← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٣٥ - التشريق لغة: الجمال وإشراق الوجه. واصطلاحا: تطلق أيام التشريق على الأيام الثلاثة التالية ليوم النحر وهو العاشر من ذى الحجة الذى يعقب الإفاضة من عرفات. وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحى يشرق فيها للشمس أى يشرر. وقال ابن الأعرابى: سميت بذلك لأن الهُدْى أو الأضحيات لا تنحر حتى تشرق الشمس أى تطلع. وقيل سميت بذلك لأنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر فصارت هذه الأيام كلها تبعا ليوم النحر. والتشريق صلاة العيد. وإنما أخذ من شروق الشمس لأن ذلك وقتها. وفى هذه الأيام يقيم حجاج بيت الله الحرام فى منى أو يبيتون فيها ويقومون برمى الجمرات الثلاث بسبع حصيات صغيرات لكل جمرة. ويجوز التقديم فى يومين لقوله تعالى:﴾ واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ﴿(البقرة ٢٠٣). ويكون رمى الجمار بعد الزوال، وإن قدم الرمى قبل الزوال جاز ذلك. ولا يجوز للحاج أن يطوف طواف الإفاضة إلا بعد رمى جمرة العقبة فى يوم النحر. ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت فقد فات الرمى ولزمه الدم لفواته. أ. د/ سعاد صالح

стр. 142

٣٦ - التصوف يمثل التصوف نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت فى كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهو يعبر عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها فى الاستعلاء علي قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحى والكمال الأخلاقى. ولم يكن المسلمون استثناء من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم. وقد قدم الصوفية تفسيرات متعددة لهذه النسبة التى تميروا بها عن غيرهم من الفرق والطوائف التى ظهرت فى المجتمع الإسلامى، ومن هذه التفسيرات ما يلى: - إن التصوف مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار. - إنه نسبة إلى الصف الأول فى الصلاة. - إنه نسبة إلى عمل أهل الصفة من صحابة الرسول ﷺ وقد لاحظ القشيرى أن هذه التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية. - إن التصوف نسبة إلى صوفة القفا. - إنه منسوب إلى رجل كان يجاور بمكة قبل الإسلام يسمى صوفة بن بشر، وعلق ابن تيمية بأن النسبة إلى هذا الرجل أو إلى قبيلته نسبة ضعيفة " … لأن غالب من تكلم باسم الصوفى لا يعرف هذه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة فى الجاهلية، ولا وجود لها فى الإسلام ". - إن هذه التسمية نسبة إلى الصوف، الذى هو زى الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة فى الدنيا. ولا يرفض القشيرى هذا التفسير، ولكنه لا يقبله قبولا تاما، وفى ذلك يقول:"فأما من قال: إنه من الصوف؟ ولهذا يقال: تصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص؟ فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ". ومع ذلك يبقى أن هذا التفسير هو أقرب التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهرقبل المظهر ويعنى بالحقائق والأعمال أكثرمن عنايته بالرسوم والأشكال. وأما تعريفات التصوف فإنها كثيرة جدا، وقد ذكر السهروردى أن له أكثر من ألف تعريف بل ذكرالشيخ زروق أنها تبلغ نحو الألفين وترجع هذه الكثرة إلى أن كل واحد ممن عرفوا التصوف كان يعبر عن ذوقه ووجده وحاله، ولهذا اختلفت العبارات، لأن الطرق إلى الله تعالى بعدد النجوم أو بعدد أنفس السالكين. ويمكن تصنيف هذه التعريفات إلى أنواع بحسب الطابع الغالب عليها: (أ) فبعضها يركز على الجانب العملى، الذى يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة شهواتها، وذلك كالذكر والمراقبة، ومحاسبة النفس والزهد فى الدنيا، ومن نماذج هذه التعريفات: - التصوف: قلة الطعام، والسكون إلى الله تعالى والفرار من الناس. - التصوف: ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك، وهكذا. (ب) وبعضها يتجه إلى ملاحظة الجانب الأخلاقى، الذى هو من أهم أركان التصوف، ومن هذه التعريفات: - التصوف: هو الدخول فى كل خلق سَنِىّ، والخروج من كل خلق دنىّ. - التصوف: خلق فمن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى الصفاء. - وقال الهروى الأنصاوى: واجتمعت كلمة الناطقين فى هذا العلم ان التصوف هو الخلق. (ج) وكان بعضها يهتم بجانب المعرفة، وهى المعرفة إلالهامية الذوقية التى هى موضع اعتزاز الصوفية وفخرهم. ومن هذه التعريفات ما قال العطار عن علم التصوف الذى هو "ثمرة للعمل والحال، وليس نتيجة للحفظ والقال، وإنه من العيان لا من البيان، ومن الأسرارلا من التكرارومن العلم اللدنى لا من العلم الاكسبى … ". (د) ومن التعريفات ما يجمع هذه الجوانب كلها، ويضيف إليها ضوابط للسلوك المقبول عندهم بما يدفع التهم عن طريق الصوفية، ومن هذه التعريفات تعريف ابن خفيف للتصوف. وقد نشأ التصوف عند المسلمين لأسباب متعددة، بعضها من داخل البيئة الإسلامية، وبعضها من خارجها. وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التي نشأ فيها التصوف، وكان الزهد نفسه ثمرة لعوامل دينية واجتماعية حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من السلوك، لم تكن مألوفة فى حياة الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا يتميزون بالبساطة والقناعة، والبعد عن التفنن فى مطاعمهم ومشاربهم، أخذا بالورع وخشية من الحساب، ولكن الحياة تحولت فيما بعد، وعند أهل الترف والغنى إلى نماذج من السرف الفاحش الذى يستثير أهل الفقر والمسكنة، المستمسكين بما كان عليه السلف من زهد وبساطة، وكان ذلك من دواعى نشأة التصوف عند المسلمين كما يقول ابن خلدون:"واصل هذه الطريقة العكوف على العبادة … والإعراض عن زخرف الدنيا، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه … وكان ذلك عاما فى الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا، فى القرن الثانى وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة ". على أن التصوف لم يخل من التأثر ببعض المؤثرات الوافدة من نظم صوفية أخرى، جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانا أو بسبب اتصال المسلمين -بعد الفتوحات- بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة فى التصوف كالهند وفارس، وقد كان بعض الصوفية من أصول ترجع إلى هذه الشعوب، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضا، وكان من آثار هذه العوامل كلها أن ظهر لدى بعض الصوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر فى النظم الصوفية الأخرى. وأدى ذلك إلى أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف، وقد انقسموا حوله إلى أنصار يرون فى التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان ونيل الكرامات وخرق العادات، وهؤلاء هم الصوفية ومن ارتضى طريقتهم. وإلى خصوم يرون التصوف بدعة وضلالة، واستعلاء على الشريعة بدعوى الحقيقة، وإعلاء للباطن على حساب الظاهر، وترويجا للأفكار والمذاهب الدخيلة التى تتحدث عن الفناء والحلول، ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف، ووقوعا فى أسر البطالة والتواكل والجمود والسلبية، والإعراض عن العلم بدعوى العلم اللدنى. وكان من بين المسلمين من اتخذ موقفا وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، ومن أبرز ممثلى هذا الاتجاه ابن تيمية (٧٢٨هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية (٧٥١هـ) وقد أشار كل منهما إلى مواقف الفريقين، وذكر ابن تيمية أن "الصواب هو الإقرار بما فيها، وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة". وإذا طبقنا هذا المعيار فسنجد أنه يوجد بين الصوفية: السابقون المقربون والمقتصدون الذين هم من أهل اليمين، وفيهم من هو ظالم لنفسه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن المحققين من الصوفية يتبرأون منهم وينكرونهم. ولعل هذا الموقف هو أولى الآراء بالقبول، لأنه أقرب إلى الموضوعية والإنصاف، وأبعد من التعميم والتعصب المذموم. وينبغى ونحن نتحدث عن التصوف ألا نغفل عما حفل به التصوف من تربية أخلاقية وتحليلات نفسية كانت موضع إعجاب الدارسين فى الشرق والغرب، وقد كان للصوفية المسلمين دورهم فى نشر الإسلام، فى كثير من بقاع الأرض فى آسيا وإفريقيا قديما، وفى أوروبا حديثا، وهو دور معروف لدى المؤرخين. أ. د/عبد الحميد مدكور

стр. 143

٣٧ - التطرف لغة: الوقوف فى الطرف، والطرف بالتحريك: جانب الشىء، ويستعمل فى الأجسام والأوقات وغيرها. واصطلاحا: مجاوزة حد الاعتدال. والعلاقة بين المعنيين اللغوى والعرفى واضحة، فكل شىء له وسط وطرفان، فإذا جاوز الإنسان وسط شىء إلى أحد طرفيه قيل له: تطرف فى هذا الشىء، أو: تطرف فى كذا، أى جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط. وعلى ذلك فالتطرف يصدق على التسيب، كما يصدق على الغلو، وينتظم فى سلكه الإفراط، ومجاوزة الحد، والتفريط والتقصير علي حد سواء؛ لأن فى كل منهما جنوحا إلى الطرف وبعدا عن الجادة والوسط. فالتقصير فى التكاليف الشرعية والتفريط فيها تطرف، كما أن الغلو والتشدد فيها تطرف؛ لأن الإسلام دين الوسط والوسطية وإلى هذا ينبه القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ الإسراء:٢٩. ويقول: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأعراف:٣١. ويقول الرسول ﷺ : (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى﴾ (أخرجه البزار فى مسنده عن جابر وأخرج أحمد أوله فى مسنده عن أنس﴾. أ. د/عبد الصبور مرزوق

стр. 144

٣٨ - التعارض لغة: تفاعل من العرض، وهو المنع، والمقابلة، والمساواة كما فى المصباح (١). واصطلاحاً: تقابل الأمرين على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه (٢). وذلك كأن يكون هناك دليلان أحدهما يدل على الجواز، والآخر يدل على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر ومعارض له ومانع (٣). ويشترط لتحقيقه شروط منها: اتحاد محل الحُكْمين، واتحاد الوقت، وتضاد الحُكْمين، وتساوى الدليلين المتعارضين فى القوة، وعدم إمكان الجمع بينهما، وعدم كونهما قَطْعّيين. وقد اختلف فى وقوع التعارض" بين الأدلة الشرعية على مذاهب، أحدها: لا يجوز وقوعه بينها فى الواقع ونفس الأمر، ويجوز فى ظاهر النظر وعليه الجمهور. ثانيها: يجوز مطلقاً، وعليه ابن السبكى وجماعة، ثالثها: يجوز بين الأمارات ولا يجوز بين الأدلة القاطعة، وعليه البيضاوى والآمدى وغيرهما، والراجح منها مذهب الجمهور. والتعارض المظنون يدفع بطرق منها: الجمع بين الأدلة، والترجيح بينها عند عدم إمكان الجمع، ودعوى النسخ (٤). مثال للتعارض المتوهم بين الأدلة: ما ورد من نهى النبى ﷺ عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وظن تعارضه مع قوله ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٥) وقد جمع بينهما الإمام أحمد بأن جعل المجيز مخصصاً للمانع، والله أعلم. أ. د/ على جمعة محمد ١ - المصباح المنير، للفيومى ١/ ٤٧٨طبعة مصطفى الحلبى القاهرة ٢ - نهاية السول للإسنوى مع البدخشى٢/ ٢٠٧ مكتبة ومطبعة محمد على صبيح بمصر. ٣ - شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلى ٤/ ٦٠٥. ٤ - السابق ٤/ ٦٠٥وما بعدها ٥ - روى البخارى، ومسلم وأحمد عن أبى سعيد ﵁ أن النبى ﷺ قال:"لا صلاة بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وروى البخارى ومسلم عن عمر ﵁ أن النبى ﷺ " نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب " وروى مثل ذلك أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة (انظر: صحيح البخارى مع حاشية السندى ١/ ٧٦ صحيح مسلم بشرح النووى ٦/ ١١٠ مسند أحمد ١/ ١٨، ٣/ ٧ سنن أبى داود ٢/ ٢٩٤ - جامع الترمذى مع تحفة الأحوذى ١/ ٥٤٠ - سنن النسائى ١/ ٢٢٢/- سنن ابن ماجة ١/ ٣٩٥.

стр. 145

٣٩ - التعاون لغة: العون الظهير على الأمر، والجمع أعوان، وتعاونَّا: أعان بعضنا بعضا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان: كثير المعاونة للناس. واصطلاحا: فى علم الاجتماع هو التضامن والتعاضد. قال ابن خلدون: فلابد للإنسان فى تحصيل الغذاء والدفاع عن النفس من التعاون عليهم بأبناء جنسه، وما لم يكن هذا التعاون، فلا يحصل لهم قوت ولا غذاء ولا تتم حياته. وإذا كان له التعاون حصل له القوت للغذاء، والسلاح للمدافعة. وقد وردت مشتقات (عون) فى القرآن منها أعانه بمعنى ساعده وقواه، كقوله تعالى:﴾ وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ﴿(الفرقان ٤) والمستعان المطلوب منه العون﴾ والله المستعان على ما تصفون ﴿(يوسف ١٨). والإسلام يربى المسلمين عموما والناشئين خصوصاً على التعاون فى القيام بكل عمل يحقق مصلحة للمؤمنين، أو يدفع عنهم مضرة، وذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده فى غنى عن الناس بحال من الأحوال ومادام الإنسان محتاجا إلى غيره من الناس بالضرورة فهم كذلك محتاجون إليه، ولا يتم تبادل الاستجابة لتغطية هذه الحاجات إلا بالتعاون. والإسلام الحنيف قد قيد التعاون بقيد إنسانى رفيع القدر عالى القيمة، إذ شرط فيه أن يكون تعاونا على البر والتقوى، وحرمه إن كان تعاونا على الإثم والعدوان لقوله تعالى:﴾ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿(المائدة ٢) قال القرطبى: هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى أى ليعن بعضكم بعضا، وتحاثوا على ما أمر الله واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه. وقال الماوردى: ندب الله تعالى إلى التعاون على البر، وقرنه بالتقوى لأن فى التقوى رضا الله تعالى، وفى البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وقال ابن خويز منداد فى أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه: فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه، ويعينهم الغنى بماله، والشجاع بشجاعته فى سبيل الله، وأن يكون المسلمون كاليد الواحدة لقوله ﷺ " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم". قال تعالى:﴾ والعصر إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴿(العصر ١ - ٣). قال الإمام الشافعى إن الناس أو أكثرهم فى غفلة عن تدبر هذه السورة، والتواصى بالحق تعاون عليه، والتواصى بالصبر تعاون عليه كذلك وكلاهما يقوى الروابط بين الناس. وإن هذا التعاون والتناصر هو الذى يغرس المحبة بين المسلمين، روى الإمام مسلم بسنده عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تتدابروا وكونوا عباد الله إخوانا". وقال الماوردى: واعلم أن الدنيا لم تكن قط لجميع أهلها مسعدة، ولا عن كافة ذويها معرضة، لأن إعراضها عن جميعهم عطب، وإسعادها لكافتهم فساد، لائتلافهم بالاختلاف والتباين، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون، فإذا تساوى حينئذ جميعهم، لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا، وأما إذ تباينوا واختلفوا، صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة، لأن ذا الحاجة وصول والمحتاج إليه موصول قال تعالى:﴾ ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴿(هود ١١٨ - ١١٩) قال الحسن: مختلفين فى الرزق، هذا غنى وهذا فقير ولذلك خلقهم يعنى لاختلافهم بالغنى والفقر. والتعاون فى علم الاقتصاد مذهب اقتصادى شعاره الفرد للجماعة، والجماعة للفرد. ومظهره تكوين تعاونيات تقوم بعمل مشترك لمصلحة الأعضاء كتعاونيات الإنتاج، وتعاونيات المال وتعاونيات الاستهلاك. فتعاونيات الاستهلاك هى التى يتعاون أفرادها على شراء ما يحتاجون إليه بأسعار معتدلة تحذف منها أرباح الوسطاء، فهى تهدف إلى حماية المستهلكين، وتوفير حاجة المعيشة لهم، وضمان أسباب الرغد والرخاء، ووسيلته هو محو حلقة الوسطاء من سلسلة الاقتصاد القومى فيصبح المستهلكون موردين لأنفسهم بل مشترين وبائعين فى آن واحد، ويحصلون على حاجاتهم بسعر نفقة الإنتاج. (هيئة التحرير)

