Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
مرض الصرع
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لى طفل تنتابه أحيانا حالة عصبية ويتشنج ثم يفيق، وقيل لى: اقرئى عليه قرآنا ليحفظه الله من هذا الصرع، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هناك أمراض عصبية ترجع إلى مؤثرات جسمية أو نفسية يعرفها الأطباء بالفحص ويعالجون مصدرها بالعقاقير والأدوية الحديثة أو الوسائل الأخرى التى يعرفها أهل الذكر، ولا بد من عرض المريض عليهم أولا: فإن شفى فبها، وإلا كان الصرع له مصدر آخر، وهذا المصدر الآخر يشك فيه كثير من الناس، وإن كانت الأحوال النفسية والروحية حقيقة واقعة لا مجال للشك فيها، ولها مدارسها المتخصصة الآن، وقد تحدث ابن القيم فى كتابه "زاد المعاد" عن الصرع. فقال:
الصرع صرعان، صرع من الأرواح الأرضية الخبيثة، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثانى هو الذى يتكلم فيه الأطباء سببه وعلاجه، وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدفع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها.
ثم قال ابن القيم: لا ينكر هذا النوع من الصرع إلا من ليس له حظ وافر من معرفة الأسرار الروحية، وأورد بعض الحوادث التى حدثت أيام النبى ﷺ وأثر قوة الروح وصدق العزيمة فى علاجها، وأفاض فى النعى على من ينكرون ذلك.
هذا، وإذا كانت للصرع عدة أسباب، منها مادية ومنها نفسية أو روحية أو أخرى، فلا ينبغى أن ننكر ما نجهل، فالعالم مملوء بالأسرار، وقد بدأ العلم يكشف بعضها، وفى الوقت نفسه لا ينبغى أن يتخذ ذلك ذريعة للدجل والشعوذة واستغلال جهل الناس أو سذاجتهم، فلنلجأ إلى الوسائل المادية أولا، وهى كثيرة وسهلة التناول، فإن عجز المخلوق فلنتوجه إلى الخالق بالإيمان به وصدق الاستعانة والثقة به، كما استغاثه الأنبياء فكشف عنهم الضر ونجاهم من الغم، والقرآن خير شاهد على هذه الحقيقة -والله أعلم
стр. 4692
الرؤى والأحلام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما الفرق بين الرؤيا والحلم؟
الجواب
ا - الرؤى والأحلام ظاهرة موجودة منذ وجود الإنسان، ومن أشهرها ما حكاه القرآن الكريم من رؤيا إبراهيم ﵇ أن يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا يوسف لسجود الكواكب له، ورؤيا فرعون البقر والسنابل، ورؤيا النبى ﷺ دخول المسجد الحرام. .
٢ - والناس مختلفون فى هذه الظاهرة كيف تحدث؟ فقال الماديون من قدامى الفلاسفة ومن بعض المعاصرين: إنها من الطبائع الأربعة الموجودة فى الإنسان، فإن غلبت عليه "السوداء " رأى القبور والسواد والأهوال،وان غلبت عليه "الصفراء " رأى النار والمصابيح والمصبوغات، وإن غلبت عليه "البلغم " رأى البياض والمياه والأمواج وإن غلبت عليه "الدم " رأى الشراب والرياحين والمزامير.
يقول النابلسى صاحب كتاب "تعطير الأنام فى تعبير المنام ": هذا الذى قالوه نوع من أنواع الرؤى وليست محصورة فيها، فهناك ما يكون من حديث النفس، وما يكون من غير ذلك.
ويقول النووى فى شرحه لصحيح مسلم "ج ١٥ ص ١٦"عند حديث "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ": إن الحُلْم - بضم الحاء وسكون اللام - فعله الماضى حَلَم - بفتح اللام - والرؤيا مقصورة مهموزة ويجوز ترك همزها، ونقل عن الإمام المازرى مذهب أهل السنة فى حقيقتها، وهو أن الله تعالى يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان، وهو يفعل ما يشاء، لا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها عَلَمًا - علامة - على أمور أخر يخلقها فى ثانى الحال..، أى فى وقت آخر لاحق - أو كان قد خلقها، فإذا خلق فى قلب النائم الطيران وليس بطائر، فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علما -علامة -على غيره، كما يكون خلق الله الغيم علما على المطر، والجميع خلق الله تعالى، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التى جعلها علما على ما يَسر بغير حضرة الشيطان -حضوره - ويخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان، فينسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها، وإن كان لا فعل له حقيقة، وهذا معنى قوله ﷺ "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان " لا على أن الشيطان يفعل شيئا، فالرؤيا اسم للمحبوب، والحلم اسم للمكروه، هذا كلام المازرى، وقال غيره: أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف، بخلاف المكروهة، وإن كانت جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وبإرادته ولا فعل للشيطان فيهما، لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ويسر بها اهـ.
ويقول النابلسى: يقول بعضهم: الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله تعالى " وهى الرؤيا الصالحة، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه، فرؤيا تحذير الشيطان هى الباطلة التى لا اعتبار لها، وفى الحديث الصحيح -رواه مسلم -أن رجلا قال للنبى ﷺ : رأيت كأن رأسى قطع وأنا أتْبَعه - أى أجرى وراءه - فقال: "لا تتحدث بتلاعب الشيطان بك فى المنام " وأما الرؤيا التى هى من همة النفس فمثل أن يرى الإنسان نفسه مع من يحب قلبه، أو خاف من شىء فيراه، أو يكون جائعا فيرى أنه يأكل، أو ممتلئا فيرى أنه يتقايأ، أو ينام فى الشمس فيرى أنه فى نار تحرقه.
ثم ذكر النابلسى الأقسام السبعة للرؤيا الباطلة، وهى حديث النفس والهم،والتمنى، والحلم الذى يوجب الغُسل، وما يكون من تخويف الشيطان، وما يقوم به السحرة، ورؤيا الشيطان، ورؤيا الطبائع إذا اختلفت وتكدرت، ورؤيا الوجع والألم لشىء مضى.
وكلام النابلسى يلتقى مع من يفسرون ظاهرة الرؤيا فى هذه الأيام بأنها رغبات مكبوتة تطفو على السطح عند نوم الإنسان وما يتأثر به جسمه وتتطلبه طبيعته وحرم منه فى حال يقظته كالجوع والعطش والحر والبرد، وهذا ما لجأ إليه "سيجموند فرويد"! وغيره.
ثم يذكر النابلسى الأقسام الخمسة للرؤيا الحق، وهى رؤيا الأنبياء، وهى جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، قال تعالى عن إبراهيم ﴿يا بُنىَّ إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ الصافات: ١٠٢، وقال عن الرسول ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام. . .﴾ الفتح: ٢٧، وهذه الرؤيا صريحة لا يريها إلا الله دون وساطة ملك.
٢ - والرؤيا الصالحة التى يبشر الله بها الصالحين، كما أن المكروهة زاجرة يزجرك بها.
٣-ما يريها المَلَكُ على حسب ما علَّمه الله من أم الكتاب، وألهمه من ضرب الأمثال الحكيمة لكل شيء من الأشياء مثلا معلوما.
٤-الرؤيا المرموزة وهى من الأرواح، كأن يرى الإنسان فى نومه ملكا من الملائكة فيخبره بخبر لا يدل بالصراحة بل بالرمز.
٥ - والرؤيا التى تصح بالشاهد ويغلب الشاهد عليها، فيجعل الخير شرا والشر خيرا كالذى يرى أنه يقرأ القرآن فى الحمام، فإنه يشتهر بأمر فاحش، لأن الحمام موضع كشف العورات ولا تدخله الملائكة، كما أن الشيطان لا يدخل المسجد.
وتحدث النابلسى عن العملية التى تتم بها الرؤيا والأحلام - بعدما ذكرنا من كلام المازرى الذى نقلة النووى - يقول المعبرون للرؤيا من المسلمين: الرؤيا يراها الإنسان بالروح ويفهمها بالعقل، ومستقر الروح نقطات دم فى وسط القلب، ومستقر القلب فى رسوم الدماغ والروح معلق بالنفس، فإذا نام الإنسان امتد روحه مثل السراج أو الشمس فيرى بنور الله وضيائه ما يريه ملك الرؤيا، وذهابه ورجوعه إلى النفس مثل الشمس إذا غطاها السحاب وانكشف عنها، فإذا عادت الحواس باستيقاظها إلى أفعالها ذكر الروح ما أراه. الملك وخيَّل له اهـ.
وهذه تفسيرات اجتهادية بتصويرات تقربها إلى الفهم، لكن لا يعلم حقيقة الموضوع إلا الله سبحانه، فهو من عالم الغيب وأحوال النفوس والأرواح وعلاقتها بالعقل للواعى-والباطن. من الأمور التى كثرت فيها الاجتهادات ولا يضرنا ذلك ما دمنا نعلم أن الرؤى والأحلام حقيقة واقعة فى الوجود بصرف النظر عن الكيفية التى تتم بها.
وتعبير الرؤيا ليست له قواعد ثابتة، إنما هى ظنون تستخدم فيها وسائل كثيرة، وقد ألفت فيه كتب شتى، جمع أكثرها الشيخ عبد الغنى النابلسى فى كتابه "تعطير الأنام فى تعبير المنام " الذى طبع وبهامشه كتابان أحدهما لابن سيرين " منتخب الكلام فى تفسير الأحلام " والثانى لابن شاهين، "الإشارات فى علم العبارات " وأشار فى آخر مؤلفه إلى، الكتب المؤلفة فيه. وإلى كتاب "طبقات المعبرين " للحسن بن الحسين الجلال الذى ذكر أن هناك ٧٥٠٠ معبِّر تخير منهم ٦٠٠ سماهم فى كتابه "تعبير الرؤيا" واقتصر على ١٠٥ من مشاهيرهم،وجعلهم ١٥طبقة.
وتطرق النابلسى إلى الكلام على عدة نقط، منها أن الحائض والجنب قد تكون رؤيتهما صحيحة، فقد عبَّر يوسف رؤيا فرعون، كما تصح رؤيا الصبيان، كرؤية يوسف لسجود الكواكب له، وأن الإنسان قد يرى الرؤيا فتكون له وقد تكون لغيرة من أقاربه وزملائه ومن تسموا باسمه، وذكر منها رؤيا أبى جهل أنه أسلم وبايع النبى ﷺ فكانت لابنه عكرمة، وأن أم الفضل رأت أن قطعة من جسم النبى وضعت فى حجرها فأولها أن فاطمة ستلد ولدا من ابن عمها فولدت الحسن وأخذته أم الفضل فى حجرها.
كما تحدث عن أحسن الأوقات التى تصدقه فيها الرؤيا واختلاف الناس فيها، هل هى السَّحر أو النهار أو القيلولة. . . ونبَّه على أن من يريد أن تصدق رؤياه فليكن ملتزما للصدق فى حياته، وأن ينام على وضوء، وقال: إن المعبِّر للرؤيا لابد أن يكون ذا فراسة ودراية وأن يبدأ بقوله لصاحب الرؤيا: خير إن شاء الله، وأن تعبير الرؤيا يختلف من شخص إلى شخص ومن بيئة إلى بيئة ومن دين إلي دين ومن فصل زمنى إلى فصل آخر فالسفرجل عند الفرس عز وجمال، وعند العرب سفر وجلاء، وأكل الميتة نكد عند من يحرمونها، ورزق عند من يستحلونها، والتدفئة بالنار والشمس خير فى الشتاء، وشر في الصيف،والثلج والجليد غلاء وقحط فى البلاد الحارة، وخصب وسعة فى البلاد الباردة.. .
وذكر ما ينبغى أن يعمله الشخص إذا رأى شيئا يفزعه، وبعضها مأخوذ من أحاديث نبوية سأذكر بعضها فيما يلى كما فى صحيح مسلم "ج ١٥ ص ١٦ وما بعدها".
١٠ -"الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره " وجاءت روايات تعبر عن النفث بالتفل وبالبصق، أكثرها تعبر بالنفث،ولعل المراد به النفخ اللطيف بلا ريق،.ومعنى لا تضره أن الله جعل هذا سببا لسلامته من مكروه يترتب عليه، كما جعل الصدقة سببا لدفع البلاء ووقاية للمال.
٢ - "الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره، ليتعوذ بالله من الشيطان لا تضره، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب " وذلك حتى لا تقع عن تفسيره المكروهة، وحتى لا يستغلها عدوك فيفسرها بالسوء حتى يحزنك.
٣- "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا - وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذى كان عليه ".
٤- "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة، والرؤيا ثلاثة، فرؤيا صالحة بشرى من الله - ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس".
جاءت روايات بأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين، أو من سبعين، وفي روايات لغير "مسلم " من أربعين ومن تسعة وأربعين ومن خمسين، ومن ستة وعشرين، ومن أربعة وأربعين، وتوضيح ذلك مبسوط في الكتب "النووى على مسلم ج ١٥ ص ٢١" واقتراب الزمان قيل المراد به اعتدال الليل والنهار، وقيل قرب قيام الساعة".
٥- "من رآنى فى المنام فقد رآنى فإن الشيطان لا يتمثل بى"
стр. 4693
موقف الإسلام من المخالف فى الرأى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز قتل الإنسان الذى يخالف رأى الدين؟
الجواب
كلمة الرأى كلمة عامة تشمل رأى من ليس مسلما، ورأى المسلم، ورأى المسلم قد يكون عقيدة وقد يكون حكما فى فروع الشريعة.
(أ) فرأى غير المسلم أقصاه الكفر بالإسلام، والكفر لا يبيح قتل الكافر ابتداء. وإنما يبيح رد العدوان الصادر منه، قال تعالى ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ التوبة: ١٧ وقال ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ الممتحنة: ٨، فإن نكثوا العهد وظهرت بوادر العدوان أو بدءوه بالفعل، أو اعترضوا طريق الدعوة أباح الإسلام قتالهم، قال تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ التوبة: ١٢، وقال تعالى ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ البقرة: ١٩٠ إلى غير ذلك من النصوص.
(ب) والمسلم المخالف فى-رأى عَقَدِى، أو فى عقيدة من العقائد الدينية، إما أن ينكر أمرا مجمعا عليه، أو لا، فإن أنكر أمرا مجمعا عليه كوحدانية الله ووجوب الصلاة وحرمة القتل كان مرتدا، وحكمه الاستتابة مدة اختلف العلماء فى تحديدها، فإن أصَّر على ردته قتل لقول النبى ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخارى.
وقد تقدم أن الذى ينفذ الحدود هو الحاكم أو من يأذن له، ولو نفذه أحد غيره أثم، وله عقوبة عند الله، ويجوز لولى الأمر أن يعزِّره على ذلك، والتعزير قد يكون بالقتل كما يراه الإمام أبو حنيفة.
وإذا لم ينكر أمرا مجمعا عليه فالواجب هو محاورته لبيان الحق، قياما بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يجوز التعدى عليه أو قتاله إذا لم يرجع عن رأيه ما دام مسالما لم يبدأ بعدوان، لأنه ما زال مسلما ولا يخرج بخلافه عن دائرة الإيمان كالمعتزلة والخوارج، والحديث يقول " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " رواه مسلم.
