Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
الكلام فى المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الكلام فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؟
الجواب
جاء فى كتاب " غذاء الألباب " للسفارينى قوله: وأما ما اشتهر على الألسنة من قولهم إن النبى ﷺ قال " الحديث فى المسجد- وبعضهم يزيد المباح - يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " فهو كذب لا أصل له، قال فى المختصر: لم يوجد، وذكره القاضى فى موضوعاته، كما ذكر العراقى على الإِحياء: أنه لا أصل له.
لكن روى ابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ قال " سيكون فى آخر الزمان قوم يكون حديثهم فى مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة " وظاهر الحديث أن الكلام فى المسجد أيا كان نوعه ممنوع، لكن المحققين من العلماء قالوا:
إنه يجوز فى الأمور المهمة فى الدين والدنيا من كل ما لا حرمة فيه ولا باطل.
وقد رأى الإِمام النووى جواز الحديث العادى وإن صحبه ضحك خفيف، لما رواه مسلم: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذى صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وقال: كانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. وفى رواية لأحمد عن جابر: شهدت النبى ﷺ أكثر من مائة مرة فى المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما يبتسم معهم. وهو حديث صحيح " نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ١٦٦ ". فالحديث الممنوع هو الباطل أو الذى يشوش على المصلين أو الذى يذهب بكرامة المسجد إذا تناوله جماعة فى شكل حلقات كما نص عليه. وقد أذن النبى ﷺ لحسان بن ثابت أن يقول الشعر فى المسجد ليرد على الكافرين ما يفترونه من كذب على اللَّه ورسوله كما ثبت فى الصحيحين.
وعليه فالكلام المباح غير محرم فى المساجد، وإن كنا ننصح بأن يكون فى أضيق الحدود وليكن شغل الجالسين فيها ذكر اللَّه والعبادة، فذلك هو ما بنيت له المساجد.
هذا، وقد جاء النهى عن رفع الأصوات فى المساجد بغير ذكر اللَّه والعبادة، مثل نشدان الضالة والبيع والشراء، وجاء فى " مشارق الأنوار" للعدوى حديث نقله عن المعارف لللشعرانى رواه الترمذى عن على مرفوعا إلى النبي ﷺ " إذا فعلت أمتى خمسة عشر حل بها البلاء " ومنها ارتفاع الأصوات فى المساجد.
وذكر الكتاب بقية العلامات الصغرى للقيامة وقال عن رفع الأصوات فى المساجد:
إنه من علامات الساعة حتى لو كان بالعلم، لقول الإمام مالك: ما للعلم ورفع الصوت؟ والمراد ما يكون فيه تشويش على المتعبدين، أو كان للرياء والفخر.
وجاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " ص ٢٠٤، ٢٠٥ ":
أن الحنفية قالوا: يكره رفع الصوت بالذكر فى المسجد إن ترتب عليه تشويش على المصلين أو إيقاظ للنائمين، وإلا فلا يكره، بل قد يكون أفضل إذا ترتب عليه إيقاظ قلب الذاكر وطرد النوم عنه وتنشيط للطاعة. أما رفع الصوت بالكلام فإن كان بما لا يحل فإنه يكره تحريما، وإن كان بما يحل فإن ترتب عليه تهويش على المصلى أو نحو ذلك كره، وإلا فلا كراهة ومحل عدم الكراهة إذا دخل المسجد للعبادة، أما إذا دخله لخصوص الحديث فيه فإنه يكره مطلقا، والشافعية قالوا:
يكره رفع الصوت بالذكر فى المسجد إن هوش على مصل أو مدرس أو قارئ أو مطالع أو نائم لا يسن إيقاظه، وإلا فلا كراهة أما رفع الصوت بالكلام فإن كان بما لا يحل كمطالعة الأحاديث الموضوعة ونحوها فإنه يحرم مطلقا، وإن كان بما يحل لم يكره إلا إذا ترتب عليه تهويش ونحوه.
والمالكية قالوا: يكره رفع الصوت فى المسجد ولو بالذكر والعلم، واستثنوا من ذلك أموراً أربعة، الأول ما إذا احتاج المدرس إليه لإسماع المتعلمين فلا يكره، الثانى ما إذا أدى الرفع إلى التهويش على مصل فيحرم، الثالث رفع الصوت بالتلبية فى مسجد مكة أو منى فلا يكره، الرابع رفع صوت المرابط بالتكبير ونحوه فلا يكره.
والحنابلة قالوا: رفع الصوت بالذكر فى المسجد مباح إلا إذا ترتب عليه تشويش على المصلين، وإلا كره، أما رفع الصوت فى المسجد بغير الذكر فإن كان بما يباح فلا كراهة إلا إذا ترتب عليه تهويش فيكره، وإن كان بما لا يباح فهو مكروه، مطلقا. انتهى
стр. 3992
دخول المسجد لغير المسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض السائحين يدخلون المساجد، وقد ذكر القرآن أن المشركين نجس، وحرم عليهم دخول المسجد الحرام، فكيف نفسر السماح لهم بدخول مساجد المسلمين؟
الجواب
قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ التوبة: ٢٨، وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا﴾ النساء:
٤٣،. تفيد الآية الأولى أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام فى مكة، لأنه نجس، وهذا رأى إمام أهل المدينة مالك وغيره، وعليه الإمام الشافعى، أما الكتابى - وهو اليهودى والنصرانى - فلا مانع من دخوله. والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله.
وقال أبو حنيفة بجواز دخول غير المسلم مطلقا المسجد الحرام والحرم، وحمل نجاسته على أنها نجاسة معنوية، وحمل قربان المسجد على المكث فيه، كما حمل دخول الحرم على الاستيطان، حيث لا يجتمع فى جزيرة العرب دينان، كما فى الحديث الذى أخرجه مالك فى الموطأ عن ابن شهاب وغيره، وأخرجه أحمد عن عائشة.
أما مساجد الحل -أى غير الحرم - فمنع أهل المدينة دخولها لغير المسلم أيضا، لأنه نجس بنص القرآن، ولأن الآية الثانية تفيد أن الجنب لا يمكث فى المسجد، وإنما يكون له العبور فقط، والكافر جنب فلا يجوز له المكث فى أى مسجد. وفى الحديث " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود ويؤيد هذا ما روى أن أبا موسى الأشعرى دخل على عمر رضى الله عنه ومعه كتاب كتب فيه حساب عمله، فقال له عمر: ادع الذى كتب ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد، لأنه نصرانى. فَدَلَ هذا على أنه كان حكما معروفا لديهم، وهو رواية عن أحمد. وفى رواية عنه أيضا أنه لا يجوز له الدخول إلا بإذن المسلمين، ويؤيدها أن عليا رضى الله عنه رأى مجوسيا وهو على المنبر وقد دخل المسجد، فنزل وضربه وأخرجه من أبواب كندة، فإن أذن له المسلمون جاز دخوله، بدليل أن النبى ﷺ أنزل أهل الطائف فى المسجد قبل أن يسلموا، وقال سعيد بن المسيب:
كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه، واستقبل النبى ﷺ " نصارى نجران فى مسجد المدينة، ولما حان وقت صلاتهم صلوا فى المسجد إلى المشرق، وقال فيهم ﵊ " دعوهم ".
وقد ترجم البخارى فى صحيحه دخول المشرك المسجد، وأورد حادثة ربط ثمامة بن أثال بسارية من سوارى المسجد النبوى، وكان ثمامة كافرا من بنى حنيفة، وعلى هذا الرأى أكثر الأئمة، وقصره الشافعى على الضرورة أو الحاجة، وليس بصفة مستمرة، ولعل هذا هو الرأى المناسب للفتوى.
قال ابن حجر فى فتح البارى "ج ٢ ص ١٠٧ " عن هذه المسألة:
فيه مذاهب، فعن الحنفية الجواز مطلقا، وعن المالكية والمزنى المنع مطلقا، وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره، للآية، وقيل: يؤذن للكتابي خاصة، وحديث الباب يرد عليه، فإن ثمامة ليس من أهل الكتاب انتهى.
وأرى أنه لا مانع من دخول الزوار الأجانب غير المسلمين لمساجد المسلمين إذا كانوا فى برنامج سياحى، أو لعمل هام، ما دام ذلك بإذن المسلمين، وفى ثورة ١٩١٩ م دخل القمص سرجيوس الجامع الأزهر وخطب فيه خطبة سياسية على مشهد من علماء المسلمين. دون إنكار منهم، وذلك مراعاة للظروف، واختلاف الآراء فيه رحمة. وننبه إلى وجوب احترامهم للمساجد وعدم التبذل فيها أو عمل شىء لا يوافق عليه الدين
стр. 3993
قضاء الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا بعض الآراء تقول: من ترك الصلاة عمدا لا يجب عليه قضاؤها، فهل هذا صحيح؟
الجواب
يقول جمهور العلماء: إن الصلاة إذا خرج وقتها دون أن يؤديها المسلم المكلف وجب عليه أن يقضيها، قال تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ الإِسراء: ٧٨، يقول القرطبى، مقتضى ظاهر الآية أنه لو فعلها فى غير وقتها تكون باطلة ولا ثواب عليها.
وإذا كانت باطلة فلا داعى لقضائها، مع أن فواتها معصية، ولولا حديث " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " لم ينتفع أحد بصلاة وقعت فى غير وقتها ومن هنا كان لابد من قضاء الصلاة في غير وقتها المحدود لها.
وخروج الصلاة عن وقتها قد يكون لعذر أو لغير عذر، ومن العذر النوم والسهو فمن فاتته بعذر وجب عليه قضاؤها، فقد روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك " وفي رواية " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها " فإن اللَّه يقول ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ طه: ١٤.
وكذلك يجب قضاؤها لأنها صارت دينا له، وقد روى الشيخان أن رجلا سأل النبى ﷺ عن أمه التى ماتت وعليها صوم شهر هل يقضيه عنها؟ فقال له " نعم، فدين اللَّه أحق أن يقضى " وفي رواية أن امرأة سألت النبى ﷺ عن أمها التى نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، هل تحج عنها؟ فقال: " حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا، فالله أحق بالقضاء ".
فالحديث الأول يوجب القضاء على الناسى بالنص، والحديث الثانى يدل على وجوبه بعموم قضاء دين الله. ويؤكد وجوب القضاء التعبير بالكفارة، كأن النسيان ذنب فيه كفارة، مع أن القلم رفع عن الناسى.
أما من ترك الصلاة حتى خرج وقتها بدون عذر، فالقضاء واجب عليه أيضا كما قال جمهور العلماء، وحجتهم فى ذلك ما يأتى:
١ - قول اللَّه تعالى ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ولم يفرق بين أن تكون في وقتها أو بعده، وهذا أمر يقتضى الوجوب، فى الوقت وغير الوقت.
٢ -ثبت الأمر بالقضاء على النائم والناسى، مع أنهما غير آثمين، ك لها عمدا أولى بوجوب القضاء.
٣ - الحديث يقول " من نام عن صلاة أو نسيها " وهو يدل على وجوب القضاء مطلقا، لأن النسيان ترك، وهو يشمل الترك المتعمد وغير المتعمد بدليل قول الله تعالى ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ التوبة: ٦٧، والله لا ينسى فمعناه أنه تركهم وقوله ﴿فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم﴾ السجدة: ١٤، والمعنى إنا تركناكم ومثله قوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ البقرة: ١٠٦، فمعنى ننسها نتركها.
٤ - يقول الحديث " فليصلها إذا ذكرها" وهو يشمل الذكر بعد النسيان وبعد غيره، ومنه حديث " من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى" وهو سبحانه لا ينسى حتى يكون ذكر بعد نسيان، بل المراد علمت، فمعنى ذكرها علمها.
٥-أن ديون الآدميين المرتبطة بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهى مما تسقط بالإبراء، فديون اللَّه لا يصح فيها الإِبراء، وأولى ألا يسقط قضاؤها إلا باذن منه، ولا يوجد هذا الإذن.
٦ -أن العلماء اتفقوا على أن الفطر فى رمضان يوجب القضاء فى غير رمضان، فكذلك الصلاة إذا لم تؤد فى وقتها وجب قضاؤها فى وقت اَخر.
هذا هو رأى الجمهور فى وجوب قضاء الصلاة على من تركها متعمدا، وقال أهل الظاهر وبعض علماء الشافعية بعدم وجوب القضاء عليه، تمسكا بظاهر الحديث الذى شرط للقضاء النوم أو النسيان، بل عليه أن يتوب توبة نصوحا من معصيته بترك الصلاة، وذلك بالإِقبال على أدائها والمحافظة عليها، قال تعالى ﴿وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ طه: ٨٢. وردوا على أدله الجمهور، بما يأتى:
١ - لا يصح قياس المتعمد على الناسى، وذلك لوجود الفارق بينهما، فالناسى مأمور بالقضاء، والقضاء كفارة بمنطوق الحديث. مع أن الناسى لا إثم عليه لرفع القلم عنه، وكان مقتضى رفع الإِثم عدم وجوب القضاء، لكن الحديث نص على وجوبه، فكان هنا حكما خاصا بنسيان الصلاة، فلا يقاس عليه التعمد لتركها، وذلك للزوم الإثم له، ولا فائدة من القضاء فى رفع هذا الاثم، بل عليه التوبة.
٢ -لو وجب القضاء على العامد لوجب أمر جديد له بالقضاء، ولا يوجد هذا الأمر. والحافظ ابن حجر رد على الدليل الأول بأن الكفارة لا يلزم أن تكون عن إثم، فقد تكون على الآثم كالقاتل عمدا، وعلى غيره كالقاتل خطأ، وحيث كانت كفارة الناسى هى القضاء، فكفارة المتعمد هى القضاء أيضا مع التوبة.
كما رُدَّ على الدليل الثانى، بأن وجوب القضاء لا يحتاج إلى أمر جديد، فهو مأمور بأداء الصلاة بالخطاب التكليفى الأول، وتاركها صار مدينا، والدين لا يسقط إلا بأدائه. هذا، وجاء فى تفسير القرطبى أن ما روى عن مالك من قوله: من ترك الصلاة متعمدا لا يقضى أبدا، هو إشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو هو كلام خرج مخرج التغليظ، كما روى عن على وابن مسعود أن من أفطر فى رمضان عامدا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه.
ومع هذا فلا بد من توفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، وإتباعه بالتوبة، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وما روى عن النبى ﷺ " من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه " فهو حديث ضعيف خرجه أبو داود، وإن صح حمل على التغليظ.
وهل يقال: إن حديث رَفْعَ القلم عن النائم حتى يستيقظ، فلماذا يأمر الرسول من نام عن الصلاة بقضائها؟ والجواب أن المراد رفع الإِثم لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله " وعن الصبى حتى يحتلم " وإن كان ذلك جاء فى أثر واحد، لأن رفعها عن الصبى رفع للوجوب، وبالتالى رفع للإِثم. أو يقال: إن حديث الصلاة مخصص لحديث رفع القلم، بمعنى أن حديث رفع القلم - أى عدم المؤاخذة -إن صدق على الصبى وعلى المجنون، فالصلاة مستثناة من رفع القلم، فالنائم عنها مؤاخذ وآثم، وكفارة ذلك هى قضاء الصلاة، اهـ.
وهناك قول عند الحنابلة بعدم وجوب القضاء على من ترك الصلاة عمدا، وذلك إذا طلبها منه الحاكم ودعاه إلى فعلها، لأن فى هذه الحالة يكون مرتدا عندهم، لكن هذا القول - مع، كونه أحد القولين وليس بأرجحهما-مقيد بحالة مخصوصة، وهى طلب الحاكم.
والخلاصة أن تارك الصلاة سهوا يجب عليه القضاء باتفاق العلماء، وتاركها عمدا يجب عليه القضاء عند الجمهور وهو الصحيح، والإِنسان حر فى كيفية القضاء من حيث الترتيب وعدمه على ما رآه بعض الفقهاء -وربما وضحناه فى موضع اَخر- ونختار هذا الرأى للتيسير، كما أنه يقضى ما علم أو غلب على ظنه تركه بعد الاجتهاد فى حصر المتروك، ولا معنى لانشغاله بالنوافل التى لا يحاسب عليها مع الإهمال فى القضاء.
وعلى تارك الصلاة عمدا - مع وجوب القضاء - أن يتوب إلى اللَّه ويواظب عليها ويندم على تقصيره ويعزم عزما صادقا على عدم التهاون فيها. كما يُسَنُّ له أن يبادر بالقضاء قبل مباغتة الأجل أو تغير الظروف التى يعجز معها عن القضاء. ومن مات وهو يقضى ولم يتم الوفاء فأمره مفوض إلى ربه، وبحسب نيته تكون آخرته، والرجاء فى رحمة اللَّه كبير
стр. 3994
ترك الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم تارك الصلاة، هل هو كافر أو مؤمن عاص؟
الجواب
الصلاة ركن من أركان الإسلام، ومنزلتها من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، والنصوص كثيرة فى وجوب المحافظة عليها، وفى التحذير من تركها أو التهاون فيها، ومن أخطر ما ورد قى تركها حديث رواه مسلم " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ".
وهذا الحديث يدل ظاهره على ما ذهب إليه من قال إن الإِيمان عقيدة وعمل، يقول النووى فى شرح هذا الحديث ما ملخصه:
تارك الصلاة إن كان منكرا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين خارج من ملة الإِسلام إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه. وإن كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشافعى وجماهير السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزانى المحصن، ولكنه يقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروى عن على وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل وهو وجه لبعض أصحاب الشافعى، وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزنى صاحب الشافعى إلى أنه لا يكفر-ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلى.
ثم ذكر حجة القائلين بكفره وهى ظاهر الحديث والقياس على - كلمة التوحيد، وحجة القائلين بعدم قتله وهى حديث " لا يحل دم امرىء إلا بأحد ثلاث " وليس فيه ترك الصلاة، ومن قال لا يكفر احتج بقوله تعالى ﴿إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ .
وبحديث " من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة " وحديث " حرم على النار من قال لا إله إلا الله " وغيرها من الأعمال كالصلاة ونحوها.
ومع قولهم بعدم كفره قالوا بقتله حدا إن لم يتب محتجين بقوله تعالى " فإن تابوا وأقاموا الصلاة واَتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " أى لا تقتلوهم إن فعلوا ذلك، ومفهومه يقتلون إن لم يفعلوا. وبحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا منى دماءهم وأموالهم ".
وأجاب هؤلاء الذين لا يكفرون تارك الصلاة عن الحديث " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " بأن المعنى أنه يستحق عقوبة الكفر وهى القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو أن فعله فعل الكفار انتهى.
ذكر السبكى فى طبقات الشافعية أن الشافعى وأحمد تناظرا فى تارك الصلاة فقال الشافعى: أحمد أتقول أنه يكفر؟ قال نعم، قال إذا كان كافرا فبم يسلم؟ قال: يقول لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، قال الشافعى: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، قال: يسلم بأن يصلى قال: صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم له بالإِسلام بها، فسكت أحمد.
ومن ترك الصلاة كسلا مع الإِيمان بوجوبها عليه يجب نصحه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن لم يتب وجبت مقاطعته وكراهيته وحَرُمَ حبه ومودته.
فذلك مظهر الإِنكار بالقلب الوارد فى حديث تغيير المنكر، وقد حدث أن النبى ﷺ هجر المتخلفين عن غزوة تبوك بغير عذر وأمر أصحابه بهجرهم، على أن يكون الهجر بدافع دينى لا لغرض شخصى، والأعمال بالنيات.
ولو أن المؤمنين الطائعين قاطعوا العصاة وهجروهم لكان ذلك من أكبر العوامل على مراجعة أنفسهم وتوبتهم إلى اللَّه، ضرورة حاجتهم إلى التعامل مع إخوانهم
стр. 3995
جمع التبرعات أثناء الخطبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز جمع التبرعات أثناء خطبة الجمعة؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصا فقد لغا". قال العلماء: لقد نهى الرسول ﷺ عن اللغو حال خطبة الجمعة، وحكمته أن فيه تشويشا على الخطيب بالكلام أو بأى عمل آخر، وأن فيه انصرافا عن الاستماع إليه. قال أبو حنيفة ومالك والشافعى وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، وبخاصة إذا تلى فيها قرآن، قال تعالى ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ الأعراف: ٢٠٤، وقال أيضا ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ فصلت: ٢٦، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات حتى قبل الخطبة، من حين خروج الإمام إليها. وقول الحديث: " ومن مس الحصا فقد لغا" يشير إلى أن كل ما يصرف الإنسان عن الاستماع إلى الخطبة يبطل ثواب الجمعة، وذلك كمس الحصا الذى كان يفرش به المسجد النبوى، ومثله اللهو بالمسبحة وبأى شىء آخر، فهو لغو أى باطل مذموم. ولما كان حامل صندوق التبرعات منصرفا عن الاستماع ومشوشا على غيره بصوت النقود المعدنية التى تقرع قاع الصندوق، وبمشيه بين الصفوف الذى قد يكون معه تخطً للرقاب وهو منهى عنه نهيا شديدا، وقد يشغل المتبرع بإخراج النقود فينصرف عن سماع الخطبة-لما كان ذلك كان جمع التبرعات بهذه الطريقة منافيا لواجب الاستماع إلى الخطبة، وليست هذه حالة ضرورة حتى يباح لها المحظور، فإن جمع التبرعات ممكن بعد الانتهاء من الصلاة.
