Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
الكذب بين الزوجين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
متى يباح للزوجة أن تكذب على زوجها، وهل هناك من الحديث الشريف ما يؤيد ذلك؟
الجواب
تقدم فى ص ٦٠٥ من المجلد الأول من هذه الفتاوى أن الكذب لا يجوز إلا عند الضرورة كالحالات الثلاثة المذكورة فى الحديث، ومنها الكذب بين الزوجين، وهذا الكذب المسموح به بين الزوجين هو فى مثل قوله لها أو قولها له: أنا أحبك، وقد يكون الواقع غير ذلك، او فى مثل قوله عند طلب شىء منه لا يستطيعه: سأحضره لك، وذلك لتطييب خاطرها فقط. جاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى "ج ٣ ص ١٢٠ " أن ابن أبى عذرة الدولى حلف على زوجته أن تصدقه فى أنها تحبه أو لا تحبه، فأخبرته أنها لا تحبه، فاختصما إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فسألها: هل تحدثت أنك تبغضين زوجك؟ قالت: نعم، لأنه أنشدنى الله. أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبى، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، أقل البيوت الذى يبنى على الحب.
وذكر القرطبى فى تفسيره "ج ٥ص ٢٠٩" خبر عبد الله بن رواحة الذى كذب على زوجته فى أنه باشر جاريته عندما رآها تحمل شفره -سكينا-لضربه حين رأته معها، وقال شعرا يوهمها بأنه قرآن، والجنب لا يقرأ القرآن، وعلم الرسول بذلك فضحك حتى بدت نواجذه، كما ذكر هذه القصة أيضا ابن القيم، في كتابه "إغاثة اللهفان ص ٢٠٨، ٢٥٧" ومن هنا يعلم أن الترخيص فى الكذب بين الزوجين يكون فى أضيق الحدود، وفيما يوثق العلاقة بينهما، ويوفر الاستقرار فى الأسرة، أما الكذب فى الأمور التى تهدد كيان الأسرة، كغيابها أو غيابه عن البيت فى متعة حرام، وادعاء أن الغياب كان بحكم العمل أو لقضاء مصالح، والواقع خلاف ذلك فهو حرام لا شك فيه، ومن أجل هذه الناحية وغيرها أرشد الإسلام إلى تلمس ناحية التدين فى كل من الرجل والمرأة عند الإقدام على الزواج، والنصوص فى ذلك معروفة
стр. 4587
التمريض بين الرجل والمرأة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى مهنة التمريض حيث تنكشف عورات المرضى أثناء علاجهم؟
الجواب
سبق الكلام على العلاج بين الجنسين فى ص ١٣٥ من المجلد الخامس، وأؤكد هنا أن أى عمل فيه اطلاع على العورات حرام، ولا يجوز إلا عند الضرورة حيث لا يوجد الجنس الذى يعالج جنسه، ومعلوم أن الضرورة تقدر بقدرها فلا يجوز تجاوز الحد فى استعمال هذه الرخصة، ومما يدل على تمريض الجنس للجنس الأخر عند الضرورة أن النبى ﷺ أذن لامرأة أن يحجمها رجل، وجاء فى "فتح القدير" ج ٨ ص ٩٨ أن عبد الله بن الزبير استأجر عجوزا تمرضه، وكانت تغمز رجليه وتنظف رأسه وقال ابن مفلح فى كتابه "الآداب الشرعية" فإن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها حتى الفرجين، وكذا الرجل مع المرأة، ونقل عن ابن حمدان وغيره مثل هذا الكلام، وقد أذن النبى لامرأة أن يحجمها رجل اسمه أبو طيبة.
هذا، وإذا لم يوجد الجنس الماهر فى العلاج، أو وجد ولكن لم يكن ماهرا فلا مانع من العلاج عند الجنس الآخر الماهر، فالخطأ فى العلاج خطير، والدين حذر من تعريض النفس للتهلكة كما هو معروف
стр. 4588
الإشهاد فى عقد الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى شهادة شخصين أجنبيين غير ناطقين باللغة العربية على زواج مسلم من مسلمة ناطقين باللغة العربية وإشهار وإتمام هذا الزواج فى دولة أجنبية، وهل يشترط كتابة عقد الزواج؟
الجواب
فى هذا السؤال عدة نقط:
١ - مبدأ اشتراط الشهادة على عقد الزواج قال به جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة. وذلك لحديث أحمد والدارقطنى"لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل " والشيعة الجعفرية لا يشترطون الشهادة فى عقد الزواج، فهو عندهم صحيح بدونها، لكنه أمر مستحب فقط كالإعلان، لأن القرآن لم يشترط الشهادة فى النكاح، والحديث المذكور لم يثبت عندهم، وصرح الباقر والصادق من أئمتهم بعدم اشتراطها.
٢ -هذا الزواج بين مسلم ومسلمة، فيشترط فى الشاهدين الإسلام، لأن الشهادة فيها معنى الولاية والله يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ النساء: ١٤١، فإذا كان الشاهدان على هذا الزواج غير مسلمين بطل العقد.
٣- يشترط فى الشاهدين أن يفهما المراد من كلام العاقدين إجمالا وإن لم يفهما معانى المفردات. فلو كانا لا يفهمان المراد فلا يصح العقد، ويشترط سماعهما لكلام العاقدين إن كان العقد بالكلام، أما لو كان بالإشارة فلا بد من فهم المقصود من الإشارة.
وكتب الحنفية فيها خلاف لفقهائهم فى شرط السماع والفهم، فمنهم من جعل الشرط هو حضور الشاهدين فقط وإن لم يسمعا، ومنهم من يقول: لابد من السماع، وهو الأصح. ومنهم من لم يشترط فهم الشاهدين للغة العقد، لكن الأصح أنه يشترط فهمهما للغة العقد ووفق بعض الفقهاء بين القولين "اشترط الفهم وعدمه " فقال: إن اشتراط الفهم محمول على فهم المقصود إجمالا من كلام العاقدين وانهما يقصدان عقد الزواج، وعدم اشتراطه محمول على فهم معانى الألفاظ بعد فهم أن المراد عقد الزواج، فيكون الأصح فى المذهب اشتراط السماع والفهم إجمالا للمقصود ولا يشترط فهم معانى الألفاظ، بل يكفى أن هذا اللفظ يقصد به الزواج " أحكام الأسرة فى الإسلام للدكتور محمد مصطفى شلبى".
٤ - أما إشهار وإتمام هذا الزواج فى دولة أجنبية فلا دخل له فى صحة الزواج وكذلك كتابة عقد الزواج ليست شرطا فى صحته، فقد كانت عقود الزواج فى القرون الماضية لا تسجل، لكن فى هذه الأيام لابد من الكتابة، لا لصحة المعاشرة الزوجية، بل لحفظ الحقوق وعدم التقصير فى أداء واجب.
بعد هذا نقول: إن كان الشاهدان يفهمان إجمالا ما يحصل من كلام المتعاقدين الدال على الزواج فالزواج صحيح، وعلى رأى عند بعض الأحناف يصح الزواج بمجرد حضورهما وإن لم يفهما ما يقوله المتعاقدان
стр. 4589
عقم الزوجة والزوج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعد أن تزوجت وتأخر حمل الزوجة عدة سنوات عرضتها على الأطباء المختصين فقرروا أنها لن تنجب لوجود عيب خلقى يمنع الإنجاب فهل عقد الزواج صحيح وهل ينفسخ بعد ظهور العيب أو لا ينفسخ؟ وما الحكم إذا ظهر أن الزوج لا يستطيع الإنجاب؟
الجواب
لقد تحدث الفقهاء عن العيوب التى تعطى الزوج الحق فى فسخ النكاح ومنها البرص والجذام والجنون والرتق - أى انسداد مدخل الذكر من الفرج -والقرن شىء يبرز فى الفرج كقرن الشاة أو غدة تمنع المخالطة. وقال بذلك الأئمة الثلاثة دون أبى حنيفة.
واتفق الفقهاء على أن عقم المرأة وعدم إنجابها ليس عيبا فيها يمنع استمتاع الزوج بها، فليس له خيار الفسخ لأن الإنجاب يرجع إلى إرادة الله سبحانه.؟ ومن هنا لا ينفسخ العقد بظهور عدم إنجاب الزوجة. ولكن له الحق فى طلاقها وتترتب أحكام الطلاق فى هذه الحالة، كأية حالة أخرى، فما دام الزوج قد دخل بها فلو طلقها كان لها مؤخر الصداق، ونفقة العدة وليس له أن يلزمها بإبرائه أو التنازل عن شىء من حقوقها إلا إذا طلبت هى الطلاق فيمكن التفاهم على ما تتنازل عنه، وهذا ما يجرى عليه العمل فى المحاكم المصرية طبقا للقانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ م.
وإذا ظهر أن بالزوج عيبا يمنع الإنجاب. كأن كان مجبوبا -أى مقطوع الذكر-أو عنينا - أى غير قادر على الجماع لضعف خلقى أو كبر السن مثلا-أو خصيا-أى مقطوع الخصيتين -فللزوجة أن ترفع الأمر إلى القضاء لطلب التفريق بينه وبينها، وإذا ثبت ذلك عند القاضى بأى طريق من طرق الإثبات أمر الزوج بتطليقها، فإن لم يطلقها ناب عنه القاضى فى تطليقها منعا للضرر الذى يلحقها -وهذا الطلاق يكون بائنا بينونة صغرى.
لكن التفريق مشروط بعدم علمها بحالته قبل الزواج، وبألا يوجد منها ما يفيد رضاها بالمكث معه بعد الزواج والعلم بحاله.
والتفريق بسبب الجب فى الحال لا يحتاج إلى ضرب أجل، وبسبب العنة يمهل الزوج سنة لعله يقوى بالعلاج أو بغيره على الجماع،وبسبب الخصاء يمهل الزوج سنة. والتفريق بسبب الجب والعنة والخصاء يعتبر طلاقا عند الحنفية والمالكية وأكثر العلماء.
هذا وإذا فرق بين الزوجة وزوجها العنين أو الخصى وكان قد خلا بها، فإنها تستحق جميع المهر، لأنها خلوة صحيحة وعليها العدة للاحتياط، وإذا كان مجبوبا وخلا بزوجته ثم فرق بينهما كان لها جميع المهر أيضا عند أبى حنيفة، ولها نصفه عند أبى يوسف ومحمد صاحبيه، وعليها العدة باتفاق الجميع بذلك للاحتياط. "الأحوال الشخصية للشيخ عبد الرحمن تاج ص ٣٤٧ - ٣٥٠ "
стр. 4590
وحم الحامل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
رأيت فى بعض كتب الفقه أن من ضمن نفقة الزوج لزوجته إحضار ما تتوحم عليه أثناء الحمل. فهل هذا صحيح، وهل الوحم نفسه صحيح؟
الجواب
إن إنفاق الزوج على زوجته معروف أنه واجب والنصوص فيه كثيرة، وأهم أنواعها الطعام والكسوة والمسكن، وقد قرر بعض الفقهاء، ومنهم الشافعية، أن من المعاشرة بالمعروف التى أمر الله بها الأزواج توفير الكماليات لها مما تقض به العادة، وقد جاء فى حاشية الشيخ عوض على شرح الخطيب "الإقناع " لمتن أبى شجاع فى فقه الشافعية "ج ٢ ص ١٩٠ " أنه يجب عليه لها فطرة العيد وكحك العيد وسمكه ولحم الأضحية وحبوب العشر والبيض فى خميس البيض وما تحتاجه عند الوحم.. .
إن من المشاهد أن الحامل إذا توحمت على شىء ظهر أثره فى تكوين الجنين بصور مختلفة، بل إنها إذا توحمت عليه أثناء رضاعة الطفل ظهر الأثر أيضا. وقد أنكر كثير من الباحثين ذلك. لكن شوهد أن بعض النساء تأتى بمولود فيه شبه بأحد الناس أو بأحد الحيوانات، دون أن يكون هناك اتصال جنسى بينهما، أو اتصال بنسب ينحدر منه هذا الشبه، فهل يمكن أن يقال: إن التأثرات النفسية العصبية قد تكون بمثابة رسل أو وسائط توصل هذه الانطباعات إلى جسم الجنين أو الرضيع عن طريق اللبن؟ .
رأيت فى سفر التكوين "إصحاح ٣٠" ما يبين قدم هذه الظاهرة ومحاولة استغلالها وهى أن يعقوب وضع قضبانا من فروع الشجر مخططة فى مساقى الغنم، لتتوحم عليها وتلد أغناما مخططة. فليتأمل.
وهذا يؤيد الرأى القائل: إن الصفات المكتسبة تورث إذا أثرت تأثيرا عميقا فى الأغصاب والأحاسيس. وفى ذيل تذكرة داود الأنطاكى "ص ٣١ " أن شبه الولد بوالديه قد يكون من التخيلات والأوهام ساعة الاتصال الجنسى، أو من تخيلات الحامل زمن تخلق الجنين.
وتحدث العلماء عن حمل الغيرة، لأنها عبارة عن انفعال عصبى شديد يؤدى إلى حدوث انفعالات فى خلايا المخ -تؤثر بدورها على جزء منه يسمى " الهيبوتلاس " فتزداد إشارته العصبية الموجهة إلى الغدة النخامية فيزداد بالتالى إفرازها للهرمونات التى تساعد على حدوث التبويض "دكتور إسماعيل صبرى - الأهرام ٢٧ / ١٢ / ١٩٨١ ".
كما تحدثوا عن الحمل الكاذب وأثره. فى تغيرات الجسم، يقول الدكتور أحمد زكى:
إن المرأة شديدة الرغبة فى الحمل أو شديدة الخوف منه تحدث لها أعراض الحمل وليس بها حمل، فينقطع حيضها ويثقل ثدياها، وتعرض لها فترة من الوحم والقىء ويكبر بطنها رويدا رويدا، كأن فيه جنينا ينمو شهرًا بعد شهر، ولو استمر ذلك الأمر حتى تبلغ أشهر الحمل لجاءها مخاض كاذب، بل استدعاء وطلق كالولادة غير أنها لا تلد شيئا.
كل هذا دليل على ما للحالة النفسية من أثر، لا على العقل الواعى فحسب ولكن حتى فيما لا إرادة فيه ولا وعى كهذه الأعراض "مجلة العربى يونية ١٩٦٨ ص ١٣٩ ".
ويقول ابن القيم: الحجَّام يرى الخرَّاج فيشمئز منه فيخرج له مثله، ومداوى رمد يقشعر فيحصل له مثله، كالتثاؤب لمن يرى متثائبا "زاد المعاد - الاستفراغ بالقىء"، ويمكن الرجوع فى هذا الموضوع إلى الجزء الرابع من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "ص. ٢٧".
والخلاصة أن ظاهرة الوحم معروفة من قديم الزمان، والعلم يشهد لها. ومن المعاشرة بالمعروف أن يهيئ الزوج لزوجته الحامل ما تميل إليه نفسها أثناء فترة الوحم. لأن له تأثيرا على الجنين، وأن يهبىء لها الجو الذى يدخل على نفسها البهجة وبخاصة أثناء الحمل والرضاعة
стр. 4591
الشروط فى عقد الزواج
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الحركات التحرريه للنهوض بالمرأة تتجه الآن إلى وضع قيود فى عقود الزواج تضمن للزوجة حقها وتساعدها على الإسهام بحرية فى تنمية المجتمع. فهل فى الشريعة الإسلامية ما يكفل للمرأة ذلك؟
الجواب
إلى جانب ما تقدم ذكره فى صفحة ٣٥١ من المجلد الثالث من هذه الفتاوى وكذلك فى صفحة ٢٥٤ من المجلد الرابع، وفى صفحة ٢٦٠ من المجلد الأول، وفى غير ذلك من المواضع التى تبين إنصاف الإسلام للمرأة والإشادة بدورها فى حياة الأسرة والمجتمع.
والضمانات التى تصون عن الانحراف فى الحقوق والواجبات - إلى جانب ذلك أقول:
١ -إن الجهل بالإسلام يؤدى إلى الانحراف فى كل شىء، وإلى التردى فى هواية التقليد الأعمى. ثم نسبة ذلك إلى الإسلام وهو منه برئ.
إن التشريع الإسلامى نظم العلاقة بين الرجل والمرأة مراعيا الاستعداد الطبيعى لكل منهما، والمهمة الأساسية التى خلقا من أجلها، والمكان المناسب الذى يباشر فيه كل منهما نشاطه، بروح التعاون والاشتراك فى المسئولية لصالح الطرفين ولصالح المجتمع.
٣ -إن عدم الفهم الصحيح لهذا الإطار التعاونى ولإمكانات كل من الطرفين. يتيح الفرصة للتأثر بالآراء المتطرفة. ويحمل المرأة بالذات على النضال من أجل المساواة الكاملة بينها وبين الرجل، مع التغاضى عن التفاوت فى القدرات ونسيان شرف المهمة الأساسية المناسبة لها، وهذا يحول الرجل من شعوره بالحب نحو المرأة والعطف عليها لضعفها ورقتها، إلى الشعور بالكراهية والنفور، وإلى الغلظة والقسوة فى معاملتها، شأن كل عدوين يناضلان فى معركة حامية وجها لوجه.
وتنقلب الحياة الزوجية بالذات من السكن والمودة اللتين جعلهما الله آية من آيات حكمته ونعمة من أكبر نعمه فى خلق المرأة للرجل والتزاوج لتكوين أسرة مستقرة هى اللبنة الأساسية فى بناء المجتمع والخلية الأولى فى جسم الجنس البشرى المؤهل لتحقيق الخلافة فى الأرض - تنقلب إلى جحيم يصلاه كل منهما ويصلاه النسل والمجتمع كله.