فإن بدأ بعدوان وجب رده ففى الحديث الشريف " من قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عِرضه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد" رواه أبو داود وللترمذى وقال: حديث حسن صحيح. فإن كان المخالفون جماعة وخرجوا على الحاكم فهم بغاة، وللحاكم أن يقاتلهم بعد التفاوض معهم، وذلك جمعا للكلمة وتوحيدا للصف، قال تعالى: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله﴾ الحجرات: ٩.
(ج) وإذا كان الخلاف فى رأى فقهى من الأحكام الفرعية فلا يجوز التعدى بأى نوع من الاعتداء على المخالف، فضلا عن قتاله، فالإسلام عصم الدماء إلا بحقها، والحديث يقول " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثَّيِّبُ الزانى، والقاتل، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه مسلم.
كما أجاز محاربة المسلم حتى لو لم يخالف فى عقيدة أو رأى فقهى إذا كان مفسدا قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾ المائدة: ٣٣.
والخلاصة أن الدماء فى الأصل مصونة، لا يجوز إهدارها إلا لمبررات قوية، وهى محددة بيَّنها الكتاب والسنة. والقتل بدون وجه حق من أكبر الكبائر، جاء فى التحذير منه نصوص كثيرة، منها قوله تعالى ﴿ومن يَقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابا عظيما﴾ النساء: ٩٣، وما دام هناك خلاف فى مسألة فالرأى فيها غير قطعى لا يجوز أن يكون مبررا للحكم بالردة وبالقتل فالحديث يقول: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم. . . "رواه أحمد والترمذى.
ومن أقوى علامات الشبهة عدم القطع به والاتفاق عليه. ولو استباح كل إنسان قتل من يخالفه فى رأى لهلكت البشرية كلها، فما يزال الاختلاف فى الأديان والعقائد والآراء سمة الناس بمقتضى طبيعتهم التى خلقهم الله عليها، قال تعالى ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ هود:١١٨،١١٩ وقال تعالى ﴿ولو شاء ربك لآمن مَنْ فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ يونس: ٩٩. وإذا كان حديث البخارى المروى عن النبى ﷺ يقول: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما " فما بالكم بقتل المسلم بغير وجه حق؟ ألا إن المخالفة فى الرأى يمكن معالجتها بالحوار المخلص والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن كما أمر الله نبيَّه بذلك، وليس القتل وسيلة وحيدة للعلاج، فزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم، كما جاء فى صحيح مسلم
стр. 4694
الخدمة العسكرية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هو موقف الإسلام من الخدمة العسكرية؟
الجواب
قال علماء الاجتماع قديما وحديثا إن الأمن من أهم أركان المجتمع السليم، وأن من واجب الحاكم حراسة الأمة من عدو أو باغ على نفس أو مال أو عرض، وهذا يقتضى تكوين جيش قوى لهذه المهمة.
والإسلام يدعو إلى ذلك من أجل إقرار الأمن والدفاع عن الحرمات، وجاء التعبير عنه فى القرآن والسنة باسم الجهاد، والجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض من القادرين عليه سقط الطلب عن الباقين، ويكون فرض عين على كل إنسان عند الهجوم علينا أو أمر ولى الأمر بالنَّفْر والخروج له، والنصوص فى ذلك كثيرة منها قوله تعالى ﴿كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ البقرة: ٢١٦، وقوله تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله﴾ التوبة: ٤١، ورغَّب فيه بمرغبات كثيرة منها قوله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون فى سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ التوبة: ١١١، وقول النبى ﷺ فيما رواه البخارى "إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ".
وحذر من التقاعد والتقاعس عنه فقال سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا﴾ التوبة: ٣٨، ٣٩.
ولأهمية القوة العسكرية كان الإسهام فيها بأى نوع من الإسهام له ثوابه العظيم، ففى الحديث "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أبو داود بسند صحيح وفيه أيضا " من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا فى أهله بخير فقد غزا" رواه البخارى ومسلم.
ومن هنا جاء الأمر بالاستعداد القوى له فقال سبحانه ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ الأنفال: ٦٠، وحث على التدريب على كل الأسلحة، وكان منها أيام الرسول ﷺ ركوب الخيل والرمى فقال " من ترك الرمى بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها" رواه أبو داود، وأمر بأن يعيش كل إنسان فى جو الاستعداد للطوارئ فقال " من لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق " رواه مسلم وقال " من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه " رواه مسلم. والخدمة العسكرية تدريب واستعداد وأخذ بالحذر واحتياط للمفاجآت، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ النساء: ٧١، وقال تعالى ﴿ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ النساء: ١٠٢، والمؤدى للخدمة العسكرية مُرَابط وفى الحديث " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه " رواه مسلم. وهى أمر تنظيمى إلى جانب أنه أمر إلهى دينى، فلابد من طاعة ولى الأمر فيه لأنه للمصلحة ولا معصية فيه.
إن المتهرب من الخدمة العسكرية واحد من اثنين، فهو إما جبان يخاف على نفسه أو ماله أو أهله، وإما جاسوس متواطئ على الأمة مع العدو المتربص، بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهو سلبى والسلبية من أكبر عوامل الانهزام فى المعارك أيا كان ميدانها، ومن لم يهمه أمر المسلمين فليس منهم كما فى الحديث المقبول، فالفرار من المعركة من كبائر الذنوب، والتحايل على عدم المشاركة فى الجهاد من صفات المنافقين الجبناء والمتواطئين على الإسلام، فقد استأذن جماعة منهم عند خروج الرسول إلى الغزو متعللين بأسباب واهية كخوف الفتنة بنساء العدو كما قال سبحانه ﴿ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. إن تصبك حسنة تسوءهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون﴾ التوبة: ٤٩، ٥٠، وفى ذلك بيان لسوء نيتهم وكراهية الخير للمسلمين، وذم الله تخلُّفَهم بدون عذر فقال ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ التوبة: ٨٧، والخوالف هم المتخلفون الذين لم يحظوا بشرف الجهاد، من النساء والصبيان والمرضى وذوى العاهات، كما ذمهم بقوله ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فَضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ... ﴾ النساء: ٩٥.
لعل بعض المتهربين من شرف الخدمة العسكرية يقول: إن الجيوش الآن لا تقوم بالجهاد الحقيقى لنشر دين الإسلام، ونقول: إن الجهاد ليس هجومًا على الآمنين وإنما هو دفاع أو تأمين لطريق الدعوة، والبدء به ممنوع كما دلت على ذلك النصوص، فهو لدفع عدوان واقع أو مترقب دلَّت عليه القرائن ونقول لهؤلاء المتخلفين: من الذى يدافع عنكم إذا أغار عليكم العدو؟ هل تنتظرون من غيركم -وأنتم ترمونهم بالكفر أو الفجور-أن يدافعوا عنكم؟ وهل تستسلمون للعدو وأنتم لا تحسنون الدفاع عن أنفسكم؟ كيف غاب عنكم ما رواه مسلم أن رجلا سأل النبى ﷺ :
أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ فقال له "فلا تعطه مالك " قال:
أرأيت إن قاتلنى؟ ؛ قال: "قاتلْه " قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: " فأنت شهيد" قال أرأيت إن قتلته؟ قال " هو فى النار " والحديث يقول أيضا "من قُتلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" رواه أبو داود والترمذى وقال:
حديث حسن صحيح.إن الخدمة العسكرية تعلمك كيف تدفع العدو وتحمى نفسك ومالك وعرضك ودينك وكل المقدسات، وتنال بذلك شرف الشهادة.
ولعل بعض المتخلفين عن الخدمة بدون عذر يقول: إن الجهاد لا يجب تحت قيادة كافرة، ونقول له، أين أنت من قول النبى ﷺ "والجهاد ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل " رواه أبو داود.
وهو يدل على صحة الجهاد تحت قيادة الفاجر، ولكل واحد جزاء عمله، وعلى الجندى طاعة قائده فى الأوامر العسكرية منعا للتفرق ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ الأنفال: ٤٦، والنبى ﷺ كان يولى قيادة الجيش مَنْ هو خبير بفنون القتال، أما عمله الخاص فهو له، وفى حديث البخارى ومسلم " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " وذلك بمناسبة انتحار رجل يظهر الإسلام وقد أبلى بلاء حسنا فى المعركة، وأخبر عنه الرسول بأنه فى النار.
يقول ابن تيمية فى كتابه " السياسة الشرعية ": يقدَّم فى ولاية الحروب القوى الشجاع وإن كان فيه فجور، يقدم على الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سئل أحمد بن حنبل عن رجلين فى الغزو، أحدهما قوى فاجر والآخر صالح ضعيف، فقال: أما الفاجر القوى فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فَيُغْزَى مع القوى الفاجر، والنبى ﷺ وَلَّى خالد بن الوليد الذى قال عنه إنه سيف سَلَّه الله على المشركين مع أنه أحيانا كان يعمل ما ينكره عليه، ورفع مرة يديه إلى السماء وقال "اللهم إنى أبرأ إليك مما فعل خالد "وذلك حين أرسله إلى (جُذَيْمَةَ) فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، فتحمل النبى ﷺ دياتهم.
إن الجهاد شرف عظيم لا يفر منه إلا الجبناء أو المنافقون. ولشرفه كان الصحابة يتسابقون إليه، ومن لم يَفُز بهذا الشرف لعذر كان يحزن ويبكى ويحاول تقديم خدمة لأمته ولو بالعفو عن الحقوق التى له عندهم كما فعل عُلْبة بن زيد فى غزوة تبوك، وكان صغار الصحابة يتنافسون أمام الرسول لإظهار قوتهم حتى يقبلهم ضمن المقاتلين، وكان الرجل من السلف الصالح إذا خرج للغزو طلب من أهله أن يدعوا الله ألا يرجع إليهم، وذلك شوقا إلى الشهادة فى سبيل الله.
وإذا صح أن الإمام مالكا قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فإن مما صلح به الأولون حب الجهاد وخدمة الإسلام بما يمكن من قوة ومال وجهد فى أى ميدان من ميادين الخير
стр. 4695
العدسات اللاصقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الإسلام فى العدسات اللاصقة الملونة التى يقصد بها الزينة؟
الجواب
أول ما سمعنا عن العدسات اللاصقة أنها بدل العدسات الموجودة فى المنظار (النظارة) يستغنى بها عن الإطارات (الشنابر) التى تؤثر على بعض مواضع فى الوجه، وقد تقع أو تضيع فتكون الحيرة عند من يعتادها.
وفى أول استعمال العدسات اللاصقة كانت تحتاج إلى إجراءات فى تركيبها وقد تحدث مضايقات للعين كجسم غريب ليس من جنسها، وحاول المختصون تسهيل هذه الإجراءات والتقليل من المضايقات وكان استعمالها أولا لإصلاح النظر الطويل أو القصير، ولم يعلق عليها الناس بمدح ولا ذم كما لا يعلقون على (النظارة العادية) .
ولكن جاء التعليق عليها عندما روعى فيها ناحية الجمال فاختيرت لها ألوان لتبدو العين فى شكل جذاب يلفت النظر ويزيد من عدد المعجبين بالعيون الخضراء التى لا يفرق الناظر إليها بين ما هو طبيعى وبين ما هو صناعى، فما هو موقف الدين من الإقبال على هذه العدسات اللاصقة ذات الألوان الجذابة؟ أعتقد أن الجنس الخشن إذا استعمل العدسات اللاصقة إنما يستعملها لإصلاح نظره، وهو استعمال طبى يعالج به -كما قلت - قصر النظر أو طوله، وهذا أمر مستساغ ومشروع، مثله مثل (النظارة العادية) وكذلك الجنس الثانى إذا استعملها طبيا فلا غبار عليها شرعا وعرفا.
لكن إذا استعملت للزينة ولفت الأنظار، فإن لهذا القصد دخلا فى تكييف الحكم عليها، مثلها مثل النظارات العادية قد تختار لها (شنابر) غالية وترصع ببعض الفصوص البراقة مع سلك ذهبى أو من معدن ثمين، وقد يكون أكثر من ذلك مما يَتفَنَّنُ فيه ذوو الخبرة الفاهمون لطبيعة الإنسان فى علاقته بالمجتمع.
فإذا كان القصد مباهاة وفخرا، أو جذبا لأنظار الجنس الآخر كان ذلك ممنوعا شرعا دون خلاف فى ذلك، والعدسات اللاصقة التى يختار لها اللون الأخضر تحرص عليها الفتيات بالذات، وهنا يدخل عامل النية والقصد فى الحكم، فإن كانت النية الفتنة والإغراء، أو كانت النية التدليس والتغرير فلا شك فى حرمتها، مثلها فى ذلك الأصباغ التى تلون بها وجهها والأهداب الصناعية والأظافر الملونة والعطور النفاذة وما يماثل ذلك.
والإسلام قد نهى عن التدليس والتغرير الذى يخفى الحقيقة ويخدع الناظر. ففى الحديث " من غشَّنا فليس منا " ونهى المرأة بالذات عن أن تبدى مفاتنها بأية صورة من الصور، وذلك لغير زوجها، مع التحفظ فيها لأقاربها ومحارمها، كما نهاها عن الخضوع بالقول الذى يوقظ الغرائز ويلهب المشاعر ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض﴾ الأحزاب: ٣٢، ونهاها عن التعطر ليعجب بها من تمر عليهم، والحديث يقول فى ذلك "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهى زانية" رواه أبو داود والترمذى وقال الترمذى: حسن صحيح وانظروا إلى كلمة "ليجدوا ريحها" لنعرف أن مناط الحكم فى التعطر أمام الأجانب هو قصد الإعجاب بها بشد أنوفهم إليها وبالتالى شد ما تريده من سوء، والقرآن الكريم قد ذكر المنطلق الذى تحرم به كل المغريات وهو قصد إبراز ما خفى من زينتها إلى جانب ما ظهر منها، فقال: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ النور: ٣١.
يتلخص من كل ذلك أن الإسلام يريد أن ينظم العلاقة بين الجنسين، ويجعلها فى حَيَزٍ ينتج الخير والمصلحة للطرفين، فالغريزة الجنسية من أقوى الغرائز-إن لم تكن أقواها - تأثيرا على سلوك الإنسان، والعدسات اللاصقة الملونة ومثلها كل زينة فى النظارات العادية أو فى غيرها، إن أريد بها العلاج فقط فلا ضرر فيها، وإن أريد بها الإغراء والفتنة أو التدليس والتغرير فهى محرمة، وإذا كانت المرأة تحرص عليها حرصها على كل زينة لافتة للنظر فإن الرجل لا يليق به أن يهبط إلى هذا المستوى، فالله قد لعن تشبه أحد الجنسين فيما هو من خصائص الجنس الآخر، وأقول للجنسين: نحن الآن فى وضع اقتصادى واجتماعى يدعونا إلى الجد والانصراف إلى العمل المنتج ووضع كل شىء فى موضعه اللائق به، والضرورات الملحَّة تشجب إهمالها وتشجب الانصراف عنها إلى العبث والإغراق فى المتع والكماليَّات
стр. 4696
العلاج عند غير المسلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا مريض ولا يوجد فى بلدى متخصص فى علاج مرضى إلا طبيب أجنبى، هل يجوز أن أعالج عنده؟
الجواب
فى كتاب " الآداب الشرعية" لابن مفلح: قال الشيخ تقى الدين، إذا كان اليهودى أو النصرانى خبيرا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطب، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله، كما قال تعالى ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ آل عمران: ٧٥.
