← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

الزيادة فى الأذان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى الزيادة فى الأذان بعد "لا إله إلا الله "؟ الجواب الزيادة على الأذان أكثرها الصلاة على النبى ﷺ ، ويلحق بها الدعاء لبعض الأولياء. ا -أما الصلاة على النبى ﷺ فقد سبقت الإجابة عليها، وقلنا: ليس هناك نص صحيح بمنعها من المؤذن، وهناك رأيان اجتهاديان، أحدهما يقول: لا مانع منها، والآخر يقول: إنها ممنوعة حتى لا يُظن أنها من الأذان، ولا داعى للتعصب لأحد الرأيين. ٢ - أما الزيادة على ذلك فينبغى عدم فعلها وعدم الإكثار من ذكر المشايخ وغيرهم. وقد جاء فى كتاب " بلغة السالك لأقرب المسالك " فى فقه المالكية "ج ١ ص ٨٦" أنه قيل: إن الصلاة على النبى بدعة حسنة، وكان أول حدوثها زمن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ٧٨١ هـ فى ربيع الأول. وكانت أولا تزاد بعد أذان العشاء ليلتى الاثنين والجمعة. ثم بعد عشر سنين زيدت عند كل أذان إلا المغرب. لكن ذكر الشيخ أحمد البشبيشى فى رسالته " التحفة السنية فى أجوبة الأسئلة المرضية "أن أول ما زيدت الصلاة والسلام على النبى بعد كل أذان على المنابر زمن السلطان المنصور حاجى بن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر بن محمد بن المنصور قلاوون، وذلك فى شعبان سنة ٧٩١ هـ، وكان قد حدث قبل ذلك فى أيام صلاح الدين بن أيوب أن يقال قبل أذان الفجر فى كل ليلة بمصر والشام: السلام على رسول الله، واستمر ذلك إلى سنة ٧٧٧ هـ فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسى أن يقال: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، ثم جعل ذلك عقب كل أذان سنة ٧٩١ هـ " حاشية الدسوقى ج ١ ص ١٩٣ "

стр. 4062

موعد ختم الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يفضل ختم الصلاة بعد أداء الفريضة مباشرة أم بعد ركعتى السنة؟ الجواب ختم الصلاة جاءت فيه أحاديث بعبارة " دُبُر الصلاة أو خلف الصلاة" وجمهور العلماء على أن ختم الصلاة بالذكر الوارد فيه هذه العبارة يكون عقب الانصراف من الصلاة المكتوبة بالتسليم مباشرة، لدلالة العبارة عليه، ويقويها فعل النبى ﷺ ، حيث كانت الصفوف الأخيرة فى صلاة الجماعة تعرف انتهاء النبى منها بالتكبير أى بالذكر بعد الصلاة. ورأى بعض العلماء أن الختم يكون له فضله إذا كان بعد الانتهاء من السنة الراتبة التابعة للفريضة. وهم الحنفية كما فى فقه المذاهب الأربعة جاء فى فتح البارى "ج ٢ ص ٣٨٢" فى باب الذكر بعد الصلاة قوله: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرا بحيث لا يُعَدُ مُعْرِضًا أو كان ناسيا أو متشاغلا بما ورد أيضا بعد الصلاة كآية الكرسى فلا يضر، ثم قال: هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلا بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل نظر، والله أعلم

стр. 4063

قطع الصلاة للخطر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز قطع الصلاة إذا تعرض المصلى للخطر من حيوان مؤذ كالعقرب والثعبان مثلا، وهل للإنسان أن يكمل الصلاة بعد التخلص من الخطر أو عليه أن يصليها من جديد؟ الجواب من رأى عقربا تقترب وهو مصلٍّ ويخشى أن تلدغه وجب عليه أن يقتلها، لحديث "اقتلوا الأسودين فى الصلاة، الحية والعقرب " رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح. ولا تبطل الصلاة بهذا العمل لأنه للضرورة. وجاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ٣٥٤" أن الحديث يدل على جواز قتل الحية والعقرب فى الصلاة من غير كراهة، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقى. وعن قتادة أنه قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها، بل روى عن ابن عمر أنه رأى ريشة وهو يصلى فحسب أنها عقرب فضربها بنعله. ومنع بعض العلماء ذلك محتجين بحديث "اسكنوا فى الصلاة " وحديث " إن فى الصلاة لشغلا" رواه أبو داود. ولكن الجمهور ردوا عليهم بأن هذه الأحوال مخصصة لعموم هذا الحديث. وهكذا يقال فى كل فعل كبير ورد الإذن به، كحديث حمله ﷺ لأمامة فى الصلاة، وكذلك خلعه لنعله، وصلاته على المنبر ونزوله للسجود ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره بدرء المار أمام المصلى وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب لعائشة وكان مغلقا، وكان الباب جهة القبلة، وبعد الفتح عاد إلى مقامه

стр. 4064

صلاة من يسبق الإمام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى المصلين الذين يسبقون الإمام فى الركوع والسجود؟ الجواب فى حديث رواه أحمد وأبو داود " إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا قبل أن يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد" وفى حديث رواه الجماعة " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار، أو يحول الله صورته صورة حمار". وللفقهاء خلاف فى حكم السبق، ففى مذهب الحنفية لو ركع المأموم قبل الإمام وانتظر حتى ركع الإمام وشاركه معه فى الطمأنينة لا تبطل الصلاة، أما إذا رفع المأموم رأسه من الركوع قبل أن يركع الإمام ولم يركع معه بطلت صلاته. وكذلك قال المالكية، والشافعية قالوا: إن السبق المبطل لصلاة المأموم يكون بركنين لا بركن واحد، فلو سجد المأموم وكان الإمام ما يزال قائما للقراءة بطلت صلاته إن كان متعمدا، فإن كان ناسيا أو جاهلا وجب أن يعود لموافقة الإمام عند الذكر أو العلم، وإلا بطلت صلاته. واختر لنفسك من هذه الأقوال ما يطمئن إليه قلبك " الفقه على المذاهب الأربعة"

стр. 4065

تنبيه الخطيب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى تصفيق أحد المصلين لتنبيه الإمام لأنه أطال فى خطبة الجمعة؟ الجواب مبدأ الاعتراض على الخطيب بأى وجه من الوجوه ليس ممنوعا، ولكن ينبغى أن يكون بأسلوب حكيم. وقد ثبت أن امرأة اعترضت على عمر رضى الله عنه فى خطبته وهو ينهى عن المغالاة فى المهور، وأن رجلا قال له: والله لا سمعنا قولك ولا أطعنا أمرك، عندما قال لهم: اسمعوا قولى وأطيعوا أمرى، إلى غير ذلك من الحوادث. ومن هنا لا نجد مانعًا من تصحيح خطأ أو وضع وقع فيه الخطيب، سواء أكان ذلك بالكلام أو التصفيق أو غيرهما، بشرط ألا يترتب عليه لغط أو تشويش يتنافى مع جلال الموقف، فإن استجاب فبها، وإلا فلا يجوز الإلحاح فى التنبيه فقد يكون لذلك رد فعل سيئ بأى وجه يكون. ونوصى الخطيب بتقصير الخطبة كما هو هدى النبى ﷺ ، وليس للتطويل ولا للتقصير حد معين، فهما يرجعان إلى أهمية الموضوع وإلى الظروف الأخرى كالحر والبرد والمطر والسفر وغيرها. مع العلم بأن فى المستمعين ذوى أعذار، فالتقصير أفضل، وإذا كان للموضوع توضيح فليكن بعد الصلاة لمن أراد أن يستزيد من المعرفة

стр. 4066

الجهر بالنية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول بعض الناس: إن التلفظ بالنية فى الصلاة بدعة، فالنية محلها القلب، فهل لو تلفظ بها المصلى تبطل صلاته أو يضيع ثوابها؟ الجواب النية معناها القصد، والقصد عمل قلبى، فلا يجب التلفظ بها فى الصلاة وغيرها، ولا يتوقف قبول الصلاة على التلفظ بها سرا أو جهرا. وقد قال الشافعية: لا بأس بالتلفظ بها، بل يُسَنُّ، وذلك ليساعد اللسان القلب، فلو ترك التلفظ بها فالصلاة صحيحة ومقبولة إن شاء الله، إذا توافرت فيها عوامل القبول بعد الأداء الشكلى، ومنها الخشوع والإخلاص. وجاء فى "فقه المذاهب الأربعة" أن المالكية قالوا: التلفظ بالنية خلاف الأولى إلا للموسوس فإنه مندوب، دفعا للوسوسة. وقال الأحناف: إن التلفظ بدعة. إذ لم يثبت عن رسول الله ﷺ " ولا عن أصحابه. ويستحسن دفعا للوسوسة. فالخلاصة أن النية فى الصلاة محلها القلب، ولا يشترط التلفظ بها. بل قال الأحناف: إنه بدعة، وقال المالكية: إنه خلاف الأولى، وذلك لغير الموسوس فيكون التلفظ مندوبا أو مستحسنا. وقال الشافعية: إنه سنة. وابن القيم فى كتابه "زاد المعاد" ج ١ ص ٥١ نعى بشدة على من يقول بجواز النطق بالنية، وصحح رأى الشافعية فى ذلك فقال: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم يقل شيئا قبلها، ولا يلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلى له صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا قال: أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت. وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة، وإنما غرَّ بعض المتأخرين قول الشافعى رضى الله عنه فى الصلاة إنها ليست كالصيام ولا يدخل أحد فيها إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفظ المصلى بالنية، وإنما أراد الشافعى ﵀ بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعى أمرا لم يفعله النبى ﷺ فى صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه؟ هذا هو رأى ابن القيم، وللأئمة آراؤهم، والحكم على ما ذكر بأنه بدعة ليس مسلَّما على طول الخط أنه ضلالة، فقد قال به علماء أفاضل، وجعلوه سنة أو مستحبا ومندوبا فى بعض الحالات كالوسوسة، مع العلم بأن التلفظ بها لا يضر وقد ينفع

стр. 4067

إمامة اللقيط المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال تربى ولد فى الملجأ حتى تخرج فى المدارس ونال قسطا من التعليم الدينى، فأراد جماعة بنوا مسجدًا أن يجعلوه إماما لهم فى الصلاة، فقيل لهم: هذا لا يجوز، فما هو رأى الدين فى ذلك؟ الجواب اللقيط يغلب أن يكون نتاج علاقة جنسية غير مشروعة، وأوجب الفقهاء التقاطه ورعايته، لأنه لا ذنب له فى هذا المصير، وقد يكون له شأن فى التاريخ. والقرطبى فى تفسيره "ج ١ ص ٣٥٥" أثار مسألة إمامته فى الصلاة، وقال: إن الإمام مالكا يكره أن يكون راتبا، أى إماما دائما معينا لذلك، وكذلك كرهه عمر بن عبد العزيز، وكان عطاء بن أبى رباح يقول: له أن يؤم إذا كان مرضيا، وهو قول الحسن البصرى والزهرى والنَخعى وسفيان الثورى والأوزاعى وأحمد بن حنبل وإسحاق. وتجزىء الصلاة خلفه عند أصحاب الرأى "أبى حنيفة وأصحابه" وغيره أحب إليهم، والشافعى قال: أكره أن ينصَّب إماما راتبا مَن لا يُعرف أبوه، ومن صلى خلفه أجزأه. وقال عيسى بن دينار: لا أقول بقول مالك فى إمامة ولد الزنى، وليس عليه من ذنب أبويه شىء، ونحوه قال ابن عبد الحكم إذا كان فى نفسه أهلا للإمامة، قال ابن المنذر: يؤم، لدخوله فى جملة قول رسول الله ﷺ "يؤم القوم أقرؤهم " وقال أبو عمر: ليس فى شىء من الآثار الواردة فى شرط الإمامة ما يدل على مراعاة نسب، وإنما فيها الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح فى الدين. بعد هذا العرض لآراء الفقهاء نرى أن إمامته جائزة والصلاة خلفه صحيحة بالاتفاق، وأن الجمهور على ذلك إذا كان حسن السير والسلوك متفقها فى الدين، فليست العبرة فى الإمامة بالأنساب بل بالفقه والصلاح، وهو متفق مع قوله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وعموم الحديث الذى يقدم فى الإمامة من هو أفقه وأقرأ. والقليلون كرهوا أن يكون إماما راتبا، ولم يكرهوا أن يؤم الناس فى بعض الأحيان، وهو إحساس عاطفى أكثر منه عقليا

