Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
الوتر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء كتب الفقه أن الحنفية قالوا: الوتر واجب، لقوله ﷺ " الوتر حق فمن لم يوتر فليس منى " وأن المذاهب الأخرى قالت: إنه سنه فهل معنى ذلك أن السنة تلغى الفرض، وأن من لم يوتر فليس من أتباع النبي ﷺ ؟
الجواب
إذا قال أبو حنيفة بوجوب الوتر، وقال غيره بأنه سنة فليس معنى هذا أن السنة تلغى الفرض، وإنما المعنى أن الوتر مطلوب في كل المذاهب، إلا أن درجة الطلب عند أبي حنيفة أقوى مما عند غيره من فقهاء، المذاهب، على معنى أن التقصير في أدائه عند أبي حنيفة موجب للمسئولية أمام اللَّه، معتمدا على الحديث المذكور، أما عند غيره فإن الوتر ليس بالدرجة في الطلب بحيث يكون التقصير فيه مفضيا للمسئولية كالفرض، بل هو مطلوب طلبًا مؤكدًا لمحافظة النبي ﷺ عليه، لكنه ليس من الفروض المحتمة، فليس بعد الصلوات الخمس المعروفة صلاة مفروضة كل يوم، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، من أقواها قوله ﷺ لمن سأله عما افترضه اللَّه عليه "خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة " قال: هل علىَّ غيرها؟ قال "لا، إلا أن تطوع " فولى الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال ﷺ "أفلح إن صدق " رواه مسلم.
وقد حمل هؤلاء حديث " فمن لم يوتر فليس منى" على الترغيب الشديد في الإتيان به، وأن من قصر فيه لا يكون من عداد المسلمين الكاملين، فهو مسلم وليس بكافر، وهو من أتباع النبي ﷺ وليس من أتباع غيره، وذلك على نحو ما قالوا في حديث "لا صلاه لجار المسجد إلا في المسجد " على معنى " لا صلاة كاملة لجار المسجد إلا في المسجد" وليس المعنى أن صلاته باطلة إذا صلاها في بيته، فإن الأرض كلها مسجد كما ورد في الأحاديث الصحيحة، ولا شك أن الصلاة في المسجد أكمل، لما فيها من صلاة الجماعة وكثرة الثواب بالخطا إلى المسجد، وبانتظار الصلاة، وبدعاء الملائكة وهذا الحديث رواه الدارقطنى بسند ضعيف.
وحديث "فمن لم يوتر فليس منى " رواه أحمد وأبو داود، وفي إسناده راو ضعفه النسائي وقال البخاري: عنده مناكير ووثقه بعضهم
стр. 4027
تحويل القبلة وموقف اليهود منها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى المراحل التى تم بها تحديد القبلة واستقرت بها على الوضع الأخير؟
الجواب
روى أحمد بن حنبل عن السيدة عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ قال: " إن اليهود لا يحسدوننا على شىء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التى هدانا اللَّه إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التى هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين ".
على عادة اليهود فى الأثرة والأنانية النابعة من العنصرية الجامحة المعروفة فيهم كانوا يحبون أن يكون كل مجد لهم، سواء فى ذلك المجد الدينى والدنيوى، كما جعل اللَّه فيهم الأنبياء وجعلهم ملوكا.
قال تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا واَتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ المائدة:
٢٠، ولما سمعوا بظهور سيدنا محمد ﷺ فى مكة كانوا يستفتحون به على أهل المدينة، لكنهم أبوا الانضمام إليه، لأنه من نسل عمهم إسماعيل دون أبيهم إسحاق.
وقد حدث أن الله سبحانه أمر نبيه ﷺ باستقبال بيت المقدس فى الصلاة، وظل على ذلك نحو سنة ونصف السنة بالمدينة، ثم صرفه اللَّه عن هذه القبلة إلى استقبال الكعبة، فقال اليهود: اشتاق محمد إلى بلد أبيه بمكة، وهو يريد أن يرضى قومه قريشا ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبى الذى يأتى آخر الزمان.
وهذا القول منهم يدل على أنهم انتهازيون لا يجرون إلا وراء المصلحة، دون اعتبار للعقائد والقيم، فهم كفروا بالرسول لمجرد أنه حول وجهه - بأمر ربه -إلى البيت الحرام، ناسين أن الأرض كلها لله، وأن الجهات جميعها واحدة بالنسبة لوجود اللَّه واطلاعه على عباده والتوجه إليه بالطاعة، قال تعالى ﴿وللَّه المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه اللَّه﴾ البقرة: ١١٥، وقال فى حقهم ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها، قل للَّه المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ البقرة: ١٤٢.
وندد الله بهم فى كفرهم بمحمد ﷺ على الرغم من الأخبار المبشرة به فقال: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ البقرة: ١٤٤، وقد أيأسه اللَّه من إيمانهم به ما دامت قبلته للصلاة غير قبلتهم فقال ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ البقرة: ١٤٥، ومن هنا انقطع أملهم فى ضم محمد ﷺ إليهم، فجاهروه بالعداوة، وكانت له معهم التحامات وقصص مذكورة فى كتب التاريخ.
إن بيت المقدس لم يتخذه بنو إسرائيل قبلة تبعا لوحى من اللَّه، بل باختيار منهم على ما يذكره المحققون، والحديث المذكور يدل على أن الصخرة التى يستقبلونها لم يؤمروا بها من اللَّه بعينها، فإن القبلة الحقيقية هى أول بيت وضع للناس فى مكة، روى أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: لم تجد اليهود فى التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله على بنى إسرائيل رفعه، وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم.
وفى البغوى عند تفسير قوله تعالى ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ يونس: ٨٧، روى ابن جريج عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه وبه قطع الزمخشرى والبيضاوى، قال النسفى فى تفسير هذه الآية: اجعلوا بيوتكم مساجد متوجهة إلى القبلة وهى الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة.
وكما ضلوا عن القبلة ضلوا عن الجمعة، لأن الله فرض عليهم يوما من الأسبوع وكَلَه إلى اختيارهم، فاختلفوا ولم يهتدوا إلى الجمعة، قال الطبرى عن مجاهد فى قوله تعالى ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ النحل:
١٢٤، قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه، وروى ابن أبى حاتم عن السدى التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فقال: إن اللَّه فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا، فجعله عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم فى قوله ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ البقرة: ٥٨، فغيروا وبدلوا.
واستطرادًا للحديث فى شأن القبلة وتحويلها أتناول الموضوع فى عدة نقاط، تنويرًا للأذهان وعونا على الوصول إلى الحقيقة فى فهم حكمة التشريع:
١ -كل أمة من الأمم لها مكان مقدس تتعبد فيه بكل أنواع العبادة من صلاة وحج وذبح وغير ذلك، قال تعالى ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه﴾ الحج: ٦٧، وقال تعالى ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللَّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ الحج: ٣٤، وسواء أكان هذا الجعَلْ تَشريعا من الله أراده ورضيه لعباده، أم جعْلَ تكوين لا يشترط أن يكون مرضيا عنه، كما فى قوله تعالى ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم﴾ الأنعام: ١٠٨، فإن لكل جماعة من الناس مكانا مقدسا يتقربون فيه إلى إلههم، ومن التقرب التوجه إليه عند الدعاء والصلاة.
والوثنيون كانوا يتوجهون إلى أصنامهم فى الأرض، أو إلى الكواكب فى السماء، كما توجه المصريون إلى الشمس فى بعض عهودهم فى الدعاء والمناجاة، وكما توجه البابليون إلى النجوم على ما حكاه القرآن الكريم فى محاجة إبراهيم لهم فى سورة الأنعام، حيث رأى كوكبا ثم رأى القمر ثم رأى الشمس وافترض أنها هى الإله الذى يعبدونه فلما غابت ألزمهم الحجة بأن الإله لا يجوز أن يغيب، ثم بنوا بيوتا رمزية - لآلهتهم يعبدونها فيها عند اختفائها وقت غروبها، فكانت البيوت قبلتهم ومنسكهم الذى يرتضون.
٢ -أول بيت وضع للعبادة هو بيت اللَّه الحرام فى مكة " الكعبة " قال تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس. للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ آل عمران:
٩٦، وكما تقول الروايات إنه موضوع من أيام آدم ﵇، وكانت الأنبياء تحج إليه، وكان دور إبراهيم ﵇ إبراز معالمه التى عفى عليها الزمن أو جرفتها السيول على ما يفهم من التعبير بالرفع فى قوله تعالى ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ البقرة: ١٢٧، وقوله تعالى ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ الحج: ٢٦، أى البيت المعهود سابقا فى التاريخ، أو الذى سيبنى بعد، ذلك جائز محتمل.
والحديث الصحيح ورد فى أن أول بيت وضع فى الأرض هو الكعبة ثم المسجد الأقصى، وبينهما أربعون سنة، فإن كان الوضع يعنى الاختيار للعبادة - وهو الظاهر-كان ذلك الاختيار من اللَّه موجودا قبل إبراهيم بالنسبة للكعبة وقبل سليمان وداود بالنسبة للمسجد الأقصى.
وإن كان الوضع يعنى الإقامة والبناء فإن المسافة بين بناء إبراهيم للكعبة وبين بناء المسجد الأقصى وهى أربعون سنة لا تكون إلا إذا قيل: إن الأنبياء بعد إبراهيم شرعوا فى بناء المسجد الأقصى على عهد يعقوب بن إسحاق كما قال بعض الباحثين، ولم يتم إلا فى عهد سليمان الذى كان أبوه داود معتزما بناءه، لكن الله لم يوفقه لذلك، وادخره لابنه سليمان كما تحكى التوراة.
وقد تقدم فى ذلك ما نقله البغوى عن ابن جريج عن ابن عباس وما قرره المفسرون من أن الكعبة كانت قبلة موسى ومن معه، وقال أبو داود فى الناسخ والمنسوخ فى قوله تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة﴾ قال: أعلم قبلته فلم يبعث نبى إلا وقبلته البيت وهذا القول قواه الحافظ العلائى فقال فى تذكرته: الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم كما دلت عليه الآثار.
قال بعضهم وهو الأصح، ويؤكد هذا الرأى حديث حسد اليهود لنا إذ هدانا اللَّه إلى القبلة وضلوا عنها، فقد كانت الكعبة قبلتهم لكنهم لم يهتدوا إليها..
غير أن ابن العربى وتلميذه السهيلى اختارا أن قبلة الأنبياء هى بيت المقدس، وصححه بعضهم وقال إنه المعروف، لكن هذا يمكن أن يحمل على أن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء بعد بناء الهيكل فى عهد سليمان، ارتضوها بعد أن ضلوا عن الكعبة، وأمر نبيه محمدا ﷺ أول الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس وهو ما يزال فى مكة على ما سيأتى بيانه، وقد تقدم أنهم كانوا يستقبلون الصخرة التى كان عليها تابوت السكينة حتى بنى المسجد الأقصى.
ونظرا إلى أن المسيحية مكملة لليهودية جاءت مصلحة لليهود وداعية للعودة إلى أصولها الحقيقية كانت قبلتها هى قبلة اليهود فى المسجد الأقصى.
٣-فرضت الصلاة فى الإسلام أولا بمكة، واستقرت خمس صلوات ليلة الإسراء قبل الهجرة بحوالى سنتين أو أكثر، فإلى أية قبلة كان يتجه المصلون بمكة؟ قيل: لم تكن هناك قبلة معينة، فالجهات كلها قبلة على ما فهمه البعض من قوله تعالى ﴿وللَّه المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه اللَّه﴾ البقرة:١١٥، وإن كان هناك ميل إلى التوجه إلى الكعبة لأنها البيت المقدس عند العرب، وهو أثر سيدنا إبراهيم الذى قال اللَّه له فى إحدى السور المكية ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ النحل: ١٢٣، على ما يفيده عموم اللفظ، وكما حكت السيرة أن النبى ﷺ اختار التحنث فى غار حراء، لأنه يشرف على الكعبة.
وقيل: إن قبلة المسلمين فى مكة كانت الكعبة أولا، لقوله تعالى ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ البقرة: ١٤٣، أى حولناك فى المدينة من بيت المقدس إلى الكعبة وهى القبلة التى كنت عليها من قبل، فهذا نص على أن القبلة فى مكة كانت الكعبة، لكن ذلك كان لفترة، ويدل عليه ما أخرجه الطبرى عن ابن جريج: صلى النبى ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة.
وقيل: إن القبلة فى مكة كانت بيت المقدس أولا، لحديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما الذى رواه أحمد: كان النبى ﷺ يصلى بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، لكن هل يدل هذا على أن بيت المقدس كان هو القبلة الأولى فى مكة وكان النبى يحب أن يستقبل معه الكعبة، فيجعلها بينه وبين بيت المقدس ليجمع بين القبلتين، أو أن بيت المقدس كان قبلة لاحقة بعد أن كانت هى الكعبة؟ ذلك كله جائز.
ولعل من التوفيق القريب بين الأحاديث التى يتضارب ظاهرها أن يقال: إن النبى ﷺ صلى بمكة أولا إلى الكعبة، ثم صرف عنها إلى بيت المقدس ثلاث حجج، فكان يحب أن يجمع بينهما على النحو المذكور، ولما هاجر أمره الله بالاستمرار فى استقبال بين المقدس، وكان يشتاق لاستقبال الكعبة نحو سنة ونصف السنة فوجه بعد ذلك إليها.
٤ -هل كانت قبلته فى مكة [الكعبة أو بيت المقدس] بوحى من اللَّه أو باجتهاد منه؟ أما استقبال الكعبة فقيل إنه بوحى، على ما يفهم من قوله تعالى ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ فالتى كان عليها هى الكعبة، لكن هل كان هذا بأمر من اللَّه أم باجتهاد من الرسول أقره عليه؟ لم يرد فى ذلك نص واضح صريح، وقيل إنه باجتهاد على ما سبق بيانه من اقتفائه أثر أبيه إبراهيم، وتقديسه للبيت الذى يقدسه كل العرب ولتحرى النظر إليه فى خلوته بغار حراء.
وأما استقبال بيت المقدس فى مكة، فقيل بوحى، على ما تفيده رواية الطبرى عن ابن جريح أن النبى ﷺ صلى أولا بمكة إلى القبلة، ثم صرفه الله إلى بيت المقدس. وقيل باجتهاد كما قال القاضى عياض: الذى ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، وحكى الوجهين الماوردى فى " الحاوى ".
٥ -والصلاة التى صلاها الرسول عند مقدمه إلى المدينة متوجها إلى بيت المقدس، هل كانت بوحى أم باجتهاد؟ .
ذلك راجع إلى الكلام فى استقبال بيت المقدس بمكة، فهو مستصحب للقبلة فى مهجره.
١ -الراجح أنه كان بوحى لما رواه ابن جرير الطبرى عن ابن عباس، قال:
لما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة واليهود أكثرهم يستقبلون بيت المقدس أمره اللَّه تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود لظنهم أنه استقبله اقتداء بهم، مع أنه كان لأمر ربه، فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، وروى الطبرى أيضا عن ابن عباس قال: إنما أحب النبى أن يتحول إلى الكعبة، فكان يدعو ربه (كما نصحه بذلك جبريل عندما قال له: وددت أن اللَّه صرف وجهى عن قبلة يهود، فقال له جبريل:
إنما أنا عبد، فادع ربك وسله) وكان ينظر إلى السماء فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ البقرة: ١٤٤، وهذا ما عليه الجمهور كما قال القرطبى، ولحديث البراء بن عازب عند البخارى فى كتاب الإيمان: أن النبى ﷺ صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، فاستقباله لبيت المقدس مع شوقه لقبلة إبراهيم دليل على أنه بأمر من اللَّه.
ب - وقيل إن استقباله لبيت المقدس بالمدينة كان باجتهاد منه، كما قال الحسن البصرى، وكما قال الطبرى: كان محمد مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختاره طمعا فى إيمان اليهود، لكن يرده سؤاله لجبريل، إذ لو كان مخيرا لاختار الكعبة دون حاجة إلى سؤال جبريل أن يصرف إليها.
٦ -كم من الزمن صلى النبى ﷺ بالمدينة إلى بيت المقدس؟ جاءت الروايات مختلفة فى ذلك، وهى كلها ليست من كلام الرسول، بل من كلام الصحابة، فقيل ستة عشر شهرا، وقيل سبعة عشر، وقد جاء ذلك فى روايتين للبخارى ومسلم عن البراء بن عازب على ما سيأتى، وقيل تسعة عشر شهرا، وقيل بضعة عشر بدون تحديد لمقدار البضع، والاختلاف راجع إلى الخلاف فى تعيين الشهر الذى حولت فيه القبلة، مقيسا بشهر الهجرة إلى المدينة، وبحساب جمله من أيام الشهر شهرا، أو بغير ذلك من الاعتبارات.
٧-فى أى شهر وفى أى يوم حولت القبلة؟ هنا لك أقوال:
أ-قيل إنها حولت فى منتصف شهر رجب من السنة الثانية، وكان ذلك يوم الاثنين، وقد رواه أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح، قال الواقدى: وهذا أثبت، قال الحافظ: وهو الصحيح، وبه جزم الجمهور، وقاله ابن إسحاق.
ب - وقيل إن التحويل كان فى شهر جمادى الآخرة، كما رواه الزهرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال أبو جعفر النحاس فى كتابه " الناسخ والمنسوخ ": وهو أولاها بالصواب، لأن الذى قال به أجل، ولأن رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة فى شهر ربيع الأول، فإذا صرف اَخر جمادى الآخرة إلى الكعبة صار ذلك ستة عشر شهرا كما قال ابن عباس وأيضا إذا صلى إلى الكعبة فى جمادى الآخرة فقد صلى إليها فيما بعدها.
