Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
الترفيه فى رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم مشاهدة الأفلام وسماع الأغانى فى نهار رمضان؟
الجواب
الحكم العام على مشاهدة الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، وسماع الأغانى، أنها إن كانت هذه المشاهدات والمسموعات تحمل كلاما باطلا أو تدعو إلى محرم، أو كانت تؤثر تأثيرا ضارا على فكر الإنسان وسلوكه، أو صرفته عن واجب، أو صاحبها محرم كشرب أو رقص أو اختلاط سافر كانت حراما، سواء أكان ذلك فى رمضان أم فى غير رمضان. فإن خلت من هذه المحاذير كان الإكثار منها مكروها، ولا بأس بالقليل منها للترويح.
وشهر رمضان له طابع خاص، فهو قائم على صيام النفس عن شهواتها والتدريب على سيطرة العقل على رغباتها، وليس ذلك بالامتناع فقط عن الأكل والشرب والشهوة الجنسية، فذلك هو الحد الأدنى للصيام، لا يكتفي به إلا العامة الذين يعملون فقط لأجل النجاة من العقاب، مع القناعة بالقليل من الثواب، أما غيرهم فيحرصون على الكمال فى كل العبادات، فيمسكون عن كل شهوات النفس وبخاصة ما حرم الله، كالكذب والغيبة، ويسمو بعضهم فى الكمال فيصوم حتى عن الحلال، مقبلا على الطاعة فى هذا الشهر بالذات.
ليخرج منه صافى النفس والسلوك من الرذائل، متحليا بالفضائل.
فلا ينبغى أن نضيع فرصة هذا الشهر الذى يضاعف فيه ثواب الطاعة، بصيام نهاره وقيام ليله بالتراويح وقراءة القرآن.
وضياع جزء كبير من الوقت فى مشاهدة وسماع أنواع الترفيه خسارة للمؤمن العاقل، وعلى المسئولين جميعا أن يراعوا حرمة هذا الشهر، فيهيئوا الفرصة للصائمين والقائمين أن يتقربوا إلى الله بالطاعات بدل هذا اللهو الذى مللناه طول العام.
ومهما يكن من شىء فإن مشاهدة وسماع هذه الأشياء لا يبطل الصيام إلا إذا حدث أثر جنسى بسببها، ومع عدم البطلان فاتت فرص كثيرة لشغل الوقت بالعبادة وقراءة القرآن وسماع البرامج الدينية، يقول النبى ﷺ فيما رواه الطبرانى "أتاكم رمضان شهر بركة، لم يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه ويباهى بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقى من حرم فيه رحمة الله ". فليكن تنافسنا فى رمضان فى الخير لا فى اللهو ولا فى الإقبال على الملذات
стр. 4272
فوانيس رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يمكن معرفة سبب الظاهرة المنتشرة فى البلاد المصرية، وهى الفوانيس التى يحملها الأطفال فى شهر رمضان مع نشيد تقليدى مضت عليه سنوات طويلة؟
الجواب
من بعض ما قيل بخصوص فوانيس رمضان أنها عرفت مع بداية العصر الفاطمى فى مصر، ففى يوم ١٥ من رمضان سنة ٣٦٢ هجرية (٩٧٢ م) وصل المعز لدين الله إلى مشارف القاهرة ليتخذها عاصمة لدولته، وخرج سكانها لاستقباله عند صحراء الجيزة ومعهم الفوانيس الملونة، حتى وصل إلى قصر الخلافة، ومن يومها صارت الفوانيس من مظاهر الاحتفال برمضان وهناك قصة أخرى تقول: فى عهد الحاكم بأمر الله الفاطمى كان محرما على نساء القاهرة الخروج ليلا، فإذا جاء رمضان سمح لهن بالخروج، بشرط أن يتقدم السيدة أو الفتاة صبى صغير يحمل فى يده فانوسا مضاء، ليعلم المارة فى الطرقات أن إحدى النساء تمر، فيفسحوا لها الطريق، وبعد ذلك اعتاد الأولاد حمل هذه الفوانيس فى رمضان "الأهرام ٢٩/٤/١٩٨٧، ٧/٤/١٩٩٢م ".
ويقول د. حسين مجيب المصرى: ظهور فانوس رمضان ارتبط بالمسحراتى، ولم يكن يقاد فى المنازل، بل كان يعلق فى منارة الجامع إعلانا لحلول وقت السحور. ويقول ابن بطوطة فى وصف - الاحتفال برمضان فى الحرم المكى: كانوا يعلقون قنديلين للسحور، ليراهما من لم يسمع الأذان ليتسحر "الأخبار ١٨/ ٤/ ١٩٨٨".
والحكم الشرعى فيها الإباحة، لعدم ورود ما يمنعها، وإذا قصد بها الفرح بقدوم رمضان، أو الإعلام بوقت السحور فقد ترقى إلى درجة المستحب، والأعمال بالنيات
стр. 4273
كنافة رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا يحرص كثير من الناس فى رمضان على أكل الكنافة وأنواع الحلوى الأخرى؟
الجواب
الكنافة لون من ألوان الطعام الحلال لا حرمة فى تناوله كسائر الأطعمة الحلال، التى ينبغى الاعتدال فيها مع شكر الله عليها كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ المائدة: ٨٧، وكانت مما يقدمه خلفاء مصر الفاطميون على موائد الإفطار فى رمضان، وصارت من المظاهر الواضحة فى هذا الشهر، هى ومثيلاتها من القطايف والزلابية.
يقول بعض الكتاب: بلغ من شهرة هذه الأصناف أن جلال الدين السيوطى جمع ما قيل فى الكنافة والقطايف فى كتاب سماه "منهل اللطائف فى الكنافة والقطايف " والكنافة - كما يقول ابن فضل الله العمرى - أول من اتخذها من العرب معاوية بن أبى سفيان، وكان يأكلها فى السحور، وفيها يقول الشاعر الفكه أبو الحسين الجزار المصرى:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر * وجاد عليها سكر دائم الدر وتبا لأوقات المخلل إنها * تمر بلا نفع وتحسب من عمرى والقطايف سميت بذلك تشبيها بخمل القطيفة التى تفرش. وفى القاموس:
القطائف المأكولة لا يعرفها العرب، وفيها يقول الصفدى:
أتانى صحن من قطائفك التى * غدت وهى روض قد تبلل بالقطر ولا غرو إن صدقت حلو حديثها * وسكرها يرويه لى عن أبى ذر يريد بأبى ذر: السكر المسحوق.
أما الزلابية فلم يكثر فيها الشعراء من الوصف مع إنها عربية، لوجودها فى رجز قديم، يقول ابن الرومى فى وصفها ووصف صانعها:
ومستقر على كرسيه تعب * روحى الغداء له من منصب تعب رأيته سحرا يقلى زلابية * فى رقة القشر والتجويف كالقصب يلقى العجين لجينا من أنامله * فيستحيل شبابيكا من الذهب " مجلة الهداية - البحرين - رمضان١٤٠٩ هـ (أبريل ١٩٨٩ م) "
стр. 4274
صيام الأمم السابقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل فرض صوم رمضان على أمم أخرى قبل أمة محمد ﷺ ؟
الجواب
الصيام بوجه عام فرض على غير المسلمين من الأمم السابقة كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ البقرة: ١٨٣، وليس فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية بيان كيفية صيام السابقين، وإن كانت الآية تقول عن مريم ﵍ كما أمرها الله ﴿فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ مريم: ٢٦، وهو ظاهر فى الإمساك عن الكلام وقد يكون عن أشياء أخرى. وأخبر الحديث المتفق عليه أن داود كان يصوم يوما ويفطر يوما.
والصوم فى الإسلام إمساك عن الطعام والشراب والشهوة الجنسية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وصوم الأمم السابقة مختلف فى موقعه من شهور السنة وفى مدته وفى كيفيته.
وعرفنا من صيام السابقين صوم عاشوراء عند اليهود شكرا لله على نجاة موسى ﵇ من الغرق كما ثبت فى الحديث الصحيح، وما سوى ذلك يعرف من كتبهم، واليهود المعاصرون يصومون ستة أيام فى السنة، وأتقياؤهم يصومون شهرا، وهم يفطرون كل أربع وعشرين ساعة مرة واحدة عند ظهور النجوم، ويصومون اليوم التاسع من شهر "آب "كل سنة فى ذكرى خراب هيكلى أورشيلم.
والنصارى يصومون كل سنة أربعين يوما، وكان الأصل فى صيامهم الامتناع عن الأكل بتاتا، والإفطار كل أربع وعشرين ساعة، ثم قصروه على الامتناع عن أكل كل ذى روح وما ينتج منه، وعندهم صوم الفصول الأربعة، وهو صيام ثلاثة أيام من كل منها، وصيام الأربعاء والجمعة تطوعا لا فرضا.
جاءت فى تفسير ابن كثير أقوال عن بعض الصحابة والتابعين أن صيام السابقين كان ثلاثة أيام من كل شهر ولم يزل مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان، كما ذكر حديثا عن ابن عمر مرفوعا أن صيام رمضان كتبه الله على الأمم السابقة.
وجاء فى تفسير القرطبى أن الشعبى وقتادة وغيرهما قالوا: إن الله كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا وزاد أحبارهم عليه عشرة أيام، ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد فى صومهم عشرة أيام ففعل، فصار صوم النصارى خمسين يوما، فصعب عليهم فى الحر فنقلوه إلى الربيع، واختار النحاس هذا القول، وفيه حديث عن دغفل بن حنظلة عن النبى ﷺ .
ثم ذكر أقوالا فى أن تشبيه صيامنا بصيام السابقين هو فى فرضيته وليس فى صفته ولا فى مدته.
ومن مراجعة كتب التاريخ وأسفار العهد القديم والجديد رأينا أن قدماء اليهود كانوا لا يكتفون فى صيامهم بالامتناع عن الطعام والشراب من المساء إلى المساء، بل كانوا يمضون الصيام مضطجعين على الحصا والتراب فى حزن عميق.
وفى سفر الخروج أن موسى ﵇ كان هناك عند الرب أربعين نهارا وأربعين ليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء، وفى إنجيل متى أن المسيح صام أربعين يوما فى البرية.
وجاء فى كلام النبى حزقيال أن صيامه كان عن اللحوم وما ينتج عن الحيوان، وكان النبي دانيال يمتنع عن اللحوم وعن الأطعمة الشهية مدة ثلاثة أسابيع، وجاء فى الترجمة السبعينية أن داود قال: ركبتاى ضعفتا من الصوم، ولحمى تغير من أكل الزيت.
والذين لا يدينون بدين سماوى كان عندهم صيام كالبراهمة والبوذيين فى الهند والتبت، ومن طقوسهم فى نوع منه الامتناع عن تناول أى شىء حتى ابتلاع الريق لمدة أربع وعشرين ساعة، وقد يمتد ثلاثة أيام لا يتناولون كل يوم إلا قدحا من الشاى، وكان قساوسة جزيرة كريت فى اليونان القديمة لا يأكلون طول حياتهم لحما ولا سمكا ولا طعاما مطبوخا، وفى مقال محمد فريد وجدى صور أخرى عن صيام السابقين "مجلة الأزهر المجلد الخامس ص ٦٢٢ ".
هذه بعض الصور عن صوم أصحاب الأديان السماوية السابقة وغيرهم ممن لا يدينون بدين سماوى، لا يعنينا منها صدقها وصحتها، بقدر ما يعنينا أن الصيام بأية صورة من الصور كان موجودا قبل الإسلام، وهل فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أو فرض صيام غيره؟ ليس فيه خبر صحيح
стр. 4275
اسم رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما صحة القول بأن اسم رمضان من أسماء الله الحسنى، ولماذا سمى بهذا الاسم؟
الجواب
جاء فى "المواهب اللدنية" للقسطلانى وشرحها للزرقانى أن لفظ رمضان مشتق من الرمض وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور، وافق أن الشهر المذكور شديد الحر، كما سمى الربيعان لموافقتهما زمن الربيع، أو لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها، وهذا القول ضيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع الذى عرف منه أنه يرمض الذنوب.
وفى تفسير القرطبى: قيل هو من رمضت النصل رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق،ومنه نصل رميض ومرموض وسمى الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فى رمضان ليحاربوا بها فى شوال قبل دخول الأشهر الحرم، وحكى الماوردى أن اسمه فى الجاهلية "ناتق ".
وفى القرطبى أيضا أن مجاهدا كان يقول: بلغنى أنه اسم من أسماء الله، وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى-يعنى لا يقال رمضانات - ويحتج بما روى "رمضان اسم من أسماء الله تعالى" وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبى معشر نجيح، وهو ضعيف وبذلك ينتفى كونه من أسماء الله الحسنى المنصوص عليها فى القرآن والسنة والمأثورات الإسلامية. انتهى
стр. 4276
النوم فى نهار رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل كثرة النوم فى نهار رمضان تبطل الصيام، مع المحافظة على أداء الصلوات؟
الجواب
شهر رمضان شهر عبادة ليلا ونهارا، أما بالليل فبالقيام بصلاة التراويح وقراءة القرآن وأما بالنهار فبالصيام، والجزاء على ذلك وردت فيه نصوص كثيرة، وفى حديث واحد جمع ثواب الصيام والقرآن فقال ﷺ "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعنى فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعنى فيه، فيشفعان " رواه أحمد والطبرانى والحاكم وصححه، ولو نام الصائم طول النهار فصيامه صحيح، وليس حراما عليه أن ينام كثيرا ما دام يؤدى الصلوات فى أوقاتها، وقد يكون النوم مانعا له من التورط فى أمور لا تليق بالصائم، وتتنافى مع حكمة مشروعية الصيام، وهى جهاد النفس ضد الشهوات والرغبات التى من أهمها شهوتا البطن والفرج، ويدخل فى الجهاد عدم التورط فى المعاصى مثل الكذب والزور والغيبة فقد صح فى الحديث "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخارى. .
