Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
قتل الحيوانات الضارة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قتل الحيوانات الضارة؟
الجواب
الحيوانات الضارة منها ما يكون الضرر من طبيعته ولذلك يعيش غالبا بعيدا عن الإنسان فى الغابات والجبال كالسباع والذئاب، أو يعيش مع الإنسان مع أخذ الحذر منه كالعقارب والحيات، ومنها ما لا يكون الضرر من طبيعته ولذلك يعيش غالبا مع الإنسان أو قريبا منه، ولكن قد يجئ منه الضرر لعارض يعرض له، كالكلاب والقطط.
والحكم المبدئى العام أن النوع الأول وهو ما يكون الضرر من طبيعته يجوز قتله، إما للدفاع عن النفس وإما للانتفاع بجلده أو عظمه مثلا، وأن النوع الثانى الذى لا يكون الضرر من طبيعته ولكن قد يطرأ عليه يجوز قتله إذا خيف منه الضرر كالكلب العقور والكلب الكَلِب، أى الذى يصيبه داء الكلَب، وكالقط الخائن الذى يخطف الدجاج أو الحمام مثلا، والدليل على ذلك هو حديث " لا ضرر ولا ضرار " فلا يجوز لأحد التعرض للضرر ولا إلحاقه بالغير، إلى جانب وجوب أخذ الحذر وعدم تعريض النفس للتهلكة، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ النساء: ٧١، وقال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ البقرة: ١٩٥.
وهناك أنواع من الحيوانات نص الحديث على قتلها بخصوصها، روى مسلم وغيره قوله ﷺ "خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم، الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا " أى الحدأة، وفى رواية لأبى داود ذكر العقرب بدل الغراب، وفى رواية لأحمد ذكر الغراب بدل الحدأة، وليس فيها وصف الغراب بالأبقع - وقد تحدث الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى " عن كل نوع على حدة وأورد ما جاء فيه من الآثار وحكم قتلها والأحكام الأخرى.
وفيما عدا ما نص على قتله نتحدث عن حكمه فيما يلى:
١- الكلاب:جاء فى صحيح مسلم بشرح النووى"ج ١٠ ص ٢٣٤ " عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب، فأرسل فى أقطار المدينة أن تقتل. قال: فنبعث فى المدينة وأطرافها فلا ندع كلبا إلا قتلناه حتى إنا لنقتل كلب المُرية يتبعها، والمُرية تصغير امرأة، وفى رواية عن عبد اللَّه بن عمر أيضا أنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية. فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع، فقال ابن عمر: إن لأبى هريرة زرعا - مع ترك الخلاف فى كون أبى هريرة سمع ذلك من النبى أو كان قياسا منه لكلب للزرع على كلب الصيد والماشية.
وعن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله -ثم نهى النبى ﷺ عن قتلها وقال "عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فانه شيطان " وعن عبد اللَّه بن المُغَفَل قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال " ما بالهم وبال الكلاب " ثم رخص فى كلب الصيد والغنم.
يؤخذ من هذه الروايات أن الكلب غير الضار أى غير العقور والكلِب. إن كانت فيه فائدة فلا يقتل، ككلب الحراسة للماشية أو الزرع أو المسكن وكلب الصيد. ومثله الكلب البوليسى لفائدته المعروفة.
أما إن لم تكن فيه فائدة، كالكلاب الضالة فبعض الروايات تأمر بقتلها وتشدد فى التنفيذ، وبعضها ينهى عن قتلها. ويأمر بقتل الأسود البهيم فقط. فما هو الحكم المختار الذى استقر عليه الأمر أخيرا؟ إليكم نموذجا مما قاله شراح الحديث فى ذلك.
(ا) يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ١٠ ص ٢٣٥ ": أجمع العلماء على قتل الكلب الكَلِب والكلب العقور. واختلفوا فى قتل ما لا ضرر فيه، فقال إمام الحرمين من أصحابنا - الشافعية -: أمر النبى ﷺ أولا بقتلها كلها، ثم نسخ ذلك ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم.
ثم استقر الشرع على النهى عن قتل جميع الكلاب التى لا ضرر فيها سواء الأسود وغيره، ويستدل لما ذكره بحديث ابن المغفل.
وقال القاضى عياض. ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث فى قتل الكلاب إلا ما استثنى من كلب الصيد وغيره، قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها ونسخ الأمر بقتلها والنهى عن اقتنائها إلا الأسود البهيم.
قال القاضى: وعندى أن النهى أولا كان نهيا عاما عن اقتناء جميعها وأمر بقتل جميعها، ثم نهى عن قتلها ما سوى الأسود، ومنع - الاقتناء فى جميعها إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية. يقول النووى:
وهذا الذى قاله القاضى هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن المغفل مخصوصا بما سوى الأسود.
(ب) ويقول الدميرى، بعد ذكر الأحاديث الواردة فى قتل الكلاب حمل الأصحاب الأمر بقتلها على الكلب الكلِب والكلب العقور، واختلفوا فى قتل ما لا ضرر فيه منها، فقال القاضى حسين وإمام الحرمين والماوردى فى باب " بيع الكلاب " والنووى فى أول البيع من شرحى المهذب ومسلم: لا يجوز قتلها، وقال فى باب " محرمات الإحرام ": إنه الأصح، وإن الأمر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة اقتصر الرافعى فى الشرح وتبعه فى الروضة، وزاد أنها كراهة تنزيه لا تحريم. لكن قال الشافعى فى " الأم " فى باب الخلاف فى ثمن الكلاب: واقتلوا الكلاب التى لا نفع فيها حيث وجدتموها، وهذا هو الراجح انتهى.
نستخلص من كل ما سبق أن الكلاب التى فيها فائدة كالصيد والحراسة لا يجوز قتلها، والكلاب التى لا فائدة لها إن كانت تضر كالكلب العقور يجوز قتلها، وإن كانت لا تضر ففيها رأيان، رأى بعدم قتلها فيكون القتل حراما أو مكروها كراهة تنزيه، ورأى بجواز قتلها.
والكلاب الضالة غير المقتناة إن كانت تؤذى بتخويف المارة وبخاصة الأطفال، أو بالبول والبراز وإتلاف أشياء لها قيمتها يجوز قتلها. هذا هو حكم قتلها، أما نجاستها فقد تقدم الحديث عنها، وكذلك عن اقتنائها والاتجار فيها.
٢ - للقطط: خلاصة أحكامها فيما بأتى:
(١) هى طاهرة ليست نجسة كالكلاب، فقد روى أحمد والدارقطنى والحاكم والبيهقى أن النبى ﷺ دُعِىَ إلى دار قوم فأجاب، وإلى دار آخرين فلم يجب، فقيل له فى ذلك فقال " إن فى دار فلان كلبا " فقيل له: وإن فى دار فلان هرة، فقال ﷺ " الهرة ليست نجسة إنما هى من الطوافين عليكم والطوافات " وفى السنن الأربعة وصححه البخارى من حديث كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت بعض ولد أبى قتادة-أن أبا قتادة رضى الله عنه دخل فسكبت له وَضُوءًا فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فراَنى أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخى؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " أى كالخدم المماليك فى البيوت، وفى سنن ابن ماجه أنه ﷺ قال " الهرة لا تقطع الصلاة، إنما هى من متاع البيت ".
(ب) ذكر النووى فى شرح المهذب أن بيع الهرة الأهلية جائز بلا خلاف عند الشافعية إلا ما حكاه البغوى فى شرح مختصر المزنى عن ابن القاص أنه قال: لا يجوز وهذا شاذ باطل، والمشهور عنه جوازه وبه قال جماهير العلماء. قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على جواز اتخاذها، ورخَّص فى بيعها ابن عباس والحسن وابن سيرين وحماد ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأى.
وكرهت طائفة بيعها، منهم أبو هريرة وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد روى مسلم أن النبى ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، أى القط.
يقول النووى: إن النهى هنا يراد به الهرة الوحشية، فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها، إلا على وجه ضعيف فى جواز أكلها، أو المراد له النهى التنزيه لا التحريم.
(ج) يقول الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى ": إذا كانت الهرة ضارية بالإفساد فقتلها إنسان فى حال إفسادها دَفْعًا جاز ولا ضمان عليه، كقتل الصائل دفعا،وينبغى تقييد ذلك بما إذا لم تكن حاملا، لأن فى قتل الحامل قتل أولادها ولم تتحقق منهم جناية. وأما قتلها فى غير حالة الإفساد ففيه وجهان، أصحهما عدم الجواز ويضمنها.وقال القاضى حسين: يجوز قتلها ولا ضمان عليه فيها، وتلحق بالفواسق الخمس فيجوز قتلها، ولا تختص بحال ظهور الشر.
وكلام الدميرى فى مسألة خطف هرة لحمامة أو غيرها وهى حيه.
لكن لو حدث من الهرة إفساد آخر بخطف الطعام أو التبرز على الفراش أو فى مكان هام، واعتادت ذلك على الرغم من مطاردتها فلا وجه لتحريم قتلها، لأنه من باب دفع الضرر، مثلها فى ذلك مثل الكلاب الضالة المؤذية.
٣ - الطيور: من الطيور ما هو ضار بطبيعته فيجوز قتله كما مثل له الحديث بالغراب والحدأة. وهى بطبيعتها لا تستأنس، وهناك طيور لسيت ضارة تطعيعتها منها ما يستأنس كالحمام، ومنها ما لا يستأنس كالعصافير، والنوع الأول يذبح ليؤكل وكذلك الثانى يصاد ليؤكل وما لا يحل أكله لا يقتل إن كانت فيه فائدة مثل " أبى قردان " صديق الفلاح كما يقولون.
لكن قد يثار هنا سؤالان، أحدهما عن الحمام الذى يسقط على الأجران التى تدرس فيها الحبوب ويأكل منها كثيرا، وثانيهما عن العصافير التى تهجم على المحصولات كالقمح والشعير وتلتهم منها كثيرا وهى مازالت فى طور نموها أو نضجها. فهل يجوز قتلها من أجل ضررها؟ .
أما الحمام فضرره بسيط يمكن أن يطارد دون اصطياد، ولو صيد هل يضمن ثمنه لصاحبه؟ إن لم يعرف له صاحب بيقين فلا ضمان، وإن عرف صاحبه بيقين ضمن، لأن حبس الطيور أمر عسير، فلابد لها من التجوال، ويعتبر صاحبها غير مقصر فلا يضمن ما أتلفته من طعام غيره، وإن اشتبه عليه أمر الحمام أو اختلط فيه المملوك لأصحابه وغير المملوك، فالأشبه عدم الضمان.
ومع ذلك فأفضل عدم اصطياده، لأن غالب بيوت القرى فيها حمام، وهو يطلب رزقه من كل المواقع، فحمام الكل يأكل من طعام الكل غالبا، والأمر متبادل بين البيوت، والتسامح فى ذلك من وسائل التواد والتراحم والتعاون على الخير، فلنحرص على هذه الروح السمحة، ولا نتورط فى شىء قد يكون من ورائه ما لا تحمد عقباه، مذكرا للناس بهذا الحديث الصحيح " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " رواه مسلم.
وأما العصافير-وهى غير مملوكة لأحد فيكتفى بطردها إن أمكن، أما إذا لم يمكن طردها فلتوضع لها شباك تصاد بها وينتفع بلحمها، أو تصاد بالرصاص الخارق -على رأى بعض العلماء -ويقوم ذلك مقام ذبحها والصيد بالشباك للانتفاع بالعصافير، بدل إبادتها وضياع الاستفادة من لحمها هو ما أشار إليه النبى ﷺ فيما رواه النسائى والحاكم وصححه لقوله "ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها لغير حقها إلا سأله الله عنها " قيل: يا رسول اللَّه وما حقها؟ قال "يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمى بها " وفيما رواه النسائى وابن حبان فى صحيحه بقوله " من قتل عصفورا عبثا عج إلى اللَّه يوم القيامة يقول: يا رب إن فلانا قتلنى عبثا ولم يقتلنى منفعة".
وهذا توجيه اقتصادى إسلامى إلى عدم ضياع المنفعة من الشىء فى الوقت الذى يدافع فيه ضرر هذا الشىء، وهذا كما يقال: ضرب عصفورين بحجر واحد. دفعنا الشر واستفدنا مما فيه من خير.
فإن كانت بشكل "وبائى" ولا يفيد معها الاصطياد فهل يمكن قتلها بمثل المواد الكيماوية أو بطريقة أخرى؟ نعم لا مانع من ذلك لدفع ضررها، وحماية لقوت الإنسان منها، فحياته ومصلحته مقدمة على حياة أى مخلوق دونه وعلى مصلحته، وهى كلها جعلت من أجل الإنسان لتبقى حياته ويستطيع أن يؤدى رسالته، وبمثل ذلك قال الدميرى فى الجراد.
وفى مثل هذه الحالة الاستثنائية التى تكاثرت فيها العصافير وأكلت جزءا كبيرا من المحصولات، قامت بعض الدول، فى شكل جماعى بمطاردتها طول النهار حتى اضطرت إلى الأشجار العالية وباتت ليلها جائعة، تساقط بعضها ميتا فى أوال ليلة ثم قضى عليها فى أيام قلائل.
وقد يشبه هذا الحكم فى العصافير حكم مكافحة الجراد، وهو من نوع الحشرات الطائرة ويحل أكله كما نص عليه الحديث " أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، الكبد والطحال " رواه الشافعى وأحمد والدارقطنى والبيهقى مرفوعا إلى النبى ﷺ ، وروى موقوفا على ابن عمر وهو الأصح - وروى البخارى وغيره عن عبد اللَّه بن أبى أوفى: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد. ولو أبيد بأية طريقة حل أكله ما لم يكن فيه ضرر بسبب المواد التى أبيد بها.
جاء فى " حياة الحيوان الكبرى- جراد " روى الطبرانى والبيهقى أن رسول اللَّه ﷺ قال " لا تقتلوا الجراد فانه جند الله الأعظم " قلت: هذا وإن صح أراد به ما لم يتعرض لإفساد الزرع وغيره، فإن تعرض لذلك جاز دفعه بالقتل وغيره.
٤ - الحشرات: الحشرات منها ما يدب على الأرض كالحيات والعقارب ومنها ما يطير فى الجو كالنحل والزنابير، ونص الحديث على قتل الحيات والعقارب والفأرة، وقد تحدث الدميرى فى كتابه "حياة الحيوان الكبرى " عن كل أنواعها، كما تحدث عن كل ما يعرفه من المخلوقات الحية، وبين حكم كل منها، وبخاصة فى إبادتها وفى حث الدين على مكافحتها حماية للإنسان من شرها، ففى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم " من قتل وزغة من أول ضربة فله مائة حسنة، ومن قتلها فى الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى ومن قتلها فى الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الثانية " والوزغة هى سام أبرص المعروف بالبُرْص. " حياة الحيوان -وزغة " وجاء فى تعليل الاهتمام بقتلها حديث البخارى وابن ماجه وأحمد أنها كانت تنفخ النار على إبراهيم ليزداد اشتعالها.
وهنا يثار سؤالان، أحدهما عن النحل والثانى عن النمل. هل يجوز قتل النحل أو لا يجوز، وهل يجوز قتل النمل بالنار أو لا يجوز؟ .
(١) أما النحل فمن الحشرات التى تفيد الإنسان بالعسل الذى تحدثت النصوص فى القرآن والسنة عن فوائده، لكنه مع ذلك يلسع ويؤذى فهل يجوز قتله؟ قال الدميرى: كره مجاهد قتل النحل، ويحرم أكلها على الأصح وإن كان عسلها حلالا، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام. وأباح بعض السلف أكلها كالجرادة وهو وجه ضعيف فى المذهب، ويحرم قتلها. والدليل على الحرمة نهى.
النبى ﷺ عن قتلها. ثم قال: كان القياس جواز قتل النحل لأنه من ذوات الإبر، وما فيه من المنفعة يعارض بالضرر، لأنه يصول ويلدغ الآدمى وغيره، فالمضرة التى فيها مبيحة لقتلها ولم يجعلوا المنفعة التى فيها عاصمة من القتل، لكن الرسول نهى عن قتل النحل وليس فى قوله إلا طاعة اللَّه بالتسليم لأمره ﷺ انتهى.
فالخلاصة أن بعض العلماء كره قتل النحل، وبعضهم حرمه، والخلاف مفرع على منع أكله، فإن أبيح جاز قتله كالجراد، وإن لم يبح أكله منع قتله على وجه الكراهة أو التحريم.
(ب) وأما النمل فقد جاء فى " حياة الحيوان الكبرى " أن هناك حديثا رواه البخارى ومسلم جاء فيه أن نبيا من الأنبياء نزل تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها وأمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى اللَّه إليه: فهلا نملة واحدة. قال الترمذى الحكيم فى نوادر الأصول: لم يعاتبه اللَّه على تحريقها وإنما عاتبه على كونه أخذ البرى بغير البرى، وقال القرطبى: إن هذا النبى هو موسى، وليس فى الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر فى قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه نفسك، ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بضرب أو قتل، على ما له من المقدار فكيف بالهوام والدواب التى قد سخرت للمؤمن، وسلط عليها وسلطت عليه فإذا آذته أبيح له قتلها. وقيل إن شرع هذا النبى كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة، وهو بخلاف شرعنا، فإن النبى ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان بالنار، وقال " ولا يعذب بالنار إلا اللَّه تعالى " فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق، فلوارثه الاقتصاص بالإحراق للجانى.
ثم قال: وأما قتل النمل فمذهبنا لا يجوز، لحديث ان عباس أن النبى ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب:.النملة والنحلة والهدهد والصُرَد. رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين، والمراد النمل الكبير السليمانى كما قاله الخطالى والبغوى فى شرح السنة.
وأما النمل الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل، وأطلق ابن زيد جواز قتل النمل إذا آذت. "يراجع القرطبى فى سورة النمل ".
هذا، وفى حالة الجواز لقتل ما يستحق القتل يراعى الإحسان الذى نبَّه عليه الرسول ﷺ فى قوله " إن اللَّه تعالى كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة، ولْيُحدَّ أحدكم شفرته ولْيُرحْ ذبيحته " رواه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم
стр. 4657
الكذب الأبيض وكذبة أبريل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يتعمد بعض الناس أن يقولوا غير الحق مدعين أنه كذب أبيض، فما حكم هذا الكذب؟
الجواب
من الأمور المتفق عليها في الأديان والعقول السليمة أن الصدق فضيلة والكذب رذيلة، والصدق هو التعبير المطابق للواقع قولا أو فعلا، والكذب هو التعبير المخالف للواقع، قولا أو فعلا، ومن أخطر الكذب في القول شهادة الزور، وفى الفعل النفاق، والوعيد عليهما شديد في القرآن والسنة.
ولا يرخص في الكذب إلا لضرورة شأن كل حرام، فالضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها، بمعنى أن يكون ذلك في أضيق الحدود إذا لم توجد وسيلة أخرى تحقق الغرض وتمنع الضرر، ومن هذه الوسائل المشروعة ما يسمى بالمعاريض حيث تستعمل كلمة تحتمل معنيين، يفرض على الإنسان أن يقولها، فيقولها بالمعنى الحلال لا بالحرام، ومثلوا لها بما إذا قيل للإنسان: اكفر بالله، فيقول: كفرت باللاهى، ويريد الشيطان وما يشبهه من كل ما يلهى وقد صح في الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة دون مضرة للغير تذكر، وذلك فيما رواه البخارى ومسلم عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا" وفى رواية زيادة هى: قالت: ولم أسمعه يرخص في شىء مما يقول الناس إلا فى ثلاث، تعنى الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. والمراد بالحديث بين الزوجين هو عن الحب الذي يساعد على دوام العشرة، والشواهد عليه كثيرة وليس في أمور أخرى تضر بالحياة الزوجية.
ورأى بعض العلماء الاقتصار في جواز الكذب على ما ورد به النص في الحديث، ولكن جوزه المحققون في كل ما فيه مصلحة دون مضرة للغير، يقول ابن الجوزى ما نصه:
وضابطه أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحا، وإن كان واجبا فهو واجب. وقال ابن القيم في "زاد المعاد"ج ٢ ص ١٤٥: يجوز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجاج بن علاط على المشركين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت بالمسلمين من ذلك الكذب،، وأما ما نال من بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التى حصلت بالكذب.
إلى أن قال: ونظير هذا الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق ليتوصل بذلك إلى استعمال الحق، كما أوهم سليمان بن داود ﵉ إحدى المرأتين بشق الولد نصفين، حتى يتوصل بذلك إلى معرفة عين أمه. انتهى.
ومنه كذب عبد الله بن عمرو بن العاص على الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه من أهل الجنة، فلازمه أياما ليعرف حاله، وادعى أنه مغاضب لأبيه، رواه أحمد بسند مقبول " الترغيب والترهيب ج ٣ ص ٢١٩ " ويقاس عليه حلف اليمين لإنجاء معصوم من هلكة، واستدل عليه بخبر سويد بن حنظلة أن وائل بن حجر أخذه عدو له فحلف أنه أخوه، ثم ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال " صدقت، المسلم أخو المسلم " الآداب الشرعية لابن مفلح. ويمكن الرجوع في استيضاح هذه النقطة إلى "نيل الأوطار للشوكانى ج ٨ ص ٨٥ " وإلى "إحياء علوم الدين للإمام الغزالى ج ٧ ص ١١٩ ".