وفى الصحيح أن النبى ﷺ لما هاجر استأجر عبد الله بن أريقط وكان مشركا، ليكون دليلا له فى الطريق لأنه ماهر خِرِّيت، وائتمنه على نفسه وماله، وكانت قبيلة خزاعة عينًا لرسول الله ﷺ على أعدائه، ومنهم المسلم والكافر، وقد روى أنه أمر أن يُستطب الحارث بن كلدة وكان كافرا، ومحل ذلك إذا كان غير متهم وليست فيه ريبة.
وإذا أمكن أن يستطب مسلما فلا ينبغى أن يعدل عنه ما دام كفءً اللعلاج
стр. 4697
الفتوى بغير علم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيمن يجترئون على الفتوى من غير أهل الاختصاص ويحدثون بلبلة بين الناس لتعصبهم لآرائهم؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ الإسراء: ٨٨، ويقول ﴿وفوق كل ذى علم عليم﴾ يوسف: ٧٦، ويقول ﴿وقل رب زدنى علما﴾ طه: ١١٤، ويقول ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ النحل:
٤٣، ويقول ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ النحل: ١٦.
ويقول النبى ﷺ "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوهم بغير علم فضلوا وأضلوا" رواه البخارى ومسلم ويقول "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار " رواه الدارمى عن عبيد الله بن أبى جعفر مرسلا. ويقول "إن عيسى ﵇ قال: إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالم " رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد لا بأس به. ويقول "ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العى السؤال" رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطنى وصححه ابن السكن "بيان للناس " ج ١ ص ٦٤".
هذه بعض النصوص التى تدل على أن الإنسان مهما بلغ من العلم فلن يحيط بكل شىء علما، وأن الجاهل بالحكم يجب عليه أن يسأل المختصين، ومن أفتى بغير علم فقد كذب على الله وعلى الرسول، ضل فى نفسه طريق الحق وأضل غيره عنه، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة كما فى الحديث الذى رواه مسلم.
ولهذا لا يجوز لأحد أن يفتى بغير علم،أو يتعصب لرأى لم يطلع على ما يخالفه من آراء المجتهدين.
والنبى ﷺ سئل عن الروح وعن أهل الكهف وعن ذى القرنين فلم يجب حتى نزل عليه الوحى، غير عابئ بما يقوله المشركون والأعداء عندما تأخر الوحى عن الإجابة، ولما سئل عن خير البقاع وشرها قال: حتى أسأل جبريل، كما رواه أحمد وهو بهذا يقف عند حد علمه، ويرسم للناس من بعده الطريق الأمثل لنشر العلم والإجابة على الأسئلة، وصح أنه قال لأميره "بريدة " إذا حاصر العدو أن ينزلهم على حكمه هو لا على حكم الله فإنه لا يدرى ما عند الله.
ونحن نعلم أن بعض الصحابة كانوا يسألون عن مسألة فيحيل على غيره، وأن أبا بكر قال: أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله ﵎؟ وكان لعبارة "لا أدرى" عند القدامى منزلة وممارسة شائعة، فقد روى فيها خبر " العلم ثلاثة، كتاب ناطق وسنة قائمة ولا أدرى " رواه الخطيب موقوفا على ابن عمر.
وروى أبو داود وابن ماجه نحوه مرفوعا "العراقى على الإحياء ج ١ ص ٦١ ".
وقال ابن مسعود: جُنَّةُ العالم لا أدرى، فإن أخطأها فقد أصيبت مقاتله.
وكان ابن عمر يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت في تسع، والإمام مالك سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال فى اثنتين وثلاثين منها: لا أدرى.
هذه كلها صور مشرقة عن السلف ترينا إلى أى حد كانوا يخشون الفتوى بغير علم، على الرغم من الأمر بتبليغ الدعوة والتحذير من كتم العلم، أرجو أن تكون نبراسا لكل من عنده بعض العلم أن يقف عند حده، ولمن عنده رغبة فى نشر العلم أن يكون متثبتا مما يقول، وأن من عرف رأيا اجتهاديا لا ينبغى أن يتعصب له.
وعلى أن يكون النشاط العلمى تحت مظلة الإخلاص لله، بعيدا عن الرياء والشهرة، وبريئا عن أغراض سيئة تضر بنفسه أو تضر بغيره أو تضر بسمعة الدين نفسه. "ملخص من بحث لى عن الفتوى، ويمكن الرجوع إلى كتاب "الفقه الإسلامى - مرونته وتطوره " لشيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق على جاد الحق، نشر سنة ٩٨٩ ام
стр. 4698
الكلب الأسود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل أرسل الله جبريل إلى النبى ﷺ ليعاتب جماعة من أصحابه بصقوا على كلب أسود، اشمئزازا من منظره؟
الجواب
لم أجد حديثا صحيحا عن النبى ﷺ فى هذا الموضوع، والثابت أنه ﵊ كان يحذر من الكلب الأسود، وأمر بقتله، وأخبر أن مروره أمام المصلى يقطع الصلاة، أى يذهب ثوابها لعدم الخشوع فيها بسبب الخوف من الكلب الأسود الذى عبر عنه بأنه شيطان
стр. 4699
أول من تكلم العربية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هو أول من تكلم باللغة العربية؟
الجواب
جاء فى تفسير القرطبى" ج ١ ص ٢٨٣"قوله: واختلف فى أول من تكلم باللسان العربى، فروى عن كعب الأحبار أن أول من وضع الكتاب العربى والسريانى والكتب كلها وتكلم بالألسنة كلها آدم ﵇، وقاله غير كعب الأحبار.
فإن قيل: قد روى عن كعب الأحبار من وجه حسن قال: أول من تكلم بالعربية جبريل ﵇، وهو الذى ألقاها على لسان نوح ﵇، وألقاها نوح على لسان ابنه سام. ورواه ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن كعب، وروى عن النبى ﷺ أنه قال " أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين " وقد روى أيضا: أن أول من تكلم بالعربية يَعْرُب بن قحطان، وقد روى غير ذلك.
قلنا: الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم ﵇، والقرآن يشهد له، قال الله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ واللغات كلها أسماء، فهى داخلة تحته، وبهذا جاءت السنة، قال ﷺ " وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقُصيعة" وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم ﵇ وإسماعيل ﵇، وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية، بدليل ما ذكرنا، والله أعلم، وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علَّمها الله آدم أو جبريل على ما تقدم.
والله أعلم.
وإذا كان القرطبى يرجح أن أول من تكلم بالعربية هو آدم، فقد ذكر أنه قال الشعر العربى الموزون، فنقل عن الثعلبى أنه قال عندما تغيرت الأحوال بسبب قتل قابيل لهابيل:
تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مُغبَرٌّ قبيح تغير كل ذى طعم ولون * وقَلَّ بشاشة الوجه المليح ثم قال: قال القشيرى وغيره قال ابن عباس: ما قال آدم الشعر، وإن محمدا والأنبياء كلهم فى النهى عن الشعر سواء، لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سريانى، فهى مرسية بلسان السريانية أوصى بها إلى ابنه شيث وقال: إنك وصى فاحفظ منى هذا الكلام ليتوارث، فحفظت منه إلى زمان يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعرب وجعله شعرا. اهـ وفى التعليق على تفسير القرطبى، قال الآلوسى: ذكر بعض علماء العربية أن فى ذلك الشعر لحنا، أو إقواء، أو ارتكاب ضرورة. والأولى عدم نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة الظاهرة، وقال أبو حيان فى "البحر":
ويروى بنصب "بشاشة" من غير تنوين على التمييز، ورفع "الوجه المليح "وليس بلحن.
هذا ما قال العلماء، وليس فيه نص صحيح، إنما هو نقل غير مسند، واجتهاد واستنباط، وذلك لا يوصل إلى حقيقة، وجهلنا بأول من نطق العربية لا يضر العقيدة وعلمنا به لا يحل مشكلاتنا، فالأولى عدم الجدال فيه
стр. 4700
اليمين الغموس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى اليمين الغموس، ولم سميت بذلك، وما هى كفارتها؟
الجواب
اليمين الغموس هى التى تغمس صاحبها فى النار، وتسمى الصابرة كما وردت بها بعض الأحاديث، وهى اليمين الكاذبة المتعمدة تهضم بها الحقوق، أو يقصد بها الغش والخيانة، وإن كان بعض الفقهاء خصها بالتى تكون فى ساحة القضاء، لأنها تضلل العدالة.
واليمين الغموس من الكبائر، وكفارتها التوبة النصوح التى لا تتم إلا برد الحقوق إلى أصحابها أو عفوهم عنها، ومع التوبة قال الشافعى وأحمد: فيها كفارة، لأنها كذب. روى أحمد أن النبى ﷺ قال "خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبَهْتُ مؤمن -أى بالتهمة-ويمين صابرة يقطع بها مالا بغير حق " وروى البخارى أن النبى ﷺ " قال "الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس " وروى أبو داود حديث "من حلف على يمين مصبورة - أى ألزم بها- كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار"
стр. 4701
التوبة والاستتابة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الناس الرافضين لحد الردة يرفضون أيضا أن تطلب من المرتد توبة، فالله وحده هو الذى يقبلها، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
هناك فرق بين طلب التوبة أى الاستتابة، وبين قبول التوبة، فطلبها من العاصى حق لله وللرسول وحق للمؤمنين، فالله سبحانه أمر بها فى مثل قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ التحريم: ٨.
وقوله ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ النور: ٣١، وأمر بها الرسول ﷺ فى مثل قوله "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإنى أتوب فى اليوم مائة مرة " رواه مسلم.
والمؤمن يجب عليه أن يطلب التوبة من العاصى قياما بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فى ظل قوله تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ النحل: ١٢٥، وحذر الإسلام من السكوت على المعاصى، فالرضا بها مشاركة فى الإثم، ووضح الرسول معنى الآية ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ المائدة: ١٠٥، موضحا أن الاهتداء لا يكون إلا بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما رواه ابن ماجه والترمذى وحسَّنه وأبو داود "الترغيب ج ٤ ص ٢٨ ".
والمرتد ننصحه بالرجوع عن ردته ببيان الحق فيما يشك فيه لعله يهتدى، أما قبول التوبة فهو أيضا قدر مشترك بين الله سبحانه وبين العباد، فقبولها من الله مرهون بالإخلاص فيها وصدورها من القلب لا من اللسان فقط، فهو سبحانه لم يقبل من المنافقين ما لا يتفق ظاهرهم مع باطنهم، وذلك بعد استكمال مقوماتها المعروفة. وقبولها بالنسبة لنا هو معاملته معاملة المسلم بحسب ظاهره فقط، ولا شأن لنا بباطنه، والأحاديث فى ذلك واضحة، فالرسول قال لأسامة فى شأن من أسلم بلسانه "هلا شققت عن قلبه " مقررا أن علينا الأخذ بالظاهر لأنه المستطاع والله يتولى السرائر "بيان للناس من الأزهر الشريف ج ١ ص ١٤١ - ١٤٦ ".
فقول القائل: إن التوبة حق لله يقبلها ويرفضها، وليس لأحد سواه هذا الحق نابع من عدم الفهم الصحيح، وتحريف للكلم عن مواضعه، والوعيد عليه شديد
стр. 4702
التائب من الذنب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف تكون التوبة إلى الله توبة خالصة، والعودة إلى الله بلا رجعة؟
الجواب
التوبة إلى الله مطلوبة، والآيات والأحاديث فى ذلك كثيرة، وشعور المؤمن بالنقص فى أداء الواجب لله يدعوه إلى الرجوع إليه، حتى لو كان التقصير فى مندوبات، فمن باب أولى تكون التوبة من التقصير فى الواجبات.
وقال العلماء: إن أركانها ثلاثة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فرط منه، والعزم على عدم العودة إليه، وإذا كان العصيان متعلقًا بحقوق الغير كالسرقة مثلا وجب رد المسروق إلى صاحبه أو طلب السماح منه.
ولا تقبل هذه التوبة إلا إذا كانت خالصة لله صادرة من أعماق القلب لا يكتفى فيها باللسان فقط.
ولو وقعت التوبة بهذه المواصفات يرجى قبولها، ويرجى استقامة السلوك بعدها.
وعدم العودة إلى المعصية أمر لا يجزم به الإنسان، فالإنسان معرض للخطأ غير معصوم، لكن لو صدق فى توبته ثم غلبه الشيطان وأخطأ، ثم بادر بالتوبة الخالصة يرجى أن يعفو الله عنه، فباب التوبة مفتوح إلى أن تقوم الساعة أو يحتضر الإنسان، والمهم هو الإخلاص فيها، والمبادرة بها عند المعصية
стр. 4703
العلاج بالزار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى حفلات الزار التى تقام كعلاج لبعض الأمراض؟
الجواب
الزار طقس خاص يقام للتخلص من التسلط الشيطانى كما يزعم المعتقدون فيه، وأصله عبادة وثنية قديمة تقوم على موسيقى عنيفة وحركات هيستيرية ورقص من المريض ومن يشاركه، مع بخور وأشياء أخرى.
والمريض الذى يعالج بالزار قد يكون مرضه بسبب اعتقاد تسلط الأرواح الشريرة عليه، أو بسبب إجهاد عقلى، أو بسبب وهْم حين تشير بعض الجاهلات على المريضة بأنها ممسوسة مثلا.
والعلاج يكون تابعا لمعرفة أسباب المرض، فالذى يصاب بمس روح شريرة يقول ابن القيم فى كتابه "الطب النبوى ": علاجه بقوة نفسه وصدق توجهه إلى الله والتعوذ الصحيح الصادر من القلب واللسان معا، وكذلك بتوسط رجل صالح يرقيه بالقرآن أو يدعو له، ويقول:
وأكثر مرضى الأرواح الخبيثة يكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من الذِّكْرِ والتحصينات النبوية والإيمانية.