стр. 4068

كوب ماء لخطيب الجمعة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للإمام أن يطلب كوب ماء إذا شعر بالتعب فوق المنبر؟ الجواب لا مانع من طلب الخطيب ماء ليشربه أو دواء ليتناوله، وقد ثبت أن النبى ﷺ نزل من فوق المنبر وأخذ الحسن الذى كان يتعثر فى قميصه وأجلسه إلى جواره وهو يخطب، فالخطبة لا تبطل بشىء من ذلك، لا بالأكل والشرب، ولا بالكلام العادى ولا بالحركة مطلقا، والأولى أن يكون ذلك عند الحاجة وفى أضيق الحدود، وللعرف دخل كبير فى هذا الموضوع

стр. 4069

قراءة سورة المسد فى الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل حرام أن يقرأ الإنسان فى الصلاة سورة المسد؟ الجواب لم يرد دليل يمنع قراءة المسد فى الصلاة، فالقرآن كله كلام الله يتلى فى كل حين، سواء أكان داخل الصلاة أم خارجها، وعاطفة بعض الناس التى تقول: إن الرسول ﷺ يتأذى من قراءتها لأنها فى حق عمه أبى لهب -عاطفة لا وزن لها أبدا، فما لقيه الرسول ﷺ منه لم يلقه من أحد من أقاربه، ولم يرد عنه أنه لم يقرأها فى الصلاة أو أنه نهى الناس عن قراءتها فيها

стр. 4070

سلطة الحاكم فى تعيين الخطباء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نرى فى بعض المساجد، وبخاصة الزوايا الصغيرة، بعض الخطباء يتناولون موضوعات فيها إثارة كاد بعض المستمعين أن يقاطعه فيها، فلماذا لا توجد رقابة على من يقومون بالإرشاد والتوجيه؟ الجواب إن بعض من يعتلى المنابر أو يتصدر مجالس الوعظ قد يكونون على غير دراية صحيحة بما يتحدثون فيه فيُضلون ويُضَلُّون. وقد يكونون على دراية ولكن يختارون موضوعات خلافية يقصدون بها الإثارة أو لفت الأنظار إليهم والالتفاف حولهم، وهؤلاء مراءون أو مجافون لأسلوب الدعوة كما وجه الله رسوله إليه ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ النحل:١٢٥. وغير العالم بالحكم الصحيح يجب أن يمنع حتى يتعلم ويفقه، ومثير الفتنة يجب أن يمنع من إثارتها والمساجد أو الزوايا التى تحتضن هؤلاء يجوز أن تمنع إقامة الجمعة ودروس الوعظ منها. ولا يصح أن يقال: إن ذلك المنع منهى عنه لقوله تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها﴾ البقرة: ١١٤، فقد أمر النبى ﷺ بإحراق مسجد الضرار الذى اتخذه بعض المنافقين لمناهضة الدعوة وتفريق الصفوف كما قال سبحانه ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ التوبة: ١٠٧. وقد أمر علىّ رضى الله عنه بإخراج القُصَّاص الذين لا يتحرون الدقة فى قصصهم -من مسجد البصرة، ولم يترك إلا الحسن البصرى لاستقامة كلامه. ويرى الإمام أبو حنيفة أنه لا يجوز أن يخطب الجمعة إلا من هو أهل لذلك، والذى يقدِّر هذه الأهلية هو الحاكم أو ولى الأمر أو المسئول عن المنابر، الذى يعطى الخطيب إذنا أو شهادة بذلك. وقد وضح ذلك الماوردى فى "الأحكام السلطانية" ص ١٨٨، ٢٤٨ وجاء فى تفسير القرطبى "ج ٨ ص ٢٥٤" ما نصه: قال علماؤنا: وكل مسجد بنى على ضرار أو رياء وسمعة فهو فى حكم مسجد الضرار، لا تجوز الصلاة فيه

стр. 4071

مساجد وأسماء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى إطلاق أسماء بعض الحكام والأغنياء وذوى الشهرة على المساجد التى أنفقوا على إنشائها، وهل هذا يتنافى مع قول الله تعالى ﴿وأن المساجد لله﴾ الجن: ١٨؟ الجواب لا مانع من إطلاق أسماء بعض الناس على المساجد، وهذا الإطلاق قد يكون من غير من بنى المسجد، وذلك لتخليد اسم شخص عالم أو حاكم أو مصلح، وقد يكون هو الذى بنى المسجد وميزه باسمه. أما تخليد أسماء بعض الناس بنسبة المساجد إليهم فلا مانع منه إذا كان هذا الشخص يستحق ذلك، وإذا كانت نية من قاموا بهذا العمل حسنه. وأما كتابة بانى المسجد اسمه عليه فيرجع فيه أيضا إلى نيته، فإن كان لمجرد تمييزه عن غيرة وسهولة الاستدلال عليه أو عمل الإجراءات اللازمة له فلا مانع، وإن كان للفخر والرياء فممنوع، والنصوص فى وجوب الإخلاص لله وتحريم الرياء كنيرة، والحديث معروف " إنما الأعمال بالنيات ". وإذا كان القصد من إطلاق اسم بانى المسجد عليه إثارة الحماس فى نفوس الأغنياء أن يقيموا منشأة دينية مثله فربما يكون أهلا للتقدير والاحترام، والله سبحانه هو الذى يقدر نيته، على غرار ما كان من تنافس الصحابة فى تمويل غزوة العسرة، ومحاولة بعضهم أن يكون نصيبه فيها أكثر، ومدح الرسول لعثمان الذى قدم كثيرا، والله يقول فى مثل هذه الظروف ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ البقرة: ٢٧١. ولا صلة لنسبة المسجد لبعض الناس بقوله تعالى ﴿وأن المساجد لله﴾ فالمعنى أن المساجد بيوت الله لا يعبد فيها سواه كما كان يعبد المشركون الأصنام فى مسجد مكة، وهو بيت الله سبحانه

стр. 4072

الصلاة بحضرة الطعام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن الرسول ﷺ قال "إذا وضع العشاء فقدموه على العِشاء "؟ الجواب روى مسلم وغيره أن النبى ﷺ قال "إذا وضع العَشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشَاء".. . وروى البخارى عن نافع أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يوضع الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه يسمع قراءة الإمام. يقول الخطابى: إنما أمر النبى ﷺ أن يُبْدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه، فيدخل المصلى فى صلاته وهو ساكن الجأش - القلب - لا تنازعه نفسه شهوة الطعام، فيُعْجِلُه ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها. اهـ فالحديث ليس خاصا بصلاة العشاء، وإنما هو عام فى كل صلاة ينبغى أن يدخلها الإنسان خاليا من المؤثرات التى تشده عن الخشوع فيها، وقد مر شرح ذلك فى شرود الذهن فى الصلاة وعلاجه

стр. 4073

نسيان الفاتحة فى الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم من نسى قراءة الفاتحة فى الركعة الأولى من الصلاة؟ الجواب قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة عند جمهور الفقهاء، للحديث الصحيح "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ومن تركها عمدا بطلت صلاته، فإن تركها ناسيا وتذكر قبل أن يصل إلى مثلها من الركعة التالية وجب عليه أن يعود إلى القيام ويقرأها، فإن تذكر وهو يقرؤها فى الركعة التالية ضاعت عليه الركعة السابقة وعليه أن يأتى ببدلها. وعند أبى حنيفة لو تركها سهوا يجب عليه أن يسجد للسهو، فإن لم يسجد وجبت عليه إعادة الصلاة، فإن لم يعدها كانت صحيحة وعليه الإثم. هذا، وإذا كانت الصلاة باطلة فهى غير مقبولة. ولو صحت عند أبى حنيفة عند عدم إعادتها أو عدم سجود السهو كان عليه ذنب يذهب بثواب الصلاة أو يقلله. كل هذا فى الإمام والمنفرد، أما المأموم فإن نسيان الفاتحة أو تركها عمدا لا يبطل الصلاة عند أبى حنيفة لتحريمه قراءتها خلف الإمام، وكذا عند بعض الأئمة، وقد مر ذلك واضحا

стр. 4074

الصلاة والزينة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله تعالى ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الأعراف: ٢١، فهل يجوز للمرأة أن تصلى بالماكياج؟ الجواب جاء فى سبب نزول هذه الآية ما رواه مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهى عريانة وتقول: من يعيرنى تِطْوافًا؟ تجعله على فرجها، وتقول. اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه * وما بدا منه فلا أُحِلُّه فنزلت هذه الآية ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ وقال القاضى عياض: هذه المرأة هى ضُباعة بنت عامر بن قُرْط، وفى صحيح مسلم أيضا: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحُمْس: قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا، فيعطى الرجالُ الرجالَ، والنساءُ النساءَ، وكانت الحمس يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. وفى غير مسلم: ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغى لأحد من العرب أن يطوف إلا فى ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العربى صديق بمكة يعيره ثوبا، ولا يسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريان، وإما أن يطوف فى ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى، قال قائل من العرب: كَفَى حَزَنًا كَدِّى عليه كأنه * لَقًى بين أيدى الطائفين حريم فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الآية. وأذن مؤذن رسول الله ﷺ : ألا يطوف بالبيت عريان. ومعنى هذا أن الطواف بالمسجد الحرام لابد فيه من أخذ الزينة، وهى ستر العورة، لكن الآية لا تتحدث عن المسجد الحرام الذى لا يصح الطواف إلا فيه، بل قالت "كل مسجد" ولهذا قال بعض المفسرين: المراد إذا ذهبتم للصلاة فى أى مسجد فخذوا زينتكم. ويصح أن يراد بالزينة ستر العورة فى الصلاة، وكانوا لا يهتمون بها، فقد صح فى البخارى والنسائى عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومى من عند النبى ﷺ قالوا: قال "ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن " قال: فدَعَوْنى فعلَّمونى الركوع والسجود، فكنت أصلى بهم - وكان صبيًّا - وكانت علىَّ بردة مفتوقة-ثوب مشقوق -وكانوا يقولون لأبى: ألا تغطى عنا است ابنك -ألا تغطى عورته -هذا لفظ النسائى. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كان الرجال عاقدى أزرهم فى أعناقهم من ضيق الأزر، خلف رسول الله ﷺ فى الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء لا ترفعن رءوسكن حتى ترفع الرجال. أخرجه البخارى والنسائى وأبو داود. ورأى جماعة أن زينة الصلاة هى النعال، لأن النبى ﷺ قال ذات يوم "خذوا زينة الصلاة " فسألوه: وما زينة الصلاة؟ قال " البسوا نعالكم فصلوا فيها" قال القرطبى: رواه أنس عن النبى ﷺ ولم يصح "ج ٧ ص ١٨٩، ١٩٠ " وذكر ابن كثير أن تفسير الزينة بالنعال فيه نظر فى صحته عن النبى ﷺ ، وذكر أن من السنة التجمل عند الصلاة ولاسيما يوم الجمعة، ومنه الطيب والثياب البيض. وأورد فيها حديثًا بإسناد حسن رواه أهل السنن وكان بعض السلف إذا توجه إلى المسجد أخذ كل أدوات الزينة تنفيذًا لأمر الله تعالى. بعد هذا نقول: إن من زينة المرأة ما تستعمله من أصباغ ودهون وعطور، فهل يجوز لها أن تصلى بها؟ نعم يجوز ما دامت صلاتها فى بيتها أو فى مكان ليس فيه رجال أجانب. بشرط أن يكون " الماكياج " بعد الوضوء أو الغسل، أما قبل ذلك فلابد من إزالته حتى يصح التطهر ولا يجوز بعد الصلاة أيضا أن تظهر للأجانب بهذه الزينة حتى لا يضيع ثواب الصلاة أو يقل