ومن هذا الباب كذبات إبراهيم ﵇، وهي معاريض، حيث قال عندما كسر الأصنام "بل فعله كبيرهم هذا " وعندما طلب لمشاركتهم في العيد "إنى سقيم " وقوله عن زوجته: إنها أخته لينقذها من ظلم فرعون "مصابيح السنة للبغوى ج ٢٥ ص ١٥٧ " الموضوع طويل وله جوانب متعددة، ونخلص إلى أن الكذب الأبيض هو الذي لا يترتب عليه ضرر وتتحقق به مصلحة مشروعة، وهو جائز ولكن ينبغى أن يكون في أضيق الحدود. لما فيه من ضرر للغير ولو كان بسيطا في نظر الكاذب فقد يكون كبيرا في نظر المكذوب عليه. وفي المعاريض مندوحة عنه. وكذلك في المداراة التى هي بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهى خلاف المداهنة التى يمكن معرفة الفرق بينهما من كتاب: المواهب اللدنية للقسطلانى "ج ١ ص ٢٩١ " وسراج الملوك للطرطوشى "ص ٧٩" وإحياء علوم الدين للغزالى "ج ٣ ص ١٣٨ " هذا ونقل عن الغرب ما يعرف بكذبة أبريل وتورط فيها بعض المسلمين والروايات -في أصلها كثيرة، فقيل إن أول من اخترعها أحد ملوك فرنسا في القرن السادس عشر، وهو شارل التاسع الذي قرر أن تكون بداية السنة في أول يناير بدلا من أول أبريل كما كانت، فقابل الناس ذلك بالتذمر، لأن من عادتهم فيه تبادل الهدايا، لأنه رأس السنة، فاضطروا خوفا من الملك أن يتبادلوها في أول يناير مع استمرارهم في تقديمها أول أبريل التى جعلوها تافهة، وقيل إنها في فرنسا تدعى "سمكة أبريل " لأن موسم الصيد يبدأ في أبريل، لكن الأسماك تكون قليلة وهزيلة، وقد يرمى الصياد شبكته فلا يخرج شيئا أو يخرج شيئا تافها. ومن هناك كانت تسمية سمكة أبريل تقال للشيء التافة أو للكذب، وقيل غير ذلك.
والمهم أن نعلم أن الكذب لا يجوز إلا في أضيق الحدود حيث تحقق المصلحة به لا بوسيلة أخرى من غير مضرة كبيرة للغير، والأولى البعد عنه حتى لا يعتاده اللسان، وفي المعاريض مندوحة عنه كما تقدم. وأساس المعاريض حسن استخدام الألفاظ ذات المعانى المتعددة المتقابلة. كالذي يقول: أنا أحب الفتنة، ويريد المال، وأكره الحق، ويريد الموت، وكمن يصف عسل النحل بلفظ تتقزز النفس منه، كما جاء في كتاب "مفتاح دار السعادة"ج ١ ص ١٤١:
تقول: هذا جنى للنحل تمدحه * وإن تشأ قلت: ذاقىء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما * والحق قد يعتريه سو تعبير
стр. 4658
الحياة على الكواكب الأخرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله سبحانه ﴿ومن آيايه خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ الشورى: ٢٩، ألا تدل هذه للآية على أن هناك كائنات حية فى غير الأرض التى نعيش عليها؟
الجواب
لقد نشط البحث عن الحياة فى الكواكب الأخرى خلال الأربعين سنة الماضية، واستخدمت منذ ثمان عشرة سنة الموجات اللاسلكية لهذا الغرض، ومنذ ستة أعوام اهتم الفلكيون بالتسمع على الكون لالتقاط الإشارات الصادرة منه، وذلك فى مختبر الدفع النفاث فى " باسادونا " ومركز الأبحاث " آميس " التابع لمؤسسة " ناسا " بكاليفورنيا. ومؤسسة " سيتى" وهى رمز لمشروع البحث عن المخلوق الذكى الموجود خارج الأرض، والدى يضم أكثر من مليون يد عاملة تعاون فيه الخبراء الأمريكيون والروس على تحليل ألف ساعة من الإشارات التى تم استقبالها من الفضاء الخارجى بأجهزة إليكترونية معقدة وشديدة الحساسية.
وقد قرروا أنه لا يتم لهم النجاح إلا إذا استطاعوا إرسال إشارة يمكن للعالم الخارجى التقاطها. لكن النجوم الهائلة العدد لا يمكن أن تسلط أشعة على نجم منها مرة ثانية إلا بعد مرور مائة ألف عام على المرة الأولى، وهذا كله فى نجوم مجرتنا فقط " التبانة " فكم من الزمن يكفى لتسليط أشعة على نجوم المجرات الأخرى وما أكثرها؟ .
ذكرت هذه المقدمة لترى أيها القارئ أن سعة الكون وتعدد نجومه والاكتفاء مرة واحدة بتسليط الأشعة على كل نجم، كل ذلك لا يكفى للاعتقاد أو غلبة الظن أن فى الكَون حياة من جنس حياتنا البشرية، أو من جنس آخر.
ومهما يكن من شيء فإن هذه الأبحاث متروكة لعقل الإنسان، وموقف الإسلام منها موقف المشجع على النظر فى ملكوت السموات والأرض، ونصوصه أشهر من أن تذكر، والإنصاف فى البحث سيؤدى إلى تعميق الإيمان بالله، كما قال سبحانه فى ختام الآيتين اللتين تتحدثان عن النظر فى الكون أرضه وسمائه بمائه ونباته ومعادنه وحيوانه وإنسانه ﴿إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء﴾ فاطر: ٢٧.
والقرآن يكفيه أن يضع دستور البحث ويشجع عليه، وليس من شأنه أن يدون جزئيات العلوم فى أكثرها، وعلى امتداد الحياة البشرية ستكشف أمور تتطلبها حاجة الإنسان فى نموه المطرد، وما دام اللَّه هو الحق، وهو خالق العالم على هذا النظام البديع فإن كلامه لا يتعارض مع قوانينه أبدا، وإذا توصل الباحثون إلى ما يوهم التعارض مع القراَن فلا يجوز أن نسرع بالشك أو التأويل ما دامت النتائج لم تصل إلى مرتبة الحقائق العلمية التى لا يتطرق إليها الشك، ولست موافقا على مسلك بعض الكتاب الذين يسرعون إلى الربط بين القرآن والعلم كلما لاح فى الأفق كشف جديد، وقد يسرفون فى التأويل والتوفيق ثم تظهر البحوث التالية فساد ما سبق من نتائج ظلمنا القراَن بحمل آياته عليها ومع إحسان ظنى بأن كثيرًا من الباحثين عندهم غيرة دينيهَ حملتهم على هذا الربط فإنى أدعوهم إلى التريث، أو إلى جعل الأمر محل الاحتمال بعيدا عن القطع والجزم به.
والمفسرون للقرآن سلكوا فى مثل هذه المواقف مسلك الحيطة والحذر فلجأوا إلى القول بالاحتمال وعدم المانع، يقول النسفى فى قوله تعالى ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ الدابة تكون فى الأرض وحدها، لكن يجوز أن ينسب الشىء إلى جميع المذكور أى السموات والأرض -وإن كان متلبسا ببعض، كما يقال:
بنو تميم فيهم شاعر مجيد، وإنما هو فى فخذ من أفخاذهم، ومنه قوله تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من الملح، ولا يبعد أن يخلق فى السموات حيوانات يمشون فيها مشى الأناسى على الأرض ويكون للملائكة مشى مع الطيران، فوصفوا بالدبيب كما وصف الأناسى انتهى.
انظر إلى قوله: ولا يبعد أن يخلق فى السماوات حيوانات. هذا هو الموقف العلمى الصحيح من كل ما لا يجزم به الإنسان، فإذا تحقق أن فى السموات كائنات حية فظاهر الآية ﴿وما بث فيهما من دابة﴾ تحقق أن فى السموات كائنات حية فظاهر الآية ﴿وما بث فيهما من دابة﴾ لا يتعارض مع هذه الحقيقة، وإذا لم يتحقق وجود كائنات حية فيها فالآية باقية على معناها على النحو الذى وضحه المفسر من أن النسبة إلى الجزء نسبة إلى الكل، وهو أسلوب معروف عند العرب الذين نزل القراَن بلغتهم، ففى مجموع السماوات والأرض دواب، وفى مجموع المياه العذبة والملحة لؤلؤ ومرجان.
وإن كانت الدواب فى الأرض واللؤلؤ والمرجان من البحر الملح.
وبعد، فإن الموضوع ليس عقيدة نحاسب عليها، ولا يترتب على الجهل بها شيء، ونحن لم نحل مشاكل الأرض ولم نأت على نهاية العلم بأسرارها حتى نهتم بأسرار الكائنات العليا، ويكفينا أن القرآن وهو أصدق خبر يحدثنا عما يهمنا منها، والقرآن كلام اللَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن وجد كشف جديد يزيدنا يقينا بصدقه فذاك وإلا فهو صادق على الرغم من عجزنا نحن ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾
стр. 4659
الصحابى الذى اهتز له العرش
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هو الصحابى الذى اهتز له عرش الرحمن، وما معنى الاهتزاز؟
الجواب
ذلك الصحابى هو سعد بن معاذ رضى الله عنه زعيم الأوس إحدى قبائل الأنصار فى المدينة، روى مسلم فى صحيحه عن جابر رضى اللَّه عنه أن رسول الله ﷺ قال - وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم - "اهتز لها عرش الرحمن " وجاء مثله من رواية أنس بن مالك رضى اللَّه عنه.
قال النووى فى شرح هذا الحديث "ج ١٦ ص ٢٢": اختلف العلماء فى تأويله، فقالت طائفة هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحا بقدوم روح سعد، وجعل الله فى العرش تمييزا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى - عن الحجارة - ﴿وإن منها لما يهبط من خشية اللَّه﴾ البقرة:
٧٤، ولهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار.
وقال المازرى: قال بعضهم هو على حقيقته وأن العرش تحرك لموته، قال:
وهذا لا ينكر من جهة العقل، لأن العرش جسم من الأجسام يقبل الحركة والسكون. قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك، إلا أن يقال: إن اللَّه تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته.
وقال آخرون: المراد اهتزاز أهل العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة، فحذف المضاف - وهو أهل - والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول. ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها.
وقال الحربى: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشىء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة.
وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة وهو النعش، وهذا القول باطل يرده صريح هذه الروايات التى ذكرها مسلم: اهتز لموته عرش الرحمن، وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التى فى مسلم، والله أعلم
стр. 4660
الاحتفال بالأعياد القومية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى احتفال بعض الدول بأعياد مثل أعياد النصر وعيد العمال وعيد رأس السنة وغيرها؟
الجواب
فى بحث طويل فى الجزء الثانى من كتاب " بيان للناس من الأزهر الشريف " جاء أن كلمة الأعياد تطلق على ما يعود ويتكرر، ويغلب أن يكون على مستوى الجماعة، سواء أكانت الجماعة أسرة أو أهل قرية أو أهل أقليم، والاحتفال بهذه الأعياد معناه الاهتمام بها، والمناسبات التى يحتفل بها قد تكون دنيوية محضة وقد تكون دينية أو عليها مسحة دينية، والإسلام بالنسبة إلى ما هو دنيوى لا يمنع منه ما دام القصد طيبا، والمظاهر فى حدود المشروع، وبالنسبة إلى ما هو دينى قد يكون الاحتفال منصوصا عليه كعيدى الفطر والأضحى، وقد يكون غير منصوص عليه كالهجرة والإسراء والمعراج والمولد النبوى، فما كان منصوصا عليه فهو مشروع بشرط أن يؤدى على الوجه الذى شرع، ولا يخرج عن حدود الدين، وما لم يكن منصوصا عليه، فللناس فيه موقفان، موقف المنع لأنه بدعة، وموقف الجواز لعدم النص على منعه، ويحتج أصحاب الموقف المانع بحديث النسائى وابن حبان بسند صحيح أن أنسًا رضى الله عنه قال: قدم النبى ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال " قد أبدلكم اللَّه تعالى بهما خيرا منهما، يوم الفطر ويوم الأضحى " فكل ما سوى هذين العيدين بدعة، ويرد عليه بأن الحديث لم يحصر الأعياد فيهما، بل ذكر فضلهما على أعياد أهل المدينة التى نقلوها عن الفرس، ومنها عيد النيروز فى مطلع السنة الجديدة فى فصل الربيع، وعيد المهرجان فى فضل الخريف كما ذكره النويرى فى " نهاية الأرب " وبدليل أنه سمى يوم الجمعة عيدا.
ولم يرد نص يمنع الفرح والسرور فى غير هذين العيدين، فقد سجل القرآن فرح المؤمنين بنصر اللَّه لغلبة الروم على غيرهم بعد أن كانوا مغلوبين " أوائل سورة الروم ".
كما يردُّ بأنه ليس كل جديد بدعة مذمومة، فقد قال عمر فى اجتماع المسلمين فى صلاة التراويح على إمام واحد " نعمت البدعة هذه ".
فالخلاصة أن الاحتفال بأية مناسبة طيبة لا بأس به ما دام الغرض مشروعا والأسلوب فى حدود الدين، ولا ضير فى تسمية الاحتفالات بالأعياد، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء
стр. 4661
من أدب الدعوة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى جماعات تجوب البلاد وتترك عملها لتدعو إلى الله؟
الجواب
لكل جماعة منهج،ولا يصح الحكم عليها إلا بعد معرفته معرفة جيدة، دون الاعتماد على ما يقال عنها فقد يكون غير صحيح، ومع ذلك فأقول بالنسبة لأى فرد أو جماعة تقوم بالدعوة إلى الله:
ا - لا يصح أن يدعو أحد بما لم يفهمه فهما صحيحا من أحكام الدين.
٢ -لا يصح التعصب لرأى اجتهادى فيه خلاف بين العلماء.
٣ - لا يصح أن يُغيَّر المنكر بأسلوب يؤدى إلى منكر آخر، وإلا لضاعت فائدة الدعوة التى تستهدف الإصلاح.
٤ - الدعوة فرض كفاية وليست فرض عين، فإذا قام بها البعض سقط الطلب عن الباقين، وذلك إذا وجد غير واحد يصلح لها، قال تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ آل عمران: ١٠٤، وقال ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ التوبة: ١٢٢.
٥ -ترك عمل واجب مهم من أجل الدعوة التى يمكن أن يقوم بها الغير-أمر لا يجوز.
٦ - العمل نفسه ما دام فى الخير فهو طاعة، والدعوة طاعة، ويجب التنسيق والتخصص "اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
٧-يمكن أن تمارس الدعوة أثناء العمل بين الزملاء، فيفوز الشخص بالحسنيين.
٨ - إذا كان الله يقول ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ التوبة: ٧١، فذلك فيما يعرفه الشخص ويستطيعه، أما مالا يعرفه بصدق ولا يستطيعه فسيقوم به غيره ممن يعرف ويستطيع
стр. 4662
الرياضة البدنية فى نظر الإسلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما مدى علاقة الدين بالرياضة البدنية، وما تأثير ذلك على الإنتاج، وما هى أنواع الرياضات التى يحلها الإسلام؟
الجواب
ا - الرياضة مصدر راض، يقال: راض المهر يروضه رياضا ورياضة فهو مروض أى ذلله وأسلس قياده، ورياضة البدن معالجته بألوان من الحركة لتهيئة أعضائه لأداء وظائفها بسهولة، وقد قال المختصون: إن هذه الرياضة توفر للجسم قوته وتزيل عنه أمراضا ومخلفات ضارة بطريقة طبيعية هى أحسن الطرق فى هذا المجال.
٢ -والناس من قديم الزمان لهم طرق وأساليب فى تقوية أجسامهم بالرياضة، وكل أمة أخذت منها ما يناسب وضعها ويتصل بأهدافها، فالأمة الحربية مثلا عنيت بحمل الأثقال وبالرمى واللعب بالسلاح، والأمة التى تكثر فها السواحل تعنى بالسباحة.
والأمة المسالمة الوادعة تعنى بالتمرينات الحركية للأعضاء بمثل ما يطلق عليه الألعاب السويدية. وهكذا ... واشتهر بين الناس هذه الأيام اسم الألعاب الأوليمبية، وهى لقاءات تتم كل أربع سنوات بين الرياضيين من جميع أنحاء العالم، واسمها منسوب إلى أولمبيا واد فى بلاد اليونان أقيمت فيه أول الألعاب سنة ٧٧٦ قبل الميلاد، وكانت تقام عندهم بوحى من عقيدة دينية وسياسية، واعتبروها الوسيلة الوحيدة لقوة الجسم فى نظر الشعب وإلى حكم الشعب فى نظر الزعماء.
وكانت للعرب، كغيرهم من الأمم -أنواع من الرياضة أمْلَتها عليهم ظروف معيشتهم التى تعتمد على الرحلات والصيد والغارات والثارات.
٣- والإسلام لا يمنع تقوية الجسم بمثل هذه الرياضات، فهو يريد أن يكون أبناؤه أقوياء فى أجسامهم وفى عقولهم وأخلاقهم وأرواحهم لأنه يمجِّد القوة، فهى وصف كمال لله تعالى ذى القوة المتين، والحديث الشريف يقول "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " رواه مسلم، والجسم القوى أقدر على أداء التكاليف الدينية والدنيوية، والإسلام لا يشرع ما فيه إضعاف الجسم إضعافا يعجزه عن أداء هذه التكاليف، بل خفف من بعض التشريعات إبقاء على صحة الجسم، فأجاز أداء الصلاة من قعود لمن عجز عن القيام، وأباح الفطر لغير القادرين على الصيام، ووضع الحج والجهاد وغيرهما عن غير المستطيع، وقد قال النبى ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص. وقد أرهق نفسه بالعبادة صياما وقياما " صم وأفطر وقم ونم، فإن لبدنك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا" رواه البخارى ومسلم.
وقد ذكر ابن القيم فى كتابه زاد المعاد عند الكلام على الرياضة، أن الحركة هى عماد الرياضة، وهى تخلص الجسم من رواسب وفضلات الطعام بشكل طبيعى، وتعود البدن الخفة والنشاط وتجعله قابلا للغذاء وتصلب المفاصل وتقوى الأوتار والرباطات وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية، إذا استعمل القدر المعتدل منها فى دقة وكلن التدبير يأتى صوابا، وقال: كل عضو له رياضة خاصة يقوى بها، وأما ركوب الخيل ورمى النشاب والصراع والمسابقة على الأقدام فرياضة للبدن كله، وهى قالعة لأمراض مزمنة.
٣ - مظاهر الرياضة البدنية فى الإسلام كثيرة، والتكاليف الإسلامية نفسها يشتمل كثير منها على رياضات للأعضاء إلى جانب إفادتها رياضة للروح واستقامة للسلوك، فالصلاة بما فيها من طهارة وحركات لمعظم أجزاء الجسم، والحج بمناسكه المتعددة، وزيارة الإخوان وعيادة المرضى والمشى إلى المساجد وأنواع النشاط الاجتماعى كلها تمرين لأعضاء الجسم وتقوية له ما دامت فى الحد المعقول.
وهناك فى غير العبادات والتكاليف الشرعية رياضات تشبه إلى حد كبير كثيرا مما تواضع عليه للناس فى هذا العصر، أقرها الإسلام وشجعها وإليك صورا لها:
ا -العَدْوُ: وهو تدريب على سرعة المشى، يلزم للأسفار من أجل الجهاد ونشر الدعوة والسعى لتحصيل الرزق وغير ذلك، ويذكر التاريخ العداء المشهور " فيديبدس " من قرية ماراثون باليونان وما كان له من أثر فى إخطار البلاد بهجوم الجيش الفارسى عليهم فى سبتمبر سنة ٤٩٠ قبل الميلاد وفى انتصارهم على العدو، وقد خلد اسمه بعد ذلك بسباق ماراثون.
والعدو داخل ضمنا تحت الأمر بالمسارعة إلى الخير، فهى مسارعة روحية وجسمية، وقد روى أحمد أن النبى ﷺ سابق عائشة فسبقته، ثم سابقها بعد ذلك فسبقها، فقال: هذه بتلك، وجاء فى بعض الروايات أن سبقه لها فى المرة الثانية كان لثقل جسمها وسمنتها، وروى الطبرانى أنه ﵊ قال " من مشى بين الغرضين -علامتين لتحديد المسافة-كان له بكل خطوة حسنة".
وقد اشتهر من العرب فى سرعة العدو حذيفة بن بدر، وكان قد أغار على هجائن النعمان بن المنذر بن ماء السماء، وسار فى ليلة مسير ثمان، فقال قيس بن الحطيم:
هممنا بالإقامة ثم سرنا * كسير حذيفة الخير بن بدر وكذلك من العدائين المشهورين ذكوان مولى آل عمر بن الخطاب فقد سار من مكة إلى المدينة فى يوم وليلة "المسافة حوالى ٥٠٠ كيلو متر" ولما قدم على أبى هريرة خليفة مروان على المدينة وصلى العتمة قال أبو هريرة: حاج غير مقبول منه. فقال: ولم؟ قال: لأنك نقرت قبل الزوال، -ظن أنه خرج من مكة قبل أن يرمى الجمرة التى يدخل وقتها بالزوال - فأخرج له كتاب مروان بعد الزوال وقال:
ألم ترنى كلفتهم سير ليلة * من آل منى نصا إلى آل يثرب فأقسمت لا تنفك ما عشت سيرتى * حديثا لمن وافى بجمع المحصب ٢ - ركوب الخيل والحيوانات الأخرى والمسابقة عليها، والعرب من قديم الزمان مشهورون بالفروسية، وكان الناشئ منهم لا يصل إلى الثامنة حتى يتحتم عليه أن يتعلم ركوب الخيل، والله قد نوَّه بها فى قوله تعالى ﴿والعاديات ضبحا. فالموريات قدحا.
فالمغيرات صبحا. فأثرن به نقعا. فوسطن به جمعا﴾ العاديات: ا - ٥، فهى من أهم أدوات الحرب، كما نوه بها فى السلم فقال سبحانه ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ النحل: ٨، وأوصى رسوله بالعناية بها فقال ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ الأنفال: ٦٠، ورباط الخيل تعهدها بما يحفظ عليها قوتها، ويجعلها دائما على استعداد للغزو وغيره، وقد ورد أن النبى ﷺ سابق بين الخيل التى قد أضمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع والمسافة نحو ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التى لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع إلى مسجد بنى زريق، والمسافة نحو ميل (تضمير الخيل هو إعطاؤها علفا قليلا بعد سمنها من كثرة العلف، وكانت عادة العرب أن تعلف الفرس حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت أى الأكل العادى. كما يقال إن تضمير الخيل يكون بأن تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها، ويحمل عليها غلمان خفاف يجرونها ولا يعنفون بها إذا فعل بها ذلك أمن عليها البهر الشديد عند حضرها، أى لا تنهج عند العدو) . وابن عمر قد سابق فى هذا السباق، رواه البخارى، وفى مسلم أن رسول الله قال يوم حنين: يا خيل الله اركبى، وقال "اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل " وقد سابق النبى أيضا على الجمال فسابق على ناقته العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابى على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين فقال النبى ﷺ "إن حقا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئا إلا وضعه " رواه البخارى.
وذكر الجاحظ فى البيان والتبيين أن عمر أرسل كتابه إلى الأمصار يقول فيه:
علموا أولادكم السباحة، والفروسية. وفى رواية ومروهم يثبوا على الخيل وثبا، ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر.
