← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

الزكاة لفك الأسرى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للحاكم أن يجمع أموال الزكاة ويدفعها إلى الأعداء نظير الإفراج عن جنود المسلمين من أسرى الحرب؟ الجواب كان النبى ﷺ يأمر بجباية الزكاة ويقوم بتوزيعها فى مصارفها، وفعل ذلك أبو بكر وعمر من بعده، ثم رؤى أن يتولى كل إنسان إخراج زكاة أمواله الباطنه وتوزيعها بنفسه على المصارف الثمانية المعروفة، التى منها "سبيل الله " وسبيل الله وإن كان العلماء السابقون قد قصروه على الجهاد فى سبيل الله لنشر الدين وحماية المقدسات فقد رأى العلماء المحدثون سعة مجاله وتعدد ميادينه تبعا لتطور الظروف، ليشمل كل خير تعم منفعته المسلمين، والأمثلة على ذلك كثيرة. وفداء الأسرى على التفسير القديم والحديث داخل فى سبيل الله لأنه مرتبط بالجهاد الذى يدفع به العدو عن الوطن، فلا مانع من دفع حصة من الزكاة من أجل ذلك

стр. 4237

زكاة أوراق النقد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال معلوم أن زكاة النقدين هى فى الذهب والفضة، فهل فى أوراق النقد زكاة؟ الجواب تحدَّث العلماء عن الأوراق التى تحمل قيمة مالية، وقالوا: إنها سندات دين لحاملها، وهى ليست ذهبا ولا فضة ولا عروض تجارة، فهى من قبيل الدين القوى الذى تجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول، والورقة ضامنة لقيمتها عند أى شخص، فعوملت معاملة النقدين فى وجوب الزكاة، لجريان التعامل بها، إلا أنه بمقتضى النص المرقوم عليها وعدم دفع قيمتها نقدا ممن يعطيها وهو المدين اعتبرت حوالة على الغير بقيمتها، فيراعى فى التعامل بها شروط الحوالة وأركانها. فمن يرى جواز المعاملة بالمعاطاة كالصيغة المخصوصة يوجب فيها الزكاه بشروطها، وذلك لصحة الحوالة فيها، وهذا رأى الحنفية والمالكية والحنابلة، ومن يرى تحتم الصيغة فى الحوالة وأنها ركن فيها وأنه لا تجوز الحوالة بالمعاطاة -كما هو الأصح عند الشافعية- يقول بعدم صحة الحوالة فى الأوراق المالية "البنك نوت "وعلى هذا القول لا تجب فيها الزكاة إلا إذا قبض قيمتها ذهبا أو فضة وبلغت نصابا وحال عليه الحول. وقد نشرت فتوى للشيخ محمد بخيت المطيعى فى مجلة الإرشاد - العدد الثامن لسنة ١٣٥١ هـ جاء فيها ما يؤدي هذا الكلام، من أن المعاملة بهذه الأوراق تتخرج على الحوالة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة الحوالة كالبيع، فهى من الدَّين القوى الذى هو فى حكم العين المقبوضة، لتمكنه من استبدالها فى أى وقت شاء، والحوالة بالمعاطاة جائزة عند الأئمة الثلاثة، ومن هنا تجب فيها الزكاة، ويجوز أن يدفع ربع العشر من عينها على طريق الحوالة للفقير بما يأخذه "مجلة الإسلام - السنة الثالثة، العدد الرابع والثلاثون ". هذا فى الأوراق التى يكتب عليها التعهد بدفع قيمتها، أما الأوراق التى تكتب عليها القيمة فهى عملة غير ذهبية ولا فضية ولا سند حوالة، والزكاة فى غير النقدين غير واجبة إلا فى مذهب الإمام مالك، حيث جعلها بمنزلة النقدين. وهو رأى فيه مصلحة للفقير فيرجَّح العمل به

стр. 4238

زكاة البترول والمعادن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعت أن البترول فيه زكاة ومقدارها الخمس، فهل هذا صحيح؟ الجواب بناء على عموم قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ البقرة:٢٦٧ وعلى ما رواه الجماعة عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال "والمعدن جُبار وفى الركاز الخمس " تحدث الفقهاء عما يوجد فى باطن الأرض وحصل عليه الإنسان بدون بذل مال أو جهد، وأسموه الركاز وأوجبوا فيه الزكاة بمقدار الخمس، كما تحدثوا عن المعادن المستخرجة من الأرض بجهد كالذهب والبترول والكبريت، وأوجبوا فيها الزكاة على خلاف بينهم فى أنواعها ومقدارها، فقال الشافعى ومالك: لا زكاة إلا فى الذهب والفضة فقط، وقال أحمد بن حنبل: تجب الزكاة فى كل ما يستخرج من الأرض حتى القار والنفط والكبريت، وخص أبو حنيفة الزكاة فى الجامد الذى يتمدد أويذوب بالنار كالحديد والذهب، أما المائع كالقار والنفط فلا زكاة فيه، وكذلك ما لا يتمدد بالنار أو يذوب كالياقوت وكل ما يسمى بالأحجار الكريمة فلا زكاة فيه. والقدر الواجب فى المعدن عند مالك والشافعى وأحمد هو ربع العشر عند العثور عليه، دون اشتراط لحولان الحول. أما عند أبى حنيفة فهو الخمس، قلَّ أو كثر. ثم إن جمهور العلماء على أن الخمس إذا وجب فى الركاز فهو على كل من وجده، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، وقصره الشافعى على من توفرت فيه شروط الزكاة ويصرف فى الوجوه التى تصرف فيها الزكاة، لكن الجمهور جعله كالفىء، مستندا فى ذلك إلى أثر عن عمر رضى الله عنه. بعد ذلك يمكن أن يقال: إن فى البترول زكاة على رأى أحمد بن حنبل، ولا زكاة فيه عند بقية الأئمة. ولو كان تشريع الزكاة معمولا به كبقية القوانين جاز لأولى الأمر أن يفرضوا عليه زكاة وبخاصة إذا كان له تأثير فعال فى الاقتصاد القومى. وإذا كان الذى يملك البترول هم المسئولون أى إنه ملك للدولة فهل تجب الزكاة فيه؟ إن ما شرع بخصوص الركاز والمعادن هو بالنسبة إلى الأفراد والشركات المستقلة، أما إذا كانت الدولة هى التى تملك البترول، فهو مالها الذى هو مال الشعب كله يُنفَق فى مصالحه، ولا معنى لفرض زكاة عليه فالزكاة من أجل الأصناف والمجالات التى تحتاج إليها، والمملوك للدولة داخل ضمن الميزانية العامة كمورد من الموارد التى تصب فى بيت المال أو خزانة الدولة يترك لولى الأمر التصرف فيه بما يحقق المصلحة المشروعة

стр. 4239

المؤلفة قلوبهم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جعل الله من مصارف الزكاة المؤلفة قلوبهم، فما هى مواصفاتهم، وهل يوجد أحد منهم الآن؟ الجواب قال الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله﴾ التوبة: ٦٠. المؤلفة قلوبهم منهم مسلمون ومنهم كافرون، والمسلمون أقسام أربعة: القسم الأول - قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، إذا أعطيناهم من الزكاة يُرجى إسلام نظرائهم، كعدى بن حاتم والزبرقان ابن بدر حيث أعطاهما أبو بكر مع حسن إسلامهما. القسم الثانى- زعماء ضعفاء الإيمان لكنهم مطاعون فى أقوامهم، ويرجى بإعطائهم من الزكاة تثبيت الإيمان فى قلوبهم، كمن أعطاهم النبى ﷺ فى غزوة حنين، وهم مسلمة الفتح، أى الذين دخلوا فى الإسلام حديثا عند فتح مكة التى كانت غزوة حنين عقب الفتح قبل أن يعود النبى ﷺ إلى المدينة. القسم الثالث - قوم من المسلمين يخشى أن يستميلهم العدو لمصلحته، وهم العملاء الذين ينشطون حين يرون الفائدة ميسرة لهم. القسم الرابع - قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة، لأنهم ذوو نفوذ فى أقوامهم، لا تجبى إلا بسلطانهم أو بقتالهم، فيرتكب أخف الضررين ويعطون شيئا من الزكاة بدل أن تضيع كلها. أما الكافرون من المؤلفة قلوبهم فهم قسمان: القسم الأول: من يرجى إيمانه، كصفوان بن أمية الذى أعطاه الرسول من غنائم حُنين. القسم الثانى: من يخشى شره فيعطى من الزكاة ليكف شره عن المسلمين كأبى سفيان، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس. ويقال: إن هؤلا أسلموا فى فتح مكة قبل أن يعطيهم النبى ﷺ من حنين، فهم داخلون فى القسم الثانى من المسلمين. والإمام الشافعى قال: لا تعطى الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم إلا إذا كانوا مسلمين، فلا تعطى لكافر، وأما الفاسق فلا مانع من إعطائه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بانتشار الإسلام، كما فعل عمر رضى الله عنه، فلا تعطى الزكاة لأحد منهم، مسلما كان أوكافرا. والمختار الآن عدم إعطاء الكفار من هذا السهم لدفع شرهم، وإن جاز إعطاؤهم من سهم "سبيل الله" لأنه جهاد، والجهاد وسائله كثيرة، منها المال. ويمكن الرجوع إلى تفسير المنار لمن يريد مزيدا من التوضيح، وكذلك إلى " المغنى لابن قدامة" باب الزكاة

стр. 4240

الزكاة للزوج المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال زوجى مريض ويحتاج إلى علاج لا يملك نفقته فهل يجوز أن أساعده على العلاج من زكاة مالى؟ الجواب سبق فى صفحة ٦١٦ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى حديث البخارى أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: يا نبى الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندى حُلى، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال ﷺ "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ". فإعطاء الزكاة للزوج جائز عند الشافعى، وأبى يوسف ومحمد صاحبى أبى حنيفة، وعند أحمد بن حنبل فى رواية. أما أبو حنيفة فذهب إلى أنه لا يجوز للزوجة أن تدفع لزوجها من زكاتها، وحمل حديث زينب على صدقة التطوع لا على الزكاة المفروضة، ومالك قال: إن كان الزوج يستعين بزكاة امرأته على نفقتها فلا يجوز، أما إن كان يستعين بها على غير الإِنفاق عليها فيجوز. ومن هنا نقول لصاحبة السؤال: ما دام زوجك يحتاج إلى نفقة لعلاج نفسه فيجوز أن يأخذ من زكاتك عند الأئمة الثلاثة

стр. 4241

عذاب مانع الزكاة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا خص الله الجنب والجبهة والظهر بالكى فى قوله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم﴾ ؟ الجواب هاتان الآيتان من سورة التوبة: ٣٤، ٣٥ وقال القرطبى فى التفسير: الكى فى الوجه أشهر وأشنع، وفى الجنب والظهر آلم وأوجع. فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء. وقال علماء التصوف: لما طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم، ولما طووا كشحا من الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم والكشح هو الجنب ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم. وقال علماء الظاهر -أى غير الصوفية-: إنما خص هذه الأعضاء لأن الغنى إذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه وقبض وجهه، وإذا سأله طوى كشحه، وإذا زاده فى السؤال وأكثر عليه ولاه ظهره، فرتب الله العقوبة على حال المعصية. هذه آراء اجتهادية لا مانع من قبولها فى تفسير هذه الآية، وفى عذاب مانعى الزكاة نصوص كثيرة فى القرآن والسنة يسهل الرجوع إليها

стр. 4242

زكاة التجارة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كيف تُقَّوَّم السلع التجارية عند إخراج زكاتها، هل تقوَّم بثمنها عند الشراء، أو بقيمتها عند انتهاء الحول؟ الجواب إن الزكاة ركن من أهم الأركان التى بنى عليها الإسلام وهى واجبة فى كل ما فيه نماء من النقد والثروة الحيوانية والثروة الزراعية، والتجارة إحدى وسائل التنمية، لأنها تقليب للمال بالمعاوضة لغرض الربح، ويكاد الإجماع يكون منعقدا على وجوب الزكاة فيها، والدليل على وجوبها قبل الإجماع مع القياس على الثروات النامية، ما رواه أبو داود والبيهقى عن سمرة بن جندب قال: كان النبى ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذى نُعِدُّه للبيع، وقوله ﷺ فيما رواه الدارقطنى والبيهقى عن أبى ذر " فى الإبل صدقتها، وفى الغنم صدقتها، وفى البز صدقته " والبز الثياب المعدة للبيع، وكذلك ما رواه الشافعى وأحمد والدارقطنى والبيهقى وعبد الرزاق عن أبى عمرو عن أبيه قال: كنت أبيع الأدم - أى الجلود - والجعاب - أى أوعية السهام - والجفان - أى أوعية الطعام - فمرَّ بى عمر بن الخطاب، فقال: أدِّ صدقة مالك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو الأدم، قال: قومه ثم أخرج صدقته. يقول صاحب المغنى: وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعا. وقول عمر عن الأدم: قوِّمه، يدل على أن زكاة التجارة ليست فى عين السلع والعروض، وإنما فى قيمتها، وعلى ذلك عند إخراج زكاة التجارة تقوَّم السلع وتخرج الزكاة من قيمتها، وهى ربع العشر، اثنان ونصف فى المائة وتقويم السلعة لا يكون بالسعر الذى اشتريت به، وإنما بالسعر الذى يكون عند انتهاء الحول، وهو وقت وجوب الزكاة، ولا عبرة بالنقص أو الزيادة عن ثمنها الأصلى. ولا تجب زكاة التجارة إلا بعد مرور الحول، وبعد أن تبلغ قيمتها نصابا، وهو ما يستوى ثمن خمسة وثمانين جراما من الذهب تقريبا، وهو نصاب الذهب، على أن يضم إليها الربح الذى حققته التجارة أثناء الحول، وبقى متداولاً حتى آخر الحول، وتخصم الديون التى عليه، أما التى له عند الغير، فلا تزكىَّ إلا عند قبضها، على ما يراه الإمام مالك رضى الله عنه، وذلك عن سنة، وفى ذلك تيسير على من يبيعون بالأجل، مع النصيحة بالرحمة والقناعة. هذا، وندعو للتجار الحريصين على إخراج الزكاة، بالبركة والنماء، ونذكرهم بقول النبى ﷺ فيما رواه الترمذى وحسنه " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"

