← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

الحدود زواجر أم جوابر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال إذا أقيم الحد على الزانى، هل هذا الحكم يكفى لمحو الذنب عنه أم أن الله يعاقبه عليه فى الآخرة؟ الجواب روى البخارى ومسلم عن عبادة بن الصامت فى حديث المبايعة على عدم الشرك والسرقة والزنى والقتل أن النبى ﷺ قال: " فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا فهو كفارة له لما وروى مسلم حديث الجهنية التى أقيم عليها حد الزنى، وصلى عليها النبى ﷺ وقال جوابا عن استفهام: " لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها للَّه " وروى الترمذى والحاكم وصححه حديث: " من أصاب ذنبا فعوقب به فى الدنيا فاللَّه أكرم من أن يثنى العقوبة على عبده فى الآخرة ". بناء على هذه الأحاديث رأى أكثر العلماء أن الحدود كفارات للذنوب أى جوابر لا يعاقب اللَّه عليها بعد ذلك، ولكن قال بعض التابعين والمعتزلة وابن حزم: الحدود زواجر لا جوابر، وعلى من أقيم عليه الحد أن يتوب إلى اللَّه توبة نصوحا حتى يكفر الله ذنبه. وتوقف جماعة فى الحكم بناء على حديث رواه الحاكم وقال عنه الحافظ ابن حجر: إنه صحيح على شرط الشيخين، أن النبى ﷺ قال " لا أدرى: الحد كفارة لأهلها أم لا ". ولكن الرأى الأول أرجح، لأن أدلته أقوى، وهذا كله فى الحق الخالص للَّه، الذى ليست له علاقة بحقوق العباد، أما ما فيه حق للعباد فمع الحد والتوبة لا بد من رد هذه الحقوق أو طلب العفو والتنازل عنها، فإن لم يفعل ذلك طالبه أهل الحقوق بحقوقهم يوم القيامة، وإن كان صادق التوبة فى الدنيا مع الله، وحاول رد الحقوق لأصحابها، أو طلب العفو منهم ولم يستطع فالمرجو من اللَّه - ورحمته واسعة - أن يطلب له العفو منهم، والله أعلم

стр. 4622

دهن الخنزير المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز أكل ما طبخ يدهن الخنزير للضرورة، كان كان الإنسان فى الجيش أو فى طريق لا يوجد فيه أكل آخر؟ الجواب شحم الخنزير كلحمه محرم لقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ المائدة: ٣، فلا يجوز أكل اللحم أو الشحم أو ما طبخ به، وذلك بشرط الاختيار بأن يكون هناك طعام حلال آخر، ولم يكرهه على تناوله أحد. فإن لم يوجد إلا لحم الخنزير أو ما طبخ بشحمه، أو أكرهه على تناوله من هو أقوى منه جاز أكله، لأن هذه حالة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، بدليل قوله تعالى فى الآية نفسها ﴿فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن اللَّه غفور رحيم﴾ وحكم الاضطرار هذا راجع إلى جميع المحرمات المذكورة فى الآية. والمخمصة هى الجوع الشديد والتجانف هو تجاوز الحد الأدنى فى الأكل، أو هو العصيان فى السفر على اختلاف للفقهاء فى ذلك. فالآية تدل على تناول لحم الخنزير أو شحمه عند الضرورة بشرط ألا يزيد على ما يمسك الرمق، فإن الضرورة تقدر بقدرها. والحال الواردة فى السؤال وهى وجود الشخص فى الجيش، إن كان فى الجيش طعام آخر ليس فيه لحم أو شحم الخنزير، ويمكن الحصول عليه ولو بالشراء لا يجوز أكل الخنزير. فإن لم يوجد إلا هو ولا يمكن الحصول على غيره جاز له تناوله بقدر يسير. وكذلك من كان فى طريق لا يوجد فيه غير لحم الخنزير أو ما طبخ بشحمه، يجوز له أن يأكل منه بقدر الضرورة حتى يصل إلى مكان فيه طعام حلال

стр. 4623

الجهاد فى الإسلام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هى حكمة مشروعية الجهاد فى الإسلام؟ الجواب الجهاد من الكلمات التى أُسىء استعمالها لعدم فهم معناها فهما صحيحا، فالجهاد مأخوذ من الجَهْد وهو التعب، أو الجُهد وهو القوة، فالمجاهد يبذل جُهْدا يحس فيه بِجَهْد، أي يبذل قوة يحس فيها بتعب، ومعنى الجهاد بذل الجهد لنيل مرغوب فيه أو دفع مرغوب عنه، يعنى لجلب نفع أو منع ضر، وهو يكون بأية وسيلة وفى أى ميدان حسى أو معنوى، ومنه جهاد النفس والشيطان وجهاد الفقر والجهل والمرض وجهاد البشر. والنصوص فى ذلك كثيرة، وجهاد البشر يكون بدفع الصائل المعتدى على النفس أو المال أو العرض، والميت فى هذا الجهاد شهيد كما صح فى الحديث، كما يكون الجهاد عند الاعتداء على الأوطان والحرمات، أو الوقوف ضد الدعوة إلى الخير. والجهاد فى سبيل الله عرف فى الشرع بما يرادف الحرب لإعلاء كلمة اللَّه، ووسيلته حمل السلاح وما يساعد عليه ويتصل به من إعداد وتمويل وتخطيط، ويشترك فيه عدد كبير من الناس، من زراع وصناع وتجار وأطباء ومهندسين وعمال ورجال أمن ودعاة وكُتَّاب، وكل من يسهم فى المعركة من قريب أو بعيد. وكان هذا الجهاد هو الشغل الشاغل للمسلمين فى بدء تكوين المجتمع الإسلامى وأكثر آيات القراَن وأكثر الأحاديث كانت للأمر به والتشجيع عليه: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل اللَّه﴾ التوبة: ٤١، وهو فرض عين على كل قادر عليه إن أغار علينا العدو، وفرض كفاية إن لم تكن إغارة علينا، وإذا استنفر الإمام القوة وجب الخروج، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض. . .﴾ التوبة: ٣٨، وحديث البخارى ومسلم " وإذا استنفرتم فانفروا " لقد كان هناك انتقال بالدعوة لنشرها فى ربوع العالم حيث يقوم بذلك جماعة من القادرين نيابة عن غيرهم ما دامت فيهم كفاية، وكل مسلم يجب أن يكون مستعدًّا لإجابة الداعى إلى الجهاد، وعليهم جميعا أن يكونوا على أقصى درجات الاستعداد ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . . .﴾ الأنفال: ٦٠،. لكن: هل حمل السلاح هو الوسيلة الوحيدة لنشر الدعوة؟ إن مهمة حمل السلاح كانت لغرضين أساسيين، أولهما رد العدوان الواقع أو المنتظر، والثانى تأمين طريق الدعوة. ورَدُ العدوان ظهر فى غزوات بدر وأحد والخندق وغيرها، وكان عدوانا حقيقيا واقعا، ومنه إغاثة المظلومين: ﴿وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر. . . ﴾ الأنفال: ٧٢، أما رد العدوان المنتظر فكان فى فتح مكة حيث نقضت قريش عهدها الذى أبرمته مع النبى ﷺ فى الحديبية، وفى غزوة تبوك وغيرها. وتأمين الطريق كان فى تحرك المسلمين خارج حدود المدينة لنشر الدعوة فى أنحاء العالم، لأنها دعوة عالمية للناس جميعا. إن الإسلام إذا كان قد فرض القتال، والرسول ﵊ إذا أخبر أنه بعث بالسيف، وجُعل رزقه تحت ظل رمحه، كما رواه أحمد عن ابن عمر، فإن الواجب أن نفهم أن الإسلام أمر بالقوة، بل دعا إلى أن يكونوا فى أعلى درجاتها، والسبب فى ذلك أن الإسلام قوة جديدة فالمنتظر أن تحاربها القوات القائمة إذا ذاك حتى لا تزاحمها فى سلطانها، وذلك شأن الناس فى كل العصور، فلا بد من الدفاع عن الكيان الجديد ليثبت وجوده ويؤدى رسالته، ولو أن الإسلام كان دعوة محلية أو مؤقتة لكانت مهمة التسلح هى من أجل الدفاع، لكنه دعوة عالمية لابد أن تبلغ للعالم كله، والوسيلة إذ ذاك هى السفر والضرب فى الأرض، والسفر كان وما يزال تحفُّه المخاطر، فكان لا بد من التسلح حتى لا يقف الأعداء فى طريق الدعوة. وإذا كان السيف لابد منه لتأمين طريق الدعوة فى الماضى، فإنه فى هذه الأيام لا مهمة له إلا الدفاع ضد من يريدون شرًّا بالإسلام وأهله، أما نشره فله عدة وسائل لا تحتاج إلى سفر ولا تخشى معه مخاطر لطريق، فالصحف والمكاتبات وما إليها أصبحت تتخطى الحدود، ولئن أمكن التحكم فيها إلى حد ما، فإن الإذاعات اليوم أصبحت من القوة والانتشار، بحيث لاحقت الناس وهم في بيوتهم وعلى أسِرّةِ نومهم لا تمنعها سلطة ولا تقف دونها حدود ولا أبواب. هذا، وما يروى أن النبي ﷺ قال لأهل مكة قبل الهجرة " أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح " كما رواه الطبرانى- فهو حديث ضعيف يرده العقل والنقل، أما الأول فلأن الرسول ﷺ كيف يصرح بذلك فى بدء الدعوة وهو منفر لها لا مرغب فيها؟ وكيف يقوله وهو ضعيف لا يستطيع حماية نفسه فضلا عن حمايته لأتباعه القلة؟ ولماذا تركته قريش وهم يعلمون ما جاء به من الذبح ليحقق ما يريد، ولم يتغدوا به قبل أن يتعشى بهم؟ وأما الثانى فلمنافاته لآية ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٧، وحديث " إنما أنا رحمة مهداة" رواه الحاكم والطبرانى، وما يماثله من نصوص وأحداث تدل على رقة قلبه وعظيم رحمته. ولو كان النبى ﷺ متعطشا للدماء، وبخاصة من قريش ما عفا عنهم عند فتح مكة وهو القادر على الانتقام منهم، كما أن الحديث لا يراد به قهرهم على الإسلام فهو يتنافى مع طبيعة الدعوة. ومعنى قوله ﷺ الذى رواه أحمد بسند صحيح " جُعل رزقى تحت ظل رمحى" أن رزقه من الغنائم التى يحصل عليها المسلمون من الحروب التى كان يباشر أكثرها بنفسه، وكفاية رئيس الدولة توفر من الخرينة العامة بمواردها المتعددة، ومنها الغنائم، وهو مبدأ إسلامى أقره الصحابة لأبى بكر وعمر والخلفاء. إن الفهم السطحى لمشروعية القتال بالآيات والآحاديث ربما يوحى بأن الإسلام قد انتشر بقوة السلاح، ولولا ذلك ما كان له وجود أو ما كان بهذه المساحة الكبيرة من الأرض، أو من نفوس الناس، وكيف يقال ذلك والإسلام دين الرحمة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو الذى قال ﴿ادخلوا فى السلم كافة﴾ البقرة: ٢٠٨، ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللَّه﴾ الأنفال: ٦١، " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " رواه البخارى ومسلم. إن الدعوة الإسلامية للعرض لا للفرض، فما كانت العقائد تغرس بالإكراه أبدا، لا فى القديم ولا فى الحديث، والله يقول عن نوح ﴿أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ هود: ٢٨، ويقول لمحمد ﵊ ﴿أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: ٩٩، إلى غير ذلك من النصوص. وعندما أرسل النبى ﷺ عليًّا لقتال يهود خيبر قال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ يعنى أرغمهم على الإسلام، فقال له " انفذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فواللَّه لأن يهدى اُلله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم " رواه مسلم. وإذا جاءت نصوص تدل بظاهرها على الأمر المطلق بالقتال فهناك نصوص أخرى تقيدها بما إذا كان ذلك ردًّا لعدوان وقع، أو جزاء على نكث العهد، أو منعا لعدوان سيحدث، قال تعالى ﴿وقاتلوا فى سبيل اللَّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ البقرة: ١٩٠، وقال تعالى ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر﴾ التوبة: ١٤، فيُقَيَّدُ بذلك قوله تعالى ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ التوبة: ٣٦، وقوله ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ البقرة: ١٩١، ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ البقرة: ١٩٣،. ولو جاءت نصوص تفيد فى ظاهرها أن القتال لأجل الإِسلام فالمراد أن القتال ينتهى لو أعلن الناس، الإِسلام، ويسر خوض المعركة أساسا من أجل أن يسلموا، وذلك مثل حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فاذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه " رواه البخارى ومسلم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية. . .﴾ التوبة: ٢٩، فلم يكن أخذ الجزية باعثا على القتال ولكن كان غاية ينتهى عندها إذا دفعوها، ويؤكد أن الغرض من القتال ليس مادة أن أبا عبيدة ردَّ على أهل المدن ما أخذه منهم جزية حين استدعوا إلى مقابلة الروم فى اليرموك، لأنها كانت فى مقابل حمايتهم، وحيث إنهم تخلوا عنها فلامعنى لبقائها فى حوزتهم كما ذكره أبو يوسف فى كتابه " الخراج ". هذا، ولعل الذين ينادون بالجهاد عن طريق حمل السلاح يقصدون الجهاد لتغيير الوضع الحالى للمجتمعات الإِسلامية، وقد قلنا: إن وسيلة الإِصلاح لن تؤمن عاقبتها إذا كانت قائمة على العنف، فإن للقوة إعدادها وتخطيطها الكبير الجبار، وكذلك لدراسة كل الظروف القائمة أهميتها فى القيام بمثل هذه الحركة، ولا يجوز أن يفهم من هذا أننا نهوشّ من شأن الجهاد بمعناه العام، فإنه ماض إلى يوم القيامة فى ميادينه الواسعة وبأساليبه المتعددة، لحديث " والجهاد ماض مذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل " رواه أبو داود، فإنه يدل بعمومه على بقاء الجهاد فى الميادين السلمية، ويدخل فيه الجهاد المسلح دخولا أوليا، وقد يرشح دلالته عليه بخاصة ذكر فتال الدجال بعد. وإذا كان الجهاد مفروضا بالسلاح لتأمين طريق الدعوة والدفاع عن الحرمات، فذلك واضح فى الجهاد ضد الكفار، أما الجهاد بين الدول الإِسلامية فلا يجوز مطلقا أن يكون للعدوان على الحقوق، بل لرد العدوان، ولا يلجأ إليه إلا إذا فشلت كل الطرق السلمية، على حد قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله. . .﴾ الحجرات: ٩، وفى الدفاع يقول الحديث " من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد. " رواه أبو داود، ويُحَذر من العدوان على الأفراد أو الجماعات أو الدول بين المسلمين فيقول " إخا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار " قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال " كان حريصا على قتل صاحبه " رواه البخارى ومسلم

стр. 4624

الانتفاع بالمشيمة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل جمع فضلات الإنسان كالدم والشعر والسن والمشيمة لاستخراج مواد طبية منها حرام أم حلال؟ الجواب جاء فى تفسير القرطبى "ج ٢ ص ١٠٢ " أن الحكيم الترمذى ذكر فى " نوادر الأصول " أن النبى ﷺ قال " قصوا أظافيركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقُّوا براجمكم، ونظفوا لثاتكم من الطعام، وتسنَّنوا ولا تدخلوا علىَّ فُخْرًا بخْرًا " (المحفوظ -كما فى تفسير القرطبى "ج ٢ ص ١٥٤ " قُحْلاً وقلحا. والقُحل جمع أقلح وهو الذى اصفرت أسنانه حتى بخرت وأنتنت رائحتها والتسنن تنظيف الأسنان بالسواك.) ثم تكلم عليه فأحسن. وفى شرحه لدفن القلامات قال: إن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه وزال عنه فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كيلا يتفرق ولا يقع فى النار أو فى مزابل قذرة، وقد أمر رسول الله ﷺ بدفن دمه حيث احتجم كيلا تبحث عنه الكلاب. ثم ذكر حديثا عن عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بدفن سبعة أشياء من الإِنسان: الشعر والظفر والذم والحيضة والسن والقلفة والبشيمة. لم يذكر سند هذا الحديث حتى يمكن الاستشهاد به، وقد تحدث العلماء عن دفن الشعر والظفر والدم فقالوا: إنه سنة، وجاء فى كتاب "غذاء الألباب للسفارينى ج ١ ص ٣٨٢" نقلا عن " الإِقناع " أن الخلاَّل روى بإسناده عن مثل بنت بشرح الأشعرية قالت: رأيت أبى يقلم أظفاره ويدفنها ويقول: رأيت النبى ﷺ يفعل ذلك. وعن ابن جريج عن النبى ﷺ كان يعجبه دفن الدم. وقال مهنا: سألت أحمد ابن حنبل عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شىء؟ قال: كان ابن عمر يفعله. فدفن فضلات الإِنسان سنة: لتكريم الإِنسان بتكريم أجزائه، وللنظافة بمواراتها وعدم التلوث بها، وصونا لها عن استخدامها فيما يضر كما كان يفعله المشتغلون بالسحر واستخدام آثار الإنسان فى ذلك. وقد ذكر ابن حجر فى أخذ معاوية لقصة الشعر أن دفنها ليس بواجب. لكن لو لم تدفن هذه الأشياء فلا يعاقب عليها، لأن المكروه وهو مقابل السنة لا عقاب عليه. ومحل ذلك إذا لم تكن هناك فائدة ترجى من وراء هذه الفضلات. وبفضل التقدم العلمى أمكن الانتفاع بهذه الفضلات، وهذا أولى من إهدارها، وكما يقال: إذا وجدت المصلحة فثم شرع اللَّه، وذلك فيما لم يرد فيه نص قاطع ولم يعارض حكما مقررا. ولذلك أرى أنه لا مانع من استغلال هذه الفضلات فى المنفعة

стр. 4625

الإنسان مسير أم مخير المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل الإنسان مسير أم مخير؟ الجواب الله سبحانه خلق الإنسان وعلم ما سيكون عليه من خير وشر، وجعله قابلا للطاعة والمعصية، وكلفه بأمور ينفذها وترك له الحرية في اختيار التنفيذ وعدم التنفيذ، ليكون محاسبا أمام اللَّه على ما فعله بحريته واختياره من طاعة أو معصية، والإنسان لا يعلم ما قدر له في علم اللَّه إلا بعد وقوع المقدر، ولو أقدم على فعل محرم متعللا بأنه مقدر عليه فهو مخطئ فى هذا التعلل، لأنه ربما يحول بينه وبين فعل المحرم حائل يمنعه، وهنا يعلم أنه لم يُقدر عليه. فالإنسان مخير في الأمور التكليفية التى يستطيع فعلها أو تركها بحريته واختياره، أما الأمور التى لا تقع تحت حريته واختياره، كالكوارث العامة من الزلازل والبراكين والعواصف والسيول وغيرها فهو فيها مسير. ثم أقول: لماذا يكثر السؤال فى هذا الموضوع، وبخاصة من يقول: إن المعاصى مقدرة علينا فلماذا نعاقب عليها ونحن مرغمون لا مفر لنا من القضاء والقدر؟ إن اللَّه سبحانه علم أن أبا لهب لن يؤمن بسيدنا محمد، ومع ذلك أمر اللَّه نبيه أن يطلب منه الإيمان، ليكون إيمانه وعدم إيمانه بحريته واختياره، فاختار أبو لهب الكفر، واستمر على ذلك حتى مات كافرا، وهنا علم تماما أن اللَّه سبحانه قضى في علمه أن أبا لهب سيختار الكفر ويموت عليه. ثم أقول: لماذا يسأل الناس عن تقدير المعاصى لتبرير فعلها لأنها قضاء اللَّه حتى لا يعاقب عليها، ولا يسأل عن تقدير الطاعات، ويطالب بالثواب عليها، مع أن المعاصى والطاعات مقدرة فى علم اللَّه؟ إن الإنسان هنا فى الطاعات حريص على أن ينال الثواب على طاعته لأنها عمله. وفى المعاصى حريص على أن يفر من العقاب على معصيته لأنها ليست عمله - فى ادعائه -بل مقدرة عليه. لا ينبغى أن يغالط الإنسان نفسه، فهو مسئول عن كل شيء فعله بحريته واختياره من خير أو شر، قال تعالى ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ الطور: ٢١، وقال تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ المدثر: ٣٨، إن الأمر لو كان كما يريد هؤلاء من تقدير كل الأمور علينا وعدم الحساب عليها ما كانت هناك حاجة إلى إرسال الرسل ولا إلى البعث ولا إلى الحساب ولا إلى الجنة والنار

стр. 4626

يأجوج ومأجوج المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قرأت أن يأجوج ومأجوج خلقا من نطفة آدم التى امتزجت بالتراب، كما قرأت عنهم أمورا غريبة. والمرجو توضيح الحقيقة حتى لا تختلط بالخيال؟ الجواب معرفة الحقيقة فى هذه الأمور لا تكون إلا عن طريق صحيح من القرآن والسنة، وكونهما من نطفة آدم المخلوطة بالتراب قول حكاه النووى فى شرح مسلم عن بعض الناس، وهو قول غريب لا دليل عليه من نقل أو عقل، ولا يجوز الاعتماد على ما يحكيه بعض أهل الكتاب من هذه الغرائب. ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم كما ورد فى الصحيحين، وجاء فيهما أن الله يطلب من آدم أن يبعث بعث النار، ويقول: إن فيكم أمتين ما كانتا فى شىء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج. وجاء فى الصحيحين حديث: "ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ". وذكر مسلم حديث خروجهم فى آخر الزمان وأن عيسى يدعو عليهم فيرسل اللَّه عليهم النغف -وهو دود يكون فى أنود الإبل والغنم -ثم يرسل الطير لتأكل جثثهم. . وجاءت أحاديث موقوفة عن أشكالهم وإفسادهم عند الخروج لا يعتمد على كثير منها والخلاصة أنهم من خلق آدم، وكانوا موجودين أيام ذى القرنين، وسيخرجون آخر الزمان، وهذا القدر كاف فى معرفتهم، وما وراء ذلك لا داعى إليه، ولا يضر الجهل به، والاهتمام بغير ذلك مما يفيد واقع المسلمين الآن أولى، واللَّه أعلم. وأما السد الذى أقامه ذو القرنين فسيذكر مع السؤال الخاص بذى القرنين