هذا، ولم يصح عن النبى ﷺ أنه قال: نوم الصائم عبادة
стр. 4277
صوم يوم عرفة للحاج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صيام يوم عرفة سنة للحاج ولغير الحاج؟
الجواب
روى مسلم وأصحاب السنن أن النبى ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة فقال "يكفّر السنة الماضية والباقية" هذا أصح ما ورد فى فضل الصوم يوم عرفة، وجاءت روايات أخرى إسنادها حسن أى أقل من درجة هذا الحديث تفيد أن صوم يوم عرفة يعدل صيام سنة كما رواه النسائى أو صيام سنتين كما رواه الطبراني، أو صيام ألف يوم، كما روى أن بعضهم كان يرش عليه الماء وهو صائم، لما يعافي من شدة الحر، حرصا على ثوابه. لكن ذلك لغير الحاج الواقف بعرفة، فقد روى أبو داود والنسائي وابن خزيمة فى صحيحه والطبرانى أن النبى ﷺ نهى عن صومه، وإن كان هذا النهى ليس للتحريم، بل للكراهة، ولذلك اختلف الفقهاء،فقال الشافعى: يسن الفطر فيه ليقوى الحاج على الدعاء، وقال أحمد: إن قدر الحاج على الصوم صام، وإن أفطر فذلك يوم يحتاج فيه إلى القوة.
ومهما يكن من شيء فإن الأولى الاقتداء بالنبى ﷺ فقد ثبت أنه لم يصم هذا اليوم فى حجة الوداع. روى البخارى ومسلم عن أم الفضل أنهم شكوا فى صوم رسول الله ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن فشرب وهو يخطب الناس بعرفة، وثبت أنه قال "إن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا - أهل الإسلام - وهى أيام أكل وشرب " رواه أحمد وأصحاب السنن وابن ماجه.
نعم،إن الواقفين بعرفة فى ضيافة الله، حيث يباهى بهم ملائكته، ويشهدهم أنه غفر لهم، وذلك عيد عظيم من لوازمه البهجة والسرور كما نلاحظ أن فى الوقوف والإفاضة جهدا كبيرا يحتاج إلى قوة يساعد عليها الفطر، وذلك تخفيف من الله ورحمة
стр. 4278
المسافر والصيام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يشترط للمسافر الذى يريد أن يفطر فى رمضان أن يكون سفره قبل الفجر ولمسافة طويلة؟ وهل يجوز للصائم أن يفطر إذا اضطر إلى سفر مفاجئ؟
الجواب
جمهور الفقهاء على أن المسافر الذى يجوز له الفطر فى رمضان لابد أن يطلع عليه الفجر وهو مسافر، وأن يكون سفره طويلا "حوالى ثمانين كيلو مترا" حتى لو كان السفر مريحا، كالسفر بالطائرة، فيجوز له الفطر، فإذا كان قصيرا فلا يجوز له الفطر وإذا طلع عليه الفجر وهو غير مسافر وسافر بعده فلا يجوز له الفطر عند جمهور الفقهاء، وأجاز أحمد بن حنبل الفطر للمسافر مطلقا حتى لو كان السفر بعد الزوال، ولا مانع من تقليد هذا المذهب إذا كان فى الصوم مشقة.
ثم قال العلماء: إذا بيَّت نية الصيام فى السفر يجوز له الفطر ولا إثم عليه، وعليه القضاء وهو مذهب الشافعية والحنابلة، ومنعه المالكية وأوجبوا عليه القضاء والكفارة إذا أفطر، كما منعه الحنفية وأوجبوا عليه القضاء دون الكفارة. أما الأفضلية للمسافر فى الصوم أو الفطر فقد قال الحنفية والشافعية: إن الصوم أفضل، وهو مندوب ما دام لا يشق عليه، فإن شق عليه كان الفطر أفضل، وإذا ترتب على الصوم خطر على نفسه أو تعطيل منفعة كان الفطر واجبا، وقال المالكية:
يندب للمسافر الصوم ولو تضرر بأن حصلت له مشقة-وقال الحنابلة:
يسن له الفطر ويكره الصوم ولو لم يجد مشقة، وذلك لحديث "ليس من البر الصيام فى السفر"
стр. 4279
تقديم الفطر على صلاة المغرب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هناك نصوص تدعو إلى المبادرة بالإفطار عند غروب الشمس ونصوص أخرى تدعو إلى المبادرة بصلاة المغرب، فكيف يمكن الجمع بين هذه النصوص؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ كان فى سفر مع أصحابه فى رمضان، فلما غابت الشمس طلب من بلال أن يعد لهم طعام الإفطار، فلما أعده شرب النبى ﷺ ثم أشار بيده "إذا غابت الشمس من هاهنا وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم" أى حل له الفطر. فإذا غاب قرص الشمس حل الفطر حتى لو كان الشفق مضيئا.
وروى أبو داود عن أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ كان يفطر قبل أن يصلى المغرب، وفطره كان على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد فعلى ماء، وهذا الإفطار الخفيف المحتوى على بعض السكريات له فوائده الطبية العظيمة.
يقول ابن القيم: وإنما خص النبى ﷺ الفطر بما ذكر لأن إعطاء الطبيعة الشىء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به لاسيما قوة البصر. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإن رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى للظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده.
وقد صح عن النبى ﷺ فما رواه البخارى ومسلم أنه قال "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" وفيما رواه أحمد والترمذى يقول الله : إن أحب عبادى إلىَّ أعجلهم فطرا" فإذا تحقق الصائم غروب الشمس بادر بالإفطار الخفيف المحتوى على ماده سكرية، لأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة.
ويؤخذ من هذا أن تقديم الفطر على صلاة المغرب هو هدى النبى ﷺ لكن ليس معنى هذا أن يفطر الإنسان إفطارا كاملا ويستغرق فيه وقتا طويلا ثم يقوم لصلاة المغرب آخر وقتها، لأن الصلاه فى أول وقتها من أفضل الأعمال. وصلاة المغرب بالذات وقتها ضيق، وقد قال النبى ﷺ فيما رواه أحمد وأبو داود "لا تزال أمتى بخير - أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم " فلأجل الحرص على الفضيلتين - وهما تعجيل الفطر وتعجيل صلاة المغرب -يكون الإفطار خفيفا جدًّا على شراب أو طعام حلو أو ماء، ثم تُصلَّى صلاة المغرب، ثم يكمل الإفطار بعد ذلك فى طمأنينة وراحة بال
стр. 4280
نوم الصائم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول: نوم الصائم عبادة؟
الجواب
جاء فى تخريج العراقى لأحاديث "إحياء علوم الدين للغزالى" أن هذا الحديث موجود فى "أمالى ابن منده" من رواية ابن المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر بسند ضعيف، ولعله عبد الله بن عمرو، فإنهم لم يذكروا لابن المغيرة رواية إلا عنه. ورواه أبو منصور الديلمى فى "مسند الفردوس" من حديث عبد الله بن أبى أوفى، وفيه سليمان ابن عمرو النخعى أحد الكذابين.
يؤخذ من هذا أن الحديث ليس صحيحا ولا حسنا عن النبى ﷺ فهو إما ضعيف وإما موضوع، وبصرف النظر عن سند الحديث فهناك وجهتا نظر عند تفسيره، وجهة تقول: إن الصائم الذى يتعرض أثناء صيامه لأمور تتنافى مع حكمة الصيام بسبب اندماجه مع المجتمع، كالكذب والغيبة والنظر المحرم وغير ذلك سيكفه نومه بالنهار عن هذه الأمور المنكرة، وذلك صورة من صور العبادة، فهو عبادة سلبية كالصدقة التى قال النبى ﷺ فى وجوبها على كل مسلم لا يجد ما يتصدق به ولا معونة من أى نوع كان "فليمسك عن الشر، فإن إمساكه عن الشر صدقة" رواه البخارى ومسلم، ومن هنا يكون نومه صوابا وعبادة.
ومن وجهة نظر أخرى، الصائم الذى يؤثر النوم على العمل الإِيجابى المنتج مخالف لأوامر الدين، فى وجوب استغلال طاقة الإِنسان فى عمل الخير، ومخالف كذلك للأوامر الدينية التى تنفر من العجز والكسل، فالنبى ﷺ أمر بالاستعاذة منهما أبا أمامة حتى يذهب الله همه ويقضى دينه كما رواه أبو داود، فالإِسلام دين حركة وعمل وإنتاج، والصائم يمكنه ذلك فى حدود الوسع والطاقة، ولم يقف الصحابة عن العمل وهم صائمون، بل وقعت كبريات الغزوات فى شهر رمضان، وعلى رأسها غزوة بدر، والفتح الأعظم لمكة المكرمة، وإذا كانت بعض الدول تخفف من العمل فى شهر الصيام فلا يجوز أن يستغل ذلك لمزيد من الكسل والتهاون، والعمل الصالح فى ظل الصيام له ثوابه الجزيل "انظر ص ٥١٠ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى" ومن هنا يكون نوم الصائم خطأ وليس عبادة
стр. 4281
القبلة فى الصيام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تقبيل الرجل لزوجته يبطل الصيام؟
الجواب
روى البخارى ومسلم وأصحاب السنن من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقبِّل بعض أزواجه وهو صائم وكان أملككم لإربه، وبعض الأزواج هو عائشة أو أم سلمة لرواية الحادثة عن كل منهما، ومعنى أملككم لإربه، أنه أقدركم على منع نفسه عن المباشرة الجنسية. وجاء فى رواية البيهقى عن عائشة أنه كان يقبِّلها وهو صائم ويمص لسانها. وروى مالك فى الموطأ أن عائشة بنت طلحة ابن عبيد الله وكانت فائقة الجمال ثقة روى لها الستة كانت عند عائشة -أم المؤمنين- فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك -زوجك- فتلاعبها وتقبِّلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم.
وروي أن عمر بن الخطاب قال: هششت فقبَّلت وأنا صائم، فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، قال "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم"؟ قلت: لا بأس به، قال " فَمَهْ " رواه أبو داود والنسائى وقال: منكر، وصححه ابن خزيمة والحاكم، ومعنى " فَمَهْ " فاسكت، ورويت "ففيم"؟ يعنى ففيم السؤال؟ بناء على هذه المرويات قال ابن المنذر: رخص فى القبلة عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة، وأخذ به أحمد وإسحاق. ومذهب الأحناف والشافعية، أنها تكره على من حركت شهوته ولا تكره لغيره، لكن الأولى تركها. وعند المالكية كما قال الزرقانى على المواهب "ج ٥ ص ٢٢٧" أنها تحرم إن خاف الإنزال، وإلا كانت مكروهة. وقال الحافظ ابن حجر إنها مباحة لمن يكون مالكا لنفسه من الوقوع فيما يحرم من الإنزال والجماع.
والظاهرية أخذوا بظاهر الحديث فجعلوا القبلة للصائم سنة وقربة من القرب اقتداء بفعله ﷺ ، وهذا مردود بأن الرسول كان يملك إربه فليس كغيره
стр. 4282
معنى كلمة " وحوى "
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى كلمة "وحوى"، التى يرددها الأطفال فى رمضان وهم يطوفون بالفوانيس؟
الجواب
تقول الكاتبة فاطمة صقر " الأخبار ١٢/٥/١٩٨٨ م " إن عبارة:
وحوى يا وحوى إيُّوحة، ترجع إلى اللغة الهيروغليفية، ومعناها:
افرحى يا أيوحة، وأيوحة هى أم " أحمس " الذى طرد الهكسوس من مصر، فلما نجح فى طردهم خرج الناس يهنئون أمه بذلك.
والعهدة على الكاتبة فى هذا، ولكن ما هى الصلة بينها وبين رمضان؟ المهم أنها بهذا المعنى كلمة بريئة لا غبار عليها شرعا ما لم يقصد بها غير ما قيلت فيه أو لا
стр. 4283
صوم يوم الشك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو يوم الشك ولماذا يحرم صومه؟
الجواب
يوم الشك هو يوم الثلاثين من شهر شعبان، ذلك لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما وقد يكون ثلاثين يوما، وقد صح النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، فقد روى الجماعة عن أبي هريرة أن النبى ﷺ قال " لا تقدَّموا - أى تتقدموا- صوم رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك اليوم " وقال الترمذى: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان بمعنى رمضان. وروى أصحاب السنن أن عمار بن ياسر رضى الله عنه قال: من صام اليوم الذى شُكَّ فيه فقد عصى أبا القاسم، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول مالك والشافعى وأحمد وغيرهم ورأى أكثرهم إن صامه وكان من شهر رمضان أن يقضى يوما مكانه، لأنه لم ينو صيامه كيوم من رمضان، حيث لا يعلم إن كان منه أو لا، فنيته غير جازمة، والنية المعتبرة تكون جازمة صادرة عن يقين، فكأنه نوى صوم غد إن كان من رمضان، ولو تبين أنه منه لا تجزىء هذه النية فيكون الصوم باطلا لا بد أن يقضى.