стр. 4243

زكاة الخضر والفواكه المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى كيفية إخراج الزكاة عن القصب والموز والطماطم؟ الجواب أوجب الله الزكاة على الثروة الزراعية بقوله تعالى: ﴿وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأنعام: ١٤١ وبقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ البقرة: ٢٦٧. وقد اختلفت أراء الفقهاء الأربعة أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد فى الأصناف التى تجب فيها الزكاة، فأوجبها أبو حنيفة فى كل ما تنبته الأرض ما دام قد قصد بزراعته استغلالها: ولم يستثن من ذلك إلا أنواعا قليلة كالحطب والشجر الذى لا ثمر له. وعلى رأيه تجب الزكاة فيما ذكر فى السؤال، وهو القصب والموز والطماطم، أما صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: ما يبقى سنة بلا علاج كبير فيه زكاة، وما لا يبقى سنة كالبطيخ والخيار فلا زكاة فيه. والإمام مالك حصر الزكاة فيما يبقى وييبس ويستنبته الآدميون، ولم يوجب الزكاة فى الخضراوات والفواكه الطرية كالتين والرمان والموز، وقال الشافعى كقول مالك فى عدم الزكاة فى هذه الأصناف وأحمد بن حنبل لا يوجب الزكاة فيما لا يبقى ولا ييبس، فلا زكاة فى الخضر والفواكه الطرية. بعد عرض هذه الأقوال نرى أن جمهور الفقهاء لا يوجبون الزكاة فى القصب والموز والطماطم، وأوجبها أبو حنيفة بناء على عموم قوله تعالى فى الآية السابقة ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ وعموم الحديث الذى رواه البخارى " فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر " واستند الجمهور إلى أحاديث وآثار تحصر الزكاة فى أصناف معينة مما يقتات ويدخر. وإذا كانت زراعة الخضراوات والفواكه الأخرى غير التمر والزبيب قد كثرت وصارت تدرُّ ربحا كبيرا، فهل من سلطة ولى الأمر أن يفرض فيها الزكاة مراعاة للصالح العام؟ إن وعاء الزكاة على النحو المذكور موضع اجتهاد من الفقهاء، وللفرد أن يختار منها ما يشاء، لكن لو رأى ولى الأمر اختيار مذهب أبى حنيفة فى جمع الزكاة من الخضراوات وسائر الفواكه وسائر الزروع، مراعاة للمصلحة العامة، جاز له ذلك وعلينا أن نطيع أمره فهو ليس فى معصية، وهو يحقق المصلحة التى يراها الخبراء والمختصون على أساس من الشورى واستهداف الخير العام

стр. 4244

الزكاة لمن لا يستحق المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مر بى سائل فظننت أنه محتاج فدفعت له قسطا من زكاتى، ثم ظهر بعد ذلك أنه من المحترفين الذين يملكون مالا كثيرا لا يستحقون معه الزكاة فهل زكاتى عليه صحيحة؟ الجواب سبق القول بالتحرى لدفع الصدقة، كأية عبادة يؤديها الإنسان لابد أن تكون كما قرر الشرع فى حجمها وكيفيتها ووقتها وغير ذلك وقلنا: إن حسن الظن بطالب الصدقة يشفع فى قبولها عند الله لو ظهر خلاف الظن، وأوردنا فى ذلك حديث البخارى الذى أخذ فيه معن ابن الصحابى "يزيد " صدقة أبيه وكان ينوى إعطاءها لغيره: وقول الرسول ﷺ " لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن " وحديث الصحيحين فيمن ظهر أن صدقته وقعت فى يد سارق ويد زانية ويد غنى، وأن الله تقبلها. وإذا حمل ذلك على صدقة التطوع وهى النافلة فهل يصدق على الزكاة الواجبة إذا ظهر أنها وقعت فى غير موقعها؟ جاء فى المغنى لابن قدامة "ج ٢ ص ٥٢٨" قوله وإذا أعطى من يظنه فقيرا فكان غنيا فعن أحمد فيه روايتان، إحداهما يجزئه وذكر أنه مذهب أبى حنيفة، واستشهد بحديث رواه النسائى وأبو داود: أن رجلين طلبا من النبى ﷺ صدقة مما كان يوزعه فى حجة الوداع فراهما قويين، فقال لهما "إن شئتما أعطيتكما ولا حظ لغنى ولا لقوى مكتسب " قال الخطابى: هذا الحديث أصل فى أن من لم يُعْلَم له مال فأمر محمول على العدم، كما استشهد بحديث الصحيحين فى الرجل الذى تصدق فظهر أن المتصدَّق عليه غنى، وتحدث الناس بذلك، وأن الرسول أخبره أن صدقته قبلت. لعل الغنى يعتبر، والرواية الثانية لأحمد أنها لا تجزى، وهو قول أبى يوسف. وأما الشافعى فله قولان كالروايتين الواردتين عن أحمد. وذكر ابن قدامة تعليلا للرواية بالجواز أن الفقر والغنى مما يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته. قال الله تعالى ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم﴾ البقرة: ٢٧٣، فاكتفى بظهور الفقر ودعواه. وأقول للسائل: زكاتك وقعت موقعها على رأى أبى حنيفة واحد قولين لأحمد والشافعى

стр. 4245

الزكاة للغارمين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال رجل تكاثرت عليه الديون ولا يستطع الوفاء بها فهل يمكن أن نعطيه من الزكاة ليسد ديونه؟ الجواب يقول الله تعالى فيمن تعطى لهم الزكاة "والغارمين " والغارمون هم الذين ركبهم الدين ولا يملكون وفاء به كما ذكره القرطبى فى تفسيره، وجاء فى المغنى لابن قدامة أن الغارمين وهم المدينون ضربان، ضرب غرم لغيره كإصلاح ذات البين، وضرب غرم لنفسه لإصلاح حاله فى شىء مباح "ج ٢ ص ٦٩٩" والشرط فى استحقاق الغارم الزكاة ألا يكون دينه فى سفاهة أو محرم. فإن تاب أخذ منها. ويقول القرطبى: إن الغارم يعطى من الزكاة من له مال وعليه دين محيط به -ما يقض به دينه -فإن لم يكن له مال وعليه دين فهو فقير فيعطى بالوصفين، كونه غارما وكونه فقيرا. وقد صح فى مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رجلا أصيب فى ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ "تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال ﵊ لغرمائه - أصحاب الديون - " خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ". وروى مسلم حديثا عن قبيصة بن مخارق بين فيه النبى ﷺ من تحل لهم المسألة ويطيب لهم ما يأخذونه، وهم ثلاثة: (أ) رجل تحمَّل حمالة، أى دفع دية القتيل حتى لا يقتل القاتل، فيعطى من الزكاة مقدار الدية فقط ويمسك عن المسألة. (ب) رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فيعطى حتى يصيب قواما أو سدادا من عيش. (ج) رجل أصابته فاقة أى فقر وشهد ثلاثة من العقلاء على فقره، فيعطى حتى يصيب قواما أو سدادا من عيش. وجاء فى رواية"إن المسألة تحل لأحد ثلاثة: ذى فقر مدقع - شديد أفض به إلى الدعقاء أى التراب - أو لذى غرم مفظع - شديد شنيع - أو لذى دم موجع لا أى تحمل الدية عن القاتل حتى لا يقتل. وجاء فى فقه المذاهب الذى نشرته وزارة الأوقاف المصرية أن الحنفية قالوا: الغارم هو الذى عليه دين ولا يملك نصابا كاملا بعد دينه، وأن المالكية قالوا: إنه المدين الذى لا يملك ما يوفى به دينه بشرط ألا يكون دينه فى فساد، ويعطى إن تاب، وأن يكون الدين لآدمى وليس لله كالكفارة. وأن الشافعية قالوا: الغارم هو المدين وأقسامه ثلاثة: ١- مدين للإصلاح بين المتخاصمين. ٢ - من استدان لمصلحة نفسه فى مباح أو غير مباح بشرط التوبة. ٣ - مدين بسبب ضمان لغيره وكان معسرا هو والمضمون. ومهما يكن من شىء فإن المدين لنفسه أو لغيره وكان الدين بسبب مباح يعطى من الزكاة بمقدار دينه، ومن استدان لمعاص أو لهو لا يعطى إلا إذا تاب. والقرطبى تحدث عن دين المتوفى هل يقضى من الزكاة أو لا، فقال: إن أبا حنيفة منعه، فالغارم من عليه دين يسجن فيه. والمالكية وغيرهم جعلوا الميت من الغارمين فيقضى دينه من الزكاة، وكما قلنا أكثر من مرة: إن الأمور الخلافية لا يجوز فيها التعصب، وللإنسان أن يختار ما فيه المصلحة

стр. 4246

تقدير الزكاة بالمعايير الحديثة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نقرا فى كتب الفقه أن الزكاة يقدر نصابها بالمكاييل والأوزان القديمة فهل يمكن أن نعرف ذلك بالمعايير الحديثة؟ الجواب فى حديث رواه البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال ﴿ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا فى أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة، ولا فى أقل من خمس أواق من الورق صدقة" والذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر. وفى حديث رواه البخارى وغيره أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير. الأوسق جمع وسق، الوسق ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث -بالرطل العراقى- وهو ١٣٠ درهما، فيكون المد ١٧٤ درهما، ويكون الصاع بالدراهم ٦٩٦ درهما. والصاع يقدر بالكيلو جرام هكذا: الصاع يساوى ٦٩٦ درهما، والكيلو جرام يساوى ٣٢٤ درهما، وبقسمة دراهم الصاع وهو ٦٩٦ على دراهم الكيلو جرام، وهى ٣٢٤ يساوى الصاع اثنين من الكيلو جرامات، ٤٨ درهما. أى أربع أوقيات. والوسق ستون صاعا فى ٢ من الكيلو جرامات وأربع أوقيات فيكون الوسق ١٢٩ كيلو جرامًا تقريبًا، والنصاب وهو خمسة أوسق يضرب فى ١٢٩ كيلو جراما فيكون ٦٤٥ كيلو جراما، وهذا هو الذى عليه العمل الآن بمصر بالنسبة لغالب الحبوب كالقمح وتقدير النصاب بالكيل المصرى هو خمسون كيلة، أى أربعة أرادب وكيلتان. وبالنسبة للنقود المعبر عنها فى الحديث بالورق أى الفضة، وهى تقدر بالدراهم، فالنصاب خمس أواق والأوقية أربعون درهما، كما ثبت فى كتب السنة فيكون النصاب مائتى درهم، أى حوالى ستمائة جرام، وجاء فى بعض التقديرات أنه ستمائة وأربعة وعشرون جراما. هذا فى نصاب الفضة، أما نصاب الذهب فهو عشرون مثقالا، يساوى بالجرامات حوالى خمسة وثمانين جراما. وهذا التقدير تقريبى، وذلك لكثرة الاختلاف بين الأوزان فى البلاد وعلى توالى العصور، وقد جاء فى بعض التقديرات أنه سبعة وثمانون جراما. والفروق البسيطة فى الوزن أو الكيل ينبغى أن يؤخذ فيها بالأحوط. ليطمئن الإنسان على إبراء ذمته من هذه الحقوق التى كثر الوعيد فى عدم الوفاء بها

стр. 4247

زكاة الفطر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال متى شرعت زكاة الفطر وما مقدارها، وما هى حكمة مشروعيتها وهل تجب على من لم يصم رمضان؟ الجواب شرعت زكاة الفطر فى السنة الثانية من الهجرة مع فرض صيام رمضان، فقد روى البخارى وغيره عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين. كما روى أبو داود وابن ماجه أن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهى زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات. تقدم فى المجلد الثالث من هذه الفتاوى "ص ٣٠٩" بيان موعد إخراج زكاة الفطر ويبين الحديث الأول مقدار هذه الزكاة وهو صاع من غالب قوت البلد، وكان الغالب فى أيام النبى ﷺ فى المدينة هو التمر والشعير، وأئمة الفقه على إخراجها عينًا، لكن أبا حنيفة رأى جواز إخراج القيمة، وهى تختلف من بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن، وتقدم فى المجلد الثانى من هذه الفتاوى "ص ١٢٣ " الكلام عن إخراج القيمة بدل العين فى الزكاة. والمقدار هو نصف صاع من القمح عن كل فرد عند أبى حنيفة. أما من الأصناف الأخرى فصاع كامل، وهو قدحان وثلث القدح، وعند الشافعية صاع من أى صنف من الأقوات وهو قدحان، وعند المالكية صاع أيضا، لكن مقداره عندهم قدح وثلث القدح بالكيل المصرى، فتكفى الكيلة عن ستة أشخاص، ورأى الجمهور فى كونها صاعا من أى قوت أقوى من رأى أبى حنيفة فى المفاضلة بين القمح وغيره، فإن معاوية هو الذى قال عند قدومه من الشام إلى الحجاز: إنى أرى أن مُدَّين من سمراء الشام -أى القمح -تعدل - صاعا من تمر، فأخذ بعض الناس برأيه، لكن الأكثرين بقوا على ما كان عليه أيام النبى ﷺ رواه الجماعة عن أبى سعد الخدرى، ولا مانع من الأخذ برأى أبى حنيفة فى إخراج القيمة مع مراعاة عدم التقيد بالسعر الرسمى، فإن الفقير ربما لا يستطيع أن يحصل على القوت بهذا السعر، فيؤخذ بالسعر العادى الجارى بين عامة الناس، وكلما زاد عليه كان أفضل، هذا، والصاع يساوى اثنين من الكيلو جرامات، ٤٨ درهما، أى أربع أوقيات. وبالنسبة لحكمة مشروعية هذه الزكاة قد أشار إليها الحديث الثانى، فهى تتمثل فى فائدتين، فائدة تعود على المزكى وفائدة تعود على من يأخذون الزكاة. أما الأولى: فهى تطهير الصائم مما عساه يكون قد وقع فيه مما يتنافى مع حكمة الصوم وأدبه، كالسباب والنظر المحرم والغيبة والتمتع بما دون الاتصال الجنسى حتى من زوجته كاللمس والقبلة، وقليل من الناس من يسلم له صومه من كل المآخذ، فتكون زكاة الفطر بمثابة جبر لهذا النقص، أو تكفير له إلى جانب المكفرات الأخرى من الاستغفار والذكر والصلاة وغيرها. وهى فى الوقت نفسه برهان على أنه استفاد من دروس الجوع والعطش رحمة بمن يعانون منهما من الفقراء والمساكين، فقد قاسى كما يقاسون، وهنا لا يجوز له أن يقسو قلبه وتجمد عاطفته عندما يرى غيره ممن لا يجد ما يسد به جوعته أو يطفئ ظمأه، يسأله شيئا من فضل الله عليه. وكأن هذه الزكاة، وهى رمز متواضع، بمثابة الرسم المفروض على الصائم ليتسلم جائزة التقدير من الله يوم العيد، كما جاء فى حديث ابن عباس بسند مقبول فى مثل هذه المواطن، حيث يشهد الله تعالى ملائكته على رضاه ومغفرته لعباده جزاء صيام رمضان وقيام لياليه. ومن قسا قلبه ولم يخرجها، على الرغم من يسرها، دل على أنه لم يستفد من دروس الصيام رحمة، وكان صيامه صياما شكليا قد يكون مرغما عليه حياء، لا من الله ولكن من الناس، فهو عمل مرفوض مردود عليه، وذلك ما يشير إليه الحديث الذى رواه أبو حفص بن شاهين فى فضائل رمضان وقال: إنه حديث جيد الإسناد "صوم شهر رمضان معلَّق بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر " وأما الفائدة الثانية لزكاة الفطر فهى للمحتاجين إلى المعونة، وبخاصة فى يوم العيد، كى يشعروا بالفرح والسرور كما يفرح غيرهم من الناس، ولذلك كان من الأوقات المتخيرة لإخراج زكاة الفطر صبيحة يوم العيد وقبل الاجتماع للصلاة، حتى يستقبل الجميع يومهم مسرورين، ولا يحتاج الفقراء إلى التطواف على أبواب الأغنياء ليعطوهم ما يشعرهم ببهجة هذا اليوم، وقد جاء ذلك فى حديث رواه البيهقى والدارقطنى " أغنوهم عن طواف هذا اليوم " ولهذه الفائدة التى تتصل بإشاعة الفرح والسرور والتخفيف عن البائسين كانت الزكاة مفروضة حتى على من لم يصم شهر رمضان لعذر أو لغير عذر، فإن كان قد قصَّر فى واجب فلا يجوز أن يقصر فى واجب آخر، وإن كان قد حرم من الفائدة الخاصة للصيام فلا يجوز أن يؤثر ذلك على واجبه الاجتماعى

