٤ - الثنوية
اصطلاحا: هم الذين يقولون بأصلين للوجود، مختلفين تمام الاختلاف، كل منهما له وجود مستقل فى ذاته، وبدون هذين الأصلين لا يمكن فهم طبيعة الكون، الذى تتصارع فيه القوى المتضاربة، التى ينتمى بعضها إلى أحد المبدأين، وينتمى سائرها إلى المبدا الآخر، مما يعنى أن حقيقة الوجود تنطوى على انقسام داخلى وتقابل ضرورى دائم بين أصلين، لكل منهما قوأنينه وأطواره الزمنية الخاصة به.
وقد ظهرهذا المذهب منذ قديم لدى الإغريق، فأثر على أعظم فلاسفتهم كأفلاطون وأرسطو؟ إذ فرق أفلاطون بين عالم المادة وعالم المثل، وفرق أرسطو بين الهيولى والصورة، أو بين الموجود بالقوة والموجود بالفعل، وأن كانت الثنوية لديهما ممزوجة بنزوع واضح إلى الوحدة.
وفى الشرق القديم قال "مانى" مؤسس المانوية فى فارس بالتقابل بين مبدأى الخير والشر، أو النور والظلام، فالنور مصدر الخير، والظلام منشأ الشر، والخير والشر هذان لا يصدران عن شىء واحد، وهما مبدأن نشيطان فاعلان إلى الأبد.
وقد يرى البعض أن الزردشتية -بحكم ما فى آرائهما من مظاهر ثنوية- تجرى فى نفس الاتجاه، لكننا إذ ذكرنا ما قلناه من أن الثنوية تقول بأصلين جوهرين لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر، أو ردهما معا إلى مبدأ ثالث أسبق منهما علمنا أن -الزردشتية- أقربا إلى القول بالوحدة، وأن المثال الصحيح للثنوية إنما هوالمانوية، وأن الزردشتية أدنى إلى التوحيد فى أساسها، فالشر عارض، والخير ينتصر فى النهاية.
وقد مثلت الثيولوجية المنبثقة عن المسيحية فى العصور الوسطى مذهب الثنوية فى نظرتها إلى الحياة البشرية على أنها صراع دائم بين الروح والبدن، وهو صراع ينتج عنه تحديد مصير النفس بعد الموت فى الجنة أو فى النار، فإن انتصر البدن فى ذلك الصراع فالمصير إلى النار، وإن انتصرت الروح فالمصير إلى الجنة، ولذلك اشتدوا فى معاملة الجسد وحرموه من كل لذة وراحة، لفتح أبواب الملكوت التى لا تفتح إلا للفقراء الزاهدين، وأيا ما كانته علاقة هذا التصور بالمسيحية الأصلية فقد تضخم هذا التقابل الوجودى، واتخذ طابع المبالغة الذى أثر على مختلف مجالات الفكر والحياة فى العصور الوسطى.
وفى العصر الحديث عبر ديكارت -بصورة- فلسفية أدق عن "الميتافيزيقية الثنائية" بقوله بالمبدأين، وهما: "الذهن والمادة" فكل من الذهن والجسم قائم بذاته، تختلف صفات كل منهما عن الآخر، بل يستبعد كل منهما الآخر، فما يكون صفة للذهن لا يمكن أن يكون صفة للمادة.
وقد أدى هذا بديكارت إلى افترأض نوعين يسودان الوجود، فالطبيعة تخضع لقوى آلية تحكم مستقلة عن إرادة العقل، أما روح الإنسان فهى تلقائية ذاتية حرة خالصة، لا تخضع لأية حتمية تاريخية.
أ. د/محمد السعيد جمال الدين
стр. 177
٥ - الثواب
اصطلاحا: نفع مستحق مقرون بالتعظيم والجلال. وهو فضل من الله تعالى وعد به عباده المؤمنين.
والجنة هى دار الثواب التى أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين. أعد لهم فيها: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومن فضل الله على عباده أن جعل لهم ثواب الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء.
بينما جزاء السيئة بمثلها. قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشْرُ أمثالِها ومَن جاءَ بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وَهُم لا يُظلَمُون﴾ (الأنعام ١٦٠) وقال تعالى أيضا: ﴿مَثَل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سَبع سنابل فى كل سُنبلة مائة حبة والله يضاعِف لمن يشاء﴾ (البقرة ٢٦١).
وقال ﷺ فيما يرويه عن رب العزة جل شأنه- من حديث أبى ذر الغفارى ﵁: "يا عبادى: إنما هى أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه". (رواه مسلم).
والمعتزلة: يوجبون الثواب على الله تعالى فيقولون بناء على قاعدتهم: فى التحسين والتقبيح العقليين: يجب على الله إثابة المطيع وعقاب العاصى.
ويقولون: الثواب حق للعبد فى مقابلة عمله، فالإخلال به قبيح فيجب فعله، لأنه الغرض من التكليف، والإخلال بالغرض قبيح.
ورد أهل السنة عليه: بأن الطاعات التى كلف العبد بفعلها، لا تكافئ النعم السابقة لكثرتها، وعظمتها، وحقارة أفعال العباد، وقلتها بالنسبة إليها.
فالثواب فضل من الله وعد به فيفى به من غير وجوب عليه، فالخلف فى الوعد نقص ينزه الله عنه؛ ووعد الله لا يتخلف. (١)
أ. د/ أحمد المهدى
١ المراجع
- شرح الطحاوية ص ٤٧٢ وما بعدها. مكتبة دار البيان بدمشق سنة ١٩٨٥م، وشرح المواقف للجرجانى- الموقف السادس ص ١٩٩ وما بعدها، تحقيق د. أحمد المهدى.
стр. 178
١ - الجائز (المباح)
لغةً: يقال: أجزتُ العقد أى جعلته جائزا نافذا على الصحة، جاز القول جوزا وجُوازا، ومجازا: قبل ونفذ، وتجاوز عن الرجل: عفا عنه ولم يؤاخذه، الجائز: الخشبة بين حائطين توضع عليها أطراف عوارض السقف. كما فى الوسيط (١).
واصطلاحاً: يطلق الجائز عند الأصوليين، على عدة أمور منها "المباح " (٢) وعلى ما لا يمتنع شرعا وهو ما خيرَّ الشارعُ المكلَّفَ بين فعله وتركه، ولا مدح ولا ذم على الفعل والترك (٣). ويقال له: الحلال.
ويعرف الجائز (المباح) بأمور منها:
(أ) النص الشرعى على إباحته بحِلْ الشىء. كقوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌ لكم وطعامكم حِلٌ لهم﴾ (المائدة ٥).
(ب) النص من الشارع على نفى الإثم أو الجناح أو الحرج، كقوله تعالى: ﴿إنما حُرِّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله فمن أُضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ (البقرة ١٧٣)، وقوله فى نفى الجناح: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خِطْبة النساء أو أكننتم فى أنفسكم﴾ (البقرة ٢٣٥)، وفى نفى الحرج قوله: ﴿لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾ (الأحزاب ٣٧).
(ج) التعبير بصيغة الأمر مع وجود قرينة تدل على الإباحة كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (المائدة ٢).
(د) استصحاب الإباحة الأصلية للأشياء فيما لا دليل عليه، بناء على أن الأصل فى الأشياء الإباحة استصحابا للإباحة الأصلية.
(هـ) نفى التحريم؛ كقوله تعالى: ﴿قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (الأعراف ٣٢).
(و) نفى النهى، كقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ (الممتحنة ٨).
(ز) النهى عن التحريم. كقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ (المائدة ١٨٧).
وحكم الجائز: أنه لا ثواب ولا عقاب ولا عتاب على فعله أو تركه، ففعله وتركه سواء، ولكن قد يثاب عليه بالنية والقصد، كمن يمارس أنواع الرياضة البدنية بنية تقوية جسمه، ليقوى على محاربة الأعداء، ومن يأكل الطعام بنية تقوية جسمه، ليقوى على ممارسة العبادة.
والجائز أحد أقسام الحكم التكليفى، وهى: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين.
والفعل الواحد قد تجتمع فيه أقسام الحكم التكليفى كلها أو بعضها، مثل الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على النفقة والمهر وسائر واجبات الزوجية ويتيقن من حال نفسه أنه إذا لم يتزوج زنى. ويكون مندوبا إذا قدر على ما ذكر وكان فى حالة اعتدال لا يخاف أن يزنى إذا لم يتزوج. ويكون حراما إذا تيقن أنه إذا تزوج فسيظلم زوجته ويهضم واجباتها. ويكون مكروها إذا خاف ظلما دون تيقن.
والجواز عند الفقهاء: يطلق على ما ليس بلازم، فيقولون: الوكالة والقرض والرهن عقود جائزة، ويعنون بالجائز: ما للعاقد فسخه بكل حال، إلا أن يؤول إلى اللزوم، كما يستعملون الجواز فيما قابل الحرام، فيكون لرفع الحرج، فيشمل الواجب والمستحب والمباح والمكروه. (٤)
وتنقسم التصرفات من حيث جوازها ولزومها إلى أقسام هى:
الأول: ما لا تتم مصلحة إلا بلزومه من طرفيه، كالأوقاف والضمان والبيع.
الثانى: ما تكون المصلحة فى كونه جائزا من الطرفين كالشركة والوكالة والعارية.
الثالث: ما تكون مصلحته فى جوازه من أحد الطرفين، ولزومه من الطرف الآخر، كالرهن، والكتابة وعقد الجزية (٥).
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٥٢ - دار المعارف ط ٣ - القاهرة.
٢ - فواتح الرحموت ١/ ١٠٣ وما بعدها طبعة الأميرية.
٣ - الوجيز فى أصول الفقه- د/ عبد الكريم زيدان ص ٤٧ مؤسسة قرطبة، والرسالة ١٩٨٧ م، وعلم أصول الفقه- د/ عبد الوهاب خلاف- ص ١٠٤ - الدار السودانية للكتب الخرطوم.
٤ - المنثور فى القواعد للزركشى ٢/ ٧.
٥ - قواعد الأحكام فى مصالح الأنام- العز بن عبد السلام ٢/ ١٢٥ وما بعدها- دار الكتب العلمية.
стр. 179
٢ - الجاذبية
لغة: مصدر صناعى من جاذب، وتعنى الحالة التى يجذب بها صاحبها غيره يقال: فلان له جاذبية، أى: يستميل غيره إليه.
اصطلاحا: تعنى قوة التجاذب بين شيئين.
ومن أنواعها:
- الجاذبية الكهربية: وهى القوة العاملة بين الأجسام المشحونة كهربيا وكان الفيزيائى الفرنسى "كولوم" أول من قام بقياسها فى سنة ١١١٩هـ سنة١٧٨٥م.
- الجاذبية التثاقلية: وهى بين أى جسمين ماديين، وكان العالم الإنجليزى "إسحق نيوتن" هو الذى وضع صياغة قانون الجذب العام بين الأجسام المادية، وهو القانون الذى يفسر سقوط الأجسام نحو الأرض، ويشرح حركة الكواكب حول الشمس.
وكان علماء الحضارة الإسلامية أول من قدموا أساسا مقبولا لتفسير السقوط الحر للأجسام تحت تأثير الجاذبية الأرضية، وقد بدا الحسن بن أحمد الهمدانى (ت ٣٣٤هـ،٩٤٥م) فى إرساء أول حقيقة علمية عن ظاهرة الجاذبية عندما تحدث عن الأرض قائلا: " … فمن كان تحتها (أى تحته الأرض عند نصفها الأسفل) فهو فى الثبات فى قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليها، فهى بمنزلة حجر المغناطيس الذى تجذب قواه الحديد من كل جانب ".
وأضاف علماء آخرون حقائق هامة عن المقذوفات من حيث إن حركتها إلى أعلى عند القذف تعاكس فعل الجاذبية الأرضية، وتحدثوا عن انجذاب الجسم إلى مجاوره الأبعد، مقتربين بذلك من المعنى الشمولى الذى توصل "نيوتن" إلى قانونه العام.
أ. د/أحمد فؤاد باشا
стр. 180
٣ - الجامعة الإسلامية
اصطلاحا: هى عبارة عن دائرة انتماء عقائدى وحضارى وسياسى، نبعت وتنبع من التوحيد الإسلامى.
والانتماء إلى الجامعة الإسلامية وإن اعترف واحترم واغتنى بالانتماءات الفرعية، إلا أنه لا يكتفى بها، ولا يقف عند حدودها كنهاية للمطاف، وإنما يوظف هذه الانتماءات الفرعية.
وفي العصر الحديثه أصبح شعار "الجامعة الإسلامية" المظلة التى استظلت بها دعوات وحركات جمعتها مقاصد إنهاض المسلمين بالإسلام، للخروج من مأزق التراجع الحضارى، ولمواجهة المد الاستعمارى الغربى مع التمايز فى سبل ووسائل هذا النهوض، وذلك تبعا للملابسات الإقليمية والتوجهات المذهبية عند رواد هذه الحركات والدعوات، مثل الدعوة الوهابية والدعوة السنوسية والدعوة والحركة المهدية والحزب الوطنى. وأوسع فصائل تيار الجامعة الاسلامية، كان ذلك الذى تبلور من حول جمال الدين الأفغانى والذى تأسس شعبيا وخاصة بين الصفوة والعلماء وقادة الرأى العام -ثم تحالف مع الدولة العثمانية- بقيادة السلطان عبد الحميد الثانى لنصرة الدعوة إلى الجامعة الإسلامية.
جمع هذا الاتجاه بين الأصول الإسلامية وبين التجديد، وانطلق من مصر فى سبعينات القرن التاسع عشر إلى كل أنحاء العالم الإسلامى وتميزت دعوته ب:
١ - الإصلاح الدينى: من منطلق العقلانية الإسلامية التى توازن بين "الرأى" و" الأثر".
٢ - المحافظة على الدولة العثمانية، باعتبارها الدولة الإسلامية الجامعة.
٣ - تجديد الصلات الحضارية مع الغرب واقتباس المناسب من حضارتها وعلومها، من واقع التمايز الثقافى والاستقلال الحضارى.
٤ - تحرير ثروات العالم الإسلامى من النهب الاستعمارى والسيطرة الغربية.
واذا كانت التحديات، واختلال موازين القوى، قد غالبت هذا "التيار الانقاذى" فحالت بينه وبين النجاح فى تجديد الدولة العثمانية إلا أن دعوته إلى الجامعة الإسلامية هى المظلة التى عملت فى ظلالها كل دعوات التجديد الإسلامى.
ففى مواجهة الأحزاب الوطنية التي وقفت بالوطن عند الإقليم، وقنعت بالدولة القطرية وعلى خلاف الأحزاب القومية التى وقفت عند العرف واللغة مهملة الدائرة الحضارية الإسلامية، ظلت دعوات وحركات الجامعة الإسلامية على مناهجها الجامعة بين الوطنية والقومية فى إطار الجامعة.
وهكذا أصبحت تركز على قضايا التحرر الوطنى، ومحاربة التغريب الفكرى إلى جانب تجديد الفكر الإسلامى.
وأصبح طريقها إلى الجامعة الإسلامية هو إقامة الدولة الإسلامية النموذج، التى لا تقف مقاصدها عند الإقليم، وإنما تسعى لتسلك الأقاليم الإسلامية فى "رابطة شعوب إسلامية" وذلك وصولا إلى إعادة الوحدة الإسلامية فى الجوامع الخمسة: العقيدة، والشريعة، والأمة، والحضارة، ودار الإسلام.
وكما طمحت دعوة الجامعة الإسلامية إلى إقامة الوحدة الإسلامية الجامعة لأقاليم عالم الإسلام، فلقد حرصت على وحدة الأمة بالمعنى السياسى، على النحو الذى يجعل القوميات الإسلامية المتمايزة فى اللغات والطوائف الدينية -غير المسلمة- المتميزة فى الملل والشرائع، لبنات فى بناء الأمة الواحدة.
فالجامعة الإسلامية هى رابطة أمة، بأقوامها المتعددة ومللها المتمايزة، وهى ليست نزعة دينية متعصبة ضد غير المسلمين، سواء فى داخل الأوطان الإسلامية أو فى الغرب النصرانى، وإنما هى رابطة إسلامية لشعوب المدنية الإسلامية، تحتضن "التنوع" فى إطار جوامع الإسلام.
أ. د/محمد عمارة
стр. 181
٤ - الجاهلية
لغة: مأخوذة من الفعل (جهل)، والجهل معناه: خلاف العلم.
يقول الراغب: الجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم، الثانى: اعتقاد الشىء بخلاف ما هو عليه، الثالث: فعل الشىء بخلاف ما حقه أن يفعل (١).
وقد وردت مشتقات الكلمة فى القرآن الكريم بمعنى:
١ - الخلو من المعرفة، كقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ البقرة:٢٧٣.
٢ - الطيش والسفه، كقوله تعالى: ﴿قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون﴾ يوسف:٨٩.
٣ - بمعناها معا كقوله تعالى: ﴿ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾ الأنعام:١١١.
اصطلاحا: اصطلح المؤرخون على أن لفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال، ومعناها الصفات المرذولة التى كانت عليها الأمة قبل الإسلام من الجهل بالله وبرسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر .. إلخ، ومنه قول النبى ﷺ لأبى ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية) (رواه البخارى) (٣) أى حال أو طريقة أو عادة جاهلية أو نحو ذلك.
وقد يكون اسما لذى الحال، أى الزمان، ومعناها: المدة التى كانت قبل نبوة الرسول ﷺ ، وقيل: زمن الكفر مطلقا، وقيل: ما قبل الفتح، وقيل ما كان بين مولد النبى والمبعث، وبهذا قال ابن حجر، ومنه قوله تعالى: ﴿يظنون بالله غيرالحق ظن الجاهلية﴾ آل عمران:١٥٤، وذلك لما كان عليه العرب من فاحش الجهالات فى العقيدة والعبادة والتشريع والمعاملات والأخلاق التى انتقلت إليهم وشاعت بينهم وتأصلت فى نفوسهم حتى صارت دينا حل محل الحنيفية السمحة (٣).