وبهذا التحول فى الشعور نحو الطرفين سيكون أول من يكوى بناره هو المرأة التى بدأت المعركة وحاولت أن تصمد فيها على الرغم من شعورها بقسوة المعاناة، وحينئذ يصدق عليها المثل القائل: "على نفسها جنت براقش " وصدق الله إذ يقول: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ الطلاق: ١، ويقول: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ الفتح: ١٠، ويقول: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ الشورى:
٣٥.
٤ -إن خلق المرأة للرجل وعدم استغناء أحد منهما عن الآخر أمر ضرورى للتكاثر وبقاء الجنس البشرى، ضمن القانون العام الذى قال الله فيه ﴿ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ الذاريات: ٤٩.
٥ -إن التناسل البشرى ليس كالتناسل الآخر يجتمع فيه أى ذكر مع أية أنثى وينتج عن ذلك نسل ضائع بينهما، بل إن هناك تنظيما للقاء بين الرجل والمرأة أساسه الزواج الشرعى الذى تحدد فيه الحقوق والواجبات بالنسبة لكل منهما وبالنسبة للنسل الذى ينتج عنهما، ومن هنا أبطل الإسلام، بل أبطلت كل الأديان السماوية، أى لقاء بين الرجل والمرأة لا تلزم فيه الشروط والقواعد التى جاء بها الدين.
والشروط الشرعية لصحة عقد الزواج معروفة. وأى إخلال بها يفسد العقد أو يعطى الفرصة لفسخه لمخالفته لحكمة الزواج وتكوين الأسرة.
٦ -بعد هذا أقول: إن أى شرط فى عقد الزواج يتنافى مع حكمته أو مع نص شرعى أو أمر مجمع عليه يكون باطلا، وذلك لحديث "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلال " رواه الحاكم وصححه بلفظ " المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك " ولحديث البخارى ومسلم "إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج ".
وقد اتفق العلماء على عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء وترك الإنفاق والخلو من المهر، واختلفوا فى شرط الإقامة فى بلد الزوجة وألا يتسرَّى عليها أو لا يتزوج أخرى عليها.
إن اشتراط عدم زواج الزوج بزوجة أخرى ممنوع ولا يصح أن يفرضه الحاكم، ولأنه يؤدى إلى مفسدة بل مفاسد. ذلك أن المحتاج إلى زوجة أخرى، وشرط عليه الامتناع سيلجأ إلى أحد أمور كلها صعبة، إما الطلاق وإما الكبت والحرمان إن كان متدينا وإما الانحراف بالزنا إن لم يعصمه دين، وإما إلى الزواج العرفى الذى لا تقيم له الجهات الرسمية وزنا، وإما إلى التحايل لإيجاد مبررات كاختلاق عيوب فى زوجته قد يطول تحقيق هذا الاختلاق، مع ما فيه من كشف للأسرار والسوءات، فالمنع لا يحل المشكلة إن كانت مشكلة بل يزيدها تعقيدا "ج ٦ ص ١٥٥ من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ".
يقول النووى: حديث الوفاء بالشرط هو فيما يقتضيه النكاح من نفقة وعشرة بالمعروف إلى آخره، لكن ما يخالف مقصود النكاح لا يجب الوفاء به كألاَّ يقسم لها-أى يعطيها نصيبها عند تعدد الزوجات - ولا يتسرى عليها-أى لا يتمتع بأمة يملكها- ولا يسافر بها، لقول النبى ﷺ : "كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل " رواه البزار والطبرانى عن ابن عباس وصححه، وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشروط مطلقا لعموم الحديث.
يقول ابن قدامة فى كتاب المغنى "ج ٧ ص ٤٤٨ - ٤٥١ " عن حكم الشروط فى النكاح ما ملخصة. هناك ثلاثة أنواع من الشروط:
الأول: ما يلزم الوفاء به، وهو ما يعود إلى الزوجة نفعه، مثل أن يشترط لها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، فإن لم يف لها فلها الفسخ، فإن شرطت عليه أن يطلق ضرتها لم يصح الشرط، وقيل:هو شرط لازم، لأنه لا ينافى العقد، ولها فيه فائدة.
والثانى: ما يبطل الشرط ويصح العقد، كأن يشترط أن لا مهر لها، أو لا ينفق عليها، أو تشترط هى ألا يطأها، أو أن يكون لها النهار دون الليل، أو تنفق هى عليه فكلها شروط باطلة، أما العقد فهو صحيح.
والثالث: ما يبطل النكاح من أصله، كما لو اشترط تأقيت النكاح، أو أن يطلقها لوقت بعينه، أو أن يعلق النكاح على شرط، كأن يقول: إن رضيت أمها.
ومما أثر من اختلاف جهات النظر فى ذلك ما رواه الترمذى أن عمر رضى الله عنه قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط لها ألا يخرجها من مصرها-بلدها-فليس له أن يخرجها بغير رضاها. ورفع رجل إلى عمر قضية زوجته التى شرط لها دارها، وعزم على الرحيل إلى أرض أخرى، فقال له: لها شرطها، فقال الرجل: هلك الرجال، إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها، إلا طلقت، فقال عمر: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم.
وعن على رضى الله عنه أنه سئل عن ذلك فقال: شرط الله قبل شرطها. أخرجه الترمذى أيضا. وابن حجر فى "فتح البارى ج ٩ ص ١٢٤ " تحدث عن الشروط فى النكاح وقول البخارى: قال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط، وذكر قول الخطابى:
إن الشروط فى النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقا، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث -وهو: أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج - ومنها ما لا يوفى به اتفاقا، كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختلف فيه كاشتراط ألا يتزوج عليها أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله.
وذكر ابن حجر أن أحمد يقول: بوجوب الوفاء بالشروط مطلقا- وأن عمر تضادت الروايات عنه فى رجل شرط لامرأته ألا يخرجها من دارها، فمرة قال: المرأة مع زوجها ومرة قال:لها شرطها.
هذا بعض ما فى كتب الفقه، يتبين منه أن الاشتراط فئ عقد الزواج إذا كان ينافى مقصود النكاح فهو باطل، والبطلان إما للعقد وإما المشرط مع صحة العقد، أما ما لا ينافى مقصود النكاح مثل سفرها معه أو زيارتها لأهلها: فلا يبطل العقد، أما الوفاء به ففيه خلاف، قيل بوجوب الوفاء كما قال أحمد وقيل بعدم وجوبه كما قال الشافعى.
وإذا كان الفقهاء قد ضربوا أمثلة من واقع حياتهم وعصورهم فالأمثلة تختلف باختلاف البيئات والعصور، وينظر فيها على ضوء القواعد الأساسية القديمة المشار إليها فيما ذكر
стр. 4592
ماء الزنا لا حرمة له
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الإنسان لو زنى بامرأة فولدت منه بنتا يجوز له أن يتزوج هذه البنت وأنه من زنى بأخت زوجته حرمت عليه زوجته؟
الجواب
يقول النبى ﷺ "الولد للفراش وللعاهر الحجر" رواه البخارى ومسلم. جمهور الفقهاء على أن الزنا لا يثبت به نسب الولد للزانى، بل ينسب إلى أمه بالولادة، وعليه فيجوز للزانى أن يتزوج من البنت التى نتجت من زناه، ويرى الحسن البصرى أن الولد ينسب إلى الزانى، وتحمس ابن القيم لهذا الرأى قائلا: إن القياس الصحيح يقتضيه، فإن الأب أحد الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زانية به، وشد وجد الولد من ماء الزانيين وقد اشتركا فيه واتفقا على أنه ابنهما-فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدَّعه غيره؟ فهذا محض القياس، وكان الشافعى يقول بذلك فى مذهبه القديم. أما فى الجديد فماء الزنا لا حرمة له ولا يثبت به نسب.
"زاد المعاد ج ٤ ص ١٧٣ " وما بعدها وتفسير القرطبى ج ٥ص١١٤ " والأدلة والمناقشة متوفرة فيهما.
ومن زنى بأخت زوجته أو أمها أو بنتها لا تحرم عليه زوجته عند جمهور الفقهاء وعقد النكاح باق على صحته، لأن النكاح الذى يحرم ذلك هو النكاح القائم على العقد الصحيح، وليس مجرد الوطء، ولأن الزنا لا صداق فيه ولا عدة ولا ميراث، وقال به ابن عباس فى رواية وعن سعيد بن المسيب وعروه والزهرى فقد أجازوا أن يقيم الرجل مع امرأته ولو زنى بأمها أو أختها، قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزانى تزوج من زنى بها فنكاح أمها أو أختها أجوز، أى أولى بالجواز. وقال الزهرى: قال على: لا يحرم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها، وقال به أحمد، وهو رواية عن مالك. ورواية عن ابن عباس لكن الرواية ضعيفة: ففى حديث أخرجه ابن أبى شيبة "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا بنتها" وإسناده مجهول كما قال البيهقى. وهؤلاء عمموا فى التحريم الخلوة والقبلة بشهوة " فتح البارى ج ٩ ص ٥٧ "
стр. 4593
القتال فى الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى الحديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " فكيف يتفق هذا مع قوله تعالى " لا إكراه فى الدين "؟
الجواب
ليس المراد من الحديث أن القتال وسيلة من وسائل دخول الناس فى الإسلام، بل المراد أن الإسلام الذى يستدل عليه بالنطق بالشهادتين مانع من القتال، لا أنه غاية أو هدف له، ومثل ذلك قوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ التوبة: ٢٩، فليس المراد أن إعطاء الجزية هو الهدف من القتال ولكنه مانع منه.
وإذا كان بعض الناس يفهم من الحديث أن الإسلام قد انتشر بالسيف فإن هذا الفهم غير صحيح. لأن العقائد لا تغرس أبدا بالإكراه، وذلك أمر معروف فى تاريخ الرسالات، قال الله تعالى على لسان نوح ﵇ ﴿أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ هود: ٢٨، وقال تعالى لسيدنا محمد ﷺ ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ الكهف: ٢٩، وقال تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: ٩٩، وقال تعالى ﴿لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى﴾ البقرة: ٢٥٦، والنصوص والحوادث فى ذلك كثيرة.
وأين كان السيف فى مكة عندما أسلم السابقون الأولون؟ لقد كان موجودا ولكن كان عليهم لا لهم. وقد أثر عن عمر رضى الله عنه أن عجوزا جاءته فى حاجة فعرض عليها الإسلام فأبت، وتركها عمر وخشى أن يكون فى قوله - وهو أمير المؤمنين -إكراه لها، فاتجه إلى ربه ضارعا معتذرا: اللهم أرشدت ولم أكره، ثم تلا قوله تعالى ﴿لا إكراه فى الدين﴾ ويراجع فى رد اتهام الإسلام بأنه انتشر بالسيف كتاب " الدعوة الإسلامية دعوة عالمية "
стр. 4594
الجندى وأسرار الحرب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ماذا يفعل المجاهد الحريص على الجنة حينما يحيط به العدو ويخشى أن يقع أسيرا فى أيديهم وربما تكون معه أسرار تجعله حريصا على عدم حصول العدو على شىء منها بوسائل التعذيب الشديدة؟
الجواب
يجب على الجندى أن يبذل أقصى جهده فى الدفاع عن نفسه حتى لا يقع أسيرا، إلا بعد نفاذ كل وسيلة للخلاص من العدو، فإن أسر كان عليه أن يحافط على الأسرار الخطرة التى يضر إفشاؤها بمصلحة المسلمين، والكذب فى هذه الأحوال جائز، فإن الحرب خدعة كما ثبت فى الحديث، والإكراه يرفع المسئولية كما قال سبحانه ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ النحل: ١٠٦.
فليبذل غاية جهده فى الدفاع عن النفس وحفظ السر، والضرورات تبيح المحظورات، ولا يجوز أن يفكر فيما يفكر فيه بعض الناس من الالتجاء إلى الانتحار خوف التعذيب لاستخراج الأسرار، فإن ذلك محرم أشد التحريم، وتعذيبهم للأسير لإفشاء الأسرار أمر مظنون غير محقق، فربما لا يلجأ العدو إلى ذلك، فالانتحار من أجل ضرر مظنون غير محقق لا يجوز
стр. 4595
لقمان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل لقمان نبى أم ولى، وفى أى عصر كان يعيش؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾ لقمان:
١١٢، أنزل الله فى القرآن سميت باسم لقمان، ونصت الآية على أن الله سبحانه آتاه الحكمة، كما ذكرت ال وصيته لابنه، وذلك لأهميتها.
والخلاف فى نسبه ونشأته كبير، وليس لأى قول فى ذلك دليل قوى، فمثلا قال محمد بن إسحاق: هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، وقال السهيلى: هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة، وقال الزمخشرى: هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، عاش ألف سنة وأدركه داود وأخذ عنه العلم، وقال الواقدى:
كان قاضيا فى بنى إسرائيل، وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر.
واختلف فى صنعته، فقيل كان خياطا، وقيل حطابا، وقيل: كان راعيا، وقيل: كان نجارا كما اختلف فى شكله فقيل: كان أسود مشقق الرجلين ذا مشافر، أى عظيم الشفتين وكل ذلك كلام لا دليل عليه يطمئن إليه القلب، لكن المهم أن نعرف هل كان نبيا أو وليا أى رجلا صالحا؟ .
المتفق عليه أن الله آتاه الحكمة وسجل وصيته فى القرآن إشادة بها وتقريرا لها، وجمهور العلماء على أنه كان وليا ولم يكن نبيا، وقال بنبوته عكرمة والشعبى لأنها هى الحكمة التى آتاها الله إياه، ولكن الصواب كما ذكره القرطبى فى تفسيره لل " ج ١٤ ص ٥٩ " أنه رجل حكيم بحكمة الله تعالى.
ومهما يكن من شىء فلا يضرنا الجهل بذلك، والمهم هو الإقتداء بسيرته والأخذ بحكمته
стр. 4596
النحت والرسم والتصوير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم التصوير والرسم والنحت؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: احيوا ما خلقتم ".
ورويا أيضا عن عائشة رضى الله عنها قالت: قدم علينا رسول ﷺ من سفر وقد سترت سهوة- الطاق فى الحائط يوضع فيه الشىء وقيل غيره -بقرام - ستر -فيه تماثيل. فلما رآه تلوَّن وجهه وقال لا يا عائشة، أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " قالت: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين.
ورويا أيضا أن النبى ﷺ " قال " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تملثيل " وفى رواية البخارى (صورة) بدله (تماثيل) .
اختلف الفقهاء فى حكم الصور والتماثيل وإليك ملخص ما قيل:
أولا- حكم اقتنائها: اتفق العلماء على حرمة اقتنائها إذا كان الغرض منها العبادة أو التقديس، لأنها رجس والله يقول ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ الجج: ٣٠ وإن لم يكن الغرض منها ما ذكر فهو حرام أيضا إذا توافرت هذه الشروط:
١ - أن تكون التماثيل تامة الأجزاء الظاهرية.
٢ - ألا تكون هناك مصلحة تدعو إلى اقتنائها.
٣- أن تكون من مادة تبقى مدة طويلة كالخشب والمعدن والحجر.
وذلك للأحاديث السابقة، ولسد الذريعة إلى عبادة الأصنام، وعدم التشبه بمن يحرصون على تقديسها، كما مزق النبى ﷺ ثوبا فيه تصاليب، لأنها ترمز إلى عقيدة جعلها بعض الناس من أصول دينهم. وبمقتضى هذه الشروط يقال:
(أ) لو كان التمثال نصفيا أو نقص منه جز لو كان التمثال حيا لا يعيش بدونه كالرأس أو البطن، جاز اقتناؤه وإن كان ذلك مكروها. ونقل عن المالكية جواز اتخاذ التمثال التام إذا كان فيه ثقب فى مكان بحيث تمتنع معه الحياة حتى لو كان الثقب صغيرا، واشترط الحنفية والحنابلة فى هذا الثقب أن يكون كبيرا حتى يجوز اقتناؤه.
(ب) ولو كانت هناك مصلحة فى اتخاذ التمثال كلعب البنات أو كوسيلة إيضاح فى التعليم جاز ذلك، لان النبى ﷺ أقر وجود العرائس عند عائشة كما فى الصحيحين. وعلل العلماء هذا بأن فيها تمرينا للبنات على المستقبل الذى ينتظرهن، وهو اسثشاء من عموم النهى عن الصور. وتوسع بعض العلماء فأجاز التماثيل التى تقام لتخليد ذكرى العظماء، وإن كان ذلك مكروها فى نظرهم، لأنه قد يجر إلى عبادتها، كما عبدت تماثيل (وَدّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر) وكانت فى الأصل لتخليد ذكرى قوم صالحين كما ورد فى الحديث، ولان الأوْلى فى تخليد العظماء أن يكون بالمنشآت المفيدة كالمدارس والمصحات.
(ج) ولو كانت التماثيل مصنوعة من نحو حلوى أو عجين فقد أجاز أصبغ بن الفرج المالكى اتخاذها.
وذكر القرطبى جواز ذلك عند تفسير قوله تعالى فى سبأ ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتملثيل. . .﴾ .
ثانيا- حكم صنعها: اتفق العلماء على أن صنع هذه التماثيل حرام، وهو من الكبائر إذا قصد من عملها العبادة أو التعظيم على وجه يشعر بالشرك، وذلك للأحاديث السابقة، أما إذا لم يقصد بصنعها ذلك فيحرم إن كانت تامة وليس هناك غرض صحيح من صنعها، وكانت مادتها مما يطول بقاؤه عادة. وذلك لعموم الأحاديث الواردة فى النهى عنه، وقصر بعض العلماء الحرمة على ما قصد به مضاهاة خلق الله.
