← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

نسب الفاطميين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قامت فى مصر دوله باسم الدولة الفاطمية وهى التى أنشأت الجامع الأزهر وبعض الناس يشككون فى نسب هذه الدولة إلى السيدة فاطمة رضى الله عنها فما رأيكم فى هذا؟ الجواب هذه الدولة الفاطمية قامت بالفعل وكانت لها آثارها، ومن أهمها الجامع الأزهر الشريف، ثم انتهت هذه الدولة كما انتهى غيرها، والشيعة يذكرونها بالخير فى أمور خدمت مذهبهم، وكما هى العادة لم تسلم من النقد كما لم تسلم دولة أخرى. والأدب الإسلامى بوجه عام يقض بالشكر لمن قدم خيرا للناس وللدين بوجه خاص، والتاريخ الإسلامى يقدر لهم هذه المأثرة وهى الجامع الأزهر الشريف، الذى شاء الله أن يكون منارة تشع على العالم كله المعرفة الصحيحة لمبادئ الدين، بعيدا عن التعصب لمذهب معين، وأن يكون منتجعا لطلاب العلم من كل الأمصار، وملاذا لكل من وفد إلى مصر من العلماء. وإذا كانت هناك بعض السلبيات لهذه الدولة فلا ينبغى أن تطغى على الإيجابيات الأخرى، والإنصاف فى الحكم يقتضينا أن ننظر بعينين لا بعين واحدة، والذين حملوا على هذه الدولة شككوا فى نسبها الذى اتخذته منطلقا لدعوتها ومنافستها للخلافة العباسية فى مقرها بغداد. وممن طعن فى إمامة الفاطميين الإمام السيوطى فى كتابه "تاريخ الخلفاء" وبرر ذلك بأمور منها: ١ - أنهم غير قرشيين وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلا فجدهم مجوسى. ٢ - أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سب الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له. ٣ -أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسى قائم موجود سابق البيعة فلا تصح. ٤ - أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بنى العباس لا يخرج منهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدى. ذلك جزء مما عرفته عنهم، وأرى أن البحث فيه ليس له كبير فائدة فى هذه الأيام، بل قد يضر، فلنتركه لأن الله لا يحاسبنا عليه

стр. 4727

أوليات الخلفاء الراشدين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هناك أمور كان أول ظهورها على يد بعض الحكام المسلمين، فهل لهم أجر على ذلك؟ الجواب معلوم أن الاجتماع البشرى فى تطور، تحدث فيه أشياء لم تكن من قبل. دعت إليه الظروف واقتضتها الأحداث، فما كان منها خيرا كان لمن أحدثها ولمن سار عليها ثواب، وما كان غير ذلك كان فيه العقاب، فقد صح فى الحديث "من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شىء" رواه مسلم وغيره. والمسلم يطمئن بوجه عام إلى ما أحدثه الخلفاء الراشدون من خير، لأننا مأمورون باتباع هديهم كما قال النبى ﷺ "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وهناك أمور حدثت أول ما حدثت على أيدى الخلفاء الراشدين فصارت سنة متبعة، منها ما ذكره السيوطى فى كتابه "تاريخ الخلفاء"ص ١٦، حيث قال: قال العلماء: أول من اتخذ بيت المال، وأول من سمى المصحف مصحفا أبو بكر الصديق. وأول من أرخ بالهجرة، وأول من أمر بصلاة التراويح، وأول من وضع الديوان عمر بن الخطاب، وأول من زاد الأذان فى الجمعة، وأول من رزق المؤذنين عثمان بن عفان. ثم ذكر السيوطى أوليات لكثير من الخلفاء والأمراء والملوك لا يلزم الاقتداء بهم فيها، فأكثرها دنيوى تنظيمى، يخضع لبيان حكم الشرع فيها من الأدلة المعتبرة

стр. 4728

أوانى الذهب والفضة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال عندى بعض هدايا من الفضة، وبعض من الذهب، أو مموه به فهل يحرم استعمالها؟ الجواب يحرم الأكل والشرب فى الأوانى المتخذة من الذهب والفضة، وذلك لوجود النص فيها، فقد روى البخارى ومسلم عن حذيفة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا فى آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا فى صحافها، فإنها لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة" ورويا أيضا عن أم سلمة رضى الله عنها قوله ﷺ "إن الذى يشرب فى آنية الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم " ومعنى يجرجر يصب. وفى رواية مسلم "إن الذى يأكل أو يشرب فى إناء الذهب أو الفضة. .. " وهذا التحريم شامل للرجال والنساء، والمباح للنساء هو التحلى والتزين، وهو نص فى تحريم الأكل والشرب ورأى بعض الفقهاء كراهة ذلك دون التحريم، وأن الأحاديث الواردة فى النهى هى لمجرد التزهيد، لكن الحق هو التحريم، فالوعيد شديد فى رواية أم سلمة. أما الاستعمالات الأخرى كأدوات التطيب والتكحل فهى ملحقة فى التحريم بالأكل والشرب عند جماعة من الفقهاء، أما المحققون فلم يحرموها، بل قالوا بالكراهة، مستدلين بحديث رواه أحمد وأبو داود "عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا" وجاء فى "فتح العلاَّم "أن الحق هو عدم تحريم غير الأكل والشرب، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوى بغيره، لأنه ورد بتحريم الأكل والشرب، فعدلوا عنه إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم. هذا فى الاستعمال أما الاقتناء دون استعمال فالجمهور على منعه أيضا، ورخصت فيه طائفة. أما الأوانى والتحف والحلى من غير الذهب والفضة، سواء من الأحجار والمعادن مهما غلت قيمتها فلا حرمة فى اقتنائها واستعمالها، لأن الأصل فى الأشياء هو الحل، ولم يرد دليل بالتحريم

стр. 4729

الثور والأرض المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما زالت بعض الكتب تذكر أن الأرض محمولة على قرن ثور، وأن الزلازل تكون عندما يغيِّر حملها فيقلها إلا قرنه الآخر، فهل لهذا الكلام أصل؟ الجواب نعم لهذا الكلام أصل ولكنه كاذب وهو منقول عن وهب بن منبه الذى تنقل عنه أخبار عجيبة، وذكره صاحب كتاب "مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار" وذكر فيه غرائب فى كيفية حمل الثور للأرض، وأن له أربعة آلاف عين ومثلها أنوف وأفواه وقوائم، واسمه "كيوثا" وهو قائم على حوت كبير لو وضعت البحار كلها فى إحدى مناخره لكانت كخردلة فى فلاة، واسمه "بهموت ". وكل هذا كلام لا دليل عليه من قرآن أو سنة صحيحة، ولم يقل به أحد من العلماء المختصين، وإن كان علمنا بالكون ما يزال ضئيلا، فنترك ذلك إلى الله، ولنحاول أن نستفيد مما سخره الله لنا فيه، ولنحذر كل الحذر مما تمتلئ به بطون الكتب القديمة من الخرافات والإسرائيليات "انظر مادة - ثور - فى كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميرى"

стр. 4730

الأكل على المائدة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال دعوت بعض زملائى إلى مأدبة، فلما هيأت لهم الطعام غضب أحدهم وقال الأكل على المائدة بدعة محرمة، وأبى أن يأكل وجلس على الأرض يتناول الطعام، ودار نقاش طويل حول هذا الموضوع، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب نبهنا كثيرا إلى عدم الجرأة فى الفتيا بغير علم، وعدم الإسراع بإطلاق اسم البدعة على كل شىء جديد فقد يكون له أصل قديم، وعدم الاستطراد فى الحكم على كل بدعة بأنها ضلالة، وكل ضلالة فى النار. وكنت ناويا عدم التحدث فى هذا الموضوع الدنيوى الذى لم يرد فيه نهى بصريح القول، فى القرآن والسنة، لولا أن بعض الناس يجعلون من الحبة قبة، ويشغلون الناس بأمور مضت عدة قرون على حسم الخلاف فيها، ليضيعوا الوقت الثمين ويفرقوا بين الجماعة، ويعطوا الفرصة للأعداء لاتهام الدين بالجمود وعدم الصلاحية لقيادة الإنسانية إلى الخير كما يقول المسلمون. وردت أحاديث فى هدى النبى ﷺ فى تناول الطعام، منها ما رواه قتادة عن أنس قال: ما أكل رسول الله ﷺ خوان قط، فقال قتادة لأنس: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَر. وهو حديث صحيح ثابت أخرجه الترمذى وقال فيه: حديث حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط، وروى مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة النبى ﷺ . وفى حديث خرَّجه الثقات عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ "تصلى الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة" ذكر ذلك القرطبى فى تفسيره " ج ٦ ص ٣٧٣، ٤ ٣٧ ". المائدة كل شىء يمد ويبسط، مثل المنديل والثوب، والخوان - بضم الخاء وكسرها-هو ما ارتفع عن الأرض بقوائمه، والسفرة-كما قال ابن الأثير فى النهاية - هى الطعام الذى يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل فى جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمى به، ومنه حديث عائشة رضى الله عنها: صنعنا لرسول الله ﷺ ولأبى بكر سفرة فى جراب لما هاجرا، أى صنعنا طعاما لهما عند الهجرة. من هذا نرى أن المائدة الشاملة للسفرة بلا قوائم كان يأكل عليها الرسول ﷺ والعرب فى أيامه، أما الخوان وهو ما له قوائم ترفعه عن الأرض فلم يأكل عليه. فهل يفهم من هذا أن الأكل على الخوان - المنضدة، الترابيزة. . . -بدعة إن لم تك محرمة فهى مكروهة؟ . فى بحث واسع عن البدعة اختلف العلماء فى عدم الاقتداء بالرسول فى أفعاله، هل هو حرام أو مكروه، أو ما تركه هل يجب تركه أو يُسَنُّ تركه، وهل الشىء الجديد الذى لم يرد فيه أمر ولا نهى، يعتبر بدعة ضلالة تؤدى إلى النار؟ أنا أترك الحديث فى هذه النقطة لحجة الإسلام الإمام الغزالى الذى عالجها قبل أن يتوفى سنة ٥٠٥ هجرية. جاء فى كتابه الكبير "إحياء علوم الدين "ج ٢ ص ٣: أن من آداب الأكل أن يوضع الطعام على السفرة - المفروشة على الأرض - وذكر أن هناك أربعة أشياء حدثت بعد النبى ﷺ ، وهى الموائد والمناخل والأشنان -مثل الصابون -والشبع. ثم قال: واعلم أنا وإن قلنا: الأكل على السفرة أولى، فلسنا نقول: الأكل على المائدة منهى عنه نهى كراهة أو تحريم، إذ لم يثبت فيه نهى، وما يقال: إنه أبدع بعد رسول الله ﷺ فليس كل ما أبدع منهيا، بل المنهى بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب فى بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب، وليس فى المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل، وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه. ثم قال: والأربع التى جمعت فى أنها بدعة ليست متساوية، بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة، فإن الغسل مستحب للنظافة، والأشنان أتم فى التنظيف، وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم، أو لا يتيسر، أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة فى النظافة، فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا، وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم -باطن الأقدام - وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبا. وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام، وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم المفرط، وأما المائدة فتيسير للأكل، وهو أيضا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم، وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة، فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء فى البطن. فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات. أعتقد أنه ليس بعد كلام الإمام الغزالى كلام فى هذا الموضوع -بل وغيره من الموضوعات -فليفهم هذا من يفتون بغير علم، حتى لا يَضِلُّوا ولا يُضَلُّوا والله يقول ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ النحل: ٤٣ والأنبياء: ٧؟