وعلى هذا نقول: طائفة جاهلية، وشاعر، جاهلى، نسبة إلى الجهل، لأن من لم يعلم الحق فهو جاهل، فإن اعتقد خلافه أو قال بخلاف الحق عالما به أو غيرعالم فهو جاهل، كقوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ الفرقان:٦٣.
وقوله ﷺ : (إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل) (رواه أبو داود) (٤).
أى لا يعمل بعمل الجاهلية من السفه والغضب والأنفة والحمية والمفاخرة، ومنه قول عمرو بن كلثوم فى معلقته:
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أى لا يسفه أحد علينا فنسفه عليه فوق سفهه، أى نجازيه به جزاء يزيد عليه.
وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإنما علم أنه مخالف للحق، كما قال تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريبا﴾ النساء:١٧، لأن العلم الحقيقى الراسخ فى القلب يمتنع أن يصدر عنه ما يخالفه من قول أو فعل، فإن صدر ما يخالفه كان جهلا، وعلى ذلك كان الناس قبل البعثة النبوية فى جاهلية وكل ما يخالف ما جاء به المرسلون من أفعال اليهود والنصارى، وتلك كانت الجاهلية العامة.
أما بعد البعثة فقد مضى زمانها بمجىء الإسلام، وإن بقيت أحوالها وعاداتها بين الإطلاق والتقييد.
فالمطلقة قد تكون فى بلد دون بلد، كما هى فى غير ديار الإسلام، وقد تكون فى بعض الأشخاص دون بعض، كالرجل قبل أن يسلم وإن كان فى دار الإسلام.
والمقيدة قد تكون فى بعض ديار المسلمين وفى كثير من الأشخاص المسلمين؛ لقول ﷺ (أربع في أمتى من أمرالجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب، والطعن فى الأنساب والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) رواه مسلم (٥).
فهذه كلها جاهلية، وهى من المعاصى التى لا يكفر صاحبها.
وقد اختلف المؤرخون فى تحديد الفترة الزمنية للجاهلية على أقوال، منها أنها بين آدم ونوح، أو بين نوح وإدريس، أو بين موسى وعيسى، أو بين عيسى ومحمد ﷺ ومنهم من قال هى الفترة بين كل نبيين، والراجح أن الفترة الزمنية للجاهلية تبدأ من عصور ما قبل التاريخ، وتنتهى بالبعثة النبوية فى القرن السابع الميلادى، وعلى هذا لا يصح مطلقا أن يوصف المجتمع المسلم بأنه جاهلى، بخلاف الأفراد، فإنه يمكن إطلاق لفظ الجاهلية على الشخص إن وقع فى فعل جاهلى.
أ. د/خليفة حسن العسال
стр. 182
٥ - الجَبْر (الاختيار)
لغةً: الجبر مأخوذ من الفعل الرباعى أجبر على وزن أفعل بمعنى أكرهه وقهره على الفعل بغير إرادة من الفاعل ولا اختيار فيه، وضده الاختيار فهو يدل على إرادة الفاعل واختياره لفعله بإرادته وقدرته، وقد يجىء لفظ الجبر من جبَر الثلاثى لكنه قليل، ومنه الجبار صفة من صفات الله تعالى، ولا يذكر منفردا وإنما يأتى مقرونا بلفظ المنتقم كما فى أسمائه الحسنى الجبار المنتقم.
واصطلاحاً: والجبر والاختيار مذهبان مشهوران فى علم الكلام فالمعتزلة يقولون بالاختيار المطلق للعبد فى فعله حيث يقع منه الفعل بإرادته وقدرته المستقلة عن قدرة الله وإرادته، أما الأشاعرة فيقولون بالكسب ومعناه عندهم أن الفعل يقع بقدرة الله المطلقة مقارنا لقدرة العبد الحادثة. وأول من قال بالجبر فى الإسلام هو الجهم بن صفوان (ت: ١٢٨هـ) والإنسان عنده مقهور على فعله وهو كالريشة المعلقة فى الهواء تحركها الرياح كيف تشاء، ولقد أظهر الجهم مقالته فى الجبر حين أظهر المعتزلة مقالتهم فى نفى القدر وقالوا إن الأمر أنف وأنه لا قضاء والإنسان حر فى أفعاله وتقع منه بإرادته وقدرته مستقلا عن قدرة الله وإرادته، ثم صار لفظ الجبر لقبا على الجهم واتباعه الجهمية من بعده، وهو ليس لفظا شرعيا، لم يرد فى نص صحيح من الكتاب والسنة ولم يعرف فى عصر الخلافة الراشدة وكان السلف يتحرجون من استعماله نفيا أو إثباتا لأنه لفظ مجمل، والذى ورد فى الحديث الصحيح لفظ جبل حين قال ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك لَخُلُقَيْن يحبهما الله ورسوله. قال: أخُلقين تخلقتُ بهما أم جُبْلت عليهما فقال ﷺ : بل جُبلت عليهما". فقال الأشج: الحمد لله الذى جبلنى على ما يحبه الله ورسوله. وقيل: إن الجهم أخذ مقالته فى الجبر ونفى الصفات عن الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد ثم شاعت مقالته فى العصر الأموى، وقيل إن خلفاء بنى أمية استغلوا القول بالجبر لتثبيت سلطانهم وتنفيذ سياستهم فى الرعية، والمعتزلة يطلقون على الأشاعرة لفظ الجبرية، ويتبرأ الأشاعرة من هذه الصفة ويطلقونها بدورهم على الجهم والجهمية وتنقسم الجبرية إلى ثلاثة أقسام:
١ - جبرية خالصة: وهم الجهمية القائلون بالجبر المطلق وأن قدرة الإنسان لا أثر لها فى الفعل الإنسانى.
٢ - جبرية متوسطة: وهم يثبتون القدرة للعبد لكن ليس لها أثر فى فعله، ولا تصلح هذه القدرة لفعل الضدين وهذه القدرة هى مناط التكليف الشرعى.
٣ - القائلون بالكسب وهم الأشاعرة ويثبتون للعبد قدرة على الفعل ويسمون مباشرة قدرة العبد لفعله كسبا، ولا يسمون ذلك خَلْقَاً للفعل.
ويحتج كل فريق من القائلين بالجبر والاختيار على مذهبه بآيات من القرآن الكريم ليفند بها مذهب الفريق الآخر.
فمن الآيات التى يحتج بها القائلون بالجبر قوله تعالى: ﴿فعَّال لما يريد﴾ (البروج ١٦).
﴿الله خالق كل شىء﴾ (الزمر ٦٢) ﴿ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى﴾ (السجدة ١٣).
ومن الآيات التى يحتج بها القائلون بالاختيار قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة ٧، ٨) ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف ٢٩).
ويحاول كل فريق من القائلين بالجبر والقائلين بالاختيار أن يؤول هذه الآيات على طريقته الخاصة ليؤيد بها رأيه ويفند رأى الفريق الآخر.
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 183
٦ - الجبر (علم)
الجبر هو أحد فروع علم الرياضيات، وكان محمد بن موسى الخوارزمى أول من ألف فيه كتابا فى زمن الخليفة المأمون (١٩٨ - ٢١٨هـ) أسماه "الجبر والمقابلة"، وضع فيه أصول علم الجبر وقواعده، وخرج به من نطاق الأمثلة المفردة إلى المعادلة العامة التى تسهل حل المسائل الحسابية المتشابهة طبقا لقاعدة معينة.
واصطلاحا: يعنى نقل الحدود السالبة من مكانها فى أحد طرفى المعادلة الجبرية إلى الطرف الآخر، أما المقابلة فتعنى حذف الحدود المتشابهة فى الطرفين.
وقد عرف الخوارزمى فى كتابه جميع عناصر المعادلة الرياضية الجبرية كما نفهمها اليوم، فشرح معنى الحد المعلوم والمجهول والمطلق والعدد الأصم وفكرة الأس واللوغاريتمات والكميات السالبة والموجبة والتخيلية ومعادلات الدرجة الأولى والدرجة الثانية وطرق حلها، ثم انتقل بعد ذلك إلى الجانب العملى الخاص بتطبيقات الجبر فى الحياة العملية، وجعله كتابا مستقلا يشتمل على الكثيرمنها والقياس عليها فى مسائلهم المتعلقة بالمعاملات والوصايا والمواريث.
وأضاف علماء آخرون إلى علم الجبر، وزادوا فى أصوله ومسائله مثل أبى الوفاء البوزجانى، وشجاع بن أسلم، وعمر الخيام، والقلصاوى وغيرهم، وعنهم انتقل هذا العلم إلى جُلّ اللغات الأجنبية بلفظه العربى " Algebra" وأصبح بعد ذلك يطلق على علم المعادلات الرياضية بوجه عام.
أ. د/أحمد فؤاد باشا
стр. 184
٧ - الجذب
الجذب مصطلح صوفى يقصد به "ملاحظة العناية الإلهية للعبد باجتذابه إلى حضرة القرب" وذلك بأن يهيىء الله للمجذوب كل ما يحتاجه فى طريقه لاجتياز المنازل والمقامات، دون كلفة ولا مشقة، وهو يقابل "السالك" الذى يقطع الطريق بالمجاهدة والرياضة.
ويسمى المجذوب "مريدا" كما يسمى السالك "مريدا" أيضا، والفرق بينهما أن المجذوب لا يعانى مشقات الطريق؛ لأنه مختطف بالجذب، بخلاف السالك السائر فإن عليه أن يقطع كل عقبات الطريق.
وقد ظهر هذا المصطلح مبكرا فى مراجع التصوف الإسلامى، حيث تحدث الطوسى (ت ٣٧٨هـ) فى كتابه "اللمع" عن جذب الأرواح وما يتعلق به من أوصاف ترجع كلها إلى معنى "التوفيق والعناية" في اجتذاب المريد، ويقول شيوخ التصوف: إن صاحب الجذبة يرى فى بدايته ما يكون له في نهايته، وإن جذبة من جذبات الحق تُربى على أعمال الثقلين، وللمجذوب بعد جذبته إلى مقام القرب إحدى حالتين: فقد يستقر فى هذا المقام ولا يرجع إلى ما كان عليه، أولا فيسمى "عاشقا"، وقد يعود إلى حالته الأولى ويواصل سلوكه فيسمى "المجذوب السالك"، وقد تحصل الجذبة للسالك فى نهاية سلوكه فيسمى حينئذ: "السالك المجذوب"، و"المجذوب السالك" و "السالك المجذوب" كلاهما مؤهل لرتبة المشيخة وتربية المريدين، بخلاف "المجذوب المجرد "، أو "السالك المجرد" فإن أيا منهما لا يصلح لهذه الرتبة.
وليس فى كلام الصوفية عن "الجذب" ما يدل على انمحاق العقل، بمعنى "الجنون" المسقط للتكاليف الشرعية، وإن كانت تعريفاتهم تشير إلى أن المجذوب مشتغل بربه، ومنقطع إليه، ومأخوذ عن نفسه.
ويميل "ابن خلدون" إلى اعتبار "المجذوب" فاقدا لعقل التكليف، ويكاد يلحقه بالحمقى والمجانين في سقوط التكاليف الشرعية، ويراه أقل مرتبة من عوام المؤمنين، فضلا عن أن يكون من طبقة الأولياء المقربين.
أ. د/أحمد الطيب
стр. 185
٨ - الجَرْح والتعديل
لغةً: الجرح التأثير فى الجسم بسلاح ونحوه (١) والتعديل: التنوية وتقويم الشىء والتزكية (٢).
واصطلاحاً: وصف الراوى بصفات تقتضى عدم قبول روايته، والتعديل وصف الراوى بصفات تقتضى قبول روايته، فهى شهادة بالتزكية تسهم فى تصحيح الحديث الذى يرويه.
والجرح والتعديل من أهم علوم الحديث، إذ به يتميز الصحيح من السقيم، والمقبول من المردود من الروايات، ونشأ علم الجرح والتعديل مع نشأة الرواية فى الإسلام وبُدئ فى إرساء أسسه وقواعده منذ عصر الصحابة y، فقد تكلم منهم فى الرواة عدد غير قليل كما تكلم كثير من أئمة التابعين وأتباعهم، ومن أدق ما صنعه أئمة الجرح والتعديل أمران:
الأمر الأول: وضع الرواة المعدَّلين فى مراتب للتعدّيل، والمجرحين فى مراتب للتجريح، ففى التعديل مرتبة تنبئ عن العدالة والضبط التامّين ومرتبة أقل من ذلك قليلا .. وهكذا، وفى التجريح مرتبة تنبئ عن عدم الحفظ، ومرتبة تنبئ عن كذب الراوى، وبينهما مراتب أخرى، ويتبع ذلك الوقوف على درجة حديث الراوى (٣).
الأمر الثانى: هو وضع ألفاظ للجرح والتعديل داخل المراتب السابقة تعنى وصفا دقيقا للراوى من حيث عدالته وضبطه، فمثلا قولهم فى راوى الحديث: "ثقة" أو "ثَبْت " يبين أنه فى المرتبة الأولى من مراتب العدالة، وبالتالى حديثه صحيح، وقولهم: "لا بأس به " عند جمهورهم تعنى أن ضبطه يخفّ قليلا عن درجة الثقة وبالتالى يكون حديثه حسنا، وقولهم: "ضعيف" تعنى أنه سيئ الحفظ وبالتالى حديثه ضعيفا، وقولهم: "كذاب" أو "وضَّاع " تعنى أنه فى أدنى مراتب الجرح وأن حديثه موضوع (٤).
وألفت الكتب التى تتناول الرواة من حيث الكشف عن كونهم عدولا أو مجرّحين، وهناك الكتب التى تتناول فترة محددة أو كتبا معينة كما أن هناك الكتب الخاصة بالثقات أى المعدلين، والكتب الخاصة بالمجرحين، وهناك الأئمة الذين برعوا فى هذا الشأن وجاءت أحكامهم كأنها ميزان أو هى ميزان دقيق، ومن هؤلاء الأئمة: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، ولم يخل عصر من العصور منذ عهد الصحابة إلى العصور المتأخرة من عدد كبير من الأئمة النقاد فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى (٥).
أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب
стр. 186
٩ - الجزء Part
لغةً: النصيب، والقطعة من الشىء (١)، وما يتركب الشىء منه ومن غيره، وجمعه أجزاء.
واصطلاحاً: عند علماء العروض: عبارة عما من شأنه أن يكون الشعر مقطعا به (٢).
وهو أيضا قسم من الثلاثين قسما التى جُزّئها القرآن الكريم تيسيرا لتلاوته (٣) كما يطلق الجزء لدى الصوفية على الكثرة والتعيّن.
ويُقال: أجزاء الموجود، وأجزاء النفس، بمعنى ملكات، أو قوى النفس (٤).
و"الجزئى الحقيقى": ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كزيد. ويسمى جزئيا؛ لأن جزئية الشىء إنما هى بالنسبة إلى الكلى، والكلى جزء الجزئى، فيكون منسوبا إلى الجزء، والمنسوب إلى الجزء جزئى، وبإزائه الكلى الحقيقى.
و"الجزئى الإضافى": عبارة عن كل أخص تحت الأعم، كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان، يسمى بذلك لأن جزءيته بالإضافة إلى شىء آخر. وبإزالة الكلى الإضافى، وهو الأعم من شىء.
والجزئى الإضافى أعم من الجزئى الحقيقى. فجزء الشىء ما يتركب ذلك الشىء منه ومن غيره.
كما أن الحيوان جزء زيد، وزيد مركب من الحيوان وغيره، وهو ناطق وعلى هذا التقدير يكون زيد كُلا، والحيوان جزءا. فإن نُسب الحيوان إلى زيد كان كليّا، وإن نسب زيد إلى الحيوان يكون زيدٌ كلاً. (٥)
و"الجزئى" Particular
مصطلح منطقى: يقال على القضية الجزئية الموجبة أو السالبة، والتى ينصبّ فيها المحمول على جزء من ما صدق الموضوع (٦).
و"الجزئى" Particle فى مادة ما: هو أصغر جزء مستقل منها، يصح أن يوجد محتفظا بالخواص الكيميائية لهذه المادة (٧).
و"الجزء الذى لا يتجزأ" أو"الذرة “ Atom:
هو جوهر فرد ذو وضع لا يقبل الانقسام أصلا: لا بحسب الخارج، ولا بحسب الوهم، ولا بحسب الفرض العقلى.
وتتألف الأجسام من أفراده بانضمام بعضها إلى بعض، كما هو مذهب المتكلمين (٨). ويطلق عليه الآن أنه "ذرة" (٩).
و"العلم الجزئى": هو العلم الذى يكون موضوعه أخص من موضوع علم آخر، كعلم الطب بالنسبة إلى العلم الطبيعى (١٠).
أ. د/ عبد اللطيف محمد العبد
стр. 187
١٠ - الجسم Corp- Body
لغة: هو الجسد، وكل ما له طول وعرض وارتفاع (أو عمق)، وكل شخص يدرك من الإنسان والحيوان والنبات، ويجمع على أجسام وجسوم.
واصطلاحا: الجسم جوهر ممتد قابل للأبعاد الثلاثة (١)، وهو ذو شكل ووضع. وله مكان إذا شغله منع غيره من التداخل فيه معه. فالامتداد وعدم التداخل هما إذن المعنيان المقومان للجسم، ويضاف إليهما معنى ثالث، وهو الكتلة ( Mass)(٢).
وعلى هذا فإن الجسم شىء مادى مُدرك بالحواس، وموضع فى المكان، فحيثما يوجد جسم يوجد مكان.
ومن هنا نجد فرقة مثل المعتزلة تعرّف الجسم بالأبعاد، أى إنه ما له يمين وشمال، وظهر وبطن، وأعلى وأسفل (٣).
ويرى ابن سينا أنه لابد للجسم أن يكون جوهرا مؤلفا من هيولى وصورة، وأن يكون متصلا محدودا ممسوحا فى أبعاد ثلاثة كيف شئت طولا وعرضا وعمقا (٤).
وحيث كان الجسم مؤلفا من الهيولى والصورة، فإنه لا وجود لهيولى تخلو عن الصورة إلا فى الوهم، وكذلك لصورة تخلو عن الهيولى إلا فى الوهم (٥).