ج -وقيل فى نصف شعبان وفى يوم الثلاثاء منه، قاله محمد بن حبيب، وجزم به فى الروضة، وقاله الواقدى.
٨ -ما هى الصلاة التى صلاها النبى ﷺ بقبلتين وما هى أول صلاة كاملة للقبلة الجديدة؟ .
كان النبى ﷺ يزور أم بشر بن معرور بعد موته، فلما حان وقت صلاة الظهر صلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر بتحويل القبلة، فتحول فى ركوع الركعة الثالثة، وسمى هذا المسجد مسجد القبلتين، لأن التحويل نزل فيه أولا، وكان فى بنى سلمة -بكسر اللام فى شرح الزرقانى على المواهب، وضبطت فى تفسير القرطبى بفتحها - وهى أول صلاة صلاها، وهو الأثبت كما قال الواقدى، وكانت هذه الصلاة هى الظهر على ما رواه النسائى من رواية أبى سعيد بن المعلى، وكذا عند الطبرانى والبزار من حديث أنس فهذا الحديث يدل على أن مكان التحويل هو مسجد بنى سلمة " مسجد القبلتين " وأن الصلاة هى الظهر قال ابن سعد: صلى النبى ﷺ ركعتين من الظهر فى مسجده النبوى بالمسلمين.
وقال بعضهم إن الصلاة هى العصر، مستدلين برواية البراء بن عازب فى البخاري فى كتاب الإيمان: أن النبى ﷺ صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر- أى متوجها إلى الكعبة، لكن هذا لا يدل على أنها صليت بقبلتين، والأقرب أنها بقبلة واحدة هى الكعبة، وكانت أولى صلاة تامة بعد التحويل إلى الكعبة، ويبقى ادعاء أن صلاة الظهر هى التى أديت بقبلتين باقيا دون معارض.
قال ابن حجر فى كتاب الإيمان: التحقيق أن أول صلاة صلاها فى، بنى سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور هى الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوى هى العصر.
٩ - ما هى الصلاة التى صلاها المسلمون الذين لم يكونوا مع الرسول - بقبلتين، وأين كانت؟ إن خبر التحويل وصل كل جماعة فى مواعيد مختلفة، ولعل عددا من الجماعات وقع منهم صلاة لقبلتين، قد تكون هى العصر وقد تكون غيرها، ومن الثابت ما يلى:
١ -صلاة العصر كانت بقبلتين وكانت فى بنى حارثة، دليله حديث البراء بن عازب: صليت مع النبى ﷺ "إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا-وفى رواية له سبعة عشر شهرا-حتى نزلت الآية التى فى البقرة ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ فنزلت بعدما صلى النبى، فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهو يصلون، فحدثهم فولوا وجوههم قبل البيت، رواه البخارى ومسلم.
وقوله: " بعدما صلى " فسره الشراح بأنه دخل فى الصلاة، لا أنه انتهى منها، وقالوا: إنها صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين، وقال بعضهم إنها صلاة العصر، كانت فى مسجد بنى سلمة، والرجل الذى نقل الخبر قيل: اسمه عبَّاد بن بشر بن قيظى " القرطبى-سيقول السفهاء " كما رواه ابن منده وابن أبى خيثمة، وقيل: اسمه عَبَّاد بن نَهيك.
والناس الذين أخبرهم هم بنو حارثة وكانوا يصلون العصر وعلى القول بأن الصلاة التى كان يصليها الرسول وحُوِّل فيها هى العصر يمكن أن ينقل خبرها بسرعة إلى جماعة آخرين هم بنو حارثة ما زالوا فى الصلاة، سواء أكان عباد بن بشر ناقل الخبر صلى مع النبى وهو الغالب -أم لم يصلِّ ورأى حاله فأبلغها إلى غيره.
٢ -صلاة الفجر أو الصبح كانت بقبلتين، وكانت فى " قباء " موطن بنى عمرو بن عوف، وقد نص عليها فى حديث ابن عمر: بينما الناس -بنو عمرو بن عوف -فى صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، رواه البخارى ومسلم.
والشخص الذى أخبرهم قيل: هو رجل من بنى سلمة كما يدل عليه حديث أنس الآتى وهو الأصح، واسمه عباد كما تقدم.
يقول أنس رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ يصلى نحو بيت المقدس فنزلت ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء. . .﴾ فمر رجل من بنى سلمة وهم ركوع فى الفجر وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة، رواه مسلم غير أن رواية أنس لا تدل على أن هؤلاء كانوا فى قباء.
٣ - صلاة الظهر، فقد ذكر أبو عمرو فى " التمهيد " عن نويلة بنت أسلم - وكانت من المبايعات - قالت: كنا فى صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظى فقال: إن رسول الله ﷺ قد استقبل القبلة، أو قال:
البيت الحرام، فتحول الرجال مكان النساء وتحول النساء مكان الرجال.
هذا، ولم يسم مسجد قباء ولا مسجد بنى حارثة بمسجد القبلتين لأن مسجد بنى سلمة هو الذى نزلت فيه أولا آية التحويل، وصليت فيه صلاة إلى جهتين كان النبى إماما فيها.
١٠-حكمة جعل القبلة إلى الشام فى المدينة فيها آراء:
أ-رأى يقول: إن ذلك تكريم من اللَّه للنبى ﷺ ، ليجمع له بين القبلتين، كما عده السيوطى من خصائصه التى تميز بها على الأنبياء والمرسلين، ونظهر هذه الحكمة إذا كان استقبال الشام بوحى وهو الظاهر.
ب -ورأى يقول: كان التوجه تأليفا لليهود، كما قاله أبو العالية، وقد يكون ذلك مرادا للَّه بالوحى أو مرادا للنبى باجتهاد على الخلاف فى ذلك.
ج -ورأى يقول: إن فيه تنبيها للرسول على أن المسجد الأقصى له منزلته وقداسته، فلابد من الحفاظ على هذه المنزلة والقداسة له.
١١ -حكمة تحويل القبلة فى المدينة من الشام إلى مكة فيها وجهات نظر:
أ- امتحان المؤمنين الصادقين وتمييزهم عن غيرهم، كما قال سبحانه ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى اللَّه﴾ البقرة: ١٤٣، كما قاله ابن عباس.
ب -تنبيه للرسول على عدم طمعه فى إيمان اليهود.
ج - العودة بالدعوة إلى أصلها، وهو عالميتها القائمة على قواعد إبراهيم، درن تمييز بين أبناء إسحاق " اليهود " وأبناء إسماعيل " العرب " ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ آل عمران: ٦٧.
د-الإيحاء بأن مكة لا بد أن تعود إلى الإسلام، ففيها قبلة المسلمين، وأن يجاهد أهلها حتى يخضع البيت للمسلمين، وبشارة بنصر الرسول على قريش واستخلاص البيت منهم، لتطهيره من الأصنام وجعل الدين خالصا لله.
هذا، ومن الحكمة العامة لتحديد قبلة الصلاة تجميع أهل الدين وتوحيد اتجاههم ومشاعرهم وتقوية الرابطة بينهم.
ومن الأحكام التى تتصل بالقبلة:
أ- أن النبى ﷺ نهى عن الانصراف عن التوجه إليها فى الدعاء، فقد روى البخارى ومسلم عن أنس أن النبى قال: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء فى صلاتهم " فاشتد قوله فى ذلك حتى قال "لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم " ورواه مسلم عن أبى هريرة بلفظ "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء فى الصلاة أو لتخطفن أبصارهم ".
ب - عدم بصق المصلى أمامه، فقد ورد عن ابن عمر: بينما رسول اللَّه ﷺ يخطب يوما إذ رأى نخامة فى قبلة المسجد، فتغيظ على الناس ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخت به وقال " إن اللَّه قِبَلَ وجه أحدكم إذا صلى، فلا يبصق بين يديه " رواه البخارى ومسلم.
أما تحديد اتجاه القبلة ووضع علامات تدل عليها، والصلة بين المحاريب وبينها، فسيكون له بحث آخر إن شاء الله
стр. 4028
عورة المرأة فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض السيدات يصلين بملابس تكشف عن القدم وعن بعض الذراع، ويدعين أن صلاتهن صحيحة على بعض المذاهب، نرجو بيانا لحقيقة الموضوع؟
الجواب
ستر العورة مطلوب لصحة الصلاة باتفاق العلماء، حتى لو كان الإنسان يصلى وحده لا يراه أحد، فهو حق لله سبحانه، وعورة الرجل هى ما بين السرة والركبة تبطل الصلاة بانكشاف أى جزء منها عند الأئمة الثلاثة، أما عند مالك فتبطل الصلاة إذا انكشفت السوأتان وهما القبل والخصيتان وحلقة الدبر، ولا تبطل إذا انكشف سواهما مما هو بين السرة والركبة، ولا تسن إعادة الصلاة إلا إذا انكشفت العانة أو الإليتان أو ما بينهما حول حلقة الدبر، فيعيد فى الوقت، وإن كان كشف العورة حراما أو مكروها.
وقد جاء فى عورة المرأة قوله ﷺ "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار " رواه احمد وأصحاب السنن، والمراد بالحائض المرأة البالغة حد التكليف، وروى أبو داود عن أم سلمة رضى اللَّه عنها أنها سألت النبى ﷺ أتصلى المرأة فى درع وخمار وليس عليها إزار؟ فقال "إذا كان الدرع سابغا يغطى ظهور قدميها"، الخمار هو غطاء الرأس، والإزار ما يستر الجزء الأسفل من الجسم، والدرع ما يستر أعلاه، وهو للمرأة ما يغطى بدنها ورجليها.
وإليك اَراء الفقهاء فى تحديد عورتها، مع العلم بأنه لا مانع من الأخذ بأحد هذه الآراء:
فعورة المرأة الحرة فى الصلاة عند الحنفية جميع بدنها، ويستثنى من ذلك باطن الكفين فإنه ليس بعورة، بخلاف ظاهرهما، كما يستثنى ظاهر القدمين فإنه ليس بعورة، بخلاف باطنهما فإنه عورة عكس الكفين.
وعورتها عند الشافعية جميع بدنها، ويستثنى من ذلك الوجه والكفان فقط، ظاهرهما وباطنهما.
وعورتها عند الحنابلة جميع بدنها، ويستثنى فقط الوجه وما عداه منها فهو عورة، وعورتها عند المالكية قسمان، مغلظة ومخففة، ولكل منهما حكمه، فالمغلظة جميع بدنها ما عدا الأطراف والصدر وما حاذاه من الظهر والمخففة لها هى الصدر وما حاذاه من الظهر والذراعين والعنق والصدر، ومن الركبة إلى آخر القدم، [هذا التحديد يقارب التحديد بأن المغلظة هى ما بين السرة والركبة، والمخففة ما عدا ذلك، كعورة الرجل] أما الوجه والكفان ظهرا وبطنا فهما ليسا من العورة مطلقا.
فإن انكشف شىء من العورة المغلظة بطلت الصلاة إن كان قادرا ذاكرا وإعادتها وجوبا، أما إن انكشف شىء من العورة المخففة فلا تبطل الصلاة وإن كان كشفها حراما أو مكروها فى الصلاة ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لها أن تعيد الصلاة بعد ستر العورة إذا كان الوقت باقيا.
والساتر للعورة لابد أن يكون كثيفا لا يصف لون البشرة التى تحته، ولا يضر إن كان محددا لها لاصقا بها عند الجمهور، وتبطل باللاصق عند المالكية وتعاد الصلاة فى الوقت.
هذا، وستر العورة لابد من دوامه إلى آخر الصلاة، فلو انكشف شىء منها قبل إتمام الصلاة وكان بقصد بطلت الصلاة، أما إن كان بغير قصد فلا تبطل إن كان يسيرا وسترها فى الحال بدون عمل كثير عند بعض الأئمة "الفقه على المذاهب الأربعة - نشر وزارة الأوقاف المصرية "
стр. 4029
الطهارة لصلاة الجنازة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن صلاة الجنازة تجوز بدون طهارة، فهل هذا صحيح؟
الجواب
صلاة الجنازة كأية صلاة لابد لها من شروط لصحتها ومنها الطهارة من الحدث والنجس، فى البدن والثوب والمكان، وذلك باتفاق العلماء، روى مالك عن نافع أن عبد اللَّه بن عمر رضى الله عنهما كان يقول: لا يصلى الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر، لكن جاء فى كتاب الزواجر لا بن حجر الهيتمى"ج ٢ ص ٣٦١" أنه حكى عن الشعبى وغيره من السلف جواز صلاتها بغير وضوء، ونسب إلى الشافعى، وهو غلط وفى حاشية الشرقاوى على التحرير "ج ١ ص ٣١٢" فى فقه الشافعية، أن هذا القول حكى أيضا عن ابن جرير، كما حكى عن أبى حنيفة الاكتفاء بالطهارة لها بالتيمم حتى لو كان بجوار النهر.
ومن هذا يعلم أن من يصلى على الجنازة وهو لابس للحذاء، إن كان الحذاء طاهرا صحت صلاته، وإن كان متنجسا فلا تصح عند جمهور العلماء، أما الدعاء للميت بدون طهارة فلا مانع منه
стр. 4030
خطيب الجمعة والإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يشترط أن يكون خطيب الجمعة هو الذى يؤم الناس فى صلاتها، أم يجوز أن يؤمهم غيره؟
الجواب
لا مانع أن يكون الخطيب غير الإمام حيث لا يوجد نص يمنع ذلك ولا يجوز عند المالكية كما فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة
стр. 4031
حكم النوم فى المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى بعض الأوقات ينام الإنسان فى المسجد لاتقاء شدة الحر أو البرد مثلا، أو لعدم وجود مكان يستريح فيه ليستأنف السفر أو لغرض آخر فما حكم هذا النوم؟
الجواب
معروف أن بيوت اللَّه جعلت للعبادة ومزاولة أعمال الخير التى لا تخل بحرمتها ولا تؤذى من يتعبد فيها، ومعروف أيضا أن الملائكة تحب التردد على المساجد لما فيها من ذكر لله وقراءة القرآن ومدارسته كما ثبت فى الحديث، وأنها تحب الرائحة الطيبة وتنفر من الرائحة الكريهة، ومعروف أن الحديث نهى من أكل ثوما أو بصلا أن يؤذى من فى المسجد برائحته.
ومن المعروف أن النائم فى المسجد قد يخرج منه ما يؤذى ويضايق، وقد تبدو منه فى نومه بعض مواضع يستحيا من كشفها، أو أصوات شخير وغير ذلك مما فيه إيذاء، ومن هنا تحدث العلماء عن حكم النوم فى المسجد من واقع ما ورد من الآثار فى ذلك.
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ رؤى فى المسجد مستلقيا واضعا إحدى رجليه على الأخرى، كما صح أن عمر وعثمان كانا يستلقيان أحيانا بالمسجد النبوى، وروى البخارى وغيره أن ابن عمر كان ينام فى المسجد النبوى وهو أعزب، ومعه بعض الشبان ينامون ليلا ويقيلون وقت الظهيرة، كما أخرج البخارى أن عليا غاضب فاطمة فذهب إلى المسجد ونام فيه وسقط رداؤه عنه وأصابه تراب، فجعل النبى ﷺ يمسحه ويقول: " قم أبا تراب ".
وكان فى المسجد النبوى صفَّة، أى مكان مظلل يأوى إليه المساكين وينزل فيه ضيوف الرسول ﵊، وصح فى البخارى ومسلم أنه ضرب قبة أى خيمة فى المسجد على سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق وذلك ليمرَّض فيها، وأنه جعل خيمة فى المسجد للمرأة السوداء التى ترفع القمامة منه، ولما أسر ثمامة بن أثال - وهو مشرك -ربط مدة بسارية فى المسجد النبوى.
وبناء على هذا قال العلماء: إذا كانت هناك حاجة إلى المبيت بالمسجد فلا حرج ومن ذلك المعتكف، وكذلك مالا يستدام كبيتوتة الضيف الذى لا أهل له. والمريض والمسافر والفقير الذى لا بيت له، ومن يشرف على المسجد من نظافة وخدمة وأذان وإمامة إذا لم تكن لهم بيوت خاصة.
وعلى هذا الحكم جمهور العلماء، وإن كان ابن مسعود كره النوم فى المسجد مطلقا، وسئل ابن عباس عن المبيت بالمسجد فقال: إن كان لحاجة كالغريب الذى لا أهل له أو الفقير الذى لا بيت له إذا كان يبيت بمقدار الحاجة ثم ينتقل فلا بأس وأما من اتخذه مبيتا ومقيلا فينهى عن ذلك، والإمام مالك أباح النوم فى المسجد لمن ليس له مسكن، أما من له مسكن فيكره نومه فى المسجد.
والخلاصة أن النوم فى المسجد ليس بحرام، ولكنه مكروه لغير حاجة، فإن كانت هناك حاجة سواء أكانت دائمة أو مؤقتة فلا كراهة "غذاء الألباب للسفارينى ج ٢ ص ٢٥٧ ".
موضوع (٣٩٦) المساجد التى بها أضرحة.