стр. 146

٤٠ - التعايش لغة: عَايَشَه: عاش معهُ، عيَّشه: أعاشه، وتعَاَيشُوا: عاشوا على الآلفة والمَوَدَّة ومنه التعايش السِّلمِىِّ (١). واصطلاحا: يقصد بالتعايش أن يعيش الرجل مع الخلق، فيسلم منهم وينصفهم من نفسه، فيلقى الله ، وقد أدى إليهم حقوقهم، وسلم بدينه بين ظهرانيهم. وقد اعترف الإسلام بتمام حرية الإنسان فى الإيمان بالله، وفى تقدير الرسالة التى يؤمن بها، وضمن له من جهة ثانية حريته فى التعامل مع أقرانه، فحكم ببطلان كل عقد بين طرفين شاب الإكراه أحدهما، أو قام على الخديعة لواحد منهما أو كليهما كما نرى ذلك فى عقد الزواج الذى هو عقد شخصى بحت إلا أننا نرى ما وصل إليه الإسلام فى تقرير الحرية الشخصية للإنسان، فله أن يعايش الناس بأخلاقهم، ويضمر فى جنحه الإيمان بالله. فروى عن وهب بن منبه أنه قال له رجل: إنى هممت بالعزلة، فما ترى؟ قال: لا تفعل، بك إلى الناس حاجة، وبالناس إليك حاجة، ولكن كن صموتا نطوقا، أصم سميعا، أعمى بصيرا، فإنه لابد للناس منك، ولابد لك منهم. وروى عن عبد الرحمن بن أبى عوف الجرشى قال: قال الله ﵎: يا داود، ما لى أراك خاليا؟ قال: هجرت الناس فيك يا رب العالمين. قال: أفلا أدلك على ما تستبى به وجوه الناس، وتبلغ فيه رضاى؟ قال: نعم، يا رب. قال: خالق الناس بأخلاقهم، واحتجن الإيمان فيما بينى وبينك فهذا التعيش (٢). قال تعالى:﴾ إن تجتبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم ﴿(النساء٣١). فلو أُمروا باعتزال الناس على ما يرى منهم، لكانت هذه مخاشنة مع الخلق، وأخذا بالخناق، فهذا باب لا يحتمله الخلق، وتضيق العشرة وتضيع الحقوق، وفيه تقاطع الأرحام، وتباين الإخوان وتفاسد الجيران، وكان رسول الله ﷺ يعاشر أصحابه والأعراب وسائر الخلق من الوفود بأكثر من هذا، فإن رأى شيئا يكرهه، قال من بعده: قولوا لهذا لا يفعل كذا، أو يعارضه بمعاريض الكلام، فيقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا" (٣). وكان السلف الصالح ﵃ يشيعون الجنائز، وفيها النوائح والنوادب، فلا يتركون تشييعها لباطلهم، ويشهدون الولائم، وفيها اللهو، ويشهدون الأسواق بتجارتهم، وفيها اللغو فيعوذون بالله من شر ذلك، وقد جاء رجل إلى سفيان بن عيينة، فقال: إن لى أخا، وكان واليا بالرى فجانبته وجاورت البيت، فرد علىّ كتابه أنه عُزل عن الرَىّ، وولى اليمن، وهو مجتاز بى هاهنا، أفأنزله بيتى، وأتصرف له فى حوائجه؟ فقال: نعم، وتلا قوله تعالى:﴾ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين، ولم يخُرجوكم من دياركم أن تبُّروهم وتقسطوا إليهم .. ﴿(الممتحنة ٨) فهذا فى الكفار، فكيف فى المؤمنين إن الاستمرار فى التعايش والتنسيق بين الأديان والشعوب والأجناس جميعها. من أهم الأمور التى وصى بها الإسلام وانطلاقا من ذلك تمكن المسلمون من أن يحققوا التعايش مع أنفسهم ومع مخالفيهم فى الدين. (هيئة التحرير) ا - المعجم الوسيط، مادة (عيش) (ص ٦٦٣) ٢ - الفروق ومنع الترادف للحكيم الترمذى، تحقيق د محمد إبراهيم الجيوشى- طبعة النهار للطبع والنشر القاهرة ٩٩٨ ام. ٣ - شرح السنة للبغوى (١٣و ١٤٣).

стр. 147

٤١ - التعزير لغة: التأديب دون الحد، والتعزير فى قوله تعالى﴾ وتعَّزروه ﴿(الفتح ٩) النصرة والتعظيم، فهو من أسماء الأضداد، وهو مصدر عزر من العزر وهو الرد والمنع، وسميت العقوبة تعزيرا، لأن من شأنها أن تدفع الجانى وترده عن ارتكاب الجرائم، أو العودة إليها (١). واصطلاحا: هو عقوبة غير مقدرة شرعا تجب حقا لله تعالى أو لآدمى فى كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبا (٢). والتعزير مشروع لردع الجانى وزجره وإصلاحه وتهذيبه، والزجز معناه: منع الجانى من معاودة الجريمة، ومنع غيره من ارتكابها، ومن ترك الواجبات كترك الصلاة والمماطلة فى آداء حقوق الناس (٣). وليس التعزير للتعذيب أو إهدار الآدمية أو الإتلاف حيث لا يكون ذلك واجبا وقد أجمع الفقهاء على أن ترك الواجب أو فعل المحرم معصية فيها التعزير إذا لم يكن هناك حد مقدر (٤). ومثال ترك الواجب عندهم: منع الزكاة، وترك قضاء الدين عند القدرة على ذلك، وعدم آداء الأمانة، وعدم رد المغصوب، ومثال فعل المحرم: سرقة ما لا قطع فيه، لعدم توافر شروط النصاب أو الحرز مثلا وتقبيل الأجنبية والخلوة بها، والغش فى الأسواق والعمل بالربا وشهادة الزور (٥). وقال القليوبى: قد يشرع التعزير ولا معصية، كتأديب طفل، وكافر، وكمن يكتسب بآلة لهولا معصية فيها (٦). يجوز فى مجال التعزير: إيقاع عقوبات مختلفة يختار منها الحاكم فى كل حالة ما يراه مناسبا محققا لأغراض التعزير منها: (أ) العقوبات البدنية: التعزير بالقتل: والأصل أنه لا يبلغ بالتعزير القتل، لقول الله تعالى:﴾ ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ﴿(الإسراء٣٣) وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرا فى جرائم معينة بشروط مخصوصة من ذلك: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس على المسلمين وقتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية. (ب) التعزير بالجلد، لا يبلغ الحد. (جـ) التعزير بالحبس ومدته يقدرها الحاكم. (د) التعزير بالنفى. (هـ) التعزير بالمال وفيه خلاف بين العلماء، والتعزير بالمال يكون بحبسه أو بإتلافه، أو بتغيير صورته، أو بتمليكه للغير. وهناك أنواع أخرى من التعزير منها: الإعلام المجرد، والإحضار لمجلس القضاء والتوبيخ والهجر (٧). أ. د/ فرج السد عنبر

стр. 148

٤٢ - التعميم اصطلاحا: عند الفلاسفة هو أخذ الصفات المشتركة بين الأشياء المفردة لجمعها فى تصور واحد؛ ومن الناحية المنطقية هو انتقال من الجزئى إلى الكلى أو من الخاص إلى العام وتعد صياغة القواعد والقوانين العلمية ضربا من التعميم ويسمى هذا النوع من التعميم بالتعميمات الاستقرائية باعتبار أنها القوانين المستخلصة من التجارب أو هى القوانين التجريبية. والتعميم الكلى هو الصورة الرمزية لجملة عامة مثل (كل الأشياء مادية) التى يمكن استخلاصها من جملة مفتوحة مثل (شيء مادى). أما التعميم الوجودى فهو الصورة الرمزية لجملة عامة مثل (بعض الأشياء مادية) التى يمكن استخلاصها من جملة مفتوحة مثل (شيء مادى). والتعميم قدرة تبلغ أرقى صورها لدى الإنسان فيستجيب لمواقف حياتية، كما أنها تأخذ شكلا جديدا فريدا لدى الإنسان تتجلى فى القدرة على التعلم الرمزى. ويتم التعميم عندما نجعل الصفات التى شاهدناها فى عدد محدود من أفراد الصنف شاملة للصنف كله، فكل انتقال من الخاص إلى العام، أو من العام إلى الأعم فهو تعميم كقوانين علم الجبر فهى تعميم لقوانين علم الحساب وكقانون الجاذبية فهو تعميم لقانون سقوط الأجسام. ويوجد للتعميم عدة معان فهناك التعميم بمعنى المفهوم، وهو عملية تجميع الصفات المشتركة بين أشياء مفردة. وهناك التعميم بمعنى الاستقراء وهو الانتقال إلى فئة من الوقائع أو الكائنات أو الأفكار أو الأفراد بفعل ما هو ملحوظ على عدد محدود من تلك الوقائع فهو مرور من المخصوص إلى الأعم ويدل التعميم على قياس التمثيل إذ هو عملية تنقل إلى فئة ما ما سبق أن أثبتناه فى فئة أخرى، وهذا القياس بالمثل أو قياس النظير أو الشبيه عند أهل البيان يسمى بقياس الغائب على الشاهد، أو الاستدلال بالشاهد على الغائب عند الأصوليين. وإن كان التعميم بهذا المعنى يتيح مجالا للشبهات فهو هنا قياس ظنى ذو نتائج محتملة وغير يقينية. وقد انتبه إلى طبيعته تلك الفقهاء والمتكلمون وإن كان التعميم بهذا المعنى غير مستقر النتائج إلا أنه له دور فى اكتشاف أحكام ومبادئ ونظريات فالتعميم منهج وحكم ونتيجة ويخضع فى سيروراته المتداخلة إلى بعض القواعد التى تحكم هذا التعميم لتصح أحكامه. أ. د/ منى أبو زيد

стр. 149

٤٣ - التفريد لغة: تفرد بالأمر انفرد، واستفرد الشىء: أخذه فردا لا ثانى له ولا مثل. واصطلاحا: يستعمل التفريد عند الصوفية بمعان عديدة منها: ١ - أن يكون وصفا للعبد، وهو حال يصل إليه السالك بعد وصوله إلى التجريد، ويعرف الكلاباذى التفريد بهذا المعنى بأنه هو "أن يتفرد عن الأشكال، وينفرد فى الأحوال، ويتوحد فى الأفعال، وهو أن تكون أفعاله لله وحده، فلا يكون فيها رؤية نفس، ولا مراعاة خلق ولا مطالعة عوض، ويتفرد فى الأحوال عن الأحوال، فلا يرى لنفسه حالا بل يغيب برؤية يحولها عنها، ويتفرد عن الأشكال، فلا يأنس بها، ولا يستوحش منها" (١). ٢ - أنما يكون التفريد مختصا بالرب ﷻ وهو معنى من معانى توحده بإفراده عن المحدثات، إذ لا مجالسة بينه وبينها (٣). فهو واحد آحد، فرد صمد، متفرد فى ذاته وصفاته وأفعاله. ٣ - ومن الصوفية من يفهم هذا المصطلح فى سياق المذهب القائل بوحدة الوجود ومن هؤلاء: القاشانى الذى يعرف التفريد بأنه "شهود الحق ولا شىء معه، فيشهده منفردا، وذلك لفناء الشاهد فى المشهود. ومن لم يذق هذا المشهد نازعه عقله فى فهم هذا المعنى .. فيقال له: ألست تشهد نفسك بنفسك؟ مع أن ذلك لا ينافى الإفراد، فهو الشاهد من الشاهد، والمشهود من المشهودة إذ لا حقيقة لغيره، ولأن الكل تعيناته " (٣). ٤ - والتفريد عند الكمشخانوى معنى عام سار فى كل جانب من جوانب التصوف وفى كل مرحلة من مراحله " … وصورته فى البدايات: تخليص الإشارة إلى الحق بالعبارة، وفى الأبواب: تخليص الإشارة إلي الحق بالعقيدة. وفى المعاملات تفريد الاشارة إلى الحق بالتأثير والتصريف. وفى الأخلاق: تصريف الاشارة إلى الحق بالحق والبعث. وفى الأصول: تخليص الاشارة إلى الحق قصدا وسلوكا، وفى الأدوية: تخليص الإشارة بالحق محبة وغيرة، وفى الولايات: تخليص الإشارة بالحق؛ افتخارا وغيرة. وفى الحقائق: تخليص الإشارة بالحق شهودا واتصالا " (٤). أ. د/عبد الحميد مدكور

стр. 150

٤٤ - التفسير لغة: تدور مادته حول معنى الكشف مطلقا سواء أكان هذا الكشف لغموض لفظ أم لغير ذلك، يقال فسرت اللفظ فسرا من باب ضرب ونصر، وفسرته تفسيرا شدد للكثرة إذا كشفت مغلقه (١). واصطلاحا: كشف معانى القرآن وبيان المراد منه، وهو أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره، والمقصود منه (٢). وهل يتوقف هذا الإيضاح على القطع بالمعنى المراد بأن يكون اللفظ نصا لا يحتمل إلا معنى واحدا أو الرواية الصحيحة عن المعصوم ﷺ ، أو لا يتوقف على شىء من ذلك بحيث يكفى فيه غلبة الظن بالمعنى المراد؟ الصواب هو عدم التوقف، غاية الأمر أنه يلزم عند مجرد غلبة الظن ألا يقطع المفسر بأن المعنى الذى غلب على ظنه هومراد الله من النص. بل يقول ما يشعر بعدم الجزم كقوله: المعنى عندى والله أعلم، وأشباه ذلك من العبارأت المشعرة بعدم القطع فيما لا قاطع فيه. والتفسير بهذا المعنى يشمل جميع ضروبه البيان لمفردات القرآن وتراكيبه سواء تعلق البيان بشرح لغة، أم باستنباط حكم أم بتحقيق مناسبة، أو سبب نزول، أم بدفع إشكال ورد على النص، أو بينه وبين نص آخر أم بغير ذلك من كل ما يحتاج إليه بيان النص الكريم. وقد عرف القول فى تفسير القرآن منذ عهد نزول القرآن ذاته، فالقرآن يفسر بعضه بعضا. وقد يحتاج بعض الصحابة إلى بيان شىء من القرآن فيوافيهم به النبى ﷺ كما فى قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل:٤٤، ومن ثم عرف العلماء وذكروا فى تصانيفهم ألوانا شتى من تفسير القرآن للقرآن ومن تفسير السنة للقرآن. ثم سار الصحابة فمن بعدهم على هذا المنوال من البيان لكل ما يحتاج إلى بيان من القرآن فتكونت، المدارس المتقدمة للتفسير فى مكة والمدينة والشام، والعراق وهلم جرا، وحتى دونت المصنفات التى لا تكاد تحصى فى التفسير، كل على حسب مشرب صاحبه من العناية باللغة والبلاغة أو الفقه والأحكام، أو تحقيق أمور العقيدة ومباحثه علم الكلام، أو التصوف وأذواقا المتصوفة وإشاراتهم، ثم من إسهاب إلى إيجاز إلى توسط فى التناول، وهكذا صار تفسير القرآن علما قائما برأسه وضعت فيه المئات إن لم تكن الألوف من المجلدات (٣). ولتقسيم التفسير اعتبارات متعددة يختلف باختلافها، وهذه الاعتبارات هى: أولا: أن ننظر إلى التفسير من حيث إمكان تحصيله وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام أخرجها ابن جرير الطبرى عن طريق سفيان الثورى عن ابن عباس فيما يلى: (أ) وجه تعرفه العرب من كلامها. (ب) وتفسير لا يعذر أحد بجهالته. (ج) وتفسير يعلمه العلماء. (د) وتفسيرلا يعلمه إلا الله (٤). ثانيا: أن ينظر إلى التفسيرمن جهة استمداده من الطريق المعتاد نقلا كان من القرآن نفسه، أو من السنة، أو من كلام الصحابة، أو التابعين، أو كان رأيا واجتهادا. أو من غيرهذا الطريق بأن يكون بطريق الإلهام والفيض، فالتفسير ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: (أ) تفسير بالرواية، ويسمى التفسير بالمأثور. (ب) تفسير بالدراية، ويسمى التفسير بالرأى. (ج) تفسير بالفيض والإشارة، ويسمى التفسير الإشارى (٥). ثالثا: أن ينظر إلى التفسيرمن جهة كونه شرحا لمجرد معنى اللفظ فى اللغة، ثم لمعنى الجملة أو الآية على سبيل الإجمال، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين: (أ) إجمالى. (ب) تحليلى (٦). رابعا: أن ينظر إلى التفسير من جهة خصوص تناوله لموضوع ما من موضوعات القرآن الكريم، عاما كان كالعقيدة والأحكام أو خاصا كالصلاة والوحدانية ونحوها. وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى: (أ) تفسير عام (٧). (ب) تفسير موضوعى. أ. د/ابراهيم عبد الرحمن مهمد خليفة