стр. 4627

المهدى المنتظر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يوجد تضارب كبير فى ظهور المهدى المنتظر فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب سنذكر كلمة موجزة عن المهدى المنتظر ملخصة من عدة كتب ومقالات قديمة وحديثة. فنقول: ظهور المهدى فيه أربعة أقوال: القول الأول: أن المهدى هو المسيح ابن مريم ﵉، ودليله حديث ابن ماجه، "لا مهدى إلا عيسى بن مريم " وهو حديث ضعيف، لتفرد محمد بن خالد به، ولورود أحاديث بوجود المهدى وصلاته مع عيسى ابن مريم تمنع الحصر الوارد فى هذا الحديث فى عدم وجود مهدى إلا عيسى. على أن هذا الحديث لو صح لم تكن فيه حجة، لأن سيدنا عيسى ﵇ أعظم مهدى بين يدى رسول اللَّه ﷺ والساعة، فيكون الحصر إضافيا، والمراد لا مهدى كاملا إلا عيسى ﵇. القول الثانى: أن المهدى رجل من آل البيت من ولد الحسين بن على، يخرج آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأكثر الأحاديث تدل على هذا، وهى وإن كانت ضعيفة يقوى بعضها بعضا، وقد صحح بعضهم بعضها، منها حديث أحمد وأبى داود والترمذى وابن ماجه "لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله فيه رجلا من أهل البيت يملأها عدلا كما ملئت جورا" ورواية أبى داود هذه وثقها الهيتمى فى مجمع الزوائد القول الثالث: أنه المهدى الذى تولى الخلافة فى الدولة العباسية فى القرن الثانى الهجرى، والأحاديث التى رويت فى هذا ضعيفة، وعلى فرض صحتها فالمهدى هذا أحد المهديين، وهناك غيره، ويصح أن يقال: إن عمر ابن عبد العزبز كان مهديا، بل هو أولى بهذه التسمية من مهدى بنى العباس. القول الرابع: الأقوال السابقة هى لأهل السنة، وهذا القول هو للشيعة الإمامية، حيث يقولون: إنه محمد بن الحسن العسكرى المنتظر، من ولد الحسين بن على، ويقولون فى صفته: الحاضر فى الأمصار، الغائب عن الأبصار، وأنه دخل سردابا فى "سامرا" وقيل فى مدينة تدعى "جابلقا" وهى مدينة وهمية ليس لها وجود. وزعم أحمد الأحسائى الممهد للبهائية أنه فى السماء وليس فى الأرض. . دخلها وكان طفلا صغيرا منذ أكثر من خمسمائة عام، فلم تره بعد ذلك عين ولن يحس فيه بخبر، وهم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون بأن يخرج إليهم ثم يرجعون، وقال فى ذلك بعض الشعراء: ما آن للسرداب أن يلد الذى * كلمتموه بجهلكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فإنكم * ثلثتم العنقاء والغيلانا هذا، وهناك مهديون كثيرون ظهروا في التاريخ، فى الشرق وفى الغرب، واليهود ينتظرون الذى يخرج آخر الزمان، لتعلو كلمتهم وينصروا به على سائر الأمم، ويعتقد هذا سبعون ألفا من يهود أصفهان، وكذلك النصارى ينتظرون المسيح يوم القيامة، وبهذا تكون الملل الثلاثة منتظرة للمهدى. إن المهدى وردت فيه أحاديث كثيرة صحح بعضها وضعف الكثير منها، ويؤخذ من مجموعها أنه من اَل البيت، وسيخرج آخر الزمان، ويلتقى مع سيدنا عيسى ﵇. فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم واحد لبعث اللَّه فيه رجلا من عترتى يملؤها عدلا كما ملئت جورا". ويؤخذ من الأحاديث أن اسمه "محمد" وأن اسم والده "عبد الله " كاسم والد النبي ﷺ وتقول الشيعة إنه اختفى بعد موت والده، وذكر محيى الدين بن العربى فى "فتوحاته " أن والده هو الإمام حسن العسكرى، وساق نسبه إلى النبي ﷺ وذكر ابن حجر فى "الصواعق " أن ظهوره يكون بعد أنه يخسف القمر في أول ليلة من رمضان، وتكسف الشمس في النصف منه، وذلك لم يوجد منذ أن خلق الله السماوات والأرض كما قرره علماء الفلك، فهل سيكون ذلك من باب الإعجاز؟ . بل ذكر الشعرانى فى " اليواقيت والجواهر" أنه يولد فى ليلة النصف من شعبان سنة١٢٥٥ هـ قائلا: إنه تلقى ذلك من الشيخ حسن العراقى ووافق عليه الخواص. هذه صور من أفكار المسلمين عن المهدى، وفى بعضها بُعد يصعب تعقله، ولا يجوز أن نبنى العقائد على مثل هذه القواعد غير الثابتة. لقد استغل كثير من الناس قضية المهدى فتكونت دول وظهرت شخصيات على مسرح التاريخ، وقامت دعوات تتمسح بها، وكل يدعى أن آخر الزمان المقصود فى الكلام عنه هو زمانه الذى كثر فيه الظلم، وكل زمان لا يخلو من ذلك كما يتصوره بعض الناس. لقد استغلها الفاطميون وأقاموا دولتهم أولا بالمغرب، ثم انتلقت إلى مصر واتسع نطاقها، استغلها "ابن تومرت " فأسس دولة الموحدين بنى عبد المؤمن، وفى أيام الدولة المرينية بفاس قام رجل اسمه "التوبرزى" مدعيا أنه المهدى أيضا، كما ادعاها مغربى من طرابلس قابل نابليون بين دمنهور ورشيد، وقيل إن المهدى صاحب ثورة السودان كان أتباعه يطلقون عليه المهدى المنتظر.. . يقول القلقشندى فى ادعاء الشيعة الإمامية لوجود المهدى: إنهم يقفون عند باب السرداب بغلة ملجمة من الغروب إلى مغيب الشفق، وينادونه ليخرج حتى يقضى على الظلم الذي عم البلاد. ويروى ياقوت أنهم كانوا فى "كاشان " من بلاد الفرس يركبون كل صباح للقائه وذلك فى أواخر القرن الخامس الهجرى، ويروى مثل ذلك ابن بطوطة، والكيسانية يدعون أنه "محمد ابن الحنفية " وكان من العادات فى زمن ملوك الصفوية فى فارس إعداد فرسين مسرجين دائما فى القصر لاستقبال المهدى وعيسى. . وهذا يشبه عمل المتهوسين من الإفرنج فى القدس الذين ينتظرون مجىء المسيح يوم الدينونة. يقول "هوارت " الفرنسى فى " تاريخ العرب ": إن إنكليزيا ذهب إلى بيت المقدس وأقام بالوادى الذى ستكون فيه الدينونة، وفى كل صباح يقرع الطبل منتظرا للحشر. وجاءت امرأة إنكليزية إلى القدس، وكانت تعد الشاى كل يوم لتحيى به المسيح عند ظهوره. ويقول " لامرتين " عند زيارته لجبل لبنان: إنه رأى في قرية "جفن " السيدة " استير ستاتهوب " بنت أخى"بيت " الوزير الإنكليزى الشهير، رأى عندها فرسا مسرجا، زعمت أنها تعده ليركبه المسيح. إن ظهور المهدى ليس له دليل صريح فى القرآن الكريم، وقد رأى ابن خلدون عدم ظهوره كما جاء فى الفصل الذى عقده فى مقدمته خاصا بذلك والشوكانى ألف كتابا سماه "التوضيح فى تواتر ما جاء فى المنتطر والدجال المسيح " جاء فيه أن الأحاديث الواردة فى المهدى التى أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبروهى متواترة بلا شك ولا شبهة. ومهما يكن من شيء فإن ظهوره ليس ممنوعا عقلا، ولم تثبت استحالته بدليل قاطع كما أن أدلة ظهوره لم تسلم من المناقشة، والعقائد لا ثثبت بمثل هذه الأدلة على ما رآه المحققون. فمن أثبت فهو حر فيما يرى، لكن لا يجوز أن يفرض رأيه على غيره، ومن نفى لم يخرج من الإيمان إلى الكفر. . وأولى لنا أن نتناقش فى أمر عملى يعيد لنا قوتنا الأولى، أو على الأقل يخلص المسلمين من الوضع الذى هم فيه الآن والعقائد الأساسية واضحة، وأدلتها موفورة. يمكن الرجوع للاستزادة إلى: ١- المنار لابن القيم. ٢- صبح الأعشى للقلقشندى. ٣-التوضيح للشوكانى. ٤-مقالات الصديق الغمارى فى مجلة الإسلام في السنوات الأولى. ٥- سيد البشر يتحدث عن المهدى المنتظر، جمع حامد ليمود. ٦-القطرة من بحار ومناقب النبى والعترة والعثرة رضى الدين الموسيوى التبريزى. ٧-القول المختصر فى علامات المهدى المنتظر. لابن حجر الهيتمى. ٨-المشرب الوردى فى أخبار المهدى لملا على القارى

стр. 4628

المسيح الدجال المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هو المسيخ الدجال ومتى يظهر؟ الجواب من أصح ما ورد بشأن المسيخ الدجال أن النبي ﷺ كان يستعيذ بالله كثيرا من فتنته، وفى صحيح مسلم أن خروجه هو أول علامات الساعة الكبرى وأنه يخرج من ناحية المشرق، وسيمكث أربعين يوما يفتن الناس عن الإيمان باللَّه، يوم منها كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر الأيام كالأيام العادية. وفى اليوم الذى هو كسنة لا تكفى فيه خمس صلوات، بل يجب أن يقدر كل أربع وعشرين ساعة لخمس صلوات كما فى الحديث المذكور " اقدروا قدره " وسيقتله سيدنا عيسى ﵇ عند باب " لُدّ " كما في صحيح مسلم "ج ١٨ ص ٦٥-٧٦ ". وجاء فى كتاب " مشارق الأنوار " للشيخ العدوى كلام كثير عنه بروايات صحيحة وغير صحيحة وتحدث عن أتباعه، وهل ولد أيام الرسول أم سيولد قرب قيام الساعة. وتحدث عن علامات خروجه وتشويه شكله، والخوارق التى يقوم بها، ومكتوب بين عينيه " كافر" وأنه لا يستطيع دخول مكة والمدينة لحراسة الملائكة لهما، وأن معه مغريات كثيرة يمتحن بها الناس ليؤمنوا به، وأن النبي ﷺ قابله وعرض عليه الإسلام. فارجع إلى هذا الكتاب لتعرف كثيرا عنه، ويكفينا ما ثبت فى الصحيح

стр. 4629

المبشرون بالجنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هم المبشرون بالجنة، ولماذا؟ الجواب المؤمنون الذين سبقوا بالإيمان وتحملوا المشاق في سبيل الحفاظ على العقيدة وطاعة اللَّه فى كل المجالات مبشرون جميعا بالجنة، كما قال تعالى ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ ، البقرة: ٢٥، وكما قال سبحانه ﴿إن الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ ، فصلت: ٣٠. وأدنى تكريم بالبشارة بالجنة أن المؤمن سيموت على الإيمان وتلك هى الخاتمة الحسنة، حتى لو كانت عليه ذنوب لم يغفرها اللَّه سيعذب عليها فى النار بقدرها إن لم تكن شفاعة تحول دون دخولها أو تخفف من المدة التى سيمكثها فيها، وسيخرج منها ويدخل الجنة، أما التكريم الذى فوق ذلك لمن بشر بالجنة فهو أنه سيموت على الإيمان وسيغفر الله له ذنوبه ولن يدخل النار إلا تحلة القسم كما قال سبحانه ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ مريم: ٧١، ٧٢، على الرأى المختار فى معنى ورود النار. وأكثر المبشرين بالجنة هم من خير القرون، وهو قرن النبي ﷺ كما ثبت في الحديث ومع ذلك فقد بشر الرسول جماعة من أصحابه بوجه خاص بأنهم من أهل الجنة، وهم عشرة، وردت فى بعضهم أحاديث خاصة بهم، كما وردت فيهم جميعا بعض الأحاديث، منها حديث سعيد بن زيد-وهو أحدهم -الذى يقول: قال رسول اللَّه ﷺ "عشرة فى الجنة: أبو بكر فى الجنة، وعمر فى الجنة، وعثمان وعلى والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبى وقاص " وسكت عن العاشر ولما سألوه أخبر عن نفسه. رواه الترمذي. وقال البخارى: هو أصح من حديث عبد الرحمن بن عوف. والخلفاء الأربعة معروفون، وما كتب عنهم كثير. أما الزبير فهو ابن العوام، قال فيه الرسول ﷺ "لكل نبى حوارى وحواريى الزبير" كان أول من سَلَّ سيفا فى سبيل اللَّه، وقال له الرسول يوم الأحزاب "فداك أبى وأمى" توفى سنة ٣٦ هـ. وطلحة هو ابن عبيد اللَّه، لما صعد النبي ﷺ على ظهره إلى صخرة فى أحد دعا له وقال "أوجب طلحة" أى وجبت له الجنة-توفى سنة ٣٦ هـ. وعبد الرحمن بن عوف كثر ماله بعد الهجرة وأنفق منه على الكثيرين وتوفى سنة ٣٠ أو ٣٢ هـ. وأبو عبيدة هو عامر بن الجراح، لقَّبه الرسول ﷺ بأمين الأمة، عندما أرسله مع وفد نصارى نجران، وتوفى سنة ١٨ هـ في طاعون عمواس. وسعد بن أبى وقاص كان أول من رمى بسهم فى سبيل اللَّه. وكان مستجاب الدعوة، قال له النبى ﷺ فى يوم أحد"ارم فداك أبى وأمى" وهو بطل معركة القادسية، توفى سنة ٥٥هـ. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كان مستجاب الدعوة، توفى سنة ٥١ هـ

стр. 4630

إفساد اليهود المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال وردت آيات فى القرآن تدل على أن اليهود أفسدوا مرتين، نريد تفسير هذه الآيات، وهل إفسادهم انتهى بالمرتين أم يمكن أن يستمر؟ الجواب قال الله تعالى ﴿وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فاذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا * عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ ، الإسراء: ٤ -٨، المهم في هذه الآيات هو معرفة المرتين اللتين أفسد فيهما بنو إسرائيل، وهناك كلام طويل وخلاف كبير بين العلماء في ذلك، ومن أقرب الأقوال أنهم أفسدوا أولاً بقتل النبى زكريا ﵇ كما قال ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم، أو بقتل النبى أشعياء كما يقول ابن إسحاق، أو بتكذيب النبى أرمياء كما نقل عن ابن عباس، فأرسل الله عليهم غزاة من فارس "سنحاريب أو بختنصر" فعذبوهم وأسروا منهم كثيرا وساقوهم إلى بابل. ولما تابوا خلصهم اللَّه من الأسر، وأمدهم بالنعيم والقوة، محذرا لهم من العودة إلى الإفساد فأفسدوا مرة ثانية، وذلك بقتل النبى يحيى بن زكريا، فسلط اللَّه عليهم من انتقم منهم، واختلف فى الذى انتقم منهم، فقيل: أحد ملوك بابل "خردوس " وقيل كما فى حديث نسب إلى الرسول - قيصر الروم، حيث سبى منهم وقتل، وأخذ النساء والأموال، وأودع حُلِىَّ بيت المقدس فى مكان ينتظر من يرده قرب قيام الساعة. هذا ما فى تفسير القرطبى، ويدل على أن المرتين اللتين أفسد فيهما بنو إسرائيل قد انتهتا قبل ظهور الإسلام، المرة الأولى كانت قبل رسالة عيسى، والثانية بعدها. ويا تُرى هل المكتوب عليهم من الإفساد هو مرتان فقط، أو سيكون منهم إفساد آخر، لأن العبارة لا تقتضى الحصر؟ قيل بالثانى أى سيحصل منهم إفساد آخر بدليل قوله تعالى ﴿وإن عدتم عدنا﴾ . وقيل فى تفسيرها: إنهم أفسدوا فسلط الله عليهم محمدا ﷺ وأجلاهم المسلمون عن جزيرة العرب، وامتلكوا بيت المقدس، وفر اليهود تائهين فى أقطار الأرض. وعلى فرض أنهم سيعودون كما عادوا من قبل إلى بيت المقدس فإن القرار الإلهى ﴿وإن عدتم عدنا﴾ باق، فإن أفسدوا فسيسلط اللَّه عليهم من ينتقم منهم من عباد اللَّه أولى البأس الشديد. لكن من هم أولو البأس الشديد؟ هل يكونون هم العرب والمسلمون أو غيرهم؟ اللَّه أعلم

стр. 4631

ليلة النصف من شعبان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل ليلة النصف من شعبان لها فضل وهل كان النبى ﷺ يحتفل بها، وهل هناك صلاة مخصوصة أو دعاء مخصوص يقال فيها؟ الجواب الكلام هنا فى ثلاث نقط: ١ -النقطة الأولى: هل ليلة النصف من شعبان لها فضل؟ والجواب: قد ورد فى فضلها أحاديث صحح بعض العلماء بعضا منها وضعفها آخرون وإن أجازوا الأخذ بها فى فضائل الأعمال. ومنها حديث رواه أحمد والطبرانى "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من شعر غنم بنى كلب، وهى قبيلة فيها غنم كثير". وقال الترمذى: إن البخارى ضعفه، ومنها حديث عائشة رضى الله عنها، قام رسول الله ﷺ من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك، فرجعت، فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال: "يا عائشة- أو يا حميراء-ظننت أن النبى ﷺ -قد خاس بك "؟ أى لم يعطك حقك. قلت: لا والله يا رسول الله ولكن ظننت أنك قد قبضت لطول سجودك، فقال: "أتدرين أى ليلة هذه"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال "هذه ليلة النصف من شعبان، إن الله يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين. ويؤخر أهل الحقد كما هم " رواه البيهقى عن طريق العلاء بن الحارث عنها، وقال: هذا مرسل جيد. يعنى أن العلاء لم يسمع من عائشة. وروى ابن ماجه فى سننه بإسناد ضعيف عن على رضى الله عنه مرفوعا- أى إلى النبى ﷺ "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر". بهذه الأحاديث وغيرها يمكن أن يقال: إن لليلة النصف من شعبان فضلا، وليس هناك نص يمنع ذلك، فشهر شعبان له فضله روى النسائى عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما أنه سأل النبى ﷺ بقوله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور، ما تصوم من شعبان قال "ذاك شهر تغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملى وأنا صائم ". ا-النقطة الثانية هل كان النبى ﷺ يحتفل بليلة النصف من شعبان؟ ثبت أن الرسول ﵊ احتفل بشهر شعبان، وكان احتفاله بالصوم، أما قيام الليل فالرسول ﵊ كان كثير القيام بالليل فى كل الشهر، وقيامه ليلة النصف كقيامه قى أية ليلة. ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث السابقة وإن كانت ضعيفة فيؤخذ بها فى فضائل الأعمال، فقد أمر بقيامها، وقام هو بالفعل على النحو الذى ذكرته عائشة. وكان هذا الاحتفال شخصيا، يعنى لم يكن فى جماعة، والصورة التى يحتفل بها الناس اليوم لم تكن فى أيامه ولا فى أيام الصحابة، ولكن حدثت فى عهد التابعين. يذكر القسطلانى فى كتابه "المواهب اللدنية"ج ٢ ص ٢٥٩ أن التابعين من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول كانوا يجتهدون ليلة النصف من شعبان فى العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال أنهم بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية. فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس، فمنهم من قبله منهم، وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء وابن أبى مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة، ثم يقول القسطلانى: اختلف علماء أهل الشام فى صفة إحيائها على قولين، أحدهما أنه يستحب إحياؤها جماعة فى المسجد، وكان خالد بن معدان ولقمان ابن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون فى المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال فى قيامها فى المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرمانى فى مسائله. والثانى أنه يكره الاجتماع فى المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلى الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعى إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم. ولا يعرف للإمام أحمد كلام فى ليلة النصف من شعبان، ويتحرج فى استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه فى قيام ليلتى العيد، فإنه فى رواية لم يستحب قيامها جماعة، لأنه لم ينقل عن النبى ﷺ ولا عن أصحابه فعلها، واستحبها فى رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبى ﷺ ولا عن أصحابه، إنما ثبت عن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام، انتهى. ملخصا من اللطائف. هذا كلام القسطلانى فى المواهب، وخلاصته أن إحياء ليلة النصف جماعة قال به بعض العلماء ولم يقل به البعض الآخر، وما دام خلافيا فيصح الأخذ بأحد الرأيين دون تعصب ضد الرأى الآخر. والإحياء شخصيا أو جماعيا يكون بالصلاة والدعاء وذكر الله سبحانه، وقد رأى بعض المعاصرين أن يكون الاحتفال فى هذه الليلة ليس على هذا النسق وليس لهذا الغرض وهو التقرب إلى الله بالعبادة، وإنما يكون لتخليد ذكرى من الذكريات الإسلامية، وهى تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى مكة، مع عدم الجزم بأنه كان فى هذه الليلة فهناك أقوال بأنه كان فى غيرها، والاحتفال بالذكريات له حكمه. والذى أراه هو عدم المنع ما دام الأسلوب مشروعا، والهدف خالصا للَّه سبحانه. ١- النقطة الثالثة: هل هناك أسلوب معين لإحيائها وهل الصلاة بنية طول العمر أو سعة الرزق مشروعة، وهل الدعاء له صيغة خاصة؟ إن الصلاة بنية التقرب إلى الله لا مانع منها فهى خير موضوع، ويسن التنفل بين المغرب والعشاء عند بعض الفقهاء، كما يسن بعد العشاء ومنه قيام الليل، أما أن يكون التنفل بنية طول العمر أو غير ذلك فليس عليه دليل مقبول يدعو إليه أو يستحسنه، فليكن نفلا مطلقا. قال النووى فى كتابه المجموع: الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهى ثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا تغتر بذكرهما فى كتاب قوت القلوب - لأبى طالب المكى-وإحياء علوم الدين - للإمام الغزالى - ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات فى استحبابهما فإنه غالط فى ذلك. وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسى كتابا نفيسا فى إبطالهما فأحسن فيه وأجاد. "مجلة الأزهر - المجلد الثانى ص ٥١٥ ". والدعاء فى هذه الليلة لم يرد فيه شيء عن النبى ﷺ ، لأن مبدأ الاحتفال ليس ثابتا بطريق صحيح عند الأكثرين، ومما أثر فى ذلك عن عائشة رضى الله عنها سمعته يقول فى السجود "أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " رواه البيهقى من طريق العلاء كما تقدم. والدعاء الذى يكثر السؤال عنه فى هذه الأيام هو: اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين وأمان الخائفين، اللهم إن كنت كتبتنى عندك فى أم الكتاب شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترا على فى الرزق فامح اللهم بفضلك شقاوتى وحرمانى وطردى وإقتار رزقى.. . ... وجاء فيه: إلهى بالتجلى الأعظم فى ليلة النصف من شهر شعبان المعظم، التى يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم ... . .. وهى من زيادة الشيخ ماء العينين الشنقيطى فى كتاب "نعت البدايات ". وهو دعاء لم يرد عن النبى ﷺ قال بعض العلماء إنه منقول بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين، هما عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهما، وعمر-من الخلفاء الراشدين الذى أمرنا الحديث بالأخذ بسنتهم، ونص على الاقتداء به وبأبى بكر الصديق فى حديث آخر، وأصحاب الرسول كالنجوم فى الاقتداء بهم كما روى فى حديث يقبل فى فضائل الأعمال. ولكن الذى ينقصنا هو التثبت من أن هذا الدعاء ورد عن عمر وابن مسعود ولم ينكره أحد من الصحابة،كما ينقصنا المثبت من قول ابن عمر وابن مسعود عن هذا الدعاء: ما دعا عبد قط به إلا وسع الله فى مشيئته أخرجه ابن أبى شيبة وابن أبى الدنيا. ومهما يكن من شىء فإن أى دعاء بأية صيغة يشترط فيه ألايكون معارضا ولا منافيا للصحيح من العقائد والأحكام. وقد تحدث العلماء عن نقطتين هامتين فى هذا الدعاء، أولاهما ما جاء فيه من المحو والإثبات فى أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ وهو سجل علم الله تعالى الذى لا يتغير ولا يتبدل، فقال: إن المكتوب فى اللوح هو ما قدره الله على عباده ومنه ما هو مشروط بدعاء أو عمل وهو المعلق والله يعلم أن صاحبه يدعو أو يعمله وما هو غير مشروط وهو المبرم، والدعاء والعمل ينفع فى الأول لأنه معلق عليه، وأما نفعه فى الثانى فهو التخفيف، كما يقال: اللهم إنى لا أسألك رد القضاء بل أسألك اللطف فيه وقد جاء فى الحديث "إن الدعاء ينفع فيما نزل وما لم ينزل " والنفع هو على النحو المذكور. روى مسلم أن النبى ﷺ سئل: فيم العمل اليوم؟ أفيم جفت به الأقلام وجرت به المقادر أم فيما يستقبل؟ قال "بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قالوا: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له "وفى رواية: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، اعملوا فكل ميسر ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى *وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ الليل ٥ - ١٠، ولم يرتض بعض العلماء هذا التفسير للمحو والإثبات فى اللوح المحفوظ، فذلك يكون فى صحف الملائكة لا فى علم الله سبحانه ولوحه المحفوظ، ذكره الآلوسى والفخر الرازى فى التفسير. والنقطة الثانية: ما جاء فيه من أن ليلة النصف من شعبان هى التى يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم. فهو ليس بصحيح، فقد قال عكرمة: من قال ذلك فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها فى رمضان، فالليلة المباركة التى يفرق فيها كل أمر حكيم نزل فيها القرآن، والقران نزل قى ليلة القدر. وفى شهر رمضان. ومن قال: هناك حديث عن النبى ﷺ يقول "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه فى الموتى" فالحديث مرسل، ومثله لا تعارض به النصوص "المواهب اللدنية ج ٢ ص ٢٦٠ " وإن حاول بعضهم التوفيق بينهما بأن ما يحصل فى شعبان هو نقل ما فى اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة. ولا داعى لذلك فالدعاء المأثور فى الكتاب والسنة أفضل. وللاستزادة يمكن الرجوع إلى مجلة الأزهر، المجلد الثانى ص ٥١٥ والمجلد الثالث ص ٥٠١ومجلة الإسلام المجلد الثالث، العددان ٣٥، ٣٦