٣-الرماية، عن عقبة بن عامر، سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. .. " "ألا إن القوة الرمى، ألا إن القوة الرمى" رواه مسلم، وعن سلمة بن الأكوع أن النبى ﷺ مر بنفر من أسلم ينتضلون بالسوق، فقال: "ارموا بنى إسماعيل فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بنى فلان، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ما لكم لا ترمون؟ فقلنا كيف نرمى وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم " رواه البخارى ومسلم. وعن عقبة أيضا: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب فى صنعته الخير، والرامى به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا، ومن ترك الرمى بعد ما علمه رغبة عنه فإنه نعمة تركها، أو قال: كرها" رواه أبو داود والنسائى والحاكم وصححه. وفى رواية أن فقيما اليخمى قال لعقبة: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك؟ فقال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله ﷺ لم أعانه، والكلام الذى سمعه هو "من علم الرمى ثم تركه فليس منى. أو فقد عصا " رواه مسلم.
٤ -اللعب بالسلاح - الشيش: وكان معروفا عند العرب باسم "النقاف " وهو أصل المبارزة بالسلاح المعروفة فى شكلها الحالى، وكان من صوره رقص الحبشة الذى رآه النبى ﷺ منهم فى المسجد، فكان عبارة عن حركات رياضية تصاحبها السهام، ففى رواية عن أبى سلمة أن الحبشة كانوا يزفنون ويلعبون بحرابهم يتلقونها. وكانت المبارزة تتقدم الحروب والغزوات أيام الرسول ﵊، ومن أشهر المبارزين على بن أبى طالب ومواقفه فى بدر والخندق وغيرهما معروفة.
والتحطيب المعروف عندهم باسم "اللبج " أو "اللبخ " يشبه اللعب بالسيوف لأنه محاولة للأخذ قوامها هجوم ودفاع بالعصى.
٥ - المصارعة ومثلها الملاكمة: وقد صارع النبى جماعة، منهم ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب، وكان بمكة ويحسن الصراع ويأتيه الناس من البلاد فيصرعهم، قال ابن إسحاق: لقيه النبى ﷺ فى شعب من شعاب مكة فقال له: يا ركانة، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ فقال: يا محمد هل لك من شاهد يدل على صدقك؟ فقال: أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. وقال البلاذرى: إن السائل للمصارعة هو ركانة، فقال له: تهيأ للمصارعة، فقال: تهيأت، فدنا منه رسول الله ﷺ فأخذه ثم صرعه، فتعجب من ذلك ركانة، ثم سأله الإقالة مما توافقا عليه، وهو الإيمان والعودة إلى المصارعة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا: فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب، وأسلم عقبها، وقيل أسلم فى فتح مكة.
رواه الحاكم وأبو داود والترمذى، كما صارع النبى ابن ركانة واسمه يزيد، فقد جاء إلى النبى ﷺ ومعه ثلثمائة من الغنم، فقال:
يا محمد هل لك أن تصارعنى؟ قال: وما تجعل لى إن صرعتك؟ قال: مائة من الغنم، فصارعه فصرعه، ثم قال: هل لك فى العود؟ قال: وما تجعل؟ قال: مائة أخرى. فصارعه فصرعه، وذكر الثالثة، فقال: يا محمد، ما وضع جنبى فى الأرض أحد قبلك، ثم أسلم ورد عليه غنمه، روى عنه أنه قال: ماذا أقول لأهلى؟ شاة افترسها الذئب، وشاة شذت منى، فماذا أقول فى الثالثة؟ فقال له النبى ﷺ : ما كنا لنجمع عليك فنصرعك فنغرمك، خذ غنمك وانصرف (ذكره الزرقانى فى شرح المواهب ج ٤ ص ٢٩٣) وكذلك صارع النبى أبا الأسود الجمحى، وكان رجلا شديدا بلغ من قوته أنه كان يقف على جلد البقرة ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه، وكان من المشهورين بالمصارعة فى الإسلام محمد بن الحنفية، جلس كالجبل يحركه رسول الروم لمعاوية يتحدى به أقوياءه، فأقر رسول الروم بقوة محمد، ثم رفعه محمد مرات وجلد به الأرض.
٦- رفع الأثقال ومثله ألعاب القوى: وكان يعرف عند العرب باسم "الربع " وهو أن يُشال الحجر باليد، يفعل ذلك لتعرف شدة الرجل، والربيعة والمربوع هو الحجر الذى يرفع، وفى الحديث أن النبى ﷺ مر بقوم يربعون حجرا أو يتربعون فقال: عمال الله أقوى من هؤلاء (ذكره فى لسان العرب) وأول من فكر فى تلك اللعبة جابر بن عبد الله الأنصاري، وكان مشهورا بقوته البدنية، وقد اشتهر بالقوة البدنية على بن أبى طالب فإنه فى غزوة خيبر لما ضاع ترسه أمسك بباب كان عند الحصن فتترس به عن نفسه، وكان سبعة نفر ينوءون بحمله (ذكره فى الروض الأنف ج ٢ ص ٢٣٩) .
٧ - القفز أو الوثب العالى: وكان يعرف أيضا عند العرب باسم " القفيزى" حيث كانت توضع عارضة خشبية يتقافزون عليها ولها نظام خاص لإجادتها (عيون الأخبار لابن قتيبة ج اص ١٣٣) .
٨-الكرة: وهى تشبه لعبة البولو فى هذه الأيام، وقد وضعوا لها آدابا مذكورة فى كتب الأدب، قال الحارثة بن رافع. كنت ألاعب الحسن والحسين بالمداحى، والدحو رمى اللاعب بالحجر والجوز وغيره، والمداحى حجارة كشكل القرصة، وتحفر حفرة فترسل تلك القرص نحوها، فمن وقعت قرصته فيها فهو الغالب، وذكر أن ابن المسيب سئل عن الدحو بالحجارة فقال لا بأس به.
٩ -السباحة: عن عطاء بن أبى رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصارى يرميان فملَّ أحدهما فجلس فقال له الآخر:
كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال. مشى الرجل بين الغرضين، وتأديبه لفرسه وملاعبته أهله، وتعليم السباحة" رواه الطبرانى بإسناد جيد، وروى البيهقى بسند ضعيف من حديث أبى رافع: حق الولد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمى. وعن ابن عباس قال: ربما قال لى عمر بن الخطاب: تعال أباقيك فى الماء، أينا أطول نفسا ونحن محرمون.
وفى تاريخ الخلفاء للسيوطى (ص ٢٦٤) عندما تغلب معز الدولة أحمد بن بويه على بغداد شجع السباحة والمصارعة، حتى كان السبَّاح يحمل الموقد عليه القدر باللحم إلى أن ينضج. وروى أن النبى ﷺ سبح وهو صغير عندما زارت به أمه أخواله فى المدينة، فإنه ﵊ لما هاجر ونظر إلى دار التابعة حيث دفن أبوه قال: هاهنا نزلت بى أمى وأحسنت العوم في بئر بنى عدى بن النجار، واستدل به السيوطى على أن النبى عَامَ وذكر أنه روى أبو القاسم البغوى وغيره عن ابن عباس أن النبى ﷺ سبح هو وأصحابه فى غدير، فقال ليسبح كل رجل إلى صاحبه، فسبح ﷺ إلى أبى بكر حتى عانقه، وقال: أنا وصاحبى (الزرقانى على المواهب اللدنية ج اص ١٦٤) .
هذه نماذج للتربية الرياضية أقرها الإسلام، وشجع عليها. تعرف بها مدى مرونة الإسلام وشمول هدايته لكل مظاهر الحضارة الصحيحة. وفى الإطار العادل الذى وضعه للمصلحة، ويلاحظ أن التربية الرياضية لا تثمر ثمرتها المرجوة إلا إذا صحبتها الرياضة الروحية الأخلاقية، وإذا كانت هناك مباريات يجب أن يحافظ على آدابها، التى من أهمها عدم التعصب الممقوت فإذا حدث انتصار لفرد أو فريق وكان الفرح بذلك على ما تقتضيه الطبيعة البشرية، وجب أن يكون فى أدب وذوق، فالقدر قد يخبئ للإنسان ما لا يسره، وقد تكون الجولات المستقبلة فى غير صالح الفائز الآن. ولا يحب أن تكون هناك شماتة به، فيجب عليه أن يحب للناس ما يحبه لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، وقد رأيتم أن الأعرابى سبق بقعوده ناقة النبى التى كانت لا تُسبق، ولما شق على المسلمين ذلك تمثلت الروح الرياضية الصحيحة-كما يعبر المتحدثون -عند النبى ﷺ فقال: إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، وذلك ليهدىء من ثائرة المتحمسين له. وقد سبق أنه قال لعائشة لما سبقها: هذه بتلك.
والأدب الإسلامى عند الخصومة والمنافسة يحتم عدم نسيان الشرف والذوق؟ وعدم الفجور فى المخاصمة فتلك من خصال المنافقين، ففى حديث البخارى ومسلم "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
والإسلام لا يرضى الانحراف عن هذه الآداب فى ممارسة الرياضة وفى إقامة المباريات.
(ا) لا يرضى أن يلهو الشباب بها إلى حد نسيان الواجبات الدينية والوطنية والواجبات الأخرى، ولا يرضى أن نصرف لها اهتماما كبيرا يغطى على ما هو أهم منها بكثير.
(ب) لا يرضى أن نمارس الرياضة بشكل يؤذى الغير، كما يمارس البعض لعب الكرة فى الأماكن الخاصة بالمرور أو حاجات الناس، وفى أوقات ينبغى أن توفر فيها الراحة للمحتاجين إليها. والإسلام نهى عن الضرر والضرار.
(جـ) لا يرضى التحزب الممقوت، الذي فرق بين الأحبة، وباعد بين الأخوة، وجعل فى الأمة أحزابًا وشيعا، والإسلام يدعو إلى الاتحاد ويمقت النزاع والخلاف.
(د) لا يرضى أن توجه الكلمات النابية من فريق لآخر ويكره التصرفات الشاذة التى لا تليق بإنسان له كرامته. وبشخص يشجع عملا فيه الخير لتكوين المواطن الصالح جسميا وخلقيا.
(ر) لا يرضى عن الألعاب الجماعية التى يشترك فيها الجنسان ويحدث فيها كشف للعورات أو أمور ينهى عنها الدين.
(و) لا يرضى عن الألعاب التى تثير الشهوة وتحدث الفتنة، كرياضة الرقص من النساء حين تعرض على الجماهير.
(ز) لا يرضى لجنس أن يزاول ألعاب جنس آخر تليق به ولا تتناسب مع غيره فى تكوينه وفى مهمته ورسالته فى الحياة.
ذلك أن الإسلام حين يبيح شيئا ويجيزه يجعل له حدودا تمنع خروجه عن حد الاعتدال وتحافظ على الآداب وتتسق مع الحكمة العامة للتشريع، وفى إطار هذه الحدود يجب أن تمارس الرياضة، وإلا كان ضررها أكبر من نفعها، وذلك مناط تحريمها، كما هى القاعدة العامة للتشريع. ويشير إلى ذلك كله قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ المائدة: ٨٧، فالآية بعموم لفظها تحرم الاعتداء فى كل تصرف سواء أكان ذلك مطعومًا أم ملبوسًا أم شيئا آخر وراء ذلك، والاعتداء هو تجاوز الحد المعقول الذى شرعه الدين
стр. 4663
أدوات اللعب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم اللعب بالطاولة والشطرنج والكوتشينة والدومينو والسيجة؟
الجواب
الكلام الوافى عن هذه الأشياء موجود فى كتب كثيرة من أهمها، الزواجر لابن حجر الهيثمى، ونيل الأوطار للشوكانى، وحياة الحيوان الكبرى للدميرى " مادة عقرب " وتفسير القرطبى لآية ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ يونس:
٣٢، وتواريخها أشرت إليه فى الجزء الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام، أما حكمها فهناك شبه اتفاق على أن ممارستها محرَّمة إن كان فيها قمار، أو صاحبها محرم كشرب خمر أو سفور أو خلوة أو سباب، أو ترتب عليها ضياع واجب، أو ضرر أيا كان هذا الضرر.
والذى ذكرته الكتب القديمة من هذه الأشياء ووضحت حكمه من واقع النصوص الواردة هو النرد "الطاولة" والشطرنج وإليك خلاصة ما قيل فيهما:
١ - النرد المعروف بالطاولة ورد فيه قول النبى ﷺ "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده فى دم خنزير " رواه مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه. وقال النووى فى التعليق عليه: قال العلماء: النردشير هو النرد، فالنرد عجمى معرب و"شير" معناه حلو. وهذا الحديث حجة للشافعى والجمهور فى تحريم اللعب بالنرد، وقال أبو إسحاق المروزى من أصحابنا:
يكره ولا يحرم "شرح مسلم ج ١٥ ص ١٥ ".
وجاء فيه أيضا حديث "من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله " رواه مالك عن أبى موسى الأشعرى واللفظ له، ورواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقى، ولم يقولوا: أو نردشير،. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، أى الشيخين البخارى ومسلم "تفسير القرطبى "ج ٨ ص ٣٣٨"".
وجاء فى "الترغيب والترهيب "ج ٤ ص ٤ قال الحافظ: ذهب جمهور العلماء إلى أن اللعب بالنرد حرام، ونقل بعض مشايخنا الإجماع على تحريمه.
٢ -أما الشطرنج فقد قال فيه النووى وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه وليس بحرام، وهو مروى عن جماعة من التابعين. وقال مالك وأحمد: حرام، قال مالك: هو شر من النرد وألهى عن الخير، وقاسوه على النرد، وأصحابنا يمنعون القياس ويقولون: هو دونه. "شرح صحيح مسلم ج ١٥ ص ١٥ ".
وقال الحافظ - بعد ذكر حكم النرد-: واختلفوا فى اللعب بالشطرنج، فذهب بعضهم إلى إباحته، لأنه يستعان به فى أمور الحرب، ومنهم سعيد بن جبير والشعبى، ولكن بشروط ثلاثة، عدم القمار، وعدم الإلهاء عن وقت صلاة، وحفظ اللسان حال اللعب عن الفحش، وكرهه الشافعى تنزيها، وذهب جماعات من العلماء إلى تحريمه كالنرد، وقد ورد فى الشطرنج أحاديث لا أعلم لشيء منها إسنادا صحيحا ولا حسنا "الترغيب والترهيب ج ٤ ص ٤ ".
هذا، ومن تظرف الباحثين فى النرد والشطرنج قول بعض المتكلمين -علماء التوحيد والكلام -النرد مجبر والشطرنج معتزلى، فالأول مجبر بحظه، والثانى مختار بفعله "مختارات الأدباء للأصفهانى ج اص ٤٤٨ "
стр. 4664
حكم مشاهدة التلفزيون
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم مشاهدة التلفاز >؟
الجواب
التلفزيون هو جهاز الرؤية من بُعد، ينقل الصوت والصورة معا، بل ينقل الصورة متحركة كأنها حية، وتاريخ اختراعه مشار إليه فى الجزء الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام، وهو يعرض أمورا متعددة، كما يذيع الراديو مواد مختلفة قد يصعب على الكثيرين الحصول عليها لو لم تكن هذه الأجهزة فما كان من هذه الأمور والمواد حلالا فى أصله، ولم يؤثر تأثيرا سيئا على العقيدة أو الأخلاق، ولم يترتب عليه ضياع واجب كان السماع حلالاً والمشاهدة أيضا حلالا، وما خالف ذلك كان ممنوعا يتحمل تبعته المذيعون والمستقبلون. وأكثر ما يسأل عنه هو النظر إلى النساء الراقصات أو الممثلات أو غيرهن ممن يبدين زينتهن ويكشفن ما أمر الله بستره، فقد يقال:
إن الناظر لا ينظر امرأة ولكن ينظر صورتها، وقد تحدَّث الفقهاء قبل أن يظهر التلفزيون عن حكم النظر إلى صورة المرأة فى المرآة، هل يعطى حكم النظر إليها أو لا؟ ووضحه الكمال بن الهمام، ونقله الشيخ طه حبيب فى فتوى نشرت له بمجلة الأزهر "نور الإسلام " عام ١٩٣٢ فى المجلد الثالث ص ٤٩٢ وقال ما نصه: والذى تسكن إليه النفس ويطمئن له القلب هو أن النظر إلى المرأة الأجنبية إنما كان محرما بسبب أنه داع وذريعة إلى الوقوع فيما هو أشد منه حرمة، وهو الوقوع فى المعصية الكبرى، وعليه فالنظر إلى المرأة الأجنبية المعينة بواسطة المرآة بقصد الشهوة غير جائز لأنه ذريعة إلى محرَّم، وكل ما كان كذلك فهو حرام، سواء أكان ذلك مباشرة أو بواسطة المرآة. انتهى.
وإذا كانت هذه الفتوى بشأن الصورة الجامدة التى يخشى من النظر إليها الفتنة، فإن النظر إلى الصورة المتحركة أولى بالمنع لشدة الفتنة بها، وإذا كان المقياس هو الفتنة فالناس مختلفون فيما يفتن وما لا يفتن وكل أدرى بنفسه.
ومما يشهد لجواز مشاهدة المسرحيات والألعاب البريئة ما رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترنى بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون وأنا جارية، فاقدروا قدر الجارية العَرِبَة - المحبة للعب - الحديثة السن. وفى رواية فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال "تشتهين تنظرين "؟ فقلت:
نعم فأقامنى وراءه خدِّى على خده، وهو يقول "دونكم يا بنى أرفدة" حتى إذا مللت قال "حسبك " قلت: نعم، قال "فاذهبى" وبنو أرفدة لقب للحبشة، ولفظ "دونكم " يفيد الإغراء والاستزادة، وكان لعب الحبشة بإلقاء الحراب وتلقيها كما ورد فى رواية أبى سلمة ويحى بن عبد الرحمن بن حاطب "صفوة التصوف للمقدسى" وجاء فى المطالب العالية لابن حجر "ج ٤ ص ١٢٨ " أن عائشة كانت تتفرج على "الدركلة" وهى ضرب من لعب الصبيان، وقيل:
هو الرقص. وفى تأكيد سماحة الإسلام فى-التمتع البرىء أن النبى ﷺ قال لأبى بكر وهو ينهى الجوارى عن الغناء لعائشة يوم العيد "دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد، لتعلم اليهود أن فى ديننا فسحة، وإنى أرسلت بالحنيفية السمحة" رواه أحمد عن عائشة، وذكر الحافظ ابن حجر فى فتح البارى رواية ذلك عن ابن السراج عن عائشة "فتح البارى ج ٢ ص ٥١٥" وما جاء فى الجامع الصغير للسيوطى أن هذا القول كان بمناسبة لعب الحبشة فضعيف.
ولا داعى للقول بأن الرسول ﷺ أجاز لها مشاهدة لعب الحبشة وسماع الأغانى، لأنها كانت صغيرة غير بالغة، أو أن ذلك كان قبل أن يفرض الحجاب ويُحرم اللهو، فإن ذلك احتمال لا يفيد القطع، وإلا ما كان هناك خلاف للفقهاء فى هذه الأحكام "انظر موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ج ٣ ص ١٣٨ "
стр. 4665
موقف الإسلام من السياحة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو موقف الإسلام من السياحة كمورد هام للدخل القومى؟
الجواب
السياحة وهى الانتقال من مكان إلى مكان آخر لمشاهدة ما فيه من آثار أو للتنزه والتمتع بما فيه من مناظر أو مظاهر- أمر لا يمنعه - الدين فى حد ذاته، بل يأمر به إذا كان الغرض شريفا، فقد أمرت الآيات الكثيرة بالسير فى الأرض للاعتبار بما حدث للسابقين ﴿أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمِّر الله عليهم وللكافرين أمثالها﴾ محمد: ١٥، ﴿قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين﴾ النمل: ٦٩.
والحج نفسه سياحة دينية وعبادة مفروضة، وشد الرحال إلى المسجد الحرام بمكة، وإلى المسجد النبوى بالمدينة، وإلى المسجد الأقصى بالشام مرغوب فيه كما جاء فى الحديث الصحيح، وذلك للعبادة وزيادة الأجر، والأمر بزيارة الإخوان والرحلة لطلب العلم وللتجارة كل ذلك سياحة مشروعة، ونسب إلى الإمام الشافعى- ورحلته فى طلب العلم معروفة-دعوته إلى السفر لأن فيه خمس فوائد هي:
تفرج واكتساب معيشة * وعلم وآداب وصحبة ماجد ورحلات الصحابة والتابعين والسلف الصالح للجهاد والتجارة والأغراض العلمية معروفة، وكذلك أخبار الرحالة المسلمين كابن بطوطة وابن جبير لها كتب مدون فيها علم كثير، ولا شك أن البلاد التى يرد إليها السائحون تكسب كثيرا من الناحية المادية والناحية الأدبية، وتحرص كثيرا على أن يفد إليها السائحون، وإذا كان الواقع يشهد بذلك فقد أشار إليه قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ إبراهيم: ٣٧٠.
فأمره الله بأن يؤذن فى الناس بالحج، فأذن وأتوه من كل فج عميق، وعمر المكان وازدهر وسيظل كذلك إلى يوم الدين. وهذا الكسب يكون حلالا إذا لم يكن فيه ضرر سواء أكان هذا الضرر من السائحين أو من الجهة التى يزورونها، وسواء أكان الضرر ماديا أم أدبيا، فقد يكون بعضهم جواسيس أو أصحاب فكر أو سلوك شاذ يريدون نشره، وهنا يجب منع الضرر، فمن القواعد التشريعية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ومن تطبيقات هذه القاعدة قديما، إعلان أبى بكر رضى الله عنه وكان أميرا للحج فى السنة التاسعة من الهجرة ألا يحج بعد العام مشرك، وقد كان العرب يحرصون على الحج من أجل التجارة والمكاسب المادية وكان أهل مكة يستفيدون من ذلك كثيرا ويقومون بتسهيلات كثيرة للحجاج، وأنشئوا خدمات ثابتة من أجل ذلك كالسقاية والرفادة كانوا يتنافسون فيها ويتوارثونها فحرم الإسلام على أهل مكة تمكين المشركين من الحج على الرغم من ضياع الكسب المادى أو الرواج التجارى أو الانتعاش الاقتصادى الذى كانوا يفيدون منه وذكر أن الله سيعوضهم خيرا مما فاتهم بسبب هذا الخطر، وجاء فى ذلك قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء الله إن الله عليم حكيم﴾ التوبة: ٢٨.
