Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
تحول التوائم إلى قطط
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس إن المرأة إذا ولدت توأما فإن أرواح الولدين تتحول بالليل إلى قطط. فهل هذا صحيح؟
الجواب
الغالب فى النساء أن تلد المرأة مولودا واحدا فى كل حمل تحمله، وقَلَّ أو ندر أن تلد اثنين فى حمل واحد، ويطلق عليهما اسم التوأم أو التوأمان، وليست لهما خاصة مميزة عن غيرهما من سائر المولودين، فقانون الحياة واحد فى الجميع، وكل الناس مخلوقون بقدرة الله تعالى من أب وأم من الإنس والبشر وليسوا من عالم أخر.
ويبدو أن الغرابة فى ولادة التوأمين حملت بعض الناس على إلصاق الغرائب بهما، وذلك شأن كل غريب يبالغ فى الاهتمام به، وهذا الاهتمام قد يكون مشوبا بالعمل على حمايتهما وعدم التعرض لهما بسوء، وقد يكون مشوبا بالرحمة والعطف أحيانا، ومن هنا يختلف أسلوب الوالدين فى رعايتها، وفى ظل هذه الأفكار والأساليب ظهرت مقولة أن التوأمين ينقلبان بعد أربعين يوما إلى هيئة قطط تسرح بالليل في الشوارع والبيوت ومن الغريب أن يقال ذلك والتوأمان نائمان موجودان فى المهد، ولكن ما يزال اعتقاد بعض الناس أن أرواحهما إن لم تكن في أجسادهما تحل فى قطط، ومن هنا يحذر الناس أن يؤذوا هذه الحيوانات لأنها من جنس بنى آدم فى صورة قطط.
واستغل الدجالون هذه الخرافة وزعموا أنهم يستطيعون أن يحرسوا التوائم فلا تخرج بالليل على هيئة حيوانات، ويعملون ما يعملون من أحجبة وتعاويذ يبتزون بها أموال البسطاء. بل قد تستغل أم التوأمين هذه الفرصة لستجدى الناس بعض المال لرعايتهما.
وكل هذه الاعتقادات وما تجر إليه لا يوافق عليه الدين أبدا، بل ولا تقبله العقول السليمة، وفى التاريخ توائم عاشت عيشة طبيعية كسائر الناس، بل كان لبعضهم شأن كبير فى ميدان من الميادين المختلفة، والواجب علينا أن نقاوم هذه الخرافات عن طريق التوعية الصحيحة وفى هدى الإسلام متسع لمن أراد أن يتعلم ويعلِّم
стр. 4762
رفض الصلح
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين في شخص أساء إلىَّ، وعندما أردت مصالحته ومددت يدى لأصافحه رفض وقال: لن أسلم عليك لو جاءنى النبى أو شيخك؟
الجواب
الهجران بين المسلمين لغير غرض شرعى ممنوع، والحديث صريح فى ذلك "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام " رواه البخارى ومسلم.
وحذَر النبى ﷺ من رفض الصلح فقال "ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض " رواه الحاكم عن أبى هريرة بسند فيه مقال، ورواه الطبرانى عن عائشة بلفظ "ومن اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد على الحوض ". والخطورة فى هذا السؤال هي مع رفض الصلح، فى قول الرافض: لا أقبل السلام لو جاءنى النبى أو شيخك، ففيه استهانة بمقام الرسول ﵊، ولو قبل أن يرفض توسط الرسول فى الصلح فأخشى أن يحكم عليه بما حكم به على من يقول: أكون يهوديا أو نصرانيا إن كنت فعلت هذا الشىء، فقد قال العلماء: لو كان مستعدا للدخول فى غير الإسلام عند حصول المعلق عليه كان مرتدا من وقت قوله هذا، أما إذا لم يكن مستعدا لذلك ولكنه يريد تأكيد الرفض فقد ارتكب إثما عظيما.
فأرجو الصفح والعفو وقبول الصلح وضبط الأعصاب حتى لا يكون تورط فى مثل هذه الكلمات
стр. 4763
تمنى المحرمات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تمنى المحرمات وتخيلها، حيث يوسوس الشيطان للإنسان ويجعله يتخيل أشياء محرمة؟
الجواب
للنفس حركات منها الخاطر والهاجس وحديث النفس والهم والعزم. وقد صح الحديث بأن من همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، ومن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب سيئة، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
والعزم هو الهم المصمم المقارب للتنفيذ وقد صح الحديث بالمؤاخذة عليه إذا كان فى سيئة، وجاء ذلك فى حديث المسلمين اللذين يلتقيان بسيفهما، وأن المقتول سيدخل النار أيضا كالقاتل، لأنه كان حريصا على قتل صاحبه.
والحركات النفسية التى قبل مرحلتى الهم والعزم لا مؤاخذة عليها، لأنها تعرض لكل الناس تقريبا، والمؤاخذة عليها تكليف بما لا يطاق، وقد صح فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم ".
وبناء عليه نقول للسائل: إن تمنى المحرمات وتخيلها إن لم يصل إلى درجة الهم والعزم فلا مؤاخذة عليه. وأضع أمامه قول الله تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ فصلت: ٣٦، وعليك أن تقطع التفكير فى السوء الذى تتشوف إليه نفسك وتتمناه، فقد يجر ذلك إلى أخذ خطوة لتنفيذه بالهم أو العزم
стр. 4764
مم خلق الحيوان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
خلق الله الإنسان من طين والملائكة من نور والجن من نار، فمن أى شىء خلق الحيوان؟
الجواب
لا يوجد نص قاطع عن المادة التى خلق منها الحيوان، وما يقال هو آراء للعلماء، ومما قيل إن الحيوان خلق مما خلق منه الإنسان وهو الأرض وهما يشتركان فى صفات كثيرة.
وعندما عرَف رجال المنطق والفلسفة الإنسان قالوا: إنه حيوان ناطق، أى زاد على الحيوان بأن له عقلا كرمه الله به ليسود كل ما خلق الله له فى الأرض.
وكانت الخلائق التى تعيش فى الأرض مخلوقة قبل آدم، ومما خلقت منه أخذ الله قطعة سواها آدم، ثم أهبطه من الجنة ليكون خليفة فى الأرض التى خلق منها.
فالحيوانات خلقت من الأرض كآدم، وتعامل معها بكل أنواع التعامل التى يفيد منها لتقارب الطبائع
стр. 4765
التشفى بالموت والمصائب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
توفى لنا زميل فى حادثة ففرح أحد الزملاء وقال:
الحمد لله، قد انتقم منه الله، لأنه حرمنى من علاوة بدون وجه حق، فهل هذا القول جائز؟
الجواب
لا شك أن الموت من أعظم ما يقع بالمؤمنين من الابتلاء له ولمن يتركهم بعده، وعند المصائب يجب الاعتبار والاتعاظ، والرحمة الإنسانية تحمل على الحزن بل والبكاء مهما كانت معاملة الميت، لقد قام النبى ﷺ لجنازة، ولما قيل له: إنها ليهودى قال "أليست نفسا"؟ رواه البخارى ومسلم.
وليعلم كل إنسان أن التشفى بالموت ليس خلقا إنسانيا ولا دينيا، فكما مات غيره سيموت هو، وهل يسر الإنسان إذا قيل له: إن فلانا يسعده أن تموت؟ والنبى- ﷺ قال "لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك "رواه الترمذى وحسَّنه.
إن الشماتة بالمصائب التي تقع للغير تتنافى مع الرحمة التى يفترض أنها تسود بين المسلمين والنبى ﷺ -على الرغم من إيذاء أهل الطائف له - لم يشأ أن يدعو عليهم بالهلاك وقد خيره جبريل فى ذلك، ولكن قال فى نبل وسمو خلق "لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا" ثم تسامى فى النبل والكرم فدعا لهم بالهداية والمغفرة.
ولما منع ثمامة بن أثال عن قريش إمدادهم بالطعام، وقد كانوا فى قحط، لم يظهر الرسول بهم شماتة ولم يفرح لما أصابهم، بل أمر بإمدادهم بما كان معتادا، عندما ناشدوه الله والرحم وسألوه بأخلاقه السمحة المعهودة فيه. وقد قال فى صفات المنافقين "وإذا خاصم فجز ومن الفجور الشماتة.
إن الشماتة بالغير خلق الكافرين والمنافقين الذين قال الله فيهم ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم. وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا﴾ آل عمران: ١٢٠، ألا فليعلم الشامتون بغيرهم أن الأيام دول والشاعر الحكيم يقول:
فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا قال الله تعالى عندما شمت الكافرون بالمسلمين فى غزوة أحد ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ آل عمران: ١٤٠
стр. 4766
أنواع النفس أو صفاتها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى القرآن أوصاف متعددة للنفس،فهل هى نفس واحدة أو عدة أنفس؟
الجواب
للنفس إطلاقات كثيرة، فقد تنطلق على الذات وعلى الدم كما يقول الفقهاء "وما لا نفس له سائلة إذا وقع فى الإناء ومات فيه فإنه لا ينجسه " وتطلق على غير ذلك، والذى يهمنا هو إطلاقها على اللطيفة الربانية التى هى الأصل الجامع لقوتى الغضب والشهوة فى الإنسان كما يقول أهل التصوف: لابد من مجاهدة النفس وكسرها، وكما يعبر عنه القول المشهور- وهو ليس بحديث - أعدى أعدائك نفسك التى بين جنبيك وقد يراد بالنفس ذات الإنسان وحقيقته، وهى على كل حال من أعظم الدلائل على قدرة الله فى خلقتها وأسرارها قال تعالى فى قسمه بها، وهو لا يقسم إلا بالعظيم الخطير ﴿ونفس وما سواها.
فألهمها فجورها وتقواها. قد افلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ الشمس: ٧-١٠، أى من دنسها بالمعاصى.
إن هذه النفس توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها، فإذا سكنت لأمر الله ولم تعارضها الشهوات سميت النفس المطمئنة، قال تعالى ﴿يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعى إلى ربك راضية مرضية﴾ الفجر: ٢٧، ٢٨.
وإذا قبلت أمر الله ومع ذلك قامت بمدافعة الشهوات واعترضت عليها سميت النفس اللوامة، لأنها تلوم صاحبها عند التقصير فى الطاعة، قال تعالى ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ القيامة: ٢، فإن أذعنت للشهوات ولم تعترض عليها وأطاعت الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء قال تعالى ﴿وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى﴾ يوسف: ٥٣.
فأحسن أنواعها هى النفس المطمئنة، ثم النفس اللوامة التى يعبر عنها أحيانا بالضمير حين يحاسب الإنسان بعد الفعل وعندما يتربى يرشده إلى الخير قبل الفعل، ويحرسه فى أثنائه ويرضى عنه بعد انتهائه.
ومهما يكن من شىء فهى ليست نفوسا منفصلة، ولكنها نفس واحدة لها عدة أحوال، ويمكن بالتربية الدينية أن يتغلب الإنسان على شهواته التى تدفعه إلى السوء وأن يجعل ضميره حيا يقظا يأمره بالخير وينهاه عن الشر، وأن يتصاعد فى التربية العملية حتى إلى حالة أو مقام تكون نفسه فيه راضية مطمئنة، وللمزيد من المعلومات يرجع إلى "إحياء علوم الدين للغزالى" وإلى كتب الأخلاق والتصوف
стр. 4767
الدين والطب النفسى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نريد توضيح قوله تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ ؟
الجواب
إن غالب الأمراض النفسية يأتى من أفكار تتأثر بها أعصاب الإنسان وتتغير بها نظرته إلى الحياة، ويضطرب سلوكه بالتالى بوجه عام، وعلاج أى مرض يكون بعلاج أسبابه، وذلك بتصحيح الأفكار والعقائد، وقد صح فى الحديث المتفق عليه "ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب ".
فهو مستقر العقائد ومبعث الوجدان، والدين بعقائده وعباداته وأخلاقه علاج لكل الأمراض العقلية والنفسية بل والأمراض الجسدية، فهو يزيل الشك ويثبت اليقين، والتفقه فيه وممارسة مبادئه بصدق يمنع العقد النفسية، ويشفيها ويعالجها كما قال تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ الإسراء: ٨٢، وقال ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور﴾ يونس: ٥٧.