ومن عنده إجهاد عقلى يعالج بالراحة والترويح. والوهم يعالج بالتخلص منه. والموسيقى التى يقوم عليها الزار قد تكون مؤثرة على الأعصاب وطريقا للشفاء الذى قام به أطباء الغرب لعلاج الصرع البدنى والعصبى، مع الإيحاء للمريض بالشفاء، لكن الرقص الجماعى الذى يختلط فيه الرجال بالنساء حرام، وذبح الطيور أو الحيوانات باسم الجان ميتة أُهِلَّ لغير الله بها فهى حرام، وشرب دمها حرام أيضا. وعلى العموم فحفلات الزار بوضعها الحالى لا يوافق عليها الدين "من المراجع التاريخية والعلمية: مجلة نهضة أفريقيا - العدد التاسع - يوليو ١٩٥١ م، رسالة للسيدة فاطمة المصرى للماجستير بجامعة الإسكندرية١٩٤٥ م، ورسالة أخرى للسيدة هدى بدران "
стр. 4704
التاريخ الميلادى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى أخذ الدول الإسلامية بالتاريخ الميلادى، فى حين لا تأخذ بالتاريخ الهجرى فى التعاملات المحلية والخارجية؟
الجواب
ليس فى كتابة التاريخ الميلادى بأس، وبخاصة إذا كان عالميا، وإذا كان فى الأمور الموقوتة بزمن محدود لا يتغير، ذلك لأن التاريخ الهجرى موقوف كل شهر على رؤية الهلال، ونحن نعلم اختلاف الناس فيه، فقد نظن أن أول شهر هو يوم الثلاثاء فإذا به يكون - حسب الرؤية - هو الاثنين مثلا، وهذا يحدث ارتباكا فى الأمور المحسوبة بحساب دقيق من جهة الزمن. وهو نظام دنيوى لا حرج فى استعماله، ففى الحديث "أنتم أعلم بأمور دنياكم ".
أما التاريخ الهجرى فترتبط به العبادات كالصوم والحج والأيمان والنذور وغيرها، فلا بد من الحرص عليه فيها، ومن المستحسن ذكر التاريخين معا حتى لا ننسى حرمة تاريخنا وقداسته. فى غمرة الفتنة بالدنيا.
هذا، والتقويم الميلادى عدَّ ل عام ١٥٨٢ فصار اليوم الرابع من أكتوبر هو اليوم الخامس عشر، وهو مبدأ التقويم الجريجورى وأخذت به مصر سنة ١٨٧٥ "دائرة معارف الشعب -م ١ ص ٢٢٤ "
стр. 4705
شجرة النخل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن النخلة خلقت من بقايا الطينة التى خلق منها آدم فتكون عمتنا؟
الجواب
شجرة النخل ورد فيها حديث فى الصحيحين عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ أُتى بجُمَّار نخلة فقال "إن من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم، لا يسقط ورقها، أخبرونى ما هى "؟ فوقع الناس فى شجر البوادى، ووقع فى نفسى أنها النخلة، فأردت أن أقول: هى النخلة، ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم سنًّا فَسَكَتُّ، فقال رسول الله "هى النخلة " فنقل ذلك إلى أبيه عمر، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلى من كذا وكذا.
يقول ابن القيم "زاد المعاد ج ٣ ص ١٩٣ " تعليقا على هذا الحديث:
فيه إلقاء العالم المسائل على أصحابه وتمرينهم واختبار ما عندهم، وفيه ضرب الأمثال والتشبيه، وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء من أكابرهم وأجلاَّئهم وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم، وفيه فرح الرجل بإصابة ولده وتوفيقه للصواب، وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما عرف بحضرة أبيه وإن لم يعرفه الأب، وليس فى ذلك إساءة أدب عليه.
ثم قال: وأما حديث "أكرموا عماتكم النخل، فإنها خلقت من الطين الذى خلق منه آدم " فإن إسناده ليس صحيحا
стр. 4706
المسرح والسينما
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الذهاب إلى المسارح والسينما؟
الجواب
المكان الذى يع رض فيه الموضوع يسمى المسرح إن كان العرض حيا، ويسمى سينما أو خيالة إن كان العرض مصورا.
. وإذا تمخض الحضور لجنس واحد-كما فى بعض الدور التى يخصص فيها وقت للرجال وآخر للنساء-ينظر إلى موضوع الفيلم أو المسرحية ويعطى حكم الغناء فى مادته وأسلوبه وأثره، فيحرم إذا كانت المادة محرمة كدعوة إلى إلحاد أو فتنة أو خمر أو غير ذلك، أو إذا كان الأسلوب محرما ككشف العورات والتقبيل بين الجنسين أو الخضوع من المرأة بالقول أو غير ذلك من المحرمات، أو إذا كان التأثير سيئا على الفكر والسلوك، أو ألهى عن واجب؛ كان الذهاب إلى المسرح أو السينما حراما.
أما إذا كان الحضور مع اختلاط للرجال والنساء، فإن كان مع سفور وكشف لما أمر الله بستره حرم، وإن كان مع احتشام كامل وتحفظ بما هو معروف فى الحجاب الشرعى - ينظر إن ذهبت الزوجة بدون إذن زوجها حرم، وإن كان بإذنه وهو معها أو معها محرم كأخيها وابنها فلا حرمة، وكذلك مع الرفقة المأمونة.
والملاحظ: الآن أن دور اللهو لا تحترم هذه الآداب، واتُخذت ذريعة للعبث وقتل الوقت. والحلال بيِّن والحرام بيِّن. وقد قلَّل الإقبال عليها انتشار أجهزة التلفاز. ودخولها كل البيوت أو أكثرها، وصار أكثر رواد هذه الدور من الطبقات التى لا ترعى حرمة
стр. 4707
بين حدى الزنى والسرقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قال الله تعالى ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ النور:
٢، وقال ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ المائدة: ٣٨، لماذا قدم الزانية على الزانى وعكس فى السارق، ولماذا لا يكون الحد هو القطع فيهما؟
الجواب
ذكر القرطبى فى المسألة السابعة والعشرين عند تفسير آية السرقة "ج ٦ ص ١٧٥ " أن البدء بالزانية لأن شهوة الاستمتاع على النساء أغلب، وحب المال على الرجال أغلب، وذكر فى تفسير آية الزنى "ج ١٢ ص ١٦٠ " أن الزانية قُدمت حيث كان فى ذلك الزمان زنى النساء فاشٍ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات، وكنَّ مجاهرات بذلك، ولأن العار بالنساء ألحق، إذ موضوعهن الحجب والصيانة فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما.
وذكر أن الله جعل حد السرقة قطع اليد لأنها تتناول المال، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به كما هو واقع السرقة باليد، وذلك لثلاثة معان، أحدها أن للسارق مثل يده التى قطعت فإن انزجر بقطعها اعتاض بالثانية، وليس للزانى مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه، والثانى أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد فى السرقة ظاهر واضح للناس يتعظ به غيره، أما قطع الذكر فهو باطن مستور لا يراه غير الزانى فلا يكون الزجر المطلوب للغير، والثالث إن قطع الذكر فيه إبطال للنسل، وليس فى قطع اليد إبطاله
стр. 4708
قطع يد السارق والسارقة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الإسلام هو الدين الوحيد الذى جاء بقطع يد السارق، أم أنه كان معروفا من قبل؟ وما الحكم لو وصلت اليد بعد قطعها؟
الجواب
جاء فى تفسير القرطبى "ج ٦ ص ١٦٠"أن القطع كان فى الجاهلية، وأول من حكم بذلك هو الوليد بن المغيرة، وأقره الإسلام، وكان أول سارق طبق عليه الحد من الرجال الخِيَار بن عَدِى بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مُرَّة بنت سفيان بن عبد الأسد من بنى مخزوم - وهى التى قال فيها الرسول ﷺ "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ولم يقبل الشفاعة فيها كما كان فى الجاهلية يتركون إقامة الحد على ذوى الشرف - وأبو بكر قطع يد الرجل اليمنى الذى سرق عقدًا لأسماء بنت عميس زوجة أبى بكر. وقطع عمر يد ابن سمرة أخى عبد الرحمن بن سمرة.
ولأجل أن يكون قطع اليد عبرة للغير تعلق فى عنق السارق حتى يراها الناس، لأن موضع قطعها قد يوارى ويستر فلا يتعظ أحد، روى أبو داود والنسائى والترمذى وقال: حديث حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط أن النبى ﷺ جىء بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت فى عنقه.
وإذا كان قطع يد السارق حقا لله وحقا للمجتمع فهل يضيع حق المسروق منه؟ ذكر القرطبى "ج ٦ ص ١٦٥ " أن العلماء اختلفوا هل يكون مع القطع غُرْم أو لا؟ فقال أبو حنيفة لا يجتمع الغرم مع القطع، وقال الشافعى:
يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا، وهو قول أحمد وإسحاق، أما مالك وأصحابه فقالوا: إن كانت العين المسروقة قائمة وجب ردها، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم، وإن كان معسرا فلا شىء عليه ولا تكون دينا يطالب به، وقيل: يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا، وهو قول غير واحد من علماء أهل المدينة. لأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية مع الكفارة. ثم قال: والصحيح قول الشافعى ومن وافقه.
وهنا مسألة أثيرت أخيرا وهى: إذا قطعت يد السارق ثم عولجت بوصلها كما كانت هل يسقط الحد بقطعها أو لابد من قطعها ثانيا لأن حكمة القطع لم تتحقق؟ للعلماء رأيان، رأى بسقوط الحد بمجرد القطع، ورأى بمنعه من وصلها وقطعها إن وصلها، وجهة نظر الرأى الأول أن القطع تمَّ كما أمر الله وهذا كاف فى زجره هو، ولا يُهم إن كان سيتبدل بها يدا صناعية أو يصل يده التى قطعت، فالعقوبة وقعت ولو فى حدها الأدنى، وإذا نفذ القطع علنا كان النكال وكانت العبرة.
ووجهة نظر الرأى الثانى أن العقوبة إذا كانت زجرا له فهى زجر لغيره، ومن أجل ذلك كان تعليق يده بعنقه ليعتبر الناس، فلو وصل ما قطع ضاع معنى العبرة. بل ضاع المعنى فى زجر نفسه هو، إذا عرف أن إعادة يده ممكنة وإن كان فيها بعض الألم.
وقد يقال: إن الخزى حصل للسارق بإثبات السرقة بالشهود، وبإشهار القطع وإعلانه، وهذا كاف فى التأثير عليه وعلى غيره، ولا يهم بعد ذلك وصل يده أو تعويضها بيد صناعية، لكن أيضا يقال: إنه لو كرر السرقة تقطع اليد الأخرى لتعطيله عنها فلو صح الوصل لضاعت الحكمة.
الرأيان مطروحان للمناقشة، وللظروف دخل فى ترجيح أحدهما على الآخر إذا أعوز الدليل القوى
стр. 4709
إحياء الموات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى إحياء الموات وما حكمه فى الشرع؟
الجواب
ورد أن النبى ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهى له" رواه أبو داود والنسائى والترمذى وقال: إنه حسن. وقال "من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر" رواه النسائى وصححه ابن حبان.
إحياء الموات هو استغلال الأرض بالزرع وغيره من أنواع الاستغلال، مأخوذ من قوله تعالى ﴿ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذى أحياها لمحيى الموتى﴾ فصلت: ١٣٩.
والحديثان يبينان فضل إحياء الأرض الموات، وأن ما يُحيا منها فهو لمن أحيا لكن اشترط العلماء لاعتبار الأرض مواتا أن تكون بعيدة عن العمران، حتى لا تكون مرفقا من مرافقه، ولا يتوقع أن تكون من مرافقه. وفى الوقت نفسه اشترط بعض الفقهاء أن يأذن الحاكم فى إحيائها واستثمارها، ابتداء قبل العمل أو بعده، على خلاف فى ذلك.
وإحياء الموات يدل على حيوية التشريع الإسلامى بدعوته إلى الاستثمار والتعمير وإخصاب الحياة بالخير ليساعد ذلك على تحقيق خلافة الإنسان فى الأرض، بتعميق الإيمان بالله وشكره على نعمه، والتمتع بالحلال الطيب الذى يعطى القوة ويحقق الكرامة للإنسان.
ومن أساليب الدعوة إلى ذلك قوله تعالى ﴿هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ الملك:١٥ وقوله ﷺ "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" رواه مسلم وقد تحدث الماوردى فى كتابه "الأحكام السلطانية" ص ١٩٠ عن أحكام الموات وإذن الإمام فى إحيائه، وإذا أهمل الإنسان فى ذلك بدون عذر سُلب الإذن منه، وكان غيره أحق به، ويمكن استيفاء معرفة أحكامه منه ومن كتب الفقه
стр. 4710
الحب حلال أو حرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل الحب حلال أو حرام؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ آل عمران: ٣١، ويقول النبى ﷺ فيما رواه أصحاب السنن عن حبه لعائشة رضى الله عنها "اللهم هذا قسمى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك " ويقول فيما رواه مالك فى الموطأ " قال الله تعالى: وجبت محبتى للمتحابين فى، والمتجالسين فى، والمتزاورين فى" ويقول فيما رواه مسلم "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف ".
الحب فى دنيا الناس تعلق قلبى يحس معه المحب لذة وراحة، وهو غذاء للروح، وشبع للغريزة، ورى للعاطفة، أفرده بالتأليف كثير من العلماء الأجلاء.
ومن جهة حكمه فإنه يعطى حكم ما تعلق به القلب فى موضوعه والغرض منه، فمنه حب الصالحين، وحب الوالد لأولاده، وحب الزوجين، وحب الأصدقاء، وحب الولد لوالديه، والطالب لمعلمه، وحب الطبيعة والمناظر الخلابة والأصوات الحسنة وكل شىء جميل.
ومن هنا قال العلماء: قد يكون الحب واجبا، كحب الله ورسوله، وقد يكون مندوبا كحب الصالحين، وقد يكون حراما كحب الخمر ولجنس المحرم.
وأكثر ما يسأل الناس عنه هو الحب بين الجنسين، وبخاصة بين الشباب، فقد يكون حبا قلبيا أى عاطفيا، وقد يكون حبا شهويا جنسيا، والفرق بينهما دقيق، وقد يتلازمان، ومهما يكن من شىء فإن الحب بنوعيه قد يولد سريعا من نظرة عابرة، بل قد يكون متولدا من فكر أو ذكر على الغيب دون مشاهدة، وهنا قد يزول وقد يبقى ويشتد إن تكرر أو طال السبب المولد له. وقد يولد الحب بعد تكرر سببه أو طول أمده، وهذا ما يظهر فيه فعل الإنسان وقصده واختياره.
ومن هنا لابد من معرفة السبب المولد للحب، فإن كان من النوع الأول الحادث من نظر الفجأة أو الخاطر وحديث النفس العابر فهو أمر لا تسلم منه الطبيعة البشرية، وقد يدخل تحت الاضطرار فلا يحكم عليه بحل ولا حرمة.
وإن كان من النوع الثانى الذى تكرر سببه أو طالت مدته فهو حرام بسبب حرمة السبب المؤدى له. وإذا تمكن الحب من القلب بسبب اضطر إليه، فإن أدى إلى محرم كخلوة بأجنبية أو مصافحة أو كلام مثير أو انشغال عن واجب كان حراما، وإن خلا من ذلك فلا حرمة فيه.
والحب الذى يتولد من طول فكر أو على الغيب عند الاستغراق فى تقويم صفات المحبوب إن أدى إلى محرم كان حراما، وإلا كان حلالا، وما تولد عن نظرة متعمدة أو محادثة أو ما أشبه ذلك من الممنوعات فهو غالبا يسلم إلى محرمات متلاحقة، وبالتالى يكون حراما فوق أن سببه محرم.