سئل:
ما هو رأى الدين فى المساجد التى بها أضرحة؟ أجاب:
يوجد فى العمارة الإسلامية ما يسمى بالأضرحة، جمع ضريح، وهو الشق فى وسط القبر، وعرف بهذا الاسم إذا دفن فيه شخص له مكانة دينية أو علمية أو غيرهما من القيم، واتخذت الأضرحة شكلاً معينا من البناء تعلوه قبة، وكثرت فى مصر فى عهد الفاطميين الذين أقاموا كثيرا منها لآل البيت وكبار رجال الدولة، وعرفت بالمشاهد أسوة بما أطلق على أضرحة الأئمة العلويين، ثم جاءت الدولة الأيوبية وأقامت مثلها لكبار الرجال من أهل السنة، كان من أكبرها ضريح الإمام الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ والذى أقامته أم السلطان الكامل سنة ٦٠٨ هـ، ثم أصبحت القاعدة بعد ذلك إلحاق القباب بالمدارس والمساجد والخانقاوات.
وأول قبة على ضريح فى تاريخ الإسلام هى قبة الصليبية فى مدينة "سمارا" بالعراق على الضفة الغربية من نهر دجلة، وأنشئت سنة ٢٨٤ هـ ومن أقدمها ضريح الإمام على فى النجف الذى أقامه الحمدانيون سنة ٣١٧ هـ[مساجد مصر وأولياؤها للدكتورة سعاد ماهر] .
٢- والمسجد كل مكان يسجد فيه للصلاة، ثم أطلق على المكان الذى يتقرب إلى الله فيه بالعبادة، وفيما قبل الإسلام كانت العبادات لا تؤدى إلا فى أماكن خاصة اختار لها الناس مكانا محترما عندهم، كالمكان الذى يدفن فيه الأنبياء والصالحون، أما فى الإسلام فإن العبادات وعلى رأسها الصلاة تؤدى فى أى مكان من الأرض، اللهم إلا ما كان من عبادة الحج فلها أماكن خاصة يقصدها المسلمون من كل فج عميق عند الاستطاعة، صح فى الحديث الذى فضل الله فيه سيدنا محمدا على الأنبياء السابقين أن اللَّه جعل له الأرض كلها مسجدا وترابها طهورا.
لقد تحدث القرآن الكريم عن أهل الكهف الذين كانوا قبل الإسلام، بأن من عثروا عليهم بنوا مسجدا على قبورهم كما قال تعالى ﴿فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾ الكهف: ٢١، وصح فى البخارى ومسلم "مسلم ج ٥ ص ١١ " أن أم حبيبة وأم سلمة- وكانتا من المهاجرين إلى الحبشة - ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها فى الحبشة فيها تصاوير للرسول، فقال "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة" وجاء فى صحيح مسلم عن عائشة أن الرسول ﷺ قال فى مرضه الأخير "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت عائشة:
فلولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا.
وفى بعض الروايات أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يموت بخمس كما قاله جُنْدَب، ولما احتاج الصحابة إلى الزيادة فى مسجده وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة مدفن الرسول وصاحبيه أبى بكر وعمر -بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر فى المسجد فيصلى إليه العوام، ويؤدى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركنى القبر الشماليين حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر.
٣- يؤخذ من هذا أن الإسلام لا يوافق على ما فعله اليهود والنصارى من بناء المساجد على القبور، واتخاذها أماكن للعبادة، واتخاذ القبر مسجدا يصور بصورتين: جعل مكان السجود على القبر ذاته، أو جعل القبر أمام المصلى ليتجه إليه بالعبادة، وبذلك يفسر قول النبى ﷺ كما رواه مسلم "لا تصلوا على القبور ولا تجلسوا عليها" وللحيلولة دون تقديس القبور وأصحابها بالصلاة عليها أمر النبى ﷺ بعدم البناء على القبور أو رفعها، ففى صحيح مسلم عن على رضى اللَّه عنه أن الرسول قال له لما بعثه "ولا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها " يقول القرطبى فى تفسيره "ج ١٠ ص ٣٧٩" قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة بالأرض، أى لاصقة، وبه قال بعض أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد ﷺ وقبر صاحبيه رضى الله عنهما، على ما ذكره مالك فى الموطأ، وقبر أبينا آدم على ما رواه الدارقطنى من حديث ابن عباس، وأما تعلية البناء الكثيرة على ما كانت تفعله الجاهلية تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال، فالزيادة حرام، والتسنيم فى القبر ارتفاعه قدر شبر، مأخوذ من سنام البعير [يراجع نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ٨٩] .
ومما ورد فى النهى عن اتخاذها مساجد قول ابن عباس رضى الله عنهما: لعن رسول اللَّه ﷺ زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، رواه أبو داود والترمذى وحسنه، قال القرطبى: قال علماؤنا:
هذا يحرِّم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد، وروى الأئمة عن أبى مرثد الغنوى أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لاتصلوا على القبور ولا تجلسوا عليها".
٤- ومن احتياطات العلماء لعدم الصلاة على المقابر نهوا عن الدفن فى المساجد أو عمل مسجد على القبر، قال النووى فى شرح المهذب ص ٣١٦ ما نصه: اتفقت نصوص الشافعى والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء أكان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث، قال الشافعى والأصحاب: تكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحا أو غيره، قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام الزعفرانى ﵀: ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركا ولا إعظاما، للأحاديث.
وأفتى ابن تيمية بأنه لا يجوز دفن ميت فى مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدا، وقال: لا يجتمع فى دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق، كما نقله عنه ابن القيم فى زاد المعاد [فتوى الشيخ عبد المجيد سليم سنة ١٩٤٠ م -الفتاوى الإسلامية ج ٢ ص ٦٥٠] .
حكم الصلاة فى المسجد الذى فيه قبر: إذا كان القبر فى مكان منعزل عن المسجد أى لا يصلى فيه، فالصلاة فى المسجد الذى يجاوره صحيحة ولا حرمة ولا كراهة فيها أما إذا كان القبر فى داخل المسجد، فإن الصلاة باطلة ومحرمة على مذهب أحمد بن حنبل، جائزة وصحيحة عند الأئمة الثلاثة، غاية الأمر أنهم قالوا: يكره أن يكون القبر أمام المصلى، لما فيه من التشبه بالصلاة إليه، لكن إذا قصد بالصلاة أمام القبر تقديسه واحترامه كان ذلك حراما وربما أدى إلى الشرك، فليكن القبر خلفه أو عن يمينه أو عن يساره
стр. 4032
العطاس فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للإنسان إذا عطس وهو يصلى أن يقول: الحمد لله، وإذا عطس غيره، هل يقول له: يرحمك الله؟
الجواب
العطاس أمر قهرى فى الغالب لا يتحكم فيه الإنسان، وهو نعمة يسن حمد الله عليها، حتى لو كان فى الصلاة، ويسمع نفسه بالحمد كما قال النووى فى كتابه "الأذكار" وذلك على مذهب الإمام الشافعى، وبالتالى لا تبطل الصلاة بالحمد، فهى كلها موضع لذكر الله، وقال النووى: لأصحاب مالك ثلاثة أقوال، أحدها هذا، واختاره ابن العربى، والثانى يحمد فى نفسه، والثالث قال سحنون، لا يحمد جهرا ولا فى نفسه.
وأما أحكام العطاس خارج الصلاة فلها موضع آخر، ويمكن الرجوع إليه فى كتاب "غذاء الألباب " للسفارينى ج ١ ص ٣٨٣.
٢ -روى البخارى أن النبى ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. فإذا قال له:
يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم " وهذا خارج الصلاة، أما فى أثناء الصلاة فلا يسن تشميته، وإن شمته بطلت صلاته عند جمهور الفقهاء، سواء قال: "يرحمك الله " أو "يرحمه الله " أو " يرحمنا الله " والشافعى يبطل الصلاة إذا كان التشميت بكاف الخطاب، أى بالصيغة الأولى من هذه الصيغ الثلاثة، ولا تبطل بالصيغتين الأخريين، والأولى اتباع رأى الجمهور
стр. 4033
المسافر وصلاة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تجب صلاة الجمعة على المسافر؟
الجواب
من المعلوم أن صلاة الجمعة مفروضة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ الجمعة: ٩، وقال ﷺ "لقد هممت أن آمر رجلا يصلى بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم "رواه مسلم. والإجماع قائم على الوجوب.
وقد أعفى الله منها جماعة نص عليهم حديث رواه أبو داود، "الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة، إلا أربعة هم العبد المملوك والمرأة والصبى والمريض " وكما استثنى هؤلاء من وجوب صلاتها استثنى المسافر ما دام مسافرا حتى لو كان نازلا للاستراحة وقت إقامة الجمعة، إقتداء بالنبى ﷺ الذى كان فى سفر فصلى الظهر والعصر جمع تقديم ولم يصل الجمعة، وكذلك فعل الخلفاء وغيرهم.
ويستمر سقوطها عن المسافر ما دام مسافرا ولم يقطع سفره بالعودة إلى وطنه أو الإقامة أربعة أيام فأكثر عند الشافعية والحنابلة حيث لا يشترط عندهم الاستيطان الدائم إلا للانعقاد، وأوجبها المالكية على المستوطن المقيم بنية التأبيد، كما لا تصح إلا بذلك، فلو نزل جماعة كثيرة فى مكان نووا فيه الإقامة شهرا مثلا فلا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم، والأحناف قالوا: الاستيطان ليس شرطا للوجوب، وإنما الشرط هو الإقامة ولو من مسافر خمسة عشر يوما.
ومن هنا تحدَّث العلماء عن حكم السفر يوم الجمعة وهو الخروج من البلد حتى لو كان السفر قصيرا، وبينوا حكمه إن كان قبل طلوع الفجر أو بعده.
ا - فقال الشافعية: إن كان سفره قبل الفجر فهو مكروه، وذلك لسقوط الجمعة عنه وضياعها منه دون وجود مبرر للسفر، وضربوا لذلك مثلا بالحصادين ونحوهم من العمال الذين يخرجون للعمل فى الحقول والمنشآت قبل الفجر فلا تجب عليهم الجمعة إلا إذا كانوا فى مكان يسمعون فيه النداء من بلدهم، وإن كان سفره بعد الفجر فهو حرام، إلا إذا ظن أنه يدركها فى طريقه أو كان السفر واجبا كالسفر للحج الذى ضاق وقته وخاف فوته، أو كان لضرورة كخوفه فوات رفقة يلحقه ضرر بفوتهم.
٢ - وقال المالكية: يجوز السفر قبل الفجر، ويكره بعده إذا كان لا يدركها فى طريقه، فإن كان يدركها فلا كراهة.
٣-وقال الحنابلة: يكره السفر قبل الفجر إذا لم يأت بها فى طريقه، ويحرم بعد الزوال إلا عند خوف الضرر كتخلفه عن الرفقة.
٤ -وقال الحنفية: لا يكره السفر قبل الزوال.
وهذا ما قاله العلماء فى حكم صلاة الجمعة بالنسبة للمسافر، وعن السفر فى هذا اليوم، يتلخص فى عدم وجوبها على المسافر الذى أنشأ السفر قبل يوم الجمعة حتى لو كان سفرا قصيرا، أما من أنشأ السفر بعد الفجر فأوجبها بعضهم ولم يوجبها البعض الآخر.
وأرى الحرص عليها فى السفر حتى لو كانت غير واجبة، فثوابها عظيم، وهى إن سقطت عنه كمسافر فلا تسقط عنه صلاة الظهر فى السفر القصير أو الطويل، وعليه الصلاة قصرا أو جمعا إذا كان السفر طويلا كما هو مقرر فى الفقه
стр. 4034
قضاء الصلاة عن الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز لأهل الميت الذى كان لا يواظب على الصلاة أن يصلوا عنه أو يعملوا ما يسمى بإسقاط الصلاة؟
الجواب
الصلاة عبادة بدنية محضة، لم يرد نص خاص عن النبى ﷺ بجواز قضائها عن الميت، والوارد هو عن بعض الصحابة، فقد روى البخارى أن ابن عمر رضى الله عنهما أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء - يعنى ثم ماتت -فقال: صلى عنها وروى ابن أبى شيبة بسند صحيح أن امرأة قالت لابن عباس رضى الله عنهما: إن أمها نذرت مشيا إلى مسجد قباء، أى للصلاة، فأفتى ابنتها أن تمشى لها، وأخرجه مالك فى الموطأ أيضا.
والصلاة المرادة هنا صلاة نفل نذر أداؤها فى قباء فوجبت ولزمت، ومن هنا رأى بعض العلماء جواز قضاء الصلاة عن الميت، سواء أكانت مفروضة أصلا أم منذورة. لكن الجمهور قال بعدم جواز قضاء المفروضة. نقل ابن بطال الإجماع على ذلك، ومع عدم التسليم بهذا الإجماع، فإن الجمهور رد استدلال القول المجيز للقضاء بأن النقل عن ابن عمر وابن عباس مختلف: فقد جاء فى موطأ مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلى أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وأخرج النسائى عن ابن عباس مثل ذلك القول. ولكن لعل المنع فى حق غير المنذورة.
وقال الحافظ: يمكن الجمع بين النقلين بجعل جواز القضاء فى حق من مات وجعل النفى فى حق الحى (نيل الأوطار ج ٩ ص ١٥٥) وبهذا يعلم أن ما يعمله بعض الناس مما يسمى بإسقاط الصلاة عن الميت غير مشروع، والواقع أن الله جعل أداء الصلاة من اليسر بحيث تصح بأية كيفية من الكيفيات عند العجز، حتى أنه لم يسقطها عن المجاهد وهو فى ساحة القتال أثناء المعركة، وعن المقيد بالأغلال، واكتفى بما يستطاع ولو بالإيماء. قول الجمهور بعدم جواز قضائها عن الميت هو المختار للفتوى، ولا يصح غيره، حتى لا يكون هناك تهاون بعمود الدين.
أما حكم الصلاة للميت فقد جاء فى رواية الدارقطنى "أن من البر بعد الموت أن تصلى لهما-للوالدين -مع صلاتك - وأن تصوم لهما مع صيامك " وذلك فى النوافل المهداة لا فى الفروض من حيث القضاء، وسيبين ذلك فى صلة الأحياء بالأموات وانتفاع الميت بما يهديه الحى إليه من قُربٍ
стр. 4035
صلاة الاستخارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى صلاة الاستخارة وعدد ركعاتها والدعاء الخاص بها؟
الجواب
صلاَة الاستخارة ركعتان، والدعاء الذى يقال بعدها جاء فى الحديث الذى رواه البخارى عن جابر رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ " يعلمنا الاستخارة فى الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل:
اللهم إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى- أو قال عاجل أمرى واَجله - فاقدره لى ويسره لى، ثم بارك لى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى - أو قال عاجل أمرى وآجله - فاصرفه عنى واصرفنى عنه، واقدر لى الخير حيث كان، ثم رضنى به " قال ويسمى حاجته: يعنى يقول بدل عبارة -أن هذا الأمر-يعين هذا الأمر مثل السفر أو الزواج ونحو ذلك.
وسيحس بأمور وعلامات يدرك بها النتيجة، إما أن يكون ذلك بعد الانتهاء من الصلاة والدعاء فى حال اليقظة أو برؤيا منامية، وربما تتأخر العلامات بعض الوقت، فإن لم ير شيئا من ذلك يكرر الصلاة ويحاول أن يؤديها تامة وبخشوع، وكذلك الدعاء يكون بتضرع وحضور ذهن، فقبول الصلاة والدعاء وترتب آثارهما مرتبط بذلك. قال تعالى بعد ذكر أيوب وذى النون وزكريا ودعائهم الذى استجابه الله لهم ﴿إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ الأنبياء: ٩٠، والمسارعة فى الخيرات تستلزم الطاعة والحرص عليها والتسابق إليها، والبعد عن كل ما حرَّم الله، وبالتالى لا تقبل صلاة الاستخارة ولا دعاؤها من المقصر فى حق الله ولا يعرفه إلا عندما يحتاج إليه ليعرفه المشروع الذى يقدم عليه إن كان خير أو شرا، ومن المقرر أن اللقمة من الحرام فى بطن الإنسان تمنع قبول الدعاء، كما صح فى حديث رواه مسلم.
هذا، وصلاة الاستخارة تؤدى فى غير الأوقات التى تكره فيها الصلاة وأنسب الأوقات لها بعد منتصف الليل، فالدعاء يكون أقرب إلى الإجابة. ويسن أن يبدأه بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، ويختمه بالصلاة على النبى ﷺ ولا تتعين قراءة بعد الفاتحة، مع مراعاة أن الاستخارة لا تكون إلا فى الأمور المباحة، أما الواجبات والمندوبات فلا استخارة فى عملهما، وكذلك المحرمات والمكروهات لأن المطلوب تركها، ومع مراعاة أن قلب الإنسان إذا مال إلى فعل الشيء أو الانصراف عنه قبل صلاة الاستخارة فلا معنى لهذه الصلاة، بل ينبغى ترك الاختيار لله سبحانه ويصلى من أجل ذلك.
وهذه الصلاة تغنينا عما يتورط فيه بعض الناس من قراءة الكف وضرب الرمل والوسائل الأخرى التى حذر الإسلام منها، أو لم يشرعها، فالعلم الحقيقى عند الله سبحانه والدعاء مع العبادات خير وسيلة لمساعدة الإنسان على ما يريد.
مع مراعاة أن الدعاء الذي تسبقه الصلاة قد يستجاب وقد يرد، والمدار هو على إتقان الصلاة والدعاء مع توافر عامل الخشوع والرهبة والرغبة، ومع كون العبد مطيعا لله قريبا منه بعيدًا عن المعاصى وبخاصة أكل الحرام الذى يحول دون قبول الدعاء، ولا يلزم أن يرى الإنسان بعدها رؤيا منامية، فقد يحصل القبول أو النفور بدونها
стр. 4036
ترجمة القرآن فى الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تجوز قراءة القرآن مترجما فى الصلاة؟
الجواب
من المعلوم أن قراءة شيء من القرآن فى الصلاة ركن من أركانها لا تصح بدونه، وقد حدد جمهور الفقهاء هذا الركن بقراءة الفاتحة، لعدة نصوص منها قوله ﷺ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " رواه الجماعة وقوله " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن -وفى رواية بفاتحة الكتاب - فهى خِدَاج، هى خداج غير تمام " رواه البخارى ومسلم.