قال المفسرون: لما منع المسلمون الكافرين من الموسم وكانوا يجلبون الأطعمة والتجارات قذف الشيطان فى قلوبهم. الخوف من الفقر وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله. قال عكرمة:
أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض، فأخصبت بتَالة وجُرَش -بلدان باليمن فيهما خصب -وحملوا إلى مكة الطعام وكثر الخير وأسلمت العرب، أهل نجد وصنعاء، فكثر حجهم وازدادت تجارتهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم.
والواجب أن توضع قوانين لتنظيم السياحة منعا لما يكون فيها من ضرر، وأملا فى زيادة ما يكون وراءها من خير
стр. 4666
حكم نقل الخصية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز نقل خصية رجل إلى رجل آخر وما الحكم فيما لو كان فيها منى وحملت منه زوجة الرجل المنقول إليه؟
الجواب
من المقرر أن نقل الخصيتين معا من شخص إلى آخر لا يجوز، لأنه خصاء للمنقول منه، والخصاء حرام بنص حديث النبى ﷺ كما رواه البخارى حيث لم يأذن فيه لأبى هريرة الذى لم يجد ما يتزوج به وهو شاب يخاف الزنى. .
أما نقل خصية واحدة فهو كنقل إحدى الكليتين يجوز بشرطين هما مطلوبان فى نقل أى عضو من شخص إلى آخر، وهما عدم الضرر الكبير بالمنقول منه، وغلبة الظن فى استفادة المنقول إليه به، ولا شك أن الخصية هى المعمل الذى يفرز المادة المنوية ويتخلق منها الحيوان المنوى. وهذه المادة عندما تكثر لا بد من إفراغها بطريقة أو بأخرى، فإذا نقلت الخصية بما فيها من مادة مع افتراض أن الحيوانات المنوية بعد القطع ستبقى حية وزُرعت فى شخص آخر، وباشرت عملها من توليد المادة من الجسم الجديد كان فيها خليط من مادة الشخص الأول ومادة الشخص الثانى، فلو فرض تلقيح زوجة الثانى من هذا الخليط فلا يعرف للحمل من أى الشخصين يكون، وتحليل الدم أو الشبه فى الخلقة قد يحدد ذلك. ولو ثبت أنه للشخص الأول كان الاتصال الجنسى حراما، وتجيء هنا مشكلة نسبة المولود على فراش الزوجية وحق الزوج فى ادعائه ونفيه وما قيل فى التلقيح الصناعى.
ولذلك نختار منع عملية النقل أصلا، وذلك لعدم الضرورة إليها، فليس عقم الرجل مفضيا إلى هلاكه أو إلى إلحاق الضرر الشديد به، ولو تم النقل وجب أن تكون هناك فرصة لتفريغ المادة المخزونة فيها والاطمئنان إلى خلوها منها بمعرفة المختصين. وذلك أشبه بمدة الاستبراء والعدة حتى لا تختلط الأنساب بالزواج أو التمتع قبل انتهائها وما يقال فى نقل خصية الرجل يقال فى نقل مبيض المرأة
стр. 4667
مسئولية الطبيب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل على الطبيب مسئولية إذا أخطأ فى العلاج وتسببت عن الخطأ وفاة أو أضرار؟
الجواب
الكلام طويل فى نظرة الإسلام إلى الطب فى جناحيه الوقائى والعلاجى، ومن أهم الكتب المؤلفة فيه كتاب الطب النبوى، وهو أحد أقسام الكتاب الكبير "زاد المعاد" لابن القيم. الذى وضع تعليمات دقيقة تتصل بمن يقوم بالعلاج وبالمريض نفسه والدواء الذى يعالج به، لخصها فى عشرين نقطة.
وفيما يتصل بموضوع السؤال نقول: لقد حرص الإسلام على جدارة المعالج بمباشرة العلاج، وعلى اختيار الأفضل ممن يمارسون هذه المهنة، وذلك من باب الاطمئنان والحفاظ على الصحة والحياة، جاء فى موطأ الإمام مالك مرسلا -أى حديثا سقط من سنده الصحابى- أن النبى ﷺ قال لرجلين يمارسان مهنة الطب " أيكما أطب "؟ فقالا: يا رسول الله: وفى الطب خير؟ فقال "أنزل الداء الذى أنزل الدواء" وفى علاقة هذا الجواب بالسؤال كلام للعلماء يرجع فيه إليهم. وفى مجال هذه الجدارة قال "من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن " وهو حديث إسناده حسن.
يقول الخطابى: لا أعلم خلافا فى أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا، والمتعاطى علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط عنه القود-أى القصاص لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض، وجناية المتطبب فى قول عامة الفقهاء على العاقلة أى أقارب الجانى. انتهى.
ويقول ابن القيم: إن الذين يتعاطون العلاج خمسة أقسام:
ا -طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه -أى يعالجه -تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا.
٢ - طبيب جاهل، إن علم المجنى عليه أنه جاهل وأذن له لم يضمن، وإن ظن أنه طبيب وأذن له ضمن.
٣- حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكن أخطأت يده وتعدت إلى عضو فأتلفه، يضمن لأنها جناية خطأ.
٤ -حاذق اجتهد فوصف دواء فأخطأ فى اجتهاده فقتل، يضمن.
٥ -حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة بغير إذن، يضمن.
هذا، ومن لوازم الخبرة عدم الاعتماد على مؤلفات مجهولة قد تنسب زورا إلى غير المختصين، مثل كتاب "الرحمة فى الطب والحكمة" الذى نسب إلى السيوطى وهو من وضع الشيخ حكيم المقرى مهدى الصبرى الطحاوى - "مجلة الإسلام، السنة الخامسة عشرة، العدد الثالث والثلاثون - بتاريخ ٣/ ٨/ ١٩٤٥ م ".
ومن لوازم الخبرة أيضا جواز مداواة أحد الجنسين للآخر عند الحاجة أو الضرورة بمثل عدم وجود الطبيب المختص الموثوق به
стр. 4668
التحية بالانحناء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز انحناء الممثل على المسرح أمام الجمهور عندما يحيونه؟
الجواب
روى الترمذى بإسناد حسن عن أنس رضى الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه وصديقه، أينحنى له؟ قال " لا " قال: أفيلزمه ويقبله؟ قال "لا" قال أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال "نعم ".
جاء فى الآداب الكبرى عن أبى المعالى أن التحية بانحناء الظهر جائزة، وقيل: هو سجود الملائكة لآدم، قال: ولما قدم ابن عمر الشام حياه أهل الذمة كذلك فلم ينههم. وقال: هذا تعظيم للمسلمين. ولعل مراده بالجواز عدم الحرمة، فلا ينافى الكراهة. قاله السفارينى فى كتابه "غذاء الألباب ج ١ ص ٢٨٦".
يؤخذ من الحديث وما قاله العلماء أن التحية بالانحناء غير مرغوب فيها، وأقل درجة ذلك هو الكراهة، لعدم لياقته بالمسلم الكريم العزيز بإيمانه بالله تعالى. وقد تدخل النية فى تكييف الحكم، فإن كان يقصد المحتفل به بانحنائه الشكر وإظهار التواضع فلا بأس، مع التوصية بعدم المبالغة فيه.
والانحناء لون من ألوان التحية عند اللقاء فى بعض الجماعات، يقصد به تعظيم من قابله كما يفعل للملوك والسلاطين، أما ما يرد به الممثل على المعجبين به فليس كذلك تماما، وهذا يخفف من الحكم عليه
стр. 4669
كفارة اليمين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى كفارة الحنث فى اليمين، هل يمكن إخراج النقود بدل الطعام، وهل يشترط أن يكون الصيام متتابعا؟
الجواب
قال تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ المائدة: ٨٩.
تبين الآية كفارة الحنث فى اليمين، والممكن الآن فى أغلب البلاد الإسلامية- نظرا لإلغاء الرق - هو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام.
ومقدار الإطعام هو ما يكفى غداء وعشاء لكل مسكين من متوسط ما يتغذى به الإنسان الذى وجبت عليه الكفارة، وذلك يختلف باختلاف المستوى الاقتصادى، ولا يراعى فى ذلك وسط المساكين الذين يأخذون الكفارة- وكذلك الأمر فى الكسوة.
وأجاز أبو حنيفة أن يخرج الإنسان قيمة الطعام أو الكسوة، وقد يكون أحسن للمسكين فى بعض الأحوال، وما دمنا اعتبرنا الوسط الذى يعيش فيه من يخرج الكفارة تكون القيمة مختلفة من شخص إلى شخص، وليس لها قدر محدود يلتزمه كل إنسان.
وما جاء فى الكتب من تقدير فإنما ذلك كان بحسب الزمن الذى ألفت فيه، والآية عامة لكل زمان ومكان، فيرجع إلى المتعارف عليه لتقدير الوسط، ففى الأقوال القديمة كما ذكرها القرطبى فى تفسير الآية: أن أهل المدينة كانوا يطعمون مُدا وثلثا، وقال أبو حنيفة: يُخرج الحانث نصف صاع من البر، ومن التمر والشعير صاعا.
هذا، والصيام يجب أن يكون متتابعا كما قال أبو حنيفة والشافعى فى قول له، بناء على قراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات، ولا يجب التتابع عند مالك والقول الآخر للشافعى، لعدم النص أو القياس على المنصوص، وعليه فتترك الحرية لمن يصوم، والدين يسر
стр. 4670
ضرب التلميذ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل ضرب المدرس للتلميذ ضربا كثيرا حرام؟
الجواب
العقاب بالضرب موجود منذ القدم فى تأديب الأطفال فى البيوت وفى المدارس وقد رخص الإسلام فى ضرب الزوجة الناشز إذا لم تفلح الموعظة والهجر، وقد جاء فى الحديث الذى رواه أبو داود عن النبى ﷺ "مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم فى المضاجع ".
غير أنه ينبغى ألا يكون الضرب مبرحا، وأن يستعمل عند من لا يصلحه إلا ذلك، دخل ولد لعمر بن الخطاب عليه وقد رجَّل شعره ولبس ثيابا حسنة، فضربه بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ فقال: أعجبته نفسه فأحببت أن أصغرها إليه "تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ٩٦"وثبت أن أمراء المؤمنين أذنوا لمؤدبى أولادهم أن يضربوهم عند اللزوم، وينبغى أن يكون الضرب من أجل التأديب وليس لدافع شخصى.
يقول ابن حجر الهيتمى المتوفى سنة ٩٧٤ هـ: إن ضرب التلميذ يكون بعد إذن ولى أمره، وأن يظن أنه يفيد، وألا يكون مبرحا فإذا ظن أنه لا يفيد إلا الضرب الشديد الإيذاء فلا يجوز بالإجماع، لأن العقوبة شرعت لظن الإصلاح، فإذا جاء بها ضرر انتفت. وجاء فى مقدمة ابن خلدون "ص ٣٩٩": قال أبو محمد بن أبى يزيد فى كتابه عن المعلمين والمتعلمين: لا ينبغى لمؤدبى الصبيان أن يزيدوا فى ضربهم - إذا احتاجوا إليه - على ثلاثة أشواط شيئا "انظر الجزء الرابع من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ص ٣٣٣- ٣٣٥ "
стр. 4671
ملك اليمين والخدم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المراد بملك اليمين فى قوله تعالى ﴿والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين﴾ المؤمنون: ٥، ٦
الجواب
ملك اليمين هم الأرقاء الذين ضرب عليهم الرق فى الحرب الإسلامية المشروعة، أو تناسلوا من أرقاء، فمن ملك أَمة جاز له -بعد استبرائها -أن يتمتع بها كما يتمتع الزوج بزوجته، دون حاجة إلى عقد أو مهر أو شهود.
وليس لهن عدد محدود يباح للرجل ألا يزيد عليه بخلاف الزواج من الحرائر فلا يزيد على أربع فى عصمة واحدة.
والتمتع بملك اليمين ربما يفهم بعض الناس من ظاهره أنه إطلاق لشهوة الرجال وزيادة فى التمتع ولكنه فى حقيقته وسيلة من وسائل تحرير الرقيق، لأن الأمة إذا حملت من سيدها لا يستطيع أن يبيعها أو يهبها، وإذا مات لا تورث كما يورث المتاع، بل تصير حرة، وابنها يكون حرا لا رقيقا.
أما المنهى عنه فهو الزواج من الإماء بعقد ومهر كالحرة، وهو لا يجوز إلا عند توفر أمرين، أولهما العجز عن مهر الحرة، والثانى خوف الزنا إن لم يتزوج، قال تعالى ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ إلى أن قال ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾ النساء: ٢٥.
وسر النهى عن نكاحهن بعقد ومهر وشهود أن الأولاد الناتجين من هذا الزواج يكونون أرقاء لا أحرارا، والإسلام لا يريد زيادة فى الأرقاء، بل يريد الزيادة فى الحرية، وله أساليبه الكثيرة فى ذلك.
فالآيتان اللتان فى السؤال تقولان إن المؤمنين يصونون أنفسهم عن العلاقات النسوية المحرمة، ولا يحل لهم إلا التمتع بالزوجات الحرائر عن طريق العقد المعروف، أو بالإماء عن طريق ملك اليمين.
هذا، وأما الخادمات فهن حرائر ولسن إماء، فلا يجوز التمتع بهن إلا بالزواج الصحيح. والرق قد بطل الآن باتفاق الدول، ولا يوجد منه إلا عدد قليل جدا فى الدول التى لم توقع على الاتفاقية الدولية
стр. 4672
العملية المرذولة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى ممارسة العادة السرية، وكيف يتجنبها الشباب؟
الجواب
تحدث العلماء عن هذه العملية المرذولة فى كتب التفسير والفقه،وبين حكمها الزبيدى فى شرحه للإحياء وتكلم عنها ابن القيم فى "بدائع الفوائد".
وخلاصة أقوال الفقهاء فيها وهو ما نختاره للفتوى، ما يأتى:
حرمها الشافعية والمالكية (شرح الإحياء) وحرمها الأحناف إذا كانت لاستجلاب الشهوة (التشريع الجنائى جـ ٢ ص ٣٦ وما بعدها) .
وقال الحنابلة: إنه جائز عند الحاجة. قال ابن قدامة من الحنابلة فى (المغنى ص ٦٤ من المعجم) : من استمنى بيده فقد ارتكب محرما.
هذا، وقد ذكرت فى الجزء الأول من كتابى-"الأسرة تحت رعاية الإسلام " كل ما قيل فى هذه المسألة، وأكتفى الآن بإيراد فتوى الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق نشرت فى مجلة الأزهر (المجلد ٣ عدد المحرم ١٣٩١ هـ ص ٩١) انتهى فيها إلى قوله:
ومن هذا يظهر أن جمهور الأئمة يرون تحريم الاستمناء باليد، ويؤيدهم فى ذلك ما فيه من ضرر بالغ بالأعصاب والقوى والعقول، وذلك يوجب التحريم.
ومما يساعد على التخلص منها أمور، على رأسها المبادرة بالزواج عند الإمكان ولو كان بصورة مبسطة لا إسراف فيها ولا تعقيد، وكذلك الاعتدال فى الأكل والشرب حتى لا تثور الشهوة، والرسول فى هذا المقام أوصى بالصيام فى الحديث الصحيح "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ومنها البعد عن كل ما يهيج الشهوة كالاستماع إلى الأغانى الماجنة والنظر إلى الصور الخليعة، مما يوجد بكثرة فى الأفلام بالذات، ومنها توجيه الإحساس بالجمال إلى المجالات المباحة، كالرسم للزهور والمناظر الطبيعية غير المثيرة، ومنها تخير الأصدقاء المستقيمين والانشغال بالعبادة عامة، وعدم الاستسلام للأفكار، والاندماج في المجتمع بالأعمال التى تشغله عن التفكير فى الجنس، وعدم الرفاهية بالملابس الناعمة والروائح الخاصة التى تفنن فيها من يهمهم إرضاء الغرائز وإثارتها وكذلك عدم النوم فى فراش وثير يذكر باللقاء الجنسى، والبعد عن الاجتماعات المختلطة التى تظهر فيها المفاتن ولا تراعى الحدود.
وبهذا وأمثاله تعتدل الناحية الجنسية ولا تلجئ إلى هذه العادة التى تضر الجسم والعقل وتغرى بالسوء
стр. 4673
تغيير المنكر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الإسلام فى الشباب الذى يدعو إلى تغيير المنكر باليد واستخدام القسوة والعنف حتى استخدام الأسلحة النارية. وهل من حقه ذلك؟
الجواب
روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
فى هذا الحديث مراتب لتغيير المنكر، إذا عجز الإنسان عن إحداها استعمل الأخرى.
والتغيير باليد لمن له سلطان على مرتكب المنكر، كالوالد مع ولده، والزوج مع زوجته، والراعى فى رعيته، والوالد والزوج يغيران المنكر فى حدود سلطتهما التى لو تجاوزاها ارتكبا منكرا، أو أدى إلى ضرر بالغ أو منكر أكبر، أما الراعى فله السلطان الكامل.
والتغيير فى أية مرتبة من مراتبه لابد أن يكون بالحكمة، حتى لا يكون فيه ضرر على الشخص المنكِر ولا يؤدى إلى منكَر أشد أو فتنة تزيد بها المنكرات ولا تزول، والرسول ﷺ لم يَقْدِر فى مكة على تغيير المنكر، وهو عبادة الأصنام - بتحطيمها، وإلا لقضى المشركون على الرسول والقلة المؤمنة معه، وكانت نتيجة الدعوة عكسية، لم تحقق الغرض بل زادت الفساد.
وكم نزل من الآيات فى مكة تحث الرسول على الصبر على ما يقابل به من تكذيب واستهزاء واعتداء بأساليب مختلفة، بل إن الصلاة لما فرضت فى مكة كان يصليها عند الكعبة والأصنام منصوبة من حوله، لا يستطيع أن يمد يده إليها بأذى، فلما هاجر إلى المدينة وتكونت الدولة الإسلامية وقويت وفتح الله مكة على يد الرسول وأصحابه سنة ٨ هـ حطم الرسول الأصنام ولم يعترض عليه أحد، لأن أهلها أسلموا ولا يستطيعون مقاومة القوة الإسلامية.
وكبار العلماء المسلمين السابقين الذين تركوا لنا تراثا فقهيا لا مثيل له، وعلى رأسهم حجة الإسلام الإمام الغزالى المتوفى ٥٠٥ هـ وضعوا قواعد وإرشادات للدعوة مستخلصة من النصوص ومن روح الشريعة جاء فيها: أنه إذا عُلم حصول الفائدة من الدعوة ولم يخف ضررا.
وجبت الدعوة، وإن لم يعلم فائدة وخاف الضرر حرمت الدعوة، لأنها إلقاء للنفس فى التهلكة.
وبعض المتحمسين لتغيير المنكر لا يراعون الحكمة ولا الآداب فألقوا بأيديهم إلى التهلكة، والمنكر لم يتغير، ووقع الضرر عليهم وعلى ذويهم والبرآء ممن يتصلون بهم، أرجو الله أن يهديهم إلى طريق الصواب ويكفوا عن الأساليب الضارة، وعليهم الإنكار باللسان فى إطار الحكمة إن علموا فائدة ولم يخشوا ضررا، وإلا اكتفوا بالإنكار بالقلب الذى يترجم عنه السلوك حتى يغير الله الظروف وتأخذ الدعوة طريقا مناسبا. .
راجع رسالة الأوقاف فى هذا الموضوع، وكتاب (بيان للناس من الأزهر الشريف) الجزء الأول
стр. 4674
الرأى العام والشورى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى أهم العوامل التى تؤثر على الرأى العام؟
الجواب
الرأى العام له مؤثرات كثيرة، قد يكون الرأى العام نابعا من قوم لهم سلطان اقتصادى أو سلطان سياسى أو سلطان عنصرى يحاولون فرض رأيهم على كثيرين من الناس. وبالدعايات يقال إن الرأى العام فى هذه الدولة أو فى هذه المنطقة هو كذا.
الرأى العام أشبه ما يكون فى الفقه الإسلامى بالإجماع، والإجماع تكلم فيه الأصوليون كثيرا وقالوا: إن الإجماع بمعناه الحقيقى الأصيل لا يمكن أن يتحقق أبدا لأن المفروض فى الإجماع أن يؤخذ رأى كل فرد من المسلمين أو على الأقل كل فرد عنده صلاحية إبداء الرأى، ولم يحصل هذا أبدا فى المناطق الإسلامية ولذلك لم يعتبره كثير من الفقهاء ولا من الأصوليين. الرأى العام إذا قلنا إنه موجود مثلا فى الحضارة الإغريقية فمن الذى له رأى عام هناك؟ قرأت فى فلسفتهم وفى نظمهم أنهم يقولون: إن الإنسان الجدير بالحياة هو الإغريقى فقط وما عدا الإغريقى فهو من البربر-بل إن فلاسفة الثورة الفرنسية وما قبل الثورة الفرنسية، أثر عن بعضهم أنه قال: يستحيل مطلقا أن يجعل الله الروح الطاهرة الشريفة فى جسم إنسان أسود من رأسه إلى قدمه - هل الرأى العام الذى يؤخذ فى مثل هذه الأوساط له اعتباره؟ لا- الرأى العام لا يكون صحيحا ولا مطمأَنا إليه إلا إذا كان الشعب نفسه على تربية معينة تؤهله لأن يقول هذا الرأى العام - الرأى العام فى الإسلام لا بد أن يصدر عن مسلمين عندهم أصالة إسلامية فى الفكر والأمانة، ودون ذلك لا يعتبر رأيا عاما.