стр. 4075

الترقية بين يدى الخطيب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى بعض المساجد إذا أذن المؤذن بين يدى خطيب الجمعة نصح الناس بالإنصات والخشوع، وتلا حديثا فى ذلك، فهل هذا بدعة مذمومة؟ الجواب لم يثبت أن ذلك كان أيام النبى ﷺ أو فى عهد التشريع، ويدخل فى باب النصيحة، وذلك قبل أن يشرع الخطيب فى الخطبة، ولا أجد نصا ينهى عن ذلك، فالإنصات المطلوب هو أثناء إلقاء الخطبة عند الجمهور. جاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: أن أبا حنيفة قال: إن الترقية مكروهة كراهة تحريم، لأن الكلام ممنوع بعد خروج الإمام من خلوته إلى أن ينتهى من الصلاة، حتى لو كان ذكرا، أما صاحباه فقالا: لا يكره الكلام إلا حال الخطبة، وعليه فالترقية جائزة عندهما. والشافعية قالوا: إن الترقية بدعة حسنة، لأنها لا تخلو من حث على الصلاة على النبى ﷺ وتحذير من الكلام أثناء الخطبة. والمالكية قالوا: إنها بدعة مكروهة لا يجوز فعلها، إلا إذا شرطها الواقف فى وقفه فتجوز. . والحنابلة قالوا: لا بأس بالكلام مطلقا قبل الخطبتين، وعليه فالترقية جائزة. والخلاصة أن الترقية جائزة عند صاحبى أبى حنيفة وعند الشافعى وأحمد، ومكروهة عند المالكية إذا لم يشترطها الواقف، فالجمهور على الجواز. وابن الحاج تعجب من مالك حيث يعمل بعمل أهل المدينة مع أنهم كانوا يقلدون فيها أهل الشام، تعجب كيف ينكرها هو وهم يجيزونها "الزرقانى على المواهب اللدنية ج ٧ ص ٣٩٤ ". هذا، والشيخ محمد عبده تعصب لمذهب أبى حنيفة، وحمل حملة عنيفة على من يقولون بجوازها، مع أنها بدعة، وكل بدعة فى الدين ضلالة، ولا عبرة بمن يقول: إن البدعة قد تكون حسنة "الفتاوى الإسلامية ج ١ ص ٣٩ والتاريخ ١٤من رمضان ١٣٢١ هـ " ولم هذا التعصب وجمهور الأئمة قال بالجواز، وليس فيها ضرر؟

стр. 4076

السلام وتحية المسجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال إذا دخل الإنسان المسجد ووجد شخصًا أو جماعة جالسين هل يبدأ بالسلام عليهم، أم يبدأ بتحية المسجد؟ الجواب يقول النووى فى كتابه "الأذكار ص ٢٤٩": السنة أن المسلم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة فهذا هو المعتمد فى دليل الفصل، يعنى البدء بالسلام قبل كل شىء. ثم قال: وأما الحديث الذى رويناه فى كتاب الترمذى عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ " السلام قبل الكلام " فهو حديث ضعيف، قال الترمذى: هذا حديث منكر. يقول ابن علان شارح كتاب الأذكار فى تعليل البدء بالسلام: أى لأنه تحية يبدأ به، فيفوت بالافتتاح بالكلام، كتحية المسجد فإنها قبل الجلوس وتفوت به. انتهى يؤخذ من هذا أن الداخل للمسجد الذى فيه شخص أو جماعة مطلوب منه سُنتان: تحية المسجد وتحية المسلم، فبأيهما يبدأ؟ لعل البعض يقول: تحية المسجد أوَّلاً لأنه بيت الله فكأنها تحية لله، وتحية الله مقدمة على تحية الإنسان. لكن لا يغيب عنا أن السلام يفوت بالانشغال بأى شىء قبله، سواء أكان كلاما أم عملا، كما تقدم من الاستدلال على ذلك، فلو صلى تحية المسجد فلا معنى لتحية المسلم بالسلام بعدها لأنها فاتت، ومن هنا يكون الأفضل البدء بتحية السلام ثم يأتى بتحية المسجد لأنها لا تفوت إلا بالجلوس، والداخل ما زال قائما لم يجلس، فيسلم على الحاضرين ثم يصلى تحية المسجد، وهنا يكون قد جمع بين التحيتين، والأساس كما قلت:إن تحية السلام تفوت بالانشغال بأى شىء، وتحية المسجد لا تفوت إلا بالجلوس. هذا، وما كنت أحب أن أشغل القارئ بهذه المسألة لولا أن كثيرا يثيرونها والله أعلم بغرضهم من ذلك، وأمامنا ما هو أهم بالبحث

стр. 4077

المؤذن والمقيم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن يقوم بالأذان شخص، وأن يقيم للصلاة شخص آخر؟ الجواب تحدث القرطبى فى تفسيره "ج ٦ ص ٢٢٩" عن اختلاف العلماء فى هذه المسألة، فقال: ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه لا بأس بأن يؤذن شخص ويقيم غيره. لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمره إذ رأى النداء فى النوم -أن يلقيه على بلال، فأذن بلال، ثم أمر عبد الله بن زيد فأقام. رواه أحمد وأبو داود. وقال الثورى والليث والشافعى: من أذن فهو يقيم، لحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم عن زياد بن نُعَيْم عن زياد بن الحارث الصدائى قال. أتيت رسول الله ﷺ ، فلما كان أول الصبح أمرنى فأذنت، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم فقال رسول الله ﷺ "إن أخا صداء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم " قال أبو عمر: عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقى، وأكثرهم يضعِّفونه، وليس يروى هذا الحديث غيره، والأول أحسن إسنادا إن شاء الله. والمناقشات طويلة فى نيل الأوطار "ج ٢ ص ٥٨ ". ثم انتهى القرطبى إلى قوله: ومع هذا فإنى أستحب إذا كان المؤذن واحدا راتبا أن يتولى الإقامة، فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع. يؤخذ من هذا أن العلماء فريقان، وذلك كله فى الأفضلية، أما الصحة فهى متفق عليها، سواء أقام المؤذن أم أقام غيره، والأمر لا يحتاج إلى تعصب ولا طول بحث

стр. 4078

أفراح العيد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى اللعب واللهو والسهر أيام العيد؟ الجواب فى الأعياد المشروعة كعيد الفطر وعيد الأضحى لا بأس بالتمتع بالطيبات المشروعة وإظهار الفرح والسرور على تمام النعمة بالصيام وبالحج. ومن المتع المشروعة الغناء الطيب العفيف الذى لا يثير فتنة عقلية أو خلقية، وقد صح أن النبى ﷺ استمع وأجاز لعائشة أن تسمع الأغانى فى يوم العيد. ولما استنكر أبوها أبو بكر ذلك بيَّن له الرسول ﷺ أن اليوم عيد، ولكل قوم عيد، وفى بعض الروايات "لتعلم يهود أن فى ديننا فسحة ". وثبت أنه ﷺ نظر هو والسيدة عائشة إلى لعب الحبشة بالحراب فى مسجده، وفى الحديث "إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا" وقال الرسول ﷺ لحنظلة الذى يكون عنده فى روحانية، فإذا خرج من عنده شغل بأهله وماله "يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات. وكان الرسول ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا. فالمتعة إذا كانت فى حدود المشروع لا مانع منها أبدا، على أن تكون بقدر، أما الخروج على الآداب والانطلاق فى التمتع بما يتنافى مع الدين والأدب فهو ممنوع قطعا. وتوضيح ذلك موجود عند الحديث عن الموسيقى والغناء

стр. 4079

الهوى إلى السجود المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هو الأفضل عند الهوى إلى السجود هل نقدم اليدين أم الركبتين؟ الجواب أخرج أحمد وأبو داود والنسائى عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه ". وروى الخمسة إلا أحمد عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. جمهور الفقهاء على وضع الركبتين قبل اليدين، ومالك والأوزاعى والشيعة يميلون إلى وضع اليدين قبل الركبتين. قال ابن القيم فى كتابه "زاد المعاد" حديث أبى هريرة انقلب متنه على بعض الرواة، ولعله "وليضع ركبتيه قبل يديه " وقد جاء مرويا فى مسند أبى بكر بن أبى شيبة "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل " وقال ابن القيم أيضا: حديث أبى هريرة متناقض أوله مع آخره، لأنه نهى عن بروك البعير، ووضع اليدين أولا هو كبروك البعير. قال النووى: لا يظهر له ترجيح أحد المشاهدين. وابن القيم رجح حديث وائل وأطال الكلام فى ذلك، وذكر عشر مرجحات. وما دام الأمر خلافيا بين الفقهاء فلا يصح التمادى فى التعصب لرأى من الآراء

стр. 4080

الصلاة فى زيادات الحرمين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يحرص كثير من زوار المسجد الحرام والمسجد النبوى على الصلاة فى المساحة التى كانت أيام النبى ﷺ لأنها المقصودة بزيادة الثواب فيها، ولكن الواقع لا يمكِّنْ كل الزوار من ذلك، فهل لو صلينا فى الزيادات المضافة للمسجد الأصل يكون ثوابنا مضاعفا أيضا؟ الجواب صح فى الحديث أن الصلاة فى المسجد الحرام بمكة بمائة ألف صلاة فيما سواه، كما رواه الطبرانى وابن خزيمة، وفى المسجد النبوى بالمدينة بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام كما رواه مسلم. وهذا واضح فى مساحة المسجد التى كانت موجودة فى أيام النبى ﷺ لكن طرأت على المسجدين زيادات فى عصور متعددة، كما كثر عدد المترددين عليهما للصلاة، فكيف يفعل من لم يستطع أن يجد له مكانا فى المساحة المحدودة؟ اختلف العلماء فى فضل الصلاة فى الزيادة الطارئة على الأصل، فقال النووى: الفضل خاص بالأصل دون الزيادة، مستدلا بقول النبى ﷺ "فى مسجدى هذا" فالإشارة إلى ما بناه هو وحدده، لا ما بناه غيره فيما بعد. لكن قد يُرَدُّ عليه بأن الحديث قال هذه العبارة ليخرج المساجد الأخرى، لا ليخرج الزيادة فى مسجده والنووى وحده هو صاحب هذا الرأى، وقيل: رجع عنه. وجمهور العلماء على أن كل زيادة فى المسجدين لها هذا الحكم، فقد سئل مالك ﵀ عن ذلك فقال: النبى ﷺ تحدث بما سيكون بعده فزويت له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها، ولولا تحدثه بما يكون بعده ما استجاز الخلفاء أن يزيدوا فى مسجده بحضرة الصحابة، دون أن ينكر عليهم أحد "خلاصة الوفا للسمهودى " ص ٩٧. قال ابن تيمية: وهو الذى يدل عليه كلام المتقدمين وعملهم، وكان الأمر عليه زمن عمر وعثمان، فزادوا فى قبلة المسجد، وكان وقوفهما فى الصلوات وفى الصف الأول فى الزيادة، وما بلغنى عن أحد من السلف خلاف هذا، ويشهد له روايات للديلمى وغيره "لو مُدَّ هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدى" وسنده واهٍ، وعن عمر رضى الله عنه: لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد الرسول. وفى سنده متروك. ويقاس على مسجد المدينة مسجد مكة. هذا فضل الصلاة فى المسجد وزياداته، أما الصلاة خارج هذه الزيادات فلا تعطى هذا الثواب، وإلا لصلَّى الناس فى بيوتهم، وبخاصة أن الحرم يتجاوز مكة التى قد يتسع عمرانها، ويدخل فيه المزدلفة، وله حدود معينة. وأرى أن صفوف المصلين خارج المسجد لو اتصلت بالصفوف التى داخله يرجى لها ثواب الصلاة فى المسجد، وإن كان الحرص على الصلاة داخل المسجد يجعل الإنسان يبادر بالذهاب إليه حتى يجد مكانا فيه، والمبادرة لحضور الصلاة مطلوبة

стр. 4081

هدم المسجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال عندنا مسجد آيل للسقوط، هل يجوز هدمه وتعطيله؟ الجواب إذا كان المسجد آيلا للسقوط وأريد ترميمه أو هدمه وبناء غيره فلا مانع من ذلك، لكن لو كان المسجد صالحا للصلاة فيه بدون ضرر فلا يجوز هدمه ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة كما يقول علماء المالكية "تفسير القرطبى ج ٢ ص ٧٨ ". ويجوز منع بناء المسجد، وهدمه بعد بنائه إذا قصد به الشقاق والخلاف، كبنائه بجوار مسجد أو بقربه دون حاجة إليه، كما يقول المالكية "المرجع السابق " ولذلك لا يجوز عندهم أن يكون فى المصر جامعان، ولا لمسجد واحد إمامان، ولا يصلى فى مسجد جماعتان. يؤخذ من أقوال الفقهاء أنه يجوز الانتفاع بالمسجد القديم الآيل للسقوط فى إعادة بنائه أو فى مسجد آخر فى مكان آخر، أما استعماله لغير ذلك فلا يجوز، ويبقى متعطلا " الفتاوى الإسلامية - المجلد السادس ص ٢١٥٦ والسابع ص ٣٢٥٦، ٣٢٦٠"