وبهذا يعرف أن صنع التماثيل الناقصة غير محرم وكذلك وسائل الإِيضاج وتماثيل الحلوى والعجين.
هذا هو حكم النحت، أما الرسم والنقش والتصوير للإنسان وكل ما فيه روح فهناك أربعة أقوال فى الصنع والاقتناء:
ا - التحريم مطلقا، سواء أكانت تامة أم ناقصة فى ظاهرها، وسواء أكانت مكرمة لكونها على ستار أو جدار مثلا أم ممتهنة لكونها فى بساط مفروش مثلا - وذلك لعموم النهى فى الأحاديث المتقدمة.
٢ -تحريمها إذا كانت تامة لا ناقصة.
٣- تحريم إذا كانت مكرمة غير ممتهنة ٤ - جوازها مطلقا، وهو منقول عن القاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة السبعة.
على أنهم استثنوا التصوير الشمسى، لأنه حبس ظل بمعالجة كيماوية على نحو خاص، وليست فيه معالجة الرسم المعروفة.
هذا وأما تصوير ما لا روح فيه كالنباتات فلا مانع منه مطلقا، وهو من الفنون الجميلة التى لم يرد نهى عنها لذاتها.
وقد تمنع الصور الحية إذا كان فيها كشف لما أمر الله بستره، أو كان فيها إغراء أو قصد بها ابتزا أو نحو ذلك
стр. 4597
العجز عن الوفاء بالنذر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نذرت أن أذبح كبش إذا نجح ابنى، ولكننى لم أستطع أن أوفى بالنذر فماذا أفعل؟
الجواب
النذر تعهد بعمل طاعة ليست واجبة فتجب على الناذر، كصلاة ركعتين للَّه، وذبح شاة للفقراء، وقراءة القرآن، والواجب هو الوفاء بالنذر كما قال سبحانه ﴿وليوفوا نذورهم﴾ الحج: ٢٩، وكما قال النبى ﷺ " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " رواه البخارى ومسلم.
فمن نذر ذبح كبش إذا نجح ولده انعقد النذر ووجب الوفاء به، وليس الذبح مقيدا بوقت فهو فى ذمته ما دام حيا، والأولى التعجيل به كالدين، فإن لم يستطيع الوفاء به عند نجاح ولده فليكن فى أى وقت شاء، فإن وجوب الوفاء المطلق هو على التراخى، وذلك ما دام يرجى أن يجد ثمنه فى أى يوم من الأيام، كالمريض الذى أفطر فى رمضان عليه أن يقض ما دام مرضه يرجى شفاؤه.
أما إذا تأكد أنه لن يجد ثمن النذر أبدا -أو مرض مرضا لا يرجى شفاؤه لا يستطيع معه الوفاء بالنذر مثل من نذر أن يقرأ القرآن كله كل أسبوع، فله أن يتحلل من النذر، أى من الالتزام بالوفاء به، وذلك - يسمى بالحنث كالحنث فى اليمين، والكفارة هى كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابع، كما نص عليه القرآن الكريم فى المائدة، الآية: ٨٩.
وكما جاء فى صحيح مسلم أن النبى ﷺ قال " كفارة النذر كفارة يمين " قال النووى فى شرح هذا الحديث: اختلف العلماء فى المراد بهذا الحديث، فحمله جمهور أصحابنا - الشافعية - على نذر اللجاج - أى غير المجازاة أو المشروط بحصول شىء - فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة، وحمله مالك والأكثر ون على النذر المطلق، كقوله: علىَّ نذر، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذور وقالوا: هو مخير فى جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين. (ج ١١ ص ١٥٤) يقول الشوكانى فى " نيل الأوطار " ج ٨ ص ٢٥٦: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذى لم يسم، وأما النذور المسماة إن كانت طاعة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين، وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها، سواء كانت متعلقة بالبدن أو المال.
والذى أختاره بعد كل ذلك: أن صاحب هذا النذر عليه أن يذبح كبش فى أى وقت من الأوقات يتيسر فيه الحصول عليه ولو بعد سنين، أما إذا أراد أن يتحلل منه فعليه أن يكفر كفارة يمين على الوجه المذكور فى المائدة، وعليه أيضا أن يتوب من هذا الذنب، ويعزم ألا يعود إلى التورط فيما لا يقدر عليه
стр. 4598
الجن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نريد توضيحا لعالم الجن، وهل يمس الإنسان بِشَرِّ؟
الجواب
١ -الجن -كما يقوك الدميرى فى كتابه "حياة الحيوان الكبرى" - أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة. لها عقول وإفهام وقدرة على الأعمال الشاقة.
٢ - وهم خلق موجودون بالنصوص الثابتة فى القرآن والسنة، وبالإجماع، والعقل لا يحيل ذلك.
٣- وهم أصناف، فقد روى الطبرانى بإسناد حسن عن أبى ثعلبة الخشنى أن النبى ﷺ قال " الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها فى الهواء، وصنف حيَّات، وصنف يَحُلُّون ويظعنون " أى يمشون ويتحركون، وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الإِسناد. وجاء فى حديث رواه ابن أبى الدنيا عن أبى الدرداء رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال " خلق الله الجن ثلاثة أصناف، صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح فى الهواء، وصنف كبنى آدم، عليهم الحساب والعقاب ".
وإذا كان اسم الجن يطلق على الهوام المؤذية فيمكن فهم هذا الحديث بسهولة، وهو ما رواه مسلم أن النبى ﷺ " نهى عن إرسال الأطفال بعد غروب الشمس إلى العشاء، لأن الشياطين تنبعث فى هذه الفترة. وكذلك ما رواه البخارى ومسلم عن أبى لبابة رضى الله عنه أن النبى ﷺ نهى عن قتل الجِنَان التى فى البيوت إلا الأبتر وذا الطُّفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر ويطرحان أولاد النساء. والطفيتان - بضم الطاء - الخطان الأبيضان على ظهر الحية. والأبتر قصير الذَّنب. وقال النضر بن شميل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، ولا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها " حياة الحيوان - للدميرى ".
٤ - والجن مستترون، وقد يتشكلون بأشكال مختلفة، وتحكم عليهم الصورة كما قال العلماء، قال تعالى ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ الأعراف: ٢٧. وقد تشكل شيطان فى صورة لص أراد أن يسرق من الصدقة التى كان يحرسها الصحابى، ولما أخبر النبىَّ به عرَفَه أنه شيطان رواه البخارى.
وهم من ذرية إبليس على المشهور، قال تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ الكهف: ٥٠.
٥ - الجن مكلفون كالبشر ومحاسبون على أعمالهم كما يحاسب بنو آدم، وجاء ذلك فى القرآن الكريم فى مثل قوله تعالى ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم أياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ الأنعام: ١٣٠، وقوله ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ الرحمن: ٣١، وقد ثبت أنهم سمعوا القرآن من النبى ﷺ ، وأن منهم من آمن ومنهم من كفر، قال تعالى ﴿قل أوحى إلَّى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا﴾ الجن: ١، ٢، وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستعمون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا. .
﴾ الأحقاف: ٢٥، وقال على لسانهم ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا﴾ الجن: ١١ وثبت فى الحديث أن النبى ﷺ ذهب إليهم وتحدث معهم. ففى صحيح مسلم أنه قال " أتانى داعى الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن " وفيه أنهم سألوه الزاد فقال " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تأخذونه فيقع فى أيديكم أوفر ما كان لحما وكل بَعْرٍ علَفٌ لدوابكم " ثم قال النبى ﷺ لأصحابه " فلا تستنجوا بهما فانهما طعام إخوانكم ".
٦ -إن عدم رؤيتنا للجن إنما هو فى رؤيتهم على حقيقتهم، وقد يخص الله نبيه بأن يراهم كذلك أحيانا، وقد قيل: إنه لم يرهم فى أول الآمر ولم يحس بأنهم يستمعون القرآن منه، والله هو الذى أخبره بأنهم يستمعون، ثم بعد ذلك رآهم وكلمهم حين ذهب إليهم، إمَّا على حقيقتهم وإما بأشكال أخرى، وذلك ممكن لغير النبى ﷺ كما سبق ذكره فى رؤية أبى هريرة له وهو يريد أن يسرق من زكاة رمضان، وروى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال: " إن عفريتا من الجن تفلَّت عل البارحة يريد أن يقطع علىَّ صلاتى، فَذعْتُه - أى خنقته - وأردت أن أربطه فى سارية من سوارى المسجد، فذكرت قول أخى سليمان، فأطلقته " وجاء فى رواية مسلم قوله " والله لولا دعوة أخى سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة " كما جاء فى رواية النسائى بإسناد جَيد أنه خنقه حتى وجد برد لسانه على يده.
٧ - إن إبليس أقسم حين طرد من الجنة أن يُغوى الناس أجمعين إلا عباد الله المخلصين، وقد حذرنا الله منه بمثل قوله تعالى ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ فاطر: ٦،. وقوله تعالى ﴿ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ يس: ٦٠.
وثبت أن كل إنسان يُوَكَّل به شيطان يطلق عليه اسم القرين. ففى صحيح مسلم أن النبى ﷺ قال " ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن " قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال " وإياى، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم، فلا يأمرنى إلا بخير ".
٨- والشيطان كما يضر الأنسان بالإِغواء والفتنة، يمكنه أن يؤذيه بأى نوع من الأذى الحسى أو المعنوى، شأن الإِنسان مع الإِنسان، وإذا ثبت أن منهم الكافرين والمؤمنين، وأن منهم الطائعين والعاصين، كما جاء فى قوله تعالى ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك﴾ فإن العقل لا يحيل أن يؤذى الجن الإِنس بأى أذى، وليس هناك دليل صحيح يحيل هذا الأذى، فالجن قد سرق من الزكاة كما سبق وهو يشارك الإِنسان فى الطعام وغيره، ولذلك حثنا النبى ﷺ أن نسَمِّى الله عند الأكَل وعند دخول البيت، بل عند إرادة اللقاء مع الزوجة.
٩-واتقاء شره فى الوسوسة يكون بمثل ما جاء فى قوله تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ الأعراف: ٢٠٠، كما يستعان عليه بقوة الإِيمان بالله والمواظبة على العبادة والسلوك الحسن، حتى يكون الإِنسان من عباد الله المخلصين، الذين نجأهم الله من سلطان إبليس.
١٠ -والمسألة التى يسأل عنها كثيرا هى: هل يستطيع الجن أن يلبس جسم الإِنسان ويصيبه بما يسمى الصرع؟ .
الجواب أنه لا يوجد دليل صحيح يمنع ذلك، وقال بعض الناس: إن ذلك ممنوع، لأن طبيعة الجن النارية لا يمكن أن تتصل بطببيعة الإِنس الترابية أو تلبسها وتعيش معها، وإلا أحرقتها، لكن هذا الاحتجاج مردود، لأن الطبيعة الأولى للجن والإِنس ذهبت عنها بعض خصائصها، بدليل الحديث السابق، فى إمساك الرسول للعفريت وخنقه وإحساسه ببرد لعابه على يده،، فلو كانت طبيعة النار باقية لأصابت يده الشريفة ﷺ ، ولاشتعل البيت والمكان والملابس نارا إذا أوى إليها الشيطان عندما لم يسم الإِنسان عند دخول البيت والأكل من الطعام.
وفى هذا يقول ابن القيم فى كتابه زاد المعاد فى " الطب ": الصرع، صرعان، صرع من الأرواح الأرضية الخبيثة، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثانى هو الذى يتكلم فيه الأطباء، فى سببه وعلاجه، وأما صرع الأرواح فأثمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية، لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدفع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها، ثم يقول ابن القيم: لا ينكر هذا النوع من الصرع إلا من ليس له حظ وافر من معرفة الأسرار الروحية. وأورد بعض الحوادث التى حدثت أيام النبى ﷺ وأثر قوة الروح وصدق العزيمة فى علاجها، وأفاض فى النعى على من ينكرون ذلك
стр. 4599
القرعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قد تلجا بعض الجهات إلى عمل قرعة لتوزيع جائزة على بعض من قدموا عملا يستحق الجائزة، فهل هذا مشروع؟
الجواب
القرعة جائزة شرعا، لأنها تُعَينَ، لا تحرم ولا تحلل وهى معروفة من قديم الزمان، ومن حوادثها:
أ- القرعة فيمن يكفل مريم، كما قال تعالى ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ آل عمران: ٤٤.
ب - القرعة فيمن يرمونه من السفينة التى ركبها يونس. فى قال تعالى ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ الصافات ١٤١.
ج - صح أن النبى ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج عليها السهم سافر بها.
د - وروى البخارى أن النبى ﷺ عرض علي، قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم فى اليمين أيهم يحلف.
ط -جاء فى السنن ومسند أحمد أن رجلين تداعيا فى دابة ليس لواحد منهما بينة، فأمرهما رسول الله ﷺ أن يسهما على اليمين، أحبا أو كرها.
و وفيهما أيضا أن النبى ﷺ قال: إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فليستهما عليها ".
ز- وجاء فى السنن عن أم سلمة رضى الله عنها: أن رجلين اختصما إلى الرسول ﷺ فى مواريث بينهما درست، ليس بينهما بينة، فقال "إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقض بينكم على نحو ما أسمع، من قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه،، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتى بها أسطاما فى عنقه يوم القيامة " فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقى لأخى، فقال الرسول ﷺ " أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما عليه، ثم ليتحلل كل منكما صاحبه " الاسطام جمع سطام وهو حد السيف.
ح - وأقرع سعد بن أبى وقاص يوم القادسية بين المؤذنين " بدائع الفوائد لابن القيم " هذا، وهناك قرعة تجرى بين المتسابقين لأخذ جائزة، أو لإعطاء هدايا لمن يشترون بضاعة بثمن معين من محل تجارة، أو لأى غرض مباح، وهذه حلال لا حرمة فيها.
جاء فى تفسير القرطبى (ج ٤ ص ٨٦) أن القرعة أصل فى شرعنا لكل من أراد العدل فى القسمة، وهى سنة عند جمهور الفقهاء فى المستويين فى الحجة، ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه وردوا الأحاديث الواردة فيها وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التى نهى الله عنها، وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة أنه جوزها، وقال: القرعة فى القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس فى ذلك وأخذنا بالأَثار والسنة، قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وذكريا ونبينا محمد ﷺ ، قال ابن المنذر: استعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها.
وقد ترجم البخارى فى آخر كَتاب الشهادات " باب القرعة فى المشكلات " وقول الله ﴿إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ وساق حديث النعمان بن بشير فى مثل القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة. وحديث أم العلاء الذىَ جاء فيه:
أن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه فى السكتى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين، وحديث عائشة: كان النبى إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها.
ثم يقول القرطبى: وقد اختلفت الرواية عن مالك فى ذلك أى فى القرعة بين النساء فى السفر فقال مرة بالقرعة لحديث عائشة، وقال مرة:
يسافر بأوفقهن له فى السفر ثم ذكر القرطبى حديث " لو يعلم الناس ما فى النداء - الأذان - والصف الأول - فى صلاة الجماعة -ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " أى أجروا القرعة، والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة.
ثم تحدث عن رأى أبى حنيفة فى شأن زكريا وأزواج الرسول بأن القرعة كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز، قال ابن العربي: وهذا ضعيف لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفى عند التشاح - التنازع -ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجرى مع موضع التراضى، فإنها لا تكون أبدا مع التراضى، بل تكون فيما يتشاح الناس فيه ويُضَنَّ به
стр. 4600
عقوبة السجن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن الحكم بالحبس أو السجن ليس فى الإسلام، فهل هذا صحيح؟
الجواب
فكرة العقوبة بالسجن معروفة قبل الإسلام، وفى القرآن الكريم ما يدل على أن عزيز مصر كان عنده سجن ودخله يوسف ﵇، ودخل معه فتيان دعاهما إلى توحيد الله " انظر سورة يوسف ٣٦- ٤٢ " وفيه أيضا أن فرعون الذى أرسل إليه موسى كان له سجن هدده بإدخاله فيه، ﴿قال لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من المسجونين﴾ الشعراء: ٢٩.
وفكرة السجن موجودة فى الإسلام ولم تكن أيام النبى ﷺ بالمعنى المتبادر إلى الذهن من اتخاذ دار خاصة يوضع فيها من استحق عقوبة، ولم تكن كذلك أيام أبى بكر رضى الله عنه، ولكن كان هناك "حبس" بمعنى تعويق الشخص ومنعه من التصرف الحر حتى يقضى دينا وجب عليه، أو يرد حقا اغتصبه، وكان الذى يلازم المحبوس هو الخصم أو وكيله، ولهذا سماه النبى ﷺ أسيرا، وروى أحمد أنه ﵊ حبس فى تهمة، وكذا رواه أبو داود والترمذى والنسائى، قال الترمذى: حسن. وزاد هو والنسائى: ثم خلى عنه. والحاكم صحح هذا الحديث، وله شاهد آخر من حديث أبى هريرة يقوى حديث بَهْزَ بن حكيم الذكور. وجاء فى حديث أبى هريرة أن الحبس كان يوما وليلة استظهارا وطلبا لإظهار الحق بالاعتراف.
وروى البيهقى أن عبدا كان بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه، فحبسه النبى ﷺ حتى باع غنيمة له " وهذا الحديث وإن كان فيه انقطاع فإنه روى من طريق أخرىَ عن عبد الله بن مسعود مرفوعا. والبخارى فى صحيحه جعل بابا بعنوان "باب الربط والحبس فى الحرم " قال ابن حجر فى شرح البخارى " فتح البارى ": كأنه أشار بهذا التبويب إلى رد ما نقل عن طاوس أنه كان يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغى لبيت عذاب أن يكون فى بيت رحمة.