ما هى مواصفات الشخص المستشار؟ والشخص الذى نأخذ منه المشورة أو يعتبر رأيه؟ كل الصفات التى تقال فى الناخب والمنتخب فى المشير وفى من طلب المشورة كل ذلك مفصل فى كتاب اسمه الأحكام السلطانية للماوردى - ما ترك شاردة ولا واردة من أصول الحكم إلا تحدث عنها واستمد أدلتها من القرآن والسنة وعمل الصحابة وعمل السلف -وتحدث عمن يرشحون أنفسهم للخلافة وعمن يرشحهم وعن الذين يختارون هذا -وقالوا فى ضمن ما قالوا: هناك صفتان أساسيتان فى الذى يُنتخب والذى ينتخب هما العدالة والعلم أو العقل بمعنى أن يكون عند الذى يعطى المشورة ويعطى الرأى له علم وخبرة وفى الوقت نفسه عنده أمانة هذان الأساسان مأخوذان من قوله تعالى فى قول يوسف عن نفسه عندما طلب أن يجعل نفسه على خزائن الأرض لعزيز مصر ﴿اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم﴾ يوسف: ٥٥، والحفظ معناه الأمانة والعلم معناه الخبرة، فلا ينبغى أبدا أن نأخذ مشورة من إنسان جاهل، هذا شيء لا يصدقه أى إنسان. إذا أردت فى خصوصيات نفسك أن تستشير أى إنسان فى مسألة رياضية أو مسألة هندسية أو مسألة دينية تطلبها من صاحب الاختصاص: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ النحل: ٤٣، ومبدأ العلم بالذات ذكرنى بمجلس استشارى لسيدنا عمر. كان يجعل مجلسا استشاريا من كبار المهاجرين وكان يقحم معهم عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، هذا الحديث ثابت فى البخارى عندما كان كبار مشايخ المهاجرين وهم الصفوة الممتازة فى مجلس عمر رئيس الدولة ومعهم عبد الله بن عباس صاحب السن الصغيرة الفتى الشاب من الذى أجلسه هذا المجلس!؟! كانوا ينظرون إليه نظرة فهمها سيدنا عمر فأراد سيدنا عمر أن يبين لهم أنه اختاره لصفة فيه ربما تكون مفقودة فى الكثير منهم وليست العبرة بصغر السن ولا فى السبق بالإسلام وإنما العبرة فى هذا المجلس بالعلم والخبرة، طرح هذا السؤال ماذا تقولون فى قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح.
ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا﴾ النصر: ١، ٢، فكلهم هز رأسه وقال: هذه واضحة-الله يقول إذا جاءك يا محمد نصر الله، وفتح عليك فسبح بحمد ربك أى أكثر من التسبيح واستغفره لأن الله تواب، تفسير سطحى يعرفه كل إنسان، فنظر إلى عبد الله بن عباس وقال له: ما تقول فيها، قال أقول فى هذه السورة: إنها نعى رسول الله كأن الله قال: انتهت مهمتك وستموت وتلحق بى لأن النصر جاء وفتحت عليك مكة. انتهت مهمتك أو كادت فاستعد للقائى بشكر الله على النعمة وبالاستغفار من ذنب إن كان هناك ذنب إن الله كان توابا.
فلما قال هذا شهدوا لحكمة سيدنا عمر فى اختيار هذا المستشار لعقله ولعلمه، وكم فى المسلمين من لهم هذه الصفة.
وأما فى حديث مصابيح السنة للبغوى فى إيثار النبى ﵊ -الاستشارة- بالرجلين العظيمين وهما سيدنا أبو بكر، وسيدنا عمر وقال: لو اتفقتما على أمر لم أخالفكما، ثم قال: لو أننى آمر أحدا بدون مشورتكما لأمَّرت ابن أم عبد -أى عبد الله بن مسعود- فالرسول ﵊ طلب الرأى ممن عندهم خبرة ودراية وفى الوقت نفسه ممن عندهم ذمة وأمانة - هذان الأصلان يجب أن يوضعا فى رأس القائمة فى مواصفات كل من يقدم نفسه ليكون عضوا أو نائبا وفى كل من يدلى بصوته، إذا تحقق هذان الأصلان كانت المشورة فى موقعها
стр. 4675
تأمين الفكر الإسلامى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما المراد بالفكر الإسلامى، وما هى وسائل تأمينه؟
الجواب
الفكر قد يراد به المعنى المصدرى وهو حركة العقل أى التفكير، وقد يراد به المعنى الحاصل بالمصدر، وهو القضايا الناتجة عن هذه الحركة وغيرها، ويجب أن نعلم أن فى الإسلام قضايا لا يصلح أن يطلق عليها اسم الفكر الإسلامى، وهى القضايا التى مصدرها الوحى بدءا أو نهاية، كاجتهاد الرسول الذى أقره الوحي الإلهى، وذلك كالعقائد وما عرف من الدين بالضرورة. وفيه قضايا هى نتاج العقل والنظر، سواء فى الأصول والفروع، كحكم مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أو كافر أو فى منزلة بينهما؟ وكالقدر الواجب مسحه من الرأس فى الوضوء، وغير ذلك مما فى كتب الكلام والفقه.
وتأمين القضايا الأولى يكون بتعلمها والتسليم بها، والنقاش حولها لا يكون بنقضها ولكن بدعمها وبيان حكمتها، مع التسليم بأن الجهل بالحكمة لا يغير الحكم، كالشأن فى الآيات المتشابهات إما أن يسلم بها كما هى، وإما أن تؤول على ضوء الآيات المحكمات.
أما القضايا الاجتهادية فتأمينها فى نظرى يكون بمدارستها واختيار أوفقها لروح الشريعة ولمسايرة العصر فيما ثبتت فائدته تحقيقا لحكمة التشريع فى رعاية المصلحة، مع بيان فضل هذا النتاج الفكرى وما ثبت من أصول على نتاج الأفكار والشرائع الأخرى.
وإذا أريد بالفكر الإسلامى حركة العقل أو منهج البحث فهناك تكون الخطورة، لأن السلوك وليد الفكر كما أثبته العلم -وسبق به الرسول فى قوله "ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب " رواه البخارى ومسلم. وتأمين هذا الفكر أو هذا التفكير فى الإسلام له مجالان، مجال وقائى ومجال علاجى.
ففى المجال الوقائى أضع هذه الوسائل باختصار:
ا - ترك النص الواضح جانبا والنظر فى غيره، فالحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، وهذه هى محل التفكير لبيان ما هو خير منها.
٢ -عدم التقليد الأعمى فى العقائد والأفكار والسلوك لغير المعصوم، وكم فى القرآن من آيات تنص عليه. منها قوله تعالى ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ الزخرف: ٢٣، ٢٤، وقوله ﴿وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ الأحزاب: ٦٧.
٣-طلب الدليل والبرهان لكل ما يؤخذ من قضايا، وفى القرآن قوله تعالى ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ النمل: ٦٤، وقوله ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ الأنعام: ١٤٨.
٤ - كون المقدمات التى يستدل بها يقينية فى العقائد بالذات لأنها هى التى توجه السلوك، قال تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ الإسراء: ٣٦، وقال ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ النجم: ٢٨، وقال ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ الحجرات: ٦.
٥ -عدم التعصب للرأى الاجتهادى فهو محتمل للخطأ، لأنه قد يتأثر بالهوى أو بمؤثرات أخرى، وأقوال الأئمة المجتهدين فى ذلك معروفة "إذا صح الحديث فهو مذهبى واضربوا بقولى عرض الحائط " "رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب "وقال الإمام الشافعى.
كلما أدبنى الدهر أرانى نقص عقلى * وإذا ما زدت علما زادنى علماً بجهلى ٦ - محاولة أن يكون الاجتهاد جماعيا وهو المعروف بالشورى تضييقا لشقة الخلاف، وتنويرا للأذهان ومساعدة لها على الوصول إلى الحق أو القرب منه.
٧-طلب العلم على المختصين، والقضاء على فكرة الحواجز التى يحاول المنحرفون أن يضعوها بين الشباب، وبين رجال العلم، والله يقول ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ النحل: ٤٣.
٨-وضع حد للفتاوى التى تصدر من غير ذوى الاختصاص، فمن قال فى القرآن برأيه ضل وفى الحديث المتفق عليه "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوهم بغير علم فضلوا وأضلوا" وأحب أن أقول هنا: إن الإسلام ليس فيه كهنوت أو عصمة جماعة عن الخطأ ينزل قولهم منزلة الوحى، ولكن فيه اختصاصا بالعلم والمعرفة، شأن كل علم فى أى قطاع لابد أن يؤخذ عن أهله، وباب العلم مفتوح لكل راغب، لكن الفتوى هى لمن بلغوا درجة منه تؤهلهم لها.
٩ -الاهتمام بتحصين كل مسلم وبخاصة فى مراحل التعليم الأولى، وذلك بالعناية بالتعليم الدينى على وجه يجعل الشاب بالذات حذرا متيقظا ناقدا كل فكر طارئ، وبدون هذه الحصانة سيكون الانحراف والانجراف أمام التيارات العنيفة المحلية والخارجية
стр. 4676
مسئولية العضو المنقول
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا اقترف شخص ذنبا بعد أن نقل إليه دم أو كلية، فهل ينال المتبرع جزء من الإثم والعقاب؟
الجواب
اعلم أن الثواب والعقاب لا يحصل لأجزاء الجسم من حيث كونها أجزاء قامت بعمل الخير أو الشر، بل مناط الجزاء هو قصد الإنسان ونيته وحريته واختياره فالأعضاء آلات مسيرة مسخرة لا اختيار لها فى العمل ما لم تدفعها إرادة الإنسان.
والشخص الذى نقل منه العضو انقطعت صلته بهذا العضو، وليس له سلطان عليه بإرادته وحريته، وإنما المسئول عن هذا العضو هو الشخص الذى استفاد منه، فهو الذى يحركه ويوجهه. وعلى هذا فلا صلة بين الشخصين فيما يعمله كل منهما من خير أو شر ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ المدثر:٣٨، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فاطر: ١٨.
ومثل العضو مثل سكينة باعها شخص إلى شخص آخر، لا مسئولية عليها ولكن على من يستعملها، وإذا كانت الأعضاء ستشهد أمام الله بما يعمل الإنسان، كما قال تعالى ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ النور: ٢٤، فهى تشهد على من كانت متصلة به من كلا الشخصين
стр. 4677
البدعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الفرق بين البدعة الشرعية والبدعة اللغوية؟
الجواب
جاء فى كتاب "النهاية فى غريب الحديث والأثر" لابن الأثير فى مادة "بدع " وفى حديث عمر رضى الله عنه فى قيام رمضان: نعمت البدعة هذه: البدعة بدعتان بدعة هُدَى وبدعة ضلال، فما كان فى خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ فهو فى حَيز الذم والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله أو رسوله فهو فى حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك فى خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبى ﷺ قد جعل له فى ذلك ثوابا فقال "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها" وقال فى ضده "ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" وذلك إذا كان فى خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ .
ومن هذا النوع قول عمر رضى الله عنه "نعمت البدعة هذه " لما كانت من أفعال الخير وداخلة فى حيز المدح سماها بدعة ومدحها، لأن النبى ﷺ لم يُسنَّها لهم وإنما صلاها ليالى ثم تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت فى زمن أبى بكر، وإنما عمر رضى الله عنه جمع الناس عليها وندبهم إليها. فلهذا سماها بدعة وهى على الحقيقة سنة بقوله ﷺ "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" وقوله "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر "كل محدثة بدعة" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة. وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا فى الذم، انتهى ما قاله ابن الأثير.
ثم أقول: إن تحديد المفاهيم عنصر هام من عناصر البحث فى أى موضوع، وبدونه تختلف الأحكام وتتضارب الأقوال، ويحدث التفرق.
وتحديد مفهوم البدعة التى هى ضلالة فى النار فيه صعوبة. ومن ركام التعريفات التى ملئت بها الكتب أستطيع أن أقول: إن للعلماء فى تعريف البدعة منهجين، أولهما لغوى عام، والآخر اصطلاحى خاص.
ا - فأصحاب المنهج الأول نظروا إلى مادة "البدعة " التى تدل على اختراع على غير مثال سبق فعرفوها بأنها ما أحدث بعد النبى ﷺ وبعد القرون المشهود لها بالخير.
وهذا التعريف يدخل فيه ما كان خيرا وما كان شرا، وما كان عبادة وما كان غير عبادة، والذى حملهم على هذا التعريف الشامل ورود لفظ البدعة مرة محمولا عليه الذم، ومرة محمولا عليه المدح، وبهذا عرف أن البدعة قد تكون ممدوحة وقد تكون مذمومة، قال الشافعى رضى الله عنه: المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة، والثانى ما أحدث من الخير وهذه محدثة غير مذمومة.
وعلى هذه الطريقة فى تعريف البدعة وشمولها للممدوح والمذموم جرى عز الدين بن عبد السلام، فقسم البدعة إلى واجبة كوضع العلوم العربية وتعليمها، وإلى مندوبة كإقامة المدارس، ومحرمة كتلحين القرآن بما يغير ألفاظه عن الوضع العربى، ومكروهة كتزويق المساجد ومباحة كوضع الأطعمة ألوانا على المائدة.
٢- وأصحاب المنهج الثانى عرفوا البدعة بأنها الطريقة المخترعة على أنها من الدين وليست من الدين فى شىء، أو بأنها طريقة فى الدين مخترعة تضاهى الطريقة الشرعية ويقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية، ويدخل فيها العبادات وغيرها وقصرها بعضهم على العبادات، وعلى هذا التعريف تكون البدعة مذمومة على كل حال ولا يدخل فى تقسيمها واجب ولا مندوب ولا مباح. وعلى هذا المعنى يحمل الحديث "كل بدعة ضلالة" ويحمل قول مالك رضى الله عنه: من ابتدع فى الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، لأن الله قال ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة: ٣، وأصحاب هذا المنهج يحملون قول عمر فى صلاة التراويح على المعنى اللغوى.
وبعد، فإن موضوع البدعة دقيق، وفيه كلام طويل، ويمكن للاستزادة الرجوع إلى كتابى "قضايا معاصرة" أو "محاضرات البحوث الاجتماعية " للقسم العالى للدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، ففيه أن اسم البدعة ظهر بوضوح فى زحمة الخلافات الفكرية، التى من أجلها ألف أبو الحسن الأشعرى المتوفى سنة ٣٠٤ هـ كتابه "اللمع فى الرد على أهل الزيغ والبدع " ثم ظهرت مؤلفات فى البدع المتعلقة بالفروع وأن الإمام الغزالى فى الإحياء "ج ١ ص ٢٤٨" قال: كم من محدث حسن كما قيل فى إقامة الجماعات فى التراويح إنها من محدثات عمر رضى الله عنه وإنها بدعة حسنة، وإنما البدعة المذمومة ما تصادم السنة القديمة أو ما يكاد يفضى إلى تغييرها، وأن البدعة المذمومة ما كانت فى الدين، أما أمور الدنيا فالناس أعلم بشئونها، مع صعوبة الفصل بين أمور الدين وأمور الدنيا، لأن دين الإسلام نظام شامل، الأمر الذى جعل بعض العلماء يقصرون البدعة على العبادى دون العادى، وعممها البعض الآخر.
وفى المرجع المذكور نرى البدعة تكون فى العقيدة وفى العبادة وفى المعاملات والأخلاق، وأن أفعال الرسول ﷺ وهو الأسوة الحسنة، هل تعد كلها سنة تتبع وجوبا وندبا، أو لا تعد كلها من هذا القبيل؟ وأن ما تركه هل نتأسى به فيه أو لا نتأسى وضربت أمثلة يكثر الحديث عن البدعة فيها، كالأذان الأول لصلاة الجمعة وزيادة درجات المنبر على ثلاث درجات، والركعتين قبل صلاة الجمعة، وقراءة سورة فى المسجد قبل صلاة الجمعة بصوت مرتفع،ورفع المؤذن صوته بالصلاة على النبى ﷺ بعد الأذان، ومصافحة المصلين بعضهم بعضا عقب الخروج من الصلاة، وقول سيدنا محمد فى الأذان والتشهد فى الصلاة، وحلق اللحية. ولكل من هذه الأمور بحث فى هذا الكتاب.
وأكدت على أن تقصر البدعة على ما يتصل بالدين، وتترك أمور الدنيا لمواكبة العصر فى التطور، وعلى أن العبرة بالمسميات لا بالأسماء، كجواز الاحتفال بيوم المولد وعدم جوازه بعيد المولد، وعلى تغيير المنكر إن أجمع على أنه منكر يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وما يكون فيه اختلاف لا ينبغى أن يكون التخاصم والتنازع من أجله، وأن من انخدع برأيه وظن أو اعتقد أنه هو وحده الناجى وأن غيره هالك فهو أول الهالكين كما فى حديث رواه مسلم
стр. 4678
أكل لحم الخيل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل أكل لحم الخيل حلال؟
الجواب
أكل لحم الخيل حلال لحديث البخارى ومسلم عن جابر قال:
نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأرخص فى الخيل، ووردت عدة أحاديث صحيحة تدل على أن الصحابة كانوا يأكلون لحوم الخيل، منها حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما فى البخارى ومسلم، قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناها. وفى رواية: ونحن بالمدينة.
ومن القائلين بحِلِّ لحم الخيل شريح القاضى والحسن البصرى وعطاء وسعيد بن جبير والليث بن سعد وسفيان الثورى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وغيرهم، وذهب أبو حنفية والأوزاعى ومالك إلى أنه مكروه، غير أن الكراهة عند مالك كراهة تنزيه لا كراهة تحريم، واستدلوا بما فى سنن أبى داود والنسائى وابن ماجه أن النبى ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، لقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ النحل: ٨.
وقال الشافعى ومن وافقه: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه. وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، وأما الحديث الذى استدل به أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما فقال الإمام أحمد: ليس له إسناد جيد وفيه رجلان لا يعرفان، ولا ندع الأحاديث الصحيحة لهذا الحديث، وعلى هذا فأكل لحم الخيل حلال على أكثر المذاهب
стр. 4679
التصفيق للإعجاب والتحية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم التصفيق لتحية الضيف الوافد على الحفل أو الإعجاب بما يقول المتحدث؟
الجواب
يقول الله تعالى عن الكفار ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ الأنفال: ٣٥، المكاء هو الصفير، والتصدية هى التصفيق كما قال ابن عمر والسُدِّى ومجاهد. وهناك أقوال أخرى فى تفسيرهما لا داعى لذكرها، قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة فى ظنهم.
من هذا يعرف أن الذين يتقربون إلى الله ويعبدونه بالتصفير والتصفيق، مخطئون، وقد أشار إلى ذلك القرطبى فى تفسيره، حيث نهى على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون، وقال: إنه منكر يتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. انتهى.
لكن التصفيق المذكور فى السؤال ليس عبادة، ولا يقصد به التقرب إلى الله، ليثيبهم على احترامهم لإنسان يستحق الاحترام، بل هو عرف وسلوك اختاروه ابتداء أو قلدوا فيه غيرهم ليظهروا الإعجاب بما يثير إعجابهم، وليس هناك ما يمنع ذلك شرعا.
وإن كنا نوصى بألا يكون ذلك فى الأحفال التى تقام فى المساجد، تنزها عن المشاركة للمشركين فى الصورة التى كانت تقع منهم فى المسجد للتقرب، وليكن الإعجاب بالتكبير مثلا أو بصيغة تتناسب وجلال المسجد، وقد روى بسند ضعيف أن النبى ﷺ قال للنابغة لما أنشده شعرا أعجبه "أحسنت يا أبا ليلى، لا يفضض الله فاك " وكذلك قال لعمه العباس لما مدحه بقصيدة شعرية "العراقى على الإحياء - كتاب آداب السماع "
стр. 4680
التشبه بين الجنسين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال؟
الجواب
روى البخارى وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
وروى أبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل.
وروى أحمد والطبرانى أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه رأى أم سعيد بنت أبى جهل متقلدة سيفا وهى تمشى مشية الرجال فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه من النساء بالرجال ".
يؤخذ من هذه الأحاديث تحريم تشبه أحد من الجنسين بالجنس الآخر، ومحل الحرمة إذا تحقق أمران:
أولهما: أن يكون التشبه مقصودا، بأن يتعمد الرجل فعل ما يكون من شأن النساء وأن تتعمد المرأة فعل ما يكون من شأن الرجال، فإن هذا القصد فيه تمييع للخصائص أو إضعاف لها، والواجب أن تكون خصائص كل جنس فيه قوية، فذلك تقسيم الله لخلقه وتنسيقه فيما أودع فى كل منهما من خصائص لمصلحة المجموعة البشرية، أما مجرد التوافق بدون قصد وتعمد فلا حرج فيه، فالناس بأجناسها تتفق فى أمور مشتركة كاستعمال أدوات الأكل وركوب الطائرات وما إلى ذلك.
وهذا ما يعنيه لفظ "تشبه " ففيه عمل وقصد، أما إذا انتفى القصد فيكون تشابها لا تشبُّها، ولا حرج فى التشابه فيما لم يقصد.
والأمر الثانى:أن يكون التشبه فى شيء هو من خصائص الجنس الآخر، والذى يحدد ذلك إما أن يكون هو الدين، وإما أن يكون هو الطبع نفسه، أى الجبلة التى خلق عليها الإنسان، وإما أن يكون هو العرف والعادة، وكثير من التشبه يكون فى ذلك فى أول الأمر، حيث يوجد القصد والتعمد والإعجاب، ثم بعد ذلك يصير شيئا مألوفا لا شذوذ فيه، ولا يعد تشبها مذموما
стр. 4681
التحية بين الجنسين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى إلقاء المرأة السلام على الرجل أو العكس؟
الجواب
روى مسلم أن أم هانى بنت أبى طالب أتت النبى ﷺ يوم الفتح - وهو يغتسل وفاطمة تستره -فسلمت.
وروى ابن الجوزى عن عطاء الخراسانى قول النبى ﷺ "ليس للنساء سلام ولا عليهن سلام ".
بناء على هذا قال جماعة من العلماء بمنع التحية بين الرجال والنساء مطلقا، استنادا إلى حديث ابن الجوزى. لكن جمهور العلماء قالوا: إن كانت هناك فتنة بالسلام فلا يجوز الابتداء ولا الرد، فالمرأة الجميلة لا يجوز إلقاء السلام عليها، ولو سلم عليها الرجل لا يجب عليها الرد بل لا يجوز، وليس لها أن تسلم عليه ابتداء، فإن سلمت لا تستحق الرد، فإن أجابها كره له ذلك، أما إذا لم تُخش الفتنة بالسلام فيجوز، كالسلام على العجائز وذوات المحارم، استنادا إلى حديث أم هانىء.
هذا هو حكم السلام بين رجل واحد وامرأة واحدة، أما سلام الرجل على جمع من النساء فهو جائز بل قيل: يندب ويجب عليهن الرد، وذلك لعدم خشية الفتنة. ودليله أن النبى ﷺ مر فى المسجد على جماعة من النساء قعود، فأشار بيده إليهن بالسلام، رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذى.
وأما سلام الرجال على المرأة الواحدة فلا يجوز إلا عند أمن الفتنة كأن تكون عجوزا مثلا، ودليله أن الصحابة كانوا ينصرفون من الجمعة فيمرون على عجوز فى طريقهم فيسلمون عليها فتقدم طعاما. .. رواه البخارى.