стр. 4632

أطفال الأنابيب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الشرع فيما يسمى الآن أطفال الأنابيب؟ الجواب أطفال الأنابيب هم الذين تخلقوا بطريق غير طريق الاتصال الجنسى المباشر بين الذكر والأنثى، ويسمى بالتلقيح الصناعى، الذى أجريت تجربته الأولى بين الآدميين سنة ١٧٩٩ م على يد الطبيب الإنجليزى دكتور "جون هنتر". وحكم الشرع في هذه العملية أنها إذا تمت بين الزوج وزوجته، أى بين مائه وبويضتها وكان التلقيح فى رحمها مباشرة أو فى أنبوبة خارجية ثم نقل إلى رحمها لاستكمال نموه، لا مانع منها، مع التنبيه على الحيطة والحذر عند القيام بهذه العملية فى الأنبوبة أو الحقنة أو غيرهما، حتى لا يكون هناك اختلاط بمادة أجنبية عن الزوج والزوجة. أما إذا كان التلقيح بغير ماء الزوج وبويضة الزوجة أو رحم آخر فهو حرام لأنه فى حكم الزنى، وإن لم يكن زنى موجبا للحد، سواء أكان ذلك برضاهما أم بغير رضاهما ولولا أن صورته تختلف عن صورة الزنى -وهو اللقاء الجنسى المباشر- لوجب فيه الحد. ويمكن الرجوع إلى الجزء الأول من موسوعة "الأسرة تحت رعاية الإسلام " لمعرفة الكثير عن هذا الموضوع

стр. 4633

النظر إلى صورة المرأة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم النظر إلى الصورة الشمسية للمرأة أو إلى صورتها فى المرآة، هل هو مماثل للنظر إلى صورتها الحقيقية؟ الجواب معلوم أن الإسلام حرم النظر إلى أى جزء من جسم المرأة الأجنبية حتى الوجه والكفين إذا كان النظر بشهوة، لأن النظر بريد الزنى، والنصوص فى ذلك كثيرة، أما لو كان النظر بغير شهوة فيجوز فقط إلى الوجه والكفين عند بعض العلماء، ورأى بعضهم عدم جواز النظر إليهما فى كل الأحوال، إلا ما هو مستثنى لعلاج ونحوه مما هو مفصل فى موضعه " الجزء الثانى من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ". هذا هو حكم النظر إلى الأصل، أما النظر إلى الصورة فقد مثل لها القدامى بالنظر إلى صورتها فى المرآة أو فى المياه، واختلفوا فى قياس الصورة على الأصل وعدم قياسها، بناء على تصورهم أن الرؤية تحصل من أشعة خارجة من العين، أو أشعة منعكسة من المرئى على العين، والثانى هو الرأى الصحيح الذى أثبته العلم. ومهما يكن من شىء فإن صورة المرأة لا يجوز النظر إليها بشهوة باتفاق الجميع كما لا يجوز النظر إلى أى شيء يثير الفتنة، لأن حكمة التشريع موجودة فى الأصل والصورة. وتشتد الحرمة إذا كان النظر إليها فى الصور المتحركة، فإنها لا تقل فتنة عن النظر إلى الأصل، إن لم تكن أقوى، وبخاصة فى الأوضاع التى لا تليق ذوقا وشرعا. يقول الشيخ طه حبيب "عضو المحكمة العليا الشرعية سابقا " ما نصه. والذى تسكن إليه النفس ويطمئن له القلب هو أن النظر إلى المرأة الأجنبية إنما كان محرما بسبب أنه داع وذريعة إلى الوقوع فيما هو أشد منه حرمة، وهو الوقوع فى المعصية الكبرى، وعليه فالنظر إلى المرأة الأجنبية المعينة بواسطة المرآة بقصد الشهوة غير جائز، لأنه ذريعة إلى محرم،، وكل ما كان كذلك فهو حرام، سواء أكان ذلك مباشرة أم بواسطة المرآة، انتهى "مجلة الأزهر- المجلد الثالث، صفحة ٣٩٣"

стр. 4634

الوقوف تحية للقادم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم قيام التلاميذ تحية للمدرس عندما يدخل الفصل؟ الجواب القيام للقادم من أجل التعظيم والاحترام إذا كان يستحقه لا بأس به، كالإمام العادل والوالدين والعلماء، وكذلك للقادم من السفر ولكبير السن والمدرس وغيرهم ممن ينبغى أن نوفر لهم الاحترام. جاء فى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال للأنصار لما جاء سعد بن معاذ راكبا على حمار وكان جريحا " قوموا لسيدكم " ولم يكن القيام لأجل معاونته فقط، فقد كان رجال من بنى الأشهل يقولون: قمنا له على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى الرسول ﷺ وقام طلحة رضى الله عنه لكعب بن مالك رضى الله عنه لما تاب الله عليه ولم ينكر عليه النبى ذلك، كما رواه البخارى ومسلم. وروى الترمذى بسند صحيح قوله ﷺ "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" وروى أحمد قوله أيضا " ليس من أمتى من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ". وروى أبو داود بإسناد جيد حديث " إن من إجلال الله تعالى إكرام ذى الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه والمتجافى عنه وذى سلطان مقسط " وقد صح أن النبى ﷺ كان إذا دخلت عليه ابنته فاطمة قام إليها وأخذ بيدها وقبلها وأجلسها فى مجلسه رواه النسائى والترمذى عن عائشة وقال: حسن صحيح. وكان يقوم لعبد الله بن أم مكتوم كلما أقبل عليه ويقول "مرحبا بمن عاتبنى فيه ربى". ويكره القيام تحية لمن لا يستحق التكريم، وبخاصة إذا طلبه، اللهم إذا خاف الإنسان بطشه، فيرفع عنه شره بالقيام له، ويحمل على ذلك حديث حسن لأبى داود والترمذى "من أحب أن يتمثل له الرجِال قياما فليتبوأ مقعده من النار " وحديث أبى داود وابن ماجه بإسناد حسن عن أبى أمامة الباهلى رضى الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئا على عصا، فقمنا إليه فقال:"لا تقوموا كما تقوم الأعاجم -لعظم بعضهم بعضا" قال العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء: فى سنده أبو العديس وهو مجهول. وذكر ابن حجر فى الفتح عن الطبرى بأنه ضعيف. جاء فى كتاب "غذاء الألباب للسفارينى ج ١ ص ٢٧٥ وما بعدها " أن أبا الوليد بن رشد قال: القيام يقع على أربعة أوجه. الأول: محظور وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبرا وتعاظما على القائمين إليه. الثانى: مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة. الثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل الإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة. الرابع: مندوب وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه، ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنيه، أو مصيبة فيعزيه، انتهى. وجاء فيه أن النبى ﷺ تلقى جعفر بن أبى طالب لما قدم من الحبشة فالتزمه وقبل ما بين عينيه. وروى البيهقى عن الصحابى واثلة بن الخطاب أن رجلا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فتحرك له النبى، فقال رجل: إن فى المكان سعة، فقال " للمؤمن - أو للمسلم - حق لا كما روى البيهقى من طريق الواقدى بسنده مرفوعا والحاكم فى المستدرك ورواه مالك عن الزهرى مرسلا، أن عكرمة بن أبى جهل لما دخل على النبى ﷺ مسلما مهاجرا قام إليه فرحا بقدومه. وروى الترمذى وحسنه عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخل زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ فى بيتى فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه،. والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبَّله. وجاء فيه أيضا أن أبا داود روى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يجلس معنا فى المجلس يحدثنا، فإذا قام قمنا قياما حتى نراه قد دخل بيوت أزواجه. . وروى أبو داود عن عمرو بن السائب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قدم عليه أبوه من الرضاعة فأجلسه على بعض ثوبه، ثم أقبلت أمه فوضع شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ وأجلسه بين يديه، وهو حديث مرسل جيد. ثم ذكر السفارينى أن مجد الدين بن تيمية تحدث فى "منتقى الأحكام " عن قيام المغيرة بن شعبة على رأس النبى ﷺ بالسيف فى صلح الحديبية، وقال: فيه استحباب الفخر والخيلاء فى الحرب لإرهاب العدو، وأنه ليس بداخل فى ذمه لمن أحب أن يتمثل له الرجال قياما، وكذا قال غيره: وقال الخطابى: فيه دليل على أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه فى مقام الخوف ومواطن الحروب جائز، وأن قول رسول الله ﷺ "من أراد أن يتمثل له الرجال صفوفا فليتبوأ مقعده من النار" إنما هو فيمن قصد به الكبر وذهب مذهب النخوة والجبرية. انتهى كلامه. وجاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى "ج ٢ ص ٢٦٨": والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب، بل كان الصحابة رضى الله عنهم لا يقومون لرسول الله ﷺ فى بعض الأحوال كما رواه أنس رضى الله عنه [رواه الترمذى وقال: حسن صحيح، ولكن إذا لم يثبت فيه نهى عام فلا نرى به بأسا فى البلاد التى جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام فإن المقصود منه الاحترام والإكرام وتطييب القلب به. وجا فى الأذكار للنووى (ص ٢٦٧) أنه قال: وأما إكرام الداخل بالقيام فالذى نختاره أنه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية ونحو ذلك ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام، لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل السلف والخلف. هذا عرض لبعض ما قيل فى الوقوف للتحية، وللتوفيق بين النصوص المجيزة والمانعة أختار ما نقله السفارينى عن ابن رشد من التفصيل، وللنيات وظرف الأحوال دخل فى تكييف الحكم

стр. 4635

الرد على تحية المذيع والكاتب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجب رد التحية إذا سمعها الإنسان من المتحدث فى المذياع أو التلفاز أو قرأها فى كتاب أو صحيفة؟ الجواب ذكر النووى فى كتابه "الأذكار ص ٢٤٥ " عن أبى سعد المتولى أن الإنسان إذا كتب كتابا فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان فبلغه الكتاب وجب عليه أن يرد السلام، وكذا ذكر الواحدى وغيره أيضا أنه يجب على المكتوب إليه رد السلام إذا بلغه السلام. وقال النووى فى شرح صحيح مسلم، لو بلغه سلام فى ورقة من غائب وجب عليه أن يرد السلام باللفظ على الفور إذا قرأه. وهذا ظاهر فى وصول السلام مكتوبا أو مبلغا على لسان أحد إلى إنسان أو جماعة مقصودة، فيجب الرد على من أرسل إليه الكتاب وفيه السلام، ومثل الكتابة التسجيل على شريط، فيجب على من يستمع إلى التسجيل أن يرد. أما التسجيل على الشريط لحديث بدئ أو ختم بالسلام، فهل يجب على المستمعين للسلام فيه أن يردوا التحية، وهل يجب على المشاهدين لما يعرض على الشاشة أنْ يردوا التحية؟ ومن يلقى ﵈ ليسوا جماعة مخصوصين، فهل يعطون حكم الشخص المعين أو الجماعة المعينة فى شريط التسجيل؟ لا أستطيع أن أجزم بالحكم وإن كنت قد قرأت فى فقه المذاهب الاربعة أن اَية السجدة لو كانت مسجلة على شريط أو سمعها إنسان لا ينبغى ولا يُسنُّ أن يسجد للتلاوة، وإن كان تعليلهم مختلفا، فقال بعضهم: السبب عدم صحة التلاوة لفقد التمييز من الآية المسجل عليها القرآن، وقال بعضهم: السبب أن التلاوة من غير اَدمى، وقال بعضهم: السبب أن القراءة من الحاكى - الفونوغراف -غير مقصودة. ولو قسنا السلام على قراءة آية السجدة فلا ينبغى رد السلام على للشريط المذاع أو المعروض. وفى نفسى شيء من هذا الحكم الذى لم أعثر على دليل يؤيده. لكن ما هو الرأى فى المذيع أو المتحدث على الهواء مباسرة دون تسجيل سابق، ومثله ناشر الكتاب أو المقال؟ يبدو أنه يجب الرد، لأن الصوت صادر من إنسان قاصد للتحية، والراديو أو التليفزيون ومثلهما الكتاب والصحيفة كلها ناقلة فقط كالميكروفون الذى يبلغ سلام المتكلم لمن يبعدون عنه ولا يرونه فى المسجد الكبير أو الحفل الكبير، فإذا أعيدت إذاعة هذا الحديث أو عرضه لأنه سجل، أعطى حكم الشريط المسجل فلا ينبغى رد التحية بناء على ما سبق بيانه فى سجود التلاوة. وقد يقال: إن المذيع أو المتحدث المباشر أو الناشر لا يسلم على أشخاص حقيقيين بل متخيَّلين فى ذهنه وتصوره، لأنه لا يرى ولا يحس بأناس معه، ومن هنا لا يجب الرد. لكن إذا وجب رد السلام على من ألقيت عليه التحية قال العلماء: أقل ما يؤدى به الواجب أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرد. نقله النووى فى "الأذكار" عن المتولى، ولم يعقب عليه. وعلى هذا فإن رد المستمعين إلى الإذاعة أو المشاهدين للتلفزيون السلام على من سلَّم عليهم واجب، حتى لو لم يسمعه المذيعون - ولن يسمعوه قطعا-كما تقدم فى أول الكلام أن من بلغه سلام فى كتاب وجب الرد، ومعلوم أن المرسل لن يسمعه. هذا، ولما كان رد التحية الملقاة على جماعة واجبا وجوبا كفائيا، فإنه لو قام به البعض سقط الطلب عن الباقين. وأغلب الظن - إن لم يكن يقينا - أن الآلاف أو الملايين من المستمعين أو المشاهدين سيرد منهم واحد على الأقل على هذه التحية، فيغنى ذلك عن رد الآخرين والله أعلم

стр. 4636

تحية السلام مع غير المسلم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يصح أن أحيى غير المسلم بتحية الإسلام، وهل يجب على أن أرد عليه التحية؟ الجواب روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " وروى مسلم أيضا أنه قال "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام " قال الإمام ابن القيم. اختلف السلف والخلف فى ذلك، فقال أكثرهم: لا يبدءون.أى لا يلقى ﵈ ابتداء وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم وجواز الرد عليهم، وروى ذلك عن ابن عباس وأبى أمامة وغيرهما، وهو وجه فى مذهب الشافعى، على أن يكون بلفظ "السلام عليك " بدون ذكر الرحمة وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه أو خوف من أذاه، أو لسبب يقتضى ذلك. وجاء فى "الأذكار للنووى" مثل هذا، ثم نقل عن أبى سعد أنه لو أراد أن يحبى ذميًّا: حياه بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك، ثم قال النووى: هذا الذى قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه فيقول: صبحت بالخير أو بالسعادة أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرة أو ما أشبه ذلك، وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار ألا يقول شيئا. وما دام الأمر خلافيا فى ابتدائهم بالسلام والرد عليهم فليكن ذلك مرهونا بالظروف التى تحقق مصلحة أو تدفع مضرة، ودين الله يسر، وكما هو معروف: إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله. ولو أن حديث النهى عن تحيتهم كان قاطعا وعاما ما حدث خلاف بين العلماء على النحو الذى ذكره ابن القيم وذكره النووى

стр. 4637

الإشارة باليد عند السلام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز أن يكتفى الإنسان إذا مر على شخص أو جماعة بالإشارة باليد بدلا من التلفظ بالسلام؟ الجواب روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت: مر علينا رسول الله ﷺ فى نسوة فسلم علينا، وفى رواية قالت: مر رسول الله فى المسجد يوما ونحن عصبة من النساء، فلوى بيده بالتسليم، رواه الترمذى وقال: حديث حسن. وله شاهد من حديث جابر عن أحمد. إن التحية بالسلام تكون باللفظ ولا تكفى الإشارة دون تلفظ، ولكنها تكون علامة عليه ومساعدة على شعور الناس بإلقاء السلام عليهم، فلا مانع من ذلك، أما الاكتفاء بالإشارة باليد دون تلفظ بالتحية فلا تحصل بها السنة، ومثل ذلك رد التحية، تكون الإشارة علامة ومساعدة ولكن لا يكتفى بها وحدها. جاء فى كتاب "الأذكار للنووى" ص ٢٤٤ روينا فى كتاب الترمذى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ قال "ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا النصارى. فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف ". قال الترمذى: إسناده ضعيفا

стр. 4638

التعليم فى كليات الحقوق المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعت أن الانتساب إلى كليات الحقوق بالجامعات حرام لأنها تدرس القوانين الوضعية، فهل هذا صحيح؟ الجواب الدراسة كمعرفة لا بأس بها أبدا، والمهم هو أثرها على العقيدة والسلوك، وتطبيقها فى المجالات النافعة، وموقف الدين من الحث على العلم وتكريم العلماء معروف، والواجب هو الاستفادة منه بتعميق الإيمان بالله واستثمار خيرات الأرض لتحقيق خلافة الإنسان فيها وقد قال الله تعالى فى سورة فاطر بعد ذكر مجالات مختلفة للعلم فى السماء والأرض بالنبات والجبال والإنسان والحيوان ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فاطر: ٢٨. فإذا استخدمت مواد كليات الحقوق فى التعاون على الخير، بالوصول إلى الحق ودفع الظلم كان ذلك خيرا، بل طاعة لله سبحانه يثاب عليها، وإن استخدمت فى غير ذلك كانت إما عبثا وإما فسادا والحًق هو ما قرره الشرع فى مصادره المعروفة، والظلم ما سوى ذلك، كما أن دراستها لو كانت للمقارنة بينها وبين الشرع ليتبين الحق من الباطل، وليظهر سمو التشريع الإسلامى فهى دراسة مشروعة يثاب عليها بمقدار النية الباعثة عليها، كما قالوا فى جواز تعلم السحر لمعرفة الفرق بينه وبين المعجزة، وفى تعلم الشر من أجل البعد عنه، كما جاء فى القول المشهور: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. وأنبه الدارسين للقوانين بوجه عام إلى قول الله سبحانه ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما﴾ النساء: ١٠٧، وقوله تعالى ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا﴾ النساء: ١٠٩، وقول النبى ﷺ فيما رواه أبو داود والطبرانى بإسناد جيد "من خاصم فى باطل وهو يعلم -وفى رواية أو أعان عليه -لم يزل فى سخط الله حتى ينزع لما وقول الله سبحانه ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ المائدة: ٤٤،وفى آية أخرى ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ وفى آية أخرى ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ المائدة:٤٥ -٤٧

стр. 4639

الغش فى الامتحان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى محاولات الطلاب للغش أثناء الامتحانات، وهل يجوز للملاحظين أن يساعدوهم نظرا لصعوبة الامتحان؟ الجواب من المقرر أن الغش فى أى شىء حرام،والحديث واضح فى ذلك "من غشنا فليس منا"رواه مسلم وهو حكم عام لكل شىء فيه ما يخالف الحقيقة، فالذى يغش ارتكب معصية، والذى يساعده على الغش شريك له فى الإثم. ولا يصح أن تكون صعوبة الامتحان مبررة للغش، فقد جعل الامتحان لتمييز المجتهد من غيره، والدين لا يسوى بينهما فى المعاملة، وكذلك العقل السليم لا يرضى بهده التسوية، قال تعالى ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ ص: ٢٨ وبخصوص العلم قال ﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ الزمر: ٩. وانتشار الغش فى الامتحانات وغيرها رذيلة من أخطر الرذائل على المجتمع، حيث يسود فيه الباطل وينحسر الحق، ولا يعيش مجتمع بانقلاب الموازين الذى تسند فيه الأمور إلى غير أهلها، وهو ضياع للأمانة، وأحد علامات الساعة كما صح فى الحديث الشريف. والذى تولى عملا يحتاج إلى مؤهل يشهد بكفاءته، وقد نال الشهادة بالغش يحرم عليه ما كسبه من وراء ذلك، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به وقد يصدق عليه قول الله تعالى ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾ آل عمران: ١٨٨. وإذا كان قد أدى عملا فله أجر عمله كجهد بذله أى عامل، وليس مرتبطا بقيمة المؤهل، وهو ما يعرف بأجر المثل فى الإجارة الفاسدة، وما وراء ذلك فهو حرام

стр. 4640

الترضى على الصحابة والصالحين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من المشروع أن يقول الإنسان عند ذكر صحابى أو واحد من الصالحين: رضى الله عنه؟ الجواب عبارة "رضى الله عن فلان " دعاء من الإنسان أن يرضى الله عن فلان، فهى جملة خبرية تفيد الإشارة بالدعاء، كأن الإنسان قال: اللهم ارض عن فلان، مثل قولنا: صلى الله على محمد يعنى: اللهم صلى على محمد، أى ندعوك يا رب أن ترحم محمدا. جاء فى كتاب "الأذكار" للنووى ص ١٢١: يستحب الترضى والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء العباد وسائر الأخيار: فيقال: رضى الله عنه أو ﵀ ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء: إن قوله رضى الله عنه مخصوص بالصحابة ويقال فى غيرهم "﵀ " فقط فليس كما قال ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذى عليه الجمهور استحبابه. ودلائله أكثر من أن تحصر، فإن كان المذكور صحابيا ابن صحابى قال: قال ابن عمر رضى الله عنهما، وكذا ابن عباس وابن الزبير وابن جعفر وأسامة بن زيد ونحوهم، لتشكله وأباه جميعا. فإن قيل: إذا ذكر لقمان ومريم هل يصلى عليهما كالأنبياء أم يترضى كالصحابة والأولياء أم يقول: ﵉: فالجواب أن الجماهير من العلماء على أنهما ليسا نبيين، وقد شذ من قال: نبيان. ولا التفات إليه ولا تعريج عليه. وقد أوضحت ذلك فى كتاب "تهذيب الأسماء". فإذا عرف ذلك فقد قال بعض العلماء كلامًا يفهم منه أنه يقول: قال لقمان أو مريم صلى الله على الأنبياء وعليه -أو عليها -وسلم. قال: لأنهما يرتفعان عن حال من يقال: رضى الله عنه، لما فى القرآن مما يرفعهما ٠ والذى أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يقال: رضى الله عنه، أو عنها، لأن هذا مرتبة غير الأنبياء، ولم يثبت كونهما نبيين،وقد نقل إمام الحرمين إجماع العلماء على أن مريم ليست نبية، ذكره فى الإرشاد، ولو قال: ﵇ أو عليها، فالظاهر أنه لا بأس به، والله أعلم، انتهى ما قاله النووى وفيه كفاية