стр. 4248

المذاكرة والامتحان فى رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للطالب أن يفطر فى رمضان للمساعدة فى المذاكرة وفى الامتحان؟ الجواب قال تعالى فى أعذار الفطر فى رمضان: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ البقرة: ١٨٥، والمرض الذى يبيح الفطر هو الذى يطرأ أو يزداد بالصيام أو يحول دون الشفاء أو يترتب عليه ضرر آخر، ومثل المريض من يقوم بعمل شاق هو مورد رزقه الوحيد لا يستطيع الصوم معه، كالخباز الواقف أمام الفرن والحر شديد، وعمله بالنهار وقت الصيام. على أن يكون المرض أو التعب واقعا بالفعل لا متوهما ولا متوقعا والطالب الذى يذاكر لا تتحتم مذاكرته بالنهار، وعليه أن ينسق بين واجباته وبين الوقت المناسب، فله أن يجعل مذاكرته بالليل إذا كان النهار في رمضان طويلا وحارا، ولا يجوز له الفطر لمجرد اختياره أن تكون مذاكرته بالنهار، وكل ذلك إذا ترتب على الصيام ضعف شديد في الجسم أو التفكير، أما إذا لم يكن ذلك فلا يجوز التفكير في الفطر. وإذا كان الامتحان يعقد بالنهار وفى وقت الحر الشديد - قبيل الظهر إلى قبيل المغرب - ولو أصبح صائما أحس بالجوع أو أحس بالعطش الشديد الذى يؤثر على تفكيره فله الفطر عند الإحساس بالتعب، بمعنى أن ينوى الصيام ليلا ويتناول سحوره ويستريح أو يذاكر، فإذا دخل الامتحان في الوقت المذكور ولم يحس تعبا فلا يجوز له الفطر أما إذا أحس بالتعب فيفطر عند الإحساس به، أما ألا ينوى الصيام ولا يتسحر ويصبح مفطرا ليستعد للامتحان فى فترة الحر فذلك لا يجوز مطلقا فالتعب المتوقع متوهم غير واقع بالفعل. وكذلك لو كان الامتحان فى الساعات الأولى من النهار حيث الجو يكون مناسبا ولا يوجد إحساس بالجوع أو العطش أو كان الامتحان فى وقت الشتاء أو اعتدال الجو فلا يجوز أن يصبح مفطرا، أى لا بد أن ينوى الصيام ليلا ويتسحر ويبدأ الصيام ويدخل الامتحان صائما حيث لا يكون تعب. وأقول لمن يذاكر ويدخل الامتحان عليك بتقوى الله واحرص على طاعته ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ الطلاق: ٤

стр. 4249

صوم الجنب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال طلع الفجر علىّ فى رمضان وأنا فى جنابة، ولم اغتسل إلا بعد ساعة. فهل صومى صحيح؟ الجواب الجنابة إما حيض ونفاس، وهى خاصة بالنساء، وإما بالاتصال الجنسى أو نزول المنى فى اليقظة أو النوم بالاحتلام. وهى مشتركة بين الرجال والنساء. فإذا طلع الفجر والحيض أو النفاس موجود حرم الصيام، ولو صامت المرأة فالصوم باطل مع الإثم، لكن لو انقطع الدم قبل الفجر انقطاعا تاما ولم تغتسل إلا بعد الفجر فالصوم صحيح. وذلك كالجنابة بشىء آخر غير الحيض والنفاس. فالصوم صحيح مع عدم الاغتسال، والاغتسال شرط للصلاة ولأمور أخرى وليس للصيام، فقد ثبت أن النبى ﷺ .كان يصبح جنبا وهو صائم، يعنى يطلع الفجر وهو لم يغتسل بعد، ثم يغتسل بسرعة ليصلى الصبح جماعة مع الناس وذلك فيما رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها

стр. 4250

خطأ الظن فى عدم طلوع الفجر وغروب الشمس المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال صحوت من النوم فظننت أن الفجر لم يطلع، فأكلت وشربت، ثم تبين أن النهار قد طلع فهل يصح صومى؟ الجواب ذكر ابن قدامة فى كتابه " المغنى " أن من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب -أن عليه القضاء، وذلك مع وجوب الإِمساك على من أكل ظانا عدم طلوع الفجر، وقال ابن قدامة: إن هذا الحكم هو قول أكثر أهل العلم، ثم حكى عن بعض التابعين أنه لا قضاء عليه، وذكر فى ذلك أثرا عن عمر رضى الله عنه، ولكن الرأىَ الأول هو المعول عليه، وذلك لحديث البخارى أنهم أمروا بقضاء يوم أفطروا فيه لوجود غيم ثم طلعت الشمس. هذا فى الظن - وهو إدراك الطرف الراجح - أما الشك وهو إدراك الطرفين على السواء، والطرفان هما طلوع الفجر وعدم طلوعه، فقد قال فيه ابن قدامة أيضا: وإن أكل شاكًّا فى طلوع الفجر ولم يتبين الأمر فليس عليه قضاء، لأن المدار على تبين طلوع الفجر، قال تعالى ﴿وكلوا واشربو حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ البقرة: ١٨٧، وقال: إن هذا هو رأى الشافعى وأصحاب الرأى - الحنفية - ولكن مالكا أوجب القضاء، لأن الأصل بقاء الصوم فى ذمته فلا يسقط بالشك، وذكر أن الأكل عند الشك فى غروب الشمس ولم يتبين الامر يوجب القضاء. فعلى صاحب السؤال أن يمسك بقية يومه ويقضى هذا اليوم، وهو الرأى المختار

стр. 4251

متى يفطر المسافر بالطائرة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يحدث إذا كان المسافر بالطائرة صائما أن وقت الغروب يحين حسب توقيت البلد الذى سافر منه، أو الذى يمر عليه فى الجو ومع ذلك تكون الشمس ما زالت ظاهرة، فهل يفطر وهى ما زالت لم تغرب، وإذا انتظر غروبها فقد يطول اليوم ويشق عليه دوام الصيام؟ الجواب قال اللَّه تعالى ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ البقرة: ١٨٧، وروى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ كان فى سفر مع أصحابه فى رمضان، فلما غربت الشمس طلب من بلال أن يعد طعام الإفطار، فلما أعده شرب منه وقال مشيرا بيده "إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم " أى حل له الفطر. تدل الآية والحديث على أن الإفطار لا يحل للصائم إلا إذا جاء الليل، والليل يجىء إذا غربت الشمس. فلو سافر صائم فى طائرة وكانت على ارتفاع شاهق فإن المعروف أن الشمس تغيب عن الأرض قبل غيابها عن ركاب الطائرة، وذلك بحكم كروية الأرض، وبهذا لا يجوز له أن يفطر ما دامت الشمس ظاهرة له. وقد يحدث أن يكون متجها إلى الشرق فيقصر النهار، أو يكون متجها إلى الغرب فيطول النهار، فالعبرة بمغيب الشمس عنه فى أى اتجاه، ولا عبرة بتوقيت المنطقة التى يمر عليها، ولا بتوقيت البلد الذى سافر منه. فإن شق عليه الصيام لطول النهار فله رخصة الإفطار للمشقة، وإن لم يشق عليه وآثر إتمام الصيام فلا يفطر حتى تغيب الشمس

стр. 4252

هلال رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال في الحديث " صوموا لرؤيته وافطروا لرويته " هل يجوز أن تفسر الرؤية بالروية العلمية لا البصرية حتى يمكن توحيد أوائل الشهور العربية؟ الجواب موضوع توحيد بدء الصيام وبالتالي توحيد العيد في البلاد الإسلامية، موضوع ناقشه الفقهاء في القرون الأولى، كما ناقشه علماء مجمع البحوث الإسلامية في السنوات الأخيرة، وهم جميعًا متفقون على أنه لا تعارض بين الدين والعلم أبدًا، فالدين نفسه يدعو إلى العلم، وفي مسألتنا هذه علق الحديث الصوم والإفطار على رؤية الهلال، فإن لم تكن الروية بالبصر لجأنا إلى العلم، والإرشاد إلى إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا توجيه لاحترام الحساب الذي هو مظهر من مظاهر العلم، والراصدون للهلال يستعينون بالمناظر وهي أدوات علمية، كما يستعينون بمصلحة الأرصاد في أجهزتها وإمكانات الأخرى. والموضوع له بحث طويل علمي وديني فى الجزء الثاني من كتاب "بيان للناس من الأزهر الشريف " أكتفى هنا بذكر أن مؤتمر مجمع البحوث الثالث المنعقد سنة ١٩٦٦ م قرر بشأنه ما يأتي: ١ -أن الرؤية هي الأصل في معرفة دخول أي شهر قمري، كما يدل عليه الحديث الشريف، فالرؤية هي الأساس؟ لكن لا يعتمد عليها إذا تمكنت منها التهم تمكنًا قويًّا. ٢ -يكون ثبوت رؤية الهلال بالتواتر والاستفاضة، كما يكون بخبر الواحد ذكرًا كان أو اثنى إذا لم تتمكن التهمة في إخباره بسبب من الأسباب، ومن هذه الأسباب مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به الصادر ممن يؤثق به. ٣-خبر الواحد ملزم له ولمن يثق به، أما إلزام الكافة فلا يكون إلا بعد ثبوت الرؤية عند من خصصته الدولة الإسلامية للنظر في ذلك. ٤ -يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر إذا لم تتحقق الرؤية ولم يتيسر الوصول إلى إتمام الشهر السابق ثلاثين يومًا. ٥ - يرى المؤتمر أنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤية وإن قل، ويكون اختلاف المطالع معتبرًا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة. ٦ - يهيب المؤتمر بالشعوب والحكومات الإسلامية أن يكون في كل إقليم إسلامى هيئة إسلامية يناط بها إثبات الشهور القمرية مع مراعاة اتصال بعضها ببعض والاتصال بالمراصد والفلكيين الموثوق بهم. وبناء على هذه القرارات سار العمل في مصر على إعلان مبدأ الصيام ونهايته بعد الاتصال بالدول الأخرى. هذا وأود أن يتنبه المسلمون إلى أن هناك عوامل أخرى لها أهميتها البالغة وأثرها القوى في وحدة الأمة الإسلامية من أهمها توحيد التشريع والقضاء والنظم الدستورية والاقتصادية والثقافية على أساس من الدين الذي يدينون به جميعًا، فإن عدم توحيد هذه الأمور وغيرها هو الذي باعد بين المسلمين وجعلهم نهبًا لغيرهم من الدول، وجعل رابطتهم مفككة وصدق رسول اللَّه ﷺ فيما رواه البيهقى عنه إذ يقول "ولا نقضوا عهد اللَّه وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب اللَّه إلا جعل بأسهم بينهم "

стр. 4253

تقييد الشياطين فى رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء فى بعض الأحاديث أن الشياطين تصفد فى رمضان، فكيف يتفق هذا مع وقوع جرائم كثيرة فى رمضان من الصائمين وغير الصائمين؟ الجواب روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين " وروى ابن خزيمة فى صحيحه قوله ﷺ " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين مردة الجن. . . ". إن الواقع يشهد بأن المعاصى ما تزال ترتكب فى رمضان وغير رمضان، ومن أجل التوفيق بين الحديث الثابت وبين الواقع المشاهد قال الشراح: إن المراد بتقييد الشياطين فى رمضان عدم تسلطها على من يصومون صوما صحيحا كاملا رُوعيت فيه كل الآداب التى منها عفة اللسان والنظر والجوارح كلها عن المعصية، استجابة للحديث الذى رواه البخارى: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للَّه حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه " أو المراد بالشياطين التى تصفد المردة والجبابرة منهم كما فى رواية ابن خزيمة، أما غيرهم فلا يقيدون ولذلك تقع من الناس بعض المعاصى، أو المراد أن الشياطين كلها تُغَلُّ بمعنى يضعف نشاطها ولا تكون بالقوة التى عليها بدون أغلال وقيود، أو المراد: أن المعاصى التى تكون بسبب الشياطين تمنع، ولكن تقع المعاصى التى يكون سببها النفوس الخبيثة الأمارة بالسوء أو العادات القبيحة أو شياطين الإنس، ومن هنا نرى أن الحديث لا يصطدم مع الواقع عند فهمه فهما صحيحا، وذلك ما نحب أن نلفت الأنظار إليه فى فهم نصوص الدين حتى لا يكون هناك شك فى الدين أو انحراف فى الفكر أو السلوك