والعبادات وقراءه القرآن وذكر الله والدعاء من أنفع أنواع العلاج للأمراض النفسية إن لم تكن أنفعها على الإطلاق، فهى دواء الله العليم بأحوال النفوس، والرسول ﷺ كان إذا حزبة -أو حزنه -أمر فزع إلى الصلاة. رواه أحمد، وهو القائل "وجعلت قرة عينى فى الصلاة" رواه النسائى والطبرانى والحاكم وصححه وقال الحافظ: إسناده جيد.
وقد ورد فى السنة النبوية أدعية لتفريج الهم والكرب وإزالة الخوف والقلق وغيره من أمراض النفوس، مذكور كثير منها فى كتاب "زاد المعاد" لابن القيم، وكتاب "الأذكار للنووى".
وكل ذلك مع الإيمان بأن الله حكيم فى قوله وفعله، وان قضاءه نافذ لا راد له والواجب هو الرضا والصبر، وفى ذلك راحة نفسية وانتظار للفرج وتكفير للسيئات أو رفع للدرجات ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ البقرة: ١٥٣، ﴿وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ البقرة:١٥٥ -١٥٧
стр. 4768
الأصبع الزائدة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ولد لى ولد له إصبع فى يده زائدة وتركته حتى بلغ خمس سنوات فرأيت الصبيان يهزءون به من أجلها، فهل لو قطعتها يكون ذلك حراما؟
الجواب
يقول الله تعالى عن إبليس ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ النساء: ١١٩ تحدث علماء التفسير عن معنى هذه الآية وتطرقوا إلى الكلام عن الإصبع الزائدة وعن اللحية إذا نبتت للمرأة، وقال جماعة من الفقهاء: لا يجوز تغيير ذلك مطلقا لنص الآية، وقال آخرون بالجواز مستندين إلى أمرين: الأمر الأول أن معنى تغيير خلق الله لم يتفق عليه، فإن بعض المفسرين قالوا: المراد منه ما تدل عليه الآية ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ المائدة: ١٠٣ وعلى هذا فهى ليست نصا قاطعا فى الدلالة على التحريم، والأمر الثانى أن إزالة الإصبع أو السن الزائدة ليس المراد به تغيير خلق الله، بل المراد التحسين والتجميل لما خلق الله، وذلك غير حرام.
وإذا كان الحديث الشريف لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة ... وجاء فيه "المغيرات خلق الله " فإن اللعن يجوز أن يكون منصبا على التغرير والتدليس الذى يظهر به الشىء وقتا حسنا ثم يظهر قبيحا وقتا آخر، فيحصل به الغش، أو يراد به السوء والفتنة. وإذا انتفى ذلك فلا مانع.
والإصبع الزائدة لا شك أنها تؤذى صاحبها بدنيا أو نفسيا، وليس فى إزالتها تدليس ولا تغرير لأنها لا تنبت بعد ذلك، وهى ظاهرة مكشوفة للناس.
ثم قالوا لو أن إنسانا خلق وقلبه خارج صدره فهل يحرم إجراء عملية تعيد القلب إلى وضعه الطبيعى؟ أو لو خلق توأمان متصلان وأمكن فصلهما بدون ضرر على أحدهما هل يحرم ذلك؛ إنها حالات استثنائية ليس هناك ضرر من معالجتها، بل فى ذلك نفع وفائدة ومن هنا أختار الرأى القائل بإزالة الإصبع الزائدة، وقد نص على ذلك ابن حجر فى فتح البارى "ج ١٢ ص ٥٠٠"
стр. 4769
استثناءات فى الغيبة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل صحيح أن الفاسق المجاهر بفسقه يجوز أن يغتابه الناس ولا حرمة فى ذلك؟
الجواب
معروف أن الغيبة - وهى ذكرك أخاك بما يكره وإن كان فيه - محرمة، والنصوص فى ذلك كثيرة، إلا أن العلماء استثنوا من ذلك أمورا جعلها الغزالى ستة:
١ - التظلم عند شكوى الظالم إلى القاضى يذكر عيوبه التى أدت إلى ظلمه مثل خيانة الأمانة وأخذ الرشوة، وذلك لحديث "إن لصاحب الحق مقالا" رواه البخارى ومسلم وحديث "مطل الغنى ظلم " رواه البخارى ومسلم وحديث "لَىَّ الواجد يحل عقوبته وعرضه " رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه بإسناد صحيح. وحل العرض معناه الكلام عنه بما يكرهه.
٢- الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصى إلى منهج الصلاح، كما روى أن عمر رضى الله عنه مر على عثمان -وقيل على طلحة- رضى الله عنه فسلَّم فلم يرد السلام، فذكر ذلك لأبى بكر رضى الله عنه.
فأصلح الأمر، فذكر عمر لأبى بكر أن عثمان لم يرد ﵇ يكرهه عثمان، ولكن عمر أراد الإصلاح فتدخل أبو بكر لذلك، وكذلك لما بلغ عمر رضى الله عنه أن أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام، فكتب إليه أول سورة غافر فتاب ولم يَعُدَّ ذلك عمر ممن أبلغه غيبة، لأن القصد من ذلك النصح والإصلاح والأعمال بالنيات فإن قصد التشهير أو غير ذلك كان حراما.
٣- الاستفتاء كما يقول الإنسان للمفتى ظلمنى فلان فكيف الخلاص، قال الغزالى:
والأسلم التعريض بأن يقول: ما قولك فى رجل ظلمه أخوه، وإن كان التعيين مباحا بقدر الحاجة، دليله أن هند زوجة أبى سفيان شكت للنبى ﷺ أنه رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها وولدها، فهل تأخذ منه بغير علمه، فأذن لها النبى أن تأخذ بالمعروف، رواه البخارى ومسلم فلأن النبى لم يزجرها لا يعد ذلك غيبة.
٤- تحذير المسلم من الشر، كتحذير إنسان طيب من التردد أو التعامل مع فلان الشرير، وذلك للنصح، فلا يأثم بذكر مساوئ فلان بالقدر الضرورى، فإذا قصد الطعن أو التشفى أو الحسد كان حراما، فالأعمال بالنيات، ومثل ذلك الاستشارة فى الزواج وإيداع الأمانة، يقول النبى ﷺ "أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اهتكوه حتى يعرفه الناس، اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس " رواه الطبرانى وابن حبان فى الضعفاء، يقول الغزالى:
وكانوا يقولون: ثلاثة لا غيبة لهم، الإمام الجائر والمبتدع والمجاهر بفسقه.
٥- أن يكون الإنسان معروفا، بلقب يُعرب عن عيبه، كالأعرج والأعمش، فلا إثم على من يقول: قابلت الأعمش أو الأعرج إذا كان معروفا. لأن صاحبه لا يكره أن يذكر به لتعوده، وإن كان الأفضل التعبير عنه بعبارة أخرى يمكن أن يعرف بها، ولذلك يقال للأعمى:
البصير عدولا عن اسم النقص.
٦- أن يكون مجاهرا بالفسق كالمخنث ومدمن الخمر ولا يستنكف أن يذكر به، ففى الحديث "من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له " رواه ابن عدى وأبو الشيخ بسند ضعيف.
وقال عمر رضى الله عنه: ليس لفاجر حرمة، وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر "الإحياء ج ٣ ص ١٣٢ " الزواجر لابن حجر ج ٢ ص ١٥، الأذكار للنووى ص ٣٣٨" ويؤخذ من هذا أن حديث "لا غيبة لفاسق " حديث منكر أو ضعيف النسبة إلى النبى ﷺ وإن كان الحكم صحيحا على الوجه المذكور
стр. 4770
مجالس المنكر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لى صديق دعانى إلى حفل بمناسبة عيد زواجه فوجدت أنه يقدم خمرا لبعض الحاضرين، فماذا أصنع وأنا لو انسحبت يعد ذلك إساءة؟
الجواب
من المقرر فى الدين أن المسلم يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإذا رأى منكرا يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
والجالس مع جماعة فى حفل أو مأدبة وفيهم من يشرب الخمر أو يفعل أى منكر يجب عليه أولا أن يقوم بالتغيير بما يستطيعه من عمل أو قول، وذلك إذا كانوا مسلمين فالخمر حرام عليهم، فإن لم ينتهوا وجب الانسحاب من الحفل، ولا يكتفى بأن يقول: اللهم هذا منكر لا يرضيك ويستمر جالسا معهم، فذلك إقرار لهم على فعلهم، أو على الأقل تشجيع لهم حيث لم يجدوا من هذا الشخص إنكارا.
وقد قرر العلماء أن إجابة الدعوة لوليمة العرس واجبة، إلا إذا وجد منكرا، فلا يجب عليه أن يلبى الدعوة بل عليه أن ينصرف إن لم يستطع تغيير المنكر.
وقد روى أن عمر بن عبد العزيز أقام حد الشرب على رجل حضر مجلسا فيه خمر، وقالوا لعمر، إنه لم يشرب لأنه صائم، فقال: ابدءوا به فاجلدوه، أوما سمعتم قول الله تعالى ﴿وقد نَّزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾ النساء: ١٤٠.
يقول القرطبى فى تفسيره لهذه الآية "ج ٥ ص ٤١٨" فكل من جلس فى مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء، وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وجاء فى "كفاية الأخبار" فى فقه الشافعية "ج ٢ ص ٦": هناك وجه يجوِّز الحضور مع المنكر ولا يسمع بل ينكر بقلبه، كما لو كان بجواره منكر كطرب، فلا يلزمه التحول وإن بلغه الصوت، قال النووى: هذا الوجه غلط، وهو خطأ ولا يعتبر بجلالة صاحب " التنبيه " وغيره ممن ذكره فعلى الصحيح لو لم يعلم المنكر حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا فليخرج، فإن قعد حرم عليه القعود على الصحيح، فإن تعذر الخروج بأن كان فى ليل وهو يخاف قعد وهو كاره ولا يستمع، فإن استمع فهو عاص، ولا يجامل بالحضور، فإن المجاملة لا تكون على حساب الدين، لما دعت فاطمة بنت رسول الله أباها ووجد عندها قراما -سترا فيه صور- رجع مغضبا لم يجامل ابنته
стр. 4771
التقارير السرية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أعمل بوظيفة توجب علىَّ أن أعمل تقارير سرية عما يدور فى مكان العمل إلى الرؤساء فهل هذه نميمة؟
الجواب
النميمة هى نقل أخبار وأحوال بقصد الإفساد والإضرار بالمنقول عنه، ونيل مرغوب فيه ضد المنقول إليه، ومن المعلوم أن النميمة مذمومة وعقابها شديد، وفى الحديث "لا يدخل الجنة نمام " رواه البخارى ومسلم، أى لا يدخلها أصلا إن اعتقد أنها حلال، أو لا يدخلها قبل أن يعذب فى النار إن لم يتب منها، والرسول ﷺ نهى أن يبلِّغه أحد عن أصحابه شيئا مكروها، لأنه يحب أن يخرج إليهم وهو سليم الصدر. رواه أبو داود والترمذى. لكن إذا طُلب من الإنسان أن يرفع تقريرا عن العمل أو العامل بقصد الاطلاع وإصلاح العيوب فلا بد من وضع صورة صادقة عنه بدون تزيد ولا نقص، وبدون قصد الإضرار بالإنسان، وذلك كما كان النبى ﷺ يرسل الطلائع والسرايا لمعرفة أخبار العدو حتى يتخذ العدة لمقابلتهم، والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
وليكن معلوما أن التقارير السرية شهادة فلابد أن تكون صادقة وعادلة لا يؤثر عليها ترغيب ولا ترهيب، ويكفى قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ النساء: ١٣٥ وقوله ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ الأنعام: ١٥٢ وقوله ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار، ص: ٢٨ وقوله ﴿ولكلٍّ درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ الأحقاف: ١٩ وقوله ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾ النساء: ٧٧
стр. 4772
الهدنة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
متى يجوز عقد الهدنة مع الأعداء؟
الجواب
يقول الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم﴾ الأنفال: ٦١ ويقول ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ براءة: ١.
معلوم أن الإسلام دين السلام، ولم يشرع الحرب إلا للدفاع وتأمين طريق الدعوة، وحياة الرسول ﷺ كانت تطبيقا لمنهج الإسلام فى ذلك، يكره الحرب وينهى عن تمنى لقاء العدو، ويتمنى أن يعرض عليه المشركون خطة فيها إصلاح وعدم قتال، ورضى أن يعقد مع المشركين هدنة لوقف القتال ما دامت فى مصلحة المسلمين.