стр. 4641

كوافير السيدات المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز لى أن أقوم بقص الشعر وتزيين السيدات بالألوان وغيرها؟ الجواب إذا كان الرجل هو الذى يقوم بهذا العمل، يكون آثما، لأن فيه نظرا لعورة المرأة بالنسبة للرجل الأجنبى، ولأن فيه لمسا لما لا يحل له، ولأن فيه إعانة على المحرم إذا كان يعرف أنها تتزين لمن لا يحل له أن يطلع عليها، وكل ذلك وردت به النصوص. وإذا كانت المرأة هى التى تقوم بذلك للمرأة بعيدا عن أعين الأجانب ومنهم صاحب المحل الذى تزاول فيه هذه المهنة، فلا مانع من ذلك إلا إذا علمت أنها تتزين للأجانب أو لما لا يحل لها من عمل يتطلب إظهار زينتها، فيكون ممنوعا لما فيه من الإعانة على الممنوع. وإذا كانت المرأة تقوم بقص الشعر وتزيين الرجال فعملها حرام، من أجل النظر لما لا يحل ولمس ما لا يحل. ومن النصوص فى ذلك ما رواه مسلم " العينان تزنيان وزناهما النظر واليد تزنى وزناها البطش " وفسر بالتلامس. ولا يقبل تبرير ذلك بالحاجة إلى كسب العيش، فالوسائل الحلال لكسب العيش متوفرة والرضا بالقليل من الحلال خير من الكثير من الحرام

стр. 4642

تغيير محل النذر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نذرت أن أتصدق على فقراء بلد معين، أو أشخاص معينين، فوجدت أن هناك من هم أشد حاجة منهم، فهل يجوز لى أن أوجه النذر إليهم؟ الجواب ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الالتزام بما نذره الناذر فى العين وفى المصرف، ويجوز عند أبى حنيفة تغيير محل الصرف إذا رأى فى ذلك مصلحة، لأن المال خرج من ذمته تقربا إلى الله، فلا فرق بين أن يعطيه لفلان أو لفلان، إلا إذا كان فيما عيَّنه زيادة قربة كالأقارب، فإن الصدقة عليهم صدقة وصلة رحم، وكلك إذا رأى أن بناء مسجد أو مدرسة لتحفيظ القرآن وتعليم الدين، أو مصحة لعلاج الفقراء أحسن من إعطاء كل فقير مبلغا ينفقه فى مصلحة وقتية غير دائمة النفع، فإن توجيه النذر للفقراء إلى هذه المرافق العامة المفيدة أفضل، وهو رأى طيب لا مانع من الأخذ به، بناء على رجحان المصلحة. ومثل ذلك ما لو نذر أن يصلى الضحى أو التراويح فى مسجد معين، فإنه على رأى أبى حنيفة: يجوز له أن يصلى فى أى مسجد آخر، فالأرض كلها مسجد، وكل المساجد بيوت الله، اللهم إلا إذا نذر أن يصلى فى المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو المسجد الأقصى فإنه لا يجوز أن يصلى فى أى مسجد سواها، لما لها من الفضل الذى وردت به الأحاديث

стр. 4643

الزنى لا يكفره الزواج المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن من زنى بامرأة وتزوج بها يغفر الله له هذا الذنب؟ الجواب ما دام الزنى قد حصل وجب فيه الحد، وهو الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن فإن أقيم عليه الحد كان ذلك توبة يرفع الله بها الإثم. كما قال النبى ﷺ فى الجهنية التى رجمت للزنى وصلى عليها "إنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أعظم من أن جادت بنفسها للَّه "؟ . وإذا لم يقم الحد على الزانى، وهو مستعد له راض به، فلا يغفر الذنب إلا بالتوبة النصوح القائمة على الإقلاع عنه والندم عليه والعزم الأكيد على عدم العود للعصيان وطلب العفو والسماح ممن اغتصبها بغير رضاها. إذا حدث ذلك يرجى أن يغفر الله هذا الذنب، وبدون ذلك لا يكون مجرد الزواج بها مسقطا للعقوبة، لا عقوبة الدنيا ولا عقوبة الآخرة، وإذا كان الزواج بها مظهرا من مظاهر التوبة، فالله سبحانه هو وحده الذى يقدرها. أما حكم العقد على الزانية وحملها من الزانى فسيذكر بعد إن شاء الله

стр. 4644

خصاء الحيوانات ووسمه بالنار المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقوم بعض الذين يربون المواشى بخصاء بعض الحيوانات من الغنم والماعز وغيرها بقصد تسمينها كما يشاهد آثار الكى على أجسام بعض الحيوانات،فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب جاء فى تفسير القرطبى عند قوله تعالى ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ النساء: ١١٩، عن خصاء الحيوان أنه رخص فيه جماعة إذا قصدت به المنفعة لسمن أو غيره، والجمهور على جواز التضحية بالخصى، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن. ومنهم منكره خصاء الذكر وذلك لحديث "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " ولنهى النبى ﷺ عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل، وجاء فى الموطأ عن ابن عمر أنه كان يكره الإخصاء، ويقول: فيه تمام الخلق، أى فى ترك الإخصاء تمام الخلق، وروى نماء الخلق، وروى الدارقطنى"لا تخصوا ما ينمى خلق الله ". أما خصاء الآدمى فمصيبة، لأنه يقطع النسل المأمور به وقد يفضى إلى الهلاك وفيه مثلة. أما عن الوسم وهو الكى بالنار فقد أخرج مسلم أن النبى ﷺ مر بحمار وسم فى وجهه فقال: "لعن الله الذى وسمه " فهو حرام إن كان للتعذيب، ويجوز إن كان للتمييز والتعريف فقد قال فيه القرطبى: إن الرسول أجازه، استثناء من تعذيب الحيوان بالنار. ثبت فى مسلم عن أنس قال: رأيت فى يد رسول الله ﷺ الميسم، وهو يسم إبل الصدقة والفىء وغير ذلك، حتى يعرف كل مال فيؤدى فيه حقه ولا يتجاوز به إلى غيره. ولا يجوز فى الوجه، وذلك لشرفه، وهو مقر الحسن والجمال، وبه قوام الحيوان، وقد نهى النبى ﷺ من كان يضرب عبده وقال "اتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته " أى على صورة المضروب، أى أن وجه هذا المضروب يشبه وجه آدم، فينبغى أن يحترم لشبهه

стр. 4645

قراءة كتب الفلسفة والكفر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى دراسة المواد الفلسفية لعلماء مسلمين وغير مسلمين، وما مدى الضرر أو النفع من هذه الدراسات؟ الجواب لا مانع من دراسة المواد الفلسفية أبدا، إذا كانت الدراسة للإحاطة بالأفكار ومقارنتها بالدين، فإن كانت متفقة معه قبلت وإلا رفضت، مع بيان وجه رفضها، وعلى هذا الأساس ألفت كتب فى الملل والنحل والعقائد المختلفة "الصحيح منها والباطل " وناقشها العلماء مناقشة علمية على ضوء الدين والعقل الصحيح. أما دراستها لمن لا يعرف الحق من الباطل، وترك الباطل منها دون بيان بطلانه ففيها ضرر كبير. والقرآن الكريم نفسه ذكر عقائد المشركين، والمنكرين لوجود الله والدهريين والمنكرين للبعث والحساب وغيرهم، وذكر الأدلة على بطلان ما يعتقدون، كما ذكر الأدلة على العقائد الصحيحة التى جاء بها الإسلام. وقد أثيرت قديما مسألة تعلم علم المنطق الذى وضعه قدامى اليونان، فكان لعلماء المسلمين منه مواقف بالجواز والمنع، وسجل ذلك بعض المؤلفين بقوله: فابن الصلاح والنووى حرما * وقال قوم ينبغى أن يعلما. والقولة المشهورة الصحيحة * جوازه لكامل القريحة. أى لمن عنده قدرة على تمييز الطيب من الخبيث من هذه المواد، وعيب بعض المؤلفات التى تدرس فى بعض مراحل التعليم الآن أنها تعرض الأفكار ولا تناقشها مناقشة علمية على ضوء الدين، فيحسبها البعض أنها أمور مسلمة ما دامت منسوبة لكبار العلماء،، وكم فى هذه الآراء مما يتنافى مع مقررات الدين، ولا يتفق ومكارم الأخلاق. وللإمام الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين " كلام طويل فى العلوم المحمودة والعلوم المذمومة، وهو نفسه ألف فى الرد على الفلاسفة بعد دراسة مذاهبهم

стр. 4646

إبليس والجن والشياطين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما الفرق بين الجن والشيطان وإبليس، ولماذا خلقهم الله سبحانه؟ الجواب جاء في تفسير القرطبى لسورة الجن أن أهل العلم اختلفوا فى أصل الجن، فقال الحسن البصرى: إن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء فى الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولى الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. وقال ابن عباس: الجن هو ولد الجان، وليسوا بشياطين وهم يموتون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. انتهى. وجاء فى تفسير سورة الناس أن قتادة قال: إن من الجن شياطين وإن من الإنس شياطين، وهو يعزز رأى الحسن البصرى المذكور- قال تعالى ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن﴾ الأنعام: ١١٢. وجاء فى "حياة الحيوان الكبرى " للدميرى عن الجن أن المشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس وقيل: الجن جنس وإبليس واحد منهم ولا شك أن الجن ذريته بنص القرآن الكريم. يريد قوله تعالى ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ الكهف:٥٥،ومن كفر من الجن يقال له شيطان. وجاء فى " آكام المرجان فى أحكام الجان " للمحدث الشبلى "ص ٦ " أن الجن تشمل الملائكة وغيرهم ممن اجتنَّ -أى استتر-عن الأبصار، قال تعالى ﴿وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبا﴾ الصافات: ٥٨، لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله وقال: الشياطين هم العصاة من الجن وهم ولد إبليس، والمردة هم أعتاهم وأغواهم بقوا، الجوهرى: كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، والعرب تسمى الحية شيطانا. هذا ما قيل عن الجن والشيطان وإبليس، أما الحكمة من خلقهم فهى امتحان بنمط آدم هل يستجيبون لأمر الله أو لأمر الشيطان، وإيمان المؤمن لا تكون له قيمته إذا كان نابعا منه ذاتيا بحكم أنه خلق مؤمنا كالملائكة، فان استقر الإيمان بعد الانتصار فى معركة الشيطان الذى أقسم أن يغوى الناس أجمعين -كان جزاء هذا المؤمن عظيما، لأنه حصل بتعب وكد ومجاهدة دفع بها أجر الحصول على تكريم الله له. قال تعالى ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ العنكبوت: ٦٩. والحياة الدنيا لابد فيها من معركة بين الخير والشر، لتتناسب مع خلق الله لآدم على وضع يتقلب فيه بين الطاعة والمعصية، وقد تزعَّم الشيطان هذه المعركة انتقاما من آدم الذى طرد الشيطان من الجنة بسبب عدم السجود له. فقال كما جاء فى القرآن الكريم. ﴿قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ الأعراف: ١٦، ١٧،وحذر الله الإنسان من طاعة الشيطان فقال ﴿ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ يس: ٦٠، وقال ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ فاطر: ٦. فمجاهدة الشيطان بعصيانه لها ثواب، ووجوده يساعد على الحركة القائمة على المتقابلات والحركة سر الحياة، وقد سئل أحد العلماء: لماذا خلق الله إبليس؟ فقال: لنتقرب إلى الله بالاستعاذة منه وعصيانه، فكل خير فيه شر ولو بقدره

стр. 4647

اللحوم المستوردة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز أكل اللحوم المستوردة مع عدم العلم بأنها ذبحت على الطريقة الشرعية؟ الجواب اللحوم المحفوظة والمستوردة إذا علمنا بطريق موثوق به أنها ذبحت على غير الطريقة الإسلامية فلا يجوز أكلها قطعا، أما إذا علمنا أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية جاز أكلها دون حرج، فإذا لم نعلم طريقة ذبحها فإذا كانت هناك أمارات ترجح أن ذبحها شرعى جاز أكلها، ومن هذه الأمارات أن يكتب عليها عبارة " مذبوح على الطريقة الإسلامية " أو تكون هذه الذبائح مستوردة من بلاد تدين باليهودية أو النصرانية، للنص على حل ذبائحهم فى قوله تعالى ﴿وطعام للذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾ المائدة:٥. وبعض النشرات التى تحذر من تناول هذه اللحوم لا يصح أن تكون دليلا قاطعا على أنها لم تذبح على الطريقة الشرعية، وعلى ذوى الاختصاص أن يثبتوا إن كانت هذه اللحوم مستوفية لشروط الذبح الشرعى أولا، وإلى أن يحصل هذا التثبت يكون العمل بالقاعدة الشرعية وهى: الأصل فى الأشياء الإباحة، واليقين لا يزول بالشك. هذا، ويغلب على البلاد التى تدين باليهودية أو النصرانية أن تكون صادراتها، للبلاد الإسلامية من الذبائح مذكاة حسب شريعتهم فهى حلال، أما البلاد التى لا تدين باليهودية أو النصرانية فيقال: إن ما أعد للتصدير منها إلى البلاد الإسلامية يتولى ذبحه كتابى، ويكتب عليه: مذبوح على الطريقة الإسلامية. ويمكن الاعتماد على ما كتب عليه، أما ما لا يكتب عليه ذلك فلا يطمأن إليه، وعلى المسئولين مراقبة ذلك عند الاستيراد وزيادة فى الإيضاح لهذا الموضوع ننقل لك ما نشر فى الجزء الثانى من كتاب "بيان للناس من الأزهر الشريف ": أثيرت فى هذا الموضوع عدة مسائل نذكر أهمها فيما يلى: ١ - تخدير الحيوان قبل ذبحه: قال تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللَّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ المائدة: ٣، وقال رسول اللَّه ﷺ " إن اللَّه كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " رواه مسلم وغيره. فإذا كانت الصدمة الكهربائية أو غيرها من طرق التخدير تساعد على التمكن من ذبح الحيوان بأضعاف مقاومته وقت الذبح، وكانت لا تؤثر فى حياته، بمعنى أنه لو ترك بعدها دون ذبح عاد إلى حياته الطبيعية - جاز استعمال الصدمة الكهربائية أو غيرها من طرق التخدير بهذا المفهوم قبل الذبح، وحلت الذبيحة بهذه الطريقة. أما إذا كانت تؤثر فى حياته بحيث لو ترك بعدها دون ذبح فقد حياته، فإن الذبح وقتئذ يكون قد ورد على ميتة، فلا يحل أكلها فى الإسلام، لاحتمال موت الحيوان بالصدمة الكهربائية أو التخدير قبل الذبح. إذ تقضى نصوص فقه الشريعة الإسلامية أنه إذا اجتمع فى الذبيحة سبب محرم وآخر مبيح تكون محرمة، كما إذا رمى شخص طائرا فجرحه فسقط فى الماء فانتشله الصائد ميتا فإنه لا يحل أكله لاحتمال موته غرقا لا بجرح الصيد. ٢ - ضرب الحيوان على رأسه بحديدة أو تفريغ شحنة مسدس قاتل فيها، أو صعقه بتيار الكهرباء وإلقاؤه فى ماء مغلى ليلفظ أنفاسه: إذا مات الحيوان بهذه الطرق فهو ميتة، والميتة محرمة بنص القرآن الكريم، وهى ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، أو ما مات حكما من الحيوان حتف أنفه من غير قتل بذكاة، أو مقتولا بغير ذكاة. والميتة بهذه الطرق هى الموقوذة التى ورد النص بتحريمها فى آية المائدة المذكورة فى المسألة السابقة " رقم ١ ". والوقذ شدة الضرب قال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه، وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها. وفى صحيح مسلم عن عدى بن حاتم قال: قلت: يا رسول اللَّه فإنى أرمى بالمعراض الصيد فأصيب. فقال " إذا رميت بالمعراض فخزقه فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله " وفى رواية " فإنه وقيذ " المعراض سهم يصيب بعرض عوده دون حده، خزق السهم أى نفذ فى الرمية، والمعنى نفذ وأسال الدم، لأنه ربما قتل بعرضه ولا يجوز. والفقهاء اتفقوا على أنه تصح تذكية الحيوان الحى غير الميئوس من بقائه، فإن أصابه ما يوئس من بقائه مثل أن يكون موقوذا أو منخنقا فقد اختلفوا فى استباحته بالزكاة. ففى فقه الإمام أبى حنيفة: وإن علمت حياتها -وإن قلَّت -وقت الذبح أكلت مطلقا بكل حال. وفى إحدى روايتين عن الإمام مالك، وأظهر الروايتين عن الإمام أحمد: متى علم مستمر العادة أنه لا يعيش حرم أكله ولا تصح تذكيته، وفى الرواية الأخرى عن الإمام مالك: أن الزكاة تبيح منه ما وجد فيه حياة مستقرة. وينافى الحياة عنده أن يندق عنقه أو دماغه. وفى فقه الإمام الشافعى: أنه متى كانت فيه حيلة مستقرة تصح تذكيته، وبها يحل أكله باتفاق فقهاء المذهب. والذكاة فى كلام العرب الذبح وفى الشرع عبارة عن إنهار الدم وفرى الأوداج فى المذبوح، والنحر فى المنحور، والعقر فى غير المقدور عليه. واختلف العلماء فيما يقع به الذكاة، والذى جرى عليه جمهور العلماء أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذبح، ما عدا الظفر والسن، إذا كانا غير منزوعين، لأن الذبح بهما قائمين فى الجسد من باب الخنق. كما اختلفوا فى العروق التى يتم الذبح بقطعها، بعد الاتفاق على أن كماله بقطع أربعة، هى: الحلقوم والمرىء والودجان. واتفقوا كذلك على أن موضع الذبح الاختيارى، بين مبدأ الحلق إلى مبدأ الصدر. وإذا كان ذلك، كان الذبح الاختيارى الذى يحل به لحم الحيوان المباح أكله فى شريعة الإسلام، هو ما كان فى رقبة الحيوان فيما بين الحلق والصدر، وأن يكون بآلة ذات حد تقطع أو تخزق بحدها لا بثقلها، سواء كانت هذه الآلة من الحديد أو الحجر، على هيئة سكين أو سيف أو بلطة أو كانت من الخشب بهذه الهيئة أيضا. لقول النبى ﵊ " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ما لم يكن سنًّا أو ظفرا " فإذا ثبت قطعا أن اللحوم والدواجن والطيور المستوردة لا تذبح بهذه الطريقة التى قررها الإسلام، وإنما تضرب على رأسها بحديدة ثقيلة، أو يفرغ فى رأسها محتوى مسدس مميت، أو تصعق بتيار الكهرباء ثم تلقى فى ماء مغلى تلفظ فيه أنفاسها-إذا ثبت هذا دخلت فى نطاق المنخنقة والموقوذة المحرمة بنص الآية الكريمة. ٣ - المؤلفات والنشرات التى توصى بمنع استيراد اللحوم المذبوحة فى الخارج: ما ينقل عن بعض الكتب والنشرات عن طريقة الذبح لا يكفى لرفع الحل الثابت أصلا بعموم نص الآية الكريمة: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ المائدة: ٥، وليس فى هذه النشرات ما يدل حتما على أن المطروح فى أسواقنا من اللحوم والدواجن والطيور مستورد من تلك البلاد التى وصف طرق الذبح فيها من نقل عنهم، ولابد أن يثبت أن الاستيراد من هذه البلاد التى لا تستعمل سوى هذه الطرق، ومع هذا فإن الطب - فيما أعلم -يستطيع استجلاء هذا الأمر وبيان ما إذا كانت هذه اللحوم والطيور والدواجن المستوردة قد أزهقت أرواحها بالطرق المذكورة فى المسألة السابقة " رقم ٢ ". فإذا كان الطب البيطرى أو الشرعى يستطيع علميا بيان هذا على وجه الثبوت، كان على القائمين بأمر هذه السلع استظهار حالها بهذا الطريق أو بغيرها من الطرق المجدية لأن الحلال والحرام من أمور الإسلام التى قطع فيها بالنصوص الواضحة. فكما قال الله سبحانه ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ قال سبحانه قبل هذا ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللَّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ . وقد جاء فى " أحكام القرآن " لابن عربى فى تفسيره للآية الأولى: فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب أن هذه ميتة، وهى حرام بالنص. وهذا يدل على أنه متى تأكدنا أن الحيوان قد أزهقت روحه بالخنق أو حطم الرأس أو الوقذ كان ميتة ومحرما بالنص. والصعق بالكهرباء حتى الموت من باب الخنق، فلا يحل ما انتهت حياته بهذا الطريق. أما إذا كانت كهربة الحيوان لا تؤثر على حياته، بمعنى أنه يبقى فيه حياة مستقرة ثم يذبح كان لحمه حلالا فى رأى جمهور الفقهاء، أو أى حياة وإن قلت فى مذهب الإمام أبى حنيفة. وعملية الكهرباء فى ذاتها إذا كان الغرض منها فقط إضعاف مقاومة الحيوان والوصول إلى التغلب عليه وإمكان ذبحه، جائزة ولا بأس، وان لم يكن الغرض منها هذا أصبحت نوعا من تعذيب الحيوان قبل ذبحه، وهو مكروه، دون تأثير فى حله إذا ذبح بالطريقة الشرعية حال وجوده فى حياة مستقرة. أما إذا مات صعقا بالكهرباء فهو ميتة غير مباحة ومحرمة قطعا. فالفيصل فى الموضوع أن يثبت على وجه قاطع أن اللحوم والدواجن والطيور المستوردة المتداولة فى أسواقنا قد ذبحت بواحد من الطرق التى تصيرها من المحرمات المعدودات فى آية المائدة. وما فى الكتب والنشرات لا يعتمد عليه فى ذلك. وعلى الجهات المعنية أن تتثبت من ذلك، وإلى أن تتثبت يكون العمل بالقاعدة الشرعية: الأصل فى الأشياء الإباحة، واليقين لا يزول بالشك، امتثالا لقول الرسول ﷺ الذى أخرجه البزار الطبرانى من حديث أبى الدرداء بسند حسن " ما أحل اللَّه فهو حلال، وماحرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من اللَّه عافيته، فإن اللَّه لم يكن لينسى شيئا ". وحديث أبى ثعلبة الذى رواه الطبرانى " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها "وفى لفظ "وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها، رحمة لكم فاقبلوها " وروى الترمذى وابن ماجه من حديث سلمان أنه ﷺ سئل عن الجبن والسمن والغراء التى يصنعها غير المسلمين فقال " الحلال ما أحل اللَّه فى كتابه، والحرام ما حرم اللَّه فى كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه " وثبت فى الصحيحين أنه ﷺ توضأ من مزادة امرأة مشركة، ولم يسألها عن دباغها ولا عن غسلها واللَّه أعلم. ٤ - ذبائح أهل الكتاب: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى لأنهم فى الأصل أهل توحيد، وقد جاء حكم الله فى الآية بإباحة طعامهم للمسلمين، وإباحة طعام المسلمين لهم فى قوله سبحانه ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾ . وكلمة طعام عامة تشمل الذبائح والأطعمة المصنوعة من مواد مباحة، وجمهور المفسرين والفقهاء على أن المراد من الطعام فى هذه الآية الذبائح أو اللحوم، لأنها هى التى كانت موضع الشك، أما باقى أنواع المأكولات فقد كانت حلالا بحكم الأصل. وتثار فى ذبائحهم نقطتان، الأولى طريقة ذبحهم، والثانية التسمية عند الذبح. أما فى الأولى فقد اشترط أكثر فقهاء المسلمين لحل ذبائحهم أن يكون الذبح على الوجه الذى ورد به الإسلام. وقال بعض فقهاء المالكية: إن كانت ذبائحهم وسائر أطعمتهم مما يعتبرونه مذكى عندهم حل لنا أكله وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة صحيحة، وما لا يرونه مذكى عندهم لا يحل لنا، ثم استدرك هذا الفرق فقال: فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب أن هذه ميتة وحرام بالنص، فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال ومن طعامهم، وهو حرام علينا فهذه أمثله واللَّه أعلم، وفتوى الشيخ محمد عبده لأهل الترنسفال فى ٦ من شعبان سنة ١٣٢١هـ لم تذكر هذا الاستدراك " الفتاوى الإسلامية- المجلد ٤ ص ١٢٩٨ ". إن من القواعد التى قررها الفقهاء " ما غاب عنا لا نسأل عنه " وهى مأخوذة من نصوص فقهية. ففى فقه الإمام أبى حنيفة: إنما تؤكل ذبيحة الكتابى إذا لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شىء، أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده. وقد روى عن الإمام على بن أبى طالب حين سئل عن ذبائح أهل الكتاب قوله: قد أحل اللَّه ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وفى فقه الإمام الشافعى: لو أخبر فاسق أو كتابى أنه ذكى هذه الشاة قبلناه، لأنه من أهل الذكاة. فإذا ذكرت شائعات فإنه عندئذ يلزمنا التحرى. وفى هذه الحالة استفاضت الشائعات أن أوروبا (وهى أهل كتاب) تستعمل وسائل غير الذبح، فلا يصح إهمال ذلك بعدم السؤال، بل ينبغى التحرى. وأما فى النقطة الثانية وهى التسمية عند الذبح، فقد جاء حديث البخارى فى اللحم الذى لا يدرى: هل سمى عليه اللَّه أو لا، " سموا اللَّه أنتم وكلوا ". وقد حفلت كتب السنة والسيرة بأن رسول اللَّه ﷺ كان يأكل من ذبائح اليهود دون أن يسأل هل سموا اللَّه عند الذبح أم لا، وكذلك الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وقد مر قول الإمام على: قد أحل اللَّه ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. اهـ. هذا، ولو سمعنا ذكر اسم غير الله عند الذبح فالجمهور على عدم الأكل من هذه الذبيحة، حتى من قال منهم بأن التسمية سنة غير واجبة، أما إذا لم نسمع تسمية فالذبيحة حلال للنصوص المذكورة. والبلاد التى تدين باليهودية أو النصرانية يغلب أن تكون صادراتها من الذبائح مذكاة حسب شريعتهم فهى حلال، أما البلاد التى لا تدين باليهودية أو النصرانية فيقال إن ما أعد للتصدير منها إلى البلاد الإسلامية يتولى ذبحه كتابى، ويكتب عليه مذبوح على الطريقة الإسلامية، ويمكن الاعتماد على ما كتب عليه، أما ما لم يكتب عليه ذلك فلا يطمأن إليه، وعلى المسئولين مراقبة ذلك عند الاستيراد، حتى نعتمد على أنفسنا بتوفير ما نحتاج إليه دون حاجة إلى استيراد ما فيه شبهة. ومن يعيش أو يزور بلادا كتابية يطمئن إلى ما يذبح فيها إلا إذا رأى بعينيه أنه لم يذبح وكان من المحرمات المذكورة فى آية المائدة على الوجه المبين فيما سبق، أو أخبره بذلك ثقة وصدقه. والذى يزور بلادا ليست كتابية أو يعيش فيها يجب عليه أن يستوثق مما يأكله من ذبائحهم، فالغالب عليه أنه لم يذبح كما يذبح الكتابيون والمسلمون. ولا يكفى عدم العلم بحال هذا المطعوم، بخلاف البلاد الكتابية فيكفى فيها عدم العلم، لأن الغالب أنهم يذبحون