ولو صام هذا اليوم كعادة له كأن صادف مثلا يوم الاثنين وهو متعود صيام يوم الاثنين فهو جازم بنيته ولذلك كانت صحيحة، فيصح صومه نفلا إن تبين أنه يوم الثلاثين، كما يصح فرضا إن تبين أنه أول رمضان وذلك عند الحنفية.
وقد نقل عن جماعة من الصحابة جواز صيام يوم الشك، منهم على وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة ومعاوية وعمرو ابن العاص، كما نقل صيامه عن جماعة من التابعين.
يقول الشوكانى " نيل الأوطار -ج ٤ ص ٢٠٥ " والحاصل أن الصحابة مختلفون فى ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد.
هذا، والحكمة فى النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين مختلف فيها، والمعتمد ما ارتضاه ابن حجر فى فتح البارى من أن الصيام الاحتياطى محاولة للطعن فى حكم تعلق الصوم برؤية الهلال الذى ورد به الحديث الذى رواه البخارى ومسلم.
ويلاحظ أن النهى عن صوم يوم الشك لا يمنع صحة صومه عن القضاء قبل دخول شهر رمضان حتى لا تلزم الكفارة مع القضاء إن تأخر عن رمضان، وكذلك من نذر صوم يوم معين فصادف يوم الشك لا يحرم صومه. " نيل الأوطار ج ٤ ص ٢٧٦"
стр. 4284
السحور والمسحراتى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يرى بعض الناس الآن أن قيام المسحراتى بإعلان الناس بالسحور بدعة لم تكن على أيام النبى ﷺ فما حكم الدين فى ذلك؟
الجواب
معلوم أن تناول طعام السحور سنة عن النبى ﷺ ، وذلك للتقوِّى به على الصيام، كما جاء فى حديث البخارى ومسلم: "تسحَّروا فإن فى السحور بركة " ووقته من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، والمستحب تأخيره، ففى البخارى ومسلم عن زيد بن ثابت: تسحرنا مع الرسول ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة، وكان قدر ما بينهما خمسين آية.
وكان هناك أذانان للفجر، أحدهما يقوم به بلال، وهو قبيل الوقت الحقيقى للفجر، والثانى يقوم به عبد الله بن أم مكتوم، وقد بيَّن الرسول ﷺ أن أذان بلال ليس موعدًا للإِمساك عن الطعام والشراب والمفطرات لبدء الصيام، وأذن لنا فى تناول ذلك حتى نسمع أذان ابن أم مكتوم. ففى حديث البخارى ومسلم " إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وروى أحمد وغيره قوله ﷺ "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال ينادى - ليرجع قائمكم وينبه نائمكم ".
ومن هنا كان أذان بلال بمنزلة الإِعلام بالتسحير فى شهر رمضان، وما كان الناس فى المدينة يحتاجون إلى أكثر من ذلك للتنبيه على السحور. يقول المؤرخون: لما جاء إلى مصر عتبة بن إسحاق واليا من قِبل الخليفة العباسى المنتصر بالله قام هو بالتسحير سائرا على قدميه من مدينة العسكر فى الفسطاط حتى جامع عمرو بن العاص وكان ذلك سنة ٢٣٨ هـ وممن اشتهروا بالتسحير "الزمزمى" فى مكة، "ابن نقطة" فى بغداد، وكان الزمزمى يتولى التسحير فى صومعته بأعلى المسجد ومعه أخوان صغيران يقول: يا نيامًا قوموا للسحور، ويدلى حبلا فيه قنديلان كبيران، من لم يسمع النداء يرى النور. ثم تطور التسحير فكان أهل مصر أول من ابتكروا "البازة" مع الأناشيد، ويقوم عدة أشخاص معهم طبل بلدى وصاجات برئاسة المسحراتى، ويغنون أغانى خفيفة، "إبراهيم عنانى - جريدة الأخبار ١٥ من رمضان ١٤١٤ - ٢٥ من فبراير ١٩٩٤ م ".
ويقول الدكتور حسين مجيب المصرى: الشعر الذى كان يستخدمه المسحراتى كان يسمى " فن القوما " واشتهر به "ابن نقطة" الذى كان موكولا إليه إيقاظ الخليفة للسحور، ولا يلتزم فيه باللغة العربية. وذكر نموذجا منه. وذكر أن ظهور فانوس رمضان ارتبط بالمسحراتى، وكان يعلق بالمآذن، وشاهده ابن بطوطة فى رحلته ورأى فى الحرم المكى الاحتفال برمضان، وقال: كانوا يعلقون قنديلين للسحور ليراهما من لم يسمع الأذان ليتسحر " الأخبار ١٨ / ٤ /١٩٨٨، ٢٥/ ٢/ ١٩٩٤".
نرى من هذا أن الإِعلام بوقت السحور له أصل فى الدين، فكان فى أيام الرسول ﷺ بأذان بلال، وكان فى العصور التى تلت ذلك بوسائل شتى، بإضاءة الأنوار، وبإنشاد الأشعار، وبالضرب على الآلات، ثم بإطلاق الصفارات وضرب المدافع وغير ذلك من الوسائل.
ولا ينبغى أن نسرع -كما قلت مرارا - بإطلاق اسم البدعة وجعلها ضلالة فى النار على كل شىء جديد لم يكن بصورته الحالية موجودا فى عهد التشريع، فقد يكون له أصل مشروع، والصورة هى التى تغيرت، فإن كانت الصورة غير خارجة عن الدين فلا بأس بها أبدا، وسنة التطور تقضى بذلك ما دامت فى الإِطار العام للدين، وفى التنبيه على السحور دلالة على الخير وتعاون على البر، والدال على الخير كفاعله، والله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه.
مدفع الإفطار:
فى منتصف القرن التاسع الهجرى انطلقت أول طلقة لمدفع الإفطار فى رمضان، وتبدأ الحكاية فى زمن والى مصر "خوشقدم" عندما أهدى إليه مدفع، فأمر بتجربته فانطلقت أول طلقة، وصادف الوقت أن كان عند غروب الشمس فى أول يوم من رمضان، فظن الناس أنه تقليد جديد اتبعه الوالى للإِيذان بموعد الإِفطار، فشكروه على ذلك وصار تقليدا " جريدة مايو ٢٦ / ٥ / ١٩٨٦"
стр. 4285
صيام رجب مع شعبان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تحرص بعض السيدات على صيام شهر رجب وشهر شعبان ووصلهما بصيام شهر رمضان، فهل ذلك مشروع؟
الجواب
إن الصيام المفروض هو صيام شهر رمضان، وصيام النذر والكفارات، وما عدا ذلك فمستحب، والرسول ﷺ رغب فى صيام التطوع بمثل ما جاء فى صحيحى البخارى ومسلم " ما من عبد يصوم يوما فى سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا".
ومن الصيام المستحب الصيام فى الأشهر الحرم التى منها شهر رجب، وكذلك الصيام فى شهر شعبان وقد سبق فى صفحة ٤٤٢ من المجلد الثالث حكم الصوم فى شهر رجب وما نقله ابن حجر عن الطرطوشى فى كراهة الحرص على صيام رجب تشبيها برمضان، أو لأنه ثابت مؤكد، أو لفضل خاص يزيد على صيام باقى الشهور.
وبخصوص الصيام فى شهر شعبان وردت أحاديث صحيحة منها ما رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يصوم أكثر شهر شعبان، بل كان يصومه كله أحيانا وجاء فى رواية تقول فى سبب ذلك:
تعظيما لرمضان، كما روى النسائى أن أسامة بن زيد سأله ﷺ لم أرك تصوم فى شهر ما تصوم فى شهر شعبان، فقال "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملى وأنا صائم " وصيامه كله أو أكثره لمن وصل النصف الثانى بالنصف الأول: أما الذى لم يصله فيكره أو يحرم أن ينشئ صياما فى النصف الثانى لحديث رواه أبو داود، وبه أخذ الشافعى، كما جاء النهى عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان لحديث رواه الجماعة " لا تقدَّموا -تتقدموا- صوم رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك اليوم ".
هذا، ولم يرد حديث مقبول يقول: إن صيام رجب كله وشعبان كله ووصلهما برمضان بدعة مذمومة، فالصوم فى رجب وشعبان مشروع كما قدمنا، الأول لأنه من الأشهر الحرم والثانى لفعل النبى ﷺ ، غير أن هناك توصية بعدم الإِرهاق وتكلف الإنسان ما لا يطيق، ففى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: لم يكن النبى ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله، وكان يقول "خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ".
فإذا كان فى صيام الشهرين إرهاق يؤثر على صيام رمضان كان التتابع مخالفا للحديث، ويكره أن يكون ذلك عن طريق النذر فقد يحصل العجز ويكون المحظور، ومن استطاع بغير إرهاق فلا مانع، مع مراعاة إذن الزوج إذا أرادت الزوجة أن تصوم هذا التطوع، ففى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم " لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن فى بيته إلا بإذنه "
стр. 4286
فتح أماكن الطعام فى نهار رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز فتح المطاعم فى نهار رمضان؟
الجواب
صيام رمضان من أهم الأركان التى بنى عليها الإِسلام، وكان من رحمة الله تعالى أن خفف عن ذوى الأعذار فأباح لهم الفطر ما دام العذر قائما، على أن يصوموا قضاءً ما أفطروه كما قال سبحانه ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ البقرة:١٨٥.
ولذلك حذر النبى ﷺ من التهاون فى أداء هذه الفريضة فقال فيما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه" بل جاء التحذير من التعجل بالفطر قبل موعده فقد روى ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما أن النبى ﷺ رأى فى النوم -ورؤيا الأنبياء حق- قوما معلقين بعراقيبهم مُشققةً أشداقهم تسيل دما، وهم الذين يفطرون قبل تحلة الصوم، أى قبل الإفطار، والذى يساعد المفطر على فطره من غير عذر شريك له فى الإثم، فما أدى إلى الحرام يكون حراما كما أن تقديم طعام أو شراب له باختياره دليل رضائه عن فعله، والراضى بالمعصية عاصٍ كما قرر العلماء، وكما نص الحديث على لعن شارب الخمر وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.
والذى يملك محلا لبيع مأكولات أو مشروبات قد تتناول بعيداً عنه أو تُعَدُّ لتناولها فى وقت يحل فيه تناولها، لا وجه لمنعه من ذلك ما دام لم ير المنكر يرتكب أمامه بتناول المشترى له فى نهار رمضان، والواقع يقضى بتيسير حصول الناس على ما يحتاجون، والإِثم عليهم فى سوء استعمال ما يقع تحت أيديهم، أما الذى يملك مطعما يتناول فيه الناس غذاءهم، أو مقهى تتناول فيه المشروبات، فإن كان ذلك التناول فى نهار رمضان، وتأكد أن متناوله مفطر لا عذر له فى الإِفطار كانت مساعدته على ذلك محرمة، وإذا كانت معرفة المعذور وغير المعذور متعسرة فى المجتمع الكبير الذى يجمع أخلاطا متنوعة قد تنتحل فيه الأعذار فالأفضل عدم القيام بهذا العمل نهارا، وفى ممارسة نشاطه ليلا متسع له دون حرج.
ذلك أن تيسير تناول الطعام والشراب فى هذه الأماكن فى نهار رمضان فيه إغراء بالفطر وفيه تشويه لسمعة المجتمع الإِسلامى الذى يجب أن يراعى حرمة هذا الشهر الكريم، والمتقون لربهم يستعدون قبل رمضان بما يغنيهم عن العمل فيه من أجل العيش، ليتفرغوا للعبادة أو لمزاولة عمل آخر، والليل كله مجال واسع للعيش الكريم.
إن الأمر يحتاج إلى مراقبة الضمير، وإلى يقظة المسئولين وتعاون الجميع على مقاومة المنكر والتمكين للخير والمعروف، وبخاصة فى هذا الشهر المبارك العظيم
стр. 4287
حبوب منع الحمل فى رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحرص بعض النساء على صيام كل أيام رمضان، ولتفادى الدورة الشهرية التى تمنع الصيام يتعاطى بعضهن أقراصا تمنع الدورة، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
رمضان شهر مبارك عظيم فيه من الخيرات والنفحات ما لا يوجد فى غيره، وقد فرض الله فيه الصيام على المكلف القادر المستطيع، لينال الثواب العظيم، وخفف عن ذوى الأعذار فأباح لهم الفطر حتى يزول العذر، وعليهم قضاء ما فاتهم من أيام رمضان، قال تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة﴾ البقرة:١٨٥. وممن خفف الله عنهم فى رمضان المرأة فى أثناء الدورة الشهرية، وفى مدة النفاس، فأوجب عليها الفطر كما أوجب عليها القضاء، والقضاء سيكون فى أيام غير رمضان، والشهر الذى يجرى فيه القضاء ليس له من الفضل وليس فيه من النفحات ما فى رمضان، ولذلك يرى بعض النساء منع نزول الدم فى رمضان ليصح الصوم ويَفُزْنَ بفضل رمضان من صيام ومن صلاة التراويح وقراءة قرآن.
ولا يوجد دليل يُحرم ذلك فى كتاب أو سنة، ولا فى مأثور السلف الصالح، بل جاء فى المأثور عنهم أنهم كانوا يجيزون للنساء فى موسم الحج أن يتعاطين ما يمنع نزول الدم حتى لا يُحْرمن من أداء الشعائر التى تشترط فيها الطهارة كالطواف حول البيت والصلاة فى المسجد الحرام بمكة ومسجد الرسول بالمدينة، وكقراءة القرآن الكريم.
