ذلك أمر موكول إليه سبحانه.
والمؤمن لا ينبغى أن يركن إلى العفو ويؤمل المغفرة، وينزع من قلبه الخشية والخوف من الله حتى لا يتمادى فى العصيان. بل الواجب عليه إذا فعل معصية أن يبادر بالاستغفار والتوبة حتى يغفر الله له. قال تعالى ﴿وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ طه: ٨٢، وفى الحديث الذى رواه الترمذى " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ".
وأنبه إلى أن المتمردة على الحجاب غير خائفة من الله، لا تبالى بأمره ولا تخشى عقابه، فهل إذا صلت أو صامت تكون خائفة من عقاب الله إذا لم تصل ولم تصم؟ لو كانت صلاتها أو صيامها مع هذا الخوف اللازم للقبولا لكان لهذا الخوف أثره على سلوكها فالتزمت الحجاب، فتمردها على الحجاب أمارة على أنها كانت تصلى وتصوم بدون خوف من الله، وبالتالى لا يقبل الله منها صلاتها ولا صيامها. قال تعالى ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت: ٤٥، وفى المأثور: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا.
روى من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح. ورواه الطبرانى وأسنده ابن مردويه فى تفسيره بإسناد لين، والطبرانى من قول ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وإسناده صحيح " العراقى على الإحياء ج ١ ص ١٣٤ " وفى الحديث الصحيح أن امرأة ذكرت عند الرسول ﷺ بكثرة صيامها وصلاتها غير أنها تؤذى جيرانها بلسانها فأخبر أنها لا خير فيها وأنها فى النار.
فالخلاصة أن علامة قبول الطاعة استقامة السلوك، مع العلم بأن قبول العبادة شىء وصحتها شىء آخر، فقد تكون الصلاة صحيحة بأركانها وشروطها ولكنها غير مقبولة عند الله ولا يحكم عليها بأنها باطلة فليس هناك ربط بين الصحة والقبول. وقد جاء فى الحديث " إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته أو تسعها أو ثمنها أو سبعها أو سدسها أو خمسها أو ربعها أو ثلثها أو نصفها " رواه أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه.
ومع كل ما تقدم لا ننسى قوله الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨، لكن لا ينبغى أن نرتكن على المشيئة فربما لا يشاء الله المغفرة للإنسان، كما لا ينبغى الارتكان على قوله تعالى ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور رحيم﴾ التوبة: ١٠٢، بل ينبغى أن نبادر بالتوبة من المعصية رجاء أن يختم الله لنا بالخير
стр. 3974
القراءة فى الصلاة من المصحف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى كثيرا ممن يصلون التراويح يمسكون المصحف بأيديهم ويقرءون منه ثم يضمونه ويضعونه فى جيوبهم أو على كرسى، ثم يأخذونه مرة ثانية، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
معلوم أن قراءة بعض القرآن بعد الفاتحة سنة فى الركعتين الأوليين من الصلاة، وذلك للإمام والمنفرد، ولو تركت القراءة فالصلاة صحيحة وإن قلَّ ثوابها. وإذا أحب المصلى أن يقرأ فليقرأ ما يحفظه ولو كرره فى الركعات والصلوات، ولا يلزمه تغيير ما يحفظه، فإذا أراد أن يقرأ ما لم يحفظ احتاج إلى مصحف أو مكتوب فيه قرآن، فهل يجوز ذلك؟ أخرج الإمام مالك أن ذكوان مولى السيدة عائشة رضى الله عنها كان يؤمها فى رمضان ويقرأ من المصحف، ولا بأس بذلك كما ذهب إليه الشافعية، والشرط ألا يفعل حركات تبطل الصلاة، كوضع المصحف ثم حمله وفتحه ليقرأ منه، فإن ثلاث حركات ليس بينها فاصل طويل تبطل الصلاة، وقد يستعان على عدم كثرة الحركات بوضع المصحف ذى الخط الكبير على شىء مرتفع أمام المصلى ليقرأ منه الصفحة والصفحتين، ولا يحتاج إلى تقليب الأوراق كثيرا، والقليل من التقليب لا يبطل الصلاة، قال النووى فى المجموع: ولو قلَّب أوراق المصحف أحيانا فى صلاته لم تبطل.
من هذا نرى أن القراءة فى الصلاة من المصحف جائزة عند المالكية، ولكن محل ذلك هو فى التراويح والنوافل، أما فى صلاة الفرض، فمكروهة، لكن الصلاة صحيحة، وكذلك جائزة عند الشافعية والحنابلة كالمالكية فى الجواز فى النفل والكراهة فى الفرض مع صحة الصلاة، أما الحنفية فقد نقل عن الإمام أبى حنيفة أنها تبطل الصلاة إذا لم يكن حافظا، لأنه عمل طويل. ولأن التلقُّن من المصحف كالتلقن من غيره، ومثل الحنفية الظاهرية فى البطلان. ومن أدلة المجيزين ما سبق ذكره عن مولى السيدة عائشة وأخرجه مالك. وسئل الزهرى عن رجل يقرأ فى رمضان فى المصحف فقال: كان خيارنا يقرءون فى المصحف، ومن أدلة المانعين ما رواه ابن أبي داود فى " كتاب المصاحف " أن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس فى المصاحف. وروى عن بعض التابعين كراهته. والشرط عند الجواز عدم الفعل الكثير. والأولى أن يكون ذلك لغير الحافظين وفى النوافل، واختلافهم رحمة
стр. 3975
الذكر بين ركعات التراويح
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
للذين يصلون التراويح جماعة بعض أذكار يقولونها بين كل ركعتين أو أربع ركعات، ويرى بعضهم أنها بدعة غير مشروعة، فما هو رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
ليس هناك نص يمنع من الذكر أو الدعاء أو قراءة القراَن فى الفصل بين كل ركعتين من التراويح أو كل أربع منها مثلا، وهو داخل تحت الأمر العام بالذكر فى كل حال. وكون السلف الذين يؤخذ عنهم التشريع لم يفعلوه لا يدل على منعه، إلى جانب أن النقل عنهم فى منع الذكر المذكور غير موثوق به. وهذا االفاصل يشبه ما كان يفعله أهل مكة من قيامهم بالطواف حول البيت سبعا بين كل ترويحتين، الأمر الذى جعل أهل المدينة يزيدون عدد التراويح على العشرين، تعويضا عن هذا الطواف، وهو أسلوب تنظيمى يعرفون به عدد ما صلوه، إلى جانب ما فيه من تنشيط للمصلين، فلا مانع مطلقا، وبهذا لا يدخل تحت اسم البدعة، فالنصوص العامة تشهد له، فضلا عن عدم معارضته لها، ولئن يسمى بدعة فهو على نسق قول عمر رضى الله عنه: نعمت البدعة هذه، عند ما رأى تجمع المسلمين لصلاة التراويح خلف أبى بن كعب
стр. 3976
حكم صلاة الجماعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن صلاة الجماعة واجبة، ومن صلى منفردا أثم وبطلت صلاته؟
الجواب
وردت عن النبى ﷺ عدة أحاديث صحيحة فى صلاة الجماعة تحث عليها وتبين فضلها وتحذر من تركها والتهاون فيها. وللعلماء إزاء هذه الأحاديث آراء ألخصها فيما يلى:
الرأى الأول: قال أحمد بن حنبل: إنها فرض عين على كل قادر عليها، وذهب إلى ذلك عطاء والأوزاعى وأبو ثور، ومن أهل الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، كما ذهب إليه الظاهرية الذين يأخذون بظاهر النصوص. ومع قول هؤلاء بفريضة الجماعة اختلفوا. هل الفرضية شرط فى صحة الصلاة فتبطل بدونها، أو ليست شرطا فتصح بدون جماعة مع الإثم؟ والمجال لا يتسع لتفصيل ذلك. ومن أدلة الموجبين وجوبا عينيا للجماعة فى الصلاة ما يأتى:
١ - حديث مسلم والنسائى وغيرهما عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: أتى النبى ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد، فسأله أن يرخص له ليصلى فى بيته، فرخص له، فلما ولى الرجل دعاه فقال " هل تسمع النداء بالصلاة"؟ قال: نعم. قال " فأجب ".
وجاء مثل هذا فى رواية أحمد وابن حبان والطبرانى، وفيها أن الأعمى هو عبد الله ابن أم مكتوم. ووجه الاستدلال فى هذا الحديث أن الرسول ﵊ لم يرخص فى تركها للأعمى-وله عذره -فكيف بالصحيح الذى لا عذر له؟ .
٢ -حديث مسلم وغيره عن أبى الشعثاء المحاربى قال: كنا قعودا فى المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشى، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم. ووجه الاستدلال أن تارك الصلاة مع الجماعة عاص، وهذا يدل على وجوب الجماعة.