стр. 151

٤٥ - التفكر لغة: يقال فكَّر فى الأمر تفكيرا، أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى المجهول .. وفكر فى المشكلة أعمل الرّويَّة فيها ليصل إلى حلّها. واصطلاحا: التفكير عند معظم الفلاسفة عمل عقلى عام يشمل التصور والتذكر والتخيل والحكم والتأمل، ويطلق على كل نشاط عقلى (١). والفكر حركة النفس نحو المبادئ والرجوع عنها إلى المطالب، والنظر ملاحظة المعلومات الواقعة فى ضمن تلك الحركة. ويقال: فى الأمر فكر، أى نظر وروية، وما لى فيه فكر أى حاجة. والفكر والنظر مترادفان، والفكر هو أن ينتقل الإنسان من أمور حاضرة متصورة أو مصدق بها تصديقا علميا أو ظنيا أو وضعا أو تسليما، إلى أمور غير حاضرة فيه انتقالا لا يخلو من ترتيب كما يقول ابن سينا فى الإشارات والتنبيهات (٢). وإذا قيل: إن الفكر يطلق على حركة النفس فى المعقولات سواء كانت بطلب أو بغير طلب، أو كانت من المطالب إلى المبادئ أو من المبادئ إلى المطالب؛ فإن المراد بالمعقولات ما ليست محسوسة وإن كانت من الموهومات (٣). والتفكر أو التفكير هو نشاط إنسانى خالص له شكلان، فإما أننا نفكر لنصل إلى ما يمكن أن يكون الحقيقة، أو أننا نفكر لنبتَّ برأى فى مسألة ما. ويصف أرسطو (٣٢٢ ق. م) هذين الشكلين بأنهما التأمل والتروّى، وينتهى التأمل الناجح إلى نتيجة، والتروى الناجح إلى قرار، ويصف التفكير المتأمل بأنه نظرى والمتروى بأنه عملى. والتفكير الإنسانى خليط من الشكلين ويتم باطنيا وقصديًّا (٤). ونظريات التفكير إما أفلاطونية أو أرسطية أو تصورية أو اسمية نفسية أو سلوكية. وهى عند أفلاطون: حوار داخلى بكلمات تشير إلى صور، وعند أرسطو: فعل عقلى حيث التفكير فى الشىء مشاركته فى ماهيته، ومن ثمَّ إثراء للعقل، وعند التصوريين: نشاط يبرز أفكار العقل الفطرية، وعند الصوريين: تتابع لأحداث ترتبط فيها الصور العقلية بالعادات، وعند النفسيين: حوار نفسى، وعند الترابطيين: كلام مترابط يدور فى الذهن يمكن أن يعلنه صاحبه كتفسير لسلوكه (٥). وإذا قلنا: إن الفكرة معنى من المعانى، فالمعانى هى الصور الذهنية من حيث إنه وضع بإزائها الألفاظ والصور الحاصلة فى العقل. فمن حيث إنها تقصد باللفظ، سميت معنى، ومن حيث إنها تحصل من اللفظ فى العقل سميت مفهوما، ومن حيث إنه مقول فى جواب ما هو: سُمّيت ماهية، ومن حيث ثبوته فى الخارج، سميت حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار سميت هوية (٦). والفكرة عند أفلاطون (٧) (٣٤٧ ق. م) تفيد الماهية أو المثال أو الشىء بالذات المفارق للمادة. وهناك فكرة غريزية أو فطرية ليست مستفادة من الأشياء ولا مركبة بالإرادة، لكن النفس تستنبطها من ذاتها وتمتاز بالوضوح والبساطة .. والفكرة إما حادثة أو مصطنعة .. أما الحادثة فتقوم فى الفكر بمناسبة حركات واردة على الحواس من الخارج كاللون والطعم والصوت والرائحة. أما المصطنعة فنحن نركبها من الأفكار الحادثة كصورة فرس له جناحان مثلا. وعند ديكارت (٨) الذى قال: أنا أفكر فأنا إذن موجود، عنده أن هناك أفكارا فطرية تطلق على الشعور والتجربة الباطنة والصور الأولية للمعرفة، يستدل بها على معرفة الروح والروحيات والعلاقات، وهذا معناه أن لدينا معارف مغايرة للمعارف المتخيلة والتى يدل عليها بلفظ idea الأفلاطونية. فإذا عدنا إلى كتابنا الكريم بالذات، فإننا نجد بيانا وافيا لمفهوم التفكر بمعنى إمعان النظر وبمعنى التدبر، وبمعنى التعقل، وبمعنى التأمل، وبمعنى التمييز وما إلى ذلك حسب المقام. من ذلك قول الله سبحانه وهو يتحدث عن مخاطر وأخطار الاقتراب من المحرمات ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ (البقرة ٢١٩). ومن ذلك قوله عن الصادقين من المؤمنين بأنهم ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون فى خلق السموات والأرض﴾ (آل عمران ١٩١). ومن ذلك ﴿هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ (الأنعام ٥٠) ومن ذلك: ﴿فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾ (الأعراف ١٧٦). أ. د/ عبد القادر محمود

стр. 152

٤٦ - التقاويم التقويم فى علم الفلك: حساب الزمن بالسنين والشهور والأيام، وقد اتخذت شعوب كثيرة من وحدات اليوم والشهر والسنة أساسا لوضع تقاويم Calendars خاصة، مثل التقويم المصرى (القبطى) واليونانى والفارسى والهندى واليهودى وغيرها. وهذه التقاويم وإن كانت تختلف فى خصائصها الدقيقة عن بعضها البعض إلا أنه يمكن إجمالها عموما فى نوعين رئيسين: أحدهما: قمرى، أساسه دوران القمر حول الأرض. والآخر: شمسى، أساسه دوران الأرض حول الشمس. ويعتبر التقويمان الهجرى والميلادى خير مثالين لهذين النوعين من التقاويم. أما التقويم الهجرى فيتخذ من رؤية الهلال بعد غروب الشمس بداية للشهر الهجرى فى اليوم التالى للرؤية، ويبدأ اليوم فى التقويم الهجرى بغروب الشمس وينتهى بالغروب التالى، ويبلغ الشهر الهجرى ٢٩ أو ٣٠ يوما، وكل اثنى عشرشهرا تساوى عاما كاملا. وقد بدأ إحصاء التاريخ الهجرى منذ أول المحرم لسنة هجرة الرسول محمد ﷺ من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة. وفى هذا التقويم يبدأ ترتيب الشهور الهجرية بدءا بالمحرم، ثم صفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. ومنذ بداية القرن العشرين زاد الاهتمام بطرق الرصد الدقيق لتعيين مدارات القمر والكواكب، وأصبح بالامكان تحديد لحظة ميلاد الهلال بدقة كبيرة عن طريق حل المعادلات الرياضية لمداره حول الأرض ومدار الأرض الظاهرى حول الشمس، وبلغت هذه الحسابات من الدقة ما جعلها تصلح للتحديد المسبق لمواقع الكواكب والأقمار، وضمان الوصول الآمن إليها فى الفضاء بعد رحلات قد تستغرق سنين عديدة، وقد حفزذلك أقطارا إسلامية للاستغناء كلية عن رؤية الهلال، والاكتفاء بالحسابات الفلكية. وحسب نتائج الرؤية فى اليوم التاسع والعشرين من كل شهر هجرى، يتم الإعلان عن دخول الشهر الجديد فى اليوم التالى أو الذى يليه. وأما التقويم الميلادى الذى يعتمد على دوران الأرضر حول الشمس فقد طرأت عليه تعديلات جوهرية كثيرة على مدى القرون، إلى أن استقر على يد البابا جسريجورى، وأصبح يعرف بالتقويم الجريجورى، وصار أساسا عالميا للتأريخ والأحداث، وتشتمل السنة الجريجورية (الميلادية) على ١٢ شهرا طولها الشهور الفردية من الأول حتى السابع: (يناير - مارس - مايو - يوليو) والشهور الزوجية من الثامن حتى الثانى عشر: (أغسطس - أكتوبر - ديسمبر) وتبلغ ٣١ يوما، بينما تكون باقى الشهور ثلاثين يوما فيما عدا الشهر الثانى (فبراير) فيكون ٢٨ يوما فى السنة البسيطة (التى لا تقبل القسمة على أربعة) و ٢٩ يوما فى السنة الكبيسة التى طولها ٣٦٦ يوما، وتأتى كل أربع سنوات، أى فى السنة التى تقبل القمسة على أربعة. أ. د/أحمد فؤاد باشا

стр. 153

٤٧ - التقريب لغة: مصدر "قرب" بالراء المفتوحة المشددة، كما فى مختار الصحاح (١). واصطلاحا: هو سوق المقدمات على وجه يفيد المطلوب، وقيل: سوق الدليل على الوجه الذى يلزم المدعى، وقيل: جعل الدليل مطابقا للمدعى، ولا يتم التقريب إلا إذا كان المطلوب لازما، واللازم مطلوب. والتقريب كاصطلاح عام يدخل فى كثير من المجالات، ومنها: ١ - التقريب بين وجهات النظر المختلفة سواء أكان ذلك فيما يقع للناس فى أمور معاشهم وطرائقها، أم كان فى نظرتهم -مثلا- لبعض الفروع الفقهية واختلافهم بشأنها من جهة ما يعتريها من أحكام. ومن التقريب بهذا المعنى: محاولة التقريب بين المذاهب الإسلامية، خاصة بين أهل السنة والشيعة، لما يترتب على ذلك من تقوية لمفهوم الأخوة الإسلامية الجامعة، بعد أن عبثت بها نوازع الفرقة. وقد ظهرت فى مصرمنتصف القرن الثالث عشر للهجرة التاسع عشر للميلاد دعوة للتقريب بين المذاهب الإسلامية دعا إليها الشيخ محمد تقى الدين القمى تحمل اسم "جماعة التقريب" وسجلت بهذا الاسم وضمته نخبة من كبارعلماء مصرمنهم الشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ إبراهيم حمروش والشيخ محمد المدنى وغيرهم، وكان من نتائج عملها أن درست فى كليات الشريعة بالأزهر بعض المذاهب الشيعية الأقرب إلى "أهل السنة" كالزيدية لكنها توقفت، ولم يحاول آخرون تجديدها والتمكين لدورها فى التقريب بين الشيعة والسنة وهما الجناحان الأعظمان للمسلمين فى العالم. ٢ - التقريب فى الأحكام الشرعية، وذلك بأنه يتعين على الفقيه أن يجد لمسألته دليلا مباشرا صريحا، حين يتجاذب المسألة أكثر من دليل وأكثر من أصل، أو حين يجد فيها نوعا من الغموض والتقصير، فالتحقيق يفرض عليه أن يصوغ اجتهاده فى هذه الحالة صياغة تقريبية كأن يقول: الأقرب إلى الصواب فيها كذا، أو الأشبه بالحق، وغير ذلك. ومن أمثلة هذا النوع: مسألة الأراضى المفتوحة التى أشكلت على الصحابة فاختلفوا فيها، واختلف فيها الأئمة من بعدهم فذهب بعضهم إلى جعلها غنيمة توزع على الفاتحين، والبعض على أنها فىء. وقيل: التصرف فيها يخضع للاجتهاد وللاعتبارات المصلحية وهو ما استقر عليه جمهور الصحابة، وأشذ به جمهور العلماء. ولعل القضاة والمفتين هم أكثر الفقهاء احتياجا إلى التقريب فى الاجتهادات والأحكام، لكثرة ما يعرض لهم من غريب النوازل والقضايا المستجدة مما يجعلهم فى أحايين كثيرة يقفون أمام قضايا لا نص فيها وتحتاج إلى التقريب ما أمكن. ٣ - التقريب فى الأوصاف، وهذا يتجلى فى الصفات المطلوبة فى الخليفة والقضاة، والشهود وغيرهم، فإن الشروط المطلوبة فى هذه النوعيات كثيرا ما تتخلف، والتوقف عن تقليد هؤلاء مناصبهم حتى تكتمل الشروط فيهم قول لا يؤيده واقع سليم، بل يكون اللجوء إلى التقريب لاختيار الأكمل ضرورة يفرضها المتاح. ٤ - التقريب فى المقادير، وهو لا يختلف فى حقيقته عن النوع السابق فالمقادير التى حددها الشرع سواء أكانت مكيلة أم موزونة أم معدودة أم غير ذلك قد يتعذر الإتيان بها بتمامها، وعليه فالأصوب أن يؤتى بما يقاربها خصوصا إذا كانت الفروق فيها طفيفة. فالتقريب هو نوع تصرف تفرضه الظروف. وخصوصا إذا تعذر المباح فيتعين المتاح. أ. د/ عبد الصبور مرزوق

стр. 154

٤٨ - التقليد لغة: مصدر للفعل الرباعى "قلَّد" بتضعيف اللام المفتوحة يقال: قلد فلان فلانا الأمر أى ألزمه إياه. كما يقال: قلد الماء فى الحوض واللين فى السقاء يقلده قندا أى جمعه فيه. ويقال: التقليد فى الدين، وتقليد الولاة والأعمال .. وتقلد الأمر احتمله كما فى لسان العرب (١). واصطلاحا: يقصد به التزام حكم المقلد من غير دليل بحيث يلتزم المقلد قول المقلد شرعا فينعقد ما حرمه حراما وما أوجبه واجبا، وما أباحه مباحا من غير دليل يستدل به على شىء من ذلك اللهم إلا قول من قلده (٢). وقد عرفه الإمام الشيرازى بأنه "قبول القول من غيردليل " (٣). وعرفه إمام الحرمين بأنه "قبول قول الغير من غير حجة" (٤). وقد فسر إمام الحرمين هذا القول قائلا: "فعلى هذا قبول العامى قول المفتى تقليد. وقبول من يروى أخبار الآحاد قولا وسمعه من خلق عن رسول الله ﷺ ليس تقليدا لأنه حجة فى نفسه". وقبول قول الصحابى تقليد إن لم نجعل أقوالهم حجة، ولم نر الاحتجاج بقولهم. فإن اعتبرنا أقوالهم حجة يحتج بها فعند ذلك لا يسمى قبول أقوالهم تقليدا. وعرف ألإمام الآمدي التقليد بأنه "العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة" (٥). وذكر الإمام الشوكاني له عدة تعريفات منها أنه "العمل بقول الغيرمن غيرحجة". ثم اختار من بين هذه التعريفات تعريفا رآه هو الأولى وهو: "قبول رأى من لا تقوم به الحجة بلا حجة". والتقليد نوعان (٧): تقليد سائغ بل واجبا، وتقليد مرفوض مذموم. فأما التقليد المذموم المرفوض فهو أن يكون هناك إعراض عما انزل الله وعدم التفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء، والأجداد، أو يكون فى صورة تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يأخذ بقوله أو أن يكون تقليده بعد قيام الحجة، وظهور الدليل على خلاف قول المقلد. ولا أدل على رفض مثل هذا التقليد وذمه من قول الله : ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئأ ولا يهتدون) البقرة:١٧٠. وقوله جل وعلا: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) الزخرف:٢٣ - ٢٤. فالتقليد الواجب المستساغ هو: تقليد من بذل جهده فى اتباع ما أنزل الله وخفى عليه بعضه فقلد فيه من هوأعلم منه فلا شك أن مثل هذا التقليد محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، والدليل على صحة مثل هذا التقليد أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يفتون ورسول الله ﷺ بين أظهرهم وهذا تقليد منهم قطعا؛ إذ إن قولهم لا يكون حجة فى حياة رسول ﷺ . وقد قال الحق : ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ التوبة:١٢٢. فقد أوجب الحق عليهم قبول ما أنذرهم به إذا رجعوا إليهم وهذا تقليد منهم للعلماء، وقد جاءت شريعتنا الغراء بقبول قول القائف (الذى يتتبع الآثار ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه) والخارص (اسم فاعل من خرص النخلة والكرمة إذا حز ما عليها من الرطب تمرا والعنب زبيبا) والمقوم للمتلفات وغيرها ولاشك أن هذا تقليد محض. وجميع علماء الأمة قد صرحوا بجواز التقليد فقد قال محمد بن الحسن الشيبانى صاحب الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه "يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوزله تقليد من هو مثله" وقد صرح الإمام رضى الله عنه بالتقليد فقال فى مسألة بيع الحيوان بالبراءة الأصلية من العيوب: قلته تقليدا لعثمان. وهذا هو الإمام أبو حنيفة ﵀ يقول فى مسائل الآبار وليس منه فيها، إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها وهذا هو الإمام مالك رضى الله عنه لا يخرج عن عمل أهل المدينة ويصرح فى موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذى عليه أهل العلم ببلدنا، ويقول فى غيرموضع: "ما رأيت أحدا واقتدي به يفعله، وقد قال الإمام الشافعى -رحمه ألله- فى الصحابة: رأيهم لنا خيرمن رأينا لأنفسنا. والحق أن مصلحة الخلق لا تقوم إلا بالتقليد وذلك عام فى كل علم وصناعة وقد فاوت الله بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان، فلا يحسن فى حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله. هذا ولا يجوز للمقلد أن يفتى فى دين الله بما يقلد فيه وليس على بصيرة منه سوى أنه قول من قلده، وهذا بإجماع السلف كلهم وقد اشترط الإمام الغزالى ﵀ فى سبيل الوصول إلى الحقائق أن يكون الباحث حر العقل مستقل التفكير، وقد ندد بكل فكر موسوم بالتبعية، والمحاكاة، وبلغ من حرصه على هذا المبدأ انه ختم كتابه فى المنطق "معيار العلم "بدعوة للقارئ إلى أن يدرسه بروح الفهم لا بروح التقليد. أ. د/محمد عبد اللطيف جفال الدين