وكان منقوع شجر الأراك الذى يؤخذ منه السواك مفيدا فى هذا الموضع، فوصفوه للنساء ولم ينقل اعتراض أحد عليه، ومع جواز ذلك أنصح باستشارة الطبيب قبل تناول أى دواء يمنع نزول الدم، فقد يكون فيه ضرر
стр. 4288
حرمة الصيام مع الدورة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
وما هو الحكم لو أصرت المرأة على الصيام على الرغم من وجودها فى فترة الدورة؟
الجواب
بعض ذوى الأعذار الذين يجوز لهم الفطر يجوز لهم أن يصوموا وإن كان فى الصوم مشقة وليس عليهم قضاء، لكن المرأة فى أثناء الدورة لا يجوز لها أن تصوم حتى لو كانت قادرة على الصيام، فيحرم عليها ذلك ولا يصح منها ما صامته، وعليها أن تفطر، لأنها لو صامت كانت كالتى تصلى وهى غير متطهرة، حيث تَلَبَّستْ بعبادة فاسدة وذلك محرم باتفاق العلماء.
ودليل حرمة صيامها ليس نصا صريحا فى كتاب أو سنة وإنما هو إجماع الأئمة والمجتهدين، بناء على ما أثر عن العصر الذى يؤخذ عنه التشريع، أما القضاء فجاء فى رواية البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. قال بعض العلماء مفهومه أنهن ما كن يصمن ولا يصلين عند وجود الدم، ولو جازت صلاتهن وصيامهن لنقل للحاجة إليه
стр. 4289
الصوم بمناسبة المولد النبوى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو اليوم الذى نصومه بمناسبة المولد النبوى الشريف، وهل إذا صادف يوم جمعة يكون صومه حلالا؟
الجواب
صيام التطوع مندوبُ لا يختص بزمان ولا مكان، ما دام بعيدا عن الأيام التى يحرُم صيامها، وهى العيدان وأيام التشريق ويوم الشك على اختلاف للعلماء فيه، والتى يكره صيامها كيوم الجمعة وحده، ويوم السبت وحده.
وهناك بعض الأيام يستحب الصيام فيها كأيام شهر المحرم، والأشهر الحرم، وعرفة وعاشوراء، وكيوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، والثلاثة البيض من كل شهر وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وستة من شهر شوال، وكثير من شهر شعبان، كما كان يفعل النبى ﷺ وليس من هذه الأيام يوم ذكرى مولد النبى ﷺ ، والذى اعتاد الناس أن يحتفلوا بها فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول، فلا يندب صومه بهذا العنوان وهذه الصفة، وذلك لأمرين، أولهما أن هذا اليوم لم يتفق على أنه يوم ميلاده ﷺ ، فقد قيل إنه ولد يوم التاسع من شهر ربيع الأول وقيل غير ذلك.
وثانيهما أن هذا اليوم قد يصادف يوما يكره إفراده بالصيام كيوم الجمعة فقد صح فى البخارى ومسلم النهى عنه بقوله ﷺ " " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ".
هذا بخصوص صوم يوم الميلاد النبوى فى كل عام، أما صيام يوم الاثنين من كل أسبوع فكان يحرص عليه النبى ﷺ ، لأمرين، أولهما أنه قال إن الأعمال تعرض على الله فيه وفى يوم الخميس، وهو يحب أن يعرض عمله وهو صائم، كما رواه الترمذى وحسَّنه، وثانيهما أنه هو اليوم الذى ولد فيه وبعث فيه كما صح فى رواية مسلم. فكان يصومه أيضا شكرا لله على نعمة الولادة والرسالة.
فمن أراد أن يشكر الله على نعمة ولادة النبى ﷺ ورسالته فليشكره بأية طاعة تكون، بصلاة أو صدقة أو صيام ونحوها، وليس لذلك يوم معين فى السنة، وإن كان يوم الاثنين من كل أسبوع أفضل، للاتباع على الأقل، فالخلاصة أن يوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول ليس فيه عبادة خاصة بهذه المناسبة، وليس للصوم فيه فضل على الصوم فى أى يوم آخر، والعبادة أساسها الاتباع، وحبُّ الرسول ﷺ يكون باتباع ما جاء به كما قال فيما رواه البخارى ومسلم " من رغب عن سنتى فليس منى " وفيما رواه أبو يعلى بإسناد حسن " من أحبنى فليستن بسنتى"
стр. 4290
قضاء الصوم عن الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
مواطنة توفيت والدتها فى رمضان هل تصوم عنها أو تخرج فدية، وهل تقضى الصلاة عنها؟
الجواب
السيدة التى توفيت فى رمضان لا تطالب بالأيام الباقية فى رمضان، فقد انتقلت من دار التكليف بمجرد موتها، والصيام تكليف من التكاليف يكون على الحى القادر عليه ابتداء، فإذا كانت قد صامت أياما من رمضان قبل وفاتها فقد برئت ذمتها ولا شىء عليها ولا على من بعدها من أهلها، أما إن كانت لم تصم أياما قبل وفاتها، فإن فى ذمتها قضاء هذه الأيام، وقد جاء فى ذلك حديث النبى ﷺ الذى رواه البخارى ومسلم " من مات وعليه صيام صام عنه وليه ".
وروى أحمد وأصحاب السنن أن رجلا قال للنبى ﷺ : إن أمى ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال " لو كان على أمِّك دين أكنتَ قاضيه "؟ قال: نعم، قال " فدين الله أحق أن يقض ".
وهذا هُو المذهب المختار عند الشافعية، يقول النووى: وهذا هو القول الصحيح المختار الذى نعتقده، وهو الذى صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
ولا يشترط أن يصوم عنه الولى القريب فيجوز أن يصوم عنه الأجنبى إذا أذن الولى له، وعند أبى حنيفة ومالك: لا يصوم الولى عنه، بل يطعم مُدًّا عن كل يوم، لكن ليس هناك دليل قوى على ذلك
стр. 4291
صيام الحامل والمرضع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأنا فى بعض الكتب أن الحامل والمرضع يجوز لهما الإفطار فى رمضان مع دفع الفدية ولا يجب عليهما القضاء فهل هذا صحيح؟
الجواب
يقول الله تعالى عن الصيام ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ البقرة: ١٨٤، للعلماء فى تفسير هذه الآية رأيان، رأى يقول بأن الصيام كان فى أول أمره على التخيير، من شاء ممن يطيقونه ويقدرون عليه أن يصوموا أو يفطروا، وعليهم بدل الإفطار أن يخرجوا فدية هى طعام مسكين ومع التخيير فالصوم أفضل، ثم نسخ هذا الحكم وفرض على من يطيقون الصيام أن يصوموا ولا يجوز لهم الفطر والإطعام وذلك لقوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ البقرة: ١٨٥، فالناسخ هو هذه الآية كما رواه الجماعة إلا أحمد عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدى حتى أنزلت الآية التى بعدها فنسختها.
ورأى يقول بأن الصيام فرض على كل القادرين عليه فقط، وأبيح الفطر للمريض والمسافر ومن يطيقونه أى يتحملونه بمشقة شديدة حيث فسروا الإطاقة بذلك، وهم كبار السن، وفرض على المريض والمسافر القضاء، وعلى كبار السن الفدية فقط دون قضاء، لأنه شاق عليهم كلما تقدمت بهم السن، ومثلهم المريض الذى لا يرجى بروه ولا يرجى أن يقدر على القضاء فهؤلاء يفطرون ويخرجون الفدية.
روى البخارى عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضى الله عنهما يقرأ ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هى للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا.
وبعض العلماء المعاصرين -كالشيخ محمد عبده -يقيس على الشيوخ الضعفاء والمرضى بمرض مزمن: العمال الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجرى من مناجمه، وكذلك يلحق بهم المجرمون المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا قدر عليهم الصيام بالفعل، فليس عليهم صيام ولا فدية حتى لو ملكوها.
أما الحبلى والمرضع إذا خافتا من الصيام على أنفسهما أو على أولادهما فيرى ابن عمر وابن عباس انهما يفطران ويخرجان الفدية ولا قضاء عليهما إلحاقا لهما بكبار السن.
روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال فى قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ : كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام - يعنى يتحملانه بمشقة شديدة - أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا-يعنى على أولادهما - أفطرتا وأطعمتا، ورواه البزار وزاد فى آخره، وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذى لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك وصحح الدارقطنى إسناده. وروى مالك والبيهقى عن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدًّا من حنطة. وفى الحديث " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة- أى قصر الصلاة- وعن الحُبلى والمرضع الصوم " رواه الخمسة أحمد وأصحاب السنن.
وعليه فإن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على أولادهما لهما أن يفطرا، أما القضاء والفدية فإن ابن حزم لا يوجب شيئا منهما، وابن عباس وابن عمر يوجبان الفدية فقط دون قضاء، والأحناف يوجبون القضاء فقط دون فدية، والشافعية والحنابلة يوجبان القضاء والفدية معا إن خافتا على الولد فقط، أما إذا خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما وعلى ولديهما فعليهما القضاء فقط دون فدية "نيل الأوطارج ٤ ص ٤٣ ٢ - ٥ ٤ ٢ ".
وفى فقه المذاهب الأربعة: أن المالكية قالوا: الحامل والمرضع إذا خافتا بالصوم مرضا أو زيادته -سواء كان الخوف على أنفسهما أو ولدهما أو أنفسهما فقط أو ولدهما فقط -يجوز لهما الفطر وعليهما القضاء، ولا فدية على الحامل بخلاف المرضع فعليها الفدية. أما إذا خافتا بالصوم هلاكا أو ضررا شديدا لأنفسهما أو ولدهما فيجب عليهما الفطر.
والحنفية قالوا: إذا خافت الحامل أو المرضع الضرر من الصيام جاز لهما الفطر سواء كان الخوف على النفس والولد معا، أو على النفس فقط، أو على الولد فقط، ويجب عليهما القضاء عند القدرة بدون فدية.
والحنابلة قالوا: يباح للحامل والمرضع الفطر إذا خافتا الضرر على أنفسهما وولدهما أو على أنفسهما فقط، وعليهما فى هاتين الحالتين القضاء دون الفدية، أما إن خافتا على ولدهما فقط فعليها القضاء والفدية.
والشافعية قالوا: الحامل والمرضع إذا خافتا بالصوم ضررا لا يحتمل، سواء كان الخوف على أنفسهما وولدهما معا، أو على أنفسهما فقط، أو على ولدهما فقط، وجب عليهما الفطر وعليهما القضاء فى الأحوال الثلاثة، وعليها أيضا الفدية مع القضاء فى الحالة الأخيرة، وهى ما إذا كان الخوف على ولدهما فقط.
فرأى الشافعية كالحنابلة فى القضاء والفدية، إلا أن الحنابلة أباحوا الفطر خوف الضرر والشافعية اوجبوه والشافعى فى أحد أقواله يلزم الفدية للمرضع لا للحامل كالمالكية.
تتمة: الحديث الذى رواه الخمسة عن أنس بن مالك الكعبى، قال المنذرى: ومن يسمى بأنس بن مالك من رواة الحديث خمسة: صحابيان هذا وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصارى خادم رسول الله ﷺ وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس روى عنه حديث فى إسناده نظر، والرابع شيخ حمصى حدث، والخامس كوفى حدَّث عن حماد ابن أبى سليمان والأعمش وغيرهما. يقول الشوكانى: وينبغى أن يكون أنس بن مللك القشيرى الذى ذكره ابن أبى حاتم سادسا إن لم يكن هو الكعبى
стр. 4292
يوم الجمعة ويوم عرفة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أيهما أفضل. . . الجمعة أم عرفات، وما فضل كل منهما؟
الجواب
روى ابن حبان فى صحيحه أن الرسول ﷺ -قال "لا تطلع الشمس على يوم أفضل من يوم الجمعة" وفيه أيضا حديث "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة".
ورأى بعض العلماء تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة لهذا الحديث.
والصواب -كما قال ابن القيم فى "زاد المعاد ج ١ ص ١٢) أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر أفضل ليالى العام وليلة الجمعة أفضل ليالى الأسبوع، ولذلك كانت وقفة عرفة يوم الجمعة لها مزية على سائر الأيام.
وذكر ابن القيم عشرة وجوه لهذا الفضل وهو اجتماع وقفة عرفة مع يوم الجمعة.
والفضائل التى فى يوم الجمعة كثيرة منها:
فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وذلك شرف لذات اليوم.
أما بالنسبة للناس ففيه ساعة الإجابة، وفيه اجتماع الناس للصلاة وسماع الخطبة، وهو يوم عيد أسبوعى يحرم صومه أو يكره منفردا عن غيره، وفيه زيادة فضل الصلاة على النبى ﷺ -وفضل قراءة سوره الكهف ومغفرة ذنوب الأسبوع وزيادة ثلاثة أيام لمن تطهر وتطيب وسعى إلى المسجد، وأنصت للخطبة، ولم يتخط الرقاب ولم يؤذ أحدًا وهو يوم المزيد فى الجنة حيث يدعى أهلها لروية الله تعالى، وفيه صلاة الصبح بسجدة التلاوة عند بعض الأئمة.
ومن فضائل يوم عرفة:
استجابة دعاء الواقفين فى عرفة، وندب صيامه لغير الواقفين، وهو يكفِّر ذنوب سنتين، وفضل اجتماع المسلمين على صعيد واحد فى تضرج لله وحده، وفيه أكمل الله الدين وأتم النعمة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة: ٣.