وقد جاء النهى عن تخطى الرقاب يوم الجمعة مقيدا بأنه يكون بعد خروج الإمام للخطبة، كما فى رواية أحمد والطبرانى، أو يكون أثناء الخطبة كما فى رواية لأحمد وأبى داود والنسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، حيث رأى النبى ﷺ رجلا يتخطى رقاب الناس وهو يخطب، فقال له " اجلس، فقد آذيت " وجاء النهى مطلقا لم يقيد بهذين القيدين كما فى رواية ابن ماجة والترمذى " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " وقال الترمذى: حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط والعمل عليه عند أهل العلم.
واعتمادا على هذه الروايات يمكن أن يقال: لو كان جمع التبرعات قبل خروج الإمام للخطبة وليس فيه تخط للرقاب لم يكن ذلك ممنوعا.
والأفضل -كما قلنا-أن يكون ذلك بعد الانتهاء من الصلاة
стр. 3996
تحية المسجد والإمام يخطب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا دخل رجل المسجد والإمام يخطب الجمعة فهل يجوز له أن يصلى تحية المسجد، مع أن الاستماع للخطبة واجب؟
الجواب
روى مسلم أن سليكا الغطفانى جاء يوم الجمعة ورسول اللَّه ﷺ يخطب، فجلس، فقال له " يا سليك، قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " ثم قال " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " وفيه عدة روايات.
يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٦ ص ١٦٤ ": هذه الأحاديث كلها صريحة فى الدلالة لمذهب الشافعى وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإِمام يخطب، استحب له أن يصلى ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدها الخطبة، وحكى هذا المذهب أيضا عن الحسن البصرى وغيره من المتقدمين.
قال القاضى: وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثورى وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما. وهو مروى عن عمر وعثمان وعلى رضى اللَّه عنهم، وحجتهم الأمر بالإِنصات للإِمام، وتأولوا هذه الأحاديث على أنه -يعنى سليكا - كان عريانا فأمره النبى ﷺ بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه.
وهذا تأويل باطل يرده صريح قوله ﷺ " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " وهذا نص لا يتطرق إليه أى تأويل لأنه عام لا يخص سليكا وحده ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه.
ثم قال النووى: وفى هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام فى الخطبة لحاجة، وفيها جوازه للخطيب وغيره، وفيها الأمر بالمعروف والإرشاد إلى المصالح فى كل حال وموطن.
وفيها أن تحية المسجد ركعتان، وأن نوافل النهار ركعتان وأن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس فى حق جاهل حكمها، وقد أطلق أصحابنا - الشافعية - فواتها بالجلوس، وهو محمول على العالم بأنها سنة، أما الجاهل فيتداركها عن قرب لهذا الحديث.
والمستنبط من هذه الأحاديث أن تحية المسجد لا تترك فى أوقات النهى عن الصلاة، وأنها ذات سبب تباح فى كل وقت، ويلحق بها كل ذوات الأسباب، كقضاء الفائتة ونحوها، لأنها لو سقطت فى حال لكان هذا الحال أولى بها، فانه مأمور باستماع الخطبة فلما ترك لها استماع الخطبة وقطع النبى ﷺ لها الخطبة وأمر بها بعد أن قعد وكان هذا الجالس جاهلا حكمها -دل على تأكدها وأنها لا تترك بحال ولا فى وقت من الأوقات.انتهى.
وبعد، فقد تحدث العلماء قديما وحديثا فى هذا الموضوع، وقد علمنا مما تقدم اْنه من الأمور الخلافية، فلا ينبغى التعصب لرأى خلافى، فمن صلى تحية المسجد قبل أن يجلس والإِمام يخطب لم يرتكب إثما، وكذلك من دخل وجلس ولم يصل التحية لم يرتكب إثما، ومن جلس ولم يصل ثم قام يصلى أثناء الخطبة وكان جاهلا بذلك فيوجه برفق لا شوشرة فيه
стр. 3997
قصر الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو حد السفر الذى يبدأ منه قصر الصلاة، هل هو مغادرة المنزل أو مغادرة الحى أو مغادرة المدينة؟
الجواب
من المعلوم أن قصر الصلاة الرباعية فى السفر بأدائها ركعتين أمر مشروع، سواء جُعِلَ ذلك رخصة لا يضر الأخذ بها أو عزيمة يجب الأخذ بها، قال تعالى ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ النساء: ١٠٠،. وقد وضع الفقهاء لذلك شروطا منها مجاوزة محل الإِقامة، وذلك لتحقيق السفر الذى بنى قصر الصلاة على أساسه. وكلهم متفقون على ذلك، مع اختلافهم فى تحديد المجاوزة، هل تكون بمجاوزة سور البلد أو عمرانها أو مينائها البحرى أو الجوى، أو خيام البادية. أو الملاعب والمرافق المتصلة بالبلد ولم يقل واحد من الفقهاء الأربعة بجواز قصر الصلاة عند نية السفر وهو يجهز أدواته فى بيته، أو عند مغادرة بيته قبل أن ينفصل عن العمران، فالمسافر من القاهرة مثلا لا يجوز له قصر الصلاة وهو منتظر فى محطة السكة الحديد أو فى المطار، بل ولا هو راكب للقطار أو الطائرة قبل التحرك، فلا بد من تحقق ما يطلق عليه العرف اسم السفر، وذلك إلى جانب الشروط الأخرى ككون السفر طويلا وكونه مباحا.
هذا، وقد جاء فى نيل الأوطار للشوكانى (ج ٣ ص ٢٢٠) ما نصه: وقد اختلف أيضا فيمن قصد سفرا يقصر فى مثله الصلاة على اختلاف الأقوال من أين يقصر؟ فقال ابن المنذر: أجمعوا على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التى يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت، فذهب الجمهور إلى أنه لابد من مفارقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلى ركعتين ولو فى منزله. ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء. ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت، واختلفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر. قال: ولا أعلم أن النبى ﷺ وآله وسلم قصر فى سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة
стр. 3998
صلاة التسابيح
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى صلاة التسابيح، وهل هى مشروعة أو غير مشروعة؟
الجواب
حديث صلاة التسابيح رواه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة فى صحيحه والطبرانى، وقد روى من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة كما قاله الحافظ ابن حجر، ومن أمثلتها حديث عكرمة بن عباس الذى قال فيه رسول اللَّه ﷺ للعباس بن عبد المطلب " إن استطعت أن تصليها فى كل يوم مرة فافعل، فان لم تستطع ففى كل جمعة مرة، فان لم تفعل ففى كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففى عمرك مرة " وقد صحح هذا الحديث جماعة من الحفاظ. وقال بعض الرواة: إن صح الخبر فإن فى القلب من هذا الإِسناد شيئا.
وذكر الإمام النووى فى كتابه " الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" أن الترمذى قال: قد روى عن النبى ﷺ غير حديث فى صلاة التسابيح، ولا يصح منه كبير شىء. ورأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسابيح، وذكروا الفضل فيها: ثم روى الترمذى حديث العباس الذى نقله أبو رافع وقال عنه: حديث غريب. ثم قال الإِمام أبو بكر بن العربى فى كتابه " الأحوذى فى شرح الترمذى " حديث أبى رافع هذا ضعيف ليس له أصل فى الصحة ولا فى الحسن، وإنما ذكره الترمذى لينبه عليه لئلا يُغْتر به، وقول ابن المبارك ليس بحجه.
هذا كلام أبى بكر بن العربى، وذكر أبو الفرج بن الجوزى أحاديث صلاة التسابيح وطرقها، ثم ضعَّفها كلها وبيَّن ضعفها، وقال النووى: وقد نص جماعة من أئمة أصحابنا - الشافعية - على استحباب صلاة التسابيح، منهم البغوى والرويانى الذى نقل عن عبد اللَّه بن المبارك أنها مرغب فيها، يستحب أن يعتادها فى كل حين ولا يتغافل عنها والحافظ المنذرى أورد فيها روايات كثيرة ذكر أن بعضها صحيح وأن فيها اختلافا كثيرا وجاء فى كتاب المغنى ٠ لابن قدامة أن أحمد بن حنبل قال عنها: ما تعجبنى، قيل له:
ولم؟ قال: ليس فيها شىء يصح ونفض يده كالمنكر.
وبعد عرض هذه الأقوال والآراء يمكن أن يقال: إنه لا مانع من صلاتها، فإنها فضيلة، والأحاديث الضعيفة تقبل فى فضائل الأعمال كما قاله كثير من العلماء. وهى من جنس الصلوات، وفيها ذكر لله، ولم تشتمل على ما يتعارض مع الأصول الثابتة. أما كيفيتها فهى أربع ركعات، تصلى ركعتين ركعتين، أو تصلى أربعا بنية واحدة. يقرأ المصلى فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، وبعد السورة وقبل الركوع يسبح خمس عشر مرة، وفى الركوع يسبح عشرا وفى الاعتدال منه يسبح عشرا، وفى السجود الأول كذلك، وبين السجدتين كذلك، وفى السجود الثانى كذلك، وعقب السجود الثانى كذلك، فالجملة فى الركعة الواحدة خمس وسبعون تسبيحه، وفى الركعات الأربعة ثلاثمائة تسبيحة، وليست هناك صيغة معينة للتسبيح، ومن أمثلها " سبحان اللَّه والحمد لله ولا إلا إله اللَّه واللَّه أكبر ".
وأؤكد أن صلاتها ليست بدعة ضلالة، فهى كصلاة أى تطوع زيدت فيه هذه التسبيحات، وتسبيح الله مأمور به بكرة وأصيلا، والصلاة خير موضوع، وما دام بعض الفقهاء قال بها فلا وجه للإنكار عليها.
وفضل هذه الصلاة كما فى الحديث الذى رواه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة، وقول النبى للعباس فيه " يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحْبُوكَ ألا أفعل لك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر اللَّه لك ذنبك أوله وآخره وقديمه وحديثه وخطأه وعمده وصغيره وكبيره وسره وعلانيته عشر خصال أن تصلى أربع ركعات. . . ".
وينبغى أن نعلم أن الذنوب التى تكفرها صلاة التسابيح هى الصغائر، أما الكبائر فلابد لتكفيرها من التوبة النصوح، ويقال مثل ذلك فى الصلوات النافلة التى يجازى عليها بالمغفرة
стр. 3999
التنكيس فى القراءة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض الأئمة يصلون التراويح بآيات متناثرة من القرآن، وقد يقرأ فى الركعة الأولى آيات من آخر السورة، وفى الثانية آيات من أولها، أو من سورة متقدمة على السورة الأولى، فهل يسمى هذا تنكيسًا وما حكمه؟
الجواب
ورد في الصحيح أن حذيفة صلى خلف النبي ﷺ ذات ليلة فسمعه قرأ فى الركعة الأولى البقرة، ثم افتتح آل عمران، ثم ركع ... رواه مسلم "ج ٦ ص ٦١". قال القاضى عياض: إن ترتيب السور ليس بواجب فى الكتابة ولا فى الصلاة ولا فى الدرس ولا فى التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك نص، ولا تحرم مخالفته.
ثم قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلى أن يقرأ فى الركعة الثانية سورة قبل التى قرأها فى الأولى. وإنما يكره ذلك فى ركعة، ولمن يتلو فى غير الصلاة.
قال: وقد أباحه بعضهم، وتأويل نهى السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، ولا خلاف فى أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما بنى عليه الآن فى المصحف. وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ﷺ "نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ٢٣٧ ".
وبهذا يعلم أن مخالفة ترتيب المصحف فى قراءة السور ليست محرمة، بل هى مكروهة فقط، والكراهة مرتبة أقل من الحرمة، بمعنى أنها لا مؤاخذة عليها.
أما مخالفة الترتيب فى قراءة الآيات فلم أر حديثا عن النبى ﷺ فيها، بل الوارد إنما هو عن السلف. وقد جاء فى نهاية ابن الأثير- مادة نكس -: وفى حديث ابن مسعود قيل له: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا.
فقال: ذلك منكوس القلب. قيل هو أن يبدأ من آخر السورة حتى يقرأها إلى أولها، وقيل: هو أن يبدأ من آخر القرآن فيقرأ السور، ثم يرتفع إلى البقرة. اهـ.
وقد علمت أن الثانى ليس بمحرم، والأول هو المنهى عنه
стр. 4000
أذانان للفجر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك أذان واحد للفجر أم أذانان، وما هو الأذان المعتبر للصلاة والصيام وهل التوقيت الموجود حاليا فى النتائج صحيح؟
الجواب
يقول اللَّه سبحانه فى شأن الصيام، ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ البقرة: ١٨٧، ويقول فى شأن الصلاة ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ ، الإسراء: ٧٨، وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال "لا يمنعنكم أذان بلال عن سحوركم فإنه ينادى بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". ورويا أيضا عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم " وكان رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
وروى الحاكم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال "الفجر فجران، فأما الفجر الذى يكون كذنب السرحان - الذئب - فلا يحل الصلاة ويحل الطعام، وأما الذى يذهب مستطيلا- أى ممتدا فى الأفق - فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام " ومن رواية البخارى أنه ﷺ مد يده عن يمينه ويساره.
يؤخذ من هذا أنه كان هناك أذانان للفجر أيام النبي ﷺ الأذان الأول كان للتنبيه والاستعداد للصيام، والثانى كان للامتناع عن الطعام والشراب وبدء الصوم وحل صلاة الفجر.
كما يؤخذ أن هناك ضوأين فى آخر اليل، أحدهما يظهر فى الأفق من أعلى إلى أسفل كالعمود، والثانى كان يظهر بعده ممتدا فى الأفق عرضا يمينا ويسارا، والثانى هو الفجر الصادق المعول عليه فى الصيام وصلاة الفجر، وجاء فى رواية لمسلم عن المدة التى بين الأذانين ما نصه: ولم يكن بينهما -أى بلال وابن أم مكتوم -إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا.
وجاء فى رواية للبخارى ومسلم أن مهمة أذان بلال أن يرجع القائم ويوقظ النائم.
وهنا تثار عدة استفهامات:
١-هل هذان الأذانان للفجر فقط أو لكل الأوقات؟ ٢-وهل هما لرمضان فقط أو لكَل الشهور؟ .
٣-وما هو مبدأ الأذان الأول؟ ٤-وهل ألفاظ الأذانين واحدة، أو أن للأول ألفاظا خاصة؟ ٥-وهل يجوز اتخاذ أكثر من مؤذن للمسجد الواحد؟ وللإجابة على ذلك نقول:
١-الجمهور على أن الأذانين هما للفجر خاصة، ولا يجوز أن - يكون هناك أذان سابق على دخول الوقت فى غير الفجر.
٢- والجمهور أيضا على أن الأذانين للفجر لا تختص مشروعيتهما بشهر رمضان. فكما يكون الأول للسحور يكون للاستعداد لصلاة الفجر، أو تنظيم قيام الليل.
٣- وبدء الأذان الأول مختلف فيه. فقيل يشرع وقت السحر، ورجحه جماعة من أصحاب الشافعى، وقيل يشرع من النصف الأخير، ورجحه النووى وتأول القول الذى يخالفه، وقيل يشرع للسبع الأخير فى الشتاء، أما فى الصيف فلنصف السبع، وقيل وقته الليل جميعه، وقيل بعد آخر وقت الاختيار للعشاء.
لكن قد يؤخذ تعيين مبدئه من رواية النسائي والطحاوى من حديث عائشة: أنه لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا، وكانا يؤذنان فى بيت مرتفع كما أخرجه أبو داود، فيكون الأذان الأول قبل الفجر بقليل، لكن جاء فى شرح النووى لصحيح مسلم:
قال العلماء: معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه،.ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع فى الأذان مع أول طلوع الفجر. اهـ.
وهذا يدل على أن الأذان الأول كان قبل الوقت بوقت طويل لا يمكن تحديده ٤- وألفاظ الأذانين واحدة عند الجمهور. وقال بعض الحنفية: إن النداء الأول لم يكن بألفاظ الأذان المعروفة، وإنما كان تذكيرا كما يقع للناس اليوم، ورده الجمهور بأن التذكير محدث قطعا ولم يكن أيام النبي ﷺ وقد تضافرت الأحاديث على التعبير بلفظ الأذان قطعا، فحمله الجمهور على معناه الشرعى. ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما التبس على السامعين ولما قال لهم الرسول " لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال " كما رواه مسلم. وأما التواشيح المعتادة اليوم فحكمها مذكور فى موضع اَخر.
٥- والحديث يدل على جواز اتخاذ مؤذنين فى وقت واحد أما الزيادة عليهما فليس فى الحديث تعرض لها، ونقل عن بعض أصحاب الشافعى أنه يكره الزيادة على أربعة، لأن عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه اتخذ أربعة، ولم تنقل الزيادة عن أحد من الخلفاء الراشدين. وجوزه بعضهم من غير كراهة، لأن الزيادة إذا جازت لعثمان على ما كان عليه الرسول ﷺ جازت لغيره، قال أبو عمر بن عبد البر وإذا جاز اتخاذ مؤذنين جاز أكثر من هذا العدد، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له "يعنى نص أو خبر يعتمد عليه ". والمستحب أن يتعاقبوا واحدا بعد واحد كما اقتضاه الحديث إن اتسع الوقت لذلك كصلاة الفجر، فإن تنازعوا فيمن يبدأ منهم أقرع بينهم "ملخص من نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ٥١ - ٥٣ ". هذا، وقد خالفت بعض الجماعات التقويم المعمول به لأوقات الصلاة وبخاصة الفجر وقالوا: إنه بعد التوقيت المنشور "بالنتائج " بثلث ساعة ورد على ذلك المكتب الفنى لوزارة الأوقاف المصرية بأن التقويم المعمول به الاَن صادر عن أصحاب الاختصاص من علماء الفلك والتقويم،ويجب اتباعه حتى لا يكون هناك فارق بين ما جاء به الدين وما يقول به العلم.اهـ.
وفد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ ٢٢ من نوفمبر سنة ١٩٨١ م بما نصه: إن الحساب الفلكى لمواقيت الصلاة الذى تصدره هيئة المساحة المصرية عرض على لجنة متخصصة من رجال الفلك والشريعة فانتهت إلى أن الأسلوب المتبع فى حساب مواقيت الصلاة فى جمهورية مصر العربية يتفق من الناحية الشرعية والفلكية مع رأى قدامى علماء الفلك المسلمين.
واستئنافا لذلك ستشكل لجنة أخرى لمتابعة البحث. وقرر المفتى الالتزام بالمواقيت المذكورة، لأنها موافقة لما جاء فى الأحاديث التى رواها أصحاب السنن مما علَّمه جبريل للنبى ﷺ . وأمر المفتى من يقولون فى الدين بغير علم أن يتقوا الله حتى لا يضلوا الناس فى دينهم، وألا يلبسوا الدين بأغراض أخرى يبتغونها، فالحق أحق أن يتبع "الفتاوى الإسلامية مجلد ٨ ص ٢٧٣٣ "
стр. 4001
أذان النبى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل ثبت أن الرسول ﷺ أذن للصلاة، وما الحكمة من ذلك؟
الجواب
جاء فى كتاب "نور الأبصار للشبلنجى ص ٤٩" قال النيسابورى:
الحكمة فى كونه ﷺ كان يؤم ولا يؤذن أنه لو أذن لكان من تخلف عن الإجابة كافرا، وقال أيضا: ولأنه كان داعيا فلم يجز أن يشهد لنفسه. وقال غيره: لو أذن وقال: أشهد أن محمدًا رسول الله لتوهم أن هناك نبيا غيره. وقيل لأن الأذان رآه غيره فى المنام فوكله إلى غيره. وأيضا ما كان يتفرغ إليه من أشغال. وأيضا قال الرسول ﷺ "الإمام ضامن والمؤذن أمين " رواه أحمد وأبو داود والترمذي، فدفع الأمانة إلى غيره.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما لم يؤذن لأنه كان إذا عمل عملا أثبته، أى جعله دائما، وكان لا يتفرغ لذلك، لاشتغاله بتبليغ الرسالة، وهذا كما قال عمر: لولا الخلافة لأذنت.
وأما من قال: إنه امتنع لئلا يعتقد أن الرسول غيره فخطأ، لأنه ﷺ كان يقول فى خطبته: وأشهد أن محمدا رسول اللَّه.
هذا، وجاء في نيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ٣٦" خلاف العلماء بين أفضلية الأذان والإمامة وقال فى معرض الاستدلال على أن الإمامة أفضل: إن النبى ﷺ والخلفاء الراشدين بعده أمُّوا ولم يؤذنوا، وكذا كبار العلماء بعدهم
стр. 4002
الإعلان فى ميكروفون المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى إعلام الناس عن موت أحد الأشخاص باستخدام مكبرات الصوت بالمساجد؟
الجواب
يقول اللَّه سبحانه ﴿فى بيوت أذن اللَّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ النور: ٣٦٠، ٣٧، وروى مسلم أن رسول اللَّه ﷺ قال " من سمع رجلا ينشد ضالة فى المسجد فليقل لا ردها اللَّه عليك، فان المساجد لم تبن لهذا" وروىَ النسائى والترمذى بطريق حسن أنه ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يتباع - أى يشترى - فى المسجد فقولوا له: لا أربح اللَّه تجارتك ".