стр. 155

٤٩ - التقوى لغة: قلة الكلام، وقد استعملت التقوى -بمعنى عام- فى الصيانة والحذر والوقاية، واجتناب ما هو مكروه أو قبيح أو ضار. واصطلاحا: هى التحرز من عقوبة الله تعالى وعذابه، بطاعته واتباع أوامره، واجتناب نواهيه. وقد سأل عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أبيا عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى (١). وتنسب مثل هذه الإجابة إلى أبي هريرة عند الشوكاني (٢). وتقوم التقوى -فى جوهرها- على استحضار القلب لعظمة الله تعالى واستشعار هيبته وجلاله وكبريائه، والخشية لمقامه، والخوف من حسابه وعقابه. وإذا كان هذا هو معنى التقوى فإن نطاقها لا ينحصرفى اجتناب الكبائرفحسب، بل إنه يمتد ليشمل كل ما فيه معنى المخالفة حتى لو كان من اللَّمم أو الصغائر، وقد فهمت التقوى هذا الفهم منذ عهد الصحابة الذين قال قائلهم: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت. بل إنهم جعلوا من تمام معناها أن تتضمن الورع، عن بعض ما هو طيب أو حلال، حذرا من مقاربة الحرام، وفى ذلك يقول أبو الدرداء: "تمام التقوى: أن يتقى الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراصا ". وهذا المعنى له أصل صحيح فى سنة رسول الله ﷺ ، فعن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ :"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" (أخرجه أحمد والبخاري فى تاريخه). وليست التقوى -كما يفهم من معناها اللغوى وبعض استعمالاتها الشرعية- مقصورة على الحذر والاجتناب للمعاصى والرذائل، بل إنها تتضمن -كذلك- جانب الفضائل والطاعات العملية الإيجابية ويظهر هذا فى عديد من الآيات القرآنية، ولعل من أكثرها دلالة على هذا التكامل آية البر المشهورة، وهى قوله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البرمن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة:١٧٧. وقد كانت الوصية بالتقوى أول وصايا الله تعالى لبنى آدم. قال تعالى: ﴿يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا، ولباس التقوى ذلك خير﴾ الأعراف:٢٦. وهى وصية الله للمسلمين وللأمم من قبلهم: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتابا من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ النساء:١٣١. وكان أهل التقوى هم أهل محبة الله: ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾ آل عمران:٧٦. وهم أهل ولايته: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ يونس:٦٢،٦٣. وأهل الكرامة عنده فى الدنيا وفى الآخرة: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات:١٣. وقد وصفت الجنة بأنها دار المتقين: ﴿ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾ النحل:٣٠، ﴿تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا﴾ مريم:٦٣. وقد جعل الله التقوى من أعظم أسباب البركة فى الأرزاق ومن أعظم أسباب تفريج الكربات وتكفير السيئات وزيادة الحسنات والخروج من المضائق والأزمات. والحديث عن التقوى ومكانتها، وصفات أصحابها كثير فى القرآن والسنة وقد أمر الله بها فى أمر المؤمن كله: عبادات ومعاملات دينا ودنيا، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ آل عمران:١٠٢. وقال ﷺ : (اتق الله حيثما كنت … ) رواه الدرامى (٣). أ. د/عبد الحميد مدكور

стр. 156

٥٠ - التَّقِيَّة لغة: التَّقِيَّة بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة مصدر الفعل (اتقى) أبدلت الواو تاءً ومعناها الحذر والخوف (١). اصطلاحا: أن يظهر الإنسان خلاف ما يُضمِر؛ ليحافظ على نفسه أو ماله أو عرضه، وقيل هى: مداراة وتظاهر بما ليس هو الحقيقة (٢). وقد ارتبطت التقية بالشيعة، فهى النظام السرى فى شئونهم فإذا أراد إمام الخروج والثورة على الخليفة، وضع لذلك نظاما وتدابير، وأعلم أصحابه بذلك فكتموه، وأظهروا الطاعة حتى تتم الخطط المرسومة فهذه تقية، وإذا أحسّوا ضررا من كافر أو سنّى داروه وجاروه وأظهروا له الموافقة فهذه أيضا تقية وهكذا (٣). كما فسروا كثيرا من أعمال الأئمة على أنهم فعلوها تقية، فسكوت عليّ ﵁ على أبى بكر وعمر وعثمان ﵃ كان تقية، ومصالحة الحسن لمعاوية كان تقية، وقولهم بالتقية كان السبب فى قولهم: إن للكلام ظاهرا يفهمه كل الناس، وباطنا يفهمه الخاصة، وتأولوا تفاسير بعض القرآن الكريم بمعان باطنية. وكان على عكس الشيعة فى القول بالتقية الخوارج فقالوا: لا تجوز التقية بحال من الأحوال، ولو عرضت النفس والأموال، فهم يعلنون الحرب على الإمام، على عكس الشيعة فإنهم يمارون ويدارون ويتسترون، ويتكتمون حتى تمكنهم الفرصة (٤). وقد أخذ بالتقية بعض الفرق الباطنية الذين كانوا يحلمون بإيجاد دولة لهم لتنفيذ مآربهم ومخططاتهم أمثال القرامطة والفاطمية والإسماعيلية والدروز، والبابية، وغيرها من الدعوات الباطنية التى كانت تحافظ على تقاليدها بالتستر إلى أن تقوى وتعلن وجودها بعد أن تكون قد حققت لنفسها المقومات الكفيلة باستمرارية وجودها (٥). وقد أخذ القائلون بالتقية أصولها من قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير﴾ (آل عمران ٢٨). وقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (النحل ١٠٦). فقد اتخذ القائلون بالتقية هاتين الآيتين أصلا لما ذهبوا إليه من قولهم بالتقية ثم غلا أتباعهم فى معناهما حتى أخرجوهما أو كادوا يخرجونهما عن أصل معناهما وقد بيّن أئمة العلماء المراد من الآيتين، فقال أصحاب أبى حنفية: التقية رخصة من الله تعالى، وتركها أفضل، فلو أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل فهو أفضل ممن أظهر، وكذلك كل أمر فيه إعزاز للدين فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة، وقال ابن حنبل وقد قيل له: إن عرضت على السيف، تجيب؟ قال: لا، وقال: إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟! ولم يكن أخذ الشيعة بالتقية على حد سواء، فقد غالى بعضهم وتوسط بعضهم، فهذا هو الشريف الرضى يقول: .. وقال بعضهم: معنى ذلك أن يكون المؤمن بين الكفار وحيدا، أو فى حكم الوحيد، إذا كان قليل الناصر غائب المظاهر، والكفار لهم الغلبة والكثرة، والدار والحوزة، فمباح له أن يخالقهم بأحسن خلقه، حتى يجعل الله له منهم مخرجا، ويتيح له فرجا، ولا تكون التقية بأن يدخل معهم فى انتهاك محرم أو استحلال محرم، بل التقية بالقول والكلام، والقلب عاقد على خلاف ما يظهر اللسان (٦). ثم قال: وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أن من أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل، أفضل ممن أظهر الكفر بلسانه، وإن أضمر الإيمان بقلبه " (٧). (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب مادة (وقى) ٥/ ٤٠١. ٢ - الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد: خالد محمد الحاج، ١/ ١١٣، ط إدارة إحياء التراث- قطر ٩٨٣ ١ م. ٣ - ضحى الإسلام: محمد أمين ٣/ ٢٤٥. ٤ - السابق ٣/ ٢٤٦. ٥ - الكشاف الفريد ١/ ١١٤. ٦ - حقائق التأويل. الشريف الرضى، ٥/ ٧٤، ط النجف ١٣٥٥هـ. ٧ - السابق ٥/ ٧٥.

стр. 157

٥١ - التغيير الاجتماعي لغة: التغيير والتبديل، تقول: غيرت الشىء فتغير، أى بدلته فتبدل (١). واصطلاحا: هو إحداث شىء لو يكن قبله (٢). وإذا كان التغيير اجتماعيا أمكننا أن نعرفه بأنه: إحداث شىء فى المجتمع لم يكن موجودا من قبل. ويلاحظ فى التعبير بلفظة "التغيير": عمل الغير، أما إن أردنا أن ننبه إلى حاله الشىء المتغير فالأليق أن نعبر بالتغير، فهو: انتقال الشىء من حالة إلى حالة أخرى (٣). وكثيرا ما يترادف مفهوم "التغيير الاجتماعى" مع مصطلحات: "النهضة"، و "اليقظة"، و "التطور"، و "النمو"، و "الإصلاح"، و "التقدم"، وهى مفردات شاعت لدى رواد الفكر والإصلاح العرب والمسلمين فى العصر الحديث، فاستخدام هذه الكلمات يتضمن معنى واحدا هو الصيغة الإرادية للتغيير. والتغيير الاجتماعى له عناصر لا يتم إلا بها، وهى: الأشخاص، والأشياء، والأفكار. فالتغيير يقوم على متابعة تحليلية لحركة هذه العناصر فى إطار الحياة الاجتماعية للإنسان. ولا يخفى ارتباط هذه العناصر ببعضها ارتباطا وثيقا وإن شكلت الأفكار فى عملية التغيير الاجتماعى العنصر ذا الأهمية البالغة، فأى عمل فردى أو اجتماعى لا يمكنه التحرك دون توجيه منها، وهى تؤثر فى المجتمع إما كعوامل نهوض، وإما كعوامل تعوق التحرك والنمو الاجتماعى (٤). حقيقة التغييرفى منهج القرآن: ورؤية القرآن فى "التغيير" لا تقف عند تغييرما بظواهر الأحياء والأشياء لأن هذا النوع لا يعدو أن يكون تبدلا من حال إلى حال، ومن مظهر إلى مظهر يأتى اللاحق فينسخ السابق. أما التغييرالحق فهوبعض سنن الله فى الآفاق وفى الأنفس والتى قوامها تغيير ما بالنفس أى التغيير الداخلى لنفس الإنسان وهو ما يتم عادة بتغيير الفكر الذى يتم معه تغيير السلوك، وتقاس به أحوال الأقوام والأمم بين الضعف والقوة وبين السقوط والنهوض. وهذا ما قرره القرآن فى قوله: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين﴾ الأنفال:٥٤. وقوله سبحانه: ﴿إن الله لا يغيرما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ الرعد:١١. وفى ضوء هذه السنة القرآنية التى قوامها الالتزام بمنهج الله أو البعد عنه: تسير مصائر الأفراد والأمم بين الازدهار والانكسار. أ. د/عبد الصبور مرزوق

стр. 158

٥٢ - التكبر لغة: تَكَبَّر أى تعظم وامتنع عن قبول الحق معاندة (١). واصطلاحا: سلوك يعبر به صاحبه عن مرض نفسى هو "الكبر" الذى هو ظن الإنسان أنه أفضل من غيره، وأن ما عنده من نعم هو جديربها، وهذا الظن وليد جهل الإنسان بحقيقته فى منشئه وحياته ومنتهاه. فإذا وقع الإنسان فى هذا الفهم الخاطى لنفسه عظمها واستصغر غيره، فإذا جاء سلوكه معبرا عن هذا فهو التكبر أى تعظيم النفس واحتقار الغير"فإذا تعظم أنف وحمى وافتخر، واستطال، ومرح، واختال" (٢). والتكبر رذيلة وثيقة الصلة برذائل أخرى مثل: العجب، الحقد، الحسد، الرياء. والتكبر بلاء لا يُرحم صاحبه عليه كما قال أحد الحكماء حين سئل عن ذلك (٣). المتكبر ممقوت من الله سبحانه: ﴿إنه لا يحب المستكبرين﴾ النحل:٢٣. وهو محروم من نعمة التوفيق ﴿سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق﴾ الأعراف:١٤٦، أى أمنعهم من فهم الحجج المؤدية إلى اليقين، فالمتكبر معاقب فى الآخرة: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين﴾ غافر:٦٠، أى صاغرين (٤). وذلك لأن الكبر منع أصحابه من تصديق الرسل، كما جعلهم يحتقرون اتباع الرسل، فالمتكبر محروم من حب الناس له؛ لأنه يتعظم عليهم ويحتقرهم فلا تكون المودة، وهو كذلك محروم من سديد آرائهم لأن غروره يمنعه من الأخذ عنهم حتى ولو كان حقا واضحا، وبذلك يمنع التكبر أصحابه من أن يتعاونوا مع غيرهم على البروالتقوى، ولا يبرأ مريض هذا المرض إلا إذا تذكر مم خلق، ونعم الله عليه، وإلى ماذا يصيربعد حياته الدنيا، هنا يدرك حقيقته وقدرغيره، فيتواضع لله فى خلقه. أ. د/أبو اليزيد العجمى

стр. 159

٥٣ - التكفير لغة: التغطية والستر، ومنه ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته … ) الحديد:٢٠، أى الغراس، حيث إنهم يسترون الحبوب داخل التربة. والتكفير: مصدر كفر بالفاء المفتوحة المشددة أى دعا إلى الكفر. واصطلاحا: نسبة أحد من أهل القبلة إلى الكفر. والكفر فى الشرع: نقيض الإيمان، وهو الجحود، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا إنا بكل كافرون … ﴾ القصص:٤٨. أى جاحدون، وهو بهذا لا يخرج عن المعنى اللغوى، لأن الكافر يستر قلبه ويغطيه بكفره. قال ابن عابدين فى حاشيته: الكفر شرعا: تكذيبه ﷺ فى شىء مما جاءبه مما هو معلوم من الدين بالضرورة. حكمه: نسبة أهل الكفر إلى كفرهم لا شىء فيه، أما نسبة المسلم إلى الكفر فإنه يدور بين حكمين: أحدهما: التحريم، وذلك إذا كان المسلم باقيا على إسلامه ولم يقم دليل على كفره لقوله تعالى: ﴿يا أليها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) النساء:٩٤. ولقوله ﷺ : (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا) (١). وقوله: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال والا رجعتا عليه) (٢). ثانيهما: الوجوب وذلك فى حق من صدر عنه ما يكفره ممن له صلاحية إصدار الحكم كالإفتاء والقضاء لمصلحة شرعية معتبرة تترتب على الحكم بتكفيره. وحتى تكون نسبة أحد إلى الكفر صحيحة لابد وأن يكون من حكم بكفره قد رجع عن الإسلام بأحد صور الرجوع كالقول أو الفعل أو الامتناع عن الفعل، بشرط كونه قاصدا، عالما، فلا يحكم -مثلا -بكفرمن جرى على لسانه الكفر دون قصد أو دراية لمعنى ما صدر عنه. جماعات التكفير: وقد ظهرت فى النصف الثانى من القرن الماض فى مصر وغيرها مجموعات من الناس تسمى نفسها "جماعة المسلمين" كان لها غلو شديد فى الدين تحكم بتكفير المجتمع، ودعت إلى الخروج منه والخروج عليه اعتمادا على اجتهاد شخصى ممن لا يملك أهلية للاجتهاد منهم، وأعطوا لأنفسهم حق الاتهام والعقوبة وتنفيذها بالقتل فيمن يرون أنه كافر، كما أعطوا لأنفسهم حق العدوان على أموال الآخرين وفق ما سموه نظرية الاستحلال. وقد عانى المسلمون كثيرا من آثار هذه الفتنة بما نشروا من الإرهاب وما قوبلوا به من الإرهاب المضاد الذى أزهقت به أرواح أبرياء وروعت به مئات الأسر حتى قيض الله لهذه الفتنة أن تنجلى فى نهاية هذا القرن (١). أ. د/عبد الصبور مرزوق

стр. 160

٥٤ - التكليف لغة: مشتق من الكلفة وهى المشقة كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: طلب ما فيه مشقة، وقيل: إلزام ما فيه مشقة (٢). فعلى الرأى الأول لا يوصف بالتكليف إلا الواجب والمندوب والحرام والمكروه، وعلى الرأى الآخر لا يوصف به إلا الواجب والحرام، أما المباح فليس من التكليف على كلا الرأيين؛ حيث إنه لم يطلب ولم يلزم به. ولا يعقل التكليف إلا باجتماع أربعة أمور: التكليف وهو المصدر، والمكلَّف وهو من يقوم به التكليف وأصله طالب ملزم لكن لا يجب إلا طاعة لله وطاعة من أوجب طاعته، والمكلف وهو الذى استدعى منه الفعل، والمكلف به وهو المطلوب فعله. وتشترط شروط فى المكلَّف، والمكلّف به. فأما شروط المكلَّف وهو المحكوم عليه فمنها: ١ - الحياة فالميت لا يكلف. ٢ - كونه من الثقلين "الإنس والجن " فلا تكليف على جميع الحيوانات والجمادات. ٣ - البلوغ، فالصبى ليس مكلفا أصلا لقصور فهمه عن إدراك معانى الخطاب. ٤ - العقل، فالمجنون ليس بمكلف إجماعا، ويستحيل تكليفه لأنه لا يعقل الأمر والنهى. ٥ - الفهم، لأن الإتيان بالفعل على سبيل القصد والامتثال يتوقف على العلم به وهذا لا يحدث مع عدم الفهم كما لا يخفى. ٦ - الاختيار فيمتنع تكليف الملجأ والمكره والمضطر إلى فعل. ٧ - علمه بكونه مأمورا؛ لأنه لو لم يعلم لم يتصور منه قصد الامتثال. والمكلف به له شروط منها: أ- أن يكون معدوما عند الأمر به لئلا يلزم منه تحصيل الحاصل. ٢ - أن يكون حاصلا بكسب المكلف. ٣ - أن يكون معلوما حتى يتسنى الإتيان به. والتكليف مناطه العقل، وقد تعرض للمكلف عوارض فتؤثر فى التكليف رفعا أو تغييرا، وهى إما سماوية وإما مكتسبة. فالسماوية: ا- الصغر وهو من الولادة إلى البلوغ. ٢ - الجنون، وهو آفة سماوية باعثة للإنسان على أفعال تنافى مقتضى العقل مطلقا غير ضعف فى عامة الأطراف. ٣ - العته بعد البلوغ وهو آفة توجب خللاً فى العقل فيختلط كلام صاحبه. ٤ - النسيان. ٥ - النوم. ٦ - الإغماء وهو نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل العقل. ٧ - الرق. ٨ - المرض وهو حالة للبدن يزول بها اعتدال الطبيعة. ٩ - الحيض. ١٠ - النفاس. ١١ - الموت وهو انعدام الحياة. والعوارض المكتسبة: ١ - الجهل. ٢ - السُكْر. ٣ - الهزل. ٤ - السفه. ٥ - السفر. ٦ - الخطأ. ٧ - والإكراه (٣) والله أعلم. أ. د/ على جمعة محمد