وفيه يدنو الرب من عباده الواقفين بعرفة ويباهى بهم ملائكته، ويشهدهم أنه غفر لعباده.
وقال ابن القيم: أما ما استفاض على ألسنة العوام بأن موافقة يوم عرفة ليوم الجمعة فى الحج تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ -ولا عن أحد من الصحابة والتابعين
стр. 4293
تقييد الشياطين فى رمضان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى تصفيد الشياطين فى رمضان، وما العلاقة بين ذلك وبين المسلم الذى يفعل بعض المنكرات فى رمضان؟ وما حكم من نوى الفطر وهو صائم ولم يفطر؟
الجواب
إن الواقع يشهد بارتكاب المعاصى ممن يصومون رمضان ومن لا يصومون من المسلمين وغيرهم، وذلك على الرغم من الأحاديث الصحيحة من تقييد الشياطين أو تصفيدها فى رمضان.
وقد قال شراح الأحاديث: إن المراد بتقييدها عدم تسلطها على من يصومون صومًا صحيحا كاملا، روعيت فيه كل الأسباب التى منها عفة اللسان والنظر والجوارح كلها من المعصية استجابة لقول الرسول ﷺ فى الحديث الصحيح "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخارى.
أو المراد أن الشياطين المصفدة هى المردة والجبابرة، وأما غيرهم فلا يقيدون، ولذلك تقع من الناس بعض المعاصى وأكثرها غير خطير، وهذا ما نصت عليه رواية الترمذى "صفدت الشياطين مردة الجن " أو المراد أن الشياطين كلها تقيد بمعنى يضعف نشاطها ولا يكون بالقوة التى يكون عليها فى رمضان.
لكن مع احترام ما قالوه نرى كبائر المعاصى وأخطرها ترتكب فى شهر رمضان من الصائمين، ولهذا قال بعض العلماء: إذا كانت الشياطين تقيد فى رمضان فإن هناك بواعث أخرى على المعصية غير الشيطان، ومنها النفس الأمارة بالسوء، أو العادات والأعراف القبيحة التى تدفع إلى الشر أو شياطين الإنس من الجبابرة المزهوين بقوتهم، وهذه الدوافع موجودة فى كل وقت، وهى كافية لارتكاب المعاصى فى الوقت الذى تقيد فيه الشياطين ودور النفس البشرية الأمارة بالسوء لا يقل خطرا عن دور الشياطين، ونرى ذلك واضحا فى إقرار الشيطان يوم القيامة كما قال رب العزة: ﴿وقال الشيطان لما قُض الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم﴾ إبراهيم:
٢٢
стр. 4294
حكمة مشروعية الصيام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا يحرمنا الله من التمتع بنعمة الطعام والشراب، ويحرِّم علينا المتعة الجنسية لمدة شهر فى كل عام، وذلك بفرض الصيام فى رمضان؟
الجواب
على ضوء الحكمة العامة للتشريع، وهى ربط المخلوق بالخالق، وإعداد الإنسان لتحقيق خلافته فى الأرض بالأخلاق الشخصية والاجتماعية يمكن توضيح الحكمة من الصيام فيما يأتى:
١- الصيام فيه تقديم رضا الله على النفس، وتضحية بالوجود الشخص بالامتناع عن الطعام والشراب، وبالوجود النوعى بالإمساك عن الشهوة الجنسية، وذلك ابتغاء وجه الله وحده، الذى لا يتقرب لغيره من الناس بمثل هذا الأسلوب من القربات، ومن هنا كان ثوابه عظيما، يوضحه ويبين علته قول النبى ﷺ "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلى" رواه البخارى ومسلم.
وفى الصوم إحساس بمقدار نعمة الطعام والشراب والمتعة الجنسية عندما يحرم منها ونفسه تائقة إليها، فيكون شكره عليها بالإطعام المتمثل فى كثرة الصدقات فى فترة الصيام.
وفى توقيت الصيام بشهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن تذكير للإنسان بنعمة الرسالة المحمدية ونعمة الهداية القرآنية التى يكون الشكر عليها بالاستمساك بها"لعلكم تشكرون " وفى فترة إشراق الروح بالصيام وتلاوة القرآن تتوجه القلوب إلى الله بالدعاء الذى لا يرده لقول النبى ﷺ "ثلاثة لا تُرد دعوتهم، الصائم حتى يفطر- أو حين يفطر - والإمام العادل، ودعوه المظلوم " رواه احمد والترمذى وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، وحسَّنه الترمذى ولعل مما يشير إلى الإغراء فى الصيام توسط قوله تعالى ﴿وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. ..﴾ بين آيات الصيام سورة البقرة: ١٨٣.
٢- فى الصيام تخليص للإنسان من رِق الشهوة والعبودية للمادة، وتربية عملية على ضبط الغرائز والسيطرة عليها، وإشعار للإنسان بأن الحريات مقيدة لخير الإنسان وخير الناس الذين يعيش معهم، وهذا جهاد شاق يعود الصبر والتحمل، ويعلم قوة الإرادة ومضاء العزيمة، ويعد الإنسان لمواجهة جميع احتمالات الحيلة بحلوها ومرها وسائر متقابلاتها ليجعل منه رجلاً كاملاً فى عقله ونفسه وجسمه، يستطيع أن يتحمل تبعات النهوض بمجتمعه عن جدارة.
وقد شرعه النبى ﷺ علاجا لقوة الشهوة لمن لا يستطيع الزواج، ففى الحديث "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء " أى قاطع رواه البخارى ومسلم.
والإنسان إذا تحرر من سلطان المادة اتخذ لنفسه جُنّة قوية تحصنه ضد الأخطار التى ينجم أكثرها عن الانطلاق والاستسلام للغرائز والأهواء. يقول النبى ﷺ "الصوم جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم إنى صائم " رواه البخارى ومسلم.
والصائم الذى يمتنع عن المحرمات وعن الحلالات التى تدعو لها الشهوة إنسان عزيز كريم، يشعر بآدميته وبامتيازه عن الحيوانات التى تسيرها الغرائز. والصيام أيضا يعوَد التواضع وخفض الجناح ولين الجانب، وبالتالى يعرف الإنسان قدره ويحس بضعفه ومن عرف قدر نفسه تفتحت له أبواب الخير واستقام به الطريق.
إن الصيام إلى جانب ما فيه من صحة النفس فيه صحة بدنية أسهب المختصون فى بيانها وتأكيد آثارها الطيبة، ففى الحديث " صوموا تصحوا" رواه الطبرانى عن رواة ثقات، والصوم يعوَد النظام والتحرى والدقة، وذلك بالتزام الإمساك عند وقت معيَّن وحرمة الإفطار قبل حلول موعده، قال تعالى ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ البقرة: ١٨٧، كما أن فى الصيام الصادق اقتصادا وتوفيرا يفيد منه الصائم، وتفيد أسرته وتفيد الأمة.
٣- الجوع والعطش حين يحس بهما الصائم تتحرك يده فتمتد بالخير والبر للفقراء الذين عانوا مثل ما عانى من ألم الجوع وحر العطش، ومن هنا كانت السمة البارزة للصيام هى المواساة والصدقات وعمل البر، وكانت شعيرة يوم العيد هى زكاة الفطر للتوسعة على الفقراء، وهى بمثابة امتحان للصائم بعد الدروس الطويلة التى تلقاها فى شهر رمضان، وبهذا كانت زكاة الفطر جواز المرور لقبول الصوم كما يقول الحديث "صوم رمضان معتَق بين السماء والأرض لا يرتفع إلا بزكاة الفطر" رواه أبو حفص بن شاهين، وهو يقبل فى فضائل الأعمال.
الصيام بهذا المظهر يُعد للحياة الاجتماعية القائمة على التعاون على البر، وعلى الرحمة الدافعة لعمل الخير عن طيب نفس وإيمان واحتساب، ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ "أجود بالخير من الريح المرسلة" رواه البخارى ومسلم.
والصيام الكامل عن كل المشتهيات يكف الإنسان عن الكذب والزور والفحش والنظر المحرَّم والغش وسائر المحرمات، وفى الحديث الشريف من "لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخارى والزور هنا معناه الباطل بكل مظاهره وألوانه، وقد رأى بعض العلماء أن الغيبة والنميمة يفسدان الصوم كما يفسده تناول الطعام، لقد قال النبى ﷺ فى شأن الصائمتين المغتابتين "صامتا عما أحل الله - الطعام - وأفطرتا على ما حرَّم الله " رواه أحمد وأبو داود. وفى بيان أثر الصيام فى العلاقات الاجتماعية قال النبى ﷺ فى شأن المرأة التى تؤذى جيرانها بلسانها " إنها فى النار " بالرغم من كثرة صلاتها وصيامها رواه أحمد والحاكم وصححه.
هذا، والصيام يعود الإخلاص فى العمل ومراقبة الله فى السر والعلن، وإذا كان هذا طابع الإنسان فى كل أحواله أتقن عمله وأنجز ما يوكل إليه من المهام على الوجه الأكمل، وعف عن الحرام أيًّا كان نوعه، وعاش موفقا راضيا مرضيا عنه، وأفادت منه أمته إفادة كبيرة
стр. 4295
البلغم فى الصيام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يفطر للصائم إذا بلع البلغم، وماذا يفعل لو تعذَّر بصقه وهو فى الصلاة؟
الجواب
الريق العادى الخالى من مواد غريبة يجوز بلعه فى نهار رمضان وفى أى صيام، وذلك لمشقة الاحتراز عنه، وليس من الواجب بصقه كلما تجمَّع، فإن بصقه يزيد من الإحساس بالعطش وجفاف الحلق،إلى جانب أن ابتلاعه لا يعد أكلا ولا شربا، وليس غذاء يتنافى مع معنى الصوم وحكمته.
أما البلغم الخارج من الصدر ومثله النخامة النازلة من الرأس، فإن وصل إلى الفم ثم بلعه الصائم بطل صومه على ما رآه الشافعية، إذ يصدق عليه أنه شىء دخل إلى الجوف من منفذ مفتوح، ولا يشق الاحتراز عنه. وقال بعض العلماء: إن بلعه فى هذه الحالة لا يضر ما دام لم يتجاوز الشفتين، بل قاسه آخرون على الريق العادى فقالوا: إن بلعه لا يبطل الصوم مطلقا، وفى هذا القول تيسير على المصابين بحالة يكثر فيها البلغم، أما غير هؤلاء فيتبعون أحد القولين الأولين.
وعلى القول بأن بلعه يبطل يجب بصقه حتى لو كان فى الصلاة، على ألا يطرحه فى المسجد فإن تلويثه ممنوع بل يكون ذلك فى نحو منديل بحركة خفيفة لا تبطل الصلاة
стр. 4296
مواقيت الصيام بين بلدين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
شخص بدأ الصيام فى مصر طبقا لتحديد أول شهر رمضان فيها، وسافر إلى بلد آخر اختلف العيد فيه مع مصر فكيف يفعل فى نهاية شهر رمضان، هل يتبع مصر فى الإفطار للعيد أو يتبع البلد الذى هو فيه حتى لو أدى ذلك إلى أن يكون صيامه ثمانية وعشرين يوما، أو واحدا وثلاثين يوما؟
الجواب
من بدأ الصيام فى رمضان فى بلد حسب الرؤية فى يوم الجمعة مثلا، ثم سافر إلى بلد بدأ الصيام فيه حسب الروية فى يوم الخميس، ومكث هناك حتى انتهى الشهر، فمن الجائز أن يكمل الشهر فى البلد الثانى ثلاثين يوما، فيكون العيد يوم السبت وليست هناك مشكلة إذ ذاك.
كما أن من الجائز أن البلد الثانى يجعل الشهر تسعة وعشرين يوما فيكون العيد يوم الجمعة، وعليه يكون الشخص الذى بدأ الصيام يوم الجمعة فى البلد الأول قد صام ثمانية وعشرين يوما، فماذا يفعل والبلد الثانى الذى هو فيه عيدهم يوم الجمعة والصيام يحرم يوم العيد، والشهر كما قال الرسول ﷺ تسعة-وعشرون يوما أو ثلاثون، لا يكون أبدا ثمانية وعشرين يوما؟ وعلى هذا نقول لهذا الشخص: لك الخيار فى أن تفطر يوم العيد معهم وعليك أن تصوم يوما آخر ليكمل لك الشهر تسعة وعشرين يوما، كما أن لك الخيار فى أن تصوم العيد لتكمل به الشهر تسعة وعشرين يوما.
هذا ما أراه والموضوع اجتهادى، وإن كنت أفضل موافقة البلد الثانى فى الإفطار يوم العيد مع صيام يوم آخر، وتلك من سلبيات تعدد ولاة الأمر والأئمة فى الوطن الإسلامى
стр. 4297
صيام بلا صلاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيمن صام رمضان ولكنه لا يصلى، فهل ذلك يفسد صيامه ولا ينال عليه أجرا؟
الجواب
هناك فرق بين بطلان العبادة وعدم قبولها، فقد تكون صحيحة لا تجب إعادتها لأنها مستوفية الأركان والشروط ومع ذلك تكون غير مقبولة عند الله، كمن يصلِّى رياء أو فى ثياب مسروقة، والذى يصوم إن كان ممسكا عن المفطرات وهى الطعام والشراب والشهوة فصومه صحيح غير باطل حتى لو ارتكب بعض المعاصى كالكذب وكترك الصلاة، لكن مع صحة الصوم هل يكون مقبولا يؤجر عليه من الله؟ إن الأحاديث صحت فى حرمان هذا الصائم من قبول صومه مثل حديث "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه " رواه الجماعة إلا مسلما.