يؤخذ من هذه النصوص أن المساجد بيوت اللَّه جعلت للعبادة وعمل الخير، وينبغى أن يتوافر فيها الهدوء حتى لا يكون إيذاء أو مضايقة للمتعبدين فيها، كما ينبغى أن تصان حرمتها ولا يزاول فيها ما يخل بكرامتها، كالتخاصم والنداء على الأشياء المفقودة وغيرها.
فإذا لم يكن شيء من ذلك جاز رفع الصوت فى المسجد، وجاء فى شرح النووى لصحيح مسلم "ج ٥ ص ٥٥ " أن أبا حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك أجازا رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة - أى التقاضى- وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجتمعهم ولا بد لهم منه.
وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يستقبل الوفود فى المسجد، ويتلقى فيه تبرعات المحسنين، ويوزع فيه الأموال المستحقة، بل سمح بنصب خيمة فى غزوة الأحزاب لاستقبال الجرحى وتمريض المجاهدين،كما سمع إنشاد الشعر فيه من حسان بن ثابت، فالحكم مبنى على عدم التشويش على المصلين والمتعبدين وعدم الإخلال بحرمة المسجد، ولا شك أن ما سمح به الرسول كان مراعى فيه هذه الحكمة، أما ما منعه كالتجارة ونشدان الضالة فكان مراعى فيه أنه يتنافى مع هذه الحكمة، ومعروف أن البيع والشراء فيه مساومة وكلام يشوش على من فى المسجد، وكذلك نشدان الضالة فيه مساومة على الجعل الذى يدفع عند إحضار الضالة، وفيه استفسار عن مواصفاتها.
والاستدلال على المنع بقوله تعالى ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ ، الجن: ١٨، لا محل له هنا، لأن الآية ورادة فيمن يشركون مع اللَّه غيره فى العبادة، كما كان المشركون يفعلون ذلك فى المسجد الحرام عندما كان مملوءا بالأصنام.
والسيوطى فى كتابه "الحاوى للفتاوى" وضح ذلك بما لا يحتاج إلى مزيد، وقال: نص النووى فى شرح المهذب على أنه يكره رفع الصوت بالخصومة فى المسجد ولم يحكم عليه بالتحريم وكذا رفع الصوت بالقراءة والذكر إذا أذى المصلين والقيام نصوا على كراهته لا تحريمه، والحكم بالتحريم يحتاج إلى دليل واضح صحيح الإسناد غير معارض، ثم إلى نص من أحد أئمة المذاهب، وكل من الأمرين لا سبيل إليه. انتهى.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن الإعلان عن الوفاة ليس مصلحة شخصية بقدر ما هو مصلحة عامة، فإذا كان مكبر الصوت - الميكروفون - لا يشوش على المصلين والمتعبدين فلا وجه لمنع الإعلان فيه عن الوفاة، أما إذا كان فيه تشويش فيكون ممنوعا ودرجة المنع هى الكراهة لا الحرمة
стр. 4003
الصلاة بالثياب اللاصقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز صلاة الرجل أو المرأة بملابس لاصقة بالجسد؟
الجواب
ستر العورة فى الصلاة لا يقصد منه بالذات منع الفتنة، فقد يصلى الإنسان وحده دون رؤية أحد له، بل القصد منه هو الأدب مع الله سبحانه، وتنفيذ أمره بقوله تعالى ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، الأعراف: ٣١،وبالمأثور عن النبى ﷺ فى ذلك.
ومن هنا قال جمهور العلماء: لا مانع من ستر العورة فى الصلاة بما يحدد شكلها بالملابس اللاصقة ما دامت العورة لا تراها العين. وقال مالك: تعاد الصلاة فى الوقت بثوب غير محدد
стр. 4004
هل قدم المرأة عورة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى صلاة المرأة وقدماها عاريتان؟
الجواب
جسم المرأة كله عورة فى الصلاة ما عدا وجهها وكفيها، فلو ظهر شيء منه بطلت الصلاة، والتى تصلى بملابس قصيرة كشفت عورتها المخففة عند مالك، فتصح صلاتها وإن كان كشفها حراما أو مكروها. ولكن تنبغى إعادتها بستر كامل ما دام وقت الصلاة باقيا، فإن خرج وقتها فلا إعادة مع بقاء المؤاخذة عليها.
وقدم المرأة من العورة المخففة عند مالك، وحكم كشفه هو ما ذكر، وبطن القدمين عورة يجب سترها عند الشافعية والأحناف، وظاهرهما عورة عند الشافعية يجب سترها، وليس بعورة عند الأحناف لو انكشف لا تبطل الصلاة.
وستر القدمين قد يكون بالجورب غير الشفاف، وقد يكتفى فيه بالثوب الطويل السابغ المغطى لهما عند السجود بالذات
стр. 4005
القنوت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل القنوت فى الصلاة مشروع، وإذا كان مشروعا فهل هو فى كل الصلوات، وهل له صيغة محدودة؟
الجواب
القنوت وهو الدعاء مشروع في الصلوات الخمس عند النوازل، لحديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما: قنت الرسول ﷺ فى الصلوات الخمس مدة شهر، يدعو على حى من بنى سليم: رعل وذكوان وعصية، لأنهم قتلوا بعض الصحابة الذى أرسلهم ليعلموهم.
رواه أبو داود وأحمد، كما روى البخارى أن النبى ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع. وجاء فيه: قال: يجهر بذلك ويقول فى بعض صلاته وفى صلاة الفجر "اللهم العن فلانا وفلانا " حيبن من أحياء العرب، حتى أنزل الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ آل عمران: ١٢٨.
والقنوت فى الصبح على هذا مشروع عند النوازل كبقية الصلوات، أما فى غير النوازل فللفقهاء فيه أقوال خلاصتها.
قال الحنفية والحنابلة بعدم مشروعيته، مستدلين بما رواه ابن حبان وابن خزيمة وصححه عن أنس:: أن النبي ﷺ كان لا يقنت فى صلاة الصبح إلا إذا دعا لقوم أو دعا عليهم.
وقال المالكية والشافعية بمشروعيته. ودليلهم ما رواه الجماعة إلا الترمذى أن أنس بن مالك سثل هل قنت النبي ﷺ فى صلاة الصبح؟ فقال: نعم، ورواه أحمد والبزار والدارقطنى والبيهقى والحاكم وصححه عن أنس قال: ما زال رسول اللَّه ﷺ يقنت فى الفجر حتى فارق الدنيا.
ومناقشة هذه الأدلة وبيان الأرجح من الأقوال يمكن الرجوع إليه فى كتاب "زاد المعاد لابن القيم " الذى بين فى سرده للروايات أن أهل الحديث توسطوا بين من ينكرون القنوت مطلقا حتى فى النوازل وبين من يستحسنونه مطلقا عند النوازل وغيرها، فهم لا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهونه فعله، ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفا للسنة،كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفا للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وهذا من الاختلاف المباح الذى لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه، وذلك كرفع اليدين في الصلاة وتركه. وأنا أقول: إن الخلاف بسيط، وهو فى سنة وليس فى فرض، والدين يسر.
هذا وقد روى أحمد وأصحاب السنن عن أبى مالك الأشجعى أنه قال عن قنوت الفجر إنه بدعة، لأنه صلى خلف النبي وأبى بكر وعمر وعلى فلم يرهم يقنتون، كما روى الدارقطنى أن ابن عباس كان يقول: إن القنوت فى صلاة الفجر بدعة. ويمكن الجمع بين روايات الإثبات وروايات النفى بأن هؤلاء المروى عنهم كانوا يقنتون أحيانا ولا يقنتون أحيانا أخرى، لأنه سنة وليس بفرض ولا واجب، والمثبت مقدم على النافى كما هو معلوم، وإذا كان بعض الصحابة لم يقنت لأنه لم يره من النبى ﷺ فإن عدم الرؤية لا يدل على النفى المطلق، وقد ذكر ابن حزم أن ابن مسعود الذى كان لا يقنت خفى عليه وضع الأيدى على الركب فى الركوع، وأن ابن عمر الذى لم يحفظه عن أحد من الأصحاب كما رواه البيهقى خفى عليه المسح على الخفين.
هذا فى قنوت الصبح، أما فى قنوت الوتر فهو سنة عند الشافعية فى النصف الثانى من شهر رمضان، أما فى غير ذلك، فهناك خلاف:
فعند الحنابلة أن القنوت مسنون فى الوتر فى الركعة الواحدة فى جميع السنة، وعند المالكية والشافعية لا يسن، ووافقهم الحنابلة فى رواية عن أحمد. وعند الحنفية مسنون فى كل أيام السنة، يقول ابن تيمية فى فتاويه "مجلد ٢٢ ص ٢٦٤ -٢٦٩ ". . وأما قنوت الوتر فلعلماء فيه ثلاثة أقوال:
١- قيل لا يستحب بحال، لأنه لم يثبت عن النبى ﷺ أنه قنت فى الوتر.
٢- قيل: بل يستحب فى جميع السنة كما نقل عن ابن مسعود وغيره، ولأن فى السنن أن النبي ﷺ علَّم الحسن بن على دعاء يدعو به قنوت الوتر.
٣- وقيل بل يقنت فى النصف الأخير من رمضان كما كان أُبى بن كعب يفعل.
وقنوت النوازل مشروع فى غير صلاة الصبح أيضا قال النووى - وهو شافعى المذهب فيه ثلاثة أقوال، والصحيح المشهور الذى قطع به الجمهور أنه مشروع فى كل الصلوات ما دامت فيه نازلة، وإلا فلا، ولم يقل بمشروعيته غيرهم، ورأى المالكية أنه إن وقع لا تبطل به الصلاة وهو مكروه.
ومحل القنوت بعد الركوع عند الشافعية والحنابلة، وفى رواية عن أحمد أنه قال: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس.
والمالكية والحنفية، يقنتون قبل الركوع. والقنوت عند الشافعية يحصل بأية صيغة فيها دعاء وثناء مثل (اللهم اغفر لى يا غفور) وأفضله: (اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لى فيما أعطيت، وقنى شر ما قضيت، فانك تقضى ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت وتعاليت) وقد روى عن الحسن بن على رضى اللَّه عنهما أن الرسول ﷺ علمه إياه، كما رواه أبو داود والنسائى والترمذى وغيرهم، وقال الترمذى: حديث حسن، ولا يعرف عن النبى ﷺ شيء أحسن من هذا.
ولفظه المختار عند الحنفية كما رواه ابن مسعود وعمر رضى اللَّه عنهما: اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثنى عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق.
يقول النووى: يستحب الجمع ين قنوت عمر وما روى عن الحسن، وإلا فليقتصر على رواية الحسن، وتسن الصلاة على النبى ﷺ بعد القنوت
стр. 4006
الصلاة مع نسيان النجاسة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الشرع فيمن صلى ثم اكتشف أن فى ثوبه نجاسة لم يكن يعلم بها هل تصح صلاته أم لا؟
الجواب
من المعلوم أن الطهارة من النجس شرط لصحة الصلاة عند جمهور الفقهاء فلو صلى وفى بدنه أو ثوبه نجاسة، وكان عالما بها بطلت صلاته، وهناك رأيان للمالكية في حكم الطهارة من النجاسة، هل هى واجبة لصحة الصلاة أم سنة، فعلى القول بالوجوب كانت الصلاة باطلة عند العلم بالنجاسة، وعلى القول بالندب لا تبطل الصلاة، فتجب إعادتها فى الوقت أو بعده على القول الأول وتندب إعادتها على القول الثانى.
فإذا صلى بالنجاسة ناسيا لها، أو جاهلا بها، أو عاجزا عن إزالتها فصلاته صحيحة على القولين عند المالكية، وتندب الإعادة فى الوقت المسموح به للصلاة. "الفقه على المذاهب الأربعة نشر وزارة الأوقاف حكم إزالة النجاسة" وفى فقه الحنابلة يقول ابن قدامة فى المغنى "ج ١ ص ٧١٨": وإذا صلى ثم رأى عليه نجاسة فى بدنه أو ثيابه لا يعلم هل كانت عليه فى الصلاة أو لا-فصلاته صحيحة، لأن الأصل عدمها فى الصلاة.
وإن علم أنها كانت فى الصلاة لكن جهلها حتى فرغ منها ففيه روايتان، إحداهما لا تفسد صلاته، هذا قول ابن عمر وعطاء وسعيد بن المسيب، وآخرين، والثانية يعيد، وهو قول أبى قلابة والشافعى، لأنها طهارة مشترطة للصلاة فلم تسقط بجهلها كطهارة الحدث، وقال ربيعة ومالك:
يعيد ما كان فى الوقت ولا يعيد بعده.
وجه الرواية الأولى- عدم الفساد-ما روى أبو سعيد قال: بينا رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته قال " ما حملكم على إلقائكم نعالكم "؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، قال " إن جبريل أتانى فأخبرنى أن فيهما قذرا " رواه أبو داود. ولو كانت الطهارة شرطا مع عدم العلم بها لزمه استئناف الصلاة، وتفارق طهارة الحدث لأنها آكد، لأنها لا يعفى عن يسيرها وتختص البدن.
وإن كان قد علم بالنجاسة ثم أُنسيها وصلى فقال القاضى: حكى أصحابنا فى المسألتين روايتين، وذكر هو فى مسألة النسيان أن الصلاة باطلة، لأنه منسوب إلى التفريط، بخلاف الجاهل بها، قال الآمدى:
يعيد إذا كان قد توانى رواية واحدة، والصحيح التسوية بينهما. لأن ما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، بل النسيان أولى لورود النص بالعفو عنه بقول النبي ﷺ "عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان ".
وإن علم بالنجاسة فى أثناء الصلاة فإن قلنا: لا يعذر بالجهل والنسيان فصلاته باطلة، ويلزمه استئنافها، وإن قلنا يعذر فصلاته صحيحة.
ثم إن أمكنه طرح النجاسة من غير زمن طويل ولا عمل كثير ألقاها وبنى، كما خلع النبى ﷺ نعليه حين أخبره جبريل بالقذر فيهما، وإن احتاج إلى أحد هذين - الزمن الطويل والعمل الكثير- بطلت صلاته، لأنه يفضى إلى أحد أمرين: إما استصحاب النجاسة مع العلم بها زمنا طويلا، أو يعمل فى الصلاة عملا كثيرا فتبطل به الصلاة فصار كالعريان يجد السترة بعيدة عنه. انتهى.
وفى فقه الشافعية جاء فى "كفاية الأخيار" ج ١ ص ا ٨: إذا صلى بنجاسة لا يعفى عنها وهو جاهل بها حال الصلاة، سواء كانت فى بدنه أو ثوبه أو موضع صلاته، فإن لم يعلم بها ألبته فقولان، الجديد الأظهر يجب عليه القضاء، لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالجهل كطهارة الحدث، والقديم أنه لا يجب، ونقله ابن المنذر. عن خلائق واختاره، وكذا النووى اختاره فى شرح المهذب.
وإن علم بالنجاسة ثم نسيها فطريقان، أحدهما على القولين - أى الجديد والقديم كما لو لم يعلم بها - والمذهب القطع بوجوب القضاء لتقصيره.
ثم إذا أوجبنا الإعادة فيجب عليه إعادة كل صلاة صلاها مع النجاسة يقينا، فإن احتمل حدوثها بعد الصلاة فلا شيء عليه، لأن الأصل عدم وجدانها فى ذلك الزمن، ولو رأى شخصا يريد الصلاة وفى ثوبه نجاسة والمصلِّى لا يعلم بها لزم العالم إعلامه بذلك، لأن الأمر بالمعروف لا يتوقف على العصيان، بل هو لزوال المفسدة، قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وهى مسألة حسنة واللَّه أعلم. انتهى.
هذا، والحديث الذى دار عليه هذا الحكم وهو حديث خلع الرسول لنعليه، حديث ضعيف، والأقوال كلها اجتهادية، ويمكن الرجوع إلى كتاب "نيل الأوطار للشوكانى"ج ٢ ص ١٢٣، حيث لخص الموضوع فيما سبق ذكره من أن طهارة الثوب شرط لصحة الصلاة عند الأكثرين، وذكر رأى مالك فى قوليه، وقولى الشافعى وقال: إن حجة الجمهور هى قوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ المدثر: ٤، وتحدث عن كون الأمر للوجوب أو الندب، وأن الوجوب لا يستلزم الشرطية، وفيه كلام طويل
стр. 4007
المرور بين يدى المصلى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم المرور بين يدى المصلى وما حكم اتخاذ ساتر أمامه، وبما يتحقق، وهل للمصلى أن يدفع المار أمامه حتى لا يمر؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أين يمر بين يديه ".
وفى رواية البزار بسند صحيح "لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه كان لأن يقوم أربعين خريفا خير له من أن يمر بين يديه ".
قال المحققون: إن التحريم يكون إذا صلى الإنسان أمام ساتر اتخذه أمامه. أما إذا لم يتخذ ساترا فلا يحرم المرور، وإن كان الأولى تركه.
ومن ذهبوا إلى تحريم المرور سواء اتخذ المصلى ساترا أم لم يتخذ قالوا: إن المنطقة المحرمة هى التى بين قدمى المصلى إلى موضع سجوده، أما ما بعد ذلك فلا حرمة فى المرور فيه.
هذا وحرمة المرور أمامه من الكبائر، والأربعون تحتمل أربعين يوما أو شهرا أو سنة لأن الراوى لم يستفسر ممن سمع الحديث، وقال الحافظ ابن حجر: ظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقا ولو لم يجد مسلكا، بل يقف حتى يفرغ المصلى من صلاته.
وقد استثنى الحنابلة من الحرمة ما لو كان ذلك فى المسجد الحرام بل فى مكة كلها والحرم، وذلك لحاجة الناس إلى المرور.
وبخاصة من يريدون الطواف، وخصه المالكية بمن لم يتخذ سترا، ومما يشفع لهذا ما رواه ابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ حين فرغ من الطواف صلى جمعتين عند حاشية المطاف وليس بينه وبين الطوافين أحد، وفى رواية: صلى حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه، ما بينهم وبينه سترة.
هذا، ويستحب للمصلى أن يجعل بين يديه سترة تمنع المرور أمامه، لحديث رواه أبو داود وابن ماجه "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ولْيَدْنُ منها" وروى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلى إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك فى السفر، ثم اتخذها الأمراء.
واستحباب جعل السترة يستوى فيه خشية مرور أحد وعدم الخشية كما قال الشافعية والحنابلة وقال الحنفية والمالكية: إذا أمن مرور أحد فلا يستحب، لأن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن النبى ﷺ صلى فى فضاء وليس بين يديه شيء. رواه أحمد وأبو داود ورواه البيهقى وقال: له شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس.
ويشرع للمصلى الذى أخذ سترة أن يدفع المار بين يديه، إذا كان مروره بينه وبين السترة، أما إذا كان بعد السترة فلا يدفعه ولا يضر المرور. روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فان أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان ".
هذا ويشترط فى السترة أن يكون طولها ذراعا فأكثر، وجعل الشافعية حدها الأدنى ثلثى ذراع، كها يستحب ألا يجعلها مقابلة له تماما، بل تكون على اليمين أو اليسار وأن يكون بينها وبين قدمى المصلى قدر ثلاثة أذرع أو أكثر قليلا.
والوضع الطبيعى للسترة هو غرزها لتكون منتصبة، وذلك إن أمكن، وإلا وضعت بين يديه عرضا عند الجمهور، وهو أولى من وضعها بالطول فإن لم يجد خط خطا بالأرض عند غير المالكية، واشترط الشافعية فى الخط أن يكون مستقيما طولا أو عرضا واكتفى غيرهم بأن يكون مقوسا كالهلال.
ويصح اتخاذ السترة النجسة عند غير المالكية.
وجاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الذى نشرته وزارة الأوقاف المصرية، خلاف بين المذاهب فى القدر الذى يحرم المرور في بين يدى المصلى، ملخصه:
أن الحنفية قالوا: إن كان يصلى فى مسجد كبير أو صحراء حرم المرور بين يديه من موضع قدمه إلى موضع سجوده، وإن كان يصلى فى مسجد صغير حرم المرور أمامه إلى جدار القبلة (حوالى أربعين ذراعا) .
وقال المالكية: إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبينها، ولا يحرم من ورائها، وإن صلى لغير سترة حرم المرور فى موضع ركوعه وسجوده فقط.