стр. 4731

القصاص من الذكر للأنثى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتص منه بل تجب عليه الدية؟ الجواب ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الرجل إذا قتل امرأة فإنه يقتل بها، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك. ونقل عن الحسن البصرى أن الرجل لا يقتل بالأنثى، وهو قول شاذ مردود، لأن كتاب عمرو بن حزم الذى تلقاه الناس بالقبول جاء فيه أن الذكر يقتل بالأنثى. ولا تجب الدية إلا عند العفو عن القصاص

стр. 4732

نزر وفرض المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نذرت لله إن تحقق غرض أن أحج، فتحقق، والآن لم أكن، قد حججت فهل يكفى حج واحد عن النذر والفرض، أم لابد من حج لكل منهما، وبأيهما أبدا؟ الجواب جمهور العلماء على أن الفرضين لا يتداخلان، بل لابد من حج لكل واحد منهما، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه يكفى عنهما حج وأحد. وعلى رأى الجمهور بأيهما يبدأ؟ قال الكثيرون: يبدأ بفريضة الحج، ثم يفى بالنذر بعد ذلك، لأن الحج مع الاستطاعة فريضة، والوفاء بالنذر واجب، والفرض أقوى من الواجب فيبدأ به، وهذا على رأى من يفرقون بينهما أما من لا يفرق فيترك الأمر فى الخيار للشخص

стр. 4733

نقل جزء من الخنزير إلى الإنسان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يفكر بعض العلماء فى نقل بنكرياس من خنزير بدل بنكرياس إنسان من أجل علاج مرضى السكر فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب على الرغم من قول جمهور الفقهاء بنجاسة الخنزير، وقول بعضهم بطهارته إنهم متفقون على أن ميتة الحيوانات نجسة، وهى التى لم تذبح ذبحا شرعيا أو كان أكلها حراما حتى لو ذبحت كالحمار مثلا. والنجاسة تشمل كل جزء من أجزاء الميتة، غير أن جلد الميتة يطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير عند الجمهور، ورأى داود الظاهرى وأبو يوسف من الحنفية تعميم الطهارة بالدبغ لكل الحيوانات، لعموم الأحاديث الواردة فى ذلك. أما غير الجلد من الميتة فلا يطهر بالدباغ ولا بأية مادة أخرى ويبقى على نجاسته، كما اتفق الفقهاء على أن ما يؤخذ من الحيوان حال حياته له حكم ميتته، مع استثناء شعر وصوف ووبر مأكول اللحم فهى طاهرة، قال تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ النحل:٨٥، وجاء فى الحديث الذى رواه الحاكم وصححه "ما قطع من حى فهو كميتته ". ومن هنا نقول: إن الجزء الذى ينزع من الخنزير لوصله بجسم الإنسان نجس باتفاق الفقهاء، سواء نرغ منه وهو حى - لأن ما قطع من الحى فهو كميته وميتته نجسة باتفاق -أو نرغ منه بعد موته فهو نجس أيضا، وإذا كان رأى داود وأبى يوسف أن جلده يطهر بالدباغ، فأى جزء آخر غير الجلد لا يطهر بالدباغ. وإذا كان الأمر كذلك وهو الاتفاق على نجاسة ما يؤخذ من الخنزير حيا أو ميتا فهل يجوز نقل جزء منه إلى جسم الإنسان للعلاج؟ سبق القول فى جبر عظم الإنسان بعظم نجس وخلاصته: أن فقهاء المالكية والحنابلة والشافعية قد صرحوا بأن مداواة الإنسان بشىء نجس جائز عند الضرورة التى صوروها بعدم وجود شىء طاهر، ولو فرض أنه لا توجد ضرورة وحصلت المداواة بالنجس وكان قلعه فيه ضرر لا ينزع وتصح الصلاة به، وهناك قول بأن الجزء النجس إذا اكتسى لحما لا ينزع وإن لم يخف الهلاك. كما أن الحنفية قالوا: إذا قضت الضرورة بوصل العظم المكسور بعظم نجس فلا حرج ولا إثم، ما دام يتعذر نزعه إلا بضرر. بعد عرض هذه الأقوال [الملخصة من بحث الشيخ جاد الحق على جاد الحق] أقول: زرع بنكرياس خنزير مكان بنكرياس الإنسان لأنه علاج فعال لمرض منتشر لا يقوم غيره الآن مقامه، لا بأس به. والرأى القائل بالجواز وعدم النزع إذا اكتسى العظم لحما يؤيد ما أقول، وبخاصة أن البنكرياس سيزرع فى باطن الجسم لا فى ظاهره، وباطن الجسم مملوء بما نحكم عليه بالنجاسة لو خرج إلى الظاهر كالبول والبراز والدم، ونصلى ونحن حاملون لذلك لأننا لا نستغنى عنه بالطبيعة، فكيف لا يكون ما يزرع فى الداخل من الشىء النجس كهذه الأشياء؟ وإذا تحدث البعض عند الحكم وقال: تجوز الصلاة مع الوصل بالعظم النجس، ورتب الحكم على النجاسة، فإن من ابتلع شيئا نجسا محتاجا إليه فى العلاج كانت صلاته صحيحة ولا حاجة إلى تطهير شىء، اللهم إلا الفم الذى ابتلع منه الدواء وما وقع على ظاهر الجسم، بصرف النظر عن كون الابتلاع حراما أو حلالا، حسب الحاجة والضرورة وعدمها، لأن الابتلاع أكل أو شرب ينظر فيه إلى المادة إن كانت حراما أو حلالا. ولو دخلت المادة النجسة إلى الجسم بغير طريق الأكل والشرب - كالحقن فى الوريد أو العضل، أو تحت الجلد - هل يقال: إن ذلك حرام؟ ربما يقال ذلك لأن الحديث يقول "لم يجعل الله شفاء أمتى فيما حرم عليها"ولكن للضرورة أحكام، إن الأمر ما دام فيه احتمال للجواز لا ينبغى أن نجزم بحرمته، وبخاصة إذا ثبتت فائدة الدواء بصورة فعالة فى مرض يعانى منه الكثيرون. هذا هو رأيى فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمنى، وأرجو العفو منه سبحانه، والأعمال بالنيات

стр. 4734

من أحكام الردة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لو تاب المرتد هل يقضى ما فاته من واجبات زمن الردة، وإذا لم يتب هل يقتل عاجلا أو يؤجل قتله، وكيف يكون التصرف معه بعد قتله؟ الجواب معلوم أن المرتد هو من ينكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، ويستوى فى ذلك من ولد مسلما ومن أسلم بعد كفر. ويستوى فى ذلك أيضا من اعتنق دينا يقر عليه أهله كاليهودية والنصرانية ومن لم يعتنق هذين الدينين. وقد جاء فى عقوبته الدنيوية قوله ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخارى ومسلم. وبصورة موجزة ألخص ما قاله الماوردى فى كتابه "الأحكام السلطانية " ص ٥٥، فقد جاء فيه: إن كان المرتدون أفرادا لم يتحيزوا بدار يتميزون بها عن المسلمين فلا نقاتلهم. وإنما نحاورهم، فإن ذكروا شبهة فى الدين أوضحت لهم بالحجج والأدلة حتى يتبين لهم الحق. وطلبنا منهم التوبة مما دخلوا فيه من الباطل، فإن تابوا قبلت توبتهم وعادوا إلى الإسلام كما كانوا، وعليهم بعد التوبة قضاء ما تركوه من الصلاة والصيام فى زمان الردة، لاعترافهم بوجوبه قبل الردة، وقال أبو حنيفة: لا قضاء عليهم كمن أسلم عن كفر. ومن كان من المرتدين قد حج فى الإسلام قبل الردة لم يبطل حجه بها ولم يلزمه قضاؤه بعد التوبة، وقال أبو حنيفة، قد بطل بالردة ولزمه القضاء بعد التوبة. ومن أقام على ردته ولم يتب وجب قتله، رجلا كان أو امرأة. وقال أبو حنيفة: لا أقتل المرأة بالردة. وقد قتل رسول الله ﷺ بالردة امرأة كانت تكنى "أم رومان ". ولا يجوز إقرار المرتد على ردته بجزية ولا عهد، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تنكح منه امرأة. واختلف الفقهاء فى قتل المرتدين هل يعجل فى الحال أو يؤجلون فيه ثلاثة أيام؟ هناك قولان، قول بتعجيل قتلهم فى الحال حتى لا يؤخر لله حق، وقول بإنظارهم ثلاثة أيام لعلهم يتوبون، وقد أنظر على كرم الله وجهه "المستورد العجلى" بالتوبة ثلاثة أيام ثم قتله بعدها، والقتل يكون بالسيف، وقال ابن سريج من أصحاب الشافعى: يضرب بالخشب حتى يموت، لأنه أبطأ قتلا من السيف، ولعله يستدرك بالتوبة، وإذا قتل لم يغسل ولم يصل عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين، بل ولا فى مقابر المشركين ويكون ماله فيئا فى بيت مال المسلمين، لأنه لا يرثه عنه مسلم ولا كافر. وقال أبو حنيفة: يورث عنه ما اكتسبه قبل الردة، ويكون ما اكتسبه بعد الردة فيئا وقال أبو يوسف يورث عنه ما اكتسبه قبل الردة وبعدها. "تذييل ". لا يقال إن الأمر بقتل المرتد مصادرة لحرية العقيدة، لأن المرتد عن الدين قد دخل فيه غالبا للكيد للمسلمين ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾ آل عمران: ٧٢، فقتله هو دفاع عن المسلمين. أما الكافر الأصلى فالإسلام يعرض عليه دون إكراه، وإن لم يؤمن عاملناه على ضوء قوله تعالى ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ التوبة: ٧

стр. 4735

تكرير السكر بالعظم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كانت مصانع السكر تستعين بالعظام المحروقة لتكريره، فهل يكون السكر نجسا؟ الجواب رفع مثل هذا السؤال إلى مفتى مصر المرحوم الشيخ بكرى الصدفى سنة ١٣٢٥ هجرية فأجاب بأن العظم إذا كان من ميتة فهو طاهر فى رواية، ما عدا ميتة الكلب والخنزير "الفتاوى الإسلامية " المجلد الثالث صفحة ٨٢٦

стр. 4736

الأرضون السبع المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل توصل العلماء إلى تحقيق أن الأرضين سبع كما قال الله تعالى ﴿الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرضى مثلهن﴾ ؟ الجواب إضافة إلى الإجابة المنشورة فى ص ١٣٣ من المجلد الثانى نقول: كلام الله صادق لا ريب فيه، ويجب الإيمان به كما يجب الإيمان بالغيب الذى لم نره، ولكن ذلك لا يمنع البحث فى تركيب الأرض لمعرفة طبقاتها، وسواء وصل البحث بطريقة علمية ثابتة إلى أن طبقات الأرض سبعة أم لم يصل فالإيمان بكلام الله واجب. وقد نشر الدكتور محمود سراج الدين محمد عفيفى-بقسم الكيمياء بكلية العلوم بجامعة الأزهر- بحثا قال فيه: أثبتت الدراسات الجيوفيزيائية أن الجسم الصلب فى الأرض مكون من: ١ -القشرة الأرضية. ٢ -طبقة من السليكات الخفيفة والثقيلة. ٣ - طبقة من الأكاسيد والكبريتيدات. ٤ -سائل من الحديد والنيكل. ٥ - نواة الأرض المكونة أيضا من الحديد والنيكل، فإذا أضفنا إليها. ٦ - الغلاف الجوى. ٧ -الغلاف المائى، أصبح العدد سبعة. وأيضا: بما أن المادة مكونة من ذرات تحمل كل صفات المادة فإننا نرى وحدانية الخالق فى مكونات الأرض وهى الذرات المختلفة للعناصر المكونة للأرضية ومن المعروف أن جميع الذرات تتكون من مدارات رئيسية هى: K.L. المبادئ .N.O.P. السؤال هى أيضا سبعة تتنقل بينها الإليكترونات لتعطينا كل الصفات الكيماوية والطبيعية والرقم ٧ لا يتوقف عند هذا، فإن جائزتى نوبل لعامى ٦٣، ١٩٧٥ م أعطيت لعلماء لأنهم اكتشفوا أمورا متعلقة بالتركيب المدارى لنواة الذرة، ظهر فيها رقم ٧ "جريدة الأخبار: ١٩/٥/ ١٩٧٦ "