وبالمثل من يصوم ولا يصلى، صومه صحيح لا تجب إعادته لتركه الصلاة، أما قبوله فالحديث يدل على عدمه، وعلى فرض قبوله وأخذ ثواب عليه فإن عقاب ترك الصلاة عقاب شديد، ويظهر ذلك فى الميزان يوم القيامة إذا لم يكن عفو من الله تعالى. فلنضع أمام أعيننا وفى قلوبنا قول الله سبحانه ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾ الزلزلة: ٧، ٨، وقوله ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلاَّم للعبيد﴾ فصلت:
٤٦
стр. 4298
حج الأنبياء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن جميع الأنبياء قاموا بالحج إلى بيت الله الحرام ولم يحج هود وصالح، ولماذا لم يحج هذان النبيان؟
الجواب
روى يونس بن بكير عن عروة بن الزبير أنه قال: ما من نبى إلا وقد حج البيت، إلا ما كان من هود وصالح. يقول الحافظ ابن كثير: والمقصود الحج إلى محله وبقعته وإن لم يكن تم بناؤه اهـ.
وقد يكون عدم مرورهما لأن رسالة هود كانت فى الأحقاف بعيدا عن مكة، ورسالة صالح كانت فى ديار ثمود فى شمالى الجزيرة العربية تقريبا.
والكلام كثير فى أول من بنى البيت. والأدلة ليست قاطعة. وسيدنا إبراهيم قد رفع قواعده، والرفع فى ظاهره أنه لشىء موجود فى الأصل، ومع ذلك فالكلام الذى قاله عروة بن الزبير ليس حديثا مرفوعا إلى النبى ﷺ . ويمكن الرجوع إلى الكتب والتفاسير ففيها كلام كثير، ومن أحدثها تاريخ الكعبة المعظمة.
تأليف / حسين عبد الله باسلامة المطبوع بجدة ١٣٥٤ هـ
стр. 4299
الأضحية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن من أراد يضحى يحرم عليه قص شعره وأظفاره فى العشر الأوائل من ذى الحجة؟
الجواب
روى مسلم وغيره عن أم سلمة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحى " وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: كنت أفتل قلائد هدى رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم شىء أحله الله له حتى ينهر الهدى.
ذهب سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعى إلى أنه يحرم أخذ شىء من شعر الإنسان أو أظفاره إذا أراد أن يضحى حتى يضحى. وقال الشافعى وأصحابه: إنه مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام، وقال أبو حنيفة: لا يكره الحلق والتقصير، والحديث يرُدّ عليه، وقال مالك فى رواية: لا يكره، وفى رواية: يحرم فى التطوع دون الواجب.
والقائلون بالتحريم استدلوا بالحديث المروى عن أم سلمة، واحتج الشافعى بحديث عائشة لأنه أقوى. واستظهر الشوكانى الرأى الأول وهو الحرمة وتحمس له ابن قدامة الحنبلى المتوفى سنة ٦٣٠ هـ ومن قبله الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، وأورد عدة مبررات لذلك.
والحكمة فى النهى أن يبقى بدن الإِنسان كامل الأجزاء للعتق من النار، وقيل للتشبه بالمحرم كما ذكره النووى، وحكى عن أصحاب الشافعى أن الوجه الثانى -وهو التشبيه بالمحرم - غلط، لأنه لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم.
وهذا كله لمن أراد أن يضحى، أما من لم يرد ذلك فلا شىء عليه "المغنى لابن قدامة ج ١١ ص ٩٥ "، " نيل الأوطار للشوكانى ج ٥ ص ١١٩ " هذه هى آراء العلماء، ولكل وجهة، ولا بأس من أتباع أحدها
стр. 4300
الاقتراض للحج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل ليس عنده مال يكفيه للحج، هل يجوز له أن يقترض ليحج؟
الجواب
معلوم أن الحج يجب على المستطيع، ومن الاستطاعة القدرة المالية، فإذا وجد المال الذى يكفى لنفقات الحج زائدا على النفقات الواجبة عليه لمن يعولهم وجب الحج عليه، وقد رأى بعض العلماء أن يكون هذا المال زائدا على نفقته ونفقة من يعولهم مدة العمر الغالب، وليس مدة الغياب فى الحج، فلو كان له مورد رزق ثابت يدر عليه سنويا أو شهريا ما يكفيه هو وأسرته ولو باع شيئا منه ليحج أثَّرَ ذلك على حياته وحياة أسرته تأثيرا شديد يلجئه إلى الاستدانة أو السؤال فلا يجب عليه الحج عن طريق الاستغناء عن بعض ممتلكَاته، لكنه لو فعل ذلك وحج صح حجه وأغناه عن حجه الإِسلام وإن كان لا ينجو من المؤاخذة على ما ألجأ نفسه وأسرته إليه مما لا يرضاه الإِسلام.
وبالمثل يقال فيما إذا لم يجد ما يزيد على نفقته ونفقة أسرته فهل يقترض ليحج؟ لا يجب عليه الاقتراض لذلك، لكن يجوز له أن يقترض ويحج إذا اطمأن إلى أنه سيرد القرض دون تأثير كبير على دخله وعلى أسرته، وإن كان الاقتراض للحج منهيا عنه بدليل الحديث الذى رواه البيهقى عن عبد الله بن أبى أوفى قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل لم يحج، هل يستقرض للحج؟ فقال " لا"، والنهى الذى تضمنه النفى قيل للتحريم وقيل للكراهة.
ومن صورة الاقتراض تكوين جمعية أو إنشاء صندوق باشتراكات من الأعضاء، يأخد حصيلتها شهريا أو سنويا بعض الأعضاء الذين يمكنهم الحج بهذه الحصيلة مع مداومة الاشتراك ليؤدى ما عليه
стр. 4301
الإحرام لدخول الحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يدخل الحرم المكى دون أن يكون محرما بحج أو عمرة؟
الجواب
خلاصة الآراء فى هذه المسألة ما يأتى:
الذى يقصد الحجاز أى المنطقة التى فيها الحرم المكى إما أن يكون مريدا للنسك، أى الحج أو العمرة، وإما ألا يكون مريدا لذلك، كأن يريد زيارة صديق أو قضاء أية مصلحة أخرى.
ولكل حكمه:
ا - فالذى يريد النسك لا يجوز له أن يجاوز الميقات المعروف للقادمين لحج أو عمرة إلا بالإحرام، ودليله أن النبى ﷺ وقَّت المواقيت وقال فيما قال: " هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن لمن أراد الحج أو العمرة " رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس. بأن جاوز الميقات بدون إحرام وجب عليه أن يرجع إليه ويحرم منه، فإن لم يرجع وأحرم من مكانه يلزمه دم أى ذبح شاة.
٢- أما من لا يريد النسك فهو على قسمين:
(١) قسم لا يريد النسك ولا يريد دخول الحرم المكى-والحرم له حدود معينة غير المواقيت -بل يريد حاجة فى غيره من المناطق، كجدة أو المدينة المنورة مثلا، فهذا لا يلزمه الإحرام ولا يجب عليه شىء فى تركه، وهذا باتفاق العلماء، والدليل أن النبى ﷺ وأصحابه تجاوزوا ميقات المدينة - وهو ذو الحليفة أو آبار على - أكثر من مرة لغير النسك فى غزوة بدر وغيرها وكانوا غير محرمين، ولم يروا بذلك بأسا.
(ب) وقسم لا يريد النسك ولكن يريد دخول الحرم، وهذا القسم طوائف:
١ - طائفة تريد دخوله لقتال مشروع أو للأمن من خوف، وهذه الطائفة لا يجب عليها الإحرام، والدليل ما رواه البخارى أن النبى ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر. قال مالك: ولم يكن رسول الله يومئذ محرما. وكذلك ما رواه مسلم أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
٢ - طائفة تريد دخوله لحاجة متكررة تقتضى كثرة التردد على الحرم، ومثل العلماء لها بالحطابين وناقلى المؤن ومن له ضيعة أو تجارة داخل الحرم أو خارجه ومثلهم المدرسون والموظفون الذين يخرجون من الحرم أو يدخلونه عدة مرات. وهذه الطائفة كالطائفة السابقة لا يجب عليها الإحرام عند دخول الحرم، لأن تكليفهم الإحرام لكل دخول فيه حرج، والدين لا حرج فيه، والنصوص فى ذلك كثيرة مشهورة. واستأنسوا بقول ابن عباس: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا الحطابين. لكن سند الرواية عنه ضعيف.
٣- طائفة تريد دخول الحرم لا لقتال ولا لحاجة متكررة كالطائفتين السابقتين، وهؤلاء كالسائحين والزائرين والمكلفين بمهمات مؤقتة.
وفيهم ثلاثة أقوال:
(١) قول يلزمهم الإحرام عند دخول الحرم، وهو مروى عن ابن عباس. أخرج البيهقى عنه: " لا يدخل أحد مكة. إلا محرما " وإسناده جيد، ورواه ابن عدى مرفوعا إلى النبى ﷺ من وجهين ضعيفين. وهذا مذهب أحمد فى ظاهره، ومذهب الشافعى فى أحد أقواله.
(ب) قول يجعلهم كالحطابين وأمثالهم لا يوجب عليهم الإحرام، وهو مذهب الشافعى فى قوله الآخر. ومذهب أحمد فى رواية عنه.
ودليلهم أن ابن عمر رجع من، بعض الطريق ودخل مكه غير محرم، وإذا قيل بسقوط هذا الدليل لأنه معارض بما ورد عن ابن عباس فى لزوم الإحرام قالوا: كان المسلمون فى عصر النبى ﷺ يختلفون إلى مكة لحوائجهم ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام، كقصة الحجاج بن علاط وقصة أبى قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال، وكان النبى قد أرسله لغرض قبل الحج، فجاوز الميقات لا بنية الحج ولا العمرة، فقرره ﷺ . وقالوا أيضا: إن الحرم المكى أحد الحرمين - مكة والمدينة - فلا يلزم الإحرام لدخوله كما لا يلزم لدخول الحرم المدنى. ثم قالوا:
وجوب الإحرام للدخول يكون من الشارع ولم يرد منه إيجاب بذلك على كل داخل، فيبقى الدخول على الأصل وهو الحل. وهذا القول قواه كثير من العلماء المحققين.
(ج) قول ثالث لأبى حنيفة وهو التفصيل، فإن كان من يريد دخول الحرم داخل المواقيت جاز دخوله بغير إحرام، لأنه يعد كأنه داخل الحرم نفسه، وإن كان خارج المواقيت يلزمه الإحرام لدخول الحرم، كما ذهب إليه أصحاب القول الأول.
هذا عرض لما قيل فى هذا الموضوع، معاملة من يدخلون الحرم لأمر مؤقت. أو من يخرجون منه لحاجة مؤقتة ثم يعودون إليه -كمعاملة الحطابين وأمثالهم هو ما يؤيده الدليل ويقتضيه رفع الحرج فى الدين. قال ابن القيم فى زاد المعاد بعد عرض الأقوال: وهدى رسول الله ﷺ معلوم فى المجاهد-أى لا إحرام عليه - ومريد النسك - أى فى وجوب الإحرام - وأما من عداهما فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو أجمعت عليه الآمة
стр. 4302
الحجر الأسود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا أن الحجر الأسود من الجنة فما مدى صحة هذا القول وما حكم تقبيله؟
الجواب
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: " نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بنى آدم لما رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن خزيمة فى صحيحه، إلا أنه قال " أشد بياضا من الثلج " وروى الطبرانى فى معجمه الأوسط ومعجمه الكبير مثله بإسناد حسن وكذلك البيهقى.
وعن عبد الله بن عَمْرو رضى الله عنهما قال: نزل الركن الأسود من السماء فوضع على أبى قبيس "جبل " كأنه مهاة بيضاء-أى بلورة- فمكث أربعين سنة ثم وضع على قواعد إبراهيم. رواه الطبرانى فى معجمه الكبير موقوفا على عبد الله بن عمرو بإسناد صحيح، أى ليس مرفوعا إلى النبى ﷺ .
وجاء فى الروايات التاريخية أن إبراهيم ﵇ طلب حجرا مميزا يضعه فى البيت فجاءه به جبريل ﵇.
نأخذ من مجموع هذه الروايات أن الحجر الأسود من الجنة، وأنه كان أبيض فسودته خطايا بنى آدم، لكن درجة الأحاديث مترددة بين الصحة والحسن، وهى على كل حال لم تبلغ درجة التواتر، فهى أحاديث آحاد. ولو كانت،صحيحة فإن هناك خلافا بين العلماء فى إفادة حديث الآحاد الصحيح القطع والعلم اليقين.
وما دام لا يوجد ما يمنع تصديق هذه الأحاديث فلنصدقها، ومع ذلك فإن من لم يصدقها لا يخل ذلك بعقيدته، ولا يخرجه من الإيمان إلى الكفر.