وقال الشافعية: يحرم المرور بين المصلى وسترته فى مسافة ثلاثة أذرع فأقل، وقال الحنابلة: إن اتخذ سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت، وإن لم يتخذ سترة حرم المرور فى ثلاثة أذرع من قدمه
стр. 4008
هل المسجد شرط لصحة صلاة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كنا فى عمل خارج البلد وأدركتنا صلاة الجمعة وليس فى المكان مسجد وكنا حوالى خمسين شخصا، فهل يجوز لنا أن نقيم صلاة الجمعة فى أى مكان؟
الجواب
جاء في فقه المذاهب الأربعة أن المالكية قالوا: لا تصح الجمعة فى البيوت ولا فى الفضاء، بل لا بد أن تؤدى فى الجامع، ويشترط فى الجامع شروط أربعة الأول أن يكون مبنيا فلا تصح فى مسجد حُوِّط عليه بأحجار أو طوب من غير بناء، والثانى أن يكون بناؤه مساويا على الأقل للبناء المعتاد لأهل البلد، فلو كان البلد أخصاصا صح بناء المسجد من البوص، أما إذا كانت عادتهم البناء بالطوب المحروق وبنوا المسجد بالطوب التى فلا تصح الجمعة فيه، والثالث أن يكون فى البلد أو خارجا عنها قريبا منها بحيث يصل إليه دخانها، والرابع أن يكون متحدا، فلو تعدد فى البلد الواحد فلا تصح الجمعة إلا فى الجامع القديم، وهو الذى أقيمت فيه الجمعة أولا فى البلد، ولو تأخر بناؤه، ولا تصح فى المسجد الجديد الذى لا حاجة إليه ما دام القديم موجودا، ولم يحكم بصحتها فيه حاكم.
أما المذاهب الأخرى فلا تشترط لصحة الجمعة أن تكون فى مسجد، بل تصح فى أى مكان داخل البلد أو خارجها، ولهم خلاف فى العدد الذى تنعقد به الجمعة، سيكون الكلام عنه فى موضع آخر.
ومما يدل على مذهب الجمهور ما رواه ابن أبى شيبة أن عمر رضى اللَّه عنه كتب إلى أهل البحرين "أن جَمِّعوا حيثما كنتم " وإسناده جيد كما قال أحمد. وروى عبد الرزاق بسند صحيح أن ابن عمر كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم
стр. 4009
قضاء الصلاة والتنفل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فاتتنى صلوات كثيرة وعزمت على قضائها، فهل الأفضل أن أشغل كل وقتى بالقضاء أم أصلى النوافل وأقضى ما فات متى على قدر استطاعتى؟
الجواب
اتفق الأئمة الأربعة على أن قضاء الصلاة الفائتة واجب على الفور إذا فاتت بغير عذر، واستثنى الشافعية من الفورية ثلاث حالات، الأولى إذا تذكر الفائتة وقت خطبة الجمعة فإنه يجب تأخير القضاء حتى يصلى الجمعة، والثانية إذا ضاق وقت الحاضرة، بحيث لا يسع القضاء مع الحاضرة، والثالثة إذا تذكر الفائتة بعد شروعه فى الصلاة الحاضرة.
أما إذا فاتت الصلاة بعذر، فالأئمة الثلاثة على أن القضاء واجب على الفور أيضا، والشافعية قالوا: القضاء واجب على التراخى.
ولعل مما يؤيد رأى الجمهور أن الحديث صرح بالقضاء عند التذكر حتى لو كان الفوات بعذر، فقد روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " وفي رواية "إذا رقد أحدكم عن الصلاة او غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن اللَّه يقول ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ طه: ١٤،.
وقد تجاوز اللَّه لأمة النبى ﷺ عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وقد استثنى الأئمة من الوجوب الفورى ما لو كان هناك عذر كالسعى فى تحصيل الرزق وتحصيل العلم الواجب وجوبا عينيا، وكالأكل والنوم.
وبناء على قولهم بوجوب القضاء فورا قالوا: إن مما ينافى الفورية الاشتغال بصلاة النوافل، واختلفت آراؤهم في ذلك على النحو الآتى:
١ -الحنفية قالوا: الاشتغال بصلاة النوافل لا ينافى القضاء فورا، وإنما الأولى أن يشتغل بقضاء الفوائت ويترك النوافل إلا السنن الراتبة، وصلاة الضحى وصلاة التسبيح وتحية المسجد وصلاة أربع قبل الظهر وست بعد المغرب.
٢ -والمالكية قالوا: يحرم على من عليه فوائت أن يصلى شيئًا من النوافل إلا فجر يومه والشفع والوتر، وإلا السنة كصلاة العيد، فإذا صلى نافلة غير هذه كالتراويح كان مأجورا من جهة كون الصلاة فى نفسها طاعة، وكان آثما من جهة تأخير القضاء. ورخصوا فى يسير النوافل كتحية المسجد والسنن الرواتب.
٣- والشافعية قالوا: يحرم على من عليه فوائت يجب عليه قضاؤها فورا- وقد تقدم ذكرها-أن يشتغل بصلاة التطوع مطلقا، سواء كانت راتبة أو غيرها حتى تبرأ ذمته من الفوائت.
٤ - والحنابلة قالوا: يحرم على من عليه فوائت أن يصلى النفل المطلق، فلو صلاه لا ينعقد، وأما النفل المقيد كالسنن الرواتب والوتر فيجوز له أن يصليه فى هذه الحالة، ولكن الأولى تركه إن كانت الفوائت كثيرة، ويستثنى من ذلك سنة الفجر فإنه يطلب قضاؤها ولو كثرت الفوائت وذلك لتأكدها وحث الشارع عليها "فقه المذاهب - نشر وزارة الأوقاف المصرية "
стр. 4010
قضاء الصلاة فى السفر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم ما لو كنت مسافرا سفر قصر وفاتت منى صلاة الظهر هل أقضيها تامة أم مقصورة، وما حكم ما لو فاتت منى صلاة الظهر قبل السفر هل أقضيها فى السفر مقصورة أم تامة؟
الجواب
المسألة الأولى: إذا كان الإنسان مسافرا سفر قصر "حوالى خمسة وثمانين كيلو مترا" وفاتته صلاة الظهر مثلا، وأراد أن يقضيها، إذا أراد أن يقضيها وهو مسافر قضاها مقصورة، أى صلاها ركعتين فقط، لأن رخصة القصر وهى السفر كانت موجوده أثناء وجوب الظهر عليه، وهى أيضا موجودة عند قضائها.
أما إذا أراد أن يقضيها بعد أن انتهى من سفره فهناك رأيان للعلماء.
(ا) رأى يقول بقضائها مقصورة أى ركعتين فقط، نظرا لأن الرخصة وهى السفر كانت موجودة عندما فاتت منه، وعليه الحنفية والمالكية.
(ب) ورأى يقول: بقضائها تامة أى أربع ركعات، نظرا لأن الرخصة وهى السفر غير موجودة عند القضاء، وعليه الشافعية والحنابلة. ولا مانع من الأخذ بأحد الرأيين.
والمسألة الثانية: إذا فاتت صلاة الظهر فى الحضر- أى فى غير السفر-ثم سافر سفر قصر وأراد أن يقضيها وهو مسافر وجب عليه أن يصليها تامة أى أربع ركعات، وذلك باتفاق الأئمة، لأنها دين والدين لا بد أن يقضى بتمامه دون نقص منه "الفقه على المذاهب الأربعة نشر وزارة الأوقاف المصرية"
стр. 4011
المسبحة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس إن التسبيح على السبحة بدعة، فهل هذا صحيح؟
الجواب
السبحة "بضم السين المهملة وسكون الباء الموحدة" هى الحرز المنظوم والتى يعد بها الذكر والتسبيح، وقيل: إنها غربية وتجمع على "سبح " بضم السين وقيل إنها مولدة.
وإحصاء الذكر بالسبحة من اختراع الهند، كما يقول الأستاذ السيد أبو النصر أحمد الحسينى "مجلة ثقافة الهند -سبتمبر١٩٥٥ " اخترعه الدين البرهمى فيها، ثم تسرب إلى البلاد والأديان الأخرى، وتسمى السبحة فى اللغة السنسكريتية القديمة فى الهند "جب ما لا " أى عقد الذكر.
ثم يقول: وتختلف الفرق البرهمية فى عدد حباتها وفى ترتيبها، فالفرقة الشيوائية سبحتها أربع وثمانون حبة، والفرقة الوشنوية سبحتها مائة وثمان حبات. والخلاف راجع إلى حاصل ضرب ١٢ "عدد الأبراج السماوية" فى ٧ "عدد النجوم الظاهرة بما فيها الشمس والقمر عند الفرقة الأولى" أو فى ٩ "عدد النجوم الظاهرة عند الفرقة الثانية بإضافة أحوال القمر الثلاثة" وكل سبع حبات فى مجموعة متميزة.
وعند ظهور البوذية فى الهند بعد البرهمية اختار رهبانها السبحة الوشنوية "١٠٨ " من الحبات. وعند تفرق طوائفها فى البلاد قلد رهبان النصرانية هؤلاء فيها، وكل ذلك قبل ظهور الإسلام.
جاء الإسلام فأمر بذكر الله كما أمر بسائر العبادات والقربات والطاعات، وإذا كان الأمر بالذكر قد ورد مطلقا بدون حصر فى عدد معين أو حالة خاصة كما فى قوله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ آل عمران: ١٩١، وقوله أيضا ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا اللَّه ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ الأحزاب: ٤١، ٤٢، فقد وردت أحاديث تحدد عدده ووقته، كما فى ختام الصلاة بثلاث وثلاثين تسبيحة، وثلاث وثلاثين تحميدة، وثلاث وثلاثين تكبيرة، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده ... وكما جاء فى نصوص أخرى فى فضل بعض الذكر عشر مرات أو مائة مرة، وهنا يحتاج الذاكر إلى ضبط العدد، فبأى وسيلة يكون ذلك؟ ليس فى الإسلام وسيلة معينة أمرنا بالتزامها حتى لا يجوز غيرها، والأمر متروك لعرف الناس وعاداتهم فى ضبط أمورهم وحصرها، والإسلام لا يمنع من ذلك إلا ما تعارض مع ما جاء به. والمأثور أن النبى ﷺ كان يعقد التسبيح بيده، كما رواه أبو داود والترمذى والنسائى والحاكم وصححه عن ابن عمر، وأرشد أصحابه إلى الاستعانة بالأنامل عند ذلك، فقد روى أبو داود والترمذى والحاكم عن " بسرة " وكانت من المهاجرات، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس ولا تغفلن فتنسين التوحيد، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ".
غير أن الأمر بالعد بالأصابع ليس على سبيل الحصر بحيث يمنع العد بغيرها، صحيح أن العد بالأصابع فيه اقتداء النبى ﷺ لكنه هو نفسه لم يمنع العد بغيرها، بل أقر هـ، وإقراره من أدلة المشروعية.
ا-أخرج الترمذى والحاكم والطبرانى عن صفية رضى الله عنها قالت: دخل علىَّ رسول الله ﷺ وبين يدى أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال "ما هذا يا بنت عمى "؟ قلت: أسبح بهن، قال "قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا" قلت علمنى يا رسول الله، قال: " قولى سبحان اللَّه عدد ما خلق من شيء ".
والحديث صحيح.
ب - وأخرج أبو داود والترمذى وحسنه والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه عن سعد بن أبى وقاص أنه دخل مع النبى ﷺ على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح، فقال " أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولى: سبحان الله عدد ما خلق فى السماء، سبحان اللَّه عدد ما خلق فى الأرض سبحان الله عدد ما بين ذلك. وسبحان اللَّه عدد ما هو خالق، الله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك ".
وإلى جانب إقرار النبى ﷺ لهذا العمل وعدم الإنكار عليه، اتخذ عدد من الصحابة والسلف الصالح النوى والحصى وعقد الخيط وغيرها وسيلة لضبط العدد فى التسبيح ولم يثبت إنكار عليهم.
١ -ففى مسند أحمد - فى باب الزهد-أن أبا صفية-وهو رجل من الصحابة-كان يسبح بالحصى وجاء فى معجم الصحابة للبغوى أن أبا صفية، وهو مولى النبى ﷺ ، كان يوضع له نطع - فراش من جلد- ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع، فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح به حتى يمسى.
٢ - وروى أبو داود أن أبا هريرة كان له كيس فيه حصى أو نوى يجلس على السرير، وأسفل منه جارية سوداء، فيسبح حتى إذا نفد ما فى الكيس فدفعته إليه يسبح، ونقل ابن أبى شيبة عن عكرمة أن أبا هريرة كان له خيط فيه ألفا عقدة، فكان لا ينام حتى يصبح به اثنى عشر ألف تسبيحة.
٣- وأخرج أحمد أيضا في باب الزهد أن أبا الدرداء كان له نوى من نوى العجوة فى كيس، فإذا صلى الغداة - الصبح - أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفدن.
٤ -وأخرج ابن أبى شيبة أن سعد بن أبى وقاص، كان يسبح بالحصى أو النوى، وأن أبا سعيد الخدرى كان يسبح أيضا بالحصى.
٥ -وجاء فى كتاب "المناهل المسلسلة لعبد الباقى " أن فاطمة بنت الحسين كان لها خيط تسبح به.
٦ - وذكر المبرد فى "الكامل " أن على بن عبد اللَّه بن عباس المتوفى ١١٠ هـ -كان له خمسمائة أصل شجرة من الزيتون، وكان يصلى كل يوم إلى كل أصل ركعتين، فكان يدعى "ذا النفثات " فكأنه كان يعد تركعه بالأشجار.
[لا يهمنا من هذا الخبر الذى لم تتوفر له مقومات الصدق عدد ما كان يصليه صاحب هذه الأشجار فى اليوم الواحد، وهو ألف ركعة، إنما يهمنا هو أن وسيلة الإحصاء كانت الشجر،. وبناء على هذه الأخبار لم تكن "السبحة" المعهودة لنا معروفة عند المسلمين حتى أوائل القرن الثانى الهجرى، ويؤيد ذلك ما نقله الزبيدى فى "تاج العروس " عن شيخه أن السبحة ليست من اللغة فى شيء ولا تعرفها العرب، إنما حدثت فى الصدر الأول إعانة على الذكر وتذكيرا وتنشيطا.
يقول الأستاذ الحسينى فى المجلة المذكورة: ويظهر أن استعمالها تسرب بين المسلمين فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى، فإن أبا نواس ذكرها وهو فى السجن، فى قصيدة خاطب بها الوزير ابن الربيع فى عهد الأمين "١٩٣-١٩٨".
أنت با ابن الربيع ألزمتنى النسك وعودتنيه والخير عادة فارعوى باطلى وأقصر حبلى وتبدلت عفة وزهادة المسابيح فى ذراعى والمصحف فى لبتى مكان القلادة وهو أقدم ذكر للسبحة بالشعر العربى فيما يعلم.
ولما شاعت بين المسلمين استعملها بكثرة العامة من المشتغلين بالعبادة، ولم يستحسنها علماؤهم، ولذلك لما رؤيت فى القرن الثالث الهجرى فى يد "الجنيد" اعترض عليه وقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى ربى لا أفارقه " الرسالة القشيرية ".
وذكر أبو القاسم الطبرى فى كتاب "كرامات الأولياء" أن أبا مسلم الخولانى كانت له سبحة، وأن كثيرا من الشيوخ كانت لهم سبح يسبحون بها، وذكروا فى فوائدها أنها تذكر الإنسان بالله كلما رآها أو حملها، وتساعده على دوام الذكر، وعلى ضبط العدد.
وبقى استعمالها بين المسلمين بين راض،عنها وكاره لها، حتى كان القرن الخامس فانتشرت بين النساء المتعبدات، إلى أن عمت بين الناس جميعا، ويحتفظ فى أضرحة بعض الأولياء بسبحهم التى ينتظم بعضها ألف حبة ذات حجم كبير.
ولم يصح فى مدحها خبر عن النبى ﷺ كالذى أخرجه الديلمى مرفوعا "نعم المذكر السبحة" كما لا يصح ما نقل عن الحسن البصرى أنه، عندما قال له: أنت مع السبحة مع حسن عبادتك؟ قال:
هذا شيء استعملناه فى البدايات ما كنا لنتركه فى النهايات.
ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من عد الذكر بالسبحة، ولا يعدون ذلك مكروها، وقد سئل بعضهم، وهو يعد بالتسبيح: أتعد على اللَّه؟ فقال: لا، ولكن أعد له.
وجعل حبات السبحة اليوم مائة أو ثلاثا وثلاثين راجع إلى الحديث الصحيح فى ختم الصلاة.
وبناء على ما سبق ذكره يكون التسبيح بغير عقد الأصابع مشروعا، لكن أيهما أفضل؟ يقول السيوطى: رأيت فى كتاب "تحفه العباد " ومصنفه متأخر عاصر الجلال البلقينى فصلا حسنا فى السبحة قال فيه ما نصه: قال بعض العلماء: عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث ابن عمرو، لكن يقال: إن المسبح إن أمن الغلط كان عقده بالأنامل أميل وإلا فالسبحة أولى. والسنة أن يكون باليمين كما فعل الرسول ﷺ وجاء ذلك فى رواية لأبى داود وغيره.
"انظر: الحاوى للفتاوى للسيوطى رسالة "المنحة فى السبحة" ونيل الأوطار للشوكانى".
هذا، وقد تفنن الناس اليوم فى صنع السبحة من حيث المادة والحجم والشكل واللون والزخرفة وعدد الحبات، وعنى باقتنائها كبار الناس سواء أكان ذلك للتسبيح أم للهواية أم لغرض آخر، ولا يمكننا أن نتدخل فى الحكم على ذلك، فالله أعلم بنياتهم ولكل امرىء ما نوى.
وأقول: إذا كان النبى ﷺ قال: "واعقدن بالأنامل فانهن مسئولات مستنطقات " فإن حبات المسبحة لا تحركها فى يد الإنسان إلا الأنامل، وهى ستسأل وتستنطق عند الله لتشهد أنه كان يسبح بها، ولا يجوز التوسع فى إطلاق اسم البدعة على كل ما لم يكن معروفا فى أيام الرسول ولا أن يجر الخلاف فى السبحة إلى جدل عقيم قد يضر، والأهم من ذلك هو الإخلاص فى الذكر ولا تضر بعد ذلك وسيلته، والله ينظر إلى القلوب كما صح فى الحديث
стр. 4012
رفع الأيدى عند الدعاء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا ترفع الأيدى إلى السماء عند الدعاء؟
الجواب
يقول الله سبحانه: ﴿وللَّه المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ البقرة:١١٥، فى صحيح مسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما قال:
كان رسول اللَّه ﷺ يصلى وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وذلك فى صلاة النافلة، والمعنى أن الجهات كلها للَّه، فمن توجه بعبادته إلى أية جهة فإن الله مطلع عليه وعالم به. والتعبير بوجه الله يراد به ذاته، لأن الوجه يعبر به عن الذات لأنه أشرف الأعضاء، وفى مثل قوله تعالى ﴿إنما نطعمكم لوجه اللَّه﴾ يراد به قاصدين إياه بعملنا، لا نقصد غيره من المخلوقات، أى نحن موحدون لا نشرك به أحدا، ومخلصون لا نرائى بما عملنا.
ومن العبادة التى يتقرب بها إلى الله الدعاء. فإذا توجه الإنسان به إلى ربه فى أى اتجاه فإن الله حاضر لا يغيب -عالم لا يغفل، وهو سبحانه قريب لا بعيد، بمعنى أنه - وإن كانت له المنزلة العليا - قريب من الناس بعلمه ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن اللَّه بكل شيء عليم﴾ المجادلة: ٧، ولذلك قال سبحانه ﴿وإذا سالك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ البقرة: ١٨٦، ولقربه من عباده لا داعى لرفع الصوت عند دعائه، فإنه يعلم السر وأخفى، قال تعالى ﴿ادعوا بكم تضرعا وخفية إنه لايحب المعتدين﴾ الأعراف: ٥٥، وإذ تبين أن اللَّه قريب من الداعى، وهو فى الوقت نفسه فى مكانته العالية وسموه اللائق بجلاله، ظهر معنى مد اليدين عند الدعاء، طلبا واستجداء لخيره وبره، كأنه سبحانه، وهو الأعلى، أمام الداعى، وهو الأدنى، يمد إليه يديه، فاليد المعطية هى العليا والآخذة هى السفلى.
وهذه الصورة الرمزية للمواجهة يشير إليها قول النبى ﷺ "إذا كان أحدكم فى الصلاة فإنه يناجى ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ... " رواه مسلم.
وقوله أيضا "ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فينخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فينخع فى وجهه " رواه مسلم أيضا. فمد اليدين عند الدعاء تعبير عن المعتاد بين الناس عند طلب الأدنى من الأعلى، مستجديا متضرعا، وقد ثبت عن النبى ﷺ فى عدة أحاديث أنه رفع يديه عند الدعاء، فى الاستسقاء وغيره، وقد ساق البخارى عدة أحاديث فى ذلك فى آخر كتاب الدعوات وصنف المنذرى فى هذا جزءا. وقال النووى فى شرح صحيح مسلم، هى أكثر من أن تحصر قال: وقد جمعت فيها نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو أحدهما. قال: وذكرتها فى آخر باب صفة الصلاة فى شرح المهذب "نيل الأوطار ج ٤ ص ٩ ".
من هذه الأحاديث ما رواه البخارى عن أبى موسى الأشعرى قال: دعا النبى ﷺ ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه، وما رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن سلمان الفارسى أن النبى ﷺ قال "إن ربكم حيى كريم يستحيى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" أو قال " خائبتين ". "الترغيب والترهيب ج ٢ ص ١٩٥ ".