стр. 4254

شهر رجب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال اتخذ كثير من الناس فضل شهر رجب ذريعة للصيام والصلاة وزيارة المقابر وأوردوا فى ذلك أحاديث كثيرة، فما هو الرأى الصحيح فى ذلك؟ الجواب الحافظ أحمد بن على بن محمد بن حجر العسقلانى وضع رسالة بعنوان: تبيين العجب بما ورد فى فضل رجب، جمع فيها جمهرة الأحاديث الواردة فى فضائل شهر رجب وصيامه والصلاة فيه. وقسمها إلى ضعيفة وموضوعة. وذكر له ثمانية عشر اسما، من أشهرها "الأصم " لعدم سماع قعقعة السلاح فيه لأنه من الأشهر الحرم التى حرم فيها القتال، و "الأصب " لانصباب الرحمة فيه، و "منصل الأسنة" كما ذكره البخارى عن أبى رجاء العطاردى قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا الشاء - الشياة- فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة فلم ندع رمحا فيه حديدة، ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه. وفضل رجب داخل فى عموم فضل الأشهر الحرم التى قال الله فيها ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ التوبة: ٣٦، وعينها حديث الصحيحين فى حجة الوداع بأنها ثلاثة سَرْد " أى متتالية "ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد، وهو رجب "مضر" الذى بين جمادى الآخرة وشعبان، وليس رجب "ربيعة" وهو رمضان. ومن عدم الظلم فيه عدم القتال، وذلك لتأمين الطريق لزائرى، المسجد الحرام، كما قال تعالى: بعد هذه الآية ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ التوبة: ٥، ومن عدم الظلم أيضا عدم معصية الله، واستنبط بعض العلماء من ذلك -دون دليل مباشر من القرآن والسنة نص عليه - جواز تغليظ الدية على القتل فى الأشهر الحرم بزيادة الثلث. ومن مظاهر تفضيل الأشهر الحرم -بما فيها رجب -ندب الصيام فيها. كما جاء فى حديث رواه أبو داود عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبى ﷺ قال له - بعد كلام طويل - " صم من الحرم واترك " ثلاث مرات، وأشار بأصابعه الثلاثة، حيث ضمها وأرسلها والظاهر أن الإشارة كانت لعدد المرات لا لعدد الأيام. فالعمل الصالح فى شهر رجب كالأشهر الحرم له ثوابه العظيم، ومنه الصيام يستوى فى ذلك أول يوم مع آخره، وقد قال ابن حجر: إن شهر رجب لم يرد حديث خاص بفضل الصيام فيه، لا صحيح ولا حسن. ومن أشهر الأحاديث الضعيفة فى صيامه "إن فى الجنة نهرا يقال له رجب، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر "وحديث "من صام من رجب يوما كان كصيام شهر، ومن صام منه سبعة أيام غلَّقت عنه أبواب الجحيم السبعة ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام بدلت سيئاته حسنات " ومنها حديث طويل جاء فى فضل صيام أيام منه، وفى أثناء الحديث "رجب شهر الله وشعبان شهرى ورمضان شهر أمتى" وقيل إنه موضوع وجاء فى الجامع الكبير للسيوطى أنه من رواية أبى الفتح بن أبى الفوارس فى أماليه عن الحسن مرسلا. ومن الأحاديث غير المقبولة فى فضل صلاة مخصوصة فيه "من صلى المغرب فى أول ليلة من رجب ثم صلى بعدها عشرين ركعة، يقرأ فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مرة ويسلم فيهن عشر تسليمات حفظه الله فى نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب " وهو حديث موضوع، ومثلها صلاة الرغائب. وقد عقد ابن حجر فى هذه الرسالة فصلا ذكر فيه أحاديث تتضمن النهى عن صوم رجب كله، ثم قال: هذا النهى منصرف إلى من يصومه معظما لأمر الجاهلية، أما إن صامه لقصد الصوم فى الجملة من غير أن يجعله حتما أو يخص منه أياما معينة يواظب على صومها، أو ليالى معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة، فهذا من فعله مع السلامة مما استثنى فلا بأس به. فإن خص ذلك أو جعله حتما فهذا محظور، وهو فى المنع بمعنى قوله ﷺ "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام "رواه مسلم. وإن صامه معتقدا أن صيامه أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره ففى هذا نظر، ومال ابن حجر إلى المنع. ونقل عن أبى بكر الطرطوشى فى كتاب "البدع والحوادث " أن صوم رجب يكره على ثلاثة أوجه أحدها أنه إذا خصه المسلمون بالصوم فى كل عام حسب العوام، إما أنه فرض كشهر رمضان وإما سنة ثابتة كالسنن الثابتة، وإما لأن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على صيام باقى الشهور، ولو كان من هذا شيء لبينه النبى ﷺ قال ابن دحية: الصيام عمل بر، لا لفضل صوم شهر رجب فقد كان عمر ينهى عنه. انتهى ما نقل عن ابن حجر. هذا، وحرص الناس -والنساء بوجه خاص، على زيارة القبور فى أول جمعة من شهر رجب ليس له أصل من الدين -ولا ثواب لها أكثر من ثواب الزيارة فى غير هذا اليوم. والأولى فى شهر رجب أن نتذكر الأحداث التاريخية التى وقعت فيه مثل غزوة تبوك لنأخذ منها العبرة، ونتذكر تخليص صلاح الدين الأيوبى للقدس من أيدى الصليبيين (فى رجب ٥٨٣هـ ١١٨٧ م) ليتوحد العرب والمسلمون لتطهير المسجد الأقصى من رأس الغاصبين. كما نتذكر حادث الإسراء والمعراج ونستفيد منه، على ما ارتضاه المسلمون فى كونه حدث فى شهر رجب

стр. 4255

صوم يوم عرفة للحجاج المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم صوم يوم عرفة؟ الجواب روى مسلم أن النبى ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة فقال "يكفر السنة الماضية والباقية "وروى النسائى بإسناد حسن أن صيامه يعدل صيام سنة، وفى رواية حسنة للطبرانى أنه يعدل صيام سنتين، وفى راوية حسنة للبيهقى أنه يعدل صيام ألف يوم. تدل هذه الأحاديث على فضل صيام يوم عرفة، لكن هذا لغير الواقف بعرفة، فقد روى أبو داود والنسائى وابن خزيمة فى صحيحه والطبرانى أن النبى ﷺ نهى عن صومه. وإن كان هذا النهى للكراهة لا للتحريم ولذلك اختلف الفقهاء فى حكم صيام هذا اليوم للواقف بعرفة، فقال الشافعى: يُسَن الفطر فيه ليقوى الحاج على الدعاء، وقال أحمد: إن قدر الحاج أن يصوم صام. وإن أفطر فذلك يوم يحتاج فيه إلى القوة. قال الحافظ المنذرى فى كتابه الترغيب والترهيب: اختلفوا فى صوم يوم عرفة بعرفة فقال ابن عمر: لم يصمه النبى ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وأنا لا أصومه وكان مالك والثورى يختاران الفطر، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة، وروى ذلك عن عثمان بن أبى العاصى، وكان إسحاق يميل إلى الصوم، وكان عطاء يقول: أصوم فى الشتاء ولا أصوم فى الصيف، وقال قتادة لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. رواه أحمد والنسائى وأبو داود والترمذى وصححه. ومهما يكن من شىء فإن الأولى الاقتداء بالنبى ﷺ فقد ثبت أنه لم يصم هذا اليوم فى حجة الوداع. روى البخارى ومسلم عن أم الفضل أنهم شكوا فى صوم رسول الله ﷺ يوم عرفة فأرسلت إليه بلبن فشرب وهو يخطب الناس بعرفة. وثبت أنه قال " إن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا - أهل الإسلام - وهى أيام أكل وشرب " وثبت عنه أنه نهى عن صيام يوم عرفة بعرفات. كما رواه أبو داود والنسائى وابن خزيمة فى صحيحه

стр. 4256

عاشوراء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن صوم يوم عاشوراء كان مفروضا قبل رمضان، وما هى حكمة صيامه، وهل صحيح أن النبى ﷺ أوصى بالتوسعة على العيال فيه؟ الجواب يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم أول شهور التقويم الهجرى-دخل التاريخ من أوسع أبوابه منذ بدء الخليقة كما تحكى الروايات التى لا يصمد أكثرها أمام النقد العلمى عند رجال الحديث. ويهمنا من هذه الأبواب بابان كان لكل منهما أثره فى-تحول مجرى التاريخ الدينى والتشريعى فى اليهودية والإسلام، أحدهما يوم أن نجى الله موسى ﵇ وجماعته الإسرائيليين، وأغرق فرعون وقومه الظالمين، وكان يوما فاصلا بين عهدين فى تاريخ اليهود، عهد ذاقوا فيه العذاب ألوانا حين كانوا تحت حكم فرعون، كما يذكرهم الله به فى قوله ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ . البقرة: ٤٩، ٥٠، وعهد التحرر والاتجاه إلى تأسيس مجتمع مستقل ما لبث أن تقلبت به الأحداث ما بين صعود وهبوط واجتماع وتفرق كما قضى بذلك رب العزة فى كتابه وسجله القرآن الكريم فى أوائل سورة الإسراء ﴿وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا﴾ روى البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود يصومون عاشوراء فقال لهم " ما هذا الذى تصومونه " فقالوا: هذا يوم عظيم، نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه وأمر بصيامه حتى جاء فرض صيام رمضان فبقى صيام يوم عاشوراء مندوبا. وإذا كان الخبر الصحيح يشرع صومه شكرا لله على نجاة موسى، فإن تحديد هذا اليوم وربطه بنجاة آبائهم هو خبر اليهود كما جاء فى كتبهم التى توارثوها، والثابت فى الصحيحين أيضا عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان يصوم عاشوراء قبل هجرته من مكة إلى المدينة اتباعا لقريش فى صيام هذا اليوم فى الجاهلية، ويعلل عكرمة صيام قريش له بأنهم أذنبوا ذنبا فى الجاهلية فعظم فى صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك الذنب، فهل كان ذلك تقليدا لليهود فى صيام يوم الكفارة "يوم كبور" أو بناء على شرع سابق؟ والمعروف أن شرعة إبراهيم وإسماعيل التى كانت فى مكة هى أسبق من الشريعة التى جاءت بها توراة موسى الذى نجاه الله من فرعون وقومه. روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه. فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه فلما فرض رمضان قال "من شاء صامه ومن شاء تركه ". إن الذى يهمنا كمسلمين أن صوم يوم عاشوراء بقى مندوبا كسائر الأيام التى يندب فيها الصيام، ولم يكن يأبه له أحد من المسلمين بأكثر من أن الصيام فيه له فضله الذى ورد فيه قول النبى ﷺ كما رواه مسلم "يكفر السنة الماضية " وجرى الأمر على ذلك فى عهد الخلفاء الراشدين حتى كان يوم الجمعة العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، وهو اليوم الذى استشهد فيه الحسين بن على رضى الله عنهما فى كربلاء، فدخل يوم عاشوراء التاريخ مرة أخرى من باب واسع عمَّق الشعور بالتشيع لآل البيت. وعلى الرغم من مرور أربعة عشر قرنا على هذا الحادث فإن آثاره ما زالت باقية تظهر فى الاحتفال بذكراه، فهو فى إيران والعراق وغيرهما يوم حزن عميق لا داعى لوصف مظاهره، وهو فى بلاد المغرب وغيرها من البلاد التى تبرر ما صنعه رجال البيت الأموى للاحتفاظ بالسلطان يوم فرح وهدايا وتوسعة وترفيه بالحلوى وكل ما لذَّ وطاب [مجلة العربى التى تصدر بالكويت ١٩٦٢، مجلة الإيمان التى تصدر بالمغرب - محرم وصفر ١٣٨٤ هـ] . وفى ظل هذه العواطف ظهرت بدع واخترعت أقاويل وحكايات، بل وضعت أحاديث على النبى ﷺ تشجع الأولين على المبالغة فى الأسى والحزن، وتشجع الآخرين على المبالغة فى الفرح والسرور، ونكتفى بهذا القدر فى بيان استغلال يوم عاشوراء استغلالا سياسيا لنعرف مدى صحة ما يقال إن التوسعة على العيال فى يوم عاشوراء أثر من آثار النزاع بين البيت الأموى والهاشمى فنقول: جاء فى كتاب شرح الزرقانى على المواهب اللدنية للقسطلانى "ج ٨ ص ١٢٣ " أن الحديث الذى يقول: "من وسع على عياله فى يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها" رواه الطبرانى والبيهقى وأبو الشيخ، وقال البيهقى إن أسانيده كلها ضعيفة، ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد قوة، قال العراقى فى أماليه: لحديث أبى هريرة طرق صحح بعضها ابن ناصر الحافظ، وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات. وذلك لأن سليمان بن أبى عبد الله الراوى عن أبى هريرة مجهول، لكن جزم الحافظ فى تقريبه بأنه مقبول، وذكره ابن حبان فى الثقات والحديث حسن على رأيه. قال العراقى: وله طرق عن جابر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر فى "الاستيعاب " وهى أصح طرقه. رواه ابن عبد البر والدارقطنى بسند جيد عن عمر رضى الله عنه موقوفا عليه. قد يقال: إذا كان الصوم شعيرة عاشوراء، وهو يقوم على الزهد والتقشف فكيف يتفق ذلك مع التوسعة على العيال والأهل؟ لئن كانت هناك توسعة فلتكن على الفقراء كالبر فى رمضان، ومهما يكن من شىء فان التوسعة مندوبة وأفضل دينار ينفقه الإنسان بعد نفسه هو على أهله، وكل ذلك فى حدود الوسع، ورأى بعض المفكرين أن " العيال " المذكورين فى هذا الحديث هم عيال الله وهم الفقراء، وهنا تظهر الحكمة فى التوسعة مع الصيام. وجاء فى الزرقانى أيضا أن ما يذكر من فضيلة الاغتسال فيه والخضاب والادهان والاكتحال ونحو ذلك فبدعة ابتدعها قتلة الحسين كما صرح به غير واحد. هذا، والأولى الاقتصار على ما جاء فى الحديث من أن صيامه يكفر ذنوب سنة، كما يسن صيام يوم التاسع أيضا لحديث رواه مسلم عن ابن عباس قال: لما صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال - "إذا كان العام المقبل -إن شاء الله -صمنا اليوم التاسع " قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله ﷺ . وروى أحمد "خالفوا اليهود صوموا يوما قبله ويوما بعده ". وقد ذكر العلماء أن صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى صوم ثلاثة أيام: التاسع والعاشر والحادى عشر. والمرتبة الثانية صوم التاسع والعاشر، والمرتبة الثالثة صوم العاشر وحده. وموضوع صيام عاشوراء مبسوط فى كتاب "زاد المعاد لابن القيم ج اص ١٦٤ وما بعدها. هذا، وقد جاء فى الترمذى بإسناد حسن أنه قد يكون هو اليوم الذى تاب فيه على قوم ويتوب على آخرين، ولكن ليس فى الحديث تعيين لهذا اليوم ولا لهؤلاء الأقوام، وصح من حديث أبى إسحاق عن الأسود ابن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء فقال: المحرم شهر الله الأصم، فيه يوم تيب فيه على آدم، فإن استطعت ألا يمر بك إلا وأنت صائم فافعل [تفسير القرطبى ج اص ٣٢٤] وهو حديث غير مرفوع إلى النبى ﷺ . وجاء فى مسند أحمد أنه ربما يكون هو اليوم الذى استوت فيه سفينة نوح على الجودى. ولا أعلم درجة هذا الحديث،كما جاء فى الكتب حوادث أخرى فى يوم عاشوراء ليس لها سند صحيح، منها مولد الخليل إبراهيم ومولد موسى ومولد عيسى، وبردت فيه النار على إبراهيم، ورفع العذاب عن قوم يونس، وكشف الضر عن أيوب، ورد البصر على يعقوب، وأخرج يوسف من الجب، ويوم الزينة الذى غلب فيه موسى السحرة. تتمات. ا -صيام النبى يوم عاشوراء فى مكة كان كصيام قريش لمتابعتهم فى الخير كمتابعتهم فى الحج ولم يأمر به أصحابه، وصامه بعد الهجرة لما وجد اليهود يصومونه قال العلماء: إن صيامه فى المدينة كان بوحى أو باستدامة صيامه فى مكة وزاد تأكيده بشكر الله على نجاة موسى. وليس صيامه متابعة لليهود فى شريعتهم، وقال بعضهم: إنه اجتهاد من النبى ﷺ لأنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولعل هذا من باب تأليف قلوبهم كالتوجه إلى بيت المقدس فى الصلاة. وكانت هذه الموافقة فى أول الإسلام، فلما فتحت مكة وقوى الإسلام خالف أهل الكتاب، بل أمر بمخالفتهم فى شكل الصيام لا فى أصله، ودليل ذلك أنه فى أواخر حياته - وكان يصوم عاشوراء استحبابا ويصومه أصحابه -قيل له: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال - كما رواه مسلم - "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع " فلم يأت العام المقبل حتى توفى. ٢ -تكفير الذنوب بصيام عاشوراء المراد بها الذنوب الصغائر، وهى ذنوب سنة ماضية أو آتية إن وقعت من الصائم، فإن لم تكن صغائر خفف من الكبائر، فإن لم تكن كبائر رفعت الدرجات. أما الكبائر فلا تكفرها إلا التوبة النصوح، وقيل يكفرها الحج المبرور، لعموم الحديث المتفق عليه "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ". ٣-قال النووى: اختلف فى حكم صوم عاشوراء فى أول الإسلام حين شرع قبل رمضان، فقال أبو حنيفة كان واجبا لظواهر الأحاديث، ولأصحاب الشافعى وجهان: وجه كأبى حنيفة، والأشهر أنه لم يزل سنة حين شرع، لكن كان متأكد الاستحباب، فلما فرض رمضان صار استحبابه أقل من الأول، ويظهر الخلاف فى النية هل يجب تبييتها أو تمكن قبل الزوال؟ الله أعلم بما كان عليه الصحابة حينذاك، ولا أثر له الآن. هذا، وقد ثبت فى الصحيحين أن ابن مسعود أفطر يوم عاشوراء، ولما سئل قال: كان النبى ﷺ يصومه قبل أن ينزل صوم رمضان، فلما نزل رمضان تركه، والتفسير الصحيح لفعل ابن مسعود وقوله أن صوم عاشوراء ترك النبى ﷺ وجوبه بعد فرض صيام رمضان، وبقى مستحبا كما تدل عليه الروايات الأخرى، والموضوع طويل يراجع فى زاد المعاد لابن القيم "ج اص ١٦٤ "