جاء فى المغنى لابن قدامة "ج ١٠ ص ٥١٧" فى معنى الهدنة أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض، وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة وذلك جائز -وذكر الآيتين السابقتين-وروى مروان ومسور بن مخرمة أن النبى ﷺ صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم حتى يقوى المسلمون. ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين -أى لمصلحتهم- إما أن يكون فيهم ضعف عن قتالهم وإما أن يطمع فى إسلامهم بهدنتهم أو فى أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة أو غير ذلك من المصالح.
إذا ثبت هذا فإنه لا تجوز المهادنة مطلقا من غير تقدير مدة، لأنه يفضى إلى ترك الجهاد بالكلية، ولا يجوز أن يشترط نقضها لمن شاء منهما، لأنه يفضى إلى ضد المقصود منها، وإن شرط الإمام لنفسه ذلك دونهم لم يجز أيضا، ذكره أبو بكر، لأنه ينافى مقتضى العقد، فلم يصح كما لو شرط ذلك فى البيع والنكاح.
وقال القاضى والشافعى: يصح، لأن النبى ﷺ صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى. ولا يصح هذا، فإنه عقد لازم فلا يجوز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمة، ولم يكن بين النبى ﷺ وبين أهل خيبر هدنة، فإنه فتحها عنوة، وإنما ساقاهم وقال لهم ذلك، وليس هذا بهدنة اتفاقا.
ثم قال ابن قدامة: ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة، لما ذكرنا، وقال القاضى: وظاهر كلام أحمد أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين، وهو اختيار أبى بكر ومذهب الشافعى، لأن قوله تعالى ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ عام خص منه مدة العشر، لمصالحة النبى ﷺ قريشا يوم الحديبية عشرا، ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم، فعلى هذا إن زاد المدة على عشر بطل فى الزيادة، وهل تبطل فى العشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة.
وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر، على ما يراه الإمام من المصلحة، وبهذا قال أبو حنيفة، لأنه عقد يجوز فى العشر، فجازت الزيادة عليها كعقد الإجارة، والعام مخصوص فى العشر لمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون فى الصلح أكثر منها فى الحرب.
ثم قال: وتجوز مهادنتهم على غير مال، لأن النبى ﷺ هادنهم يوم الحديبية على غير مال، ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم، فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى. وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعى، لأن فيه صغارا للمسلمين، وهذا محمول على غير حال الضرورة، فأما إن دعت إليه ضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر فيجوز، لأنه للأسير فداء نفسه بالمال فكذا هنا، ولأن بذله المال إن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل والأسر وسبى الذرية الذين يفضى سبيهم إلى كفرهم.
ثم تحدث عن مشروع صلح النبى ﷺ يوم الأحزاب مع عيينة بن حصن على ثلث تمر المدينة، ورفض سعد بن معاذ وسعد بن عبادة لذلك، لأنه مذلة لهم بعد أن أعزهم الله بالإسلام، ولما طلب الحارث ابن عمرو الغطفاني من النبى ﷺ نصف تمر المدينة، وإلا ملاها عليهم خيلا ورجلا، فقال له: حتى أشاور السعود، يعنى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وسعد بن زرارة، فشاورهم فرفضوا ما دام لم يكن ذلك أمرا من السماء ولا رأيا يحبه النبى وقالوا: ما كنا نعطيهم فى الجاهلية بسرة ولا تمرة إلا شراء أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟ وجاء فى تفسير القرطبى "ج ٨ ص ٤٠" أن المسلمين إذا كانوا على عز وقوة ومنعة وجماعة عديدة وشده فلا يطلبون الصلح مع الكفار لقوله تعالى ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم﴾ محمد:٣٥ كما قال القائل:
فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا * وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وإن كان للمسلمين مصلحة فى الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه.
ثم ذكر القرطبى أن القشيرى قال: إذا كانت القوة للمسلمين فينبغى ألا تبلغ الهدنة سنة، وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة، وقال الشافعى: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبى ﷺ عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهى منتقضة، وقال ابن حبيب عن مالك رضى الله عنه: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة ... وذكر القرطبى مشاورة النبى ﷺ للسعدين فى مشروع الصلح يوم الأحزاب على ثلث تمر المدينة، ورفضهما لذلك وقولهما أخيرا:
والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فسُر بذلك النبى ﷺ وقال "أنتم وذاك " وقال لعيبنة والحارث "انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف " وتناول سعد الصحيفة التى فيها مشروع الصلح وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فمحاها.
وفى هذا دلالة واضحة على أن المشروعات التى تنعكس آثارها على مجموع الأمة لا ينفرد بالموافقة عليها الحاكم، بل لابد من إشراك الشعب فيها، وهذه هى الشورى المعبرة بصدق عما يسمى فى العصر الحديث بالحكم الديمقراطى، حيث نزل الرسول على رأى ممثلى الشعب هنا كما نزل على رأيهم فى دخول المعركة فى بدر، وفى مواقع أخرى.
هذا، ويمكن استيفاء الموضوع فى كتاب زاد المعاد لابن القيم فى أحكام صلح الحديبية والفتاوى الإسلامية- المجلد العاشر ص ١-٣٦
стр. 4773
حكمة خلق الحشرات والوحوش
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا كانت الحشرات والوحوش ضارة للإنسان فلماذا خلقها الله سبحانه؟
الجواب
من صفات الله تعالى أنه حكيم عليم خبير، فهو سبحانه منزه عن العبث فى جميع تصرفاته، والعقل الإنسانى مهما كانت قوته محدود، فهو يجهل كثيرا من أسرار الخلق، بل وفيما كلف به من أعمال، قال تعالى ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ الإسراء: ٨٥ وقال ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ البقرة: ٢١٦ وقد أمرنا بالبحث والنظر فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء وشجع العلم فى كل مجالاته، وكرم العلماء ورفعهم درجات، وقد أدرك السابقون بعضا من حكم الخلق وما يزال العلم الحديث يكشف عن حكم وأسرار.
إن وجود الحشرات والحيوانات المتوحشة فيه حفظ للتوازن بين المخلوقات، وقد ذكر الجاحظ فى كتابه "حياة الحيوان" أن من العجيب فى قسمة الأرزاق أن الثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى ليأكلها، والأفعى تصيد العصفور لتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله ... إلى غير ذلك مما ذكره، كما أن وجودها فيه منافع تغيب عن أذهان الكثيرين، فإلى جانب منافعها الاقتصادية من جلود وعظام وشعر، وما تقوم به الحشرات من حمل اللقاح للنبات - هى جنود يسلط الله بعضها على بعض للقضاء عليها أو الحد من تكاثرها لفسح المجال للإنسان كما أنها جنود يعذب الله بها أقواما يعبدوه ولم يشكروا نعمته. ألم يقل الله فى عذاب قوم فرعون ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات﴾ الأعراف: ١٣٣ وألم نعلم أنه لولا السوس مثلا لادخرنا الحبوب ومنعناها عن غيرنا ممن يحتاجونها؟ جاء فى حياة الحيوان الكبرى للدميرى "مادة ذباب" أن أبا جعفر المنصور كان جالسا فألح على وجهه ذباب حتى أضجره فاستدعى عالما فجىء له بمقاتل بن سليمان "توفى سنة١٥٥ هـ " فسأله: لماذا خلق الله الذباب؟ فقال: ليذل به الجبابرة فسكت المنصور، وقال الدميرى فى مناقب الشافعى "توفى سنة ٢٠٤ هـ" إن المأمون سأله مثل هذا السؤال. فقال: مذلة للملوك.
فضحك المأمون وقال: رأيته وقد وقع على جسدى؟ فقال: نعم ولقد سألتنى عنه وما عندى جواب، فلما رأيته قد سقط منك بموضع لا يناله منك أحد فتح الله لى فيه الجواب، فقال: لله درك.
هكذا كان جواب العلماء فى حكمة خلق الذباب بما بدا لهم فى حينه، وصدق الله إذ يقول ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ الحج: ٧٣.
إن فى خلق كل شى حكمة وله فائدته، حتى إبليس نفسه، جعله الله عدوا مبينا لنا لنعبد الله بمجاهدته فنؤجر، ونستعيذ بالله منه فنثاب، ولولاه مع الغرائز ما كانت حركة الحياة، ولكنا ملائكة نمشى على الأرض فلا نستطيع تحقيق الخلافة فيها، فلنؤمن بأن الله حكيم فيما خلق وشرع ولنحاول أن نستفيد من خلقه بما يزيدنا إيمانا به
стр. 4774
الولاية بين المؤمن وغيره
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الولاية بين المؤمن وغيره من أهل الكتاب ومن المشركين؟
الجواب
يقول الله سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر﴾ آل عمران: ١١٨ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا﴾ النساء: ١٤٤ وقال ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير﴾ آل عمران: ٢٨ وقال ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ المجادلة: ٢٢ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ... ﴾ إلى أن قال ﴿ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ الممتحنة: ١.
تدل هذه الآيات على حرمة اتخاذ المسلم بطانة من غير المسلمين، وحرمة اتخاذهم أولياء، وحرمة موادتهم ومحبتهم، وبينت مبررات هذا الحكم، وتوعدت من يخالف ذلك بأنه ضل سواء السبيل.
وفى الوقت نفسه جاءت آية تجيز التعامل مع غير المسلمين كقوله تعالى ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ الممتحنة: ٨، ٩ إلى جانب نصوص وحوادث كان المسلمون فيها يتعاملون مع غيرهم.
وللتوفيق بين ذلك قال العلماء: إن المحرم المنهى عنه هو الحب القلبى والمودة للإعجاب بما عندهم من عقائد وتشريعات. وكذلك الموالاة والنصرة والثقة بهم والاطمئنان الكامل للتعامل معهم، لأن الإعجاب قد يؤدى إلى الكفر، ولأن الموالاة قد تؤدى إلى إفشاء الأسرار لهم أو إطلاعهم على أسرار المسلمين لاستغلالها لمصلحتهم والنهى عن هذين الأمرين يشمل الكفار الحربيين وغير الحربيين، أما التعامل الظاهرى الخالى من الإعجاب والموالاة فلا مانع منه لغير الحربيين من المعاهدين والذميين، ويمكن الرجوع إلى توضيح ذلك فى عنوان:
العلاقة بين المسلم وغيره.
والواجب على المسلمين هو الحذر والحيطة، وللظروف دخل فى ذلك، ويحمل على هذا ما ورد من قول الرسول ﷺ "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " رواه أبو داود، وقد نهى عمر رضى الله عنه عن استعمال غير المسلمين فى الكتابة والأمور الأخرى، وقوله فى ذلك لأبى موسى الأشعرى: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خوَّنهم الله. "يراجع تفسير القرطبى ج ٤ ص ٨٧٨" لتوضيح ذلك ويراجع غذاء الألباب للسفارينى ج ٢ ص ١٢ وما بعدها
стр. 4775
مسئولية الطبيب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم ما لو قام الطبيب بعلاج مريض أو بعملية جراحية توفى بسببها المريض أو ترتب عليها ضرر له هل يضمن أو لا؟
الجواب
روى أبو داود والنسائى وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ "من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن " يقول ابن القيم فى زاد المعاد "ج ٣ ص ١٠٩ "إن الطبيب الجاهل إذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض.
ثم يقول: الطبيب الحاذق الذى يعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبه -يعالجه - تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا، فإنها سراية مأذون فيه، ووضع قاعدة تقول: سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع.
والمتطبب الجاهل إن علم المريض أنه جاهل لا علم له وأذن له فى طبه لم يضمن وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له فى علاجه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده.
والطبيب الحاذق الذى أذن له المريض فى علاجه وأعطى الصنعة حقها لكن أخطأت يده فهذا يضمن، لأنها جناية خطأ.
والطبيب الحاذق الماهر بصناعته إذا اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ فى اجتهاده فقتله ضمن الدية، إما فى بيت المال وإما على عائلة الطبيب، أى أسرته [أو النقابة أو الرابطة التى ينتسب إليها] .
والطبيب الحاذق الذى أعطى الصنعة حقها فقطع جزءا من جسم المريض بغير إذنه يضمن، وإن كان بإذنه أو إذن وليه لا يضمن، وقيل: لا يضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل.
ثم تحدث ابن القيم عما يجب أن يراعيه الطبيب الحاذق وهو عشرون أمرا، نترك ذكرها ويمكن الرجوع إليها، وهى تتصل بواجبات المهنة، وهى قابلة للتغيير والتطور.