هذا، وقد نشر فى " الأهرام " الصادر فى يوم الجمعة بتاريخ ٨ / ١٠ / ١٩٨٢ م بقلم محمد عبده الحجاجى مدير إدارة بالمكتبة المركزية بجامعة القاهرة أن الحجر الأسود من السماء وسقوط الأحجار من السماء ظاهرة كونية معروفة ومؤكدة، وقد قام العالم البريطانى "ريتشار ديبرتون " برحلة إلى الحجاز متخفيا فى زى مغربى، مدعيا أنه مسلم وكان يجيد اللغة العربية، واندس بين الحجاج واستطاع أن يحصل على قطعة من الحجر، وحملها معه إلى لندن، وبدأت تجاربه عليها فى المعامل الجيولوجية، فتأكد أنه ليس حجرا أرضيا، بل هو من السماء، وسجل هذا فى كتاب له بعنوان " الحج إلى مكة والمدينة " الذى صدر بالإنجليزية فى لندن سنة ١٨٥٦ م.
وسواء أكان الحجر من السماء أم لم يكن فإن الثابت أنه حجر مبارك قَبَّلَه النبى ﷺ ، وثبت فى البخارى ومسلم أن عمر رضى الله عنه قبَّله اقتداء بالرسول مقسما أنه لا يضر ولا ينفع، ورويت أحاديث غير قاطعة تدل على أن استلامه بمثابة عهد مع الله على الطاعة.
تقبيله:
روى الحاكم وصححه أن النبى ﷺ قبَّل الحجر الأسود وبكى طويلا، ورآه عمر فبكى لما بكى، وقال " يا عمر هنا نسكب العبرات " وثبت أن عمر رضى الله عنه قال وهو يقبله: والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. رواه البخارى ومسلم.
والتقبيل، سنة عند الاستطاعة وبدون إضرار بالناس. وقد قال النبى ﷺ لعمر " يا أبا حفص، إنك رجل قوى فلا تزاحم على الركن فانك تؤذى الضعيف، ولكن إذا وجدت خلوة فاستلم، وإلا فكبرِّ وامض " رواه الشافعى فى سننه.
وما هو السر فى اهتمام النبى ﷺ بتقبيله والبكاء عنده؟ قد يقال: إن ذلك من باب التشبه بتقبيل يد السادة والكبراء، والحجر-كما فى بعض الروايات -يمين الله فى الأرض يصافح بها عباده، فالتقبيل إعظام وإجلال للَّه سبحانه أو تعاهد معه على الطاعة والالتزام كما يحدث بين الناس فى المبايعة والموالاة.
وقد يقال: إن الحجر هو الجزء الباقى بيقين من أحجار الكعبة التى بناها أبوه إبراهيم ﵇، فالرسول يكرم هذا الأثر، ويتذكر به أصوله الأولى وما قاموا به من أمجاد وتضحيات هيأت لولادته وبعثته حول هذا الأثر الباقى وهو الكعبة.
وقد يقال: إن الرسول ﵊ يقبله متذكرا إكرام الله له وتهيئته من الصغر ليكون رسول هذه الأمة، حيث فصل فى نزاع خطير بين القبائل من أجل نيل الشرف بوضع الحجر الأسود فى مكانه عند تجديد بناء الكعبة قبل البعثة حيث ارتضوه -وهو الأمين -حكما فى هذا النزاع، فأشركهم فى حمله بثوب، ثم أخذه بيده ووضعه فى مكانه، إنه شرف جدير بالاعتزاز به، يتذكره الرسول بعد سنوات طوال ترك فيها مكة وحرمه أهلها من زيارة البيت، حتى مكنه الله منه بعد أن انتصر وعز، ورفع الله ذكره.
كل ذلك يمكن أن يكون حيثيات للاهتمام الزائد من النبى ﷺ بهذا الحجر، مع العلم بأن تقبيل الحجر ليس عبادة له أبدا، فالعبادة لله وحده، كما أن الطواف بالبيت ليس عبادة للبيت، بل للَّه سبحانه الذى أمر به فى قوله ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ الحج:٢٩، وقال فى امتنانه على قريش ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ قريش: ٣، فتقبيل الحجر ليس عبادة له، ولو كان فيه خطأ لم يقر الله رسوله عليه أبدا، والله لا يقر أحدا على شرك فى عبادته.
وشعور عمر عند تقبيل الحجر هو شعور الموحد للَّه سبحانه والمقتدى بالرسول ﷺ ، فإن الإقتداء به مطلوب.
وشعور الرسول بتقبيله هو أيضا شعور الموحد له سبحانه المعترف الشاكر لنعمه عليه وعلى أبيه إبراهيم ﵇، وشعور المشتاق للجنة، فقد قيل إن الحجر من الجنة وكان أبيض فسودته خطايا بنى آدم وإن لم يكن الخبر قطعى الثبوت كما قدمنا.
فالرسول ﷺ بكل هذه المشاعر والأحاسيس يقبل الحجر الأسود، وهو فى قمة التوحيد للَّه وإخلاص العبادة له سبحانه
стр. 4303
وقت رمى الجمرات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو الوقت المحدد لجواز رمى الجمرات فى الحج؟
الجواب
الجمرات ثلاثة، جمرة العقبة وهى الكبرى التى تلى مكة، والجمرة الوسطى، والجمرة الصغرى التى تلى مسجد الخيف. والواجب فى يوم النحَر هو رمى جمرة العقبة فقط بسبع حصيات، حتى يمكن بعد رميها وحلق الشعر أو تقصيره التحلل من الإِحرام ومباشرة ما كان محرما إلا قربان النساء.
ويدخل وقت الرمى عند الشافعية بمنتصف ليلة العيد، أي قبل الفجر، بدليل ما رواه البيهقى بإسناد صحيح أن النبى ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر، فرمت قبل الفجر ثم أفاضت.
وبما رواه أبو داود أيضا عن عطاء قال: أخبرني مخبر عن أسماء أنها رمت الجمرة، قلت آنا رميت الجمرة بليل، قالت: إنا كَنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ .
وقال جمهور الفقهاء: يدخل وقت رميها بطلوع الفجر، فلا يصح الرمى قبله، إلا لذوى الأعذار، وعليهم يحمل حديث أم سلمة وأسماء، والأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس.
أما الجمرات الثلاث فترمى فى أيام التشويق، كل منها بسبع حصيات، ويدخل وقت رميها عند زوال الشمس (أى ظهرا) للحديث الذى رواه أحمد وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن، عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ رمى الجمار عند زوال الشمس، أو بعد زوال الشمس، وذلك باتفاق العلماء. وأجاز أبو حنيفة الرمى يوم الثالث من أيام التشريق قبل الزوال، لحديث ضعيف فيه عن ابن عباس أيضا: إذا انتفخ النهار من يوم النفر الآخر حل الرمى والصدر، والانتفاخ هو الارتفاع، والصدر أى الانصراف من منى.
وهناك رى لعطاء بن أبى رباح وطاووس بن كيسان بجواز الرمى قبل الزوال فى الأيام كلها، ويمكن الأخذ بهذا الرأى عند الحاجة، كشدة الزحام
стр. 4304
المبيت بمنى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندى عذر يمنعنى من المبيت فى منى، فماذا أفعل؟
الجواب
المبيت بمنى ليالى التشريق واجب من واجبات الحج، لو ترك كان فيه هدى، وهو شاة فمن لم يستطع صام عشرة أيام، ثلاثة فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكيف يصوم الأيام الثلاثة فى الحج؟ قيل يصومها ما دام موجودا هناك لم يعد إلى وطنه، وقيل فى موسم الحج، وقيل أيام التشريق الثلاثة للضرورة كما قال عبد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهما: لم يرخص فى أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لا يجد لهدى وترك المبيت ليلة كترك المبيت فى الليالى الثلاثة - والمراد بالمبيت الحضور بمنى معظم الليل، سواء فى أوله أو فى آخره.
والمبيت واجب ليلتين إذا نفر قبل غروب شمس اليوم الثانى من أيام التشريق، وهو اليوم الثانى عشر من ذى الحجة، فإن غربت عليه الشمس بمنى وجب أن يبيت فيها، وهو واجب عند الأئمة الثلاثة، وجعله أبو حنيفة مندوبا، من تركه فلا شىء عليه. وأطال مدة النفر من اليوم الثانى عشر فجعلها حتى قبيل فجر اليوم الثالث عشر. وقال ابن حزم: من لم يبت فى منى فقد أساء ولا شىء عليه.
ومن قالوا بعدم وجوبه استندوا إلى ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إذا رميت الجمار فبت حيث شئت.
والكل متفق على أن المبيت يسقط عن ذوى الأعذار، فقد روى البخارى أن العباس عم النبى ﷺ استأذنه أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته، فأذن له. وروى أصحاب السنن الأربعهَ:
أبو داود وابن ماجه والنسائى والترمذى وقال الترمذى: هو صحيح - عن عاصم بن عدى أن النبى ﷺ رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى.
وعلى هذا لو كان المبيت بمنى فيه مشقة على مريض لا يجد علاجا أو راحة فيها فبات بمكة يمكن أن يأخذ برأى أبى حنيفة ومن معه بأن المبيت سنة لا شىء فى تركه، وإن كان الأولى أن يذبح مراعاة لرأى الجمهور القائل بأن المبيت واجب، وإذا قيس المرض على أعذار السقاة فلا شىء على ترك المبيت بمنى
стр. 4305
الحج على نفقة الدولة وبجوائز المسابقات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يزعم البعض أن أموال الدولة مصدرها حرام وبالتالى لا يجوز للفرد أن يحج على نفقتها، أو من خلال الفوز فى المسابقأت الدينية التى تنظمها الهيئات الحكومية، فما مدى صحة هذا الكلام؟
الجواب
ليست أموال الدولة كلها من مصدر حرام، وإذا اختلط الحلال بالحرام واستحال فصل أحدهما عن الآخر فلا مانع من الأخذ منه، لعل ما أخذ يكون من الحلال، وقد أخذ الرسول ﷺ الجزية من اليهود وكانت أموالهم مشوبة بالحرام من الربا والاتجار فى المحرمات.
وعليه فيجوز الحج على نفقة الدولة، وتسقط الفريضة، وكذلك يجوز الحج من خلال الفوز فى المسابقات الدينية التى تنظمها الهيئات الحكومية، والأمر على ذلك منذ مئات السنين، وعلماء الدين لا يعترضون على ذلك، بل يقبلونه وينالون منه.
ولماذا نتشكك فى أموال الدولة هنا ونقبلها فى أجورنا ومرتباتنا، وننتفع بها فى المساجد والمرافق العامة التى تقيمها وتتولى رعايتها وفى غير ذلك من كل ما تقوم به الدولة من الخزانة العامة التى تصب فيها الضرائب والتبرعات والقروض والبيع والتصدير وغير ذلك؟
стр. 4306
حج المرأة بدون محرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تقدمت سيدة بطلب للحج فقيل لها: لابد من محرم معها، فماذا تفعل؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها ". ورويا أيضا أن رجلا قال للنبى ﷺ إنه اكتتب فى الغزو، وإن امرأته قد خرجت للحج، فقال له "حج مع امرأتك ". إزاء هذين النصين وغيرهما اختلف العلماء فى اشتراط المحرم فى وجوب الحج على المرأة، وبعيدا عن اختلافهم فى تقدير المسافة، قال الحنفية: لابد من وجود الزوج أو المحرم، إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل. وقال الشافعى فى المشهور عنه كما ذكره النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٩ ص ١٠٤ ": لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. وقال أصحابه: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، وقال بعضهم:
يلزمها -أى الحج -بوجود امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها فى جملة القافلة وتكون آمنة، ويقول النووى: المشهور من نصوص الشافعى وجماهير أصحابه هو الأول، أى الأمن على نفسها بالزوج أو المحرم أو النسوة الثقات. والإمام مالك لا يشترط الزوج أو المحرم فى سفر الفريضة، وقال الباجى من المالكية: إن الكبيرة غير المشتهاة يجوز سفرها بلا زوج ولا محرم، ورفض القاضى عياض هذا القول لأن المرأة مظنة الطمع والشهوة حتى لو كانت كبيرة، ولوجود السفهاء الذين لا يتورعون عن الفحشاء فى الأسفار. والإمام أحمد اشترط وجود الزوج أو المحرم فى وجوب الحج عليها، وفى رواية أخرى عنه: لا يشترط ذلك فى سفر الفريضة. يقول النووى بعد حكاية مذهب الشافعى: إن هذا الخلاف إنما هو فى الحج الواجب، أما حج التطوع وسفر الزيارة والتجارة وما ليس بواجب، فقال بعضهم: يجوز خروجها مع نسوة ثقات، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح ونوجه النظر إلى أن من اشترط المحرم أو الزوج اشترطه لوجوب الحج عليها، ولرفع الإثم والحرج عنها لو سافرت بدونه، لكن لو خرجت للحج بدون ذلك فإن حجها صحيح متى استوفى أركانه وشروطه، وتسقط به الفريضة عنها ولا تلزمها إعادته مع محرم، وإن كانت قد أثمت لخروجها بدون الزوج أو المحرم أو ما يقوم مقامهما على الوجه المذكور.
والحكمة فى اشتراط المحرم أو الزوج هى توفير الأمن للمرأة فى السفر، ومساعدتها على قضاء مصالحها التى تحتاج إلى اختلاط أو تعب، وقد يكون لتطور وسائل السفر وقصر مدة الغياب عن الوطن، مع توافر كل المستلزمات من ضروريات وكماليات، وسهولة الحصول عليها، ومع استتباب الأمن حيث تؤدى الشعائر بيسر، بالقياس إلى أزمان سبقت قد يكون لكل ذلك أثره فى تغير النظرة عند فهم الحديث الخاص بسفر المرأة وحدها. وقد صح فى البخارى من حديث عدى بن حاتم أن الرسول ﷺ ذكر له أنه قد يستتب الأمن حتى ترتحل الظعينة من الحيرة وتطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله.