стр. 4737

الطريقة البرهامية المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هناك كلام حول الطريقة البرهامية، نريد إلقاء الضوء عليها ورأى الدين فيها؟ الجواب الطريقة البرهامية إحدى الطرق الصوفية، والطرق الصوفية بوجه عام مدارس تربوية، إن كان منهجها متفقا مع الدين عقيدة وشريعة فهى مشروعة، وإلا كانت غير مشروعة، ووجب تقويمها بالحكمة والموعظة الحسنة "راجع الجزء الثانى من كتاب: بيان للناس من الأزهر الشريف " وقد سبق الحديث عنها فى كتابنا هذا " أحسن الكلام فى الفتاوى والأحكام " " ص ٢٤٦ من المجلد الأول ". وقد ثار جدل حول الطريقة البرهامية ألخصه منقولا مما كتب عنها فيما يلى: جاء فى كلام السيد/ عصمت أبو القاسم القاضى قنصل مصر بالخرطوم وفى كلام غيره نشر بجريدة الأهرام بتاريخ ٦/ ٢/ ١٩٧٦ م أن الطريقة البرهامية المنسوبة إلى إبراهيم الدسوقى كانت منتشرة فى السودان، وخليفتها هو " ابن محمد البتيت " الذى توارثها عن أجداده، وحاول " محمد عثمان عبده " أن ينصب نفسه خليفة عليها، فرفع دعوى أمام محاكم السودان ضد " ابن محمد البتيت " يطلب تسليمه أمتعة الطريقة ولوازمها، فرفضت الدعوى، فأشاع أنه رأى فى المنام أن خصمه سيموت إذا لم يسلمه الخلافة، ولما لم ينجح استقل بطريقة أخرى سماها " البرهانية " فنجح وأثرى، وكون شركات وأخذ من المريدين أموالا كثيرة. ومحمد عثمان عبده بدأ حياته عامل " بوفيه " فى قطارات السكة الحديد بين حلفا والشلال، ثم استطاع أن يمتلك مخبزا فى حلفا، وجاء إلى الخرطوم سنة ١٩٣٠ م واستطاع بذكائه وتردده على القاهرة أن يجذب إليه كثيرا من الدراويش، وانتشرت دعوته بين الشباب، وبخاصة بعد الفراغ الروحى الذى أعقب نكسة ١٩٦٧ م، وله مقر بالخرطوم بجانبه زاوية لأتباعه، ويحتاط لعدم دخول أجنبى عن الطريقة بينهم، وهو ذكى حلو الحديث، يسمح لأتباعه بشرب الدخان، وأما هو فيستعمل السعوط " النشوق ". وللطريقة تنظيم داخلى سرى يقوم على خلايا محدودة العدد، وأعضاء الجماعة متعاونون فى تقديم الخدمات بعضهم لبعض. وقد صدر له كتاب " حكم مجمع البحوث الإسلامية بمخالفته للإسلام وتكفير من يعتقد ما فيه " وقد تورط بعض الكبار فأثنوا على هذا الرجل لكن لما عرفوا ما فى الكتاب تبرءوا منه. والشيخ محمد حسنين مخلوف -مفتى مصر الأسبق -أصدر حكما على الكتاب الذى جمعه محمد عثمان عبده البرهانى بعنوان "تبرئة الذمة فى نصح الأمة " وقال: فيه حديث أو خطبة لعلى بن أبى طالب جاء فيه: أنا الرحمن، أنا حقيقة الأسرار، أنا خليل جبرائيل.. . وهو كلام مكذوب، فقد كرر فيه لفظ " أنا " ٢٥٥ مرة ولا يعقل أن يصدر ذلك عن على كرم الله وجهه. وفيه أنه جعل أهل البيت والخلفاء الأربعة والعبادلة الأربعة شفعاء للناس يوم القيامة، وهو باطل، وفيه ادعاء أن الله علَّم رسوله علما لم يعلمه أحد، ولا يعلم به إلا الأشخاص الذين سماهم فى الكتاب، وهذا لا دليل عليه. وهناك أحاديث غريبة ليست فى كتب السنة، مثل حديث أن جبريل رأى الرسول فى الأرض وفى البيت المعمور فى لحظة واحدة، وأن جبريل قال للرسول: الأمر منك وإليك يا رسول الله، ففيم تعبى؟ فأجابه الرسول " للتشريع يا أخى جبريل " وهو افتراء على الرسول " الأهرام ١٣/٢/١٩٧٦م ". هذا بعض ما عثرت عليه خاصا بهذه الطريقة، والعهدة على المصادر التى نقلت عنها من جهة التاريخ والرأى الدينى، ولم يتح لى أن أطلع على كل المعلومات الخاصة بها حتى أستطيع أن أكون رأيا فيها. ومهما يكن من شىء فشرع الله واضح، ومن خفى عليه شىء منه فالعلماء أهل الذكر موجودون يمكن الأخذ منهم بسهولة، ولا داعى للتورط فيما فيه شبهة، وأحذر من استغلال الدين لمآرب غير مشروعة، ومن إقحام بعض من عندهم شىء من العلم أنفسهم فى تكوين جمعيات أو طرق تحمل اسم الدين وهم ليسوا من المتخصصين فيه، فذلك مدرجة للانحراف وتشويه لسمعة الدين وتفريق لصفوف المسلمين. هذا، وقد نشرت أخبار اليوم " بتاريخ ٩ من يوليو ١٩٩٤ " أن المجلس الأعلى للطرق الصوفية أصدر قرارا بحظر نشاط شيخ الطريقة البرهانية وجميع أتباعه، لاستغلال بسطاء الناس، مخالفين بذلك تعاليم الدين الإسلامى

стр. 4738

أبو ذر فى الربذة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء فى الأخبار أن عثمان بن عفان رضى الله عنه نفى أبا ذر الغفارى لمكان يسمى الربذة، فهل هذا صحيح، وما سبب ذلك؟ الجواب أبو ذر رضى الله عنه من كبار الصحابة وفضلائهم، وقديم فى الإسلام، يقال -كما قال ابن الأثير فى أسد الغابة- إنه أسلم بعد أربعة وكان خامسا ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، وتوفى بالربذة -موضع قريب من المدينة- سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين. دعا له الرسول بقوله " يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده" روى البخارى عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا بأبى ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية فى ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله﴾ فقال معاوية: نزلت فى أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بينى وبينه فى ذلك، فكتب إلَى عثمان يشكونى، فكتب إلىَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر على الناس حتى كأنهم لم يرونى قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبا، فذاك الذى أنزلنى هذا المنزل، ولو أمَّروا علىَّ حبشيا لسمعت وأطعت. والكنز الذى جاء فيه الوعيد الشديد ليس هو ما دفن فى الأرض، بل هو ما لم تؤد زكاته حتى لو كان على سطح الأرض، وما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين كما قال ابن عمر وجابر بن عبد الله، وهو الصحيح من الأقوال، وقيل: الكنز ما فضل عن الحاجة، وهو مروى عن أبى ذر وذلك مذهبه، يقول الفرطبى "ج ٨ ص ١٢٥" وهو من شدائده ومما انفرد به رضى الله عنه، ثم يقول: ويحتمل أن يكون مجمل ما روى عنه فى هذا ما روى أن الآية نزلت فى وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله ﷺ عن كفايتهم، ولم يكن فى بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم، فنُهوا عن إمساك شىء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة فى مثل ذلك الوقت. فلما فتح الله على المسلمين ووسع عليهم أوجب ﷺ فى مائتى درهم خمسة دراهم وفى عشرين دينارا نصف دينار، ولم يوجب الكل، واعتبر مدة الاستنماء، فكان ذلك منه بيانا ﷺ . انتهى

стр. 4739

أكل الجراد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل أكل الجراد حلال؟ الجواب روى مسلم عن عبد الله بن أبى أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه، ولم يختلف العلماء فى أكله على الجملة، وأنه إذا أُخذ حيا وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق، وأن ذلك يتنزل منه منزلة الزكاة فيه. وإنما اختلفوا: هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صيد أم لا، فعامتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك ويؤكل كيفما مات، وحكمه عندهم حكم الحيتان [الأسماك] ، وذهب مالك إلى أنه لا بد له من سبب يموت به، كقطع رأسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يصلق أو يطرح فى النار، لأنه عنده من حيوان البر فميتته محرمة، وروى الدارقطنى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال "أحل لنا ميتتان الحوت والجراد، ودمان الكبد والطحال " وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك: كان أزواج النبى ﷺ يتهادين الجراد على الأطباق، وذكره ابن المنذر أيضا "تفسير القرطبى ج ٧ ص ٢٦٨ " وجاء فى حياة الحيوان الكبرى للدميرى زيادة على ذلك أن الإمام مالكا ذكر فى كتابه "الموطأ" عن ابن عمر أن عمر سئل عن الجراد فقال: وددت أن عندى قفة آكل منها، وروى البيهقى عن أبى أمامة الباهلى أن النبى ﷺ قال "إن مريم بنت عمران ﵍ سألت ربها أن يطعمها لحما لا دم له، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع " والشياع هو الصوت. انتهى. هذا فى حكم أكله، أما قتله وإبادته فقد مر الكلام عليه فى الجزء الأول "ص ٤٧٣ " وزيادة عليه جاء فى حياة الحيوان أيضا أن ابن ماجه روى عن أنس أن النبى ﷺ دعا على الجراد فقال "اللهم أهلك كباره وأفسد صغاره واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء" فقال رجل: يا رسول الله كيف تدعو على جند من أجناد الله تعالى بقطع دابره؟ فقال ﷺ "إن الجراد نثرة الحوت من البحر" أى عطسته. وبصرف النظر عن أصل الجراد كما ذكر الحديث فإن قتله جائز إذا حصل منه ضرر، كالغارات على المزارع والمحاصيل وقوت الناس، فمصلحة الإنسان قبل مصلحة أى حيوان، نذبحه لنأكله ونسخره لقضاء مصالحنا فى حدود الإحسان والآداب الشرعية. وجاء فى تفسير القرطبى "ج ٧ ص ٢٦٨" أن أهل الفقه كلهم قالوا بقتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد، وقد رخص النبى ﷺ بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله، فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها، ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب لأنهما يؤذيان الناس؟ فكذلك الجراد

стр. 4740

حكم الأكل فى الطريق المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى تناول الطعام فى الطريق العام وتناول الشراب أثناء الوقوف؟ الجواب تناول الطعام فى الطريق العام لا حرمة فيه، لعدم الدليل الذى يمنع، وإن كان الأفضل تناوله بعيدا عن أعين الناس، منعا للنقد ولتلهف محتاج إليه محروم منه، وتحرزا من وقوع شىء منه على الأرض فيتلف ويصعب إصلاحه أو يكون منه التلوث. روى أحمد وابن ماجه والترمذى وصححه أن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشى، ونشرب ونحن قيام "غذاء الألباب ج ٢ ص ١٢٣ ". وتناول الشراب أثناء الوقوف لا حرمة فيه وإن كان مكروها، اتباعا لهدى النبى ﷺ ، حيث كان أكثر شربه قاعدا، وزجر عن الشرب قائما، وإن كان شرب مرة قائما، وذلك لبيان جواز الأمرين، أو لوجود عذر يمنعه من القعود، فقد أتى زمزم وهم يستقون منها، فأخذ الدلو وشرب قائما "زاد المعاد ج ١ ص ٣٨"