وهناك ما يسمى:
"الجسم الطبيعى" Natural Corp:
هو مبدأ الفعل والانفعال، وهو الجوهر المركب من مادة هى محل وصورة، هى حالّة فيه، مع ملاحظة أن معنى الجوهر أعمق من معنى الجسم (٦).
"الجسم التعليمى" Mathematical Corp:
وهو ما يقبل الانقسام طولا وعمقا. ونهايته السطح، وهو نهاية الجسم الطبيعى. وسمى "جسما تعليميا" نسبة إلى العلوم التعليمية الباحثة فيه، وهى علوم الكم المتصل والمنفصل. وقد نسبها قدماء الفلاسفة إلى التعليم لأنهم كانوا يبتدئون بها فى تعليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان؛ لأنها أسهل إدراكاً (٧).
"الجسم الحى" Living Corp:
وهو الجسم المتصف بالحياة كالنبات والحيوان (٨).
"الجسم الجسمانى" Corporal:
وهو المنسوب إلى الجسم.
"الجسمانية" Corporalism:
وهى تعنى المادية.
و"الأجسام الطافية" فى علم الطبيعة:
هى الأجسام التى إذا تركت حرة وهى مغمورة فى سائل طفت على سطحه (٩).
والجسم والجرم: مترادفان إلا أن أكثر استعمال الجرم فى الأجسام الفلكية، ومنه الأجرام الأثيرية مع ما فيها، وتسمى عالما علويّا (١٠).
ويطلق الجسم على "الجسد" وهو مقابل الروح (١١).
لكن يرى الجرجانى رأيا خاصا فى الجسد، وهو أنه:
"كل روح تمثل بتصرف الخيال المنفصل، وظهر فى جسم نارى كالجنّ، أو نورى كالأرواح الملكية والإنسانية، حيث تعطى قوتهم الذاتية الخلع واللبس، فلا يحصرهم حبس البرازخ" (١٢).
وذهب البيضاوى إلى أن الجسد: جسم ذو لون، ولذلك لا يطلق على الماء والهواء. وبه فسّر البيضاوى قول الله تعالى: ﴿وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين﴾ (الأنبياء ٨).
والأجسام السبعة: عند الحكماء هى: الذهب والفضة والرصاص والأسرب (الرصاص الأسود) والحديد والنحاس والخارصين (١٣).
و"الجسيم" Corporal:
يراد به عموما الجسم الصغير، وأطلق بوجه خاص على الجزيئات وعلى الذرات فى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين (١٤).
و"فلسفة الجسيمات": نظرية طبيعية تحاول تفسير بعض الظواهر الطبيعية، بتجميع بعض الجزيئات غير المرئية. والجزىء من مادة ما، هو أصغر جزء مستقل منها يصح أن يوجد محتفظا بالخواص الطبيعية لهذه المادة (١٥).
أ. د/ عبد اللطيف محمد العبد
стр. 188
١١ - الجشع
لغة: الحرص الشديد، والطمع فى حق الغير، والشح. فيعرف بأنه الحرص الشديد، وقيل أسوأ الحرص على الطعام وغيره، وقيل هو أن تأخذ نصيبك وتطمع فى نصيب غيرك، ويوصف به الشحيح، والمتخلق بالباطل بما ليس فيه (١).
واصطلاحا: طمع فى غير حق، ورغبة فى الحصول على أكثرمما قدر له.
والباعث عليه "كما يقول المارودى: شيئان: الشره، وقلة الأنفة، فلا يقنع بما أوتى وإن كان كثيرا لأجل شرهه، ولا يستنكف مما منع وإن كان حقيرا لقلة أنفته، وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرا، ويرى المال أعظم خطرا، فيرى بذل أهون الأمرين لأجلهما مغنما" (٢).
والجشع فى باب المال يجر صاحبه إلى حرمان من فضائل هامة، "ومن أحب المال حتى استعبده المال لم يؤهل لهذه الرتبة (رتبة الفضائل) فإن حرصه على جمع المال يصده عن استعمال الرأفة وامتطاء الحق وبذل ما يجب، يضطره إلى الخيانة والاختلاق والزور ومنع الواجب.
وربما أنفق أموالا جمة محبة منه للمحمدة ولا يريد بذلك وجه الله، بل يتخذها مصيدة ويجعل ذلك مكسبه، ولا يعلم أن ذلك عليه سيئة ومسبة" (٣).
ثم هو فى باب الشهرة، والحرص على أن يتصدر اسمه المجالس يجر إلى الكذب والرياء والتصنع، وقبول الدنية سرا، والتظاهر بضدها علنا، رغبة فى إرضاء من يريد منه مكانة أو صلة وبرا (٤).
فالجشع الذى هو أسوأ الطمع والحرص مرض نفسى يسبب لصاحبه الهم والذل، لأنه لا يستريح ولا يقنع حتى ولو يحقق ما يسعى إليه، فيظل فى كدر دائم، وذل للحاجة مستمر (٥).
وعلاجه فى النزاهة، وهى الترفع عن المطامع الدنية، وفي القناعة والزهد، ففى القناعة رضا تسكن النفس به وتستريح، وفى الزهد استعلاء على ما يذل ففيه عزة، لأنه قيل: "أذل الحرص أعناق الرجال ".
وهذا لا يتحقق إلا لمن آمن بأن للعبد رزقا يطلبه كما يطلبه أجله، وآمن بأنه (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)، وآمن بأنه (قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه)، وعلم نصيحة رسول الله لأمته: (إن روح القدس نفث فى روعى: إن نفسا لن تموت حتى تستوفى رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب، ولا يحملنكم إبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصى الله تعالى، فإن الله عزوجل لا يدرك ما عنده إلا بطاعته (٦)، وكل هذه النصائح النبوية صدى لآيات الله فى الرزق ﴿وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها﴾ هود:٦.
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ الذاريات:٥٦ - ٥٨.
أ. د/أبو اليزيد العجمى
стр. 189
١٢ - الجلال
وردت كلمة "الجلال" فى القرآن الكريم مرتين فى سورة الرحمن، فى قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن:٢٧، وقوله تعالى: ﴿تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام﴾ الرحمن:٧٨. ومعنى الجلال فى الآيتين: الملك والعظمة والقوة والعزة.
والجليل اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: العظيم فى ذاته وصفاته وأفعاله، والفرق بين الجليل والكبير والعظيم -فى الأسماء الحسنى- أن اسم الكبيريرجع إلى كمال الذات، والجليل إلى كمال الصفات، والعظيم إلى كمال الذات والصفات معا، وصفات التنزيه ترجع -فيما يرى المتكلمون- إلى صفة الجلال، ويعنون بصفات التنزيه كل صفة تنفى عن الله تعالى معنى لا يليق بذاته المقدسة، كوصفه تعالى بأنه ليس جسما ولا عرضا ولامحتاجا ولا متحيزا فى جهة.
والجلال -فى اصطلاح الصوفية- هو: احتجاب الحق بحجاب العزة عن معرفة حقيقة ذاته المقدسة، فلا يرى ذاته ولا يعلمها على حقيقتها إلا هو، وليس لمخلوق أدنى نصيب فى معرفة "الجلال" أو الكلام فيه، وسبب ذلك … فيما يقول بعض شيوخ الصوفية: أن الجلال مرتبط بالجمال، وأن جمال الله تعالى يعلو ويدنو.
وعلو الجمال وعزته هو "الجلال" الذى يتكلم فيه العارفون، وهم فى حقيقة الأمر إنما يتكلمون فى جلال الجمال لا "الجلال" المطلق، "فالجلال المطلق" معنى يرجع من الله إليه وحده، وهو مانع يمنع من رؤيته، بخلاف "جمال الجلال" فإنه يتجلى به على عباده، وهو مصحح لرؤيته تعالى فى الجنة، مع تنزهه عن الجهة والتحيز وتوابعهما، كما هو مذهب أهل السنة. وتجلى الجمال يوجب عند الصوفية الفناء والمحو والقهر.
أ. د/أحمد الطيب
стр. 190
١٣ - جماعة أبوللو
اصطلاحا: تطلق على هيئة أدبية جديدة أعلن ميلادها فى القاهرة الشاعر المصرى (د. أحمد زكى أبو شادى) (١٨٩٢ - ١٩٥٥م) فى سبتمبر سنة ١٩٣٢م سماها "جماعة أبوللو" وجعل مركزها القاهرة وتجمع طائفة من أعلام الأدباء، والشعراء والنقاد، ومعهم جماعات (من أدباء الشباب) ومن بين هؤلاء أحمد محرم، إبراهيم ناجى، على محمود طه، كامل كيلانى، أحمد ضيف، وعلى العنانى، وأحمد الشايب، ومحمود أبو الوفا، وحسن كامل الصيرفى، وغيرهم وتولى أبو شادى أمانة سر هذه الهيئة بصفة دائمة واختير أمير الشعراء (أحمد شوقى) (١٨٦٨ - ١٩٣٢م) رئيسا لها.
وفى يوم الاثنين العاشر من أكتوبر عام ١٩٣٢م عقدت الجلسة الأولى له برئاسة "شوقى" فى داره (كرمة بن هانئ) بالجيزة، لوضع الأسس العامة لنظامها الإدارى، والأدبى، ولم يعش "شوقى" بعد ذلك إلا أياما معدودات ففى فجر يوم الجمعة الرابع عشر من أكتوبر سنة ١٩٣٢ م انتقل شوقى إلى رحاب ربه وقد اختار أعضاء الجماعة، الشاعر (خليل مطران) (١٨٧٢ - ١٩٤٩م) رئيسا للهيئة وكان أحمد محرم، وإبراهيم ناجى (وكيلين).
وكانت عضوية الجماعة مفتوحة فى مصر وجميع الأقطار العربية للشعراء خاصة والأدباء ومحبى الأدب عامة، ومن يهمهم تقدم أغراض الجمعية.
وكانت أغراض الجمعية كما أعلنت منذ ميلادها هى ما يلى:
السمو بالشعر العربى، وتوجيه الشعراء توجيها شريفا.
مناصرة النهضات الفنية فى عالم الشعر. ترقية مستوى الشعراء ماديا وأدبيا واجتماعيا، والدفاع عن كرامتهم ومنذ ميلاد هذه الهيئة الأدبية، صدرت مجلة تحمل اسمها وتنشر أدبها وتذيع أفكارها وهى مجلة (أبوللو) وهى أول مجلة خصصت للشعر ونقده فى العالم العربى.
وفى صدر العدد الأول نفسه قصيدة "لشوقى" حيّا بها ميلاد هذه الجماعة ومجلتها- وجاء فيها:
أبوللو!! مرحبا بك يا أبوللو
فإنك من عكاظ الشعر ظل
عكاظ، وأنت للبلغاء سوق
على جنباتها رحلوا وحلُّو
عسى تأتيننا بمعلقات
تروح على القديم بها تدل
لعل مواهبا خفيت وضاعت
تذاع على يديك وتستغل
ولم تلبث هذه الجماعة ومجلتها أن أحدثت دويّا فى الأدب والنقد والشعر فى مصر وسائر أنحاء العالم العربى.
وشعراء أبوللو ممن كانوا أعضاء فى جمعيتها يكونون مع رائدهم أبى شادى مدرسة متميزة فى الشعر المعاصر، لها خصائصها وآراؤها.
وقد أطلق أبو شادى عليها هذا الاسم "مدرسة أبوللو" وهى مدرسة شعرية مذهبها "الرومانسية"وهى تستلهم فى شعرها الحياة وتحرص على الأصالة وتدعو إلى العاطفة الصادقة، والوحدة التعبيرية والتعبير الطليق، وشعرها هو شعر الطبع والجدة، والوجدان المعبر عن واقع الحياة فى نفس الشاعر.
المدارس الشعرية التى ظهرت عند ظهور أبوللو:
١ - من العجيب أن تظهر مدرسة أبوللو الشعرية ومجلتها فى جو يسوده الظلام والحزن، وفى فترة ليس لها مثيل فى تاريخنا القومى، وفى خلال أزمة عالمية عاتية.
٢ - فى الأدب والشعر كان هناك تيار محافظ يمثله عبد المطلب والرافعى والجارم والكاظمى، ومحمد فريد وجدى، والبشرى- وتيار جديد يمثله "مطران" وشكرى والعقاد والمازنى.
ويدور شعر شعراء أبوللو عامة فى الموضوعات الآتية:
١ - النزعة الإنسانية- الالتفاف إلى تصوير البؤس وإظهار بعض الجوانب المظلمة فى المجتمع.
٢ - الاندماج فى الطبيعة، والحديث عن الآمال- خلال البعد عن الوصف الحى.
٣ - الحنين إلى مواطن الذكريات، وهو نابع من النزعة الانطوائية وتتضح السمات الآتية فى شعر شعراء مدرسة أبوللو وهى:
· النزعة الإنسانية الرومانسية.
· تحطيم القيود الكلاسيكية والرجوع إلى الواقعية والوحى والإلهام.
· ترك المدنية إلى الريف والطبيعة.
· العناية بالطابع الذاتى.
· التحرر من العالم المادى إلى العالم المثالى.
· البساطة فى التعبير عن نزعات المشاعر.
وسميت هذه الجماعة باسم أبوللو نسبة إلى آلهة إغريقية تتغنى للشمس والشعر والموسيقى فنحن نتغنى فى حمى هذه الذكريات التى أصبحت عالمية.
أ. د/ محمد سلام
стр. 191
١٤ - جماعة الديوان
اصطلاحا: تطلق على النقاد الثلاثة الذين كونوا "مدرسة الديوان" وهم العقاد، والمازنى، وشكرى من حيث الرؤية الشعرية، والأسس الفنية، لأنهم التقوا فكريا حول مفاهيم نقدية وجمالية متقاربة وقد شكلوا مدرسة نقدية هامة فى تاريخ شعرنا العربى الحديث رغم قصر المدة الزمنية التى جمعت بينهم إنسانيا.
وهناك خطأ يردده كثير من الدارسين- وهو تسمية هذه المدرسة باسم مدرسة "الديوان" نسبة إلى كتاب بنفس العنوان قد أخرجه (العقاد والمازنى) فى جزءين سنة ١٩٢١ م هذه التسمية غير صحيحة لأن هذا الكتاب ينقد ويهاجم أكثر من كونه يرسى أسساً فنية، ويضع تقاليد جمالية فالعقاد فيه ينقد شوقى، والمازنى ينقد المنفلوطى، بل وشكرى، ومعنى هذا أن الكتاب هجمة محمومة على أهم من فى الساحة الأدبية من الخصوم والأنصار.
لقد تأثر رواد "مدرسة الديوان النقدية" وهم: (عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازنى وعبد الرحمن شكرى) فى نزعتهم الجديدة بالأدب الإنجليزى، وبالشعراء والكتاب الرومانسيين بصفة خاصة، ووقفوا موقف عداء ورفض سافر لشعراء المدرسة الكلاسيكية التى كانوا يسمونها بالمدرسة المحافظة، ويسمون شعراءها بالمقلّدين، وكان رفضهم للتقليد دافعا لهم إلى البحث عن بديل، وقد اطمأنت نفوسهم إلى أشعار الرومانسيين فأخذوا بكثير من مبادئها، والتقوا فى هذا بالخطوط العربية التى كان "مطران" يدعو إليها ويحققها فى شعره وهذه المبادئ هى أنهم:
· طالبوا أن يكون الشعر تجربة شعرية لها طابعها الفردى.
· نزعوا إلى الشعر الوجدانى الذى يحمل سمات صاحبه النفسية، ويبرز شخصيته المتميزة.
· طالبوا بالوحدة الفنية فى القصيدة.
اهتموا بالخيال وأولوه عناية خاصة.
· دعوا إلى ما يعرف بالشعر المرسل، أى أن القصيدة لا تنتهى بقافية موحدة بل ينتهى كل بيت منها بقافية خاصة؛ لأنهم يرون أن القافية الموحدة فيها رتابة مملة لسامع.
· كان لكل منهم طابعه الخاص المرتبط بتجاربه النفسية ومزاجه الخاص.
ولقد نادى العقاد ﵀ بمبادئ المدرسة فقال موجها الكلام لشوقى: اعلم أيها الشاعر العظيم، أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصى أشكالها وألوانها، وليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشىء ماذا يشبه، وإنما- مزيته أن يقول لك ما هو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به.
ولقد قال العقاد فى مهرجان "شوقى" الذى أقامه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، يوضح رأيه فى شوقى، ويبين موضع الخلاف بينهما فقال:
· أنه كان علما للمدرسة التى انتقلت بالشعر من دور الجمود والمحاكاة الآلية إلى دور التصرف والابتكار، فجُمعت له جملة المزايا والخصائص التى تفرقت فى عصره.
· ومضى يشرح ذلك فقال: إن البارودى كان يفوقه فى روعة المتانة والفخامة والجزالة، ولكنه عوض ذلك بما يضارعه ويفوقه، وخاصة فى منظوماته الأخيرة، من سلاسة اللفظ وعذوبة العبارة ورقة النغمة الموسيقية.
· كان ينازع السيطرة الأجنبية التى طغت واستبدت، ولم يحجم عن المشاركة فى المواقف الوطنية التى يقتضيها الواجب الوطنى.
· ومضى يشيد بشعره التاريخى قائلا عن قصيدته "كبار الحوادث فى وادى النيل" إنها عمل مستقل المقصد مجتمع الأجزاء يصح أن ينفرد وحده فى بابه، كأنه شريط متسلسل من أشرطة الصور المتحركة يعرض للناظرين مواقف الدول والمناسك والأديان من أقدم عصور وادى النيل.
· وأشاد بمسرحياته ونظمه فى المواعظ والأمثال، ثم قال: كان شوقى عَلما لمدرسة الشعر فى مطلع النهضة الأدبية، التى بدأت فى منتصف القرن التاسع عشر وكان حظ العَلَم فى حالتيه يلتف به شيعته فى معسكره، ويرميه الرماة من المعسكر الآخر، الذى يناجزه ويدعو إلى غير دعوته.