стр. 4082

الرقابة على المساجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز لأحد من المسئولين أن يمنع أحدا من الخطابة والوعظ فى المساجد؟ الجواب جاء فى كتاب الأحكام السلطانية للماوردى "ص ١٨٨ "قوله: وأما جلوس العلماء والفقهاء فى الجوامع والمساجد والتصدى للتدريس والفتيا فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه ألا يتصدى لما ليس به بأهل، فيضل به المستهدى ويزل به المسترشد، وقد جاء فى الأثر "أجروكم على الفتيا أجروكم على جراثيم جهنم " - حديث مرسل رواه الدارمى عن عبد الله بن أبى جعفر. وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاختيار من إقرار أو إنكار، فإذا أراد من هو لذلك أهل أن يترتب - يوظف - فى أحد المساجد لتدريس أو فتيا نُظِرَ حال المسجد، فإن كان من مساجد المحال - الأهلية - التى لا يترتب الأئمة فيها من جهة السلطان لم يلزم من ترتب فيه للتدريس والفتيا استئذان السلطان فى جلوسه، كما لا يلزم أن يستأذنه فيه من ترتب للإمامة. وإن كان من الجوامع وكبار المساجد التى ترتب الأئمة فيها بتقليد السلطان روعى فى ذلك عرف البلد وعادته فى جلوس أمثاله، فإن كان للسلطان فى جلوس مثله نظر لم يكن له أن يترتب للجلوس فيه إلا عن إذنه، كما لا يترتب للإمامة فيه إلا عن إذنه، لئلا يفتات عليه فى ولايته، وإن لم يكن للسلطان فى مثله نظر معهود لم يلزم استئذانه للترتيب فيه وصار كغيره من المساجد. وإذا ارتسم بموضح من جامع أو مسجد فقد جعله الإمام مالك أحق بالموضع إذا عرف به، والذى عليه جمهور الفقهاء أن هذا يستعمل فى عرف الاستحسان، وليس بحق مشروع، وإذا قام عنه زال حقه منه، وكان السابق إليه أحق، لقول الله تعالى ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ الحج:٢٥. ويمنع الناس فى الجوامع والمساجد من استطراق - اختراق - حلق الفقهاء والقراء، صيانة لحرمتها، وقد روى عن النبى ﷺ "لاحمى إلا فى ثلاث: ثُلَّة البئر، وطَوْلُ الفرس، وحلقة القوم " فأما ثلة البئر فهو منتهى حريمها، وأما طول الفرس فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطا، وأما حلقة القوم فهو استدارتهم فى الجلوس للتشاور والحديث. وإذا تنازع أهل المذاهب المختلفة فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم يعترض عليهم فيه، إلا أن يحدث بينهم تنافر فيكفوا عنه، وإن حدث منازع ارتكب مالا يسوغ فيه الاجتهاد كف عنه ومنع منه، فإن أقام عليه وتظاهر باستغواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسم بزواجر السلطنة ظهور بدعته، ويوضح بدلائل الشرع فساد مقالته، فإن لكل بدعة مستمعا، وكل مُستغو متبعا، وإذا تظاهر بالصلاح من استبطن ما سواه ترك، وإذا تظاهر بالعلم من عرى منه هتك، لأن الداعى إلى صلاح ليس فيه مصلح، والداعى إلى علم ليس فيه مضل. انتهى. وقال فى صفحة ١٠٠: إن المساجد ضربان: مساجد سلطانية ومساجد عامية - أهلية - فأما المساجد السلطانية فهى المساجد والجوامع والمشاهد، وما عظم وكثر أهله من المساجد التى يقوم السلطان بمراعاتها، فلا يجوز أن ينتدب للإمامة فيها إلا من ندبه السلطان لها، وقلَّده الإمامة فيها، لئلا يفتات الرعية فيما هو موكول إليه، فإذا قلد السلطان فيها إماما كان أحق بالإمامة فيها من غيره وإن كان أفضل منه وأعلم، وهذه الولاية طريقها طريق الأولى لا طريق اللزوم والوجوب. ثم قال: وإذا صلى إمام هذا المسجد بجماعة وحضر من لم يدرك تلك الجماعة لم يكن لهم أن يصلوا فيه جماعة وصلَّوا فيه فرادى، لما فيه من إظهار المباينة والتهمة بالمشاقة والمخالفة. ثم قال: وإذا قلد السلطان لهذا المسجد إمامين وأطلق التقييد من غير تخصيص كل واحد منهما ببعض الصلوات كانا فى الإمامة سواء، وأيهما سبق إليها كان أحق بها، ولم يكن للآخر أن يؤم فى تلك الصلاة بقوم آخرين، لأنه لا يجوز أن يقام فى المساجد السلطانية جماعتان فى صلاة واحدة. ثم ذكر أن للإمام أن يعمل برأيه واجتهاده فى أحكام صلاته، ولم يكن للسلطان أن ينهاه عن ذلك، ولا للمأمومين أن ينكروه عليه، كالشافعى الذى يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويقنت فى الصبح، والحنفى الذى يترك البسملة والقنوت. ثم ذكر أنه يجوز أن يأخذ الإمام رزقا على الإمامة من بيت المال من سهم المصالح، ومنع أبو حنيفة من ذلك. وأما المساجد العامية التى يبنيها أهل الشوارع والقبائل فى شوارعهم وقبائلهم فلا اعتراض للسلطان عليهم فى أئمة مساجدهم، وتكون الإمامة فيها لمن اتفقوا على الرضا بإمامته، وإذا اختلف أهل المسجد فى اختيار إمام عمل على قول الأكثرين، فإن تكافا المختلفون - أى تساووا - اختار السلطان لهم إماما يكون أحسن دينا وقراءة وتفقها وأكبر سنا، وذلك لقطع تشاجرهم. وهذا فى الإمامة فى الصلوات اليومية، أما فى صلاة الجمعة فقال الماوردى: ذهب أبو حنيفة إلى أنها من الولايات الواجبة، فلا تصح صلاة الجمعة إلا بحضور السلطان أو من يستنيبه فيها، وذهب الشافعى وفقهاء الحجاز إلى أن التقليد-أى التعيين - فيها ندب، وأن حضور السلطان ليس بشرط فيها، فإن أقامها المصلون على شرائطها انعقدت وصحت. بعد هذه النقول عن الماوردى المتوفى سنة ٤٥٠ هجرية: نرى أهمية التدريس والخطابة والوعظ فى المساجد، وأهمية الإمامة فيها، وبخاصة المساجد الحكومية، فلا يعين فيها ولا يتصدر لهذه المهمة إلا من كان أهلا لها، وإذا كان للمساجد الأهلية حرية فى تعيبن الإمام جاز لولى الأمر التدخل فى ذلك للمصلحة. ونرى أن حرية الرأى مكفولة فيما يسوغ فيه الاجتهاد، مع المحافظة على وحدة الصف وعدم تفرق الجماعة، وإمام المسجد هو المسئول عن ذلك، ولا يُعترض على ما يراه هو، وعلى المأمومين أن يتبعوه. وإذا تعدد الأئمة فى المسجد الواحد وجبت عليهم مراعاة الوحدة وعدم الخلاف. هذه تنظيمات مشروعة قال بها العلماء منذ ألف سنة وهى جديرة بمراعاتها فى عصرنا الحاضر، من أجل المعرفة الصحيحة بأمور الدين، والحيلولة دون المغرضين أو الجاهلين أن يشوهوا الوجه المشرق للإسلام، أو يفرقوا كلمة المسلمين

стр. 4083

إعراب الأذان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعنا مؤذنا يقول: الله اكبر الله أكبر فى نفس واحد، ولكن بفتح الراء من " أكبر " فهل أذانه صحيح؟ الجواب عبارة "الله أكبر" يجوز الوقف على أخرها وذلك بإسكان الراء، فإذا وصلها بغيرها مثل "الله أكبر الله أكبر" يجوز إسكان الراء، لأن الوقف هو الأصل وهو يكون بالإسكان. ويجوز أن تحرك الراء بالضم، على الإعراب، لأن "أكبر" خبر لمبتدأ وهو مرفوع. ويجوز أن تحرك الراء بالفتح، إما بنقل حركة الحرف الذى بعدها، وإما للتخلص من التقاء الساكنين، وإن كان الأصل فيه أن يكون بالكسر، لكن اختير الفتح بدل الكسر للتفخيم، هكذا قال الإمام الراغب فى كتابه "بغية الراغب ودفينة الطالب " ص ٥

стр. 4084

أعضاء السجود المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نرى بعض الناس أثناء السجود يكون أحد قدميه نائما غير منتصب وأحيانا يكون القدمان نائمين، فهل صلاتهم صحيحة؟ الجواب السجود فى الصلاة ركن من أهم أركانها، وهو فرض بالنص والإجماع، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا. . .﴾ الحج: ٧٧، ولا بد فيه من الطمأنينة كما علَّم النبى ﷺ الصلاة لرجل رآه يسىء صلاته، حيث قال له "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا" رواه البخارى ومسلم. وأجمعت الأمة على ذلك والطمأنينة أقلها زمن يسع " سبحان الله " ولم يقل بفرضيتها أبو حنيفة، لعدم ذكرها فى القرآن، ولم يعتد بالحديث المذكور. والحد الأدنى فى السجود أن يضع جزءا من جبهته على الأرض عند الجمهور، وأوجب أبو حنيفة وضع أكثر الجبهة مع التحامل عليها، للحديث الذى رواه ابن حبان فى صحيحه "إذا سجدت فمكِّن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرا " ولا بد أن تكون الجبهة مكشوفة غير مغطاة وقد تقدم الكلام فى ذلك. وهل يجب السجود على أعضاء أخرى غير الجبهة؟ روى البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ "أمرت بالسجود على سبعة أعظم: اليدين والركبتين والقدمين والجبهة " هناك للشافعية قولان، الأظهر عند الرافعى لا يجب السجود على غير الجبهة، والأظهر عند النووى الوجوب، وعلى ما صححه النووى، الاعتبار بباطن الكف فى اليدين، وببطون الأصابع فى القدمين، ولا يكفى ظهر الكف ولا ظهر الأصابع، ويكفى وضع جزء من كل هذه الأعضاء كإصبع واحدة. والحنفية قالوا: الواجب هو إحدى اليدين وإحدى الركبتين وإحدى القدمين. والسنة أن يكون السجود بالكل. والمالكية قالوا: السجود على غير الجبهة سنة غير واجب، والحنابلة قالوا مثل ما قال الشافعية، فإذا عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء سجد على بقيتها "الفقه على المذاهب الأربعة". وفى السجود على طرف الأنف خلاف. فالجمهور على عدم الوجوب، وعند أحمد روايتان، إحداهما بالوجوب بدليل حديث البخارى ومسلم فى الأمر بالسجود على سبعة أعظم أن النبى ﷺ عند ذكر الجبهة أشار بيديه إلى أنفه، والثانية بعدم الوجوب "المغنى ج ١ ص ٥٦٠، النووى على مسلم ج ٤ ص ٢٠٧، ٢٠٨". من هنا نرى الاتفاق على وجوب السجود على الجبهة، وما عدا ذلك من الأعضاء فيه خلاف، قيل بالندب، وقيل بوجوب إحدى اليدين وإحدى الركبتين وإحدى القدمين، والدين يسر

стр. 4085

التنكيس فى السجود المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يشترط فى صحة السجود ألا يكون مكان الجبهة أعلى من مستوى الركبتين؟ الجواب قال الحنفية: ارتفاع موضع الجبهة يكون ضارا إذا زاد على نصف ذراع، إلا لضرورة، كسجود المصلى على ظهر المصلى الذى أمامه عند الزحام، وذلك بشرط ألا يجد مكانا خاليا لوضع جبهته. على الأرض وأن يكون فى صلاة واحدة، وأن تكون ركبتاه على الأرض. والشافعية قالوا: إن ارتفاع موضع الجبهة عن موضع الركبتين مبطل للصلاة إلا إذا رفع عجيزته وما حولها عن رأسه وكتفيه فتصح الصلاة، فالمدار عندهم على تنكيس البدن وهو رفع الجزء الأسفل من البدن على الجزء الأعلى منه فى السجود، وذلك حيث لا عذر، كالحامل، فالتنكيس غير واجب عليها إذا خافت الضرر. والمالكية قالوا: إذا كان الارتفاع كثيرا ككرسى متصل بالأرض فالسجود لا يصح على المعتمد، وإن كان قليلا فلا يضر، "الفقه على المذاهب الأربعة"