وإلى جوار هذا الركن تسن القراءة لما تيسر من القرآن بعد الفاتحة فى الركعتين الأوليين، وقال العلماء: لابد أن تكون القراءة باللغة العربية لمن قدر عليها، فإن عجز عن القراءة باللغة العربية فلا يجوز أن يقرأها مترجمة بلغة أخرى، فلو فعل ذلك بطلت صلاته عند جمهور الفقهاء، يقول النووى فى "المجموع " ترجمة القرآن ليست قرآنا بإجماع المسلمين، ومحاولة التدليل لها تكلف، فليس أحد يخالف فى أن المتكلم بمعنى القرآن بالهندية ليس قرآنا، وليس ما لفظ به قرآنا، ومن خالف فى هذا كان مراغما جاحدا، وتفسير شعر امرئ القيس ليس بشعره، فكيف تفسير القرآن يكون قرآنا؟ ولا خلاف فى أن القرآن معجز، وليست الترجمة معجزة، مجلة الأزهر- المجلد السابع ص ١٢٩.
ونقل عن أبى حنيفة جواز القراءة بالترجمة فى الصلاة لمن كان قادرا على القراءة باللغة العربية أو غير قادر. مستدلا ببعض آيات ليست نصًا فى المدعى، ولا داعى لذكرها، وبأن سلمان الفارسى كتب لأهل الفرس - الفاتحة -بالفارسة فكانوا يقرؤون بها حتى لانت ألسنتهم للعربية وبعدما كتب لهم ذلك عرضه على النبى ﷺ فأقره ووجهوا كلام أبى حنيفة بأن القراءة بالفارسية لمن يحسن العربية للرخصة، ولمن لا يحسنها للعذر، ولكن الإمامين محمدا وأبا يوسف لا يجيزان القراءة بها فى الصلاة إلا للمعذور فقط، لأن القرآن معجز باللفظ والمعنى، فإذا قدر عليهما لا يتأدى الواجب بغيرهما، وإن عجز عن النظم أتى بما يقدر عليه وهو المعنى كمن عجز عن الركوع والسجود يصلى بالإيماء.
وقال المحققون: أن أبا حنيفة رجع عن رأيه، فلم يجز القراءة بغير العربية، إلا لمن عجز عنها. وممن نقل رجوعه أبو بكر الرازى ونوح بن مريم وعلى بن الجعد. وقال أيضا: إن خبر سلمان مطعون بأنه لم يخرِّجه كبار رجال الحديث مع أهميته، وأن هناك اختلافا فى بعض رواياته بالزيادة والنقص، لأن النووى ذكره فى المجموع دون قراءتهم بالترجمة فى الصلاة.
وعلى هذا فلا يكون عند الأحناف إلا قول واحد، وهو جواز قراءة القرآن بغير العربية فى الصلاة للعاجز عن العربية، أما القادر عليها فلا يجوز له باتفاق الفقهاء.
يقول الشيخ محمود أبو دقيقة: إن الأئمة الأربعة اتفقوا على أن القادر على العربية إذا قرأ بغيرها فى الصلاة فسدت صلاته، وعلى أن العاجز عنها إذا قرأ بغيرها ما كان قصة أو أمرا أو نهيا فسدت صلاته، لأن ما أتى به ليس قرآنا وهو من كلام الناس فيفسد الصلاة، ولم يختلفوا إلا فيما إذا كان المقروء ذكرا أو تنزيها فالأئمة الثلاثة قالوا بفساد الصلاة وأبو حنيفة وأصحابه قالوا بجواز الصلاة، لأن العاجز عن العربية حكمه حكم الأمى فلا قراءة عليه، وإذا أتى بذكر بأى لغة لا تفسد صلاته، فكذلك من كان فى حكمه "مجلة الأزهر-المجلد الثالث ص ٣٤"
стр. 4037
وقت الفجر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن الفجر الكاذب هو المدون توقيته بالنتائج، أما الفجر الصادق فهو بعده بعشر دقائق أو عشرين دقيقة، ولذلك لا يصلون الصبح ولا يمسكون عن الطعام فى الصيام إلا بعد طلوع هذا الفجر فما حكم الشرع فى ذلك؟
الجواب
مبدئيا: نقول: هناك فجر كاذب وفجر صادق، فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال - أو قال نداء بلال - من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال ينادى بليل - ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم " وقال "إن الفجر ليس الذى يقول هكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذى يقول هكذا ... " ووضع المسبحة على المسبحة، ومد يده. وجاء توضيح ذلك بقوله "هو المعترض وليس بالمستطيل " وبقوله "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا" يعنى معترضا.
إن تعيين الفجر الصادق والكاذب تعيينا مستمدا من الحديث النبوى والأرصاد الحديثة قام به المختصون، وانتهوا إلى أن الفجر الصادق هو الذى يرفع له الأذان، ولا بد من اتباع ذلك ما لم يظهر شيء آخر يقوم على حقائق علمية وأرصاد يقينية صحيحة.
والكلام الذى جاء فى السؤال حدث منذ سنوات قليلة، ولعل من قالوا به قرؤوا ما جاء فى تفسير القرطبى "ج ٢ ص ٣١٩" من أن طائفة قالت: إن حل الصلاة تحريم الطعام يكون بعد طلوع الفجر وتبينه فى الطرق والبيوت، وروى ذلك عن عمر وحذيفة وابن عباس وطلق بن على وعطاء بن أبى رباح. وروى النسائى عن عاصم عن زر قال: قلنا لحذيفة: أى ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.
وقال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل اليمامة: قال الطبرى: والذى دعاهم إلى هذا أن الصوم إنما هو فى النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، وآخره غروبها.
هذا وقد صدرت فتوى من دار الإفتاء المصرية بتاريخ ٢٢ من نوفمبر ١٩٨١ م بما نصه: إن الحساب الفلكى لمواقيت الصلاة الذى تصدره هيئة المساحة المصرية عُرِضَ على لجنة متخصصة من رجال الفلك والشريعة فانتهت إلى أن الأسلوب المتبع فى حساب مواقيت الصلاة فى جمهورية مصر العربية يتفق من الناحية الشرعية والفلكية مع رأى قدامى علماء الفلك من المسلمين.
واستيثاقا لذلك ستشكل لجنة أخرى لمتابعة البحث، وقرر المفتى الالتزام بالمواقيت المذكورة، لأنها موافقة لما جاء فى الأحاديث التى رواها أصحاب السنن مما علمه جبريل للنبى ﷺ وأمر المفتى من يقولون فى الدين بغير علم أن يتقوا الله حتى لا يضلوا الناس فى دينهم، وألا يلبسوا الدين بأغراض أخرى يبتغونها، فالحق أحق أن يتبع "الفتاوى الإسلامية ج ٨ ص ٢٧٣٣ "
стр. 4038
ترك العمل لصلاة الجماعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى العمال الذين يتركون أعمالهم ليصلوا الظهر جماعة؟
الجواب
لا شك أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد، وأن الصلاة فى أول الوقت أفضل من الصلاة في غيره، فيسن للإنسان أن يبادر بالصلاة فى أول وقتها، وأن يصليها فى جماعة. وذلك إذا لم يكن مرتبطا بعمل آخر له أهميته، ولو تركه لفسد العمل أو نقص أثره نقصا واضحا، وهذا فى عمله أما عمله لغيره فلا يحل له أن يتركه لهذه الفضيلة التى لا عقاب على تركها إلا إذا أذن له صاحب العمل لأن أداء العمل لقاء أجر عقد واجب التنفيذ لا يجوز التقصير فيه، أما الجماعة وأول الوقت فسنة، والواجب مقدم على السنة، فإذا سمح صاحب العمل فى فسحة من أجل الصلاة جاز ذلك، على ألا يساء استعمال هذه الفسحة، فتتخذ وسيلة إلى التزويغ أو قضاء مصالح أو غير ذلك أكثر من الصلاة.
والنبى ﷺ حينما حدد جبريل له أوقات الصلاة - صلى به فى أول الوقت، ثم صلى ثانيا فى آخر الوقت وقال "الوقت ما بين هذين الوقتين " وذلك من باب التيسير، فإذا كان الإنسان حرا غير مرتبط بعمل لغيره فمن السنة المبادرة بالصلاة جماعة فى أول وقتها، أما إذا كان مرتبطا فيتوقف ذلك على إذن صاحب العمل.
وأعتقد أن أصحاب الأعمال المسلمين لا يمنعون أحدا من ذلك، فالمتدين سيحافظ على العمل ويتقنه ولا يتهاون فيه، غير أنه - كما قلت - لا ينبغى إساءة استعمال هذا الإذن، فالعمل نفسه طاعة لله ما دامت النية فيه طيبة، وليتعاون أرباب العمل مع العمال على المصلحة المشتركة.
هذا كله ما دام فى الوقت متسع، أما إذا ضاق الوقت وخيف أن تفوت الصلاة وجب ترك العمل من أجل إدراك الصلاة، ولا يتوقف ذلك على إذن صاحب العمل، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.
ولو فرض أن صاحب العمل شديد لا يسمح لأحد بترك العمل لأجل الصلاة، وإن تركه عاقبه عقوبة تؤثر تأثيرًا شديدا على العامل فيجوز له أن يجمع فرضين بعضهما مع بعض يصليهما بعد الانتهاء من العمل، الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء كما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل
стр. 4039
صفوف الجماعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرجو توضيح النصوص الواردة فى فضيلة الصفوف الأولى للرجال والصفوف الأخيرة للنساء فى صلاة الجماعة؟
الجواب
روى البخارى وغيره أن النبى ﷺ قال "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" وروى البخارى وغيره أن النبى ﷺ قال "لو يعلم الناس ما فى الأذان والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" أى لو يعلم الناس ثواب الصف الأول لحكَّموا القرعة بينهم عند كثرة من يرغبون فيه. وروى مسلم وغيره أنه قال "ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها"؟ قلنا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ فقال " يتمون الصف الأول ويتراصون فى الصف " وروى أحمد بإسناد جيد أنه قال " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول " وصلاة الله رحمة وصلاة الملائكة استغفار، وروى مسلم وغيره أنه قال "ليَلنى منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " وروى أحمد وأبو داود عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه.
تدل هذه الأحاديث على فضل الصفوف الأولى للرجال فى صلاة الجماعة، وعلى فضل الصفوف الأخيرة للنساء، وعلى أفضلية الصف الأول من هذه الصفوف، وعلى أفضلية أن تكون الصفوف الأولى من ذوى العقول المستنيرة والمتفقهين فى الدين.
والحكمة فى كون هؤلاء أولى بالصفوف الأولى تظهر فى أمور، منها أنهم أقدر على الأخذ والفهم لما يقوله الرسول ويفعله، وأقدر على تعليم غيرهم ما تعلموه منه، وأنهم يستطيعون تنبيهه إذا حدث ما يدعو إلى التنبيه، أو الفتح عليه عند التوقف عن القراءة وأنهم أولى بالإمامة إذا أراد استخلاف أحد لعذر من الأعذار.
والحكمة فى جعل النساء فى الصفوف الخلفية تظهر فى أمور، منها:
ا - أن المرأة ليست فى مستوى الرجال وبخاصة أولوا الأحلام والنهى فيما يتميزون به مما سبق ذكره.
٢ -أن تقدمها أمام الرجال فيه صورة إمامتها لهم، وهى ممنوعة باتفاق الأئمة.
٣- أنها تشغل الرجال عن الخشوع فى الصلاة بمجرد وجودها أمامهم، وذلك أمر طبيعي وعند ركوعها وسجودها يكون الانشغال أشد، وهو ما يفسر به حديث قطع المرأة للصلاة إذا مرت أمام المصلى عند جمهور الفقهاء.
٤ -ألا تختلط صفوف الرجال بالنساء إذا تخللن صفوفهم فيكون انصرافهن بعد انتهاء الصلاة أيسر، وكان من المأثور أن النبى ﷺ كان لا ينصرف عقب الصلاة مباشرة بل ينتظر هو وأصحابه حتى ينصرف النساء أولا.
هذا، وكان من المتبع فى ترتيب الصفوف فى الجماعة أن يكون الرجال فى الصفوف الأولى ثم يليهم الصبيان ثم يليهم النساء، كما رواه أحمد. وتوسط الصبيان فيه شدة حيطة من انشغال الرجال بالنساء، فمن الجائز أن بعض من فى الصف الذى يليه صف النساء إذا ركع لمح بنظره بعض النساء، ولا شك أن الخشوع فى الصلاة أساس قبولها كما قال تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون. الذين هم فى صلاتهم خاشعون﴾ المؤمنون: ١، ٢
стр. 4040
صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ورد سؤال من مدينة سعرت بتركيا يقول: فى مدينتنا تؤدى فريضة الظهر جماعة بعد أداء صلاة الجمعة. فهل هذا من الدين؟
الجواب
المعروف أن صلاة الجمعة بدل من صلاة الظهر، فلو أديت الجمعة على وجهها الصحيح أغنت عن صلاة الظهر، وإذا لم تؤد، أو أديت على غير وجهها الصحيح وجبت صلاة الظهر.
والأصل أن تقام جمعة واحدة فى مكان واحد، لسماع الخطبة الموحَّدة من الإمام حيث يستمعون إلى نصائحه وتوجيهاته، وتبلغهم دعوة الدين فلا يكون لهم عذر فى التقصير.
وكان العمل على ذلك أيام الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين فى المدينة، حيث كان المسجد النبوى يسع المصلين، وحيث كان الخليفة هو الذى يؤمهم ويخطبهم، ولما اتسع العمران وانتشر المسلمون وضاق المسجد الجامع فى الأمصار عن استيعاب كل المصلين أقيمت جمعة أخرى فى مسجد آخر، وهنا اختلف العلماء فى هذا الوضع، هل هو جائز أو لا وإذا جاز هل صحت الجمعتان أو صحت جمعة واحدة؟ وعلى فرض صحتهما أو صحة إحداهما هل هناك محل لصلاة الظهر أو لا؟ جاء فى كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية ما يأتى:
١- الحنفية قالوا: تصح إقامة الجمعة فى مواضع كثيرة فى المصر أو فى فنائه على الأصح، فتعدد الجمعة فى المساجد لا يضر، ولو سبق أحدها الآخر فى الصلاة على الصحيح. إلا أن الأحوط أن يصلى أربع ركعات بنية آخر ظهر، والأفضل أن يصليها فى منزله حتى لا يعتقد العامة فرضيتها، فإن تيقن أنه سُبِق بالصلاة فى مسجد آخر كانت هذه الصلاة واجبة، وإن شك كانت هذه الصلاة مندوبة.
٢ - والشافعية قالوا: إن تعددت الجمعة لحاجة كضيق المسجد الواحد عن استيعاب عدد المصلين فكلها صحيحة، وتسن مع ذلك صلاة الظهر ولا تجب، أما إن تعددت الجمعة لغير حاجة، فإن تيقن سبق واحدة صحت وبطل غيرها، وعلى من بطلت صلاتهم أن يصلوها ظهَرا إن لم يمكنهم أداؤها خلف الجمعة السابقة - والعبرة فى السبق بتكبيرة الإحرام، وإن تيقن أن الجمع كلها متقارنة ليس فيها سبق واحدة على الأخرى بطلت الجُمَعُ كلها، ويجب عليهم الاجتماع لإعادتها إن أمكن، وإلا صلوها ظهرا وكذلك الحكم لو حصل الشك فى السبق والمقارنة. .
٣- والمالكية قالوا: لا تصح الجمعة إلا فى الجامع القديم، وتصح فى المسجد الجديد الذى ينشأ بعد القديم بشرط ألا يُهجر القديم، وأن تكون هناك حاجة لبناء هذا المسجد الجديد، كضيق القديم وعدم إمكان توسعته وكعداوة فى ناحيتين من البلد يخشى من اجتماع الناس فى مسجد واحد أن تكون فتنة، وكذلك تصح فى المسجد الجديد إن حكم الحاكم بصحتها فيه، ولو اختل شرط بطلت الجمعة ووجبت صلاة الظهر.
٤ - والحنابلة قالوا مثل ما قال الشافعية أو قريبا منه.
وعلى هذا لو تعددت الجمعة لحاجة فهى صحيحة، ومع ذلك قال الحنفية: الأحوط صلاة الظهر بعدها فى المنزل، وقال الشافعية: تسن صلاة الظهر. ولم يقل أحد تبطل صلاة الظهر وتحرم فى هذه الحالة، فمن شاء صلاها ومن شاء تركها.
هذا هو ما فى كتب الفقه، وهو اجتهاد غير منصوص عليه فى قرآن أو سنة، فمتى صحت الجمعة بالشروط المنصوص عليها فى القرآن والسنة وما تركه الخلفاء الراشدون فلا تجب صلاة الظهر عند تعدد الجمعة ولا عند عدم تعددها
стр. 4041
صلاة الاستخارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف تؤدى صلاة الاستخارة، وما دعاؤها؟
الجواب
صلاة الاستخارة ركعتان يُدْعَى بعدهما بالدعاء الذى جاء فى حديث البخارى عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة فى الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول " إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى- أو قال عاجل أمرى وآجله - فاقدره لى ويسره لى ثم بارك لى فيه -وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى- أو قال عاجل أمرى واجله - فاصرفه عنى واصرفنى عنه، واقدر لى الخير حيث كان ثم رضِّنى به " قال: ويسمى حاجته. يعنى يقول مثلا: إن كنت تعلم أن زواجى من فلانة. . . أو سفرى إلى بلد كذا. . . أو التحاقى بكلية كذا. . .