أ. د/ محمد سلام
стр. 192
١٥ - الجمال
لغة: هو "الحسن "، واسم "الجميل" فى أصل اللغة موضوع للصورة الحسية المدركة بالعين، أيا كان موضوع هذه الصورة من إنسان أو حيوان أو نبات او جماد. ثم نقل اسم الجميل لتوصف به المعانى التى تدرك بالبصائر لا الأبصار، فيقال: سيرة حسنة جميلة، وخلق جميل. وقد وردت كلمة جمال وصفا للأنعام فى قوله تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾ النحل:٦، كما وردت كلمة "الجميل" فى القرآن أيضا وصفا للصبر والصفح وتسريح الزوجة والبحر. كما وردت وصفا لله تعالى فى الحديث الشريف: (إن الله جميل يحب الجمال) (صحيح الإمام مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه) ومعنى "جميل" فى الحديث: المنزه عن النقائص والموصوف بصفات الكمال، أو: ذو النور والبهجة .. إلخ .. ويرجع المتكلمون صفات المعانى لله تعالى كالعلم والقدرة وما إليهما إلى صفة "الجمال".
واصطلاحا: الجمال الحقيقى -فى المفهوم الصوفى- هو: الجمال الإلهى، وهو من صفات الله الأزلية، شاهدها فى ذاته أزلا مشاهدة علمية، ثم أراد أن يشاهدها مشاهدة عينية في أفعاله، فخلق العالم، فكان كمرآة انعكس على صفحتها هذا الجمال الأزلى.
والجمال الإلهى -فيما يقول الصوفية- نوعان: جمال معنوى وجمال صورى. فالجمال المعنوى هو: معانى الصفات الإلهية والأسماء الحسنى. وهذا النوع لا يشهده إلا الله، أما الجمال الصورى فهو هذا العالم الذى يترجم عن الجمال الإلهى. بقدر ما تستوعبه الطاقة البشرية. فالعالم ليس إلا مجلى من مجالى الجمال الإلهى. وهو بهذا الاعتبار حسن. وكل ما فيه جميل، والقبح الذى يبدو فيه ليس قبحا حقيقيا، بل هو قبح بالإضافة والاعتبار لا بالأصالة. ويضربون مثلا لذلك: قبح الرائحة المنتنة التى ينفر منها الإنسان، ويتلذذ بها الحيوان، والنار التى تكون قبيحة لمن يحترق فيها، لكنها فى غاية الحسن لمن لا يحترق بها مثل طائر "السمندل" الذى يتلذذ بالمكث فى النار. فيما يقولون.
وإذا كان المعتزلة يرون أن الحسن والقبح وصفان ذاتيان فى الأشياء، ويرى الأشاعرة أن الأشياء فى أنفسها قبل ورود الشرع لا توصف بحسن ولا قبح فإن الصوفية يؤكدون على أن "الحسن" وصف أصيل فى كل ما خلق الله تعالى. ولتجلى الجمال "انبهار" يقهر عقل السالك إلى درجة "الهيمان "، فإن بقى فى هيمانه سمى "مولها "، والمؤيدون من السالكين معصومون فى تجلى الجمال من الهيمان، قإذا سكروا صحوا عن قريب، وهؤلاء يسمون "بالممكنين"، وأهل "التأييد"، وأهل "التمكين" أرفع درجات من المهيمين. ويستدل الصوفية على أحوالهم فى تجلى الجمال بدعاء النبى ﷺ فى الحديث الشريف: (وشوقا إلى لقائك من نكير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) (مسند الإمام أحمد، ٥/ ١٩١)، ويفسرون "الضراء المضرة" فى الحديث بذهاب العقل، و"الفتنة المضلة" بانحلال قيود العلم المؤدية إلى الزندقة.
وتجلى الجمال من منازل القلب، وليس من أخلاق النفس، وهو -بهذا الاعتبار- من "الأصول"، التى يتبنى عليها السلوك.
أ. د/أحمد الطيب
стр. 193
١٦ - الجمعة
لغة: جمع المتفرق جمعا: ضم بعضه إلى بعض، وجمع القوم لأعدائهم: حشدوا لقتالهم، وجمَّع الناس: شهدوا الجمعة وقضوا الصلاة فيها، واستجمع القوم: تجمعوا من كل حدب وصوب، والجامع: الذى تصلى فيه الجمعة، والجمعة: المجموعة، والجمعة ما يلى الخميس من أيام الأسبوع كما فى الوسيط (١).
واصطلاحا: صلاة الجمعة فرض عين تؤدى يوم الجمعة بدلا من الظهر، وهى ركعتان (٢). قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (الجمعة ٩). ويوم الجمعة خير أيام الأسبوع للحديث "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ﵇ " .. (رواه مسلم عن أبى هريرة) (٣). "ويوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئا إلا آتاه إياه فالتمسوها أخر ساعة بعد العصر" (رواه النسائى عن جابر) (٤).
ويستحب الغسل والتجمل والسواك والتطيب لحضور صلاة الجمعة، كما يندب التبكير للصلاة لغير الإمام (٥)، ويسن التنفل قبل الجمعة للحديث "من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلى معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (رواه مسلم عن أبى هريرة) (٦).
وتجب صلاة الجمعة على: المسلم البالغ الحر العاقل المقيم القادر على السعى إليها، الخالى من الأعذار المبيحة للتخلف عنها (٧)، ففى الحديث: " الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض" (٨).
وقت الجمعة: هو وقت الظهر، فعن أنس ﵁ أن النبى ﷺ كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس (رواه البخارى عن أنس) (٩).
والجماعة شرط من شروط صحة الجمعة، وقد اختلف العلماء فى العدد الذى تنعقد به الجمعة، والرأى الراجح أنها تصح باثنين لقول رسول الله ﷺ : " الاثنان فما فوقهما جماعة" وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالإجماع (١٠).
والجمعة يصح أداؤها فى المصر والقرية والمسجد وأبنية البلد والفضاء التابع لها، كما يصح أداؤها فى أكثر من موضع (١١) فقد كتب عمر ﵁ إلى أهل البحرين: " أن أجمعوا حيثما كنتم " (رواه ابن أبى شيبة).
وتجب قبل صلاة الجمعة خطبتان يجلس الإمام بينهما جلسة خفيفة، وفيهما يحمد الله ويصلى على نبيه ﷺ ، ويوصى المسلمين بالتقوى، ويقرأ آيات من القرآن، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات.
وإذا اجتمعت الجمعة والعيد فى يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، فعن زيد بن أرقم قال: " صلى النبى ﷺ العيد ثم رخص فى الجمعة فقال: من شاء أن يصلى فليصل وإنا مجمعون " (رواه الترمذى). ويستحب للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد.
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١/ ١٤١، دار المعارف ط ٣ القاهرة.
٢ - أركان الإسلام الخمسة للدكتور/ رفعت فوزى عبد المطلب، ص ٧٧، دار السلام، ط١.
٣ - صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب: فضل الجمعة حديث رقم ٢٠١٣.
٤ - سنن النسائى، كتاب الجمعة باب: فضل الجمعة حديث رقم ١٣٨٩.
٥ - فقه السنة، الشيخ سيد سابق، ١/ ٢٧٩ - ٢٨٢، دار الفتح للإعلام العربى ط ٣.
٦ - صحيح مسلم كتاب الجمعة حديث رقم ٢٠١٣.
٧ - فقه السنة ٢/ ٢٨٤.
٨ - سنن أبى داود، كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة حديث رقم ١٠٦٧.
٩ - صحيح البخارى كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة إذا زالت الشمس رقم ٩٠٤.
١٠ - فقه السنة ٢/ ٢٨٧.
١١ - السابق ٢/ ٢٩٧.
стр. 194
١٧ - جمع السنة
لغة: جمع المتفرق جمعا: ضمَّ بعضه إلى بعض (١).
واصطلاحا: ضم بعض السنة إلى بعض فى كتب جامعة كالمسانيد والجوامع والسنن بحيث يتيسر العثور على الحديث عند الحاجة إليه.
وقد اختلف هذا الجمع بحسب الحاجة إليه والوسائل المستخدمة فيه.
ففى عصر الرسول ﷺ جمعت السنة فى الأذهان، وفى صحف متفرقة كَتَبَ فيها من احتاج الكتابة من الصحابة .. وساعد على هذا الجمع ارتباط السنة بحياتهم العملية فى العبادات والمعاملات ونظام الحكم وتفسير القرآن.
وقد كتب الحديث جماعة من الصحابة بأمر رسول الله ﷺ أو بإذنه صراحة أو إقرارا (٢).
وما ورد عند أحمد ومسلم من النهى عن كتابة الحديث موجه إلى كتاب القرآن لئلا يختلط القرآن بالحديث فى الكتابة، ففى رواية أحمد: " لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن، ومن كتب شيئا سوى القرآن فليمحه" (٣).
ومع ثبوت كتابة الحديث فى عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة فإن الاعتماد فى الرواية كان على الحفظ والضبط فى الصدر أو الكتاب، والاتصال المباشر بين الراوى ومن يروى عنه، حذرا من التصحيف والتحريف والاعتماد على المكتوب وحده، لأن الحديث مصدر للأحكام الشرعية، والخطأ فى قراءته يترتب عليه ضرر كبير.
أما قول من قال: إن آثار رسول الله ﷺ فى عهد أصحابه لم تكن مدونة فى الجوامع ولا مرتبة (٤) فلا ينافى الكتابة، وإنما يدل على عدم الترتيب والتصنيف فى هذا العصر .. أى جمع الأحاديث المكتوبة بحسب الأبواب أو الموضوعات على نظام التأليف الذى تم بعد ذلك ..
وقد جمع الباحثون ما كتبه الصحابة أو كتبه التابعون عنهم وذكروا من ذلك صحيفة همام بن منبه عن أبى هريرة، وصحيفة جابر بن عبد الله، وصحيفة سمرة بن جندب (٥).
وعزم بعض الخلفاء كأبى بكر وعمر، وعمر بن عبد العزيز على تدوين السنة أى جمع ما عند الناس منها فى دواوين تحفظها الدولة وتنشرها بين الناس (٦)، فلم يتيسر ذلك واستمرت المحاولات التى تقوم بها الدولة إلى الآن ولم تصل دولة منها إلى ذلك ..
من هنا اعتمد جمع السنة على جهود علماء الأمة فى كل عصر ولم يقتصر جمعها على عالم أو على علماء دولة من دول الإسلام دون غيرها من الدول.
قال الخطيب: ولم يكن علم الحديث مدونا أصنافا ولا مؤلفا كتبا وأبوابا فى زمن المتقدمين من الصحابة والتابعين ثم ذكر أول من صنف الكتب الجامعة للأحاديث المروية على نسق خاص وهم سنيد بن أبى عروبة وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج والأوزاعى والربيع بن صبيح وشعبة بن الحجاج وحماد ابن سلمة ومعمر بن راشد والثورى ومالك .. هؤلاء العلماء من بلاد الإسلام المختلفة .. ثم تلاهم من بعدهم ثم من بعدهم فى التأليف .. وكان التأليف على طريقتين:
١ - التصنيف على أبواب الفقه ونحوها أى بحسب الموضوع الذى ورد فيه الحديث كالصلاة والحج والجهاد .. بحسب ما يشتمل عليه كل موضوع من الأبواب كالركوع والسجود والقراءة فى الصلاة وكانوا يضمون إلى حديث رسول الله ﷺ المسند المتصل الحديث المرسل والموقوف على الصحابة وأقوال من بعدهم من التابعين مما ثبتت عدالة رجاله واستقامت أحوال رواته. وعلى ذلك كانت أكثر كتب المتقدمين.
٢ - التصنيف على طريقة المسانيد: ولا يجمع فى المسند إلا الحديث المرفوع إلى رسول الله ﷺ ، ويضم حديث كل صحابى إلى بعضه، ويرتب الصحابة فى المسانيد بحسب السابقة فى الإسلام أو الصلة النسبية برسول الله ﷺ أو تُرتب أسماؤهم على حروف المعجم فيقدم من يبدأ اسمه بالألف ثم الباء وهكذا (٧).
وفى القرن الثالث الهجرى ظهرت كتب الصحاح التى اقتصرت على الحديث المستوفى لشروط الصحيح بحسب منهج المصنف كصحيح البخارى ومسلم ثم من تبعهم فى تأليف الصحيح.
وكان هناك مصنفات فى السنة بحسب موضوع خاص كالإيمان والصلاة والجهاد ونحو ذلك.
وهكذا استقر جمع السنة فى الكتب الأصول تخدمها فهارس ومفاتيح ومصنفات فى قواعد علوم الحديث ودراسة الرواة وبيان علل الحديث وشرح الأحاديث.
أ. د/ عزت عطية
стр. 195
١٨ - جمع القرآن
لجمع القران معنيان:
الأول: حفظه عن ظهر قلب.
والثانى: كتابته.
إذن فالجمع بمعنى حفظ القرآن فى الصدر أمر ضمنه الله تعالى لنبيه ﷺ بقوله: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ القيامة:١٧.
وأمر الله النبى ﷺ بقوله: ﴿يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ المائدة:٦٧، أما البلاغ العام فإنما هو بالتواتر (١) وقد حصل. ولذلك وجب على الأمة أن تحفظه فى عدد التواتر على الأقل فى مجموعها، وضمن الله تعالى تحقق ذلك حيث قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ الحجر:٩.
وقد أجمعت الأمة على أن المراد بقوله تعالى: لحافظون. أى حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجوه الغلط والخلط (٣)، وهذا الحفظ إنما يتحقق بالتواتر (٣) ولا حصر للأدلة الدالة على أن القرآن جمع بهذا المعنى، وعلى هذا المستوى (٤).
وأقل ما يتيسر للمتطلع أن يلاحظ الواقع التاريخى منذ قيامه ﷺ وبتبليغ القرآن وإقرائه وإقراء الصحابة بعضهم لبعض وهكذا. نجد السادة عثمان بن عفان وعلى ابن أبى طالب وأبى بن كعب وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبا موسى الأشعرى وأبا الدرداء.
وممن جمعه معاذ بن جبل وأبو زيد وسالم مولى أبى حذيفة وابن عمر وعتبة ابن عامر.
وعرضه على بعض هؤلاء أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب، والمغيرة بن شهاب المخزومى والأسود بن يزيد النخعى وعلقمة بن قيس وأبو عبد الرحمن السلمى وأبو العالية الرياحى.
وكان عند أبى الدرداء نيف وستمائة وألف يتعلمون القرآن، على كل عشرة منهم مقرئ.
ولما كان الصوت فى هذا الجمع عنصرا فى تحصيله وضبطه لا غنى عنه فإننا نذكر الجمع الصوتى للقرآن فنقول: الجمع الصوتى الأول للقرآن الكريم أو المصحف المرتل كان له بواعثه ومخططاته وشرحها لنا تفصيلا الدكتور لبيب السعيد (٥)، وهكذا أصبحنا نسمع القرآن الكريم المجمع صوتيا من مختلف الإذاعات فى العالم الإسلامى وبأصوات القراء الكثيرين وببعض الروايات المشهورة.
وجمع القرآن بمعنى كتابته وقع ثلاث مرات مشهورة فى عهد النبى ﷺ وصحابته رضى الله عنهم:
المرة الأولى: كانت بإملاء النبى ﷺ وكان يأمر الكاتب أن يقرأ ما كتب حتى يقوم ما قد يكون من زلل فى حرف. ومن ذلك أن النبى ﷺ لما أمر بكتابة قوله تعالى: (لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله). وكان ابن أم مكتوم الأعمى حاضرا يسمع فقال: يارسول الله فما تأمرنى؟ فإنى رجل ضرير البصر، فنزلت مكانها: ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر﴾ النساء:٩٥.
المرة الثانية: فى عهد سيدنا أبى بكر رضى الله عنه لما كثر الشهداء من القراء فى موقعة اليمامة فخشى ضياغ شىء من القرآن بموتهم فتألفت لجنة برئاسة زيد بن ثابت واستحضروا ما فى بيوت زوجات النبى ﷺ وما مع الصحابة، واستشهدوا على ما جاء به كل واحد أنه كتب بحضرة النبى ﷺ .
المرة الثالثة: فى عهد سيدنا عثمان بن عفان لما اختلف المسلمون فى القراءة وكاد يكفر بعضهم بعضا وهم فى غروة أرمينية (٣).
بل وقع خلاف أيضا عند سيدنا عثمان فكان لابد من جمع ما أجمعوا عليه من القرآن وترك ما اختلفوا فيه، فتالفت لجنة برئاسة زيد بن ثابت أيضا وكتبوا ستة مصاحف مشتملة على قراءات موزعة فيها: مثل (سارعوا) فى مصاحف مكة والكوفة والبصرة وبدون الواو فى مصاحف الشام والمدينة.
وبذلك اتخذ الناس فى القراءة بمعنى أنهم أجمعوا على صحه ما عندهم فلا يخطئ بعضهم بعضا فالجميع على صواب.
وقام الناس بالنقل من هذه المصاحف لأنفسهم، وبقيت هى وما نقل منها إلى أن دون علم الرسم واحتوى على وصف ما فيها تفصيلا (٦).
أ. د/عبد الغفورمحمود مصطفى
стр. 196
١٩ - الجن
لغة: مشتق من مادة "جنن" يقال: جنّ الشىء يجنُّه جنا: ستره، فمجمل معناها: الاستتار ومنه الجنَّة لاستتار ما بداخلها وراء كثافة أشجارها، وسمى الجن بذلك؛ لاستتارهم عن أعين الناس (١).
وحقيقة الجن كما ورد فى القرآن عالم غير مرئى للبشر حسب أصل خلقته، فهم من عالم الأثير وجود بلا ظل غير قابلين لرؤية البشر بدليل قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ (الأعراف ٢٧)، ولذا فقد قال الإمام الشافعى: من ادعى أنه يرى الجن على خلقته ردت شهادته.
واصطلاحا: الجن مخلوق من النار بأصل الخلقة إلا أنه جسم شفاف لا تحجبه المادة، قال تعالى: ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾ (الرحمن ١٥).