стр. 4741

الأكل مع النذر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نذرت لله إن شفانى أن أذبح شاة، فهل يجوز أن آكل منها؟ الجواب إذا نذر الإنسان شيئا خرج عن ملكه فيجب أن يوجهه إلى ما نُذر إليه، كما قال تعالى ﴿وليوفوا نذورهم﴾ الحج: ٢٩، فمن نذر التصدق بشاة أو توزيع طعام وجب أن يكون التنسيق أو التوزيع على الفقراء والمساكين، ولا يجوز للناذر أن يأخذ شيئا من النذر، لا للأكل ولا لغيره كجلد الشاة للفراش أو الصلاة عليه، أو صوفها للانتفاع به، بل يخرج كل ما فيها لله سبحانه، حتى قال العلماء: لا يعطى شيئا منها أجرة للجزار الذى ذبحها، وإنما يجوز أن يعطيَه بعضها صدقة إذا كان الجزار فقيرا مستحقا لها. وقد تحدث العلماء عن قوله تعالى فى الهدى فى الحج ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ الحج: ٢٨، وعما ثبت من أن النبى ﷺ ساق الهدى فى الحج وأكل منه أهله، فقسموا الهدى أربعة أقسام: ا -هدى تطوع، ويكون لمن حج مفردا، أى نوى الحج فقط، وكذلك لمن اعتمر. ٢ -هدى واجب لترك شىء من واجبات الحج، كرمى الجمار والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، والإحرام من الميقات. ٣-هدى واجب لارتكاب محظور، كالتطيب وحلق الشعر. ٤-هدى واجب جزاء للصيد وما يماثله. وقالوا: هدى التطوع يجوز لصاحبه أن يأكل منه. أما الهدى الواجب فقد اختلفت آراؤهم فيه: أ -فأبو حنيفة لا يجيز الأكل من أى هدى واجب، واستثنى من ذلك هدى التمتع والقران فأجاز الأكل منه، مستدلا بالآية المذكورة وبفعل النبى ﷺ ، بناء على أنه كان فى حجه متمتعا أو قارنا. ٢-وأحمد بن حنبل قال مثل قول أبى حنيفة. وعلى رأيهما لا يجوز الأكل من الهدى المنذور، ولا من الكفارة. ٣-ومالك بن أنس قال: لا يجوز الأكل من جزاء الصيد، وفدية الأذى التى تجب عند حلق الشعر من الأذى، والمنذور للمساكين. ويجوز الأكل من هدى التمتع وفساد الحج وفواته، والأنواع الأخرى من الهدى. ٤ -والشافعى قال: لا يجوز الأكل من أى هدى واجب مطلقا، ومنه النذر، فلا يجوز أكل شىء منه. وكذلك الكفارات. جاء فى تفسير القرطبى"ج ٢ ص ٤٤": دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها، ومشهور مذهب مالك رضى الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث: جزاء الصيد ونذر المساكين وفدية الأذى. ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله واجبا كان أو تطوعا، ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار. ثم قال فى صفحة ٤٦: قال الشافعى وأبو ثور: ما كان من الهدى أصله واجبا فلا يأكل منه وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق. والمتعة والقران عنده نسك. ونحوه مذهب الأوزاعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يأكل من هدى المتعة والتطوع ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام. وحكى عن مالك: لا يأكل من دم الفساد، وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر كقول الشافعى والأوزاعى. وذكر أن دليل مالك هو أن الله جعل جزاء الصيد للمساكين، وكذلك فدية الأذى، جعلها القرآن والحديث للمساكين، ونذر المساكين مصرح بعدم الأكل منه، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله تعالى ﴿فكلوا منها﴾ وقد أكل النبى ﷺ وعلى من الهدى وكان ﵇ قارنا فى أصح الأقوال والروايات، فكان هديه على هذا واجبا، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح. انتهى بتصرف. وجاء فى "المغنى لابن قدامة ج ٣ ص ٥٦٥" ما نصه: المذهب أنه يأكل من هدى التمتع والقران دون ما سواهما، نص عليه أحمد.. . وهذا قول أصحاب الرأى أى أبى حنيفة وأصحابه - وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما.. . لأن جزاء الصيد بدل والنذر جعله لله، بخلاف غيرهما، وقال ابن أبى موسى: لا يأكل أيضا من الكفارة ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك، لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين ولا مدخل للإطعام فيه، فأشبه التطوع. وقال الشافعى: لا يأكل من واجب، لأنه هدى وجب بالإحرام فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة. يؤخذ من هذا العرض أن الطعام المنذور لا يجوز للناذر أن يأكل منه باتفاق الفقهاء. سواء كان النذر هديا فى الحج والعمرة أو كان غير ذلك وأجازه أحمد فى الأضحية فقط بل جعله مستحبا "المغنى ج ٣ ص ١٥٨٤

стр. 4742

الأدوية المسكنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال تضاف إلى بعض الأدوية المسكنة للصداع أو السعال بعض المواد المخدرة، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب معلوم أن الله سبحانه لم يجعل شفاء أمة النبى ﷺ فيما حرم عليها كما نص الحديث الشريف الذى رواه البخارى عن ابن مسعود، والبيهقى وصححه ابن حبان عن أم سلمة وكما جاء فى حديث آخر "يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يجعل داء إلا جعل له دواء، ولا تداووا بمحرم " رواه أبو داود والمواد المخدرة نفسها يحرم التداوى بها، سواء أكانت خمرا أم غير خمر، كما قاله ابن تيمية وذلك لورود النص بالحرمة، وذهب الجمهور إلى أن التداوى بغير الخمر من المخدرات ليس حراما، بل هو جائز للضرورة قياسا على تداوى العرنيين بأبوال الإبل، حيث رخص لهم النبى ﷺ فى ذلك كما رواه البخارى ومسلم لكنهم اشترطوا ثلاثة شروط. أولها: ألا يكون هناك دواء حلال. والثانى: أن يقول بذلك طبيب مسلم. الثالث: أن يكون القدر المخدر قليلا لا يسكر، قال النووى فى "المجموع": قال أصحابنا: يجوز شرب الدواء المزيل للعقل للحاجة، وقال الرويانى: والنبات الذى يسكر وليس فيه شدة مطربة يجوز استعماله فى الدواء وإن أفضى إلى سكر ما لم يكن منه بد. وقال ابن رجب فى كتابه "جامع العلوم والحكم ": المسكر الذى يزيل العقل ويسكره إن لم يكن فيه طرب ولا لذة كالبنج قال أصحابنا: إن تناوله لحاجة التداوى به وكان الغالب منه السلامة جاز. وجاء فى فقه المذاهب الأربعة للجزيرى: أن المائعات النجسة التى تضاف إلى الأدوية والروائح العطرية لإصلاحها يعفى عن القدر الذى به الإصلاح، قياسا على الإنفحة المصلحة للجبن. والقطرات القليلة غير الظاهرة والتى لا يكون من شأنها الإسكار إذا اختلطت بالدواء المركب لا تحرم، مثل القليل من الحرير فى الثوب. أفاده فى المنار

стр. 4743

مشط العاج المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن المشط المأخوذ من العاج وهو سن الفيل نجس؟ الجواب روى الترمذى أن النبى ﷺ قال " ما يقطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة " وقال: حديث حسن غريب، وبناء عليه قال جمهور الفقهاء: إن عظم الفيل نجس ولا يطهر بحال كما قال الشافعى ومالك وإسحاق، ورخص فى الانتفاع به محمد بن سيرين وابن جريج وغيرهما، لما روى أبو داود عن ثوبان أن رسول الله ﷺ أمره أن يشترى لفاطمة رضى الله عنها قلادة من عَصْب وسوارين من عاج، وروى البخارى عن الزهرى قال فى عظام الموتى نحو الفيل وغيره: أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدَّهنون فيها، ولا يرون به بأسا، والعَصْب ثياب يمنية، والعَصَب سن بعض الحيوانات يتخذ منه الخرز. وجاء فى المغنى لابن قدامة "ج ١ ص ٦١" أما ما يتساقط من قرون الوعول فى حياتها يحتمل أنه طاهر لأنه أشبه بالشعر، وجاء فى هامش "ص ٦٠" أطال شيخ الإسلام الكلام فى تصويب طهارة العظم والقرن والظفر، وذكر أنه مذهب أبى حنيفة وقول لمالك وأحمد. هذا، وقد قال الدميرى فى كتابه "حياة الحيوان الكبرى - السلحفاة البحرية " ما نصه: "فائدة" كان للنبى ﷺ مشط من العاج، والعاج الذبل، وهو شىء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه الأمشاط والأساور، وفى الحديث أن النبى ﷺ "أمر ثوبان رضى الله عنه أن يشترى لفاطمة رضى الله عنها سوارين من عاج" أما العاج الذى هو عظم الفيل فنجس عند الشافعى وطاهر عند أبى حنيفة، وعند مالك يطهر بصقله، فيجوز التسريح بمشط العاج وهو الذبل، وعليه يحمل ما وقع للنووى فى شرح المهذب من جواز التسريح به، فمراده بالعاج الذبل لا العاج الذى هو ناب الفيل. وما دام عظم الفيل طاهرا عند بعض الأئمة فلا بأس باستعماله، واختلاف الآراء رحمة بالأمة

стр. 4744

عيادة المريض غير المسلم المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مرض أحد جيراننا من غير المسلمين فأردت أن أزوره فمنعنى بعض الإخوان، فما رأى الدين فى ذلك؟ الجواب بناء على مبدأ التعامل مع غير المسلمين المسالمين الذى سبق أن وضحناه بالأدلة من القرآن والسنة، وما جرى من تعامل النبى ﷺ مع اليهود - تحدث العلماء عن حكم عيادة المريض منهم، ولخص النووى ذلك فى كتابه "الأذكار ص ٢٥٤ " فقال: اعلم أن أصحابنا -الشافعية- اختلفوا فى عيادة الذمى، فاستحبها جماعة، ومنعها جماعة - وذكر الشاشى الاختلاف ثم قال: الصواب عندى أن يقال: عيادة الكافر فى الجملة جائزة، والقربة -أى الثواب- فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة. قال النووى: قلت هذا الذى ذكره الشاشى حسن، فقد روينا فى صحيح البخارى عن أنس رضى الله عنه قال: كان غلام يهودى يخدم النبى ﷺ ، فمرض فأتاه النبى ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم فخرج النبى ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذى أنقذه من النار ". وروينا فى صحيحى البخارى ومسلم عن المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب رضى الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فقال: " يا عم، قل لا إله إلا الله. . . " وذكر الحديث بطوله. يقول النووى: فينبغى لعائد الذمى أن يرغبه فى الإسلام، ويبين له محاسنه، ويحثه عليه، ويحرضه على معالجته قبل أن يصير إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها. انتهى ما قاله النووى. وبناء عليه لا مانع من عيادة المريض غير المسلم، فليست مكروهة ولا محرمة يعاقب عليها، والأجر من الله يكون إذا جاء أمر بها، وعيادة الجار من ضمن حقوقه المأمور بها، وكذلك الوالدان، حيث الأمر موجود بمصاحبتهما بالمعروف ومنه عيادتهما، قال تعالى ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا﴾ لقمان: ١٥