وجاء فى الفتاوى الإسلامية "ج ٧ ص ٢٤١٤" بعد عرض النصوص الفقهية فى كتب المذاهب المختلفة أن الفقهاء اتفقوا على أن الطبيب الذى يجرى جراحة لمريض ثم يترتب على إجرائها ضرر بالمريض لا يضمن إذا توفرت فيه الشروط الآتية:
١ -أن يكون ذا خبرة فى فنه وحذق فى صناعته، أى اختصاصيا، فإن لم يكن خبيرا ضمن بمجرد الفعل، بل ويعاقب على فعله، لأنه متعد، ومرتكب لمحرم شرعا ولو لم يقع منه خطأ فنى فى العمل.
٢ -أن يكون مأذونا من المريض أو ممن له ولاية عليه، ويقول ابن قدامة الحنبلى فى كتابه "المغنى" إذا كان الإذن عامًّا كإذن الإمام فى قطع يد السارق يعتبر فعله حلالا لا يضمن ما يترتب عليه من السراية.
٣- ألا يقع منه خطأ فنى فى العمل ولا إهمال فى الاحتياط لنجاح العملية وتلافى المضاعفات التى يحتمل حدوثها.
٤ -ألا يجاوز الطبيب الموضع المعتاد للجراحة إلى غيره ولا القدر المحدد لها إلى أكثر منه.
فإن تخلف شرط من هذه الشروط كان ضامنا "الشيخ أحمد هريدى ٢٢/ ٤/ ١٩٦٢ م " وجاء فى كتاب "التشريع الجنائى الإسلامى لعبد القادر عودة" ج ٢ ص ٥٢٢ خلاف العلماء فى سبب عدم المسئولية بين عدم قصد السوء، وإذن المريض وإذن الحاكم، وشروط عدم المسئولية كالتى ذكرها ابن القيم وقارن بين نظرة القوانين الوضعية فى ذلك وبين قواعد الشريعة، بما لا يخرج عما سبق ذكره
стр. 4776
رعاية ولد الزنا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا رأيت طفلا ملقى فى مكان مجهول هل أتركه أم آخذ٥؟
الجواب
يغلب أن تلقى المرأة بولدها إن كان من زنا فى شارع أو مكان ليموت بعيدا عنها أو يأخذه إنسان يربيه، ومعلوم أن الزنا من أكبر الفواحش والموبقات التى أجمعت الأديان على تحريمها، والذى يرتكب هذه الفاحشة عامدا متعمدا يكفر إن اعتقد أنها حلال، لأن حرمتها معلومة من الدين بالضرورة، ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع أما ارتكابها مع اعتقاد حرمتها فهو عصيان لا يخرج من الدين وعقوبتها الجلد مائة إن كان لم يسبق للزانى زواج أى غير محصن، والرجم إن سبق له زواج أى كان محصنا.
والذى يتحمل تبعة هذه الفاحشة هو من وقع فيها، أما الولد الناتج منها فلا مسئولية عليه، لأنه لا يد له فيها ولم يوجد بعد حتى يكلف، وهو إن أحسنت تربيته ربما نشأ مستقيما، وإن أهمل بأى نوع من الإهمال تعرض للموت أو الانحراف، شأن كل اللقطاء الذين لا يهتم بتربيتهم.
وإذا تخلص من ارتكب. هذه الفاحشة من ثمرة جريمته بإلقائه فى شارع أو مكان خال وجب التقاطه إن كان حيا، ووجب على المسلمين الذين تمثلهم السلطة أن يرعوا هؤلاء اللقطاء. ويحرم عليهم تركهم يتعرضون للموت أو الانحراف، فقد تكون منهم شخصيات بارزة تفيد منهم الإنسانية.
والدليل على وجوب حماية اللقيط أو المولود من زنى حادث المرأة الجهنية التى حملت من سفاح، وطلبت من النبى ﷺ أن يقيم عليها الحد وهى حامل فأرجأه حتى تضع الجنين، بل حتى ترضعه ويفطم ويستغنى عنها، كما رواه مسلم.
وقد قرر الفقهاء وجوب التقاطه بناء على قوله تعالى ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ المائدة: ٣٢ إلى جانب الأمر بعمل الخير فى قوله تعالى ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ الحج: ٧٧ والأمر بالتعاون على البر فى قوله تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ المائدة: ٢.
بل احتاط الإسلام فى رعاية هذا المنبوذ فاشترط الفقهاء فى لاقطه أو من يرعاه أن يكون صالحا لرعايته، أمينا رشيدا حسن السلوك، وقرروا له نفقة تكفى لرعايته رعاية حسنة، وحرموا رميه بأنه ابن زنا، فإنه لا ذنب له فى ذلك، وقرروا بناء على الحديث ضم ولد الملاعنة التى رماها زوجها بالزنا ونفى الولد عنه - إلى أمه، وذلك مظهر من مظاهر رعايته وعدم إهماله.
وجاء فى كتاب "كشف الغمة" للشعرانى ج ٢ ص ١٣٨: لما تلاعن هلال وزوجته قضى النبى ﷺ ألا يرمى ولدها -يعنى لا يقذف بأنه ابن زنا ومن رماه فعليه الحد. قال عكرمة: فكان الولد بعد ذلك أميرا على مصر-أى على بلد من البلاد- وما يدعى إلا لأمه.
"يراجع الجزء الرابع من موسوعة: الأسرة تحت رعاية الإسلام "
стр. 4777
صياح الديك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا فى بعض الأقوال أن الديك يسمع ملكا يؤذن فيصيح هو عند سماعه، وأن هناك تحت العرش ديكا يؤذن للصلاة، فهل هذا صحيح؟
الجواب
وردت عدة أحاديث حول الديك وصياحه ودلالته على أوقات الصلاة، وقد جاء فى كتاب "دفاع عن السنة" ص ١٤٦ أن كل الأحاديث فى ذلك موضوعة ما عدا حديثا واحدا، وإليك طائفة من هذه المرويات ذكرها الدميرى فى كتابه "حياة الحيوان الكبرى".
١ -روى عبد الحق بن نافع بإسناده إلى جابر بن أثوب - بسكون الثاء، وهو أثوب بن عتبة أن النبى ﷺ قال "الديك الأبيض خليلى" وإسناده لا يثبت، ورواه غيره بلفظ "الديك الأبيض صديقى وعدو الشيطان، يحرس صاحبه وسبع دور خلفه " وكان النبى ﷺ يقتنيه فى البيت والمسجد.
٢ - وفى التهذيب فى ترجمة "البزى" الراوى عن ابن كثير أن النبى ﷺ قال "الديك الأبيض الأفرق حبيبي وحبيب حبيبي جبريل، يحرس بيته وستة عشر بيتا من جيرانه " وهو حديث ضعيف.
٣- روى الشيخ محب الدين الطبرى أن النبى ﷺ كان له ديك أبيض، وكان الصحابة رضى الله عنهم يسافرون بالديكة لتعرفهم أوقات الصلاة.
٤ - فى الصحيحين - البخارى ومسلم - وسنن أبى داود والترمذى والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا".
قال القاضي عياض: سببه رجاء تأمين الملائكة على الدعاء واستغفارهم وشهادتهم له بالإخلاص والتضرع والابتهال، وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك بهم، وإنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير، لأن الشيطان يخاف من شره عند حضوره فينبغي أن يتعوذ منه. انتهى.
٥ - روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهنى ﵁ أن النبى ﷺ قال: "لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة" إسناده جيد، وفي لفظ "فإنه يدعو إلى الصلاة" قال الإمام الحليمي. فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب ويستهان به، بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان، وليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراحة: قد حانت الصلاة، بل معناه أن العادة قد جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال، فطره الله عليها فيتذكر الناس بصراخه الصلاة ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواه، إلا من جرب منه ما لا يختلف، فيصير ذلك له إشارة، والله أعلم. انتهى.
٦ - وروى الحاكم في المستدرك في أوائل كتاب الإيمان، والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال "إن الله أذن لى أن أحدث عن ديك رجلاه فى الأرض وعنقه مثنية تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك قال: فيرد عليه، ما يعلم ذلك من حلف بى كاذبا" وروى مثله أو قريبا منه الغريانى عن ثوبان عن الرسول، والطبرانى والبيهقى عن محمد بن المنكدر عن جابر رضى الله عنه عن النبي ﷺ وهو فى كامل ابن عدى فى ترجمة على بن أبي على اللهبى، قال: وهو يروى أحاديث منكرة عن جابر رضى الله عنه.
٧-وجاء فى معجم الطبرانى وتاريخ أصبهان وصف للديك وجناحيه الموشيين بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، وفى وصف صورة الديك جاء مثل ذلك فى قوت القلوب لأبى طالب المكى والإحياء للإمام الغزالى.
هذه بعض المرويات عن هذا الديك ذكرتها لتكون صورة عما يتخيله الرواة عنه، ولا يصح منها ولا يقبل إلا ما جاء من الأمر بالدعاء عند سماع صياحه لأنه رأى ملكا، ومن النهى عن سبه لأنه يوقظ للصلاة، وتقدم قول الحليمى فى ذلك، وكون الديك أو الحيوان يرى ملكا أو يحس به أمر ثابت من خبر أسيد بن حضير واضطراب فرسه عند قراءته للقرآن، لأنه رأى الملائكة كما قال النبي ﷺ وقد أكد العلم الحديث إحساس بعض الحيوانات والطيور بأشياء فى الكون لا يحس بها الإنسان.
وما وراء ذلك من وصف الديك أهو ملك، أو اقتناه النبى فليس بثابت ولا تهمنا معرفته
стр. 4778
قتل الضفدع وأكله
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى أكل الضفادع أو شرب حسائها وهل تذبح قبل الأكل أم تعامل معاملة الأسماك؟
الجواب
جاء فى كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميرى أنه يحرم أكل الضفادع، وذلك للنهى عن قتلها، فقد روى البيهقى فى سننه أن النبى ﷺ نهى عن قتل خمسة: النملة والنحلة والضفدع والصُّرَد والهدهد.
وروى أبو داود والنسائى والحاكم أن طبيبا سأل الرسول ﷺ عن ضفدع يجعلها فى دواء فنهاه عن قتلها، فدل ذلك على أن الضفادع يحرم أكلها، وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء
стр. 4779
الأكل من زرع الغير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى تناول الفقير بعض الثمار من حقل الغير ليشبع جوعه، دون أن يأخذ معه شيئا؟
الجواب
أخذ شىء من مال الغير بدون إذنه أو رضاه حرام، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به، واللقمة الحرام تمنع استجابة الدعاء، والتحذير من ذلك وردت فيه نصوص كثيرة.
والفقير الذى لا يجد ما يسد به جوعته يحق له أن يسأل الأغنياء ومن يملكون أن يعطوه ما يسد رمقه، والواجب عليهم إعطاؤه إن تأكدوا من حاجته، فإن قست القلوب وسدت الأبواب أمامه جاز له أن يأخذ من مال أى غنى-كثمرة من حقله أو لقمة من بيته -على قدر ما يسد به الرمق، وما زاد على ذلك فلا يجوز، فالضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها
стр. 4780
حضور حفلات بها خمر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى حضور الحفلات التى تنظمها الشركات والمؤسسات التى نعمل بها، مع عدم تناول الخمور التى تشم فى هذه الحفلات؟
الجواب
قال العلماء فى حضور الولائم والحفلات بمناسبة الزواج وغيره:
إذا وجد المدعو منكرا فى الحفل كشرب الخمر وجب عليه أن ينكره، لحديث مسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". فإن استجابوا له كان بها، وإلا وجب عليه أن يخرج من الحفل، فالخروج مظهر من مظاهر الإنكار بالقلب، أى كراهية هذا المنكر واحتقار مرتكبيه، فإن قعد معهم وهو كاره كان قعوده حراما على الرأى الصحيح، فإن تعذر خروجه بأن كان فى ليل وهو يخاف، أو لأى عذر آخر معقول، قعد وهو كاره دون أية مجاملة تدل على رضاه "شرح النووى على صحيح مسلم ج ٩ ص ٢٣٤ - ٢٣٦ والخطيب على أبى شجاع ج ٢ ص ٣٣٩ ".
