← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٩ - الحداد هو الامتناع عن الزينة والطيب. يقال: أحدَّت المرأة على زوجها فهى مُحِدُّ، والحادُّ من حدت، ثلاثيا، ويقال: حدت تَحِدُّ وتحد- بالضم- حدّا وحِدِادا، ومعناها كلها: تركت الزينة والطيب (١) وقد استعمله الشارع بهذا المعنى تقريبا. وما ورد فى الشارع من الإحداد إنما هو بالنسبة للمرأة، وليس فيه ما يعرف الآن بإحداد الدول أو إحداد الرجال. قال تعالى فى إحداد المرأة على زوجها: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (البقرة ٢٣٤). وكما فى الحديث المتفق عليه: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا) (٢) والإحداد واجب على المرأة المتوفى عنها زوجها عند عامة أهل العلم، وهو أن تمتنع عن الزينة والطيب (٣).، ويجوز لها لبس الأبيض من الثياب والسواد منه، ولا تلبس كل ما هو متعارف عنه أنه من الزينة فى الثياب، كما لا تلبس شيئا من الحلى (٤). وفى الحديث المتفق عليه: إن المرأة كانت فى الجاهلية إذا توفى عنها زوجها دخلت حِفْشا صغيرا، أى حجرة صغيرة، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تخرجُ فتَعطىَ بَعْرَة فترمى بها- كأنها تقول: كان جلوسها فى البيت وحبسها نفسها سنة على زوجها أهون عليها من رمى هذه البعرة، وهو يسير فى جنب ما يجب من حق الزوج المتوفى. وقد أشار رسول الله ﷺ إلى هذه المعاناة فقال: " إنما هى أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن فى الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول " (٥)، وجاء الإسلام فخفف عن المرأة كل هذا العناء، وحرم عليها الزينة والطيب، ثم هى تمارس حياتها العادية سوى ذلك، وجعل ذلك لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام فقط، وهى أكثر بقليل من عدة الطلاق التى تستغرق ثلاثة أشهر تقريبا (٦). أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب

стр. 212

١٠ - الحدث لغة: الحدث من الحدوث، وهو الوقوع والتجدد، وكون الشيء بعد أن لم يكن، ومنه يقال: حدث به عيب، والحدث اسم من أحدث الإنسان إحداثا: بمعنى الحالة الناقضة للوضوء. ويأتى بمعنى الأمر الحادث المنكر الذى ليس بمعتاد ولا معروف، ومنه محدثات الأمور (١). واصطلاحا: يطلق ويراد به: ١ - الوصف الشرعى أو الحكمى الذى يحل فى الأعضاء، ويزيل الطهارة، ويمنع من صحة الصلاة ونحوها. فيكون قائما بأعضاء الوضوء كما فى الحدث الأصغر. وبجميع البدن فى الحدث الأكبر. ٢ - الأسباب التى توجب الوضوء أو الغسل وهى نوعان: أولا: أسباب الحدث المتفق عليها: اتفق الفقهاء على أن الخارج المعتاد من السبيلين كالبول، والغائط، والمنى، والمذى، والودى، والريح، وأيضا دم الحيض والنفاس، يعتبر حدثا حقيقيا قليلا كان الخارج أو كثيرا؛ لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾. (المائدة ٦). وهذه الأسباب بعضها حدث أكبر يوجب الغسل كخروج المنى، والحيض والنفاس، وبعضها حدث أصغر يوجب الوضوء فقط كالبول والغائط والمذى والودى والريح. ثانيا: أسباب الحدث المختلف فيها: (أ) ما يخرج من السبيلين نادرا: كالدود والحصى والشعر وقطعة اللحم ونحوها. كما اختلفوا فى الريح الخارجة من الذكر أو قبل المرأة على اعتبار أنها اختلاج وليست فى الحقيقة ريحا منبعثة عن محل نجاسة. (ب) الخارج من غير السبيلين: إذا لم يكن نجسا لا يعتبر حدثا باتفاق الفقهاء أما إذا كان نجسا فاختلفوا فيه كالدم، والقيح، والصديد، والقىء ملأ الفم من مرة. والحدث الحُكمَىْ: هو ما يكون سببا لخروج الحدث الحقيقى غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا. فيأخذ حكم الحدث الحقيقى شرعا، ويدخل فى هذا النوع: زوال العقل، أو عدم التمييز؛ وذلك بالنوم والسكر، أو الإغماء، أو الجنون، أو نحوها. وهذه الأسباب متفق عليها بين المذاهب فى الجملة. (هيئة التحرير)

стр. 213

١١ - الحدوث لغة: يقال (حدث) الشيء- حدوثا وحداثة: نقيض قدُم، وإذا ذكر مع قدُم ضُمّ للمزاوجة كقولهم: أخذه ما قدمُ وما حدُث، يعنى همومه وأفكاره القديمة والحديثة. وحدث الأمر حدوثا: وقع، وأحدث الرجل: وقع ما ينقض طهارته. وحدوث الشىء ابتداعه. (١) وفى التنزيل العزيز ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (الطلاق ١). واصطلاحا: الحادث ما يكون مسبوقا بالعدم، فهو كائن بعد أن لم يكن، ويختلف عن الممكن الذى لا وجود له ولا عدم من ذاته، فإن وجد صار حادثا ولا بد له من موجد يوجده، ويسمى "المحدث " أيضا ويقابل القديم. (٢) لقد قرر القرآن حقائق كثيرة تتعلق بالكون أهمها أنه حادث مخلوق، وكل ما فيه من الكائنات له بداية ونهاية، وليس ثمة موجود أزلى أبدى إلا الله ﴿الخالق البارئ المصور﴾ (الحشر ٢٤) ﴿بديع السموات والأرض﴾ (البقرة ١١٧)، و ﴿هو الأول والآخر﴾ (الحديد ٣)، وإليه ترجع الموجودات كلها من حيث هو علتها الأولى، لقوله تعالى ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ (النجم ٤٢) والمتصفح للقرآن يرى أنه يقرر فى وضوح لا لبس فيه الثنائية بين الله والعالم. (٣) والواقع أن هناك صلة بين مصطلح الحدوث والخلق فى الفكر الإسلامى فعلماء الكلام يقولون بالخلق أى الحدوث من عدم، ولقد ذهب الغزالى فى كتابه " تهافت الفلاسفة" إلى حد تكفير الفلاسفة لقولهم بقدم العالم (يقصد الفارابى وابن سينا). فى الوقت الذى نجد فيه ابن رشد يدافع عن كون العالم قديما ولا يعنى أنه لا علة له. بل العكس يؤكد على خلق العالم فى القدم (٤). وعموما مفهوم "الخلق " عند ابن رشد لم يكن بمعنى الإبداع أى بمعنى الخلق من عدم إنما كان بمعنى الإيجاد والتكوين، إن العالم عنده فى إيجاد مستمر منذ الأزل، ولكنه لم يبتدع من العدم دفعة واحدة. (٥) ومسألة الحدوث فى مقابل القدم وعلاقتها بخلق العالم من المشكلات العويصة، وفى هذا الصدد يذهب الشيخ محمد عبده إلى القول بحدوث العالم، لكن ليس معنى هذا أن القائلين بالقدم قد كفروا بمذهبهم هذا، وأنكروا به ضروبا من الدين القويم وعلى هذا يؤكد الشيخ بأن كل من اعتقد بالألوهية التامة، ونزه الحق عن جميع النقائص، واعتقد بنبينا محمد ﷺ وبما جاء به، ولم يكذب شيئا مما نقل عنه، مع علمه بأنه نقل عنه فهو مؤمن ناج، عدل رضى الله عنه ﴿لا يكلف الله نفسا إلا سعها﴾ (البقرة ٢٨٦) ٠ (٦) أ. د/ جمال رجب سيدبى