ويقال إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه هو أول من اتخذ دار للسجن فى مكة، اشتراها من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وكان ذلك بمعرفة عامله على مكة "نافع بن عبد الحرث الخزاعى" وقيل: إن أول مرن اتخذ دارا للسجن هو معاوية بن أبى سفيان: كما ذكره المقريزى "الخطط ج ٣ ص ٣٠٣ ". وكان القاضى شريح هو أول من حبس فى الدين.
ومن وقائع الحبس أيام عمر رضى الله عنه، أنه حبس الحطيئة الشاعر الهجاء لتطاوله على ابن بدر، عامل عمر، أو هدده بالحبس حتى تضرع له بقصيدة معروفة منها قوله:
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ * زغب الحواصل لا ماء ولا شجر * ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة * فاغفر عليك سلام الله يا عمر فعفا عنه.
وكذلك حبس أبا محجن الثقفى، لما جلده على السكر ونفاه إلى جزيرة فى البحر فهرب من الرجل الذى كان يصحبه، ولحق بسعد بن أبى وقاص وهو يحارب، فكتب عمر إلى سعد أن يحبسه، وبعد نفيه إلى رابغ وهروبه منها قبض عليه وسجن قرب القادسية أسفل قصر الإمارة، وتوسل إلى سلمى بنت حفصة زوجة سعد فأطلقته واشترك فى الحرب وأبلى بلاء حسنا ثم عاد إلى القيد، وفى النهاية أفرج عنه بعد توبته، وأيضا معن بن زائدة، أمر المغيرة بن شعبة بحبسه فى حادث تزوير فى أوراق رسمية، ولما هرب من السجن عاد إلى عمر تائبا وفى النهاية عفا عنه.
وعثمان بن عفان رضى الله عنه أقر عقوبة الحبس، ومن سجنائه جنائى بن الحرث الذى هجا بنى جرول.
ويلاحظ أنه لم يكن له مكان خاص، بل كان يسجن أحيانا فى السجن ودهاليز البيوت.
وأما على بن أبى طالب فيقال إنه حبس الغاصب وآكل مال اليتيم ظلما والخائن فى الأمانة، وخصص للسجن مكانا، وكان أولا من أعواد القصب، ثم بنى غيره محكما، ويقول البلاذرى والمسعودى: إن معاوية أربى على الخلفاء فى إعداد السجون والاهتمام بها.
ومن أنواع السجن النفى، لأنه فصل عن المجتمع الذى كان يعيش فيه المَنفِى، ومنه قوله تعالى فى جزاء المحاربين المفسدين ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ المائدة: ٣٣.
وقد قرر الفقهاء إيقاع الحبس على المشترك فى جناية حتى يفصل فيها، وكذلك أجازوا التعزير للردع وللديون حتى ترد، وللتأديب الذى يراه الحاكم، فالسجن الموجود الآن نوع من التعزيرات التى لم تحدد فى الإسلام لاَ كما ولا كيفا، بل ترك أمرها إلى القاضى ليقرر ما يراه مناسبا للجريمة أو المخالفة بوجه عام.
ونظرًا لبعض المعاملات القاسية التى تتخذ مع المسجونين الآن، رأى بعض العلماء عدم جوازه، رجوعا إلى عهد النبى ﷺ وخليفته أبى بكر، مع استبدال إجراءات أخرى به تضمن رد الحقوق إلى أصحابها ومنع الضرر عن الناس.
هذا، وقد تطورت السجون فى التشريعات الحديثة لدى بعض الدول، فجعلت كمؤسسة تربوية، يعامل فيها المسجون كمريض تدرس أحواله، ويعالج بطرق خاصة، لتجعل منه مواطنا صالحا بعد الانتهاء من مدة إحتجازة. والشوكانى فى نيل الأوطار "ج ٩ ص ٢١٨ " يقول بعد بحث الموضوع " والحاصل أن الحبس وقع فى زمن النبوة وفى أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن فى جميع الإعصار والأمصار، من دون إنكار. وفيه من المصالح ما لا يخفى. . . " وأخذ يعدد هذه المصالح إلى أن قال. . وقد استدل البخارى على جواز الربط بما وقع منه ﷺ من ربط ثمامة بن أثال بسارية من سوارى مسجده الشريف، كما فى القصة المشهورة فى الصحيح. "يراجع نيل الأوطار ج ٧ ص ١٦٠، قضايا عصرية للشيخ جاد الحق ج ٥ ص ٢٦٩ "
стр. 4601
على كرم الله وجهه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا إذا ذكر الإمام على بن أبى طالب قيل: كرم الله وجهه أو ﵇؟
الجواب
ذكر ابن كثير أنه قد غلب فى عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد على رضى الله عنه بأن يقال: ﵇، من دون الصحابة، أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحا لكن ينبغى أن يسوى بين الصحابة فى ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، والشيخان - أبو بكر وعمر- وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه. نقله السفارينى عنه " غذاء الألباب ج ١ ص ٢٣ " ثم قال: قد ذاع ذلك وشاع وملأ الطروس والأسماع، قال الأشياخ: وإنما خص على رضى الله عنه بقول: كرم الله وجهه لأنه ما سجد إلى صنم قط، وهذا إن شاء الله تعالى لا بأس به.
هذا ما قيل، وقد يكون السبب غير ذلك، ولا يوجد سند صحيح لما يقال
стр. 4602
قتل الحيوان المريض لإراحته
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قتل الحيوانات التى لا يؤكل لحمها إذا مرضت أو عجزت وأصبحت غير نافعة؟
الجواب
أخرج الشافعى وأبو داود والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا - أى إلى ﷺ وقال صحيح الإسناد، أن النبي ﷺ قال "ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها " قال: يا رسول الله وما حقها؟ قال: " يذبحها ويأكلها ولا يقطع رأسها ويطرحها " نيل الأوطار ج ٨ ص ١٤٢. فإذا كان قتل العصفور - وهو مأكول اللحم - لغير أكلها منهيا عنه فإن قتل ما لا يؤكل لحمه أولى بالنهى.
وقد نص الشافعية على أنه لا يجوز ذبح ما لا يحل أكله كالحمار الزَّمن - العجوز- ولو لإراحته عند تضرره من الحياة " حاشية الشرقاوى على التحرير ج ٢ ص ٤٥٩ " " كتاب الفقه على المذاهب الأربعة لوزارة الأوقاف ص ٦٠٧ ".
وأرى أنه لو ذبح لأخد جلده والانتفاع به بعد دبغه فلا حرمة فى ذلك، لأنه ذبح لغرض مشروع. وكذلك لو قدم لحمه طعاما لبعض الحيوانات الموجودة فى حدائق الحيوان فلا مانع منه، لأن هذه الحدائق لها أغراض مشروعة، منها دراسة طبائع وأحوال الحيوانات المتوحشة التى لا يتيسر رويتها للكثيرين.
ومن ذلك أيضا اصطياد الحيوانات البرية للانتفاع بفروها أو عظامها أو أظلافها أو أى شىء منها. فهذه كلها أغراض مشروعة، يقتل الحيوان لها سواء أكان مريضا أم غير مريض، فالمنهى عنه هو القتل الذى لا فائدة منه، كاتخاذ حيوان أو طير غرضا للتسابق فى الرمى بالنبل أو الرصاص، ففى صحيح مسلم " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا " وفيه أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وجعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم - فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه روح غرضا
стр. 4603
الصيد بالبنادق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى صيد الطيور المأكولة كاليمام والعصافير، وهل يحل أكلها إذا ماتت قبل أن تذبح؟
الجواب
(أ) روى البخارى ومسلم عن عدى بن حاتم أنه سأل النبى ﷺ وقال: فإنى أرمى بالمعراض الصيد فأصيد. قال: (إذا رميت بالمعراض فخزق فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل) .
المعراض قيل هو السهم الذى لا ريش له ولا نصل، قيل هو خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها وشد لا يحدد، واختاره النووى تبعا لعياض. وقال ابن التين: المعراض عصا فى طرفها حديدة يرمى بها الصائد، فما أصاب بحده فهو ذكى فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ. وخزق أى نفذ. وجاء بلفظ وخسق أى خدس.
(ب) وروى البخارى ومسلم أيضا عن عبد الله بن المغفل أن رسول الله ﷺ نهى عن الحذف، وقال: (إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين) الخذف أى الرمى بحصاة أو نواة بواسطة المخذفة وهى كالمقلاع.
(ج) وروى أحمد عن عدى أيضا أنه قال: يا رسول الله، إنا قوم نرمى، فما يحل لنا؟ قال: (يحل لكم ما ذكيتم، وما ذكرتم الله عليه وخزقتم فكلوا منه) .
(د) وروى أحمد مرسلا عن عدى عن النبى ﷺ : (ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت) والبندقة تتخذ من طين وتيبس.
نستنتج من هذه الأحاديث ما يأتى:
١ - إذا أدرك المصيد حيا حياة مستقرة وذبح فهو حلأل بالاتفاق. واشترط التسمية أو عدم اشتراطها عند الذبح فيه خلأف بين الفقهاء، وهو يكون فى الصيد المذبوح وفى غير الصيد ٠ ٢ -إذا مات الصيد قبل أن يذبح، وكان موته بشىء محدد كالسهم الذى يجرح أو يخترق، فهو حلال، واشترط بعضهم التسمية ولم يشترطها بعضهم عند إطلاق السهم.
٣-إذا مات الصيد قبل أن يذبح وكان موته بشىء محدد أى لم يجرح ولم ينفذ كالحجر والبندقة فإن الجمهور يقول بحرمته، وعن الأوزاعى وغيرة من فقهاء الشام أنه يحل مطلقا كل صيد، سواء أكان بمحدد أم بغير محدد، ولكن النصوص تشهد لقول الجمهور.
والرصاص الذى يطلق من البنادق والمسدسات هل يعد كالسهم فيحل صيده؟ رأى جماعة أنه كالسهم لأنه يخترق جسم الصيد وينفذ منه بل هو أشد منه. وعلى هذا فيحل الصيد به، ورأى آخرون أن الرصاص ليس محددا جارحا كالسكين والسهم بل يقتل الصيد بثقله الشديد، وعلى هذا فلا يحل أكله.
وأختار أن الصيد بالرصاص يحل أكل ما صيد به، والأحوط أن يذكر اسم الله عند إطلاق الرصاص، خروجا من خلاف من أوجبه
стр. 4604
شعر الغزل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
الشعر الذى يتغزل فى النساء، منهى عنه، فكيف يسمعه النبى ﷺ من كعب بن زهير؟
الجواب
كان من عادة الشعراء العرب أن يبدأوا قصائدهم بالغزل، وقد تكون القصيدة كلها قائمة عليه، وروت كتب السيرة أن كعب بن زهير ابن أبى سلمى لما قدم على النبى ﷺ تائبا قال قصيدته التى جاء فيها:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول * متيم أثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين اذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذى ظلم اذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول ويقال: إن النبى ﷺ أعجب بها والبسه بردته.
وثبت أن النبى ﷺ سمع الشعر فى المسجد من حسان بن ثابت، ودعا أن يؤيده الله بروح القدس كما رواه البخارى، وجاء فى الأدب المفرد للبخارى أنه ﵊ استنشد عمرو بن الشريد من شعر أمية بن أبى الصلت، فأنشده مائة قافية، وروى أنه كان يستزيده عقب كل قافية بقوله:
هيه، كما رواه مسلم، وكاد أمية أن يسلم، أى فى شعره، كما رواه البخارى ومسلم. وثبت عنه ﷺ أنه قال " إن من الشعر لحكمة " كما رواه البخارى، وقال فى شعر لبيد بن ربيعة: أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل، كما رواه البخارى ومسلم ٠ ومن الصحابة، غير حسان، قال الشعر عبد الله بن رواحة وغيره، ولم ينكر عليهم أحد.
وإلى جانب هذه النصوص التى تفيد جواز قول الشعر وسماعه، جاءت نصوص تفيد كذلك النهى عنه والتنفير منه، فقد روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لأن يمتلىء جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلىء شعرا " معنى يريه يأكل جوفه ويفسده، مأخوذ من الورى، وهو داء يفسد الجوف. وروى البغوى من حديث مالك بن عمير السلمى أنه سأل النبى ﷺ عن الشعر فنهاه عنه. وجاء فيه "فإن رابك منه شىء فأشبب بامرأتك وامدح راحلتك " ٠ وفى الأدب المفرد اللبخارى حديث " أن أعظم الناس فرية الشاعر يهجو القبيلة بأسرها" وسنده حسن. وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ " أعظم الناس فرية رجل هاجى رجلا فهجا القبيلة بأسرها " وصححه ابن حبان.
كذلك وردت فى الشعر نصوص تفصل حكمه، فقد أخرج أبو يعلى بإسناد جيد مرفوعا " الشعر كلام، فحسنه حسن وفى وقبحة قبيج " وقريب من هذا الكلام جاء عن عائشة وعبد الله بن عمر كما رواه البخارى فى الأدب المفرد، واشتهر عن الإمام الشافعى.
إزاء هذه المجموعات الثلاث من النصوص لم يقل العلماء بمدح الشعر مطلقا ولا بذمه مطلقا بل حملوا المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، فقالوا: ما كان منه حسنا فهو حسن، وما كان منه قبيحا فهو قبيح، ويحدد الحسن والقبيح من الشعر قول ابن حجر فى فتح البارى "ج ١٣ ص ١٥٥ ": والذى يتحصل من كلام العلماء فى حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه فى المسجد وخلا عن هجو وعن الإغراق فى المدح والكذب المحض والتغزل بمن لا يحل، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك.
وبناء على هذا يكون ما سمعه النبى ﷺ من الشعر هو ما كان حسنا، وشعر كعب بن زهير وإن كان فيه تغزل فهو تغزل حلال. وقد تحدث العلماء فى الغزل الحلال، وخلاصة كلامهم: أن الشاعر إذا لم يقصد بالتشبيب امرأة معينة، أى كان مرسلا، أو اختلق لها اسما كسعاد وسلمى غير مقصود به معينة فهو جائز، فإن قصد به امرأة معينة وكانت على قيد الحياة فهو حرام إن كانت أجنبية عنه، لأنه يهيج إليها، كما يحرم وصف الخمر وصفا يغرى بها، وقد ثبت فى الصحيح أن النبى ﷺ نهى أن تنعت المرأة المرأة لزوجها، أما غير الأجنبية كزوجته فقد اختلف العلماء فى حكمه، وأختار القول بجوازه، على ألا يتخذ الشعر ديدنا يقصر عليه أكثر أوقاته، فإن المواظبة على اللهو جناية، وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة كذلك بعض المباحات
стр. 4605
حكم التمثيل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم دراسة فن التمثيل واحترافه؟
الجواب
التمثيل هو تقليد أو حكاية لشخصيات ذات أحداث وقعت، أو أحداث متخيلة فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل. وهو أسلوب للتثقيف والترفيه. وليس هو الوسيلة الوحيدة لذلك حتى يتجاوز عما فيه من بعض السلبيات. فهناك القراءة والرحلات وغيرها.
وقد يكون التمثيل لشخصيات تاريخية يصور حياتها بالقول والفعل، أى بالكلمة والحركة، فإن كان صادقا شكلا وموضوعا، ويستهدف غرضا شريفا أعطى حكم الخبر الصادق، وهو الجواز، وإن كان غير صادق فى شكله كيفا أو كمًّا، أو فى موضوعه قولا أو فعلا أعطى حكم الخبر الكاذب وهو المنع، ولا يستباح هذا الكذب حتى لو كان الغرض صحيحا، فهو ليس من الضرورات التى تباح من أجلها المحظورات.
وإن كانت الشخصيات اختراعيه، كما هو الشأن فى القصص الذى لا يعنى شخصا معينا، وقد يكون على لسان بعض الحيوانات كما فى كتاب " كليلة ودمنة " فإن كان الهدف صحيحا، والمادة لا تحوى أمرا محظورا، والأداء نفسه يكون ملتزما بالآداب الإسلامية، ولم يؤد تعلمه أو احترافه إلى تقصير فى واجب أو ضرر بدنى أو عقلى أو مالى أو خلقى أو غير ذلك من الأضرار كان التمثيل حلالا، يستعان به على إبراز المعانى بصورة محسوسة كأنها حقيقية.
هذه قيود دقيقة لضبط التمثيل المقبول من غيره، والخروج على أى واحد منها يجعله ممنوعا بقدر ما يكون عليه الخروج من حرمة أو كراهة.
فلو كان الهدف منه استهزاء بشخصية محترمة، أو دعوة إلى مبدأ مخالف للدين والخلق، أو كانت المادة محرمة ككذب أو اختلاق حديث نبوى مثلا، أو كان الأداء غير ملتزم بالآداب كالتخنث وكشف المفاتن، وتشبه المرأة بالرجل أو الرجل بالمرأة، وكالقبلات بين الجنسين وما شاكل ذلك، أو أدى الاشتغال بالتمثيل إلى تقصير فى واجب دينى أو وطنى مثلا، أو أدى إلى فتنة أو ضرر لا يحتمل كان ممنوعا.
ولا يقال إن القبلات أو شرب المحرمات أو الرقص هو لتصوير حال بعض الناس وليس المراد من ذلك حقيقة ما يعمل، بل هو تمثيل. لا يقال ذلك لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، والغاية يمكن التوصل إليها بطرق مشروعة، كحكاية الخبر بالأسلوب المقروء أو المسموع، كما فى الكتب المشحونة بالقصص وحكاية أحوال السابقين بكل ما فيها.