стр. 161

٥٥ - تلوث البيئة البيئة اصطلاحا: البيئة هى كل ما يحيط بالكائن الحى. وتتضمن بيئة الإنسان شتى العوامل المحيطة به كالحرارة والإمدادات الغذائية، وغيره من البشر، والبيئة البيولوجية هى الكائنات الحية أو التى كانت حية، أما البيئة غير البيولوجية فتشمل الحرارة، وضوء الشمس، والتربة، والغلاف الجوى، والإشعاع، كما تشمل المجال الحيوى المتاح للكائن الحى. والتلوث اصطلاحا: أىُّ إفساد مباشر للخصائص العضوية أو الحرارية أو البيولوجية والإشعاعات لأى جزء من البيئة، مثلا بتفريغ أو إطلاق أو إيداع نفايات أو مواد من شأنها التأثير على الاستعمال المفيد، أو بمعنى آخر، تسبب وضعا يكون ضارا أو يحتمل الإضرار بالصحة العامة، أو سلامة الحيوانات، والطيور، والحشرات، والأسماك، والموارد الحية والنباتات. تلوث البيئة اصطلاحا: يستخدم هذا التعبير للدلالة على أية مشكلة تنشأ فى أى من العوامل المحيطة بالكائن الحى، كتلوث الهواء أو الماء، وذلك بوجود نفايات فيهما. التلوث الهوائى: والمصدر الرئيسى للتلوث هو النفايات الناشئة عن احتراق الوقود، سواء فى تشغيل المصانع أو حركات السيارات ووسائل المواصلات أو التدفئة أو حرق النفايات، وتوجد أيضا ملوثات طبيعية للهواء كالغبار وحبوب اللقاح وجزيئات التربة، وقد أدى النمو السكانى السريع وزيادة أعداد السيارات والطائرات إلى تفاقم مشكلة تلوث الهواء منذ منتصف القرن العشرين، ووصل الأمر بدرجة تلوث الهواء فى بعض المدن الكبرى إلى حدود الضرر بصحة السكان، بل والحيوان، والمبانى. ويتمثل الضرر الصحى فى تلوث الهواء فى إيذاء الجهاز التنفسى، حيث تتفاقم بعض أمراضه بصورة خطيرة، كما يؤدى تلوث الهواء إلى الإضرار بالمحاصيل، والثروة الحيوانية، والمعادن، وتدهور نوعية وكمية المنتج من هذه الثروات، وقد نشطت حركات البيئة والحكومات إلى فرض التشريعات الكفيلة بتقليل مصادر التلوث، وتحديد كمية التلوث التى يمكن السماح بها، وتجهز السيارات والمصانع بوسائل تحكم فى التلوث ومحاولة تحويل الملوثات إلى مواد غير ضارة. التلوث المائى: وينشأ عن تعرض الماء للشوائب المختلفة، كالمواد الكيميائية السامة والمعادن والزيوت والمخلفات الإنسانية والحيوانية، ويمتد التلوث المائى ليصيب الأمطار (الأمطار الحمضية) والأنهار، والبحيرات والمحيطات، بل والمياه الجوفية التى تغذى مياه الآبار والينابيع. وتبذل الحكومات جهودا مكثفة للحد من كمية المخلفات التى يستسهل السكان صرفها فى المجارى المائية المخصصة للشرب، كما هو حادث فى نهر النيل والترع المتفرعة منه على سبيل المثال، وتفرض إجراءات صارمة على المصانع التى تؤثر- لأسباب اقتصادية- صرف مخلفاتها الصناعية في القنوات المائية التى تمثل مصادر مياه الشرب، كما تُبذل جهود مماثلة للسيطرة على صرف المخلفات الكيميائية الزراعية (الأسمدة والمبيدات). أ. د/ محمد الجوادى

стр. 162

٥٦ - التمريض اصطلاحا: يطلق اللفظ على الوظيفة الإنسانية التى نمارسها جميعا عند العناية بالمرضى والعجزة، ويطلق اللفظ أيضا على المهنة، سواء أكان القائم بها متبرعا أم بأجر، وهى من أقدم المهن فى التاريخ. وقد ارتبط التمريض بالطب والتطبيب، ومارسها الرجال والنساء على السواء، ومورست فى أماكن العبادة حين كان الاعتقاد فى أن الأمراض تتسبب عن الأرواح الشريرة ثم بدأت المرأة تزاول التمريض خارج بيتها فى فجر العهد المسيحى، وعرفت سيدات كثيرات بالمشاركة فى التمريض فى حروب الرسول ﷺ وصدر الإسلام، وبدأ تعلُّم التمريض كمهنة فى القرن السابع عشر، وإلى القديس "فنسنت دى بول " يعود الفضل فى الدعوة إلى تخصيص دراسات لهذه المهنة. أنشئت أول مدرسة لتدريب الممرضات فى ألمانيا (١٨٣٦)، وقد تلقت الممرضة الشهيرة "فلورانس نيتنجيل " تعليمها فى هذه المدرسة، وإلى هذه المدرسة يعود الفضل فى إنشاء مدرسة التمريض فى مستشفى سانت توماس فى لندن، وهكذا بدأ الاهتمام بمواكبة تعليم التمريض لأداء المهنة نفسها، وأنشئت فى أمريكا (١٨٧٣) عدة مدارس على غرار مدرسة نيتنجيل. وانتشرت فى القرن العشرين مدارس التمريض كما صدرت تشريعات تنظيم مزاولة المهنة فى كثير من أقطار العالم. وفى مصر شهد تعليم التمريض طفرة كبيرة فى أوائل السبعينات فى القرن العشرين حين افتتحت مدرسة للتمريض فى كل مستشفى مركزى، وبدأت الدراسة الجامعية للتمريض فى معهد عال فى جامعة الأسكندرية تحول بعد هذا إلى كلية، ومؤخرا حولت كل المعاهد العليا للتمريض إلى كليات، وتمنح الجامعات درجات الدكتوراه والأستاذية فى التمريض، كما عرف التمريض المتقدم التخصصات المختلفة شأن الطب تقريبا، ويعتمد الطب فى الولايات المتحدة الأمريكية على التمريض اعتمادا جوهريا بحيث يمكن القول بأن الطب الأمريكى أصبح جوهره تمريضا مدعوما بالطب. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 163

٥٧ - التمكين لغة: (مَكِن) (مَكّنه) الله من الشىء (تمكيناً) منه بمعنى، و (استمكن) ومكّنه مكّنته من الشىء وأمْكنْتُه منه فتمكن واستمكن كما فى القاموس والصحاح. واصطلاحا: التمكن بمعنى (القدرة) والتمكين بمعنى (الإقدار) وبهذا المعنى ورد هذا اللفظ فى القرآن الكريم، ففى سورة الحج فى قوله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (الحج ٤١). وبمناسبة الحديث عن ذى القرنين فى سورة الكهف قال تعالى: ﴿إنا مكنا له فى الأرض وآتيناه من كل شىء سببا﴾ (الكهف ٨٤). وقوله تعالى ﴿قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ (الكهف ٩٥). وكما وردت بذات المعنى فى سورة يوسف فى قوله تعالى: ﴿كذلك مكنا ليوسف فى الأرض﴾ (يوسف ٥٦).أما فى مجال العقيدة وعلم الكلام فنجد لفظ القدرة "التمكين " لا يبتعد عن هذا المعنى وإن كان يستعاض عنه بلفظ القدرة عند المعتزلة ويقترب من مفهوم الكسب عند الأشاعرة. وتعلق هذا اللفظ بقدرة العبد على الفعل أى بالفاعل على الحقيقة هل هو الله كما يرى الأشاعرة أم هذا العبد كما يرى المعتزلة. كما نجد معنى لفظ "التمكين" متضمنا فى لفظ "الممكن" عند الفلاسفة مقابلا للواجب منسوبان إلى لفظ الوجود، فممكن الوجود هو الموجود بالقوة، أما واجب الوجود فهو الموجود بالفعل. ثم ينقسم واجب الوجود إلى قسمين: أحدهما واجب الوجود بذاته وهو الله أما واجب الوجود بغيره فهو ماعدا ذلك من الموجودات. أ. د/ السيد الشاهد

стр. 164

٥٨ - التنجيم لغة: النظر فى الكواكب والنجوم، وحساب حركاتها، واستخدام ذلك فى ادعاء معرفة الغيب واستطلاع أقدار الناس وآجالهم، وأرزاقهم وحظوظهم فى الدنيا (١). واصطلاحا: التنجيم: حرفة مارسها المنجمون، على أساس أفكار علماء الفلك الأقدمين. وكان الكلدانيون أول من اشتغل بالتنجيم فى القرن السابع ق. م، كما اشتغل به المصريون القدماء، وأخذه الإغريق عنهم كما أخذه عنهم الهنود القدماء والرومان. واعتبرت رسالة النبى عيسى ﵇ التنجيم وحيا من الشيطان إلى من يعمل به، ولقد كان من بعض الأعراب فى الجاهلية منجمون ومنهم: سملقة، وسطيح، وطريفة، وزوبعة، وعمران وغيرهم. ونهى الإسلام عن التنجيم واعتبر الإيمان به كفرا، فاشتفت حرفة التنجيم فى الجزيرة العربية زمنا طويلا، إلى أن ظهرت فى عصر الدولة العباسية، فكان أبو جعفر المنصور من المعجبين بالتنجيم والمهتمين به حتى كان بعض المنجمين فى صحبته دائما وكان منهم نوبخت الفارسى وغيره. وأساس التنجيم ظاهر البطلان، وما انتشر- قديما إلا بين الأمم الوثنية التى كانت تقدس النجوم وتسجد لها، كما قال الله : ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمرلا تسجدوا للشمس ولا للقمرواسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ فصلت:٣٧. وعن زيد بن خالد -رضى الله عنه- قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل فقال: (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا الله ورسوله أعلم. قال: قال الله عزوجل: أصبح من عبادى مؤمن بى، وكافربى، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمن بى كافر بالكواكب، أما من قال مطرنا بنجم كذا وكذا فهو مؤمن بالكواكب كافربى) (رواه البخارى) (٢). وعن محمد بن على عن أبيه عن على أن رسول الله ﷺ قال: (ولا نجالس أصحاب النجوم) (أخرجه أحمد). ولما تأهب الخليفة المعتصم لفتح عمورية، ظهرالمذنب هالى فى السماء فتشاءم الناس منه، ونصح المنجمون الخليفة ألا يخرج للحرب، إلا أنه تذكر أحاديث رسول الله ﷺ وخرج للحرب وانتصر. وفى ذلك قال المتنبى: السيف أصدق إنباء من الكتب * فى حده الحد بين الجد واللعب أما المنجمون فى العصر الحالى. وقد صدموا بالاكتشافات الفلكية الحديثة فقد أعلنوا أنهم لا يعتقدون أن للكواكب والنجوم تأثيرا على مقدرات الناس، وإنما هى منفعلة لإرادة الله تعالى. فالذى يراقبها من المنجمين، يتبين له وجهة الإرادة الإلهية فى بعض الأحداث الدنيوية يريد الله تعالى أن يكشفها للناس. ومن الواضح أن هذا التأويل الذى وجدوا فيه مخرجا لهم ظاهر البطلان أيضا. أ. د/احمد شوقى إبراهيم

стр. 165

٥٩ - التنوير لغة: وقت إسفار الصبح، يقال: قد نور الصبح تنويرا، والتنوير: الإنارة، والتنوير: الإسفار، كما فى اللسان (١). واصطلاحا: التنوير ( Renaissance): ظهر فى القرنين السادس عشر والسابع عشر تعبيرا عن الفكر الليبرالى البورجوازى ذى النزعة الإنسانية العقلية والعلمية والتجريبية، كما يتضمن هذا الفكر نزعة مادية واضحة بعد إقصاء اللاهوت، وذلك بإحلال الطبيعة والعقل بدلا من الفكر الغيبى الثيولوجى والخرافى فى تفسير ظواهر العالم ووضع قوانينه. وأطلق على هذا العصر- القرنين: السادس عشر والسابع عشر عصر النهضة ويقصد بها التحررمن السيطرة الطاغية: سيطرة الملوك والأمراء، ومن سيطرة التقاليد والعادات وتخلصا من سيطرة الكنسية واللاهوت. وقد شاع هذا المصطلح "التنوير" فى العالم العربى خلال القرن التاسع عشر الميلادى تحت مفهوم: الحداثة، نتيجة لقاء الحضارة العربية مع الحضارة الأوروبية، وكان يعنى: نفض الغبار الذى ران على العقل العربى الإسلامى خلال عصور الانحطاط التى بدأت منذ السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) وتجديد الفكر العربى الإسلامى لمواجهة الفكر الغربى. ومع ذلك لم تقطع حركة التنويرالعربية الإسلامية علاقتها بالتراث العربى الإسلامى، بل اتجهت إلى إحياء جوانبه العقلية والعلمية والتجريبية، وربطها بالحضارة الحديثة فلم تكن حركة تقليد للوافد الجديد، ولا تمسكا حرفيا بالقديم الموروث، بل كانت محاولة للتجديد فى إطار عربى إسلامى. وقد بدأت هذه الحركة بومضات استنارة، ظهرت فى فكر الكواكبى، والشيخ حسن العطار، ورفاعة الطهطاوى، واتضحت معالمها فى فكر جمال الدين الأفغانى، وتلميذه الإمام محمد عبده، ومدرسة المنار: مصطفى عبد الرازق، ومحمود شلتوت، ومحمد البهى وغيرهم، إذ لم يجد هؤلاء الرواد تعارضا بين تعاليم الإسلام وبين استخدام العقل فى فهم الكون والطبيعة والإنسان، ولم يجدوا بأسا فى الأخذ بأساليب المدنية الحديثة، فلقد دعا جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وتلاميذهما إلى أن الإسلام منور للعقول بإشراق الحق، فحث المسلمين على البحث فى جميع فروع العلوم المدنية؟ إذ تلزم العقيدة معتنقيها بالتبصر فى الفنون والعلوم، كالطبيعة، والكيمياء، والهندسهة، والفلك. وغيرها. وبذلك أدى هؤلاء المصلحون خدمة للدين والعلم معا؟ بما أكدوا على حرية العقل من المنظور الدينى، وبما أنهوا من أسباب العداوة بين الدين والعلم فى المجتمع المعاصر. ولم يكن ظهور الاتجاه العقلى فى الفكر الإسلامى فى القرن التاسع عشر الميلادى بداية عصر التنوير فى المجتمع الإسلامى بل كان إحياء لظاهرة فكرية قديمة، قادها المعتزلة، وابن رشد، وابن خلدون، وغيرهم ممن كان للعقل المقام الأول فى نظرتهم للكون والطبيعة والإنسان، بل إن من الباحتين من يرى أن إخوان الصفا هم رواد التنوير فى الفكر الإسلامى، ويستدل على ذلك بأنهم دعوا فى رسائلهم إلى استخدام العقل ورفض التعصب الدينى والمذهبى، وإنكار "تكفير" الفرقاء لأسباب فكرية دينية وغير ذلك من الأفكار التى تعد معالم للفكرالتنويرى، بل ذهب بعضهم إلى أن فكر ابن خلدون -فى جوهره- منقول عن إخوان الصفا، وأن ابن النفيس اقتبس -أو نقل- عنهم كثيرا من أفكاره. أ. د/محمد شامة

стр. 166

٦٠ - التهكم هو ما كان ظاهره جدا وباطنه هزلا. وهو عكس الهزل الذى يراد به الجد، والتهكم أسلوب يستخدم للسخرية من الآخرين، صحيح الظاهر جاده، وفى داخله هزل ولمز. مثاله: قول إنسان لآخروهو فى معرض ذمه: أنت جواد كريم، ولكنه فى الحقيقة لا يقصد ظاهر هذه العبارة بل يقصد لمزه بالبخل والشح. وقد عد جماعة من قبيل التهكم قوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ الدخان:٤٩. إذ اللفظ فى ظاهره يحمل وصفا العزة والكرم، لكن باطنه يحمل رميا بالذل والخسة والمهانة. وذهب جماعة إلى نفى التهكم والسخرية عن كلام الله تنزيها له عن هذا الأسلوب الذى لا يناسب جلاله وكماله. أ. د/عبد الصبورمرزوق