стр. 4086

التفريج بين القدمين فى الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نرى بعض المصلين يفرجون بين أقدامهم بدرجة كبيرة، وإذا كانوا فى جماعة ألصقوا أرجل بعضهم بأرجل البعض الآخر فتتسع المسافة بين قدمى المصلى بصورة لافتة للنظر، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب إذا كان الإنسان يصلى إماما أو منفردا كان من السنة ألا يضم قدميه عند القيام فى الصلاة، بل يفرج بينهما، وذلك باتفاق الأئمة، أما المسافة بين القدمين فقدرها الحنفية بأربع أصابع، فإن زاد أو نقص كان مكروها، وقدرها الشافعية بشبر، وقال المالكية والحنابلة يكون التفريج متوسطا، بحيث لا يضم القدمين ولا يوسعهما كثيرا حتى يتفاحش عرفا. وإذا كان المصلى مأموما فى صف فمن السنة سد الفرج وتراصُّ الصفوف، وجاء فى ذلك حديث رواه البخارى ومسلم عن أنس رضى الله عنه قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال " أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإنى أراكم من وراء ظهرى " وجاء فى رواية البخارى: فكان أحدنا يلزِقُ منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه. وجاء فى رواية أبى داود وابن خزيمة فى صحيحه عن النعمان بن بشير قوله: فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه. والكعب هو العظم الناتئ فى جانبى الرِّجْل عند ملتقى الساق بالقدم، لأنه هو الذى يمكن أن يلزق بالذى بجنبه، والقول بأن الكعب هو مؤخر القدم قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم كما جاء فى الفتح لابن حجر"ج ٣ ص ١٤٧". وإلزاق أو لزق المناكب يتبعه بسهولة إلزاق الكعوب، لكن لو تباعدت المناكب اقتضى إلزاق الكعوب التفريج بين الأقدام بمسافة كبيرة تتفاحش عرفا كما يقول المالكية والحنابلة، وتزيد على الشبر كما يقول الشافعية وعلى الأصابع الأربعة كما يقول الحنفية، وذلك مكروه. وقد يحرص بعض الأشخاص على إلزاق الكعوب، على الرغم من تفاحش المسافة بين قدميه، فهو يريد فعل سنة فيقع فى مكروه، إلى جانب مضايقته لمن بجواره الذى يحاول ضم قدميه لكنه يلاحقه ويفرج بين قدميه بصورة لافتة للنظر وقد يضع رجله ويضغط عليها ومضايقة المصلى تذهب خشوعه أو تقلله، والإسلام نهى عن الضرر والضرار. وتضرُّر بعض المصلين من إلزاق جاره رجله برجله ذكره أحد رواة الحديث وهو معمر فيما أخرجه الإسماعيلى، حيث قال: ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس. فأرجو التنبه لذلك، إبقاءً على المودة ومساعدة على الخشوع فى الصلاة

стр. 4087

مخالفة الطريق إلى المسجد يوم العيد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يندب للإنسان إذا صلى العيد فى مكان أن يعود إلا بيته من طريق آخر؟ الجواب نعم يسن للإنسان إذا ذهب لصلاة العيد من طريق أن يعود من طريق آخر إلى بيته أو غيره، وذلك ليشهد له الطريقان، فقد روى البخارى عن جابر رضى الله عنه أنه قال: كان النبى ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق، وروى مسلم وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: كان النبى ﷺ إذا خرج إلى العيد يرجع فى غير الطريق الذى خرج وهذه المخالفة سنة ولست بواجبة، إن فعلها أخذ ثوابا، وإن لم يفعلها فلا عقاب عليه. وكان بعض الصحابة يرجع من الطريق الذى ذهب منه دون إنكار عليه

стр. 4088

فتح المأموم على الإمام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما معنى فتح المأموم على الإمام، وهل هو جائز أو غير جائز؟ الجواب معنى فتح المأموم على الإمام تنبيهه إلى ما يقروه من السور أو الآيات بعد قراءة الفاتحة، وهذا التنبيه قد يكون تصحيحا لخطأ فى القراءة، وقد يكون تذكيرا له بما يريد أن يقرأه، وهو مشروع. والأصل فى ذلك حديث رواه أبو داود عن مُسَوَّر بن يزيد المالكى قال: صلى رسول الله ﷺ فترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله آية كذا وكذا، قال "فهلاَّ ذكرتنيها" وفى رواية له عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبى "أصليت معنا"؟ قال: نعم، قال "فما منعك "؟ . وإسناده جيد كما قال الخطابى. والمعنى أن النبى ﷺ ترك آية فظن مسور أنها نسخت، فذكر له النبى ﷺ أنها لم تنسخ وكان يود أني يذكره إياها. ومعنى "لبس " بفتح اللام والباء، التبس واختلط. جاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ٣٣٩ " أن الحديثين يدلان على مشروعية الفتح على الإمام، على خلاف فى ندبه أو وجوبه عند الشيعة، وقال أبو حنيفة فى رواية عنه: إنه مكروه ودليله ما أخرجه أبو داود عن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "يا على لا تفتح على الإمام فى الصلاة " وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه، وهو مطعون فيه، ولا يعارض ما ورد فى مشروعية الفتح. وجاء فى المغنى لابن قدامة "ج ١ ص ٧١١" أن الفتح على الإمام إذا أرتج عليه أو غلط فرُدَّ عليه لا بأس به فى الفرض والنفل، روى ذلك عن عثمان وعلى وابن عمر رضى الله عنهم، وكذلك بعض التابعين كالحسن وابن سيرين، وكرهه ابن مسعود من الصحابة، وشريح والشعبى. وقان أبو حنيفة: تبطل الصلاة به، وذكر الأحاديث السابقة ثم ذكر ابن قدامة أن الإمام إذا أرتج عليه فى الفاتحة لزم مَن وراءه الفتح عليه، كما لو نسى سجدة لزمهم تنبيهه بالتسبيح، فإن عجز عن إتمام الفاتحة فله أن يستخلف من يصلى بهم لأنه عذر كما لو سبقه الحدث. وجاء فى فقه المذاهب الأربعة ما خلاصته: ١ -أن الحنفية قالوا: إذا نسى الإمام الآية كأن توقف فى القراءة أو تردد فيها فإنه يجوز للمأموم الذى يصلى خلفه أن يفتح عليه، ولكنه ينوى إرشاد إمامه لا التلاوة، لأن القراءة خلف الإمام مكروهة تحريما. ويكره للمأموم المبادرة بالفتح على الإمام، كما يكره للإمام أن يلجئ المأموم على إرشاده، بل ينبغى له أن ينتقل إلى آية أخرى أو سورة أخرى، أو يركع إذا قرأ القدر المفروض والواجب. ٢ -والمالكية قالوا: يفتح المأموم على إمامه إذا وقف عن القراءة وطلب الفتح بأن تردد فى القراءة، أما إذا وقف ولم يتردد فإنه يكره الفتح عليه، ويجب الفتح عليه فى الحالة الأولى إن ترتب عليه تحصيل الواجب لقراءة الفاتحة، ويُسَنُ إن أدَّى إلى إصلاح الآية الزائدة عن الفاتحة، ويندب إن أدى إلى إكمال السورة الذى هو مندوب. ٣- والشافعية قالوا: يجوز للمأموم أن يفتح على إمامه بشرط أن يسكت عن القراءة، أما إذا تردد فى القراءة فإنه لا يفتح عليه ما دام مترددا، ولا بد لمن يفتح على إمامه أن يقصد القراءة وحدها، أو يقصد القراءة مع الفتح، أما إن قصد الفتح وحده، أو لم يقصد شيئا أصلا فإن صلاته تبطل على المعتمد. ٤ - والحنابلة قالوا: يجوز للمصلى أن يفتح على إمامه إذا أرتج عليه (أى منع من القراءة) أو غلط فيها، ويكون الفتح واجبا إذا منع الإمام من القراءة أو غلط فى الفاتحة، لتوقف صحة الصلاة على ذلك. هذا، ولعل ما نقلته من فقه المذاهب الأربعة يوضح ما نقلته عن نيل الأوطار للشوكانى وعن المغنى لابن قدامة. واختلاف الآراء رحمة، لأنه يتيح الفرصة للأخذ بأحدها دون تعصب

стр. 4089

التبليغ خلف الإمام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى قيام أحد المأمومين برفع صوته بالتكبير ليسمع المأمومون ويتابعوا الإمام؟ الجواب من السنة أن الإمام يجهر بالتكبير والتسميع والسلام، وذلك لإعلام المأمومين حتى يتابعوه، فإن كان المأمومون يسمعون ذلك منه كان التبليغ من غيره مكروها لعدم الحاجة إليه. فإن كان صوته ضعيفا لا يسمعهم فيُسَنُ لأحد المأمومين أن يقوم بالتبليغ، ففى حديث البخارى لما مرض النبى ﷺ كان يصلى بالناس وأبو بكر يصلى بصلاته والناس يصلون بصلاة أبى بكر، فكان النبى إذا كبر كبر أبو بكر وكبر الناس بتكبيره، أى يقتدون بصوته. وجاء مثل ذلك فى رواية مسلم أن النبى صلى قاعدا وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، وفى رواية له: فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر ليسمعنا. وذكر النووى فى شرحه أن رفع الإمام صوته بالتكبير ليسمعه الناس ويتبعوه، وأن اتباع المقتدى صوت المكبر جائز فى مذهب الشافعية ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه إجماع الصحابة والتابعين عليه وجرى العمل على هذا قديما. ويجب أن يقصد المبلغ، سواء أكان إماما أم غيره، الإحرام للصلاة بتكبيرة الإحرام، فلو قصد الإعلام والتبليغ فقط لم تنعقد صلاته. بل قال الشافعية: لا تنعقد صلاته لو قصد الإعلام والإحرام. هذا فى تكبيرة الإحرام، أما التكبيرات الأخرى وقول: سمع الله لمن حمده، والتحميد فإن قصد بها التبليغ فقط فلا تبطل صلاته، لكن فاته الثواب، لأن التبليغ مكروه، والشافعية يقولون فى غير تكبيرة الإحرام: إن قصد بهذه الأشياء مجرد التبليغ،أو لم يقصد شيئا بطلت صلاته، أما إن قصد التبليغ مع الذكر فصلاته صحيحة. وللحنفية ملخص آخر فى هذا التبليغ فقالوا: إذا رفع المبلغ صوته بذلك وكان لصوته نغم وتفنن فيه قاصدا بذلك إعجاب الناس به فصلاته تفسد على الراجح. "فقه المذاهب الأربعة، "القول البليغ " للحموى

стр. 4090

متى يبدأ قصر الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جعل الله لنا رخصة فى قصر الصلاة بسبب السفر، فمتى يتحقق السفر ومتى يجوز القصر؟ الجواب يقول الله سبحانه: ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ النساء: ١٠١، تفيد هذه الآية أن السفر يبيح للمسافر أن يصلى الصلاة الرباعية ركعتين، وهذا أمر مجمع عليه، فعله الرسول ﷺ وصحابته والتابعون، وكل المسلمين فى جميع العصور. ومع اختلاف العلماء فيما يتحقق به السفر المبيح للقصر، هل هو أى سفر ولو كان قصيرا أو هو السفر الطويل، وهل هناك تحديد للطول، مع اختلافهم فى ذلك قالوا: متى شرع فى السفر جاز القصر ولو بعد زمن قصير أو مسافة قصيرة جدا من البلد الذى بدأ منه السفر، وقالوا: إن مفارقة البلد تكون بتجاوز مبانيها كلها وتجاوز المرافق الملحقة بها. وهذه المفارقة فيها آراء. ا - فالشافعية قالوا: لا بد أن يصل إلى محل يُعدُّ فيه مسافرا عرفا، وابتداء السفر لساكن الأبنية يحصل بمجاوزة سور مختص بالمكان الذى سافر منه إذا كان السور صوب الجهة التى يقصدها المسافر، ومثل السور الخندق والقنطرة، فإن لم يوجد سور ولا خندق ولا قنطرة فالعبرة بمجاوزة العمران أى المبانى، ومنها المقابر المتصلة بها، ولو تعددت القرى وهى متصلة فى وحدة محلية واحدة فلا بد من تجاوزها كلها، فإن لم تكن متصلة فالعبرة بمجاوزة القرية التى يسكنها. هذا، إذا كان السفر برا، أما لو كان بحرا فالسفر يبدأ من أول تحرك السفينة من الميناء، وإذا كانت السفينة تسير محاذية للأبنية فلا يقصر حتى يجاوز الأبنية، ولو كان السفر جوا فلا يقصر حتى تتحرك الطائرة وتجاوز البلد. ٢ - والحنفية قالوا: مثل ذلك فى مجاوزة الأبنية، ولم يشترطوا غيابها عن بصره ما دامت المجاوزة قد تحققت، كما نصوا على مجاوزة المرافق المتصلة بالبلد كالمدافن والملاعب وأمكنة القمامة، فإن كانت هذه المرافق منفصلة بمزرعة أو فضاء قدره أربعمائة ذراع فلا تشترط مجاوزته. ولم يأت فى فقه المذاهب الأربعة عنهم كلام على السفر فى البحر أو غيره. ٣- والمالكية قالوا: لا بد من مجاوزة الأبنية والفضاء الذى حواليها والبساتين المسكونة بأهلها ولو فى بعض العام، بشرط اتصالها بالبلد حقيقة أو حكما بأن كان ساكنوها ينتفعون بأهل البلد. والعِزب المتصلة بالبلد لا بد من مجاوزتها ما دام بين سكانها ارتفاق بأهل البلد، لأنها كبلد واحد. ٤ -والحنابلة قالوا: كلاما قريبا من هذا، وكلها أقوال اجتهادية لا نص فيها، وقد يكون للعرف دخل فى اعتبار السفر قد بدأ أو لم يبدأ. غير أنه روى عن بعض السلف أن من نوى السفر يقصر ولو فى بيته، ولم يوافق أحد من أصحاب المذاهب المشهورة عليه، لأنه ما دام فى بيته كيف يتحقق السفر، والنية ليست سفرا، فقد ينوى الإنسان قبل مغادرة البيت أو البلد بيوم أو ساعات طوال. فالأولى عدم العمل بهذا الرأى