كما لا يقال إن هذه الأمور هى من وسائل الإيضاح، فوسائل الإيضاح المباحة موجودة وليس ذلك ضرورة كما قلنا، فحياة المسلمين بالذات قامت فى أزهى عصورها على الثقافة الأصيلة والترفيه الحلال، ولم تعرف تمثيلا رخيصا أو هابطا كما يشاهد فى هذه الأيام.
هذا فى تمثيل الشخصيات العادية، أما فى تمثيل الرسل والصحابة فقد مر حكمه
стр. 4606
المخدرات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل المخدرات التى اكتشفت بعد الخمر تعطى حكمها؟
الجواب
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الخمر المتخذة من عصير العنب محرمة ومن أكبر الكبائر، ويكفر مستحلها، ويحد شاربها، والنصوص فى ذلك كثيرة، منها قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ المائدة: ٩٠، ٩١، وقوله ﷺ " ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " رواه البخارى ومسلم.
والعلة أو الحكمة فى تحريمها صيانة العقل الذى كرم الله به الإنسان وجعله مناط التكليف، وبالتعدى على العقل أمكن التورط فى فعل المنكرات والاستجابة للشهوات كما نصت عليه الآية السابقة والحديث الذى رواه الحاكم وصححه " اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر " والذى رواه ابن حجات فى صحيحه " اجتنبوا أم الخبائث " وفيه أنها حملت على القتل والزنى.
ومن أجل خطورتها حرم الإسلام الاشتراك فيها بأى نوع من الاشتراك، وجاء فى ذلك حديث أنس ابن مالك رضى الله عنه قال "لعن رسول الله ﷺ فى الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشترى لها والمشترى له " رواه ابن ماجه والترمذى واللفظ له وقال: حديث غريب، أى رواه راو واحد فقط. قال الحافظ المنذرى: ورواته ثقات.
حتى الجلوس مع شاربى الخمر منهى عنه قال تعالى ﴿وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾ النساء: ١٤٠، وقد قرأ هذه الآية عمر بن عبد العزيز عندما أمر أن يُحَدَّ جماعة كانوا فى مجلس خمر، فقالوا له: إن فلانا لم يشرب لأنه صائم، فقال ابدءوا به، يقول القرطبى فى تفسير هذه الآية: فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم: يكون معهم فى الوزر سواء، فان لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
ومثل الخمر فى الحرمة كل ما اشترك معها فى مخامرة العقل أى تغطيته من أية مادة كانت، روى البخارى ومسلم عن عمر رضى الله عنه أنه قال على منبر رسول الله ﷺ : ألا إن الخمر قد حرمت وهى من خمسة، من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل.
والنبى ﷺ حرم كل مسكر دون قصره على مادة معينة، روى البخارى أن أبا موسى الاشعرى رضى الله عنه سأل النبى ﷺ عن البِتْع والمِزْر، فقال " كل مسكر حرام " والبتع نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. روى مسلم أنه ﷺ سئل عن الأشربة التى تنتبذ من العسل والذرة والشعير فأجاب " كل مسكر خمر وكل خمر حرام ". ويدخل فى ذلك المواد الطبيعية والمصنعة.
وتغيير اسم المشروب المسكر لا يغير من الحكم كما لا تغيره المادة المسكرة، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء، وقد ورد فى ذلك حديث رواه ابن ماجه وابن حبان فى صحيحه " يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات - المغنيات - يخسف الله بهم الأرض ويجعل الله منهم القردة والخنازير.
ويستوى فى الحكم كل وسائل التناول للمسكر، من شرب أو أكل أو شم أو تدخين أو حقن أو غير ذلك.
والحشيش، وإن كان لم يعرف فى العالم الإسلامى إلا حوالى القرن السادس أو السابع الهجرى عند ظهور التتار، إلا أنه كان معروفا فى التاريخ القديم فى الشرق والغرب ولما عرفه المسلمون ولمسوا آثاره طبقوا عليه عموم الحديث الذى حرم كل مسكر وكذلك عموم قول أم سلمة رضى الله عنها: نهى رسول الله ﷺ كل مسكر ومفتر، كما رواه أبو داود فى سننه. فهو محرم إما بالنص وإما بالقياس، وقد نقل الإجماع على حرمته غير واحد من الأئمة، منهم القرافى وابن تيمية، وقد جمع بعض الباحثين القدامى نحو مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية فى الحشيش، ولهذا أكد ابن تيمية حرمته وقال: إن مستحله يكفر، وصرح فى كتابه " السياسة الشرعية " بأنه أخبث من الخمر من جهة أنه يفسد العقل والمزاج حتى يصير فى الرجل تخنث، وهو داخل فيما حرمه الله ورسوله من اخمر والمسكر لفظا ومعنى. وابن القيم فى كتابه " زاد المعاد " قال: إن الخمر يدخل معها كل مسكر، مائعا كان أو جامدا، عصيرا أو مطبوخا.
وإذا كانت هذه المسكرات أو المخدرات أو المفترات محرمة كالخمر، فإن عقوبتها المنصوص عليها فى الأحاديث تشملها أيضا، وهى عقوبة أخروية شديدة، والقليل من المسكر حرام كما نص عليه الحديث الذى رواه النسائى وأبو داود وقال الترمذى: إنه حسن " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". وفى رواية للنسائى " أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره " وإسناده صحيح.
فمن شرب المسكر - وهو مسلم بالغ عاقل مختار عالم بأنه مسكر وعالم بتحريمه -وجب عليه الحد، سواء سكر أم لا، والحد الأدنى فى العقوبة أن يجلد أربعين كما روأه مسلم من فعل النبى ﷺ ، وروى مسلم أيضا أن عبد الله بن جعفر جلد الوليد بين يدى عثمان وعلى يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ثم قال: " جلد النبى ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين وعثمان ثمانين والكل سنة، وهذا أحب إلى " فإذا رأى الإمام أن يبلغ بالحد ثمانين فعل لما رواه مسلم عن عمر جعله ثمانين، وقال على لعمر: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترى ثمانون، فأخذ به عمر ولم ينكره أحد ٠ واتفق الصحابة على ذلك، فالعقوبة مقررة بصرف النظر عن الخلاف فى كون الحد أربعين وما زاد على ذلك فهو تعزيز.
والعقوبة لا تنفذ حال السكر حتى يحس بها، ولو نفذت حال السكر، قيل يعتد بها وقيل لا يعتد. " كفاية الأخيار ج ٢ ص ١١٦ ".
وعقوبة الحد مقررة لمن شرب الخمر، أما من تعاطى غيرها من المائعات أو الجوامد فعقوبته الحد كالخمر عند بعض العلماء ومنهم ابن تيمية، أو التعزير كما قال آخرون. مع مراعاة أن الحد لا يجوز العفو عنه، أما التعزير فيجوز، ومع مراعاة الخلاف فى أن التعزيز يصل إلى الحد أو لا يصل، وأجاز أبو حنيفة أن يصل، التعزير إلى حد القتل، تاركا تحديده لما يراه القاضى أو الحاكم حسب مقتضيات الأحوال
стр. 4607
اللقطة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ماذا يفعل الإنسان إذا وجد شيئا أو مالا، وقد أعلن عنه مرارا ولم يستدل على صاحبه؟
الجواب
هذا المال من اللقطة، وهى كل مال معصوم معرض للضياع لا يعرف مالكه، وهذه اللقطة يستحب التقاطها أى أخذها وقيل يجب، وذلك لصيانتها من التلف أو الضياع، وفى الوقت نفسه يجب على من التقطها أن يعلن عنها رجاء أن يعرفها صاحبها، والإعلام أو التعريف يكون لمدة يغلب على الظن أن صاحبها يبحث عنها، وذلك يختلف باختلاف قيمة اللقطة وأهميتها عند صاحبها. وجاء فى الحديث أن مدة التعريف بها سنة، فان جاء صاحبها وعرف علاماتها دفعها له، وإن لم يجىء بعد سنة حلَّ له أن ينتفع بها أو يتصدق بها، جاء فى صحيح البخارى وغيره أن رجلا وجد صرة فيها مائة دينار، فسأل النبى ﷺ فقال: "عرِّفها حولا " فعرفها حولا فلم يجد صاحبها فقال له الرسول ﷺ " احفظ وعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها " والوعاء هو الشىء الذى تكون فيها اللقطة كالصندوق والكيس، والوكاء هو الخيط الذى يربط به الكيس، والمراد تمييز هذه اللقطة حتى لا تختلط بماله وأمتعته. وإذا وجد الملتقط مشقة فى حفظها والإعلان عنها فليسلمها إلى الحكومة الأمينة التى عندها محل لهذه الأمانات لتتولى هى التعريف عنها والتصرف فيها. وإذا كانت اللقطة شيئا مأكولا يخاف عليه التلف لو حفظه الملتقط وعرَّف عنه جاز أكله، وقيل يضمن ثمنه لو طلبه صاحبه، وقيل لا يضمن. وإذا كانت شيئا تافها لا يسأل عنه صاحبه جاز الانتفاع به بعد تعريفه مدة تتناسب مع أهميته. روى أحمد وأبو داود أن جابر بن عبد اللَّه قال: رخص لنا رسول الله ﷺ فى العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به. هذا فى غير لقطة الحرم بمكة، أما لقطته فيحرم أخذها إلا لتعريفها، ولا يجوز تملكها أو التصرف فيها، ويمكن تسليمها لحكومة الحرم لتتولاها، ففى الحديث عن مكة " ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها "
стр. 4608
حلقات الذكر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى حلقات الذكر التى يبدو الناس فيها كأنهم يرقصون؟
الجواب
ثبت عن النبى ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم أنه قال " يقول اللَّه: أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم " وروى مسلم وغيره أن النبى ﷺ قال " لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم اللَّه فيمن عنده " وروى البخارى ومسلم حديثا جاء فيه " أن لله ملائكة سيارة يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وأن اللَّه قد غفر لهؤلاء الذاكرين ولمن جلس معهم " هم القوم لا يشقى جليسهم ". يؤخذ من هذا أن مجالس الذكر مشروعة، وأن الله يبارك أهلها ويرضى عمن يشارك فيها ولو بمجرد-الحضور دون ذكر، وقد قال المحققون: إن الذكر كأية عبادة لا يقبل إلا إذا كان خالصا لوجه الله، لا رياء فيه ولا سمعة، وإذا كان نابعا من القلب يعبر عنه اللسان، أما اللسانى فقط مع الغفلة عن معنى الذكر وعدم الإحساس بجلال من يذكره الذاكر فلا أثر له فى الوجدان والسلوك، والله وحده هو الذي يقدره، وكذلك إذا صحب الذكر أصوات صاخبة أو حركات خاصة تذهب الخشوع كان عبادة ظاهرية جوفاء خالية من الروح، ومثل ذلك يقال إذا كانت هذه المجالس تؤذى الغير كالمرضى المحتاجين إلى الراحة أو المشتغلين بمذاكرة علم أو عبادة أخرى، فقد روى أحمد عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ اعتكف فى المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهم في قبة لهم، فكشف الستور وقال " ألا إن كلكم مناج لربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة"
стр. 4609
التداوى بالمحرم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النبى ﷺ أذن لبعض المرضى أن يشربوا أبوال الإبل، وإذا صح فكيف يتفق ذلك مع قوله: لم يجعل اللَّه شفاء أمتى فيما حرم عليها؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن ناسا من قبيلة عُكْل أو عُريْنَة قدموا المدينة فمرضوا لعدم ملاءمة جوها لهم، فوصف لهم النبى ﷺ " أن يخرجوا منها إلى المراعى وأن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، ففعلوا فصحت أجسادهم ". وروى مسلم عن طارق بن سويد الحضرمى أنه قال للرسول ﷺ "إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها فقال " لا " فراجعه وقال: إنا نستشفى للمريض، فقال " إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء". وروى البخاري أنه ﷺ قال " إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها " وروى ابن ماجه أن النبى ﷺ رأى أم سلمة تَغلِى نبيذا لتداوى به ابنتها فقال " إن اللَّه تعالى لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها ". وروى الترمذى أن النبى ﷺ قال " يا عباد الله تداووا، فان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء " وفى رواية لأبى داود " فتداووا ولا تتداووا بالمحرم ".
وروى أيضا النهى عن الدواء الخبيث، والخمر أم الخبائث.
إزاء هذه النصوص تحدث العلماء عن التداوي بالمحرم، وبخصوص الخمر اتفق العلماء على أنه لا يجوز شربها إلا للضرورة القصوى كإنقاذ حياته من الموت لشدة العطش، أو من لقمة غُصَّ بها فى حلقه، ولا يجد شيئا حلالا أو أخف حرمة يرويه أو يمنع الغصة، وذلك قياسا على ما نص عليه من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها ثم قال تعالى فى الآية نفسها ﴿فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ المائدة: ٣، وهى الأصل الذى أخذت منه القاعدة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات. أما استعمال الخمر فى غير ذلك فالجمهور على منعه حتى لو تعينت الخمر ولا يوجد غيرها من الحلال، بناء على ظاهر الأحاديث التى نصت على حرمتها مطلقا، ولا يقاس التداوى بها على شربها للعطش أو الغصة، لأن فائدتها فيهما محققة، أما فى غيرهما فمظنونة غير مقطوع بها، وأجاز بعضهم التداوى بها عند الضرورة قياسا على أكل الميتة والدم ولحم الخنزير بشرط أن يخبر بذلك طبيب مسلم عدل، وألا يوجد دواء حلال أو شىء أخف حرمة يقوم مقام الخمر، سئل ابن تيمية عن التداوى بالخمر فقالع ما نصه: وأما التداوى بالخمر فإنه حرام عند جماهير الأئمة، كمالك وأحمد وأبى حنيفة، وهو أحد الوجهين فى مذهب الشافعى. انتهى.