стр. 214

١٢ - الحدود لغة: جمع الحد، والحد هو المنع، والحد: الحاجز بين الشيئين، والحد من كل شىء: طرفه ومنتهاه، وحدود الله: ما حده بأوامره ونواهيه، وحدود الله تعالى: محارمه قال تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (البقرة ٢٢٩) وحد الجانى: أقام عليه الحد. كما فى الوسيط (ا). واصطلاحا: عرفها الشافعية والحنابلة بأنها عقوبة مقدرة على ذنب وجبت حقا لله تعالى كما فى الزنا، وعند بعض الفقهاء: عقوبة مقدرة بتقدير الشارع. ويطلق لفظ الحد على جرائم الحدود مجازا فيقال: ارتكب الجانى حدا، ويقصد أنه ارتكب جريمة ذات عقوبة مقدرة شرعا (٢). وإقامة الحدود فرض على ولى الأمر، ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب فمنه قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ (المائدة ٣٨) وقوله ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (النور ٢). وأما السنة فعن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى الله عنهما: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لى أن أتكلم. قال: " تكلم " قال: إن ابنى كان عسيفا على هذا- والعسيف الأجير- فزنا بامرأته فأخبرونى أنما على ابنى الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لى ثم إنى سألت أهل العلم فأخبرونى أنما على ابنى جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته. فقال رسول الله ﷺ : "أما والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد إليك ". وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمى أن يأتى امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. (رواه أبو داود) (٣) وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على وجوب الحدود. وأما المعقول فهو أن الطباع البشرية والشهوة النفسانية مائلة إلى قضاء الشهوة وتحصيل مقصودها ومحبوبها، فاقتضت الحكمة شرع هذه الحدود حتما لهذا الفساد وزجرا عن ارتكابه، ليبقى العالم على نظم الاستقامة، فإن إخلاء العالم عن إقامة الزاجر يؤدى إلى انحرافه، وفيه من الفساد مالا يخفى (٤). وقد اتفق على أن ما يطبق هو على كل من جريمة: الزنا والسرقة والقذف وقطع الطريق والسكر. وزاد الحنفية حد الشرب للخمر، وزاد المالكية حد الردة، وزاد الشافعية حد القصاص (٥). وقد اتفق الفقهاء على أن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة .. إذا وقع على شخص واحد، وشارب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ حد واحد بغير خلاف، وبه قال عطاء وغيره. والأصل قاعدة: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما فى الآخر غالبا"، وعلى هذا اكتفى بحد واحد، لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر، وأنه يحصل بحد واحد. ولا خلاف بين جمهور الفقهاء فى أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود بعد وصولها للحاكم وثبوتها عنده، ولأن النبى ﷺ أنكر على أسامة بن زيد حين شفع فى المرأة المخزومية التى سرقت. فعن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التى سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ : (أتشفع فى حد من حدود الله). ثم قام فاختطب فقال: " أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٦) وتسقط الحدود فى حالات هى: (أ) التوبة قبل القدرة عليه، فقد أجمع الفقهاء فى أن حد قطاع الطريق والردة يسقطان بالتوبة إذا تحققت توبة القاطع قبل القدرة عليه لقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ (المائدة ٣٤). وذهب جمهور الفقهاء إلى أن بقية الحدود بعد رفعها إلى الحاكم لا تسقط بالتوبة (٧). (ب) وتسقط الحدود بالشبهة: لإجماع الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، لقول النبى ﷺ " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة " (رواه الترمذى) (٨). (جـ) بالرجوع عن الإقرار، إذا كان الحد حقا لله تعالى، لما روى أن ماعزا لما أقر بين يدى النبى ﷺ بالزنا لقنه الرجوع، فلو لم يكن محتملا للسقوط بالرجوع ما كان للتلقين فائدة. (د) يسقط حد الرجم خاصة بموت الشهود- عند الحنفية- الذين يشترطون لإقامة الحد الشهود (٩) (هـ) تكذيب المزنى بها للمقر بالزنا قبل إقامة الحد، وتكذيب المقذوف شهوده على القذف. ويرى جمهور الفقهاء أن الحد المقدر فى ذنب كفارة لذلك الذنب، وعند الحنفية الحد غير مطهر، بل المطهر التوبة، فإذا حد ولم يتب يبقى عليه إثم المعصية لقوله تعالى ﴿ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾ (المائدة ٣٣) والحدود تثبت بالبينة أو الإقرار عند استجماع شرائطها واختلف الفقهاء فيما وراء ذلك، كعلم الإمام. والحدود الشرعية هى: ١ - الجلد، ويجب على الزانى غير المحصن: لقوله تعالى ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (النور ٢)، ويجب كذلك على القاذف وشارب الخمر. ٢ - التغريب، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجتمع مع الجلد تغريب الزانى البكر لقوله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة" (رواه مسلم) ويرى المالكية أن التغريب ليس واجبا، وليس حدا كالجلد، وإنما هو عقوبة تعزيرية، يجوز للإمام أن يجمع بينه وبين الجلد إن رأى فى ذلك مصلحة (١٠). ٣ - القطع، فلا خلاف بين الفقهاء أن السرقة موجبة للقطع، لقوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ (المائدة ٣٨) ولقوله ﷺ : "تقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا " (رواه البخارى ومسلم) وكذلك يقطع المحارب من خلاف إذا أخذ المال- ولم يقتل عند الحنفية والشافعية والحنابلة. ٤ - القتل والصلب، وذلك إذا قتل المحارب وأخذ المال لقوله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ (الما ئد ة ٣٣). ويراعى فى إقامة الحدود: (أ) لا يقيم الحد إلا الإمام، ونائبه، وذلك لمصلحة العباد. (ب) أهلية الشهود عند الإقامة، فلو بطلت أهلية الشهود بالفسق أو الردة أو غيرها لا يقام الحد. (جـ) البداية من الشهود فى حد رجم الزانى عند أبى حنيفة ومحمد، لما روى عن على ﵁: (ترجم الشهود أولا ثم الإمام ثم الناس). (د) ويشترط أن لا يكون فى إقامة حد الجلد خوف الهلاك، لأن الجلد شرع زجرا لا مهلكا. (هـ) يقام الحد على السكران متى انتبه من سكره، لأن المقصود هو الزجر والردع، وغياب العقل والنشوة يخففان الألم. (و) لا تقام الحدود فى المساجد لقول النبى ﷺ :"لا تقام الحدود فى المسا جد" (رواه الترمذى). (ز) تقام الحدود فى ملأ من الناس لقوله تعالى ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (النور ٢) (هيئة التحرير)

стр. 215

١٣ - الحديث (مصطلح) إن الله تعالى أرسل للعالمين رسولا يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم إلى صراط الله المستقيم. والله تعالى قد أنزل على هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو القرآن الكريم، وأوكل الله تعالى بيان هذا الكتاب الكريم إلى رسوله ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (النحل ٤٤). وصدع الرسول ﷺ بأمر ربه، فشرع يبين للناس ما فى القرآن الكريم، فقامت السنة المطهرة بهذا الدور العظيم، وهو بيان ما فى القرآن الكريم. ولم يقتصر دور السنة المطهرة على ذلك الدور فقط- رغم أهميته- بل أوكل الله تعالى إليها مهمة عظيمة أخرى، وهى أن تشرع للناس أحكاما على سبيل الاستقلال، لم يسبق لها ذكر فى القرآن الكريم، والسنة بهذه المهمة الكريمة أدت دورا تشريعيا هاما جدا مع القرآن الكريم. إذن فمنزلة السنة خطيرة، ومهمتها عظيمة، فهى تبين القرآن الكريم، ولولاها لما استطعنا أن نفهم القرآن الكريم، ولا أن نطبقه، ثم هى- بعد ذلك- تقوم بمهمة التشريع مع القرآن الكريم، ولقد تنبهت أمة الإسلام لهذه المهمة الجليلة للسنة المشرفة، فتصدوا للدفاع عنها، وكان من ثمرة جهد علماء الأمة لصيانة السنة أن وضعوا (علم أصول الحديث) أو علم "مصطلح الحديث " ذلك أن السنة الشريفة عبارة عن نصوص نبوية شريفة، نقلت لنا عن رسول الله ﷺ وقام بنقلها لنا حملة هذا العلم من كل عصر، فى حلقات متواصلة من لدن رسول الله ﷺ ، إلى أن وضعت فى بطون الكتب المعروفة بين أيدينا الآن، مثل صحيح البخارى، وصحيح مسلم وغيرهما. والنص النبوى الذى نقل إلينا يسميه علماء الحديث ب "متن الحديث ". والرجال الذين نقلوا هذا المتن إلينا يسميهم العلماء "سند الحديث " أو "إسناد الحديث " أو "رجال الحديث " أو "طريق الحديث ". إذاً فنحن أمام علمين رئيسيين من علوم السنة، علم يدرس النص النبوى الكريم، ويفهمه، ويستخرج ما فيه من كنوز وأحكام تشريعية، من عقائد، وعبادات، وتشريع وأخلاق، وغيرها، وهذا ما يعرف عند علماء الحديث "بعلم الحديث رواية". وعلم يدرس سند الحديث أو رجال الحديث حتى تصدق نسبة الحديث إلى رسول الله ﷺ ، ويثبت لدينا حقا أنه قاله فيجب العمل به، وهذا ما اهتم به العلم الثانى، وهو "علم الحديث دراية" أو علم أصول الحديث، أو علم مصطلح الحديث، ويعرفه العلماء فيقولون: "هو علم يعرف به أحوال سند الحديث ومتنه من حيث القبول والرد"، أو "هو علم يعرف به أحوال الراوى والمروى، من حيث القبول والرد " بمعنى أننا ندرس أحوال الرواة الذين ينقلون لنا كلام رسول الله ﷺ ، ومن هذه الدراسة ننتهى إلى قبول ماينقلونه- إذا توافرت فيهم شروط العدالة والضبط- أو نرفض مانقلوه، إذا لم تتوافر فيهم شروط القبول. فهذا العلم يهتم بوضع القواعد التى فى ضوئها يتم دراسة أحوال الرواة من حيث توفر صفات القبول فيهم، أو عدم توفرها. ولم يهتم هذا العلم بدراسة القواعد المنظمة لأحوال الرواة فقط- بل اهتم أيضا بدراسة المتن، فالنص النبوى الكريم له خصائص يتميز بها، وهذه الخصائص لابد أن تتميز بدراسة دقيقة، وقواعد منضبطة، حتى لا يضاف إلى كلام النبى ﷺ ما ليس منه. ومن هنا كان اهتمام علم مصطلح الحديث بدراسة أحوال السند والمتن معا. وهذا شيء دقيق وعظيم، فهم لم يوجهوا جهدهم إلى دراسة السند فقط- وإنما كان اهتمامهم بدراسة أحوال السند والمتن معا. وفى ضوء قواعد هذا العلم العظيم نقل لنا كلام رسول الله ﷺ واضحا جليا خاليا من كل شبهة، نقيا من كل شائبة. نشأة هذا العلم وتطوره: بدأت بواكير هذا العلم منذ مرحلة مبكرة جدا، منذ عصر النبى ﷺ ، وبأمر من القرآن الكريم، الذى طلب منا التثبت من نقل الرواة، فى وعدم إقامة الأحكام قبل التأكد من صدقها، فقال سبحانه ﴿يا آيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم من نادمين﴾ (الحجرات ٦) وتثبت الصحابة رضوان الله عليهم، واشتدوا فى أمر الرواية صيانة للدين، وحفظا للشريعة الغراء. فعل ذلك أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، وغيرهما- فى أمثلة كثيرة يطول المقام بذكرها ثم توالت حلقات هذا العلم، فتكلم عن بعض قواعده من التابعين، سعيد بن المسيب والشعبى، والحسن البصرى، وابن سيرين، " وغيرهم ثم تكلم فيه من بعدهم علماء كبار، مثل مالك بن أنس، والزهرى، وسليمان التيمى. وجاءت مرحلة جديدة دخل فيها علم مصطلح الحديث طورا جديدا من أطوار نشأته وتكوينه وذلك بتدوين بعض مباحثه بين ة طيات كتب العلماء. فممن كتب فى بعض مباحثه فى ثنايا مؤلفاته، الإمام الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤ هـ رحمه الله تعالى، حيث تكلم فى كتابيه "الرسالة" و "الأم " عن بيان السنة للقرآن الكريم، وعن الاحتجاج بالسنة، وتكلم الإمام البخارى المتوفى سنة ٢٥٦ هـ فى صحيحه، وتواريخه، عن بعض مسائل علم مصطلح الحديث، وكذلك الإمام مسلم المتوفى سنة- ٢٦١ هـ تكلم فى مقدمة صحيحه عن بعض مسائله. ثم جاءت مرحلة أخرى دخل فيها علم مصطلح الحديث مرحلة المصنفات المستقلة، التى ألفت خصيصا لهذا العلم. فمن أول من صنف فيه القاضى أبو محمد الرامهرمزى فى كتابه " المحدث الفاصل " والحاكم أبو عبد الله النيسابورى المتوفى سنة ٤٨٠ هـ، والخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ وله عدة كتب فى فن المصطلح، والقاضى عياض اليحصبى المتوفى سنة ٥٤٤ هـ وابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ فى مقدمته الشهيرة، ولا يزال التأليف فى هذا العلم يتوالى حتى عصرنا الحاضر. أ. د/ مروان محمد مصطفى