стр. 4648

تحضير الأرواح المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل تحضير الأرواح صحيح؟ الجواب تقرر الأديان كلها أن الإنسان مادة وروح. قال تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين﴾ ص: ٧١، ٧٢، وأنه أحد العوالم الثلاثة التى كلفها الله بعبادته، وهى: الملائكة والإنس والجن، وكلها مادة وروح وإن كانت مادة الملائكة هى النور، ومادة الإنس هى الطين، ومادة الجن هى النار. والروح سرها عجيب لا يدرك الإنسان منه إلا قليلا، على الرغم من إدراكه الكثير من سر المادة، قال تعالى ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ الإسراء:٨٥، واهتم علماء المسلمين بدراستها وبيان أثرها فى الحياة وفى الفكر وفى السلوك وفى مصيرها بعد خروجها من البدن بالموت. ومن الكتب المؤلفة فى ذلك كتاب الروح لابن القيم. وعلى الرغم من الاتجاه المادى للعالم الغربى نشطت أخيرا الدراسات الروحية، فى كليات أو معاهد خاصة، وتكونت جمعيات تمارس أنشطة متصلة بالروح، كبعض الأنشطة التى مارسها بعض المسلمين وغيرهم، باسم السحر وتحضير الأرواح، وما إلى ذلك، ونريد هنا أن نبين موقف الإسلام من تحضير الأرواح. إن الأرواح هى لثلاثة أصناف من العوالم، الملائكة، والإنس ومعهم الحيوانات والطيور وكل ما يدب على الأرض، والجن. فما هى صلة الإنسان بهذه الأرواح؟ . ١ - الملائكة عالم شفاف مخلوق من نور، يعطيهم الله القدرة على التشكل بالأشكال المختلفة، ولئن كان الله سخَّرهم لصالح البشر فى مهمات وكلها إليهم كتبليغ الوحى وتسجيل ما يقع من الناس من أقوال وأفعال، ومعونة المؤمنين فى الحرب وغيرها، فإن كل أنشطتهم بأمر الله وتوجيهه، لا سلطان لأحد غيره عليهم، ولا يستطيع إنسان أن يتسلط عليهم ولا أن يستعين بهم مباشرة، إلا بأمر الله سبحانه، ولما فتر الوحى عن النبى ﷺ كان يشتاق لنزول جبريل عليه، فلم ينزل إلا عندما أذن الله له. فقد روى البخارى أنه ﵊ قال لجبريل: " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا "؟ فنزلت ﴿وما تتنزل إلا بأمر ربك﴾ مريم: ٦٤، ومن هنا لا يمكن لبشر أن يحضر ملكا أو يحضر روحه. ٢ - الإنسان عندما تفارق روحه جسده لا يعرف بالضبط مكانها إلا الله سبحانه، وإن جاءت الأخبار بأن لها صلة بالميت بقدر ما يسمع ويجيب على سؤال الملكين، ويحس بالنعيم والعذاب ويرد السلام على من سلم عليه، أو بقدر أكبر من ذلك كما قيل عن الأنبياء فى قبورهم، وكما قيل عن الشهداء فى قوله تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ آل عمران: ١٦٩، فقد روى مسلم وغيره أن النبى ﷺ سئل عن ذلك فقال: "أرواحهم فى جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أى شىء نشتهى ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ فعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا". وستظل الأرواح محبوسة عند الله لا ترد إلى الأجساد إلا عند البعث من القبور للحساب. قال تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلى أعمل صالحا فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ المؤمنون: ٩٩،١٠٠، ولا يمكن لبشر أن يتسلط على روح الميت ويحضرها ويتحدث إليها لتخبره بما هى فيه من نعيم أو عذاب، أو بأحداث فى الكون غائبة عنه، وقد يحدث الاتصال بها-دون تسلط عليها-فى الرؤى والأحلام، ويقول المهتمون بتعبير الرؤيا: إن أحوال الميت وما يقوله ويخبر به حق، لأنه انتقل من دار الباطل إلى دار الحق. وقد سبق بيان قول الرسول ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم " من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة- أو كأنما رآنى فى اليقظة- لا يتمثل الشيطان بى " لكن هذه الرؤى ليست باختيار الإنسان، وليس فيها تسلط على الأرواح. ٣ - الجن عالم شفاف خلق من نار، يعطيهم الله القدرة على التشكل بالأشكال المختلفة، وكما لا ترى الملائكة فى حالتها النورانية، إلا بإعجاز من الله تعالى كما قيل فى رؤية النبى ﷺ لجبريل فى الغار وليلة المعراج، لا يرى الجن فى حالتهم الشفافة، كما قال تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ الأعراف: ٢٧، ولهم عالمهم الخاص من الأكل والشرب والتزاوج، وسائر الأنشطة التى تنظم حياتهم ومنهم الصالحون وغير الصالحين، كما قال سبحانه: ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا﴾ الجن: ١١،. وقد التقى النبى ﷺ ببعضهم واستمعوا القرآن وآمنوا، كما جاء فى الأحقاف (الآية: ٢٩ وما بعدها) . وتسلط الإنس على الجن لم يكن لأحد إلا لسيدنا سليمان ﵇ بأمر ربه، حيث سخَر الله له الريح والشياطين كما فى قوله تعالى: ﴿قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى،إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين فى الأصفاد﴾ ص: ٣٥-٣٨، وقد روى البخارى ومسلم،أن عفريتا من الجن تفلت عن الرسول ﷺ يريد أن يقطع عليه صلاته، فأمسك به وخنقه، وأراد أن يربطه فى سارية من سوارى المسجد، لكنه تذكر دعوة أخيه سليمان، فأطلقه. وجاء فى رواية مسلم قوله: "والله لولا دعوة أخى سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة " وفى رواية النسائى بإسناد جيد أنه خنقه حتى وجد برد لسانه على يده. ومن هنا لا يمكن لبشر أن يتسلط على الجن بتحضيره وقهره على عمل معين، لكن الجن يتسلطون على الأنس ويقهرونهم على سلوك معين، إلا من أعطاه الله القوة فنجاه منهم، قال تعالى على لسان إبليس: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ ص: ٨٢، ٨٣،. كما أن المتمردين منهم يمكنهم بغير الوسوسة والإغواء أن يضروا الإنس بأى نوع من الضرر، حيث لا دليل يمنع من ذلك. وقد صح أن كل واحد من بنى آدم له قرين يلازمه من يوم ميلاده إلى أن يموت، روى مسلم أن النبى ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه " ثم قال أبو هريرة راوى الحديث: اقرءوا إن شئتم ﴿وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ آل عمران: ٣٦،. ويتسلط هذا القرين على صاحبه يحاول إفساد حياته عليه، إلا العباد المخلصين كما التزم وهو أمام الله بقضاء منه سبحانه ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ الحجر: ٤٢،. يقول النبى ﷺ فيما رواه مسلم " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن " قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: " وإياى، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم، فلا يأمرنى إلا بخير " أى فأسلم القرين، أو فأسلم أنا من القرين لأن الله أعاننى عليه. غير أن الإنسان إذا لم يستطع التسلط على الجن إلا بإذن الله، فليس ذلك بمانع أن يتصل به ويتعاون معه ليحقق له بعض الأغراض وهذا الاتصال يتم بعدة أساليب، ووقع ذلك لبعض الناس فى القديم والحديث، وعرف منهم الكهان والعرافون والسحرة. وكان من هذا الاتصال ما يسمى الآن بتحضير الأرواح. وهذا التحضير كما سبق ذكره لا يكون لأرواح الملائكة ولا الآدميين بعد موتهم، وإنما هو لهذه الأرواح المعروفة بالجن. والقرين من الجن له قدرة على تقليد صاحبه فى صوته وقد يتشكل بشكله، وهو على دراية واسعة بحاله الظاهرة، وقد يكون بحاله الباطنة أيضا مما تدل عليه الظواهر، وللقرناء صلة ببعضهم يعرفون عن طريقها الأخبار التى تحدث للناس، فيمكن لقرين سعد مثلا أن يعرف أحوال سعيد عن طريق سؤال قرينه، ومن هنا يمكن لقرين سعد أن يخبر سعدا بحال سعيد، إما بصوت يسمعه ولا يرى صاحبه، وهو ما يعرف باسم الهاتف، وإما بطريق آخر من طرق الأخبار، وقد يكون هذا القرين مساعدا لصاحبه فى بعض الأعمال فتسهل عليه، وقد يكون على العكس مشاكسا فيضع العراقيل فى طريقه فيحس بالضيق والألم وقد يحصل غير ذلك فإن عالم الجن عالم غريب يخفى علينا الكثير من أحواله. وكل هذه التصرفات فى دائرة الإمكان. فإذا قام إنسان -على مواصفات معينة وبطرق مختلفة-بتحضير روح إنسان فهو يحضر روح قرينه، الذى يستطيع أن يقلد صوته ويخبر عن كثير من أحواله، وعن أمور غائبة عرفها القرناء وتبادلوا أخبارها، فيحسب الإنسان أن الروح التى تتكلم هى روح آدمى، وهى روح قرينه، التى لا تستطيع أبدا أن تخبر عن المستقبل فمجالها هو الحاضر الذى يخفى على بعض الناس. ذلك أن الجن لا يعلمون الغيب أبدا، قال تعالى: ﴿قل لا يعلم من فى السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ النمل: ٦٥، وقال عن جن سليمان بعد موته ﴿فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين﴾ سبأ: ١٤، وقد يكذب القرناء فى أخبارهم، فيقول قرين الكافر مثلا إنه فى نعيم، وهو بنص القرآن فى عذاب أليم، والروح الحقيقية لأى إنسان لا تكذب بعد الموت، فهو فى دار الحق التى لا كذب فيها، ولم يحدث أن ادعى من يزاولون تحضير الأرواح أنهم أحضروا روح نبى من الأنبياء، وذلك لأن الشياطين لا تتمثل بهم ولا تستطيع تقليد أصواتهم، كما يحدث من القرناء مع بقية البشر. فالخلاصة أن تحضير الأرواح هو تحضير لأرواح الجن وليس لأرواح الملائكة أو البشر، ولا يجوز الاعتماد على ما تخبر به هذه الأرواح، فقد تكون صادقة وقد تكون كاذبة فيما تقول. وتحضير أرواح الجن أمر ممكن غير مستحيل، لعدم ورود ما يمنعه، ولحدوثه واقعا والذى لا يمكن ويسمى خرافة هو تحضير أرواح الملائكة وأرواح بنى آدم. ومن الواجب ألا يستغل إمكان تحضير الجن استغلالا سيئا، كما يفعل الدجالون والمشعوذون، كما أن من الواجب ألا يخرج بنا الحماس فى مقاومة الدجل والشعوذة إلى حد الإنكار لوجود الجن، فهم موجودون ومكلفون مثل البشر، وهم يستطيعون الإضرار بالناس بإذن الله، كما يضر الناس بعضهم بعضا، وليس هذا الإضرار قاصرا فقط على الوسوسة والإغواء، بل منه ما يكون فى الماديات التى تتعلق بالإنسان فى مأكله ومشربه وملبسه، بل وفى جسمه، فليس هناك دليل على منعه، والأمر بالتسمية لطرد الشيطان معروف. والواجب أن نتحصن بقوة الإيمان والثقة بالله، والإقبال على طاعته والبعد عن معصيته ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وأن نزن أمورنا بميزان العقل الذى كرمنا الله به، وأن نحكمه فيما لم يرد فيه نص من كتاب أو سنة، وما استعصى علينا فهمه ينبغى ألا نبادر بإنكاره، بل علينا التريث والتدبر حتى تتضح الأمور وتظهر الأدلة القاطعة على صدقه أو كذبه

стр. 4649

الإضراب عن الطعام المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فيمن يضرب عن الطعام إذا وقع عليه ظلم وكيف يكون التصرف معه؟ الجواب ليس فى الدين شىء اسمه الإضراب عن الطعام أو الشراب لتحقيق غرض من الأغراض، فهو وسيلة سلبية يجب ألا يأخذ بها أحد، والوسائل المشروعة كثيرة. ومن سلك هنا المسلك فقد أضر نفسه بالجوع والعطش فى غير طاعة، والحديث معروف (لا ضرر ولا ضرار" وفى الوقت نفسه عرَّض نفسه للموت والله يقول ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ البقرة: ١٩٥،. ومن مات بهذا الإضراب يكون منتحرا، والانتحار من كبائر الذنوب، فإن استحله كان كافرا، لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين

стр. 4650

حبس الطيور والأسماك للزينة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز حبس الطيور فى أقفاص للتمتع بمنظرها أو صوتها؟ الجواب بعض الطيور فيها جمال فى أصل الخلقة أو فى الألوان أو فى الأصوات أو فى غيرها، والجمال محبب إلى كل نفس سوية، وهو من نعم الله التى يجب أن تشكر، كما قال تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف: ٢٢، وقال ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ النحل: ٨. وإذا كانت الزينة التى خلقها الله وأخرجها لعباده فى الحيوانات والنباتات وغيرها مباحة وغير محرمة، فكذلك التزين - وهو فعل الزينة - ليس ممنوعا فى كل الأحوال، وإذا كان ممنوعا عند التكبر والخيلاء أو الإسراف فهو غير ممنوع إن خلا من هذه الأشياء جاء فى تفسير القرطبى "ج ٧ ص ٩٧ " ليس كل ما تهواه النفس يذم وليس كل ما يتزين به الناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو كان على وجه الرياء فى باب الدين، فإن الإنسان يُحِب أن يُرىَ جميلا. وذلك حظ للنفس لا يلام فيه، ولهذا يسرح شعره، وينظر فى المرآة، ويسوى عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس فى شىء من هذا ما يحرم أو يذم. وقد روى مكحول عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفى الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر فى الماء ويسوى لحيته وشعره، فقلت: يا رسول الله وأنت تفعل هذا؟ قال " نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال ". وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال " لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر " فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ". بعد هذه المقدمة فى الزينة وأن الأصل فيها الحل، وفى أهمية الجمال فى حيلة الناس، وموقف الإسلام الرائع فى تشريعه العادل الذى لا يهمل الفطرة الإنسانية إهمالا تاما ولكن يوجهها ويهذبها - بعد هذه المقدمة أقول: إن صنع الزينة واستعمالها والاتجار فيها لا بأس به فى حد ذاته، ومن الزينة بعض الطيور والأسماك، فيجوز اقتناؤها وبيعها ما دام ذلك فى حدود الشرع وبشروط، ومن هذه الشروط: ١ - ألا يقصد بها التفاخر والخيلاء، كما هو دأب المترفين، والأعمال بالنيات. ٢ - ألا يلهى التمتع بها أو الانشغال برعايتها واستثمارها عن واجب من الواجبات. ٣ - ألا يهمل فى رعايتها بالتقصير فى تغذيتها مثلا، فالحديث معروف فى تعذيب الله للمرأة التى حبست القطة دون أن تطعمها أو تسقيها. هذا، وقد ورد فى الصحيحين عن أنس رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، وكان لى أخ لأمى فطيم يقال له عمير، فكان رسول الله @ إذا جاءنا قال "يا أبا عمير ما فعل النُّغَير "؟ وعمير تصغير عمر أو عمرو. والفطيم بمعنى المفطوم، والنغير تصغير نُغَر وهو طير كالعصافير حمر المناقير، وأهل المدينة يسمونه البلبل. قال الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى ": فى الحديث دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير. وقال العلامة أبو العباس القرطبى: لكن الذى أجازه العلماء هو أن يمسك له وأن يلهو بحبسه، وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز، لأن النبى ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكله. وقال غيره: معنى قوله. يلعب به، يتلهى بحبسه وإمساكه، وفيه دليل على جواز حبس الطير فى القفص والتلهى به لهذا الغرض وغيره. ومنع ابن عقيل الحنبلى من ذلك، وجعله سفها وتعذيبا، لقول أبى الدرداء رضى الله عنه: تجئ العصافير - يوم القيامة تتعلق بالعبد الذىَ كان يحبسها فى القفص عن طلب أرزاقها وتقول: يا رب هذا عذبنى فى الدنيا. والجواب أن هذا فيمن منعها المأكول والمشروب، وقد سئل القفال عن ذلك فقال -: إذا كفاها المؤونة جاز، بل فى الحديث دليل على جواز قنصها - صيدها - للعب الصبيان بها، وكان بعض الصحابة يكره ذلك، ورأيت لأبى العباس أحمد بن القاص مصنفا حسنا على هذا ويؤخذ مما ذكره الدميرى أن حبس الطيور للزينة وغيرها جائز ما دام يكفيها مؤونتها، وما دام لا يعذبها، ومن كره ذلك من بعض العلماء محله عند التقصير والإيذاء، والكراهة على كل حال لا تعنى الحرمة، فالحرام معصية يعاقب عليها، والمكروه ليس معصية ولا يعاقب عليه. وحكم الطير يسرى على الأسماك المتخذة للزينة فى أحواض ضيقة ليست فى سعة الأنهار، والبحار، وكذلك على الحيوانات فى الحدائق المعدة لها، وقد حبست فى أقفاص أو أبنية ليست فى سعة الصحراء والغابات التى كانت تعيش فيها من قبل

стр. 4651

اقتناء الكلاب والاتجار فيها المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم تربية الكلاب والاتجار فيها؟ الجواب أولا: حكم اقتناء الكلاب: روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل " وروى مسلم أن النبى ﷺ قال " من اقتنى كلبا، إلا كلب ماشية أو ضارٍ نقص من عمله كل يوم قيراطان " وفى رواية " إلا كلب صيد أو ماشية " وفى رواية إلا كلب ضارية أو ماشية " وفى رواية "إلا كلب ماشية أو كلب صيد " وفى رواية " إلا كلب زرع أو غنم أو صيد "٠ وجاء فى بعض الروايات "نقص من عمله كل يوم قيراط ". وروى أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ قال " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب ". يؤخذ من هذا حرمة اقتناء الكلاب التى لا فائدة فيها، كما نصت الأحاديث على استثناء ما فيه فائدة، وهى كلاب الصيد، وكلاب حراسة الزرع، وكلاب حراسة الماشية، وقد يقاس عليها الكلاب البوليسية لأن لها منفعة، قال النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ١٠ ص ٢٣٦ ": وأما اقتناء الكلاب فمذهبنا-الشافعية- أنه يحرم اقتناء الكلب بغير حاجة. ويجوز اقتناؤه للصيد وللزرع وللماشية، وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان أحدهما لا يجوز لظواهر الأحاديث فإنها مصرحة بالنهى إلا لزرع أو صيد أو ماشية، وأصحهما يجوز، قياسا على الثلاثة، عملا بالعلة المفهومة من الأحاديث وهى الحاجة، وهل يجوز اقتناء الجرو وتربيته للصيد أو الزرع أو الماشية؟ فيه وجهان لأصحابنا - الشافعية - أصحهما جوازه. والكلب الضارى هو المعلَّم الصيد المعتاد له، ويترتب على حرمتها عدم دخول ملائكة الرحمة للبيت الذى هى فيه أما الحفظة فلا يفارقون الإنسان بأى حال من الأحوال ونقصان الثواب الذى يستحقه المرء على عمله فى كل يوم بمقدار اختلفت فيه الروايات ما بين قيراط وقيراطين، والقيراط قدر معلوم عند الله تعالى، وقيل عن نقص القيراط أو القيراطين أن ذلك فى نوع يكون أذاه أشد من النوع الآخر، فيزيد نقص الثواب، وقيل نقص القيراطين لكلاب المدن والقرى، ونقص القيراط لكلاب البوادى، وقيل كان النقص قيراطا فأراد النبى التغليظ فأخبر أنه قيراطان، والمهم أن ثواب العمل ينقص سواء مما مضى أو مما يستقبل وذكر العلماء أن سبب نقصان الأجر هو امتناع الملائكة من دخول البيت بسبب الكلب لأن رائحته كريهة والملائكة تكره للرائحة الخبيثة، ولأن بعض الكلاب يسمى شيطانا كما جاء فى الحديث، والملائكة ضِدَّ الشياطين، وقيل لما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم، وقيل عقوبة لاتخاذ ما نهى عن اتخاذه وعصيانه فى ذلك، وقيل لما يبتلى به من ولوغه فى غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب " انظر: الإسلام ومشاكل الحياة ص ٢٥٨ ". ثانيا: الاتجار فيها: روى مسلم عن أبى مسعود الأنصارى أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن، وفى رواية عن رافع بن خَدِيج أنه سمع النبى ﷺ يقول " شر الكسب مهر البغى وثمن الكلب وكسب الحجام " وفى رواية " ثمن الكلب خبيث ومهر البغى خبيث، وكسب الحجام خبيث ". ومهر البغى هو ما تأخذه فى مقابل الزنا بها، وسمى مهرا لكونه على صورته، وهو حرام بالإجماع، وحُلْوان الكاهن ما يعطاه على كهانته،وسمى بذلك لأنه سهل من غير كلفة فله حلاوة معنوية، وهو حرام بالإجماع لأنه عوض عن محرم وأكلٌ لأموال الناس بالباطل. يقول الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى " ج ٢ ص ٢٦١: لا يصح بيع الكلاب عندنا - أى الشافعية - خلاَفا لمالك فإنه، أباح بيعها حتى قال سُحْنُون: ويحج بثمنها، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع غير العقور. ويقول النووى " شرح صحيح مسلم ج ١٠ ص ٢٣٢ " وأما النهى عن ثمن الكلب وكونه من شر الكسب وكونه خبيثا فيدل على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا. وبهذا قال جماهير العلماء ومنهم الشافعى وأحمد، وقال أبو حنيفة يصح بيع الكلاب التى فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها. وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعى جواز بيع كلب الصيد دون غيره. وعن مالك روايات إحداها لا يجوز بيعه ولكن تجب القيمة على متلفه ودليل الجمهور هذه الأحاديث. وأما الأحاديث الواردة فى النهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد وفى رواية إلا كلبا ضاريا، وأن عثمان غَرَّم إنسانا ثمن كلب قتله عشرين بعيرا، وعن ابن عمرو بن العاص التغريم فى إتلافه فكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث. وجاء فى كتاب " نيل الأوطار للشوكانى "ج ٥ ص ١٥٣ تعليقا على حديث الصحيحين أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب: فيه دليل على تحريم بيع الكلب، وظاهره عدم الفرق بين المعلَّم وغيره، سواء كان مما يجوز أو مما لا يجوز، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: يجوز، وقال عطاء والنخعى: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. ويدل عليه ما أخرجه النسائى من حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. وفى هذا الحديث مقال. يؤخذ من كل ما سبق أن الاتجار فى الكلاب جائز عند الإمام مالك فى رواية كما قال سحنون. وكذلك عند أبى حنيفة فيما لا يضر، وغير جائز عند الشافعى مطلقا. هذا، وحكم قتل الكلاب الضالة سيأتى بعد عند الكلام على قتل الحيوانات والطيور الضارة