ولو خلطت الخمر بالماء أو أضيف المخدر إلى مادة أخرى فالتناول والتداوى حرام، أما العقوبة بالحد فتكون إذا غلب المخدر أو تساوى مع ما أضيف إليه، فإن كان أقل فلا يعاقب بالحد إلا عند السكر " مجلة الأزهر- المجلد الثالث ص ٠ ٤٩، ٩١ ٤ ". أما التداوى بالنجس غير الخمر، وتناول النجس حرام، فقد قال العلماء: إنه لا يجوز إلا عند الضرورة، أما عند الاختيار وتوافر الدواء الحلال فلا يجوز. والحديث الذى ذكر أن الخمر ليست دواء ولكنها داء، وأن اللَّه لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها هو خاص بالخمر، أما المحرمات الأخرى فيجوز أن يكون فيها الشفاء ويمكن التداوى بها عند الضرورة، فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما مرفوعا إلى النبى ﷺ " إن فى أبوال الإبل شفاء للذَّرِبَة بطونهم " أى الفاسدة معدتهم، ولعل ذلك لما ترعاه من الشيح والقيصوم ونباتات البادية التى تعالج بها بعض الأمراض، ومع ذلك لا يعالج بها إلا عند الضرورة، كما رخص الرسول ﷺ للزبير بن العوام بلبس الحرير لوجود حِكَّة فى جسده. وكل هذا الخلاف في التداوى بالبول بناء على القول بنجاسته، وهو ما ذهب إليه الشافعى وغيره من القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها، سواء أكانت من مأكول اللحم أم من غيره، محتجين بعموم الحديث الصحيح الذى أخبر عن عذاب الميت لأنه كان لا يستبرئ من بوله، ووضع الرسول على قبره جريدة لعل اللَّه يخفف بها من عذابه. لكن ذهب فريق من العلماء إلى أن أبوال الإبل وغيرها من مأكول اللحم طاهرة، وهو قول مالك وأحمد وطائفة من السلف، محتجين بهذا الحديث، وهو عام ليس خاصا بالقوم الدين مرضوا فى المدينة، لعدم الدليل على الخصوصية. وأرى أن التداوى بالخمر ممنوع فليس فيها شفاء، والحلال متوفر، أما المحرمات الأخرى فلا مانع من التداوى بها إذا لم يوجد الحلال أو ما هو أخف حرمة
стр. 4610
آكل لحم الآدمى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يدخل أكل لحم الآدمى فى حكم المضطر إلى التداوى بالحرام؟
الجواب
أثار القرطبى فى تفسيره " ج ٢ ص ٢٢٩ " مسألة قال فيها: إذا وجد المضطر ميتة وخنزيرا ولحم ابن آدم أكل الميتة لأنها حلال أى فى حال - والخنزير وابن اَدم لا يحل بحال، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل، وهذا هو الضابط للأحكام، ولا يأكل ابن آدم ولو مات، قاله علماؤنا - أى المالكية - وبه قال أحمد وداود، احتج أحمد بقوله ﵇ " كسر عظم الميت ككسره حيا ". وقال الشافعى: يأكل لحم ابن آدم ولا يجوز له أن يقتل ذميا، لأنه محترم الدم، ولا مسلما ولا أسيرًا لأنه مال الغير، فإن كان حربيا أو زانيا محصنا جاز قتله والأكل منه. وشنَّع داود على المزنى- صاحب الشافعى - بأن قال:
قد أبحت أكل لحوم الأنبياء. فغلب عليه ابن سريج بأن قال: فأنت قد تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر. قال ابن العربى: الصحيح عندى ألا يأكل الآدمى إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه. وجاء فى " الفتاوى الإسلامية ج ١٠ ص ٣٧١١" قول الشيخ جاد الحق على جاد الحق: وفى جواز أكل لحم الآدمى عند الضرورة قال فقهاء الحنفية-على ما جاء فى الدر المختار للحصكفى وحاشية رد المحتار لابن عابدين فى الجزء الخامس -إن لحم الإنسان لا يباح فى حال الاضطرار ولو كان ميتا، لكرامته المقررة بقول الله تعالى ﴿ولقد كرمنا بنى آدم﴾ الإسراء: ٧٠، وكذلك لا يجوز للمضطر قتل إنسان حى وأكله ولو كان مباح الدم كالحربى والمرتد والزانى المحْصَن، لأن تكريم الله لبنى آدم متعلق بالإنسانية ذاتها، فتشمل معصوم الدم وغيره، وبهذا أيضا قال الظاهرية بتعليل آخر غير ما قال به الحنفية. ويقول الفقه المالكى: إنه لا يجوز أن يأكل المضطر لحم آدمى، وهذا أمر تَعَبُّدى، وصحح بعض المالكية أنه يجوز للمضطر أكل الآدمى إذا كان ميتا، بناء على أن العلة فى تحريمه ليست تعبدية وإنما لشرفه، وهذا لا يمنع الاضطرار، على ما أشار إليه فى الشرح الصغير بحاشية الصاوى فى الجزء الأول. وأجاز الفقه الشافعى والزيدى أن يأكل المضطر لحم إنسان ميت بشروط منها: ألا يجد غيره، كما أجاز للإنسان أن يقتطع جزء نفسه كلحم من فخذه ليأكله، استبقاء للكل. بزوال البعض، كقطع العضو المتاَكل الذى يخشى من بقائه على بقية البدن، وهذا بشرط ألا يجد محرما آخر كالميتة مثلا، وأن يكون الضرر الناشىء من قطع الجزء أقل من الضرر الناشىء من تركه الأكل، فإن كأن مثله أو أكثر لم يجز قطع الجزء، ولا يجوز للمضطر قطع جزء من آدمى آخر معصوم الدم، كما لا يجوز للآخرأن يقطع عضوا من جسده ليقدمه للمضطر ليأكله. وفى الفقه الحنبلى: إنه لا يباح للمضطر قتل إنسان معصوم الدم ليأكله فى حال الاضطرار، ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو غير مسلم، أما الإنسان الميت ففى إباحة الأكل منه فى حال الضرورة قولان، أحدهما لا يباح والآخر يباح الأكل منه، لأن حرمة الحى أعظم من حرمة الميت. قال ابن قدامة فى " المغنى " إن هذا القول هو الأولى.. ثم قال الشيخ جاد الحق فى " ص ٣٧١٢ " ونخلص إلى أنه يجوز اضطراراً أكل لحم إنسان ميت فى قول فقهاء الشافعية والزيدية، وقول فى مذهب المالكية ومذهب الحنابلة، ويجوز أيضا عند الشافعية والزيدية أن يقطع الإنسان من جسمه فلذة ليأكلها حال الاضطرار بالشروط السابق ذكرها. كان هذا ما خلص إليه فى فتواه فى ٥ من ديسمبر ١٩٧٩ م، وفى فتواه فى ١٦ من يناير ١٩٨٠ م قال بالنص: والذى نختاره للإفتاء هو قول الحنفية والظاهرية وبعض فقهاء المالكية والحنابلة القائلين بعدم جواز أكل لحم الآدمى الميت عند الضرورة لكرامته، والضرورة هى دفع الهلاك وحفظ الحياة
стр. 4611
العلاقة بين المسلم وغيره
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى حدود المعاملة بين المسلم وغيره أو كيف نظم الإسلام العلاقة عند اختلاف الأديان؟
الجواب
من المعلوم أن الناس مختلفون فى الرأى والعقيدة والسلوك بحكم طبيعتهم البشرية التى تخطىء وتصيب، قال تعالى ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ هود: ١١٨، ١١٩، وقد أمدهم اللَّه بهدى من عنده عرَّفهم فيه الخير ودعاهم إليه وعرفهم فيه الشر وحذرهم منه، وقال لآدم ومن معه حين أهبطهم إلى الأرض ﴿فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ طه: ١٢٣، وأرسل إليهم الرسل تترى لينبهوهم إلى هذه الحقيقة، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، حتى جاء خاتمهم محمد ﷺ ، فأكد ما دعوا إليه من العقائد الأساسية، وبيَّن أنه ليس غريبا عنهم فى هذه الدعوة، وقرر وجوب الإيمان بهم جميعا ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ البقرة: ١٣٦،. وكانت دعوة الإسلام عامة غير خاصة بزمان أو مكان، فهى لكل الناس، سواء منهم من كان على دين سابق ومن ليس على دين، قال تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاَخرة من الخاسرين﴾ آل عمران: ٨٥، وكان عرض الدعوة على ضوء قوله تعالى ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد﴾ آل عمران: ٢٠، فليس هناك إكراه، لأن العقائد لا تغرس إلا بالاقتناع، وما على الرسول إلا البلاغ ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، الكهف: ٢٨، ﴿لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى﴾ البقرة: ٢٥٦، وحينما أرسل الرسول الكتب لدعوة الملوك والرؤساء عرض عليهم الإيمان ولم يلزمهم به، فإن أسلموا فبها، وإن أبوا طلب منهم الاعتراف بالوضع الجديد للإسلام وعدم التعدى عليه، ففى بعض الكتب ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ آل عمران: ٦٤، وعندما خرجت قوافل الدعوة ومرت على جماعة عرضت عليهم الإسلام، فإن أسلموا فبها، وإلا طلبوا منهم عدم التعرض لمسيرتهم وتركوهم وما يدينون، وتعهدوا بحمايتهم وضمان حريتهم لقاء مقابل رمزى يطلق عليه اسم الجزية، وهؤلاء معاهَدون، فإن تعرضوا للمسلمين كانوا حربيين، يقاتلون ليفسحوا لهم الطريق، فإذا انتشر الإسلام فى إقليم أو دار أو جماعة وبقى بعضهم على دينه كانوا ذميين، لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات الاجتماعية مثل من يعيشون معهم من المسلمين.
يتبين من هذا أن غير المسلمين ثلاثة أصناف، صنف محارب، وضنف معاهد، وصنف ذمى، والمحارب لا نبدؤه بحرب ولكن نرد عليه إن حاربنا، وحربه ضرورة تقدر بقدرها قال تعالى ﴿وقاتلوا فى سبيل اللَّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن اللَّه لا يحب المعتدين﴾ البقرة: ١٩٠، وقال تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للَّه، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ البقرة: ١٩٣،. وهؤلاء تحرم مودتهم وموالاتهم ضد المسلمين كما قال سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ الممتحنة: ١، وقال أيضا ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللَّه فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم اللَّه نفسه وإلى الله المصير﴾ آل عمران: ٢٨،.
والمعاهد من لم يقبل الإسلام وتعهد بعدم حرب المسلمين، وهؤلاء يحترم عهدهم، لا يحاربون إلا إذا نكثوا العهد، قال تعالى ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ . التوبة: ٧، وقال تعالى ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ التوبة: ١٢.
وحذر النبى ﷺ من الغدر بهذا العهد وأمر المسلمين باحترامه، وهو الذى ردَّ أبا جندل وقد فر هاربا من أهل مكة وأسلم، لأن العهد فى الحديبية كان يقضى برده، وقال فى ذلك: " نفى لهم بعهدهم ونستعين اللَّه عليهم " وقال مثل ذلك فى أبى بصير، وقال فى احترام العهد " من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة لما رواه أبو داود، وعهد عمر لأهل إيلياء معروف، وفيه الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وعدم إكراههم على الدين وعدم الإضرار بهم.
والذمى هو من عاش بين المسلمين. فهو مواطن معهم، له ما لهم وعليه ما عليهم، ولا يأس بالتعاون مع الذميين على الخير ومن برهم ومجاملتهم فى الحدود المشروعة، كما كان اليهود فى المدينة أيام النبى ﷺ ، والمعاهدة معهم معروفة.
وفى هولاء وغيرهم من المعاهدين جاء الحديث الذى رواه البغوى " إن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذى فرض عليهم " وفيهم أيضا يقول اللَّه سبحانه ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ الممتحنة: ٨، ٩.
والنبى ﷺ تعامل مع اليهود واقترض منهم الطعام، ولم يرض للمسلم أن يتعدى على اليهودى الذى فضَّل موسى عليه، ونهى عن تفضيله على الأنبياء، مع أنه أفضلهم، وذلك منعا للفتنة. وقال فى حديث رواه مسلم " الأنبياء إخوة من عَلاَّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه ليس بينى وبينه نبى " ورأى عمر يهوديا ضريرا يسأل، فجعل له من بيت المال ما يكفيه، وكتب للولاة بمعونة الذميين الفقراء، وكانت هذه المعاملة لغير المسلمين من منطلق أن الإسلام دين السلام، لا يبدأ أحدا بحرب ما دام مسالما، قال ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللَّه﴾ الأنفال: ٦١.
وبخصوص أهل الكتاب من اليهود والنصارى أباح التزوج من نسائهم وأكل ذبائحهم ولا يقال: إن أخذ الجزية من أهل الذمة ظلم لهم أو جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، فإنها تقابل الزكاة التى فرضت على المسلمين، وكلتاهما لمصلحة المواطنين جميعا، وهى مفروضة بنسب بسيطة على الذكور القادرين فقط. وهناك حوادث كثيرة فى أيام الرسول وخلفائه، ونصوص وتشريعات كثيرة فى القرآن والسنة تدل على العدل والإنصاف والرحمة والسلام فى تعامل المسلمين مع غيرهم، وضعت فيها تآليف خاصة. جاء فى كتب الأحكام السلطانية للماوردى "ص ١٤٥ " أن عقد الجزية مع الذميين يشترط فيه شرطان، أحدهما مستحق والاَخر مستحب، وذكر أن المستحق فيه ستة شروط:
أحدها: ألا يذكروا كتاب اللَّه تعالى بطعن فيه ولا تحريف له.
والثانى: ألا يذكروا رسول اللَّه ﷺ بتكذيب له ولا ازدراء.
والثالث: ألا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه. والرابع: ألا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح. والخامس: ألا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا لدينه.
والسادس: ألا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنياءهم، فهذه حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط إشعاراً لهم وتأكيداً لتغليظ العهد عليهم، ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم. وتحدث الماوردى عن الأمور المستحبة التى تتعلق بالملابس والأبنية والنواقيس والمجاهرة بالمعاصى، وما يتعلق بالموتى ووسائل، الانتقال، وقال إنها لا تلزم حتى تشترط، ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم، لكن يؤدبون عليها زجرا، ولا يؤدبون إن لم تشترط، ثم تحدث عن كنائسهم إنشاءً أو تعميرا، ولو نقضوا العهد لم يستبح بذلك قتلهم ولا غنم أموالهم ولا سبى ذراريهم ما لم يقاتلوا، ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشرك، فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها. وجاء فى كتاب " غذاء الألباب للسفارينى "ج ١ ص ١٢ كلام طويل عن التعامل معهم وموقف أحمد بن حنبل منهم لا داعى لذكره فيرجع إليه من شاء. إن عقد الذمة يجوز مع من يعيشون معنا فى بلاد الإسلام، كما يجوز مع من لا يقيمون فيها، فقد عقد الرسول عقدا مع نصارى نجران مع بقائهم فى أماكنهم وديارهم دون أن يكون معهم أحد من المسلمين
стр. 4612
سد الأسنان بالذهب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الإسلام فى استبدال الإنسان لبعض أسنان الفم التالفة أو المشوهة بأخرى مصنوعة من الفضة أو الذهب؟
الجواب
حشو الأسنان بالذهب أو الفضة أو عمل سنٍّ منهما جائز عند الضرورة إذا كان غير الذهب والفضة لا يفيد، ففى مسند أحمد أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب " حرب " فاتخذ أنفا من فضة فأنتن، فأمره رسول اللَّه ﷺ بأن يتخذ أنفا من ذهب، وثبت أن كثيرا من الأئمة قد شد أسنانه بالذهب، مثل موسى بن طلحة وأبى رافع وإسماعيل بن زيد بن ثابت، ورخص فيه الحسن البصرى وأئمة الحنفية. جاء فى فتوى للشيخ حسنين مخلوف بتاريخ ١٨ نوفمبر ١٩٤٦ ما نصه: فالحشو والغطاء والسلك من الذهب أو الفضة جائز، سواء أخذنا ما روى عن الإمام أحمد من إجازة اليسير منهما أو على مذهب الإمام محمد بن الحسن من أئمة الحنفية، أو أخذنا بجهة الضرورة المبيحة لاستعمالهما، والبلاتين ونحوه من المعادن غير الذهب والفضة لم يرد فيها ما يمنع جواز استعمالها. " الفتاوى الإسلامية ج ٤ ص ١٣٠٢، ج ١٠ ص ١٧١٠ " و " وغذاء الألباب للسفارينى ج ٢ ص ١٧٤ "
стр. 4613
زرع الشعر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز لشاب مصاب بالصلع الشديد أن يجرى عملية زرع شعر أو يلبس شعرا مستعارا، أو يستخدم دهانات لتثبيت ونمو الشعر؟
الجواب
هذا العمل يدخل تحت حديث " لعن الله الواصلة والمستوصلة " وقد مر الحكم فى علميات التجميل، وخلاصته كما قال المحققون كابن الجوزى وغيره أن زرع الشعر إذا كان يدوم كالشعر العادى فلا غش فيه ولا خداع، أما إذا كان ينبت مؤقتا لمدة ثم يختفى فهو كالباروكة إن قصد به التدليس والغش عندما يريد الزواج مثلا، أوقصد به فتنة الجنس الاَخر للوقوع فى الإثم فهو حرام لا شك فيه. . أما إذا لم يقصد شيئا من ذلك فلا حرمة فيه
стр. 4614
الفيديو والتلفزيون والراديو
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم اقتناء الفيديو والتليفزيون والراديو ومشاهدة وسماع ما يذاع فيها؟
الجواب
هذه الأجهزة الحديثة كأى جهاز يستعمل فى الخير والشر، كالقلم نكتب به درسا علميا ونكتب به سبًّا وإشاعة، وكالكوب، تشرب فيه ماء وشرابا حلالا، وتشرب فيه شرابا حراما. ولهذه الأجهزة فوائد عظيمة إذا استعملت فى الخير تسجيلا أو إذاعة أو مشاهدة أو سماعا، وذلك إذا أمكن للإنسان أن يتحكم فيها، أما إذا لم يتمكن من التحكم فعلى من يذيعون ويعرضون أن يتقوا اللَّه ويختاروا ما هو أنفع وأجدى، وأن يبتعدوا عن كل ما يتنافى مع الدين والذوق، وعلى القاعدة المستقبلة لما يذاع ويعرض أن تنبه المسئولين عن البث إلى مراعاة ذلك، على ضوء قوله تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ النحل:
١٢٥
стр. 4615
الإطعام فى كفارة القتل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى كفارة القتل تحرير الرقبة، وعند العجز صيام شهرين متتابعين فما هو الحكم لو عجز عن الصيام؟
الجواب
قال تعالى ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من اللَّه، وكان الله عليما حكيما﴾ النساء: ٩٢. تفيد الآية أن كفارة القتل هى تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها القاتل أو لم يجد ثمنها انتقل إلى صيام شهرين متتابعين. هذا هو منطوق الآية، ولكن ما حكم ما لو عجز عن الصيام؟ اختلف الفقهاء فى ذلك فقال الحنفية والمالكية والشافعية فى الأظهر من مذهبهم، والحنابلة فى رواية: يثبت الصيام فى ذمته ولا يجب الإطعام كما يجب فى كفارة الظهار، وحجتهم فى ذلك أن اللَّه لم يذكر الإطعام ولو كان واجبا لذكره حيث لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما قالوا: إنه من المقادير، والمقادير لا تعرف إلا سماعا. وفى رواية عن أحمد والظاهر من مذهب الشافعية أنه يطعم ستين مسكينا، قياسا على كفارة الظهار وكفارة الفطر فى رمضان. وأرى أنه من المصلحة الأخذ بالرأى الثانى، ففيه تحقيق المقصود من شرعية الكفارة، وهو شعور الإنسان بخطئه فسنزجر عن معاودة الإثم، وذلك بالقياس على جريمة أخرى انتقل فيها العاجز عن الصيام إلى الإطعام
стр. 4616
الكبائر والصغائر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى بعض التعبيرات عن الذنوب بأن منها كبائر، فهل هناك من ضابط تميز به الكبائر عن الصغائر؟
الجواب
اختلف السلف فى انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، فذهب الجمهور إلى ذلك، ومنعه جماعة منهم الإسفرايينى، ونقله عن ابن عباس، وحكاه القاضى عياض عن المحققين. ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية. وحجتهم أن المخالفة بالنسبة إلى جلال اللَّه كبيرة على كل حال. أما الجمهور فحجتهم قوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ النساء: ٣١، وقوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ النجم: ٣٢، وحديث تكفير الذنوب الوارد فى الصلاة والوضوء مقيد باجتناب الكبائر. وبهذا ثبت أن من الذنوب ما يكفر بالطاعات العامة ومنها ما لا يكفر بها، ولهذا قال الإمام الغزالى: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه. ثم إن مراتب الصغائر والكبائر تختلف بحسب تفاوت مفاسدها، قال الطيبى: الكبيرة والصغيرة أمران نسبيان، فلابد من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة والمعصية والثواب، فأما الطاعة فكل ما تكفره الصلاة مثلا فهو من الصغائر، وأما المعصية فكل معصية يستحق فاعلها بسببها وعيدا أو عقابا أزيد من الوعيد أو العقاب المستحق بسبب معصية أخرى فهى كبيرة، وأما الثواب ففاعل المعصية إن كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة فى حق بعض الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية. انتهى. قال النووى: واختلفوا فى ضبط الكبيرة اختلافا كثيرا منتشرا، فروى عن ابن عباس أنها كل ذنب ختمه اللَّه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصرى. وقال آخرون: هى ما أوعد اللَّه عليه بنار فى الآخرة أو أوجب فيه جزاء فى الدنيا.