ومن هنا قال العلماء بمشروعية رفع اليدين عند الدعاء بل بالندب اقتداء بالنبى ﷺ غير أن جماعة كرهوا رفع اليدين فى غير الاستسقاء، لحديث أنس "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا فى الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه ". رواه البخارى ومسلم. والقائلون بالجواز فى غير الاستسقاء ردوا على هؤلاء بأن كون أنس نفى الرؤية عنه لا يستلزم نفى رؤية غيره، كما ثبت فى الأحاديث الصحيحة، والمثبت مقدم على النافى. أو يحمل حديث أنس على الرفع البليغ الذى يرى فيه بياض الإبطين وهو لا ينافى الرفع بغير ذلك، كمجرد مد اليدين وبسطهما عند الدعاء.
والبعض كره رفع اليدين مطلقا فى الاستسقاء وغيره، لحديث مسلم عن عمارة بن رويبة، وقد رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه، فقال:
قبح اللَّه هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة "تفسير القرطبى ج ٧ ص ٢٥٥ " ويرد عليهم بما رد على غيره.
يقول القرطبى "المرجع السابق ": والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى اللَّه والتذلل له أو الخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبى ﷺ حسبما ورد فى الأحاديث وقد قال تعالى ﴿ادعو ربكم تضرعا وخفية﴾ الأعراف:٥٥، ولم ترد صفة من رفع يدين وغيرهما، وقال تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا﴾ آل عمران: ١٩١، فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر، وقد دعا النبى ﷺ فى خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة. آه.
وكذلك روى عن ابن عمر أن النبى ﷺ رفع يديه وقال " اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد" وفى صحيح مسلم عن عمر: رفع النبى ﷺ يديه بالدعاء يوم بدر.
وعلى القول بمشروعية رفع اليدين عند الدعاء رويت عدة حالات فى كيفية الرفع، منها جعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلى وجهه.
وروى عكس ذلك. ومنها جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض، وروى عكس ذلك وكان ذلك فى الاستسقاء كما رواه مسلم "نيل الأوطار ج ٤ ص ٩ ".
قال ابن حجر فى الفتح:قال العلماء: السنة فى كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلا ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا بحصول شيء أو تحصيله أن يجعل بطن كفيه إلى السماء. وكذلك قال النووى فى شرح صحيح مسلم، حاكيا لذلك عن جماعة من العلماء. وقيل: الحكمة فى الإشارة بظهر الكفين قى الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقلب الحال كما قيل فى تحويل الرداء "المرجع السابق ".
هذا، ويكره عند الدعاء النظر إلى السماء، لحديث مسلم وغيره أن النبى ﷺ قال "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء فى الصلاة إلى السماء، أو ليخطفن اللَّه أبصارهم ".
وقد يحمل النهى على رفع البصر فى الصلاة، أما فى غيرها فلا مانع، لرواية للبخارى جاء فيها: فنظر إلى السماء، وكان ذلك فى الاستسقاء " نيل الأوطار ج ٤ ص ١٠ ". ومسح الوجه باليدين بعد رفعهما فى الدعاء ورد فيه عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا رفع يديه فى الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. رواه الترمذى وقال: غريب، أى رواه راو واحد فقط. وعن ابن عباس نحوه كما فى سنن أبى داود. قال النووى: فى إسناد كل واحد ضعف "الأذكار للنووى ص ٣٩٩" وجاء فى "بلوغ المرام " شرح "سبل السلام "ج ٤ ص ٢١٩ لابن حجر، بعد ذكر حديث عمر: أخرجه الترمذى وله شواهد منها عند أبى داود من حديث ابن عباس وغيره، ومجموعها يقضى بأنه حديث حسن فالوارد من ذلك ليس بصحيح، بل ضعيف، ولكن مجموع الشواهد يرفع درجتها إلى الحسن فتقبل. اهـ.
نكرر التنبيه فنقول: إن مد اليدين عند الدعاء يشبه ما يحدث عند طلب الفقير إحسانا من الغنى فعند شدة الحاجة قد يجثو السائل على ركبتيه، يستدر بهذا الوضع عطف المسئول، وهو فى هذا الوضع المتذلل يرفع يديه إلى أعلى يتلقى بهما الإحسان فالمسلم الذى يدعو ربه يرفع يديه دليلا على تذلله وشدة حاجته، ولذا كان النبى ﷺ يلجأ إلى ذلك ويبالغ فيه فى الاستسقاء ونحوه، وليس ذلك مستلزما وجود اللَّه فى السماء، فهو سبحانه، منزه عن المكان، بل ذلك دليل على علو مكانته فى أذكار النووى عن رفع اليدين ومسح الوجه ثلاثة أوجه للشافعية أصحها استحباب الرفع وعدم مسح الوجه، والثانى الرفع والمسح والثالث عدم الاثنين
стр. 4013
صلاة أربعين فرضا بالمدينة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كنت فى زيارة للمدينة المنورة وحرصت على أن أصلى فى مسجد الرسول ﷺ أربعين صلاة، لكن موعد سفرى منعنى من صلاة هذا العدد فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
روى مسلم وغيره أن النبى ﷺ قال "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ". وروى أحمد بسند صحيح أنه قال "من صلى فى مسجدى أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار وبراءة من العذاب، وبرىء من النفاق " فإذا كان الإنسان حرا فى إقامته وفى سفره فالأفضل أن يصلى هذا العدد، بل وأكثر منه نظرا للثواب العظيم، فإذا كان مضطرا إلى السفر قبل أن يصلى الأربعين فلا حرج عليه، فهذا أمر مندوب وليس بواجب، والأمل كبير فى أن يعطى الله للإنسان هذا الثواب إذا كان حريصا عليه لكن منعه مانع خارج عن إرادته كما يقولون، بناء على الحديث الشريف "من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة" وقد قال العلماء: إن ذلك محله إذا كان عدم العمل بغير اختياره، أما لو تركها مختارا فلا ثواب له
стр. 4014
شَدُّ الرحال
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك ثواب اكبر فى الصلاة فى بعض المساجد، أو أنها متساوية فى الثواب؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ".
إن حصر شد الرحال فى هذه الثلاثة لا يمنع شدها -أى السفر- لأى عمل مشروع كالجهاد وطلب العلم وابتغاء فضل الله من الرزق وزيارة الإخوان وصلة الرحم وغير ذلك من القربات، وكل ذلك وردت به النصوص القوية من القراَن والسنة، وإنما الحصر الوارد فى الحديث.
هو حصر إضافى بالنسبة إلى المساجد بمعنى أن المساجد كلها متساوية فى فضل الصلاة ما عدا هذه المساجد الثلاثة فهى أفضلها والصلاة فيها يضاعف ثوابها، فقد روى أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين أن الصلاة فى المسجد الحرام بمكة تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه وروى البخارى ومسلم أن الصلاة فى مسجد المدينة بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وروى الطبرانى وابن خزيمة فى صحيحه، والبزار بإسناد حسن أن الصلاة فى المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.
ونصت رواية أحمد وابن أبى شيبة بسند حسن على أن شد الرحال هو من أجل الصلاة فيها، وذلك لفصلها، فعن أبى سعيد الخدرى مرفوعا إلى النبى ﷺ " لا ينبغى أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد الأقصى ".
ومن أجل هذا يُسَنُّ -أو على الأقل لا يمنع - السفر إليها وتحمل المتاعب البدنية والمالية من أجل الحصول على ثواب الصلاة فيها، أما المساجد الأخرى فلا داعى للسفر وتحمل المشقة من أجل الصلاة فيها فقط، بل إن بعض العلماء قال يحرم ذلك " انظر خلاصته الوفا للسمهودى ص ٧٠ ". أما الذهاب لزيارة الصالحين أحياء أو أمواتا فلا بأس من شد الرحال والسفر إليها
стр. 4015
الصلاة فى مسجد فيه قبر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الصلاة فى مسجد فيه قبر؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وروى مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنى أنهاكم عن ذلك " وروى الجماعة إلا البخارى وابن ماجه قوله " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها".
تحدث العلماء عن هذه الأحاديث فقال بعضهم: محل الذم أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن، وليس ذلك مذموما إذا بنى المسجد أولا وجعل القبر فى جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره.
لكن العراقى قال: الظاهر أنه لا فرق، وأنه إذا بنى المسجد لقصد أن يدفن فى بعضه أحد فهو داخل فى اللعنة، بل يحرم الدفن فى المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط، لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدا.
وإذا كان بعض العلماء قد حمل النهى على التحريم فإن البعض الآخر حمل على الكراهة، بمعنى أن الصلاة إلى القبر صحيحة لكن مع الكراهة.
والذين قالوا بصحتها مختلفون، فقال بعضهم: هى مكروهة سواء أكان القبر أمام المصلى أم خلفه أم عن يمينه أم عن يساره. وقال آخرون: محل الكراهة إذا كان القبر أمامه، لأن هذا الوضع هو الذى يراد من اتخاذه مسجدا ومن الصلاة فيه أو إليه. أما إذا كان القبر خلفه أو عن يمينه أو عن يساره فلا كراهة.
والأئمة الثلاثة قالوا بصحة الصلاة وعدم كراهتها، اللهم إلا إذا كان القبر أمام المصلى فتكون مكروهة مع الصحة. أما أحمد بن حنبل فهو الذى حرم الصلاة وحكم ببطلانها - ومحل هذا الخلاف إذا كان القبر فى المسجد، أما إذا كان مفصولا عنه والناس يصلون فى المسجد لا فى الضريح أو الجزء الموجود فيه القبر فلا خلاف أبدا فى الجواز وعدم الحرمة أو الكراهة.
وأختار أنه إذا كان القصد من الصلاة إلى القبر تعظيمه فهى حرام وباطلة بصرف النظر عن وضع القبر، وإذا انتفى هذا القصد كانت مكروهة مع الصحة إذا كان القبر أمام المصلى وإلا فلا كراهة
стр. 4016
الصلاة على النبى بعد الأذان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الصلاة على النبى ﷺ بعد الآذان؟
الجواب
الصلاة على النبى ﷺ مطلوبة بوجه عام لقوله تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلُّون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ الأحزاب: ٥٦،ومن مواضع تأكدها يوم الجمعة وعقب الأذان لورود الحديث الصحيح بذلك، فقد روى مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه أنه ﷺ قال " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىَّ، فإنه من صلى علىَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا ... " وإذا كان الأمر فى هذا الحديث لمن يسمعون الأذان فإنه لم يرد نهى عنها للمؤذن، فيبقى طلبها منه مؤكدا كطلبها من غيره قائما كما قال بعض العلماء، ورأى آخرون أن نحافظ على ما كان عليه العمل أيام الرسول وصحابته من عدم رفع المؤذن صوته بها وإن لم يمنعوا أن يقولها سرا فهى قربة فى كل وقت. وما خالف ذلك فهو بدعة ضلالة تؤدى إلى النار وقال ابن حجر فى الفتاوى الكبرى: قال المشايخ: الأصل سنة والكيفية بدعة.
فهناك اجتهادان أو رأيان فى كونها ممنوعة أن يجهر بها المؤذن أو غير ممنوعة، ولهذا لا يجوز التعصب لأحد الرأيين، فالتعصب لغير القطعى منهى عنه، لأنه يحدث فتنة، مع العلم بأن الجهر بالصلاة على النبى بعد الأذان لا يحدث ضررا، ولم يرد عنه نهى بخصوصه كما قدمنا.
ومما هو جدير بالذكر أن المفتى الأسبق للديار المصرية المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعى المتوفى سنة ١٩٣٥ م قال فى كتابه "أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام " أن أمير مصر فى القرن الثامن الهجرى أمر بها، ونحن مأمورون بطاعة ولى الأمر فيما ليس بمعصية، وهى ليست بدعة هوى بل سنة هدى، لأن الحديث يقول " من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " وفى رواية مسلم " من سَنَ سنة حسنة فى الإسلام فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء ".
ومع ذلك نقل الشيخ محمد عبده عن "الخانية " فى فقة الحنفية أنها بدعة، وقال: لا عبرة بقول من قال إنها بدعة حسنة، لأن كل بدعة فى العبادات سيئة.انتهى.
هذا مع العلم بأنها ليست من الأذان الشرعى، بل هى زائدة عليه، وإطلاق أن كل بدعة فى العبادات ضلالة غير مسلَّم عند كثير من العلماء.
فالخلاصة أن الجهر بالصلاة على النبى ﷺ بعد الأذان فيه رأيان الجواز والمنع، ولا ينبغى التعصب لرأى من الآراء، وأنصح كل مسلم أن يتريث فى الحكم على الأشياء، وأن يطلع على أقوال المجتهدين ليكوِّن من ذلك رأيا، وإذا دعا إليه فليكن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أنصح بعدم الإكثار من الزيادات بعد الأذان مما ليس له أصل يعتمد عليه، كذكر المشايخ والأولياء وغيرهم، وأشدد التنبيه على الاهتمام بالمسائل الأصلية وعلاج القضايا والمشكلات الضاغطة وبخاصة فى أيامنا الحاضرة، بدلا من بذل الجهد الكبير والمال الوفير فى الدعوة إلى سنة لو تركناها أصلا ما كان لها ضرر فى عبادتنا ولا فى سلوكنا.
وأرجو ألا يفهم أحد من ذلك أننى أقلل من شأن السنة، ولكن الأمر أمر أولويات، وبُعد عن الخلافات التى تنتهى إلى أمور محرمة كالاتهام الكاذب واحتقار الغير ومقاطعته، وفى احترام سلفنا الصالح من العلماء لأراء غيرهم ما يدل على بعد نظرهم وفهمهم الصحيح للدين
стр. 4017
سنة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يرى بعض للناس أن صلاة ركعتين بعد أذان الجمعة بدعة فهل هذا صحيح؟
الجواب
صلاة النافلة بعد صلاة الجمعة لم يُختلف فى أنها مندوبة وراتبة للجمعة كراتبة الظهر لقول النبى ﷺ " إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات " رواه مسلم. ولقول عبد الله بن عمر: كان النبى ﷺ لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف من المسجد إلى بيته فيصلى فيه ركعتين. رواه البخارى. وابن عمر كان إذا صلى فى المسجد صلى أربعا وإذا صلى فى بيته صلى ركعتين رواه أبو داود.
٢ - أما صلاة النافلة قبل صلاة الجمعة فقد يراد بها التطوع المطلق، وقد يراد بها أنها سنة الجمعة راتبة قبلية كراتبتها البعدية.
فإذا أريد بها التطوع المطلق فهى جائزة بل مستحبة، سواء فعلت قبل الزوال وهو وقت صلاة الجمعة أو فعلت بعد الزوال قبل أن يخرج الإمام ليخطب الجمعة. وذلك لقوله ﷺ " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصله ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " رواه البخارى " ج ٢ ص ٤ طبعة الشعب " وفى رواية لمسلم "ج ٦ ص ١٤٦ " " من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدِّر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلى معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام ".
وفى رواية لأخمد عن عطاء الخراسانى فال: كان نبيشة الهذلى رضى الله عنه يحدث عن رسول الله ﷺ " أن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذى أحدا، فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقض. الإمام جمعته ... " الترغيب والترهيب للمنذرى ج ١ ص ١٩٤، قال المنذرى: وعطاء لم يسمع من نبيشة فيما أعلم. وقال الشوكانى وثقه الجمهور " نيل الأوطار ج ٣ ص ٢٧ " فيظهر من قوله: ما كتب له، وما قدر له، أن الصلاة تطوع مطلق وليست راتبة، لأن الراتبة محدودة بعدد من الركعات. كما يظهر من قوله: فإن لم يجد الإمام قد خرج صلى. . أن صلاة الجمعة تبدأ شعائرها بخروج الإمام ليخطب، وقد يتأخر خروجه عن الزوال الذى يدخل به وقت الجمعة إما -انتظارا لكمال حضور المصلين، الذين كان بعضهم يأتى من مناطق بعيدة، حيث كانوا يتناوبون الحضور إليها، والباقون يصلون فى مساجدهم، وإما لظروف الجو كما جاء فى البخارى "ج ٢ ص ٨ طبعة الشعب " عن أنس:كان النبى ﷺ " إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعنى يوم الجمعة. وفى رواية لم يذكر الجمعة. فهناك فترة بين دخول الوقت بالزوال وبين خروج الإمام حيث كان أذان الجمعة وهو على المنبر.
٣ - وقد يراد بصلاة النافلة قبل صلاة الجمعة سنتها الراتبة كسنتها الراتبة التى تصلى بعدها. وهذه هى التى وقع فيها الخلاف بين الفقهاء فى كونها مشروعة أو غير مشروعة.
وأحب لن يتنبه المسلمون إلى أن الخلاف فى هذه المسألة خلاف فى أحد الفروع الاجتهادية، التى لا ينبغى أن يتعصب أحد لرأيه فيها، أو ينكر على الآخر رأيه، فإن شرط الإنكار أن يكون المنكر مجمعا على انه منكر، كما لا ينبغى أن يُرمى صاحب الرأى الآخر بأنه عاص أو مبتاع. ولتكن لنا قدوة بما كان عليه الأئمة المجتهدون، فقد أثر عن غير واحد منهم أنه قال: رأى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب. وما دار بينهم من نقاش كأن موضوعيا بعيدا عن المهاترات ملتزما أدب المجادلة بالحسنى، لأنهم كانوا يبغون الوصول إلى الحق من أجل الحق، وقد يسر أحدهم إذا ظهر الحق على يد غيره.
كما أحب أن يتنبه المتجادلون إلى القاعدة الأصولية المعروفة:
الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال فلا يتمسك بالدليل لإثبات الوجوب أو الحرمة إذا احتمل الندب لو الكراهة، والاحتمال قد يكون فى ثبوت الدليل وقد يكون فى دلالته. ويكفى المتعبد أن يصل إلى معرفة الحكم ولو بطريق الظن، فذلك وسعه الذى لا يكلفه الله إلا وأعوذ إلى حكم هذه الصلاة التى يصليها-بعض المسلمين اليوم بعد الأذان الأول للجمعة وقبل الأذان الثانى بين يدى الخطيب. فأقول: إن الخلاف فى مشروعيتها قديم وليس جديدا، ولم يأت المتكلمون اليوم عنها بأكثر مما جاء به الأولون. قال بمشروعيتها أبو حنيفة وأصحاب الشافعى فى أظهر الوجهين عندهم والحنابلة فى غير المشهور ايضا. ولم يقل بمشروعيتها مالك والحنابلة فى المشهور عنهم. ومن أشد المتعصبين لعدم مشروعيتها ابن قيم الجوزية الحنبلى الذى خالف إمامه ابن تيمية فيها، وكذلك شهاب الدين أبو شامة الشافعى الذى خالف ابن حجر العسقلانى وعموم الأصحاب ورجال المذاهب. [عند الأحناف يسن صلاة أربع قبلها وأربع بعدها وعند الشافعية كالظهر] .
٤ - حجة القائلين بمشروعيتها:
احتج هؤلاء بما يأتى:
١ - حديث " ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان " رواه ابن حبان وصححه من حديث عبد الله بن الزبير، وهاتان الركعتان سنة راتبة للفريضة، فالحديث يدل بعمومه على مشروعية صلاة ركعتين سنة قبل صلاة فريضة الجمعة. وليس هناك مخصص لهذا العموم، ولا يقال إنه مخصص بغير الجمعة لأن النبى كان إذا خرج لم يصلهما قبل أن يرقى المنبر، لأن العام لا يخصصه إلا منع خاص من صلاة ركعتين أو أربع بعد الزوال قبل الأذان للخطبة، ولم يوجد ذلك.
وصلاة النبى لهما سيأتى الكلام عليها.
٢ - حديث " بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن يشاء " رواه البخارى ومسلم من حديث عبد الله ابن مغفل. والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، من باب التغليب، أو لأن فى كل منهما إعلاما، والتعبير عنهما بذلك كثير. والصلاة بينهما لمن يشاء هى تطوع من رواتب الصلاة المفروضة التى يؤذن ويقام لها.
ولا يقال: إن المراد بالأذانين أذان الفريضة وأذان الفريضة التى بعدها بمعنى أن وقت أى فريضة متسع يمكن أداؤها فى أى فترة من أول الوقت إلى آخره - لا يقال هنا لأن الصلاة المفروضة لا يقال عنها لمن يشاء، فذلك شأن التطوع. هذا هو الظاهر وإن كان يمكن أن يفسر لا لمن يشاء " لمن يريد تأخيرها عن أول الوقت، ولكنه بعيد.
وهذان.الحديثان أقوى ما يتمسك به فى مشروعية السنة القبلية للجمعة كما قال ابن حجر فى الفتح "ج ٤ ص هـ ٣ " وذكر النووى فى المجموع "ج ٤ ص ١٠ " أن العمدة فى مشروعيتها حديث عبد الله ابن مغفل المذكور.
٣- فعل النبى ﷺ ، فعن على رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ " يصلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا، يجعل التسليم فى آخرهن ركعه. رواه الطبرانى فى الأوسط وهو حديث حسن وإن كان فيه محمد بن عبد الرحمن السهمى وهو مختلف فيه. على أن عليَا القارى قال فى المرقاة: وقد جاء فى إسناد جيد-كما قال الحافظ العراقى - أنه ﷺ كان يصلى قبلها أربعا. وفى الأوسط للطبرانى عن أبى هريرة: كان النبى ﷺ يصلى قبل الجمعة ركعتين وبعدها ركعتين. وقد ساقه ابن حجر فى التلخيص وسكت عنه، فهو حديث صحيح أو حسن على قاعدته المشهورة. وروى أبو داود والترمذى عن أبى أيوب الأنصارى قال: كان ﵇ يصلى بعد الزوال أربع ركعات، فقلت:
ما هذه الصلاة التى تداوم عليها؟ قال " هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لى فيها عمل صالح ... " وهذا عام فى كل يوم لا يخرج منه يوم الجمعة إلا بنص عليه. وفى هذا الحديث أيضا مقال.