стр. 216

١٤ - حديث الآحاد لغة: جمعُ مفرده: أحد بمعنى واحد، لأنه مأخوذ من الوحدة، وإنما قيل للحديث، آحاد، لأنه رواية الآحاد، فهو إما من باب حذف المضاف، أو من باب تسمية الأثر باسم المؤثر مجازا، لأن الرواية أثر المروى. (١) واصطلاحا: المراد به عند الجمهور: ما لم يبلغ حد التواتر. وقيل: هو ما يرويه الواحد أو الاثنان عن الواحد أو الاثنين حتى يصل به إلى النبى ﷺ . وبناء على هذا التعريف نرى أن ظاهر التسمية ليس مرادا، فليس المراد بخبر الواحد ما ينقله الواحد، بل: كل خبر عن جائز ممكن لا سبيل إلى القطع بصدقه، ولا إلى القطع بكذبه، لا اضطرارا ولا استدلالا، سواء نقله واحد، أو جمع منحصرون فهو خبر آحاد. (٢) لكن يخرج عن هذا التعريف خبر المعصوم جميع، فهو يفيد الصدق قطعا فيما يخبر عن الغيبيات رغم أنه خبر واحد، وإن كان ابن الأثير لا يعده من أخبار الآحاد وقد قسم العلماء خبر الآحاد إلى: مشهور، وعزيز، وغريب. وإن كان الأحناف يرون أن المشهور فى منزلة أعلى من الآحاد ودون المتواتر (٣). فقسمة الخبر عندهم ثلاثية: متواتر، ومشهور، وآحاد. فالمشهور عند جمهور المحدثين: كل خبر له طرق محصورة أكثر من اثنين، وسمى بذلك لوضوحه، ويسميه بعض الفقهاء (مستفيضا) مثل حديث (إنما الأعمال بالنيات) أما المشهور عند الأحناف فهو فى الأصل آحاد، ثم انتشر فصار ينقله قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب وهم- خاصة- أهل القرن الثانى والثالث (٤) والعزيز .. كل خبر لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين؛ بمعنى أن تتحقق الاثنينية فى أى طبقة من طبقات السند بحيث لا تقل أى طبقة عن اثنين وسمى عزيزا إما لقلة وجوده من عزّ يعَزّ، وإما لكونه قويا واشتد بمجيئه من طريق آخر، من عز يعَزّ؛ ومثاله حديث أبى هريرة مرفوعا (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده). والغريب .. أن ينفرد برواية الخبر شخص واحد فى أى طبقة من السند، ويسميه بعض المحدثين بالتفرد، ومثاله حديث النهى عن بيع الولاء وهبته. تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهما. وأخبار الآحاد الصحيحة المروية عن النبى ﷺ قسمها المحدثون إلى سبعة أقسام: أحدها: أحاديث البخارى ومسلم وهو المعبر عنها بالمتفق عليه. ثانيها: ما انفرد به البخارى ومسلم. ثالثها: ما انفرد به مسلم عن البخارى. رابعها: ما خرجه الأئمة بعدهما على شرطهما. خامسها: ما خُرِّج على شرط البخارى وحده. سادسها: ما خُرِّج على شرط مسلم وحده. سابعها: ما أخرجه بقية الأئمة كأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث .. أما عن حكم خبر الآحاد .. فيرى جمهور أهل العلم من الفقهاء والأصوليين أنه يفيد ظنا، ولكنا مأمورون بالتعبد به، فهو حجة يجب العمل بة حتى وإن أفاد الظن. ويرى المحدثون أنه يفيد علما، ولعلهم يقصدون أنه يفيد العلم بوجوب العمل به، أو أنهم سموا الظن علما، ولذا ورد على لسان بعضهم قوله: إن خبر الآحاد يورث العلم الطاهر. (٥) أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 217

١٥ - الحديث الحسن لغة: الحَسَن: نقيض القبيح والحُسْن نقيض القبح، وتقول: أحسنت الشىء أى: أتقنت صنعته وجملته، وهذا الرجل حسن المظهر، أى جميل المنظر، قال تعالى ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ (غافر ٦٤) واصطلاحا: لم يكن المصطلح الحديثى لكلمة (الحسن) معروفا لدى المتقدمين فى القرن الأول الهجرى بل شاع بينهم وقتئذ فى كل مقبول أنه صحيح، وفى كل مردود أنه ضعيف أو منكر .. الخ وفى القرن الثانى وردت كلمة (الحسن) وصفا لبعض الأحاديث على لسان أئمة هذا العلم مثل: إبراهيم بن يزيد النخعى ت ٩٦ هـ/٧١٤ م، وشعبة بن الحجاج ت ١٦٠هـ/٧٧٦ م، ومالك المتوفى سنة ٧٩ ١هـ وسفيان الثورى ت سنة ٦١ ١هـ (١). وفى القرن الثالث جرى ذكر الحسن على لسان الشافعى ت سنة ٢٠٤ هـ (٢)، والإمام على ابن المدينى ت ٢٣٤ هـ/٨٤٦ م والإمام أحمد بن حنبل ت سنة ٢٤١ هـ، والإمام البخارى ت سنة ٢٥٦ هـ/٧٠ ٨ م. (٣) ولكن كل هؤلاء ما كانوا يقصدون المعنى الاصطلاحى، بل ولا وضعوا اصطلاحا خاصا بالحديث الحسن. حتى جاء الإمام الترمذى ت سنة ٢٧٨ هـ/٨٩٢ م فأكثر من ذكر الحسن فى كتابه الجامع حتى أصبح علما فى ذلك بل ووضع اصطلاحا خاصا لمفهوم الحديث الحسن .. هذا وقد، تفاوتت عبارة العلماء فى تعريفه، والترمذى هو أول من وضع اصطلاحا خاصا له قال: كل حديث يروى لا يكون فى إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك" (٤) وعرفه الخطابى ت ٣٨٨ هـ/٩٩٨ م وتعريفا آخر (٥) وكذلك ابن الجوزى ت سنة ٥٩٧ هـ (٦) وفى نهاية المطاف استقر اصطلاح العلماء على تقسيمهم للحديث الحسن إلى قسمين: (أ) الحديث الحسن لذاته .. هو الحديث الذى اتصل سنده بنقل العدل الذى خفّ ضبطه وإتقانه عن درجة رجال الصحيح من غير شذوذ ولا علة. (٧) ومن خلال هذا التعريف يتبين لنا أن شروط الحسن لذاته هى: ١ - اتصال السند من أوله إلى منتهاه ٢ - عدالة جميع الرواة ٣ - وجود أحد رواة هذا الحديث غير تام الضبط. ٤ - السلامة من الشذوذ ٥ - السلامة من العلة القادحة (ب) الحديث الحسن لغيره .. كل حديث فى سنده راو مستور، غير مغفل، كثير الخطأ أو وجود راو سيئ الحفظ، أو موصوف بالغلط أو الخطأ، أو الاختلاط- مع وجود الصدق والأمانة. أو بسبب كون سنده غير متصل، أو فيه مدلس روى بالعنعنة؛ مع كونه ليس فيه من يتهم بالكذب؛ ويشترط مع كل هذا أن يكون الحديث غير شاذ، ويروى من غير وجه بمثله أو قريبا منه .. وبناء على هذا التعريف فإن الأصل فى الحديث الحسن لغيره أنه حديث ضعيف، ولكن وروده من طريق آخر جعله يرتقى إلى الحسن لغيره. وشروط الحسن لغيره هى: ١ - ما كان الضعف فيه ناشئا عن الجهل بأحد رواته. ٢ - أو ما كان الضعف بسبب سوء الحفظ أو الغلط أو الاختلاط ٣ - أو ما كان الضعف بسبب الإرسال وهو انقطاع خفيف. ٤ - أن يكون الإسناد خاليا من متهم بالكذب. ٥ - أن يكون خاليا من الشذوذ والنكارة. ٦ - أن يكون هناك طريق آخر بمثابة التابع أو الشاهد .. وللحديث الحسن درجات، وتتفاوت درجاته من حيث السند أو المتن، وذلك بحسب تمكن الحديث من شروط الحسن، فإذا قوى الضبط كان ذلك أقرب إلى الصحة … وإذا نزل الضبط كان ذلك أقرب إلى الضعف. وقد اتفق العلماء من محدثين وفقهاء وأصوليين على أن الحديث الحسن بقسميه حجة ويجب العمل به كالصحيح وإن كان دونه فى الرتبة. أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 218