стр. 4652

السحر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى السحر؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله فى الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ البقرة: ١٠٢. مادة السحر التى وردت فى القرآن الكريم ستين مره تعطى فيما تعطى من المعانى: الغرابة والخروج على المألوف بما يجذب الانتباه ويثير العجب، ومنه القول المأثور: إن من البيان لسحرا، وله أنواع وأساليب ذكرها الفخر الرازى فى تفسيره. وقد أشار القرآن الكريم إلى اشتهار المصريين القدماء به، وذكر موقفهم من دعوة موسى ﵇، ومعجزة العصا التى انقلبت حية وابتلعت حبال السحرة وعصيهم التى يخيل لمن يراها أنها تسعى، كما مارسته بابل القديمة حتى ضرب به المثل فى كل جميل غريب فيقال: " سحر بابلى ". وعرفه العرب قبل الإسلام، وما يزال معروفا إلى الآن. وتفيد الآية الكريمة المذكورة عدة أمور: (أ) أن السحر حقيقة تاريخية موجودة، بصرف النظر عن كونه تخييلا يجعل الإنسان ينظر إلى الشىء على غير حقيقته، أو كونه يقلب الشىء عن حقيقته ويحوله إلى حقيقة أخرى، والذى يجب الإيمان به أن ما كان من انقلاَب عصا موسى إلى حية ليس سحرا، وإنما هو معجزة من صنع الله تعالى، خرق بها العادة، وحول حقيقة العصا الجامدة الميتة إلى حية متحركة بقدرته سبحانه، سم أعادها بقدرته أيضا إلى حقيقتها الأولى. وجاء تعبير القرآن الكريم عما فعله السحرة بقوله ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾ الأعراف: ١١٦، وقوله تعالى ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ سورة طه: ٦٦. (ب) أن للسحر تأثيرا بالنفع والضر ﴿يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ . (ج) أن تأثيره لا يكون إلا بإذن الله " ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ . (د) أن السحر كفر ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر، ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ فما هو متعلق الكفر فيه، هل هو تعليمه وتعلمه، أو هو العمل به، أو هو اعتقاد أنه يؤثر بنفسه دون تدخل إرادة الله؟ . حول هذه الأسئلة الثلاثة ثار اجدل واحتدم النقاش وتعددت الآراء وذلك مبسوط فى كتب التفسير، وعلى الأخص تفسير الفخر الرازى، وفى كتاب الزواجر لابن حجر الهيتمى من علماء القرن العاشر الهجرى. ومن بين هذه الآراء يمكن اختيار ما يأتى: ١ - أن اعتقاد تأثيره بعيدا عن إرادة الله تعالى كفر، وذلك محل اتفاق. ٢ - أن ممارسته من أجل الإضرار بالناس حرام، حتى مع اعتقاد أنه يؤثر بإذن الله، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار. ٣- أن ممارسته لتحقيق مصلحة مع اعتقاد أنه يؤثر بإذن الله لا حرمة فيها. قال القرطبى: هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور؟ قال البخارى: عن سعيد بن المسيب رضى الله عنه يجوز وإليه مال المارزى، وكرهه الحسن البصرى. وقال الشعبى: لا بأس بالنشرة، وفسرت بالرقية لعلاج المسحور (الزواجر لابن حجر: ج ٢ ص ١٠٤) . ٤ - أن تعلمه أو تعليمه يرجع فيه إلى المقصود منه، فإن كان خيرا كمعرفة الفرق بينه وبين المعجزة -كما جاء فى أمثلة العلماء-أو استعماله للمصلحة فلا حرمة فيه، كنوع من الثقافة التى عبر عنها بعض الحكماء بقوله: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. وإن كان المقصود من ذلك شرا فهو حرام، فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. وبهذا يفهم حديث البخارى ومسلم الذى جعل السحر من السبع الموبقات، أى كبائر الذنوب، والوسائل التى تستخدم فى السحر يعرفها الممارسون له والخبراء به - فقد تكون بالاستعانة بالجن، وقد تكون بمعرفة خواص بعض الكائنات، وقد تكون بالإيحاء والاستهواء، وبغير ذلك، فالوسائل إما من ذات الساحر، وإما من غيره، وهذا الغير إما كائن حى أو غير حى، وقد ذكر الفخر الرازى منها ثمانية أنواع جاء فيها أنه قد يكون من أصحاب النفوس القوية بالتسلط على أصحاب النفوس الضعيفة، وقد يكون بالاستعانة بالجن والعزائم والبخور، وقد يكون بما يقال عنه الآن خفة اليد، يلهى العين بعمل شىء ليعمل غيره، وقد يكون بالفن والصنعة التى تخلب الألباب - ومنه حيل التصوير السينمائى -، وقد يكون باستعمال أدوية لها خواص معينة كالتى يدهنون بها أجسادهم فلا تحرقهم النار. هذا، وقد تحدث العلماء عن الحديث الذى ورد فى البخارى ومسلم أن رجلا من بنى زريق حليف لليهود اسمه لبيد بن الأعصم سحر النبى @ فأثبته جماعة، وقالوا: ذلك جائز، فهو مرض من الأمراض التى تصيب الإنسان، وهو لم يؤثر عليه من ناحية تبليغ الرسالة والتزام أحكامها، وأولوا قوله تعالى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ المائدة: ٦٧، بعصمة القلب والإيمان دون الجسد، فقد شج وجهه وكسرت رباعيته وآذاه جماعة من قريش. والجصاص من أئمة الحنفية قد نفى أن يكون النبي ﷺ قد سحر، على الرغم من صحة الحديث، وذلك استنادا إلى الآية، ولعدم فتح الباب للطعن فيما بلغه من الرسالة.- وقد وضح ابن القيم ذلك فى كتابه: " زاد المعاد " كما وضحه النووى فى شرح صحيح مسلم بما يثبت العصمة للنبى ﷺ فى أمور التبليغ، ويجيز تأثره بما يتأثر به الناس من الأمراض التى لا تخل بهذه العصمة. وخلاصة ما فى زاد المعاد (ج ٣ ص ١٠٤) : قد أنكر هذا طائفة من الناص وقالوا لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه ﷺ من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتى نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر، قال القاضى عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل يجوز عليه ﷺ كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح فى نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشىء ولم يفعله فليس فى هذا ما يدخل عليه داخلة فى شىء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هنا فيما يجوز طروؤه عليه فى أمر دنياه التى لم يبعث لسببها ولا فصل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلى عنه كما كان انتهى. هذا، وقد تأثر موسى ﵇ بما فعله السحرة، فقال تعالى ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. فأوجس فى نفسه خيفة موسى﴾ وليس ذلك قادحا فى رسالته ﵇. ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى: ١ - تفسير الفخر الرازى وابن كثير والقرطبى فى سورة البقرة والمعوذتين. ٢- زاد المعاد لابن القيم. ٣- مفتاح دار السعادة لابن القيم. ٤- حياة الحيوان الكبرى للدميرى " مادة كلب "

стр. 4653

الرشوة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما هو التحديد الشرعى للرشوة وما حكمها؟ الجواب الرشوة فعلها رشا يرشو، وهى إما مصدر وإما اسم للشىء الذى يرشى به، ويقال أيضا أرشاه يرشيه أى قدم له الرشوة، فالفعل إما ثلاثى وإما رباعى " مختار الصحاح ". ١ - قال ابن الأثير فى " النهاية " الرشوة ما يتوصل به إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرِّشَا الذى يتوصل به إلى الماء، فالراشى من يعطى الذى يعينه على الباطل، والمرتشى هو الآخذ، والرائش هو الذى يسعى بينهما، يستزيد لهذا ويستنقص لهذا، فأما ما يُعْطَى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه، يروى أن ابن مسعود أخذ بأرض الحبشة فى شىء، فأعْطَى دينارين حتى خلى سبيله، وروى عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. جاء فى تاج العروس وحاشية الطحطاوى على الدر "ج ٣ ص ١٧٧ " أن الرشوة فى الإصطلاح ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل. وأرى أنها تطلق فى العرف الجارى على ما يدفع لنيل ما يصعب الحصول عليه، وذلك إما لأنه ممنوع شرعا أو قانونا، وإما لأنه غير ممنوع ولكن يحتاج إلى جهد للحصول عليه، فالأول كالقضاء له بشىء لا يستحقه، أو بظلم أحد لا يستحق الظلم، والثانى كحصوله على حقه ويحتاج إلى دفع شىء للتعجيل به وعدم التسويف فيه أو محاولة منعه، وكدفع ظلم عنه لا يمكن إلا بما يقدم لمن يستطيع دفع هذا الظلم. ٢ - والرشوة فى النوع الأول حرام لأن الممنوع شرعا أو عقلا حرام، وكل ما يوصل إلى الحرام فهو حرام، سواء كان ذلك بين الأفراد بعضهم مع بعض، أم بين الأفراد ومن بيدهم سلطان قضائى أو تنفيذى، وذلك من أجل أن ينال هذا الشىء الحرام من الأول بالحكم ومن الثانى بالتنفيذ، قال تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ البقرة: ٥٨، وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ النساء: ٢٩. وورد فى السنة عن عبد اللَّه بن عمرو قال: لعن رسول اللَّه ﷺ الراشى والمرتشى. رواه أبو داود والترمذى، وقال: حسن صحيح. وعن أبى هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ الراشى والمرتشى والرائش، يعنى الذى يسعى بينهما، رواه الترمذى وحسَّنه، وابن حبان فى صحيحه والحاكم، وجاء فى بعض الروايات: والمرتشى فى الحكم وفيه حديث ابن اللتبية الذى كان يعمل لرسول اللَّه ﷺ على الصدقات ورجع بالصدقات وبهدايا، فغضب الرسول وقال " هلا قعد فى بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته "؟ ونص الحديث: عن أبى حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدى قال: استعمل النبى ﷺ رجلا من الأزد يقال له " ابن اللتبية " على الصدقة، فلما قدم قال هذا لكم وهذا اهدى إلى، فقام رسول اللَّه ﷺ على المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال " أما بعد، فإنى أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولانى اللَّه فيأتى ويقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلى، أفلا جلس فى بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، واللَّه لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقى الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن واحدا منكم لقى اللَّه يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر " ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه فقال " اللهم هل بلَّغت " رواه البخارى ومسلم. ٣- بعد هذا أنقل شيئا مما قاله العلماء فى موضوع الرشوة: (أ) جاء فى كتاب " الآداب الشرعية والمنح المرعية " لشمس الدين أبى عبد اللَّه محمد بن مفلح المقدسى الحنبلى المتوفى بتاريخ ٢ من رجب سنة ٧٦٢ هـ عن الهدية ما ملخصه: حرم ابن تيمية الهدية فى كل شفاعة فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرم، وفى شفاعة عند ولى أمر ليوليه ولاية أو يستخدمه فى المقاتلة وهو مستحق لذلك. أو ليعطيه من الموقوف على الفقراء أو القراء أو الفقهاء أو غيرهم وهو من أهل الاستحقاق، وهذا هو المنقول عن السلف والأئمة الكبار، وقد رخص بعض الفقهاء المتأخرين فى ذلك، وجعل هذا من باب الجعالة، يعنى الشافعية. قال: وهو مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة وهو غلط، لأن مثل هذا من المصالح العامة التى يكون القيام بها فرض عين أو كفاية، فيلزم من اخذ الجعل فيه ترك الحق، والمنفعة ليست للباذل بل للناس، وطلب الولاية منهى عنه فكيف بالعوض فهذا من بلب الفساد. انتهى كلامه. والخبر الذى احتج به هو: روى أبو داود فى سننه " باب الهدية للحاجة " ثم روى عن أبى أمامة مرفوعا للنبى ﷺ " من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا " ضعفه بعضهم [جاء فى بلوغ المرام " ص ١٧٧ " أن ابن حجر قال: فى إسناده مقال، يعنى حديث ضعيف] لكن نص أحمد رضى الله عنه. على أنه لو قال: اقترض لى مائة ولك عشرة أنه يصح، قال أصحابنا: لأنه جعالة على فعل مباح، وقالوا: يجوز للإمام أن يبذل جعلا لمن يدل على ما فيه مصلحة للمسلمين، وأن المجعول له لا يستحق الجعل، مسلما كان أو كافرا، وقاسو على أجرة الدليل [أى دليل النبى ﷺ " فى الهجرة، وكان كافرا] . (ب) والإمام الغزالى فى كتابه إحياء علوم الدين "ج ٢ ص ١٣٦ طبعة عثمان خليفة " فصَّل الموضوع تفصيلا لا مزيد عليه فى الفرق بين الرشوة والهدية، وسأحاول تلخيص ما قال فيما يأتى: باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض، ولكن الغرض إما اَجل كالثواب وإما عاجل، والعاجل إما مال وإما فعل وإعانة على مقصود معين، وإما تقرب إلى قلب المهدى إليه بطلب محبته، إما للمحبه فى عينها وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها، فالأقسام خمسة: الأول: ما غرضه الثواب فى الآخرة، كأن يهدى لمحتاج أو عالم، أو ذى نسب دينى أو صالح متدين، فلا بأس، وعلى هؤلاء ألا يأخذوا ذلك إلا إذا كان بهذه الصفة التى من أجلها أهدى الناس إليهم. الثانى: ما يقصد به فى العاجل غرض معين، كالفقير الذى يهدى إلى الغنى طمعا فى غناه، فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفى حكمها، وإنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه. الثالث: أن يكون المراد إعانة بفعل معين. كالمحتاج إلى السلطان يهدى إلى وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده، فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة الحال فينظر لهذا العمل الذى هو الثواب، فان كان حراما، بأخذ ما لا يستحق أو بظلم غيره حرم الأخذ، وإن كان العمل الذى هو الثواب واجبا، كدفع ظلم متعين على من يقدر عليه أو بشهادة متعينة فيحرم عليه ما يأخذه، وهى الرشوة التى لا يشك فى تحريمها، وإن كان مباحا لا واجبا ولا حراما وكان فيه تعب بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه فما يأخذه حلال إن وفى بالغرض، وهو كالجعالة، مثل اقترح على فلان أن يعيننى فى غرض كذا أو ينعم على بكذا، وكان ذلك يحتاج إلى كلام وجهد فهذه جعالة، كما يأخذ الوكيل بالخصومة " المحامى " بين يدى للقاضى، فليس بحرام إذا كان لا يسعى فى حرام، أما إن كان مقصوده يحصل بكلمة لا تعب فيها، ولكن تلك الكلمة أو كانت تلك الفعلة من ذى جاه تفيد، كقوله للبواب: لا تغلق دونه باب السلطان، وكوضعه قصته بين يدى السلطان فقط فهذا حرام، لأنه عوض عن الجاه ولم يثبت فى الشرع جواز ذلك، بل ثبت ما يدل على النهى عنه، كما سيأتى فى هدايا الملوك، ومثل ذلك أخذ الطبيب العوض على كلمة واحدة ينبه بها على دواء ينفرد بمعرفته، فلا يذكره إلا بعوض، فإن عمله وهو التلفظ غير متقوم، كحبة من سمسم، فلا يجوز أخذ العوض عليه ولا على علمه، إذ ليس ينتقل علمه إلى غيره، وإنما يحصل لغيره مثل علمه ويبقى هو عالما به، وهذا غير الحاذق فى الصناعة، كالذى يصقل السيف أو المرآة بدقة واحدة لحسن معرفته بموضع الخلل ولحذقه بإصابته، فقد يزيد بدقة واحدة مال كثير فى قيمة السيف والمرآة، فهذا لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه، لأن مثل هذه الصناعات يتعب الرجل فى تعلمها ليكتسب بها، ويخفف عن نفسه كثرة العمل (فى رأيى لا فرق بين الصانع والطبيب، لأن الطبيب بذل جهدا فى تعلم الطب ليكتسب به أيضا كالصانع، ولولا دلالته على الدواء لكان أخطر) . الرابع: ما يقصد به المحبة وجَلبها من قبل المهدى إليه لا لغرض معين، بل لتأكيد الصحبة وتودد القلوب، فهذا مندوب إليه عقلا وشرعا، لحديث " تهادوا تحابوا " رواه البخارى فى الأدب المفرد، والبيهقى، قال الحافظ: إسناده حسن وضعفه ابن عدى كما قاله العراقى وحتى لو كانت المحبة لا تطلب لذات المحبة بل لما وراءها فان ما وراءها غير معلوم، فتسمى هدية ويحل أخذها. الخامس: أن يطلب التقرب إلى قلبه ليتوصل بجاهه إلى أغراض لولا جاهه ما أهداه شيئا، فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب فالأمر فيه أخف، وأخذه مكروه، فإن فيه مشابهة الرشوة ولكنها هدية فى ظاهرها فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية فهذه رشوة فى شكل هدية، ولولا سلطانه ما أهدى إليه، بدليل أنه لو عزل من سلطانه دفعت الهدية إلى من يخلفه، وهذا متفق على كراهته الشديدة. لكن اختلفوا فى كونه حراما والمعنى فيه متعارضا، لأنه دائر بين الهدية المحضة والرشوة المبذولة لغرض، وإذا تعارضت المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحدهما تعين الميل إليه، وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر فى ذلك، لحديث " يأتى على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية والقتل بالموعظة، يقتل البرئ لتوعظ به العامة" [قال العراقى: لم أقف له على أصل] وأورد حوادث منها: أن مسروق بن الأجدع [من التابعين] شفع شفاعة فأهدى له المشفوع له جارية، فغضب وردها، وسئل طاووس [من التابعين] عن هدايا السلطان فقال: سحت، وأخذ عمر ربح مال القراض الذى أخذه ولداه من بيت المال وقال: إنما أعطيتما لمكانكما منى. وأهدت امرأة أبى عبيدة ابن الجراح إلي " ماتون " ملكة الروم خَلُوقًا - طيبا - فكافأتها بجوهر، فأخذه عمر فباعه وأعطاها ثمن الخلوق ورد باقيه لبيت المال ولما رد عمر بن عبد العزيز هدية قيل له: كان رسول اللَّه ﷺ يقبل الهدية، فقال: كان ذلك له هدية ولنا رشوة " تاريخ السيوطى ص ١٥٧ " أى كان يتقرب به إليه لنبوته لا لولايته، ثم ذكر الغزالى حديث ابن اللتبية الذى سبق ذكره. انتهى ملخصا. (ج) ومما يؤثر فى هذا الموضوع أن محمد بن مسلمة عندما أرسله عمر بن الخطاب ليشاطر عمرو بن العاص ماله امتنع عن الأكل عنده وعده رشوة " العقد الفريد لابن عبد ربه ج ١ ص ١٤ ". (د) وبعث النبى ﷺ عبد اللَّه بن رواحة إلى أهل خيبر ليقدر الزكاة الواجبة عليهم، فأرادوا أن يرشوه فقال: تطعمونى السحت؟ واللَّه لقد جئتكم من عند أحب الناس إلى، ولأنتم أبغض إلىَّ من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملنى بغضى لكم وحبى إياه ألا أعدل بينكم فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض " زاد المعاد لابن القيم ج ١ ص ١١٩". (هـ) وجاء فى تفسير القرطبى"ج ٦ ص ١٨٣ "عن عمر رضى اللَّه عنه قوله: رشوة الحاكم سحت، وعن النبى ﷺ " كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به " قالوا: يا رسول اللَّه وما السحت؟ قال " الرشوة فى الحكم " (رواه ابن جرير عن عمر كما فى الجامع الكبير للسيوطى ولم يحكم عليه) وقيل لوهب بن منبه: الرشوة حرام فى كل شىء؟ قال لا إنما يكره من الرشوة أن ترشى لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقا قد لزمك، فأما أن ترشى لتدفع عن دينك ومالك ودمك فليس بحرام، قال أبو الليث السمرقندى الفقيه: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يدفع الرجل -عن نفسه وماله بالرشوة، وهذا كما روى عن عبد اللَّه بن مسعود أنه كان بالحبشة، فرشا بدينارين وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع. (و) جاء فى فتاوى الإمام النووى المسماة بالمسائل المنثورة (ص ٨٥) ملحق مجلة الأزهر صفر ١٤١١ ما نصه: (١٩٢) مسألة: إذا كان الإنسان فى حبس السلطان أو غيره من المتعذرين حبس ظلما، فبذل مالا لمن يتكلم فى خلاصه بجاهه أو بغيره هل يجوز، وهل نص عليه أحد من العلماء؟ " والجواب " نعم يجوز، وصرح به جماعة منهم القاضى حسين فى أول باب الربا من تعليقه، ونقله عن القفال المروزى قال: هذه جعالة مباحة، قال: وليس هو من باب الرشوة، بل هذا العوض حلال كسائر الجعالات. (ز) وجاء قى كتاب " مفيد العلوم ومبيد الهموم " للخوارزمى ص ١٦٢ بيان للفرق بين الهدية والرشوة بما لا يخرج عما قاله الإمام الغزالى فى الإحياء، ثم قال أخيرا: متى كان هذا الفعل الحرام مثل الظلم وسماع بينة الزور وتقوية الظالم فكل ما يأخذه حرام، وكذا إذا كان الفعل متعينا عليه مثل دفع الظالم وسماع بينة الحق فكل ما يأخذه سحت. (ح) وذكر ابن القيم فى كتابه " بدائع الفوائد "ج ٣ ص ١٩٥: أن يحمى بن معين لما دخل مصر استقبلته هدايا أبى صالح كاتب الليث، ومعها جارية ومائة دينار، فقبلها ودخل مصر، فلما تأمل حديثه قال لا تكتبوا عن أبى صالح، ذكره الحاكم فى كتابه " الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار ". (ط) جاء فى فتاوى ابن تيمية " المجلد ٣١ ص ٢٨٦ " أن ابن مسعود سئل عن السحت فقال هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدى لك هدية فتقبلها، فقال له: أرأيت إن كانت هدية فى باطل؟ فقال: ذلك كفر ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك.هم الكافرون﴾ .ثم قال ابن تيمية ما ملخصه: من أهدى هدية لولى أمر ليفعل معه ما لا يجوز: كان حراما على المهدى والمهدى إليه، وهذه من الرشوة المنهى عنها، وتسمى البرطيل. فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه، كما كان النبى ﷺ يقول " إنى لأعطى أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا " قيل: يا رسول اللَّه فَلِمَ تعطيهم؟ قال " يأبون إلا أن يسألونى ويأبى اللَّه لى البخل ". " انظر فتوى شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق على جاد الحق. فى مجلة الأزهر عدد ربيع الأول ١٤١٣ سبتمبر ١٩٩٢ ". ٣- والرشوة فى النوع الثانى رأى جماعة حرمتها لعموم الخبر الذى جاء فيه لَعْن الراشى والمرتشى والرائش، ونقله الشوكانى عن الإمام المهدى، لكن قال آخرون، وهو قول معقول،: إن كان هذا الأمر فى يد من لا سلطان له، وسيبذل جهدا متبرعا به غير واجب عليه، فإعطاء شىء فى مقابل ذلك.حلال لا بأس به، وأخذ هذا الوسيط له لا بأس به أيضا،. فهو من باب الجعالة، أى جعل عوض معلوم على عمل غير معلوم تفصيلا وإن كان معلوما إجمالا، كمن يقول: من رد لى الشىء الضائع منى فله كذا، ومن بحث لى عن عمل طيب فله كذا أما إذا كان هذا الأمر فى يد من له ولاية عليه، كرئيس مصلحة ينجز للشخص عملا هو من حقه، وتحت سلطان هذا الرئيس، فإنَّ إعطاء شىء له لتسهيل الإجراءات للوصول إلى الحق جائز، لكن أخذ الرئيس له حرام، لأن المفروض أنه يؤدى واجبه المشروع بدون وساطة أو مقابل ورأى البعض أن إعطاءه حرام لأنه يساعده على الحرام. ومثل ذلك ما إذا كان ذو السلطان ظالما ويريد الإنسان أن يدفع ظلمه عنه فيعطيه شيئا فذلك لا بأس به، وعلى الظالم الإثم فى أخذه. وكل ذلك إذا كان فيه اتفاق سابق على العمل فى مقابل الرشوة، أما إذا لم يكن اتفاق مشروط أو معروف عرفا، وبعد إنجاز المهمة المشروعة أعطاه صاحب الحاجة شيئا فلا حرمة فيه. ثم قال العلماء: إن للقاضى حكما فى هذا الموضوع غير ما يكون للسلطة التنفيذية ويريدون بذلك المحافظة على نزاهة القاضى وعدم تأثره بأى شىء يجعله يميل فى الحكم، فيمنعون عنه كل ما فيه شبهة فقالوا: إذا كانت للمهدى قضية عند القاضى فلا يجوز مطلقا أن يقبلها القاضى، سواء أكانت هناك مهاداة سابقة بين الطرفين أم لا، أما إذا لم تكن هناك قضية وأراد أن يهديه. هدية، فإن لم تكن هناك مهاداة سابقة فلا يجوز للقاضى أخذها، لأن الداعى لها هو توليه القضاء، رجاء أن يكون فى صفِّه إذا عرضت أمامه قضية تخصه، فإن كانت هناك مهاداة سابقة كان من الظاهر جواز دفعها وقبولها، لكنهم قالوا أيضا من باب الاحتياط لنزاهة القاضى: إن زادت الهدية عن المعتاد السابق كانت غير جائزة، لأن زيادتها هى لغرض، فإن لم تزد فلا حرج فيها