٤ - فعل -ابن مسعود وابن عمر وغيرهما. فقد جاء فى الأثر عن ابن مسعود بسند صحيح أنه كان يصلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا، قاله الترمذى فى جامعه: وكان يأمر الناس ويعلِّمهم ذلك كما جاء فى "إطفاء الفتن على إعلاء السنن " لحكيم الهند " أشرف على التهانوى " وجاء فى نصب الراية: كان عبد الله يأمرنا أن نصلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا. رواه عبد الرزاق فى مصنفه اهـ. وفى "الدراية ": رجاله ثقات. وفى " آثار السنن ": إسناده صحيح.
لا يقال: إن هذا نفل مطلق لا سنة راتبة للجمعة، فالنفل المطلق يرغب فيه ترغيبا عاما ولا يعتَم ولا يؤمر به أمر إرشاد بهذه العناية وهذا التأكيد من ابن مسعود. وهذا الأثر الموقوف له حكم المرفوع لأن الظاهر أنه قد ثبت عنده من النبى ﷺ فيه شىء، وإلا لما أمر به.
يقول الكمال بن الهمام تعليقا على قول صاحب " الهداية " " ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان ": إن ما روى عن ابن مسعود ذهب إليه ابن المبارك والثورى.
وروى أبو داود من طريق أيوب السختيانى عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلى بعدها ركعتين فى بيته ويحدِّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. قال العراقى: إسناده صحيح. يقول الزرقانى على المواهب اللدنية "ج ٨ ص ٢٩": واحتج به النووى فى الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التى قبلها، لأن اسم الإشارة (ذلك) يرجع إلى الأمرين - الصلاة قبلها والصلاة. بعدها فى البيت - لكن الصحيح أن اسم الإشارة راجع إلى الثانى- الصلاة البعدية- لما رواه الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين فى بيته ثم قال: كان النبى يفعل ذلك. رواه مسلم. وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة فإما أن يكون بعد دخول الوقت، وذلك لا يصح أن يكون مرفوعا، لأن النبى كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة ولا يتنفل، وإما أن يكون قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة فلا حجة فيه لسنة الجمعة التى قبلها، وقد ورد الترغيب فى التنفل قبل وقت الجمعة اهـ. لكن يرد على هذا بأن النبى صلى قبل الجمعة أربعا كما سبق فى بند (٣) وكان ذلك فى بيته فيل أن يخرج إلى الناس لخطبة الجمعة.
وذكر الزيلعى " ج ١ ص ٣١ " أن ابن سعد روى فى الطبقات أن صفية بنت حُيَيٍّ صلت أربع ركعات قبل خروج الإمام للجمعة ثم صلت الجمعة مع الإمام ركعتين. وذكره ابن حجر فى الفتح "ج ٣ ص ٥٥٣ " فهو صحيح أو حسن كعادته. وصفية زوج النبى ﷺ والغالب أنها رأت النبى يفعل ذلك قبل خروجه إلى المسجد.
٥- الجمعة بدل الظهر فى يومها فهى مثلها فى راتبتها وإن لم تكن مثلها تماما فى عدد ركعات الفريضة. ويؤخذ هذا من صنيع البخارى فى الترجمة " باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها " ولم يذكر شيئا عن الصلاة قبل الجمعة، كأنه -كما حكاه ابن حجر فى الفتح عن ابن المنير-يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه، لأن الجمعة بدل الظهر.
هذا هو أهم ما استند عليه القائلون بأن للجمعة سنة قبلية إلى جانب النفل المطلق الذى ورد الترغيب فى الإكثار منه كما سبق ذكره.
وكلها أدلة ليست قطعية الثبوت والدلالة، وإن كان أقواها حديث عبد الله بن مغفل.
٥ - حجة القائلين بعدم مشروعيتها:
أقوى ما يستدل به القائلون بعدم مشروعية السنة القبلية للجمعة هو الحديث الذى رواه الجماعة إلا مسلما عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما فلما كان عثمان رضى اللَّه عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. وفى رواية للبخارى زاد النداء الثانى. وزاد ابن ماجة: على دار فى السوق يقال لها الزوراء.
وتسميته ثالثا لأن الإقامة تسمى أذانا كما فى الحديث " بين كل أذانين صلاة ". يقول ابن القيم " زاد المعاد ج ١ ص ١١٨ " فى بيان وجه الاستدلال: كان النبى يخرج من بيته، فإذا رقى المنبر أخذ بلال فى أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبى ﷺ فى الخطبة من غير فصل، فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة.
وهذا الحديث وإن كان قويا إلا أنه ليس قطعى الثبوت، كما أنه ليس قطعى الدلالة على أن سنة الجمعة القبلية غير مشروعة، فيحتمل أن النبى كان يصلى بعد الزوال فى البيت قبل خروجه إلى الناس، وقد جاءت الروايات مؤكدة لهذا الاحتمال كما سبق. وبخاصة إذا علمنا أن الجمعة كانت تؤخر أحيانا عن بدء وقتها بالزوال. فوقتها ممتد إلى دخول وقت العصر. والفرصة سانحة للناس أن يصلوا بعد الزوال وقبل خروج الإمام كما دل عليه حديث أحمد عن عطاء الخراسانى السابق.
هذا، وعدم رؤية السائب بن يزيد لصلاة النبى لها لا يدل على عدمها، لما هو معروف أن عدم العلم بالشىء لا يدل على عدمه أو نفيه. فمن الجائز أنه يصليها ولم يعلم به السائب، والروايات التى تقدمت تؤيد ذلك.
ومن هذا نرى أن أدلة الطرفين ليست قطعية، ولكل مجتهد أن يرى ما أداه إليه اجتهاده، ولا ينبغى أن ينكر أحد على أحد، ويعجبنى فى هنا قول ابن تيمية فى فتاويه: إن صلاة ركعتين قبل الجمعة جائزة وحسنة وإن لم تكن راتبة ... ثم قال: فمن فعل ذلك لم يُنكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال وكلام الإمام أحمد يدل عليه.اهـ.
حديث سُلَيْك سُليك بن هدية، وقيل: ابن عمرو الغطفانى رجل رقيق الحال دخل المسجد النبوى والنبى يخطب، وكان فى هيئة بذة أى رثة بالية فجلس يستمع الخطبة دون أن يصلى، فقال له النبى ﷺ : أصليت ركعتين قبل أن تجلس فقال: لا، فأمره أن يصلى ركعتين. وقال " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" وفى رواية " إذا أتى أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصل ركعتين " والحديث رواه البخارى ومسلم.
وجاء فى روايات غيرهما أن النبى نبه المسلمين على أن سُليكا يستحق الصدقة وأنه أمره بالصلاة ليراه الناس، كما جاء أن النبى أخبره ألا يعود لذلك.
رأى بعض العلماء أن صلاة سليك هى السنة القبلية للجمعة، ورأى بعض آخر: أنها صلاة خاصة بحال سليك للحث على الصدقة عليه وليست تشريعا عاما. ورأى آخرون: أنها تحية المسجد، وعلى هذا فلا يصلح حديثه حجه لأحد الطرفين المتنازعين فى السنة القبلية للجمعة. والكلام على تحية المسجد له فرصة أخرى إن شاء الله.
المراجع ١ - البخارى وشرحه فتح البارى.
٢- مسلم وشرحه للنووى.
٣- الزرقانى على المواهب اللدنية.
٤ - زاد المعاد لابن القيم. .
٥ - نيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ٢٧٠- ٢٧٥.
٦ - مجلة الأزهر: مجلد ٤ ص ٧١٤.
٧- مجلة الإسلام: مجلد ٢ عدد ٤٨ ومجلد ٣ عدد ٤.
٨ - مجلة نور الإسلام: عدد ٧ بتاريخ ١١ / ٦ / ١٩٤٥، عدد ٨ بتاريخ ١٠/٧ /٩٤٥ ١.
٩ - الفقه على المذاهب الأربعة ص ٣٢٨ - ٢٤٠
стр. 4018
تبرع الكافر للمسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أقمنا مسجدا بالجهود الذاتية فتبرع بعض المواطنين من الأقباط بمبلغ من المال مساهمة فى بنائه، فهل نقبل هذا التبرع؟
الجواب
قال العلماء: إن الكافر لا يثاب على عمل الخير كما قال سبحانه ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣، وثوابه يكون فى الدنيا بمثل حب الناس له وتكريمه وما يتبعه من نفع مادى.
ولو تبرع الكافر للمسجد ببناء أو تجهيز أو غيرهما هل يقبل المسلمون منه هذا التبرع؟ لقد نص فقهاء المذاهب الأربعة على إباحة التعامل مع غير المسلمين حتى فى التبرع لعمارة المساجد، وما جاء فى الحديث إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا لا تدخل تحته هذه المسألة، لأن قبول الله للطيب يعنى الثواب عليه، ولا ثواب لغير المسلم فى الآخرة كما نصت عليه الآية المذكورة.
وصرح الإمام الشافعى بجواز وصية غير المسلم ببناء مسجد للمسلمين، وكذلك الوقف منه للمسجد، حتى لو لم يعتقده من القربات، وذلك لاعتبارنا نحن أن الوقف للمسجد قربة، قال صاحب كفاية الأخيار (ج ٢ ص ٣٠) : ويجوز للمسلم والذمى الوصية لعمارة المسجد الأقصى وغيره من المساجد.
وفى كتب الأحناف أن وصايا غير المسلم ووقفه على إعمار وإنارة بيت المقدس جائزة، وكذلك بناؤه مسجدا لقوم معينين من المسلمين ولو جعل داره مسجدا للمسلمين وأذن لهم بالصلاة فيها جازت الصلاة فيها.
وجاء فى المغنى لابن قدامة صحة وصية الذمى للمسلم، وفى فقه المالكية خلاف فى قبول وقف غير المسلم على المساجد وأمثالها، وصحح العدوى جواز ذلك على القرب " انظر فتاوى الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق على جاد الحق -نشر مجلة الأزهر- فى رجب ١٤١٢"
стр. 4019
ختم الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الأفضل ختم الصلاة سرا أو جهرا؟
الجواب
وردت نصوص فى فضل الإسرار بالذكر والدعاء عامة، منها قوله تعالى ﴿واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال﴾ الأعراف:٢٠٥، وقوله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ الأعراف:٥٥، وروى مسلم عن أبى موسى قال: كنا مع النبى @ فى سفر-وفى رواية فى غزاة -فجعل الناس يجهرون بالتكبير-وفى رواية:
فجعل رجل كلما عَلاَ ثَنِيه قال: لا إله إلا الله - فقال رسول الله ﷺ " أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم " وقال الرسول ﷺ " خير الذكر الخفى "وقال " السر بالقرآن كالسر بالصدقة ".
كما وردت نصوص فى فضل الجهر بالذكر عامة، منها الحديث القدسى الذى رواه البخارى " أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا ذكرنى، فان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه " والذكر فى الملأ لا يكون غالبا إلا عن جهر، كما صح فى مسلم وغيره أن الملائكة تحف مجالس الذكر، وبخاصة فى بيوت الله، وأن الله يغفر لمن يجالسون الذاكرين لله. وأخرج البيهقى أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل:
لو أن هذا خفض من صوته. فقال رسول الله ﷺ " دعه فإنه أوَّاه " وأخرج الحاكم عن عمر رضى الله عنه مرفوعا إلى النبى ﷺ " من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتا فى الجنة ".
وقد جمع النووى بين نصوص الجهر ونصوص الإسرار فقال -: إن الإخفاء أفضل حيثما خاف الرياء أو تأذى به مصلون أو نيام، والجهر أفضل فى غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارى، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد النشاط.
وقال بعضهم: يجب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها، لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر. والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار انتهى.
وذلك كله فى غير التَّعْليم وفيما إذا كان الدعاء جماعيا كما فى صلاة الاستسقاء والقنوت مثلا، فالجهر أفضل.
وما سبق هو فى الذكر والدعاء عامة، أما بخصوص ما بعد الصلاة فقد وردت نصوص فى الجهر منها قول ابن عباس رضى الله عنهما، كما رواه البخارى ومسلم: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير. وفى رواية لمسلم: كنا ... وفى رواية لهما عنه أيضا أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا إذا سمعته.
ومعنى هذا أن الناس الذين كانوا يصلون خلف النبى ﷺ ، وبخاصة من يكونون فى الصفوف الخلفية لا يسمعون عبارة " السلام عليكم " التى ينتهى بها الرسول من الصلاة فيظلون منتظرين حتى يفرغ الرسول منها ويشرع فى ختام الصلاة بالتكبير والتسبيح والتحميد وما إلى ذلك، أى أن صوته كان مرتفعا فسمعوه.
وورد فى الإسرار بختام الصلاة ما رواه أحمد عن أبى سعيد الخدرى قال:
اعتكف رسول الله ﷺ ، فسمعهم يجهرون بالقراءة وهم فى قبة لهم، فكشف الستور وقال " ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة " أو قال " فى الصلاة ".
وبناء على هذه النصوص اختلف الفقهاء، فى حكم الجهر بالذكر عقب الصلوات، فمنهم من قال: لا بأس به، بناء على ما رواه ابن عباس، ومنهم من قال بكراهته، بناء على ما رواه أبو سعيد الخدرى.
قال الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم "ج هـ ص ٨٤ " تعقيبا على حديث ابن عباس: هذا دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهرى.
ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير. وحمل الشافعى رضى الله عنه هنا الحديث - حديث ابن عباس - على أنه جهروا وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائما. قال فأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيا ذلك، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلَّم منه فيجهر، حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، وحمل الحديث على هذا.
والذى أختاره، بعد عرض هذا الكلام المبنى على النصوص العامة والخاصة بالذكر بعد الصلاة، هو الإسرار بالذكر، لأنه أعون على الإخلاص، وفيه عدم تشويش على المصلين الآخرين، وذلك فى الأوساط الإسلامية العارفة بختام الصلاة، أما فى المجتمعات الإسلامية الحديثة العهد بالإسلام فإن الجهر يكون أفضل للتعليم، وذلك بصفة مؤقتة ثم يكون الإسرار بعد ذلك هو الأفضل.
وليس المراد بالسر أن يكون همسا لا يسمع الإنسان نفسه، ولكن المراد ألا يشوش به على غيره.
يقول المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية الأسبق: وختم الصلوات بالذكر والأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ مندوب مرغب فيه شرعا ما دام الذكر والدعاء منها وسطا لا إلى إفراط بحيث يجهد نفسه ويزعج غيره، ولا إلى تفريط بحيث لا يسمع نفسه بل يكون كما قال الله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ الإسراء:
١١٠، انتهى.
وأما قوله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ الأعراف:٥٥، فهو فى الدعاء وليس فى مطلق الذكر فإن الدعاء بالذات يفضَّل فيه الإسرار، لأنه أقرب إلى الإجابة، قال تعالى ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ مريم: ٣، إلا بنا كان فى جماعة ليعلمهم أو ليكون الدعاء مطلوبا من الجميع فالجهر أفضل، كما فى صلاة الاستسقاء والقنوت، والاعتداء فى الدعاء فسر بأنه تجاوز المأمور به، أو اختراع دعوة لا أصل لها فى الشرع
стр. 4020
الصلاة بالنعال
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يتعمد بعض الشبان دخول المساجد بالأخذية والصلاة بالنعال، ويقولون إن ذلك سنة عن النبى ﷺ "، فهل هذا صحيح؟
الجواب
سئل أنس رضى الله عنه، هل كان النبى @ يصلى فى نعليه؟ .
قال: نعم. رواه البخارى. قال ابن حجر فى فتح البارى: قال ابن بطال:
إنه محمول على ما إذا لم يكن فيها نجاسة، وهى من الرخص لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل فى المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة - يقصد ما جاء فى قوله تعالى ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ - إلا أن ملامسة الأرض التى تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية لأنها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح وقال:
إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه ويترك هذا النظر.
قال ابن حجر بعد إيراده كلام ابن بطال: قد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس: " خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم " فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة وورد فى كون الصلاة فى النعال من الزينة المأمور بأخذها فى الآية حديث ضعيف جدا، أو رده ابن عدى فى الكامل وابن مردويه فى تفسيره من حديث أبى هريرة، والعقيلى من حديث أنس " فتح البارى ج ٢ ص ٤١".
نرى من هذا أن الصلاة فى النعال لا تجوز إذا كانت متنجسة، أما إذا كانت طاهرة فلا مانع من الصلاة فيها، وأرجح جانب الرخصة وليس الاستحباب من جهة التقرب بالعبادة فلم يصح فيه دليل، وأنصح إذا كان المسجد مفروشا بفراش نظيف أن نصونه عن التلوث حتى لو كان بالشىء الظاهر، ومراعاة الذوق والعرف الذى فيه خير مما يؤيده الدين، هذا والصلاة فى النعال غير الصلاة فى الخف الممسوح عليه، فذلك مشروع بشروطه ومنها الطهارة، والله أعلم
стр. 4021
المرأة وصلاة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تذهب بعض النساء لصلاة الجمعة فى المسجد، فهل صلاتها واجبة عليها بحيث لو لم تصلها تعاقب عليها؟
الجواب
صلاة الجمعة غير واجبة على المرأة، وذلك للحديث الذى رواه أبو داود والحاكم، وصححه غير واحد " الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض " ولحديث أم عطية الذى أخرجه ابن خزيمة: نهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا.
لكن مع ذلك لو صلت الجمعة صحت وأغنتها عن صلاة الظهر باتفاق الفقهاء، وهل يستحب لها صلاتها؟ قال الأحناف: الأفضل لها أن تصلى فى بيتها ظهرا، لمنعها عن الجمعة، سواه أكانت عجوزا أم غيرها، وقال المالكية: إن كانت عجوزا لا أرب للرجال فيها جاز حضورها الجمعة، وإن كان فيها أرب كره حضورها، أما الشابة فإن خيف من حضورها الفتنة حرم عليها الحضور، وإلا كره.
وقال الحنابلة: يباح لها الحضور لصلاة الجمعة إن كانت غير حسناء، فإن كانت حسناء كره.
وقال الشافعية: يكره للمرأة حضور الجماعة إن كانت مشتهاة ولو فى ثياب بالية، وكذا غير المشتهاة إن تزينت أو تطيبت. وكل ذلك إذا أذن لها وليها بالحضور، وإلا حرم عليها حضور الجماعة كمها يحرم حضورها إذا خيفت الفتنة " نيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ٢٤١ والفقة على المذاهب الأربعة " انظر كتابنا "س، ج للمرأة المسلمة " ص ٧٠
стр. 4022
إمامة المرأة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تكون إماما فى الصلاة؟
الجواب
معلوم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد، والنصوص فى ذلك كثيرة، وإذا كان الإسلام يفضل أن تصلى المرأة فى بيتها بدل أن تصلى فى المسجد من أجل ثواب الجماعة فإنه يمكنها أن تقيم صلاة الجماعة فى بيتها، أو فى المدرسة التى تتعلم أو تعلم فيها، أو العمل الذى تمارسه مع الزميلات.
فإذا كان فى البيت زوجها أو ولدها أو أبوها أو أخوها مثلا كان هو الإمام والمرأة مأمومة، وكذلك فى المدرسة أو العمل يجوز أن يصلى بالنساء أحد المدرسين أو أحد الزملاء، سواء أكانت الصلاة فى مسجد أو مكان مُعَدّ لذلك. فإذا لم يوجد رجل أمكن للمرأة أن تكون إماما لبناتها أو نساء أخريات فى المنزل أو للزميلات فى المدرسة والعمل. وذلك على رأى جمهور الأئمة.
والإمام مالك هو الذى يمنع أن تكون المرأة إماما مطلقا، لا للرجال ولا للنساء، فلا يجوز أن يقتدى بها الرجل حتى لو كان ابنها أو أباها أو أخاها، فإمامتها على رأى الجمهور جائزة للنساء فقط.
روى أبو داود والحاكم وابن خزيمة وصححه أن النبى ﷺ جعل لأم ورقة مؤذنا، وأباح لها أن تؤم أهل بيتها، أى النساء فقط، وذلك لحديث رواه ابن ماجه عن جابر أنه سمع النبى صلى الله عليه سلم يقول على المنبر " لا تؤمَّن امرأة رجلا، لا فاجرا ولا مؤمنا ".
وكانت السيدة عائشة رضى اللَّه عنها تؤم النساء وتقف معهن فى الصف، وكذلك كانت أم سلمة رضى اللَّه عنها تفعله. ويرى بعض الأئمة أن المرأة إذا كانت إماما للنساء تقف معهن فى الصف ولا تتقدم عليهن. لكن لو تقدمت فصلاتها وصلاة المأمومات صحيحة، لعدم ورود النهى عن ذلك (انظر س، ج للمرأة المسلمة)
стр. 4023
تحريك الأصبع فى التشهد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يختلف المصلون فى تحريك إصبعهم عند التشهد فما هو الصحيح فى هذا الأمر؟
الجواب
جاء فى صحيح مسلم أن النبى ﷺ وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة.