والركعتان عاديتان ليس فيهما سور مخصوصة، وقال العلماء:
يستحب قراءة " قل يا آيها الكافرون " فى الركعة الأولى، وفى الثانية "قل هو الله أحد".
قال النووى فى كتابه " الأذكار": وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره، وينبغى ألا يعتمد على انشراح كان فيه هوى قبل الاستخارة، وإنما يترك اختياره رأسا. وإلا فلا يكون مستخيرًا لله. بل يكون غير صادق فى طلب الخيرة وفى التبرى من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق فى ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه.
مع مراعاة أن الدعاء الذى تسبقه الصلاة قد يستجاب وقد يردُ، والمدار هو على إتقان الصلاة والدعاء مع توافر عامل الخشوع والرهبة والرغبة، ومع كون العبد مطيعا قريبا منه، بعيدا عن المعاصى وبخاصة أكل الحرام الذى يحول دون قبول الدعاء.
ولا يلزم أن يرى الإنسان بعدها رؤيا منامية، فقد يحصل القبول أو النفور بدونها
стр. 4042
سجدة التلاوة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
حين يقرأ الإنسان القرآن ثم تصادفه آية فيها كلمة السجود، هل يترك المصحف ويقوم ليسجد، أم يفعل ذلك بعد الانتهاء من قراءة القرآن؟
الجواب
من قرأ آية فيها سجدة أو سمعها يستحب له أن يسجد للتلاوة، ولو لم يسجد لا عقوبة عليه،وأوجبها أبو حنيفة فلو تركها عوقب عليها.
ويرى جمهور الفقهاء أن السجود يكون عقب قراءة الآية مباشرة أو عقب سماعها، فإن أخَّر السجود وطال الفصل سقطت السجدة ولا تقضى، وإن كان الفصل قليلا شرعت السجدة.
ومن هذا يعلم أن القارئ إذا وصل إلى آية السجدة وقرأها يترك المصحف أو القراءة ويسجد، ثم بعد ذلك يتم قراءته إذا أراد، ويدل عليه ما جاء فى البخارى أن عمر رضى الله عنه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل، حتى جاء السجدة-يعنى الآية التى فيها السجدة رقم ٤٩ -فنزل وسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنا لم نؤمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه.
هذا، ويشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة، من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة، وذلك ما رآه جمهور الفقهاء. وكان ابن عمر يسجد بدون وضوء كما رواه البخارى ولم يوافقه عليه إلا الشعبى كما قال صاحب الفتح، أما الطهارة من الجنابة فلازمة لأن القراءة بدونها ممنوعة.
أما ما يقال فى سجود التلاوة من الذكر فلم يصح فيه إلا حديث رواه الخمسة إلا ابن ماجه. فعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول ﷺ يقول فى سجود القرآن: سجد وجهى للذى خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين
стр. 4043
سجدة الشكر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى صلاة الشكر، وكيف تصلى؟
الجواب
المشروع عند الجمهور هو سجود الشكر إذا حصل للإنسان نعمة ينبغى أن يشكر الله عليها، ومن مظاهر الشكر السجود لله سبحانه، وهو سجود واحد، فعن أبى بكرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان إذا أتاه أمر يسرّه أو بُشَر به خر ساجدًا شكرًا لله تعالى، رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى وحسنه، كما روى البيهقى أنه سجد شكرًا لله عندما وصل خبر إسلام همدان. وروى أحمد والحاكم أنه سجد شكرًا لله عندما بشره جبريل بأن الله يصلى ويسلم على من يصلى ويسلم عليه.
ويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود الصلاة من طهارة واستقبال للقبلة وستر للعورة.. . وذلك عند جمهور الفقهاء، وهى تكبيرة مع النية ثم سجود ثم سلام. والمالكية قالوا: ليس هناك سجود للشكر، ولكن المستحب.هو صلاة ركعتين عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة.
هذا، ولم يشترط بعض العلماء لسجود الشكر ما يشترط لسجود الصلاة، قال فى فتح العلام: وهو الأقرب. وقال الشوكانى: وليس فى أحاديث الباب ما يدل على اشتراط الوضوء وطهارة الثوب والمكان لسجود الشكر، وليس فيه ما يدل على التكبير، وقال بعضهم:
يُكبِّر. ولا يكون سجود الشكر فى الصلاة أبدا
стр. 4044
الصلاة بين موسى ومحمد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأنا فى بعض المجلات بمناسبة كلام موسى مع النبى حين أخبره بأن الصلاة فرضت عليه خمسين [أن موسى لم يكن وصيا على الرسول حتى يقول له ارجع إلى ربك اكثر من مرة، فهذا الحديث دخيل إسرائيلى يبين أن منزله موسى رفيعة، وأنه هو الذى وجّه نبيكم محمدا ﵊ للتخفيف عنكم] فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
حديث الإسراء والمعراج رواه البخارى ومسلم وغيرهما، وهو بهذا فى أعلى درجات الصحة، وجاء فيه أن الله عندما فرض على النبى ﷺ الصلاة خمسين أشار عليه سيدنا موسى أن يسأل ربه التخفيف، فخففت حتى صارت خمسا فى العمل وخمسين فى الأجر.
ويجب أن يلاحظ أن هذا الحديث فى موضوع خارق للعادة وفوق مستوى العقل البشرى، ويجب التصديق به وعدم تكذيبه، كما عليه أكثر العلماء من أن الخبر يفيد العلم اليقينى إذا كان متواتراً، أو كان حديث آحاد ثبتت صحته.
كما يلاحظ أن الواجب هو تصديق الخبر من هذا النوع بجملته، وإن ترك -وهذا ما لا يجوز-يترك كله، ولا يصدق بعضه ويرفض بعضه الآخر.
إن فرض الصلاة ليلة الإسراء والمعراج على هذا النحو لم يعارض فيه أحد من شراح الحديث، وما جرؤ واحد منهم على أن يقول: إن تردد محمد ﷺ بين ربه وموسى لسؤاله التخفيف -أمر دخيل على السنة وأنه من صنع اليهود ليثبتوا به الوصاية لموسى على محمد-بل إنهم آمنوا به إيمانا عميقا جعلهم يبنون على هذه الفقرة من الحديث قاعدة أصولية، وهى هل يجوز النسخ قبل الفعل أو لا يجوز؟ .
ثم لماذا يقال: إن هذه الفقرة تسلل إسرائيلى لصالح اليهود، ولا يقال إنها ترتيب إلهى يسجل صورة من تمرد اليهود على موسى من ضمن صور التمرد، التى حدثت منهم، وهذا ما يدل عليه قول موسى للرسول ﵊ فى الحديث "فإنى قد بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم "يقول الشراح: أى علمت منهم عدم الوفاء بذلك مع قوة أجسادهم وطول أعمارهم فلم أجد لهم صبرا على ذلك فكيف حال أمتك.
وقال القرطبى: الحكمة فى تخصيص موسى بمراجعة النبى ﷺ فى أمر الصلوات يحتمل أن تكون لكون أمة موسى ﵇ كلفت من الصلوات ما لم يكلف به غيرها من الأمم قبلها فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد من مثل ذلك، ويشير إليه قوله: إنى جربت الناس قبلك.
"الزرقانى على المواهب اللدنية ج ٦ ص ١٢٣ ". وهناك توضيحات كثيرة لهذه النقطة لم يجر فيها نقد لها أو مجرد شبهة أنها دخيل إسرائيلى.
إن الأنبياء جميعا إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد كما ثبت عن النبى ﷺ ، وليس بعيدا أن يشير أخ على أخيه بما يحقق له ولأمته المصلحة، ثم ماذا يقول من يرفضون هذه القطعة من الحديث خوفا أن يظن أن هناك وصاية من موسى على محمد فى تكريم محمد لموسى وعيسى ويونس وغيرهم من الأنبياء، وقد ثبت فى الحديث الصحيح قوله "وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه ليس بينى وبينه نبى" وقوله عن موسى "لا تخيرونى على موسى فان الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى أم كان ممن استثنى الله " وقوله "ما ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس" وماذا يقول فى قول الله لنبيه محمد ﷺ بعد ذكر الأنبياء فى سورة الأنعام: ٩٠، ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ هل كانت لهم وصاية عليه ﷺ ؟ .
ليس هناك وجه صحيح أبدا لرفض هذه المحادثة التى جرت بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، إن وجدنا فهما ممكنا وقريبا على وجه يبعد هذه الشبهة عن علاقة موسى بمحمد، وأخشى أن تتحكم بعض الأفهام فى النصوص الثابتة فترفضها لوجهة نظر قد غلبتها ظروف قائمة، مع أن مخارج الفهم الصحيح لها كثيرة، ولولا أن القرآن الكريم قطعى الثبوت لقال بعض الناس فى قوله تعالى: عن القرآن الكريم ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين. وإنه لفى زبر الأولين. أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل﴾ الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧، كيف يحيل الله التصديق بالقرآن أو بمحمد على علماء بنى إسرائيل، أليس فى ذلك وصاية منهم على القرآن ومحمد؟ وكيف يجعل لهؤلاء سلطانا وشهادة على ذلك فى قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ النحل: ٤٣، ومهما قيل فى هؤلاء فإن المقصود بهم من آمنوا منهم بالرسول والقرآن، فيكفى أن الله شهيد على صدق محمد فى رسالته ومعجزته، ولا حاجة لهؤلاء.
إن حديث الإسراء والمعراج حديث الغرائب، وهو صحيح فى جملته وتفصيله كما رواه البخارى ومسلم، ولم يجرحه أحد من المحدثين لا فى متنه ولا فى سنده، ولم يقل أحد من الشراح إن فيه تسللا إسرائيليا فى مشهد من مشاهده أو موقف من مواقفه بل إن إعجابهم بهذا الموقف جعلهم يكثرون من التعليق عليه بألوان شتى تؤكد صدقه وحكمته المقصودة من ورائه ليفهمها من يصعب عليهم الفهم بعد أربعة عشر قرنا وضع فيها هذا الحديث على بساط البحث أمام مئات وآلاف عباقرة الإسلام المتخصصين الغيورين ولم يدر بخلد واحد منهم ما يدور اليوم بخلد غيرهم ممن يعجزون عن إقامة الدليل الصحيح المقنع على ما يدعون ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ النجم: ٢٨.
لئن كان هذا فهما لغير مسلم لهان الأمر وقلنا "شنشنة أعرفها من أخزم " وجزء من حملة التشكيك فى السنة ذريعة للتشكيك فى القرآن، فكيف إذا كان هذا فهما لمسلم؟ لئن كان القصد سليما فإن رد الفعل على عقول وأفهام الكثيرين رد يخشى منه على نظرة البسطاء للسنة وللدين بوجه عام ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ النمل: ٦٤
стр. 4045
المرأة والمسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أيهما أفضل للمرأة، صلاتها فى بيتها أم صلاتها فى المسجد؟
الجواب
وردت عدة أحاديث ترغِّب المرأة فى صلاتها فى بيتها، منها:
١ - قالت أم حميد امرأة أبى حميد الساعدى: يا رسول الله إنى أحب الصلاة معك فقال "قد علمت أنك تحبين الصلاة معى، وصلاتك فى بيتك خير من صلاتك فى حجرتك، وصلاتك فى حجرتك خير من صلاتك فى دارك وصلاتك فى دارك خير من صلاتك فى مسجد قومك، وصلاتك فى مسجد قومك خير من صلاتك فى مسجدى "قال الراوى "فأمرت فبنى لها مسجد فى أقصى شيء من بيتها وأظلمه وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله " رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما وبوَّب عليه ابن خزيمة "باب اختيار صلاة المرأة فى حجرتها على صلاتها فى دارها وصلاتها فى مسجد قومها على صلاتها فى مسجد النبى ﷺ وإن كانت الصلاة فى مسجد النبى ﷺ تعدل ألف صلاة فى غيره من المساجد ما عدا المسجد الحرام ".
وفيه دليل على أن قول النبى ﷺ "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد" إنما أريد به صلاة الرجل دون صلاة النساء، انتهى كلامه.
٢ - "خير مساجد النساء مقر بيوتهن " رواه أحمد والطبرانى وابن خزيمة والحاكم وصححه.
٣-"صلاة المرأة فى بيتها خير من صلاتها فى حجرتها، وصلاتها فى حجرتها خير من صلاتها فى دارها، وصلاتها فى دارها خير من صلاتها فى مسجد قومها " رواه الطبرانى بإسناد جيد، وهو قريب من الحديث الأول.
٤ -"ما صلت المرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان فى بيتها ظلمة" رواه الطبرانى وابن خزيمة فى صحيحه.
٥ - "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن " رواه أبو داود عن ابن عمر.
هذه الأحاديث وغيرها تدل على جواز صلاة المرأة فى المسجد لكن صلاتها في بيتها أفضل، وكلما كانت بعيدة عن العيون كان أفضل.
هذا فى الصلاة، أما ذهابها إلى المسجد لتعلم العلم أو سماع خطبة الجمعة مثلا فذلك شيء آخر، فإذا لم يتيسر لها التعلم فى بيتها عن طريق القراءة أو سماع الأحاديث الدينية أو مشاهدتها فى الإذاعة المسموعة والمرئية كان لها أن تذهب إلى المسجد أو المدرسة للتعلم وعليه يحمل الحديث الأخير فى النهى عن منع النساء من الذهاب إلى المساجد، ومثله حديث رواه مسلم " إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن " وكل ذلك بشرط إذن الزوج وعدم الخوف عليها من الفتنة والتزامها الآداب الشرعية المعروفة، وكانت المرأة أيام الرسول ﷺ ملتزمة ذلك. لكن بعد وفاته قصر بعضهن ولذلك قالت السيدة عائشة رضى الله عنها-كما رواه مسلم -لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بنى إسرائيل. ويفسر النووى ما أحدثه النساء بالزينة والطيب وحسن الثياب، ولذلك جاء فى حديث رواه أحمد وأبو داود "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات " أى غير متزينات، وفى حديث مسلم " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا" وفى حديث ابن خزيمة فى صحيحه "لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل "
стр. 4046
الصلاة الوسطى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الصلاة الوسطى؟
الجواب
قال الله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ البقرة: ٢٣٨.
اختلف العلماء فى تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال، يمكن الرجوع إليها فى كتب التفسير، ومن أصح الأقوال أنها صلاة العصر، وعليه جمهور الفقهاء، محتجين بأحاديث رواها مسلم وغيره، ومنها حديث الترمذى الذى قال: إنه حديث حسن صحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبى ﷺ "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وسائر الأقوال أدلتها استنباطية وليست منصوصة، ولهذا قال ابن عمر والربيع بن هيثم إنها غير معينة، خبأها الله فى الصلوات كما خبأ ليلة القدر فى رمضان، وساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء.
روى مسلم فى صحيحه عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ فقال رجل: هى إذًا صلاة العصر؟ قال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى.
وقد ارتضى القرطبى فى تفسيره أنها مبهمة لتعارض الأدلة وعدم الترجيح، فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها فى أوقاتها
стр. 4047
درجات المنبر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
انتشرت فى المساجد الصغيرة منابر ذات درجات ثلاثة، فهل المنابر العالية بدعه منكرة؟
الجواب
صح فى البخارى أن النبى ﷺ أمر نجارا أن يعمل له منبرا يجلس عليه إذا خطب، فلما عمل من طرفاء الغابة يقول سهل بن سعد الساعدى: رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها وكبر وهو عليها ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقرى فسجد فى أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتى "ج ٢ ص ١٢ ".
لقد كان النبى ﷺ يخطب الناس بجوار جذع من النخل يستند إليه، ولما كان طول الوقوف شاقا عليه أمر بصنع المنبر، وكان ثلاث درجات، إلى أن زاد فيه مروان ست درجات، وجدد أكثر من مرة بعد احتراق المسجد، وكان لأمراء مصر فضل كبير فى تجديد المنابر، واستمر الناس يخطبون على هذه المنابر بدرجاتها التسع دون أن ينكر عليهم أحد، وحاول الخليفة العباسى سنة: ١٦٥ هـ أن يعيد المنبر كما كان على عهد الرسول ﷺ فنصحه الإمام مالك بعدم التغيير فيه، ولو كانت المنابر الجديدة بدعة وضلالة ما كان للإمام مالك أن يقرها وينهى الخليفة عن تغييرها.
لقد اتخذ الرسول المنبر من أجل المصلحة، ولم يكتف بالخطبة عليه. بل استعمله للصلاة ليكون بارزا وظاهرا لمن يصلون خلفه، وقال المؤرخون: إن الزيادة فى درجاته كانت بسبب كثرة الناس وحاجتهم إلى سماع الخطبة، حيث كان يستعان على ذلك بارتفاع مكان الخطيب، ومن هنا نعلم أن كل ما يؤدى إلى خير عام ولا يصادم نصا صريحا ولا حكما مقررا، لا ينبغى أن نبادر بالإنكار عليه ووصفه ببدعة الضلالة المؤدية إلى النار، وهل كان المسلمون طوال هذه القرون على جهل بدينهم، وفيهم أئمة كبار حين أقروا ارتفاع المنابر فوق ما كان عليه المنبر النبوى؟ .