стр. 4091

نقل المسجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال تخرب مسجد وليس له ما يعمر به واستغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر، أو تهدم فى زلزال أو سيول، فهل يجوز التصرف فى أرضه لغرض آخر، أو لبناء مسجد بدله؟ الجواب إذا تحققت المسجدية فى أرض بالبناء والصلاة أصبح المسجد ملكا لله لا يجوز لأحد أن يتملكه أو يتصرف فيه بما يخرجه عن مهمته الدينية، لكن لو تخرب المسجد ولا يوجد ما يعمره، أو هاجر الناس من حوله واستغنوا عنه، إما قهرا واضطرارا كزلزال أو سيول، أو اختيارا كهجرة إلى مكان آخر، هنا اختلف الشيخان محمد وأبو يوسف صاحبا أبى حنيفة فى الحكم، فقال محمد: إنه يعود إلى ملك الواقف أو المتبرع إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا، لأنه عينه لقربة مخصوصة، فإذا انقطعت رجع إلى المالك، وإذا لم يعلم صاحبه ولا ورثته أو كان ملكا للجميع أقاموه بالجهود الذاتية جاز بيعه وصرف ثمنه فى مسجد آخر. وقال أبو يوسف: على الرغم من ذلك فهو ما يزال مسجدا إلى يوم القيامة، ولا يعود إلى ملك أحد من الناس، لأنه صار ملكا لله وحده، ولا يجوز نقل أنقاضه ولوازمه إلى مسجد آخر، وبالطبع لا يجوز الانتفاع بأرضه فى أى عمل آخر، وللناس أن يبنوا فوق الأرض مسجدا جديدا. وأكثر المشايخ على قول أبى يوسف، ورجحه الكمال بن الهمام، لكن روى عن أبى يوسف أيضا أنه وإن لم يعد المسجد إلى المالك يجوز أن تحول الأنقاض واللوازم إلى مسجد آخر، أو يباع ذلك بإذن القاضى ويصرف ثمنه فى أقرب مسجد له، وقد جزم بهذه الرواية صاحب "الإسعاف " وأفتى بها كثير من المتأخرين، لأن ترك الأنقاض وخلافها بدون صرفها إلى مسجد آخر يؤدى إلى ضياعها إذا طال الزمان. أما أبو حنيفة فنقل عنه مثل قول محمد، ونقل أيضا عنه مثل قول أبى يوسف. انتهى ملخصا من فتوى الشيخ حسن مأمون فى ٢٤ من مايو سنة ١٩٦٠ "الفتاوى الإسلامية ج ٦ ص ٢١٥٦". هذا، ووجه سؤال إلى الشيخ جاد الحق على جاد الحق سنة ١٩٨١م عن هدم مسجد آيل للسقوط لبناء مسجد جديد على قطعة منه وبناء عمارة على الباقى من أرضه فأجاب بتاريخ أول أبريل سنة ١٩٨١ م بما ملخصه: أن الفقه الشافعى: نعى كما فى كتاب إعلام الساجد للزركشى- على أنه إذا تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد أو خرابها أو خراب المسجد فلا يعود مملوكا، ولا يجوز بيعه ولا التصرف فيه، خلافا لمحمد بن الحسن الحنفى. والفقه المالكى: جرى على مثل ما ذهب إليه فقه الشافعية -كما فى كتاب التاج والإكليل على مختصر خليل، غير أنه أجاز فى المسجد إذا تخرب وخيف على أنقاضه من الفساد ولم ترج عمارته أن تباع ويوجه الثمن إلى مسجد آخر. وأجاز فقه الحنابلة -كما فى المغنى لابن قدامة - بيع المسجد إذا صار غير صالح للغاية ال مقصودة منه، كأن ضاق على أهله ولم يمكن توسيعه ليسعهم، أو خربت الناحية التى فيها المسجد وصار غير مفيد، ويصرف ثمنه فى إنشاء مسجد آخر فى مكان يحتاج إليه فيه. وفى الفقه الحنفى: أن المسجد إذا خرب ولم يكن له ما يعمر به واستغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر، أو خرب ما حوله واستغنى عنه - يبقى مسجدا أبدا إلى يوم القيامة وذلك عند أبى حنيفة وأبى يوسف، وأما عند محمد بن الحسن فيعود إلى ملك من بناه، ونصوا على أنه إذا أراد أهل محلة نقض المسجد وبناءه أحسن من الأول إن كان من يريد بناءه من أهل المحلة كان لهم ذلك، وإلا لم يجز، كما نصوا على أن للقائم على المسجد أن يؤجر فناءه للتجار لصالح المسجد، ولفقراء المسلمين بإذن القاضى، أما فناء المسجد وحرمه فأعطاها بعضهم حكم مسجد آخر، وأتبعها آخرون للمسجد ذاته. وبعد سرد أقوال المذاهب قال: يجوز هدم المسجد الآيل للسقوط أو المتخرب وجعل ثمن أنقاضه فى مصاريف تجديده لبقاء المسجدية له، ويجوز توسيعه من الفناء الملحق به، وإقامة عمارة على بعض الفناء يصرف عائدها أو تستعمل لصالح المسجد ولصالح الفقراء، وذلك بإذن القاضى. "الفتاوى الإسلامية ج ٩ ص ٣٢٥٤"

стр. 4092

المنبر النبوى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى أوصاف المنبر الذى كان يخطب عليه النبى ﷺ وما عدد درجاته؟ الجواب جاء فى الصحيح أن مسجد النبى ﷺ كان مسقوفا على جذوع من نخل، وكان النبى إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر فكان عليه سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، وللنسائى: اضطربت تلك السارية فحنت كحنين الناقة الخلوج، أى التى انترغ ولدها، ولأحمد وابن ماجه: فلما جاوز الجذع خار حتى تصدع وانشق، وفيه: فأخذ أبى بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلى وعاد رفاتا. وعند الدارمى: فأمر به ﷺ أن يحفر له ويدفن. ولابن زبالة: تحت المنبر، وقيل عن يساره وقيل شرقيه، وقيل فى موضعه الذى كان فيه. وجاء فى مسند الدارمى أن النبى ﷺ كان إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتكأ على الجذع، فبصر به رجل ورد المدينة فقال: لو أعلم أن محمدا يحمدنى فى شىء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام. فبلغ النبى ﷺ فقال "ائتونى به " فأتوه فأمره أن يصنع له المراقى الثلاث أو الأربع، وهى الآن فى مسجد المدينة، فوجد النبى ﷺ فى ذلك راحة. وبعد أن ذكر السمهودى هذا الكلام فى كتابه خلاصة الوفا "ص ١٦٢ وما بعدها" قال فى "ص ١٦٤ ": وأشهر الأقوال أن الذى صنع المنبر "باقوم " الذى بنى الكعبة لقريش، وقيل غيره، وذكر بعض أهل السير أنه كان يخطب على منبر من طين، وأن الصحابة صنعوا له مقعدا من طين يجلس عليه ليعرفه الناس الوافدون إليه، وكان يخطب عليه، وكان ذلك فى أول الهجرة، وفى قصة الإفك عبارة "ورسول الله قائم على المنبر". وذكر ابن سعد أن المنبر كان سنة سبع وأن ابن النجار جزم أنه كان سنة ثمان، كما ذكر آراء فى أنه كان درجتين أو ثلاثة، يجلس الرسول على الثالثة ويضع رجله على الثانية، فلما ولى أبو بكر كان يجلس على الثانية ويضع رجله على الدرجة السفلى وجاء عمر فجلس على الأولى ووضع رجله على الأرض، ولما جاء عثمان فعل ذلك ست سنوات ثم علا إلى موضع النبى ﷺ فلما ولى معاوية جعل للمنبر ست درجات زيادة على الثلاثة، ولما قدم المهدى الخليفة العباسى إلى المدينة استشار الإمام مالكا أن، يعيده إلى ما كان عليه أيام الرسول فلم يوافق. وكان ذلك سنة ١٦٠ هـ، واحترق المسجد سنة ٦٥٤ هـ واشتركت مصر فى تعميره. وفى عهد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى كملت عمارة المسجد، ومن بعده الناصر قلاوون. وأرسل الظاهر منبرا عدد درجاته تسع، كما أرسل من بعده منابر أخرى. " انظر الزرقانى على المواهب اللدنية ج ١ ص ٣٧١". كما بنى أهل المدينة منبرا من الآجر والنورة بسبب حريق بالمسجد حتى سنة ٦٨٨ هـ فبنى الأشرف قايتباى منبرا من الرخام، وتوالى التغيير على مدى الأزمان، ولم يعد للمنبر النبوى ذى الدرجات الثلاث أثر، واستمر الناس يخطبون على المنابر الجديدة ولم ينكر عليهم أحد. إن أصل اتخاذ المنبر كان لظهور الخطيب أمام الناس، وكلما ارتفع أمكن أن يسمع صوته بوضوح،وظهرت فى مصر وغيرها منابر عالية فى مساجد واسعة يجتمع فيها الآلاف الذين لا يكاد البعيد منهم عن المنبر يسمع من يتحدث، وكان يخطب عليها كبار الشيوخ والعلماء، ومنبر مسجد الأزهرنفسه له درجات كثيرة، وما سمعنا مثل الصيحة فى السنوات الأخيرة التى ترمى المنابر العالية بانها بدعة، وبالتالى ضلالة، مع أنه لم يرد نهى عنها وليست من العبادات التى يتقرب بها إلى الله. وأرى أن رفع المنابر إذا كان لإبلاغ الصوت هو الوسيلة الوحيدة فى الماضى فإن مكبرات الصوت أغنت عن ذلك، وليس أثر المنبر فى السامعين وفى تبليغ الدعوة مرتبطا بعدد درجاته بقدر ارتباطه بصحة المعلومات والحكمة فى إيصالها للسامعين. وإذا كان ارتفاع المنابر لإسماع الناس بدعة فلماذا لا يكون استعمال مكبر الصوت بدعة أيضا وهو لم يكن على عهد النبى ﷺ والسلف الصالح؟ أرجو أن نفهم الدين فهما صحيحا، وألا نتسرع بإصدار أحكام لا تخدم الدين بقدر ما تسىء إليه