وجاء فى مسند أحمد وسنن النسائى وأبى داود من حديث وائل بن حجر: ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها: وفى رواية لهم ولابن حبان فى صحيحه من طريق ابن الزبير: كان يشير بالسبابة ولا يحركها.
الإشارة بالسبابة حديثها أصح من حديثى التحريك وعدم التحريك ومن هنا قال الفقهاء: تكون الإشارة بالسبابة، اما عند النطق بلفظ "لا" إشارة إلى النفى ثم يخفضها وعليه أبو حنيفة رضى الله عنه، وأما عند لفظ الجلالة " اللَّه " إشارة إلى الوحدانية ثم يستمر رفعها دون تحريك إلى الانتهاء من الصلاة وعليه الشافعى رضى الله عنه. ولا يرى الإمامان تحريك الإصبع غير هذه الحركة، وأما قول وائل: فرأيته يحركها، قال البيهقى: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير " ولا يحركها ". لكن الإمام مالك اخذ بحديث وائل واستحب أن تحرك الإصبع من أول التشهد، وروى فى ذلك حديث ابن عمر عن النبى ﷺ (تحريك الإصبع فى الصلاة مذعرة للشيطان) لكن نقاد الحديث قالوا: إن هذا الحديث ضعيف، فقد تفرد به الواقدى، والأرجح أن التحريك الوارد يحمل على الإشارة حتى لا يتعارض مع ما ورد ناهيا عن التحريك وأقول: إن تحريك الإصبع أو عدمه هيئة من الهيئات ليست من الأركان ولا من الواجبات، فأية كيفية تؤدى بها هذه الهيئة كافية، والمهم أن نكون مخلصين خاشعين فى صلاتنا محافظين على الأركان الأساسية، فعلى ذلك يدور القبول
стр. 4024
كلام لا يبطل الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن يقول المأموم " استعنت بالله " عندما يقرأ الإمام ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فهل هذا جائز؟ ويحدث أن يقرأ الإمام سورة التين وفى آخرها ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ فيقول بعض المأمومين " بلى " فهل هذا يبطل الصلاة؟
الجواب
روى الترمذى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال " من قرأ سورة " التين والزيتون " فقرأ " أليس اللَّه بأحكم الحاكمين " فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. وكان على وابن عباس يفعلان ذلك.
هذا فى خارج الصلاة أما فيها فقد اتفق الفقهاء على أن ذكر الله فى الصلاة لا تبطل به إذا قصد الذكر، لأن الصلاة كلها محل لذكر الله، ومَثلَ الأحناف لذلك بالصلاة على النبى ﷺ عند ذكره، وقول " ﷻ " عند ذكر اسم اللَّه، وقول " صدق اللَّه العظيم " عند فراغ القارى من القراءة. ومثله ما لو أخبر بخبر سيئ وهو فى الصلاة فقال "لا حول ولا قوة إلا بالله " ما دام يقصد مجرد الذكر والدعاء، وكذلك قال بقية الفقهاء، وجاء فى أمثلة الشافعية قول المأموم: استعنا باللَّه، عند قراءة الإمام ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ ما دام يقصد الدعاء.
وعليه فإن قول المأموم " بلى " عند قول الإمام " أليس اللَّه بأحكم الحاكمين " لا يبطل الصلاة وكلمة " بلى " تفيد الإثبات بعد النفى، وهى هنا إثبات أن اللَّه أحكم الحاكمين.
وجاء فى فقه المذاهب الأربعة " طبع وزارة الأوقاف المصرية " ما خلاصته: قال الحنفية: إذا تكلم المصلى بتسبيح أو تهليل أو أثنى على اللَّه تعالى عند ذكره، كأن قال: ﷻ ، أو صلى على النبى ﷺ عند ذكره، أو قال صدق اللَّه العظيم عند فراغ القارى من القراءة أو قال مثل قول المؤذن ونحو ذلك، فإن قصد به الجواب على أمر من الأمور بطلت صلاته، أما إذا قصد مجرد الثناء والذكر أو التلاوة فإن صلاته لا تبطل.
وقال المالكية: إن الصلاة لا تبطل بالتسبيح أو التهليل أو قول لا حول ولا قوة إلا باللَّه، حتى لو كان ذلك إجابة لأحد، لأن الصلاة كلها محل لها.
وقال الحنابلة: لا تبطل الصلاة بالتسبيح أو التهليل أو الذكر لغرض من الأغراض، كما إذا رأى ما يعجبه فقال: سبحان اللَّه، أو أصابته مصيبة فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، أو أصابه ألم فقال: بسم اللَّه، ونحو ذلك، فإن صلاته لا تبطل به، وإنما يكره لا غير.
وقال الشافعية: إذا قال: صدق اللَّه العظيم عند سماع آية، أو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله عند سماع خبر سوء فإن صلاته لا تبطل به مطلقا، إذ ليس فيه.سوى الثناء على اللَّه تعالى، وإذا سمع المأموم إمامه يقول " إياك نعبد وإياك نستعين " فقال المأموم مثله محاكاة له، أو قال: استعنا باللَّه، أو نستعين باللَّه، بطلت صلاته إن لم يقصد تلاوة ولا دعاء، وإلا بأن قصد التلاوة أو الدعاء فلا تبطل، والإتيان بها بدعة منهى عنها.
من هذا نرى أن قول المأموم: استعنا بالله ما دام يقصد به ذكر الله أو الدعاء فإن صلاته لا تبطل باتفاق الأئمة، أما إذا لم يقصد الذكر ولا الدعاء فصلاته باطلة عند بعضهم، ويقاس على هذا ما يقوله المأمومون حين قيام الإمام بالقنوت، مثل آمين، أشهد، حقا، يا اللَّه وقول المأمومين عقب إنتهاء الإمام من قراءة الفاتحة: اللهم اغفر لى، ليكون تأمينه بعده موافقا لتأمين الإمام، وثواب ذلك عظيم.
وجاء فى كتاب " الأذكار " للنووى أنه يسن لكل من قرأ فى الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل اللَّه تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ به من النار ومن العذاب أو من الشر أو من المكروه، أو يقول: اللهم إنى أسألك العافية أو نحو ذلك.
وإذا مر بآية تنزيه لله نزَّه فقال: ، أو تبارك اللَّه رب العالمين أو جلت عظمة ربنا أو نحو ذلك.
ثم ساق الدليل على ذلك بحديث مسلم عن حذيفة بن اليمان وهو يصلى خلف النبى بالليل وقرأ فى الركعة الأولى سورة البقرة ثم آل عمران ثم النساء، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. قال أصحابنا - الشافعية - يستحب هذا التسبيح والسؤال والاستعاذة للقارى فى الصلاة وغيرها، وللإمام والمأموم والمنفرد لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين [فى تعليقات ابن علان عند ذكر الصلاة قال: سواء كانت فرضا أو نفلا، خلافا للمالكية والحنفية] ثم قال النووى: ويستحب لمن قرأ ﴿أليس اللَّه بأحكم الحاكمين﴾ أن يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وإذا قرا ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ - قال: بلى اشهد. وإذا قرأ ﴿فبأى حديث بعده يؤمنون﴾ قال:
أمنت بالله، وإذا قال ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: سبحان ربى الأعلى. ويقول هذا كله فى الصلاة وغيرها، وقد بينت أدلته فى كتاب " البيان فى آداب حملة القرآن ". ثم يعلق ابن علان بقوله:
الأدلة مروية عن أبى داود والترمذى وهى تشهد لما قاله المصنف مما يقال عند آخر كل من سورتى التين والقيامة واللَّه أعلم، ومثله قوله تعالى ﴿أليس اللَّه بكاف عبده﴾
стр. 4025
الجهر والسر فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى قوله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ وما هى الصلاة السرية والصلاة الجهرية، وما هي الحكمة في ذلك؟
الجواب
قال تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ الإسراء: ١١٠، قال بعض المفسرين: إن المراد بالصلاة هنا الدعاء، بدليل الفقرة السابقة عليها ﴿قل ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ والمراد أن يكون الدعاء وسطا بين الجهر الذي يوقظ النائم ويزعجه أو يجر إلى الرياء، وبين الإسرار الذي لا يسمعه الداعي، ويكون أشبه بالهمس غير المفهوم. وهذا ما رواه مسلم. وأخرج البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت ورسول الله ﷺ متوار بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه ورفع صوته بالقرآن فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال اللَّه تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ فيسمع المشركون قراءتك ﴿ولا تخافت بها﴾ عن أصحابك. أي أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر وابتغ بين ذلك سبيلاً هو بين الجهر والمخافتة.
وهذان السببان أصح ما ورد في نزول الآية. وورى أحمد وأبو داود أن رسول اللَّه ﷺ مر ليلة بأبي بكر وهو يصلي يخفض صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعًا صوته. فلما اجتمعا عند رسول اللَّه ﷺ قال "يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك "فقال: يا رسول اللَّه قد أسمعت من ناجيت. وقال لعمر"مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك " فقال يا رسول اللَّه أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. فقال ﷺ "يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا" وقال لعمر"اخفض من صوتك شيئًا" ولعل هذه المحادثة كانت بعد نزول الآية، فأراد النبي ﷺ أن يرشدهما إلى تطبيقها.
أما الصلاة المفروضة التي يجهر فيها فهي الصبح والجمعة والركعتان الأوليان من المغرب والعشاء، والتي يسر فيها ما عدا ذلك، وهي الظهر والعصر والركعة الثالثة من المغرب والركعتان والأخيرتان من العشاء.
والجهر يكون في قراءة الفاتحة وفي السورة أو الآية التي تليها، أما الأذكار والأدعية فيها فهي سرية إلا في قنوت الصبح، والذي يجهر هو المنفرد وكذا الإمام، أما المأموم فهو يسرُّ أبدًا في قراءته.
والحكمة في السر في الصلاة ما كان عليه الحال في مكة من إيذاء المشركين لمن كانوا يصلون ويجهرون بالقراءة فيها، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، فبقيت في السفر على ذلك وزيدت في الحضر.
والكفار كانوا مشغولين عن المصلين قبل طلوع الشمس لأنهم نائمون، فبقي الجهر في صلاة الصبح كما كان. وكذلك كانوا مشغولين بعد غروب الشمس بالنوم أو السهر الخاص، فبقي الجهر في المغرب والعشاء كما كان.
وصلاة الظهر وصلاة العصر في وضح النهار فشرع السر فيهما خشية إيذاء الكفار أما الجمعة فشرعت صلاتها في المدينة أو بعد الهجرة وكان شرعها بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ الجمعة: ٩، والنداء لها وللصلوات الأخرى بالأذان شرع في المدينة.
على أن كثرة عدد المصلين للجمعة فيها قوة ترهب عدوهم أن ينالهم بسوء كما كان الحال في مكة وإذا كان الأمن قد استتب في المدينة ولم يعد هناك خوف من المشركين عند الجهر بالقراءة نهارا فإن التشريع بقى كما كان تسجيلاً لفترة من التاريخ، وشكرا لله على النعمة كلما تذكرنا ما كان عليه المسلمون في مكة وما آل إليه الإسلام بعد ذلك من نصر وقوة
стр. 4026
الوتر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء كتب الفقه أن الحنفية قالوا: الوتر واجب، لقوله ﷺ " الوتر حق فمن لم يوتر فليس منى " وأن المذاهب الأخرى قالت: إنه سنه فهل معنى ذلك أن السنة تلغى الفرض، وأن من لم يوتر فليس من أتباع النبي ﷺ ؟
الجواب
إذا قال أبو حنيفة بوجوب الوتر، وقال غيره بأنه سنة فليس معنى هذا أن السنة تلغى الفرض، وإنما المعنى أن الوتر مطلوب في كل المذاهب، إلا أن درجة الطلب عند أبي حنيفة أقوى مما عند غيره من فقهاء، المذاهب، على معنى أن التقصير في أدائه عند أبي حنيفة موجب للمسئولية أمام اللَّه، معتمدا على الحديث المذكور، أما عند غيره فإن الوتر ليس بالدرجة في الطلب بحيث يكون التقصير فيه مفضيا للمسئولية كالفرض، بل هو مطلوب طلبًا مؤكدًا لمحافظة النبي ﷺ عليه، لكنه ليس من الفروض المحتمة، فليس بعد الصلوات الخمس المعروفة صلاة مفروضة كل يوم، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، من أقواها قوله ﷺ لمن سأله عما افترضه اللَّه عليه "خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة " قال: هل علىَّ غيرها؟ قال "لا، إلا أن تطوع " فولى الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال ﷺ "أفلح إن صدق " رواه مسلم.
وقد حمل هؤلاء حديث " فمن لم يوتر فليس منى" على الترغيب الشديد في الإتيان به، وأن من قصر فيه لا يكون من عداد المسلمين الكاملين، فهو مسلم وليس بكافر، وهو من أتباع النبي ﷺ وليس من أتباع غيره، وذلك على نحو ما قالوا في حديث "لا صلاه لجار المسجد إلا في المسجد " على معنى " لا صلاة كاملة لجار المسجد إلا في المسجد" وليس المعنى أن صلاته باطلة إذا صلاها في بيته، فإن الأرض كلها مسجد كما ورد في الأحاديث الصحيحة، ولا شك أن الصلاة في المسجد أكمل، لما فيها من صلاة الجماعة وكثرة الثواب بالخطا إلى المسجد، وبانتظار الصلاة، وبدعاء الملائكة وهذا الحديث رواه الدارقطنى بسند ضعيف.
وحديث "فمن لم يوتر فليس منى " رواه أحمد وأبو داود، وفي إسناده راو ضعفه النسائي وقال البخاري: عنده مناكير ووثقه بعضهم
стр. 4027
تحويل القبلة وموقف اليهود منها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى المراحل التى تم بها تحديد القبلة واستقرت بها على الوضع الأخير؟
الجواب
روى أحمد بن حنبل عن السيدة عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ قال: " إن اليهود لا يحسدوننا على شىء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التى هدانا اللَّه إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التى هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين ".
على عادة اليهود فى الأثرة والأنانية النابعة من العنصرية الجامحة المعروفة فيهم كانوا يحبون أن يكون كل مجد لهم، سواء فى ذلك المجد الدينى والدنيوى، كما جعل اللَّه فيهم الأنبياء وجعلهم ملوكا.
قال تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا واَتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ المائدة:
٢٠، ولما سمعوا بظهور سيدنا محمد ﷺ فى مكة كانوا يستفتحون به على أهل المدينة، لكنهم أبوا الانضمام إليه، لأنه من نسل عمهم إسماعيل دون أبيهم إسحاق.
وقد حدث أن الله سبحانه أمر نبيه ﷺ باستقبال بيت المقدس فى الصلاة، وظل على ذلك نحو سنة ونصف السنة بالمدينة، ثم صرفه اللَّه عن هذه القبلة إلى استقبال الكعبة، فقال اليهود: اشتاق محمد إلى بلد أبيه بمكة، وهو يريد أن يرضى قومه قريشا ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبى الذى يأتى آخر الزمان.
وهذا القول منهم يدل على أنهم انتهازيون لا يجرون إلا وراء المصلحة، دون اعتبار للعقائد والقيم، فهم كفروا بالرسول لمجرد أنه حول وجهه - بأمر ربه -إلى البيت الحرام، ناسين أن الأرض كلها لله، وأن الجهات جميعها واحدة بالنسبة لوجود اللَّه واطلاعه على عباده والتوجه إليه بالطاعة، قال تعالى ﴿وللَّه المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه اللَّه﴾ البقرة: ١١٥، وقال فى حقهم ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها، قل للَّه المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ البقرة: ١٤٢.
وندد الله بهم فى كفرهم بمحمد ﷺ على الرغم من الأخبار المبشرة به فقال: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ البقرة: ١٤٤، وقد أيأسه اللَّه من إيمانهم به ما دامت قبلته للصلاة غير قبلتهم فقال ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ البقرة: ١٤٥، ومن هنا انقطع أملهم فى ضم محمد ﷺ إليهم، فجاهروه بالعداوة، وكانت له معهم التحامات وقصص مذكورة فى كتب التاريخ.
إن بيت المقدس لم يتخذه بنو إسرائيل قبلة تبعا لوحى من اللَّه، بل باختيار منهم على ما يذكره المحققون، والحديث المذكور يدل على أن الصخرة التى يستقبلونها لم يؤمروا بها من اللَّه بعينها، فإن القبلة الحقيقية هى أول بيت وضع للناس فى مكة، روى أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: لم تجد اليهود فى التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله على بنى إسرائيل رفعه، وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم.
وفى البغوى عند تفسير قوله تعالى ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ يونس: ٨٧، روى ابن جريج عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه وبه قطع الزمخشرى والبيضاوى، قال النسفى فى تفسير هذه الآية: اجعلوا بيوتكم مساجد متوجهة إلى القبلة وهى الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة.
وكما ضلوا عن القبلة ضلوا عن الجمعة، لأن الله فرض عليهم يوما من الأسبوع وكَلَه إلى اختيارهم، فاختلفوا ولم يهتدوا إلى الجمعة، قال الطبرى عن مجاهد فى قوله تعالى ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ النحل:
١٢٤، قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه، وروى ابن أبى حاتم عن السدى التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فقال: إن اللَّه فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا، فجعله عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم فى قوله ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ البقرة: ٥٨، فغيروا وبدلوا.
واستطرادًا للحديث فى شأن القبلة وتحويلها أتناول الموضوع فى عدة نقاط، تنويرًا للأذهان وعونا على الوصول إلى الحقيقة فى فهم حكمة التشريع:
١ -كل أمة من الأمم لها مكان مقدس تتعبد فيه بكل أنواع العبادة من صلاة وحج وذبح وغير ذلك، قال تعالى ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه﴾ الحج: ٦٧، وقال تعالى ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللَّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ الحج: ٣٤، وسواء أكان هذا الجعَلْ تَشريعا من الله أراده ورضيه لعباده، أم جعْلَ تكوين لا يشترط أن يكون مرضيا عنه، كما فى قوله تعالى ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم﴾ الأنعام: ١٠٨، فإن لكل جماعة من الناس مكانا مقدسا يتقربون فيه إلى إلههم، ومن التقرب التوجه إليه عند الدعاء والصلاة.
والوثنيون كانوا يتوجهون إلى أصنامهم فى الأرض، أو إلى الكواكب فى السماء، كما توجه المصريون إلى الشمس فى بعض عهودهم فى الدعاء والمناجاة، وكما توجه البابليون إلى النجوم على ما حكاه القرآن الكريم فى محاجة إبراهيم لهم فى سورة الأنعام، حيث رأى كوكبا ثم رأى القمر ثم رأى الشمس وافترض أنها هى الإله الذى يعبدونه فلما غابت ألزمهم الحجة بأن الإله لا يجوز أن يغيب، ثم بنوا بيوتا رمزية - لآلهتهم يعبدونها فيها عند اختفائها وقت غروبها، فكانت البيوت قبلتهم ومنسكهم الذى يرتضون.
٢ -أول بيت وضع للعبادة هو بيت اللَّه الحرام فى مكة " الكعبة " قال تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس. للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ آل عمران:
٩٦، وكما تقول الروايات إنه موضوع من أيام آدم ﵇، وكانت الأنبياء تحج إليه، وكان دور إبراهيم ﵇ إبراز معالمه التى عفى عليها الزمن أو جرفتها السيول على ما يفهم من التعبير بالرفع فى قوله تعالى ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ البقرة: ١٢٧، وقوله تعالى ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ الحج: ٢٦، أى البيت المعهود سابقا فى التاريخ، أو الذى سيبنى بعد، ذلك جائز محتمل.
والحديث الصحيح ورد فى أن أول بيت وضع فى الأرض هو الكعبة ثم المسجد الأقصى، وبينهما أربعون سنة، فإن كان الوضع يعنى الاختيار للعبادة - وهو الظاهر-كان ذلك الاختيار من اللَّه موجودا قبل إبراهيم بالنسبة للكعبة وقبل سليمان وداود بالنسبة للمسجد الأقصى.
وإن كان الوضع يعنى الإقامة والبناء فإن المسافة بين بناء إبراهيم للكعبة وبين بناء المسجد الأقصى وهى أربعون سنة لا تكون إلا إذا قيل: إن الأنبياء بعد إبراهيم شرعوا فى بناء المسجد الأقصى على عهد يعقوب بن إسحاق كما قال بعض الباحثين، ولم يتم إلا فى عهد سليمان الذى كان أبوه داود معتزما بناءه، لكن الله لم يوفقه لذلك، وادخره لابنه سليمان كما تحكى التوراة.
وقد تقدم فى ذلك ما نقله البغوى عن ابن جريج عن ابن عباس وما قرره المفسرون من أن الكعبة كانت قبلة موسى ومن معه، وقال أبو داود فى الناسخ والمنسوخ فى قوله تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة﴾ قال: أعلم قبلته فلم يبعث نبى إلا وقبلته البيت وهذا القول قواه الحافظ العلائى فقال فى تذكرته: الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم كما دلت عليه الآثار.