إن درجات المنبر لم يرد فى تحديدها قول من النبى ﷺ حتى نلزم به ونعصى عند مخالفته، فالأمر يدور على المصلحة، وإذا وجدت المصلحة، فثم شرع الله كما قال المحققون. إن درجات المنابر فى أيامنا الحاضرة تساوى قليلها بكثيرها، لوجود مكبرات الصوت التى وفرت على الخطيب كثيرا من الجهد، ومكنت من الاستماع إلى الخطبة أكبر عدد من المسلمين، فهل نحكم على هذه المكبرات بأنها بدعة وضلالة فى النار، وهى تؤدى الغرض الذى من أجله أمر رسول الله أن يقام له المنبر؟ إن الدين يحتاج إلى من يفهمه على وجهه الصحيح، وليست العبرة بالمنابر ودرجاتها الصامتة إنما العبرة بما يلقى من فوقها من علم يجب أن يرقى عشرات الدرجات فى الصدق والإجادة والإتقان. نسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب إنه سميع مجيب، ومنه الهداية والتوفيق
стр. 4048
ساعة يوم الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هناك اعتقاد شائع بين العامة أن فى يوم الجمعة ساعة نحس،فهل هذا صحيح؟
الجواب
وردت أحاديث كثيرة تبين أن يوم الجمعة قد هدانا الله إليه وأضل عنه من قبلنا وأن له فضلا على غيره من أيام الأسبوع، ففيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة كما رواه مسلم، وفيه تاب الله على آدم وفيه مات كما رواه مالك فى الموطأ وفيه غير ذلك مما وردت به أحاديث لم يُجزم بصحتها.
ولم يرد دليل يعتد به على أن فيه ساعة نحس، بل العكس هو الصحيح، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن فيه ساعة إجابة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه كما رواه مسلم.
وهذه الساعة ليست ساعة زمنية "٦٠ دقيقة" بل هى فترة من الزمن لا يعلم قدرها إلا الله، وقد كثرت الأقوال فى تعيينها بناء على النصوص الواردة فيها، حتى أوصلها ابن القيم إلى أحد عشر قولا. ومن أقوى النصوص أنها ما بين أن يجلس الخطيب على المنبر إلى انتهاء صلاة الجمعة كما رواه مسلم. ولعل الحكمة فى النص على هذه الفترة التنبيه على وجوب الإنصات والاستماع للخطبة التى قد يكون فيها دعاء يطلب له التأمين فترجى الاستجابة.
وقيل إنها بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس كما رواه الترمذى، أو آخر ساعة بعد العصر كما رواه أبو داود والنسائى، وقيل بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل غير ذلك ويمكن الرجوع فى معرفة الأقوال إلى صحيح مسلم بشرح النووى "ج ٦ ص ٤٠ " وزاد المعاد لابن القيم "ج ١ ص ١٠٤ " ونيل الأوطار للثسوكانى "ج ٣ ص ٢٥٥" والترغيب والترهيب للمنذرى "ج ١ ص ١٩٣ ".
ولعل الحكمة فى عدم تعيينها بالضبط أن نجعل يومنا كله طاعة لله ودعاء، وهذا يتنافى مع اعتقاد بعض العامة أن فى يوم الجمعة ساعة نحس، يفتعلون فيها الغضب والمشاجرات ويلصقون سببها بيوم الجمعة، وذلك غير صحيح
стр. 4049
تكبير العيدين والإجازة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا نكبر فى عيد الأضحى أكثر مما نكبر فى عيد الفطر وما هى أيام التشريق ولماذا سميت بذلك؟
الجواب
التكبير فى العيدين سنة عند جمهور الفقهاء، قال تعالى فى آيات الصيام ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ البقرة: ١٨، وحمل التكبير على تكبير عيد الفطر، وقال فى آيات الحج ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ البقرة: ٢٠٣، وقال ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ الحج: ٢٨، وقال تعالى ﴿كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم﴾ الحج: ٣٧، وحمل الذكر والتكبير على ما يكون فى عيد الأضحى.
وجمهور العلماء على أن التكبير فى عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة، وبه قال مالك وأحمد، وقال قوم: إن التكبير يكون من ليلة الفطر حتى يخرج الإمام إلى الصلاة أو حتى يدخل فيها.
ووقت التكبير فى عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وهى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة، ولم يثبت فى ذلك تحديد عن النبى ﷺ ، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول على وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام مِنًى، وبهذا أخذ الشافعى وأحمد.
وإذا كان أصل التكبير فى عيد الأضحى هو للحُجاج، لأنهم يذبحون الهدى والفداء، ويكبرون الله ويذكرونه عند الذبح وكذلك عند رمى الجمرات، فإن غير الحجاج يكبرون أيضا كما هو وارد عن النبى ﷺ ففى حديث مسلم عن أم عطية فى خروج النساء إلى مصلى العيد فى الفطر والأضحى، تقول: والحيِّض يكن خلف الناس يكبرن مع الناس، وللبخارى عنها أيضا: كنا نؤمر أن نخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم.
يؤخذ من هذا أن التكبير فى العيدين سنة، وكانت مدته فى الفطر أقل من الأضحى لأن القربة إلى الله فى عيد الفطر كان أهمها الصلاة وإخراج زكاة الفطر، أما فى عيد الأضحى فالقربة برمى الجمار والذبح ممتدة إلى ثلاثة أيام بعد يوم العيد.
وسميت أيام التشريق بذلك الاسم لأن العرب كانوا يشققون اللحم لكثرته ويعرضونه لحرارة الشمس حتى يجف، ثم يحملونه معهم بعد عودتهم من الموسم، وتلك كانت طريقة حفظ اللحوم إذ ذاك. وقيل: سميت بهذا الاسم أخذا من قولهم: أشرق ثبير كيما نغير. وثبير جبل بمنى كما يقول ابن الأثير فى النهاية، والمعنى: ادخل أيها الجبل فى الشروق وهو ضوء الشمس، كيما نغير، أى ندفع للنحر، وقيل: لأن الهدى لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل غير ذلك.
أما الإجازة أى تعطيل الأعمال فى المصالح بمناسبة العيدين، فهى تنظيم متروك لأولياء الأمور، يعطون الفرصة للعاملين ليتمكنوا من الاحتفال بالعيدين بالفرح والسرور وبالمظاهر التى أباحها الشرع، أو جعلها شعارا للعيدين.
واختلافها راجع لكمية مظاهر الاحتفال بهما. ففى عيد الفطر شرع الله الصلاة وإخراج زكاة الفطر، وذلك فى يوم واحد، وجعل من تمام الفرح عدم صيام هذا اليوم لأننا فى ضيافة الله يكرمنا بعد اجتيازنا امتحان الصيام بنجاح، وفى عيد الأضحى تشرع فى يومه الصلاة والأضحية، وقبله الوقوف بعرفة، وبعده رمى الجمرات وذبح الهدى فكانت المدة المناسبة أكبر من مدة عيد الفطر، والصيام حرام فى يوم العيد وثلاثة أيام بعده نكبر ونذبح ونفرح بما أنعم الله علينا. فالحجاج فى ضيافة الله فى يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، ونحن هنا نشارك الحجاج فرحتهم بما نقدر عليه من مظاهر مشروعة.
والإجازة كما سبق، تنظيم دنيوى تقرره البلاد الإسلامية للمشاركة فى الاحتفال بالأعياد، ومنها يوم الجمعة: وهو عيد أسبوعي، له صلاة مخصوصة، ويحرم أو يكره إفراده بالصيام
стр. 4050
المصافحة بعد الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم مصافحة المصلين بعضهم لبعض بعد الصلاة وقولهم "حرما "؟
الجواب
المصافحة فى حد ذاتها مباحة، بل قيل إنها مسنونة كمظهر من مظاهر الحب والاحترام والألفة وتقوية الرابطة، وقد رويت فى فضلها عدة أحاديث، بعضها بطريق حسن، من أمثلها، عن قتادة قلت لأنس بن مالك رضى الله عنه: أكانت المصافحة فى أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال:
نعم. رواه البخارى والترمذى، وعن حذيفة بن اليمان عن النبى ﷺ قال "إن المؤمن إذا لقى المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر" رواه الطبرانى فى الأوسط. يقول المنذرى فى كتابه الترغيب والترهيب: ورواته لا أعلم فيهم مجروحا. وعن سلمان الفارسى عن النبى ﷺ قال "إن المسلم إذا لقى أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة فى يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر" رواه الطبرانى بإسناد حسن.
أما كون المصافحة بعد الانتهاء من الصلاة فلم تكن موجودة أيام النبى ﷺ ولا فى أيام الخلفاء الراشدين، والأحاديث المذكورة هى فى لقاء الأخ لأخيه، ولذلك قال ابن تيمية بكراهتها، لكن قال العز بن عبد السلام بإباحتها لعدم وجود ما ينهى عنها، بل قال النووى: أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها فى بعض الأحوال لا يخرجها عن الندب، لكن جاء فى كتاب "غذاء الألباب للسفارينى "ج اص ٢٨٣ أن بعضهم يحرمها.
وأرى أن الخلاف فى الآراء راجع إلى الخلاف فى تعريف البدعة، وقد سبق بيانه وما دام الأمر خلافيا فلا ينبغى التعصب فيه لرأى.
أما قول "حرما" فهو اختصار من دعاء هو "ندعو الله أن نلتقى فى الحرم لنصلى فيه " لأن الصلاة فى الحرم يضاعف ثوابها. فهى دعاء بزيارة الحرم للحج أو العمرة والصلاة فيه، وليس هناك دليل يحرم هذا القول، فلا داعى للإنكار عليه
стр. 4051
سجود التلاوة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ماذا يجب علينا إذا سمعنا آية قرآنية بها سجود ونحن نسير فى الطريق العام؟
الجواب
من قرأ أو سمع آية فيها سجود يسن له عند جمهور الفقهاء أن يسجد سجدة التلاوة، فإن لم يسجد فلا عقوبة عليه، لأنها سنة وليست واجبة إلا عند أبى حنيفة فقد جعلها واجبة. فإن كان طاهرا حين سمعها أو قرأها وجب عليه أن يسجد، وإلا فهى فى ذمته يجب عليه أن يسجد بعد أن يتطهر.
فلو كان الإنسان ماشيا فى الطريق العام وهو متوضئ وسمع آية فيها سجدة يسن له أن يسجد على أى مكان طاهر يكون قريبا منه، فإن لم يسجد فلا ذنب عليه ويقوم مقامها عند الشافعية أن يقول (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم) أربع مرات، فذلك يجزئه عن سجدة التلاوة حتى لو كان متطهرا. وعلى رأى أبى حنيفة إن لم يتمكن من السجود فى الطريق فليسجد عندما يصل إلى مكان يسهل عليه أداؤه فيه، فإن وجوبها موسع عنده فى هذه الحالة، والعمر كله فرصة لأدائها.
"انظر صفحة ١٦٨ من هذا المجلد"
стр. 4052
صلاة الحاجة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأت حديثا عن صلاة الحاجة وفيها قراءة للقرآن الكريم أثناء السجود مع أننى قرأت أن النبى ﷺ نهى عن القراءة فى الركوع والسجود، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
إن الله سبحانه هو خالقنا والمنعم علينا، لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين بأحد سواه، وقد أمرنا أن ندعوه ليحقق مطلبنا، ووعدنا بالإجابة كما قال سبحانه ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم﴾ وللدعاء أوقات وأماكن يكون فيها أقرب إلى الاستجابة، ومنها وقت السجود فى الصلاة كما صح فى الحديث " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء" ومن الخير أن نقدم للدعاء بعمل صالح كصدقة أو صلاة كما دعا أصحاب الغار ربهم بصالح أعمالهم ففرَّج عنهم، وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال كما رواه أحمد "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما يسأل معجلا أو مؤخرا) وفى حديث عثمان ابن حنيف أن الرسول قال للأعمى الذى طلب منه أن يدعو الله ليكشف عن بصره: انطلق فتوضأ ثم صل ركعتين، وعلمه الدعاء الذى يدعو الله به.
وقد رويت أحاديث فى كيفية صلاة الحاجة تتناقض مع الأحاديث الصحيحة، منها حديث ابن مسعود الذى جاء فيه صلاة ثنتى عشرة ركعة، يقرأ فى السجود فاتحة الكتاب سبع مرات وآية الكرسى سبع مرات، مع ذكر ودعاء، وقد جرب الناس هذه الصلاة فوجدوها حقا.
والناظر فى هذا الحديث يجده متعارضا مع النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود، فقد روى مسلم وغيره أن النبى ﷺ قال "ألا وإنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن - بفتح القاف وكسر الميم - أن يستجاب لكم " وروى مسلم وغيره أيضا عن على رضى الله عنه قوله:
نهانى رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا.
يقول الشوكانى: هذا النهى يدل على تحريم قراءة القرآن فى الركوع والسجود. وفى بطلان الصلاة بذلك خلاف.
وما دام الحديث الصحيح ينهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود فهو مقدَّم على حديث صلاة الحاجة الذى تقدم ذكره عن ابن مسعود، وقال الحاكم الذى رواه: تفرد به عامر وهو ثقة مأمون، يقول الحافظ المنذرى: أما عامر فهو النيسابورى قال شيخنا الحافظ أبو الحسن:
كان صاحب مناكير، وقد تفرد به عن عمر بن مهدى وحده فيما أعلم، والاعتماد فى مثل هذا على التجربة لا على الإسناد.
بعد هذا أنصح بالتثبت مما يعبد الإنسان به ربه، وعدم الجرى وراء أى شيء يظن أن فيه تحقيق رغبته، فالله لا يُعبد إلا بما شرع، ولا يُطلب ما عنده إلا بما صح فى القرآن والسنة، وهو كثير، وبالله التوفيق
стр. 4053
صلاة الضحى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى الحديث الذى قاله النبى ﷺ عن الله : " ابن آدم اركع لى من أول النهار أربع ركعات أكفك آخره "
الجواب
روى أحمد والترمذى وغيرهما أن النبى ﷺ قال: "قال الله : يا ابن آدم صل لى أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " وجاء بألفاظ أخرى متقاربة.
والمراد بذلك الترغيب فى صلاة الضحى، وجاء مثل ذلك فى حديث رواه مسلم "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة.، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
وقد يوضح هذا الحديث الحديث الأول بل يوضحه أكثر رواية أحمد وأبى داود وابن خزيمة وابن حبان، "فى الإنسان ستون وثلثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل صدقة" قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: "النخامة فى المسجد تدفنها والشيء تنحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تجزىء عنك "
стр. 4054
الإسراء وفرض الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل كان الإسراء فى أول البعثة، وهل فرضت الصلاة من أول عهد النبوة؟
الجواب
الصلوات الخمس المعروفة فرضت ليلة الإسراء وهذا باتفاق، لكن متى كان الإسراء،وهل كانت هناك صلاة قبل الإسراء؟ أما الإسراء فقد اختلف فى وقته اختلافا كبيرا، فقيل إنه كان قبل البعثة، كما فهم من رواية شريك عن أنس.
ولم يرتضى هذا القول الأكثرون، وحملوه على أنه كان إسراء بالروح فقط، كما كانت الرؤيا الصالحة سابقة للوحى فى أول عهد النبوة.
وصحت أحاديث برؤى منامية فيها مشاهد كالتى تروى فى قصة الإسراء، وقيل كان بعد البعثة ولكن فى أى عام؟ الأقوال كثيرة.
والذى عليه الجمهور أنه كان قبيل الهجرة بعام أو نحوه ولم يكن فى مبدأ البعثة، وفى هذا الإسراء وحده فرضت الصلوات المعروفة.
وأما أن هناك. صلاة كانت قبل المفروضة ليلة الإسراء فنعم، ولكن يجب أن يعلم أن الصلاة فى القرآن قد تطلق على معناها اللغوى وهو الدعاء ومنه قوله تعالى ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ التوبة: ١٥٣، وقوله تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ الأحزاب: ٥٦.
فالصلاة فى هذه الآية لا يمكن أن تكون هى الصلاة المعروفة ذات الركوع والسجود، وإنما هى دعاء أو استغفار أو رحمة.
والعرب فى الجاهلية كانت لهم صلاة وهى دعاء يدعون به عند التلبية والحج.
كما كانت لهم صلاة من نوع آخر يدل عليه قوله تعالى ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ الأنفال: ٣٥، والمكاء هو الصفير، والتصدية هى التصفيق.
فقيل: إن ذلك كان عبادة يتقربون بها، وقيل: إنه ضرب من التشويش على النبى ﷺ وهو يصلى.
ويحتمل أن يكون الدعاء هو المراد من الصلاة فى قوله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ الإسراء: ١١٥.
كما يحتمل أن يراد بها القراءة، وقد جاء هذا التفسير فى روايات صحيحة، ومن إطلاق الصلاة على القراءة الحديث القدسى الصحيح "قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل، فإذا قال:
الحمد لله رب العالمين ... ﴾ فأطلق الصلاة على قراءة الفاتحة.
وكان قيام الليل فى أول مشروعيته بالقراءة، كما فى صدر سورة المزمل.
وحملوا الصلاة على الدعاء أو القراءة أيضا ما جاء فى حديث أحمد بسند صحيح أن النبى ﷺ صلى بمنى حين مالت الشمس وصلت خلفه خديجة وعلى، ذلك أن الثابت من حديث عائشة أن خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وكانت وفاتها على الصحيح فى السنة العاشرة من النبوة.
ورأى جماعة أنه كانت هناك صلاة قبل الخمس التى فرضت ليلة الإسراء، وهى ركعتان بالعشى وركعتان بالإبكار، على ما يدل عليه قوله سبحانه ﴿وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار﴾ غافر:٥٥.