стр. 167

٦١ - التواشيح ظهر فن التواشيح كنوع من أنواع الشعر العربى فى الأندلس فى أوائل القرن الثالث الهجرى على يد مقدم بن معافر من شعراء الأمير عبد الله المروانى ثم تبعه أحمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد وسمى بذلك لشدة تنميقه وتزيينه. واصطلاحا: يطلق على المقطوعة. وكلمة (موشح) المشتقة من (الوشاح). وينقسم الموشح إلى مطلع يتكون من شطرين يسمى كل منهما بالغصن ثم الدور، ويتكون من ثلاثة أشطار شعرية على الأقل وكل شطر من مقطع واحد على الأقل، وهذا يسمى بالموشح التام. فإن اشتمل على الدور مباشرة ولم يكن له مطلع فيقال له الموشح الناقص. ويأتى بعد الدور القفل، ويماثل المطلع فى عدد الأغصان ونظام القافية، ويسمى أخر قفل فى الموشح بالخرجة، وهى إما أن تكون عربية فصيحة أو عامية أو أعجمية. والموشح ينقسم إلى ما وافق أوزان الشعر الموروثة، وما خرج عنها، وما خرج هو الغالب على الموشحات، ويقوم الملحن بإصلاح ما فيه من عدم الوزن ويقوم الموشح على القوافى المختلفة فقد تختلف قافية المطلع مع قافية الدور، ولابد أن تتفق قافية الدور مع نفسها وقافية المطلع مع القفل. مثال ذلك ما قاله ابن اللبانة (ت ٥٠٧ هـ). مطلع: ١ - شاهدى فى الحب من حرقى. ٢ - أدمع كالجمر تنذرفُ دور: ١ - تعجز الأوصاف عن قمر ٢ - خده يدمى من النظر ٣ - بشر يسمو على البشر قفل: ١ - قد براه الله من علق. ٢ - ما عسى فى حسنه أصفُ ويسمى هذا البيت الأول ثم تتتالى الأبيات. أ. د/ على جمعة محمد

стр. 168

٦٢ - التوثيق لغة: هو الإحكام (١) تقول: وثق الشىء قوى وثبت وكان محكما، وتوثق تقوى وتثبته (٢). واصطلاحا: هو إثبات صحة الشىء أو التثبت من صحة النص، وهو مشتق من الثقة ومنه وثيقة الزواج، وتوثيق العقود أى إثبات صحتها ومصلحة التوثيق هى الجهة المنوط بها إثبات صحة العقود والمعاملات المكتوبة بين الناس. والتوثيق فى البحوث العلمية يقصد به: ربط كل الأفكار والقضايا والمسائل الواردة بها بالمصادر والمراجع التى أخذت منها، وتدعيمها بالاقتباسات والشواهد المأخوذة من تلك المصادر والمراجع (٣). وأول مظهر لاهتمام العرب بتوثيق النصوص هو عناية الرسول ﷺ بكتابة القرآن الكريم، وحرصه على ضبط ما يكتبه كتبة الوحى فقد روى عن زيد بن ثابت قوله "كنت أكتب الوحى عند رسول الله ﷺ وهو يملى على، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس" (٤). وبما أن الحديث النبوى هو المصدر الثانى من مصادر التشريع ونظرا لأنه لم يدون إلا على رأس المائة الثانية للهجرة فقد كان طبيعيا أن يهتم المسلمون بتوثيقه اهتماما بالغا لما له من أهمية فى شئون أمور الدين والدنيا. ولهذا وضعت القواعد لقبول الحديث وظهر الاهتمام بصحة الإسناد منذ عهد مبكر، فقد روى عن عبد الله بن المبارك قوله:"مثل الذى يطلب أمردينه بلا إسناد كمثل الذى يرتقى السطح بلا سلم " (٥)، ونتج عن ذلك الاهتمام بصدق الرواة والتأكد من حسن سماعهم لما يروونه، وحقيقة لقائهم بشيوخهم وعدم الزيادة أو النقصان أو التحريف أو التصحيف أو المخالفة فيما يروون من أجل التثبت من أهليتهم لرواية الحديث، وكما نتج عنه الاهتمام بمعرفة اتصال السند أو انقطاعه، وعلوه ونزوله، وغير ذلك مما فصلته علوم الحديث، وقد تمخض هذا كله عن ظهور علم مصطلح الحديث من ناحية وكتب الجرح والتعديل من ناحية أخرى. وكان لتوثيق النصوص مظاهر متعددة تمثلت فى تدوين السماعات والقراءات والإجازات والمقابلات والمعارضات والتصحيحات والاستدراكات على النسخ المخطوطة إحكاما واستيثاقا. وفى العقد الثالث من القرن العشرين استخدم المكتبيون مصطلح "التوثيق" كمقابل لكلمة Decumentation. التى أفرزها عصر تفجر المعلومات (٦)، فقد أدى التتابع السريع والمنتظم للمعلومات التى تنشر فى غير الكتب كمقالات الدوريات والبحوث والتقارير والنشرات والمستخلصات والرسائل العلمية وغيرها من صور النشر الحديثة وبخاصة فى مجال العلوم والتكنولوجيا. وأدى عجز النظم الببليوجرافية التقليدية، وقصورأمناء المكتبات التقليدية فى تلبية احتياجات الباحثين فى التخصصات الدقيقة أدى ذلك إلى تحول المكتبات المتخصصة إلى مراكز توثيق مهمتها السيطرة على هذا السبيل الجارف من المعلومات جمعا وتسجيلا وتصنيفا واختزانا فى الحاسبات الإلكترونية، وتقديم خدمة غير تقليدية للباحثين فبدأت تظهر مراكز توثيق متخصصة فى الزراعة والصناعة والتربية وغيرها من فروع المعرفة وانعكس هذا التطور على مسميات أقسام المكتبات ومعاهدها فأصبحت تسمى "أقسام المكتبات والتوثيق" واستمرت هذه الموجة ثلاثة عقود ثم بدأت فى الانحسار وبدأ مصطلح "التوثيق" يختفى من الاستخدام فى السبعينيات ليحل محله مصطلح جديد هو المعلومات Information. أ. د/عبد الستار عبدالحق الحلوجى

стр. 169

٦٣ - التوحيد لغة:"الإيمان بالله وحده لاشريك له". واصطلاحا:"معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفى الأنداد عنه جملة "، وهو بهذا المعنى حقيقة بسيطة تدور على إفراد الله تعالى بالعبودية، ونفيها عن كل ما سواه. والتوحيد هو جوهر الإسلام، بل جوهركل الأديان السماوية، وهو دعوة الرسل والأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وجاء فى القرآن الكريم: ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل:٣٦. ويقف الإسلام بخصيصة التوحيد هذه على الطرف المقابل للعقائد التى يتسع فيها مفهوم العبادة لغير الله تعالى، كائنا ما كان هذا الغير: جمادا أو حيوانا أو إنسانا أوكائنا خفيا كالجن والشياطين، كما يقف على الطرف المقابل أيضا لكل المذاهب والفلسفات التى تؤمن بحلول الله فى غيره، أو اتحاده بهذا الغير، أو تجسده فيه. ولم ترد كلمة "التوحيد" بهذه الصيغة اللغوية فى القرآن الكريم، وإنما وردت بصيغة "الواحد" وصفا لله تعالى اثنتين وعشرين مرة. كما وردت لها فيه صيغة "أحد" -وصفا لله تعالى- فى سورة الإخلاص فى قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ الإخلاص:١، وهذه السورة تعدل ثلث القرآن لما اشتملت عليه من بيان التوحيد الخالص الذى هو أصل الإسلام وذروة سنامه. والتوحيد -فى هذا الإطار الواضح الميسر- هو العقيدة التى يحملها الإسلام إلى الناس كافة ويقدمها للبشر بحسبانها معيارا وحيدا يصحح بها علاقة الإنسان بالله -تعالى- عقيدة وعبادة. ورغم بساطة هذه العقيدة ووضوحها فقد شغلت مساحة هائلة من اهتمام العلماء والمفكرين والفلاسفة المسلمين، ونشأت حولها تفسيرات وشروح وأفكار بالغة الدقة، شكلت "علما" مستقلا سمى بعلم التوحيد أو علم الكلام، وظهر هذا العلم فى وقت مبكر جدا من تاريخ الإسلام، ولازال يستمد مبررات وجوده من هذه العقيدة حتى يومنا هذا. وقد نشأت على طول هذا التاريخ مدارس وفرق كلامية اختلفت رواها وتفسيراتها العلمية لأبعاد عقيدة التوحيد، لكنها لم تختلف حول المعنى البسيط لهذه العقيدة كما يقررها القرآن الكريم والسنة النبوية. ومعنى "التوحيد" عند متكلمى أهل السنة والجماعة: إثبات الوحدانية لله تعالى فى ذأته وصفاته وأفعاله: فوحدانية الذات تعنى تنزيه ذاته تعالى عن الجسمية ولواحقها من تركب وتبعض وتحيزفى الجهة، وهو ما يعبرون عنه بنفى الكم المتصل عن الذات، كما يعنى تنزيه الذات عن أن يكون له ند أوضد أو مثل أو شريك، وهو ما يعبرعنه بنفى الكم المنفصل عن الذات، وتعنى وحدانية الصفات استحالة التعدد فى الصفة الواحدة من صفات الله تعالى كأن تكون له قدرتان أو علمان. الخ. كما تعنى استحالة استحقاق الغيرلأية صفة من الصفات الإلهية. أما وحدانية الأفعال فمعناها نفى مشاركة الغيرلله تعالى فى إيجاد شىء فى هذا الكون أو تدبيره. وقد تشددت فرقة المعتزلة فى تنزيه التوحيد فاثبتوا الذات ونفوا الصفات، وتشدد بعض الفلاسفة أيضا فمنعوا وصفه تعالى بالصفات الثبوتية، واكتفوا بوصفه تعالى بالإضافات والسلوب، وذلك خوفا من انثلام "الوحدة" الإلهية أو لحوقما التعدد بها، حتى لو كان التعدد فى الأوصاف. وهذان المذهبان يقابلان مذهب أهل السنة الذى يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات وأسماء كثيرة، والذى يرى أن كثرة الصفات لموصوف واحد لا تقدح فى وحدة الذات، إذ الممنوع عقلا وجود أكثر من ذات أو جوهر يتصف كل منها بالألوهية أو تحل فيها المعانى الإلهية. ولعلماء الكلام من معتزلة واشاعرة وغيرهم براهين عقلية مطولة فى إثبات صفة الوحدانية لله وإبطال العقائد المعددة فى الألوهية بالتثنية أو التثليث أو الحلول أو الاتحاد … الخ. والتوحيد عند شيوخ التصوف يستند -أيضا- إلى المعنى العام البسيط للتوحيد كما ورد فى القرآن والسنة، وقد عرض القشيرى فى مفتتح كتابه المسمى بالرسالة القشيرية لبيان اعتقادهم فى التوحيد بما لا يخرج عن مذهب أهل السنة والجماعة. غير أننا نلمس أبعادا أخرى -ذوقية- تقع وراء "المعنى البسيط" لعقيدة التوحيد، وتتمتل فى تقسيمه إلى مراتب تختلف باختلاف الموحدين ومدى مخالطة "بشاشة التوحيد" لقلوبهم، فهناك توحيد العامة، وهو التوحيد الذى يقف عند المعنى العام لشهادة: ألا إله إلا الله، وتوحيد الخاصة، وهو حالة لا يرى فيها العبد غير الحق، وتسقط عنده الأسباب الظاهرة، فلا يرى لها تأثيرا رغم مباشرته إياها. ثم توحيد خاصة الخاصة، وهو التوحيد الذى اختص الحق -تعالى- نفسه به، غيرأنه أظهر لبعض صفوته من هذا التوحيد لوائح وأسرارا. وطريق التوحيد فى المرتبة الأولى ملاحظة الشواهد والآيات والآثار، وفى المرتبة الثانية المكاشفات والمعاينات والأحوال من قبض وبسط وسكروصحو ومحو … الخ. وتوحيد المرتبة الثالثة لا يقبل وصفا ولا تأخذه العبارة ولا النعت. وما يقوله شيوخ التصوف فى مراتب التوحيد ليس مسلما لدى كثيرمن علماء الإسلام وفقهائه، خصوصا: ابن تيمية، وابن القيم الذى انتقد هذه المراتب وفندها من وجهة نظرشرعية وهو يشرح منازل السائرين للصوفى الشهير: أبى إسماعيل الهروى. ويرى ابن خلدون أن المعتبر فى التوحيد ليس هو الإيمان فقط، لأن الإيمان تصديق علمى، أما التوحيد فهو علم ثان ينشأ من العلم الأول، والفرق بينهما أشبه بالفرق بين العلم بالشىء والاتصاف بهذا الشىء أو التحقق به. أ. د/أحمد الطيب

стр. 170

٦٤ - التورية لغة: مأخوذة من: ورى الخبر، أى ستره، وأظهر غيره، والتورية: الستر كما فى اللسان. واصطلاحا: أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد، ويراد البعيد منهما لقرينة خفية، فكأن المعنى القريب ساتر للمعنى البعيد المراد، وكانت القرينة خفية شحذا للخيال، وإثارة للتأمل، تتجاوز المعنى القريب إلى البعيد. وتنقسم إلى أربعة أقسام: ١ - مرشحة: إذا ذكر ما يلائم المعنى القريبه غير المراد، لإثارتها مزيدا من الفكر والتأمل كقول يحيى بن منصور الحنفى من شعراء الحماسة. فلما نأت عنا العشرة كلها * أنخنا تحالفنا السيوف على الدهر فما أسلمتنا عند يوم كريهة * ولا نحن أغفينا الجفوف على وتر فإن الإغفاء مما يلائم جفن العين، لا جفن السيف، وإن كان المراد إغماد السيوف أى لم تغمد السيوف وهم وترعند أحد. ٢ - مجردة: وهى التى تتجرد عما يلائم كلا المعنيين، القريب والبعيد: كقول إبراهيم الخليل ﵇ عن سارة زوجه، لجبار من الجبابرة وقد سأله عنها: "أختى" يريد أخوة الإسلام لا أخوة النسب. ٣ - مبينة: وهى ما ذكرفيها ما يلائم المعنى البعيد كقول البحترى: ووراء تسدية الوشاح ملية * بالحسن تملح فى القلوب وتعذب. فالمراد الملاحة والحسن. ٤ - مهيأة: وهى التى تفتقر إلى ذكر شىء مهيىء فى العبارة كقول ابن الربيع: لولا التطير بالخلاف وأنهم * قالوا مريض لا يعود مريضا لقضيت نحبى فى جنابك خدمة * لأكون مندوبا قضى مفروضا. ومندوبا صفة لمحذوف أى ميتا مندوبا وهو المعنى البعيد المراد، والمعنى القريب: المندوب ما قابل المسنون والمفروض، وذكر المفروض هيأ التورية، وتقبل التورية إذا جاءت تلقائية دون تكلف وسرف تثير التدبر وتدل على الذكاء وامتلاك ناصية اللغة. أ. د/صبّاح عبيد دراز

стр. 171

٦٥ - التيجانية لغة: يقال (١) تجّانية لا تيجانية، بتشديد الجيم دون ياء كما يقال أيضا: تجينية: اسم لطريقة صوفية كبرى حمل رجالها السيف والقلم فى الجهاد، لإعلاء كلمة الله على الأرض. منشىء الطريقة وراعيها هو السيد أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن سالم التجانى (١١٥٠ - ١٣٣٠هـ/ الموافق ١٧٣٧ - ١٨١٥م). ولد فى "عين ماضى (٢) " بالجزائر .. قرية على مسيرة اثنين وسبعين كيلو مترا غربى " الأغواط"، وثمانية وعشرين، شرقى "تهمت ". وهو من أولاد سيدى الشيخ محمد، مات أبواه بطاعون ١١٦٦هـ- ١٧٥٣م. وقد تلقى (٣) علومه الأولى فى مسقط رأسه وأتمها فى فاس سنة ١١٧١هـ- ١٧٥٨م، ثم نزل أرض السودان حيث أقام فى مدينة الأبيض خمس سنوات، ثم رحل إلى تلمسان، ثم إلى مكة والمدينة سنة ١١٨٦هـ- ١٧٧٣م، ثم رحل إلى القاهرة بعد ذلك، ثم عاد إلى تونس ثم تلمسان ثم فاس حيث التقى بالشيخ الإدريسى سنة ١١٩١هـ- ١٧٧٨م. وفى "فاس" بالذات لقيه تلميذه المؤرخ العالم المعروف: على حرازم بن العربى المغربى الفاسى، وهو مؤلف أهم كتب التجانية: جواهر المعانى وبلوغ الأمانى، (٤) حيث رحل معه إلى "وجدة"، ثم قفل إلى "فاس" فى صحبته، وهناك لقّنه العهد وودّعه وقال له فيما قال: (الزم العهد والمحبة حتى يأتى الفتح إن شاء الله تعالى) (٥). ويحكى لنا مؤرخه (٦) أنه ارتحل فترة ناحية الصحراء سنة ١١٩٦هـ- ١٧٨٢م، حيث نزل بقرية القطب أبى صمغون، وهى أشبه بواحة، ثم رحل إلى "توات"،، ثم عاد إلى أبى صمغون وفيها وقع له الفتح، كما يروى خليفته على حرازم. فأذن له رسول الله ﷺ فى تلقين الخلق بعد أن كان فارا منهم (٧). ويذكر لنا تلميذه (٨) المؤرخ أن النبى ﷺ أمره بأن يترك ويطرح جميع ما أخذ من الطرق، وأن يلزم طريقه هو (دون خلوة ودون اعتزال، من غير ضيق ولا حرج) وكان ذلك سنة ١٢٠٠ من الهجرة الشريفة. ومن ذلك الوقت كانت تحج إليه الوفود من جميع الأمصار ويحكى لنا أيضا أنه عايشه وعاشره ما بقى من أيام حياته حتى وفاته فى فاس سنة ١٢٣٠هـ- ١٨١٥م، حيث دفن بزاويته فيها. ورغم أن دعاة الطريقة قد وجدوا تربة صالحة لازدهارها فى مصر وجزيرة العرب، وبعض جهات آسيا، إلا أنهم توسعوا حقا فى أفريقيا الفرنسية، كما انتشرت الطريقة على أوسع نطاق على يد الحاج عمر الفُوتى القائد الثائر الذى جاهد بسيفه الاستعمار حيث حلَّت سيادة التجانية محل القادرية (٩). وأهم (١٠) مصنفات التجانية: ١ - جواهر المعانى وبلوغ الأمانى فى فيض الشيخ التجانى المعروف بالكُنَاش، وقد طبع لأول مرة سنة ١٣٤٥هـ بالقاهرة، وهو أهم مرجع عن التجانى الكبير كتبه وسجله تلميذه على حرازم الذى أصبح خليفة للطائفة من بعده، والمؤرخ الأكبر للتجانية. ٢ - معجم ضخم عن أعيان التجانية عنوانه: كشف الحجاب عمّن تلقى مع التجانى من الأصحاب، تأليف وتقديم أبى العباس أحمد العباس سكيرج، وقد طبع فى فاس ١٣٢٥هـ. وباستقراء ما كتب عن التجانى الكبير فى جواهر المعانى بالذات نراه يحدثنا عن المقام الصوفى الكبير ووحدة الشهود. ويرى أن هذا المقام هو (كمال التوحيد والتفريد والتجريد) (ومقام التمكن فى اليقين) و (شهود الحب من الله)، (ولهذا كان العبد مجذوبا لحضرة ربه والانفراد به عن كل ما سواه، والوقوف دائما ببابه والعكوف أبدا على جَنَابه .. لا يقرّ له مع غيره قرار، ولَا لَهُ عمّا سواه دار، ولا لهج له إلا بالله فى حركاته وسكناته ويقظاته ووسناته وسائر تقلباته) (وقد امتزجت حقيقته بالتولُّه بربه والّلهج به وحبه، واطمأن به إيقانا ومعرفة وإيمانا، لا معول إلا عليه ولا استناد إلا إليه) (١١). ونرى فى تراث التجانى الكبير ضرورة الدعوة إلى الوصل الكامل بين الشريعة والحقيقة دون أى انفصال أو خلاف أو شقاق، لأن الحقيقة كما يقول (لا سند لها بغير الشريعة، والشريعة أيضا لا صدق لها إلا بالتحقق بالحقيقة، ويقين الحقيقة) (١٢). ومن أعلام التجانية الفارس البطل عمر الفوتى (١٧٨٨م- ١٨٦٤م) (١٣) الذى كان من مخططاته إنشاء رابطة للعبادة، ومقارٍّ للتدريبات على الجهاد والحرب فى سبيل إعلاء كلمة الله، وقد دخل الإسلام على يديه مئات الآلاف من الوثنيين الأفارقة بعد انتصاره فى كثير من غزواته وفتوحاته ومن أشهر كتبه: (رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم) وقد كان كشيخه الكبير شاعرا له تأملاته فى الحضرة الإلهية والمحمدية والإنسان الكامل (١٤). ونرى من رعاة التجانية فى القرن العشرين الشيخ الحافظ التجانى فى مصر، والشيخ محمد مجذوب المدّثر فى السودان. أ. د/ عبد القادر محمود