стр. 4093

الشهيد تارك الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مات أحد الجنود فى معركة إسلامية ولم يكن يصلى، فهل يغفر الله له؟ الجواب معلوم أن ترك الصلاة ورد فيه حديث مسلم "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" وأحسن ما قيل فيه ما ذكره النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٢ ص ٧٠" أن تارك الصلاة إن كان منكرا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج من ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه: فذهب مالك والشافعى رحمهما الله والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزانى المحصن، ولكنه يقتل بالسيف -لابالرجم- وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروى عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ﵀، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعى رضوان الله عليه. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزنى صاحب الشافعى رحمهما الله إلى أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلى. احتج من قال بكفره بظاهر الحديث المذكور، وبالقياس على كلمة التوحيد. واحتج من قال لا يقتل بحديث "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث " وليس فيه الصلاة. واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨ وبقوله ﷺ "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" و"من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" "لا يلقى الله تعالى عبد بهما -أى الشهادتين- غير شاك فيحجب عن الجنة" و"حرم الله النار على من قال لا إله إلا الله " وغير ذلك. واحتجوا على قتله بقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ التوبة: ٥ وقوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم " وتأولوا قوله ﷺ "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهى القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار. والله أعلم. وذكر النووى أن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات، مع اعترافهم بالله تعالى، ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك، والله أعلم. وقال الماوردى فى "الأحكام السلطانية " ص ٢٢١: تارك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها يسأل عن تركه لها، فإن قال: تركتها لنسيان أمر بها قضاء فى وقت ذكرها، ولم ينتظر بها مثل وقتها، قال رسول الله ﷺ "من نام عن صلاة أو نسيها عنها فليصلها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك " رواه مسلم وإن تركها لمرض صلاها بحسب طاقته من جلوس أو اضطجاع، قال تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا الا وسعها﴾ البقرة: ٢٨٦ وإن تركها جاحدا لوجوبها كان كافرا، حكمه حكم المرتد، يقتل بالردة إذا لم يتب، وإن تركها استثقالا لفعلها مع اعترافه بوجوبها فقد اختلف الفقهاء فى حكمه، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يضرب فى وقت كل صلاة ولا يقتل. وقال أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث. يصير بتركها كافرا يقتل بالردة. وذهب الشافعى إلى أنه لا يكفر بتركها ولا يقتل حدا ولا يصير مرتدا. ولا يقتل إلا بعد الاستتابة، فإن تاب وأجاب إلى فعلها ترك وأمر بها فإن قال: أصليها فى منزلى وكلت إلى أمانته ولم يجبر على فعلها بمشهد من الناس، وإن امتنع من التوبة ولم يجب إلى فعل الصلاة قتل بتركها فى الحال على أحد القولين، وبعد ثلاثة أيام فى القول الثانى، ويقتل بسيف صبرا. وقال أبو العباس بن سريج، بقتله ضربا بالخشب حتى يموت، ويعدل عن السيف ليستدرك التوبة بتطاول المدى. واختلف أصحاب الشافعى فى وجوب قتله بترك الصلوات الفوائت إذا امتنع من قضائها، فذهب بعضهم إلى أن قتله بها كالمؤقتات، وذهب آخرون إلى أنه لا يقتل بها، لاستقرارها فى الذمة بالفوات، ويصلى عليه بعد قتله، ويدفن فى مقابر المسلمين، لأنه منهم، ويكون ماله لورثته. وإذ قد عرفنا حكم ترك الصلاة بأنه يدور بين الكفر والفسق، فإن الشهيد لو تركها جحدا كان كافرا، ولا تفيده الشهادة شيئا، فالجنة ونعيمها للمؤمنين خاصة وإن تركها كسلا كان فاسقا آثما، يمكن أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وإذا لم يشأ الله له المغفرة يعاقب على ترك الصلاة، وبخاصة اذا علمنا أنها دين له أى حق له، والحقوق لا تسقط فلابد من قضائها كما قال الترمذى "المواهب اللدنية للقسطلانى ج ٢ ص ٣٣٨". وقد صح فى الحديث الذى رواه مسلم "يغفر للشهيد كل شىء إلا الدَّيْن " فهل هو عام فى كل دين لله وللعباد، أو خاص بدين العباد لا يغفر إلا برده اليهم؟ . قال النووى "شرح صحيح مسلم ج ١٣ ص ٢٩": وأما قوله ﷺ "إلا الدين " ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدمبين، وأن الجهاد والشهادة وغيرمما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى. فنرجو أن يغفر الله للشهيد ترك الصلاة، لأنها ليست دينا وحقا للآدميين، ولعموم مغفرة ما دون الشرك لمن يشاء

стр. 4094

محاريب المساجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل المحاريب الموجودة الآن بالمساجد بدعة؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿يعملون له مايشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ سبأ: ١١٣، وذلك خبر عن تسخير الجن لسيدنا سليمان ﵇ وقيامهم بهذه الأعمال التى منها المحاريب. والمحاريب جمع محراب، ومعناه فى اللغة كما فى القاموس المحيط: الغرفة وصدر البيت وأكرم مواضعه، ومقام الإمام من المسجد، والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن السلطان، وجاء فى نهاية ابن الأثير: المحراب هو الموضع العالى المشرف، وهو صدر المجلس أيضا، ومنه محراب المسجد، وهو صدره وأشرف موضع فيه. وجاء فى تفسير القرطبى -إلى جانب المعانى المذكورة- أنه ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، كما قال "إذ تسوروا المحراب " وقوله "فخرج على قومه من المحراب " أى أشرف عليهم. وفى نهاية ابن الأثير أن النبى ﷺ أرسل عروة بن مسعود إلى قومه بالطائف، فأتاهم ودخل المحراب محرابا له، فأشرف عليهم عند الفجر، ثم أذن للصلاة. وجاء فيها أيضا ان النبى ﷺ كان يكره المحاريب، أى لم يكن يحب أن يجلس فى صدر المجلس، ويترفع عن الناس، كما جاء فيها أنه أتى برجل ارتد عن الإسلام فقال كعب: أدخلوه المذبح، وضعوا التوراة، وحلفوه بالله، المذبح واحد المذابح وهى المقاصير، وقيل: المحاريب. والمذبح عند أهل الكتاب مقصورة مرتفعة نحو متر ونصف المتر ذات أعمدة ليس بينهما حواجز، وفوقها سقف تحته خلاء توضع فيه القرابين. وهذه المقصورة داخل حجرة فسيحة أمام المعبد، يصعد إليها بسلم ذى درجات قليلة تسمى الهيكل، لا يدخله إلا الكهنة وأرباب الخطايا الذين يريدون المغفره. وهذه المحاريب للكنائس وبيوت العبادة لأهل الكتاب، وكانت تتعبد فيها مريم كما جاء فى قوله تعالى: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجدعندها رزقا﴾ آل عمران: ٣٧ وقد نهى النبى ﷺ عنها، فقد جاء فى حديث رواه البيهقى: "اتقوا هذه المذابح " وفى رواية ابن أبى شيبة "لا تزال هذه الأمة -أو قال أمتى- بخير ما لم يتخذوا فى مساجدهم مذابح كمذابح النصارى ". فهل محاريب المساجد الإسلامية الآن مثل محاريب النصارى؟ لا، لأنها ليست غرفا، وليست مرتفعة عن أرض المسجد، ولم يتميز بالجلوس فيها جماعة من المسلمين، وإنما هى علامات على اتجاه القبلة، وقد تكون مجوفة وغير مجوفة، تبين مقام الإمام من المأمومين، لأن السنة أن يقف الإمام إزاء وسط الصف. فالحكم بكراهة اتخاذ المحاريب "مقاصير ومذابح النصارى " أساسه إما اختفاء الإمام عن المأمومين، وإما ارتفاعه عليهم بدون مبرر، وكان الصحابة يكرهون أن يكون الإمام مرتفعا عليهم، لأنه يوحى بالكبر. ومحاريب المسلمين الآن لا صلة لها بهذه الأسباب، فهى -كما سبق- علامة على القبلة، وتعليم جهتها أمر مشروع، وقد غرز النبى ﷺ خشبة فى مسجد قوم أسامة بعد أن خطه لهم، ليكون دليلا على القبلة. فدل هذا على مشروعية إرشاد المصلى إلى القبلة. ولم يكن لمسجد النبى ﷺ فى زمنه محراب، وأحدثه عمر بن عبد العزيز. فهو ليس بدعة مذمومة "مجلة الأزهر- مجلد ٦ ص ٤٦٩، تفسير القرطبى ج ١١ ص ٨٤، ٨٥". وجاء فى "إعلام الساجد بأحكام المساجد" للزركشى ص ٣٦٤: كره بعض السلف اتخاذ المحاريب فى المسجد، وفى مصنف عبد الرزاق عن الحسن أنه صلى واعتزل الطاق ان يصلى فيه، والطاق هو المحراب الذى يقف فيه الإمام. وفى شرح الجامع الصغير للحنفية: لا بأس أن يكون مقام الإمام فى المسجد، وسجوده فى الطاق، ويكره أن يكون فى الطاق، لأنه يشبه اختلاف المكانين، ألا ترى أنه يكره الانفراد. اهـ والمشهور الجواز بلا كراهة، ولم يزل عمل الناس عليه من غير نكير. بعد هذا أقول، إن محاريب المساجد اليوم ليست هى المحاريب والمقاصير التى فى معابد أهل الكتاب، وعلى هذا فلا كراهة فى عملها ولا فى الصلاة فيها، ويوجد فى بعض الكتب حملة عنيفة على المحاريب، لكن المقصود منها محاريب أهل الكتاب بأوصافها التى لا توجد فى محاريب المساجد "انظر كتاب غذاء الألباب للسفارينى الحنبلى ج ٢ ص ٢٧٣ ". " تراجع مجلة الأزهر عدد ربيع الأول ١٤١١ هـ، والمجلد السادس ص ٤٦٩ ". والمحراب المجوف فى مسجد النبى ﷺ قيل أول من اتخذه عثمان ابن عفان سنة ٢٦ هـ عند بنائه، وقيل مروان بن الحكم سنة ٦٥ هـ أثناء تجديده، وقيل عمر بن عبد العزيز أيام إمارته على المدينة وتجديده للمسجد سنة ٩٠ هـ

стр. 4095

النظر أثناء الصلاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال إذا كان الإنسان فى الصلاة هل ينظر أمامه أم إلى موضع سجوده أم إلى مكان آخر؟ الجواب تحدث القرطبى فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ج ٢ ص ١٦٠ عن هذه المسألة فقال: فى هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه فى أن المصلى حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، وقال الثورى وأبو حنيفة والشافعى والحسن بن حَىٍّ: يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده، وقال شريك القاضى: ينظر فى القيام إلى موضع السجود، وفى الركوع إلى موضع قدميه، وفى السجود إلى موضع أنفه، وفى القعود إلى حجره. قال ابن العربى: إنما ينظر أمامه، فإن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه فى الرأس وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج، وما جعل علينا فى الدين من حرج، أما أن ذلك أفضل فهو لمن قدر عليه. انتهى. جاء فى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ١٩٦ " أنه ﷺ كان إذا جلس فى التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته، رواه أحمد والنسائى وأبو داود، وجاء فيه أيضا بعد حديث النهى عن رفع الأبصار إلى السماء أن ابن بطال قال: فيه حجة لمالك فى أن نظر المصلى يكون إلى جهة القبلة، وقال الشافعى والكوفيون: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده لأنه أقرب إلى الخشوع. ويدل عليه ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أم سلمة بنت أبى أمية، زوج النبى ﷺ ، أنها قالت: كان الناس فى عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلى يصلى لم يَعْدُ بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفى رسول الله ﷺ ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد موضع جبهته فتوفى أبو بكر فكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان وكانت الفتنة فتلفت الناس يمينا وشمالا. ثم قال عن هذا الحديث: فى إسناده موسى بن عبد الله بن أبى أمية لم يخرج له من أهل الكتب الستة غير ابن ماجه. فالإجابة على السؤال ليس فيها دليل يعتمد عليه، وإنما هى اجتهادات وآ راء، ومن وجهة نظرى أقول: كل مصل حر فى نظره ولكن يختار ما يساعد على الخشوع فى الصلاة، مع العلم بأن رسول الله ﷺ نهى عن رفع البصرإلى السماء فقد روى مسلم والنسائى وأحمد أنه قال "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم فى الصلاة أو لتُخطفن أبصارهم ". ونفى عن النظر إلى ما هو يلهى ويشغل المصلى عن صلاته. فقد روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها أنه صلى فى خميصة -كساء من خز أو صوف- لها أعلام، أى بها ألوان مخالفة، فقال "شغلتنى أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبى جهم -هو عامر ابن حذيفة- وأتونى بأنبجانيته " والأنبجانية كساء غليظ له وبر وليس له علم. وكان أبو جهم أهدى إلى الرسول الخميصة فطلب بدلها الأنبجانية. وروى البخارى عن أنس قال: كان قِرام لعائشة -ستر رقيق- سترت به جانب بيتها فقال لها النبى ﷺ " أميطى قرامك، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لى فى صلاتى". ومع العلم أيضا بأن تغميض العينين كرهه البعض وجوزه بعضهم بلا كراهة، لأن الحديث المروى فى الكراهة لم يصح. قال ابن القيم: الصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع -لما فى قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه- فهناك لا يكره التغميض قطعا. والقول باستحبابه فى هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بكراهته. ///