وروى أبو داود أن النبى ﷺ قال "إذا عُملت الخطيئة فى الأرض كان من شهدها فكرهها -أو فأنكرها- كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها"
стр. 4781
الانتفاع بطابع البريد مرتين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى استخدام طابع البريد على الخطابات المرسلة ولصقها على خطاب آخر ما دامت غير مختومة؟
الجواب
إذا لم يبطل طابع البريد الملصق على الخطاب بخاتم أو غيره فلا يجوز الانتفاع به مرة ثانية لمصلحة الإنسان الذى عثر عليه ولا لمصلحة إنسان آخر، لأنه فى مقابل خدمة أدتها مصلحة البريد، وقد دفع مرسل الخطاب ثمن هذا الطابع للمصلحة وقامت المصلحة بإرساله، فلو استعمل فى إرسال خطاب آخر فقد كلف مصلحة البريد - أو هيئة البريد- خدمة من غير مقابل، فعليه أن يدفع للمصلحة ثمن الطابع، ولكن ما هى الوسيلة لذلك؟ هو حرّ فى اختيار الوسيلة. وقد رأى بعض ذوى الرأى أن هذا الطابع يمكن استعماله مرة أخرى فى مصلحة أو خدمة للدولة وليست له منفعة شخصية فيها، كالتصدق بثمنه على فقير، أو إرسال خطاب لطالب استشارة أو فتوى يقدمها مجانا بدون مقابل، وذلك من باب التعاون على البر ونشر العلم وقضاء مصالح المسلمين. وهو رأى لا بأس به
стр. 4782
بيعة الإمام
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فيما نقرؤه فى الكتب من أن من مات ولم يكن فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ومن مات ولم يعرف إمام عصره مات ميتة جاهلية؟
الجواب
روى مسلم أن النبى ﷺ قال "ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وفى رواية له "ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية" أى يموت على الضلالة كما يموت أهل الجاهلية عليها، لأنهم كانوا يستنكفون أن يدخلوا تحت طاعة أمير.
وحديث "من مات ولم يعرف إمام عصره مات ميتة جاهلية" المراد بالمعرفة هنا البيعة والدخول فى الطاعة وليس المراد معرفة اسمه، وإن كان من النادر أن يجهل اسم الإمام وقد ذكر هذا الحديث فى شرح المقاصد، "ج ٥ص ٢٣٩ ".
وجاء فى الجامع الكبير للسيوطى بلفظ "من مات وليست عليه طاعة مات ميتة جاهلية" رواه أحمد والطبرانى وبلفظ "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية" رواه الطبرانى وأبو نعيم فى الحلية
стр. 4783
مقاطعة العصاة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى مقاطعة الشخص غير المتعاون والمتكبر وتارك الصلاة، وهل يعتبر ذلك من الخصام والهجران؟
الجواب
إذا كان الحديث ينهى المسلم عن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فالمنهى عنه هو الهجر لأغراض شخصية لا دينية، أما إذا كان هناك غرض دينى من الهجر، كسوء السلوك أو خوف الضرر فلا حرمة فى المقاطعة، وقد صح أن الرسول والصحابة هجروا الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر خمسين يوما حتى تاب الله عليهم وقد قال الله تعالى ﴿وقد نزَّل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره﴾ النساء:
١٤٥.
وقد هجر النبى ﷺ زوجاته شهرا فى حادث التخيير كما هو معروف، حيث غضب منهن لطلب أمور دنيوية فأمره الله أن يخيرهن.
قال بعض العلماء: تجوز مقاطعة العاصين إن كانت المقاطعة تفيد فى رجوعهم عن عصيانهم، وأطلق بعضهم جواز المقاطعة، سواء أكان هناك رجاء فى استقامتهم أم لا، قال السفارينى فى كتابه "غذاء الألباب" ج ١ ص ٢٢: قال فى الآداب الكبرى: يُسن هجر من جهر بالمعاصى الفعلية والقولية والاعتقادية. وقيل يجب إن ارتدع به، وإلا كان مستحبا، وقيل يجب هجره مطلقا إلا من السلام بعد ثلاثة أيام، وقيل:
ترك السلام على من جهر بالمعاصى حتى يتوب فرض كفاية، ويكره لبقية الناس تركه. وظاهر كلام سيدنا الإمام أحمد رضى الله عنه ترك السلام والكلام مطلقا، وقال القاضى أبو حسين: ظاهر إطلاقه لا فرق بين المجاهر وغيره فى المبتدع والفاسق، فينبغى إن كنت متبعًا سنن من سلف أن كل من جاهر بمعاصى الله لا تعاضده ولا تساعده ولا تقاعده ولا تسلم عليه، بل اهجره
стр. 4784
مدح الإنسان نفسه
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
في بعض الأحيان يضطر الإنسان إلى التعريف بنفسه إذا وجد فى جماعة يجهلونه حتى يعرفوا له قدره، فيذكر مركزه العلمى وإنتاجه ونسبه وما إلى ذلك فهل هذا يجوز؟
الجواب
من أحسن من أجاب على هذا السؤال الإمام النووى فى كتابه "الأذكار" فقال فى ص ٢٧٦: قال الله تعالى ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ النجم: ٣٢ اعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان، مذموم ومحبوب، فالمذموم أن يذكره للافتخار وإظهار الارتفاع والتميز على الأقران وشبه ذلك. والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرا بالمعروف أو ناهيا عن منكر أو ناصحا أو مشيرا بمصلحة أو معلِّما أو مؤدبا أو واعظا ومذكرا أو مصلحا بين اثنين أو يدفع عن نفسه شرا أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه ناويا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره، أو أن هذا الكلام الذى أقوله لا تجدونه عند غيرى فاحتفظوا به، أو نحو ذلك.
وقد جاء فى هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص، كقول النبى ﷺ "أنا النبى لا كذب، أنا سيد ولد آدم، أنا أول من تنشق عنه الأرض، أنا أعلمكم بالله وأتقاكم، إنى أبيت عند ربى" وأشباهه كثيرة، وقال يوسف ﷺ ﴿اجعلني على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم﴾ يوسف: ٥٥ وقال شعيب ﷺ ﴿ستجدنى إن شاء الله من الصالحين﴾ القصص: ٢٧ وقال عثمان رضى الله عنه حين حصر ما رويناه فى صحيح البخارى أن قال:
ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال "من حفر بئر رُومة فله الجنة" فحفرتها فصدقوه بما قال: وروينا فى صحيحيهما عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقالوا: لا يحسن يصلى، فقال سعد: والله إنى لأول رجل من العرب رمى بسهم فى سبيل الله تعالى ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ... وذكر تمام الحديث. وروينا فى صحيح مسلم عن على رضى الله عنه قال: والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبى ﷺ إلى أنه لا يحبنى إلا مؤمن، ولا يبغضنى إلا منافق، ومعنى برأ: خلق، والنسمة: أى النفس، وفى البخارى ومسلم عن أبى وائل قال: خطبنا ابن مسعود رضى الله عنه فقال: والله لقد أخذت من فى رسول الله ﷺ -أى من فمه-بضعا وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنى من أعلمهم بكتاب الله تعالى وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدا أعلم منى لرحلت إليه، وفى صحيح مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن البدنة إذا أزحفت - وقفت من الإعياء- فقال: على الخبير سقطت، يعنى نفسه، وذكر تمام الحديث، ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر.، وكلها محمولة على ما ذكرنا
стр. 4785
سعد بن معاذ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لماذا اهتز عرش الرحمن لسعد بن معاذ؟
الجواب
اهتزاز عرش الرحمن على المعانى التى فسر بها هو تكريم له، لأنه أبلى بلاء حسنا فى غزوة الخندق، حيث خرج إلى العدو وهو ينشد:
لَبِّثْ قليلا يلحق الهيجا حَمَلْ * لا بأس بالموت إذا حان الأجل فأصابه سهم العدو فى ذراعه التى لم يغطها الدرع فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنى لها، فإنه لا قوم أحب إلىَّ أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لى شهادة ولا تمتنى حتى تقرعينى فى بنى قريظة وأمر له الرسول ﷺ بخيمة يعالج فيها، وقال الرسول عند استقباله "قوموا إلى سيدكم" وحكم فى بنى قريظة بقتل جنودهم وسبى ذراريهم فقال الرسول ﷺ "حكمت بحكم الملك " ولم تأخذه الرحمة وصلة الولاء أن يخفف عنهم.
ولما انفجر عِرْفُه احتضنه الرسول فجعل الدم يسيل عليه، وبكاه أبو بكر وعمر، ولما دفنه الرسول وانصرف جعلت دموعه تنزل على لحيته، ولما رأى أمه تندبه قال "كل نادبة كاذبة إلا نادبة سعد" ولما حملت جنازته قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه فى بنى قريظة، فقال ﷺ "إن الملائكة كانت تحمله ".
ذلك إلى جانب موقفه يوم بدر عندما استشار النبى ﷺ أصحابه فقال قولا عظيما يدل على حبه للرسول وعلى شجاعته وشوقه إلى الشهادة. هذا بعض من سيرة سعد ومقاماته وتكريم الله له
стр. 4786
القصاص من المسلم للكافر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لو قتل مسلم كافرا هل يقتص من المسلم ويقتل؟
الجواب
يقول الله سبحانه فى شأن اليهود والتوراة ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ المائدة: ٤٥ ويقول فى المسلمين ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ البقرة: ١٧٨.
فالقصاص فى القتل مشروع فى الإسلام وقبل الإسلام، مشروع بين أهل كل دين فيما بينهم، النفس اليهودية بالنفس اليهودية، والنفس المسلمة بالنفس المسلمة، أما إذا قتل مسلم شخصا غير مسلم فهل يقتص منه بالقتل؟ يقول النبى ﷺ فيما رواه البخارى وغيره عن على رضى الله عنه فى محتويات الصحيفة "لا يقتل مسلم بكافر" وفى رواية لأحمد والنسائى وأبى داود "ولا ذو عهد فى عهده" وروى أحمد وابن ماجه والترمذى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قضى ألا يقتل مسلم بكافر، وفى رواية ولا ذو عهد فى عهده. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان رضى الله عنه فلم يقتله، وغلَّظ عليه الدية، قال ابن حزم: هذا فى غاية الصحة، فلا صح عن أحد من الصحابة شىء غير هذا، إلا ما رويناه عن عمر أنه كتب فى مثل ذلك أن يقاد به، ثم ألحقه كتابا فقال: لا تقتلوه ولكن اعتقلوه "نيل الأوطار للشوكاني ج ٧ ص ١٠ " قال الشوكاني "ص ١١ " فيه دليل على أن المسلم لا يقتل بالكافر. أما الكافر الحربى فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر. أما الذمى فذهب الجمهور إليه، لصدق اسم الكافر عليه. وذهب الشعبى والنخعى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقتل المسلم بالذمى. وفى هذا الاستدلال مناقشة.
فرأى الجمهور أقوى بدليل ما ذكره الشافعى فى "الأم" أن النبى ﷺ قال ذلك فى خطبة يوم الفتح بسبب القتيل الذى قتلته خزاعة وكان له عهد، فقال النبى ﷺ "لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به " وقال "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده " فأشار بقوله "لا يقتل مسلم بكافر إلى تركه الاقتصاص من الخزاعى بالمعاهد الذى قتله، وبقوله "ولا ذو عهد بعهده" إلى النهى عن الإقدام على ما فعله القاتل المذكور، فيكون قوله "ولا فو عهد فى عهده" كلاما تاما لا يحتاج إلى تقدير.
ومما استدل به الحنفية قوله تعالى ﴿أن النفس بالنفس﴾ فهو حكم عام بين كل نفسين، ويرد عليه بأن هذا العموم الذى فى الآية مخصص بأحاديث الباب "عنوان الباب فى الكتاب".
ومن أدلتهم أيضا حديث أن النبى ﷺ قتل مسلما بمعاهد، وقال "أنا أكرم من وفى بذمته" ويرد عليه بأنه حديث مرسل، وفى سنده من هو ضعيف.