وعلى كل حال فأحذر الشباب من الجنسين أن يورطوا أنفسهم فى الوقوع فى خضم العواطف والشهوات الجنسية، فإن بحر الحب عميق متلاطم الأمواج شديد المخاطر، لا يسلم منه إلا قوى شديد بعقله وخلقه ودينه، وقَلَّ من وقع فى أسره أن يفلت منه، والعوامل التى تفك أسره تضعف كثيرا أمام جبروت العاطفة المشبوبة والشهوة الجامحة.
وبهذه المناسبة طُرِحَ هذا السؤال: أنا فتاة من أسرة متدينة، ولكن شعرت بقلبى يشد إلى شاب توسمت فيه كل خير، ولا أدرى إن كان يشعر نحوى بما أشعر به، فهل هذا الحب يتنافى مع الدين؟ إن الحب إذا لم يتعد دائرة الإعجاب ولم تكن معه محرمات فصاحبه معذور، ولكن إذا تطور وتخطى الحدود فهنا يكون الحظر والمنع. وإذا كان للفتاة أن تحب من يبادلها ذلك والتزمت الحدود الشرعية فقد ينتهى نهاية سعيدة بالزواج، وإذا كان للزوجة أن تحب فليكن حبها لزوجها وأولادها، إلى جانب حبها لأهلها، لكن لا يجوز أن يتعلق قلبها بشخص أجنبى غير زوجها، تعلقا يثير الغريزة، فقد يؤدى إلى النفور من الزوج والسعى إلى التفلت من سلطانه بطريق مشروع أو غير مشروع، والطريق المشروع هو الطلاق مع التضحية بما لها من حقوق، وهو ما يسمى بالخُلْع، فقد جاءت امرأة ثابت بن قيس ابن شماس -وهى حبيبة بنت سهل أو جميلة بنت سلول -إلى النبى ﷺ تقول له: إن زوجها لا تعيب عليه فى خلق ولا دين، ولكنها تكره الكفر فى الإسلام، لأنها لا تحبه لدمامته، وقد جاء فى بعض الروايات أنها رأته فى جماعة من الناس فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فردت إليه الحديقة التى دفعها إليها مهرا وطلقها. رواه البخارى وغيره.
أما أن تستجيب الزوجة إلى صوت قلبها وغريزتها عن غير هذا الطريق فهو الخيانة الكبرى التى جعل الإسلام عقوبتها الإعدام فى أشنع صوره، وهى الرجم بالحجارة حتى تموت.
فلتتق الله الزوجة،. ولا تترك قلبها يتعلق بغير زوجها تعلقا عاطفيا، ولتحذر أن تذكر اسم من تحب أو تتحدث عنه أو تظهر لزوجها أى ميل نحوه، حتى لو كان الميل إعجابا بخلق، فإن الزوج يغار أن يكون فى حياة زوجته إنسان آخر مهما كان شأنه، والله سبحانه جعل من صفات الحور العين، لتكمل متعة الرجال بهن، عدم التطلع إلى غير أزواجهن فقال فيهن ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ الرحمن: ٥٦، وقال تعالى ﴿حور مقصورات فى الخيام﴾ الرحمن: ٧٧، وذلك لتحقق الزوجة قول الله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ الروم: ٢١.
وأنتهز هذه الفرصة وأقول للفتاة غير المتزوجة، إذا ربطت علاقة الحب بين فتى وفتاة واتفقا على الزواج ينبغى أن يكون ذلك بعلم أولياء الأمور، لأنهم يعرفون مصلحتهما أكثر، ولأن الفتى والفتاة تدفعهما العاطفة الجارفة دون تعقل أو روية أو نظر بعيد إلى الآثار المترتبة على ذلك، فلابد من مساعدة أهل الطرفين، للاطمئنان على المصير وتقديم النصح اللازم، مع التنبيه إلى التزام كل الآداب الشرعية حتى يتم العقد، فربما لا تكون النهاية زواجا فتكون الشائعات والاتهامات.
والدين لا يوافق على حب لا تُلتزم فيه الحدود
стр. 4711
ذبح غير المأكول
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا اصطدنا نمرا وذبحناه هل يجوز الانتفاع بجلده؟
الجواب
اتفق الفقهاء على أن جلد مأكول اللحم إذا ذبح طاهر يجوز الانتفاع به، كجلد الغنم والمعز والبقر والأرنب، أما إذا لم يذبح أى كان ميتة فإن جلده نجس يطهر بالدباغ لحديث مسلم " إذا دبغ الإهاب فقد طهر" وغير مأكول اللحم كالسباع والنمور إذا لم يذبح فجلده نجس يطهر بالدباغ، لعموم الحديث السابق، أما إذا ذبح فالجمهور على أن ذبحه لا يطهر جلده بل لا يطهر إلا بالدبغ، والحنفية يجعلون ذبحه مسوغا لطهارة جلده وإن حرم أكله.
وكل ذلك فيما عدا جل د الكلب والخنزير، فلا يطهرهما الدبغ عند الجمهور
стр. 4712
الولى والكرامة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هو الذى يطلق عليه اسم الولى، وهل لابد أن تكون له كرامة؟
الجواب
الولى هو الذى تولى أوامر الله بالتنفيذ، وتولاه الله بالرعاية. قال تعالى ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمَنوا وكانوا يتقون.
لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ يونس: ٦٢ - ٦٤.
ففى هذه الآيات مواصفات الأولياء ﴿آمَنوا وكانوا يتقون﴾ حيث تولوا أوامره بالتنفيذ عقيدة وعملا، فالتقوى هى امتثال الأوامر واجتناب النواهى، فى كل قطاعات النشاط البشرى، فى العبادات والمعاملات والأخلاق وفى كل شىء.
وفيها جزاؤهم ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ لا يخافون من المستقبل ولا يحزنون على الماضى ﴿لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة﴾ حيث تولاهم الله برعايته رعاية شاملة فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة.
والكرامة أمر خارق للعادة يظهره الله على يد شخص صالح، أما ما يظهر على يد فاسق أو كافر فهو استدراج قال فيه رب العزة ﴿فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملى لهم إن كيدى متين﴾ القلم: ٤٤، ٤٥.
والكرامة للولى غير لازمة أن تكون فى الدنيا، فهى ليست للدعاية والكسب والتحدى، وقد يدخرها الله فى الآخرة، والأولياء الصالحون لا يطلبون كرامة ولا يحبون أن يعلنوها لو حدثت.
إن الحديث فى هذا الموضوع طويل ومن الكتب التى استوفته: الرسالة القشيرية
стр. 4713
الأظافر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فيمن تطيل أظافرها وتلونها، وفيمن يترك من أصابعه إصبعا يطيل ظفره؟
الجواب
تقليم الأظافر من سنن الفطرة التى جاءت فى قول النبى ﷺ "خمس من الفطرة: الاختتان والاستحداد - حلق العانة - وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط " رواه البخارى ومسلم، وروى مسلم أيضا:
وقَّت لنا رسول الله ﷺ قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة.
وحكمة الأمر بقص الأظافر منع تجمع الأوساخ التى هى مظنة وجود الميكروبات الضارة، التى يسهل انتقالها بالأيدى لمزاولتها شئون الطعام والشراب، كما أن تراكمها يمنع وصول الماء إلى البشرة عند التطهير بالوضوء أو الغسل، وطولها يخدش ويضر، يقول أبو أيوب الأنصارى:
جاء رجل إلى النبى ﷺ فسأله عن خبر السماء، فنظر إليه النبى ﷺ فرأى أظفاره طوالا فقال "يسأل أحدكم عن خبر السماء وأظفاره كأظفار الطير يجمع فيها الجنابة والتفث " وهو الخبث.
"تفسير القرطبى ج ٢ ص ١٠٢ ".
والحد المطلوب فى قص الظفر إزالة ما يزيد على ما يلامس رأس الإصبع، وذلك حتى لا يمنع الوسخ وصول الماء إلى البشرة فى الطهارة، ولو لم يصل بطل الوضوء.
ولم يثبت عن النبى ﷺ خبر صحيح فى استحباب القص فى يوم معين ولا بكيفية معينة كالابتداء بإصبع معين من اليد اليمنى واليد اليسرى، وأرجحها نقلا ودليلا يوم الجمعة، "الزرقانى على المواهب ج ٤ ص ٢١٤، ٢١٥"، "غذاء الألباب ج ١ ص ٣٨٠"،" الإسفار فى قص الأظفار للسيوطى" وأنبه إلى عدم المبالغة فى قصها فذلك مؤلم وعائق عن العمل لمدة، بل هناك حالات تستحب فيها إطالة الأظفار إلى حد معقول كما قال عمر: وفروا الأظفار فى أرض العدو فإنها سلاح، وفسر ذلك بالحاجة إليها فى حل عقدة أو ربطها أو ما يشبه ذلك، وقد رفع أحمد هذا الأثر إلى رسول الله ﷺ .
أما إطالتها إلى حد منفَر يعوق عن مزاولة الأعمال أو لطلائها للسيدات فغير مستحب. ووضع الأصباغ عليها يمنع من صحة الوضوء والغسل، كما يمنعها من مزاولة أعمال التنظيف بالماء حرصا عليها من الزوال فلا يلجأ إلى إطالتها وصبغها إلا نسوة مترفات أو خاملات، همهن الظهور فى المجتمعات بمظهر المتمدينات، أو الهروب من الأعمال المنزلية.
على أن بعض الظرفاء علَّل اهتمام نساء العصر بإطالة أظفارهن بأنها كأسلحة للدفاع عن نفسها أو الهجوم على زوجها إن فكر فى إيذائها، أو الهروب من مطالبتها، ويعجبنى قول القائل:
قل للجميلة أرسلت أظفارها * إنى - لخوف - كدت أمضى هاربا إن المخالب للوحوش نخالها * فمتى رأينا للظباء مخالبا بالأمس أنت قصصت شعرك غيلة * ونقلت عن وضع الطبيعة حاجبا وغدا نراك نقلت ثغرك للقفا * وأزحت أنفك رغم أنفك جانبا من علم الحسناء أن جمالها * فى أن تخالف خَلْقَها وتجانبا؟ إن الجمال من الطبيعة رسمه * إن شذ خطّ منه لم يك صائبا وإذا كانت المرأة تطيل أظفارها وتلونها، فلماذا يطيل بعض الرجال بعض أظافرهم؟ فى رأى أن السبب هو التقليد لا غير، وياليتنا نقلد فيما يفيد
стр. 4714
البيعة على الإسلام والهجرة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
جاء فى الأحاديث أن أعرابيا نقض البيعة مع الرسول ﷺ على الإسلام والهجرة، فهل يعتبر ذلك ردة، وإذا كان ردة فلماذا لم يقم عليه الرسول ﷺ الحد؟
الجواب
روى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله أن أعرابيا بايع رسول الله ﷺ فأصاب الأعرابى وعْكٌ بالمدينة، فقال: يا رسول الله أقلْنى بيعتى فأبى رسول الله ﷺ ، وتكرر الطلب والرفض ثلاث مرات، فخرج الأعرابى فقال الرسول ﷺ "إنما المدينة كالكير، تنفى خَبئَها، وينْصعُ طيبها"والطيب بكسر الطاء هو الرائحة الحسنة، وبفتحها وتشديد الياء هو الطاهر.
لم تصرح رواية مسلم بما بايع الأعرابى عليه رسول الله ﷺ وصرحت رواية البخارى بأنه بايعه على الإسلام، وجاء فى شرح النووى على صحيح مسلم أن المبايعة كانت على الإسلام والهجرة، وجاء فى فتح البارى لابن حجر أن طلب الإقالة من الأعرابى هل كان عن الإسلام والهجرة أم عن الهجرة فقط؟ من المعلوم أن الهجرة إلى المدينة كانت واجبة قبل فتح مكة فى السنة الثامنة من الهجرة، ثم صارت بعد الفتح غير واجبة كما صح فى حديث البخارى ومسلم "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" فتركها قبل الفتح معصية، وبعد فتحها ليس بمعصية.
ومن المعلوم أيضا أن جو المدينة لم يلائم كثيرا من الوافدين عليها، وشكا بعض المهاجرين ذلك إلى النبى ﷺ ومنهم أبو بكر وبلال رضى الله عنهما، فدعا الرسول ربه أن يبارك فى المدينة كما بارك فى مكة أو أشد، كما رواه البخارى، ورغب في الصبر على شدتها وعدم مفارقتها.
والأعرابى الساكن فى البادية لما وفد إلى النبى بالمدينة وأسلم لم يعجبه جوها فطلب من الرسول إقالته فلم يُقِلْه، فخرج الأعرابى من المدينة، واختلف العلماء فيما طلب الإقالة منه: هل هو الإسلام والهجرة، أو الهجرة فقط؟ رجح جماعة أنه الهجرة فقط، وذلك بعد سقوط فرضيتها بفتح مكة، لكن قيل: إذا كانت الهجرة سقطت فرضيتها فلماذا لم يأذن له الرسول بترك المدينة؟ أجيب بأن الرسول يحب لمن سكنها ألا يتركها حتى لو كان تركها مباحا، والرجل حين خرج منها بعد طلب الإقالة لم يرتكب إثما، وإنما ارتكب خلاف الأولى، ولا عقوبة فى ذلك لا فى الآخرة ولا فى الدنيا.
وإذا كان طلبه الإقالة من الهجرة قبل فتح مكة كان تركه للمدينة معصية، والرسول لا يسمح بارتكاب المعصية حتى لو كانت صغيرة، وهذه المعصية لا عقوبة عليها فى الدنيا مثل كثير من المعاصى كعقوق الوالدين والغيبة والنميمة وإن كانت لها عقوبة أخروية.
وقال جماعة: إن الأعرابى طلب الإقالة من الإسلام والهجرة، وإذا كان الرسول ﷺ قد رفض الإقالة من الهجرة على الوجه المبين من قبل، فإنه يرفض الإقالة من الإسلام، لأنها ردة.
وهنا يقال: لماذا لم يعاقبه الرسول على الردة؟ والجواب أن الأعرابى إذا خالف بالخروج من المدينة كما نص الحديث فإن رفضه للإسلام غير معلوم، لأنه لا تلازم بين الإثنين، وبخاصة أنه بيَّن فى طلبه عدم ملاءمة جو المدينة له فقط، فيجوز أن يخرج من المدينة إلى البادية طلبا للصحة مع بقائه على الإسلام بعقيدته وشريعته.
ورفض الإسلام الذى يكون ردة أمر متعلق بالقلب والباطن، لا يعلم إلا بقول يصرح فيه بالرفض والإنكار لأية عقيدة من عقائده، أو بفعل يدل على ذلك كسجود لصنم أو إهانة المصحف بإلقائه مثلا فى القاذورات، وبدون هذه الأمارات لا تعلم الردة، كالمنافقين الذين تكفر قلوبهم ولا يصدر منهم قول أو فعل يصرح بما فى قلوبهم، فكانوا يعاملون بظاهرهم معاملة المؤمنين.