٣- حديث مسلم وغيره عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال " لقد هممت أن آمر فتيتى فيجمعوا لى حزما من الحطب، ثم آتى قوما يصلُّون فى بيوتهم ليست بهم علة فأحرِّقها عليهم " فقيل ليزيد بن الأصم: الجمعة عنى أو غيرها؟ قال: صمت أذناى إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ولم يذكر جمعة ولا غيرها. ووجه الاستدلال أن هم النبى ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة يدل على معصيتهم وهذا يدل على وجوبها. الرأى الثانى: قال مالك وأبو حنيفة وكثير من الشافعية: إن صلاة الجماعة سنة مؤكدة، ومما استدلوا به ما يأتى:
١ -حديث (إذا صليتما فى رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) رواه الخمسة عن يزيد بن الأسود إلا ابن ماجه. ووجه الاستدلال أنه حكم على الصلاة جماعة بأنها نافلة، ويلزمه أن الصلاة الأولى وقعت صحيحة وأجزأت عن الفريضة.
٢ - حديث (والذى ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام فى جماعة أعظم أجرا من الذى يصليها ثم ينام) رواه البخارى ومسلم. ووجه الاستدلال أن التفضيل فى الأجر يدل على أن الصلاة مع غير الإمام لها أجر، ويقتضى ذلك أن تكون صحيحة، غير أن أجر الجماعة أعظم، ذلك أن أفعل التفضيل يقتضى المشاركة وزيادة، كما هو معروف. وهناك أحاديث أخرى ترغب فى صلاة الجماعة بما يفيد أن ثوابها أعظم من الصلاة المنفردة وإن صحت. وقد أجاب هؤلاء على أدلة الموجبين للجماعة فقالوا:
(أ) إن عدم ترخيص النبى ﷺ لابن أم مكتوم بالتخلف عن الجماعة ليس دليلا على وجوبها حتى على ذوى الأعذار، وإنما ذلك لما يعلمه من حرص عبد الله على الخير مهما كلفه من جهد، ولما يعلمه أيضا من ذكائه وفطنته واستطاعته حضور الجماعة بغير قائد، ويدل على هذا أن الرسول ﵊ رخص لغيره ممن له عذر أن يصلى في بيته ولا يذهب للجماعة فى المسجد، فقد روى البخارى ومسلم أن عتبان بن مالك -وهو ممن شهد بدرا - قال: يا رسول الله قد أنكرت بصرى - أى ضعف نظرى - وأنا أصلى لقومى، فإذا كانت الأمطار سال الوادى بينى وبينهم، لم أستطع أن آتى مسجدهم فأصلى بهم، ووددت يا رسول أنك تأتينى فتصلى في بيتى فاتخذه مصلى فاستجاب له وصلى فيه ركعتين. ولا يقال إن الترخيص لعتبان -وهو لعذر-دليل على أن الجماعة واجبة على غير المعذورين، لأنها لو كانت واجبة لقال له: انظر من يصلى معك فى بيتك، فعدم أمره بذلك دليل على أن الجماعة سنة.
(ب) إن حديث الهم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة لا يدل على وجوبها، بل يدل على عدم الوجوب لأمرين، الأول: أن همه بترك الصلاة وإنابة واحد يصلى بالناس دليل على عدم وجوبها، وإلا فكيف يترك واجبا؟ ولا يقال إنه لو عاد من تحريق البيوت لأمكنه أن يجد جماعة يصلى بهم، لأن وجود جماعة غير مضمون، والثانى أن الجماعة لو كانت واجبة تستحق تحريق بيوت المتخلفين، ما تأخر عن تحريقها معاقبة لهم على المعصية، لكنه لم يفعل فدل ذلك على عدم وجوبها وغايته أنها هامة.
٣ -إن أحاديث الهم بالتحريق وردت فى شأن المنافقين لتخلفهم كثيرا عن الفجر والعشاء، وذلك فى رواية أبى هريرة نفسه التى اتفق عليها البخارى ومسلم، فقد جاء فى آخرها (والذى نفسى بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) والعرق بقية لحم أو عظم عليه لحم، والمرماتان ما بين ظلف الشاة من اللحم. فالحديث منصب على من يكثرون التخلف وبخاصة عن الفجر والعشاء، وهذا دأب الذين فيهم نفاق، جاء فى بعض روايات الشيخين (إن أثقل صلاة على المنافقين هى الفجر والعشاء) .
٤ -إن الوعيد بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة يراد به الزجر لا حقيقته لأن الإحراق لا يكون إلا للكفار والإجماع على منع إحراق المسلمين.
٥ -إن فريضة الجماعة يراد بها صلاة الجمعة كما جاء عن ابن مسعود فى صحيح مسلم، لكن رد هذا بأن التهديد يجوز أن يكون للتخلف عن الجمعة وعن الصلوات الأخرى وبخاصة الفجر والعشاء.
٦ -إن فريضة الجماعة كانت فى أول الأمر لحرص النبى ﷺ على حضور الناس جميعا معه لتبليغ الوحى وإرشادهم ثم نسخ الوجوب. قال الحافظ ابن حجر: ويدل على النسخ الأحاديث الواردة فى تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، أى المنفرد لأن الأفضلية تقتضى الاشتراك فى أصل التفضيل، ومن لازمه الجواز، هذا بعض ما قيل فى مناقشة أدلة الموجبين، إلى جانب أن الوجوب فيه حرج، والأرض كلها مسجد.
الرأى الثالث: قال الشافعى فى أحد قوليه وجمهور المتقدمين من أصحابه وكثير من المالكية والحنفية:
إن صلاة الجماعة فرض كفاية، يجب على أهل كل محلة أن يقيموها، وإذا أقامها بعضهم سقط الطلب عن الباقين، وكانت فى حقهم سنة - وذلك لإظهار شعيرة الإسلام بإجابة المؤذن وإقامة الصلاة، وسند هذا القول ما ورد من الأحاديث المؤكدة لفضلها والمحذرة من تركها، ويوضحه أو يبين حكمته ما قاله ابن مسعود-كما رواه مسلم -: ولو أنكم صليتم فى بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وفى رواية أبى داود لكفرتم. والمراد بسنة النبى دينه وطريقته لا السنة بمعنى المندوب، فإن ترك المندوب لا يؤدى إلى الكفر والضلال.
وهذا الرأى الثالث له وجاهته وهو كون الجماعة فرض كفاية على المجموع يسقط بأداء بعضهم، وسنة مؤكدة فى حق الجميع أى فى حق كل واحد على حدة. وأداء الجماعة فى المسجد أفضل من أدائها فى البيت أو السوق بنص حديث البخارى ومسلم " صلاة الرجل فى جماعة تفضل صلاته فى بيته وفى سوقه خمسا وعشرين درجة، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان فى صلاة ما كانت تحبسه، وما تزال الملائكة نصلى عليه ما دام فى مجلسه الذى صلى فيه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه ".
وقد رأى جماعة أن من له زوجة أو أولاد يصلى بهم فى بيته ولو تركهم وصلى فى المسجد مع الناس لتركوا الصلاة فإن صلاته جماعة بهم أفضل من تركهم وصلاته فى المسجد ما دام هناك من يقيم صلاة الجماعة فيه غيره، وأما حديث " لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد " فليس بصحيح، ولو صح لكان المراد به نفى الكمال لا تفى صحة الصلاة - ذكره المناوى فى " فيض القدير " على " الجامع الصغير" للسيوطى.
وكان المسلمون الأولون حريصين على صلاة الجماعة وإقامتها فى المسجد مضاعفة الثواب، حتى إن الرجل منهم كان يؤتى به يهادى بين الرجلين -أى يسندانه -حتى يقام فى الصف كما رواه مسلم عن ابن مسعود.
وقد اخترنا الرأى الثالث جمعا بين الأحاديث التى يشعر ظاهرها بالوجوب وبين الأحاديث التى تدل على الندب لما فيها من الفضل، والجمع بين الأحاديث أفضل من إهدار بعضها.
وهذا كله فى حق الرجال أما صلاة الجماعة للنساء فى المسجد فليست واجبة ولا مندوبة، لأن صلاة المرأة فى بيتها أفضل، كما نصت على ذلك الأحاديث المقبولة، ولو صلت فى بيتها جماعة كان أفضل على ألا تكون إماما لرجل.
ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى تفسير القرطبى "ج ١ ص ٣٤٨ " والمغنى لابن قدامة ج ٢ ص ٢
стр. 3977
المصافحة بعد الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الشرع فى مصافحة المصلين بعضهم لبعض عقب الانتهاء من صلاة الجماعة، وقولهم " حرما " وهل هذه بدعة محرمة؟
الجواب
مصافحة المسلم لأخيه عند اللقاء أصلها مستحب، وذلك لتوكيد الألفة والمحبة بين المسلمين، وقد وردت فى ذلك نصوص تدل على أنها كانت عادة جارية فعلها الصحابة كما أخرجه البخارى وغيره، وأقرها الرسول ﷺ ، بل حبب فيها بمثل قوله " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا " رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن.