стр. 4257

الأكل مع النسيان للصائم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم من تناول مفطرا مع النسيان، هل يبطل صومه، وماذا يجب عليه؟ الجواب روى أصحاب السنن أن النبى ﷺ قال "إن الله رفع عن أمتى الخطأ وما استكرهوا عليه " رجاله ثقات وليست فيه علة قادحة، " فيض القدير" وروى الجماعة إلا النسائى أنه ﷺ قال "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه " وروى الدارقطنى بإسناد صحيح أنه قال "إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه ". ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا فإن صيامه صحيح وهذا موافق لقوله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ البقرة:٢٢٥، والنسيان ليس من كسب القلوب، وما دام صومه صحيحا فعليه أن يمسك عن الطعام ويتم صومه. وهذا واضح فى صيام رمضان تعظيما لحرمة الشهر، أما فى غير أداء رمضان كالنذر المعين أو غير المعين وكصيام الكفارات وقضاء رمضان وصوم التطوع فلا يجب عليه الإمساك بقية اليوم ويجوز له أن يفطر عند الجمهور ولكن الإمام مالكا قال: يجب الإمساك فى النذر المعين، أما فى غير المعين وباقى الصوم الواجب فإن كان التتابع واجبا فيه كصوم كفارة رمضان وما نذره متتابع فلا يجب الإمساك إذا أفطر عمدا، لأنه بطل، ولأنه يجب استئنافه من أوله، وإن أفطر سهوا فإن كان فى غير اليوم الأول وجب الإمساك، وإن كان فى اليوم الأول ندب الإمساك ولا يجب. وإن كان التتابع غير واجب كقضاء رمضان وكفارة اليمين جاز الإمساك وعدمه، سواء أفطر عمدا أم لا، وإن كان الصوم نفلا فإن أفطر ناسيا وجب الإمساك لأنه لا يجب عليه القضاء بالفطر نسيانا، وإن كان عمدا فلا يجب الإمساك، لوجوب القضاء عليه بالفطر عمدا. وقد تحدث العلماء عن سند قول مالك فى وجوب القضاء على من تعمد الفطر فى صيام النفل، وعن وجوب الإمساك إن أفطر ناسيا مع عدم القضاء، فوجدوه ضعيفا وليس المجال مجال تفصيل لهذه المناقشة، والمهم أن نعرف أن دليل الجمهور قوى فى أن النسيان لا يؤثر على الصيام حتى لو كان الأكل كثيرا. ويؤيده ما أخرجه أحمد عن أم إسحاق أنها كانت عند النبى ﷺ فأتى بقصعة من ثريد، فأكلت معه ثم تذكرت أنها صائمة-وهذا لم يكن فى رمضان قطعا لأن النبى ﷺ كان يأكل معها-فقد يكون صيام نذر أو قضاء أو نفل، فلما تذكرت أنها صائمة قال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال لها النبى ﷺ "أتمى صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك "

стр. 4258

نقط الأنف وأنبوبة الربو للصائم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يبطل الصوم بوضع النقط فى الأنف أو الاستنشاق من أصبع الربوة؟ الجواب قال العلماء: إن الصوم يبطل بذلك لدخول شيء إلى الجوف من منفذ مفتوح ويصدق عليه اسم الأكل أو الشرب الذى بنى عليه القرآن بطلان الصيام، حيث أباحهما بالليل حتى مطلع الفجر فقط فقال سبحانه ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ البقرة: ١٨٧،. وقد سبق أن بينت أن الأكل والشرب فسرا بعدة تفسيرات، وبنيت عليها أحكام فى الصيام، وكانت كلها اجتهادات اختلفت نتائجها، واخترت من ذلك ما اطمأنت إليه نفسى بعد استهداف الحكمة فى مشروعية الصيام بالامتناع عن شهوتى البطن والفرج. ولا مانع من الأخذ برأى العلماء فى أن نقط الأنف والبخار الذى يشم من أصبع الربو يبطل بهما الصيام. وإذا كان المريض لا يستغنى عنهما فى الصيام جاز له الفطر وعليه القضاء بعد الشفاء من المرض، فإن كان مزمنا لا يرجى شفاؤه كان له الفطر وعليه الإطعام عن كل يوم مسكينا

стр. 4259

الحقن فى الصيام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يبطل الصوم بالعلاج بالحقن؟ الجواب قال العلماء: حقنة الشرج مفطرة لدخولها إلى الجوف من منفذ مفتوح واشترط مالك أن تصل إلى المعدة أو الأمعاء، فإن لم تصل فلا يبطل بها الصيام. أما حقن العضل والتى تحت الجلد فقد أفتى الشيخ محمد بخيت المطيعى فى مايو ١٩١٩ م بأنها لا تفطر بناء على أنها لم تصل إلى الجوف من منفذ معتاد، وعلى فرض الوصول فإنها تصل من المسام فقط وما تصل إليه ليس جوفا ولا فى حكم الجوف. "الفتاوى الإسلامية -المجلد الأول ص ٨٩" والشيخ طه حبيب عضو المحكمة العليا الشرعية قال فى فتواه المنشورة بمجلة الأزهر "المجلد الثالث ص ٥٥٣ " ما نصه: ولا شك فى أن الحقنة التى تعطى تحت الجلد أو فى العضلات أو فى الوريد أو فى قناة النخاع الشوكى تصل إلى الجوف، لأنها تصل عند إعطائها إلى الدورة الدموية، وهذه توزعها إلى أجزاء الجسم كل بحسب طلبه، وعلى هذا يتبين أن الحقن التى يعطيها الأطباء للصائمين فى نهار رمضان مفسدة لصومهم، وإذا لوحظ أن إعطاءها قد يكون للتغذية وللتقوية وإكثار الدم ولتخدير الأعصاب، فإن الأطباء أنفسهم يقرون أن هذه الحقن تمتصها الأوعية الليمفاوية ومنها إلى الدورة الدموية ثم توزعها هذه الأخيرة إلى أجزاء الجسم كل بحسب طلبه ... إلى أن قال: هذا ما يمكن أخذه من مذهب أبى حنيفة فى هذا الموضوع، أما مذهب المالكية والشافعية فهو ما يأتى: مذهب المالكية أن الصوم يفسد عندهم بوصول مائع إلى الحلق من الفم أو الأنف أو الأذن أو العين وإن لم يصل إلى المعدة. وبوصول جامد إلى المعدة من منفذ عال. فلو ابتلع الصائم حصاة ووصلت إلى المعدة فسد الصوم، ويفسد بوصول دواء إلى المعدة أو الأمعاء بواسطة الحقنة إذا جعلت فى منفذ واسع. أما إذا كان المنفذ غير واسع لا يمكن وصول شىء منه إلى المعدة فلا. ومن هذا يؤخذ أن الحقنة تحت الجلد إن وصل الدواء المجعول فيها إلى المعدة أو الحلق أو الأمعاء أفطر الصائم، وإلا فلا. والمعدة عندهم ما تحت منخسف الصدر إلى السرة. ومذهب الشافعية يرى أن وصول عين الشىء قليلا كان الواصل أو كثيرا مأكولا أو غير مأكول إلى الجوف من منفذ مفتوح كحلق ودماغ وباطن أذن وبطن وإحليل ومثانة مفسد للصوم. ومنه يعلم حكم الحقنة تحت الجلد، وقد علمت أنها تصل إلى داخل الجوف قطعا. هذه صورة من الآراء الاجتهادية فى الحقن، وقد رأيت أن حقن الدواء يمكن العمل فيها برأى الشيخ محمد بخيت، وهو عدم الإفطار لأنها لم تدخل من منفذ مفتوح، وأن حقن الغذاء يمكن العمل فيها برأى الشيخ طه حبيب وهو الإفطار لأنها دخلت إلى الجوف عن طريق الدم، وتتنافى مع حكمة الصيام من الشعور بالجوع والعطش للمعانى التى تترتب عليه

стр. 4260

نقل الدم فى الصيام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل نقل الدم يبطل الصيام؟ الجواب هذا السؤال له طرفان، طرف يتصل بالمنقول منه، وطرف يتصل بالمنقول إليه، أما المنقول منه فيقاس أخذ الدم منه فى نهار رمضان على الفصد وهو أخذ الدم من غير الرأس، وعلى الحجامة وهى أخذ الدم من الرأس، وقد سبق أن الجمهور يقولون بعدم بطلان الصيام بهما، لأن حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" الذى أخذ به من قال بالإفطار، لم يسلم من النقد، إن لم يكن من جهة السند فمن جهة الدلالة "نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ٢١٢، ٢١٦ ". وأما المنقول إليه فيعطى نقل الدم حكم الحقنة وقد تقدم الكلام فيها وإذا كان للعلاج لا للغذاء وأدخل عن طريق الوريد فأختار عدم بطلان الصيام، ومع ذلك أقول إن هذا المريض الذى نقل إليه الدم يحتاج إلى ما يقويه فله أن يفطر بتناول الأطعمة وعليه القضاء عند الشفاء. واختلاف آراء الفقهاء فى مثل هذه الفروع رحمة يمكن الأخذ بأيسرها عند الحاجة إليه