يقول الشوكانى فى نيل الأوطار "ج ٨ ص ٢٢٢" وممن نص على هذا الإمام أحمد، ومن الشافعية الماوردى، ولفظه: الكبيرة ما أوجبت فيها الحدود أو توجه إليها الوعيد. وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخر، منها قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وقال الحليمى: كل محرم لعينه منهى عنه لمعنى فى نفسه، وقال الرافعى: هى ما أوجب الحد، وقيل: هى ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة. وقد استشكل بأن كثيرا مما وردت النصوص بكونه كبيرة لا حد فيه كعقوق الوالدين، وأجيب بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد فيه نص بكونه كبيرة، أما العقوق مثلا فقد صح فيه حديث أنه من أكبر الكبائر. قال ابن عباس فى القواعد: لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بذنبه إشعارا دون الكبائر المنصوص عليها، قال الحافظ:
وهو ضابط جيد. هذا، وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار، والإصرار قيل هو التسويف، أى أن يقول:
أتوب غدا. وقيل هو الثبات على المعصية، وقيل هو أن ينوى ألا يتوب، وهو بالمعنى الذى قبله، وروى فى الحديث " لا توبة مع إصرار " القرطبى ج ٤ ص ٢١١". أما عدد الكبائر فمختلف فيه، وما جاء منها فى بعض الأحاديث فليس للحصر، وروى الطبرانى عن ابن عباس أنها إلى السبعين أقرب، ويمكن الرجوع فى ذلك إلى مقدمة كتاب الزواجر لابن حجر الهيتمى
стр. 4617
تحلية الخنجر بالفضة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض الرجال يعتزون بحمل الخناجر أو السيوف أو اقتنائها، ونرى على بعضها حلية من الفضة. فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
روى أبو داود والترمذى بإسناد حسن أن قبيعة سيف النبى ﷺ كانت من الفضة. والقبيعة هى التى على رأس قائم السيف، وهى التى يدخل القائم فيها، وربما اتخذت من فضة على رأس السكين، وقيل: ما تحت شاربى السيف مما يكون فوق الغمد، فيجىء مع قائم السيف. والشاربان أنفان طويلان أسفل القائم، أحدهما من هذا الجانب والآخر من هذا الجانب. وقيل: قبيعة السيف رأسه الذى فيه منتهى اليد إليه، وقيل: قبيعته ما كان على طرف مقبضه من فضة أو حديد. وقال هشام بن عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة، أنا رأيته "المغنى لابن قدامة ج ٨ ص ٣٢٣ ". قال الأثرم: قيل لأبى عبد الله:
الحلية لحمائل السيف؟ فسهل فيها، وقال: قد روى: سيف محلى؟ ولأنه من حلية السيف فأشبه القبيعة، ولذلك يخرج فى حلية الدرع والمغفر والحوذة والخف والران، ولأنه فى معناه.
قال أحمد: قد روى أنه كان لعمر رضى الله عنه سيف فيه سبائك من ذهب.
وروى الترمذى بإسناده من مزيدة العصرى قال: دخل رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة. وقال: هذا حديث غريب.
ولا يباح الذهب فى غير هذا إلا لضرورة كأنف الذهب وما ربط به أسنانه إذا تحركت
стр. 4618
الرق فى نظر الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
تحدث القرآن والسنة عن ملك اليمين، ويعيب بعض الناس ذلك لأنه يتنافى مع كرامة الإنسان، فكيف نرد عليهم؟
الجواب
الرق فى نظر الإسلام موضوع درست أحكامه فى الكتب الدينية، وألفت فيه كتب خاصة اهتمت ببيان أصل مشروعيته وموقف الإسلام منه، والرد على الشبه المثارة حوله. والرقيق قوة بشرية كان لها أثرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية قى الأزمان الغابرة، وجاء الإسلام فوجد الرق موجودا فى كل أنحاء الدنيا، وكانت وسائله متعددة، بعضها يقوم على الخطف والسرقة، فلم يشأ الإسلام أن يمنعه مرة واحدة حتى لا تكون هناك هزة، وهو فى الوقت نفسه ظاهرة موجودة عند كل الأمم عندما تقوم الحروب بينها ويقع فيها أسرى من الجانبين يساوم كل على فدائهم. فضيق الإسلام منابع الرق وحصرها فى الحرب المشروعة التى تقوم بين المسلمين والكفار، وكذلك فيما يتوالد من الأرقاء السابقين. وجعل ضرب الرق على الأسير بأمر الحاكم إن رأى فيه المصلحة. ثم وسع أبواب الحرية بالعتق قى مخالفات كثيرة، كالفطر فى رمضان والظهار والقتل والقسم أى الحلف وغير ذلك، كما حبب فى العتق بدون سبب موجب، ورغب فيه ترغيبا كبيرا، وإذا ضاق المنبع واتسع المصب كانت النتيجة قضاء على الرق بالتدريج. وفى المسافة التى بين الرق والعتق أمر الإِسلام بالإِِحسان إلى الرقيق، ونصوصه فى ذلك كثيرة جاء فيها التعبيرعن المملوكين بأنهم إخوان من ملكوهم، وهى إخوة فى الإِنسانية تقتضى الرحمة والحفاظ على كرامتهم، حتى كان عتق العبد كفارة عن ضربه وإهانته، ولعل هذه الطيبة قى معاملتهم تكون دعاية للإِسلام ومبادئه الإِنسانية العظيمة، على يد من يعتقون. وموقف الإِسلام بهذه الخطوات الثلاثة الحكيمة: تضييق منابع الرق، وتوسيع منافذ الحرية، والإِحسان إلى المملوك والترغيب فى عتقه - موقف شريف يزرى بالأساليب التى كانت موجودة قبل الإِسلام فى بلاد الحضارة، وبالأساليب التى اتخذها تجار الرقيق قى القرون الأخيرة لتعمير الأراضى المكتشفة، وحين اشتد التنافس بين الدول فى هذه التجارة قرروا الاتفاق على منعها، متذرعين - صدقا أو كذبا - بأنها منافية لكرامة الإِنسان، واستبدلوا به رقا آخر بالاستعمار وبسط النفوذ المسلمون من أول ١٧ والتحكم فى مصائر الشعوب الضعيفة، وكانت من وافقوا على منع هذه التجارة، وإن كانت له اَثار قليلة باقية. وفى النهاية نهتف مباهين بالإِسلام وتشريعه وأسلوبه فى معالجة المشكلات، مؤمنين حقا بقول اللَّه سبحانه ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٧، والموضوع كل موجود فى رسالتى "الرق فى نظر الإسلام "
стр. 4619
دار الإسلام ودار الحرب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المقصود بدار الحرب، ومتى يطلق على منطقة بأنها دار حرب، وهل تقام فيها الحدود؟
الجواب
جاء فى كتاب " بيان للناس من الأزهر الشريف، ج ١ ص ٢٤٨ " أن تقسيم البلاد إلى دار كفر وإسلام أمر اجتهادى من واقع الحال فى زمان الأئمة المجتهدين، وليس هناك نص فيه من قرآن أو سنة. والمحققون من العلماء قالوا: إن مدار الحكم على بلد بأنه بلد إسلام أو بلد حرب هو الأمن على الدين. حتى لو عاش المسلم فى بلد ليس له دين أو دينه غير دين الإسلام، ومارس شعائر دينه بحرية فهو فى دار إسلام، بمعنى أنه لا تجب عليه الهجرة منها. وذكر المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة فى رسالة عن نظرية الحرب فى الإسلام " ص ٣٨" رأيين للفقهاء فى دار الإسلام ودار الحرب. ثم اختار رأى أبى حنيفة وهو: أن مدار الحكم هو أمن المسلم، فإن كان اَمنا بوصف كونه مسلما فالدار دار إسلام وإلا فهى دار حرب. وقال: إنه الأقرب إلى معنى الإسلام، ويوافق الأصل فى فكرة الحروب الإسلامية وأنها لدفع الاعتداء. انتهى. وبخصوص الحدود قال فريق من الفقهاء منهم أبو حنيفة: إذا غزا أمير أرض الحرب فإنه لا يقيم الحد على أحد من جنوده فى عسكره، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبه ذلك، فيقيم الحدود فى عسكره، وحجتهم أن إقامتها فى دار الحرب قد تحمل المحدود على الالتحاق بالكفر. وقد نص على عدم إقامتها أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعى وغيرهم، وعليه إجماع الصحابة. وكان أبو محجن الثقفى لا يطيق الصبر عن شرب الخمر، فشربها بالقادسية فحبسه أمير الجيش سعد بن أبى وقاص وأمر بتقييده، ثم طلب من امرأة سعد أن تطلقه ليشترك فى المعركة وتعهد بالعودة إلى الحبس، وكان ذلك، ولما عرف سعد بلاءه فى الحرب عفا عنه فتاب عن الحمر. ورأى جماعة آخرون عدم الفرق بين إقامة الحدود فى دار الإسلام وغيرها، ومنهم مالك والليث بن سعد.
وبعد، فهذا سؤال تقليدى عن الحدود قضت به ظروف كان المسلمون فيها أصحاب قوة وسلطان يفتحون البلاد بالإسلام، فهل يمكن فى ظروفنا الحاضرة أن يكون لنا هذا الوضع؟ هذا، ويثار هنا سؤال عن حكم إقامة المسلم فى بلاد المشركين، ورأى الإسلام فى الجاليات الإسلامية. روى أبو داود والترمذى أن النبى ﷺ قال " أنا برىء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ". وهذا الحديث يلتقى مع الآيات التى تحث على الهجرة من مكة إلى المدينة، وتنعى على من يستطيعون الهجرة ولا يهاجرون، ومنها قوله تعالى ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ النساء: ٩٧،. والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، لكن هل هى واجبة أم مندوبة؟ قال العلماء: إن خاف المسلم على دينه وخلقه أو على ماله وجب أن يهاجر، وإن لم يخف لم تجب الهجرة، وتكون سنة. لكن قال المحققون: إذا وجد المسلم أن بقاءه فى دار الكفر يفيد المسلمين الموجودين فى دار الإسلام، أو يفيد المسلمين الموجودين فى دار الكفر بمثل تعليمهم وقضاء مصالحهم، أو يفيد الإسلام نفسه بنشر مبادئه والرد على الشبه الموجهة إليه - كان وجوده فى هذا المجتمع أفضل من هجره، ويتطلب ذلك أن يكون قوى الإيمان والشخصية والنفوذ حتى يمكنه أن يقوم بهذه المهمة.
وقد كان لبعض الدعاة والتجار فى الزمن الأول أثر كبير فى نشر الإِسلام فى بلاد الكفر " انظر الجزء الأول من كتاب بيان للناس من الأزهر الشريف "
стр. 4620
حد عمر لابنه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل ضرب عمر ابنه بسبب الخمر حتى مات؟
الجواب
هذه الحكاية تتردد كثيرا على ألسنة المتحدثين عن عدالة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وعدم محاباته فى تطبيق الشريعة، وسيدنا عمر- وإن كان معروفا أنه يمثل العدالة فى أسمى معانيها أو يكاد، إلا أنه وكذلك كثير من المشهورين فى التاريخ - قد نسبت إليه أمور لم يصح سندها، يحكيها الناس توكيدا لعدله.
ونشرت فى مجلة إسلامية فتوى حول هذا الموضوع جاء فيها: إن أبا الفرج عبد الرحمن بن الجوز ذكر فى كتابه " سيرة عمر بن الخطاب " أن عبد الرحمن بن عمر ومعه أبو الروعة عقبة بن الحارث، وهو من أهل بدر، كانا فى مصر وشربا نبيذا، وظنا أنه لا يسكر، فسكرا، وكان يكفيهما الإحساس بخطئهما والتوبة إلى اللَّه، غير أنهما غضبا للَّه على أنفسهما، فذهبا إلى عمرو بن العاصى وهو والى مصر، وطلبا منه إقامة الحد عليهما. وقد كان عبد الله بن عمر سمع أن أخله شرب، ثم علم أنه رفع أمره إلى عمرو بن العاصى، فذهب معه وشهد إقامة الحد عليهما فى دار عمرو. ثم سمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إلى عمرو خطابا شديد اللهجة، يذكر فيه محاباته لابنه، حيث لم يقم الحد عليه فى مكان عام مكشوف، كما يقام على غيره من عامة الناس، وطلب منه أن يرسله إليه بالمدينة فى ثوب خشن،١٧١٧ أوعلى مركب خشن فلما حضر مع أخيه عبد الله وسأله عمر عما حدث: أقر واعترف فغضب منه وضربه وعبد الرحمن يستغيث وهو لا يرحمه، ثم حبسه بعد أن انتهى من ضربه، ثم مرض عبد الرحمن ومات. وأخرج الديلمى فى كتابه " المنتقى " كما حكاه صاحب " الرياض النضرة " أن حادثة الحد كانت عن زنى عبد الرحمن بجارية فى حائط - بستان - بنى النجار، وكان سكران من خمر شربه عند يهودى اسمه "نسيك " كما نقله الشبلنجى فى كتابه " نور البصائر والأبصار ". والكتب الصحيحة لم تشر إلى هذه الحادثة، وقد قال ابن الجوزى فى كتابه: إن عمر لم يقم الحد على ابنه، فإن ضربه ليس حدا، بل غضبا وتأديبا، لأن الحد لا يتكرر، ثم يقول: وقد أخذ هذا الحديث قوم من القصاص فبدأوا فيه وأعادوا، فتارة يجعلون هذا مضروبا على شرب الخمر، وتارة على الزنى ويذكرون كلاما ملفقا يبكى العوام لا يجوز أن يصدر عن مثل عمر، وقد ذكرت الحديث بطرقه فى كتاب "الموضوعات " ونزهت هذا الكتاب عنه " ص ١٦٧ ". وأرى أن مثل هذه الأمور التى تمس الشخصيات الكريمة ينبغى أن يحتاط فى الحديث عنها مهما كان الغرض من الحديث، وبخاصة الخلفاء الراشدون الذين أمرنا الرسول ﷺ بالاقتداء بهديهم
стр. 4621
الحدود زواجر أم جوابر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا أقيم الحد على الزانى، هل هذا الحكم يكفى لمحو الذنب عنه أم أن الله يعاقبه عليه فى الآخرة؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن عبادة بن الصامت فى حديث المبايعة على عدم الشرك والسرقة والزنى والقتل أن النبى ﷺ قال: " فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا فهو كفارة له لما وروى مسلم حديث الجهنية التى أقيم عليها حد الزنى، وصلى عليها النبى ﷺ وقال جوابا عن استفهام: " لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها للَّه " وروى الترمذى والحاكم وصححه حديث: " من أصاب ذنبا فعوقب به فى الدنيا فاللَّه أكرم من أن يثنى العقوبة على عبده فى الآخرة ". بناء على هذه الأحاديث رأى أكثر العلماء أن الحدود كفارات للذنوب أى جوابر لا يعاقب اللَّه عليها بعد ذلك، ولكن قال بعض التابعين والمعتزلة وابن حزم: الحدود زواجر لا جوابر، وعلى من أقيم عليه الحد أن يتوب إلى اللَّه توبة نصوحا حتى يكفر الله ذنبه. وتوقف جماعة فى الحكم بناء على حديث رواه الحاكم وقال عنه الحافظ ابن حجر: إنه صحيح على شرط الشيخين، أن النبى ﷺ قال " لا أدرى: الحد كفارة لأهلها أم لا ".