стр. 4654

نقل الأعضاء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز نقل عضو من شخص إلى آخر؟ الجواب اختلفت آراء الفقهاء ورجال القانون فى هذا الموضوع، وبعد استعراض أدلتهم وما جاء فى كتب الفقه نرى ما يأتى: أولا: إذا كان المنقول منه ميتا، فإن كان قد أوصى أو أذن قبل وفاته بهذا النقل فلا مانع من ذلك حيث لا يوجد دليل يعتمد عليه فى التحريم وكرامة أجزاء الميت لا تمنع من انتفاع الحى بها، تقديما للأهم على المهم، والضرورات تبيح المحظورات كما هو مقرر. وإن لم يوص أو لم يأذن قبل موته، فإن أذن أولياؤه جاز، وإن لم يأذنوا: قيل بالمنع وقيل بالجواز، ولا شك أن الضرورة فى إنقاذ الحى تبيح المحظور. وهذا النقل لا يصار إليه إلا للضرورة. ثانيا: إذا كان المنقول منه حيا، فإن كان الجزء المنقول يفضى إلى موته مثل القلب كان النقل حراما مطلقا، أى سواء أذن فيه أم لم يأذن، لأنه إن أذن كان انتحارا، وإن لم يأذن كان قتلا لنفس بغير حق، وكلاهما محرم كما هو معروف. وإن لم يكن الجزء المنقول مفضيا إلى موته، على معنى أنه يمكن أن يعيش بدونه فينظر: إن كان فيه تعطيل له عن واجب، أو إعانة على محرَّم كان حراما، وذلك كاليدين معا أو الرجلين معا، بحيث يعجز عن كسب عيشه أو يسلك سبلا غير مشروعة وفى هذه الحالة يستوى فى الحرمة الإذن وعدم الإذن. وإن لم يكن فيه ذلك كنقل إحدى الكليتين أو العينين أو الأسنان أو بعض الدم، فإن كان النقل بغير إذنه حرم، ووجب فيه العوض، على ما هو مفصل فى كتب الفقه فى الجناية على النفس والأعضاء، وإن كان بإذنه قال جماعة بالتحريم، واحتج بعضهم عليه بكرامة الآدمى التى تتنافى مع انتفاع الغير بأجزائه، وبأن ما يقطع منه يجب دفنه. يقول النووى فى حرمة وصل الشعر بشعر الآدمى: لأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمى وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه (المجموع ج ٣ ص ١٤٩، شرح مسلم ج ١٤ ص ١٠٣) . ويمكن الرد على ذلك بأن وصل الشعر بالشعر مختلف فى حرمته إذا كان لغير الغش والتدليس أو الفتنة. وبأن وجوب دفنه ليس عليه دليل صحيح. قال ابن حجر: وفى حديث جواز إبقاء الشعر وعدم وجوب دفنه (فتح البارى ج ١٢ ص ٤٩٧) ، وبأن الضرورات تبيح المحظورات. واحتج بعض هؤلاء المحرمين أيضا بأن جسم الإنسان ليس ملكا له فلا يجوز التصرف فيه. وهذا كلام غير محرر، وليس عليه دليل مسلم فإن الذى لا يملكه الإنسان هو حياته وروحه، فلا يجوز الانتحار ولا إلقاء النفس فى التهلكة إلا للضرورة القصوى وهى الجهاد والدفاع عن النفس فقد أمر به الإسلام، أما الإنسان من حيث أجزاؤه المادية فهو مالكها، له أن يتصرف فيها بما لا يضره ضررا لا يحتمل، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار. هذا هو ملخص الحكم فى الموضوع. على أن الحكم فى بقاء الجسم وعدمه بعد نقل العضو منه يرجع فيه إلى الثقات المختصين. وعلى أن يكون هناك يقين أو ظن غالب بانتفاع المنقول إليه بهذه الأجزاء، وإلا كان النقل عبثا وإيلاما لغير حاجة، ونحن نعلم أن. بعض الأجسام ترفض الأجزاء المنقولة إليها، ويحاول العلم أن يتغلب على هذا الرفض، بالمنع أو الحد منه. وإذا كنا نختار جواز النقل للأعضاء فهل يجوز أن يؤخذ عوض للعضو المنقول؟ يرى جماعة عدم جوازه، محتجين بحرمة بيع الآدمى الحر، كله أو بعضه، لحديث " قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى ولم يوفه " (رواه البخارى وغيره) ويرى آخرون جواز أخذ العوض كثمن أو هبة، قياسا على بيع المرضع لبنها، ولعدم ورود دليل يحرمه، والحديث المذكور هو للنهى عن ضرب الرق على غير الرقيق والاتجار فيه بالبيع كما كان يحصل فى الجاهلية من خطف الأحرار وبيعهم. وهل لو كان المنقول منه عبدا وباع عضوا منه لآخر هل يأخذ سيده ثمنه بناء على أنه يملك رقبته؟ والحديث فى بيع الحر وليس فى بيع العبد، كما أن الذى يأكَل ثمن الحر هو من اعتبده وباعه وليس هو الحر نفسه الذى يأكل ثمنه، فالاستدلال بالحديث المذكور غير مسلم. ومهما يكن من شىء فإن الأفضل عدم المساومة على العضو المنقول، فإن إنقاذ حياة المحتاج إليه لا يعدله أى عوض، لكن لا مانع من قبول الهدية التى تعطى بسخاء نفس دون شروط سابق (الإسلام ومشاكل الحياة ص ٢١)

стр. 4655

التقبيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى التقبيل؟ الجواب موضوع التقبيل، تاريخا وموضعا، وغرضا وحكما بين الجنس الواحد وبين الجنسين موضوع طويل ذكرت كثيرا منه فى الجزء الثانى من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام، ورجعت فيه إلى عدة مراجع منها " غذاء الألباب للسفارينى " وكتب التفسير والأدب، ورسالة " رحيق الفردوس فى حكم الريق والبوس " لإبراهيم الجنينى المتوفى ١١٠٨ هـ ورسالة " إعلام النبيل بجواز التقبيل " للصديق الغمارى المغربى. وهذه خلاصة مركزة لما جاء عنه، مجردة عن الأدلة ومناقشتها: إن كان التقبيل بين الجنس الواحد، كالرجل للرجل والمرأة للمرأة فلا مانع منه شرعا بشرطين، الأول ألا يكون فيه لذة، والثانى ألا يكون لغرض فاسد، ومنه تقبيل يد الفاسق لتكريمه، أما إن كان خوفا من بطشه فهو جائز للضرورة، ومما أثر فى ذلك: ١ - أن النبى ﷺ تلقى جعفر بن أبى طالب عند عودته من الحبشة فالتزمه وقبل ما بين عينيه. ٢ - لما دخل زيد بن حارثة عليه فى بيت عائشة قام إليه عرْيًا يجر ثوبه، كما تقول عائشة: والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله. ٣- لما عاد الغزاة من " مؤتة " قبَّلوا يد النبى ﷺ . ٤ - لما تاب الله على الذين خلفوا عن غزوة تبوك قبلوا يد النبى ﷺ ٥ - سمح النبى ﷺ لوفد عبد القيس أن يقبِّلوا يده، بل ورجله. ٦- سمح لأسيد بن حضير أن يقبله حين طلب أن يكشف عن جسمه ليقتص منه لما طعنه بعود، وكان ذلك تبركا. ٧ - سأله يهوديان عن تسع آيات بينات، فلما بينها لهما قبَّلا يده ورجله وأسلما. ٨- لما قدم عمر بن الخطاب الشام قبَّل أبو عبيدة يده، وجاء فى رواية أن أبا عبيدة أراد أن يقبلها فقبضها عمر فتناول أبو عبيدة رجله وقبلها. ٩ - قبَّل زيد بن ثابت يد عبد اللَّه بن عباس حين أخذ بركابه وهو يركب احتراما للعلماء، فقبلها زيد احتراما لآل بيت رسول اللَّه ﷺ . ١٠ - قبل الناس يد سلمة بن الأكوع لما علموا أنه بايع النبى ﷺ بها. والذى رخص فى التقبيل للتكريم والتدين أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة، أما مالك وجماعة آخرون فقد كرهوه، أى كرهوا مَدَّ اليد ليقبلها الناس، لأن ذلك مظهر من مظاهر العجب والكبرياء، واستأنسوا فى المنع بقبض عمر يده لما أراد أبو عبيدة تقبيلها أما التقبيل بين الجنسين فحكمه يتحدد بسبب الغرض منه، وبحسب موضع التقبيل، فقد يكون للعطف والحنو، كتقبيل الوالد لبنته والوالدة لابنها، والأخ لأخته والأخت لأخيها، وذلك لا مانع منه ما لم يكن بشهوة، وقد جاء من ذلك: ١ - أن النبى ﷺ قبَّل بنته فاطمة حين دخلت عليه فقام إليها وقبلها وأجلسها فى مجلسه، بل صرحت بعض الروايات أنه قبلها فى فمها، كما قبلها وهو فى مرضه الأخير. ٢ - لما دخل أبو بكر على أهله وكانت عائشة مضطجعة قد أصابتها حمى، قبلها فى خدها. وكذلك قبل خالد بن الوليد أخته. وقد يكون التقبيل للتكريم كتقبيل الولد لأمه والبنت لأبيها، وتقبيل الكبير من العمات والخالات. وهو يكون غالبا فى الرأس أو اليد، ولا مانع منه، لكنه مكروه فى المواضع الحساسة كالخد والفم إن كان بغير شهوة، فإن كان بشهوة كان حراما. وقد يكون التقبيل بين الجنسين للذة، وهو بين الزوجين لا مانع منه فإن ما هو أكبر من ذلك حلال لهما. أما بين الأجانب فهو حرام. هذا هو ملخص حكم التقبيل، ومع كونه مباحا فى بعض الصور فيستحسن الإقلال منه، والبعد عن الفم وما قد يكون منه ضرر صحى كما نصح الأطباء. وللاستزادة يرجع إلى المراجع المذكورة

стр. 4656

قتل الحيوانات الضارة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى قتل الحيوانات الضارة؟ الجواب الحيوانات الضارة منها ما يكون الضرر من طبيعته ولذلك يعيش غالبا بعيدا عن الإنسان فى الغابات والجبال كالسباع والذئاب، أو يعيش مع الإنسان مع أخذ الحذر منه كالعقارب والحيات، ومنها ما لا يكون الضرر من طبيعته ولذلك يعيش غالبا مع الإنسان أو قريبا منه، ولكن قد يجئ منه الضرر لعارض يعرض له، كالكلاب والقطط. والحكم المبدئى العام أن النوع الأول وهو ما يكون الضرر من طبيعته يجوز قتله، إما للدفاع عن النفس وإما للانتفاع بجلده أو عظمه مثلا، وأن النوع الثانى الذى لا يكون الضرر من طبيعته ولكن قد يطرأ عليه يجوز قتله إذا خيف منه الضرر كالكلب العقور والكلب الكَلِب، أى الذى يصيبه داء الكلَب، وكالقط الخائن الذى يخطف الدجاج أو الحمام مثلا، والدليل على ذلك هو حديث " لا ضرر ولا ضرار " فلا يجوز لأحد التعرض للضرر ولا إلحاقه بالغير، إلى جانب وجوب أخذ الحذر وعدم تعريض النفس للتهلكة، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ النساء: ٧١، وقال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ البقرة: ١٩٥. وهناك أنواع من الحيوانات نص الحديث على قتلها بخصوصها، روى مسلم وغيره قوله ﷺ "خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم، الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا " أى الحدأة، وفى رواية لأبى داود ذكر العقرب بدل الغراب، وفى رواية لأحمد ذكر الغراب بدل الحدأة، وليس فيها وصف الغراب بالأبقع - وقد تحدث الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى " عن كل نوع على حدة وأورد ما جاء فيه من الآثار وحكم قتلها والأحكام الأخرى. وفيما عدا ما نص على قتله نتحدث عن حكمه فيما يلى: ١- الكلاب:جاء فى صحيح مسلم بشرح النووى"ج ١٠ ص ٢٣٤ " عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب، فأرسل فى أقطار المدينة أن تقتل. قال: فنبعث فى المدينة وأطرافها فلا ندع كلبا إلا قتلناه حتى إنا لنقتل كلب المُرية يتبعها، والمُرية تصغير امرأة، وفى رواية عن عبد اللَّه بن عمر أيضا أنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية. فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبى هريرة زرعا - مع ترك الخلاف فى كون أبى هريرة سمع ذلك من النبى أو كان قياسا منه لكلب للزرع على كلب الصيد والماشية. وعن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله -ثم نهى النبى ﷺ عن قتلها وقال "عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فانه شيطان " وعن عبد اللَّه بن المُغَفَل قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال " ما بالهم وبال الكلاب " ثم رخص فى كلب الصيد والغنم. يؤخذ من هذه الروايات أن الكلب غير الضار أى غير العقور والكلِب. إن كانت فيه فائدة فلا يقتل، ككلب الحراسة للماشية أو الزرع أو المسكن وكلب الصيد. ومثله الكلب البوليسى لفائدته المعروفة. أما إن لم تكن فيه فائدة، كالكلاب الضالة فبعض الروايات تأمر بقتلها وتشدد فى التنفيذ، وبعضها ينهى عن قتلها. ويأمر بقتل الأسود البهيم فقط. فما هو الحكم المختار الذى استقر عليه الأمر أخيرا؟ إليكم نموذجا مما قاله شراح الحديث فى ذلك. (ا) يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ١٠ ص ٢٣٥ ": أجمع العلماء على قتل الكلب الكَلِب والكلب العقور. واختلفوا فى قتل ما لا ضرر فيه، فقال إمام الحرمين من أصحابنا - الشافعية -: أمر النبى ﷺ أولا بقتلها كلها، ثم نسخ ذلك ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم. ثم استقر الشرع على النهى عن قتل جميع الكلاب التى لا ضرر فيها سواء الأسود وغيره، ويستدل لما ذكره بحديث ابن المغفل. وقال القاضى عياض. ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث فى قتل الكلاب إلا ما استثنى من كلب الصيد وغيره، قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها ونسخ الأمر بقتلها والنهى عن اقتنائها إلا الأسود البهيم. قال القاضى: وعندى أن النهى أولا كان نهيا عاما عن اقتناء جميعها وأمر بقتل جميعها، ثم نهى عن قتلها ما سوى الأسود، ومنع - الاقتناء فى جميعها إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية. يقول النووى: وهذا الذى قاله القاضى هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن المغفل مخصوصا بما سوى الأسود. (ب) ويقول الدميرى، بعد ذكر الأحاديث الواردة فى قتل الكلاب حمل الأصحاب الأمر بقتلها على الكلب الكلِب والكلب العقور، واختلفوا فى قتل ما لا ضرر فيه منها، فقال القاضى حسين وإمام الحرمين والماوردى فى باب " بيع الكلاب " والنووى فى أول البيع من شرحى المهذب ومسلم: لا يجوز قتلها، وقال فى باب " محرمات الإحرام ": إنه الأصح، وإن الأمر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة اقتصر الرافعى فى الشرح وتبعه فى الروضة، وزاد أنها كراهة تنزيه لا تحريم. لكن قال الشافعى فى " الأم " فى باب الخلاف فى ثمن الكلاب: واقتلوا الكلاب التى لا نفع فيها حيث وجدتموها، وهذا هو الراجح انتهى. نستخلص من كل ما سبق أن الكلاب التى فيها فائدة كالصيد والحراسة لا يجوز قتلها، والكلاب التى لا فائدة لها إن كانت تضر كالكلب العقور يجوز قتلها، وإن كانت لا تضر ففيها رأيان، رأى بعدم قتلها فيكون القتل حراما أو مكروها كراهة تنزيه، ورأى بجواز قتلها. والكلاب الضالة غير المقتناة إن كانت تؤذى بتخويف المارة وبخاصة الأطفال، أو بالبول والبراز وإتلاف أشياء لها قيمتها يجوز قتلها. هذا هو حكم قتلها، أما نجاستها فقد تقدم الحديث عنها، وكذلك عن اقتنائها والاتجار فيها. ٢ - للقطط: خلاصة أحكامها فيما بأتى: (١) هى طاهرة ليست نجسة كالكلاب، فقد روى أحمد والدارقطنى والحاكم والبيهقى أن النبى ﷺ دُعِىَ إلى دار قوم فأجاب، وإلى دار آخرين فلم يجب، فقيل له فى ذلك فقال " إن فى دار فلان كلبا " فقيل له: وإن فى دار فلان هرة، فقال ﷺ " الهرة ليست نجسة إنما هى من الطوافين عليكم والطوافات " وفى السنن الأربعة وصححه البخارى من حديث كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت بعض ولد أبى قتادة-أن أبا قتادة رضى الله عنه دخل فسكبت له وَضُوءًا فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فراَنى أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخى؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " أى كالخدم المماليك فى البيوت، وفى سنن ابن ماجه أنه ﷺ قال " الهرة لا تقطع الصلاة، إنما هى من متاع البيت ". (ب) ذكر النووى فى شرح المهذب أن بيع الهرة الأهلية جائز بلا خلاف عند الشافعية إلا ما حكاه البغوى فى شرح مختصر المزنى عن ابن القاص أنه قال: لا يجوز وهذا شاذ باطل، والمشهور عنه جوازه وبه قال جماهير العلماء. قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على جواز اتخاذها، ورخَّص فى بيعها ابن عباس والحسن وابن سيرين وحماد ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأى. وكرهت طائفة بيعها، منهم أبو هريرة وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد روى مسلم أن النبى ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، أى القط. يقول النووى: إن النهى هنا يراد به الهرة الوحشية، فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها، إلا على وجه ضعيف فى جواز أكلها، أو المراد له النهى التنزيه لا التحريم. (ج) يقول الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى ": إذا كانت الهرة ضارية بالإفساد فقتلها إنسان فى حال إفسادها دَفْعًا جاز ولا ضمان عليه، كقتل الصائل دفعا،وينبغى تقييد ذلك بما إذا لم تكن حاملا، لأن فى قتل الحامل قتل أولادها ولم تتحقق منهم جناية. وأما قتلها فى غير حالة الإفساد ففيه وجهان، أصحهما عدم الجواز ويضمنها.وقال القاضى حسين: يجوز قتلها ولا ضمان عليه فيها، وتلحق بالفواسق الخمس فيجوز قتلها، ولا تختص بحال ظهور الشر. وكلام الدميرى فى مسألة خطف هرة لحمامة أو غيرها وهى حيه. لكن لو حدث من الهرة إفساد آخر بخطف الطعام أو التبرز على الفراش أو فى مكان هام، واعتادت ذلك على الرغم من مطاردتها فلا وجه لتحريم قتلها، لأنه من باب دفع الضرر، مثلها فى ذلك مثل الكلاب الضالة المؤذية. ٣ - الطيور: من الطيور ما هو ضار بطبيعته فيجوز قتله كما مثل له الحديث بالغراب والحدأة. وهى بطبيعتها لا تستأنس، وهناك طيور لسيت ضارة تطعيعتها منها ما يستأنس كالحمام، ومنها ما لا يستأنس كالعصافير، والنوع الأول يذبح ليؤكل وكذلك الثانى يصاد ليؤكل وما لا يحل أكله لا يقتل إن كانت فيه فائدة مثل " أبى قردان " صديق الفلاح كما يقولون. لكن قد يثار هنا سؤالان، أحدهما عن الحمام الذى يسقط على الأجران التى تدرس فيها الحبوب ويأكل منها كثيرا، وثانيهما عن العصافير التى تهجم على المحصولات كالقمح والشعير وتلتهم منها كثيرا وهى مازالت فى طور نموها أو نضجها. فهل يجوز قتلها من أجل ضررها؟ . أما الحمام فضرره بسيط يمكن أن يطارد دون اصطياد، ولو صيد هل يضمن ثمنه لصاحبه؟ إن لم يعرف له صاحب بيقين فلا ضمان، وإن عرف صاحبه بيقين ضمن، لأن حبس الطيور أمر عسير، فلابد لها من التجوال، ويعتبر صاحبها غير مقصر فلا يضمن ما أتلفته من طعام غيره، وإن اشتبه عليه أمر الحمام أو اختلط فيه المملوك لأصحابه وغير المملوك، فالأشبه عدم الضمان. ومع ذلك فأفضل عدم اصطياده، لأن غالب بيوت القرى فيها حمام، وهو يطلب رزقه من كل المواقع، فحمام الكل يأكل من طعام الكل غالبا، والأمر متبادل بين البيوت، والتسامح فى ذلك من وسائل التواد والتراحم والتعاون على الخير، فلنحرص على هذه الروح السمحة، ولا نتورط فى شىء قد يكون من ورائه ما لا تحمد عقباه، مذكرا للناس بهذا الحديث الصحيح " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " رواه مسلم. وأما العصافير-وهى غير مملوكة لأحد فيكتفى بطردها إن أمكن، أما إذا لم يمكن طردها فلتوضع لها شباك تصاد بها وينتفع بلحمها، أو تصاد بالرصاص الخارق -على رأى بعض العلماء -ويقوم ذلك مقام ذبحها والصيد بالشباك للانتفاع بالعصافير، بدل إبادتها وضياع الاستفادة من لحمها هو ما أشار إليه النبى ﷺ فيما رواه النسائى والحاكم وصححه لقوله "ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها لغير حقها إلا سأله الله عنها " قيل: يا رسول اللَّه وما حقها؟ قال "يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمى بها " وفيما رواه النسائى وابن حبان فى صحيحه بقوله " من قتل عصفورا عبثا عج إلى اللَّه يوم القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلنى عبثا ولم يقتلنى منفعة". وهذا توجيه اقتصادى إسلامى إلى عدم ضياع المنفعة من الشىء فى الوقت الذى يدافع فيه ضرر هذا الشىء، وهذا كما يقال: ضرب عصفورين بحجر واحد. دفعنا الشر واستفدنا مما فيه من خير. فإن كانت بشكل "وبائى" ولا يفيد معها الاصطياد فهل يمكن قتلها بمثل المواد الكيماوية أو بطريقة أخرى؟ نعم لا مانع من ذلك لدفع ضررها، وحماية لقوت الإنسان منها، فحياته ومصلحته مقدمة على حياة أى مخلوق دونه وعلى مصلحته، وهى كلها جعلت من أجل الإنسان لتبقى حياته ويستطيع أن يؤدى رسالته، وبمثل ذلك قال الدميرى فى الجراد. وفى مثل هذه الحالة الاستثنائية التى تكاثرت فيها العصافير وأكلت جزءا كبيرا من المحصولات، قامت بعض الدول، فى شكل جماعى بمطاردتها طول النهار حتى اضطرت إلى الأشجار العالية وباتت ليلها جائعة، تساقط بعضها ميتا فى أوال ليلة ثم قضى عليها فى أيام قلائل. وقد يشبه هذا الحكم فى العصافير حكم مكافحة الجراد، وهو من نوع الحشرات الطائرة ويحل أكله كما نص عليه الحديث " أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، الكبد والطحال " رواه الشافعى وأحمد والدارقطنى والبيهقى مرفوعا إلى النبى ﷺ ، وروى موقوفا على ابن عمر وهو الأصح - وروى البخارى وغيره عن عبد اللَّه بن أبى أوفى: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد. ولو أبيد بأية طريقة حل أكله ما لم يكن فيه ضرر بسبب المواد التى أبيد بها. جاء فى " حياة الحيوان الكبرى- جراد " روى الطبرانى والبيهقى أن رسول اللَّه ﷺ قال " لا تقتلوا الجراد فانه جند الله الأعظم " قلت: هذا وإن صح أراد به ما لم يتعرض لإفساد الزرع وغيره، فإن تعرض لذلك جاز دفعه بالقتل وغيره. ٤ - الحشرات: الحشرات منها ما يدب على الأرض كالحيات والعقارب ومنها ما يطير فى الجو كالنحل والزنابير، ونص الحديث على قتل الحيات والعقارب والفأرة، وقد تحدث الدميرى فى كتابه "حياة الحيوان الكبرى " عن كل أنواعها، كما تحدث عن كل ما يعرفه من المخلوقات الحية، وبين حكم كل منها، وبخاصة فى إبادتها وفى حث الدين على مكافحتها حماية للإنسان من شرها، ففى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم " من قتل وزغة من أول ضربة فله مائة حسنة، ومن قتلها فى الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى ومن قتلها فى الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الثانية " والوزغة هى سام أبرص المعروف بالبُرْص. " حياة الحيوان -وزغة " وجاء فى تعليل الاهتمام بقتلها حديث البخارى وابن ماجه وأحمد أنها كانت تنفخ النار على إبراهيم ليزداد اشتعالها. وهنا يثار سؤالان، أحدهما عن النحل والثانى عن النمل. هل يجوز قتل النحل أو لا يجوز، وهل يجوز قتل النمل بالنار أو لا يجوز؟ . (١) أما النحل فمن الحشرات التى تفيد الإنسان بالعسل الذى تحدثت النصوص فى القرآن والسنة عن فوائده، لكنه مع ذلك يلسع ويؤذى فهل يجوز قتله؟ قال الدميرى: كره مجاهد قتل النحل، ويحرم أكلها على الأصح وإن كان عسلها حلالا، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام. وأباح بعض السلف أكلها كالجرادة وهو وجه ضعيف فى المذهب، ويحرم قتلها. والدليل على الحرمة نهى. النبى ﷺ عن قتلها. ثم قال: كان القياس جواز قتل النحل لأنه من ذوات الإبر، وما فيه من المنفعة يعارض بالضرر، لأنه يصول ويلدغ الآدمى وغيره، فالمضرة التى فيها مبيحة لقتلها ولم يجعلوا المنفعة التى فيها عاصمة من القتل، لكن الرسول نهى عن قتل النحل وليس فى قوله إلا طاعة اللَّه بالتسليم لأمره ﷺ انتهى. فالخلاصة أن بعض العلماء كره قتل النحل، وبعضهم حرمه، والخلاف مفرع على منع أكله، فإن أبيح جاز قتله كالجراد، وإن لم يبح أكله منع قتله على وجه الكراهة أو التحريم. (ب) وأما النمل فقد جاء فى " حياة الحيوان الكبرى " أن هناك حديثا رواه البخارى ومسلم جاء فيه أن نبيا من الأنبياء نزل تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها وأمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى اللَّه إليه: فهلا نملة واحدة. قال الترمذى الحكيم فى نوادر الأصول: لم يعاتبه اللَّه على تحريقها وإنما عاتبه على كونه أخذ البرى بغير البرى، وقال القرطبى: إن هذا النبى هو موسى، وليس فى الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر فى قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه نفسك، ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بضرب أو قتل، على ما له من المقدار فكيف بالهوام والدواب التى قد سخرت للمؤمن، وسلط عليها وسلطت عليه فإذا آذته أبيح له قتلها. وقيل إن شرع هذا النبى كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة، وهو بخلاف شرعنا، فإن النبى ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان بالنار، وقال " ولا يعذب بالنار إلا اللَّه تعالى " فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق، فلوارثه الاقتصاص بالإحراق للجانى. ثم قال: وأما قتل النمل فمذهبنا لا يجوز، لحديث ان عباس أن النبى ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب:.النملة والنحلة والهدهد والصُرَد. رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين، والمراد النمل الكبير السليمانى كما قاله الخطالى والبغوى فى شرح السنة. وأما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل، وأطلق ابن زيد جواز قتل النمل إذا آذت. "يراجع القرطبى فى سورة النمل ". هذا، وفى حالة الجواز لقتل ما يستحق القتل يراعى الإحسان الذى نبَّه عليه الرسول ﷺ فى قوله " إن اللَّه تعالى كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة، ولْيُحدَّ أحدكم شفرته ولْيُرحْ ذبيحته " رواه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم

стр. 4657

الكذب الأبيض وكذبة أبريل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يتعمد بعض الناس أن يقولوا غير الحق مدعين أنه كذب أبيض، فما حكم هذا الكذب؟ الجواب من الأمور المتفق عليها في الأديان والعقول السليمة أن الصدق فضيلة والكذب رذيلة، والصدق هو التعبير المطابق للواقع قولا أو فعلا، والكذب هو التعبير المخالف للواقع، قولا أو فعلا، ومن أخطر الكذب في القول شهادة الزور، وفى الفعل النفاق، والوعيد عليهما شديد في القرآن والسنة. ولا يرخص في الكذب إلا لضرورة شأن كل حرام، فالضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها، بمعنى أن يكون ذلك في أضيق الحدود إذا لم توجد وسيلة أخرى تحقق الغرض وتمنع الضرر، ومن هذه الوسائل المشروعة ما يسمى بالمعاريض حيث تستعمل كلمة تحتمل معنيين، يفرض على الإنسان أن يقولها، فيقولها بالمعنى الحلال لا بالحرام، ومثلوا لها بما إذا قيل للإنسان: اكفر بالله، فيقول: كفرت باللاهى، ويريد الشيطان وما يشبهه من كل ما يلهى وقد صح في الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة دون مضرة للغير تذكر، وذلك فيما رواه البخارى ومسلم عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا" وفى رواية زيادة هى: قالت: ولم أسمعه يرخص في شىء مما يقول الناس إلا فى ثلاث، تعنى الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. والمراد بالحديث بين الزوجين هو عن الحب الذي يساعد على دوام العشرة، والشواهد عليه كثيرة وليس في أمور أخرى تضر بالحياة الزوجية. ورأى بعض العلماء الاقتصار في جواز الكذب على ما ورد به النص في الحديث، ولكن جوزه المحققون في كل ما فيه مصلحة دون مضرة للغير، يقول ابن الجوزى ما نصه: وضابطه أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحا، وإن كان واجبا فهو واجب. وقال ابن القيم في "زاد المعاد"ج ٢ ص ١٤٥: يجوز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجاج بن علاط على المشركين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت بالمسلمين من ذلك الكذب،، وأما ما نال من بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التى حصلت بالكذب. إلى أن قال: ونظير هذا الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق ليتوصل بذلك إلى استعمال الحق، كما أوهم سليمان بن داود ﵉ إحدى المرأتين بشق الولد نصفين، حتى يتوصل بذلك إلى معرفة عين أمه. انتهى. ومنه كذب عبد الله بن عمرو بن العاص على الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه من أهل الجنة، فلازمه أياما ليعرف حاله، وادعى أنه مغاضب لأبيه، رواه أحمد بسند مقبول " الترغيب والترهيب ج ٣ ص ٢١٩ " ويقاس عليه حلف اليمين لإنجاء معصوم من هلكة، واستدل عليه بخبر سويد بن حنظلة أن وائل بن حجر أخذه عدو له فحلف أنه أخوه، ثم ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال " صدقت، المسلم أخو المسلم " الآداب الشرعية لابن مفلح. ويمكن الرجوع في استيضاح هذه النقطة إلى "نيل الأوطار للشوكانى ج ٨ ص ٨٥ " وإلى "إحياء علوم الدين للإمام الغزالى ج ٧ ص ١١٩ ". ومن هذا الباب كذبات إبراهيم ﵇، وهي معاريض، حيث قال عندما كسر الأصنام "بل فعله كبيرهم هذا " وعندما طلب لمشاركتهم في العيد "إنى سقيم " وقوله عن زوجته: إنها أخته لينقذها من ظلم فرعون "مصابيح السنة للبغوى ج ٢٥ ص ١٥٧ " الموضوع طويل وله جوانب متعددة، ونخلص إلى أن الكذب الأبيض هو الذي لا يترتب عليه ضرر وتتحقق به مصلحة مشروعة، وهو جائز ولكن ينبغى أن يكون في أضيق الحدود. لما فيه من ضرر للغير ولو كان بسيطا في نظر الكاذب فقد يكون كبيرا في نظر المكذوب عليه. وفي المعاريض مندوحة عنه. وكذلك في المداراة التى هي بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهى خلاف المداهنة التى يمكن معرفة الفرق بينهما من كتاب: المواهب اللدنية للقسطلانى "ج ١ ص ٢٩١ " وسراج الملوك للطرطوشى "ص ٧٩" وإحياء علوم الدين للغزالى "ج ٣ ص ١٣٨ " هذا ونقل عن الغرب ما يعرف بكذبة أبريل وتورط فيها بعض المسلمين والروايات -في أصلها كثيرة، فقيل إن أول من اخترعها أحد ملوك فرنسا في القرن السادس عشر، وهو شارل التاسع الذي قرر أن تكون بداية السنة في أول يناير بدلا من أول أبريل كما كانت، فقابل الناس ذلك بالتذمر، لأن من عادتهم فيه تبادل الهدايا، لأنه رأس السنة، فاضطروا خوفا من الملك أن يتبادلوها في أول يناير مع استمرارهم في تقديمها أول أبريل التى جعلوها تافهة، وقيل إنها في فرنسا تدعى "سمكة أبريل " لأن موسم الصيد يبدأ في أبريل، لكن الأسماك تكون قليلة وهزيلة، وقد يرمى الصياد شبكته فلا يخرج شيئا أو يخرج شيئا تافها. ومن هناك كانت تسمية سمكة أبريل تقال للشيء التافة أو للكذب، وقيل غير ذلك. والمهم أن نعلم أن الكذب لا يجوز إلا في أضيق الحدود حيث تحقق المصلحة به لا بوسيلة أخرى من غير مضرة كبيرة للغير، والأولى البعد عنه حتى لا يعتاده اللسان، وفي المعاريض مندوحة عنه كما تقدم. وأساس المعاريض حسن استخدام الألفاظ ذات المعانى المتعددة المتقابلة. كالذي يقول: أنا أحب الفتنة، ويريد المال، وأكره الحق، ويريد الموت، وكمن يصف عسل النحل بلفظ تتقزز النفس منه، كما جاء في كتاب "مفتاح دار السعادة"ج ١ ص ١٤١: تقول: هذا جنى للنحل تمدحه * وإن تشأ قلت: ذاقىء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما * والحق قد يعتريه سو تعبير

стр. 4658

الحياة على الكواكب الأخرى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول الله سبحانه ﴿ومن آيايه خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ الشورى: ٢٩، ألا تدل هذه للآية على أن هناك كائنات حية فى غير الأرض التى نعيش عليها؟ الجواب لقد نشط البحث عن الحياة فى الكواكب الأخرى خلال الأربعين سنة الماضية، واستخدمت منذ ثمان عشرة سنة الموجات اللاسلكية لهذا الغرض، ومنذ ستة أعوام اهتم الفلكيون بالتسمع على الكون لالتقاط الإشارات الصادرة منه، وذلك فى مختبر الدفع النفاث فى " باسادونا " ومركز الأبحاث " آميس " التابع لمؤسسة " ناسا " بكاليفورنيا. ومؤسسة " سيتى" وهى رمز لمشروع البحث عن المخلوق الذكى الموجود خارج الأرض، والدى يضم أكثر من مليون يد عاملة تعاون فيه الخبراء الأمريكيون والروس على تحليل ألف ساعة من الإشارات التى تم استقبالها من الفضاء الخارجى بأجهزة إليكترونية معقدة وشديدة الحساسية. وقد قرروا أنه لا يتم لهم النجاح إلا إذا استطاعوا إرسال إشارة يمكن للعالم الخارجى التقاطها. لكن النجوم الهائلة العدد لا يمكن أن تسلط أشعة على نجم منها مرة ثانية إلا بعد مرور مائة ألف عام على المرة الأولى، وهذا كله فى نجوم مجرتنا فقط " التبانة " فكم من الزمن يكفى لتسليط أشعة على نجوم المجرات الأخرى وما أكثرها؟ . ذكرت هذه المقدمة لترى أيها القارئ أن سعة الكون وتعدد نجومه والاكتفاء مرة واحدة بتسليط الأشعة على كل نجم، كل ذلك لا يكفى للاعتقاد أو غلبة الظن أن فى الكَون حياة من جنس حياتنا البشرية، أو من جنس آخر. ومهما يكن من شيء فإن هذه الأبحاث متروكة لعقل الإنسان، وموقف الإسلام منها موقف المشجع على النظر فى ملكوت السموات والأرض، ونصوصه أشهر من أن تذكر، والإنصاف فى البحث سيؤدى إلى تعميق الإيمان بالله، كما قال سبحانه فى ختام الآيتين اللتين تتحدثان عن النظر فى الكون أرضه وسمائه بمائه ونباته ومعادنه وحيوانه وإنسانه ﴿إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء﴾ فاطر: ٢٧. والقرآن يكفيه أن يضع دستور البحث ويشجع عليه، وليس من شأنه أن يدون جزئيات العلوم فى أكثرها، وعلى امتداد الحياة البشرية ستكشف أمور تتطلبها حاجة الإنسان فى نموه المطرد، وما دام اللَّه هو الحق، وهو خالق العالم على هذا النظام البديع فإن كلامه لا يتعارض مع قوانينه أبدا، وإذا توصل الباحثون إلى ما يوهم التعارض مع القراَن فلا يجوز أن نسرع بالشك أو التأويل ما دامت النتائج لم تصل إلى مرتبة الحقائق العلمية التى لا يتطرق إليها الشك، ولست موافقا على مسلك بعض الكتاب الذين يسرعون إلى الربط بين القرآن والعلم كلما لاح فى الأفق كشف جديد، وقد يسرفون فى التأويل والتوفيق ثم تظهر البحوث التالية فساد ما سبق من نتائج ظلمنا القراَن بحمل آياته عليها ومع إحسان ظنى بأن كثيرًا من الباحثين عندهم غيرة دينيهَ حملتهم على هذا الربط فإنى أدعوهم إلى التريث، أو إلى جعل الأمر محل الاحتمال بعيدا عن القطع والجزم به. والمفسرون للقرآن سلكوا فى مثل هذه المواقف مسلك الحيطة والحذر فلجأوا إلى القول بالاحتمال وعدم المانع، يقول النسفى فى قوله تعالى ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ الدابة تكون فى الأرض وحدها، لكن يجوز أن ينسب الشىء إلى جميع المذكور أى السموات والأرض -وإن كان متلبسا ببعض، كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد، وإنما هو فى فخذ من أفخاذهم، ومنه قوله تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من الملح، ولا يبعد أن يخلق فى السموات حيوانات يمشون فيها مشى الأناسى على الأرض ويكون للملائكة مشى مع الطيران، فوصفوا بالدبيب كما وصف الأناسى انتهى. انظر إلى قوله: ولا يبعد أن يخلق فى السماوات حيوانات. هذا هو الموقف العلمى الصحيح من كل ما لا يجزم به الإنسان، فإذا تحقق أن فى السموات كائنات حية فظاهر الآية ﴿وما بث فيهما من دابة﴾ تحقق أن فى السموات كائنات حية فظاهر الآية ﴿وما بث فيهما من دابة﴾ لا يتعارض مع هذه الحقيقة، وإذا لم يتحقق وجود كائنات حية فيها فالآية باقية على معناها على النحو الذى وضحه المفسر من أن النسبة إلى الجزء نسبة إلى الكل، وهو أسلوب معروف عند العرب الذين نزل القراَن بلغتهم، ففى مجموع السماوات والأرض دواب، وفى مجموع المياه العذبة والملحة لؤلؤ ومرجان. وإن كانت الدواب فى الأرض واللؤلؤ والمرجان من البحر الملح. وبعد، فإن الموضوع ليس عقيدة نحاسب عليها، ولا يترتب على الجهل بها شيء، ونحن لم نحل مشاكل الأرض ولم نأت على نهاية العلم بأسرارها حتى نهتم بأسرار الكائنات العليا، ويكفينا أن القرآن وهو أصدق خبر يحدثنا عما يهمنا منها، والقرآن كلام اللَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن وجد كشف جديد يزيدنا يقينا بصدقه فذاك وإلا فهو صادق على الرغم من عجزنا نحن ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾

стр. 4659

الصحابى الذى اهتز له العرش المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال من هو الصحابى الذى اهتز له عرش الرحمن، وما معنى الاهتزاز؟ الجواب ذلك الصحابى هو سعد بن معاذ رضى الله عنه زعيم الأوس إحدى قبائل الأنصار فى المدينة، روى مسلم فى صحيحه عن جابر رضى اللَّه عنه أن رسول الله ﷺ قال - وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم - "اهتز لها عرش الرحمن " وجاء مثله من رواية أنس بن مالك رضى اللَّه عنه. قال النووى فى شرح هذا الحديث "ج ١٦ ص ٢٢": اختلف العلماء فى تأويله، فقالت طائفة هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحا بقدوم روح سعد، وجعل الله فى العرش تمييزا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى - عن الحجارة - ﴿وإن منها لما يهبط من خشية اللَّه﴾ البقرة: ٧٤، ولهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار. وقال المازرى: قال بعضهم هو على حقيقته وأن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا ينكر من جهة العقل، لأن العرش جسم من الأجسام يقبل الحركة والسكون. قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك، إلا أن يقال: إن اللَّه تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته. وقال آخرون: المراد اهتزاز أهل العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة، فحذف المضاف - وهو أهل - والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول. ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها. وقال الحربى: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشىء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة. وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة وهو النعش، وهذا القول باطل يرده صريح هذه الروايات التى ذكرها مسلم: اهتز لموته عرش الرحمن، وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التى فى مسلم، والله أعلم

стр. 4660

الاحتفال بالأعياد القومية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى احتفال بعض الدول بأعياد مثل أعياد النصر وعيد العمال وعيد رأس السنة وغيرها؟ الجواب فى بحث طويل فى الجزء الثانى من كتاب " بيان للناس من الأزهر الشريف " جاء أن كلمة الأعياد تطلق على ما يعود ويتكرر، ويغلب أن يكون على مستوى الجماعة، سواء أكانت الجماعة أسرة أو أهل قرية أو أهل أقليم، والاحتفال بهذه الأعياد معناه الاهتمام بها، والمناسبات التى يحتفل بها قد تكون دنيوية محضة وقد تكون دينية أو عليها مسحة دينية، والإسلام بالنسبة إلى ما هو دنيوى لا يمنع منه ما دام القصد طيبا، والمظاهر فى حدود المشروع، وبالنسبة إلى ما هو دينى قد يكون الاحتفال منصوصا عليه كعيدى الفطر والأضحى، وقد يكون غير منصوص عليه كالهجرة والإسراء والمعراج والمولد النبوى، فما كان منصوصا عليه فهو مشروع بشرط أن يؤدى على الوجه الذى شرع، ولا يخرج عن حدود الدين، وما لم يكن منصوصا عليه، فللناس فيه موقفان، موقف المنع لأنه بدعة، وموقف الجواز لعدم النص على منعه، ويحتج أصحاب الموقف المانع بحديث النسائى وابن حبان بسند صحيح أن أنسًا رضى الله عنه قال: قدم النبى ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال " قد أبدلكم اللَّه تعالى بهما خيرا منهما، يوم الفطر ويوم الأضحى " فكل ما سوى هذين العيدين بدعة، ويرد عليه بأن الحديث لم يحصر الأعياد فيهما، بل ذكر فضلهما على أعياد أهل المدينة التى نقلوها عن الفرس، ومنها عيد النيروز فى مطلع السنة الجديدة فى فصل الربيع، وعيد المهرجان فى فضل الخريف كما ذكره النويرى فى " نهاية الأرب " وبدليل أنه سمى يوم الجمعة عيدا. ولم يرد نص يمنع الفرح والسرور فى غير هذين العيدين، فقد سجل القرآن فرح المؤمنين بنصر اللَّه لغلبة الروم على غيرهم بعد أن كانوا مغلوبين " أوائل سورة الروم ". كما يردُّ بأنه ليس كل جديد بدعة مذمومة، فقد قال عمر فى اجتماع المسلمين فى صلاة التراويح على إمام واحد " نعمت البدعة هذه ". فالخلاصة أن الاحتفال بأية مناسبة طيبة لا بأس به ما دام الغرض مشروعا والأسلوب فى حدود الدين، ولا ضير فى تسمية الاحتفالات بالأعياد، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء
следующие страницы →