قال بعضهم وهو الأصح، ويؤكد هذا الرأى حديث حسد اليهود لنا إذ هدانا اللَّه إلى القبلة وضلوا عنها، فقد كانت الكعبة قبلتهم لكنهم لم يهتدوا إليها..
غير أن ابن العربى وتلميذه السهيلى اختارا أن قبلة الأنبياء هى بيت المقدس، وصححه بعضهم وقال إنه المعروف، لكن هذا يمكن أن يحمل على أن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء بعد بناء الهيكل فى عهد سليمان، ارتضوها بعد أن ضلوا عن الكعبة، وأمر نبيه محمدا ﷺ أول الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس وهو ما يزال فى مكة على ما سيأتى بيانه، وقد تقدم أنهم كانوا يستقبلون الصخرة التى كان عليها تابوت السكينة حتى بنى المسجد الأقصى.
ونظرا إلى أن المسيحية مكملة لليهودية جاءت مصلحة لليهود وداعية للعودة إلى أصولها الحقيقية كانت قبلتها هى قبلة اليهود فى المسجد الأقصى.
٣-فرضت الصلاة فى الإسلام أولا بمكة، واستقرت خمس صلوات ليلة الإسراء قبل الهجرة بحوالى سنتين أو أكثر، فإلى أية قبلة كان يتجه المصلون بمكة؟ قيل: لم تكن هناك قبلة معينة، فالجهات كلها قبلة على ما فهمه البعض من قوله تعالى ﴿وللَّه المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه اللَّه﴾ البقرة:١١٥، وإن كان هناك ميل إلى التوجه إلى الكعبة لأنها البيت المقدس عند العرب، وهو أثر سيدنا إبراهيم الذى قال اللَّه له فى إحدى السور المكية ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ النحل: ١٢٣، على ما يفيده عموم اللفظ، وكما حكت السيرة أن النبى ﷺ اختار التحنث فى غار حراء، لأنه يشرف على الكعبة.
وقيل: إن قبلة المسلمين فى مكة كانت الكعبة أولا، لقوله تعالى ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ البقرة: ١٤٣، أى حولناك فى المدينة من بيت المقدس إلى الكعبة وهى القبلة التى كنت عليها من قبل، فهذا نص على أن القبلة فى مكة كانت الكعبة، لكن ذلك كان لفترة، ويدل عليه ما أخرجه الطبرى عن ابن جريج: صلى النبى ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة.
وقيل: إن القبلة فى مكة كانت بيت المقدس أولا، لحديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما الذى رواه أحمد: كان النبى ﷺ يصلى بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، لكن هل يدل هذا على أن بيت المقدس كان هو القبلة الأولى فى مكة وكان النبى يحب أن يستقبل معه الكعبة، فيجعلها بينه وبين بيت المقدس ليجمع بين القبلتين، أو أن بيت المقدس كان قبلة لاحقة بعد أن كانت هى الكعبة؟ ذلك كله جائز.
ولعل من التوفيق القريب بين الأحاديث التى يتضارب ظاهرها أن يقال: إن النبى ﷺ صلى بمكة أولا إلى الكعبة، ثم صرف عنها إلى بيت المقدس ثلاث حجج، فكان يحب أن يجمع بينهما على النحو المذكور، ولما هاجر أمره الله بالاستمرار فى استقبال بين المقدس، وكان يشتاق لاستقبال الكعبة نحو سنة ونصف السنة فوجه بعد ذلك إليها.
٤ -هل كانت قبلته فى مكة [الكعبة أو بيت المقدس] بوحى من اللَّه أو باجتهاد منه؟ أما استقبال الكعبة فقيل إنه بوحى، على ما يفهم من قوله تعالى ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ فالتى كان عليها هى الكعبة، لكن هل كان هذا بأمر من اللَّه أم باجتهاد من الرسول أقره عليه؟ لم يرد فى ذلك نص واضح صريح، وقيل إنه باجتهاد على ما سبق بيانه من اقتفائه أثر أبيه إبراهيم، وتقديسه للبيت الذى يقدسه كل العرب ولتحرى النظر إليه فى خلوته بغار حراء.
وأما استقبال بيت المقدس فى مكة، فقيل بوحى، على ما تفيده رواية الطبرى عن ابن جريح أن النبى ﷺ صلى أولا بمكة إلى القبلة، ثم صرفه الله إلى بيت المقدس. وقيل باجتهاد كما قال القاضى عياض: الذى ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، وحكى الوجهين الماوردى فى " الحاوى ".
٥ -والصلاة التى صلاها الرسول عند مقدمه إلى المدينة متوجها إلى بيت المقدس، هل كانت بوحى أم باجتهاد؟ .
ذلك راجع إلى الكلام فى استقبال بيت المقدس بمكة، فهو مستصحب للقبلة فى مهجره.
١ -الراجح أنه كان بوحى لما رواه ابن جرير الطبرى عن ابن عباس، قال:
لما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة واليهود أكثرهم يستقبلون بيت المقدس أمره اللَّه تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود لظنهم أنه استقبله اقتداء بهم، مع أنه كان لأمر ربه، فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، وروى الطبرى أيضا عن ابن عباس قال: إنما أحب النبى أن يتحول إلى الكعبة، فكان يدعو ربه (كما نصحه بذلك جبريل عندما قال له: وددت أن اللَّه صرف وجهى عن قبلة يهود، فقال له جبريل:
إنما أنا عبد، فادع ربك وسله) وكان ينظر إلى السماء فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ البقرة: ١٤٤، وهذا ما عليه الجمهور كما قال القرطبى، ولحديث البراء بن عازب عند البخارى فى كتاب الإيمان: أن النبى ﷺ صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، فاستقباله لبيت المقدس مع شوقه لقبلة إبراهيم دليل على أنه بأمر من اللَّه.
ب - وقيل إن استقباله لبيت المقدس بالمدينة كان باجتهاد منه، كما قال الحسن البصرى، وكما قال الطبرى: كان محمد مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختاره طمعا فى إيمان اليهود، لكن يرده سؤاله لجبريل، إذ لو كان مخيرا لاختار الكعبة دون حاجة إلى سؤال جبريل أن يصرف إليها.
٦ -كم من الزمن صلى النبى ﷺ بالمدينة إلى بيت المقدس؟ جاءت الروايات مختلفة فى ذلك، وهى كلها ليست من كلام الرسول، بل من كلام الصحابة، فقيل ستة عشر شهرا، وقيل سبعة عشر، وقد جاء ذلك فى روايتين للبخارى ومسلم عن البراء بن عازب على ما سيأتى، وقيل تسعة عشر شهرا، وقيل بضعة عشر بدون تحديد لمقدار البضع، والاختلاف راجع إلى الخلاف فى تعيين الشهر الذى حولت فيه القبلة، مقيسا بشهر الهجرة إلى المدينة، وبحساب جمله من أيام الشهر شهرا، أو بغير ذلك من الاعتبارات.
٧-فى أى شهر وفى أى يوم حولت القبلة؟ هنا لك أقوال:
أ-قيل إنها حولت فى منتصف شهر رجب من السنة الثانية، وكان ذلك يوم الاثنين، وقد رواه أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح، قال الواقدى: وهذا أثبت، قال الحافظ: وهو الصحيح، وبه جزم الجمهور، وقاله ابن إسحاق.
ب - وقيل إن التحويل كان فى شهر جمادى الآخرة، كما رواه الزهرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال أبو جعفر النحاس فى كتابه " الناسخ والمنسوخ ": وهو أولاها بالصواب، لأن الذى قال به أجل، ولأن رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة فى شهر ربيع الأول، فإذا صرف اَخر جمادى الآخرة إلى الكعبة صار ذلك ستة عشر شهرا كما قال ابن عباس وأيضا إذا صلى إلى الكعبة فى جمادى الآخرة فقد صلى إليها فيما بعدها.
ج -وقيل فى نصف شعبان وفى يوم الثلاثاء منه، قاله محمد بن حبيب، وجزم به فى الروضة، وقاله الواقدى.
٨ -ما هى الصلاة التى صلاها النبى ﷺ بقبلتين وما هى أول صلاة كاملة للقبلة الجديدة؟ .
كان النبى ﷺ يزور أم بشر بن معرور بعد موته، فلما حان وقت صلاة الظهر صلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر بتحويل القبلة، فتحول فى ركوع الركعة الثالثة، وسمى هذا المسجد مسجد القبلتين، لأن التحويل نزل فيه أولا، وكان فى بنى سلمة -بكسر اللام فى شرح الزرقانى على المواهب، وضبطت فى تفسير القرطبى بفتحها - وهى أول صلاة صلاها، وهو الأثبت كما قال الواقدى، وكانت هذه الصلاة هى الظهر على ما رواه النسائى من رواية أبى سعيد بن المعلى، وكذا عند الطبرانى والبزار من حديث أنس فهذا الحديث يدل على أن مكان التحويل هو مسجد بنى سلمة " مسجد القبلتين " وأن الصلاة هى الظهر قال ابن سعد: صلى النبى ﷺ ركعتين من الظهر فى مسجده النبوى بالمسلمين.
وقال بعضهم إن الصلاة هى العصر، مستدلين برواية البراء بن عازب فى البخاري فى كتاب الإيمان: أن النبى ﷺ صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر- أى متوجها إلى الكعبة، لكن هذا لا يدل على أنها صليت بقبلتين، والأقرب أنها بقبلة واحدة هى الكعبة، وكانت أولى صلاة تامة بعد التحويل إلى الكعبة، ويبقى ادعاء أن صلاة الظهر هى التى أديت بقبلتين باقيا دون معارض.
قال ابن حجر فى كتاب الإيمان: التحقيق أن أول صلاة صلاها فى، بنى سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور هى الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوى هى العصر.
٩ - ما هى الصلاة التى صلاها المسلمون الذين لم يكونوا مع الرسول - بقبلتين، وأين كانت؟ إن خبر التحويل وصل كل جماعة فى مواعيد مختلفة، ولعل عددا من الجماعات وقع منهم صلاة لقبلتين، قد تكون هى العصر وقد تكون غيرها، ومن الثابت ما يلى:
١ -صلاة العصر كانت بقبلتين وكانت فى بنى حارثة، دليله حديث البراء بن عازب: صليت مع النبى ﷺ "إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا-وفى رواية له سبعة عشر شهرا-حتى نزلت الآية التى فى البقرة ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ فنزلت بعدما صلى النبى، فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهو يصلون، فحدثهم فولوا وجوههم قبل البيت، رواه البخارى ومسلم.
وقوله: " بعدما صلى " فسره الشراح بأنه دخل فى الصلاة، لا أنه انتهى منها، وقالوا: إنها صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين، وقال بعضهم إنها صلاة العصر، كانت فى مسجد بنى سلمة، والرجل الذى نقل الخبر قيل: اسمه عبَّاد بن بشر بن قيظى " القرطبى-سيقول السفهاء " كما رواه ابن منده وابن أبى خيثمة، وقيل: اسمه عَبَّاد بن نَهيك.
والناس الذين أخبرهم هم بنو حارثة وكانوا يصلون العصر وعلى القول بأن الصلاة التى كان يصليها الرسول وحُوِّل فيها هى العصر يمكن أن ينقل خبرها بسرعة إلى جماعة آخرين هم بنو حارثة ما زالوا فى الصلاة، سواء أكان عباد بن بشر ناقل الخبر صلى مع النبى وهو الغالب -أم لم يصلِّ ورأى حاله فأبلغها إلى غيره.
٢ -صلاة الفجر أو الصبح كانت بقبلتين، وكانت فى " قباء " موطن بنى عمرو بن عوف، وقد نص عليها فى حديث ابن عمر: بينما الناس -بنو عمرو بن عوف -فى صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، رواه البخارى ومسلم.
والشخص الذى أخبرهم قيل: هو رجل من بنى سلمة كما يدل عليه حديث أنس الآتى وهو الأصح، واسمه عباد كما تقدم.
يقول أنس رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ يصلى نحو بيت المقدس فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء. . .﴾ فمر رجل من بنى سلمة وهم ركوع فى الفجر وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة، رواه مسلم غير أن رواية أنس لا تدل على أن هؤلاء كانوا فى قباء.
٣ - صلاة الظهر، فقد ذكر أبو عمرو فى " التمهيد " عن نويلة بنت أسلم - وكانت من المبايعات - قالت: كنا فى صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظى فقال: إن رسول الله ﷺ قد استقبل القبلة، أو قال:
البيت الحرام، فتحول الرجال مكان النساء وتحول النساء مكان الرجال.
هذا، ولم يسم مسجد قباء ولا مسجد بنى حارثة بمسجد القبلتين لأن مسجد بنى سلمة هو الذى نزلت فيه أولا آية التحويل، وصليت فيه صلاة إلى جهتين كان النبى إماما فيها.
١٠-حكمة جعل القبلة إلى الشام فى المدينة فيها آراء:
أ-رأى يقول: إن ذلك تكريم من اللَّه للنبى ﷺ ، ليجمع له بين القبلتين، كما عده السيوطى من خصائصه التى تميز بها على الأنبياء والمرسلين، ونظهر هذه الحكمة إذا كان استقبال الشام بوحى وهو الظاهر.
ب -ورأى يقول: كان التوجه تأليفا لليهود، كما قاله أبو العالية، وقد يكون ذلك مرادا للَّه بالوحى أو مرادا للنبى باجتهاد على الخلاف فى ذلك.
ج -ورأى يقول: إن فيه تنبيها للرسول على أن المسجد الأقصى له منزلته وقداسته، فلابد من الحفاظ على هذه المنزلة والقداسة له.
١١ -حكمة تحويل القبلة فى المدينة من الشام إلى مكة فيها وجهات نظر:
أ- امتحان المؤمنين الصادقين وتمييزهم عن غيرهم، كما قال سبحانه ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى اللَّه﴾ البقرة: ١٤٣، كما قاله ابن عباس.
ب -تنبيه للرسول على عدم طمعه فى إيمان اليهود.
ج - العودة بالدعوة إلى أصلها، وهو عالميتها القائمة على قواعد إبراهيم، درن تمييز بين أبناء إسحاق " اليهود " وأبناء إسماعيل " العرب " ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ آل عمران: ٦٧.
د-الإيحاء بأن مكة لا بد أن تعود إلى الإسلام، ففيها قبلة المسلمين، وأن يجاهد أهلها حتى يخضع البيت للمسلمين، وبشارة بنصر الرسول على قريش واستخلاص البيت منهم، لتطهيره من الأصنام وجعل الدين خالصا لله.
هذا، ومن الحكمة العامة لتحديد قبلة الصلاة تجميع أهل الدين وتوحيد اتجاههم ومشاعرهم وتقوية الرابطة بينهم.
ومن الأحكام التى تتصل بالقبلة:
أ- أن النبى ﷺ نهى عن الانصراف عن التوجه إليها فى الدعاء، فقد روى البخارى ومسلم عن أنس أن النبى قال: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء فى صلاتهم " فاشتد قوله فى ذلك حتى قال "لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم " ورواه مسلم عن أبى هريرة بلفظ "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء فى الصلاة أو لتخطفن أبصارهم ".
ب - عدم بصق المصلى أمامه، فقد ورد عن ابن عمر: بينما رسول اللَّه ﷺ يخطب يوما إذ رأى نخامة فى قبلة المسجد، فتغيظ على الناس ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخت به وقال " إن اللَّه قِبَلَ وجه أحدكم إذا صلى، فلا يبصق بين يديه " رواه البخارى ومسلم.
أما تحديد اتجاه القبلة ووضع علامات تدل عليها، والصلة بين المحاريب وبينها، فسيكون له بحث آخر إن شاء الله
стр. 4028
عورة المرأة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض السيدات يصلين بملابس تكشف عن القدم وعن بعض الذراع، ويدعين أن صلاتهن صحيحة على بعض المذاهب، نرجو بيانا لحقيقة الموضوع؟
الجواب
ستر العورة مطلوب لصحة الصلاة باتفاق العلماء، حتى لو كان الإنسان يصلى وحده لا يراه أحد، فهو حق لله سبحانه، وعورة الرجل هى ما بين السرة والركبة تبطل الصلاة بانكشاف أى جزء منها عند الأئمة الثلاثة، أما عند مالك فتبطل الصلاة إذا انكشفت السوأتان وهما القبل والخصيتان وحلقة الدبر، ولا تبطل إذا انكشف سواهما مما هو بين السرة والركبة، ولا تسن إعادة الصلاة إلا إذا انكشفت العانة أو الإليتان أو ما بينهما حول حلقة الدبر، فيعيد فى الوقت، وإن كان كشف العورة حراما أو مكروها.
وقد جاء فى عورة المرأة قوله ﷺ "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار " رواه احمد وأصحاب السنن، والمراد بالحائض المرأة البالغة حد التكليف، وروى أبو داود عن أم سلمة رضى اللَّه عنها أنها سألت النبى ﷺ أتصلى المرأة فى درع وخمار وليس عليها إزار؟ فقال "إذا كان الدرع سابغا يغطى ظهور قدميها"، الخمار هو غطاء الرأس، والإزار ما يستر الجزء الأسفل من الجسم، والدرع ما يستر أعلاه، وهو للمرأة ما يغطى بدنها ورجليها.
وإليك اَراء الفقهاء فى تحديد عورتها، مع العلم بأنه لا مانع من الأخذ بأحد هذه الآراء:
فعورة المرأة الحرة فى الصلاة عند الحنفية جميع بدنها، ويستثنى من ذلك باطن الكفين فإنه ليس بعورة، بخلاف ظاهرهما، كما يستثنى ظاهر القدمين فإنه ليس بعورة، بخلاف باطنهما فإنه عورة عكس الكفين.
وعورتها عند الشافعية جميع بدنها، ويستثنى من ذلك الوجه والكفان فقط، ظاهرهما وباطنهما.
وعورتها عند الحنابلة جميع بدنها، ويستثنى فقط الوجه وما عداه منها فهو عورة، وعورتها عند المالكية قسمان، مغلظة ومخففة، ولكل منهما حكمه، فالمغلظة جميع بدنها ما عدا الأطراف والصدر وما حاذاه من الظهر والمخففة لها هى الصدر وما حاذاه من الظهر والذراعين والعنق والصدر، ومن الركبة إلى آخر القدم، [هذا التحديد يقارب التحديد بأن المغلظة هى ما بين السرة والركبة، والمخففة ما عدا ذلك، كعورة الرجل] أما الوجه والكفان ظهرا وبطنا فهما ليسا من العورة مطلقا.
فإن انكشف شىء من العورة المغلظة بطلت الصلاة إن كان قادرا ذاكرا وإعادتها وجوبا، أما إن انكشف شىء من العورة المخففة فلا تبطل الصلاة وإن كان كشفها حراما أو مكروها فى الصلاة ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لها أن تعيد الصلاة بعد ستر العورة إذا كان الوقت باقيا.
والساتر للعورة لابد أن يكون كثيفا لا يصف لون البشرة التى تحته، ولا يضر إن كان محددا لها لاصقا بها عند الجمهور، وتبطل باللاصق عند المالكية وتعاد الصلاة فى الوقت.
هذا، وستر العورة لابد من دوامه إلى آخر الصلاة، فلو انكشف شىء منها قبل إتمام الصلاة وكان بقصد بطلت الصلاة، أما إن كان بغير قصد فلا تبطل إن كان يسيرا وسترها فى الحال بدون عمل كثير عند بعض الأئمة "الفقه على المذاهب الأربعة - نشر وزارة الأوقاف المصرية "
стр. 4029
الطهارة لصلاة الجنازة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن صلاة الجنازة تجوز بدون طهارة، فهل هذا صحيح؟
الجواب
صلاة الجنازة كأية صلاة لابد لها من شروط لصحتها ومنها الطهارة من الحدث والنجس، فى البدن والثوب والمكان، وذلك باتفاق العلماء، روى مالك عن نافع أن عبد اللَّه بن عمر رضى الله عنهما كان يقول: لا يصلى الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر، لكن جاء فى كتاب الزواجر لا بن حجر الهيتمى"ج ٢ ص ٣٦١" أنه حكى عن الشعبى وغيره من السلف جواز صلاتها بغير وضوء، ونسب إلى الشافعى، وهو غلط وفى حاشية الشرقاوى على التحرير "ج ١ ص ٣١٢" فى فقه الشافعية، أن هذا القول حكى أيضا عن ابن جرير، كما حكى عن أبى حنيفة الاكتفاء بالطهارة لها بالتيمم حتى لو كان بجوار النهر.
ومن هذا يعلم أن من يصلى على الجنازة وهو لابس للحذاء، إن كان الحذاء طاهرا صحت صلاته، وإن كان متنجسا فلا تصح عند جمهور العلماء، أما الدعاء للميت بدون طهارة فلا مانع منه
стр. 4030
خطيب الجمعة والإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يشترط أن يكون خطيب الجمعة هو الذى يؤم الناس فى صلاتها، أم يجوز أن يؤمهم غيره؟
الجواب
لا مانع أن يكون الخطيب غير الإمام حيث لا يوجد نص يمنع ذلك ولا يجوز عند المالكية كما فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة
следующие страницы →