١٦ - الحديث الصحيح لغةً .. صحيح فعيل صفة مشبهة بمعنى فاعل، من الصحة وهى الخلو من العلل والأمراض. والصحة فى اللغة ذهاب المرض والبراءة من كل عيب، وهى حقيقة فى الأجسام والأبدان وفى المعانى على جهة الاستعارة، يقال: صح هذا القول أى سلم من الخطأ، وصحت الصلاة أى أجزأت .. كل هذا على سبيل المجاز. ومن هذا القبيل وصف المحدثين للأخبار التى رجح صدقها، وسلمت من العلل المعنوية بقولهم: حديث صحيح. واصطلاحاً .. تفاوتت عبارة العلماء فى تعريفه، وأشهر التعريفات هى: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا بعلة قادحة. ومن خلال التعريف السابق يتبين لنا شروطه وهى: ١ - الاتصال: ويقصد به المعاصرة، واللقاء، والسماع بين الراوى والمروى عنه. ٢ - العدالة. ويقصد بها أن يكون الراوى مسلما، بالغا عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، فالعدالة: أمر يتعلق بالديانة. وعرف بعضهم العدالة بأنها: هيئة راسخة فى النفس من الدين تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة .. ٠ (١) ٣ - الضبط: ويعنى به سماع العلم كما ينبغى أن يكون، وفهم معناه؛ والاحتفاظ به إلى أن يحتاج إليه فى درس أو فتوى … الخ وهو نوعان: ضبط صدر .. وضبط سطر. وقسمه بعضهم إلى ضبط ظاهر: وهو ضبط الحديث بمعناه من حيث اللغة، وضبط باطن: وهو فقه متن الحديث من حيث تعلق الحكم الشرعى به .. والأول هو المراد عند أكثر العلماء. (٢) فالضبط أمر يتعلق بالعلم تحملا وأداء. ٤ - عدم الشذوذ: والمراد أن لا يخالف راوى الصحيح غيره الأوثق منه، أو مجموعة من الثقات. ٥ - عدم العلة القادحة: وهى عيب غامض فى الحديث لا يطلع عليه إلا الحاذق الماهر. وقد قسم العلماء الحديث الصحيح إلى قسمين: (أ) صحيح لذاته: وهو كل حديث اتصل سنده بنقل عدل تام الضبط من غير شذوذ ولا علة قادحة. (ب) صحيح لغيره: وهو ما اتصل سنده بنقل عدل قل ضبطه عن الدرجة العليا وتوبع بطريق آخر مساو أو راجح، أو بأكثر من طريق إن كان أدنى، وكان غير شاذ ولا معلل. فالفارق بين القسمين هو الضبط فإن كان الراوى تام الضبط فحديثه من قبيل الصحيح لذاته وإن كان ضعيف الضبط وورد من طريق آخر فحديثه صحيح لغيره. أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 219

١٧ - الحديث الضعيف لغة .. الضعيف صفة مشبهة مأخوذ من الضعف الذى هو خلاف القوة، يقال: ضَعُف فهو ضعيف، قال تعالى ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ (الحج ٧٣) والضعف قد يكون فى النفس .. أو فى البدن .. أو فى الحال. والضُّعف والضِّعف لغتان. وعند الخليل: أن الضُّعف (بالضم) فى البدن، وبالفتح فى العقل والرأى، ومن هذا القبيل قوله تعالى ﴿فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا﴾ (البقرة ٢٨٢) (١). واصطلاحا .. كل حديث فقد شرطا أو أكثر من شروط القبول .. وشروط القبول ستة: ١ - الاتصال ٢ - عدالة الرواة ٣ - ضبط الرواة ٤ - عدم الشذوذ ٥ - عدم العلة ٦ - وجود العاضد عند الحاجة إليه. وأنواع الضعيف .. كثيرة، لكن يجمعها أمران: الأمر الأول: أن يكون منشأ الضعف فى السند .. إما بسبب سقط .. أو طعن فى أحد الرواة. الأمر الثانى: ضعف منشؤه المتن فمن أنواع الضعف بسبب سقط فى السند: المعلق: وهو ما سقط من أول سنده راو فأكثر على التوالى. ومنه المنقطع: وهو ما سقط من الإسناد رجل غير الصحابى، أو يذكر فيه رجل مبهم. ومنه المعضل: وهو ما سقط منه اثنان فصاعدا، أو يرسله تابع التابعى عن الرسول ﷺ . ومنه المرسل: الذى رفعه التابعى إلى رسول الله ﷺ من غير ذكر الصحابى فجمهور المحدثين لا يحتجون به. (٢) وفى حجيته عند الفقهاء خلاف. ومنه الشاذ: بأن يروى الثقة حديثا يخالف ما روى الأوثق أو مجموعة ثقات. ومنه المنكر: وهو الحديث الذى انفرد بروايته ضعيف. ومنه المضطرب: وهو اختلاف روايات الحديث الواحد فى المتن أو السند ولا يمكن الترجيح. وقد يكون سبب الضعف الطعن فى أحد رواة الحديث من جهة العدالة مثل: الكذب، أو الاتهام بالكذب، أو الفسق قولا أو عملا، أو الرمى ببدعة ما، أو بسبب فقد المروءة وقد يكون الضعف بسبب طعن فى الضبط مثل: فحش الغلط .. أو فحش الغفلة .. أو كثرة الوهم فيما يرويه .. وهناك فرق بين الضعيف والمضعّف .. فالضعيف: ما اجتمع أئمة هذا الشأن على ضعفه. والمضعف: كل حديث لم يجتمع الأئمة على ضعفه بل فيه تضعيف لبعض أهل الحديث، وتقوية لآخرين، وسواء كان هذا فى السند أم فى المتن. وبناء على هذا فهو أعلى مرتبة من الضعيف المجمع على ضعفه. ويوجد هذا النوع- المضعّف- فى الكتب التى التزمت شرط الصحة حتى فى صحيح البخارى .. أما حكم رواية الحديث الضعيف والعمل به .. فقد اتفق أهل الحديث على أن الحديث الضعيف الذى اشتد ضعفه لا تحل روايته إلا مقرونا ببيان حاله، وعليه فلا يجوز العمل به مطلقا لا فى العقائد ولا فى الأحكام ولا فى فضائل الأعمال، لأنه لا يصح أن يكون مصدرا من مصادر الدين بحال من الأحوال .. أما الحديث الضعيف ضعفا غير شديد بحيث يقبل الجبر، ويرتقى عند تعدد الطرق إلى الحسن لغيره فمثل هذا النوع موضع خلاف بين أهل العلم، منهم من قبله وعمل به .. ومنهم من منع العمل به وكل ذلك مدون فى كتب المصطلح فلتراجع. أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 220

١٨ - الحديث القدسي لغة .. القدسى مأخوذ من قدُس بمعنى طهُر، والتقديس: التطهير والتبريك، والقُدْس: البركة، ومنه روح القدس: وهو جبريل ﵇. واصطلاحا .. كلام مضاف إلى الله تعالى منقول إلينا آحادا عنه ﷺ وهو وحى غير متلو، وإضافته إلى الله تعالى وهو الأغلب، ونسبته إليه نسبة إنشاء" لأنه المتكلم به أولا. وقد يضاف إلى النبى ﷺ ? باعتبار أنه المخبر به عن الله .. ويسمى هذا النوع من الحديث: الحديث القدسى .. أو الإلهى .. أو الربانى والأحاديث القدسية لا تنحصر فى كيفية من كيفيات الوحى، بل بجوز أن تنزل برؤيا النوم. أو الإلقاء فى الروع، أو على لسان الملك .. يذكر العلماء رواية الحديث القدسى فى صيغ متعددة؛ من يقول: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه، وهى عبارة السلف .. أو يقال: قال الله فيما يرويه عنه رسول الله ﷺ أو يقال: قال رسول الله ﷺ فيما يحكيه عن ربه… أو يقال: جاء فى الحديث القدسى بدون لفظ رواية، ولا حكاية. وهل هناك مغايرة بين: يرويه عن ربه .. ويحكيه عن ربه؟ منهم من يرى المغايرة فيقول: إذا أطلق الصحابة عبارة "فيما يرويه عن ربه " فيراد منه أن النبى ﷺ بلغنا الحديث بلفظه الذى نزل من عند الله كما نزل لفظ القرآن، ولذا سمى: قدسيا وأما لفظ الحديث "فيما يحكيه عن ربه " فيراد منه أن النبى ﷺ حكى لنا ذلك اللفظ بلفظ مرادف من كلامه هو ﷺ ، ولذا سُمِّى: حديثا. من العلماء من يرى أن عدد الأحاديث القدسية محدودة فى حدود المائة أو تزيد قليلا، ولكن المناوى أوصلها إلى مائتين واثنين وسبعين حديثا كما فى كتابه (الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية). وقد عزاها إلى من خرجها فى كتابه، ولكن كثيرا منها غير صحيح. والحديث القدسى نوعان: (أ) ما كان لفظه ومعناه من عند الله ، وبلغنا إياه الرسول ﷺ دون تصرف منه. والفرق بينه وبين القرآن حينئذ: أن الحديث القدسى وحى غير متلو، والقرآن وحى متلو، متعبد بتلاوته معجز بلفظه، ولا ينزل على الرسول ﷺ إلا فى حال اليقظة … إلخ (ب) ما كان لفظه من عند رسول الله ﷺ ، ومنسوب إلى الله باعتبار أنه المتكلم به أولا، والمنشئ له. وحينئذ هناك فرق بينه وبين الحديث النبوى باعتبار أن لفظ الحديث النبوى دائما من عند رسول الله ﷺ . أ. د مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 221