وهم مكلفون وسيحاسبون، ومنهم الصالح وغيره، وغير الصالح منهم يسمون بالشياطين وهم نوع طاغ متكبر فاسق عدو للإنسان وقد اختص باللعنة من الرحمن، وقد نسب الله إلى جنسهم إبليس لعنه الله. قال تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف ٥٠)، وقد وصفه الله بأنه رمز الغواية والشر، وأن سلطانه وإن كان موجودا إلا أنه ضعيف لا يستطيع السيطرة على البشر، بل غاية قدرته الوسوسة وإلقاء الخواطر السيئة لإغواء البشرية قال تعالى: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ (النساء ٧٦)، ولما كان كيده ضعيفا فإنه يندفع بمجرد الاستعاذة قال تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ (الأعراف ٢٠٠).
وليس للجن كل هذا السلطان الذى شاع فى أوساط العامة حيث ينسبون إليه الصرع وأغلب الأمراض النفسية والعضوية (٢).
أ. د/ على جمعة محمد
стр. 197
٢٠ - الجنازة
لغة: الميت، وقيل: الميت مع نعشه، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: تطلق فى كتب الفقه على الميت، وعلى صلاة الجنازة.
فإذا قضى الإنسان نحبه وجبته له حقوق، أهمها خمسة: الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه، وقضاء ما عليه من ديون (٢).
وتكون صلاة الجنازة بأن ينوى الصلاة على الجنازة الحاضرة (من ذكر أو أنثى) ثم يكبر أربعا: يقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، ويصلى على النبى ﷺ بعد الثانية، ويدعو للميت بما يتيسرله بعد الثالثة، ويدعو لعامة المسلمين بعد الأخيرة، ثم يسلم (٣).
ولا يشرط لصلاة الجنازة جماعة محدودة بعدد، ويشترط لها من الطهارة ما يشترط لبقية الصلوات، وشرط صحتها الإمامة، فإن فعلت بغير إمام أعيدت.
والأولى فيمن يصلى على الجنازة من أوصى الميت بأن يصلى عليه، ثم الأولياء العصبة على مراتبهم فى ولاية النكاح، وينبغى لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على مظهرى الكبائر والبدع ردعا لأمثالهم، وصلاة الجنازة فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقى (٤).
بعد ذلك لا بأس أن يدخل الميت فى قبره من أى ناحية، والقبلة أولى لأنها أفضل الجهات، ويضجع الميت على جنبه الأيمن، يستقبل القبلة، وتمد يده اليمنى مع جسده، وتحل عقد الأكفان من عند رأسه ورجليه، ويسوى من تحت رأسه ورجليه بالتراب حتى يستوى، ويستحب الدعاء له حينئذ (٥).
أ. د/على مرعى
стр. 198
٢١ - الجَنَّة
لغة: جنَّ: استتر، والجنان من كل شىء جوفه، والجَنَان: ما استتر، والجَنَّة: الحديقة ذات النخل والشجر والبستان، والجمع جنان، كما فى الوسيط.
واصطلاحا: الدار التى أعدها الله للمتقين جزاء لهم على إيمانهم الصادق وعملهم الصالح وقد أطلق عليها القرآن عدة أسماء، منها: جنة المأوى، وجنة عدن، ودار الخلد، والفردوس وغيرها.
وقد جاء فى القرآن أن الجنة عرضها عرض السموات والأرض. والجنة لا يدخلها إلا من قام بجلائل الأعمال، واتصف بكرائم الصفات قال تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ (التوبة ١١١ - ١١٢).
ووصف الله الجنة بأن نعيمها دائم، وسرورها لا ينفد، وكل ما فيها بغير حساب، وأنهارها كثيرة ففيها أنهار من ماء، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر، وأنهار من عسل، بلا حساب وتنحدر من الفردوس الأعلى.
إن الرزق الذى يقدم لهم من الطعام والشراب يطوف به خدم من الولدان إذا رأيتهم حسبتهم لفرط جمالهم لؤلؤا منثورا، ولباسهم فيها حرير من سندس وإستبرق، وحليتهم الذهب، ومساكنهم طيبة، وهى ﴿غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار﴾ (الزمر ٢٠).
وأهل الجنة نزع من صدورهم الغل إخوانا على سرر متقابلين، وهذا النعيم فوق ما يتصور البشر، ففى الحديث الذى رواه البخارى: "يقول الله : أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرأوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين﴾ (السجدة ١٧) فنعيم الآخرة لا يشبهه شىء من نعيم الدنيا، وإن شابهه فى الاسم فهو مختلف فى الصفة.
ونساء الجنة مطهّرات وهن الحور العين، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة وكلما جاها زوجها وجدها بكرا ﴿إنا أنشأناهن إنشاء. فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا. لأصحاب اليمين﴾ (الواقعة ٣٥ - ٣٧).
وأعلى نعيم أهل الجنة هو رؤية الله ومناجاته والفوز برضاه، قال تعالى: ﴿وجوه يؤمئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة ٢٢ - ٢٣)، وقوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس ٢٦).
والجنة خالدة لا تفنى، وكذلك النار، وأهل كل منهم مخلدون، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء، ﴿وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها﴾ (هود ١٠٨).
فهل من مشمر إلى الجنة. كما قال رسول الله ﷺ : " ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا حظر لها، هى وربّ الكعبة نور يتلألا، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام فى أبد، فى دار سليمة، وفاكهة خضرة، وحبرة، ونعمة، فى محلة عالية بهية" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها. قال: " قولوا إن شاء الله " فقال القوم: إن شاء الله. (رواه ابن ماجة عن أسامة بن زيد).
(هيئة التحرير)
стр. 199
٢٢ - الجوهر
اصطلاحا:
١ - عند الفلاسفة: هو الموجود لا فى موضوع، وقيل: هو المتقدم بذاته والمتعين بماهيته، أو هو: القائم بنفسه الحامل للأعراض. ويقابله العَرَض وهو ما قام بغيره وهما من الألفاظ المتلازمة فيقال: الجوهر والعَرَض لملازمة كل منها للآخر بدون انفكاك لا فى التصور العقلى ولا فى الوجود الحسى. والجوهر ينقسم إلى ما هو بسيط، وما هو مركب، والبسيط إما جزء من المركب أو لا، وجزء المركب إما محل للأعراض، ويسمى المادة، أو حال فى المادة ويسمى صورة، والأول مركب بالقوة والثانى مركب بالفعل، والمركب من هذين الأمرين (المادة والصورة) يسمى جسما وهذه الأنواع تسمى جواهر مادية.
أما الجواهر البسائط فهى التى لا تكون جزء المركب، وتسمى جواهر مفارقة، وهى نوعان؛ إما متصرفة فى الماديات على سبيل التدبير والتقدير، وتسمى نفوسا أو ليست متصرفة فى الماديات، وتسمى عقولا مفارقة. والجواهر بهذه القسمة خمسة أنواع:
المادة، والصورة، والجسم، والنفس، والعقل، وهذه الجواهر الخمسة إما جزئيات ويعنى أشخاصا فتسمى جواهر أولى، وإما كليات- يعنى الأنواع والأجناس- فتسمى جواهر ثانية وثالثة. وهذه هى أقسام الجواهر.
واللفظ فى أصل وضعه يقال على الأحجار الكريمة الثمينة لنفاسها وغلو ثمنها، فسميت جواهر بالإضافة إلى المقتنيات الأقل قيمة منها لأنها أشرف المقتنيات، ثم نقلها الفلاسفة إلى مقولة "الجوهر" ليجعلوها أشرف المقولات العشر.
وهو لفظ مشترك يعرفه ابن رشد بأنه " القائم بذاته متقوم بذاته معين تعينا أولا بماهية باقية ما بقى هو". وهو أشهر المعانى للجوهر عند المدرسة المشائية، وهذا هو الإطلاق للجوهر.
ويقال ثانيا: على كل محمول كُلِّى عرَّف ماهية المشار إليه من جنس أو نوع أو فصل، وهو جوهر بالتشكيك، لأن المعنى الكلى لا يتقوم بذاته بل يتقوم بأجزائه.
ويقال ثالثا: على كل ما عرَّف ماهية شىء ما، أىَّ شىء كان من المقولات العشر، وهذا يسمى جوهرا بالإضافة لا بالإطلاق، والهيولى جوهر من حيث هى موضوعة للصورة، والصورة جوهر من حيث مقوّمة للموضوع.
٢ - عند المتكلمين
استعمل المتكلمون "الجوهر" بمعنى أنه الجزء الذى لا يتجزأ وأسموه الجوهر الفرد. أو الذى لا يقبل القسمة إلى أجزاء فى مقابل الجسم الذى ينقسم إلى أجزائه، ويمتنع عندهم بهذا المعنى أن يطلقوا لفظ الجوهر على المبدأ الأول: وقيل هو ما لا يقبل التجزئة لا بالفعل ولا بالقوة، ويسمى جوهرا فردا والجوهر عندهم ينحصر فى خمسة أقسام، الهيولى والصورة (الجسم) النفس والعقل، وهو إما مجرد أو غير مجرد. فالجوهر المجرد إذا تعلق بالبدن تعلق تدبير وتصريف سمى عقلا، والجوهر غير المجرد هو النفس وهى تتعلق بالبدن لا على سبيل التدبير والتصريف ولكن على سبيل التحريك. والجوهر ينقسم إلى بسيط روحانى كالنفس والعقل، وإلى بسيط جسمانى كالعناصر (الاستقصات).
وينقسم الجوهر إلى مركب عقلى فقط كالماهيات المجردة عن المواد كماهية الجنس والنوع والفصل، وإلى مركب خارجى كالمعانى المولدة المركبة من الجنس والفصل، مثل حدود الأشياء أو التصريف بالحد التام (الجامع المانع) الذى يؤخذ فيه الجنس والفصل، والمتكلمون قد استعملوا دليل الجوهر والعرض فى الاستدلال على وجود الله، حيث قسموا العالم كله إلى جوهر حامل للأعراض حامل ملازم لها، والأعراض حادثة متغيرة وهى ملازمة للجوهر لا تنفك عنه، وكل ما لازم الحادث يكون حادثا. فثبت أن العالم محتاج إلى محدث وهو العلة.
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 200
٢٣ - الجوهر الفرد
اصطلاحا: يُعرِّف الجرجانى الجوهر بأنه ماهيّة إذا وجدت فى الأعيان كانت فى الموضوع، وهو منحصر فى خمسة: هيولى وصورة وجسم ونفس وعقل، لأنه إما أن يكون مجردا أو غير مجرد (١).
وقيل الجوهر الفرد: عبارة عن جوهر لا يقبل التجزى لا بالفعل ولا بالقوة.
ولم يكن لفكرة الجوهر فى الفلسفة الشرقية ما كان لها من الشأن فى الفلسفة الغربية، والجوهر عند المفكرين المسلمين بحسب النظرية اليونانية، هو ما يقوم بذاته وما ليس مفتقرا إلى غيره فى وجوده، ولو من الناحية المنطقية على الأقل، فهو مختلف عن الغرض الذى يوجد دائما فى شىء آخر غيره، وعلى هذا يكون الجسم سابقا على اللون من الناحية المنطقية، فهو من حيث علاقته به يعد جوهرا، كما أن اللون من حيث علاقته بالجسم يعد عرضا على أن قيمة فكرة الجوهر ليست منطقية فحسب، وإنما هى ميتافيزيقية أيضا.
فليس الأمر مقصورا على معرفة النظام الذى يعتمد فيه بعض العناصر المكونة للموجودات بعضها الآخر، ولا معرفة أى هذه الموجودات مفتقر إلى غيره فحسب، بل لابد كذلك من أن يفتش ويبحث فى قرار كل شىء عما هو ثابت دائم، أى عن الجوهر بمعناه الميتافزيقى.
ويجب أن يلاحظ أن المفكرين المسلمين قد اشتغلوا فى حدود هذا المعنى الأخير بالبحث في الجوهر البسيط، وهو ما ليس له أجزاء، ولا يقبل الفساد بالتالى، وعلى هذا فإن "ابن سينا" عندما أراد أن يُبرهن على خلود النفس برهن أولا على أنها جوهر بسيط، يعنى أن قيمة النظرية تستند إلى فكرة الجوهر أقل مما تستند إلى فكرة البساطة.
وللمتكلمين نظرية أخرى يستعملون فيها فكرة الجوهر البسيط استعمالا طريفا، وأكثر هؤلاء هم من أصحاب مذهب الجوهر الفرد، فالجوهر البسيط ليس عندهم غير الجوهر الفرد، وكذلك النفس التى هى جوهر بسيط يتمثلونها نوعا من الجوهر الفرد كأنها ذرّة روحية ( Monade) حقيقية والعلم قائم فى الجوهر الفرد.
ولم يشارك الإمامان فخر الدين الرازى والغزالى، فى قضية مذهب الجوهر الفرد، إلا أن النسفى مؤلف العقائد، وشارحه سعد الدين التفتازانى كانا من أصحاب هذا المذهب، فقد قال النسفى: "إن العالم بكل أجزائه مخلوق، وهو مركب من جواهر وأعرض، والجواهر ما يوجد منطقيا بذاته، وهى إما مركبة كالجسم وإما بسيطة كالجوهر أى الجزء الذى لا يتجزأ (الجوهر الفرد) " (٢).
ولا يَطلق علم التوحيد الإسلامى اسم "الجوهر" على الله، ولا فعل ذلك المتكلمون من القائلين بمذهب الجوهر الفرد، إذ إن هذه اللفظة تدل عندهم على الجوهر الفرد بصفة خاصة، وهو الجوهر الذى يوجد فى المكان، والذى هو قسم من الأجسام، وإذا تحدث الفلاسفة الخلّص عما لا يوجد فى شىء آخر سابق فى بادئ النظر، أو عما يقوم بذاته منطقيا، فإنما يعنون بذلك "ماهية" شىء حادث معين؛ أما إذا نظر إلى هذا الشىء الحادث بصرف النظر عن وجوده، كان معنى هذا أنه يوجد ولا يوجد، وبعبارة أخرى يقال إن جواهر الأشياء ماهيّات حادثة، ولا كذلك الله تعالى الذى وجوده عين ذاته.
ويرى الأشعرى أن الله يخلق جواهر الأشياء التى يدوم وجودها بذاتها خلقا متجددا فى كل لحظة؛ وإذا لم يجر الله العادة عليها لحظة واحدة زالت هى وأعراضها (٣).
(هيئة التحرير)
١ - التعريفات: للجرجانى، ط البابى الحلبى، ١٩٣٨م ص ٠ ٧.
٢ - المبين فى شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين: للآمدى تحقيق د/ حسن الشافعى، ص ١١٠ - ط وهبة القاهرة ١٩٩٣ م.
٣ - العقائد النسفية: النسفى، ص ٤٧ - ٧٠، ط ١٣١٣ هـ.
стр. 201
٢٤ - الجهاد
لغة: الجَهْد والجُهْد الطاقة، وقيل: الجَهْد المشقة والجُهْد الطاقة، وقال الأزهرى: الجَهْد بلوغك غاية الأمر الذى لا تألو على الجهد فيه، والجهاد: المبالغة واستفراغ ما فى الوسع والطاقة من قول أو فعل.
واصطلاحا: قتال مسلم كافرا غير ذى عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه إعلاءً لكلمة الله.
وحقيقة الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع فى مدافعة العدو باليد أو اللسان أو ما طاق من شىء، وهو فى الإسلام على ثلاثة أضرب:
١ - مجاهدة العدو الظاهر إعلاءً لكلمة الله.
٢ - مجاهدة الشيطان فى شتى صوره؛ إعلاءً لكلمة الله.
٣ - مجاهدة النفس والهوى؛ اتباعا لمنهج الله.
وتدخل الثلاثة فى قوله تعالى: ﴿وجاهدوا فى الله حق جهاده﴾ (الحج ٧٨) وفى الحديث الشريف: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " (رواه البخارى) (١).
مشروعيته: شرع الجهاد بمعناه الاصطلاحى فى السنة الثانية من الهجرة … يقول تعالى: ﴿أُذِنَ للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ (الحج ٣٩) ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ (التوبة ٤١) ﴿وقاتلوا المشركينَ كافة﴾ (التوبة ٣٦).
وقد أجمع على مشروعية الجهاد لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عليكم القتال﴾ (البقرة ٢١٦)، وقول الرسول ﷺ : " من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق" (رواه مسلم) (٢).
وقد حدّه رسول الله ﷺ بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (رواه البخارى) (٣). وقد روى أن النبى ﷺ غزا سبعا وعشرين غزوة وبعث خمسا وثلاثين سرية (٤).
وقد اتفق الفقهاء على فريضة الجهاد لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عليكم القتال وهو كُرْه لكم﴾ (البقرة ٢١٦). وهو إما فرض كفاية أو فرض عين، وقد ذهب الجمهور إلى أنه فرض كفاية إذا حصل مقصوده وهو كسْر شوكة المشركين وإعزاز الدين.
فالجهاد فرض على المسلمين فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم فى عقر دارهم ويحمى ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين وإلا فلا، والقصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى الإسلام أو الدخول فى ذمة المسلمين ودفع الجزية وجريان أحكام الإسلام عليهم، أو ردّ أذى أو اعتداء على المسلمين يقول تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ (البقرة ١٩٣).
وقد فضَّل الله المجاهدين فى آيات كثيرة، يقول تعالى: ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أُولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما﴾ (النساء ٩٥).
كما فضل الرسول ﷺ الجهاد فى أحاديث كثيرة، فحين سئل ﷺ أىُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال "الجهاد فى سبيل الله" (رواه البخارى) (٥) حتى إن من اغبرت قدماه فى سبيل الله حرّمه الله على النار.
شروط المجاهد: ومن الشروط الواجب توافرها فيمن يجاهد:
١ - الإسلام.
٢ - العقل.
٣ - البلوغ
٤ - القدرة على مؤنة الجهاد.
٥ - السلامة من الضرر فلا يجب على العاجز غير المستطيع. يقول تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ (الفتح ١٧).
٦ - الذكورة: لما روته السيدة عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: "جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" (رواه ابن ماجة (٦) وما تواترت أنباؤه هو اشتراك المرأة فى المساعدة أثناء المعارك فى نقل الجرحى وتمريضهم، ونقل الماء للجنود، وعلى ذلك يكون اشتراك المرأة فى الجهاد بالسيف تطوعا، ومن أشهر النساء اللائى قاتلن السيدة "نسيبة بنت كعب" والتى كانت تدفع الأعداء عن رسول الله ﷺ فى "غزوة أحد".