لكن ليس هناك دليل قوى على أن هذا التسبيح يراد به الصلاة ذات الركوع والسجود فلم لا يكون تسبيحا باللسان فقط ويدخل ضمن الدعاء الذى يطلق عليه اسم الصلاة.
وورد أن النبى ﷺ عقب عودته من الطائف بموضع يقال له "نخلة" صلى الفجر مع بعض أصحابه، وذلك كان قبل ليلة الإسراء فما هذه الصلاة؟ قيل إنها من المفروضة أول النهار وآخره، وتسميتها بالفجر لوقوعها فى حينه أو قريبا منه، أو كانت صلاة ليل وقعت حول هذا الوقت، وقد يراد بها الدعاء، فليس ذلك دليلا على أن الصلوات الخمس فرضت قبل ليلة الإسراء.
يقول بعض الكاتبين: إن ابن مسعود حفظ سورة الإسراء التى فيها:
﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ وكان قد هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى سنة خمس من النبوة.
وعليه يكون الإسراء قد حصل قبل هذا التاريخ.
وبنوا هذا على أن ابن مسعود لم يتصل بالنبى ﷺ بعد هجرته إلى الحبشة إلا بعد الهجرة إلى المدينة حيث شهد غزوة بدر معه.
لكن ما الذى يقطع بعدم اتصاله به بعد هجرته إلى الحبشة؟ لقد جاء فى سيرة ابن هشام أن المهاجرين الأولين -إلى الحبشة عادوا لما جاءتهم أخبار بهدوء الحالة فى مكة، ولكن لما عرفوا أن الخبر غير صحيح رجعوا إلى الحبشة مرة ثانية، ومكث بعضهم فى مكة ولم يعد واستمر مع النبى حتى هاجر معه إلى المدينة.
وابن مسعود كان ممن بقى بمكة فلعله حفظ سورة الإسراء بعد عودته من الحبشة.
وابن هشام قال إنه بقى ولم يعد إلى الحبشة، وإن كانت بعض كتب السيرة والرجال تقول: إن هناك قولا أنه هاجر هجرتين إلى الحبشة.
والاحتجاج بحفظ ابن مسعود لسورة الإسراء وفيها الآية المذكورة قد يفيد إذا تعين أن الصلاة هى الصلاة المعروفة، ولكن تقدم أنه أريد بها الدعاء أو القراءة.
وقال بعض أيضا إن الزهرى قال: إن الإسراء وقع بعد البعثة بخمس سنين فالصلاة فرضت فى هذا الوقت، لكن النقل عن الزهرى مختلف، ففى نسخ أخرى غير ذلك.
وجاء فى فتح البارى لابن حجر عن الزهرى، أن الإسراء قبل الهجرة بخمس سنين فيكون بعد البعثة بثمان، وصحح بعضهم ذلك بأن السنوات الثلاث التى كانت الدعوة فيها سرا لم تحسب. وعلى هذا يكون الإسراء بعد البعثة بإحدى عشرة سنة.
بعد هذا أقول: إن تحديد عام الإسراء أو شهره أو ليلته ليس فيه كبير فائدة فى حياتنا الدينية.، فالإسراء قد حدث قطعا والصلوات الخمس قد فرضت قطعا، والخلاف فيما وراء ذلك لا طائل تحته.
واختيار المسلمين ليلة السابع والعشرين من رجب لذكرى الإسراء لا داعى للعدول عنه إلى موعد آخر، فالسؤال وارد أيضا على الاختيار الجديد.
ونحن على كل حال لم نكلف بمناسبة الإسراء بعبادة خاصة، وهى ليلة كانت مزيدا لتشريف النبى ﷺ وصدق دعوته، والله أعلم
стр. 4055
الجمع بين صلاتين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض الناس يجمعون بين الصلاتين بدون سفر ولا مرض ولا مطر ويقولون إن الدين يسر فهل لذلك أصل فى الشرع؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال:
صلى النبى ﷺ بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفى لفظ الجماعة إلا البخارى وابن ماجه: جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر. وعند مسلم فى هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال: فقلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أحدا من أمته. وأخرج الطبرانى مثله عن ابن مسعود مرفوعا، ولفظه: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له فى ذلك فقال "صنعت هذا لئلا تحرج أمتى".
والحديث ورد بلفظ: من غير خوف ولا سفر، وبلفظ: من غير خوف ولا مطر، ولم يقع مجموعا بالثلاثة فى شيء من كتب الحديث أى بلفظ: من غير خوف ولا سفر ولا مطر. والمشهور من غير خوف ولا سفر.
وجاء فى رواية البخارى ومسلم عن ابن عباس فى صلاة النبى ﷺ بالمدينة سبعا وثمانيا أن أيوب السختيانى سأل أبا الشعثاء جابر بن زيد الراوى عن ابن عباس وقال له: لعله فى ليلة مطيرة: قال عسى.
وابن عباس كان يفعل كما فعل النبى ﷺ فإن أبا الشعثاء يقول -كما رواه النسائى - إن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى " الظهر" والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شىء، فعل ذلك من شغل. وفيه رفعه إلى النبى ﷺ وفى رواية مسلم أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة. وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم "دخل الليل " ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبى هريرة لابن عباس فى رفعه.
هذا بعض ما ورد من -الأحاديث والآثار فى الجمع بين الصلاتين والعلماء فى ذلك فريقان:
(ا) فذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر حديث ابن عباس فجوزوا الجمع فى الحضر، أى فى غير السفر، للحاجة مطلقا، ولكن بشرط، ألا يتخذ عادة وخلقا، قال ابن حجر فى فتح البارى: وممن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابى عن جماعة من أصحاب الحديث، وقال الشوكانى فى نيل الأوطار:
رواه فى البحر عن الإمامية، وروى عن على وزيد بن على. والحجة فى ذلك نفى الحرج ما دامت هناك حاجة، وكان منها شغل ابن عباس بالخطبة.
(ب) وذهب جمهور الأئمة إلى منع الجمع بين صلاتين إلا لعذر، وحكى عن البعض أنه إجماع، ولا عبرة بمن شذ بعد الإجماع الأول، وحجتهم فى ذلك أخبار المواقيت التى حددت أوقات الصلاة، ولا يخرج عنها إلا لعذر، ومن الأعذار ما هو منصوص عليه كالسفر، وقد ورد عن النبى ﷺ أنه جمع بين الصلاتين فى السفر وكالمرض، فقد ثبت أنه ﵊ قال للمستحاضة -والاستحاضة نوع مرض - "وإن قويت على أن تؤخرى الظهر وتعجلى العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين " ومثله بين المغرب والعشاء، وكالمطر فقد جاء فى موطأ مالك عن نافع عن ابن عمر، كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء فى المطر جمع معهم، وأخرج الأثرم فى سننه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. وهناك أعذار أخرى قيست على هذه الأعذار، أو هى فى معناها. كما سيأتى.
وأجاب الجمهور على حديث ابن عباس الذى يقول بالجمع من غير عذر بأجوبة لا يسلم بعضها من المناقشة وعدم التسليم، لكن أحسنها هو أن الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، الذي فعله النبى ﷺ بالمدينة من غير سفر ولا مرض ولا مطر، كان جمعا صوريا، بمعنى أنه أخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها فصلاها ثم جعل صلاة العصر فى أول وقتها ليس بينهما إلا قدر يسير، فيظن الرائى أنه جمع بين الصلاتين فى وقت واحد لإحداهما، والحقيقة أن كل صلاة وقعت فى وقتها المحدود لها، لأن لكل صلاة وقتا له أول وله آخر، ولما كان أداء الصلاة في وقتها له فضله كان يحرص عليه الصحابة، لكن ربما تكون هناك أعذار تمنع من المبادرة إلى الصلاة أول الوقت ففعل النبي ﷺ ذلك أحيانا ليرفع الحرج عن أمته، وليعرفوا أن الصلاة في آخر وقتها وقعت أداء ولا حرج فى التأخير ما دامت هناك حاجة.
وهذا الجواب ارتضاه ابن حجر فى "الفتح " وقال: قد استحسنه القرطبى ورجحه إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوى، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء، - وهو راوى الحديث عن ابن عباس -قد قال به. ثم قال ابن حجر: ويقوى ما ذكر من الجمع الصورى أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع فإما أن يحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، فالجمع الصورى أولى اهـ.
ومما يدل على أن هذا الجمع بالمدينة لغير عذر كان صوريا ما أخرجه النسائى عن ابن عباس بلفظ جاء فيه: صليت -مع النبى ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، فابن عباس راوى الحديث صرح بأنه جمع صورى، وكذلك ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال: يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه:
وأبو الشعثاء هو راوي حديث ابن عباس في الجمع، ومما يؤيد أن الجمع كان صوريا ما أخرجه مالك فى الموطأ والبخارى وأبو داود والنسائى عن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.. .
فحصر ابن مسعود الجمع فى مزدلفة، مع أنه روى حديث الجمع بالمدينة، وهذا يدل على أنه كان صوريا وإلا لتناقضت روايتاه، والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب. كما يؤيده ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما، وهذا جمع صورى وابن عمر هو ممن روى جمع الرسول بالمدينة كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه فيحمل عليه.
هذا بعض ما قيل فى بيان أن الجمع كان صوريا، وأنه لا يجوز تقديم صلاة على وقتها ولا تأخيرها عن وقتها إلا لعذر، وقد عنى بعض العلماء بتوضيح هذه المسألة وأطال فى ذلك كما فعله ابن القيم فى كتابه " تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع ".
وتكميلا لهذا الموضع أذكر رأى الأئمة الأربعة فى الجمع باختصار:
ا - فعند المالكية يجوز الجمع للسفر طال أو قصر، وللمريض الذى يخاف حصول إغماء أو دوخة تمنعه من أداء الصلاة عند دخول وقت الثانية فيجوز له تقديمها وكذلك الجمع للمطر والطين مع الظلمة آخر الشهر، فيجمع بين المغرب والعشاء تقديما بشرط أن تكون الصلاة فى المسجد جماعة، وكذلك يجوز الجمع للحاج بعرفة أو مزدلفة.
٢ - وعند الشافعية، يجوز الجمع بسبب السفر الطويل، وبسبب المطر تقديما فقط، إذا كانت الصلاة للجماعة فى مسجد بعيد- عرفا -مشقة بالذهاب إليه -ما عدا الإمام فله الجمع ولو لم يتأذ بالمطر- ولا يجمع بسبب المرض على المشهور، لكن الراجح جواز الجمع للمريض تقديما وتأخيرا.
٣-وعند الحنفية. لا يجوز الجمع تقديما إلا فى عرفة للحاج بشرط الجماعة مع الإمام العام أو نائبه، ولا يجوز تأخيرا إلا فى المزدلفة للحاج أيضا، فيصلى العصر فى وقت الظهر بعرفة، والمغرب فى وقت العشاء بالمزدلفة.
٤ -وعند الحنابلة يسن الجمع تقديما بعرفة وتأخيرا بالمزدلفة، ولا يجمع فى السفر إلا إذا بلغ مسافة القصر، ويجوز للمريض الجمع إذا شق عليه الصلاة فى وقتها، وكذلك للمرضع المستحاضة دفعا لمشقة الطهارة عند كل صلاة "ومثلهما من به سلس بول " ويجوز الجمع للعاجز عن معرفة أول الوقت كالأعمى أو الساكن تحت الأرض كعمال المناجم مثلا، ولمن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه أو يخاف ضررا يلحقه فى معيشته بترك الجمع -وفى ذلك تيسير على العمال الذين يستحيل عليهم ترك العمل لأداء كل صلاة فى وقتها- كما قالوا: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء خاصة بسبب الثلج والبرد والجليد والوحل والريح الباردة والمطر الذى يبل الثوب وتحصل به المشقة، ولا فرق فى ذلك بين أن يصلى فى داره أو بالمسجد ولو كان طريقه مسقوفا، والأفضل أن يختار الأسهل عليه من التقديم والتأخير، مع شروط وضعوها لجواز التقديم والتأخير كالترتيب ونية الجمع والموالاة ودوام العذر ... لا مجال لتوضيحها هنا.
انظر فتح البارى لابن حجر ج ٢ ص ١٦٤ " ونيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ٢٦٤ والفقه على المذاهب الأربعة
стр. 4056
صلاة الغائب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يسأل كثيرون عن صلاة الجنازة على الغائب، هل هى مشروعة أم لا؟
الجواب
صلاة الغائب هى صلاة الجنازة على ميت غائب عن المصلى وقد اختلف الفقهاء فى مشروعيتها.
فقال الشافعى وأحمد وابن حزم: إنها مشروعة، ولهم فى ذلك أدلة:
(ا) ما رواه البخارى ومسلم أن النبى ﷺ صلى على النجاشى حين نعى إليه، وصلى معه أصحابه.
(ب) أن صلاة الجنازة قوامها الدعاء، والدعاء لا يشترط فيه حضور المدعو له.
(ج) ما قاله ابن حزم من أنه لم يرد عن الصحابة منع منها.
وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون بعدم مشروعيتها، والحجة عندهم أنه لا يدل عليها دليل، لكن كيف يعملون برواية الصحيحين فى حادث النجاشى؟ أولوها بأنه يجوز أن النجاشى لم يصلِّ عليه أحد فصلى عليه النبى، أو بأن هذه الصلاة على الغائب من خصوصيات النبى. أو بأنه لم يصل على غائب، بل رفعت له الجنازة فشاهدها وصلى عليها صلاة الحاضر.
لكن الأولين ردوا على ذلك بأن الدليل ثابت، وبعدم التسليم بهذه التأويلات، فإن عدم صلاة أحد عليه لا يمنع صلاتها لمن صلى عليه، وادعاء خصوصية النبى بالصلاة على الغائب لا دليل عليه، وكونها رفعت له وشاهدها لا دليل عليه أيضا.
ويتبين من هذا رجحان القول بمشروعيتها، وما دام لم يثبت نهى عنها فتبقى على جوازها لأن المقصود منها الدعاء
стр. 4057
وقت صلاة الجمعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كنت فى بعض دول الخليج فرأيت جماعة يقيمون صلاة الجمعة قبل الزوال بنحو ساعة ولما ناقشتهم فى ذلك قالوا: إن هذا جائز، فهل هذا صحيح؟
الجواب
اتفق الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعى على أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر، الذى يدخل بزوال الشمس، وانفرد أحمد بن حنبل بالقول بدخول وقتها قبل الزوال.
وحجة الجمهور: أن فريضة الجمعة بدل فريضة الظهر، فهى خامسة يومها وليست فريضة زائدة، فوقتها هو وقت ما كانت بدلا عنه وهو الظهر. ويؤكد ذلك فعل النبى ﷺ وأصحابه بدليل ما يأتى:
(ا) عن أنس رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخارى وأحمد وأبو داود والترمذى.
(ب) عن أنس أيضا قال: كنا نصلى مع النبى ﷺ الجمعة، ثم نرجع القائلة فنقيل. رواه البخارى وأحمد، والقائلة هى القيلولة، أى النوم أو الاستراحة بعد الظهر.
(ب) عن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفىء، رواه البخارى، والفىء هو الظل.
(د) عن سويد بن غفلة أنه صلى مع أبى بكر وعمر حين تزول الشمس، رواه ابن أبى شيبة وإسناده قوى.
(هـ) صحت الروايات عن على والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث رضى الله عنهم أن صلاة الجمعة بعد الزوال.
وقد جاء فى بعض الروايات: أحيانا نجد فيئا، وأحيانا لا نجد، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن صلاة الجمعة يدخل وقتها بالزوال كالمعتاد فى وقت صلاة الظهر. وتتبعهم الفىء الذى يجدونه أحيانا وأحيانا لا يجدونه يشير إلى مبادرتهم بصلاتهم الجمعة عقب الزوال، وأن الظل كان قصيرا لقصر البيوت، ولقصره كأنه غير موجود لعدم وقايته من حرارة الشمس.
واستدل الحنابلة بظاهر بعض الروايات الصحيحة، وبروايات أخر. . . ليست قوية منها:
(ا) عن أنس قال: كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة، رواه البخارى، وفى لفظ له أيضا: كنا نصلى مع النبى ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة، فظاهر الحديث أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، أى أوله، قال الحافظ ابن حجر ردا على هذا الاستدلال ليلتقى مع الروايات الأخرى: لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر أن التبكير يطلق على فعل الشيء فى أول وقته أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدءون الصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت عادتهم فى صلاة الظهر فى الحر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون، لمشروعية الإبراد، أى تأخير صلاة الظهر حتى يتلطف الجو.
(ب) عن أنس قال: كان النبى ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعنى الجمعة، رواه البخارى، قالوا:
إن التبكير يفهم من فعلها قبل الزوال، وأجيب بما أجيب به فى الحديث السابق، وقوله يعنى الجمعة، يحتمل أن يكون من كلام التابعى الذى روى عن أنس، أو من هو دون التابعى، فهو ليس من كلام أنس، لأن الروايات عن أنس، أنه كان يبكر بها مطلقا، كما أخرجه الإسماعيلى وليس فيه قوله:
يعنى الجمعة.
(ي) عن سهل بن سعد قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، رواه الجماعة وزاد أحمد ومسلم والترمذى، فى عهد النبى ﷺ قالوا: إن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال:
لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال. وأجيب بأن القيلولة هى نوم نصف النهار بسبب شدة الحر، وذلك يكون بعد الزوال، وكيف يكون غداء قيلولة قبل الزوال. وقد اختلف أصحاب أحمد فى الوقت الذى تصح فيه قبل الزوال، هل هو الساعة السادسة أو الخامسة، أو وقت دخول صلاة العيد فى أول النهار؟ (د) عن جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان يصلى الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس، رواه مسلم وأحمد والنسائى قالوا: إن راحة الجمال حين الزوال بعد صلاة الجمعة دليل على أنها صليت قبل الزوال. وأجيب بأن قوله: حين تزول الشمس أى فى أول وقت زوالها أو قريبا منه مما يدل على شدة التبكير بالصلاة فى أول وقتها.