١٩ - الحديث المتواتر لغة: المتواتر مأخوذ من واتر، بمعنى: تابع، تقول: تواترت الأشياء: تتابعت، وجاء بعضها فى إثر بعض، فهو تتابع متدارك بغير فصل. ورأى الجوهرى أن المواترة بين الأشياء لا تكون إلا إذا وقعت بينها فترة وانقطاع (١)، ومنه قوله تعالى ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ (المؤمنون ٤٤)، والمعنى: رسولا بعد رسول، ولا شك أن بين كل رسول وآخر فترة من الزمن .. ولكن المعنى الأول هو المراد من التواتر، وما قصده الجوهرى فهو من المواترة. واصطلاحا: هو خبر عن محسوس، أخبر به جماعة بلغوا فى الكثرة مبلغا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب فيه. وعرفه ابن الصلاح بأنه: خبر ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد فى إسناده من استمرار هذا الشرط فى رواته من أوله إلى منتهاه. (٢) .. وبناء على التعريف السابق نرى شروط المتواتر تتمثل فى: (أ) أن يكون الخبر مستندا إلى مشاهدة حسية- أى بإحدى الحواس الخمسة- كأن يقول الراوى: سمعت كذا .. أو رأيت كذا .. إلخ (ب) أن يكون عدد المخبرين به بلغ فى الكثرة مبلغا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب فيه … ولابد من استواء طرفى السند والواسطة فى كمال العدد، ونعنى بهذا أن تكون الطبقة التى شاهدت المخبر عنه قوما كثرا، وهم الصحابة الذين شاهدوا أو عاصروا رسول الله ﷺ . والطرف الثانى وهم الطبقة التى نقلت إلينا هذا الخبر، وأعلمتنا به، وهم الأئمة والعلماء الذين دونوا أو رووا هذا الخبر .. والواسطة ما كان بينهما من طبقات المخبرين .. وبالنسبة للعدد: لم يتفق العلماء على مقدار معين فيه. والصواب أن الضابط فى حصول عدد المتواتر هو حصول العلم بالخبر. أما عن وجود المتواتر فى السنة فقد رأى ابن الصلاح، والنووى أن المتواتر نادر جدا فى السنة، بل زعم البعض عدم وجود المتواتر فى السنة، وفى هذين الاتجاهين إجحاف للسنة، وإعطاء الفرصة للطاعنين فيها. والأصح أن المتواتر موجود فى السنة كثيرا، بدليل أن هذه المصنفات الحديثية الموجودة بين أيدى أهل العلم منذ أكثر من ألف سنة، وصح نسبتها إلى أصحابها، إذا اتفقت على إخراج حديث ما، وتعددت طرقه تعددا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أفاد العلم اليقينى، وهذا النوع فى تلك الكتب كثير. والمتواتر .. ينقسم إلى قسمين: أ) لفظى، وهو ما اتفق الرواة فيه على لفظ واحد. مثل حديث "من كذب على متعمدا … " الحديث، رواه نحو المائتين. ب) المعنوى، ما تختلف فيه ألفاظ الرواة، ويتفقون على قد ر مشترك، وذلك بأن يروى قسم منهم واقعة، وقسم آخر واقعة أخرى، ولكنهم يلتقون على قدر مشترك، وهو الذى يسمى المتواتر المعنوى، أو المتواتر من جهة المعنى. مثاله: أحاديث رفع اليدين فى الدعاء، فقد روى عنه ﷺ نحو مائة حديث فيها أنه رفع يديه فى الدعاء، لكنها فى وقائع ومناسبات مختلفة، كل واقعة منها لم يتوافر فيها شرط التواتر، واعتبر فيها القدرالمشترك، وهو الرفع عند الدعاء، تواترا باعتبار المجموع. ولقد جمع العلماء الأحاديث التى توافر فيها شرط التواتر، سواء كان لفظيا أم معنويا، ومن أشهر تلك الكتب: ١ - كتاب الفوائد المتكاثرة فى الأخبار المتواترة للسيوطى ت سنة ٩١١ هـ. ٢ - الأزهار المتناثرة فى الأخبار المتواترة للسيوطى أيضا، اختصر السابق. ٣ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتانى. أ. د/ مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 222

٢٠ - الحديث الموضوع لغة: الموضوع فى لغة العرب اسم مفعول مأخوذ من " وضع يضع " بفتح المعجمة ماضيا ومضارعا؛ وهو يأتى على معان متعددة منها: الحط والإسقاط، ومنه الوضيعة أى الحطيطة من رأس المال، ويطلق ويراد به الافتراء، وهو المناسب لما نحن بصدده. واصطلاحا .. كل كلام ينسب إلى الرسول ﷺ افتراء وزورا، ولم يثبت أن الرسول ﷺ قاله، أو فعله .. أسباب الوضع .. هناك أسباب حملت بعض الناس على اختلاق الحديث ونسبته إلى الرسول ﷺ بعضها يرجع إلى: (أ) الخلافات السياسية التى انتشرت فى العالم الإسلامى فى فترة من الفترات، وترتب عليها انقسام المسلمين إلى طوائف كالشيعة والرافضة والخوارج. وأكثر الفرق كذبا على الرسول ﷺ هم الرافضة الذين وضعوا الأحاديث فى فضل علىٍّ وآل البيت، وفى المقابل وضعوا أحاديث فى ذم الصحابة عموما والشيخين خصوصا. (ب) الرغبة فى التشويش على مبادئ الإسلام، وهذا إنما صدر عن طائفة الزنادقة الذين دخلوا فى الإسلام كراهية، فوضعوا أحاديث، ليضلوا بها الناس، ويفسدوا عقيدتهم وأخلاقهم، ومن أشد هؤلاء الوضاعين: عبد الكريم بن أبى العوجاء، ومحمد بن سعيد المصلوب. (جـ) التزلف إلى الملوك والأمراء بما يوافق أهواءهم. (د) الجهل بالدين مع الرغبة فى الخير. وهناك أسباب أخرى. فلتراجع وللحديث الموضوع علامات يعرف بها، بعضها عن طريق السند وأخرى عن طريق المتن .. فمن علامات الوضع فى السند .. (أ) إما أن يعترف الراوى بالوضع كما حصل من أبى عصمة نوح بن أبى مريم (ب) أو يكون الراوى معروفا بالكذب .. ومن علامات الوضع فى المتن .. (أ) أن يكون الحديث ركيك المعنى، بحيث يكون مخالفا لبدهيات العقول بحيث لا يمكن تأويله .. سواء انضم إلى ذلك ركة اللفظ أم لا. (ب) مخالفته لصريح القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعى، ويكون غير قابل للتأويل؛ ليوافق ما خالفه. (جـ) اشتمال الحديث على المبالغة فى ثواب عظيم على عمل يسير، أو المبالغة فى الوعيد الشديد على الأمر الهين. وقد قام العلماء بجهد مشكور فى الحفاظ على السنة من أن يدخلها نص موضوع، وكان من ثمار هذا الجهد أنهم حصروا أسماء الوضاعين، وصنفوا كتبا فى الأحاديث الموضوعة .. فجزاهم الله خيرا .. أ. د / مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 223

٢١ - الحرص لغة: شدة الإرادة والاجتهاد للحصول على المطلوب، ويطلق ويراد به: الجشع، والحرص: الشق، حرص الثوب: شقة، كما فى اللسان (١). واصطلاحا: طلب الشىء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم … ﴾ النحل:٣٧،أى أن تطلب بجهدك ذلك .. وقد فسر بعض العلماء كلمة (حريص) فى قوله تعالى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزعليه ما عنتم حريص عليكم﴾ التوبة:١٢٨، بأنه -أى الرسول- شحيح عليكم أن تدخلوا النار. لم ترد كلمة الحرص فى القرآن الكريم، وإنما وردت مشتقاتها: مثل (حرصتت) فى سورة يوسف:١٠٣ (وتحرص) فى سورة النحل:٣٧ و (أحرص) فى سورة البقرة ٩٨. والحرص: الشره، والحريص: الشره، ويأتى بمعنى الشح والطمع الذى يدفع بصاحبه إلى مساوئ الأخلاق، وارتكاب المنكرات التى تتنافى مع المروءة. وقد جبل الإنسان على الحرص والطمع، ففى الحديث: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالث، ولا يملأ فمه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) (رواه الترمذى) ولهذا نهى الرسول ﷺ عن شدة الحرص والمبالغة فى الطلب فقال: (إن روح القدس نفث في روعى إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب) (أخرجه ابن أبى الدنيا فى القناعة). ولا يتخلص من الحرص إلا من أدرك عز القناعة، وعزم على وقاية نفسه من ذل الطمع، فاقتصد فى معيشته، وأيقن بأن الرزق الذى قدر له لابد وأن يأتيه، وإن لم يشتد حرصه؛ فإن شدة الحرص ليست هى السبب لوصول الأرزاق، بل بالاجتهاد فى العمل وإتقانه يحصل المرء على وعد الله بأنه يرزق من يشاء بغير حساب. أ. د/محمد شامة