стр. 4745

القردة وبنو إسرائيل المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال جاء فى القرآن الكريم أن الله مسخ بعض اليهود قردة، فهل كانت القرود موجودة قبلهم، وهل بقى من نسلهم شىء الآن؟ الجواب قال الله تعالى ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة:٦٥ تحذر الآية اليهود الموجودين حين نزل القرآن وكذلك من بعدهم أن يكفروا بالرسول ﷺ محرفين الكلم عن مواضعه، حتى لا يعاقبهم الله كما عاقب اليهود الذين خالفوا أمره حين نهاهم عن الصيد فى يوم السبت فتحايلوا واستباحوا الصيد، فكان عقابهم أن مسخهم الله قردة وخنازير وجعلهم خاسئين أى مبعدين محتقرين مغضوبا عليهم والمفسرون لهم رأيان فى معنى المسخ، هل هو مسخ مادى أو مسخ معنوى، بمعنى هل تحول الذين اعتدوا إلى قردة وخنازير تحولا حقيقيا، أو تحولت أخلاقهم فكانت مثل أخلاق القردة والخنازير وتحولوا من تكريمهم كآدميين إلى احتقارهم كقردة وخنازير؟ القلة من المفسرين قالوا بالمسخ المعنوى، جاء فى تفسير القرطبى "ج اص ٤٤٣ " أن هذا الرأى مروى عن مجاهد فى تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردت أفهامهم كأفهام القردة. ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم. والأكثرون قالوا بالمسخ المادى. والقائلون به اختلفوا، هل تناسل هؤلاء بعد المسخ أو لم يتناسلوا؟ يقول القرطبى "ج ١ ص ٤٤٠": اختلف العلماء فى الممسوخ هل ينسل على قولين، قال الزجاج: قال قوم يجوز أن تكون هذه القردة منهم، واختاره القاضى أبو بكر بن العربى، وقال الجمهور: الممسوخ لا ينسل -بضم السين وكسرها- وأن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك، والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل، لأنه قد أصابهم السخط والعذاب، فلم يكن لهم قرار فى الدنيا بعد ثلاثة أيام. قال ابن عباس: لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. قال ابن عطية: وروى عن النبى ﷺ ، وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. يقول القرطبى: هذا هو الصحيح من القولين. واستدل القائلون ببقاء الممسوخين وتناسلهم بما رواه مسلم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "فُقدت أمة من بنى إسرائيل لا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاة شربته " وبما رواه مسلم أيضا عن أبى سعيد وجابر أن النبى ﷺ جىء إليه بضب فأبى أن يأكل منه وقال "لا أدرى لعله من القرون التى مُسخت " ورد الجمهور ذلك بأن كلام الرسول كان ظنا وحدسا واحتياطا قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا، فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ. كما استدل الأولون بما روى من أن قِرْدَة فى الجاهلية زنت فاجتمع عليها قِرَدَة ورجموها، واشترك معها رجل فى رجمها، ورد الجمهور بأن هذه الرواية ليست فى صحيح البخارى بل فى تاريخه، ودسها البعض على الصحيح، وراويها مما لا يحتج به، ولو صح الخبر لكانوا من الجن لأنهم كالإنس مكلفون، ولا تكليف على البهائم حتى يقام عليها حد الزنا "الكلام على رد هذه الرواية مفصل فى تفسير القرطبى ج اص ٤٤٢ ". أما دليل الجمهور على رأيهم فهو ما رواه مسلم فى كتاب "القدر" أن النبى ﷺ سئل عن القردة والخنازير: هل هى مما مسخ؟ فقال "إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك " وهو نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود وأخرجه مسلم وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرة النبى ﷺ وعلى مائدته ولم ينكر. فدل ذلك على صحة ما اختاره القرطبى من القولين، وهو أن المسخ لا ينسل. هذا فى مسخ المعتدين من اليهود قردة وخنازير على الحقيقة، أما مسخ الأخلاق والمكانة فهى محل اتفاق. وإن كان ذلك لمن اعتدوا فى السبت فهل هو لغيرهم أيضا؟ يرجع فى الإجابة على ذلك إلى النصوص ووقائع التاريخ فى القديم والحديث

стр. 4746

التاريخ الدولى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل اليوم فى التشريع الإسلامى يبدأ من الليل أو من النهار؟ الجواب اليوم الكامل فى التاريخ عامة يتكون من ليل ونهار، وذلك فى الأماكن التى تشرق فيها الشمس وتغرب كل أربع وعشرين ساعة مرة. ويبدأ اليوم بغروب الشمس فى التشريع الإسلامى، فالليل سابق على النهار، ذلك لأن دخول الشهر القمرى يكون برؤية الهلال بعد غروب الشمس والمتبع فى عرف الناس هو العكس، فالنهار سابق على الليل. ذكر ذلك القرطبى "ج ٧ ص ٢٧٦" فى تفسير قوله تعالى ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ الأعراف: ٤٢ ا، حيث قال: دلت الآية على أن التاريخ يكون بالليالى دون الأيام، لأن الليالى أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضى الله عنهم تخبر عن الأيام، حتى روى عنها أنها كانت تقول: صمنا خمسا مع رسول الله ﷺ -والصوم يكون بالنهار لا بالليل - والعجم -أى غير العرب- تخالف فى ذلك فتحسب بالأيام لأن معولها على الشمس يقول ابن العربى: حساب الشمس للمنافع وحساب القمر للمناسك. انتهى. هذا، واليوم يطلق أحيانا على النهار، قال تعالى فى الريح التى أهلك بها عادا قوم هود ﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ الحاقة: ٧، يقول القرطبى "ج ٨ اص ٢٦٠: لأنها بدأت طلوع -أى بطلوع- الشمس من أول يوم وانقطعت غروب الشمس - أى بغروبها- من آخر يوم. وقد يعبر عن الأيام بالليالى كما قال تعالى فى شأن زكريا ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ آل عمران: ٤١، ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سويا﴾ مريم وقد يعبر عن النهار باليوم إذا أريد به ما يقابل الليل كما فى الآية السابقة فى سورة الحاقة. وللاصطلاح دخل كبير فى هذا الموضوع وقوله تعالى ﴿كل يوم هو فى شأن﴾ الرحمن: ٢٩، أى كل وقت والمراد الدوام

стр. 4747

اجتماع حدين المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال إذا ارتكب إنسان ذنبين كبيرين يستحق فيهما عقوبة الرجم والقذف، فهل تنفذ عليه عقوبة القذف ثم الرجم أم ماذا يفعل؟ الجواب قرر الإسلام عقوبات دنيوية على بعض الجرائم كالسرقة والزنا وشرب الخمر، وبعض هذه العقوبات يقضى على الحياة، كالقصاص فى القتل العمد، وكالرجم فى الزنا إذا وقع من المحصن وكالقتل للمرتد عن الدين. قال ﷺ " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزانى والقاتل والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخارى ومسلم، وبعض العقوبات لا يفضى إلى الموت كقطع اليد فى السرقة والجلد فى شرب الخمر وفى القذف وفى الزنا إذا وقع من غير المحصن [والمحصن هو الذى سبق له زواج] . فلو اجتمعت عقوبتان على إنسان، احداهما فيها قضاء على حياته والأخرى ليس فيها قضاء على حياته، فهل تنفذ العقوبتان، أو يكتفى بواحدة منهما؟ هناك رأيان للعلماء تحدثوا عنهما فى مثال، وهو الجمع بين الجلد والرجم، وذلك بناء على الأحاديث الواردة فيهما، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعى: يكتفى بأغلظ العقوبتين وهى الرجم، وأما أحمد بن حنبل فعنه روايتان، الأولى كرأى الأئمة الثلاثة وهو أظهر الروايتين، والثانية يجمع بين العقوبتين، فيجلد أولا ثم يرجم. دليل مذهب الجمهور أن النبى ﷺ رجم ماعزا والغامدية ولم يجلد واحدا منهما، كما رواه أحمد، وقال لأنيس الأسلمى "فإن اعترفت فارجمها" ولم يأمر بالجلد كما رواه الجماعة. أما الرواية الثانية عن أحمد فى الجمع بين العقوبتين، فدليلها ما رواه مسلم وغيره عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال "خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " وجاء عن على كرم الله وجهه أنه جلد امرأة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: أجلدها بكتاب الله وأرجمها بقول رسول الله ﷺ . وقال بهذا الرأى من التابعين الحسن البصرى، وقال به ابن حزم وإسحاق بن راهويه. ولكن الجمهرر ردوا على ذلك بأن عدم الجمع بين العقوبتين هو من رواية أبى هريرة وهو متأخر فى الإسلام فيكون ناسخا لما سبق من إقامة الحدين. ويؤكد ذلك أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما لم يجمعا فى خلافتهما بين الحدين ما دام فى أحدهما إزهاق الروح، وهو أكبر ما تتحقق به حكمة العقوبة من الزجر عن ارتكابها ومن الجبر بعدم العقوبة الأخروية عليها. وقد يفسر الجمع بببن العقوبتن بما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبى ﷺ فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم يعنى لم يعلم أولا أنه محصن فجلده، ولو علم أولا أنه محصن ربما لم يجلده بل يكتفى بالرجم. والرأى المختار هو الاكتفاء بأغلظ العقوبتين ولا داعى للجمع بينهما

стр. 4748

حيث "ادرءوا الحدود بالشبهات " المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن أية شبهة فى جريمة تسقط الحد؟ الجواب روى ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا" وروى الترمذى عن عائشة أن النبى ﷺ قال: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطىء فى العفو خير من أن يخطىء فى العقوبة" ذكر الترمذى أنه روى موقوفا وأن الوقف أصح، قال: وقد روى عن غير واحد من الصحابة رضى الله عنهم أنهم قالوا مثل ذلك. يقول الشوكانى "نيل الأوطارج ٧ ص ١١٠ ": حديث ابن ماجه ضعيف، وحديث الترمذى عن عائشة فى إسناده راو ضعيف، قال البخارى عنه: إنه منكر الحديث، وقال النسائى متروك. والحديث المرفوع عن على "ادرءوا الحدود بالشبهات " فيه راو منكر الحديث كما قال البخارى. وأصح ما فيه حديث سفيان الثورى عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال " ادرؤوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم " ورواه ابن حزم عن عمر موقوفا عليه، قال الحافظ: وإسناده صحيح. وانتهى الشوكانى إلى القول بأن حديث الباب وإن كان فيه مقال فقد شد من عضده ما ذكرناه فيصلح بعد ذلك للاحتجاج على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة، وقد أخرج البيهقى وعبد الرزاق عن عمر أنه عذر رجلا زنى فى الشام وادعى الجهل بتحريم الزنى، وكذا روى عنه وعن عثمان أنهما عذرا جارية زنت وهى أعجمية وادعت أنها لم تعلم التحريم

стр. 4749

دخول الكنائس المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للمسلم دخول الكنيسة الأثرية بغرض السياحة، وهل يجوز له حضور عقد زواج مسيحى فيها لمشاركته فى فرحه؟ الجواب أما دخول الكنيسة من أجل السياحة فلا يوجد ما يمنعه وقد أجاز بعض التابعين الصلاة فيها. كالشعبى وعطاء وابن سيرين. كما صلى فيها بعض الصحابة منهم أبو موسى الأشعرى. قال البخارى: كان ابن عباس رضى الله عنه يصلى فى بيعة، إلا بيعة فيها تماثيل. وقد كتب إلى عمر رضى الله عنه من نجران أنهم لم يجدوا مكانا أنظف ولا أجود من بيعة فكتب: انضحوها بماء وسدر وصلوا فيها. وعن الحنفية والشافعية القول بكراهة الصلاة فيها مطلقا. وعلى هذا فالدخول لغير الصلاة ليس محرما، ومنه شهود حفل زواج، أو تعزية فى ميت، والشرط الأساسى ألا يمارس المسلم شيئا من الطقوس المخالفة للدين. والأولى عدمه إلا للحاجة، كمجاملة صديق أو جار، أو دفع مكروه عنه