هذا فى مجرد إلقاء السلام، أما المصافحة بدون حائل فممنوعة كما تقدمت الإجابة على سؤالها حيث امتنع الرسول عنها عند مبايعة النساء، وهى أهم من مجرد التحية وقرر أن اليد تزنى وزناها البطش وهو مس المرأة الأجنبية بيده أو تقبيلها كما فسره النووى ولا يستثنى من ذلك إلا المحارم والعجائز، وقال البعض بالكراهة دون الحرمة، لكن دليله ضعيف كما نقله القرطبى عن ابن عربى فى تفسير الممتحنة
стр. 4682
الرجوع فى الإقرار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
اعترف رجل أمام الأمير بأنه زنى، وعندما جاء موعد تنفيذ الحد عليه رجع عن إقراره، فهل يقبل رجوعه ولا يقام عليه حد؟
الجواب
ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبى ﷺ رجم ماعزًا والغامدية لإقرارهما بالزنى، وجاء فى بعض الروايات أن الرجل الذى أقر بالزنى أمر النبى ﷺ بعض أصحابه أن يذهبوا به ليرجموه، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركوه وأكملوا رجمه حتى مات، كما جاء فى رواية ثبتت بطريق حسن عند أحمد وابن ماجه والترمذى أن الصحابة لما أخبروا النبى ﷺ بمحاولة الرجل الفرار من مس الحجارة قال لهم "فهلا تركتموه وجئتمونى به " وجاء فى "نيل الأوطار للشوكانى "ج ٧ ص ١٠٨:
أن فى هذه الرواية دليلا على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار، ويسقط الحد.
وهذا مذهب أحمد والشافعية والحنفية: وهو مروى عن مالك فى قول له. وفى رواية أخرى عن مالك وفى قول للشافعى لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار بعد كماله كغيره من الإقرارات.
وجاء فى كتاب "الأحكام السلطانية للماوردى" ص ٢٢٤ قوله فى حد الزنى: وإذا وجب عليه الحد بإقراره ثم رجع عنه قبل الجلد سقط عنه الحد، وقال أبو حنيفة: لا يسقط الحد برجوعه عنه.
ومن هنا نرى أن الأمر خلافى، وللحاكم - إذا كانت الحدود تقام - أن يأخذ بأحد الرأيين؟ فحكم الحاكم يرفع الخلاف
стр. 4683
احتياط ضد الأخطار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما مدى صحة الحديث " أغلقوا الأبواب، وأوكوا السقاء واكفئوا الإناء وأطفئوا المصباح " وما تفسيره؟
الجواب
روى البخارى فى الأدب المفرد قوله ﷺ "أغلقوا الباب، وأوكوا السقاء اكفئوا الإناء، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وعاء، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم " ورواه ابن حبان فى صحيحه وفيه زيادة "وخمروا الإناء" بعد " اكفئوا الإناء ".
وجاء فى رواية لابن حبان أيضا عن جابر "أغلق بابك واذكر اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو بعود تعرضه عليه ".
وجاء فى رواية لمسلم وأحمد وأبى داود والترمذى عن جابر أيضا، "أغلقوا أبوابكم وخمروا آنيتكم وأطفئوا سرجكم وأوكئوا أسقيتكم، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ولا يكشف غطاء ولا يحل وكاء، وإن الفويسقة تضرم البيت على أهله " ذكرها السيوطى كلها فى جامع الأحاديث.
وجاء فى رواية مسلم عن جابر "غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن فى السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، وسقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء " ذكره ابن القيم فى "زاد المعاد" وعلق عليه بقوله:
وهذا مما لا تناله علوم الأطباء ومعارفهم، وقد عرفه من عرفه من عقلاء الناس بالتجربة. قال الليث بن سعد أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة فى السنة فى كانون الأول منها، وصح عنه أنه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا، وفى عرض العود عليه من الحكمة أنه لا ينسى تخميره بل يعتاده حتى بالعود، وفيه أنه ربما أراد الدبيب أن يسقط فيه فيمر على العود فيكون العود جسرا له يمنعه من السقوط فيه. وصح أنه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم الله، فإن ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان، وإيكاؤه يطرد عنه الهوام، ولذلك أمر بذكر اسم الله فى هذين الموضعين لهذين المعنيين، انتهى.
يؤخذ من كل ما سبق أن الحديث وارد بدرجة الصحة فى بعض رواياته، وأن المراد بتخمير الإناء تغطيته إذا كان فيه طعام، بل حتى لو لم يكن فيه طعام، وذلك حتى لا تسقط فيه الحشرات أو يتعرض للتلوث، فإذا لم يكن هناك غطاء يكفأ الإناء الفارغ. وإيكاء السقاء معناه ربطه، وكان الماء يحفظ فى القرب عندهم أو المزادات - الزمزميات المصنوعة من جلد أو قماش لا ينفذ منه الماء - وذلك أيضا صيانة للماء من التلوث بأى شيء من حشرات وغيرها، وكذلك لحفظه أن ينسكب فيضيع أو يتلف شيئا، وكذلك منعا للوباء أن يصيبه فى المواعيد التى يكثر فيها كما عرف بالتجربة ونص عليه الحديث ووضَّح ابن القيم إمكان ذلك.
ومع القيام بهذه الاحتياطات يذكر اسم الله، وذلك لطرد الشيطان.
ويجوز أن يمنعه الله من دخول البيت الذى أغلق بابه، ومن الأكل والشرب مما فى الأوعية المغطاة والمربوطة، أو المراد أن الله يحفظ البيت والطعام والشراب من كل سوء ويبارك فيه.
ولفظ الشيطان يطلق أحيانا على الهوام والحشرات المؤذية، وكل ما أوصانا به النبى ﷺ من باب الاحتياط والأخذ بالأسباب، والفويسقة هى الفأرة قد تجر السراج بناره فتحرق البيت، وكانت المصابيح تضاء بالزيت، والفأرة قد تجر إناء الزيت أو تصاب بالشعلة وهى تتناول الزيت فتجرى وتمر على الأمتعة فتحرقها، ولذلك أمر الرسول ﷺ بإطفاء المصابيح عند النوم لهذا المعنى.
أما مصابيحنا الكهربائية فإنارتها بالبيوت ليلا لا يحصل منها الخطر المذكور، وإن كان يمكن بوسيلة أخرى، والمهم هو الاحتياط حتى لا يحدث الخطر والناس نيام غير منتبهين فإذا استيقظوا وجدوا الخطر واقعا، وكل بلد أو منطقة لها ظروفها الجوية والصحية، وبالتجربة يعرف ما يلزم لاتقاء الأخطار
стр. 4684
القلب والروح والنفس والعقل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الفرق بين القلب والروح والنفس والعقل؟
الجواب
من أحسن من تكلم عن القلب والروح والنفس والعقل الإمام الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين " فى شرح عجائب القلب، وقال:
اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل فى هذه الأبواب، ويقل فى فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامى واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامى واشتراكها بين مسميات مختلفة، ثم أخذ يتحدث عن كل منها بما موجزه:
١ -القلب يطلق لمعنيين:
أحدهما: اللحم المعروف الذى يضخ الدم.
والثانى: هو لطيفة ربانية روحانية لها تعلق بهذا القلب الجسمانى وهذه اللطيفة هى حقيقة الإنسان والمدرك العام العارف منه والمخاطب بالتكليف، والمجازى عليه ولم يستطع أن يدرك العلاقة بين هذين المعنيين للقلب لأن ذلك من علوم المكاشفة التى لا تفيد معها الحواس المعروفة، ولأنه يؤدى إلى إفشاء سر الروح الذى لم يتكلم فيه الرسول فغيره أولى.
وقال: إذا استعملنا لفظ القلب فى الكتابة والشرح فالمراد به اللطيفة الربانية لا القلب العضوى.
٢- الروح لها معنيان:
أحدهما: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسمانى يسرى فى جميع أجزاء البدن سريان نور السراج إلى كل أجزاء البيت، فالحياة مثل النور الواصل للجدران والروح مثل السراج، وسريان الروح وحركته فى الباطن مثل حركة السراج فى جوانب البيت. وهذا المعنى يهتم به الأطباء.
والمعنى الثانى للروح: هو لطيفة عالمة مدركة من الإنسان، وهو المعنى الثانى للقلب، وما أراده الله بقوله ﴿قل الروح من أمر ربى﴾ الإسراء: ٨٥، وهو أمر عجيب ربانى تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته.
٣- النفس: لفظ مشترك بين عدة معان، يهمنا منها اثنان:
أحدهما: أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة فى الإنسان، ويهتم أهل التصوف بهذا المعنى، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فلابد من مجاهدتها.
والمعنى الثانى: هى اللطيفة التى ذكرناها، التى هى الإنسان بالحقيقة، وهى نفس الإنسان ذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها، فإذا سكنت تحت الأمر وفارقها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة، قال تعالى ﴿يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعى إلى ربك راضية مرضية﴾ الفجر: ٢٧، والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله فهى مبعثرة عنه وهى من حزب الشيطان.
وإذ لم يتم سكونها ودافعت الشهوات واعترضت عليها سميت النفس اللوامة، وإن تركت المدافعة والاعتراض وأطاعت الشهوة والشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء.
٤ - العقل: وهو أيضا مشترك لمعان مختلفة ذكرناها فى كتاب العلم، ويهمنا هنا معنيان.
أحدهما: أنه يراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون العقل عبارة عن صفة العلم الذى محله القلب.
والثانى: أنه المدرك للعلوم، فيكون هو القلب بمعنى اللطيفة الربانية المدركة العالمة.
ثم يقول الغزالى بعد ذلك: إن معانى هذه الأسماء موجودة، وهى القلب الجسمانى والروح الجسمانى والنفس الشهوانية والعلوم "كذا" فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة، ومعنى خامس وهى اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها، فالمعانى خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ أطلق لمعنيين، وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها، فتراهم يتكلمون فى الخواطر ويقولون: هذا خاطر العقل وهذا خاطر الروح وهذا خاطر القلب وهذا خاطر النفس، وليس يدرى الناظر اختلاف معانى هذه الأسماء.
ثم يقول: وحيث ورد فى القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذى يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الجسمانى الذى هو فى الصدر لأن بينهما علاقة.
هذا ملخص ما قاله الإمام الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين " لنعرف أن أى لفظ من هذه الألفاظ قد يراد به أى معنى من هذه المعانى، وللاجتهاد مجال فيه.
والذى يهتم بذلك هم العلماء النفسيون والتربويون، وفى ذلك دراسات مستفيضة متخصصة وتكفى هذه النبذة لمعرفة بعض ما يتعلق بهذه الألفاظ ومعانيها
стр. 4685
تحية القادم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إن من عاداتنا فى الريف أن نفترش الأرض ونتناول طعامنا فإذا قدم إلينا ضيف هل نقوم لتحيته، وماذا نفعل فى مثل هذا الموقف؟
الجواب
القيام للقادم ليس واجبا، بل هو مباح وقد يندب للتكريم إذا كان القادم والدا أو معلما أو شيخا كبيرا، لحديث الترمذى "ليس منا من لا يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا" ولحديث أبى داود "إن من إجلال الله تعالى إكرام ذى الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه والمتجافى عنه وذى سلطان مقسط ".
وعلى هذا لا حرج عليك فى عدم القيام للقادم عليك وأنت جالس للأكل، والأمر كله راجع للعرف والعادة، فإن وجدت أن القادم سيغضب وقد يضرك لو لم تقم له جاز لك القيام، وإلا فلا حاجة إليه
стр. 4686
الحاكم وتوحيد المذاهب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا قامت وحدة المسلمين فى العالم كله وأصبح لهم خليفة أو إمام واحد، فهل المسلمون كلهم يتقيدون بآراء ذلك الإمام فى المسائل الفرعية التى اختلف فيها الفقهاء والأئمة المجتهدون؟ وهل يجب حينئذ على المسلمين الذين تقيدوا بآراء إمام مذهبهم قبل الوحدة أن يتركوا مذهبهم وإلا فما معنى وحدة المسلمين حينئذ؟
الجواب
وحدة المسلمين الآن وقيام خليفة عليهم افتراض أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة، ونحن نرى الصور المخزية تعرض علينا فى شريط طويل من زمن بعيد ملىء بمآسى التفرق والتناحر بين الدول التى تنتمى إلى الإسلام بعضها مع بعض، وبين أفراد كل دولة بعضهم مع بعض أيضا بآرائهم المتعددة ومذاهبهم المتخالفة وتعصبهم المقيت للأهواء والجنسيات والطبقات.
وكنت أود الإمساك عن ذكر أحكام وتنظيمات لشىء متخيل حتى تبدو فى الأفق علامات تبشر بوقوعه، وساعتها نضع الجواب على السؤال وهو ميسر فى كتب الإسلام التى لم تدع صغيرة ولا كبيرة إلا تحدثت عنها فى النظم السياسية والاقتصادية والقضائية والدولية، إلى جانب العبادات والعقائد وأصول الدين عامة.
وهذه المسألة من الفقه السياسى الذى ظهرت مسائله على مسرح الحياة الإسلامية عقب وفاة النبى ﷺ بقليل، ووجد من المسلمين من رفضوا بعض الأئمة وخرجوا عن طاعتهم، وكانت الاحتكاكات التى راح ضحيتها بعض من خيرة الصحابة والتابعين.
ولم يمض على الخلافة الإسلامية فى الشرق وقت طويل حتى قامت خلافة أخرى تناهضها فى الأندلس، ثم دب الضعف إلى هذه الخلافات وقامت دويلات مستقلة انفصلت عن الخلافة شكلا وموضوعا، وانتهت إلى الانقضاض عليها أو التآمر على تصفيتها مما وعاه التاريخ وامتلأت به بطون المؤلفات ذات الوجهات المختلفة والآراء التي داخلها كثير من الهوى، ومهما يكن من شىء فإن من المؤلفات الإسلامية ما عنى بنظام الدولة ككتاب الأحكام السلطانية للماوردى وكتب الحسبة التى ألفها علماء أجلاء، ومما جاء فيها:أن الإمام يلزمه حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود.
وأهم ما يعنى به الإمام العلاقات الاجتماعية والدولية، أما المعتقدات والآراء الخاصة والعبادات ذات الطابع الشخصى فليس للإمام دخل فيها إلا بمقدار أثرها على الجماعة، كما فى الحديث المعروف: من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد، فمن له رأيه ومعتقده فالله حسيبه ما دام لا يحدث به فتنة بين الناس، وهنا يتدخل الحاكم لحفظ الأمن ووحدة الصف.
وجاء فى كلام المتحدثين عن الحسبة وهى الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهى عن المنكر إذا ظهر فعله، أن المحتسب هل يجوز له حمل الناس فيما ينكره من الأمور التى اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين، أحدهما أن له حمل الناس على رأيه، وعلى هذا يجب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد فى أحكام الدين والثانى ليس له حمل الناس على رأيه "الأحكام السلطانية للماوردى ص ا ٢٤".
ثم تكلموا عن المعروف وقسموه إلى ما يتعلق بحق الله، وما يتعلق بحق الآدميين، وما هو مشترك بينهما، وذكروا أحكام كل بالتفصيل، ويؤخذ من كلامهم أن للإمام والمحتسب حمل الناس على المجمع عليه وبخاصة فيما يتعلق بحق المجتمع كإقامة الجمعة عند توافر شروطها المتفق عليها، وأنه لا يجوز له حمل الناس -على اعتقاده هو، ولا أن يأخذهم فى الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه، وكذلك فى النهى لا ينهاهم عما فيه خلاف.
هذه بعض فقرات مما جاء فى كلامهم لا تعطى الإجابة الكافية على السؤال، وإنما أردت بذكرها أن أبين أن فى الإسلام وكتب المسلمين حلا لكل مشكل وحكما لكل قضية، ولا فائدة من بيان ذلك هنا والكتب مملوءة به وليست الحاجة ماسة إليه وإنما الفائدة أو ما ينبغى أن نهتم به هو واقعنا الحالى ومحاولة حل مشاكله، وما أكثر هذه المشاكل التى إن وجد لها حل فهو نظرى لم يأخذ حظه من التطبيق ... ويوم أن تحل المشاكل السياسية والاقتصادية بالذات يمكن التفكير فى وضع نظام للخلافة العامة والحكومة الواحدة بعد بذل الجهد الجبار في جمع الناس على عقيدة واحدة فى نظرتهم إلى الإمامة ومن هو أحق بها، وأنت تعلم أن أربعة عشر قرنا مضت وما يزال الخلاف على الخلافة يزداد سلطانا على كثير من المسلمين، كلما حاول بعض الغيورين على الوحدة الإسلامية أن يقربوا فيها بين وجهات النظر أغرق بعض المتعصبين فى التعصب لرأيه، والعدو بدوره يزيد الهوة اتساعا، ويسد المنافذ على الوحدة إن لاحت بعض بوارقها فى الأفق، ومع كل ذلك فلا أفقد الأمل فى رحمة الله
стр. 4687
الإمام وسلطة الشعب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز الخروج على الحاكم الذى لا يحكم بالشريعة الإسلامية، وما حكم من يخرج على السلطان بالسلاح؟
الجواب
هذه المسألة من الفقه السياسى، وهى شائكة إلى حد كبير، فقد كان لها دورها الخطير فى انقسام الجماعة الإسلامية ونشأة الفرق والأحزاب، وهى فى هذه الأيام بالذات أشد خطرا، لأن الأوضاع فى أكثر الدول الإسلامية لا تحكمها الشريعة حكما كاملا، سواء أكان ذلك فى طريقة تولى الإمامة أم فى الدستور الذى تحكم به. وبيان حكم الشرع فى فرع يكون أصله الأساسى غير شرعى هو ترقيع، أو على الأقل لا يكون له أثر عملى فى تغيير الواقع، ذلك أن القوانين المستمدة من دستور وضعى ترى ما يخالفها خروجا على نظام الدولة وفيه إخلال بالأمن أو خيانة للوطن ... والعقوبة قد تكون الإعدام.
والنظرات السياسية قديما وحديثا كان لها أثرها البارز فى تأويل النصوص وحملها على ما يؤيدها، بل كان لها أثرها أيضا فى وضع أحاديث وافترائها على النبى ﷺ وبالأولى إلصاق أقوال وآراء بأئمة هم برآء منها، وكذلك أنكر المختلفون أحاديث صحيحة عن النبى ﷺ لأنها تعارض رأيهم السياسى، وقبلوا أحاديث تؤيد مذاهبهم بغض النظر عن صدق نسبتها إلى الرسول ﵊.
والكتب المؤلفة فى مذاهب هذه الفرق السياسية كثيرة، والكتب الحديثة التى أحيت هذه المذاهب القديمة، وتبناها بعض الجماعات متوافرة أيضا، ولهذا سيكون أى رأى فى الإجابة على السؤال المطروح محل نزاع وجدل.
ومهما يكن من شىء فإنى سأعرض بعض النصوص عند أهل السنة المعتدلين وما قاله العلماء فيها دون التعرض لنقدها، أو ترجيح بعضها على بعض.
ا- قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ النساء: ٥٩.
٢ -عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا إن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان، رواه البخارى ومسلم. والبواح بضم الباء هو الصراح بضم الصاد الذى جاء فى رواية الطبرانى، وهو أيضا البراح بضم الباء وبالراء بدل الواو الذى جاء فى بعض الروايات، المراد به الظاهر البين الذى تشهد له النصوص ولا يقبل التأويل.
٣-روى البخارى ومسلم قوله ﷺ "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية" ومعنى ميتته جاهلية مثلها، لأنهم كانوا على ضلال وليس لهم إمام مطاع إذ كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا، بل يموت عاصيا، هكذا قالوا فى تفسيرها.
٤ -روى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعى قول النبى ﷺ "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم " قال: قلنا يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة،ألا من ولى عليه وال فرآه يأتى شيئا من معصية الله فليذكره ما يأتى من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة" والصلاة فى الحديث معناها الدعاء، والمنابذة نزغ البيعة، أخذا من قوله تعالى ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ أى أعلمهم بنقض العهد بينك وبينهم.
٥ -روى مسلم عن حذيفة بن اليمان قول النبى ﷺ "يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهديى، ولا يستنون بسنتى، وسيقوم منكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين فى جثمان إنس " قال فقلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال "تسمع وتطيع وإن ضُرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع " وفى الحديث إشارة إلى الثورات المغرضة التى يراد بها المصلحة الشخصية لا العامة. وفيه أمر بعدم الاشتراك فيها.
٦-روى مسلم عن عرفجة الأشجعى قول النبى ﷺ "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه " أى اقتلوا الثائر على الحاكم.
هذه هى بعض النصوص التى يصعب على ذوى الميول الثورية استساغة بعض ما فيها من عبارات، وقد استنتج العلماء منها أنه لا يجوز منابذة الأئمة والخروج عليهم ما داموا يقيمون للصلاة، وليس المراد أنهم يصلون بالناس كما كان أئمة السلف، بل المراد أنهم يسمحون بإقامتها ولا يضعون العراقيل فى سبيلها.
وحديث عبادة بن الصامت يدل على أنه لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر الواضح الذى ليس له فيه شبهة. كإنكار الألوهية أو الطعن فى أن القرآن من عند الله، أو أنه غير صالح للحكم، أو اعتقاد حل ما أجمع على تحريمه كالربا والزنى وشرب الخمر. . فهو بهذا الاعتقاد يكون كافرا، أما ارتكاب المحرمات بغير اعتقاد حلها فهو عصيان لا يخرج به إلى الكفر، بل يكون فاسقا، فالمبرر للخروج عليه هو الكفر لا العصيان المجرد لكن النووى قال: المراد بالكفر هنا المعصية (فتح البارى ج ١٦ ص ١١٤) وقال غيره: المراد بالإثم فى بعض الروايات ما يشمل المعصية والكفر. قال ابن حجر: والذى يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة فى الولاية، فلا ينازعه بما يقدح فى الولاية إلا إذا ارتكب الكفر. وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح فى الولاية نازعه فى المعصية، بأن ينكر عله برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف. ومحل ذلك إذا كان قادرا، وعلى ضوء ما قاله ابن حجر إن فسق الإمام ولم يكفر وجب نصحه بالأسلوب الذى يُرجى منه الخير ولا يؤدى إلى فتنة، كما قال تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم التى هى أحسن﴾ النحل:١٢٥، وكان للسابقين أسلوب فى الإنكار يتناسب مع الظروف القائمة إذ ذاك، مع مراعاة أن روح التدين كانت موجودة بقوة فى الحاكمين والمحكومين، وهو ما أطمع بعض المعارضين فى القسوة أحيانا عند النصح، وما جعل الحكام يصيخون إلى ما يقولون، فهم نواب الشعب ومفاتيح السيطرة عليه، ومن الحكمة قبول ما يوجهونهم به وإن كان فى بعض الأساليب عنف سببه شدة الغيرة على الحق.