стр. 224

٢٢ - الحركة اصطلاحا: عرّفها أرسطو بأنها فعل ما هو بالقوة بما هو بالقوة على سبيل التدريج. وقيل: هى كمال بالفعل لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة، لا من كل وجه. كالانتقال من مكان إلى مكان، فيشغل حيزا بعد أن كان فى حيز آخر، فهى تغير متصل للوضع فى المكان، وقد يكون التغير بالحركة عن طريق الاستحالة من كيفية إلى كيفية كحركة الماء من الكثافة إلى اللطافة بالحرارة. وأنواع الحركة ستة: التكون، والفساد، والنمو، والنقصان، والاستحالة، والتغير بالوضع. والحركة يقتضيها السكون ولا يقال ضدها. وعرّفها آخرون بأنها تبدل حالة الذات، إما فى الوضع وإما فى الكيف، وقيل: هى كونان فى آنين فى مكانين ونقيضها السكون، وهو كونان فى آنين فى مكان واحد. والحركة يصدق عليها من المقولات العشر: مقولات الكم، والكيف، والوضع. فالحركة الكمية: انتقال الجسم من كمية إلى كمية بالزيادة والنقصان، كالأجسام التى يطرأ عليها تغير كمى بالزيادة بالنمو أو النقصان بالذبول والنحافة. والحركة الكيفية: تغير يطرأ على الجسم فينقله من حال إلى حال، أو من كيفية إلى كيفية، كتغير حال الجسم من الحرارة إلى البرودة. والحركة فى الأين وهى النقلة بمعنى انتقال الجسم من مكان إلى مكان أو من أين إلى أين. والحركة فى الوضع: هى الكيفية التى يتم بها انتقال الجسم من وضع إلى وضع آخر مخالف للوضع الأول، كحركة الجسم حركة مستديرة، فإن الحركة المستديرة للجسم تتبدل فيها نسبة أجزاء الجسم إلى المكان الملازم له، كما فى حركة الرحى حول قطبها، وحركة الفرجار حول مركز الدائرة. وقيل: الحركة فى الوضع هى التى لها هوية اتصالية على الزمان، ولا يتصور حصولها إلا فى الزمان. والحركة، إما ذاتية، وإما عرضية. فالحركة الذاتية: ما يكون حدوثها للجسم من ذات الجسم المتحرك، لا من خارجه، كحركة النفس، فإنها ذاتية فيها ولها. أما الحركة العرضية: هى ما كان حدوثها للجسم المتحرك من خارجه لا من ذاته، كحركة الجسم تبعا لحركة السيارة، وحركة راكب السفينة تبعا لحركة السفينة. وقد تكون الحركة إرادية اختيارية، وهى ما كان مبدؤها من ذات الجسم المتحرك لا من خارجه، كحركة الحيوان بإرادته. أما الحركة القسرية: ما كان مبدؤها بسبب من خارج ذات المتحرك، كحركة الحجر إلى أعلا، فإن ذلك خارج عن طبيعة الحجر فى السقوط إلى جهة أسفل. والحركة قد تكون طبيعية وهى ما تحدث لا بسبب خارج عن الجسم المتحرك، لكنها تقع بلا شعور، ولا إرادة منه، كسقوط الحجر إلى جهة أسفل. وقد تكون الحركة بمعنى التوسط؛ بأن يكون الجسم. واصلا إلى حد من حدود المسافة فى كل آن لا يكون الجسم واصلا إلى ذلك الحد قبل ذلك الآن وبعده. وقد تكون الحركة بمعنى القطع، وهى تحصل عند وجود الجسم المتحرك إلى المنتهى. ويكون معناها: الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها. وتطلق الحركة على العملية الذهنية التى ينتقل فيها الذهن من حال إلى حال ومن فكرة إلى فكرة، إما عن طريق التشكيك، أو التعارض، أو التداخل، ومنه جاء قولهم " الحراك " بمعنى قابلية المجتمع للحركة والتغير والتطور، والحركية" بمعنى عدم الثبات واستمرارية التغير والتطور. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 225

٢٣ - الحزب لغة: الحزب- بالكسر- الطائفة، وجَمْعه الأحزاب. واصطلاحا: له عدة معان، منها: ١ - الورد من القرآن الكريم، وهو ما يساوى نصف جزء منه. ٢ - الطوائف التى تألبت وتظاهرت على حرب النبى ﷺ ، وعرفت باسم الأحزاب، وهم قريش تحت رئاسة أبى سفيان بن حرب، وكان عددهم أربعة آلاف مقاتل، وغطفان يرأسها عيينة بن حصن، وكان معه الف فارس، وبنو مرة يرأسهم الحارث بن عوف المرى، وهم أربعة آلاف، وبنو أشجع يرأسهم مسعر بن رخيلة، وبنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد الله وهم سبعمائة، وبنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدى، وكانت عده الجميع عشرة آلاف مقاتل تحت قيادة أبى سفيان بن حرب، فيما عرف بغزوة الأحزاب. ٣ - الجماعة التى تتفق فى عقيدتها الدينية، وقد فرق الحق بينهم وقصرهم على حزبين، حزب الله وحزب الشيطان، يقول تعالى ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ (المجادلة ١٩) ويقول تعالى ﴿رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ (المجادلة ٢٢) وقد اختص الله بعض الأقوام من الأمم السابقة بهذا الوصف، يقول تعالى ﴿وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب﴾ (سورة ص ١٣) ثم شمل الحق ﵎ بهذا الوصف كل من أهلكه الله من الأمم السابقة، يقول تعالى ﴿وقال الذى آمن يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ (غافر٣٠) وتطلق هذه الكلمة الآن على الجماعات السياسية المختلفة المبادئ فى الأمة الواحدة. (هيئة التحرير)

стр. 226

٢٤ - الحزب السياسي لغة: مفهوم مركب فى كلمتين، الحزب: وهو الطائفة وجماعة الناس، والسياسى: يقال: سست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها. واصطلاحا: الجماعة السياسية المختلفة المبادئ فى الأمة الواحدة ويعرفه "ماسيفر" Maciver بأنه جماعة يتم تنظيمها على أساس تحقيق مبدأ معين أو بلوغ سياسة بعينها، وذلك بواسطة السيطرة على الحكم. فى حين يعرفه " إدموند بيرك " Edmond Burke بأنه هيئة أو مجموعة من الأفراد متحدة بمسعاها الموحد تستهدف تحقيق الصالح القومى على أساس مبادئ محددة متفق عليها. ولعل أول متحزب سياسى فى الإسلام ظهرت بوادره فى الفتنة الشعواء التى شب لهيبها فى أواخر عهد الخليفة الشهيد عثمان بن عفان ﵁ وما نجم عنها من انقسام فى حقوق المسلمين، ففريق انحاز إلى الخليفة وانتحل له الأعذار، وفريق انحاز إلى خصومه ووضع لهم مبررات الثورة والخروج، فتشعبت بالناس الآراء وذهبت بهم الظنون، فظهر الخوارج والشيعة ثم المعتزلة ثم المرجئة، وهى فرق وأحزاب وإن اتخذت طابعا دينيا فيما تحمله من أفكار وآراء، إلا أنه لا يمكن بحال تجاهل صبغتها السياسية وأثرها السياسى. وفى العصر الحديث ذهب "روهمر" فى كتابه نظرية الأحزاب السياسية إلى أنه تتميز كل هيئة اجتماعية بأربعة أحزاب سياسية كبيرة تقابل أربعة أدوار من حياة الإنسان، وهى حزب الراديكاليسم أو الأطفال، وحزب الأحرار أى الشبان، وحزب المحافظين أى الرجال المكتهلين، وحزب الإطلاقيين وهم الشيوخ. ويمكن حصر مرامى جميع الأحزاب السياسية فى ثلاثة أهداف: التقدم، الوقوف، التقهقر، ويدخل بينها أشكال لا تحصى ذات فروق ضعيفة، وتحمل كل منها اسما خاصا يتميز به عمن سواء. وللأسماء التى تعطى للأحزاب أهمية كبيرة، اذ إنها تدل على غرض الحزب ومقصده، وعلى الجهاد الذى يبذله، بل وتدل على الأمور التى يمجها ويدحضها، كما يجب أن يكون للحزب نظام صارم يقوم به رجال مخلصون ذوو إرادة صحيحة، وإلا صار حزبا خفيفا لا ينتج فى عالم السياسة شيئا ذا بال. وينبغى التفرقة فى الحزب بين أنماط أربعة على الأقل: أولا: الحزب فى نظام الحكم الليبرالى، وفى هذا النظام فإن الحزب هو الذى يتكون من جماعة منظمة معلنة تعبرعن مصالح طبقة أو شريحة اجتماعية، وتسعى لتحقيق هذه المصالح بالطرق الدستورية، وفى إطار الشرعية، سواء فى المعارضة، أو فى الحكم. ثانيا: الحزب فى نظام الحكم الفاشى، وفى هذا النظام فإن الحزب هو أداة الدكتاتورية المسيطرة على الحكم والتى تقرها الحلول التى تتفق مع مصالحها لعلاج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وا لسياسية. ثالثا: الحزب فى المفهوم الاشتراكى هو طليعة الطبقة العاملة، ويشترط فيه أن يكون طليعة منظمة يستوعب فى الطبقة أحسن عناصرها، كما ينبغى له أن يكون على رأس هذه الطبقة من ينظر إلى أبعدها، ويقودها إلى مصالحها الحقيقية لا الوقتية، فيكون الحزب والزعيم السياسى للطبقة. رابعا: الحزب فى حركة التحرر الوطنى داخل أنظمة الحكم الاستعمارى وشبه الاستعمارى، وهو فى هذه الحركة قد يمثل حلقة، وقد يكون جبهة، وقد يكون علنيا أو سريا، وقد يسعى لتحقيق غرضه بالطرق المشروعة، وقد يسعى لتحقيقه بالثورة. وعلى اختلاف هذه الأنماط يكون لكل حزب منها وسيلته الخاصة فى نشر مبادئه وأفكاره ما بين صحف أو قنوات إذاعية أو منشورات. ولعل تاريخ الأحزاب السياسية فى مصر يعطى مثالا واضحا لهذه الأنماط إذ مرت مصر بفترة كانت خاضعة خلالها للاحتلال البريطانى فنشطت الحركات القومية التحررية وما صحبها من نشأة الأحزاب إلى أن تحررت البلاد. وبعد، فإنه لا يستطيع كل إنسان أن يكون تابعا بالضرورة سياسيا، بل إن من الناس من يكون تابعا لكل حزب بالنسبة لكل حسن فيه. (هيئة التحرير)