ولم تكن المصافحة عقب الانتهاء من صلاة الجماعة معروفة أيام النبى ﷺ ولكن حدثت بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، بتأويل أن المصلين جماعة كانوا مع الله فى رحلة روحية، حطوا الرحال منها بالتسليم الذى برره البعض بأنه تحية لمن على يمين المصلى من الملائكة وغيرهم، لأنه كان منصرفا عنهم أثناء الصلاة.
ومع السلام عليهم كانوا يتصافحون بهذا المفهوم، ويدعو بعضهم لبعض أن يكون اللقاء فى الصلاة فى الحرم الشريف الذى تشد الرحال إليه لمضاعفة ثواب الصلاة وغيرها من الطاعات، ويختصرون هذا الدعاء بقولهم " حرما " كما يدعون لبعضهم بعد الوضوء أن يمن الله عليهم بالوضوء من ماء زمزم فى حج أو عمرة.
وتضاربت الأقوال فى هذا العمل الذى لم يكن أيام الرسول والصحابة وهم من يؤخذ عنهم التشريع فقال بعضهم إنه بدعة بالمعنى المذموم وهو كل بدعة ضلالة وقال بعضهم: إنه بدعة ولكن لا يوجد ما يصفها بأنها مذمومة وضلالة. حيث لم يرد نهى عنها، وكم من الأمور الحسنة حدثت بعد عهد التشريع ورأى الناس حاجتهم إليها فأخذوا بها وحرصوا عليها.
جاء فى كتاب " غذاء الألباب " للسفارينى ج ١ ص ٢٨٣ أن ابن تيمية سئل عن المصافحة بعد العصر والفجر هل هى سنة مستحبة أم لا؟ فأجاب بقوله: أما المصافحة عقب الصلاة فبدعة لم يفعلها رسول الله ﷺ ولم يستحبها أحد من العلماء انتهى، قال السفارينى: ظاهر كلام العز بن عبد السلام من الشافعية أنها بدعة مباحة، وظاهر كلام الإمام النووى أنها سنة قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى: قال النووى: وأصل المصافحة سنة وكونهم حافظوا عليها فى بعض الأحوال لا يخرج ذلك عن أصل السنة. قال الحافظ: وللنظر فيه مجال، وبعضهم أطلق تحريمها انتهى. ويتوجه مثل ذلك عقب الدروس ونحوها من أنواع مجامع الخيرات.
والوجه المختار أنها غير محرمة، وقد تدخل تحت ندب المصافحة عند اللقاء الذى يكفر الله به السيئات، وأرجو ألا يحتد النزاع فى مثل هذه الأمور. التى تفيد ولا تضر، وحديث مسلم صريح فى أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة
стр. 3978
أين يصلى العيد ؟
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الأفضل صلاة العيد فى الخلاء أم فى المسجد؟
الجواب
عن أبى هريرة رضى الله عنه أنهم أصابهم مطر فى يوم عيد فصلى بهم ﷺ صلاة العيد فى المسجد، رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وسكت عنه أبو داود والمنذرى، أى لم يبينا درجته، وهو حديث ضعيف فى إسناده رجل مجهول، وهو عيسى بن عبد الأعلى، قال فيه الذهبى لا يكاد يعرف وقال هذا حديث منكر.
وأكثر الأحاديث الواردة فى صلاة العيد تذكر أن النبى ﷺ فعلها فى " المصلى " والمراد به غير المسجد وعبر عنه أحيانا بالجبانة. وهذا الحديث على الرغم من ضعفه، يفيد أن الرسول ﵊ صلاها فى المسجد لعذر المطر، حيث لا يوجد فى المصلى ما يتقى ومن هنا اختلف العلماء فى أفضلية صلاة العيد، هل تكون فى المصلى أو فى المسجد، فالإمام مالك يقول إن فعلها فى الجبانة أى فى غير المسجد، أفضل، واستدل بما ثبت من مواظبته ﵊ على الخروج إلى الصحراء، فإن كان هناك عذر كمطر فالأفضل المسجد.
والأمام الشافعى ذهب إلى أن المسجد أفضل، لأنه خير البقاع فى الأرض، والأحاديث واردة بكثرة فى فضل التردد عليها والصلاة فيها، قال فى الفتح: قال الشافعى فى الأم: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يخرج فى العيدين إلى المصلى بالمدينة، وهكذا من بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذا عامة أهل البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار الشافعى إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة، قال: فلو عمر بلد وكان مسجد أهله يسعهم فى الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن لم يسعهم كرهت الصلاة فيه ولا إعادة قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة لا لذات الخروج إلى الصحراء، لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل فى المسجد مع أولويته كان أولى.
فأنت ترى أن حجة الأولين هى فعله ﷺ وهو قدوة حسنة، لكن يقال: إن الفعل واقعة حال لا تنفى غيرها، ولم يرد من الرسول ﵊ أمر بفعلها فى غير المسجد عند الاختيار، ولا نهى عن فعلها فى المسجد، ولعل اختيار الرسول فعلها فى غير المسجد كان لأمرين، الأول ضيق المسجد لأنه دعا النساء أيضا لشهود صلاة العيد، كما ثبت فى الصحيحين وغيرهما، حتى الحيض منهن، والحيض لا يدخلن المسجد، والثانى إظهار شعيرة من شعائر الإسلام وإعلان الفرح بيوم العيد لما فيه من فضل الله على المسلمين، والاجتماع الواسع شعار كل الناس فى أعيادهم، والتوجيهات التى يلقيها على الحاضرين تعم أكبر عدد من المسلمين لم يكن ليوجد لو حضروا فى المسجد، ولذلك عندما حث على الصدقات توجه إلى حيث يجتمع النساء وذكرهن ووعظهن فجمع منهن خيرا كثيرا لمساعدة من لا يجدون سعة ولا يستطيعون التمتع ببهجة العيد لضيق ذات أيديهم.
ويقع فى نفسى بناء الحكم على نتيجة إقامة الصلاة وأثرها، فإن كان هناك مسجد واحد كبير فى محلة يسع كل الناس بما فيهم من لا يصلون العيد كانت صلاتها فيه أفضل، وذلك لأفضلية المسجد على غيره، ولحصول التجمع وفرصة التلاقى، تبادل التهانى بين كل أهل البلدة.
فإذا تعددت المساجد وضاق مسجد واحد عن استيعاب أهل البلد كان فعلها فى الخلاء أفضل، وذلك لأن التعارف وتبادل التهانى وشهود التوجيهات العامة الموحدة يحدث فى المصلى بشكل لا يوجد فى كل مسجد على حدة، حيث لا يتم التعارف الشامل، والإسلام يحب من المسلمين أن يظهروا وحدتهم وتعاونهم، وفى تجمعهم على شكل واسع إعلان عن قوة الإسلام ودعاية تجتذب لها قلوب غير المسلمين، والمظاهر إذا كانت تستهدف خيرا كانت مشروعة، وشواهد ذلك كثيرة
стр. 3979
اجتماع العيد والجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا وافق أول أيام العيد يوم جمعة فهل يسقط أداء الجمعة عمن صلى العيد؟
الجواب
روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائى أن زيد بن أرقم شهد مع الرسول ﷺ عيدين اجتمعا، فصلى العيد أول النهار ثم رخص فى الجمعة وقال " من شاء أن يجمع فليجمع " فى إسناده مجهول، فهو حديث ضعيف.
وفى رواية لأبى داود وابن ماجه عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال " قد اجتمع فى يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون " فى إسناده كلام، وصحح أحمد بن حنبل أنه مرسل، أى سقط منه الصحابى.
وروى النسائى وأبو داود أنه اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرح فخطب ثم نزل فصلى، ولم يصل للناس يوم الجمعة، أى لم يصل العيد، ولما ذكر ذلك لابن عباس قال: أصاب السنة.
يلاحظ أنه صلى الجمعة بدليل تقديم الخطبة على الصلاة.
وجاء فى رواية لأبى داود أنه فى عهد ابن الزبير اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر، فجمعهما جميهعا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر. رجالهما رجال الصحيح.
إزاء هذه النصوص الخاصة باجتماع يوم الجمعة والعيد، قال الأحناف والمالكية:
لا تجزئ صلاة منهما عن صلاة الأخرى، فكل منهما مطلوب، ولا تجزئ صلاة عن صلاة بل لا يجوز الجمع بينهما. فالجمع رخصة خاصة بالظهر مع العصر، وبالمغرب مع العشاء.
والحنابلة يقولون: من صلى العيد سقطت عنه الجمعة، إلا الإمام فلا تسقط عنه إذا وجد العدد الكافى لانعقاد الجمعة، أما إذا لم يوجد فلا تجب صلاة الجمعة. وفى رواية عن أحمد أن الجمعة لو صليت أول النهار قبل الزوال أغنت عن العيد، بناء على أن وقتها يدخل بدخول وقت صلاة العيد.