محرمات الجهاد ومكروهاته: ومن الأشياء التى تحرم فى الجهاد، أو تبلغ حد الكراهة:
١ - القتال فى الأشهر الحرم (رجب- ذو القعدة- ذو الحجة- محرم).
٢ - الغدر، وذلك بالخيانة ونقض العهد.
٣ - قتل النساء والصبيان والمجانين والخنثى المشكل والشيخ الكبير، والراهب فى صومعته، وأهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس.
٤ - التمثيل بالقتلى وإتلاف المال من شجر وزرع فى غير ما ضرورة.
٥ - الفرار من الزحف، لقوله تعالى: ﴿أيا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ (الأنفال ١٥ - ١٦).
ومن عوامل النصر الالتزام فى الجهاد بكل ما سبق من شروط ومحرمات، مع الإيمان بالقضية والصبر عند لقاء العدو، والثبات، والطاعة للإمام، وإعداد العدة والقوة متمثلة فى قوة الإيمان وقوة العتاد من سلاح وتنظيم على أعلى مستوى من التقنية التى وصلت إليها الإنسانية.
(هيئة التحرير)
١ - فتح البارى بشرح صحيح البخارى، ٦/ ٣، ط السلفية.
٢ - صحيح مسلم، ٣/ ١٥١٧، الحلبى.
٣ - فتح البارى، ٣/ ٢٦٢.
٤ - المبسوط السرخسى ١٠/ ٣/، المهذب للشيرازى ٢/ ٢٧٧.
٥ - فتح البارى ١/ ٧٧.
٦ - سنن ابن ماجة، ٢/ ٩٦٨، ط الحلبى.
стр. 202
٢٥ - الجيش
جيش وجند وعسكر: كلمات مترادفة، ولم تكن الجزيرة العربية تعرف الجيوش قديما بمعناها المعروف، اللهم إلا فى اليمن غالبا، وقد ظهرت نواة الجيش زمن رسول الله ﷺ ، ومر الجيش الإسلامى آنئذ بأربعة أدوار مختلفة تدرجت من الضعف إلى القوة ومن الدفاع إلى الهجوم وهى:
١ - دور الحشد: ويبدأ من البعثة النبوية حتى الهجرة إلى المدينة المنورة.
٢ - دور الدفاع عن العقيدة وتنظيم الجيش: ويبدأ من الإذن بالقتال إلى غزوة الخندق.
٣ - دور التعرض: ويبدأ من غزة الخندق إلى حنين، وفى هذا الدور انتشر الإسلام فى شبه الجزيرة العربية كلها.
٤ - دور التكامل: ويبدأ من حنين إلى وفاة النبى ﷺ وفيه تكاملت قوة المسلمين فى الجزيرة العربية ومدوا أبصارهم خارجها فى غزوة تبوك سنة ٩هـ /٦٣٠م. وكان يعتمد على أصحاء الأبدان الذين يستجيبون لنداء الجهاد إذا ما دعوا إليه، سلاحهم السيف والرمح والقوس، وإذا ما انتهى القتال رجعوا لممارسة حياتهم العادية.
وبمرور الزمن أصبح الجنود يرابطون فى معسكرات خاصة بهم فى الأمصار وكانوا قبائل مختلفة توفرت لها الرواتب المنتظمة، ويعتبر الخليفة عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أول من أنشأ ديوان الجند، وقيد فيه الأسماء والأوصاف والعطايا، وهو أول من أقام الحصون وبنى الحاميات وشيد الأمصار والمعسكرات الدائمة لراحة الجند.
ثم عدل النظام العسكرى منذ زمن الأموبين، وتعرض لتغييرات جذرية من حيث التكوين والتكتيك الحربى والتسليح والمرتبات، وتلك كانت ضرورة فرضها اتساع الدولة الإسلامية وتغير أوضاعها.
أ. د/عبد الله جمال الدين
стр. 203
١ - الحاجب
لغة: اسم فاعل من حجب أى ستر.
واصطلاحا: اسم يقال للذى يحفظ باب الملك أو نحوه، لكى يمنع الدخول عليه إلا بإذن، وعرف العرب الحجابة بصفتها خطة منذ الجاهلية، فقد كان لبنى قصى حجابة الكعبة وهى سدانتها وملك مفاتيحها.
ولم تعرف هذه الخطة أيام الخلفاء الراشدين لأنهم كانوا لا يحجبون أحدا عن أبوابهم، فلما انقلبت الخلافة إلى ملك فى ظل بنى أمية اتخذ خلفاؤهم من يقوم بحفظ أبوابهم وسمو القاتم بذلك "الحاجب "، وكان أول من اتخذ حاجبا عبد الملك بن مروان (٦٥هـ-٨٦هـ).
واستمرت هذه الخطة فى خلافة العباسيين بالدلالة نفسها، وكانت دون مرتبة الوزير.
أما دولة بنى أمية فى الأندلس فقد قسموا الوزارة أصنافا، فتعدد الوزراء لديهم، وأفرد للتردد بينهم وبين السلطان واحد خصوه بلقب الحاجب، فكان بمثابة رئيس الوزراء وظل الأمر كذلك حتى نهاية الخلافة الأموية، ثم طوال عصر الطوائفه إذ حمل معظم أمرائهم لقب "الحاجب " ثم انقطعت بعد ذلك خطة الحجابة فى المغرب والأندلس منذ بداية دولة المرابطين فى القرن السادس الهجرى. غير أن اللقب عاد للظهور فى دولة الحفصيين بإفريقية (تونس) ولكن باختصاص آخر؟ إذ كان يحمله كبير موظفى قصر الخلافة الناظر فى ترتيب أحواله ونفقات المطابخ والاصطبلات وما إلى ذلك، ثم مازالت الخطة ترتفع حتى أصبح الحاجب مستبدا بأمور الدولة، ولكن أبا العباس أحمد بن أبى بكر ألغى خطة الحجابة وباشر الأمور بنفسه (٧٥٠هـ /١٣٤٩م).
وفى مصر المملوكية أصبحت الحجابة إحدى الخطط التابعة لنائب السلطان وكانت النيابة نظير الوزارة فى الخلافة العباسية، وكان يعهد بالحجابة لحاكم ينفذ الأحكام فى طبقات العامة والجند تحت نظر النائب.
أ. د/محمود على مكى
стр. 204
٢ - الحب الإلهى
نشأ مصطلح "الحب الالهى" بمعناه القريب فى الحياة الروحية فى الاسلام فى القرن الثانى الهجرى.
وكانت الحياة قبل ذلك يحركها عامل "الخوف" من الله ومن عقابه، وكان "الحسن البصرى" (٢١ - ١١٠هـ) أبرز ممثلى هذا الطور فى حياة الزهاد والعباد الأوائل، فقد عرف عنه أنه كان يبكى من خوف الله حتى قيل "كأن النار لم تخلق إلا له".
ويميل مؤرخو التصوف الإسلامى إلى القول بأن رابعة العدوية (ت ١٨٥هـ) هى أول من أخرجت التصوف من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب "، وأنها أول من استخدم لفظ "الحب " استخداما صريحا فى مناجاتها وأقوالها المنثورة والمنظومة، وعلى يديها ظهرت نظرية "العبادة" من أجل محبة الله، لامن أجل الخوف من النار أو الطمع فى الجنة.
وكان الصوفية -قبل رابعة- يترددون فى قبول كلمة "الحب" فمالك بن دينار الصوفى (ت ١٣١هـ) كان يتحاشى لفظ "الحب" ويستخدم بدله كلمة "الشوق"، وعبدالواحد بن زيد (ت ٧٧هـ) كان يفضل لفظ "العشق" فى أقواله. ومع رابعة بدأت كلمة أو مصطلح "الحب الإلهى" تأخذ مكانها فى أقوال الزهاد ممن جاؤوا بعدها، مثل: معروف الكرخى (ت ٢٠١هـ)، والمحاسبى (ت ٢٤٣هـ) الذى خصص لموضوع "المحبة" فصلا كاملا فى كتابه: "الرعاية"، وذى النون المصرى (ت ٢٤٥هـ) الذى فاضت مأثوراته بهذه الكلمة.
ثم استكملت نظرية "الحب الالهى" ملامحها وقسماتها بعد ذلك فى مؤلفات كبار شيوخ التصوف، مثل: التعرف للكلاباذى (ت ٣٨٠هـ)، وقوت القلوب لأبى طالب المكى (٣٨٦هـ)، وكشف المحجوب للهجويرى (حوالى٤٦٥هـ)، والرسالة للقشيرى (٤٦٥هـ)، وإحياء علوم الدين للغزالى (٤٥٠ - ٥٠٥هـ). لكنها أخدت أبعادا عرفانية وفلسفية بالغة التعقيد ظهرت أولا فى تصوف الحلاج (ت ٣٠٩هـ) ثم اكتملت بعد ذلك فى أشعار ابن الفارض (ت ٦٣٢هـ)، ومؤلفات الشيخ الأكبر ابن عربى (ت ٦٣٨هـ).
وقد جمع القشيرى فى رسالته تعريفات عديدة لمعنى "المحبة الإلهية"، كما أحصى ابن القيم فى مدارج السالكين (ج ٣) ثلاثين تعريفا للمحبة بالمعنى الصوفى.
ومن الشيوخ من يرى أن تعريفها يستعصى على العبارة للطافتها، وصاحب عوارف المعارف (السهروردى) يعرف الحب بتقسيمه إلى سببين: عام وخاص، والأول ثمرة امتثال الأوامر واجتناب النواهى، وهو من "المقامات "، لأن للسالك مدخلا فى اكتسابه، والحب الثانى (الخاص) هو ماينشأ عن انكشافات الروح، وهذا النوع من "الأحوال" وليس للعبد كسب فيه. أما الهروى (ت ٤٨١هـ) فيعرف المحبة بأنها "تعلق القلب بين الهمة والأنس " بما يعنى تعلق القلب بالمحبوب تعلقا حائرا بين طلب المحب لمحبوبه طلبا لاينقطع، وبين أنسه بمحبوبه.
وللمحبة درجات:
الأولى محبة تقطع وساوس القلب، وتلذ الخدمة وتسلى عن المصائب، وتنشأ من ملاحظة العبد لنعم المولى الظاهرة والباطنة، وثبات هذه المحبة يكون بمتابعة النبى ﷺ والتأسى به.
والثانية محبة تبعث على إيثار الحق على كل ما سواه، وتنشأ بسبب من مطالعة العبد للصفات الإلهية، والارتياض بالمقامات الروحية.
والثالثة محبة تنشأ من مشاهدة جمال المحبوب، وفى هذه الدرجة يختطف قلب المحب وتنقطع عبارته وإشارته، وحقيقة هذه الدرجة: الفناء فى المحبة وفى الشهود.
والمحب إذا كان واعيا بحبه ومكتسبا له سمى "محبا" وإذا كان مختطفا بالحب سمى "عاشقا" والفرق بينهما -فيما يقول شيوخ التصوف- أن المحب مريد والعاشق مراد.
ونظرية "الحب الإلهى" مستقاة فى أصولها من معانى أسماء الله الحسنى وصفاته كالودود واللطيف والرحيم، ومن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تحدثت عن الحب الإلهى، ومنها على سبيل المثال -لا الحصر- قوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ المائدة:٥٤، وقوله (اللهم اجعل حبك أحب إلى من نفسى وأهلى ومن الماء البارد) (سنن الترمذى، كتاب الدعوات، باب:٧٣، حديث ٣٤٩٠).
أ. د/أحمد الطيب
стр. 205
٣ - الحج
لغة: بفتح الحاء- ويجوز كسرها- أى القصد. يقال: حج إلينا فلان أى قدم وحجه يحجه حجا أى قصده. ورجل محجوج أى مقصود. وقال جماعة من أهل اللغة: الحج القصد لمعظَّم أو القصد إلى الشىء المعظَّم. والحج بالكسر: الاسم. والحجة: المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح.
واصطلاحا: هو قصد موضع مخصوص وهو البيت الحرام وعرفة فى وقت مخصوص هو أشهر الحج للقيام بأعمال مخصوصة هى الوقوف بعرفة والطواف والسعى- عند جمهور الفقهاء- بشروط مخصوصة. وعرِّف أيضا بأنه: قصد لبيت الله تعالى بصفة مخصوصة فى وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام. وقد أوجبه الله على كل مسلم ومسلمة مرة فى العمر بشرط الاستطاعة وهى توافر الزاد والراحلة يضاف إلى ذلك للمرأة وجود مَحْرم معها أو صحبة مأمونة.
وقد اتفق الفقهاء على أن الحج فرض عين على كل مكلف مستطيع فى العمر مرة. وقد ثبتت فرضية الحج بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين﴾ (آل عمران ٩٧)
وهذه الآية نص فى إثبات الفرضية حيث عبر القرآن الكريم بصيغة " ولله على الناس "
وهى صيغة إلزام وإيجاب، وذلك دليل على فرضيتها، وتتأكد فى قوله : ﴿ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين﴾ فإنه سبحانه جعل مقابل الفرض الكفر. فأشعر بهذا السياق أن ترك الحج ليس من شأن المسلم وإنما هو من شأن غير المسلم.
ومن السنة: وردت أحاديث عديدة تثبت هذه الفرضية. منها ما ورد عن ابن عمر ﵄ عن النبى ﷺ أنه قال: " بُنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان " أخرجه البخارى فى صحيحه. ووجه الدلالة أن قول النبى ﷺ : " بُنِىَّ الإسلام … " يدل على أن الحج ركن من أركان الإسلام.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج فى العمر مرة واحدة على المستطيع. وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة ويكفر جاحده.
وأركان الحج هى:
الإحرام: وهو نية الدخول فى النسك من حج أو عمرة وهذا عند جمهور الفقهاء.
وزاد الحنفية مع النية التلبية "بلبيك اللهم .. " وأجمع الفقهاء على أن الإحرام من فرائض النسك حجَّا أو عمرة.
الوقوف بعرفة: والمراد أن وجود الحاج فى أرض عرفة والوقوف بها ركن أساسى من أركان الحج. ويختص بأنه من فاته فقد فاته الحج لقول النبى ﷺ : " الحج عرفة". أخرجه أبو داود وأجمع العلماء على أن من فاته الوقوف بعرفة كان عليه حج قابل.
طواف الزيارة: ويؤديه الحاج بعد أن يفيض من عرفة ويبيت بالمزدلفة ويأتى منى يوم العيد فيرمى وينحر ويحلق ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت. وسمى طواف الزيارة لأن الحاج يأتى من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة بل يرجع ليبيت بمنى. ويسمى أيضا طواف الإفاضة لأن الحاج يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة. وعدد أشواط الطواف سبعة.
السعى بين الصفا والمروة: أى قطع المسافة بينهما سبع مرات بعد أن يكون طاف بالبيت وهو ركن- عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة- من أركان الحج ولا يصح بدونه وذهب الحنفية إلى أن السعى واجب وليس بركن.
وزاد الشافعية ركنا خامسا هو الحلق والتقصير وهو عند جمهور الفقهاء واجب من واجبات الحج واختلفوا فى القدر الواجب حلقه أو تقصيره.
شروط فرضية الحج:
هناك شروط يجب توافرها فى الإنسان لكى يكون مطالبا بأداء الحج مفروضا عليه فمن فقد أحد هذه الشروط لا يجب عليه الحج ويكون مطالبا به.
وهذه الشروط خمسة هى:
١ - الإسلام ٢ - البلوغ ٣ - العقل
٤ - الحرية ٥ - الاستطاعة
وهذه الشروط متفق عليها بين العلماء.
محظورات الإحرام قسمان:
القسم الأول: يختص بالمحرم فقط وهو نوعان: نوع لا يوجب فساد الحج ونوع يوجب فساده، فالذى لا يوجب فساد الحج منه ما يرجع إلى اللباس ومنه ما يرجع إلى بدن المحرم كحلق الرأس، إزالة الشعر، قص الظفر، التطيب، مقدمات الجماع. والنوع الذى يوجب فساده هو الجماع.
القسم الثانى: يعم المحرم والحرم جميعا وهو نوعان: ١ - ما يرجع إلى الصيد ٢ - ما يرجع إلى النبات.
محظورات الإحرام فى الملبس فى حق النساء: ينحصر محظور الإحرام من الملبس فى حق النساء فى أمرين هما: الوجه واليدان.
فقد اتفق العلماء على أنه يحرم على المرأة فى الإحرام ستر وجهها. وذهب الحنفية ورواية عند الشافعية إلى أنه لا ينبغى ستر اليدين للمرأة بل يجوز لها اللبس بكفيها.
وللحج مواقيت زمانية ومواقيت مكانية. أما المواقيت الزمانية فالمرجع فيها قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ (البقرة ١٩٧).
وتكفلت السنة النبوية بتحديد أيام المناسك فى الأيام العشرة الأولى من شهر ذى الحجة وحدد يوم الوقوف بعرفات فى اليوم التاسع من الشهر نفسه.
وأما المواقيت المكانية فهى مواضع فى الطريق إلى الحرم يتعين الإحرام بالحج والعمرة قبل بلوغها.
والحج المبرور أى الذى لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال ثوابه الجنة كما بشر النبى ﷺ . ويجوز التوكيل فى الحج، ويشترط فى الوكيل ما يشترط فى الحاج يضاف إلى ذلك أن يكون الوكيل قد أدى فريضة الحج عن نفسه أولا.
أ. د سعاد صالح
стр. 206
٤ - حجة الوداع
لغة: حج إليه: قَدم، حج المكان قصده، حج البيت الحرام: قصده للنسك وذو الحجة شهر الحج (١).
واصطلاحا: هى الحجة التى أداها رسول الله ﷺ فى السنة العاشرة من الهجرة ومعه عدد كبير من المسلمين يأتمون به فى الحج، ويحفظون منه المناسك.
وسميت حجة الوداع لأنه ودع الناس فيها، وأشهدهم على أنه بلغ الرسالة، وأشهد الله عليهم بأنهم شهدوا بذلك. روى البخارى بسنده عن ابن عمر قال: " كنا نتحدث بحجة الوداع، والنبى ﷺ بين أظهرنا ولا ندرى ما حجة الوداع " (٢).