стр. 227

٢٥ - الحزم لغة: حزم الأمر: ضبطه واتقنه واستعد له. كما فى المعجم الوسيط (١). واصطلاحا: اتخاذ القرار بفعل أو ترك. ويرتبط معنى الحزم بخصيصتين هامتين فى الإنسان هما: ١ - العقل والتفكير. ٢ - الإرادة والاختيار. ذلك أن العاقل يفكر فى المواقف التى تجابهه، فيستثمر علمه وتجربته وما وصله من هدى إلهى فى الموازنة والترجيح ليصل إلى قرار حكيم يناسب الموقف الذى هو فيه، وهنا يختارما أداء إليه عقله وتجربته وفهمه لأحكام دينه، حلا وحرمة ونحو هذا. والحزم لا يعنى ألا يستفيد العاقل من مشاورة من يثق فى نصحهم؛ لأن المشاورة تضىء له جنبات الموقف، ثم هوبعد هذا صاحب القرار الذى سيتحمل مسئوليته، ولذا وجدنا فى القرآن الكريم: ﴿وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ آل عمران:١٥٩. والحزم مظهر لاستقلال الشخصية وعدم تذبذبها أو تبعيتها للناس دون تفكير وموازنة، ودون اختيار رشيد، لذا وجدنا الرسول الكريم ﷺ يقول: (لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا) (رواه الترمذى) (٢). ولم يستخدم لفظ "الحزم" فى القرآن الكريم، لكنه استعمل في السنة كثيرا من ذلك ما جاء عن أبى قتادة أن رسول الله ﷺ قال لأبى بكر: (متى توتر؟ قال: أوترمن أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال آخرالليل: فقال ﷺ لأبى بكر: خذ هذا بالحزم، وقال لعمر: خذ هذا بالقوة) (رواه أبو د اود). والحزم ضرورى لمن يلى أمرا من أمور المسلمين حتى لا تتعدد الآراء وتتأرجح دون قرار يحسم الأمر ويحيله إلى التنفيذ بدلا من حيز الكلام فقط. أ. د/أبو اليزيد العجمى

стр. 228

٢٦ - الحساب لغة: الحساب مصدر حاسب. وحسب الشىء يحسبه إذا عده. و (حاسبه) محاسبة وحسابا: ناقشه الحساب وجازاه. (يوم الحساب) يوم القيامة (١). والحسيب: اسم من أسماء الله تعالى، وفى التنزيل ﴿وكفى بالله حسيبا"﴾ (النساء٦). واصطلاحا: توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيرا كانت أو شرا، قولا كانت أو فعلا أو اعتقادا. قال تعالى ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾ (غافر ١٧) وقد اختلف فى معنى محاسبته تعالى عباده على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يعلمهم مالهم وما عليهم. الثانى: أن يوقف عباده بين يديه، ويؤتيهم كتب أعمالهم وفيها سيئاتهم وحسناتهم فيقول هذه سيآتكم وقد تجاوزت عنها، وهذه حسناتكم وقد ضاعفتها لكم. الثالث: أن يكلم الله عباده فى شأن أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب وما عليها من العقاب. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة منها ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون﴾ (الحجر٩٢. ٩٣) وقوله تعالى ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ (الأعراف) ويقول ﷺ "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله: من أين أكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه " قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وفى الصحيحين من حديثى عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "من نوقش الحساب عذب،، فقلت: أليس يقول الله (﴿فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا﴾ (الانشقاق ٧ - ٩) فقال: "إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك" يعنى أنه لو ناقش فى حسابه لعبيده لعذبهم، وهو غير ظالم لهم ولكنه تعالى- يعفو ويصفح. وكيفية الحساب مختلفة وأحواله متباينة: فمنه اليسير، ومنه العسير، ومنه السر، ومنه الجهر، ومنه ما هو بالعدل، ومنه ما هو بالفضل والصفح. ومتولى ذلك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. والناس أمام الحساب على ثلاثة أقسام: قسم يدخل الجنة بغير حساب وقسم يدخل النار بغير حساب. لشدة غضب الله عليهم وهم الكافرون. وقسم يوقفون للحساب. أ. د/ أحمد المهدى

стр. 229

٢٧ - الحساب (علم) يعد الحساب أقدم وأبسط فروع علم الرياضيات، وهو يحوى دراسة الأعداد والطرق الحسابية، وحل المشكلات والمسائل باستخدام الأعداد، ويتضمن ذلك العمليات الأساسية الأربع: الجمع والطرح والضرب والقسمة، مع تطبيق هذه العمليات في مسائل الحياة العامة، ولذلك فإن الحساب هو الأساس الذى يقوم عليه الكثير من الفروع الأخرى للرياضيات كالجبر والهندسة وحساب المثلثات. وقد كان لعلماء الحضارة الإسلامية إسهامات بالغة الأهمية فى تطور علم الحساب، ويزخر التراث الإسلامى بالعديد من كتب الحساب التى كان معظمها مراجع رئيسية في مختلف جامعات العالم، من ذلك: كتاب "المقالات فى علم الحساب" لابن البناء المراكشى، وكتابا "مفتاح الحساب، لغياث الدين حمشيد الكاشى، وكتاب "الجامع فى أصول الحساب" للحسن بن الهيثم، وكتاب "طرائف الحساب" لأبى كامل شجاع بن اسلم، وكتاب "خلاصة الحساب" لبهاء الدين العاملى وغيرها كثير جدا. وكانت لعلماء المسلمين طرق خاصة لإجراء العمليات الحسابية بما يصلح أن يتخذ وسيلة للتعليم فى عصرنا، ولقد انتبه بعض رجال التربية فى أوروبا إلى قيمة هذه الأساليب من منظور تربوى، فأوصوا باستعمالها عند تعليم المبتدئين. من ناحية أخرى هذب علماء المسلمين النظام العددى العشرى المأخوذ عن الهنود، ووضعوه فى الصورة المستخدمة في عصرنا، وأخذ الأوروبيون عن العرب الصفر والأعداد وسموها الأعداد العربية. أ. د/أحمد فؤاد باشا