стр. 172

٦٦ - التيمم لغة: القصد، يقال "تيممت الشىء" أى: قصدته وتعمدته، كما فى اللسان (ا)، ومنه قولة تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) البقرة:٢٦٧. واصطلاحا: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين، وهو ضربتان: إحداهما يمسح بها الوجه، والأخرى يمسح بها اليدين إلى المرفقين (٢) ويكون ذلك عند فقدان الماء حقيقة، أو حكما؛ كأن يتعذر استعماله لمرض، أو أن يخاف عطشا على نفسه أو غيره من آدمى أو بهيمة، أو عدم آلة توصله إلى الماء (٣). والتيمم رخصة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أوعلى سفرأوجاء أحد منكم من الغائط أولامستم النساء فلم نجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ المائدة:٦. وأما السنة فما رواه مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا؛ إذا لم نجد الماء﴾ (٤). وأما الإجماع فقد انعقد على مشروعيته، وعلى أنه من خصائص هذه الأمة، لطفا من الله بها وإحسانا، وليجمع لها بين التراب الذى هو مبدؤ ايجادها، والماء الذى هو سببه استمرار حياتها (٥). ويستباح بالتيمم ما يستباح بالطهارة بالماء من صلاة وغيرها من العبادات، وينقضه ما ينقض الوضوء والغسل، كما ينقضه وجود الماء قبل الصلاة اتفاقا (٦). أ. د/على مرعى

стр. 173

١ - الثروة لغة: ثروة من ثرى، ثرى المال ثراء: نما، وثرى القوم: كثروا وثرى ثراء كثر ماله فهو ثر وثرى، وثرى بكذا: كثرماله فهو غنى عند الناس، والثراء كثرة المال، والثرى: الأرض (كما فى لسان العرب) (١). اصطلاحا: الثروة هى الأشياء الأساسية التى تسهم فى الرفاهية وهذه الأشياء هى التى تسمى السلع ألاقتصادية. لم ترد كلمة "ثروة" فى القرآن الكريم، والكلمة التى جاءت ولها صلة لغوية بهذه المفردة هى كلمة "ثرى" فى قوله : ﴿له ما فى السموات وما فى الأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾ طه:٦. وقال الآلوسى فى تفسيرها: الثرى: التراب الندى، تثرى ثرى فهى ثرية كغنية (٢). وردت كلمة ثروة فى حديثين من أحاديث سيدنا محمد ﷺ أحد الحديثين جاء فيه: (ما بعث الله نبيا الا فى ثروة من قومه) (٣). أما الحديث الثانى فجاء فيه: (وأما أول ثلة يدخلون النارفأمير مسلط وذو ثروة من المال لا يؤدى حق الله فى ماله ٠٠) (٤). يمكن القول أن كلمة (مال) هى أقرب الكلمات إلى معنى كلمة "ثروة" وذلك فى القرآن الكريم وفى الدراسات الفقهية، جاءت كلمة مال فى القرآن ستا وثمانين مرة، وفى الاصطلاح الفقهى تعددت التعاريف التى عرف بها الفقهاءمصطلح "مال"،ومما قيل فى تعريفه: "لا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلت وما لا يطرحه الناس " (٥). وقيل أيضا فى تعريفه: "المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة (٦). وقد ميز محمد باقر الصدر بين نوعين من "الثروة": ثروة آولية وهى مصادر الإنتاج، وثروة ثانوية وهى ما يظفربه الإنسان عن طريق استخدام تلك المصادر وفى رأيه أن الثروة الأولية لا يدخل فيها العمل ورأس المال، وإنما تشمل مصادر الطبيعة للإنتاج وهى: الأرض -المواد الأولية التى تحويها الأرض- المياه الطبيعية بقية الثروات وهى محتويات البحاروالأنهار والثروات الطبيعية المنتشرة فى الجو، والقوى الطبيعية المنبثة فى أرجاء الكون، وغيرذلك من ذخائر الطبيعة وثروتها. وإذ اشرنا إلى أن كلمة "ثروة" لم ترد فى القرآن الكريم وأن كلمة (مال) أقرب مدلول لها، فقد جاءت فى القرآن الكريم مفردات كثيرة تدل على معنى الثروة ومنها كلمة: رزق ونعمة، والمعنى الذى يبرز فى هذه المفردات أنها أعطت للثروة عناصر قيمية، وأن كل مفردة من المفردات السابقة تحمل عنصرا قيميا معينا وهذا يعنى أن الإسلام لا يقصر النظر إلى الثروة من حيث العنصر المادى، إنما يضم إلى ذلك عناصرقيمية فى فهم معنى الثروة وفى استخدامها أو توظيفها، وهذه العناصر القيمية تتوزع إلى عناصر عقيدية وعناصر أخلاقية، وغير ذلك مما تدل عليه المفردات السابقة. ومما سبق يمكن تقديم مفهوم للثروة فى الإسلام وللعناصر الفاعلة فيه، فالثروة تشمل السلع النافعة والمباحة شرعا، ولا يقتصر مفهوم الثروة فى الإسلام على السلع المنتجة وإنما يدخل فيها كل مصادر الطبيعة مثل أشعة الشمس والهواء وما فى جوف الأرض من عناصر طبيعية أخرى. أ. د/رفعت العوضى

стр. 174

٢ - الثغور لغة: مفردها ثغر. واصطلاحا: يقصد بها منطقة الحصون التى بنيت على تخوم الشام والجزيرة لصد غزوات الروم، ولهذا أطلق عليها مصطلح "الثغورالرومية ". وهناك من توسع فى مفهوم "الثغز للدلالة على كل موضع قريب من أرض العدو. وتبدأ منطقة الثغور هذه من طرسوس فى قليقلة، وتمتد فى طول البلاد حتى ملطية ثم الفرات، وكانت مهمتها حماية إقليم العواصم الممتد على طول الحدود من غارات الأعداء. وقد فرق الجغرافيون بين الثغور الشامية وثغور الجزيرة عن طريق تقسيمها إلى ثغور عربية وأخرى شامية. ويقصد بالجزيرة: المنطقة الشمالية الخصبة بين "دجلة والفرات" وتمتد إلى منطقة الدروب عند سلاسل جبال طوروس، كما تمتد إلى الجبال الفارسية. وقد كثر سكان العرب فى هذه المنطقة قبل الإسلام، ووجدت فيها قبائل وديار ربيعة ومضر وبكر. وذكر الجغرافيون عددا من الحصون فى منطقة الثغور الشامية هى: ملطية والحدث ومرعش وطرسوس والهارونية والكنيسة السوداء وعين زرنجة والمصيصة وأذنة. أما منطقة ثغور الجزيرة فمن حصونها: كمخ وشمشاط وألبيرة وحصن منصور وقلعة الروم والحدث والحمراء، ومن أشهر مدن هذا الثغر أنطاكية وبغراس. وقد تحدث "قدامة بن جعفر" عن الثغور وقال: إن منها ما هو برى وهو ما يلقى بلاد العدو ويقابله من جهة البر، ومنها ما هو بحرى حيث تلقى العدو وتقابله من ناحية البحر، ومنها ما يجتمع فيه الأمران. أما عواصم هذه الثغور فهى ما وراءها من بلدان الإسلام، وكل منها يعتبر عاصما لأنه يعصم الثغر ويمده فى أوقات النفير. ولهذا كان إقليم الجزيرة وشمالى الشام وحدة يتمم بعضه بعضا من حيث ارتباط حصونها، وتعرضها لغارات البيزنطيين، وكانت الحملات الإسلامية المتعاقبة فى حاجة إلى قواعد ترتكز عليها، فتطلع المسلمون إلى مد نفوذهم إلى تلك المراكز الأمامية المطلة على ألعدو والمعروفة "بالثغو"، وحصنوها وشحنوها بالجنود، وبدأت العواصم الخلفية وثغورها الأمامية تأخذ مكانتها المتميزة فى نظام الدولة الإسلامية منذ زمن الخلفاء الراشدين. وهكذا انقسمت الحدود فى زمن الراشدين إلى قسمين: ١ - إقليم العواصم والثغور الشامية للدفاع عن إقليم الشام والإغارة على أرض البيزنطيين بآسيا الصغرى. ٢ - إقليم العواصم والثغور الجزرية للدفاع عن شمالى العراق وللحملات التى تقوم منه على أراضى الدولة البيزنطية. ولما آل حكم الدولة الإسلامية إلى الأمويين واصلوا تخطيط المدن وتمصيرها وإنزال الجنود فيها وتوسيعها، حتى أضحته أمصارا زاخرة بالمقاتلين والسلاح والأيدى العاملة. وهكذا عاش الناس فى مجتمع الثغور حراسا لدار الإسلام. وهكذا ظلت مناطق الثغور تنال اهتماما وتحظى بالتطور، إلى أن تغير حال العالم الإسلامى، وتولى أمره الظالمون ممن شغل بالمنكرات والملذات، فضعف أمر الثغور واختل نظامها وانحل عقدها نحو منتصف القرن الرابع الهجرى، العاشر الميلادى. أ. د/عبد الله جمال الدين

стр. 175

٣ - الثقافة لغة: ثَقِفَ الرجل: صار حاذقا فطنا، والثقافة: العلوم والمعارف والفنون التى يطلب الحذق فيها، كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: مجموعة الأعراف والطرق والنظم والتقاليد التى تميز جماعة أو أمة أو سلالة عرقية عن غيرها. وعلى مستوى الفرد يطلق اللفظ على درجة التقدم العقلى التى حازها، بصرف النظر بالطبع عن مستويات الدراسة التى أنجزها. ومنذ وقت طويل تتعدد التعريفات لهذا اللفظ حتى إنه فى مطلع الخمسينات حصر عالمان أمريكيان من علماء الأنثروبولوجيا مائة وخمسين تعريفا للثقافة، وتلقى التعريفات المختلفة أضواء على المراد باللفظ الذى يفهمه العامة بأكثر مما يفهمون تعريفه، ويمكن لنا تأمل ما توحى به من تعريفات مهمة من قبيل أن مفهوم الثقافة يشير إلى كل ما يصدر عن الإنسان من إبداع أو إنجاز فكرى أو أدبى أو علمى أو فنى. أما المفهوم الأنثروبولوجى للثقافة فهو أكثر شمولا، ويعد الثقافة حصيلة كل النشاط البشرى الاجتماعى فى مجتمع معين، ويستتبع هذأ أن لكل مجتمع ثقافته الخاصة المميزة، بصرف النظر عن مدى تقدم ذلك المجتمع أو تأخره. ويتميز هذا المفهوم ببعده عن تحميل الثقافة بالمضمونات القيمية، وإن اعترف بأن لكل ثقافة نسقها الخاص من القيم والمعايير. وفى مقابل هذا المفهوم الأنثروبولوجى الواسع نجد مفاهيم كثيرة أكثر تحديدا، فكثيرا ما تستخدم الثقافة للإشارة إلى النشاط الاجتماعى الذهنى والفنى، وفى أحيان أخرى إلى النشاط الفنى وحده، أو النشاط الأدبى والفنى دون النشاط العلمى الذى يعده البعض غير خاضع لأنساق الثقافات، باعتباره مرتكزا على حقائق مطلقة بعيدة عن التأثر بإلذوق أو البيئة أو الموروثات جميعا. ويتضح هذا المفهوم بطريقة بيروقراطية فى مصر حين تمنح أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا ومن قبل (المجلس الأعلى للعلوم) جوائز الدولة فى العلوم، على حين يمنح المجلس الأعلى للثقافة نفس الجوانز فى الآداب والفنون، وتضاف إليها العلوم الاجتماعية، (وقد كان هذا قائما منذ كان المجلس السابق مجلسا للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية). وتأخذ كثير من البلدات الإسلامية بمثل هذا التقسيم مع اختلافات طفيفة، فعلى حين تعد العمارة فنا من الفنون، فإنها فى أحيان كثيرة تعامل على أنها علم هندسى يتبع بالتالى العلوم ومجالسها لا الفنون. وقد ذكرنا العمارة بالذات لأنها أحد المكونات البارزة للثقافة القومية، بل ربما كانت بمثابة أولى مقومات تكوين الفكرة عن الثقافة لدى الآخرين الذين يطلعون عليها للوهلة الأولى. ومن تعريفات الثقافة الأخرى التى تلقى الضوء على معناها أنها مجموع العادات والفنون والعلوم والسلوك الدينى والسياسى منظورا إليها ككل متمايز يميز مجتمعا عن آخر. ومن ثم يمكن فهم تعبيرات مثل "الصراع الثقافى" للتعبير عن الصراع أو التسابق بين ثقافتين متجاورتين، أو التغير والارتقاء فى عدة جوانبه من النمط الثقافى. كما يمكن استخدام لفظ الثقافة للدلالة على الجوانب العقلية والفنية للحياة، فى مقابل الجوانب المادية والتكنولوجية لها، ومن ثم تصبح الثقافة بمثابة نمط كل الترتيبات -المادية أو السلوكية- التى يحقق -من خلالها- مجتمع معين لأعضائه إشباعات أكبر مما يستطيعون فى حالة مجرد الطبيعة. ويميز بعض الباحثين بين ثقافة مادية تشمل العدد والأدوات والسلع الاستهلاكية والتكنولوجيا وثقافة غير مادية تشمل القيم والتقاليد والتنظيم الاجتماعى، وتنطوى الثقافة على اكتساب وسائل اتصال (اللغة، المطالعات، الكتابات) وأدوات عمل معينة، وافكار وأعمال مثل الحساب، وعلى زاد ضخم من المعرفة والاعتقاد، وعلى منظومة من القيم، وعلى توجه ميول خاص ملازم، ويمكن لكل هذا أن يكتمل ويرتقى بتربية متخصصة قليلا أو كثيرا، وتدريب يسمح باستفادة اجتماعية بالأنشطة الفردية. ويرى الأنثربولوجيون أن الثقافة تتمايز وتستقل عن الأفراد الذين يحملونها ويمارسونها فى حياتهم اليومية، فعناصر الثقافة تكتسب بالتعلم من المجتمع المعاش، على اعتبار أن الثقافة هى جماع التراث الاجتماعى المتراكم على مر العصور. وعلى هذا يبعد هؤلاء عن الثقافة كل ما هو غريزى أو فطرى أو موروثا بيولوجيا. وللسمات الثقافية قدرة هائلة على البقاء والانتقال عبر الزمن، وكثير من هذه السمات والملامح التى تتمثل بوجه خاص من العادات والتقاليد والعقائد والخرافات والأساطير تحتفظ بكيانها لعدة اجيال. ويهتم علماء الاجتماع بدراسة تاريخ ثقافات الشعوب المختلفة من باب أن معرفة الماضى تساعد على فهم الحاضر. وليس من شك فى أن الثقافة الإسلامية ككل وثقافات الشعوب الإسلامية المختلفة، تمثل أنماطا بارزة للثقافة المتصلة والممتدة بجذور قوية فى الماضى، بل يكاد المراقبون ينظرون إلى الثقافات الإسلامية اليوم على أنها أقدم الثقافات التى لا تزال موجودة فى عالم اليوم دون تقلبات أو تغيرات حادة فى مفاهيمها الأولى، ويرجع هذا بالطبع إلى سمو التعليمات الإسلامية، التى تستمد وجودها من الخالق جل وعلا من خلال تشريع سماوى لم يقتصرعلى العبادات وإنما تكفل بتوجيه السلوك الإنسانى فى المعاملات والعادات ونمط الحياة اليومية على مستوى الفرد والمجتمع على نحوما نعرف جميعا. أ. د/محمد محمد الجوادى