(ط) ثبت أن النبى ﷺ كان يخطب خطبتين ويجلس بينها يقرأ القرآن ويذكِّر الناس، كما فى صحيح مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: ما حفظت "ق والقرآن المجيد" إلا من فى "فم " رسول الله ﷺ وهو يقرؤها على المنبر كل جمعة، وعند ابن ماجه من حديث أبي بن كعب أن النبى ﷺ قرأ يوم الجمعة "تبارك " وهو قائم يذكر بأيام الله. وكان يصلى بسورة الجمعة والمنافقين كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث على وأبى هريرة وابن عباس، قالوا: لو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال ما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظل يستظل به. وأجيب بعدم التسليم بأن النبى ﷺ كان يخطب دائما بسورة "ق أو تبارك " وإن كان قد تكرر منه، لكن الغالب أنه كان ينتهى من الصلاة مبكرا حتى لا يشتد الحر على المصلين وهم عائدون إلى بيوتهم.
(و) عن عبد الله بن سيدان السلمى قال: شهدت الجمعة مع أبى بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره، رواه الدارقطنى وأحمد فى رواية ابنه عبد الله، وأجيب بأن ابن سيدان غير معروف العدالة على الرغم من أنه تابعى كبير، قال ابن عدى عنه: شبه المجهول، وقال البخارى:
لا يتابع على حديثه. وحكى فى الميزان عن بعض العلماء أنه قال: هو مجهول لا حجة فيه. على أنه لو سلم بصحة الرواية ما معنى أن خطبة عثمان وصلاته استمرتا حتى زوال النهار، هل تعدى بهما الوقت حتى دخل وقت العصر وغابت الشمس أو كادت؟ إن الكلام فيه مبالغة ظاهرة، فينبغى أن يحمل التبكير على أنه فى أول وقتها وهو الزوال، والتأخير على أنه قبيل دخول وقت العصر.
(ز) روى عن ابن مسعود أنه صلى الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحر، كما أخرجه ابن أبى شيبة من طريق عبد الله بن سلمة، ورد بأن شعبة وغيره قالوا: إن عبد الله هذا وإن كان صدوقا إلا أنه تغير لما كبر كما روى عن معاوية أنه صلى الجمعة أيضا ضحى، كما أخرجه ابن أبى شيبة من طريق سعيد بن سويد، ورد بأن سعيدا هذا ذكره ابن عدى فى الضعفاء. ومثل ذلك قيل فيما روى عن جابر وسعيد بن زيد وسعد بن أبى وقاص، فإن الروايات عنهم لا تعارض ما هو أقوى منها.
(ح) قال الحنابلة: إن النبى ﷺ قال عن يوم الجمعة "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين " فلما سماه عيدا جازت الصلاة فيه وقت صلاة العيد "الفطر والأضحى" ورد بأن التسمية لا تقتضى التشبيه فى كل شىء، ألا ترى أن يوم العيد يحرم صومه، أما يوم الجمعة فلا وبخاصة إذا سبق بصيام يوم الخميس أو أتبع بصيام يوم السبت؟ هذه هى أدلة الجمهور وأدلة أحمد، وقد رأيت أن أدلة الجمهور أقوى، وإن كان الشوكانى قال فى الجمع بين الرأيين: إن أدلة الجمهور لا تنفى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، أى ليس فيها أسلوب الحصر الذى يمنع ما عداه، وأنا أميل إلى أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر، وإن كان من الممكن صلاتها قبل الزوال بوقت قصير عند الضرورة كالحر الشديد ونحوه، والضرورة تقدر بقدرها. ولكل بلد ظروفه ولكل زمن ما يناسبه، والله أعلم، "راجع فتح البارى لابن حجر ج ٣ ص ٣٧ ونيل الأوطار للشوكانى ج ٣ ص ٣٣٠ والمغنى لابن قدامة "
стр. 4058
تشبيك الأصابع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا جلس الإنسان فى المسجد وشبك بين أصابعه هل هذا منهى عنه وما الحكمة فى ذلك؟
الجواب
ثبت فى صحيح البخارى وغيره عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ شبك بين أصابعه وجاءت رواية تبين أن التشبيك كان فى معرض البيان والتمثيل لإبراز المعنى بصورة واضحة محسوسة فعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك بين أصابعه، كما جاءت رواية أخرى عن أبى هريرة فى حديث السهو فى الصلاة حيث قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة فى المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه.
يقول الحافظ ابن حجر "فتح البارى ج ٢ ص ١١١ " تعليقا على ذلك: فيه جواز التشبيك فى المسجد وغيره، وهناك مراسيل -سقط منها الصحابى-ومسندة من طرق غير ثابتة فى النهى عن التشبيك فى المسجد، ومن ذلك حديث أبى داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن كعب بن عجرة. وفى إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه، فإنه فى صلاة" وروى ابن أبى شيبة حديث "إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال فى صلاة ما دام فى المسجد حتى يخرج منه " وفى إسناده ضعيف ومجهول.
ثم قال ابن حجر نقلا عن ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض، إذ المنهى عنه فعله على وجه العبث، والذى فى الحديث - المؤمن للمؤمن -إنما المقصود هو التمثيل وتصوير المعنى فى النفس بصورة الحس، وجمع الإسماعيلى بأن النهى مقيد بما إذا كان فى الصلاة أو قاصدا لها إذ منتظر الصلاة فى حكم المصلى وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية من ذلك لأن حديث أبى هريرة كان تشبيك النبى ﷺ بعد انقضاء الصلاة وليس فى صلاة أو قبلها، والرواية التى فيها النهى عن ذلك ما دام فى المسجد ضعيفة.
ثم قال أخيرا: والحكمة فى النهى قيل لكونه من الشيطان، وقيل: لأنه يجلب النوم وهو من مظان الحدث، وقيل لأن التشبيك فيه صورة الاختلاف اهـ.
وأقول: إن الأمر أهون من أن يثار حوله خلاف والنية لها دخل فى الحكم، والعرف كذلك ينبغى أن يراعى فى الآداب العامة غير المنصوص عليها، وقد علمت أن أحاديث النهى عن التشبيك غير صحيحة، ولذا قال البعض إن التشبيك مكروه وليس بمحرم وسيأتى مزيد كلام عليه
стр. 4059
الزينة لدخول المسجد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أرجو تفسير قوله تعالى ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف: ٣١، ٣٢
الجواب
أمر الله المؤمنين إذا ذهبوا للصلاة أن يستروا عوراتهم بالملابس، خلافا لما كان عليه العرب من خلع ملابسهم والطواف حول البيت عراة.
وقيل أن المراد بالزينة هو ما زاد على ستر العورة من التطيب وحسن الهندام واختيار الملابس النظيفة ذات اللون الأبيض الذى حث عليه النبى ﷺ فى بعض الأحاديث، أو أى لون آخر، كما يتزين بتقليم الأظافر وتهذيب الشعر وتنظيمه حسب العرف الذى لا يخالف الشرع.
وفى هذا التشريع جمع بين مطالب الروح والجسد فى اعتدال وتوسط، وقد أنكر الله على من يحرمون التزين والتمتع بالمباحات فى الحدود المعقولة، من أكل وشرب ولبس وغيرها. والرسول ﷺ " نفسه كان - على رقة حاله - نموذجا صالحا فى التزين بما يتاح ويباح.
ومأثوراته فى ذلك كثيرة لا يتسع لها المقام. ويكفى من ذلك حديث صلاة الجمعة " من اغتسل يوم الجمعة ومَسَّ من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتى المسجد فيركع ما بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت حتى يصلى كان كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" رواه أحمد ورواته ثقات، وكتب التفسير فيها مزيد لمن أراد
стр. 4060
مسجد الضرار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو مسجد الضرار، وهل ينطبق عر بعض مساجدنا فى هذا العصر؟
الجواب
قال تعالى ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقاً بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ التوبة: ١٠٧.
نزلت فى جماعة من المدينة أرادوا أن يبنوا مسجدا يصلى فيه الرسول ويباركه كما صلى فى مسجد قباء وباركه، فلما بنوه دعوا الرسول للصلاة فيه، وكان خارجا لغزوة تبوك فوعدهم إن عاد، فأخبره الله بأن المسجد ليس خالصا لله، بل بنى للضرار والانصراف عن الصلاة فى مسجد الرسول واستقبال أبى عامر الراهب الذى فر إلى الروم وتنصر وطلبوا عودته، فأمر الرسول بإحراق المسجد وهدمه.
يقول القرطبى فى تفسيره: قال علماؤنا-أى المالكية- لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا يصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفى أهلها مسجد واحد، فيبنى حينئذ إذا لم يتيسر له مكان بعيد عنه يبنى فيه.
وقالوا: كل مسجد بنى على ضرار أو رياء وسمعة-فهو فى حكم مسجد الضرار لا يجوز الصلاة فيه. ثم ذكر القرطبى أن من فعل أى شىء بقصد الإضرار بالغير وجب منعه.
وهدم مسجد الضرار له حيثيات، وهى الإضرار والكفر والتفريق وإيواء المحاربين لله ورسوله، ومن هنا إذا بنى مسجد فى منطقة- وبخاصة إذا كانت مساجدها كافية - يراد بذلك تفريق كلمة المسلمين والإضرار بالناس بأى لون من ألوان الضرر عقيدة أو سلوكا، وتجتمع فيه جماعة خارجة عن حدود الدين، لأنهم يكفِّرون غيرهم مثلا أو يستحلون حرماتهم، أو يريدون بذلك رياء وسمعة-فهو فى حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه على ما رآه علماء المالكية كما ذكره القرطبى.. .
وبهذا لابد من اعتبار النية والنظر إلى الأثر المترتب على بناء هذه المساجد.
والأمر يحتاج إلى دقة وحكمة فى المعالجة. والتوعية لها دخل كبير فى هذا الموضوع
стр. 4061
الزيادة فى الأذان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الزيادة فى الأذان بعد "لا إله إلا الله "؟
الجواب
الزيادة على الأذان أكثرها الصلاة على النبى ﷺ ، ويلحق بها الدعاء لبعض الأولياء.
ا -أما الصلاة على النبى ﷺ فقد سبقت الإجابة عليها، وقلنا: ليس هناك نص صحيح بمنعها من المؤذن، وهناك رأيان اجتهاديان، أحدهما يقول: لا مانع منها، والآخر يقول: إنها ممنوعة حتى لا يُظن أنها من الأذان، ولا داعى للتعصب لأحد الرأيين.
٢ - أما الزيادة على ذلك فينبغى عدم فعلها وعدم الإكثار من ذكر المشايخ وغيرهم.
وقد جاء فى كتاب " بلغة السالك لأقرب المسالك " فى فقه المالكية "ج ١ ص ٨٦" أنه قيل: إن الصلاة على النبى بدعة حسنة، وكان أول حدوثها زمن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ٧٨١ هـ فى ربيع الأول.
وكانت أولا تزاد بعد أذان العشاء ليلتى الاثنين والجمعة. ثم بعد عشر سنين زيدت عند كل أذان إلا المغرب. لكن ذكر الشيخ أحمد البشبيشى فى رسالته " التحفة السنية فى أجوبة الأسئلة المرضية "أن أول ما زيدت الصلاة والسلام على النبى بعد كل أذان على المنابر زمن السلطان المنصور حاجى بن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر بن محمد بن المنصور قلاوون، وذلك فى شعبان سنة ٧٩١ هـ، وكان قد حدث قبل ذلك فى أيام صلاح الدين بن أيوب أن يقال قبل أذان الفجر فى كل ليلة بمصر والشام: السلام على رسول الله، واستمر ذلك إلى سنة ٧٧٧ هـ فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسى أن يقال: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، ثم جعل ذلك عقب كل أذان سنة ٧٩١ هـ " حاشية الدسوقى ج ١ ص ١٩٣ "
стр. 4062
موعد ختم الصلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يفضل ختم الصلاة بعد أداء الفريضة مباشرة أم بعد ركعتى السنة؟
الجواب
ختم الصلاة جاءت فيه أحاديث بعبارة " دُبُر الصلاة أو خلف الصلاة" وجمهور العلماء على أن ختم الصلاة بالذكر الوارد فيه هذه العبارة يكون عقب الانصراف من الصلاة المكتوبة بالتسليم مباشرة، لدلالة العبارة عليه، ويقويها فعل النبى ﷺ ، حيث كانت الصفوف الأخيرة فى صلاة الجماعة تعرف انتهاء النبى منها بالتكبير أى بالذكر بعد الصلاة.
ورأى بعض العلماء أن الختم يكون له فضله إذا كان بعد الانتهاء من السنة الراتبة التابعة للفريضة. وهم الحنفية كما فى فقه المذاهب الأربعة جاء فى فتح البارى "ج ٢ ص ٣٨٢" فى باب الذكر بعد الصلاة قوله: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرا بحيث لا يُعَدُ مُعْرِضًا أو كان ناسيا أو متشاغلا بما ورد أيضا بعد الصلاة كآية الكرسى فلا يضر، ثم قال: هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلا بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل نظر، والله أعلم
стр. 4063
قطع الصلاة للخطر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز قطع الصلاة إذا تعرض المصلى للخطر من حيوان مؤذ كالعقرب والثعبان مثلا، وهل للإنسان أن يكمل الصلاة بعد التخلص من الخطر أو عليه أن يصليها من جديد؟
الجواب
من رأى عقربا تقترب وهو مصلٍّ ويخشى أن تلدغه وجب عليه أن يقتلها، لحديث "اقتلوا الأسودين فى الصلاة، الحية والعقرب " رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح. ولا تبطل الصلاة بهذا العمل لأنه للضرورة.
وجاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ٣٥٤" أن الحديث يدل على جواز قتل الحية والعقرب فى الصلاة من غير كراهة، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقى. وعن قتادة أنه قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها، بل روى عن ابن عمر أنه رأى ريشة وهو يصلى فحسب أنها عقرب فضربها بنعله. ومنع بعض العلماء ذلك محتجين بحديث "اسكنوا فى الصلاة " وحديث " إن فى الصلاة لشغلا" رواه أبو داود. ولكن الجمهور ردوا عليهم بأن هذه الأحوال مخصصة لعموم هذا الحديث.
وهكذا يقال فى كل فعل كبير ورد الإذن به، كحديث حمله ﷺ لأمامة فى الصلاة، وكذلك خلعه لنعله، وصلاته على المنبر ونزوله للسجود ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره بدرء المار أمام المصلى وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب لعائشة وكان مغلقا، وكان الباب جهة القبلة، وبعد الفتح عاد إلى مقامه
стр. 4064
صلاة من يسبق الإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى المصلين الذين يسبقون الإمام فى الركوع والسجود؟
الجواب
فى حديث رواه أحمد وأبو داود " إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا قبل أن يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد" وفى حديث رواه الجماعة " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار، أو يحول الله صورته صورة حمار".
وللفقهاء خلاف فى حكم السبق، ففى مذهب الحنفية لو ركع المأموم قبل الإمام وانتظر حتى ركع الإمام وشاركه معه فى الطمأنينة لا تبطل الصلاة، أما إذا رفع المأموم رأسه من الركوع قبل أن يركع الإمام ولم يركع معه بطلت صلاته. وكذلك قال المالكية، والشافعية قالوا: إن السبق المبطل لصلاة المأموم يكون بركنين لا بركن واحد، فلو سجد المأموم وكان الإمام ما يزال قائما للقراءة بطلت صلاته إن كان متعمدا، فإن كان ناسيا أو جاهلا وجب أن يعود لموافقة الإمام عند الذكر أو العلم، وإلا بطلت صلاته.
واختر لنفسك من هذه الأقوال ما يطمئن إليه قلبك " الفقه على المذاهب الأربعة"
стр. 4065
تنبيه الخطيب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تصفيق أحد المصلين لتنبيه الإمام لأنه أطال فى خطبة الجمعة؟
الجواب
مبدأ الاعتراض على الخطيب بأى وجه من الوجوه ليس ممنوعا، ولكن ينبغى أن يكون بأسلوب حكيم. وقد ثبت أن امرأة اعترضت على عمر رضى الله عنه فى خطبته وهو ينهى عن المغالاة فى المهور، وأن رجلا قال له: والله لا سمعنا قولك ولا أطعنا أمرك، عندما قال لهم: اسمعوا قولى وأطيعوا أمرى، إلى غير ذلك من الحوادث.
ومن هنا لا نجد مانعًا من تصحيح خطأ أو وضع وقع فيه الخطيب، سواء أكان ذلك بالكلام أو التصفيق أو غيرهما، بشرط ألا يترتب عليه لغط أو تشويش يتنافى مع جلال الموقف، فإن استجاب فبها، وإلا فلا يجوز الإلحاح فى التنبيه فقد يكون لذلك رد فعل سيئ بأى وجه يكون.
ونوصى الخطيب بتقصير الخطبة كما هو هدى النبى ﷺ ، وليس للتطويل ولا للتقصير حد معين، فهما يرجعان إلى أهمية الموضوع وإلى الظروف الأخرى كالحر والبرد والمطر والسفر وغيرها. مع العلم بأن فى المستمعين ذوى أعذار، فالتقصير أفضل، وإذا كان للموضوع توضيح فليكن بعد الصلاة لمن أراد أن يستزيد من المعرفة
следующие страницы →