والأعرابى لم يتبين للرسول منه ما يفيد رفضه للإسلام حتى يعامله معاملة المرتد، ومجرد خروجه من المدينة ونقض البيعة على الهجرة على فرض أنه من المعاصى الكبيرة لا يلزم منه الكفر، وحديث أبى ذر فى ذلك معروف، فإن المؤمن مصيره الجنة ولا يخلد فى النار كالكافرين حتى لو سرق وزنا "رغم أنف أبى ذر".
وما جاء من الأحاديث التى تنفى الإيمان عن مرتكب الكبائر مثل "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن. . . " قال فيه العلماء: إن نفى الإيمان إما أن يكون نفيا لكماله، وإما أن يكون نفيا لأصله إذا اعتقد أن الزنا حلال، فإن اعتقاد حِلَّ ما حرمه الله تحريما قاطعا كفر، ولم يُعْلَم أن الأعرابى اعتقد أن ترك المدينة حلال على فرض أنه حرام، ومن هنا لم يقم الرسول عليه حد الردة، ولا يصح أن تكون هذه الواقعة مُتَكأً لمن يرفضون أن الردة يعاقب عليها بالقتل، ويَدْعُون إلى الحرية فى اختيار أى دين، والتحول من دين إلى آخر، أو عدم التقيد بأى دين، تحقيقا للحرية المكفولة لكل إنسان. متجاهلين قول الله تعالى ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خاسرون﴾ البقرة: ٢١٧، وقوله ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ آل عمران: ٨٥، وقول النبى ﷺ "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى والقاتل والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخارى ومسلم، وقوله "من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخارى
стр. 4715
كتمان الشهادة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
حدث خطأ أنا شاهدته وعند التحقيق فيه بعدت عنه حتى لا أطلب للشهادة، خوفا من تعطيل مصالحى وانقطاعى عن عملى، أو خوفا على المخطئ أن يعاقب، فما حكم الدين فى ذلك، وماذا أعمل لو طلبت للشهادة؟
الجواب
شرع الله سبحانه فى التعامل بين الناس أن تكون هناك احتياطات لحفظ الحقوق وعدم الجحود، فإنهم ليسوا جميعا على قلب رجل واحد من الخوف من الله، ومن حب الخير للغير كما يحبونه لأنفسهم، ومن هذه الاحتياطات الإشهاد وكتابة الديون والدقة والأمانة وحسن اختيار الشهود، قال الله تعالى فى آية الدَّيْن ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ البقرة: ٢٨٢، ثم قال تعالى ﴿وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ البقرة: ٢٨٣ هناك ثلاثة مواقف: التطوع بالشهادة، طلب الشهادة، أداء الشهادة.
يقول القرطبى عن الآية الأولى بالنسبة إلى الموقفين الأولين: قال ابن عطية:
والآية-كما قال الحسن -جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوى الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لاسيما إذا كانت محصلة وكان الدعاء لأدائها، فإن هذا الظرف آكد، لأنها قلادة فى العنق، وأمانة تقتضى الأداء، انتهى.
ومعنى هذا الكلام أن الإنسان يندب له أن يشهد متطوعا بدون أن يستدعيه أحد للشهادة، وله أن يتخلف عنها لعذر أو لغير ذلك، ومحل ذلك إذا كان هناك شهود آخرون ولا يضيع الحق بتخلفه، أما إذا لم يكن إلا هو والحد الأدنى لقبول الشهادة، وخيف ضياع الحق كان تقدمه للشهادة قوى الندب وقرب من أن يكون واجبا يحرم التخلف عنه، إما إذا علم أن الحق يضيع لو تخلف عن الشهادة وجب عليه التقدم لشهادة ما دام ذلك ممكنا، ويتأكد ذلك إذا طلب منه أن يشهد، أى يتحمل الشهادة لإثبات الواقعة، لأن ذلك من باب نصرة المظلوم كما ثبت فى الحديث "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" ولقوله تعالى ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ .
وعلى هذا لا يتعلل الشاهد بالتأخر عن عمله، أو بالخوف على المخطئ من العقوبة، إذا وجب عليه أن يشهد فى الصورة المتقدمة.
وتحمل الشهادة سواء تطوع بها أو دعى إليها لا يتنافى مع حديث الصحيحين عن خير القرون، الذى جاء فيه "ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون " فإنه محمول على ثلاثة أوجه كما قال القرطبى: أحدها أن يراد به شاهد الزور، فإنه يشهد بما لم يستشهد، أى بما يتحمله ولا حمله، ويؤيد هذا الوجه حديث فى فضل الصحابة ومن بعدهم جاء فيه "ثم يفشو الكذب وشهادة الزور" والوجه الثانى أن يراد به المتطفل الشره النهم على تنفيذ ما يشهد به فيبادر بها قبل أن يسألها، فذلك دليل على هوى غالب عليه، والوجه الثالث أنهم الغلمان الصغار كما قال النخعى.
أما الموقف الثالث للشهادة وهو أداوها عند القاضى فله حالتان، الأولى أن يتطوع بها أى يشهد دون أن يستدعى، والحالة الثانية أن يستدعى لأدائها، ففى الأولى يندب له أن يتقدم لأدائها، وفيه حديث رواه أصحاب السنن "خير الشهداء الذى يأتى بالشهادة قبل أن يُسألها" وله ألا يشهد ما دام لم يستدع وذلك على النحو الذى سبق فى تحمك الشهادة لا فى أدائها، فإذا وجد شاهد غيره ولم يكن هناك خوف على ضياع الحق كان حضوره لأدائها مندوبا لا واجبا، فإن تعين هو للشهادة وجب الحضور حتى لو لم يستدع، وفى الحالة الثانية إذا استدعى فلا يجوز له التخلف، لأن القضاء متوقف على الشهادة، والتخلف عنها ضياع للحق، ودليل ذلك قوله تعالى ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ فهو عام فى التحمل والأداء.
قال الحسن: جمعت هذه الآية أمرين، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت إلى أدائها، وحملها قتادة والربيع وابن عباس على تحملها وإثباتها فى الكتاب - أى الذى بين المتعاقدين - وحملها مجاهد على أدائها بعد تحصيلها أى تحملها، وقال: فأما إذا دعيت لتشهد أولا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا، وقاله جماعة آخرون وعليه فلا يجب على الشهود الحضور، عند المتعاقدين.
وإذا حضر الشاهد أمام القاضى ليشهد عند الاستدعاء وغيره وجب عليه أن يؤديها بأمانة كما تحملها، ولا يجوز له أن يكتمها وينكر أنه تحملها، قال تعالى ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ فالكتمان صادق بعدم أدائها، وبعدم الصدق فيها، أى بقول الزور.
والتعبير بقوله ﴿آثم قلبه﴾ إشارة إلى أن كاتم الشهادة وقع تحت تأثير قصد سيئ انطوى عليه قلبه، وأقل ما يكون من هذا القصد السيئ عدم حب الخير لأخيه، أو حب الشر له والإضرار به، وذلك يتنافى مع الإيمان ففى الحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخارى ومسلم.
وإذا كان الكتمان ناشئا عن طمع فى نوال شىء من أحد الطرفين، أو عن خوف منه فإن الإيمان الحق يوجب أن يكون الرجاء هو فيما عند الله، فهو خير وأبقى، وأن يكون الخوف من الله وحده فهو القاهر فوق عباده، وقد أخذ الرسول ﷺ العهد على أصحابه أنَ يقولوا الحق لا يخشون فيه لومة لائم، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ النساء:١٣٥
стр. 4716
الضيافة عند اليتيم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لو زرت صغارا يتامى وقدموا لى تحية الضيف هل يجوز تناولها أو لا؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ النساء: ١٠.
هذه الآية تنهى عن أكل مال اليتيم ظلما أى بغير حق، فإن كان بحق فلا مانع منه، ويوضح هذا قوله تعالى فى آية سابقة فى السورة نفسها ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ الآية رقم: ٦، فهى تعالج خطأ وقع فيه الناس وهو الطمع فى مال اليتيم، حيث كان الوصى يتصرف فيه لمصلحة نفسه لا لمصلحة اليتيم، حتى إذا كبر لم يجد له مالا، أو يجد ماله قد قَلَّ، لأن الوصى لم يتصرف فيه لصالحه، وقد أباح الله للوصى أن يأخذ من مال اليتيم ما يوازى إشرافه عليه، على أن يكون ذلك فى الحد المعقول، وذلك إذا كان محتاجا، أما إذا كان مستغنيا فالأولى أن يستعفف ولا يأخذ شيئا فى مقابل الإشراف عليه.
ولما كانت النصوص فى القرآن والسنة تحذر من أكل مال اليتيم بدون وجه حق تحرج الناس عن كفالته خشية الوقوع فى المحظور، وذلك أمر يترتب عليه إهمال اليتيم وضياعه، فأذن الله للناس أن يشرفوا على أموال اليتامى على أن يراقبوا الله، فلا يتصرفوا فى غير مصلحتهم.
قال تعالى ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم﴾ البقرة:
٢٢٠.
وإذا كان هذا فى حق الأوصياء فهو أيضا فى حق كل إنسان يطمع فى مال اليتيم، وقد يحدث أن الذين يتركهم الميت من الأولاد يكون فيهم كبار، فلا ينطبق عليهم أحكام اليتامى، لأنه لا يُتْم بعد الحُلُم، أى البلوغ، ومع الكبار يوجد صغار، وأموالهم مختلطة بعضها ببعض، وهنا نقطتان:
النقطة الأولى خاصة بمخالطة الأولاد الكبار لإخوتهم الصغار، فيجب التحرز من الطمع فى أموالهم أو التصرف فيها على وجه ليس فيه مصلحتهم، وحيث إن الأموال مختلطة فيصعب ذلك، ولهذا ترك الله الأمر لضمير الكبار ورقابتهم لله ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ .
والنقطة الثانية خاصة بعلاقة الأجانب بهؤلاء الأولاد، فى مثل زيارتهم وتناول ما يقدم تحية للزائر، وحيث إن أموال الكبار مختلطة بأموال الصغار فلا تمييز فيما يقدم للضيف، هل هو من نصيب الكبار فيجوز تناوله، أو من نصيب الصغار فلا يجوز؟ لا يمكن الحكم بحرمة تناول التحية، لأن مناط التحريم هو التيقن، ولا يوجد، وإذا لم يمكن الحكم بالحرمة فأقل ما يحكم به هو الكراهة التنزيهية، وذلك للشبهة، ومن اتقى الشبهات كان لدينه أورع، وقد يكون من المستحسن أن يتناول الضيف من التحية أقل شىء حتى لا يكون فى الامتناع الكلى بعض آلام نفسية لليتامى، وليكن أمامنا قول الله سبحانه ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم﴾ فلتكن هناك زيارة خالصة لله، تخفيفا على اليتامى، وليكن معها هدية لهم إن أمكن، حتى لا يرزأهم فى شىء لو تناول التحية، فالمندوب أن نعطى لهم ولا نأخذ منهم
стр. 4717
ضرب المتهم للإقرار
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز ضرب المتهم ليقر بما ارتكبه من مخالفة، وهل يُعْتَد بهذا الإقرار؟
الجواب
جاء فى "الأحكام السلطانية" للمواردى ص. ٢٢ أنه يجوز للأمير مع قوة التهمة أن يضرب المتهم ضرب التعزير لا ضرب الحد، ليأخذه بالصدق عن حاله فيما قرف به واتهم، فإن أقر وهو مضروب اعتبرت حاله فيما ضرب عليه، فإن ضرب ليقر لم يكن لإقراره تحت الضرب حكم، وإن ضرب ليصدق عن حاله وأقر تحت الضرب قطع ضربه واستعيد إقراره، فإذا أعاده كان مأخوذا بالإقرار الثانى دون الأول.
فإن اقتصر على الإقرار الأول ولم يستعده لم يضيق عليه أن يعمل بالإقرار الأول وإن كرهناه.
والرأى المختار عند الأحناف والإمام الغزالى من الشافعية أن المتهم بالسرقة لا يُضرب، لاحتمال كونه بريئًا، فترك الضرب فى مذنب أهون من ضرب برىء وفى الحديث " لأن يخطئ الإمام فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة" وأجاز أصحاب الإمام مالك ضرب المتهم بالسرقة، وذلك لإظهار المسروق من جهة، وجعل السارق عبرة لغيره من جهة أخرى
стр. 4718
أنا ونحن
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا يتحدث الله عن نفسه بقوله "نحن " مع أنها للجمع، فهل هناك معه إله آخر؟
الجواب
إن القرآن الكريم نزل من عند الله بلغة العرب التى هى لغة رسوله ﷺ ، وقد نزل فى أرقى درجات البلاغة والفصاحة ﴿بلسان عربى مبين﴾ الشعراء: ١٩٥.
ومما جرت به عادة العرب أن يعبر المتكلم عن نفسه بلفظ "أنا" فإذا كان معه غيره قال "نحن " كما أن لفظ "نحن " يستعمل عند تعظيم المتكلم لنفسه، وتعظيم الإنسان لنفسه له دواع تدعو إليه، فقد يكون ذا منصب أو جله أو حسب أو نسب فيتحدث عن نفسه تفاخرا وتكبرا من أجل التفاخر والتكبر، وقد يكون لإدخال الرهبة فى قلوب الآخرين، كأنه عدة أشخاص لا شخص واحد، وقد يعبر عن نفسه بلفظ "نحن " لتعدد مآثره أو مواهبه، كأنه عدة أشخاص فى شخص واحد، فالكثرة والتعدد بالنظر إلى الأثر لا إلى المؤثر.
وأسلوب التعظيم للمتكلم أو المخاطب موجود فى اللغات الأخرى وليس قاصرا على اللغة العربية، ويستعمل فى مثل الأغراض المذكورة.
فإذا كان رب العزة يقول ﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ الإنسان: ٢٨، فالمقام مقام امتنان بالخلق والإنعام ومقام تخويف وإرهاب للكافرين، يتناسب معه ضمير التعظيم الذى يعطى معنى القوة والهيبة، وإذا كان يقول ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ الحجر: ٩، فالمقام مقام الاقتدار الذى يدخل الطمأنينة على حفظ الله للقرآن الذى أنزله بقدرته وحكمته، وإذا كان يقول ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ غافر: ٥١، ففيه اطمئنان لحماية الله لرسله ونصرهم على أعدائهم، كأنها حمايات بوسائل متعددة.