стр. 4750

الليالى المفضلة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هناك تفضيل بين ليلة الإسراء والمعراج، وليله القدر، وليلة النصف من شعبان؟ الجواب لكل ليلة من هذه الليالى قدرها، فليلة الإسراء لها فضل بإسراء الله برسوله فيها كما نصت عليه الآية، وليلة القدر كذلك لها فضل بنزول القرآن ورسالة النبى ﷺ . وذلك بنص الآية، أما ليلة النصف من شعبان فلها فضل باعتبار كونها من شهر شعبان وورود بعض الأحاديث فى الترغيب فى قيامها وإن كان أكثرها ضعيفا. وأما أفضلية بعض هذه الليالى على بعضها الآخر، فلتكن المفاضلة بين ما ثبت لها الفضل بطريق صحيح، وهما ليلة الإسراء وليلة القدر. وللعلماء كلام كثير فى هذه المفاضلة، وإن كان البعض قد جمع بين أقوالهم فى ذلك فقال: ليلة الإسراء أفضل من غيرها بالنسبة إلى الرسول ﷺ لما ناله فيها من الشرف العظيم الذى لم يكن لغيره من الأنبياء والرسل، وبيان هذا الشرف يطول. وليلة القدر أفضل بالنسبة للأمة الإسلامية، لأنه نرل فيها القرآن، ولأنها تعبد الله عبادة صحيحة على ضوئه، وجعلت لها مكانة مرموقة فى العالم كله، وإن كان للرسول فيها نصيب باختياره للرسالة فى هذه الليلة، لكن الرسالة شاركه فيها غيره من الرسل، وكما نزل عليه الوحى نزل على رسل غيره. أما ليلة الإسراء فلم يشاركه فيها أحد، فهى أفضل الليالى بالنسبة له، وأرجو ألا يكون ذلك مثار جدل لا طائل تحته. هذا، وقد أثار هذا السؤال ابن القيم فى كتابه "زاد المعاد ج ١ ص ١١ " ونقل عن ابن تيمية أن فضل ليلة الإسراء إن كان من أجل العبادة فيها لا أصل له، لأنها غير معينة لنا، ولم يشرع فيها عبادة بمناسبتها، أما ليلة القدر فشرفها مقرر، ولها عبادة بثواب عظيم. ثم ذكر أن ليلة الإسراء أفضل للنبى وليلة القدر أفضل لأمته، وأرشد إلى عدم الخوض فى هذه الأمور، كما تطرق إلى المفاضلة بين يوم الجمعة ويوم عرفة، وذكر كلاما كثيرا من أراده فليرجع إلى "زاد المعاد"

стр. 4751

دعاء الثوب الجديد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل هناك دعاء يدعو الإنسان به إذا لبس ثوبا جديدا؟ الجواب جاء فى كتاب "الأذكار " للنووى عن أبى سعيد الخدرى: كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوبا سماه باسمه -عمامة أو قميصا أو رداء- ثم يقول "اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسالك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له" حديث صحيح رواه أبو داود والنسائى، ورواه الترمذى وقال: حديث حسن. وروى الترمذى عن عمر رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأتجمل به في حياتى، ثم عمد إلى الثوب الذى أخلق فتصدق به كان فى حفظ الله وفى كنف الله عزوجل وفى سبييل الله حيا وميتا". وفى "الترغيب والترهيب " للحافظ المنذرى حديث رواه الحاكم وصححه جاء فيه "ومن لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذى كسانى هذا وألبسنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه "

стр. 4752

الزهد والغنى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كيف نوفق بين الدعوة إلى الزهد ودعاء الرسول بالغنى وما كان عليه بعض الصحابة من غنى؟ الجواب معنى الزهد فى كلمة بسيطة: عدم امتلاك حب الدنيا للقلب امتلاكا يشغل الإنسان عن واجباته، حتى لا يكون كما عبر الحديث الذى رواه البخارى "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة". والزهد بهذا المعنى لا ينافى أن يكون الإنسان عظيم الثروة وافر المال مع معرفته بحق الله عليه، وحق الفقراء وغيرهم فى ماله، كما فى الحديث الذى رواه أحمد: "نعم المال الصالح للعبد الصالح ". لقد كان أبو بكر رضى الله عنه من كبار الأغنياء، وأنفق أكثر أمواله فى سبيل الدعوة، وفيه قال النبى ﷺ كما رواه الترمذى "ما نفعنى مال أحد ما نفعنى مال أبى بكر". وعثمان بن عفان رضى الله عنه جهز غزوة العسرة"تبوك " من ماله، وسر النبى ﷺ بما قدمه وقال "ما ضر عثمان ما يفعل بعد هذا اليوم، غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة ". وتبرع عثمان أيضا بتجارته للفقراء عام القحط ولم يستجب لإغراء التجار له بالربح الوفير، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أنفق كثيرا وقال له النبى ﷺ "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " إلى غير ذلك من النماذج الغنية التى لم يقل الرسول عنها إنها غير زاهدة فى الدنيا، بل أثنى عليها خيرا. فالزهد ليس مقياسه أو مظهره الفقر، فقد يكون الرجل فقيرا لكنه حريص شره جاد فى طلب الدنيا وإن لم ينل منها ما يريد. وللإمام القشيرى فى رسالته "ص ٩٣" كلام كثير فى معناه ومظاهره فليرجع إليه من أراد التوسع، ومن هنا نعرف أن الزهد بمعناه الصحيح يدعو إليه الإسلام، وبدون ذلك يكون مذموما. كمن يؤثرون الفقر وهم قادرون على الغنى، وكمن لا يتمتعون بنعم الله وهى فى أيديهم، فالله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده، وذلك فى تواضع وشكر

стр. 4753

تعلم السحر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل من الحديث ما يقال: "تعلموا السحر ولا تعملوا به " وهل يتفق هذا مع قوله تعالى: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ البقرة: ١٠٢؟ الجواب لم أعثر على حديث بهذا اللفظ، وليكن معلوما أن العلم بالسحر غير العمل به، وقد جاء فى حديث الصحيحين أن السحر من السبع الموبقات، أى من الكبائر فهل المقصود هو العمل به أو العلم رأى جماعة أن المحرم هو العمل به مطلقا فى الضر والنفع سدا للذريعة، ورأى آخرون جواز العمل به فى النفع، قال القرطبى فى تفسيره: واختلفوا،هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور؟ فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخارى، وإليه مال المزنى، وكرهه الحسن البصرى، وقال الشعبى: لا بأس بالنُّشرة، قال ابن بطال: وفى كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسى، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حُبس عن أهله، هكذا جاء فى تفسير القرطبى ونقله عنه ابن حجر الهيتمى فى كتابه "الزواجر" ولم يعترض عليه. ومهما يكن من شىء فإن أية وسيلة تنتج خيرا ولا تنتج شرا وليس هناك نص قاطع يمنعها ولا تصادم أصلا مقررا تكون مشروعة والنهى عن السحر شديد، لأنهم كانوا يعتقدون أنه مؤثر بنفسه بعيدا عنه إرادة الله تعالى، وذلك هو الكفر الذى من أجله حرمه الإسلام وجاء فيه قوله تعالى: ﴿وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله﴾ البقرة: ١٠٢، هذا هو حكم العمل به. أما تعلم السحر فرأى جماعة منعه مطلقا وروى فيه ابن مردويه حديثا بسند فيه ضعف وابن حبان فى صحيحه أن النبى ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات والزكاة، وكان فيه بيان لأكبر الكبائر، ومنها تعلم السحر، وذلك لأن تعلمه سيجره إلى العمل به وسيغريه بإيقاع الضرر بالناس، لكن جاء فى"الزواجر" لابن حجر ج ٢ ص ١٠٣ قال الفخر: واتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى: ﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ الزمر: ٩. ولو لم يعلم السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتض أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا، وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا؟ ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتى حتى يعلم ما يقتل منه وما لا يقتل فيفتى به فى وجوب القصاص. انتهى. وابن حجر لم يوافق على رأى الفخر الرازى الذى نقله عنه، وقرر أن تعلمه حرام، وتجب التوبة منه، ويرجع إلى الزواجر لمعرفة وجهة نظره، وإن كنت أختار رأى الفخر الرازى على حد قول القائل: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يلاقيه

стр. 4754

شروط استجابة الدعاء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال إذا كان رب العزة قال ﴿ادعونى أستجب لكم﴾ فلماذا أدعو كثيرا ولا يستجيب دعائى؟ الجواب أمرنا الله بالدعاء ووعد بالإجابة فقال سبحانه ﴿وقالى ربكم ادعونى استجب لكم﴾ غافر: ٦٠، وذكر القرآن الكريم أن بعض الناس دعوا ربهم فاستجاب لهم كقوله ﴿وأيوب إذ نادى ربه أن مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ الأنبياء: ٨٣، ٨٤ وقوله ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ الأنبياء: ٨٩، ٩٠ وكقوله فى غزوة بدر ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ الأنفال: ٩. إذا كان هذا كلام الله وهو صادق فى الاستجابة لمن يدعوه، فما هو السر فى أن بعض الناس يدعون ولا يستجاب لهم؟ والجواب أن الطبيب إذا وصف دواء قد يكون مركبا من عدة مواد، ولا يكتفى بذلك بل يبين للمريض كيفية الاستعمال بتحديد المواعيد وتحديد ما يتناول من طعام وما يمتنع عنه، ولو نفذ المريض كل ذلك كان هناك أمل كبير فى الشفاء، وبخاصة إذا كان الطبيب مختصا وثقة المريض به قوية. لقد ذكر الله حوادث فى استجابة الدعاء من مثل أيوب وزكريا وذى النون، ولكن ذكر عقب ذلك مباشرة لماذا كان دعاؤهم وسيلة لكشف ما بهم من ضر وتحقيق ما يرجون من خير فقال ﴿إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ لأنبياء: ٩٠. لابد من امتثال أوامر الله كلها من عبادات وغيرها، مع إقبال النفس عليها والحب لها، ولابد من يكون الدعاء خالصا صادرا من أعماق النفس، مع استشعار عظمة الله ولطفه ورحمته، ومع خوفه العظيم أن يرسه خائبا، وأن يكون ذهنه حاضرا غير شارد، مركزًا غير مشتت، ومن تمام المسارعة فى الخيرات البعد عن الحرام، فالحرام من أخطر العوائق التى تحول دون استجابة الدعاء، وقد صح فى الحديث "أن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام فأنى يستجاب له " رواه مسلم وكان من وصية الرسول ﷺ لسعد بن أبى وقاص أن يطيب مطعمه ليستجيب الله دعاءه كما رواه الطبرانى. وإذا كان الداعى على هذه الصفة المطلوبة ولم يستجب له حالا بما دعا إليه، فلا يقل: دعوت فلم يستجب لى، فالحديث يقول "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لى" رواه البخارى ومسلم، وإذا تأخرت الاستجابة بالمطلوب فقد تكون الاستجابة ببديل خير منه، وقد تدخر ليوم القيامة وذلك أفضل من متعة الدنيا الزائلة، فقد روى أحمد والبزار. وأبو يعلى بأسانيد جيدة عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له فى الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذا نكثر، قال "الله أكثر" وروى أحمد والترمذى وقال حسن صحيح قريبا من ذلك. هذا، وقد وجه سؤال إلى الصوفى إبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فأخبرهم أنهم قصروا فى طاعة الله وارتكبوا معاصيه. وذكر أمثلة لذلك، وكلها وغيرها يدل على أن الداعى لابد أن يرضى الله أولا حتى يكافئه الله بقبول دعائه، وأن يكون قوى الإيمان والرجاء والثقة فى استجابة الدعاء، وألا يشك فى وعد الله، بل الأولى أن يشك فى نفسه هو، هل أدى الواجب لله أم لا؟ والموضوع مبسوط فى كتب الحديث والأخلاق يرجع إليها من يريد الاستزادة