ومن أدلة الجمهور من القرآن قوله تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ النساء: ١٤١ وقوله ﴿لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ الحشر: ٢٠ وكذلك من أدلتهم من السنة عدم القصاص من المسلم الذى لطم اليهودى القائل: لا والذى اصطفى موسى على البشر رواه مسلم وحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه "وهو حديث فيه مقال، لكنه علقه البخارى فى صحيحة
стр. 4787
شبهات حول حد الردة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس إن حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" معارض للقرآن الذى لم يجعل للردة حدا فى الدنيا، بل جعل له عقوبة فى الآخرة، ولذلك لا يعمل بالحديث، وبخاصة أنه حديث آحاد والحدود لا تثبت إلا بالحديث المتواتر، كما أن هذا الحديث لو أخذ به يطبق على من بدَّل دينه من غير المسلمين، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
أجاب: هذا السؤال فيه ثلاث نقط:
١- أين معارضة الحديث للقرآن؟ الواقع أنه لا تعارض، لأن القرآن إذا قرر عقوبة أخروية على معصية فلا يمنع أن تكون هناك عقوبة دنيوية، فقد قرر عقوبة القتل العمد بمثل قوله ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ النساء:
٩٣ ومع ذلك قرر العقوبة فى الدنيا بالقصاص بمثل قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ البقرة: ١٧٨ وكذلك حرم السرقة لأنها ظلم وعقابه شديد فى الآخرة، فقال فى الغلول وهو صورة من السرقة ﴿ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ آل عمران: ١٦١ ومع ذلك قرر العقوبة فى الدنيا بقطع اليد، قال تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ المائدة: ٣٨ وكذلك حرم الزنا فى آيات كثيرة وقرر له عقوبة فى الدنيا وهى الجلد مائة وحرم القذف للمحصنات المؤمنات الغافلات المؤمنات، وقرر له عقوبة فى الدنيا وهى الجلد ثمانين.. .
وعقوبة الآخرة هى لمن مات ولم يتب، ومن التوبة إقامة الحد على الرأى بأن الحدود جوابر، فهل القرآن يعارض بعضه بعضا؟ وإذا كان قد قرر عقوبة المرتد فى قوله ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ البقرة: ٢١٧ وكل العقوبات الأخروية لم تأت بصيغة الحصر فذلك لا يمنع من العقوبات الدنيوية.
٢ -هل حديث الآحاد لا تثبت به الحدود؟ هذا خطأ، لأن العقائد هى التى لا تثبت بحديث الآحاد عند بعض العلماء، حيث إنها لا تفيد العلم القطعى، وإن قال الشافعى بأنها تفيد العلم القطعى، أما الأحكام العملية وفروع الشريعة فيؤخذ فيها بحديث الآحاد إذا كان صحيحا بأقسامه الثلاثة، الغريب والعزيز والمشهور، وكذلك إذا كان الحديث حسنا، ومن ذلك حد الرجم للزانى المحصن. فقد ثبت بالحديث غير المتواتر وهو ما رواه البخارى ومسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث، الثيب الزانى والقاتل والتارك لدينه المفارق للجماعة" وما رواه مسلم "خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
وثبت فى الصحيحين أن النبى ﷺ أمر برجم امرأة زنى بها العسيف لما أقرت، وأمر برجم رجل أقر بالزنا بعد استيضاحه، وأكد رجم المحصن عمر، وأجمع عليه المسلمون.
وكذلك حد شرب الخمر ثبت بالحديث الذى رواه مسلم عن على:
جلد رسول الله ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إلى.
يؤخذ من هذا أن بعض الحدود ثبت بالسنة غير المتواترة كما فى شرب الخمر، وكما فى رجم الزانى المحصن، وإن كان البعض قد قال:
إن رجم المحصن حديثه متواتر.
٣-إن حد الردة ثابت على المسلم الذى ترك الإسلام، وهذا شرعنا، ولا شأن لنا بشرع نسخه الإسلام، وكل إنسان غير مسلم لو ترك دينه وأسلم لا يؤاخذ بما حدث منه قبل الإسلام كما قال تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ الأنفال: ٢٨ ولا شأن لنا بمن انتقل من دين غير الإسلام إلى دين آخر غيره، فالكفر كله ملة واحدة، فلا تلازم بين المسلم المرتد، وغير المسلم التارك لدينه، وقياسه عليه قياس مع الفارق كما يقولون.
والخلاصة أن عدم النص فى القرآن على عقوبة دنيوية إلى جانب العقوبة الأخروية لا يلزم منه منع العقبة الدنيوية إذا ثبتت بطريق السنة الصحيحة متواترة كانت أو غير متواترة، وأن الحدود تثبت بالسنة غير المتواترة، وأن حد الردة هو للمسلم التارك للإسلام وليس لغيره من الأديان الاخرى
стр. 4788
إعراب كلمة كافة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل التعبير بمثل "يقول كافة العلماء كذا" خطأ؟
الجواب
قال النووى فى شرحه لصحيح مسلم "ج ١٣ ص ١٤٢" عند قول سيدنا على رضى الله عنه: "ما خصنا رسول الله ﷺ بشىء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان فى قراب سيفى هذا".
قال النووى: هكذا تستعمل "كافة" حالا. وأما ما يقع فى كثير من كتب المصنفين من استعمالها مضافة وبالتعريف كقولهم: هذا قول كافة العلماء، ومذهب الكافة - فهو خطأ معدود فى لحن العوام وتحريفهم
стр. 4789
الرفق بالحيوان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يزعم بعض رجال العصر أن الحضارة الغربية هى أول حضارة كونت جمعيات للرفق بالحيوان، فهل فى الإسلام ما يفند زعم هؤلاء؟
الجواب
من أعظم الصفات التى تميز بها النبى ﷺ صفة الرحمة، والنصوص فى ذلك كثيرة، ولذلك حرص عليها ودعا إليها وقال فيما قال "من لا يَرحم لا يُرحم " رواه البخارى ومسلم، وقال "لا تنزع الرحمة إلا من شقى" رواه الترمذى وقال: حسن صحيح.
ومن مظاهر رحمته الشاملة رحمته بالحيوان الأعجم، الذى سخره الله لخدمة الإنسان، فمن الواجب صيانة هذه النعمة حتى يدوم الانتفاع بها، بل إن رحمته شملت الحيوانات الأخرى التى لا تظهر فيها المنفعة المباشرة فى الأمور الأساسية للحياة، لأنها على كل حال مخلوقات تحس بما يحس به كل حيوان، ولهذه الرحمة ألوان ومظاهر، منها:
١ -عدم حبس الطعام عنها وتجويعها وعدم العناية بها، وجاء فى ذلك حديث البخارى ومسلم "عذبت امرأة فى هرة حبستها، لا هى أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض " وحديث أبى داود أنه ﷺ مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه، أى هزيل من الجوع، فقال "اتقوا الله فى هذه البهائم، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة".
٢- تيسير إطعامها والعناية بها، وقد أخبر ﷺ أن رجلا نزل بئرا فسقى كلبا يلهث من شدة العطش،فشكر الله له فغفر له ولما سأله الصحابة عن الأجر فى سقى البهائم قال "فى كل ذات كبد رطبة أجر" رواه البخارى. وفى حديث رواه مسلم "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" وكان ﷺ يصغى الإناء للهرة -أى يميله -حتى تشرب، ثم يتوضأ بما فضل منها كما رواه الدارقطنى عن عائشة، وقد يقال إن هناك تعارضا بين الترغيب في سقى الكلب والأمر بقتله، وقد تحدث عن ذلك ابن حجر فى فتح البارى "ج ٥/ ٥٢ " بأن قوله "فى كل ذات كبد رطبة أجر" مخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه، لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره، وكذا قال النووى: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه، واستدل به على طهارة سؤر الكلب، وهو ما يتبقى فى الإناء بعد شربه منه.
٣-عدم إلحاق ضرر بالحيوان أيَّا كان هذا الضرر، ومنه تحميله ما لا يطيق وإرهاقه فى السير، ففى مسلم وغيره قوله ﷺ "إذا سافرتم فى الخصب فأعطوا الإبل حظًّا من الأرض" وروى عن أبى الدرداء قوله لبعير له عند الموت: يا أيها البعير لا تخاصمنى عند ربك، فإنى لم أكن أحملك فوق طاقتك، وأخرج الطبرانى عن على قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم.
٤ -عدم اتخاذ الحيوان أداة للهو، كجعله غرضا للتسابق فى رميه بالسهام، ويشبهه ما يعرف اليوم بمصارعة الثيران، فقد مر عبد الله بن عمر رضى الله عنهما بفتيان من قريش نصبوا طيرا وهم يرمونه، وجعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبلهم، فقال لهم: إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه روح غرضا، رواه البخارى ومسلم.
٥ - الإحسان إلى الحيوان عند الذبح، وجاء فى ذلك حديث الطبرانى والحاكم وصححه: أن رجلا أضجع شاة ليذبحها وهو يحد شفرته، فقال ﷺ "أتريد أن تميتها موتات، هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها"؟ وفى حديث آخر "إن الله كتب الإحسان فى كل شىء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" رواه مسلم. يقول ربيعة الرأى:
من الإحسان ألا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها.
٦ - روى أبو داود أن النبى ﷺ كان فى سفر ومعه بعض أصحابه، فذهب لبعض شأنه، فأخذ جماعة منهم فرخين لطائر يسمى "قبَّرة" فجعلت تحوم وتعلو وتهبط لتخلص ولديها منهم، فلما رآها ﷺ قال "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولديها إليها".
تلك بعض المظاهر التى تدل على مدى رحمة الإسلام ونبى الإسلام بالحيوان، سبق به ما تنادوا به حديثا من وجوب الرفق بالحيوان، وهو دليل على أنه دين صالح لكل زمان ومكان يقوم بهذه الأعمال على أنها طاعة وقربة إلى الله يرجى عليها الأجر، وإذا كانت بعض الدول تحرص على الرفق بالحيوان كانجلترا التى تأسست بها جمعية لذلك سنة ١٨٢٩ م فأولى أن يكون عندها رفق بالإنسان الذى يستعبدونه بالاستعمار ومظاهره التى تتنافى مع الإنسانية التى كرم الله بها آدم وذريته
стр. 4790
قوس قزح
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من أين تتكون الألوان التى نراها فى القوس الذى يظهر فى الجو وقت المطر؟
الجواب
قوس قزح ظاهرة جوية تحدث عقب نزول المطر، قال أهل الذكر "عالمنا الذى نعيش فيه ص ٢٩" إنه مجموعة من انعكاسات ضوئية يتحلل فيها الضوء إلى ألوان الطيف السبعة، تعبر عنه بعض اللغات بقوس فى السماء، أو قوس المطر، وتحدث عنه القزوينى المتوفى سنة ٦٨٢ هـ فى كتابه "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات ص ٦٦" بما لا يبعد كثيرا عما قاله المحدثون.
ولا يوجد نص فى القرآن ولا فى حديث النبى ﷺ يتحدث عنه حديثا علميا، إنما النصوص الواردة هى فى الأمر بالنظر فى ملكوت السماوات والأرض، والمراد بالنظر هو التدبر والتفكر، لا مجرد النظر بالبصر مع غفلة القلب وذهول العقل، لأن نتيجة النظر المأمور به فى القرآن هى الإيمان بالله سبحانه لمن لا يكون مؤمنا، وتعميق الإيمان فى القلب لمن يكون مؤمنا، قال تعالى ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ ق: ٦ -٨.
فقوس قزح كظاهرة جوية من صنع الله سبحانه يرشد علماء الدين إلى رصدها وتدبرها ومحاولة الاستفادة منها فيما يصلح المعاش والمعاد، أى فى الدنيا والآخرة، ولا عبرة بما يظنه بعض الناس من ربط هذا القوس، بأحداث ستقع، فليس فيه أكثر من ارتباطه بالمطر، والمطر له أثره فى حياة الناس، إن نزل بقدر معلوم كان خيرا وبركة، وإن كان غزيرا كانت السيول المدمرة، والله وحده هو الذى يملك التصرف كما قال سبحانه: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء﴾ النور: ٤٣.
هذا، وقد ذكر النووى فى كتابه "الأذكار ص ٣٦٦" أنه يكره أن يقال:
قوس قزح وأورد فى ذلك حديثا رواه أبو نعيم فى "الحلية" "لا تقولوا قوس قزح، فإن قزح شيطان ولكن قولوا قوس الله فهو أمان لأهل الأرض "
стр. 4791
الدروس الخصوصية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الدروس الخصوصية إذا كانت بناء على رغبة أولياء الأمور؟
الجواب
الدروس الخصوصية تعليم لا مانع من أخذ الأجرة عليه ما دام غير متعين على المعلم، وما دامت هناك رغبة فيه من أولياء أمور الطلاب. والمحظور هو تقصير المدرس فى أداء واجبه الأصلى فى المدرسة وحمله الطلاب على أخذ دروس خصوصية، وتكون الدروس عنده بالذات، كما أن استغلاله لإعطاء الدرس الخصوصى وربط نجاح الطالب به حتى لو لم يكن أهلا للنجاح -وذلك بوسائل معروفة - حرام، وأيضا التغالى فى تقدير الأجور، وبخاصة على من يعلم رقة حالتهم المادية لا يرضاه الدين.