وقد رأينا فى استعراض آراء الفقهاء -حتى بين علماء المذهب الواحد - اختلاف وجهات النظر فى حتمية المحرم أو الزوج وإمكان الاستعاضة عنهما بالرفقة المأمونة، بل فى جواز حجها بدون مرافق، حتى إن ابن حزم فى " المحلى " رجح عدم وجوب الزوج أو المحرم فى سفر الحج، فإذا لم تجد واحدا منهما تحج ولا شىء عليها. ولذلك أرى أن المدار هو على توفر الأمن والراحة لها، فإذا حصل ذلك بأية صورة من الصور، كزوج أو محرم أو رفقة مأمونة أو إشراف رسمى مسئول أو غير ذلك. وجب عليها الحج وسافرت، وقد حج نساء النبى ﷺ بعد أن أذن لهن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما وكان ذلك سنة لأنهن حججن مع الرسول ﷺ . هذه هى خلاصة ما قرأته فى المراجع الآتية: شرح النووى لصحيح مسلم ج ٩ ص ١٠٤، المغنى لأبن قدامة ج ٣ ص، ١٩٥، نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ٦ ٣٠، ٠٧ ٣ والأسرة تحت رعاية الإسلام ج ٢ ص ٢٣٠
стр. 4307
الحج أو الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رجل يريد الحج لأول مرة وله ابن غير قادر على تكاليف الزواج، فهل يؤدى الفريضة أم يساعد ابنه على زواجه؟
الجواب
لا يجب على الوالد أن يزوج ولده أو يساعده فى زواجه، فذلك مندوب فقط، والحج للقادر عليه لأول مرة واجب. وإذا تعارض واجب ومندوب قدم الواجب، فعلى الرجل أن يؤدى فريضة الحج أولا، لأنه مستطيع، وفى الحديث تهديد لمن قدر على الحج ولم يحج، وبخاصة أن جمهور الفقهاء قالوا: إن وجوب الحج على الفور وليس على التراخى، فالتأجيل فيه إثم عندهم. وعلى الولد أن يصبر حتى يغنيه الله ويستطيع الزواج، كما قال تعالى ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ النور: ٣٣، وكما قال النبى ﷺ " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" أى قاطع، رواه مسلم. والباءة هى تكاليف الزواج. وإذا كان الولد محتاجا إلى الزواج ليعف نفسه فعليه أن يتزوج من وسط يتناسب مع قدرته ومستواه المادى، وفى النساء كثيرات يوافقن على ذلك بدون مغالاة فى المهور والجهاز.
ومثل ذلك يقال فى تجهيز الوالد لبنته، فهو سنة غير واجب، أما الحج فهو واجب يقدم على السنة. وكذلك إذا كان الشاب مستطيعا بمال يكفيه أحد الأمرين، الحج المفروض لأول مرة، أو الزواج فإذا كان مستقيما يستطيع أن يبتعد عن الفاحشة كان زواجه سنة وحجه واجبا فيقدم الواجب، أما إذا كان ضعيفا أمام شهوته -إن لم يتزوج بسرعة وقع فى الفاحشة -كان زواجه واجبا ولا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع، فالاستطاعة تكون بعد كفاية الضروريات، والزواج ضرورى له فى هذه الحالة، والزواج فيه درء للمفاسد فيقدم على الحج الذى فيه جلب للمصلحة كما تقتضيه قواعد التشريع. أما إذا كان الحج مندوبا أى للمرة الثانية فله الخيار بين الحج والزواج، أو مساعدة الابن أو البنت
стр. 4308
الحج وتكفير التبعات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم من يرتكب المعاصى ويهمل فى الطاعات ثم يقول: سأحج لأن الحج يغفر كل الذنوب؟
الجواب
قال الله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨، وقال ﷺ " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " رواه البخارى ومسلم. وقال "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه البخارى ومسلم. يقول العلماء: إن الذنوب منها كبائر ومنها صغائر، كما قال تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ النساء: ٣١، وقال تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ النجم: ٣٢، والصغائر مكفراتها كثيرة، فإلى جانب التوبة والاستغفار يكفرها الله بأى عمل صالح، قال تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود: ١١٤، وقد نزلت فى رجل ارتكب معصية وفال له النبى ﷺ " أشهدت معنا الصلاة"؟ قال: نعم، فقال له "اذهب فإنها كفارة لما فعلت " وقال ﷺ " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر" رواه مسلم، وقال "واتبع السيئة الحسنة تمحها" رواه الترمذى بسند حسن. أما الكبائر فتكفرها التوبة النصوح كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ التحريم: ٨، وكما قال بعد ذكر صفات عباد الرحمن وأن من يفعل الكبائر يضاعف له العذاب ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفورا رحيما﴾ الفرقان:
٧٠،. أما الأعمال الصالحة غير التوبة فلا تكفر الكبائر، لأن هذه الأعمال الصالحة لا تؤثر فى تكفير الذنوب الصغيرة إلا إذا اجتنيت الكبائر كما تقدم فى حديث مسلم. وعلى هذا قالوا: إن النصوص العامة التى فيها تكفير الأعمال الصالحة لكل الذنوب - كحديث الحج المتقدم - مخصوصة بالذنوب الصغيرة، أما الكبيرة فلا يكفرها إلا التوبة. وليكن معلوما أن التوبة لا تكفر الذنوب التى فيها حقوق العباد لأن من شروطها أو أركانها أن تبرأ الذمة منها، إما بردها لأصحابها وإما بتنازلهم عنها، وبالتالى فالحج أو غيره من الطاعات لا يكفر الذنب الذى فيه حق للعباد حتى تبرأ الذمة منه ويؤيد ذلك أن الشهادة في سبيل اللَّه، وهى فى قمة الأعمال الصالحة، لا تكفِّر حقوق العباد، كما ورد فى حديث مسلم " يغفر اللَّه للشهيد كل شىء إلا الديْن ". أما الذنوب التى هى حق للَّه فهى قسمان، قسم فيه بدل وعوض، وقسم ليس فيه ذلك، فالأول كمن أذنب بترك الصلاة أو الصيام فلا يكفر إلا بقضاء ما فاته من صلاة وصيام كما وردت بذلك النصوص الصحيحة، والثانى كمن أذنب بشرب الخمر مثلا، فإن مجرد تركه والتوبة منه يكفره الله تعالى، والتوبة تكون بإقامة الحد عليه إن كانت الحدود تقام، وإلا فهى الإِقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العود. هذا، وقد وردت نصوص تدل على أن التبعات والمظالم يكفرها اللَّه بالحج، لكن هذه النصوص غير قوية فلا تعارض ما هو أقوى منها، فالتوبة لا تكفر التبعات والمظالم إلا ببراءة الذمة، وكذلك الحج لا يكفرها إلا بذلك.
وكل ما تقدم محله إذا لم تتدخل مشيئة الله، فإن تدخلت غفر الله كل شىء من الذنوب يقع من العبد ما عدا الإِشراك بالله كَما قال سبحانه ﴿إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ١١٦،. وعلى هذا، فالرجل الذى يفعل المعاصى اعتمادا على أن الحج يكفرها - لا يجوز له أن يرتكن على الحديث المذكور، ولا أن يرتكن على مشيئة الله الذى يغفر الذنوب جميعا، فربما لا يكون هو ممن يشاء الله المغفرة لهم " المواهب ج ١ ص ٣٣٨ وابن تيمية ج ١٨ ص ١٤١ وحاشية عوض على الخطيب ج ١ ص ٢١٦"
стр. 4309
طواف الوداع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كنت مريضا فى الحج وتحتم سفرى فسافرت ولم أطف طواف الوداع فهل حجى صحيح وهل من السنة ما يفعله الناس بعد الطواف من خروجهم من المسجد بظهورهم ووجوههم إلى الكعبة؟
الجواب
من الذوق إذا زار الإنسان أخاه وأراد أن يفارقه أن يثنى عليه لكرم استقباله وضيافته، كما يثنى عليه أخوه ويشكره لزيارته، ومن أدب الإسلام إذا دخل الإنسان مجلس قوم أن يسلم عليهم، فإذا فارقهم سلم عليهم أيضا، فليست الأولى بأحق من الآخرة، كما ثبت فى الحديث الذى رواه الترمذى.
والزائر لبيت الله زائر لربه، وقد لقى منه أثناء الزيارة نفحات وبركات، فليس من اللائق أن يفارق البيت دون عمل شيء يدل على تأثره لمفارقته، وكما حيا البيت عند دخول المسجد بطواف القدوم فلتكن تحيته عند مفارقته بالطواف الذى يطلق عليه طواف الوداع.
وهو يكون عند العزم على مغادرة البيت مغادرة نهائية لا وقتية، بحيث لا يمكث بعده قى مكة إلا لقدر ما يعد للسفر إعدادا سريعا.
واتفق العلماء على أن طواف الوداع مطلوب لما رواه مسلم وأبو داود عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان الناس ينصرفون فى كل وجه، فقال النبى ﷺ "لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت " وروى مالك فى الموطأ عن عمر رضى الله عنه قال: آخر النسك الطواف بالبيت.
لكن ما هى درجة طلبه؟ قال الشافعى وأبو حنيفة وأحمد إنه واجب، يلزم بتركه دم، وقال مالك: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، وهو قول للشافعى.
ومهما يكن من درجة طلبه فإن المرأة إذا كانت حائضا يسقط عنها، لما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت. وفى رواية: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
ونقول لصاحب السؤال: إن أخذت برأى الجمهور وجب عليك ذبح شاة، فإن لم تجد فعليك صيام عشرة أيام فى بلدك ما دمت قد غادرت الحرم، وإن أخذت برأى مالك فليس عليك شيء، ولا حرج عليك، وحجك صحيح إن شاء الله.
أما ما يفعله بعض الناس من الخروج بظهورهم فلم يرد شيء عن النبى ﷺ ولا عن الصحابة، وإنما هو عرف فى الأدب، عند بعض الناس، لا نستطيع أن نحكم عليه بالحرمة، إلا إذا كان فيه إيذاء للغير، أو تعريض نفسه للأذى، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار، كما ورد فى الحديث الذى رواه مالك وابن ماجه والدارقطنى بإسناد حسن، والذى يسن بعد الطواف هو أن يقف الطائف عند الملتزم ويدعو ربه بالرضا عنه وبالعافية والصحة والعصمة وحسن المنقلب والتوفيق للطاعة، وبألا تكون هذه المرة هى آخر العهد بالبيت
стр. 4310
الإطعام بدل الصوم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
معلوم أن المتمتع - وهو الذى يحرم بالعمرة فى أشهر الحج عليه هدى، فإن لم يجد صام عشرة أيام، فهل يجوز له أن يطعم بدل الصيام؟
الجواب
إن الفدية الواجبة للتمتع مقدرة مرتبة وليست مخيرة، فلا يجوز له العدول عن الواجب إلا إذا عجز منه، والقرآن الكريم نص على أن المتمتع يجب عليه الهدى، فإن عجز وجب عليه الصيام. ولم يأت نص فى القران أو السنة على بديل للهدى والصيام قال تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ البقر: ١٩٦.
فإذا كان قادرا على الصوم فلا يجوز له الإطعام، كالقادر على صيام رمضان لا يجوز له أن يطعم، أما إن كان عاجزا عن الصوم لكبر سن أو لمرض لا يرجى برؤه، فيقاس على من عجز عن صيام رمضان، ويطعم عن كل يوم مسكينا، فإن مات ولم يطعم وكان قادرا على الإطعام، وجب الإطعام من تركته، لأنه دين يقدم على الميراث. أما إذا لم يكن قادرا على الإطعام فلا شىء عليه "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ولا يلزم ورثته بشىء لأنه مات فقيرا ولا ميراث له، ولا يقاس على من مات وعليه صيام لأن الذى عليه هو الإطعام وليس الصيام.
مع أن الذى مات وعليه صيام لا يوجد نص بالإطعام عنه.
والقادر على الصيام ولم يصم حتى مات مات عاصيا، يقاس على من مات وعليه صيام من رمضان، لأن كلا من الصيامين وجب الشرع، فذهب بعض الفقهاء، ومنهم أبو حنيفة وأحمد ومالك والشافعى فى المشهور عنه إلى أن وليه لا يصوم عنه، بل يطعم عن كل يوم مسكينا، والمذهب المختار عند الشافعية، أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى طعام عنه، ولا يصح أن يصوم الأجنبى عنه بدون إذن الولى، فقد روى البخارى وأحمد أن النبى ﷺ قال "من مات وعليه صيام صام عنه وليه ".
وفى رواية للبزار زيادة "إن شاء " وسندها حسن. وروى أحمد وأصحاب السنن أن رجلا قال للنبى ﷺ إن أمى ماتت وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه "؟ قال نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقض ".
وهذا القول هو الصحيح المختار كما قال النووى، لأنه حكم ورد فيه دليل، أما الرأى الاَخر فليس عليه دليل منصوص.
جاء فى المغنى لابن قدامة"ج ٣ ص ٥٠٩"ما نصه: ومن لزمه صوم التمتع فمات قبل أن يأتى به لعذر منعه عن الصيام فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه كما يطعم عن صوم أيام من رمضان، ولأنه صوم وجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان
следующие страницы →