стр. 4755

التمايل عند ذكر الله المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمايلون كما يتمايل الزرع كلما سمعوا ذكر الله تعالى؟ الجواب يقول الله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آيأته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾ الأنفال: ٢٠. ذكر القرطبى عند تفسير هذه الآية أن وجل القلوب خوف من الله، وفيه أيضا اطمئنان عند ذكر الله كما قال تعالى ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ الزمر: ٢٧، وليس منه ما يفعله الجهال والأرذال من الزعيق والزئير والنهاق. ثم ذكر حديث الترمذى: وعظنا الرسول ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. . . ولم يقل العرباض بن سارية راوى الحديث: زعقنا ولا رقصنا. . . والإمام الغزالى فى "الإحياء" تحدث عن الوجد والتأثر بالقرآن وذكر الله، ولذلك مظاهر: إما بكاء وإما تشنج وإما غير ذلك، وذكر أن الرسول ﷺ قال "شيبتنى هو وأخواتها" رواه الترمذى وحسَّنه. وذكر حديث بكاء الرسول ﷺ عندما قرأ عليه ابن مسعود ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ النساء: ٤١. ثم ذكر بعض نقول عن وجْدِ الصحابة والتابعين عند سماع القرآن، فمنهم من صعق، ومنهم من غشى عليه، ومنهم من مات، وكلها أخبار بدون سند يعتمد عليه. ولكن يمكن أن تحدث، فالطبيعة البشرية تتأثر بأشياء كثيرة، وبعض الشعوب الآن أو بعض الأفراد عندما يسمعون شعرا أو كلاما أو غناء أو موسيقى يتحركون حركات مختلفة، إما بهز الرءوس أو تمايل الجسم أو الرقص أو غير ذلك، فلا مانع أن يكون بعض الصحابة وغيرهم قد تحرك جسمه عند سماع آيات من القرآن تؤثر بقوة على وجدانه وأعصابه "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " وعند قشعريرة الجلد يظهر أثر على الأعصاب والعضلات بأية حركة. ومع ذلك فالإسلام لا يقر شيئا يتنافى مع الآداب والرجولة والكرامة، كما لا يقر الرياء عند ذكر الله وعند الطاعة بوجه عام

стр. 4756

صبغ الشعر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للرجل أن يصبغ شعره إذا ابيض، وهل يجوز للمرأة ذلك أيضا؟ الجواب فى حديث عن النبى ﷺ " "من كان له شعر فليكرمه " رواه أبو داود وتشهد له أحاديث أخرى، وصححه بعضهم، ووجوه الإكرام متعددة، وهو للرجل والمرأة، كل بما يليق به. كالترجيل والتمشيط والادهان ومنه تلوينه لإخفاء شيبه. وقد تكلم العلماء قديما فى صبغ الشعر باللون الأسود، فمنعه الأكثرون، ولكن أدلتهم منصبة على الرجال، أو على حالة التدليس كالمرأه العجوز التى تريد أن تظهر شابة، ليرغب فى زواجها، أما المتزوجة التى يعلم ذلك زوجها فلا بأس بصبغ شعرها بما يروق لها، وله، بل إن ابن الجوزى أجازه للرجال، وما ورد من النهى عنه فمحمول على الإغراء والتهاون فى الطاعة التى ينبغى للشيخ أن يكثر منها استعدادا للقاء ربه. قال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسى الحنبلى المتوفى فى ٢ من رجب سنة ٧٦٢ هـ وتلميذ ابن تيمية، فى كتابه "الآداب الشرعية والمنح المرعية": مذهب الحنابلة يُسَن تغيير الشيب، وفيه حديث الصحيحين "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " ويستحب بحناء وكتم، لفعل النبى ﷺ كما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد ثقات، ولفعل أبى بكر وعمر متفق عليهما، ويكره بالسواد نص عليه أحمد قيل له: يكره الخصاب بالسواد؟ قال: إى والله لقول النبى ﷺ عن والد أبى بكر "وجنبوه السواد" رواه مسلم والسبب - كما صرح به بعضهم -أن الشيخ الهرم إذا خضب شعره بالسواد يكون مُثْلة، ورخص فيه إسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها، ولا يكره للحرب، وعند الشافعية: يستحب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة ويحرم بالسواد على الأصح عندهم. انتهى. ومما ورد فى النهى عن الصبغ بالسواد -إلى جانب حادثة والد أبى بكر- "يكون فى أخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة" رواه أبو داود والنسائى بإسناد جيد. والموضوع مستوفى فى الجز الثالث من موسوعة "الأسرة تحت رعاية الإسلام " ص ٣١٨-٣٢٤-٣٤٣-٣٤٦"

стр. 4757

العمامة والعذبة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن لبس العمامة سنة، وكذلك إرخاء العذبة بين الكتفين؟ الجواب العمامة وهى غطاء الرأس يترك لكل جماعة ما يناسبهم مراعين فى ذلك الأجواء والظروف المختلفة، ولا يلتزم لون ولا شكل معين، وكانت العمامة عادة العرب لوقايتهم من الحر، وقد لبسها النبى ﷺ كما اعتاد قومه، وأكثر ما ورد عنه فيها حكاية لأحواله، أما ما ورد من الأقوال فى التزامها فأكثره لا يصلح حجة فى ثبوت الأحكام ومنه ما روى عن عبد الله بن عمر مرفوعا"عليكم بالعمائم، فإنها سيما الملائكة وأرخوها خلف ظهوركم " (غذاء الألباب للسفارينى ج ٢ ص ٢٠٥) . ومنه أيضا ما رواه الترمذى عن ركانة "إن فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس " (المواهب ج١ ص ٣٢٧) وما رواه ابن عدى عن على "ايتو المساجد حسرا ومعممين، فإن العمائم تيجان المسلمين " (الجامع الصغير) وما رواه ابن عدى والبيهقى عن أسامة بن عمير "اعتموا تزدادوا حلما والعمائم تيجان العرب (الجامع الصغير) وما رواه ابن الطيالسى وابن أبى شيبة وأحمد بن منيع عن على أن النبى ﷺ عممه يوم "غدير خم " وقال "إن العمامة حاجزة بين الكفر والإيمان " وفى رواية "حاجزة بين المسلمين والمشركين " (المطالب العالية ج٢ ٢٥٧، ٢٥٨) وذلك ضمن حديث "أن الله أمدنى يوم بدر وحنين بملائكة يعتمون بهذه العمة، إن العمامة حاجزة بين الكفر والإيمان " وما رواه الطبرانى عن أبى الدرداء "إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة" وكلها أحاديث ضعيفة. لقد جعل ابن الحاج لبس العمامة من المباحات، لأن ذلك فعل للنبى ﷺ لم يظهر فيه معنى القربة، بل يظهر معنى العادة والطبيعة كالأكل والشرب واللباس، وفيه خلاف فى التأسى به فيه " وجاء فى زاد المعاد (ج١،ص٣٤) : أن النبى ﷺ كان له عمامة تسمى السحاب، كساها عليا، وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة، وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوه، وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه كما رواه مسلم فى صحيحه عن عمرو بن حريث. وليس للعمامة لون خاص، ففي زاد المعاد (ج٣ ص١٨٣) أن النبى ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، وأنه لم يلبس السواد لباسًا راتبًا ولا كان شعاره فى الأعياد والجمع والمجامع العظام ألبتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر للصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض. وقد اعتم العباسيون بالسواد حدادًا على داعيتهم إبراهيم الذى قتله مروان آخر ملوك بنى أمية، وأول من لبسه منهم عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس كما ذكره السيوطى فى أوائله (غذاء الألباب ج ٢ ص ١٤٧) . والذؤابة، وهى طرف العمامة، ارخاؤها عادة لا تعبد، روى الترمذى (زاد المعاد ج١ ص٣٤) أن النبى لما رأى ربه فى المنام وسأله يا محمد: فيم اختصم الملأ الأعلى؟ فقال "لا أدرى" فوضع يده بين كتفيه فعلم ما بين السماء والأرض. . . فمن تكلم الغدوة أرخى النبى الذؤابة بين كتفيه، قال النووى: إن إسبال طرف العمامة مباح، ذكره فى شرح المهذب، وما ورد من أمر النبى ﷺ لعبد الرحمن بن عوف بإرخائه عندما وجهه لسرية لا يعد تشريعا عامًا، وإسناده ليس بقوى، فقد رواه أبو يعلى والبزار والطبرانى. وقيل: إنه حسن -ولم يرد نهى عن العمامة بغير ذؤابة. جاء فى زاد المعاد (ج١ ص٣٤) : روى مسلم عن عمرو بن حريث قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه، وفى مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ولم يذكر فى حديث جابر "ذؤابة" فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه، وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه،فلبس في كل موطن ما يناسبه. والعمامة النبوية قماش كان يلفه على رأسه، وكان يثبتها بالتحنيك، أي لف طرفها تحت الحنك، وحمل توصية عمر بذلك على وقت الحرب لتثبيتها. ومن العجب أن الكمال بن الهمام من أئمة الحنفية قال فى "المسايرة" من استقبح من آخر جعل العمامة تحت حلقه كفر، ولم يرتض هذا المنصفون من أهل العلم. وهذا الكلام ملخص من كلام طويل فى غذاء الألباب للسفارينى (ج٢ ص ٢٠٥) وأشار إليه ابن هشام فى السيرة النبوية (ج٢ ص ٣٦٢) ونيل الأوطار للشوكانى "ج ٢ ص ١١١ ". وفى بلوغ الأرب للآلوسى (ج٣ ص ٤٠٨) قيل لأعرابي إنك تكثر لبس العمامة، قال إن شيئا فيه السمع والبصر لجدير أن يوقى من القر- البرد- وقال فيها أبو الأسود الدؤلى: خيمة فى الحر ومكنة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار فى الندى، وواقية من الأحداث وزيادة فى القامة، وهى من عادات العرب "انظر ابن حجر فى العمامة"

стр. 4758

جبر عظم الإنسان بعظم نجس المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال لو كسر عظم من الإنسان ولم نجد إلا عظم حيوان نجس فهل يصح جبره به؟ الجواب جاء فى مجموع النووى: إذا انكسر عظم الإنسان ينبغى أن يجبر بعظم طاهر، قال أصحابنا: ولا يجوز أن يجبره بنجس مع قدرته على طاهر يقوم مقامه، فإن جبره بنجس نظر، إن كان محتاجا إلى الجبر ولم يجد طاهرا يقوم مقامه فهو معذور، وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرا يقوم مقامه أثم ووجب نزعه إن لم يخف منه تلف نفسه ولا تلف عضو ولم يوجد أحد الأعذار المذكورة فى التيمم، فإن لم يفعل أجبره السلطان، ولا تصح صلاته معه ولا يعذر بالألم إذا لم يخف منه سوءا، وسواء اكتسى العظم لحما أم لا، هذا هو المذهب، وهناك قول: أنه إذا اكتسى العظم لحما لا ينزع وإن لم يخف الهلاك، حكاه الرافعى ومال إليه إمام الحرمين والغزالى، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك. وإن خاف من النزع هلاك النفس أو عضو أو فوات عضو لم يجب النزع على الصحيح من الوجهين. ثم قال: فى مداواة الجرحى بدواء نجس وخياطته بخيط نجس كالوصل بعظم نجس. وقال ابن قدامة فى المغنى: وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات لم ينزع إن كان طاهرا، وإن كان نجسا فأمكن إزالته من غير مُثلة أزيل، لأنه نجاسة مقدور على إزالتها من غير مضرة"ج ١ ص ٧٣٣". يؤخذ من هذا أن جبر العظم بعظم نجس لا يجوز إلا عند الضرورة، وإن لم توجد ضرورة وجب نزعه إلا إذا خاف من نزعه تلف نفس أو عضو أو فوات منفعة عضو، فإنه لا ينزع "الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص ٣٧١٠"