والشافعية قالوا: إن صلاة العيد تغنى عن صلاة الجمعة لأهل القرى التى لا يوجد فيها عدد تنعقد بهم الجمعة ويسمعون الأذان من البلد الذى تقام فيه الجمعة، فيذهبون لصلاتها، ودليلهم قول عثمان فى خطبته: أيها الناس إنه قد اجتمع عيدان فى يومكم، فمن أراد من أهل العالية- قال النووى: وهى قريبة من المدينة من جهة الشرق - أن يصلى معنا الجمعة فليصل، ومن أراد أن ينصرف فليفعل.
وجاء فى فتاوى ابن تيمية أن أقوال الفقهاء فى اجتماع يوم الجمعة ويوم العيد ثلاثة:
أحدها: أن الجمعة على من صلى العيد ومن لم يصله، كقول مالك وغيره.
الثانى: أن الجمعة سقطت عن السواد الخارج عن المصر، كما يروى ذلك عن عثمان بن عفان واتبع ذلك الشافعى.
الثالث: أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة، لكن ينبغى للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من أحب، كما فى السنن عن النبى ﷺ .
وعليه أحمد.
ثم قال: وهذا المنقول هو الثابت عن الرسول ﷺ وخلفائه وأصحابه، وهو قول من بلغه من الأئمة كأحمد وغيره، والذين خالفوه لم يبلغهم ما فى ذلك من السنن والآثار.
فالموضوع خلافى، لكن القول بالاكتفاء بصلاة العيد عن صلاة الجمعة أقوى ويستوى فى ذلك أهل القرى والأمصار، والإمام وغير الإمام، فالمقصود من الصلاتين قد حصل، وهو صلاة جمعتين مع الخطبة، اجتمع الناس لأداء صلاة الجماعة وسماع الموعظة، فبأى من الصلاتين حصل ذلك كفى. " انظر: نيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ٢٩٩ والفتاوى الإسلامية-المجلد الأول ص ٧١ وفتاوى ابن تيمية -المجلد ٢٤ ص ٢١٢ "
стр. 3980
زخرفة المساجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن زخرفة المساجد من علامات الساعة، فهل هذا صحيح؟
الجواب
روى أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذى أن النبى ﷺ قال " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس فى المساجد ".
قال العلماء: تكره زخرفة المساجد باللونين الأحمر والأصفر، ونقشه وتزيينه، لئلا تشغل قلب المصلى، وهذا واضح فى الزخرفة من الداخل، أما من الخارج فقد تدخل تحت التباهى بمظهرها، والتباهى بفعل الخير حرام يبطل الثواب.
وهذا الحكم بالكراهة مقرر عند المالكية والحنابلة. وأجاز الحنفية نقش المسجد بالمال الحلال،، ما عدا المحراب فيكره، لأنه يلهى المصلى، وما دامت العلة هى الإلهاء فيكره النقش فى أى مكان فيه إلهاء.
وروى عن أبى حنيفة الترخيص فى ذلك، كما روى عن أبى طالب المكى عدم الكراهة فى تزيين المحاريب. فالمنع من التزيين لا يتعدى الكراهة إلى الحرمة، وذلك من أجل توفير الجو المناسب للمصلى والمتعبد لتحقيق الخشوع، أما الشكل الخارجى للمسجد فإن حان القصد به مجرد الفخر والتباهى كان ممنوعا، لكن لو كان لإظهار عناية المسلمين بمساجدهم فى مقابل تنافس غيرهم فى ذلك فلا مانع، كما أثر أن عمر رضى الله عنه لما زار الشام وقابله عامله معاوية بحفاوة غير معهودة سأله عن ذلك فقال:
نحن فى بلد يهتم بهذه المظاهر، فقال: لا آمرك ولا أنهاك. من هنا نعرف أن للظروف دخلا فى بعض أنواع السلوك.
أما الكتابة على جدران المسجد وسقفه فهى داخلة ضمن الزخرفة، وكرهها الجمهور من أجل شغل المصلى عن الخشوع، وإذا كانت الكتابة آيات قرآنية فحكمها فى مكان آخر
стр. 3981
الآكل فى المسجد والتدخين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تناول الأكل فى المسجد؟ وما حكم التدخين فيه؟
الجواب
تناول الطعام فى المسجد لا مانع منه ما لم يكن هناك تلويث له أو انبعاث رائحة كريهة بسببه، والذين يعتكفون في المساجد يتناولون طعامهم فيها، ويقدم الإفطار للصائمين فى كثير من المساجد دون نكير ولا اعتراض، جاء فى فتاوى الإمام النووى " الفتوى رقم ٧٦ " أن الأكل فى المساجد جائز ولا يمنع منه لكن ينبغى أن يبسط الآكل شيئا ويصون المسجد ويحترز من سقوط الفتات والفاكهة وغيرها فى المسجد، وذلك فيما ليس له رائحة كريهة كالثوم والبصل، وإلا كره.
٢ -أما التدخين فى حد ذاته فيتلخص حكمه فى أنه حرام إن حصل منه ضرر كبير على الصحة والمال، وإلا كان مكروها، والأولى صرف ثمنه فى مصارف الخير، " انطر رسالتى الخاصة بذلك -مطبوعة ملحقة بمجلة الأزهر ". ولما كان التدخين يؤذى غير المدخن برائحته، والملائكة تتأذى مما يتأذى به الإنسان كان التدخين فى المسجد بالذات مكروها بل أشد كراهة، كالثوم والبصل اللذين جاء النهى عن دخول من يأكلهما المسجد حتى لو حرم من ثواب صلاة الجماعة، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار، والمسجد ينبغى أن يصان عن كل خبيث، كما ينبغى أن نحرص على حضور الملائكة، وهم ملائكة الرحمة ففى ذلك خير كثير
стр. 3982
المؤذن والمقيم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يشترط أن يكون مقيم الصلاة غير المؤذن، أو يجوز أن يقوم بهما شخص واحد؟
الجواب
لا يوجد دليل يحتم أن يكون المؤذن هو المقيم للصلاة، كما لا يوجد دليل يمنع أن يكون الأذان من شخص والإقامة من شخص آخر
стр. 3983
المساجد تحت العمارات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الصلاة بالمساجد الموجودة أسفل العمارات؟ وهل الصلاة فى المساجد الأخرى أفضل؟
الجواب
مما اختص الله به الأمة الإِسلامية أنه جعل الأرض كلها مسجدا، فأينما أدركت الإنسان الصلاة صلى، وما دامت الأرض قد خصصها صاحبها للصلاة وصلى الناس فيها صارت مسجدا وله أحكام كل المساجد، وتكون الصلاة فيه أفضل من الصلاة فى أية بقعة أخرى من الأرض. والمساجد نفسها بينها تفاضل، فأفضلها المسجد الحرام بمكة، لأن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه، ثم مسجد المدينة لأن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى لان الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، وفى كل ذلك وردت أحاديث. أما باقى المساجد فهى سواء فى الثواب. وبعض العلماء قال: المسجد الكبير أولى من المسجد الصغير للصلاة، وقال البعض: المسجد البعيد أولى لكثرة الخطا إليه، وكل ذلك خلاف فى الأفضلية، أما الصلاة فى أى مسجد منها فهى صلاة صحيحة لا غبار عليها. وتقام فيها الجماعات والجمع والأعياد وغيرها، على رأى الجمهور الذى يسوى بين المساجد فى صحة الجمعة، لا فرق بين القديم والجديد
стр. 3984
الصلاة فى الطائرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تصح الصلاة أثناء تحليق الطائرة فى الجو وهى غير ملامسة للأرض وماذا يعمل لو كان الإنسان غير متطهر؟
الجواب
الصلاة جائزة فى الطائرة وهى محلقة فى الجو، وبالأولى إذا كانت رابضة على الأرض، والمالكية لا يجيزونها فيها وهى فى الجو، لأن شرط السجود عندهم أن يتصل المسجود عليه بالأرض اتصالا حقيقيا، ورأى الجمهور أقوى، والإنسان يضطر إلى الصلاة فى الطائرة إذا لم يأخذ برخصة الجمع بين صلاتى الظهر والعصر، وبين صلاتى المغرب والعشاء، أو كان تحليقها فى وقت الفجر الذى لا يجمع مع غيره.