وأعتقد أن المؤمن حين يقرأ القرآن وفيه أسلوب التعظيم لله لا يتسرب إلى نفسه أى شك فى وحدانيته سبحانه، وهو جدير بكل عظمة وإجلال لا يمكن أن يكون لغيره من القدرة والإنعام ما يصرف الناس عن عبادته وحده
стр. 4719
بيض الطائر الميت
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ضرب شخص دجاجة فماتت،ولما فتح بطنها وجد فيها بيضة، فهل يحل أكل البيضة؟
الجواب
جاء فى كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميرى عند كلامه على الدجاج ما نصه: "فرع " البيضة التى فى جوف الطائر الميت فيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردى والرويانى والشاشى، أصحها - وهو قول ابن القطان وأبى الفياض وبه قطع الجمهور-إن تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة، والثانى طاهرة مطلقا، وبه قال أبو حنيفة، لتميزها عنه، فصارت بالولد أشبه، الثالث نجسة مطلقا وبه قال مالك، لأنها قبل الانفصال جزء من الطائر، وحكاه المتولى عن نص الشافعى رضى الله تعالى عنه، وهو نقل غريب شاذ ضعيف.
وقال صاحب الحاوى والبحر: فلو وضعت هذه البيضة تحت طائر فصارت فرخا كان الفرخ طاهرا على الأوجه كلها كسائر الحيوان، ولا خلاف أن ظاهر البيضة نجس.
وأما البيضة الخارجة فى حال حياة الدجاجة فهل يحكم بنجاسة ظاهرها؟ فيه وجهان حكاهما الماوردى والرويانى والبغوى وغيرهم، بناء على الوجهين فى نجاسة رطوبة فرج المرأة، قال فى المهذب: إن المنصوص نجاسة رطوبة فرج المرأة، وقال الماوردى: إن الشافعى رضى الله تعالى عنه قد نص فى بعض كتبه على طهارتها، ثم حكى التنجيس عن ابن سريج، فملخص الخلاف فيها قولان لا وجهان.
وقال الإمام النووى: رطوبة الفرج طاهرة مطلقا، سواء كان الفرج من بهيمة أو امرأة، وهو الأصح، وإذا فرعنا على نجاسة رطوبة الفرج فنقل النووى فى شرح المهذب عن فتاوى ابن الصباغ ولم يخالفه أن المولود لا يجب غسله إجماعا، وقال فى آخر باب الآنية من الشرح المذكور:
إن فيه وجهين حكاهما الماوردى والرويانى، وقد حكاهما الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فى فتاويه، ورأيت فى "الكافى" للخوارزمى أن الماء لا ينجس بوقوعه فيه، فيحتمل أن يكون الخلاف مفرعا على القول القديم بعدم وجوب الغسل لكونه نجسا معفوا عنه، وأما إذا انفصل الولد حيا بعد موتها فعينه طاهرة بلا خلاف، ويجب غسل ظاهره بلا خلاف، وأما البلل الخارج مع الولد أو غيره فنجس كما جزم به الرافعى فى الشرح الصغير والنووى فى شرح المهذب، وقال الإمام: لا شك فيه.
وأما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فإنها نجسة كما تقدم، وإنما قلنا بطهارة ذكر المجامع ونحوه على ذلك القول لأنا لا نقطع بخروجها، قال فى الكفاية: والفرق بين رطوبة فرج المرأة ورطوبة باطن الذكر لأنها لزجة لا تنفصل بنفسها ولا تمازج سائر رطوبات البدن، فلا حكم لها، قلت:
والرطوبة هى ماء أبيض متردد بين المذى والعرق، كما قاله فى شرح المهذب وغيره، انتهى ما قاله الدميرى فى ذلك
стр. 4720
الحزبية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى الأحزاب السياسية فى ظل الحكم الديموقراطى؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ الروم: ٣١، ٣٢، ويقول عن الكافرين ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ المجادلة: ١٩، ويقول عن المؤمنين ﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ المجادلة: ٢٢، الحزب هو الجماعة من الناس، والحزبية التعصب للحزب، وهذا الحزب له فكر معين يلزمه سلوك معين لتحقيق الهدف منه، واختلاف الناس فى الفكر المؤدى إلى الاختلاف فى السلوك أمر من طبيعة البشر، كما قال سبحانه ﴿ولو شاء ربك لجعل للناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ هود: ١١٨، ١١٩، وكانت رسالة الرسل هى من أجل الدعوة إلى توحيد الفكر والعقيدة، وعلى رأسها الإيمان بإله واحد والرجوع إليه بعد الموت، ومع اتفاق الرسالات على هذه الدعوة كان لكل رسالة شريعة خاصة فى ظل هذه العقيدة تتناسب مع استعداد القوم وظروفهم، كما قال سبحانه ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ المائدة: ٤٨، فأمر الاختلاف بين الأمم قائم، والدعوة إلى توحيد العقيدة مستمرة والنهى عن الاختلاف والتفرق إنما هو فى مجالى العقيدة فحسب، فمن كانوا من المؤمنين فهم حزب الله، ومن كانوا كافرين فهم حزب الشيطان، ولعدم صدق العقيدة عند الكافرين لم يجتمعوا على عقيدة واحدة، لأنها صدى لأفكارهم البحتة، والأفكار مختلفة، والتعصب للفكر شديد ﴿ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ قال تعالى للمؤمنين ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ آل عمران: ١٠٢، إن الذى ينعى عليه الدين هو الاختلاف فى العقيدة، أما السلوك فإن كان منصوصا على تحديده وجب التزامه، وإلا كان الحكم عليه بمقدار اتصاله بالعقيدة وعدم الخروج عليها، وفى ظل هذا كان اختلاف بعض الصحابة والتابعين والفقهاء الذين جاءوا من بعدهم فى فهم النصوص واستخراج الأحكام لما لم ينص عليه، وكانت الحرية فى الأخذ بأى رأى ما دام لا يصادم نصا ولا يعارض المقررات الأساسية المجمع عليها.
ومن تنوع الأفكار وتعدد المذاهب كان الجميع كتلة واحدة فى تحقيق الخير للأمة والدفاع عنها، لا فرق بين عربى وغير عربى، ولا تعصب لجنس أو عرق أو قبيلة، فالله سبحانه يقول ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات: ١٣، والأحاديث كثيرة فى النهى على العصبية، والتفرق بسبب من الأسباب الذاتية أو العارضة كالغنى والنسب والعلم والجاه.
بعد هذا نأتى إلى الأحزاب السياسية القائمة فى ظل النظم الديمقراطية، التى من أهم مظاهرها حرية الفكر وإبداء الرأى، فمن أجل هذه الحرية اختلفت الآراء فى خدمة الوطن، كل جماعة ترى أن رأيها ومنهجها هو الذى يحقق الخير دون رأى غيرها.
ولو أن هذه الأحزاب تلاقت واتفقت على منهج سليم لخدمة الوطن لكان الخير مرجوا منها، لكن يعيبها أن كل حزب معتد بفكرته فى هذا المجال، ويعتقد أنه هو الجدير وحده بتسلم الزمام لقيادة الشعب، فالهدف أولا وبالذات هو الحكم، ثم بعد ذلك يكون التفكير فى الإجراءات اللازمة لخدمة الوطن، وقد توفق وقد تخفق بمقدار ما عندها من إخلاص للمصلحة العامة أو الخاصة.
مع أن كل حزب يمكنه أن يخدم وطنه بعيدا عن الحكم، ويقدم نصائحه بالحكمة والأسلوب الحضارى لمن يتولى القيادة، ولا يتم التوفيق لهذه الأحزاب إلا إذا صحت عقيدتها فى الله، والتزمت الأخلاق التى أجمعت عليها كل الأديان، وحافظت على الخطوط العريضة التى وضعتها الرسالات للإصلاح، كما قال سبحانه لآدم حين أهبطه إلى الأرض ﴿فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ طه: ١٢٣، ١٢٤
стр. 4721
تحية العلم
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن تحية العلم شرك بالله، فلا يعظم إلا الله وحده، فهل هنا صحيح؟
الجواب
العَلَمُ رمز للوطن فى العصر الحديث، وكان عند العرب رمزا للقبيلة والجماعة، يسير خلفه ويحافظ عليه كل من ينتسب إلى القبيلة أو الجماعة، وكلما كان العلم مرفوعا دل على عزة أهله، وإذا انتكس دل على ذلهم، ويعرف عند العرب باسم الراية أو اللواء.
يقول ابن حجر فى غزوة خيبر: اللواء هو العلم الذى يحمل فى الحرب يعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد صرح جماعة بترادف اللواء والراية، وقال آخرون بتغايرهما، فقد روى أحمد والترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض، وجزم بتغايرهما ابن العربى فقال: اللواء ما يعقد فى طرف الرمح ويلوى عليه، والراية ما يعقد منه ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل: اللواء العلم الضخم وهو علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب.
وفى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية كلام كثير عن العلاقة بين الراية واللواء "ج ١ ص ٣٩٠" وذكر فى غزوة تبوك أن حامل اللواء كان زيد بن حارثة، ولما قتل تناوله جعفر بن أبى طالب وقاتل حتى قتل، ثم تناوله عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، فأخذ اللواء ثابت بن أقرم العَجْلاَنى وتقدم به إلى خالد بن الوليد وسلمه إياه لجدارته كما ذكر أن جعفرا لما قطعت يده اليمنى حاملة اللواء أخذه بيده اليسرى، فلما قطعت يداه احتضنه بعضديه ثم قتل، ثم دعا رسول الله ﷺ له أن يعوضه الله بدل اليدين جناحين فى الجنة "ج اص ٢٦٧ وما بعدها".
والمهم أن العلم أو الراية أو اللواء كان يحرص عليه من يحمله، وإذا وقع رفعه غيره للدلالة على أن فى الجيش قوة، ترفع بها معنوياتهم ليصمدوا.
فتحية العلم بالنشيد أو الإشارة باليد فى وضع معين إشعار بالولاء للوطن والالتفاف حول قيادته والحرص على حمايته، وذلك لا يدخل فى مفهوم العبادة له، فليس فيها صلاة ولا ذكر حتى يقال: إنها بدعة أو تقرب إلى غير الله
стр. 4722
التوبة من المال الحرام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لو كان عند الإنسان مال حرام وأراد أن يتوب إلى الله فكيف يتصرف فى هذا المال؟
الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه نهانا عن أكل الحرام، وقرر الرسول ﷺ أن الله لا يقبل التصدق إلا بالمال الحلال، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن القليل من الحرام فى بطن الإنسان أو على جسمه يمنع قبول الدعاء، ويؤدى فى الآخرة إلى النار، والمال الحرام يجب التخلص منه عند التوبة، وذلك برده إلى صاحبه أو إلى ورثته إن عرفوا، وإلا وجب التصدق به تبرؤا منه لا تبرعا للثواب.
قال الإمام الغزالى فى كتابه "الإحياء"ج ٢ ص ١١٦ فى خروج التائب عن المظالم المادية: فإن قيل: ما دليل جواز التصدق بما هو حرام، وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام، وحكى عن الفضيل أنه وقع فى يديه درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضى لغيرى ما لا أرضاه لنفسى؟ .
فنقول: نعم ذلك له وجه احتمال، وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس.
فأما الخبر فأمر رسول الله ﷺ بالتصدق بالشاة المصلية التى قدمت إليه فكلمته بأنها حرام، إذ قال ﷺ "أطعموها الأسارى" - والحديث قال فيه العراقى: رواه أحمد وإسناده جيد - ولما نزل قوله تعالى ﴿الم. غلبت الروم﴾ كذبه المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم؟ يزعم أن الروم ستغلب، فخاطرهم - أى راهنهم - أبو بكر رضى الله عنه، بإذن رسول الله ﷺ ، فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامرهم به قال ﷺ "هذا سحت فتصدق به " وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن الرسول ﷺ له فى المخاطرة مع الكفار.
وأما الأثر فإن ابن مسعود اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن، فطلبه كثيرا فلم يجده، فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عنه إن رضى، وإلا فالأجر لى، وروى أن رجلا سولت له نفسه فَغَلَّ مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له: تفرق الجيش، فأتى معاوية فأبى أن يقبض، فأتى بعض النساك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما بقى. فلما بلغ معاوية قوله تلهف إذ لم يخطر له ذلك. وذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبى وجماعة من الورعين إلى ذلك.
وأما القياس فهو أن يقال: إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير، إذ قد وقع اليأس من مالكه، وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه فى البحر، فإذا رميناه فى البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة، وإذا رميناه فى يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه، وحصل للفقير سَدُّ حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره فى التصدق لا ينبغى أن ينكر، فإن فى الخبر الصحيح أن للغارس والزارع أجرا فى كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه، وذلك بغير اختياره، وأما قول القائل:
لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر، وترددنا بين التضييع وبين التصدق، ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع. انتهى.
وقد أخذ برأى الغزالى هذا -إجابة دار الفتوى على مثل هذا السؤال "الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص ٣٥٧١".
ويستأنس للقول بجواز توجيه المال الحرام إلى منفعة المسلمين إذا لم يعرف صاحبه، بما فعله عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع المتسول الذى طلب منه طعاما فأحاله على صحابى فأطعمه، ثم عاد يسأل فوجده محترفا دون حاجة، ومعه زاد كثير، فأمر بطرحه أمام إبل الصدقة لأنها منفعة عامة للمسلمين.
وجاء فى تفسير القرطبى"ج ٣ ص ٣٦٦"ما نصه.
قال علماؤنا: إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن كان حاضرا، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك فى أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر ولم يَدْرِ كَمْ الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذى أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع، إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى فى يده إلا أقل ما يجزئه فى الصلاة من اللباس، ما يستر العورة وهى من سرته إلى ركبته، وقوت يومه، لأنه الذى يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه.
وفارق ها هنا المفلس فى قول أكثر العلماء، لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء، بل هم الذين صيروها إليه، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه، وأبو عبيدة وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه فى الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته، ثم كلما وقع بيد هذا شىء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه
стр. 4723
من آداب تغير المنكر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للمسلم اقتحام منزل مسلم أو مسيحى إذا علم أن به خمرا، بقصد تغيير المنكر؟
الجواب
اشترط العلماء فى تغيير المنكر - كما جاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى - أربعة شروط: أن يكون منكرا، وأن يكون موجودا فى الحال، وأن يكون ظاهرا من غير تجسس، وأن يكون معلوما كونه منكرا بالاتفاق دون اجتهاد.
ودليل منع التجسس واقتحام المنزل الذى يمارس فيه منكر قوله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ الحجرات: ١٢، وقوله ﷺ "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو كان فى جوف بيته " رواه أبو داود والترمذى وقال:
حديث حسن.
قال الماوردى فى كتابه "الأحكام السلطانية": لا يجوز التجسس حتى للإمام والمحتسب - أى الموظف المنوط به الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر-إلا إذا غلب على ظنه استمرار قوم بالمعصية لأمارة وآثار ظهرت، ولو لم يتجسس لانتهكت حرمة يفوت استدراكها، كما لو أخبره ثقة عنده بخلو رجل بامرأة للزنى، أو برجل ليقتله، بل يجوز هذا لغير المحتسب
стр. 4724
مصارعة الثيران
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى مصارعة الثيران، حيث يقتل المصارع الثور، وقد يصرعه الثور، وهل يتساوى هذا بالصيد فى الصحراء حيث يطارد الصياد الحيوان وقد يقتله بالرمح أو البندقية، ويمكن أن يقتل الحيوان صائده؟
الجواب
المصارعة بين الإنسان والإنسان عمل قديم، ولها أغراض عدة، فإن كانت من أساليب الاستعداد للجهاد والدفاع عن الحرمات فهى مشروعة.