стр. 4096

الاعتكاف المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما المراد من الاعتكاف، وما الدليل على مشروعيته، وما هو الثواب المترتب عليه؟ الجواب الاعتكاف معناه لزوم الشىء وحبس النفس عليه، سواء أكان خيرا أم شرا، قال تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون﴾ الأنبياء: ٥٢ أى مقيمون على عبادتها، والمراد به شرعا لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله. والإجماع منعقد على مشروعيته، فقد كان النبى ﷺ يعتكف فى كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذى قبض فيه اعتكف عشرين يوما كما رواه البخارى، واعتكف أزواجه من بعده كما روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها. وحكمه أنه سنة، ويكون واجبا عند النذر، ويتأكد فضله فى رمضان وفى العشر الأواخر منه. والأحاديث التى وردت فى فضله لم يتفق على صحتها، وإن كانت تقبل فى فضائل الأعمال منها ما رواه الطبرانى والبيهقى والحاكم وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما "ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاتة خنادق، أبعد مما بين الخافقين " وما رواه البيهقى "من اعتكف عشرا فى رمضان كان كحجتين وعمرتين ". وهناك ترغيب فى الاعتكاف أقل من يوم، فقد روى الخطيب وابن شاهين عن ثوبان أن النبى ﷺ قال "من اعتكف نفسه ما بين المغرب والعشاء فى مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة وقرآن كان حقا على الله تعالى أن يبنى له قصرا فى الجنة "

стр. 4097

الاعتكاف فى المنزل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال رجل مريض بالشلل هل يجوز له أن يعتكف فى بيته لمشقة اعتكافه فى المسجد وهل يجوز للمرأة أن تعتكف في بيتها بدل أن تعتكف فى المسجد أيضا؟ الجواب الاعتكاف سنة للرجال والنساء، على أن يكون اعتكافهن بإذن أزواجهن، فإن لم يأذن الأزواج جاز لهم إخراجهن من المسجد كما ذهب إليه الشافعى وأحمد، وقد صح أن أزواج النبى ﷺ اعتكفن فى المسجد النبوى، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن الاعتكاف لا يصح إلا فى المسجد، كما قال تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد﴾ البقرة: ١٨٧ وإن كان الإخبار عن واقع الحال لا يفيد الشرطية وأى مسجد من المساجد يجوز فيه الاعتكاف، لعدم الدليل على تخصيص بعضها بالجواز. وهذا ما رآه مالك والشافعى، لكن أبا حنيفة وأحمد اشترطا أن يكون المسجد جامعا عاما تقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجماعة. والحديث الذى اعتمد عليه ضعيف، وهو ما رواه الدارقطنى "كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " ومفهومه أن المسجد الخاص الذى لا يستقيم فيه الأذان وصلاة الجماعة لا يصح الاعتكاف فيه. والمسجد الجامع على كل حال إن لم يكن مشروطا لصحة الاعتكاف فالاعتكاف فيه أفضل لإحراز ثواب الجماعة. قال جمهور العلماء: لا يصح للمرأة أن تعتكف فى مسجد بيتها، لأنه لا يطلق عليه اسم المسجد عرفا، حيث يجوز بيعه، وهذا يصدق بالمكان المخصص فى البيت للصلاة، أما غير المخصص فلا يجوز فيه الاعتكاف من باب أولى. لكن الحنفية أجازوا للمرأة بوجه خاص أن تعتكف فى مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة، وفيه قول قديم للشافعى، وجاء فى وجه للمالكية صحته للرجال والنساء فى مسجد البيت. والمريض بالشلل يصح اعتكافه فى مسجد بيته على وجه للمالكية وأصحاب الشافعى، وكذلك على رأى محمد بن عمر بن لبابة المالكى كما ذكره ابن حجر فى "الفتح " ونقله الشوكانى فى "نيل الأوطار ج ٤ ص ٢٨٣" عند شرح حديث رواه أبو داود من قول عائشة "ولا اعتكاف إلا فى مسجد جامع "

стр. 4098

النوم فى المسجد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم النوم فى المسجد؟ الجواب قال الله تعالى ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" النور: ٣٦، ٣٧. المساجد بيوت للعبادة يجب أن يحافظ فيها على الهدوء لتمكين المتعبدين من الخشوع، وأن تصان عن العبث واللهو احتراما لقدسيتها، وقد ثبت أن الملائكة تحب التردد على المساجد والأماكن التى يذكر فيها الله ويقرأ القرآن ويدرس العلم، وأنهم يرتاحون إلى الرائحة الطيبة وينفرون من الرائحة الكريهة، وإذا حضروا حضرت معهم الرحمة والبركة وإذا انصرفوا شهدوا عند ربهم بالخير لهؤلاء المتعبدين. وأما النوم فى المسجد فقد جاء فى الصحيحين أن النبى ﷺ رؤى مستلقيا فيه واضعا إحدى رجليه على الأخرى، كما صح أن عمر وعثمان كانا يستلقيان أحيانا بالمسجد النبوى، وروى البخارى وغيره أن ابن عمر كان ينام فى المسجد النبوى وهو عزب ومعه بعض الشبان ينامون ليلا ويقيلون وقت الظهيرة، كما أخرج البخارى أن عليا رضى الله عنه غاضب فاطمة رضى الله عنها فذهب إلى المسجد ونام، وسقط رداوه عنه وأصابه تراب، فجعل النبى يمسحه ويقول "قم أبا تراب " وكان فى المسجد النبوى صُفَة، أى مكان مظلل يأوى إليه المساكين، وينزل فيه ضيوف الرسول، كما صح فى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ ضرب قبة-أي خيمة-في المسجد على سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق ليمرض فيها، وأنه جعل خيمة في المسجد للمرأة السوداء التي كانت ترفع القمامة منه، ولما أسر ثمامة بن أثال، وهو مشرك، ربط مدة بسارية فى المسجد النبوى. وبناء على هذه الروايات ذهب جمهور العلماء إلى جواز النوم فى المسجد، وإذا جاز للكافر فجوازه للمسلم أولى، لكن ابن عباس كره النوم فى المسجد إلا لمن يستريح وقتا للاستعداد للصلاة، لكن ابن مسعود كره النوم فيه مطلقا، والإمام مالك أباح النوم فى المسجد لمن ليس له مسكن، أما من له مسكن فيكره نومه فى المسجد. هذه هى الآراء فى حكم النوم، لكن ينبغى أن يصان المسجد عن الروائح الكريهة التى تطرد الملائكة، وعن التضييق على المصلين، كما ينبغى التحرز عن تعرض العورات للانكشاف، وخلاصة الموضوع أن النوم فى المسجد ليس حراما، لكنه مكروه. إن ترتب عليه تشويش أو تضييق، وليس مكروها عند الحاجة كالاعتكاف، والراحة اليسيرة، وعدم وجود مسكن

стр. 4099

البيع فى المسجد وعند النداء للجمعة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى البيع والشراء وعقد الصفقات داخل المسجد وكذلك عند النداء لصلاة الجمعة، وهل المكسب من البيع عند النداء يعتبر مالآ حراما؟ الجواب جاء فى تفسير القرطبى (ج ١٢ ص ٢٦٩) فى المسألة السادسة قوله وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء، وذكر حديث مسلم "إنما بنيت المساجد لما بنيت له " وقال: وهذا يدل على إن الأصل إلا يعمل فى المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن، كما جاء منصوصا عليه من قول النبى ﷺ فى حديث الأعرابى الذى بال فى المسجد وذكر فى ص. ٢٧ من رواية الترمذى أن الرسول ﷺ نهى عن تناشد الأشعار وعن البيع والشراء فيه. ثم قال: وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء فى المسجد وبه يقول أحمد وإسحاق. ثم قال فى الصفحة نفسها: وقال الترمذى: وقد روى عن بعض أهل العلم من التابعين رخصة فى البيع والشراء فى المسجد وقد روى عن النبى ﷺ فى غير حديث رخصة فى إنشاد الشعر فى المسجد. هذا ما جاء فى القرطبى، وجاء فى فقه المذاهب الأربعة أن الحنفية كرهوا إيقاع عقود للمبادلة بالمسجد كالبيع والشراء والإجارة، أما عقد الهبة ونحوها فإنه لا يكره. - والمالكية قالوا مثل الحنفية تقريبا. أما الحنابلة فقالوا: يحرم البيع والشراء والإجارة فى المسجد، وإن وقع فهو باطل. والشافعية قالوا: يحرم اتخاذ المسجد محلا للبيع والشراء على الدوام، وأما إن وقع ذلك نادرا فهو خلاف الأولى إلا إذا أدى إلى التضييق على مصلِّ فيحرم. فالخلاصة أن عقد الصفقات فى المسجد فى بعض الأحيان مكروه أو خلاف الأولى عند الجمهور وحرام وباطل عند أحمد، واتخاذه لذلك على الدوام حرام عند الشافعية والحنابلة، وكذلك إذا أدى إلى التضييق على المصلى، وأرى حرمته إذا أخل بحرمه المسجد سواء أكان أحيانا أو على الدوام. ٢ -أما عقد الصفقات عند النداء لصلاة الجمعة فقد جاء فيه قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ الجمعة: ٩. جاء فى تفسير القرطبى لهذه الآية: أن البيع عند النداء الصلاة الجمعة حرام على من كان مخاطبا بفرض الجمعة، أما من لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء. ثم قال: وفى وقت التحريم قولان. الأول أنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها. والثانى أنه من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة كما قاله الشافعى. ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودى للصلاة، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع فى ذلك الوقت، ويرى ابن العربى فسخ كل العقود فكل أمر يشغل عن الجمعة حرام شرعا مفسوخ ردعا. وقال الشافعى: إن البيع فى ذلك الوقت ليس بحرام لكنه مكروه، وهو ينعقد ولا يفسخ، ثم أنهى القرطبى ذلك بقوله، قلت: والصحيح فساده وفسخه، لقوله ﵊ "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" أى مردود. وجاء فى فقه المذاهب الأربعة أن الحنفية قالوا: يحرم البيع عند الأذان الواقع بعد الزوال إلى انتهاء الصلاة، وقال المالكية: إن عقد البيع فاسد ويفسخ. وقال الحنابلة: لا ينعقد. فالخلاصة: أن عقد الصفقات بعد أذان الجمعة حرام عند الجمهور والمال خبيث، ولا ينعقد عند بعضهم، مكروه عند الشافعية وينعقد

стр. 4100

دخول المسجد لمن بها عذر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للمرأة فى عادتها الشهرية أن تدخل المسجد لحضور مجالس العلم؟ الجواب الحائض والنفساء ومن عليه جنابة ولم يغتسل يحرم عليه المكث فى المسجد أما العبور فلا حرج فيه، بناء على قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا﴾ النساء: ٤٣ ولحديث عائشة رضى الله عنها الذى رواه أبو داود، قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة فى المسجد فقال "وجهوا هذه البيوت عن المسجد"ثم دخل رسول الله ﷺ ولم يصنع القوم شيئا، رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال "وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنى لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب " ولحديث أم سلمة رضى الله عنها الذى رواه ابن ماجه والطبرانى، قالت: دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد-أى فناءه -فنادى بأعلى صوته "إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب " وعن جابر رضى الله عنه قال: كان أحدنا يمر فى المسجد جنبا مجتازا. رواه ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور فى سننه، وجاءت روايات تدل على أن الذين كانت تصيبهم جنابة ولا يجدون طريقا إلى الماء إلا المسجد فكانوا يمرون منه. ويؤكد أن المحرم هو المكث فقط وليس العبور ما رواه مسلم وغيره عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال لى رسول الله ﷺ "ناولينى الخمرة منى المسجد" فقلت: إنى حائض فقال "إن حيضتك ليست فى يدك " يعنى لن تلوث المسجد لأن يدك التى تتناولين بها الخمرة ليس بها دم. وما رواه أحمد والنسائى عن ميمونة رضى الله -عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهى حائض. فيضع رأسه فى حجرها فيقرأ القرآن وهى حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها فى المسجد وهى حائض والخمرة هى السجادة التى يضعها تحت جبهته عند السجود. فهذه النصوص تدل على حرمة دخول الحائض والنفساء ومن به جنابة- المسجد لسماع درس علم وغيره، فالمكث لذلك ممنوع، والعبور فقط لحاجة لا مانع منه، ولم يجوز مكث الحائض فى المسجد إلا زيد بن ثابت إذا أمن تلويثها للمسجد يقول الشوكانى "نيل الأوطار ج ١ ص ٢٤٩ ": وحكاه الخطابى عن مالك والشافعى وأحمد وأهل الظاهر، ومنع من دخولها سفيان وأصحاب الرأى وهو المشهور من مذهب مالك
следующие страницы →