ومهما يكن من شىء فإن التطهر للصلاة لابد منه إن أمكن بالماء فيها، وإلا فيكون بالتيمم، ويتحرى اتجاه القبلة - والملاحون يعرفون ذلك بالتقريب -إن لم تكن معه " بوصلة " يتعرف بها القبلة، وزمن أداء الصلاة قصير، لأن الرباعية تصلى ركعتين قصرا، فإن لم يستطع الصلاة من وقوف -لحصول دوار مثلا- فليصل قاعدا، والمهم أن الصلاة ممكنة فى الطائرة إن أراد أن يحافظ على الصلاة، وليست فيها مشقة حتى يجوز تأخيرها إلى حين الهبوط وانتهاء الرحلة
стр. 3985
الدعاء فى التشهد فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك دعاء مخصوص يقوله المصلى بعد التشهد الأخير، وهل هو فرض أو سنة؟
الجواب
الدعاء بعد التشهد الأخير فى الصلاة وقبل السلام ليس ركنا ولا فرضا ولا واجبا، بل هو سنة فقط، لو ترك لا تبطل االصلاة. وقد وردت أحاديث كثيرة ترغب فيه، منها ما جاء عن ابن مسعود أن النبى ﷺ علمهم التشهد ثم قال فى آخره " ثم لتختر من المسألة ما تشاء " رواه مسلم. وإذا استحب الدعاء بما يشاء الإنسان فالأفضل أن يكون بالمأثور فى القرآن والسنة، مثل " ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وما جاء فى الحديث الذى رواه مسلم: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: " اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت " وما رواه أيضا " إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ باللَّه من أربع، يقول: اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة ألمسيح الدجال ".
أما الدعاء بغير المأثور فإليك ما قال فيه الفقهاء، منقولا من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:
قال الأحناف: لا يجوز أن يدعو بما يشبه كلام الناس، كأن يقول: اللهم زوجنى فلانة، أو أعطنى كذا من الذهب والفضة والمناصب، لأنه يبطلها قبل القعود بقدر التشهد، ويفوت الواجب بعده قبل السلام.
وقال المالكية: له أن يدعو بما شاء من خيرى الدنيا والآخرة. وقال الشافعية:
يسن الدعاء بخيرى الدين والدنيا، ولا يجوز أن يدعو بشىء محرم أو مستحيل أو معلق، فإن دعا بشىء من ذلك بطلت صلاته.
وقال الحنابلة: له أن يدعو بما ورد أو بأمر الآخرة ولو لم يشبه ما ورد، وله أن يدعو لشخص معين بغير كاف الخطاب، وتبطل الصلاة بكاف الخطاب مثل:
اللهم أدخلك الجنة يا والدى. أما لو قال: اللهم أدخله الجنة فلا بأس به، وليس له أن يدعو بما يقصد منه ملاذ الدنيا وشهواتها، كأن يقول: اللهم ارزقنى جارية حسناء، أو طعاما لذيذا ونحوه، فإن فعل ذلك بطلت صلاته، ولا بأس بإطالة الدعاء ما لم يشق على مأموم
стр. 3986
مرور الحيوانات أمام المصلى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول إن مرور الكلب أو الحمار أمام المصلى يبطل الصلاة؟
الجواب
روى مسلم وغيره عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقى ذلك مثل مؤخرة الرحل " وعن أبى ذر قال قال رسول الله ﷺ " إذا قام أحدكم يصلى فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود" قال عبد اللَّه بن الصامت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخى سألت رسول الله ﷺ كما سألتنى فقال " الكلب الأسود شيطان ".
وروى البخارى ومسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلى صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة، ورويا عن ابن عباس أنه قال: أقبلت راكبا على حمار أتان والنبى ﷺ يصلى، فمررت على بعض الصف ونزلت فأرسلت الأتان ترتع فدخلت فى الصف فلم ينكر علىَّ أحد. وروى أبو داود عن الفضل بن عباس قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن فى بادية فصلى فى صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة يعبثان بين يديه فما بالى ذلك. أمام هذه الأحاديث التى وردت فى كتب الصحاح من رواية البخارى ومسلم. رأى الأئمة الثلاثة أن الصلاة لا تبطل بمرور شىء من هذه الثلاثة المذكورة ولا من غيرها، فقد روى أبو داود عن أبى سعيد قوله ﷺ " لا يقطع الصلاة شىء " ورأى أحمد بن حنبل بطلان الصلاة بها. استنادا إلى حديثى أبى هريرة وأبى ذر، ورُدَّ على حديث عائشة بأن البطلان بالمرور لا باللبث، وهو فى التطوع بصلاة الليل وهو أسهل.
وعلى حديث ابن عباس بأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. وعلى حديث أبى سعيد بأنه ضعيف. وإن كانت تفرقته بين الفرض والنفل لم يسلَم بها أتباعه " المغنى لابن قدامة ج ٢ ص ٨٠ - ٨٥ " وتمسك الحنابلة بهذا الحكم بشدة، لدرجة أنهم رووا حديثا عن أبى داود عن ابن عباس - قال الروى أحسبه عن رسول اللَّه ﷺ ذكر فيه غير الثلاثة وهو " إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير والمجوسى واليهودى والمرأة، ويجزى عنه إذا مروا بين يديه قذفة بحجر" لكن ابن قدامة رفض هذا الحديث لعدم الجزم برفعه وفيه ما هو متروك بالإجماع وهو ما عدا الثلاث: المرأة والكلب والحمار، وفى هامش المغنى عن هذا الحديث: إن زيادة الخنزير والمجوسى واليهودى فيها نكارة. وأرى أن الحديث الخاص بهذه الثلاثة لا يقصد منه إبطال الصلاة، بل قد يكون المقصود إبطال الخشوع فيها أو نقصه، لما يحدث للمصلى من خوف من هذين الحيوانين واشتهاء للمرأة. وفيه حث على اتخاذ السترة حتى لا تسمح بمرور هذه الأشياء أمامه، ولفت نظرى ما ذكره ابن قدامة أن عائشة قالت معترضة على هذا الحكم: عدلتمونا بالكلاب والحمر، مع أن الرسول كان يصلى وهى معترضة أمامه. وأقول: ليست تسوية فى ألتحقير أبدا، فالفرق كبير، ولكن الموضوع أساسه الاحتياط لعدم الانشغال فى الصلاة رَهَبًا بمثل الكلب الأسود والحمار، ورَغَبًا بمثل المرأة، وأثرها فى الانشغال لا ينكر، ومقام الرسول يأبى الانشغال بمثل ذلك، فما كان يبالى كما تذكر الروايات ولكن غيره.يتأثر فى أغلب الأحوال على الوجه المذكور
стр. 3987
الاقتداء بالمسبوق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
مأموم مسبوق قام ليكمل صلاته بعد سلام الإمام هل يصح أن يقتدى به أحد؟
الجواب
للفقهاء فى ذلك خلاف: فالحنفية قالوا: لا يصح الاقتداء بالمسبوق بعد قيامه لإِتمام صلاته. والمالكية وافقوهم: على ذلك، إذا كان المسبوق أدرك ركعة مع إمامه، لكن لو أدرك أقل من ركعة، صح الاقتداء به. والشافعية قالوا: من اقتدى بمأموم مسبوق بعد أن سلم الإِمام، أو نوى مفارقته: صح الاقتداء، وهذا فى غير الجمعة أما فى صلاتها فلا يصح الاقتداء. الحنابلة وافقوهم: على ذلك. " الفقه على المذاهب الأربعة ". وما دام هناك اختلاف فلا يصح التعصب لرأى
стр. 3988
السفر الدائم واداء الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز قصر الصلاة والإِفطار فى رمضان لمن تكون مهمتهم دوام السفر؟
الجواب
من المعلوم أن قصر الصلاة رخصة للمسافر كما قال تعالى ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ النساء: ١٠١، وأن الإِفطار رخصة للمسافر كما قال سبحانه ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ البقرة: ١٨٥، كما روى أبو داود أن النبى ﷺ قال " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة". وذلك كله مع الشروط التى اشترطها الفقهاء لاستعمال هذه الرخصة.
والسفر قد يكون مؤقتا وقد يكون دائما، والسفر الدائم يطلق على معنيين، أولهما أن يكون معه أهله وكل ما يحتاجه، وثانيهما ألا يكون معه أهله ولكنه كثير الأسفار أو مهنته هى السفر كسائقى القطارات والطيارين والبحارين.
والسفر المؤقت يرخص فى القصر والفطر، أما مديم السفر الذى معه أهله وكل حاجاته فهو كالمقيم لا يجوز له قصر الصلاة ولا الفطر فى رمضان، اللهم إلا إذا كان الصيام يضره فله الفطر وقد يجب إذا كان الضرر بالغا يؤدى إلى هلاك النفس.
جاء فى " المغنى لابن قدامة ج ٢ ص ١٤ " فى فقه الحنابلة أن الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل - يسأل عن الملاح أيقصر ويفطر فى السفينة؟ فقال:
أما إذا كانت السفينة بيته فإنه يتم ويصوم. قيل له: وكيف تكون بيته؟ قال:
لا يكون له بيت غيرها، معه فيها أهله، وهو فيها مقيم، وهذا قول عطاء.