أما مصارعة الثيران فالظاهر فيها أنها من باب المفاخرة بالشجاعة، لأن قصد الخير فيها غير واضح، ولذلك فهى غير مشروعة لأمرين:
الأول: أن فيها إيذاء للحيوان بدون مبرر، بمعنى أنه سينتهى إلى موته، ولحمه لا يؤكل شرعا لأنه لم يذبح بالطريقة الشرعية، أخرج الشافعى وأبو داود والحاكم وصححه حديث؟ " ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها" قيل: وما حقها يا رسول الله؟ قال "يذبحها ويأكلها ولا يقطع رأسها ويرميها" نيل الأوطار للشوكانى "ج ٨ ص ١٣٠، ١٤٢ ".
الثانى: أن مصارعة الثيران مخاطرة قد تؤدى إلى قتل الإنسان بدون هدف مشروع، والله يقول ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ البقرة: ١٩٥.
وذلك إلى جانب ما فيها من قصد الفخر والرياء وما يصاحبها من منكرات تلزم لإعداد الحلبة والشهود الذين يحضرون، مع عدم الحاجة إليها فإن التمرين على المصارعة الحلال موجود بدون هذه المخاطر
стр. 4725
النكتة والمزاح
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فيما يسمى بالنكتة؟
الجواب
النكتة أو الفكاهة شىء من قول أو فعل يقصد به غالبا الضحك وإدخال السرور على النفس، وينظر فى حكمها إلى القصد منها وإلى أسلوبها، فإن كان المقصود بها استهزاء أو تحقيرا مثلا، أو كان فى أسلوبها كذب مثلا كانت ممنوعة، وإلا فلا وهى تلتقى مع المزاح فى المعنى، وقد كان النبى ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا كما رواه أحمد، وجاء فى سنن الترمذى: قالوا إنك تداعبنا، قال "إى ولا أقول إلا حقا" وهو حديث حسن.
ومن حوادثه أن رجلا قال له: احملنى على بعير، فقال " بل نحملك على ابن البعير" فقال: ما أصنع به؟ إنه لا يحملنى، فقال ﷺ " ما من بعير إلا وهو ابن بعير" رواه أبو داود والترمذى وصححه.
"الأذكار للنووى ص ٣٢٢" وقيل إن السائل امرأة.
وأنبه إلى الإقلال من النكتة وعدم التمادى فيها، فقد تجر إلى المحرم، ففى الحديث "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها سبعين خريفا فى النار" رواه الشيخان.
وقال عمر رضى الله عنه: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استُخف به. وقال عمر بن عبد العزيز: اتقوا الله وإياكم والمزاح، فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح. يقول النووى فى كتابه المذكور: قال العلماء: إن المزاح المنهى عنه هو الذى فيه إفراط ويداوم عليه، لأنه يورث قسوة القلب ويشغل عن ذكر الله ويؤول فى كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار، وما سلم من ذلك فلا مانع منه فقد كان الرسول يفعله نادرا للمصلحة وتطييب النفس والمؤانسة، وهذا لا مانع منه قطعا بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة، فاعتمد ما نقلناه عن العلماء وحققناه فى هذه الأحاديث وبيان أحكامها، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه وبالله التوفيق
стр. 4726
نسب الفاطميين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قامت فى مصر دوله باسم الدولة الفاطمية وهى التى أنشأت الجامع الأزهر وبعض الناس يشككون فى نسب هذه الدولة إلى السيدة فاطمة رضى الله عنها فما رأيكم فى هذا؟
الجواب
هذه الدولة الفاطمية قامت بالفعل وكانت لها آثارها، ومن أهمها الجامع الأزهر الشريف، ثم انتهت هذه الدولة كما انتهى غيرها، والشيعة يذكرونها بالخير فى أمور خدمت مذهبهم، وكما هى العادة لم تسلم من النقد كما لم تسلم دولة أخرى.
والأدب الإسلامى بوجه عام يقض بالشكر لمن قدم خيرا للناس وللدين بوجه خاص، والتاريخ الإسلامى يقدر لهم هذه المأثرة وهى الجامع الأزهر الشريف، الذى شاء الله أن يكون منارة تشع على العالم كله المعرفة الصحيحة لمبادئ الدين، بعيدا عن التعصب لمذهب معين، وأن يكون منتجعا لطلاب العلم من كل الأمصار، وملاذا لكل من وفد إلى مصر من العلماء.
وإذا كانت هناك بعض السلبيات لهذه الدولة فلا ينبغى أن تطغى على الإيجابيات الأخرى، والإنصاف فى الحكم يقتضينا أن ننظر بعينين لا بعين واحدة، والذين حملوا على هذه الدولة شككوا فى نسبها الذى اتخذته منطلقا لدعوتها ومنافستها للخلافة العباسية فى مقرها بغداد.
وممن طعن فى إمامة الفاطميين الإمام السيوطى فى كتابه "تاريخ الخلفاء" وبرر ذلك بأمور منها:
١ - أنهم غير قرشيين وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلا فجدهم مجوسى.
٢ - أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سب الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له.
٣ -أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسى قائم موجود سابق البيعة فلا تصح.
٤ - أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بنى العباس لا يخرج منهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدى.
ذلك جزء مما عرفته عنهم، وأرى أن البحث فيه ليس له كبير فائدة فى هذه الأيام، بل قد يضر، فلنتركه لأن الله لا يحاسبنا عليه
стр. 4727
أوليات الخلفاء الراشدين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هناك أمور كان أول ظهورها على يد بعض الحكام المسلمين، فهل لهم أجر على ذلك؟
الجواب
معلوم أن الاجتماع البشرى فى تطور، تحدث فيه أشياء لم تكن من قبل.
دعت إليه الظروف واقتضتها الأحداث، فما كان منها خيرا كان لمن أحدثها ولمن سار عليها ثواب، وما كان غير ذلك كان فيه العقاب، فقد صح فى الحديث "من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شىء" رواه مسلم وغيره.
والمسلم يطمئن بوجه عام إلى ما أحدثه الخلفاء الراشدون من خير، لأننا مأمورون باتباع هديهم كما قال النبى ﷺ "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وهناك أمور حدثت أول ما حدثت على أيدى الخلفاء الراشدين فصارت سنة متبعة، منها ما ذكره السيوطى فى كتابه "تاريخ الخلفاء"ص ١٦، حيث قال:
قال العلماء: أول من اتخذ بيت المال، وأول من سمى المصحف مصحفا أبو بكر الصديق. وأول من أرخ بالهجرة، وأول من أمر بصلاة التراويح، وأول من وضع الديوان عمر بن الخطاب، وأول من زاد الأذان فى الجمعة، وأول من رزق المؤذنين عثمان بن عفان.
ثم ذكر السيوطى أوليات لكثير من الخلفاء والأمراء والملوك لا يلزم الاقتداء بهم فيها، فأكثرها دنيوى تنظيمى، يخضع لبيان حكم الشرع فيها من الأدلة المعتبرة
стр. 4728
أوانى الذهب والفضة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
عندى بعض هدايا من الفضة، وبعض من الذهب، أو مموه به فهل يحرم استعمالها؟
الجواب
يحرم الأكل والشرب فى الأوانى المتخذة من الذهب والفضة، وذلك لوجود النص فيها، فقد روى البخارى ومسلم عن حذيفة رضى الله عنه قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا فى آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا فى صحافها، فإنها لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة" ورويا أيضا عن أم سلمة رضى الله عنها قوله ﷺ "إن الذى يشرب فى آنية الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم " ومعنى يجرجر يصب. وفى رواية مسلم "إن الذى يأكل أو يشرب فى إناء الذهب أو الفضة. .. " وهذا التحريم شامل للرجال والنساء، والمباح للنساء هو التحلى والتزين، وهو نص فى تحريم الأكل والشرب ورأى بعض الفقهاء كراهة ذلك دون التحريم، وأن الأحاديث الواردة فى النهى هى لمجرد التزهيد، لكن الحق هو التحريم، فالوعيد شديد فى رواية أم سلمة.
أما الاستعمالات الأخرى كأدوات التطيب والتكحل فهى ملحقة فى التحريم بالأكل والشرب عند جماعة من الفقهاء، أما المحققون فلم يحرموها، بل قالوا بالكراهة، مستدلين بحديث رواه أحمد وأبو داود "عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا" وجاء فى "فتح العلاَّم "أن الحق هو عدم تحريم غير الأكل والشرب، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوى بغيره، لأنه ورد بتحريم الأكل والشرب، فعدلوا عنه إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم.
هذا فى الاستعمال أما الاقتناء دون استعمال فالجمهور على منعه أيضا، ورخصت فيه طائفة. أما الأوانى والتحف والحلى من غير الذهب والفضة، سواء من الأحجار والمعادن مهما غلت قيمتها فلا حرمة فى اقتنائها واستعمالها، لأن الأصل فى الأشياء هو الحل، ولم يرد دليل بالتحريم
стр. 4729
الثور والأرض
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما زالت بعض الكتب تذكر أن الأرض محمولة على قرن ثور، وأن الزلازل تكون عندما يغيِّر حملها فيقلها إلا قرنه الآخر، فهل لهذا الكلام أصل؟
الجواب
نعم لهذا الكلام أصل ولكنه كاذب وهو منقول عن وهب بن منبه الذى تنقل عنه أخبار عجيبة، وذكره صاحب كتاب "مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار" وذكر فيه غرائب فى كيفية حمل الثور للأرض، وأن له أربعة آلاف عين ومثلها أنوف وأفواه وقوائم، واسمه "كيوثا" وهو قائم على حوت كبير لو وضعت البحار كلها فى إحدى مناخره لكانت كخردلة فى فلاة، واسمه "بهموت ".
وكل هذا كلام لا دليل عليه من قرآن أو سنة صحيحة، ولم يقل به أحد من العلماء المختصين، وإن كان علمنا بالكون ما يزال ضئيلا، فنترك ذلك إلى الله، ولنحاول أن نستفيد مما سخره الله لنا فيه، ولنحذر كل الحذر مما تمتلئ به بطون الكتب القديمة من الخرافات والإسرائيليات "انظر مادة - ثور - فى كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميرى"
стр. 4730
الأكل على المائدة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
دعوت بعض زملائى إلى مأدبة، فلما هيأت لهم الطعام غضب أحدهم وقال الأكل على المائدة بدعة محرمة، وأبى أن يأكل وجلس على الأرض يتناول الطعام، ودار نقاش طويل حول هذا الموضوع، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
نبهنا كثيرا إلى عدم الجرأة فى الفتيا بغير علم، وعدم الإسراع بإطلاق اسم البدعة على كل شىء جديد فقد يكون له أصل قديم، وعدم الاستطراد فى الحكم على كل بدعة بأنها ضلالة، وكل ضلالة فى النار.
وكنت ناويا عدم التحدث فى هذا الموضوع الدنيوى الذى لم يرد فيه نهى بصريح القول، فى القرآن والسنة، لولا أن بعض الناس يجعلون من الحبة قبة، ويشغلون الناس بأمور مضت عدة قرون على حسم الخلاف فيها، ليضيعوا الوقت الثمين ويفرقوا بين الجماعة، ويعطوا الفرصة للأعداء لاتهام الدين بالجمود وعدم الصلاحية لقيادة الإنسانية إلى الخير كما يقول المسلمون.
وردت أحاديث فى هدى النبى ﷺ فى تناول الطعام، منها ما رواه قتادة عن أنس قال: ما أكل رسول الله ﷺ خوان قط، فقال قتادة لأنس: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر.
وهو حديث صحيح ثابت أخرجه الترمذى وقال فيه: حديث حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط، وروى مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة النبى ﷺ . وفى حديث خرَّجه الثقات عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ "تصلى الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة" ذكر ذلك القرطبى فى تفسيره " ج ٦ ص ٣٧٣، ٤ ٣٧ ".
المائدة كل شىء يمد ويبسط، مثل المنديل والثوب، والخوان - بضم الخاء وكسرها-هو ما ارتفع عن الأرض بقوائمه، والسفرة-كما قال ابن الأثير فى النهاية - هى الطعام الذى يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل فى جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمى به، ومنه حديث عائشة رضى الله عنها:
صنعنا لرسول الله ﷺ ولأبى بكر سفرة فى جراب لما هاجرا، أى صنعنا طعاما لهما عند الهجرة.
من هذا نرى أن المائدة الشاملة للسفرة بلا قوائم كان يأكل عليها الرسول ﷺ والعرب فى أيامه، أما الخوان وهو ما له قوائم ترفعه عن الأرض فلم يأكل عليه. فهل يفهم من هذا أن الأكل على الخوان - المنضدة، الترابيزة. . . -بدعة إن لم تك محرمة فهى مكروهة؟ .
فى بحث واسع عن البدعة اختلف العلماء فى عدم الاقتداء بالرسول فى أفعاله، هل هو حرام أو مكروه، أو ما تركه هل يجب تركه أو يُسَنُّ تركه، وهل الشىء الجديد الذى لم يرد فيه أمر ولا نهى، يعتبر بدعة ضلالة تؤدى إلى النار؟ أنا أترك الحديث فى هذه النقطة لحجة الإسلام الإمام الغزالى الذى عالجها قبل أن يتوفى سنة ٥٠٥ هجرية.
جاء فى كتابه الكبير "إحياء علوم الدين "ج ٢ ص ٣: أن من آداب الأكل أن يوضع الطعام على السفرة - المفروشة على الأرض - وذكر أن هناك أربعة أشياء حدثت بعد النبى ﷺ ، وهى الموائد والمناخل والأشنان -مثل الصابون -والشبع. ثم قال:
واعلم أنا وإن قلنا: الأكل على السفرة أولى، فلسنا نقول: الأكل على المائدة منهى عنه نهى كراهة أو تحريم، إذ لم يثبت فيه نهى، وما يقال: إنه أبدع بعد رسول الله ﷺ فليس كل ما أبدع منهيا، بل المنهى بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب فى بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب، وليس فى المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل، وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه.
ثم قال:
والأربع التى جمعت فى أنها بدعة ليست متساوية، بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة، فإن الغسل مستحب للنظافة، والأشنان أتم فى التنظيف، وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم، أو لا يتيسر، أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة فى النظافة، فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا، وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم -باطن الأقدام - وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبا.
وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام، وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم المفرط، وأما المائدة فتيسير للأكل، وهو أيضا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم، وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة، فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء فى البطن. فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات.
أعتقد أنه ليس بعد كلام الإمام الغزالى كلام فى هذا الموضوع -بل وغيره من الموضوعات -فليفهم هذا من يفتون بغير علم، حتى لا يَضِلُّوا ولا يُضَلُّوا والله يقول ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ النحل: ٤٣ والأنبياء: ٧؟
следующие страницы →