وذلك إلى جانب المحاذير الأخرى فى الدروس الخصوصية مع اختلاف الجنس وفى ظروف يخشى منها الفساد
стр. 4792
الإصرار على الصغائر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما معنى قولهم: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار؟
الجواب
الذنوب منها كبائر وصغائر، كما قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم﴾ النساء: ٣١ وكما قال النبى ﷺ "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" رواه مسلم وأحمد والترمذى. وكل من الكبائر والصغائر محرم وفيه عقوبة، بعضها مقرر فى الدنيا كالقصاص والحدود على القتل والسرقة والزنى والقذف وشرب الخمر، وبعضها عقوبة فى الآخرة بالنار إن لم يغفر الله له، ومغفرة الكبائر تكون بالتوبة النصوح، أو الحج المبرور على بعض الأقوال، ومغفرة الصغائر تكون بعمل أية حسنة من قول أو فعل كالذكر والاستغفار والصلاة والصدقة، كما قال تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود: ١١٤ وكما قال النبى ﷺ "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" رواه الترمذي وقال: حسن.
والإصرار على الصغيرة وعدم تركها استهانة بأمرها وعدم اهتمام بالعقوبة عليها يرفعها إلى درجة الكبائر، لأن فيها تحديًا لأوامر الله، وستجر المداومة عليها إلى الوقوع فى الكبائر، فمعظم النار من مستصغر الشرر.
فمعنى قوله: لا صغيرة مع الإصرار: لا تبقى الصغيرة صغيرة عند الإصرار عليها، بل تتحول إلى كبيرة، ومعنى قولهم: ولا كبيرة مع الاستغفار تكفَّر الكبيرة بالاستغفار أى التوبة المستكملة لشروطها من الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العود، مع رد الحقوق لأصحابها، أو عفوهم عنها.
ولا ينبغى لأى مسلم أن يهتم عند السؤال عن المعصية بأن يعرف:
هل هى من الصغائر أم من الكبائر، فإن علم أنها صغيرة هان عليه أمرها، فكل معصية تعتبر كبيرة بالنسبة لمقام الله ، كما قال المحققون من علماء الأخلاق.
وعدم الاهتمام بالصغيرة هو الإصرار على عدم الإقلاع عنها، أو التوبة منها مع العزم على العود إليها.
والله يقول فى صفات المتقين الذين أعد لهم الجنة ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ آل عمران: ١٣٥
стр. 4793
العجز عن النذر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نذرت لله أن أصوم من كل أسبوع الإثنين والخميس وأن أختم القرآن كل أسبوع وبدأت فى ذلك حتى مرضت فلم أستطع الوفاء بالنذر فماذا أفعل؟
الجواب
معلوم أن النذر إذا كان فى طاعة لله واجب الوفاء به كما قال تعالى ﴿وليوفوا نذورهم﴾ الحج: ٢٩ وكما قال النبى ﷺ فيما رواه الشيخان "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" ومن نذر صيام أيام معينة ثم عجز عن الصوم لمرض، فإن كان مرضه لا يرجى برؤه وجب أن يكفر عن هذا النذر الذى حنث فيه، وذلك بكفارة الحنث فى اليمين، وهى إطعام عشرة مساكين بما يكفى غداؤهم وعشاءهم أو كسوتهم، فإن عجز عن ذلك صام ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابع، أما إن كان مرضه يرجى شفاؤه فالصوم متعلق بذمته حتى يبرأ من المرض ويصوم، فإن مات كان حكمه حكم من مات وعليه صيام رمضان، فذهب جماعة إلى الصيام عنه كما نص الحديث المتفق عليه، وذهب آخرون إلى الإطعام، لحديث رواه عبد الرزاق "لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم".
وفى نيل الأوطار للشوكانى "ج ٨ ص ٥٦" جاء فى صحيح مسلم عن عقبة بن عامر أن النبى ﷺ قال "كفارة النذر كفارة يمين" وجاء فى رواية غير مسلم "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" وجاء فى سنن أبى داود عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا فى معصية فكفارته كفارة يمين. ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به " وهذا الحديث قال عنه النقاد: إن الأصح أنه موقوف على ابن عباس، وليس مرفوعا إلى النبى ﷺ ورواه ابن ماجه، وفى إسناد ابن ماجه من لا يعتمد عليه.
ومهما يكن من شىء فإن النووى قال فى الحديث الأول -اختلف العلماء فى المراد بهذا الحديث. فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج -أى غير المجازاة- فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة وحمله مالك والأكثرون على النذر المطلق، كقوله "علىَّ نذر" وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذور وقالوا: هو مخيَّر فى جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين. انتهى يقول الشوكانى: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذى لم يسم. وأما النذور المسماة إن كانت طاعة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين، وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها، سواء كانت متعلقة بالبدن أو المال.
انتهى.
وبناء على هذا كان للعاجز عن الوفاء بنذر ختم القرآن كل أسبوع أن يخرج كفارة الحنث فى اليمين، وننبه إلى أن بعض العلماء كره النذر الذى فيه إلزام بطاعة غير واجبة فقد يعجز عنها ويخشى العاقبة، وبخاصة نذر المجازاة الذى يكون على مقابل، فهو أشبه بالمتاجرة
стр. 4794
إكرام الضيف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى حقوق الضيف فى الإسلام، وكيف كان الرسول والسلف الصالح يطبقونها؟
الجواب
إكرام الضيف خلق من الأخلاق الحميدة التى توارثها العرب واشتهروا بها وضرب المثل بكثير منهم فى هذا المجال فى الجاهلية كحاتم الطائى وهرم بن سنان وكعب بن مامة "العقد الفريد ج ١ ص ٧٦" وفى الإسلام أيضا، وعلى رأسهم سيدنا محمد ﷺ الذى كان يعطى عطاء من لا يخشى الفقر.
وقد أكد هذا المعنى الأصيل، وجعله سمة بارزة من سمات المؤمنين فقال فيما رواه البخارى ومسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " والعلاقة بين الإيمان وإكرام الضيف تظهر فى الإحساس بأن الضيف عبد من عباد الله لا يجوز أن يحرم من خير هو من فضل الله سبحانه، وأنه فى الوقت نفسه أخ فى الدين والإنسانية، والإخوة يجب عليهم أن يتحابوا ويتعاونوا، والزمان قُلَّب قد يوضع الإنسان يوما من الأيام فى موضع هذا الضيف فيحتاج إلى من يقريه ويقدم له ما ينبغى أن يقدم، وبخاصة إذا كان من بلد بعيد وانقطع به السبيل، والحديث المتفق عليه يقول "لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
لقد نظم الرسول ﷺ واجب الضيافة فجعله فى أول يوم مفروضا لازما، ولثلاثة تطوعا مؤكدا وبعد ذلك أمرا عاديا يترك للحرية والاختيار روى البخارى ومسلم أنه ﷺ قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه ".
والجملة الأخيرة لها أهميتها فى تنظيم الضيافة، فالإسلام إذا أوجب على الإنسان أن يكرم ضيفه فلا يجوز للضيف أن يسئ استغلال هذا الحق له عند من أمر بحسن استقباله، كأن يمكث مدة طويلة يثقل بها على صاحبه، ويرهقه من أمره عسرا، فربما لا يكون عنده من السعة ما يؤدى به الواجب، اللهم إلا إذا طلب هو ذلك بنفسه لمعنى من المعانى كقرابة أو صداقة أو نحوهما، ذكر ذلك الخطابى فى تعليقه على هذا الحديث، فقال عن رحيل الضيف بعد ثلاثة أيام: حتى لا يضيق صدره ويبطل أجره.
وبعض العلماء فسر ذلك بأن اليوم والليلة يكون إذا مرَّ به وسأله فليعطه كفايته لهذا اليوم وليلته، أما إذا قصده لينزل عنده فليكن ذلك فى حدود ثلاثة أيام.
ولشدة التأكيد على حق الضيف الغريب أباح الإسلام له أن يأخذ ما يحتاج إليه إن حرم منه، ودليل ذلك ما رواه أحمد برجال ثقات والحاكم وصححه أن النبى ﷺ قال "أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قِراه ولا حرج عليه" والقرى اسم لما يقدم للضيف، وجاء مثل هذا الحديث عند أبى داود وابن ماجه "ليلة الضيف حق على كل مسلم. فمن أصبح بفنائه -أى داره- فهو عليه دين. إن شاء قضى وإن شاء ترك".
ذلك هو موقف النبى ﷺ من الضيف نظريا أو قولا، ومن الناحية التطبيقية وردت عدة حوادث تدل على أهمية هذا الحق، فروى مسلم أن رجلا جاء إليه ﷺ متعبا، فأرسل إلى بعض نسائه يريد شيئا يقدمه إليه، فقالت: لا والذى بعثك بالحق ما عندى إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ما قالت الأولى، حتى قال كل نسائه مثل ذلك، فماذا فعل النبى ﷺ ؟ قال لأصحابه: من يضيف هذا الليلة ﵀، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى رحله أى بيته، فقال لامرأته: هل عندك شىء؟ قالت: لا ما عندى إلا قوت صبيانى. قال فعلِّليهم بشىء، فإذا أرادوا العشاء فنوميهم. فإذا دخل ضيفنا فأطفئى السراج - وأريه أنَّا نأكل، فقعدوا وأكل الضيف، وبات الرجل وزوجته طاويبن -أى جائعين- فلما أصبح ذهب إلى رسول الله ﷺ فأخبره أن الله قد عجب من صنيعهما بضيفهما وفى ذلك نزل قوله تعالى ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ الحشر: ٩.
هذه حادثة وحادثة أخرى، رواها أحمد بسند صحيح، أن وفد عبد القيس قدموا عليه ﷺ وهم فرحون بلقائه، فاستقبلهم أصحابه خير استقبال، ورحَّب بهم ودعا لهم، ثم سألهم عن زعيمهم الأشج المنذر ابن عائذ، وأجلسه عن يمينه وسأله عن بلادهم، ثم التفت إلى الأنصار وقال لهم "أكرموا إخوانكم، فإنهم أشباهكم فى الإسلام، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين" فقام الأنصار بواجبهم نحوهم، فلما أصبحوا أراد النبى ﷺ أن يطمئن على ضيوفه فقال لهم "كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إياكم " فقالوا خيرا، ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وباتوا وأصبحوا يعلموننا كتاب الله ﵎. فأعجب النبى بذلك وفرح. "الترغيب والترهيب ج ٣ ص ١٥٣ "
стр. 4795
السلف والسلفية
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
توجد الآن جماعة تطلق على نفسها اسم السلفية ويقصدون بهذه التسمية الرجوع إلى الأيام الأولى للإسلام، ويقاطعون كل شىء جديد بتهمة أنه بدعة، لم تكن أيام السلف، فما حكم الدين فى ذلك؟
الجواب
كثرت الفرق والجماعات فى التاريخ الإسلامى كما كثرت فى الأديان السابقة وإلى جانب الواقع الذى يشهد لذلك ورد حديث عن النبى ﷺ يقول "افترقت اليهود على إحدى وستين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وستين فرقة، وستفترق أمتى على ثلاث وستين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة" قيل وما هى يا رسول الله؟ قال "هى التى على ما أنا عليه وأصحايى" رواه أحمد وأبو داود، وجاء فى بعض الروايات "سبعين بدل "ستين ".
وقد وجدت فرق كثيرة بقدر العدد المذكور فى الحديث وحاول بعض المؤلفين فى الفرق كالبغدادى وغيره أن يحصرها فى هذا العدد، وإن كان البعض يرى أن العدد لا مفهوم له وأن المراد هو بيان كثرة الفرق، على غرار ما قالوا فى تفسيره قوله تعالى ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ التوبة: ٨٠.
والملاحظ أن كل فرقة فى العقائد أو الفروع تحاول أن تجعل نفسها الفرقة الناجية وذلك من آثار التعصب الذى تخلقه أو تساعد عليه عوامل كثيرة، وأهل السنة قالوا: نحن الفرقة الناجية، وهم أعدل الفرق وإن كانوا هم أيضا قد تفرقوا فرقا صغيرة، كالأشعرية والماتريدية. وقد ذم الله هذا التفرق فقال: ﴿ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعا. كل حزب بما لديهم فرحون﴾ الروم: ٣١، ٢٣ وقال ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء﴾ الأنعام: ١٥٩.