وجاء فى شرح الشرقاوى على التحرير "ج ١ ص ٤٤١ " فى فقه الشافعية أنه لا يباح الفطر لمديم السفر، لأنه يؤدى إلى إسقاط الوجوب كلية، إلا أن يقصد القضاء فى أيام أخر فى سفره. أما الذى يسافر كثيرا بحكم عمله، وليس معه أهله فله قصر الصلاة والفطر، لأنه ستكون له أيام يقيم فيها فيقضى الصيام هذا، والقصر عزيمة عند الحنفية، ومن أتمَّ لا يجوز له الجمع "فتاوى الشيخ جاد الحق ج ٥ص ٥٣"
стр. 3989
البسملة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى عدم ذكر البسملة فى الصلوات التى تصلى جهرا؟
الجواب
البسملة فى الفاتحة فيها ثلاث مذاهب، مذهب يقول: إنها لمجرد الفصل بين السور، فلا تجب قراءتها فى الفاتحة، والصلاة بدون قراءتها صحيحة، بل قال: قراءتها مكروهة فى الفرض دون النافلة، وليس لهذا المذهب دليل قوى.
ومذهب يقول: إنها اَية من الفاتحة، وقراءتها واجبة فيها، ولا تصح الصلاة بدونها، وتعطى حكم الفاتحة فى الإِسرار أو الجهر بها. وأقوى دليل لهذا المذهب حديث يقول راويه: صليت وراء أبى هريرة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القراَن -الفاتحة-وجاء فى اَخر الحديث قوله: والذى نفسى بيده إنى لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ .
رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، وقال الحافظ ابن حجر: هو أصح حديث ورد فى البسملة.
ومذهب يقول: قراءتها فى الفاتحة جائزة، بل مستحبة، ولكنها غير واجبة، فتصح الصلاة بدونها، لكن هذا المذهب يقول: لا يجهر بالبسملة ولكن تقال سراً، والدليل عليه قول أنس صليت خلف الرسول وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه النسائى وابن حبان بإسناد على شرط الشيخين.
ويمكن أن يقال: إن النبى ﷺ كان يجهر بها أحيانا، ويسر بها أحيانا أخرى، وما دام الأمر خلافيا فلا يجوز التعصب لأى رأى.
وأرى أن الإِتيان بها ينفع ولا يضر، وأن عدم الإِتيان بها لا يبطل الصلاة
стр. 3990
تحية المسجد والقرآن يقرأ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
دخلت المسجد فوجدت قارئاً يقرأ القرآن، فهل أصلى تحية المسجد أو أجلس لاستماع القرآن؟
الجواب
لو دخل أحد المسجد والقرآن يقرأ بصوت مرتفع، سواء أكان ذلك فى يوم الجمعة قبل صلاتها أو فى غير يوم الجمعة، فهو مطالب بشيئين، أولهما تحية المسجد وثانيهما الاستماع إلى القرآن، فهل يضحى بأحدهما أو يمكنه أن يجمع بينهما؟ .
قال تعالى ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ الأعراف:
٢٠٤، وقال ﷺ فيما رواه الشيخان " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين ".
قال العلماء: إن الاستماع إلى القرآن واجب فى حالتين اثتين فقط هما إذا كان الإنسان فى الصلاة مَأمُومًا فإنه يجب عليه الاستماع إلى قراءة الإِمام، وخطبة الجمعة، لأنها فى الغالب تشتمل على قرآن، وفى غير هاتين الحالتين يكون الاستماع مندوبا، فالداخل للمسجد والقرآن يقرأ أمامه أمران مندوبان أحدهما له وقت محدود يفوت بفواته وهو تحية المسجد، لأنها تفوت بالجلوس، وهنا يبدأ بالتحية حتى لا تفوته، ثم يستمع بعد ذلك للقرآن، وقد رأينا أن الرسول أمر بالتحية للداخل وهو يخطب الجمعة مع أن الإنصات إليها واجب، فصلاتها مع القراءة مشروعة من باب أولى
стр. 3991
الكلام فى المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الكلام فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؟
الجواب
جاء فى كتاب " غذاء الألباب " للسفارينى قوله: وأما ما اشتهر على الألسنة من قولهم إن النبى ﷺ قال " الحديث فى المسجد- وبعضهم يزيد المباح - يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " فهو كذب لا أصل له، قال فى المختصر: لم يوجد، وذكره القاضى فى موضوعاته، كما ذكر العراقى على الإِحياء: أنه لا أصل له.
لكن روى ابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ قال " سيكون فى آخر الزمان قوم يكون حديثهم فى مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة " وظاهر الحديث أن الكلام فى المسجد أيا كان نوعه ممنوع، لكن المحققين من العلماء قالوا:
إنه يجوز فى الأمور المهمة فى الدين والدنيا من كل ما لا حرمة فيه ولا باطل.
وقد رأى الإِمام النووى جواز الحديث العادى وإن صحبه ضحك خفيف، لما رواه مسلم: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذى صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وقال: كانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. وفى رواية لأحمد عن جابر: شهدت النبى ﷺ أكثر من مائة مرة فى المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما يبتسم معهم. وهو حديث صحيح " نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ١٦٦ ". فالحديث الممنوع هو الباطل أو الذى يشوش على المصلين أو الذى يذهب بكرامة المسجد إذا تناوله جماعة فى شكل حلقات كما نص عليه. وقد أذن النبى ﷺ لحسان بن ثابت أن يقول الشعر فى المسجد ليرد على الكافرين ما يفترونه من كذب على اللَّه ورسوله كما ثبت فى الصحيحين.
وعليه فالكلام المباح غير محرم فى المساجد، وإن كنا ننصح بأن يكون فى أضيق الحدود وليكن شغل الجالسين فيها ذكر اللَّه والعبادة، فذلك هو ما بنيت له المساجد.
هذا، وقد جاء النهى عن رفع الأصوات فى المساجد بغير ذكر اللَّه والعبادة، مثل نشدان الضالة والبيع والشراء، وجاء فى " مشارق الأنوار" للعدوى حديث نقله عن المعارف لللشعرانى رواه الترمذى عن على مرفوعا إلى النبي ﷺ " إذا فعلت أمتى خمسة عشر حل بها البلاء " ومنها ارتفاع الأصوات فى المساجد.
وذكر الكتاب بقية العلامات الصغرى للقيامة وقال عن رفع الأصوات فى المساجد:
إنه من علامات الساعة حتى لو كان بالعلم، لقول الإمام مالك: ما للعلم ورفع الصوت؟ والمراد ما يكون فيه تشويش على المتعبدين، أو كان للرياء والفخر.
وجاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " ص ٢٠٤، ٢٠٥ ":
أن الحنفية قالوا: يكره رفع الصوت بالذكر فى المسجد إن ترتب عليه تشويش على المصلين أو إيقاظ للنائمين، وإلا فلا يكره، بل قد يكون أفضل إذا ترتب عليه إيقاظ قلب الذاكر وطرد النوم عنه وتنشيط للطاعة. أما رفع الصوت بالكلام فإن كان بما لا يحل فإنه يكره تحريما، وإن كان بما يحل فإن ترتب عليه تهويش على المصلى أو نحو ذلك كره، وإلا فلا كراهة ومحل عدم الكراهة إذا دخل المسجد للعبادة، أما إذا دخله لخصوص الحديث فيه فإنه يكره مطلقا، والشافعية قالوا:
يكره رفع الصوت بالذكر فى المسجد إن هوش على مصل أو مدرس أو قارئ أو مطالع أو نائم لا يسن إيقاظه، وإلا فلا كراهة أما رفع الصوت بالكلام فإن كان بما لا يحل كمطالعة الأحاديث الموضوعة ونحوها فإنه يحرم مطلقا، وإن كان بما يحل لم يكره إلا إذا ترتب عليه تهويش ونحوه.
والمالكية قالوا: يكره رفع الصوت فى المسجد ولو بالذكر والعلم، واستثنوا من ذلك أموراً أربعة، الأول ما إذا احتاج المدرس إليه لإسماع المتعلمين فلا يكره، الثانى ما إذا أدى الرفع إلى التهويش على مصل فيحرم، الثالث رفع الصوت بالتلبية فى مسجد مكة أو منى فلا يكره، الرابع رفع صوت المرابط بالتكبير ونحوه فلا يكره.
والحنابلة قالوا: رفع الصوت بالذكر فى المسجد مباح إلا إذا ترتب عليه تشويش على المصلين، وإلا كره، أما رفع الصوت فى المسجد بغير الذكر فإن كان بما يباح فلا كراهة إلا إذا ترتب عليه تهويش فيكره، وإن كان بما لا يباح فهو مكروه، مطلقا. انتهى
стр. 3992
دخول المسجد لغير المسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض السائحين يدخلون المساجد، وقد ذكر القرآن أن المشركين نجس، وحرم عليهم دخول المسجد الحرام، فكيف نفسر السماح لهم بدخول مساجد المسلمين؟
الجواب
قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ التوبة: ٢٨، وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا﴾ النساء:
٤٣،. تفيد الآية الأولى أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام فى مكة، لأنه نجس، وهذا رأى إمام أهل المدينة مالك وغيره، وعليه الإمام الشافعى، أما الكتابى - وهو اليهودى والنصرانى - فلا مانع من دخوله. والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله.