ومن الأساليب السليمة فى توجيه الحاكم، التى تقرها القوانين الوضعية الحالية، الخطابة والصحافة وإثارة الموضوع فى مجالس النيابة والتنظيمات المشروعة. والخير مرجو إذا كان ذوو اللسان والقلم مخلصين لوجه الله، وكان ممثلو الأمة مختارين على أساس دينى سليم، ومؤدين لأمانتهم على الوجه المطلوب.
أما الخروج بالسلاح لتغيير المنكر فهو غير مجد فى أكثر الدول الإسلامية، التى تضع مهمة التغيير والإصلاح على عاتق ممثلى الأمة، والتى تحرم حمل السلاح وتمنع التظاهر العنيف وتضع له اقسى العقوبات، لا يجدى هذا الخروج بالسلاح بوجه خاص إذا كان التسلح غير كاف، وقوى المواجهة غير متكافئة، فإن القضاء على الثائرين بغير حكمة سهل، والنتيجة أخطر مما كان يتوقعون.
ولو تحققت المنعة وتوافر السلاح المتكافئ فالطريق السليم هو التفاوض والحوار كما يقول التعبير الحديث، حيث يكون حوارا فيه تكافؤ قد يؤدى إلى الحل المعقول. وذلك كله من أجل منع الفتنة أو بعبارة حديثة "منع الحرب الأهلية" من جراء المواجهة بالسلاح وإراقة الدماء، وقد يذهب ضحيتها أبرياء، فشرط تغيير المنكر-كما قال العلماء -ألا يؤدى إلى منكر أشد.
فإن لم يتوصل إلى حل بالحوار والنصح فإن الأحاديث لا تجيز المواجهة المسلحة وليكن الواجب هو الإنكار باللسان إن أمكن، وإلا فالإنكار بالقلب، والاجتهاد فى تربية الشعب لاختيار ممثلين صالحين يتولون "دستوريا" تغيير المنكر. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وأكثر المعتزلة والروافض يرون جواز الخروج على السلطان والوزير، فإذا أخذ ربع دينار ظلما لا تجوز طاعته عندهم.
إن عرض الجواب على السؤال المذكور بهذه الصورة، ربما لا يرضى بعض المتحمسين لفكرة معينة، أو منهج خاص فى تعديل الأوضاع الفاسدة، ولكن واجب النصح يفرض علينا أن ننبه إلى وجوب تقدير الظروف المحيطة بنا الآن، وإلى أن العدو المتربص بنا لا يترك فرصة ثورية إلا انتهزها لنفسه، وإلى أن ارتباط بعض الحكام ببعض الدول الكبرى سيقضى على مثل هذه الحركات بسهولة، لأن صحوة الدين تضرهم، وبخاصة دين الإسلام، كما يجب أن تراعى أن قوة المسلمين الحربية بوسائلها الحديثة ليست كقوتهم وأننا لسنا مستقلين تمام الاستقلال عنهم، فإن كل وسائل التغيير أو أكثرها ما زالت محتكرة لهم.
ولا ينبغى أن يحمل هذا التوجيه على أنه من باب التخذيل، بل يجب أن تكون خططنا للإصلاح مدروسة دراسة وافية، لتكون حركات التغيير مرجوة النجاح بأقل تضحيات.
ومن الخير بعد هذا أن أسوق بعض النقول:
ا - جاء فى فتح البارى لابن حجر: نقل ابن التين عن الداوادى قال:
الذى عليه العلماء فى أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا فى جواز الخروج عليه، والصحيح المنع، إلا أن يكفر، فيجب الخروج عليه.
وجاء فى الكتاب نفسه: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته فى ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، وجاء فى الكتاب المذكور. ينعزل بالكفر إجماعا،. فيجب على كل مسلم القيام بذلك، فمن قوى على ذلك فله الثواب، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض.
أقول بعد هذا النقل: إن ارتباط الخروج بالكفر يجب فيه الدقة فى الحكم بالكفر على المسلم فإن تكفير المسلم خطير، ومن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، وليس كل تصرف منه يبرر الحكم عليه بالكفر، وبيان ذلك له موضع آخر إن شاء الله.
كما أقول: إن نظرة العلماء فى الخروج على الإمام الجائر، مع اعتمادها على النصوص، مبنية على اعتبار الظروف وواقع المسلمين فى عهود بعض الفقهاء، وعلى كل حال فنظرتهم ترشدنا إلى أن نكون على بصيرة عند إصدارنا للأحكام الخطيرة بالذات، وإلى القيام بحركات الإصلاح.
٢ - يقول الشوكانى فى نيل الأوطار: إن الذين خرجوا على الأئمة الظَّلمة أخذوا بمعلومات الكتاب والسنة من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا شك أن الأحاديث المذكورة مخصصة لتلك العمومات، وهى متواترة المعنى، ولكن لا ينبغى أن يحط من قدر السلف الخارجين على أئمة الجور، فقد كان ذلك باجتهاد منهم، كما لا ينبغى الركون إلى جمود الأحاديث كما فعل الكرامية والعيب على من قاوموا الظالمين. اهـ.
هذا، وأكرر التنبيه إلى وجوب التخطيط السليم لكل حركة إصلاح، وعدم اللجوء إلى العنف إن أمكن الوصول إلى الهدف سلميا، وإلى إتيان البيوت من أبوابها، وإلى أن القول المأثور "كما تكونون يولى عليكم " يحتم علينا إصلاح أنفسنا أولا ليكون من نرتضيهم ممثلين لنا، ومن يرتضونه حاكما علينا صالحين لأداء واجبهم ومحلا للرجاء فيهم، ولعل دراسة الحركات الإصلاحية فى المجتمع الإسلامى دراسة واعية، توصلنا إلى رسم الطريق الأمثل للإصلاح. والله ولى التوفيق
стр. 4688
إمام الدولة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل تنصيب إمام للجماعة واجب، وما هى الإجراءات الدينية لذلك؟
الجواب
إقامة رئيس على جماعة أمر يرشد إليه العقل ويؤكده الشرع، فالناس فى حاجة إلى من يحتكمون إليه عند التنازع، ومن يسهر على مصالحهم بجلب الخير لهم ودفع الضر عنهم، وقديما قال الشاعر الجاهلى "الأفوه الأودى".
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا ومن التوجيهات الإسلامية إذا كان هناك ثلاثة أن يؤمروا عليهم أحدهم فكيف بالجماعة الكبيرة؟ وفقهاء الإسلام مجمعون على وجوب إقامة إمام. مع اختلافهم فى كون هذا الوجوب عقليا أو شرعيا، وبصرف النظر عن أدلة كل فإن النتيجة هى وجوب إقامة إمام. وعلى من يأنس فى نفسه الأهلية أن يتولى الإمامة، فإن لم يتولها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إماما، والثانى أهل الإمامة حتى يُنصَّب أحدهم إماما، أى ناخبون ومرشحون. ولابد أن يكون الناخبون عدولا عالمين بمن يختارونه، وذوى رأى وحكمة ليستطيعوا اختيار أفضل المرشحين ولابد أن يكون المرشحون عدولا أيضا،. لديهم مقدرة علمية للحاجة إليها فى النوازل والأحكام بالاجتهاد، وحواسهم سليمة كذلك أعضاؤهم التى يباشرون بها التنفيذ، وعلى رأى سديد يؤدى إلى حسن السياسة وتدبير المصالح، وقد اشترط بعض العلماء أن يكون المرشح قرشيا، للنص الوارد فى ذلك، ولكن محله إن وجد، فإن لم يوجد بشروطه رشح لها أصلح الموجودين مراعى فيه قوة مركزه وهيبته.
هذا ما قاله العلماء فى إمام الجماعة، والمسلمون المذكورون فى السؤال إن لم يجدوا من تتحقق فيه هذه الشروط فلا ينبغى أن يتركوا أمرهم سدى، وعليهم اختيار من هو أقرب إلى الخير ليكون رئيسا لهم وعليهم أن يتعاونوا معه بالنصح والتوجيه والطاعة فى المعروف، فإن استقام على الطريقة فبها، وإلا كان لهم عزله وتولية غيره.
هذا ما أراه من المخرج لحالتهم، مراعيا ارتكاب أخف الضررين، أو عدم سقوط الميسور بالمعسور، وظنى أن ذلك لا يتم إلا إذا كانت هذه الجماعة مستقلة استقلالا تاما عن المؤثرات الأخرى التى لا تترك لهم الحرية لتولية من يشاءون، والأمر يحتاج إلى تحرٍّ ودقة ودراسة لكل الظروف لمعرفة مدى إمكان النجاح لهذه العملية فى المناخ الواقع والجو المسيطر
стр. 4689
ليلة القدر وليلة المولد النبوى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أيهما أفضل، ليلة القدر أم ليلة المولد النبوى؟
الجواب
تحدثت كتب السيرة فى بيان هذه الأفضلية، ورجح الكثيرون أن ليلة المولد أفضل، لأنها السابقة على ليلة القدر وهى الأصل، وأن ليلة القدر شرفت بنزول القرآن والملائكة، وليلة المولد شرفت بظهور محمد ﷺ وهو أفضل من الملائكة، والقرآن نزل عليه بعد ميلاده، وبغير ذلك من وجوه التفضيل، ولكنى أرى أن الجدل فى مثل هذه الأمور لا ينبغى إلا إذا كان من ورائه خير للمتجادلين فيه، وبناء على هذا أقول: إن ليلة المولد وليلة القدر باعتبار أن البعثة كانت فيها كلتاهما نعمة من الله كان الرسول ﷺ يشكر ربه عليهما بصيام يوم الاثنين من كل أسبوع، كما رواه مسلم.
ولم تشرع لنا عبادة بمناسبة المولد النبوى فى حين شرع لنا قيام ليلة القدر، فهى لنا فضل وبركة من هذه الوجهة، وإن كان مولده ﷺ نعمة على العالم كله بمقتضى رسالته التى قال الله فيها: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء: ١٠٧
стр. 4690
منبع نهر النيل والفرات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا فى قصة الإسراء والمعراج أن النيل والفرات ينبعان من سدرة المنتهى فى السماء، فكيف يتفق ذلك مع ما هو معروف عن منابع كل منهما فى أفريقيا وآسيا؟
الجواب
جاء فى حديث البخارى ومسلم عن الإسراء والمعراج قوله ﷺ "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل فلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى،، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات " وجاء فى رواية للبخارى (فإذا فى أصلها أى سدرة المنتهى، أربعة أنهار) وعند مسلم (يخرج من أصلها) وعند مسلم أيضا من حديث أبى هريرة (أربعة أنهار من الجنة النيل والفرات وسيحان وجيحان) ووقع فى رواية شريك كما عند البخارى أنه رأى فى سماء الدنيا نهرين يطردان -يجريان - فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما. وجاء فى رواية البيهقى: (فإذا فيها -السماء السابعة- عين تجرى يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له: نهر الرحمة) وفى رواية لمسلم:
(سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة) ووقع فى حديث الطبرى عن أبى هريرة: (سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار، نهر من ماء غير آسن ونهر من لبن لم يتغير طعمه ونهر من خمر لذة للشاربين ونهر من عسل مصفى) .
هذه بعض الأحاديث بروايات مختلفة عن النيل والفرات وغيرهما من الأنهار المشهورة فى الدنيا، وقد كثر الكلام عليها وبخاصة فى تحديد المنابع، وهل النيل والفرات اللذان عند سدرة المنتهى هما النيل والفرات اللذان فى الأرض أو غيرهما؟ وكلام الشراح للأحاديث كله اجتهادى، وفيه تضارب، ومن الصعب التوفيق بين ما قالوه وبين ما يقوله علماء الجغرافيا فى تحديد منابع النيل والفرات، وأبادر فأقول:
إن المسألة ليست من العقائد التى يتوقف عليها الإيمان، وليست من الشريعة التى كلف بها المسلم، فجهلها لا يضر الدين، والقاعدة فى مثل هذه الأخبار التى يناقض ظاهرها العقل فى مسلماته الثابتة أن ينظر إلى الخبر فإن لم يكن ثبوته بوجه يقبل فى العقائد، وهو الصحة-على خلاف فى مراتبها - فلا داعى لمحاولة فهم النص والتوفيق ينه وبين العقل الذى يقدم عليه. وإن ثبت أن الخبر صحيح فيجب التسليم به ولا يجوز إنكاره وهنا يجب صرفه عن ظاهره بالتأويل ليتفق مع العقل فى قضاياه المسلمة أو الواقع فى مشاهدته المحسوسة، ولا ينبغى تأويله لصعوبة فهمه فقد تكشف الأيام والمكتشفات عن صدقه، وقد تسرع بعض الكُتَّاب فأنكر بعض هذه الأخبار أو أولها ثم ظهر بعد أنها صادقة فى معانيها التى جاءت بها، وإليك بعض النماذج من شرح هذا الحديث: قال النووى فى شرحه لصحيح مسلم: أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل السدرة، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها.
وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد. ثم يتابع النووى قوله فيقول: وقول عياض: الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى فى الأرض، لقوله: إن النيل والفرات يخرجان من أصلها، وهما يخرجان من الأرض فيلزم منه أن أصل السدرة فى الأرض - متعقب. أن خروجهما من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض، والحاصل أن أصلهما من الجنة ويخرجان أولا من أصلها ثم يسيران إلى أن يستقرا فى الأرض ثم ينبعان. هذا كلام النووى الذى يقول: إن العقل لا يمنعه وما دام الخبر قد ثبت به فلنعتمده، صحيح أن العقل لا يمنعه فالله قادر على كل شىء، ولكنه صعب التصور، ولا نسلم به إلا لصحة الخبر به.
لكن الألفاظ الواردة فى الخبر قد تدل على معان يسهل على العقل تصورها، فقد قال القرطبى: وقيل: إنما أطلق على هذه الأنهار من الجنة تشبيها لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة،. وهذا هو الذى تميل إليه النفس إذا كان المراد بالنيل والفرات نهرى مصر والعراق، أما إذا أريد بهما وبغيرهما أنهار الجنة حملت أسماء أنهار الدنيا حقيقة أو تشبيها كما يدل عليه حديث الطبرى عن أبى هريرة، وما جاء عن كعب الأحبار عند البيهقى فلا صعوبة فى فهم الأحاديث، ولزيادة المعلومات للترف العقلى راجع شرح الزرقانى للمواهب اللدنية للقسطلانى فى حديثه عن الإسراء والمعراج
стр. 4691
مرض الصرع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لى طفل تنتابه أحيانا حالة عصبية ويتشنج ثم يفيق، وقيل لى: اقرئى عليه قرآنا ليحفظه الله من هذا الصرع، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هناك أمراض عصبية ترجع إلى مؤثرات جسمية أو نفسية يعرفها الأطباء بالفحص ويعالجون مصدرها بالعقاقير والأدوية الحديثة أو الوسائل الأخرى التى يعرفها أهل الذكر، ولا بد من عرض المريض عليهم أولا: فإن شفى فبها، وإلا كان الصرع له مصدر آخر، وهذا المصدر الآخر يشك فيه كثير من الناس، وإن كانت الأحوال النفسية والروحية حقيقة واقعة لا مجال للشك فيها، ولها مدارسها المتخصصة الآن، وقد تحدث ابن القيم فى كتابه "زاد المعاد" عن الصرع. فقال:
الصرع صرعان، صرع من الأرواح الأرضية الخبيثة، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثانى هو الذى يتكلم فيه الأطباء سببه وعلاجه، وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدفع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها.
ثم قال ابن القيم: لا ينكر هذا النوع من الصرع إلا من ليس له حظ وافر من معرفة الأسرار الروحية، وأورد بعض الحوادث التى حدثت أيام النبى ﷺ وأثر قوة الروح وصدق العزيمة فى علاجها، وأفاض فى النعى على من ينكرون ذلك.
هذا، وإذا كانت للصرع عدة أسباب، منها مادية ومنها نفسية أو روحية أو أخرى، فلا ينبغى أن ننكر ما نجهل، فالعالم مملوء بالأسرار، وقد بدأ العلم يكشف بعضها، وفى الوقت نفسه لا ينبغى أن يتخذ ذلك ذريعة للدجل والشعوذة واستغلال جهل الناس أو سذاجتهم، فلنلجأ إلى الوسائل المادية أولا، وهى كثيرة وسهلة التناول، فإن عجز المخلوق فلنتوجه إلى الخالق بالإيمان به وصدق الاستعانة والثقة به، كما استغاثه الأنبياء فكشف عنهم الضر ونجاهم من الغم، والقرآن خير شاهد على هذه الحقيقة -والله أعلم
стр. 4692
الرؤى والأحلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الفرق بين الرؤيا والحلم؟
الجواب
ا - الرؤى والأحلام ظاهرة موجودة منذ وجود الإنسان، ومن أشهرها ما حكاه القرآن الكريم من رؤيا إبراهيم ﵇ أن يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا يوسف لسجود الكواكب له، ورؤيا فرعون البقر والسنابل، ورؤيا النبى ﷺ دخول المسجد الحرام. .
٢ - والناس مختلفون فى هذه الظاهرة كيف تحدث؟ فقال الماديون من قدامى الفلاسفة ومن بعض المعاصرين: إنها من الطبائع الأربعة الموجودة فى الإنسان، فإن غلبت عليه "السوداء " رأى القبور والسواد والأهوال،وان غلبت عليه "الصفراء " رأى النار والمصابيح والمصبوغات، وإن غلبت عليه "البلغم " رأى البياض والمياه والأمواج وإن غلبت عليه "الدم " رأى الشراب والرياحين والمزامير.
يقول النابلسى صاحب كتاب "تعطير الأنام فى تعبير المنام ": هذا الذى قالوه نوع من أنواع الرؤى وليست محصورة فيها، فهناك ما يكون من حديث النفس، وما يكون من غير ذلك.
ويقول النووى فى شرحه لصحيح مسلم "ج ١٥ ص ١٦"عند حديث "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ": إن الحُلْم - بضم الحاء وسكون اللام - فعله الماضى حَلَم - بفتح اللام - والرؤيا مقصورة مهموزة ويجوز ترك همزها، ونقل عن الإمام المازرى مذهب أهل السنة فى حقيقتها، وهو أن الله تعالى يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان، وهو يفعل ما يشاء، لا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها عَلَمًا - علامة - على أمور أخر يخلقها فى ثانى الحال..، أى فى وقت آخر لاحق - أو كان قد خلقها، فإذا خلق فى قلب النائم الطيران وليس بطائر، فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علما -علامة -على غيره، كما يكون خلق الله الغيم علما على المطر، والجميع خلق الله تعالى، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التى جعلها علما على ما يَسر بغير حضرة الشيطان -حضوره - ويخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان، فينسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها، وإن كان لا فعل له حقيقة، وهذا معنى قوله ﷺ "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان " لا على أن الشيطان يفعل شيئا، فالرؤيا اسم للمحبوب، والحلم اسم للمكروه، هذا كلام المازرى، وقال غيره: أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف، بخلاف المكروهة، وإن كانت جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وبإرادته ولا فعل للشيطان فيهما، لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ويسر بها اهـ.
ويقول النابلسى: يقول بعضهم: الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله تعالى " وهى الرؤيا الصالحة، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه، فرؤيا تحذير الشيطان هى الباطلة التى لا اعتبار لها، وفى الحديث الصحيح -رواه مسلم -أن رجلا قال للنبى ﷺ : رأيت كأن رأسى قطع وأنا أتْبَعه - أى أجرى وراءه - فقال: "لا تتحدث بتلاعب الشيطان بك فى المنام " وأما الرؤيا التى هى من همة النفس فمثل أن يرى الإنسان نفسه مع من يحب قلبه، أو خاف من شىء فيراه، أو يكون جائعا فيرى أنه يأكل، أو ممتلئا فيرى أنه يتقايأ، أو ينام فى الشمس فيرى أنه فى نار تحرقه.
ثم ذكر النابلسى الأقسام السبعة للرؤيا الباطلة، وهى حديث النفس والهم،والتمنى، والحلم الذى يوجب الغُسل، وما يكون من تخويف الشيطان، وما يقوم به السحرة، ورؤيا الشيطان، ورؤيا الطبائع إذا اختلفت وتكدرت، ورؤيا الوجع والألم لشىء مضى.
وكلام النابلسى يلتقى مع من يفسرون ظاهرة الرؤيا فى هذه الأيام بأنها رغبات مكبوتة تطفو على السطح عند نوم الإنسان وما يتأثر به جسمه وتتطلبه طبيعته وحرم منه فى حال يقظته كالجوع والعطش والحر والبرد، وهذا ما لجأ إليه "سيجموند فرويد"! وغيره.
ثم يذكر النابلسى الأقسام الخمسة للرؤيا الحق، وهى رؤيا الأنبياء، وهى جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، قال تعالى عن إبراهيم ﴿يا بُنىَّ إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ الصافات: ١٠٢، وقال عن الرسول ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام. . .﴾ الفتح: ٢٧، وهذه الرؤيا صريحة لا يريها إلا الله دون وساطة ملك.
٢ - والرؤيا الصالحة التى يبشر الله بها الصالحين، كما أن المكروهة زاجرة يزجرك بها.
٣-ما يريها المَلَكُ على حسب ما علَّمه الله من أم الكتاب، وألهمه من ضرب الأمثال الحكيمة لكل شيء من الأشياء مثلا معلوما.
٤-الرؤيا المرموزة وهى من الأرواح، كأن يرى الإنسان فى نومه ملكا من الملائكة فيخبره بخبر لا يدل بالصراحة بل بالرمز.
٥ - والرؤيا التى تصح بالشاهد ويغلب الشاهد عليها، فيجعل الخير شرا والشر خيرا كالذى يرى أنه يقرأ القرآن فى الحمام، فإنه يشتهر بأمر فاحش، لأن الحمام موضع كشف العورات ولا تدخله الملائكة، كما أن الشيطان لا يدخل المسجد.