وظهر أخيرا من يطلقون على أنفسهم "السلفية" نسبة إلى السلف أى القدامى وحددهم ابن حجر حين سئل عن عمل المولد النبوى بأنهم أهل القرون الثلاثة وشاعت هذه التسمية عند الوهابيين الذين يأخذون بمذهب محمد بن عبد الوهاب، الذى انتشر فى السعودية وصار مذهبا لهم، وذلك لتبرمهم بأن منبعهم هو هذا المذهب الجديد، الذى اهتموا فيه بآراء ابن تيمية، وعملوا على نشرها فى العالم الإسلامى كله.
والسلف الصالح ينبغى أن نحترمهم لأنهم خير القرون التى تلت قرن الصحابة واحترامهم يكون بالاقتداء بهم فى سلوكهم، أما منهجهم الفكرى فلا يجب التزامه فى كل شىء، ونحن نعلم أن السلف والخلف مختلفان فى موقفهم من الآيات المشتبهات التى فيها إثبات اليد والعين لله، فالسلف يؤمنون بها على ظاهرها مع اعتقاد أنه سبحانه ليس كمثله شىء، والخلف يؤولونها على معنى القدرة والعناية، أى بما يلزم هذه الأشياء وجاءت المقولة فى ذلك عند علماء الكلام: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم.
والإسلام لا يرضى التعصب لأى فكر ما دام هناك ما يخالفه، وهذا ما ينبغى مراعاته فى الآراء الاجتهادية بوجه عام، وإذا سلمت العقيدة فلا ضرر فى الأمور الفرعية أن يقتدى فيها بأى مذهب من المذاهب المعروفة.
هذا، ويبنغى التنبه إلى أن كثيرا من الفرق نشأت بأسماء مختلفة مع اتفاقها أو تقاربها فى المحتوى، ومع ذلك كل منها تدَّعى أنها الفرقة الناجية، وقد تصرح بأن غيرها لا يستحق النجاة، فنرجو الله الهداية للجميع، حتى لا يساعدوا العدو فيما يدبر لهم من سوء.
وأما موقف الإسلام من كل جديد فيرجع إليه فى بحث "البدعة"
стр. 4796
الوساطة والشفاعة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يساعد إنسانا ضعيفا بأن يتوسط له عند الكبار لنيل خير أو دفع شر؟
الجواب
يقول الله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا﴾ النساء:٨٥ وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال "اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب " وفى رواية "ما شاء" وفى رواية أبى داود "اشفعوا تؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبى ﷺ "لو راجعتيه" قالت: يا رسول الله: تأمرنى؟ قال "إنما اشفع" قالت لا حاجة لى فيه.
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضى الله عنه، فقال عيينة: يا ابن أخى، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لى عليه، فاستأذن فأذن له عمر، فلما دخل قال: هى يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خذ العفو وأْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ الأعراف: ١٩٩ وإن هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله تعالى.
هذه نصوص وحوادث تحث على الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن الشفاعة فى إسقاط حد أو تخفيفه أو فى أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى وصى أو ناظر على طفل أو مجنون أو وقف أو نحو ذلك فى ترك بعض الحقوق التى فى ولايته، فكلها شفاعة محرمة، تحرم على الشافع ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعى فيها إذا علمها، والحديث صحيح فى رفض النبى ﷺ شفاعة أسامة بن زيد فى عدم إقامة حد السرقة على المرأة الشريفة، وفى قَسَمِه أن فاطمة بنته لو سرقت لقطع يدها.
والكِفل الوارد فى الآية معناه الحظ والنصيب، ومعنى "مقيت" المقتدر والمقدَّر كما قاله ابن عباس وآخرون من المفسرين. وقال آخرون منهم المقيت هو الحفيظ، وقيل: هو الذى عليه قوت كل دابة ورزقها وقيل غير ذلك "الأذكار للنووى ص ٣٢٣"
стр. 4797
المداحون
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك حديث يقول: احثوا فى وجوه المداحين التراب؟
الجواب
روى مسلم عن المقداد رضى الله عنه أن رجلا جعل يمدح عثمان رضى الله عنه. فجثا المقداد على ركبتيه وجعل يحثو فى وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال "إذا رأيتم المداحين فاحثوا فى وجوههم التراب" والحثو والحثى هو الحفن باليدين.
وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال:
سمع النبى ﷺ رجلا يثنى على رجل ويطربه فى المدحة فقال "أهلكتم -أو قطعتم -ظهر الرجل" والإطراء هو المبالغة فى المدح وتجاوز الحد، وقيل: هو المدح. ورويا أيضا عن أبى بكر رضى الله عنه أن رجلا ذكر عند النبى ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى ﷺ "ويحك قطعت عنق صاحبك " يقوله مرارا "إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحدا" قال العلماء: إن مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته، قد يكون فى وجه الممدوح وقد يكون بغير حضوره، فأما الذى فى غير حضوره فلا منع منه، إلا أن يجازف المادح ويدخل فى الكذب فيحرم عليه بسبب الكذب، لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذى لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة، بأن يبلغ الممدوح فيفتن به أو غير ذلك.
وأما المدح فى وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضى إباحته واستحبابه وأحاديث تقتضى المنع منه. قال العلماء: وطرق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان وحسن يقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شىء من هذه الأمور كره مدحه كراهة شديدة.
والأحاديث الواردة فى الإباحة كثيرة منها قوله ﷺ فى الحديث الصحيح لأبى بكر رضى الله عنه "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟ وفى الحديث الآخر "لست منهم" أى لست من الذين يلبسون أزرهم خيلاء، وفى الحديث الآخر "يا أبا بكر، لا تبك، إن أمن الناس على فى صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" وفى الحديث الآخر "أرجو أن تكون منهم" أى "من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها" وفى الحديث الآخر "ائذن له وبشره بالجنة" وفى الحديث الآخر "اثبت أُحد، فإنما عليك نبى وصدِّيق وشهيدان".
هذا فى أبى بكر وأما عمر رضى الله عنه فقد صح أن النبى ﷺ قال "دخلت الجنة فرأيت قصرا، فقلت لمن هذا؟ قالوا لعمر، فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك" فقال عمر رضى الله عنه: بأبى وأمى يا رسول الله، أعليك أغار، وفى الحديث الآخر "يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك".
وفى شأن عثمان رضى الله عنه صح أن النبى ﷺ قال "افتح لعثمان وبشره بالجنة" وفى شأن على رضى الله عنه صح أنه قال "أنت منى وأنا منك" وفى حديث آخر: "أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون وموسى".
وفى غير الخلفاء الراشدين جاء فى بلال قوله ﷺ "سمعت دُف نعليك فى الجنة" وجاء فى أُبى بن كعب "ليهنك العلم أبا المنذر" وجاء فى عبد الله بن سلام "أنت على الإسلام حتى تموت" وجاء فى أنصاريين "ضحك الله -أو عجب- من فعالكما" وجاء فى الأنصار "أنتم من أحب الناس إلى" وجاء فى أشج عبد القيس "إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة" وكل هذه الأحاديث مشهورة فى الصحيح كما ذكره النووى فى"الأذكار" ص ٢٧٣ -٣٧٥ ووردت آثار كثيرة فى مدح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم. وقال الإمام الغزالى فى آخر كتاب الزكاة من إحياء علوم الدين: إذا تصدق إنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن ينظر:
فإن كان الدافع للصدقة ممن يحب الشكر عليها ونشرها فينبغى للآخذ أن يخفيها، لأن قضاء حقه ألا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فينبغى أن يشكره ويظهر صدقته، وقال سفيان الثورى ﵀: من عرف نفسه لم يضره مدح الناس
стр. 4798
الشكر على المعروف
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن يصنع بعض الناس معروفا لى، ولكنى لا أستطيع أن أقابل معروفه بمعروف، فماذا أفعل؟
الجواب
روى البخارى ومسلم أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: أتى النبى ﷺ الخلاء -فوضعت له وضوءا -ماء يتطهر به- فلما خرج قال "من وضع هذا"؟ فأخبر فقال "اللهم فقهه فى الدين" وثبت فى صحيح مسلم أنه قال لأبى قتادة لملاحظته له فى السفر "حفظك الله بما حفظت به نبيه" وروى الترمذى بإسناد قال عنه: حسن صحيح قوله ﷺ "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ فى الثناء" وروى النسائى وابن ماجه أن النبى ﷺ استقرض من عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألفا، فلما دفع إليه القرض دعا له وقال "بارك الله لك فى أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء".
من السنة إذا صنع للإنسان معروف أن يكافئ فاعله بمثل معروفه أو أحسن، بناء على قوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ النساء: ٨٦ لكن ربما لا يستطيع الإنسان أن يقوم بذلك، وهنا يكفى أن يشكر الفاعل ويدعى له بالخير، فقد ورد فى ذلك قوله ﷺ "من اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين " رواه أبو داود والنسائى ورواه الطبرانى باللفظ المذكور وروى أبو داود والنسائي أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير ولا أحسن مواساة فى قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة، قال ﷺ "أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم"؟ قالوا: بلى، قال "فذاك بذاك".
وهنا سؤال: ماذا لو كان صانع المعروف غير مسلم كيف نشكره وندعو له؟ والإجابة: أن يدعى له بالهداية وصحة البدن والعافية، بدليل مارواه ابن السنى أن الرسول ﷺ استقى -يعنى طلب ماء يشربه- فسقاه يهودى، فقال له "جمَّلك الله " فما رأى الشيب حتى مات
стр. 4799
القصد فى الموعظة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يحدث أن بعض الخطباء يطيلون فى الخطبة مما يجعل بعض الحاضرين يفكر فى الانصراف عن سماعها أو تنبيه الخطيب حتى يختصر فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
روى مسلم عن عمار بن ياسر رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة" ومعنى "مئنة" علامة دالة.
والمقصود من إطالة الصلاة بالنسبة إلى هذا الحديث الإطالة بالنسبة إلى الخطبة، وليس التطويل الذى يشق على المؤمنين، حتى يتفق مع الحديث: كانت خطبته قصدا وصلاته قصدا. فيستحب لمن وعظ جماعة أو ألقى عليهم علما أن يقتصد فى ذلك ولا يطيل تطويلا يملهم حتى لا يضجروا وتذهب حلاوة العلم، ويكرهوا سماع الخير فيقعوا فى المحظور، وكان الصحابة رضوان الله عليهم ملتزمين بهذا الهدى، فقد روى البخارى ومسلم عن شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود يذكرنا فى كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم فقال: أما إنه يمنعنى من ذلك أنى أكره أن أملكم، وإنى أتخولكم بالموعظ كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.
ومما يتصل بهذا من أدب الدعوة والإمامة ألا يطيل الإمام فى الصلاة مراعاة لظروف المأمومين، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وقد صح فى البخارى ومسلم أن الرسول ﷺ قال لمعاذ حين اشتكى البعض طول صلاته "أفتَّان أنت يا معاذ" ثلاث مرات، والمعنى أن التطويل سبب لخروجهم من الصلاة، وسبب لكراهة صلاة الجماعة، وأنه عذاب لهم، والإسلام لا يحب ذلك.
ومن الأدب أن تكون الموعظة مفهومة بأسلوب مناسب،وليس فيها غرائب تحار فى فهمها العقول، روى البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 4800
الثعلب والقنفذ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى قيام بعض الفلاحين باصطياد حيوانات من الحقول وذبحها وأكلها، مثل الثعلب والقنفذ؟
الجواب
الثعلب حلال أكله عند الشافعية، اعتمادا على عادة العرب فى ذلك، فيندرج تحت عموم قوله تعالى ﴿يسألونك ماذا أُحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ المائدة: ٤ قال ابن الصلاح: ليس فى حل الثعلب حديث عن رسول الله ﷺ ، وفى تحريمه حديثان فى إسنادهما ضعف ... وبالحل قال طاووس وعطاء وقتادة وغيرهم من التابعين. وكره أبو حنيفة ومالك أكله، وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه، لأنه سبع.
أما القنفذ فهو أيضا حلال عند الشافعية، للدليل السابق فى الثعلب، وقد أفتى ابن عمر بإباحته. وما رواه أبو داود عن أبى هريرة عن النبى ﷺ فى أنه خبيث وأن ابن عمر رجع عن قوله فى حله فرواته مجهولون. قال البيهقى: ولم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحل. وسئل عنه مالك فقال: لا أدرى راجع كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميرى ففيه توضيح للأدلة
следующие страницы →