وهى الحجة الوحيدة التى حجها ﷺ بعد الهجرة.
وقد ورد تفصيلها فى صحيح مسلم (٣) عن جابر بن عبد الله، وخلاصة الحديث أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ من المدينة، فأحرم من ذى الحليفة، وأهل بالتوحيد أى لبَّى، ثم أتوا البيت الحرام بمكة، فاستلم الحجر الأسود ورمل أى: أسرع السير ثلاثا، ومشى أربعا، وصلى ركعتين ومقام إبراهيم بينه وبين الكعبة، ثم سعى أى مشى بين الصفا والمروة، بدأ بالصفا إلى المروة ثم عاد إلى الصفا إلى أن أتم السعى بينهما سبع مرات، ثم أمر من ليس معه هَدى يريد أن يتقرب إلى الله بذبحه أو نحره بأن يحل من العمرة ويتمتع بالعودة إلى ما كان عليه قبل الإحرام، فلما كان يوم التروية، وهو يوم الثامن من ذى الحجة أهل من تمتع بالحج وأحرم، ثم توجهوا إلى منى فصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فلما طلعت الشمس ساروا إلى عرفة فنزل ﷺ بنمرة حتى إذا زالت الشمس وقف بوادى عرفة وخطب الناس، وأشهدهم أنه قد بلَّغ الرسالة، ثم صلى الظهر والعصر جمع تقديم، ولم يزل واقفا حتى غربت الشمس، ثم نفروا إلى مزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلوا الصبح، ثم وقف يكبر ويهلل بالمشعر الحرام حتى أسفر أى ظهر النهار، فسار قبل أن تطلع الشمس إلى الجمرة الكبرى جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم انصرف إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين جملا بيده، ونحر على ما بقى من الهدى .. لإطعام المساكين والتقرب إلى الله، ثم قدم مكة فطاف طواف الإفاضة، ثم حل من إحرامه .. ثم رمى الجمار أيام التشريق بمنى .. وهذه الحجة هى الهدى النبوى الذى جمع أركان الحج وشروطه وسننه وآدابه .. وبها تمت أركان الإسلام، وأكمل الله الدين، وأتم النعمة على المسلمين.
أ. د/ عزت عطية
стр. 207
٥ - الحجر الأسود
هو حجر بيضى الشكل، لونه أسود ضارب للحمرة، وبه نقط حمراء وتعاريج صفرأء، وقطره حوالى ثلاثين سنتيمترا، ويحيط به إطار من الفضة، عرضه عشرة سنتيمترات، يقع فى حائط الكعبة فى الركن الجنوبى الشرقى من بناء الكعبة على ارتفاع متر ونصف متر من سطح الأرض، وعنده يبدأ الطواف.
وللحجر الأسود كساء وأحزمة من فضة تحيط به حماية له من التشقق وهناك روايات غير مؤكدة تقول: إن جبريل ﵇ نزل به من السماء، أو إن هذا الحجر مما كشف عنه طوفان نوح، والمؤكد أن إبراهيم ﵇ وضعه فى هذا المكان علامة لبدء الطواف.
ويسن تقبيله عند الطواف إذا تيسر ذلك، فإذا لم يتيسر اكتفى بالإشارة إليه، أما عن تقبيله فقد وضح لنا عمربن الخطابه رضى الله عنه ذلك بقوله: (والله إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك).
وعلى ذلك فإذا استطاع من يطوف بالكعبة أن يقبله فلا بأس فى ذلك اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وقد اعيد وضح الحجرفى مكانه عندما هدمت قريش الكعبة لاعادة بنائها، وعندما وصل البناء إلى الموضع الذى يوضع فيه الحجر اختلفت القبائل من قريش، فكل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون غيرها ووصل الأمر إلى أن تحالفوا وأعدوا أنفسهم للقتال.
ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسة، ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد وتشاوروا وتناصفوا، فقال أبو أمية بن المغيرة المخرومى وكان أسن قريش: يا معشرقريش، اجعلوا فيما اختلفتم فيه الحكم لأول من يدخل من باب هذا المسجد، فارتضوا ذلك، وكان أول داخل هو رسول الله ﷺ ، وكان آنذاك فى الخامسة والثلاثين من عمره، فقالوا: هذا الأمين، رضينا بحكمه، فلما أخبروه الخبر.
قال: هلم إلى بثوب، فأتى به له، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم أرفعوه جميعا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده وبنى عليه (١).
وحين أعيد بناء الكعبة فى عهد عبد الله ابن الزبير قام ابنه حمزة بوضعه فى مكانه، وأطال واتره الصلاة بجماعة المسلمين حتى انتهى حمزة من وضع الحجر، وكان ذلك ليتحاشى التنافس الذى حصل من قبل، وقد غضب بعض المسلمين لهذا التصرف واعتبروه من حب الذات (٢).
وفى سنة ١٤٠هـ كسى الحجر الأسود بصحاف من الفضة، وقام بذلك زياد بن عبدالله.
وفى سنة ٣١٧هـ دخل القرامطة مكة المكرمة، وأوقع زعيمهم أبو طاهر سليمان بأهلها، وهاجم الحجاج فقتل منهم وأسر، وسلب الأموال واقتلع الحجر الأسود كما اقتلع أبواب الكعبة، واستولى على ما كان بالكعبة من تحف وذخائر، وعاد بكل ذلك إلى هجر عاصمة دولته (٣).
ولم يرد القرامطة الحجر إلى مكانه إلا سنة ٢٣٩هـ عندما هدد الخليفة الفاطمى أبا طاهر، وألزمه بإعادة الحجر (٤).
أ. د/أحمد شلبى
стр. 208
٦ - الحجية فى الكتاب والسنة
لغة: الدليل والبرهان (١)
واصطلاحا: ما دل به على صحة الدعوى (٢).
والحجية مصدر صناعى، ومعنى حجية القرآن والسنة كون كل منهما يدل على صحة وحقية ما يرشد إليه.
والقرآن الكريم حجة؛ لأنه قد ثبت تواتره، وهذا يوجب القطع بصدوره وثبتت نسبته إلى الله .
ويكفى حجة على ذلك ثبوت إعتازه بأسلوبه ومضامينه، وتحديه لبلغاء عصره؛ وعلى هذا فحجية القرآن ثابتة على جميع البشر، وإضافة إلى هذا يستأنس المسلمون لحجيته بتأكيد الله تعالى على عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله وتأكيد حقيقته، والأمر باتباعه فى مثل قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ الإسراء:٨٨.
كذلك يستأنسون بمثل قول النبى ﷺ (إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا) (٣).
وحجية السنة ثابتة بعدة أدلة منها ثبوت حجية القرآن والأمر بطاعة الرسول ﷺ والتأسى به. فى مثل قوله تعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر:٧.
وهكذا استدل المسلمون فى جميع العصور على الأحكام الشرعية، ولم يختلفوا فى وجوب العمل بما أفاد قطعا أو ظنا راجحا من سنة النبى ﷺ المروية على درجة من القبول، ويستندون لقوله ﷺ : (من رغب عن سنتى فليس منى) (٤).
كذلك قوله (ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وأن ما حرم رسول الله كما حرم الله … ) (٥).
أ. د/عبد الغفورمحمود مصطفى
стр. 209
٧ - الحد
لغة: يستعمل الحد بمعنى المنع، كما فى قوله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (البقرة ٢٢٩)، كما يستعمل بمعنى العقوبة التى قدرها الشرع فى كل الأفعال التى قرر الشرع لها حدا فيقال: حد السرقة قطع اليد، وحد الزنا الرجم إن كان محصنا، والجلد إن كان غير محصن؛ وبهذا المعنى جاء قوله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ (البقرة ١٨٧) أى عقوبته بفعل ما يستوجبها.
وحد كل شىء طرفه ونهايته، كما يقال حد البيت، وحد الجدار، أى: نهايته، وتقول العرب: حده أى منعه، اللهم احدده، أى: امنعه. قال الشاعر:
لا تعبدن إلها دون خالقكم وإن دعيتم فقولوا دونه حدد
وأخذ قولهم امرأة محتدة ومحد، وقد أحدت، إذا لبست الحداد على زوجها ودخلت عدة المحتدة، ومنه احتد عليه وفيه حدة، أى: بأس وغضب، واللفظ فى كل استعمالاته يفيد المنع.
واصطلاحا: استعمله المناطقة فى التعريف التام المبين للماهية بالذاتيات، التى هى الجنس والفصل؛ لأن فيه معنى المنع من مشاركة غيره معه فى ماهيته، كما قيل فى بيان حد الإنسان بأنه حيوان ناطق.
ويقسم الفلاسفة الحد المبين للماهية إلى قسمين.
١ - حد تام: وهو ما كان بالجنس والفصل القريبين، كتعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق.
٢ - حد ناقص: وهو ما كان بالفصل القريب وحده مثل تعريف الإنسان بأنه ناطق. وقد يكون بالجنس البعيد، كتعريف الإنسان بأنه جسم ناطق.
ويطلق الحد على الفاصل بين شيئين "زمانا ومكانا"ويطلق الحد على أحد طرفى القضية المنطقية الموضوع والمحمول، كما يطلق الحد على أجزاء القياس الأرسطى، فيقال الحد الأكبر، والحد الأصغر، والحد الأوسط، ففى قولنا.
كل جسم مؤلف
كل مؤلف محدث
كل جسم محدث
يكون الحد الأصغر هو موضوع النتيجة (جسم) ويكون الحد الأكبر هو محمول النتيجة (محدث) ويكون الحد الأوسط هو لفظ "مؤلف " الذى كان محمولا فى المقدمة الصغرى، وموضوعا فى المقدمة الكبرى واختفى فى النتيجة، وهو الذى يمثل العلاقة بين طرفى القياس، ويسمى علة الحكم، وقد يكون الحد كلمة واحدة كما فى قولنا الشمس مشرقة، فالشمس موضوع القضية، وهى الحد الأول، ومشرقة المحمول، وهى الحد الثانى.
وقد يكون الحد من كلمتين أو أكثر، كما فى قولنا: حرارة الشمس فى وقت القيلولة شديدة، فالشمس فى المثال الثانى جزء من حد القضية، والحرارة جزء من حد القضية.
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 210
٨ - الحداثة
اصطلاحا: شملت الحداثة الفنون الأدبية الثلاثة الشعر- القصة- المسرحية.
أولا: الحداثة فى الشعر وقد بدأت بظهور كل من:
- قصيدة الشعر الحر.
- قصيدة النثر.
١ - قصيدة الشعر الحر: وهو شعر التفعيلة، لم تشهد حركة شعرية عربية اضطرابا فى المصطلح الشعرى، مثلما شهدته حركة ما يسمى بالشعر الحر، التى تشارك فى قيادتها "نازك الملائكة" و "بدر شاكر السياب " فى أواخر الأربعينيات من هذا القرن ويعتمد شعر التفعيلة وزنيا على تفعيلة بحر من البحور موحدة التفعيلة، أو تفعيلتى بحر من البحور ثنائية التفعيلة، وللشاعر الحرية فى تنويع عدد التفعيلات فى كل شطر، وله الحرية فى تقييد القافية أو إرسالها، وهناك خلاف بين نازك الملائكة، وزملائها شعراء ونقاد الحركة فى ترخص العروض فيما بعد ذلك.
ومن المصطلحات التى أطلقت على شعر التفعيلة، مصطلح الحداثة والذى يعنينا هنا هو إطلاق مصطلح الحداثة، على شعراء التفعيلة إذ يرى كثيرون من مؤرخى حركة الحداثة فى الشعر العربى أنها بدأت مع بداية حركة شعر التفعيلة، ومنهم من يحصرها فى حركة الشعر الحر وقصيدة النثر، ومنهم من يقصرها على شعر التفعيلة، كما فعل د. عبد الله الغذامى فى كتابه الحداثة ومسائل أخرى" أما د. محمد حمود فى كتابه الحداثة فى الشعر العربى المعاصر فإنه يركز على شعراء التفعيلة.
٢ - قصيدة النثر: يقول أدونيس عن العوامل التى مهدت لذلك: هناك عوامل كثيرة مهدت، من الناحية الشكلية، لقصيدة النثر فى الشعر العربى، منها التحرر من وحدة البيت والقافية، ونظام التفعيلة الخليلى، فهذا التحرر جعل البيت مرنا وقربه إلى النثر.
ومن هذه العناصر، ترجمة الشعر الغربى. والجدير بالملاحظة هنا أن الناس عندنا يتقبلون هذه الترجمات ويعتبرونها شعرا، رغم أنها بدون قافية ولا وزن.
ومن هذه العناصر النثر الشعرى وهو من الناحية الشكلية الدرجة الأخيرة فى السلم الذى أوصل الشعراء إلى قصيدة النثر، وقصيدة النثر هى تمرد على نطاق الشكل الشعرى الذى يختاره الشعراء مثلما يختار الآخرون فى المجالات الفنية والأدبية والفكرية الأخرى رفضهم لأشكاله.
ثانيا: الحداثة فى القصة: وقد بدأت بظهور القصة القصيرة التى تعتبر من أحدث أنواع القصة فى القرن العشرين، وهى أكثر الأنواع الأدبية رواجا فى هذا القرن، وقد أغرت كثيرا من الشباب بكتابتها وهى أصعب أنواع القصص، ومما ساعد على ظهورها، أن هذا العصر هو عصر السرعة فقد ظهرت مئات الصحف والمجلات التى تحتاج كل يوم لمئات القصص، وهى بحكم الحيز والناحية الاقتصادية تفضل القصة القصيرة، والإذاعة لا تستطيع أن تمنح المتحدث أكثر من ربع ساعة وقد ساعد ذلك على رواج القصة القصيرة، ثم هناك القصة الكاريكاتورية، وفيها يهتم الكاتب بالموقف والشخصية معا، وكلمته يرسمها بطريقة الكاريكاتير وليس هذا إحصاء لمناهج القصة القصيرة وإنما هذه أهم المناهج الشائعة، وما يزال كُتّاب القصة القصيرة يطلعون علينا بين الحين والحين بكشوفهم الجديدة.
ثالثا: الحداثة فى المسرحية: وقد بدأت بظهور مسرحيات اللامعقول، وظهور مذهب السريالية، الذى يستهدف الكشف والإيحاء بمكنونات العقل الباطن، وسيطرتها الخفية على السلوك البشرى، نتيجة لسيطرة الحروب العالمية على المجتمع، وهكذا انتقلت المسرحية عبر العصور بين كل هذه الأهداف ابتدأت بالهدف الدينى لتنتهى فى عصرنا باللا معقول ولتغير الهدف أثره الحاسم فى تغير جميع مقومات المسرحية الأخرى وأصولها الفنية. ومن الحداثة فى المسرحية تجاوز الأدباء عن عنصر الصراع فى المسرحية الجديدة التى تتخذ أحيانا صورة الاستعراضات أو الدراسات أو الاستطلاعات الدرامية لقطاع من الحياة، أو ظاهرة اجتماعية أو فنية جديدة.
أ. د/ محمد سلام
стр. 211
٩ - الحداد
هو الامتناع عن الزينة والطيب. يقال: أحدَّت المرأة على زوجها فهى مُحِدُّ، والحادُّ من حدت، ثلاثيا، ويقال: حدت تَحِدُّ وتحد- بالضم- حدّا وحِدِادا، ومعناها كلها: تركت الزينة والطيب (١) وقد استعمله الشارع بهذا المعنى تقريبا.
وما ورد فى الشارع من الإحداد إنما هو بالنسبة للمرأة، وليس فيه ما يعرف الآن بإحداد الدول أو إحداد الرجال.
قال تعالى فى إحداد المرأة على زوجها: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (البقرة ٢٣٤).
وكما فى الحديث المتفق عليه: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا) (٢)
والإحداد واجب على المرأة المتوفى عنها زوجها عند عامة أهل العلم، وهو أن تمتنع عن الزينة والطيب (٣).، ويجوز لها لبس الأبيض من الثياب والسواد منه، ولا تلبس كل ما هو متعارف عنه أنه من الزينة فى الثياب، كما لا تلبس شيئا من الحلى (٤).
وفى الحديث المتفق عليه: إن المرأة كانت فى الجاهلية إذا توفى عنها زوجها دخلت حِفْشا صغيرا، أى حجرة صغيرة، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تخرجُ فتَعطىَ بَعْرَة فترمى بها- كأنها تقول: كان جلوسها فى البيت وحبسها نفسها سنة على زوجها أهون عليها من رمى هذه البعرة، وهو يسير فى جنب ما يجب من حق الزوج المتوفى.
وقد أشار رسول الله ﷺ إلى هذه المعاناة فقال: " إنما هى أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن فى الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول " (٥)، وجاء الإسلام فخفف عن المرأة كل هذا العناء، وحرم عليها الزينة والطيب، ثم هى تمارس حياتها العادية سوى ذلك، وجعل ذلك لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام فقط، وهى أكثر بقليل من عدة الطلاق التى تستغرق ثلاثة أشهر تقريبا (٦).
أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب
стр. 212
١٠ - الحدث
لغة: الحدث من الحدوث، وهو الوقوع والتجدد، وكون الشيء بعد أن لم يكن، ومنه يقال: حدث به عيب، والحدث اسم من أحدث الإنسان إحداثا: بمعنى الحالة الناقضة للوضوء. ويأتى بمعنى الأمر الحادث المنكر الذى ليس بمعتاد ولا معروف، ومنه محدثات الأمور (١).
واصطلاحا: يطلق ويراد به:
١ - الوصف الشرعى أو الحكمى الذى يحل فى الأعضاء، ويزيل الطهارة، ويمنع من صحة الصلاة ونحوها. فيكون قائما بأعضاء الوضوء كما فى الحدث الأصغر. وبجميع البدن فى الحدث الأكبر.
٢ - الأسباب التى توجب الوضوء أو الغسل وهى نوعان:
أولا: أسباب الحدث المتفق عليها:
اتفق الفقهاء على أن الخارج المعتاد من السبيلين كالبول، والغائط، والمنى، والمذى، والودى، والريح، وأيضا دم الحيض والنفاس، يعتبر حدثا حقيقيا قليلا كان الخارج أو كثيرا؛ لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾. (المائدة ٦).