стр. 4261

صيام الأيام البيض وستة من شوال المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما أصل تسمية الأيام بالبيض وما هى، وهل منها الستة من شوال كما يشاع بين الناس؟ الجواب الأيام البيض موجودة فى كل شهر قمرى. وهى التى يكون القمر موجودا فيها من أول الليل إلى آخره (١٣، ١٤، ١٥) وسميت بيضا لابيضاضها ليلا بالقمر ونهارا بالشمس. وقيل لأن الله تاب فيها على آدم وبيَّض صحيفته " الزرقانى على المواهب ج ٨ ص ١٣٣ ". وجاء فى الحاوى للفتاوى للسيوطى: يقول الناس إن آدم لما أهبط من الجنة اسودَّ جلده، فأمره الله بصيامها من الشهر القمرى، فلما صام اليوم الأول ابيض ثلث جلده ولما صام اليوم الثانى ابيض الثلث الثانى، وبصيام اليوم الثالث ابيض كل جلده، وهذا القول غير صحيح، فقد ورد فى حديث أخرجه الخطيب البغدادى فى أماليه، وابن عساكر فى تاريخ دمشق من حديث ابن مسعود مرفوعا، وموقوفا من طريق آخر، وأخرجه ابن الجوزى فى الموضوعات من الطريق المرفوع، وقال إنه حديث موضوع وفى إسناده جماعة مجهولون لا يعرفون. وبصرف النظر عن كون سيدنا آدم صامها أو لم يصمها فإن الإسلام شرعَّ صيامها وجعله مندوبا ومستحبا، وجاء فى الزرقانى على المواهب المذكور سابقا أن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض فى حضر ولا سفر. ورواه النسائى. وعن حفصة أم المؤمنين: أربع لم يكن النبى ﷺ يدعهن -يتركهن - صيام عاشوراء والعشر أيام البيض من كل شهر وركعتى الفجر، رواه أحمد، وعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة أم المؤمنين: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أى أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالى من أى أيام الشهر يصوم. رواه مسلم. ثم قال الزرقانى: والحكمة فيها أنها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف أى خسوف القمر- غالبا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد من العبادة إذا وقع فإذا اتفق الكسوف صادف الذى يعتاد صيام الأيام البيض صائما، فيتهيأ له بأن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها. هذا ما جاء فى صيام الأيام البيض الثلاثة من كل شهر، أما الستة الأيام من شهر شوال فإن تسميتها بالبيض تسمية غير صحيحة، وبصرف النظر عن التسمية فإن صيامها مندوب مستحب وليس واجبا، وقد ورد فى ذلك قول النبى ﷺ "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر" رواه مسلم كما جاء فى فضلها حديث رواه الطبرانى "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ". ومعنى صيام الدهر صيام العام، وجاء بيان ذلك فى حديث النبى ﷺ فى عدة روايات لابن ماجه والنسائى وابن خزيمة فى صحيحه، ومؤداها أن الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشرة أشهر، والأيام الستة من شوال بستين يوما أى شهرين، وهما تمام السنة اثنا عشر شهرا. وهذا الفضل لمن يصومها فى شوال، سواء أكان الصيام فى أوله أم فى وسطه أم فى آخره، وسواء أكانت الأيام متصلة أم متفرقة، وإن كان الأفضل أن تكون من أول الشهر وأن تكون متصلة. وهى تفوت بفوات شوال. وكثير من السيدات يحرصن على صيامها، سواء أكان عليهن قضاء من رمضان أم لم يكن عليهن قضاء. وهذا أمر مستحب كما قرره جمهور الفقهاء ونرجو ألا يعتقدن أنه مفروض عليهن، فهو مندوب لا عقوبة فى تركه. هذا، ويمكن لمن عليه قضاء من رمضان أن يصوم هذه الأيام الستة من شوال بنية القضاء، فتكفى عن القضاء ويحصل له ثواب الستة البيض فى الوقت نفسه إذا قصد ذلك، فالأعمال بالنيات، وإذا جعل القضاء وحده والستة وحدها كان أفضل، بل إن علماء الشافعية قالوا: إن ثواب الستة يحصل بصومها قضاء حتى لو لم ينوها وإن كان الثواب أقل مما لو نواها، جاء فى حاشية الشرقاوى على التحرير للشيخ زكريا الأنصارى "ج ١ ص ٤٢٧ " ما نصه: ولو صام فيه -أى فى شوال - قضاء عن رمضان أو غيره أو نذرا أو نفلا آخر حصل له ثواب تطوعها، إذ المدار على وجود الصوم فى ستة أيام من شوال وإن لم يعلم بها أو صامها عن أحد مما مر-أى النذر أو النفل الآخر، لكن لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، ولا سيما من فاته رمضان أو صام عنه شوال، لأنه لم يصدق عليه أنه صام رمضان وأتبعه ستا من شوال. ويشبه هذا ما قيل فى تحية المسجد، وهى صلاة ركعتين لمن دخله، قالوا: إنها تحصل بصلاة الفريضة أو بصلاة أى نفل وإن لم تُنو مع ذلك، لأن المقصود وجود صلاة قبل الجلوس، وقد وجدت بما ذكر، ويسقط بذلك طلب التحية ويحصل ثوابها الخاص وإن لم ينوها على المعتمد كما قال صاحب البهجة. وفضلها بالفرض والنفل حصل، والمهم ألا ينفى نيتها، فيحصل المقصود إن نواها وإن لم ينوها. وبناء على ما تقدم يجوز لمن يجد تعبا فى قضاء ما فاته من رمضان وحرص على جعل هذا القضاء فى شوال، ويريد أن يحصل على ثواب الأيام الستة أيضا أن ينوى القضاء وصيام الستة، أو القضاء فقط دون نية الستة، وهنا تندرج السنة مع الفرض، وهذا تيسير وتخفيف لا يجوز التقيد فيه بمذهب معين ولا الحكم ببطلان المذاهب الأخرى. والحكمة فى صيام ست من شوال بعد الصيام الطويل فى شهر رمضان - والله أعلم - هى عدم انتقال الصائم فجأة من الصيام بما فيه من الإمساك المادى والأدبى إلى الانطلاق والتحرر فى تناول ما لذ وطاب متى شاء، فالانتقال الفجائى له عواقبه الجسمية والنفسية، وذلك أمر مقرر فى الحياة

стр. 4262

تاريخ تشريع الصيام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال متى وكيف شرع الصيام فى الإسلام؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ البقرة: ١٨٣، تدل هذه الآية على أمرين، أولهما أن الصيام من فرائض الإسلام وثانيهما أنه كان مفروضا فى الشرائع السماوية السابقة. أما فرضه فى الإسلام فكان على مرحلتين، الأولى صيام يوم عاشوراء، والثانية صيام رمضان، وصيام رمضان نفسه كان على مرحلتين: اختيارية وإجبارية. وبيان ذلك فيما يلى: فى حديث البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها أن يوم عاشوراء كانت تصومه قريش فى الجاهلية،وكان رسول الله ﷺ يصومه فى الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه -وذلك عندما رأى اليهود يصومونه شكرا لله على نجاة موسى وقومه من الغرق، فقال "نحن أحق بموسى منكم " كما رواه الشيخان -فلما فرض رمضان ترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وظاهر هنا أن صوم عاشوراء كان واجبا ثم نسخ وجوبه بفرض رمضان كما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض الشافعية، وقيل كان صومه مندوبا مؤكد الندب غير واجب فلما فرض رمضان بقى مندوبا ندبا غير مؤكد وهو الوجه الأشهر عند الشافعية. وبصرف النظر عن وجوبه أو ندبه، فإن صيام النبى ﷺ فى مكة ربما كان موافقة لقريش فيما بقى من شريعة سابقة كالحج، أو بإذن من الله سبحانه على أنه فعل من أفعال الخير، وصيامه فى المدينة ليس نزولا على إخبار اليهود له بسببه فقد كان يصومه قبل ذلك، ولكنه استئلاف لهم فيه مع إذن الله له، كما استألفهم باستقبال بيت المقدس وقد كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به من الخير. استمر وجوب صوم عاشوراء سنة واحدة، فقد فرض صيام رمضان فى السنة الثانية من الهجرة فى شهر شعبان لليلتين خلتا منه، وصام النبى ﷺ رمضان تسع سنوات كما قاله ابن مسعود فى رواية أبى داود والترمذى، وكما قالته عائشة أيضا فى رواية أحمد بسند جيد، وصام منها ثمانية رمضانات تسعة وعشرين يوما، وواحدا ثلاثين يوما. وصوم رمضان أخذ مرحلتين فى فرضه. الأولى مرحلة التخيير بينه وبين الفدية والثانية مرحلة الإلزام بالصيام مع استثناء بعض من لهم أعذار، والمرحلة الإلزامية أيضا كانت على صورتين، وبيان ذلك: أن قوله تعالى ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ البقرة: ١٨٤، رأى بعض العلماء أنه منسوخ، مفسرين "يطيقونه " بمعنى: يقدرون عليه فهو فى طاقتهم ووسعهم فمن قدر على الصيام ولا يريد أن يصوم فعليه أن يفعل خيرا وهو إخراج فدية طعام مسكين عن كل يوم، ومن زاد على هذا القدر، فهو خير له ومن صام ولم يخرج فدية فهو خير له. ولما جرب الناس فائدة الصيام ومرنوا عليه اختاروه على الفِطر مع الفدية، وعندما تهيأت نفوسهم لحتميته فرضه الله على كل قادر، ومن كان له عذر من مرض أو سفر فرض عليه قضاء ما أفطره، وبهذا صار التخيير منسوخا، إلا أن أقوال العلماء مضطربة فى تعيين النص الناسخ، فقال بعضهم إنه ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وقال بعضهم الآخر إنه قوله تعالى فى الآية التالية للآية التى فيها المنسوخ ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ . روى البخارى أن أصحاب محمد ﷺ قالوا: نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم فى ذلك فنسختها ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ . ولكن هنا وقفة فى مجىء الناسخ والمنسوخ فى آية واحدة نزلت فيما يبدو مرة واحدة أى دفعة واحدة لا تتجزأ، ولو كان الناسخ آية أخرى تكون قد نزلت بعد فترة لكان ذلك أقرب إلى المعقول، ولعل هذا يتفق مع قول من قال: إن الناسخ هو قوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ الموجود فى الآية التالية لآية الحكم المنسوخ. ويكون قوله تعالى ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ من مكملات التخيير لبيان أفضلية الصوم على الفطر مع الفدية. وهناك جماعة من المفسرين قالوا: إن آية ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية. . .﴾ محكمة وليست منسوخة، والمعنى أن الذين يتكلفون الصيام بمشقة شديدة كأنه طوق فى أعناقهم لا يصومون وعليهم الفدية، ومن زاد على مقدارها أو تكلف الصيام فهو خير، وهؤلاء هم كبار السن ومن فى حكمهم. ومهما يكن من شيء فإن الأمر قد استقر عند المجتهدين على أن كبار السن الذين لا يقدرون على الصيام أداء ولا قضاء، وكذلك المرضى الذين لا يرجى شفاؤهم لا يجب عليهم الصيام، وإنما الواجب عليهم هو إخراج الفدية عن كل يوم. أما المرضى الذين يرجى شفاؤهم فيرخص لهم فى الفطر وعليهم القضاء بنص الآية الكريمة ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ . هذا، وكانت مدة الصيام أول الأمر هى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا لم يفطر الصائم عند الغروب ونام لا يجوز له إذا استيقظ من نومه أن يتناول أى مفطر ويظل صائما إلى غروب شمس اليوم التالى، كما كان قربان النساء ليلا محرما على الصائمين طول الشهر، فشق عليهم ذلك فأباح الله لهم التمتع بالنساء ليلا، ومد لهم فترة الإفطار حتى مطلع الفجر، لا يؤثر على ذلك نوم ولا غيره. . . روى البخارى عن البراء قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى، وأن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما-وفى رواية كان يعمل فى النخيل بالنهار وكان صائما - فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! ! -يعنى تأسفت لنومه -فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبى ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ففرحوا فرحا شديدا.، ونزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ . وفى البخارى أيضا عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ... ﴾ والخيانة هنا ارتكاب المعصية. وجاء فى تفسير القرطبى فى رواية أبى داود أن عمر رضى الله عنه أراد امرأته فقالت: إنى نمت، فظن أنها تعلل بالنوم فباشرها، كما ذكر الطبرى أن ذلك وقع من كعب بن مالك أيضا، ولما رفع الأمر إلى النبى ﷺ نزلت هذه الآية. هذا فى تشريع الصيام فى الإسلام، أما قبل الإسلام، فقال بعض المفسرين إن تماثل صيامنا مع صيام من قبلنا هو فى أصل الوجوب وليس فى الكيفية، وقال بعضهم الآخر إن المفروض عليهم كان رمضان ولكنهم غيروا وبدلوا، والأمر لا يعدو مجرد أقوال وآراء دون سند صحيح يعتمد عليه، وقد أورد القرطبى فى تفسيره حديثا لم يبين درجته ولكن أسنده عن دغفل بن حنظلة عن النبى ﷺ قال "كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرة، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان ملك آخر فقالوا: لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا فى الربيع، فصار خمسين ". وغاية ما يعرف بعد الاطلاع على كتب التاريخ وأسفار العهد القديم والجديد أن قدماء اليهود كانوا لا يكتفون فى صيامهم بالامتناع عن الطعام والشراب من المساء إلى المساء، بل كانوا يمضون الصيام مضطجعين على الحصى والتراب فى حزن عميق، واليهود المعاصرون يصومون ستة أيام فى السنة، وأتقياؤهم يصومون شهرا كاملا، وهم الآن يفطرون كل أربع وعشرين ساعة مرة واحدة عند ظهور النجوم. والنصارى يصومون فى كل سنة أربعين يوما اقتداء بالمسيح ﵇، وكان الأصل فى صيامهم الامتناع عن الأكل والشرب بتاتا، والإفطار كل أربع وعشرين ساعة، ثم قصروه على الامتناع عن أكل كل ذى روح وما ينتج منه "مجلة الأزهر المجلد الخامس ص ٦٢٢". وذلك إلى جانب صيام آخر مندوب، وكذلك الصيام عند من ليس لهم دين سماوى، وذلك -مبسوط فى المرجع السابق

стр. 4263

صيام الصبى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لى ولد يبلغ من العمر عشر سنوات وصحته ضعيفة، ويصمم على أن يصوم، ولخوفى عليه أحاول منعه من الصيام،فهل عليَّ إثم؟ الجواب الصوم كسائر التكاليف لا يجب على المسلم إلا عند البلوغ، وذلك لحديث "رفع القلم عن ثلاث، عن الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق " رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه، ولكن بعض العلماء أوجب على الصبى إذا بلغ عشرا أن يصوم، وذلك لحديث "إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان " رواه ابن جريج، " المغنى لابن قدامة ج ٣ ص ١٦ " وكذلك قياسا على الصلاة التى أمر النبى ﷺ بضرب الغلام عليها إذا بلغ عشرا، لكن الرأى الأول هو الصحيح، وهو عدم وجوب الصوم إلا بالبلوغ. ومن هو دون العشر ليس هناك خلاف فى عدم وجوب شيء عليه من صلاة وصيام وغيرهما-إلا ما قيل فى الزكاة وسنبينه فى موضعه - ولكن مع ذلك يستحب أن يمرن على العبادات، لأن النبى ﷺ أمرنا أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع سنين، كما رواه أبو داود بإسناد حسن. وكان الصحابة يمرنون أولادهم على الصيام أيضا، روى البخارى ومسلم عن الربيِّع بنت معوِّذ بن عفراء أنهم كانوا يصومون عاشوراء، ويصوِّمون صبيانهم الصغار، ويذهبون بهم إلى المسجد، ويجعلون لهم اللعبة من الصوف، فإذا بكى أحدهم من أجل الطعام أعطوه إياها حتى يحين وقت الإفطار. وكل هذا فى الأولاد الذين يطيقون الصيام، أما من كان بهم مرض أو صحتهم ضعيفة يزيدها الصوم ضعفا فليس على الآباء والأمهات أن يأمروهم بالصيام، لكن لا ينبغى أيضا أن ينهوهم عنه، بل يتركونهم يجربون ذلك بأنفسهم، فإن أطاقوا استمروا، وإلا فإنهم سيتركونه باختيارهم. وعلى الآباء والأمهات أن يمدحوا فى أولادهم عزمهم على الصيام وأن يبينوا لهم حكمة تشريعه بلباقة وكياسة، وسيكون استمرارهم فى هذه التجربة أو عدولهم عنها باقتناع، وهذا منهج تربوى سليم