وقال أبو حنيفة بجواز دخول غير المسلم مطلقا المسجد الحرام والحرم، وحمل نجاسته على أنها نجاسة معنوية، وحمل قربان المسجد على المكث فيه، كما حمل دخول الحرم على الاستيطان، حيث لا يجتمع فى جزيرة العرب دينان، كما فى الحديث الذى أخرجه مالك فى الموطأ عن ابن شهاب وغيره، وأخرجه أحمد عن عائشة.
أما مساجد الحل -أى غير الحرم - فمنع أهل المدينة دخولها لغير المسلم أيضا، لأنه نجس بنص القرآن، ولأن الآية الثانية تفيد أن الجنب لا يمكث فى المسجد، وإنما يكون له العبور فقط، والكافر جنب فلا يجوز له المكث فى أى مسجد. وفى الحديث " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود ويؤيد هذا ما روى أن أبا موسى الأشعرى دخل على عمر رضى الله عنه ومعه كتاب كتب فيه حساب عمله، فقال له عمر: ادع الذى كتب ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد، لأنه نصرانى. فَدَلَ هذا على أنه كان حكما معروفا لديهم، وهو رواية عن أحمد. وفى رواية عنه أيضا أنه لا يجوز له الدخول إلا بإذن المسلمين، ويؤيدها أن عليا رضى الله عنه رأى مجوسيا وهو على المنبر وقد دخل المسجد، فنزل وضربه وأخرجه من أبواب كندة، فإن أذن له المسلمون جاز دخوله، بدليل أن النبى ﷺ أنزل أهل الطائف فى المسجد قبل أن يسلموا، وقال سعيد بن المسيب:
كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه، واستقبل النبى ﷺ " نصارى نجران فى مسجد المدينة، ولما حان وقت صلاتهم صلوا فى المسجد إلى المشرق، وقال فيهم ﵊ " دعوهم ".
وقد ترجم البخارى فى صحيحه دخول المشرك المسجد، وأورد حادثة ربط ثمامة بن أثال بسارية من سوارى المسجد النبوى، وكان ثمامة كافرا من بنى حنيفة، وعلى هذا الرأى أكثر الأئمة، وقصره الشافعى على الضرورة أو الحاجة، وليس بصفة مستمرة، ولعل هذا هو الرأى المناسب للفتوى.
قال ابن حجر فى فتح البارى "ج ٢ ص ١٠٧ " عن هذه المسألة:
فيه مذاهب، فعن الحنفية الجواز مطلقا، وعن المالكية والمزنى المنع مطلقا، وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره، للآية، وقيل: يؤذن للكتابي خاصة، وحديث الباب يرد عليه، فإن ثمامة ليس من أهل الكتاب انتهى.
وأرى أنه لا مانع من دخول الزوار الأجانب غير المسلمين لمساجد المسلمين إذا كانوا فى برنامج سياحى، أو لعمل هام، ما دام ذلك بإذن المسلمين، وفى ثورة ١٩١٩ م دخل القمص سرجيوس الجامع الأزهر وخطب فيه خطبة سياسية على مشهد من علماء المسلمين. دون إنكار منهم، وذلك مراعاة للظروف، واختلاف الآراء فيه رحمة. وننبه إلى وجوب احترامهم للمساجد وعدم التبذل فيها أو عمل شىء لا يوافق عليه الدين
стр. 3993
قضاء الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا بعض الآراء تقول: من ترك الصلاة عمدا لا يجب عليه قضاؤها، فهل هذا صحيح؟
الجواب
يقول جمهور العلماء: إن الصلاة إذا خرج وقتها دون أن يؤديها المسلم المكلف وجب عليه أن يقضيها، قال تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ الإِسراء: ٧٨، يقول القرطبى، مقتضى ظاهر الآية أنه لو فعلها فى غير وقتها تكون باطلة ولا ثواب عليها.
وإذا كانت باطلة فلا داعى لقضائها، مع أن فواتها معصية، ولولا حديث " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " لم ينتفع أحد بصلاة وقعت فى غير وقتها ومن هنا كان لابد من قضاء الصلاة في غير وقتها المحدود لها.
وخروج الصلاة عن وقتها قد يكون لعذر أو لغير عذر، ومن العذر النوم والسهو فمن فاتته بعذر وجب عليه قضاؤها، فقد روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك " وفي رواية " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها " فإن اللَّه يقول ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ طه: ١٤.
وكذلك يجب قضاؤها لأنها صارت دينا له، وقد روى الشيخان أن رجلا سأل النبى ﷺ عن أمه التى ماتت وعليها صوم شهر هل يقضيه عنها؟ فقال له " نعم، فدين اللَّه أحق أن يقضى " وفي رواية أن امرأة سألت النبى ﷺ عن أمها التى نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، هل تحج عنها؟ فقال: " حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا، فالله أحق بالقضاء ".
فالحديث الأول يوجب القضاء على الناسى بالنص، والحديث الثانى يدل على وجوبه بعموم قضاء دين الله. ويؤكد وجوب القضاء التعبير بالكفارة، كأن النسيان ذنب فيه كفارة، مع أن القلم رفع عن الناسى.
أما من ترك الصلاة حتى خرج وقتها بدون عذر، فالقضاء واجب عليه أيضا كما قال جمهور العلماء، وحجتهم فى ذلك ما يأتى:
١ - قول اللَّه تعالى ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ولم يفرق بين أن تكون في وقتها أو بعده، وهذا أمر يقتضى الوجوب، فى الوقت وغير الوقت.
٢ -ثبت الأمر بالقضاء على النائم والناسى، مع أنهما غير آثمين، ك لها عمدا أولى بوجوب القضاء.
٣ - الحديث يقول " من نام عن صلاة أو نسيها " وهو يدل على وجوب القضاء مطلقا، لأن النسيان ترك، وهو يشمل الترك المتعمد وغير المتعمد بدليل قول الله تعالى ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ التوبة: ٦٧، والله لا ينسى فمعناه أنه تركهم وقوله ﴿فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم﴾ السجدة: ١٤، والمعنى إنا تركناكم ومثله قوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ البقرة: ١٠٦، فمعنى ننسها نتركها.
٤ - يقول الحديث " فليصلها إذا ذكرها" وهو يشمل الذكر بعد النسيان وبعد غيره، ومنه حديث " من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى" وهو سبحانه لا ينسى حتى يكون ذكر بعد نسيان، بل المراد علمت، فمعنى ذكرها علمها.
٥-أن ديون الآدميين المرتبطة بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهى مما تسقط بالإبراء، فديون اللَّه لا يصح فيها الإِبراء، وأولى ألا يسقط قضاؤها إلا باذن منه، ولا يوجد هذا الإذن.
٦ -أن العلماء اتفقوا على أن الفطر فى رمضان يوجب القضاء فى غير رمضان، فكذلك الصلاة إذا لم تؤد فى وقتها وجب قضاؤها فى وقت اَخر.
هذا هو رأى الجمهور فى وجوب قضاء الصلاة على من تركها متعمدا، وقال أهل الظاهر وبعض علماء الشافعية بعدم وجوب القضاء عليه، تمسكا بظاهر الحديث الذى شرط للقضاء النوم أو النسيان، بل عليه أن يتوب توبة نصوحا من معصيته بترك الصلاة، وذلك بالإِقبال على أدائها والمحافظة عليها، قال تعالى ﴿وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ طه: ٨٢. وردوا على أدله الجمهور، بما يأتى:
١ - لا يصح قياس المتعمد على الناسى، وذلك لوجود الفارق بينهما، فالناسى مأمور بالقضاء، والقضاء كفارة بمنطوق الحديث. مع أن الناسى لا إثم عليه لرفع القلم عنه، وكان مقتضى رفع الإِثم عدم وجوب القضاء، لكن الحديث نص على وجوبه، فكان هنا حكما خاصا بنسيان الصلاة، فلا يقاس عليه التعمد لتركها، وذلك للزوم الإثم له، ولا فائدة من القضاء فى رفع هذا الاثم، بل عليه التوبة.
٢ -لو وجب القضاء على العامد لوجب أمر جديد له بالقضاء، ولا يوجد هذا الأمر. والحافظ ابن حجر رد على الدليل الأول بأن الكفارة لا يلزم أن تكون عن إثم، فقد تكون على الآثم كالقاتل عمدا، وعلى غيره كالقاتل خطأ، وحيث كانت كفارة الناسى هى القضاء، فكفارة المتعمد هى القضاء أيضا مع التوبة.