стр. 176

٤ - الثنوية اصطلاحا: هم الذين يقولون بأصلين للوجود، مختلفين تمام الاختلاف، كل منهما له وجود مستقل فى ذاته، وبدون هذين الأصلين لا يمكن فهم طبيعة الكون، الذى تتصارع فيه القوى المتضاربة، التى ينتمى بعضها إلى أحد المبدأين، وينتمى سائرها إلى المبدا الآخر، مما يعنى أن حقيقة الوجود تنطوى على انقسام داخلى وتقابل ضرورى دائم بين أصلين، لكل منهما قوأنينه وأطواره الزمنية الخاصة به. وقد ظهرهذا المذهب منذ قديم لدى الإغريق، فأثر على أعظم فلاسفتهم كأفلاطون وأرسطو؟ إذ فرق أفلاطون بين عالم المادة وعالم المثل، وفرق أرسطو بين الهيولى والصورة، أو بين الموجود بالقوة والموجود بالفعل، وأن كانت الثنوية لديهما ممزوجة بنزوع واضح إلى الوحدة. وفى الشرق القديم قال "مانى" مؤسس المانوية فى فارس بالتقابل بين مبدأى الخير والشر، أو النور والظلام، فالنور مصدر الخير، والظلام منشأ الشر، والخير والشر هذان لا يصدران عن شىء واحد، وهما مبدأن نشيطان فاعلان إلى الأبد. وقد يرى البعض أن الزردشتية -بحكم ما فى آرائهما من مظاهر ثنوية- تجرى فى نفس الاتجاه، لكننا إذ ذكرنا ما قلناه من أن الثنوية تقول بأصلين جوهرين لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر، أو ردهما معا إلى مبدأ ثالث أسبق منهما علمنا أن -الزردشتية- أقربا إلى القول بالوحدة، وأن المثال الصحيح للثنوية إنما هوالمانوية، وأن الزردشتية أدنى إلى التوحيد فى أساسها، فالشر عارض، والخير ينتصر فى النهاية. وقد مثلت الثيولوجية المنبثقة عن المسيحية فى العصور الوسطى مذهب الثنوية فى نظرتها إلى الحياة البشرية على أنها صراع دائم بين الروح والبدن، وهو صراع ينتج عنه تحديد مصير النفس بعد الموت فى الجنة أو فى النار، فإن انتصر البدن فى ذلك الصراع فالمصير إلى النار، وإن انتصرت الروح فالمصير إلى الجنة، ولذلك اشتدوا فى معاملة الجسد وحرموه من كل لذة وراحة، لفتح أبواب الملكوت التى لا تفتح إلا للفقراء الزاهدين، وأيا ما كانته علاقة هذا التصور بالمسيحية الأصلية فقد تضخم هذا التقابل الوجودى، واتخذ طابع المبالغة الذى أثر على مختلف مجالات الفكر والحياة فى العصور الوسطى. وفى العصر الحديث عبر ديكارت -بصورة- فلسفية أدق عن "الميتافيزيقية الثنائية" بقوله بالمبدأين، وهما: "الذهن والمادة" فكل من الذهن والجسم قائم بذاته، تختلف صفات كل منهما عن الآخر، بل يستبعد كل منهما الآخر، فما يكون صفة للذهن لا يمكن أن يكون صفة للمادة. وقد أدى هذا بديكارت إلى افترأض نوعين يسودان الوجود، فالطبيعة تخضع لقوى آلية تحكم مستقلة عن إرادة العقل، أما روح الإنسان فهى تلقائية ذاتية حرة خالصة، لا تخضع لأية حتمية تاريخية. أ. د/محمد السعيد جمال الدين

стр. 177

٥ - الثواب اصطلاحا: نفع مستحق مقرون بالتعظيم والجلال. وهو فضل من الله تعالى وعد به عباده المؤمنين. والجنة هى دار الثواب التى أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين. أعد لهم فيها: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ومن فضل الله على عباده أن جعل لهم ثواب الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء. بينما جزاء السيئة بمثلها. قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشْرُ أمثالِها ومَن جاءَ بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وَهُم لا يُظلَمُون﴾ (الأنعام ١٦٠) وقال تعالى أيضا: ﴿مَثَل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سَبع سنابل فى كل سُنبلة مائة حبة والله يضاعِف لمن يشاء﴾ (البقرة ٢٦١). وقال ﷺ فيما يرويه عن رب العزة جل شأنه- من حديث أبى ذر الغفارى ﵁: "يا عبادى: إنما هى أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه". (رواه مسلم). والمعتزلة: يوجبون الثواب على الله تعالى فيقولون بناء على قاعدتهم: فى التحسين والتقبيح العقليين: يجب على الله إثابة المطيع وعقاب العاصى. ويقولون: الثواب حق للعبد فى مقابلة عمله، فالإخلال به قبيح فيجب فعله، لأنه الغرض من التكليف، والإخلال بالغرض قبيح. ورد أهل السنة عليه: بأن الطاعات التى كلف العبد بفعلها، لا تكافئ النعم السابقة لكثرتها، وعظمتها، وحقارة أفعال العباد، وقلتها بالنسبة إليها. فالثواب فضل من الله وعد به فيفى به من غير وجوب عليه، فالخلف فى الوعد نقص ينزه الله عنه؛ ووعد الله لا يتخلف. (١) أ. د/ أحمد المهدى ١ المراجع - شرح الطحاوية ص ٤٧٢ وما بعدها. مكتبة دار البيان بدمشق سنة ١٩٨٥م، وشرح المواقف للجرجانى- الموقف السادس ص ١٩٩ وما بعدها، تحقيق د. أحمد المهدى.

стр. 178

١ - الجائز (المباح) لغةً: يقال: أجزتُ العقد أى جعلته جائزا نافذا على الصحة، جاز القول جوزا وجُوازا، ومجازا: قبل ونفذ، وتجاوز عن الرجل: عفا عنه ولم يؤاخذه، الجائز: الخشبة بين حائطين توضع عليها أطراف عوارض السقف. كما فى الوسيط (١). واصطلاحاً: يطلق الجائز عند الأصوليين، على عدة أمور منها "المباح " (٢) وعلى ما لا يمتنع شرعا وهو ما خيرَّ الشارعُ المكلَّفَ بين فعله وتركه، ولا مدح ولا ذم على الفعل والترك (٣). ويقال له: الحلال. ويعرف الجائز (المباح) بأمور منها: (أ) النص الشرعى على إباحته بحِلْ الشىء. كقوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌ لكم وطعامكم حِلٌ لهم﴾ (المائدة ٥). (ب) النص من الشارع على نفى الإثم أو الجناح أو الحرج، كقوله تعالى: ﴿إنما حُرِّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله فمن أُضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ (البقرة ١٧٣)، وقوله فى نفى الجناح: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خِطْبة النساء أو أكننتم فى أنفسكم﴾ (البقرة ٢٣٥)، وفى نفى الحرج قوله: ﴿لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾ (الأحزاب ٣٧). (ج) التعبير بصيغة الأمر مع وجود قرينة تدل على الإباحة كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (المائدة ٢). (د) استصحاب الإباحة الأصلية للأشياء فيما لا دليل عليه، بناء على أن الأصل فى الأشياء الإباحة استصحابا للإباحة الأصلية. (هـ) نفى التحريم؛ كقوله تعالى: ﴿قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (الأعراف ٣٢). (و) نفى النهى، كقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ (الممتحنة ٨). (ز) النهى عن التحريم. كقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ (المائدة ١٨٧). وحكم الجائز: أنه لا ثواب ولا عقاب ولا عتاب على فعله أو تركه، ففعله وتركه سواء، ولكن قد يثاب عليه بالنية والقصد، كمن يمارس أنواع الرياضة البدنية بنية تقوية جسمه، ليقوى على محاربة الأعداء، ومن يأكل الطعام بنية تقوية جسمه، ليقوى على ممارسة العبادة. والجائز أحد أقسام الحكم التكليفى، وهى: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين. والفعل الواحد قد تجتمع فيه أقسام الحكم التكليفى كلها أو بعضها، مثل الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على النفقة والمهر وسائر واجبات الزوجية ويتيقن من حال نفسه أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون مندوبا إذا قدر على ما ذكر وكان فى حالة اعتدال لا يخاف أن يزنى إذا لم يتزوج. ويكون حراما إذا تيقن أنه إذا تزوج فسيظلم زوجته ويهضم واجباتها. ويكون مكروها إذا خاف ظلما دون تيقن. والجواز عند الفقهاء: يطلق على ما ليس بلازم، فيقولون: الوكالة والقرض والرهن عقود جائزة، ويعنون بالجائز: ما للعاقد فسخه بكل حال، إلا أن يؤول إلى اللزوم، كما يستعملون الجواز فيما قابل الحرام، فيكون لرفع الحرج، فيشمل الواجب والمستحب والمباح والمكروه. (٤) وتنقسم التصرفات من حيث جوازها ولزومها إلى أقسام هى: الأول: ما لا تتم مصلحة إلا بلزومه من طرفيه، كالأوقاف والضمان والبيع. الثانى: ما تكون المصلحة فى كونه جائزا من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية. الثالث: ما تكون مصلحته فى جوازه من أحد الطرفين، ولزومه من الطرف الآخر، كالرهن، والكتابة وعقد الجزية (٥). (هيئة التحرير) ١ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٥٢ - دار المعارف ط ٣ - القاهرة. ٢ - فواتح الرحموت ١/ ١٠٣ وما بعدها طبعة الأميرية. ٣ - الوجيز فى أصول الفقه- د/ عبد الكريم زيدان ص ٤٧ مؤسسة قرطبة، والرسالة ١٩٨٧ م، وعلم أصول الفقه- د/ عبد الوهاب خلاف- ص ١٠٤ - الدار السودانية للكتب الخرطوم. ٤ - المنثور فى القواعد للزركشى ٢/ ٧. ٥ - قواعد الأحكام فى مصالح الأنام- العز بن عبد السلام ٢/ ١٢٥ وما بعدها- دار الكتب العلمية.

стр. 179

٢ - الجاذبية لغة: مصدر صناعى من جاذب، وتعنى الحالة التى يجذب بها صاحبها غيره يقال: فلان له جاذبية، أى: يستميل غيره إليه. اصطلاحا: تعنى قوة التجاذب بين شيئين. ومن أنواعها: - الجاذبية الكهربية: وهى القوة العاملة بين الأجسام المشحونة كهربيا وكان الفيزيائى الفرنسى "كولوم" أول من قام بقياسها فى سنة ١١١٩هـ سنة١٧٨٥م. - الجاذبية التثاقلية: وهى بين أى جسمين ماديين، وكان العالم الإنجليزى "إسحق نيوتن" هو الذى وضع صياغة قانون الجذب العام بين الأجسام المادية، وهو القانون الذى يفسر سقوط الأجسام نحو الأرض، ويشرح حركة الكواكب حول الشمس. وكان علماء الحضارة الإسلامية أول من قدموا أساسا مقبولا لتفسير السقوط الحر للأجسام تحت تأثير الجاذبية الأرضية، وقد بدا الحسن بن أحمد الهمدانى (ت ٣٣٤هـ،٩٤٥م) فى إرساء أول حقيقة علمية عن ظاهرة الجاذبية عندما تحدث عن الأرض قائلا: " … فمن كان تحتها (أى تحته الأرض عند نصفها الأسفل) فهو فى الثبات فى قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليها، فهى بمنزلة حجر المغناطيس الذى تجذب قواه الحديد من كل جانب ". وأضاف علماء آخرون حقائق هامة عن المقذوفات من حيث إن حركتها إلى أعلى عند القذف تعاكس فعل الجاذبية الأرضية، وتحدثوا عن انجذاب الجسم إلى مجاوره الأبعد، مقتربين بذلك من المعنى الشمولى الذى توصل "نيوتن" إلى قانونه العام. أ. د/أحمد فؤاد باشا

стр. 180

٣ - الجامعة الإسلامية اصطلاحا: هى عبارة عن دائرة انتماء عقائدى وحضارى وسياسى، نبعت وتنبع من التوحيد الإسلامى. والانتماء إلى الجامعة الإسلامية وإن اعترف واحترم واغتنى بالانتماءات الفرعية، إلا أنه لا يكتفى بها، ولا يقف عند حدودها كنهاية للمطاف، وإنما يوظف هذه الانتماءات الفرعية. وفي العصر الحديثه أصبح شعار "الجامعة الإسلامية" المظلة التى استظلت بها دعوات وحركات جمعتها مقاصد إنهاض المسلمين بالإسلام، للخروج من مأزق التراجع الحضارى، ولمواجهة المد الاستعمارى الغربى مع التمايز فى سبل ووسائل هذا النهوض، وذلك تبعا للملابسات الإقليمية والتوجهات المذهبية عند رواد هذه الحركات والدعوات، مثل الدعوة الوهابية والدعوة السنوسية والدعوة والحركة المهدية والحزب الوطنى. وأوسع فصائل تيار الجامعة الاسلامية، كان ذلك الذى تبلور من حول جمال الدين الأفغانى والذى تأسس شعبيا وخاصة بين الصفوة والعلماء وقادة الرأى العام -ثم تحالف مع الدولة العثمانية- بقيادة السلطان عبد الحميد الثانى لنصرة الدعوة إلى الجامعة الإسلامية. جمع هذا الاتجاه بين الأصول الإسلامية وبين التجديد، وانطلق من مصر فى سبعينات القرن التاسع عشر إلى كل أنحاء العالم الإسلامى وتميزت دعوته ب: ١ - الإصلاح الدينى: من منطلق العقلانية الإسلامية التى توازن بين "الرأى" و" الأثر". ٢ - المحافظة على الدولة العثمانية، باعتبارها الدولة الإسلامية الجامعة. ٣ - تجديد الصلات الحضارية مع الغرب واقتباس المناسب من حضارتها وعلومها، من واقع التمايز الثقافى والاستقلال الحضارى. ٤ - تحرير ثروات العالم الإسلامى من النهب الاستعمارى والسيطرة الغربية. واذا كانت التحديات، واختلال موازين القوى، قد غالبت هذا "التيار الانقاذى" فحالت بينه وبين النجاح فى تجديد الدولة العثمانية إلا أن دعوته إلى الجامعة الإسلامية هى المظلة التى عملت فى ظلالها كل دعوات التجديد الإسلامى. ففى مواجهة الأحزاب الوطنية التي وقفت بالوطن عند الإقليم، وقنعت بالدولة القطرية وعلى خلاف الأحزاب القومية التى وقفت عند العرف واللغة مهملة الدائرة الحضارية الإسلامية، ظلت دعوات وحركات الجامعة الإسلامية على مناهجها الجامعة بين الوطنية والقومية فى إطار الجامعة. وهكذا أصبحت تركز على قضايا التحرر الوطنى، ومحاربة التغريب الفكرى إلى جانب تجديد الفكر الإسلامى. وأصبح طريقها إلى الجامعة الإسلامية هو إقامة الدولة الإسلامية النموذج، التى لا تقف مقاصدها عند الإقليم، وإنما تسعى لتسلك الأقاليم الإسلامية فى "رابطة شعوب إسلامية" وذلك وصولا إلى إعادة الوحدة الإسلامية فى الجوامع الخمسة: العقيدة، والشريعة، والأمة، والحضارة، ودار الإسلام. وكما طمحت دعوة الجامعة الإسلامية إلى إقامة الوحدة الإسلامية الجامعة لأقاليم عالم الإسلام، فلقد حرصت على وحدة الأمة بالمعنى السياسى، على النحو الذى يجعل القوميات الإسلامية المتمايزة فى اللغات والطوائف الدينية -غير المسلمة- المتميزة فى الملل والشرائع، لبنات فى بناء الأمة الواحدة. فالجامعة الإسلامية هى رابطة أمة، بأقوامها المتعددة ومللها المتمايزة، وهى ليست نزعة دينية متعصبة ضد غير المسلمين، سواء فى داخل الأوطان الإسلامية أو فى الغرب النصرانى، وإنما هى رابطة إسلامية لشعوب المدنية الإسلامية، تحتضن "التنوع" فى إطار جوامع الإسلام. أ. د/محمد عمارة
следующие страницы →