وهذه الأسباب بعضها حدث أكبر يوجب الغسل كخروج المنى، والحيض والنفاس، وبعضها حدث أصغر يوجب الوضوء فقط كالبول والغائط والمذى والودى والريح.
ثانيا: أسباب الحدث المختلف فيها:
(أ) ما يخرج من السبيلين نادرا: كالدود والحصى والشعر وقطعة اللحم ونحوها. كما اختلفوا فى الريح الخارجة من الذكر أو قبل المرأة على اعتبار أنها اختلاج وليست فى الحقيقة ريحا منبعثة عن محل نجاسة.
(ب) الخارج من غير السبيلين: إذا لم يكن نجسا لا يعتبر حدثا باتفاق الفقهاء أما إذا كان نجسا فاختلفوا فيه كالدم، والقيح، والصديد، والقىء ملأ الفم من مرة.
والحدث الحُكمَىْ: هو ما يكون سببا لخروج الحدث الحقيقى غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا. فيأخذ حكم الحدث الحقيقى شرعا، ويدخل فى هذا النوع:
زوال العقل، أو عدم التمييز؛ وذلك بالنوم والسكر، أو الإغماء، أو الجنون، أو نحوها.
وهذه الأسباب متفق عليها بين المذاهب فى الجملة.
(هيئة التحرير)
стр. 213
١١ - الحدوث
لغة: يقال (حدث) الشيء- حدوثا وحداثة: نقيض قدُم، وإذا ذكر مع قدُم ضُمّ للمزاوجة كقولهم: أخذه ما قدمُ وما حدُث، يعنى همومه وأفكاره القديمة والحديثة. وحدث الأمر حدوثا: وقع، وأحدث الرجل: وقع ما ينقض طهارته. وحدوث الشىء ابتداعه. (١) وفى التنزيل العزيز ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (الطلاق ١). واصطلاحا: الحادث ما يكون مسبوقا بالعدم، فهو كائن بعد أن لم يكن، ويختلف عن الممكن الذى لا وجود له ولا عدم من ذاته، فإن وجد صار حادثا ولا بد له من موجد يوجده، ويسمى "المحدث " أيضا ويقابل القديم. (٢)
لقد قرر القرآن حقائق كثيرة تتعلق بالكون أهمها أنه حادث مخلوق، وكل ما فيه من الكائنات له بداية ونهاية، وليس ثمة موجود أزلى أبدى إلا الله ﴿الخالق البارئ المصور﴾ (الحشر ٢٤) ﴿بديع السموات والأرض﴾ (البقرة ١١٧)، و ﴿هو الأول والآخر﴾ (الحديد ٣)، وإليه ترجع الموجودات كلها من حيث هو علتها الأولى، لقوله تعالى ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ (النجم ٤٢) والمتصفح للقرآن يرى أنه يقرر فى وضوح لا لبس فيه الثنائية بين الله والعالم. (٣)
والواقع أن هناك صلة بين مصطلح الحدوث والخلق فى الفكر الإسلامى فعلماء الكلام يقولون بالخلق أى الحدوث من عدم، ولقد ذهب الغزالى فى كتابه " تهافت الفلاسفة" إلى حد تكفير الفلاسفة لقولهم بقدم العالم (يقصد الفارابى وابن سينا).
فى الوقت الذى نجد فيه ابن رشد يدافع عن كون العالم قديما ولا يعنى أنه لا علة له. بل العكس يؤكد على خلق العالم فى القدم (٤). وعموما مفهوم "الخلق " عند ابن رشد لم يكن بمعنى الإبداع أى بمعنى الخلق من عدم إنما كان بمعنى الإيجاد والتكوين، إن العالم عنده فى إيجاد مستمر منذ الأزل، ولكنه لم يبتدع من العدم دفعة واحدة. (٥)
ومسألة الحدوث فى مقابل القدم وعلاقتها بخلق العالم من المشكلات العويصة، وفى هذا الصدد يذهب الشيخ محمد عبده إلى القول بحدوث العالم، لكن ليس معنى هذا أن القائلين بالقدم قد كفروا بمذهبهم هذا، وأنكروا به ضروبا من الدين القويم وعلى هذا يؤكد الشيخ بأن كل من اعتقد بالألوهية التامة، ونزه الحق عن جميع النقائص، واعتقد بنبينا محمد ﷺ وبما جاء به، ولم يكذب شيئا مما نقل عنه، مع علمه بأنه نقل عنه فهو مؤمن ناج، عدل رضى الله عنه ﴿لا يكلف الله نفسا إلا سعها﴾ (البقرة ٢٨٦) ٠ (٦)
أ. د/ جمال رجب سيدبى
стр. 214
١٢ - الحدود
لغة: جمع الحد، والحد هو المنع، والحد: الحاجز بين الشيئين، والحد من كل شىء: طرفه ومنتهاه، وحدود الله: ما حده بأوامره ونواهيه، وحدود الله تعالى: محارمه قال تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (البقرة ٢٢٩) وحد الجانى: أقام عليه الحد. كما فى الوسيط (ا).
واصطلاحا: عرفها الشافعية والحنابلة بأنها عقوبة مقدرة على ذنب وجبت حقا لله تعالى كما فى الزنا، وعند بعض الفقهاء: عقوبة مقدرة بتقدير الشارع.
ويطلق لفظ الحد على جرائم الحدود مجازا فيقال: ارتكب الجانى حدا، ويقصد أنه ارتكب جريمة ذات عقوبة مقدرة شرعا (٢).
وإقامة الحدود فرض على ولى الأمر، ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب فمنه قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ (المائدة ٣٨) وقوله ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (النور ٢).
وأما السنة فعن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى الله عنهما: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لى أن أتكلم. قال: " تكلم " قال: إن ابنى كان عسيفا على هذا- والعسيف الأجير- فزنا بامرأته فأخبرونى أنما على ابنى الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لى ثم إنى سألت أهل العلم فأخبرونى أنما على ابنى جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته. فقال رسول الله ﷺ : "أما والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد إليك ". وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمى أن يأتى امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. (رواه أبو داود) (٣)
وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على وجوب الحدود.
وأما المعقول فهو أن الطباع البشرية والشهوة النفسانية مائلة إلى قضاء الشهوة وتحصيل مقصودها ومحبوبها، فاقتضت الحكمة شرع هذه الحدود حتما لهذا الفساد وزجرا عن ارتكابه، ليبقى العالم على نظم الاستقامة، فإن إخلاء العالم عن إقامة الزاجر يؤدى إلى انحرافه، وفيه من الفساد مالا يخفى (٤).
وقد اتفق على أن ما يطبق هو على كل من جريمة: الزنا والسرقة والقذف وقطع الطريق والسكر. وزاد الحنفية حد الشرب للخمر، وزاد المالكية حد الردة، وزاد الشافعية حد القصاص (٥).
وقد اتفق الفقهاء على أن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة .. إذا وقع على شخص واحد، وشارب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ حد واحد بغير خلاف، وبه قال عطاء وغيره.
والأصل قاعدة: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما فى الآخر غالبا"، وعلى هذا اكتفى بحد واحد، لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر، وأنه يحصل بحد واحد.
ولا خلاف بين جمهور الفقهاء فى أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود بعد وصولها للحاكم وثبوتها عنده، ولأن النبى ﷺ أنكر على أسامة بن زيد حين شفع فى المرأة المخزومية التى سرقت. فعن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التى سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ : (أتشفع فى حد من حدود الله). ثم قام فاختطب فقال: " أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٦)
وتسقط الحدود فى حالات هى:
(أ) التوبة قبل القدرة عليه، فقد أجمع الفقهاء فى أن حد قطاع الطريق والردة يسقطان بالتوبة إذا تحققت توبة القاطع قبل القدرة عليه لقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ (المائدة ٣٤).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن بقية الحدود بعد رفعها إلى الحاكم لا تسقط بالتوبة (٧).
(ب) وتسقط الحدود بالشبهة: لإجماع الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، لقول النبى ﷺ " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة " (رواه الترمذى) (٨).
(جـ) بالرجوع عن الإقرار، إذا كان الحد حقا لله تعالى، لما روى أن ماعزا لما أقر بين يدى النبى ﷺ بالزنا لقنه الرجوع، فلو لم يكن محتملا للسقوط بالرجوع ما كان للتلقين فائدة.
(د) يسقط حد الرجم خاصة بموت الشهود- عند الحنفية- الذين يشترطون لإقامة الحد الشهود (٩)
(هـ) تكذيب المزنى بها للمقر بالزنا قبل إقامة الحد، وتكذيب المقذوف شهوده على القذف.
ويرى جمهور الفقهاء أن الحد المقدر فى ذنب كفارة لذلك الذنب، وعند الحنفية الحد غير مطهر، بل المطهر التوبة، فإذا حد ولم يتب يبقى عليه إثم المعصية لقوله تعالى ﴿ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾ (المائدة ٣٣) والحدود تثبت بالبينة أو الإقرار عند استجماع شرائطها واختلف الفقهاء فيما وراء ذلك، كعلم الإمام.
والحدود الشرعية هى:
١ - الجلد، ويجب على الزانى غير المحصن: لقوله تعالى ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (النور ٢)، ويجب كذلك على القاذف وشارب الخمر.
٢ - التغريب، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجتمع مع الجلد تغريب الزانى البكر لقوله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة" (رواه مسلم)
ويرى المالكية أن التغريب ليس واجبا، وليس حدا كالجلد، وإنما هو عقوبة تعزيرية، يجوز للإمام أن يجمع بينه وبين الجلد إن رأى فى ذلك مصلحة (١٠).
٣ - القطع، فلا خلاف بين الفقهاء أن السرقة موجبة للقطع، لقوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ (المائدة ٣٨) ولقوله ﷺ : "تقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا " (رواه البخارى ومسلم) وكذلك يقطع المحارب من خلاف إذا أخذ المال- ولم يقتل عند الحنفية والشافعية والحنابلة.
٤ - القتل والصلب، وذلك إذا قتل المحارب وأخذ المال لقوله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ (الما ئد ة ٣٣).
ويراعى فى إقامة الحدود:
(أ) لا يقيم الحد إلا الإمام، ونائبه، وذلك لمصلحة العباد.
(ب) أهلية الشهود عند الإقامة، فلو بطلت أهلية الشهود بالفسق أو الردة أو غيرها لا يقام الحد.
(جـ) البداية من الشهود فى حد رجم الزانى عند أبى حنيفة ومحمد، لما روى عن على ﵁: (ترجم الشهود أولا ثم الإمام ثم الناس).
(د) ويشترط أن لا يكون فى إقامة حد الجلد خوف الهلاك، لأن الجلد شرع زجرا لا مهلكا.
(هـ) يقام الحد على السكران متى انتبه من سكره، لأن المقصود هو الزجر والردع، وغياب العقل والنشوة يخففان الألم.
(و) لا تقام الحدود فى المساجد لقول النبى ﷺ :"لا تقام الحدود فى المسا جد" (رواه الترمذى).
(ز) تقام الحدود فى ملأ من الناس لقوله تعالى ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (النور ٢)
(هيئة التحرير)
стр. 215
١٣ - الحديث (مصطلح)
إن الله تعالى أرسل للعالمين رسولا يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم إلى صراط الله المستقيم. والله تعالى قد أنزل على هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو القرآن الكريم، وأوكل الله تعالى بيان هذا الكتاب الكريم إلى رسوله ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (النحل ٤٤). وصدع الرسول ﷺ بأمر ربه، فشرع يبين للناس ما فى القرآن الكريم، فقامت السنة المطهرة بهذا الدور العظيم، وهو بيان ما فى القرآن الكريم.
ولم يقتصر دور السنة المطهرة على ذلك الدور فقط- رغم أهميته- بل أوكل الله تعالى إليها مهمة عظيمة أخرى، وهى أن تشرع للناس أحكاما على سبيل الاستقلال، لم يسبق لها ذكر فى القرآن الكريم، والسنة بهذه المهمة الكريمة أدت دورا تشريعيا هاما جدا مع القرآن الكريم.
إذن فمنزلة السنة خطيرة، ومهمتها عظيمة، فهى تبين القرآن الكريم، ولولاها لما استطعنا أن نفهم القرآن الكريم، ولا أن نطبقه، ثم هى- بعد ذلك- تقوم بمهمة التشريع مع القرآن الكريم، ولقد تنبهت أمة الإسلام لهذه المهمة الجليلة للسنة المشرفة، فتصدوا للدفاع عنها، وكان من ثمرة جهد علماء الأمة لصيانة السنة أن وضعوا (علم أصول الحديث) أو علم "مصطلح الحديث " ذلك أن السنة الشريفة عبارة عن نصوص نبوية شريفة، نقلت لنا عن رسول الله ﷺ وقام بنقلها لنا حملة هذا العلم من كل عصر، فى حلقات متواصلة من لدن رسول الله ﷺ ، إلى أن وضعت فى بطون الكتب المعروفة بين أيدينا الآن، مثل صحيح البخارى، وصحيح مسلم وغيرهما. والنص النبوى الذى نقل إلينا يسميه علماء الحديث ب "متن الحديث ".
والرجال الذين نقلوا هذا المتن إلينا يسميهم العلماء "سند الحديث " أو "إسناد الحديث " أو "رجال الحديث " أو "طريق الحديث ".
إذاً فنحن أمام علمين رئيسيين من علوم السنة، علم يدرس النص النبوى الكريم، ويفهمه، ويستخرج ما فيه من كنوز وأحكام تشريعية، من عقائد، وعبادات، وتشريع وأخلاق، وغيرها، وهذا ما يعرف عند علماء الحديث "بعلم الحديث رواية".
وعلم يدرس سند الحديث أو رجال الحديث حتى تصدق نسبة الحديث إلى رسول الله ﷺ ، ويثبت لدينا حقا أنه قاله فيجب العمل به، وهذا ما اهتم به العلم الثانى، وهو "علم الحديث دراية" أو علم أصول الحديث، أو علم مصطلح الحديث، ويعرفه العلماء فيقولون:
"هو علم يعرف به أحوال سند الحديث ومتنه من حيث القبول والرد"، أو "هو علم يعرف به أحوال الراوى والمروى، من حيث القبول والرد " بمعنى أننا ندرس أحوال الرواة الذين ينقلون لنا كلام رسول الله ﷺ ، ومن هذه الدراسة ننتهى إلى قبول ماينقلونه- إذا توافرت فيهم شروط العدالة والضبط- أو نرفض مانقلوه، إذا لم تتوافر فيهم شروط القبول.
فهذا العلم يهتم بوضع القواعد التى فى ضوئها يتم دراسة أحوال الرواة من حيث توفر صفات القبول فيهم، أو عدم توفرها.
ولم يهتم هذا العلم بدراسة القواعد المنظمة لأحوال الرواة فقط- بل اهتم أيضا بدراسة المتن، فالنص النبوى الكريم له خصائص يتميز بها، وهذه الخصائص لابد أن تتميز بدراسة دقيقة، وقواعد منضبطة، حتى لا يضاف إلى كلام النبى ﷺ ما ليس منه.
ومن هنا كان اهتمام علم مصطلح الحديث بدراسة أحوال السند والمتن معا.
وهذا شيء دقيق وعظيم، فهم لم يوجهوا جهدهم إلى دراسة السند فقط- وإنما كان اهتمامهم بدراسة أحوال السند والمتن معا.
وفى ضوء قواعد هذا العلم العظيم نقل لنا كلام رسول الله ﷺ واضحا جليا خاليا من كل شبهة، نقيا من كل شائبة.
نشأة هذا العلم وتطوره:
بدأت بواكير هذا العلم منذ مرحلة مبكرة جدا، منذ عصر النبى ﷺ ، وبأمر من القرآن الكريم، الذى طلب منا التثبت من نقل الرواة، فى وعدم إقامة الأحكام قبل التأكد من صدقها، فقال سبحانه ﴿يا آيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم من نادمين﴾ (الحجرات ٦)
وتثبت الصحابة رضوان الله عليهم، واشتدوا فى أمر الرواية صيانة للدين، وحفظا للشريعة الغراء. فعل ذلك أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وغيرهما- فى أمثلة كثيرة يطول المقام بذكرها ثم توالت حلقات هذا العلم، فتكلم عن بعض قواعده من التابعين، سعيد بن المسيب والشعبى، والحسن البصرى، وابن سيرين، " وغيرهم
ثم تكلم فيه من بعدهم علماء كبار، مثل مالك بن أنس، والزهرى، وسليمان التيمى.
وجاءت مرحلة جديدة دخل فيها علم مصطلح الحديث طورا جديدا من أطوار نشأته وتكوينه وذلك بتدوين بعض مباحثه بين ة طيات كتب العلماء.
فممن كتب فى بعض مباحثه فى ثنايا مؤلفاته، الإمام الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ رحمه الله تعالى، حيث تكلم فى كتابيه "الرسالة" و "الأم " عن بيان السنة للقرآن الكريم، وعن الاحتجاج بالسنة، وتكلم الإمام البخارى المتوفى سنة ٢٥٦ هـ فى صحيحه، وتواريخه، عن بعض مسائل علم مصطلح الحديث، وكذلك الإمام مسلم المتوفى سنة- ٢٦١ هـ تكلم فى مقدمة صحيحه عن بعض مسائله.
ثم جاءت مرحلة أخرى دخل فيها علم مصطلح الحديث مرحلة المصنفات المستقلة، التى ألفت خصيصا لهذا العلم.
فمن أول من صنف فيه القاضى أبو محمد الرامهرمزى فى كتابه " المحدث الفاصل " والحاكم أبو عبد الله النيسابورى المتوفى سنة ٤٨٠ هـ، والخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ وله عدة كتب فى فن المصطلح،
والقاضى عياض اليحصبى المتوفى سنة ٥٤٤ هـ وابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ فى مقدمته الشهيرة، ولا يزال التأليف فى هذا العلم يتوالى حتى عصرنا الحاضر.
أ. د/ مروان محمد مصطفى