стр. 4264

السواك فى الصيام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال معلوم أن تنظيف الأسنان مطلوب شرعا فهل يتنافى ذلك مع الأحاديث التى تمدح خلوف فم الصائم؟ الجواب روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال فى ضمن حديث "والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " كما روى أبو داود والترمذى حديثا حسنا عن عامر بن ربيعة قال:"رأيت رسول الله ﷺ يتسوك ما لا أحصى وهو صائم ". استنتج الشافعى من الحديث الأول كراهة استعمال السواك للصائم -ومثله فرشاة الأسنان -وخص ذلك بما بعد الزوال، إبقاء على رائحة الفم التى مدحها النبى ﷺ . وتغير رائحة الفم ناتج عن عدم تناول الطعام والشراب، ويظهر عادة بعد الزوال، ولم يعمل الشافعى بالحديث الثانى لأنه أقل رتبة من الحديث الأول. ويؤيد رأيه حديث البيهقى "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى" والغداة أول النهار والعشى آخره. وقال الأئمة الثلاثة، مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يكره السواك للصائم مطلقا سواء قبل الزوال وبعده، ودليلهم فى ذلك هو حديث عامر بن ربيعة المذكور، وحملوا الحديث الأول الذى يمدح الخلوف على الترغيب فى التمسك بالصيام وعدم التأذى من رائحة الفم، وليس على الترغيب فى إبقاء الرائحة لذاتها، ثم قالوا: إن رائحة الفم تزول أو تقل بالمضمضة للوضوء، الذى يتكرر كثيرا، ولم يثبت نهى الصائم عنها، وقالوا أيضا: إن حديث البيهقى ضعيف كما بينه هو. وإذا لم يكن من الأئمة الأربعة إلا الشافعى الذى قال بكراهة تنظيف الأسنان أثناء الصيام بعد الزوال - فإن من كبار أئمة المذهب من لم يرتضوا ذلك. فقد قال النووى فى المجموع "ج ١ ص ٣٩" إن المختار عدم الكراهة. وقال ابن دقيق العيد معقبا على قول الشافعى: ويحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت -أى بعد الزوال -يخص به ذلك العموم - وهو حديث الخلوف -وعلى هذا فلا كراهة فى استعمال السواك فى رمضان "انظر أيضا كتاب: طرح التثريب فى شرح التقريب، للعراقى وأبى زرعة ج ٢ ص ٦٥ ". وبعد استعراض ما قيل فى السواك فى الصيام أختار القول بعدم كراهة تنظيف الأسنان بأية وسيلة، شريطة ألا يصل إلى الجوف شيء من المعجون أو الدم ونحوها ومن الأحوط استعمال ذلك ليلا

стр. 4265

صوم الحائض والنفساء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا يحرم الصوم مع العادة الشهرية للمرأة؟ الجواب أجمع الفقهاء على أمرين بالنسبة للمرأة إذا كانت حائضا أو نفساء وهما، عدم وجوب الصوم عليها، وعدم صحته إذا صامت بل على حرمة صومها. يقول الخطيب الشافعى فى كتابه الإقناع "ج١ ص ٢٠٥ " قال الإمام: وكون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه: لأن الطهارة ليست مشروطة فيه، وهل وجب عليها ثم سقط، أو لم يجب أصلا وإنما يجب القضاء بأمر جديد. وجهان أصحهما الثانى، قال فى البسيط: وليس لهذا الخلاف فائدة فقهية، وقال فى المجموع: يظهر هذا وشبهه فى الأيمان والتعاليق بأن يقوله: متى وجب عليك صوم فأنت طالق انتهى كلام الخطيب. ليس هناك دليل قولى من القرآن والسنة يحرم الصيام على المرأة عند وجود الدم فالإجماع فقط هو الدليل وحاول بعض العلماء أن يأخذ عليه دليلا من حديث الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، فقال: الأمر بقضاء الصوم يستلزم بطلانه لو حدث منها فى رمضان، لكن ليس ذلك مطردا، فإن القرآن أوجب القضاء على المريض والمسافر، ومع ذلك يجوز أن يصوم كل منهما ويقع الصوم صحيحا. فلعل عدم وجوب الصوم على المرأة مع وجود الدم تشريع سابق متعارف عليه وأقره النبى ﷺ والحكمة فى ذلك ليست بوجود الجنابة، فالجنابة بغير الدم لا تمنع الصوم ولا تبطله، فلو حدثت جنابة باتصال جنسى قبل الفجر، أو باحتلام ليلا أو نهارا، ثم استمر من عليه الحدث طول النهار بدون غسل فإن صومه صحيح وإن كانت هناك حرمة لترك الصلوات التى تحتاج إلى طهارة، وقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ "كان يصبح جنبا وهو صائم ثم يغتسل. كما أن الحكمة ليست المرض الذى يسببه نزول الدم فإن المرض لا يمنع من الصيام ويجزئ، لأن الفطر رخصة لا عزيمة، وفطر صاحبة الدم عزيمة لا رخصة. والخلاصة أن دليل بطلان الصوم ممن عليها الدم هو الإجماع، والحكمة غير متيقنة، والمتيقن هو وجوب. الإعادة عليها كما فى الصحيحين من دلالة خبرهما على العلم اليقينى فى أحكام الفروع

стр. 4266

نية الصيام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نسيت نية الصيام بالليل، ثم تذكرت بعد الفجر أننى لم أنو، فهل يصح صومى؟ الجواب النية للصوم لابد منها، ولا يصح بدونها، وأكثر الأئمة يشترط أن تكون لكل يوم نية، واكتفى بعضهم بنية واحدة فى أول ليلة من رمضان عن الشهر كله ... ووقتها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. فإذا نوى الإنسان الصيام فى أية ساعة من ساعات الليل كانت النية كافية، ولا يضره أن يأكل أو يشرب بعد النية ما دام ذلك كله قبل الفجر، روى أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجة والترمذى أن رسول الله ﷺ قال "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ". . ولا يشترط التلفظ بالنية، فإن محلها القلب، فلو عزم بقلبه على الصيام كفى ذلك. حتى لو تسحر بنية الصيام، أو شرب حتى لا يشعر بالعطش فى أثناء النهار، كان ذلك نية كافية، فمن لم يحصل منه ذلك في أثناء الليل لم يصح صومه. وعليه القضاء. هذا فى صوم رمضان أما صوم التطوع فتصح نيته نهارا قبل الزوال

стр. 4267

الصيام فى رجب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يحرص الكثيرون على صيام أول يوم من رجب، أو صيام أيام معينة منه، وبعضهم يصومه ويصوم شعبان ورمضان ثلاثة أشهر متواليات، فهل هذا مشروع؟ الجواب شهر رجب من الأشهر الحرم، والصيام فيها مندوب، كما ورد فى حديث الباهلى الذى قال له النبى ﷺ "صم من الحرم واترك " كما رواه أبو داود. والنبى ﵊ كان يرغب فى صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما فى الصحيحين، بل كان يرغب فى الصيام مطلقا. فصيام أيام من رجب مندوب بدليل هذه الأحاديث العامة ولكن لم يرد نص صحيح خاص بفضل الصيام فى أولى يوم منه أو غيره من أيامه، ومن غير الصحيح الوارد فى ذلك حديث أنس "إن فى الجنة نهرا يقال له رجب، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر" وهو حديث ضعيف. وحديث ابن عباس "من صام من رجب يوما كان كصيام شهر، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب الجحيم السبعة، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام بدلت سيئاته حسنات " وهو ضعيف أيضا كما ذكره السيوطى فى " الحاوى للفتاوى ". وصيام رجب كله مع شعبان ليكمل بهما مع رمضان ثلاثة أشهر لم يرد ما يمنعه. وإن قال بعض العلماء: إن التزام ذلك لم يكن على عهد السلف فهو مبتدع، فالأولى الصيام بقدر المستطاع مع عدم الالتزام بنذر ونحوه حتى لا يقع الصائم فى محظور

стр. 4268

تأخير قضاء الصيام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أفطرت أياما من رمضان لعذر، ولم أتمكن من قضائها حتى دخل رمضان التالى، فهل على كفارة للتأخير؟ وعند القضاء هل يجب أن يكون متواليا أم يجوز أن يكون مفرقا؟ الجواب جمهور العلماء يوجب فدية على من أخر قضاء ما فاته من رمضان حتى دخل رمضان الذى بعده، وتتأكد هذه الفدية، وهى إطعام مسكين عن كل يوم بما يكفيه غداء وعشاء، إذا كان تأخير القضاء لغير عذر، واستدلوا على هذا الحكم بحديث موقوف على أبى هريرة، أى أنه من كلامه هو، ونسبة هذا إلى رسول الله ﷺ أى رفعه إليه ضعيف، كما أن هذا الحكم مروى عن ستة من الصحابة ولم يعلم يحيى بن أكثم مخالفا لهم، منهم ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا فدية مع القضاء، وذلك لأن الله تعالى قال فى شأن المرضى والمسافرين: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ولم يأمر بفدية، والحديث المروى فى وجوبها ضعيف لا يؤخذ به. قال الشوكانى "نيل الأوطار ج ٤ ص ٣١٨" منتصرا لهذا الرأى: ليس هناك حديث ثابت عن النبى ﷺ فيها، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالتكاليف حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل هنا، فالظاهر عدم الوجوب. وقال الشافعى: إن كان تأخير القضاء لعذر فلا فدية، وإلا وجبت، وهذا الرأى وسط بين الرأيين السابقين، لكن الحديث الضعيف أو الموقوف الوارد فى مشروعية الكفارة لم يفرق بين العذر وعدمه. ولعل القول بهذا الرأى يريح النفس لمراعاته للخلاف بصورة من الصور، ثم إن قضاء رمضان واجب على التراخى وليس على الفور وإن كان الأفضل التعجيل به عند الاستطاعة فدين الله أحق بالقضاء العاجل، وثبت فى صحيح مسلم ومسند أحمد أن عائشة رضى الله عنها كانت تقض ما عليها من رمضان فى شعبان ولم تكن تقضيه فورا عند قدرتها على القضاء. ولا يلزم فى القضاء التتابع والموالاة، فقد روى الدارقطنى عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال فى قضاء رمضان "إن شاء فرق وإن شاء تابع "

стр. 4269

شهر رجب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعنا من بعض المتحدثين انهم يصفون شهر رجب بالأصم فما معنا هذه الكلمة؟ الجواب العرب فى زمانهم القديم كانوا يسمون أيام الأسبوع وشهور السنة بأسماء تختلف عن المعهود لنا عند مجىء الإسلام، وكان للجو الطبيعى والنظام القبلى دخل فى تعيين هذه الأسماء. وشهر رجب كان يسمى قديما "أحلك"-كما يقول المسعودى فى كتابه "مروج الذهب " ويقول البيرونى: إن رجب كان يسمى بالأصم، وهو أحد الأشهر الأربعة التى قال الله فيها ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ التوبة: ١٦، وهذه الأشهر الحرم قد عينها النبى ﷺ بأسمائها فى خطبته فى حجة الوداع، وقال عنها: ثلاثة سرد وواحد فرد: والثلاثة السرد هى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والفرد هو رجب. ولفظ رجب فيه معنى التعظيم، حيث كان العرب فى الجاهلية يعظمونه ولا يستحلون فيه القتال، كما لا يستحلونه فى الأشهر الثلاثة الأخرى، غير أنه لما كان وحده بعيدا عن أشهر الحج أعطوه اسما فيه معنى التعظيم حتى يتذكره الناس ولا ينسوه، وكان الكثيرون يعتمرون فيه قبل دخول موسم الحج. ولعل وصف رجب بالأصم مأخوذ من السكوت حيث لا تُسمع فيه قعقعة السلاح بالقتال ولا الصيحة بالاستنفار إليه، يقول القرطبى فى تفسيره: كانت العرب تسميه -أى رجب -منصل الأسنة، أى مخرجها من أماكنها، كانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ونصال السهام إبطالا للقتال فيه وقطعا لأسباب الفتن لحرمته، وقد ورد ذكر ذلك فى البخارى عن أبى رجاء العطاردى، واسمه عمران بن ملحان، قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة فلم ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه. وكان من عادة العرب النسىء، وهو تأخير بعض الأشهر الحرم إلى غير موعدها استعجالا للقتال، وكان للقلمس وأولاده زعامة النسىء لا يرد كلامهم وكانت ربيعة بن نزار تؤخر رجب وتجعل بدله رمضان، وكان من العرب من يحلون رجبا ويحرمون شعبان، لكن "مضر" كانت تحافظ على حرمة شهر رجب لا تستحله أبدا، وجاء ذلك فى قول النبى ﷺ فى حجة الوداع كما رواه الشيخان، وهو يخبر أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وعين الأشهر الحرم، وعند ذكر رجب قال "ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان " فأضافه إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب. قال ابن حجر فى فتح البارى: أضافه إليهم لأنهم كانوا يتمسكون بتعظيمه بخلاف غيرهم، وقد بين الرسول ﷺ موضع رجب بأنه هو ما بين جمادى وشعبان، وليس هو ما كان فى نسيئهم الذى يؤخرونه به عن موضعه الحقيقى. هذا هو شهر رجب الأصم الذى ندب الرسول ﷺ صيام ما يستطاع منه ومن غيره من الأشهر الحرم، ولم يرد فيه بخصوصه حديث باستحباب الصيام يرتقى إلى درجة الصحة