ولكن الرأى الأول أرجح، لأن أدلته أقوى، وهذا كله فى الحق الخالص للَّه، الذى ليست له علاقة بحقوق العباد، أما ما فيه حق للعباد فمع الحد والتوبة لا بد من رد هذه الحقوق أو طلب العفو والتنازل عنها، فإن لم يفعل ذلك طالبه أهل الحقوق بحقوقهم يوم القيامة، وإن كان صادق التوبة فى الدنيا مع الله، وحاول رد الحقوق لأصحابها، أو طلب العفو منهم ولم يستطع فالمرجو من اللَّه - ورحمته واسعة - أن يطلب له العفو منهم، والله أعلم
стр. 4622
دهن الخنزير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز أكل ما طبخ يدهن الخنزير للضرورة، كان كان الإنسان فى الجيش أو فى طريق لا يوجد فيه أكل آخر؟
الجواب
شحم الخنزير كلحمه محرم لقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ المائدة: ٣، فلا يجوز أكل اللحم أو الشحم أو ما طبخ به، وذلك بشرط الاختيار بأن يكون هناك طعام حلال آخر، ولم يكرهه على تناوله أحد. فإن لم يوجد إلا لحم الخنزير أو ما طبخ بشحمه، أو أكرهه على تناوله من هو أقوى منه جاز أكله، لأن هذه حالة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، بدليل قوله تعالى فى الآية نفسها ﴿فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن اللَّه غفور رحيم﴾ وحكم الاضطرار هذا راجع إلى جميع المحرمات المذكورة فى الآية. والمخمصة هى الجوع الشديد والتجانف هو تجاوز الحد الأدنى فى الأكل، أو هو العصيان فى السفر على اختلاف للفقهاء فى ذلك. فالآية تدل على تناول لحم الخنزير أو شحمه عند الضرورة بشرط ألا يزيد على ما يمسك الرمق، فإن الضرورة تقدر بقدرها. والحال الواردة فى السؤال وهى وجود الشخص فى الجيش، إن كان فى الجيش طعام آخر ليس فيه لحم أو شحم الخنزير، ويمكن الحصول عليه ولو بالشراء لا يجوز أكل الخنزير. فإن لم يوجد إلا هو ولا يمكن الحصول على غيره جاز له تناوله بقدر يسير. وكذلك من كان فى طريق لا يوجد فيه غير لحم الخنزير أو ما طبخ بشحمه، يجوز له أن يأكل منه بقدر الضرورة حتى يصل إلى مكان فيه طعام حلال
стр. 4623
الجهاد فى الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى حكمة مشروعية الجهاد فى الإسلام؟
الجواب
الجهاد من الكلمات التى أُسىء استعمالها لعدم فهم معناها فهما صحيحا، فالجهاد مأخوذ من الجَهْد وهو التعب، أو الجُهد وهو القوة، فالمجاهد يبذل جُهْدا يحس فيه بِجَهْد، أي يبذل قوة يحس فيها بتعب، ومعنى الجهاد بذل الجهد لنيل مرغوب فيه أو دفع مرغوب عنه، يعنى لجلب نفع أو منع ضر، وهو يكون بأية وسيلة وفى أى ميدان حسى أو معنوى، ومنه جهاد النفس والشيطان وجهاد الفقر والجهل والمرض وجهاد البشر. والنصوص فى ذلك كثيرة، وجهاد البشر يكون بدفع الصائل المعتدى على النفس أو المال أو العرض، والميت فى هذا الجهاد شهيد كما صح فى الحديث، كما يكون الجهاد عند الاعتداء على الأوطان والحرمات، أو الوقوف ضد الدعوة إلى الخير. والجهاد فى سبيل الله عرف فى الشرع بما يرادف الحرب لإعلاء كلمة اللَّه، ووسيلته حمل السلاح وما يساعد عليه ويتصل به من إعداد وتمويل وتخطيط، ويشترك فيه عدد كبير من الناس، من زراع وصناع وتجار وأطباء ومهندسين وعمال ورجال أمن ودعاة وكُتَّاب، وكل من يسهم فى المعركة من قريب أو بعيد.
وكان هذا الجهاد هو الشغل الشاغل للمسلمين فى بدء تكوين المجتمع الإسلامى وأكثر آيات القراَن وأكثر الأحاديث كانت للأمر به والتشجيع عليه: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل اللَّه﴾ التوبة: ٤١، وهو فرض عين على كل قادر عليه إن أغار علينا العدو، وفرض كفاية إن لم تكن إغارة علينا، وإذا استنفر الإمام القوة وجب الخروج، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض. . .﴾ التوبة: ٣٨، وحديث البخارى ومسلم " وإذا استنفرتم فانفروا " لقد كان هناك انتقال بالدعوة لنشرها فى ربوع العالم حيث يقوم بذلك جماعة من القادرين نيابة عن غيرهم ما دامت فيهم كفاية، وكل مسلم يجب أن يكون مستعدًّا لإجابة الداعى إلى الجهاد، وعليهم جميعا أن يكونوا على أقصى درجات الاستعداد ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . . .﴾ الأنفال: ٦٠،. لكن: هل حمل السلاح هو الوسيلة الوحيدة لنشر الدعوة؟ إن مهمة حمل السلاح كانت لغرضين أساسيين، أولهما رد العدوان الواقع أو المنتظر، والثانى تأمين طريق الدعوة. ورَدُ العدوان ظهر فى غزوات بدر وأحد والخندق وغيرها، وكان عدوانا حقيقيا واقعا، ومنه إغاثة المظلومين: ﴿وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر. . .
﴾ الأنفال: ٧٢، أما رد العدوان المنتظر فكان فى فتح مكة حيث نقضت قريش عهدها الذى أبرمته مع النبى ﷺ فى الحديبية، وفى غزوة تبوك وغيرها. وتأمين الطريق كان فى تحرك المسلمين خارج حدود المدينة لنشر الدعوة فى أنحاء العالم، لأنها دعوة عالمية للناس جميعا. إن الإسلام إذا كان قد فرض القتال، والرسول ﵊ إذا أخبر أنه بعث بالسيف، وجُعل رزقه تحت ظل رمحه، كما رواه أحمد عن ابن عمر، فإن الواجب أن نفهم أن الإسلام أمر بالقوة، بل دعا إلى أن يكونوا فى أعلى درجاتها، والسبب فى ذلك أن الإسلام قوة جديدة فالمنتظر أن تحاربها القوات القائمة إذا ذاك حتى لا تزاحمها فى سلطانها، وذلك شأن الناس فى كل العصور، فلا بد من الدفاع عن الكيان الجديد ليثبت وجوده ويؤدى رسالته، ولو أن الإسلام كان دعوة محلية أو مؤقتة لكانت مهمة التسلح هى من أجل الدفاع، لكنه دعوة عالمية لابد أن تبلغ للعالم كله، والوسيلة إذ ذاك هى السفر والضرب فى الأرض، والسفر كان وما يزال تحفُّه المخاطر، فكان لا بد من التسلح حتى لا يقف الأعداء فى طريق الدعوة.
وإذا كان السيف لابد منه لتأمين طريق الدعوة فى الماضى، فإنه فى هذه الأيام لا مهمة له إلا الدفاع ضد من يريدون شرًّا بالإسلام وأهله، أما نشره فله عدة وسائل لا تحتاج إلى سفر ولا تخشى معه مخاطر لطريق، فالصحف والمكاتبات وما إليها أصبحت تتخطى الحدود، ولئن أمكن التحكم فيها إلى حد ما، فإن الإذاعات اليوم أصبحت من القوة والانتشار، بحيث لاحقت الناس وهم في بيوتهم وعلى أسِرّةِ نومهم لا تمنعها سلطة ولا تقف دونها حدود ولا أبواب. هذا، وما يروى أن النبي ﷺ قال لأهل مكة قبل الهجرة " أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح " كما رواه الطبرانى- فهو حديث ضعيف يرده العقل والنقل، أما الأول فلأن الرسول ﷺ كيف يصرح بذلك فى بدء الدعوة وهو منفر لها لا مرغب فيها؟ وكيف يقوله وهو ضعيف لا يستطيع حماية نفسه فضلا عن حمايته لأتباعه القلة؟ ولماذا تركته قريش وهم يعلمون ما جاء به من الذبح ليحقق ما يريد، ولم يتغدوا به قبل أن يتعشى بهم؟ وأما الثانى فلمنافاته لآية ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٧، وحديث " إنما أنا رحمة مهداة" رواه الحاكم والطبرانى، وما يماثله من نصوص وأحداث تدل على رقة قلبه وعظيم رحمته. ولو كان النبى ﷺ متعطشا للدماء، وبخاصة من قريش ما عفا عنهم عند فتح مكة وهو القادر على الانتقام منهم، كما أن الحديث لا يراد به قهرهم على الإسلام فهو يتنافى مع طبيعة الدعوة. ومعنى قوله ﷺ الذى رواه أحمد بسند صحيح " جُعل رزقى تحت ظل رمحى" أن رزقه من الغنائم التى يحصل عليها المسلمون من الحروب التى كان يباشر أكثرها بنفسه، وكفاية رئيس الدولة توفر من الخرينة العامة بمواردها المتعددة، ومنها الغنائم، وهو مبدأ إسلامى أقره الصحابة لأبى بكر وعمر والخلفاء. إن الفهم السطحى لمشروعية القتال بالآيات والآحاديث ربما يوحى بأن الإسلام قد انتشر بقوة السلاح، ولولا ذلك ما كان له وجود أو ما كان بهذه المساحة الكبيرة من الأرض، أو من نفوس الناس، وكيف يقال ذلك والإسلام دين الرحمة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو الذى قال ﴿ادخلوا فى السلم كافة﴾ البقرة: ٢٠٨، ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللَّه﴾ الأنفال: ٦١، " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " رواه البخارى ومسلم. إن الدعوة الإسلامية للعرض لا للفرض، فما كانت العقائد تغرس بالإكراه أبدا، لا فى القديم ولا فى الحديث، والله يقول عن نوح ﴿أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ هود: ٢٨، ويقول لمحمد ﵊ ﴿أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: ٩٩، إلى غير ذلك من النصوص. وعندما أرسل النبى ﷺ عليًّا لقتال يهود خيبر قال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ يعنى أرغمهم على الإسلام، فقال له " انفذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فواللَّه لأن يهدى اُلله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم " رواه مسلم. وإذا جاءت نصوص تدل بظاهرها على الأمر المطلق بالقتال فهناك نصوص أخرى تقيدها بما إذا كان ذلك ردًّا لعدوان وقع، أو جزاء على نكث العهد، أو منعا لعدوان سيحدث، قال تعالى ﴿وقاتلوا فى سبيل اللَّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ البقرة: ١٩٠، وقال تعالى ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر﴾ التوبة: ١٤، فيُقَيَّدُ بذلك قوله تعالى ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ التوبة: ٣٦، وقوله ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ البقرة: ١٩١، ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ البقرة: ١٩٣،. ولو جاءت نصوص تفيد فى ظاهرها أن القتال لأجل الإِسلام فالمراد أن القتال ينتهى لو أعلن الناس، الإِسلام، ويسر خوض المعركة أساسا من أجل أن يسلموا، وذلك مثل حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فاذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه " رواه البخارى ومسلم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية. . .﴾ التوبة: ٢٩، فلم يكن أخذ الجزية باعثا على القتال ولكن كان غاية ينتهى عندها إذا دفعوها، ويؤكد أن الغرض من القتال ليس مادة أن أبا عبيدة ردَّ على أهل المدن ما أخذه منهم جزية حين استدعوا إلى مقابلة الروم فى اليرموك، لأنها كانت فى مقابل حمايتهم، وحيث إنهم تخلوا عنها فلامعنى لبقائها فى حوزتهم كما ذكره أبو يوسف فى كتابه " الخراج ". هذا، ولعل الذين ينادون بالجهاد عن طريق حمل السلاح يقصدون الجهاد لتغيير الوضع الحالى للمجتمعات الإِسلامية، وقد قلنا: إن وسيلة الإِصلاح لن تؤمن عاقبتها إذا كانت قائمة على العنف، فإن للقوة إعدادها وتخطيطها الكبير الجبار، وكذلك لدراسة كل الظروف القائمة أهميتها فى القيام بمثل هذه الحركة، ولا يجوز أن يفهم من هذا أننا نهوشّ من شأن الجهاد بمعناه العام، فإنه ماض إلى يوم القيامة فى ميادينه الواسعة وبأساليبه المتعددة، لحديث " والجهاد ماض مذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل " رواه أبو داود، فإنه يدل بعمومه على بقاء الجهاد فى الميادين السلمية، ويدخل فيه الجهاد المسلح دخولا أوليا، وقد يرشح دلالته عليه بخاصة ذكر فتال الدجال بعد.
وإذا كان الجهاد مفروضا بالسلاح لتأمين طريق الدعوة والدفاع عن الحرمات، فذلك واضح فى الجهاد ضد الكفار، أما الجهاد بين الدول الإِسلامية فلا يجوز مطلقا أن يكون للعدوان على الحقوق، بل لرد العدوان، ولا يلجأ إليه إلا إذا فشلت كل الطرق السلمية، على حد قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله. . .﴾ الحجرات: ٩، وفى الدفاع يقول الحديث " من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد. " رواه أبو داود، ويُحَذر من العدوان على الأفراد أو الجماعات أو الدول بين المسلمين فيقول " إخا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار " قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال " كان حريصا على قتل صاحبه " رواه البخارى ومسلم
стр. 4624
الانتفاع بالمشيمة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل جمع فضلات الإنسان كالدم والشعر والسن والمشيمة لاستخراج مواد طبية منها حرام أم حلال؟
الجواب
جاء فى تفسير القرطبى "ج ٢ ص ١٠٢ " أن الحكيم الترمذى ذكر فى " نوادر الأصول " أن النبى ﷺ قال " قصوا أظافيركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقُّوا براجمكم، ونظفوا لثاتكم من الطعام، وتسنَّنوا ولا تدخلوا علىَّ فُخْرًا بخْرًا " (المحفوظ -كما فى تفسير القرطبى "ج ٢ ص ١٥٤ " قُحْلاً وقلحا. والقُحل جمع أقلح وهو الذى اصفرت أسنانه حتى بخرت وأنتنت رائحتها والتسنن تنظيف الأسنان بالسواك.) ثم تكلم عليه فأحسن. وفى شرحه لدفن القلامات قال: إن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه وزال عنه فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كيلا يتفرق ولا يقع فى النار أو فى مزابل قذرة، وقد أمر رسول الله ﷺ بدفن دمه حيث احتجم كيلا تبحث عنه الكلاب.
ثم ذكر حديثا عن عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بدفن سبعة أشياء من الإِنسان: الشعر والظفر والذم والحيضة والسن والقلفة والبشيمة.
لم يذكر سند هذا الحديث حتى يمكن الاستشهاد به، وقد تحدث العلماء عن دفن الشعر والظفر والدم فقالوا: إنه سنة، وجاء فى كتاب "غذاء الألباب للسفارينى ج ١ ص ٣٨٢" نقلا عن " الإِقناع " أن الخلاَّل روى بإسناده عن مثل بنت بشرح الأشعرية قالت: رأيت أبى يقلم أظفاره ويدفنها ويقول: رأيت النبى ﷺ يفعل ذلك. وعن ابن جريج عن النبى ﷺ كان يعجبه دفن الدم. وقال مهنا:
سألت أحمد ابن حنبل عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شىء؟ قال: كان ابن عمر يفعله.
فدفن فضلات الإِنسان سنة: لتكريم الإِنسان بتكريم أجزائه، وللنظافة بمواراتها وعدم التلوث بها، وصونا لها عن استخدامها فيما يضر كما كان يفعله المشتغلون بالسحر واستخدام آثار الإنسان فى ذلك.
وقد ذكر ابن حجر فى أخذ معاوية لقصة الشعر أن دفنها ليس بواجب.
لكن لو لم تدفن هذه الأشياء فلا يعاقب عليها، لأن المكروه وهو مقابل السنة لا عقاب عليه.
ومحل ذلك إذا لم تكن هناك فائدة ترجى من وراء هذه الفضلات.
وبفضل التقدم العلمى أمكن الانتفاع بهذه الفضلات، وهذا أولى من إهدارها، وكما يقال: إذا وجدت المصلحة فثم شرع اللَّه، وذلك فيما لم يرد فيه نص قاطع ولم يعارض حكما مقررا.
ولذلك أرى أنه لا مانع من استغلال هذه الفضلات فى المنفعة
стр. 4625
الإنسان مسير أم مخير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الإنسان مسير أم مخير؟
الجواب
الله سبحانه خلق الإنسان وعلم ما سيكون عليه من خير وشر، وجعله قابلا للطاعة والمعصية، وكلفه بأمور ينفذها وترك له الحرية في اختيار التنفيذ وعدم التنفيذ، ليكون محاسبا أمام اللَّه على ما فعله بحريته واختياره من طاعة أو معصية، والإنسان لا يعلم ما قدر له في علم اللَّه إلا بعد وقوع المقدر، ولو أقدم على فعل محرم متعللا بأنه مقدر عليه فهو مخطئ فى هذا التعلل، لأنه ربما يحول بينه وبين فعل المحرم حائل يمنعه، وهنا يعلم أنه لم يُقدر عليه.
فالإنسان مخير في الأمور التكليفية التى يستطيع فعلها أو تركها بحريته واختياره، أما الأمور التى لا تقع تحت حريته واختياره، كالكوارث العامة من الزلازل والبراكين والعواصف والسيول وغيرها فهو فيها مسير.
ثم أقول: لماذا يكثر السؤال فى هذا الموضوع، وبخاصة من يقول: إن المعاصى مقدرة علينا فلماذا نعاقب عليها ونحن مرغمون لا مفر لنا من القضاء والقدر؟ إن اللَّه سبحانه علم أن أبا لهب لن يؤمن بسيدنا محمد، ومع ذلك أمر اللَّه نبيه أن يطلب منه الإيمان، ليكون إيمانه وعدم إيمانه بحريته واختياره، فاختار أبو لهب الكفر، واستمر على ذلك حتى مات كافرا، وهنا علم تماما أن اللَّه سبحانه قضى في علمه أن أبا لهب سيختار الكفر ويموت عليه.
ثم أقول: لماذا يسأل الناس عن تقدير المعاصى لتبرير فعلها لأنها قضاء اللَّه حتى لا يعاقب عليها، ولا يسأل عن تقدير الطاعات، ويطالب بالثواب عليها، مع أن المعاصى والطاعات مقدرة فى علم اللَّه؟ إن الإنسان هنا فى الطاعات حريص على أن ينال الثواب على طاعته لأنها عمله. وفى المعاصى حريص على أن يفر من العقاب على معصيته لأنها ليست عمله - فى ادعائه -بل مقدرة عليه.
لا ينبغى أن يغالط الإنسان نفسه، فهو مسئول عن كل شيء فعله بحريته واختياره من خير أو شر، قال تعالى ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ الطور:
٢١، وقال تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ المدثر: ٣٨، إن الأمر لو كان كما يريد هؤلاء من تقدير كل الأمور علينا وعدم الحساب عليها ما كانت هناك حاجة إلى إرسال الرسل ولا إلى البعث ولا إلى الحساب ولا إلى الجنة والنار
следующие страницы →