وتحدث النابلسى عن العملية التى تتم بها الرؤيا والأحلام - بعدما ذكرنا من كلام المازرى الذى نقلة النووى - يقول المعبرون للرؤيا من المسلمين: الرؤيا يراها الإنسان بالروح ويفهمها بالعقل، ومستقر الروح نقطات دم فى وسط القلب، ومستقر القلب فى رسوم الدماغ والروح معلق بالنفس، فإذا نام الإنسان امتد روحه مثل السراج أو الشمس فيرى بنور الله وضيائه ما يريه ملك الرؤيا، وذهابه ورجوعه إلى النفس مثل الشمس إذا غطاها السحاب وانكشف عنها، فإذا عادت الحواس باستيقاظها إلى أفعالها ذكر الروح ما أراه. الملك وخيَّل له اهـ.
وهذه تفسيرات اجتهادية بتصويرات تقربها إلى الفهم، لكن لا يعلم حقيقة الموضوع إلا الله سبحانه، فهو من عالم الغيب وأحوال النفوس والأرواح وعلاقتها بالعقل للواعى-والباطن. من الأمور التى كثرت فيها الاجتهادات ولا يضرنا ذلك ما دمنا نعلم أن الرؤى والأحلام حقيقة واقعة فى الوجود بصرف النظر عن الكيفية التى تتم بها.
وتعبير الرؤيا ليست له قواعد ثابتة، إنما هى ظنون تستخدم فيها وسائل كثيرة، وقد ألفت فيه كتب شتى، جمع أكثرها الشيخ عبد الغنى النابلسى فى كتابه "تعطير الأنام فى تعبير المنام " الذى طبع وبهامشه كتابان أحدهما لابن سيرين " منتخب الكلام فى تفسير الأحلام " والثانى لابن شاهين، "الإشارات فى علم العبارات " وأشار فى آخر مؤلفه إلى، الكتب المؤلفة فيه. وإلى كتاب "طبقات المعبرين " للحسن بن الحسين الجلال الذى ذكر أن هناك ٧٥٠٠ معبِّر تخير منهم ٦٠٠ سماهم فى كتابه "تعبير الرؤيا" واقتصر على ١٠٥ من مشاهيرهم،وجعلهم ١٥طبقة.
وتطرق النابلسى إلى الكلام على عدة نقط، منها أن الحائض والجنب قد تكون رؤيتهما صحيحة، فقد عبَّر يوسف رؤيا فرعون، كما تصح رؤيا الصبيان، كرؤية يوسف لسجود الكواكب له، وأن الإنسان قد يرى الرؤيا فتكون له وقد تكون لغيرة من أقاربه وزملائه ومن تسموا باسمه، وذكر منها رؤيا أبى جهل أنه أسلم وبايع النبى ﷺ فكانت لابنه عكرمة، وأن أم الفضل رأت أن قطعة من جسم النبى وضعت فى حجرها فأولها أن فاطمة ستلد ولدا من ابن عمها فولدت الحسن وأخذته أم الفضل فى حجرها.
كما تحدث عن أحسن الأوقات التى تصدقه فيها الرؤيا واختلاف الناس فيها، هل هى السَّحر أو النهار أو القيلولة. . . ونبَّه على أن من يريد أن تصدق رؤياه فليكن ملتزما للصدق فى حياته، وأن ينام على وضوء، وقال: إن المعبِّر للرؤيا لابد أن يكون ذا فراسة ودراية وأن يبدأ بقوله لصاحب الرؤيا: خير إن شاء الله، وأن تعبير الرؤيا يختلف من شخص إلى شخص ومن بيئة إلى بيئة ومن دين إلي دين ومن فصل زمنى إلى فصل آخر فالسفرجل عند الفرس عز وجمال، وعند العرب سفر وجلاء، وأكل الميتة نكد عند من يحرمونها، ورزق عند من يستحلونها، والتدفئة بالنار والشمس خير فى الشتاء، وشر في الصيف،والثلج والجليد غلاء وقحط فى البلاد الحارة، وخصب وسعة فى البلاد الباردة.. .
وذكر ما ينبغى أن يعمله الشخص إذا رأى شيئا يفزعه، وبعضها مأخوذ من أحاديث نبوية سأذكر بعضها فيما يلى كما فى صحيح مسلم "ج ١٥ ص ١٦ وما بعدها".
١٠ -"الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره " وجاءت روايات تعبر عن النفث بالتفل وبالبصق، أكثرها تعبر بالنفث،ولعل المراد به النفخ اللطيف بلا ريق،.ومعنى لا تضره أن الله جعل هذا سببا لسلامته من مكروه يترتب عليه، كما جعل الصدقة سببا لدفع البلاء ووقاية للمال.
٢ - "الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره، ليتعوذ بالله من الشيطان لا تضره، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب " وذلك حتى لا تقع عن تفسيره المكروهة، وحتى لا يستغلها عدوك فيفسرها بالسوء حتى يحزنك.
٣- "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا - وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذى كان عليه ".
٤- "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة، والرؤيا ثلاثة، فرؤيا صالحة بشرى من الله - ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس".
جاءت روايات بأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين، أو من سبعين، وفي روايات لغير "مسلم " من أربعين ومن تسعة وأربعين ومن خمسين، ومن ستة وعشرين، ومن أربعة وأربعين، وتوضيح ذلك مبسوط في الكتب "النووى على مسلم ج ١٥ ص ٢١" واقتراب الزمان قيل المراد به اعتدال الليل والنهار، وقيل قرب قيام الساعة".
٥- "من رآنى فى المنام فقد رآنى فإن الشيطان لا يتمثل بى"
стр. 4693
موقف الإسلام من المخالف فى الرأى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز قتل الإنسان الذى يخالف رأى الدين؟
الجواب
كلمة الرأى كلمة عامة تشمل رأى من ليس مسلما، ورأى المسلم، ورأى المسلم قد يكون عقيدة وقد يكون حكما فى فروع الشريعة.
(أ) فرأى غير المسلم أقصاه الكفر بالإسلام، والكفر لا يبيح قتل الكافر ابتداء. وإنما يبيح رد العدوان الصادر منه، قال تعالى ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ التوبة: ١٧ وقال ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ الممتحنة: ٨، فإن نكثوا العهد وظهرت بوادر العدوان أو بدءوه بالفعل، أو اعترضوا طريق الدعوة أباح الإسلام قتالهم، قال تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ التوبة: ١٢، وقال تعالى ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ البقرة: ١٩٠ إلى غير ذلك من النصوص.
(ب) والمسلم المخالف فى-رأى عَقَدِى، أو فى عقيدة من العقائد الدينية، إما أن ينكر أمرا مجمعا عليه، أو لا، فإن أنكر أمرا مجمعا عليه كوحدانية الله ووجوب الصلاة وحرمة القتل كان مرتدا، وحكمه الاستتابة مدة اختلف العلماء فى تحديدها، فإن أصَّر على ردته قتل لقول النبى ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخارى.
وقد تقدم أن الذى ينفذ الحدود هو الحاكم أو من يأذن له، ولو نفذه أحد غيره أثم، وله عقوبة عند الله، ويجوز لولى الأمر أن يعزِّره على ذلك، والتعزير قد يكون بالقتل كما يراه الإمام أبو حنيفة.
وإذا لم ينكر أمرا مجمعا عليه فالواجب هو محاورته لبيان الحق، قياما بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يجوز التعدى عليه أو قتاله إذا لم يرجع عن رأيه ما دام مسالما لم يبدأ بعدوان، لأنه ما زال مسلما ولا يخرج بخلافه عن دائرة الإيمان كالمعتزلة والخوارج، والحديث يقول " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " رواه مسلم.
فإن بدأ بعدوان وجب رده ففى الحديث الشريف " من قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عِرضه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد" رواه أبو داود وللترمذى وقال: حديث حسن صحيح. فإن كان المخالفون جماعة وخرجوا على الحاكم فهم بغاة، وللحاكم أن يقاتلهم بعد التفاوض معهم، وذلك جمعا للكلمة وتوحيدا للصف، قال تعالى: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله﴾ الحجرات: ٩.
(ج) وإذا كان الخلاف فى رأى فقهى من الأحكام الفرعية فلا يجوز التعدى بأى نوع من الاعتداء على المخالف، فضلا عن قتاله، فالإسلام عصم الدماء إلا بحقها، والحديث يقول " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثَّيِّبُ الزانى، والقاتل، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه مسلم.
كما أجاز محاربة المسلم حتى لو لم يخالف فى عقيدة أو رأى فقهى إذا كان مفسدا قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾ المائدة: ٣٣.
والخلاصة أن الدماء فى الأصل مصونة، لا يجوز إهدارها إلا لمبررات قوية، وهى محددة بيَّنها الكتاب والسنة. والقتل بدون وجه حق من أكبر الكبائر، جاء فى التحذير منه نصوص كثيرة، منها قوله تعالى ﴿ومن يَقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابا عظيما﴾ النساء: ٩٣، وما دام هناك خلاف فى مسألة فالرأى فيها غير قطعى لا يجوز أن يكون مبررا للحكم بالردة وبالقتل فالحديث يقول: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم. . . "رواه أحمد والترمذى.
ومن أقوى علامات الشبهة عدم القطع به والاتفاق عليه. ولو استباح كل إنسان قتل من يخالفه فى رأى لهلكت البشرية كلها، فما يزال الاختلاف فى الأديان والعقائد والآراء سمة الناس بمقتضى طبيعتهم التى خلقهم الله عليها، قال تعالى ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ هود:١١٨،١١٩ وقال تعالى ﴿ولو شاء ربك لآمن مَنْ فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: ٩٩. وإذا كان حديث البخارى المروى عن النبى ﷺ يقول: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما " فما بالكم بقتل المسلم بغير وجه حق؟ ألا إن المخالفة فى الرأى يمكن معالجتها بالحوار المخلص والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن كما أمر الله نبيَّه بذلك، وليس القتل وسيلة وحيدة للعلاج، فزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم، كما جاء فى صحيح مسلم
стр. 4694
الخدمة العسكرية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو موقف الإسلام من الخدمة العسكرية؟
الجواب
قال علماء الاجتماع قديما وحديثا إن الأمن من أهم أركان المجتمع السليم، وأن من واجب الحاكم حراسة الأمة من عدو أو باغ على نفس أو مال أو عرض، وهذا يقتضى تكوين جيش قوى لهذه المهمة.
والإسلام يدعو إلى ذلك من أجل إقرار الأمن والدفاع عن الحرمات، وجاء التعبير عنه فى القرآن والسنة باسم الجهاد، والجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض من القادرين عليه سقط الطلب عن الباقين، ويكون فرض عين على كل إنسان عند الهجوم علينا أو أمر ولى الأمر بالنَّفْر والخروج له، والنصوص فى ذلك كثيرة منها قوله تعالى ﴿كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ البقرة: ٢١٦، وقوله تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله﴾ التوبة: ٤١، ورغَّب فيه بمرغبات كثيرة منها قوله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون فى سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ التوبة: ١١١، وقول النبى ﷺ فيما رواه البخارى "إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ".
وحذر من التقاعد والتقاعس عنه فقال سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا﴾ التوبة: ٣٨، ٣٩.
ولأهمية القوة العسكرية كان الإسهام فيها بأى نوع من الإسهام له ثوابه العظيم، ففى الحديث "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أبو داود بسند صحيح وفيه أيضا " من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا فى أهله بخير فقد غزا" رواه البخارى ومسلم.
ومن هنا جاء الأمر بالاستعداد القوى له فقال سبحانه ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ الأنفال: ٦٠، وحث على التدريب على كل الأسلحة، وكان منها أيام الرسول ﷺ ركوب الخيل والرمى فقال " من ترك الرمى بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها" رواه أبو داود، وأمر بأن يعيش كل إنسان فى جو الاستعداد للطوارئ فقال " من لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق " رواه مسلم وقال " من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه " رواه مسلم. والخدمة العسكرية تدريب واستعداد وأخذ بالحذر واحتياط للمفاجآت، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ النساء: ٧١، وقال تعالى ﴿ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ النساء: ١٠٢، والمؤدى للخدمة العسكرية مُرَابط وفى الحديث " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه " رواه مسلم. وهى أمر تنظيمى إلى جانب أنه أمر إلهى دينى، فلابد من طاعة ولى الأمر فيه لأنه للمصلحة ولا معصية فيه.
إن المتهرب من الخدمة العسكرية واحد من اثنين، فهو إما جبان يخاف على نفسه أو ماله أو أهله، وإما جاسوس متواطئ على الأمة مع العدو المتربص، بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهو سلبى والسلبية من أكبر عوامل الانهزام فى المعارك أيا كان ميدانها، ومن لم يهمه أمر المسلمين فليس منهم كما فى الحديث المقبول، فالفرار من المعركة من كبائر الذنوب، والتحايل على عدم المشاركة فى الجهاد من صفات المنافقين الجبناء والمتواطئين على الإسلام، فقد استأذن جماعة منهم عند خروج الرسول إلى الغزو متعللين بأسباب واهية كخوف الفتنة بنساء العدو كما قال سبحانه ﴿ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. إن تصبك حسنة تسوءهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون﴾ التوبة: ٤٩، ٥٠، وفى ذلك بيان لسوء نيتهم وكراهية الخير للمسلمين، وذم الله تخلُّفَهم بدون عذر فقال ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ التوبة: ٨٧، والخوالف هم المتخلفون الذين لم يحظوا بشرف الجهاد، من النساء والصبيان والمرضى وذوى العاهات، كما ذمهم بقوله ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فَضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ... ﴾ النساء: ٩٥.
لعل بعض المتهربين من شرف الخدمة العسكرية يقول: إن الجيوش الآن لا تقوم بالجهاد الحقيقى لنشر دين الإسلام، ونقول: إن الجهاد ليس هجومًا على الآمنين وإنما هو دفاع أو تأمين لطريق الدعوة، والبدء به ممنوع كما دلت على ذلك النصوص، فهو لدفع عدوان واقع أو مترقب دلَّت عليه القرائن ونقول لهؤلاء المتخلفين: من الذى يدافع عنكم إذا أغار عليكم العدو؟ هل تنتظرون من غيركم -وأنتم ترمونهم بالكفر أو الفجور-أن يدافعوا عنكم؟ وهل تستسلمون للعدو وأنتم لا تحسنون الدفاع عن أنفسكم؟ كيف غاب عنكم ما رواه مسلم أن رجلا سأل النبى ﷺ :
أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ فقال له "فلا تعطه مالك " قال:
أرأيت إن قاتلنى؟ ؛ قال: "قاتلْه " قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: " فأنت شهيد" قال أرأيت إن قتلته؟ قال " هو فى النار " والحديث يقول أيضا "من قُتلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" رواه أبو داود والترمذى وقال:
حديث حسن صحيح.إن الخدمة العسكرية تعلمك كيف تدفع العدو وتحمى نفسك ومالك وعرضك ودينك وكل المقدسات، وتنال بذلك شرف الشهادة.
ولعل بعض المتخلفين عن الخدمة بدون عذر يقول: إن الجهاد لا يجب تحت قيادة كافرة، ونقول له، أين أنت من قول النبى ﷺ "والجهاد ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل " رواه أبو داود.
وهو يدل على صحة الجهاد تحت قيادة الفاجر، ولكل واحد جزاء عمله، وعلى الجندى طاعة قائده فى الأوامر العسكرية منعا للتفرق ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ الأنفال: ٤٦، والنبى ﷺ كان يولى قيادة الجيش مَنْ هو خبير بفنون القتال، أما عمله الخاص فهو له، وفى حديث البخارى ومسلم " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " وذلك بمناسبة انتحار رجل يظهر الإسلام وقد أبلى بلاء حسنا فى المعركة، وأخبر عنه الرسول بأنه فى النار.
يقول ابن تيمية فى كتابه " السياسة الشرعية ": يقدَّم فى ولاية الحروب القوى الشجاع وإن كان فيه فجور، يقدم على الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سئل أحمد بن حنبل عن رجلين فى الغزو، أحدهما قوى فاجر والآخر صالح ضعيف، فقال: أما الفاجر القوى فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فَيُغْزَى مع القوى الفاجر، والنبى ﷺ وَلَّى خالد بن الوليد الذى قال عنه إنه سيف سَلَّه الله على المشركين مع أنه أحيانا كان يعمل ما ينكره عليه، ورفع مرة يديه إلى السماء وقال "اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد "وذلك حين أرسله إلى (جُذَيْمَةَ) فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، فتحمل النبى ﷺ دياتهم.
إن الجهاد شرف عظيم لا يفر منه إلا الجبناء أو المنافقون. ولشرفه كان الصحابة يتسابقون إليه، ومن لم يَفُز بهذا الشرف لعذر كان يحزن ويبكى ويحاول تقديم خدمة لأمته ولو بالعفو عن الحقوق التى له عندهم كما فعل عُلْبة بن زيد فى غزوة تبوك، وكان صغار الصحابة يتنافسون أمام الرسول لإظهار قوتهم حتى يقبلهم ضمن المقاتلين، وكان الرجل من السلف الصالح إذا خرج للغزو طلب من أهله أن يدعوا الله ألا يرجع إليهم، وذلك شوقا إلى الشهادة فى سبيل الله.
وإذا صح أن الإمام مالكا قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فإن مما صلح به الأولون حب الجهاد وخدمة الإسلام بما يمكن من قوة ومال وجهد فى أى ميدان من ميادين الخير
стр. 4695
العدسات اللاصقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الإسلام فى العدسات اللاصقة الملونة التى يقصد بها الزينة؟
الجواب
أول ما سمعنا عن العدسات اللاصقة أنها بدل العدسات الموجودة فى المنظار (النظارة) يستغنى بها عن الإطارات (الشنابر) التى تؤثر على بعض مواضع فى الوجه، وقد تقع أو تضيع فتكون الحيرة عند من يعتادها.
وفى أول استعمال العدسات اللاصقة كانت تحتاج إلى إجراءات فى تركيبها وقد تحدث مضايقات للعين كجسم غريب ليس من جنسها، وحاول المختصون تسهيل هذه الإجراءات والتقليل من المضايقات وكان استعمالها أولا لإصلاح النظر الطويل أو القصير، ولم يعلق عليها الناس بمدح ولا ذم كما لا يعلقون على (النظارة العادية) .
ولكن جاء التعليق عليها عندما روعى فيها ناحية الجمال فاختيرت لها ألوان لتبدو العين فى شكل جذاب يلفت النظر ويزيد من عدد المعجبين بالعيون الخضراء التى لا يفرق الناظر إليها بين ما هو طبيعى وبين ما هو صناعى، فما هو موقف الدين من الإقبال على هذه العدسات اللاصقة ذات الألوان الجذابة؟ أعتقد أن الجنس الخشن إذا استعمل العدسات اللاصقة إنما يستعملها لإصلاح نظره، وهو استعمال طبى يعالج به -كما قلت - قصر النظر أو طوله، وهذا أمر مستساغ ومشروع، مثله مثل (النظارة العادية) وكذلك الجنس الثانى إذا استعملها طبيا فلا غبار عليها شرعا وعرفا.
لكن إذا استعملت للزينة ولفت الأنظار، فإن لهذا القصد دخلا فى تكييف الحكم عليها، مثلها مثل النظارات العادية قد تختار لها (شنابر) غالية وترصع ببعض الفصوص البراقة مع سلك ذهبى أو من معدن ثمين، وقد يكون أكثر من ذلك مما يَتفَنَّنُ فيه ذوو الخبرة الفاهمون لطبيعة الإنسان فى علاقته بالمجتمع.
فإذا كان القصد مباهاة وفخرا، أو جذبا لأنظار الجنس الآخر كان ذلك ممنوعا شرعا دون خلاف فى ذلك، والعدسات اللاصقة التى يختار لها اللون الأخضر تحرص عليها الفتيات بالذات، وهنا يدخل عامل النية والقصد فى الحكم، فإن كانت النية الفتنة والإغراء، أو كانت النية التدليس والتغرير فلا شك فى حرمتها، مثلها فى ذلك الأصباغ التى تلون بها وجهها والأهداب الصناعية والأظافر الملونة والعطور النفاذة وما يماثل ذلك.
والإسلام قد نهى عن التدليس والتغرير الذى يخفى الحقيقة ويخدع الناظر. ففى الحديث " من غشَّنا فليس منا " ونهى المرأة بالذات عن أن تبدى مفاتنها بأية صورة من الصور، وذلك لغير زوجها، مع التحفظ فيها لأقاربها ومحارمها، كما نهاها عن الخضوع بالقول الذى يوقظ الغرائز ويلهب المشاعر ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض﴾ الأحزاب: ٣٢، ونهاها عن التعطر ليعجب بها من تمر عليهم، والحديث يقول فى ذلك "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهى زانية" رواه أبو داود والترمذى وقال الترمذى: حسن صحيح وانظروا إلى كلمة "ليجدوا ريحها" لنعرف أن مناط الحكم فى التعطر أمام الأجانب هو قصد الإعجاب بها بشد أنوفهم إليها وبالتالى شد ما تريده من سوء، والقرآن الكريم قد ذكر المنطلق الذى تحرم به كل المغريات وهو قصد إبراز ما خفى من زينتها إلى جانب ما ظهر منها، فقال: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ النور: ٣١.
يتلخص من كل ذلك أن الإسلام يريد أن ينظم العلاقة بين الجنسين، ويجعلها فى حَيَزٍ ينتج الخير والمصلحة للطرفين، فالغريزة الجنسية من أقوى الغرائز-إن لم تكن أقواها - تأثيرا على سلوك الإنسان، والعدسات اللاصقة الملونة ومثلها كل زينة فى النظارات العادية أو فى غيرها، إن أريد بها العلاج فقط فلا ضرر فيها، وإن أريد بها الإغراء والفتنة أو التدليس والتغرير فهى محرمة، وإذا كانت المرأة تحرص عليها حرصها على كل زينة لافتة للنظر فإن الرجل لا يليق به أن يهبط إلى هذا المستوى، فالله قد لعن تشبه أحد الجنسين فيما هو من خصائص الجنس الآخر، وأقول للجنسين: نحن الآن فى وضع اقتصادى واجتماعى يدعونا إلى الجد والانصراف إلى العمل المنتج ووضع كل شىء فى موضعه اللائق به، والضرورات الملحَّة تشجب إهمالها وتشجب الانصراف عنها إلى العبث والإغراق فى المتع والكماليَّات
следующие страницы →