стр. 4270

كفارة الجماع فى صيام رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعنا أن هناك رأيا فيمن أفسد صومه فى رمضان بالجماع أنه لا كفارة عليه، فهل هذا صحيح، وما دليله على ذلك؟ الجواب الفقهاء الأربعة بالذات، مجمعون على أن من أفطر فى رمضان بالجماع يفسد صومه إذا كان عامدا عالما، ويجب عليه القضاء عند الجمهور، وقال الشافعى فى أحد قوليه: من لزمته الكفارة فلا قضاء عليه، استنادا إلى أن النبى ﷺ لم يأمر الأعرابى الذى أخبره بأنه جامع زوجته فى نهار رمضان بالقضاء، ويرده حديث رواه أبو داود بإسناده وابن ماجه انه ﷺ قال للمجامع " وصم يوما مكانه " ولأن إفساد يوم من رمضان بأى مفسد كالأكل والشرب يوجب القضاء، فكذلك الجماع. أما كفارة الإفساد بالجماع فهى لازمة باتفاق المذاهب الأربعة إذا كان عامدا مختارا، وذلك لحديث البخارى ومسلم عن أبى هريرة أن رجلا قال للنبى ﷺ : هلكت، قال "مالك "؟ قال: وقعت على امرأتى وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ "هل تجد رقبة تعتقها"؟ قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين "؟ قال: لا، قال "فهل تجد إطعام ستين مسكينا"؟ قال: لا، وبعد مدة أعطاه النبى عَرْقا - مكتلا أى وعاء -فيه تمر، -وأمره أن يتصدق به، فقال الرجل: على أفقر منى يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها - الجبلين - أهل بيت أفقر من أهل بيتى، فضحك الرسول حتى بدت أنيابه ثم قال "أطعمه أهلك ". لكن روى عن الشعبى والنخعى وسعيد بن جبير أنهم قالوا: لا كفارة عليه، لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها، فلا تجب فى أدائها، كالصلاة إذا فسدت وجب قضاؤها ولا تجب مع القضاء كفارة إذا فسدت فكذلك الأداء. ورد العلماء هذا بأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به، أما القضاء فهو فى الذمة، إن بطل بالجماع يوما فعليه القضاء فى يوم اَخر، ولا يصح القياس على الصلاة، لأن الصلاة لا يدخل فى جبرانها مال، والصوم يدخل فى جبرانه المال "المغنى لابن قدامة ج ٣ ص ٥٤،٥٥) وعلى ذلك فالاتفاق على وجوب الكفارة بالفطر من صيام رمضان، ولا عبرة بقول من خالف ذلك لضعف دليله بالقياس

стр. 4271

الترفيه فى رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم مشاهدة الأفلام وسماع الأغانى فى نهار رمضان؟ الجواب الحكم العام على مشاهدة الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، وسماع الأغانى، أنها إن كانت هذه المشاهدات والمسموعات تحمل كلاما باطلا أو تدعو إلى محرم، أو كانت تؤثر تأثيرا ضارا على فكر الإنسان وسلوكه، أو صرفته عن واجب، أو صاحبها محرم كشرب أو رقص أو اختلاط سافر كانت حراما، سواء أكان ذلك فى رمضان أم فى غير رمضان. فإن خلت من هذه المحاذير كان الإكثار منها مكروها، ولا بأس بالقليل منها للترويح. وشهر رمضان له طابع خاص، فهو قائم على صيام النفس عن شهواتها والتدريب على سيطرة العقل على رغباتها، وليس ذلك بالامتناع فقط عن الأكل والشرب والشهوة الجنسية، فذلك هو الحد الأدنى للصيام، لا يكتفي به إلا العامة الذين يعملون فقط لأجل النجاة من العقاب، مع القناعة بالقليل من الثواب، أما غيرهم فيحرصون على الكمال فى كل العبادات، فيمسكون عن كل شهوات النفس وبخاصة ما حرم الله، كالكذب والغيبة، ويسمو بعضهم فى الكمال فيصوم حتى عن الحلال، مقبلا على الطاعة فى هذا الشهر بالذات. ليخرج منه صافى النفس والسلوك من الرذائل، متحليا بالفضائل. فلا ينبغى أن نضيع فرصة هذا الشهر الذى يضاعف فيه ثواب الطاعة، بصيام نهاره وقيام ليله بالتراويح وقراءة القرآن. وضياع جزء كبير من الوقت فى مشاهدة وسماع أنواع الترفيه خسارة للمؤمن العاقل، وعلى المسئولين جميعا أن يراعوا حرمة هذا الشهر، فيهيئوا الفرصة للصائمين والقائمين أن يتقربوا إلى الله بالطاعات بدل هذا اللهو الذى مللناه طول العام. ومهما يكن من شىء فإن مشاهدة وسماع هذه الأشياء لا يبطل الصيام إلا إذا حدث أثر جنسى بسببها، ومع عدم البطلان فاتت فرص كثيرة لشغل الوقت بالعبادة وقراءة القرآن وسماع البرامج الدينية، يقول النبى ﷺ فيما رواه الطبرانى "أتاكم رمضان شهر بركة، لم يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه ويباهى بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقى من حرم فيه رحمة الله ". فليكن تنافسنا فى رمضان فى الخير لا فى اللهو ولا فى الإقبال على الملذات

стр. 4272

فوانيس رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يمكن معرفة سبب الظاهرة المنتشرة فى البلاد المصرية، وهى الفوانيس التى يحملها الأطفال فى شهر رمضان مع نشيد تقليدى مضت عليه سنوات طويلة؟ الجواب من بعض ما قيل بخصوص فوانيس رمضان أنها عرفت مع بداية العصر الفاطمى فى مصر، ففى يوم ١٥ من رمضان سنة ٣٦٢ هجرية (٩٧٢ م) وصل المعز لدين الله إلى مشارف القاهرة ليتخذها عاصمة لدولته، وخرج سكانها لاستقباله عند صحراء الجيزة ومعهم الفوانيس الملونة، حتى وصل إلى قصر الخلافة، ومن يومها صارت الفوانيس من مظاهر الاحتفال برمضان وهناك قصة أخرى تقول: فى عهد الحاكم بأمر الله الفاطمى كان محرما على نساء القاهرة الخروج ليلا، فإذا جاء رمضان سمح لهن بالخروج، بشرط أن يتقدم السيدة أو الفتاة صبى صغير يحمل فى يده فانوسا مضاء، ليعلم المارة فى الطرقات أن إحدى النساء تمر، فيفسحوا لها الطريق، وبعد ذلك اعتاد الأولاد حمل هذه الفوانيس فى رمضان "الأهرام ٢٩/٤/١٩٨٧، ٧/٤/١٩٩٢م ". ويقول د. حسين مجيب المصرى: ظهور فانوس رمضان ارتبط بالمسحراتى، ولم يكن يقاد فى المنازل، بل كان يعلق فى منارة الجامع إعلانا لحلول وقت السحور. ويقول ابن بطوطة فى وصف - الاحتفال برمضان فى الحرم المكى: كانوا يعلقون قنديلين للسحور، ليراهما من لم يسمع الأذان ليتسحر "الأخبار ١٨/ ٤/ ١٩٨٨". والحكم الشرعى فيها الإباحة، لعدم ورود ما يمنعها، وإذا قصد بها الفرح بقدوم رمضان، أو الإعلام بوقت السحور فقد ترقى إلى درجة المستحب، والأعمال بالنيات

стр. 4273

كنافة رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لماذا يحرص كثير من الناس فى رمضان على أكل الكنافة وأنواع الحلوى الأخرى؟ الجواب الكنافة لون من ألوان الطعام الحلال لا حرمة فى تناوله كسائر الأطعمة الحلال، التى ينبغى الاعتدال فيها مع شكر الله عليها كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ المائدة: ٨٧، وكانت مما يقدمه خلفاء مصر الفاطميون على موائد الإفطار فى رمضان، وصارت من المظاهر الواضحة فى هذا الشهر، هى ومثيلاتها من القطايف والزلابية. يقول بعض الكتاب: بلغ من شهرة هذه الأصناف أن جلال الدين السيوطى جمع ما قيل فى الكنافة والقطايف فى كتاب سماه "منهل اللطائف فى الكنافة والقطايف " والكنافة - كما يقول ابن فضل الله العمرى - أول من اتخذها من العرب معاوية بن أبى سفيان، وكان يأكلها فى السحور، وفيها يقول الشاعر الفكه أبو الحسين الجزار المصرى: سقى الله أكناف الكنافة بالقطر * وجاد عليها سكر دائم الدر وتبا لأوقات المخلل إنها * تمر بلا نفع وتحسب من عمرى والقطايف سميت بذلك تشبيها بخمل القطيفة التى تفرش. وفى القاموس: القطائف المأكولة لا يعرفها العرب، وفيها يقول الصفدى: أتانى صحن من قطائفك التى * غدت وهى روض قد تبلل بالقطر ولا غرو إن صدقت حلو حديثها * وسكرها يرويه لى عن أبى ذر يريد بأبى ذر: السكر المسحوق. أما الزلابية فلم يكثر فيها الشعراء من الوصف مع إنها عربية، لوجودها فى رجز قديم، يقول ابن الرومى فى وصفها ووصف صانعها: ومستقر على كرسيه تعب * روحى الغداء له من منصب تعب رأيته سحرا يقلى زلابية * فى رقة القشر والتجويف كالقصب يلقى العجين لجينا من أنامله * فيستحيل شبابيكا من الذهب " مجلة الهداية - البحرين - رمضان١٤٠٩ هـ (أبريل ١٩٨٩ م) "

стр. 4274

صيام الأمم السابقة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل فرض صوم رمضان على أمم أخرى قبل أمة محمد ﷺ ؟ الجواب الصيام بوجه عام فرض على غير المسلمين من الأمم السابقة كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ البقرة: ١٨٣، وليس فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية بيان كيفية صيام السابقين، وإن كانت الآية تقول عن مريم ﵍ كما أمرها الله ﴿فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ مريم: ٢٦، وهو ظاهر فى الإمساك عن الكلام وقد يكون عن أشياء أخرى. وأخبر الحديث المتفق عليه أن داود كان يصوم يوما ويفطر يوما. والصوم فى الإسلام إمساك عن الطعام والشراب والشهوة الجنسية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وصوم الأمم السابقة مختلف فى موقعه من شهور السنة وفى مدته وفى كيفيته. وعرفنا من صيام السابقين صوم عاشوراء عند اليهود شكرا لله على نجاة موسى ﵇ من الغرق كما ثبت فى الحديث الصحيح، وما سوى ذلك يعرف من كتبهم، واليهود المعاصرون يصومون ستة أيام فى السنة، وأتقياؤهم يصومون شهرا، وهم يفطرون كل أربع وعشرين ساعة مرة واحدة عند ظهور النجوم، ويصومون اليوم التاسع من شهر "آب "كل سنة فى ذكرى خراب هيكلى أورشيلم. والنصارى يصومون كل سنة أربعين يوما، وكان الأصل فى صيامهم الامتناع عن الأكل بتاتا، والإفطار كل أربع وعشرين ساعة، ثم قصروه على الامتناع عن أكل كل ذى روح وما ينتج منه، وعندهم صوم الفصول الأربعة، وهو صيام ثلاثة أيام من كل منها، وصيام الأربعاء والجمعة تطوعا لا فرضا. جاءت فى تفسير ابن كثير أقوال عن بعض الصحابة والتابعين أن صيام السابقين كان ثلاثة أيام من كل شهر ولم يزل مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان، كما ذكر حديثا عن ابن عمر مرفوعا أن صيام رمضان كتبه الله على الأمم السابقة. وجاء فى تفسير القرطبى أن الشعبى وقتادة وغيرهما قالوا: إن الله كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا وزاد أحبارهم عليه عشرة أيام، ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد فى صومهم عشرة أيام ففعل، فصار صوم النصارى خمسين يوما، فصعب عليهم فى الحر فنقلوه إلى الربيع، واختار النحاس هذا القول، وفيه حديث عن دغفل بن حنظلة عن النبى ﷺ . ثم ذكر أقوالا فى أن تشبيه صيامنا بصيام السابقين هو فى فرضيته وليس فى صفته ولا فى مدته. ومن مراجعة كتب التاريخ وأسفار العهد القديم والجديد رأينا أن قدماء اليهود كانوا لا يكتفون فى صيامهم بالامتناع عن الطعام والشراب من المساء إلى المساء، بل كانوا يمضون الصيام مضطجعين على الحصا والتراب فى حزن عميق. وفى سفر الخروج أن موسى ﵇ كان هناك عند الرب أربعين نهارا وأربعين ليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء، وفى إنجيل متى أن المسيح صام أربعين يوما فى البرية. وجاء فى كلام النبى حزقيال أن صيامه كان عن اللحوم وما ينتج عن الحيوان، وكان النبي دانيال يمتنع عن اللحوم وعن الأطعمة الشهية مدة ثلاثة أسابيع، وجاء فى الترجمة السبعينية أن داود قال: ركبتاى ضعفتا من الصوم، ولحمى تغير من أكل الزيت. والذين لا يدينون بدين سماوى كان عندهم صيام كالبراهمة والبوذيين فى الهند والتبت، ومن طقوسهم فى نوع منه الامتناع عن تناول أى شىء حتى ابتلاع الريق لمدة أربع وعشرين ساعة، وقد يمتد ثلاثة أيام لا يتناولون كل يوم إلا قدحا من الشاى، وكان قساوسة جزيرة كريت فى اليونان القديمة لا يأكلون طول حياتهم لحما ولا سمكا ولا طعاما مطبوخا، وفى مقال محمد فريد وجدى صور أخرى عن صيام السابقين "مجلة الأزهر المجلد الخامس ص ٦٢٢ ". هذه بعض الصور عن صوم أصحاب الأديان السماوية السابقة وغيرهم ممن لا يدينون بدين سماوى، لا يعنينا منها صدقها وصحتها، بقدر ما يعنينا أن الصيام بأية صورة من الصور كان موجودا قبل الإسلام، وهل فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أو فرض صيام غيره؟ ليس فيه خبر صحيح

стр. 4275

اسم رمضان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما صحة القول بأن اسم رمضان من أسماء الله الحسنى، ولماذا سمى بهذا الاسم؟ الجواب جاء فى "المواهب اللدنية" للقسطلانى وشرحها للزرقانى أن لفظ رمضان مشتق من الرمض وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور، وافق أن الشهر المذكور شديد الحر، كما سمى الربيعان لموافقتهما زمن الربيع، أو لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها، وهذا القول ضيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع الذى عرف منه أنه يرمض الذنوب. وفى تفسير القرطبى: قيل هو من رمضت النصل رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق،ومنه نصل رميض ومرموض وسمى الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فى رمضان ليحاربوا بها فى شوال قبل دخول الأشهر الحرم، وحكى الماوردى أن اسمه فى الجاهلية "ناتق ". وفى القرطبى أيضا أن مجاهدا كان يقول: بلغنى أنه اسم من أسماء الله، وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى-يعنى لا يقال رمضانات - ويحتج بما روى "رمضان اسم من أسماء الله تعالى" وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبى معشر نجيح، وهو ضعيف وبذلك ينتفى كونه من أسماء الله الحسنى المنصوص عليها فى القرآن والسنة والمأثورات الإسلامية. انتهى
следующие страницы →