стр. 4759

العمل بالكنيسة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز للمسلم أن يشترك فى بناء كنيسة أو فى خدمتها؟ الجواب فى فقه الحنفية: لو آجر الإنسان نفسه لبناء كنيسة أو عمل شيء تعلق بعمارتها فالإجارة صحيحة، لأن ذلك من جنس الأعمال المباحة، وفى فتاوى قاضيخان: وكذا لو بنى بالأجر بيعة أو كنيسة لليهود والنصارى طاب الأجر. وعندهم أن الفراش الذى يخدم الكنيسة يستحق الأجر ما دام أصل العمل مباحا وأما دق الناقوس للصلاة فلا يجوز. وإن كان من توابع الخدمة فى الكنيسة حمل الخمر، فإن لم يكن الحمل بنية أن يعصى بشربها مسلم كانت الإجارة صحيحة، وطاب له الأخر عند أبى حنيفة خلافا لصاحبيه قال الكسائى فى "بدائع الصنائع " ج ٤ ص١٩٠: ومن استأجر حمالا يحمل له الخمر فله الأجر فى قول أبى حنيفة، وعندهما-أى صاحبيه محمد وأبى يوسف -يكره، لهما- أى دليلهما - أن هذه إجارة على المعصية، لأن حمل الخمر معصية، لأنه إعانة على المعصية، وقد قال الله "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " ولهذا لعن الله عشرة، منهم حاملها والمحمولة إليه، ولأبي حنيفة أى دليله - أن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ليس بسبب للمعصية وهو الشرب، لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار، وليس الحمل من ضرورات الشرب فكان سببا محضا، فلا حكم له كعصر العنب وقطفه، والحديث محمول على الحمل بنية الشرب، وبه نقول: إن ذلك معصية ويكره أكل أجرته. يؤخذ من هذا أن أجير الكنيسة إذا كان قد تعاقد معهم على أخذ الأجرة فى نظير تعاطيه عملية الفراشة ودق الناقوس فالإجارة فاسدة، وأكل الأجرة مكروه، لأنه تعاقد معهم على عمل اقترن بمعصية وهى دق الناقوس، وينبغى له أن يترك هذا العمل ويبحث عن مرتزق أخر "مجلة الإسلام -المجلد الرابع -العدد الثالث "

стр. 4760

القصص والشعر الخيالى المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يعمد بعض الكتاب إلا تأليف قصة خيالية، وكذلك بعض الشعراء لهم عبارات خيالية، فهل يدخل هذا فى ضمن الكذب غير المطابق للواقع؟ الجواب لا بأس بكتابه قصص خيالى أو شعر خيالى إذا كان يستهدف خيرا، ويتفادى به شرا، وذلك كالقصص على لسان الحيوانات فى كتاب "كليلة ودمنة". فالمقياس هو عدم تكذيب شىء ثابت، وبخاصة مقررات الدين، وعدم الوصول به إلى غرض سيئ أو ترتب نتيجة سيئة عليه، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار

стр. 4761

تحول التوائم إلى قطط المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يقول بعض الناس إن المرأة إذا ولدت توأما فإن أرواح الولدين تتحول بالليل إلى قطط. فهل هذا صحيح؟ الجواب الغالب فى النساء أن تلد المرأة مولودا واحدا فى كل حمل تحمله، وقَلَّ أو ندر أن تلد اثنين فى حمل واحد، ويطلق عليهما اسم التوأم أو التوأمان، وليست لهما خاصة مميزة عن غيرهما من سائر المولودين، فقانون الحياة واحد فى الجميع، وكل الناس مخلوقون بقدرة الله تعالى من أب وأم من الإنس والبشر وليسوا من عالم أخر. ويبدو أن الغرابة فى ولادة التوأمين حملت بعض الناس على إلصاق الغرائب بهما، وذلك شأن كل غريب يبالغ فى الاهتمام به، وهذا الاهتمام قد يكون مشوبا بالعمل على حمايتهما وعدم التعرض لهما بسوء، وقد يكون مشوبا بالرحمة والعطف أحيانا، ومن هنا يختلف أسلوب الوالدين فى رعايتها، وفى ظل هذه الأفكار والأساليب ظهرت مقولة أن التوأمين ينقلبان بعد أربعين يوما إلى هيئة قطط تسرح بالليل في الشوارع والبيوت ومن الغريب أن يقال ذلك والتوأمان نائمان موجودان فى المهد، ولكن ما يزال اعتقاد بعض الناس أن أرواحهما إن لم تكن في أجسادهما تحل فى قطط، ومن هنا يحذر الناس أن يؤذوا هذه الحيوانات لأنها من جنس بنى آدم فى صورة قطط. واستغل الدجالون هذه الخرافة وزعموا أنهم يستطيعون أن يحرسوا التوائم فلا تخرج بالليل على هيئة حيوانات، ويعملون ما يعملون من أحجبة وتعاويذ يبتزون بها أموال البسطاء. بل قد تستغل أم التوأمين هذه الفرصة لستجدى الناس بعض المال لرعايتهما. وكل هذه الاعتقادات وما تجر إليه لا يوافق عليه الدين أبدا، بل ولا تقبله العقول السليمة، وفى التاريخ توائم عاشت عيشة طبيعية كسائر الناس، بل كان لبعضهم شأن كبير فى ميدان من الميادين المختلفة، والواجب علينا أن نقاوم هذه الخرافات عن طريق التوعية الصحيحة وفى هدى الإسلام متسع لمن أراد أن يتعلم ويعلِّم

стр. 4762

رفض الصلح المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين في شخص أساء إلىَّ، وعندما أردت مصالحته ومددت يدى لأصافحه رفض وقال: لن أسلم عليك لو جاءنى النبى أو شيخك؟ الجواب الهجران بين المسلمين لغير غرض شرعى ممنوع، والحديث صريح فى ذلك "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام " رواه البخارى ومسلم. وحذَر النبى ﷺ من رفض الصلح فقال "ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض " رواه الحاكم عن أبى هريرة بسند فيه مقال، ورواه الطبرانى عن عائشة بلفظ "ومن اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد على الحوض ". والخطورة فى هذا السؤال هي مع رفض الصلح، فى قول الرافض: لا أقبل السلام لو جاءنى النبى أو شيخك، ففيه استهانة بمقام الرسول ﵊، ولو قبل أن يرفض توسط الرسول فى الصلح فأخشى أن يحكم عليه بما حكم به على من يقول: أكون يهوديا أو نصرانيا إن كنت فعلت هذا الشىء، فقد قال العلماء: لو كان مستعدا للدخول فى غير الإسلام عند حصول المعلق عليه كان مرتدا من وقت قوله هذا، أما إذا لم يكن مستعدا لذلك ولكنه يريد تأكيد الرفض فقد ارتكب إثما عظيما. فأرجو الصفح والعفو وقبول الصلح وضبط الأعصاب حتى لا يكون تورط فى مثل هذه الكلمات

стр. 4763

تمنى المحرمات المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى تمنى المحرمات وتخيلها، حيث يوسوس الشيطان للإنسان ويجعله يتخيل أشياء محرمة؟ الجواب للنفس حركات منها الخاطر والهاجس وحديث النفس والهم والعزم. وقد صح الحديث بأن من همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، ومن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب سيئة، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. والعزم هو الهم المصمم المقارب للتنفيذ وقد صح الحديث بالمؤاخذة عليه إذا كان فى سيئة، وجاء ذلك فى حديث المسلمين اللذين يلتقيان بسيفهما، وأن المقتول سيدخل النار أيضا كالقاتل، لأنه كان حريصا على قتل صاحبه. والحركات النفسية التى قبل مرحلتى الهم والعزم لا مؤاخذة عليها، لأنها تعرض لكل الناس تقريبا، والمؤاخذة عليها تكليف بما لا يطاق، وقد صح فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم ". وبناء عليه نقول للسائل: إن تمنى المحرمات وتخيلها إن لم يصل إلى درجة الهم والعزم فلا مؤاخذة عليه. وأضع أمامه قول الله تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ فصلت: ٣٦، وعليك أن تقطع التفكير فى السوء الذى تتشوف إليه نفسك وتتمناه، فقد يجر ذلك إلى أخذ خطوة لتنفيذه بالهم أو العزم

стр. 4764

مم خلق الحيوان المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال خلق الله الإنسان من طين والملائكة من نور والجن من نار، فمن أى شىء خلق الحيوان؟ الجواب لا يوجد نص قاطع عن المادة التى خلق منها الحيوان، وما يقال هو آراء للعلماء، ومما قيل إن الحيوان خلق مما خلق منه الإنسان وهو الأرض وهما يشتركان فى صفات كثيرة. وعندما عرَف رجال المنطق والفلسفة الإنسان قالوا: إنه حيوان ناطق، أى زاد على الحيوان بأن له عقلا كرمه الله به ليسود كل ما خلق الله له فى الأرض. وكانت الخلائق التى تعيش فى الأرض مخلوقة قبل آدم، ومما خلقت منه أخذ الله قطعة سواها آدم، ثم أهبطه من الجنة ليكون خليفة فى الأرض التى خلق منها. فالحيوانات خلقت من الأرض كآدم، وتعامل معها بكل أنواع التعامل التى يفيد منها لتقارب الطبائع

стр. 4765

التشفى بالموت والمصائب المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال توفى لنا زميل فى حادثة ففرح أحد الزملاء وقال: الحمد لله، قد انتقم منه الله، لأنه حرمنى من علاوة بدون وجه حق، فهل هذا القول جائز؟ الجواب لا شك أن الموت من أعظم ما يقع بالمؤمنين من الابتلاء له ولمن يتركهم بعده، وعند المصائب يجب الاعتبار والاتعاظ، والرحمة الإنسانية تحمل على الحزن بل والبكاء مهما كانت معاملة الميت، لقد قام النبى ﷺ لجنازة، ولما قيل له: إنها ليهودى قال "أليست نفسا"؟ رواه البخارى ومسلم. وليعلم كل إنسان أن التشفى بالموت ليس خلقا إنسانيا ولا دينيا، فكما مات غيره سيموت هو، وهل يسر الإنسان إذا قيل له: إن فلانا يسعده أن تموت؟ والنبى- ﷺ قال "لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك "رواه الترمذى وحسَّنه. إن الشماتة بالمصائب التي تقع للغير تتنافى مع الرحمة التى يفترض أنها تسود بين المسلمين والنبى ﷺ -على الرغم من إيذاء أهل الطائف له - لم يشأ أن يدعو عليهم بالهلاك وقد خيره جبريل فى ذلك، ولكن قال فى نبل وسمو خلق "لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا" ثم تسامى فى النبل والكرم فدعا لهم بالهداية والمغفرة. ولما منع ثمامة بن أثال عن قريش إمدادهم بالطعام، وقد كانوا فى قحط، لم يظهر الرسول بهم شماتة ولم يفرح لما أصابهم، بل أمر بإمدادهم بما كان معتادا، عندما ناشدوه الله والرحم وسألوه بأخلاقه السمحة المعهودة فيه. وقد قال فى صفات المنافقين "وإذا خاصم فجز ومن الفجور الشماتة. إن الشماتة بالغير خلق الكافرين والمنافقين الذين قال الله فيهم ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم. وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا﴾ آل عمران: ١٢٠، ألا فليعلم الشامتون بغيرهم أن الأيام دول والشاعر الحكيم يقول: فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا قال الله تعالى عندما شمت الكافرون بالمسلمين فى غزوة أحد ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ آل عمران: ١٤٠
следующие страницы →