كما رُدَّ على الدليل الثانى، بأن وجوب القضاء لا يحتاج إلى أمر جديد، فهو مأمور بأداء الصلاة بالخطاب التكليفى الأول، وتاركها صار مدينا، والدين لا يسقط إلا بأدائه. هذا، وجاء فى تفسير القرطبى أن ما روى عن مالك من قوله: من ترك الصلاة متعمدا لا يقضى أبدا، هو إشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو هو كلام خرج مخرج التغليظ، كما روى عن على وابن مسعود أن من أفطر فى رمضان عامدا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه.
ومع هذا فلا بد من توفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، وإتباعه بالتوبة، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وما روى عن النبى ﷺ " من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه " فهو حديث ضعيف خرجه أبو داود، وإن صح حمل على التغليظ.
وهل يقال: إن حديث رَفْعَ القلم عن النائم حتى يستيقظ، فلماذا يأمر الرسول من نام عن الصلاة بقضائها؟ والجواب أن المراد رفع الإِثم لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله " وعن الصبى حتى يحتلم " وإن كان ذلك جاء فى أثر واحد، لأن رفعها عن الصبى رفع للوجوب، وبالتالى رفع للإِثم. أو يقال: إن حديث الصلاة مخصص لحديث رفع القلم، بمعنى أن حديث رفع القلم - أى عدم المؤاخذة -إن صدق على الصبى وعلى المجنون، فالصلاة مستثناة من رفع القلم، فالنائم عنها مؤاخذ وآثم، وكفارة ذلك هى قضاء الصلاة، اهـ.
وهناك قول عند الحنابلة بعدم وجوب القضاء على من ترك الصلاة عمدا، وذلك إذا طلبها منه الحاكم ودعاه إلى فعلها، لأن فى هذه الحالة يكون مرتدا عندهم، لكن هذا القول - مع، كونه أحد القولين وليس بأرجحهما-مقيد بحالة مخصوصة، وهى طلب الحاكم.
والخلاصة أن تارك الصلاة سهوا يجب عليه القضاء باتفاق العلماء، وتاركها عمدا يجب عليه القضاء عند الجمهور وهو الصحيح، والإِنسان حر فى كيفية القضاء من حيث الترتيب وعدمه على ما رآه بعض الفقهاء -وربما وضحناه فى موضع اَخر- ونختار هذا الرأى للتيسير، كما أنه يقضى ما علم أو غلب على ظنه تركه بعد الاجتهاد فى حصر المتروك، ولا معنى لانشغاله بالنوافل التى لا يحاسب عليها مع الإهمال فى القضاء.
وعلى تارك الصلاة عمدا - مع وجوب القضاء - أن يتوب إلى اللَّه ويواظب عليها ويندم على تقصيره ويعزم عزما صادقا على عدم التهاون فيها. كما يُسَنُّ له أن يبادر بالقضاء قبل مباغتة الأجل أو تغير الظروف التى يعجز معها عن القضاء. ومن مات وهو يقضى ولم يتم الوفاء فأمره مفوض إلى ربه، وبحسب نيته تكون آخرته، والرجاء فى رحمة اللَّه كبير
стр. 3994
ترك الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم تارك الصلاة، هل هو كافر أو مؤمن عاص؟
الجواب
الصلاة ركن من أركان الإسلام، ومنزلتها من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، والنصوص كثيرة فى وجوب المحافظة عليها، وفى التحذير من تركها أو التهاون فيها، ومن أخطر ما ورد قى تركها حديث رواه مسلم " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ".
وهذا الحديث يدل ظاهره على ما ذهب إليه من قال إن الإِيمان عقيدة وعمل، يقول النووى فى شرح هذا الحديث ما ملخصه:
تارك الصلاة إن كان منكرا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين خارج من ملة الإِسلام إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه. وإن كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشافعى وجماهير السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزانى المحصن، ولكنه يقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروى عن على وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل وهو وجه لبعض أصحاب الشافعى، وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزنى صاحب الشافعى إلى أنه لا يكفر-ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلى.
ثم ذكر حجة القائلين بكفره وهى ظاهر الحديث والقياس على - كلمة التوحيد، وحجة القائلين بعدم قتله وهى حديث " لا يحل دم امرىء إلا بأحد ثلاث " وليس فيه ترك الصلاة، ومن قال لا يكفر احتج بقوله تعالى ﴿إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ .
وبحديث " من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة " وحديث " حرم على النار من قال لا إله إلا الله " وغيرها من الأعمال كالصلاة ونحوها.
ومع قولهم بعدم كفره قالوا بقتله حدا إن لم يتب محتجين بقوله تعالى " فإن تابوا وأقاموا الصلاة واَتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " أى لا تقتلوهم إن فعلوا ذلك، ومفهومه يقتلون إن لم يفعلوا. وبحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا منى دماءهم وأموالهم ".
وأجاب هؤلاء الذين لا يكفرون تارك الصلاة عن الحديث " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " بأن المعنى أنه يستحق عقوبة الكفر وهى القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو أن فعله فعل الكفار انتهى.
ذكر السبكى فى طبقات الشافعية أن الشافعى وأحمد تناظرا فى تارك الصلاة فقال الشافعى: أحمد أتقول أنه يكفر؟ قال نعم، قال إذا كان كافرا فبم يسلم؟ قال: يقول لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، قال الشافعى: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، قال: يسلم بأن يصلى قال: صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم له بالإِسلام بها، فسكت أحمد.
ومن ترك الصلاة كسلا مع الإِيمان بوجوبها عليه يجب نصحه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن لم يتب وجبت مقاطعته وكراهيته وحَرُمَ حبه ومودته.
فذلك مظهر الإِنكار بالقلب الوارد فى حديث تغيير المنكر، وقد حدث أن النبى ﷺ هجر المتخلفين عن غزوة تبوك بغير عذر وأمر أصحابه بهجرهم، على أن يكون الهجر بدافع دينى لا لغرض شخصى، والأعمال بالنيات.
ولو أن المؤمنين الطائعين قاطعوا العصاة وهجروهم لكان ذلك من أكبر العوامل على مراجعة أنفسهم وتوبتهم إلى اللَّه، ضرورة حاجتهم إلى التعامل مع إخوانهم
стр. 3995
جمع التبرعات أثناء الخطبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز جمع التبرعات أثناء خطبة الجمعة؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصا فقد لغا". قال العلماء: لقد نهى الرسول ﷺ عن اللغو حال خطبة الجمعة، وحكمته أن فيه تشويشا على الخطيب بالكلام أو بأى عمل آخر، وأن فيه انصرافا عن الاستماع إليه. قال أبو حنيفة ومالك والشافعى وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، وبخاصة إذا تلى فيها قرآن، قال تعالى ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ الأعراف: ٢٠٤، وقال أيضا ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ فصلت: ٢٦، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات حتى قبل الخطبة، من حين خروج الإمام إليها. وقول الحديث: " ومن مس الحصا فقد لغا" يشير إلى أن كل ما يصرف الإنسان عن الاستماع إلى الخطبة يبطل ثواب الجمعة، وذلك كمس الحصا الذى كان يفرش به المسجد النبوى، ومثله اللهو بالمسبحة وبأى شىء آخر، فهو لغو أى باطل مذموم. ولما كان حامل صندوق التبرعات منصرفا عن الاستماع ومشوشا على غيره بصوت النقود المعدنية التى تقرع قاع الصندوق، وبمشيه بين الصفوف الذى قد يكون معه تخطً للرقاب وهو منهى عنه نهيا شديدا، وقد يشغل المتبرع بإخراج النقود فينصرف عن سماع الخطبة-لما كان ذلك كان جمع التبرعات بهذه الطريقة منافيا لواجب الاستماع إلى الخطبة، وليست هذه حالة ضرورة حتى يباح لها المحظور، فإن جمع التبرعات ممكن بعد الانتهاء من الصلاة.
وقد جاء النهى عن تخطى الرقاب يوم الجمعة مقيدا بأنه يكون بعد خروج الإمام للخطبة، كما فى رواية أحمد والطبرانى، أو يكون أثناء الخطبة كما فى رواية لأحمد وأبى داود والنسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، حيث رأى النبى ﷺ رجلا يتخطى رقاب الناس وهو يخطب، فقال له " اجلس، فقد آذيت " وجاء النهى مطلقا لم يقيد بهذين القيدين كما فى رواية ابن ماجة والترمذى " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " وقال الترمذى: حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط والعمل عليه عند أهل العلم.
واعتمادا على هذه الروايات يمكن أن يقال: لو كان جمع التبرعات قبل خروج الإمام للخطبة وليس فيه تخط للرقاب لم يكن ذلك ممنوعا.
والأفضل -كما قلنا-أن يكون ذلك بعد الانتهاء من الصلاة
следующие страницы →