стр. 230

٢٨ - الحِسْبة لغة: اسم من الاحتساب، ويقال: فلان حسن الحسبة حسن التدبير، واحتسب عليه: أنكر، واحتسب بكذا أجرا عند الله: اعتده ينوى به وجه الله. واصطلاحا: وظيفة دينية أساسها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، استلهاما لقوله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (آل عمران ١٠٤) ولذلك فإن كثيرا من المؤرخين والفقهاء يرجعون نشأة الحسبة إلى عهد الرسول ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين، إذ كانت حياة الرسول ﷺ ملأى بنهيه عن المنكرات وأمره بالمعروف، فقد روى عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله. قال الرسول ﷺ "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس " ثم قال ﷺ " من غش فليس منى " (رواه مسلم) (١) وقال ﷺ "إياكم والجلوس على الطرقات " قالوا: مالنا بد، وإنما هى مجالسنا نتحدث فيها. قال "فان أبيتم إلا ذاك فأعطوا الطريق حقه " قالوا: وما حق الطريق؟ قال "غض البصر ورد السلام وأمر بمعروف ونهى عن منكر " (رواه البخارى) (٢) ومما يذكر أيضا أن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ أثناء خلافته ولى الحسبة على سوق من أسواق المدينة لامرأة تسمى "أم الشفاء". ولذا فهناك من المؤرخين من يجعل عمر بن الخطاب ﵁ هو أول محتسب فى الخلافة الإسلامية، قال هذا القلقشندى، وأكده حاجى خليفة. ولا شك أن القرآن والسنة وإن كانا يعدان من المصادر الأولى لخطة الحسبة إلا أنه ينبغى لنا أن نفرق بين أعمال الحسبة ومظاهرها كاتباع لنص قرآنى واقتداء لسنة الرسول ﷺ وذلك فى عموم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وبين الحسبة كوظيفة إدارية لها وضعها المحدد فى الهيكل الإدارى للدولة، حيث لم تعرف هذه الوظيفة الإدارية فى لقبها الاصطلاحى ولقب القائم عليها "المحتسب " إلا منذ أواخر العصر الأموى فى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٥ هـ/٧٢٤ م) وأصبحت ذات شأن كبير فى الولايات الإسلامية بعد ذلك فى مطلع القرن الرابع الهجرى. غير أن هناك من المستشرقين من يعود بنظام الحسبة إلى أصل بيزنطى يقول المستشرق ديمو مبين DEMOMBYNES: وإنه ليس ثمة شك فى أن الحسبة اقتبست من البيزنطيين ثم صبغها المسلمون بالصبغة الإسلامية، فقد ورث المحتسب تلك الوظيفة الرسمية بصورة غير مباشرة عن ندّه البيزنطى" (٣) ويتابعه فى ذلك الأستاذ الدكتور السيد الباز العرينى حيث يرى أن المسلمين قد فتحوا أقاليم الدولتين البيزنطية والفارسية ووجدوا فيها أنواعا من المدنيات والنظم المختلفة كما وجدوا طبقة مدربة من الموظفين اعتادت العمل فى حكومة الأقاليم فاتخذوها أداة لحكمهم الجديد (٤). إلا أن مستشرقا آخر هو الأستاذ جرونياوم Gmunebeaum يقول: إن قضاء الحسبة محاولة لوضع نظام تنفيذى لتلك النصيحة التى أمر بها القرآن للمؤمنين كافة (٥) ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (آل عمران ١٠٤) ومهما يكن من أمر فإن تاريخ الفتوحات الإسلامية يبرهن على أنه لم يكن هناك وجود لوظيفة الحسبة فى مصر والشام اللتين كانتا خاضعتين للدولة البيزنطية حيث فتح المسلمون هذه البلاد، ولو كان المسلمون اقتبسوا هذه الوظيفة من الروم لأبقوها فى الشام ومصر حين الفتح كما ابقوا سائر الوظائف الإدارية التى لا تتعارض مع الإسلام مما يدلل على أنها وظيفة وجدت طريقها للكيان الإدارى للدولة انطلاقا من تعاليم الإسلام الحنيف ومبادئه التى شملت كافة مناحى الحياة. ولقد تعدّت الحسبة أصولها المثالية الدينية وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى واجبات عملية تتفق والمصالح العامة للمسلمين وتمت هذه الوظيفة بنمو المجتمع الإسلامى وتطور نظمه الاقتصادية وأوضاعه الاجتماعية واتساع رقعته. والى الحسبة: وهو الناظر فى شئون الحسبة فى الدولة الإسلامية وهو موظف يعّينه الخليفة أو الوزير أو القاضى للنظر فى شئون الرعية وكل ما يهمهم فى أسواقهم ومجتمعاتهم ومعاملاتهم ويعين من يراه أهلا لذلك من الأعوان والأنصار ويعاقب على المنكرات التى يفعلها الناس بحسب أهميتها ومقدارها. وكان لاختيار المحتسب شروط منها: ١ - الإيمان ٢ - التكليف من أولى الأمر ٣ - القدرة. ٤ - أن يكون ذا رأى وصرامة وعلم، ٥ - العدالة ٦ - المعرفة بأحوال المجتمع وأصناف المعايش والمهن وله بها خبرة. إضافة إلى مجموعة من الآداب التى ينبغى أن يكون متحليا بها مثل العفة والقدرة فيما يأمر أو ينهى والحلم والصبر. وقد اعتبر ابن خلدون الحسبة من أهم الوظائف الدينية وجعل ترتيبها الخامسة بين هذه الوظائف بعد الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد. وينقسم أعوان المحتسب إلى فريقين: ١ - فريق يقوم بأعمال الضبطية وأعمال الإشراف والتفتيش. ٢ - فريق يقوم بتتفيذ الجزاءات التى يوقعها المحتسب. وكانت اوجه نشاطه تتعلق بالعديد من المجالات كالمجال الدينى الاقتصادى والاجتماعى والصحى. ففى مصر كان المحتسب ينادى الناس للاجتماع لصلاة الجمعة ويراقبهم عند أوقات الآذان فى الأسواق وكان يشرف على الجوامع والمساجد ويأمر بكنسها وتنظيفها وكان يختار إمام المسجد والمؤذن ويراعى التزامهما بشروطهما، وكان يشرف على أهل الذمة وضرورة إلزامهم بتنفيذ الشروط التى ينسب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه ألزم أهل الذمة باتباعها. كما كان يشرف على الحمامات وعلى أصحاب الحرف والمهن ويوقف مضايقة الجمهور ويزيل كل ما يعوق المرور ويحكم فيما يظهر من نزاع بين أهل الصناعة الواحدة. كما كان يراقب المرأة وما ينبغى لها أن تكون وما يحرم عليها فعله كأن يمنعهن من الجلوس على أبواب بيوتهن فى طرقات الرجال، أو العوائد القبيحة التى يتبعنها فى الجنائز والمآتم وسلوكهن وسيرهن فى الطرقات. إضافة إلى تعهد النواحى الصحية عند أصحاب المهن والحرف والصيادلة والعطارين ٠٠٠ إلخ علاقة الحسبة بالقضاء والمظالم والشرطة: تتميز الحسبة بسرعة الفصل فى الأمر حال وقوعه وإثباته وكانت تقتصر على ميادين خاصة لأن المحتسب لا يتصدى لدعوى العقود والمعاملات وليس من شأنه أن يحكم فيما يدخله الإنكار بحيث يحتاج فى الإتيان إلى بينة أو يمين وهو مجال القضاء٠ وكانت المظالم للنظر فيما عجز عنه القضاة والمحتسب فى حين لم تكن الشرطة عامة التنفيذ فى طبقات الناس وإنما كان حكمهم على الدهماء وأهل الريب والضرب على أيدى الرعاع والفجرة. وهكذا لم تكن الحسبة منعزلة عن القضاء والمظالم والشرطة وإنما كانوا معا يمثلون دعامة قوية للعدالة. (هيئة التحرير)

стр. 231

٢٩ - الحسد لغة: يقال حسده، يحسدُه، وحسَّده: إذا تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضله، أو يسلبهما هو،: والحسود: من طبعه الحسد ذكرا كان أم أنثى. والجمع حُسَّد، وحُسَّاد، وحَسَدَة، والمحسدة: ما يحسد عليه الإنسان من مال أوجاه، ونحوهما، كما فى الوسيط (١). الحسد ظاهرة نفسية لا ينكرها أحد، فقد وردت كلمة حسد فى الآداب الإنسانية، كما جاء الحديث عن "الحسد" فى الكتب المقدسة، أما تأثير الحاسد فى المحسود بواسطة العين فقد اختلف فيه، إذ من المعتقدات الشائعة بين جميع الشعوب أن من الناس (الحاسد) من يملك قوى يمكنها إلحاق الضرر بالآخرين (المحسودين) سواء كان هؤلاء الآخرون: أناسا، أو حيوانات أو نباتات أو أى شىء، حتى ولو كان جمادا -بمجرد النظر إليه أو عن طريق إرسال شعاع العين إليه- أى أن الضرر ينتقل من عين الرائى -وهو الحاسد- إلى المرئى -وهو المحسود- بمجرد نظر صاحب العين الشريرة إليه أو حديثه عنه، سواء كان مدحا، أو إعجابا، أو كان مجرد وصفا له أو تقريرا لهيئته وشكله. وقد تحدثت الكتب السماوية عن إلحاق ضرر الحاسد للمحسود بواسطة العين فقد ورد فى إنجيل متى (٢٠:١٧): أو ما يحل لى أن أفعل ما أريد، أن عينك شريرة لأنى صالح ". أما فى الفكر الإسلامى، فقد علل الجاحظ الإصابة بالعين: بأن لكل حادث سببا، وما دامت الإصابة لا سبب لها سوى رؤية العين، فينبغى التصديق: بأنه قد انفصل شىء من عين العائن فأصاب المعيون، ويعتبر ابن القيم من أشد المؤمنين بالعين حيث جمع الأحاديث التى تتعلق بهذا الموضوع سواء كانت تخبر عن الإصابة بالعين، أو توصى بالرقى لدرء الحسد، أو تصف طريقة علاج المحسود، ثم يعقب على ذلك بالهجوم على من ينكر الإصابة بالعين، مستشهدا بآراء من سبقوه، فيقول: "وعقلاء الأمم -وعلى اختلاف مللهم ونحلهم- لا تدفع أمر العين، ولا تنكره، وإن اختلفوا فى سببه ووجهة تأثير العين، فقالت طائفة: أن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة، انبعثت من عينه قوة سمية تتصل بالعين ليتضرر … الخ" ومما يؤخذ من كلام ابن القيم: إن الحسد ليس حالة نفسية تصيب المحسود فقط، بل لعين العائن آثار ضارة تصيب المعيون، وقد تصل الإصابة إلى حد إدخال الرجل القبر والجمل القدر، أى أن العائن قادر على إماتة الأحياء، وإهلاك الزرع والضرع .. حتى ولو كان أعمى. وذكر الحارث المحاسبى أنواع الحسد، ومجالاته، ودوافعه، وأضراره، وبين أن المحسود لا يلحقه الضرر من عين العائن، ولا يصيبه شىء من الحاسد إلا إذا تجاوز الحسد القلب إلى الجوارح، فسلك الحاسد مسالك تؤدى إلى إلحاق الضرر بالمحسود، كتدبير المؤامرات لافساد العلاقة بينه وبين مصادر نعمته، أو اتخاذ تدابير تؤدى إلى زوال ما يتمتع به المحسود من النعم، أو الاعتداء على النفس والأرواح بما يصيبها أو يهلكها، ولم يسم هذا حسدا، بل يرى أنه عمل دفع الحسد إليه. أما الأمام أبو حامد الغزالى فقد تناول حديثه عن الحسد تسع نقاط هى: ذم الحسد، حقيقته، أقسامه، حكمه، مراتبه، أسبابه، سبب كثرته بين الأمثال والأقران، دواؤه، القدر الواجب في نفيه. فهو يرى أن الحسد ليس مرضا عضويا، بل هو من أمراض القلوب، ولا يداوى إلا بإلعلم، وأنه لا ضربى فيه على المحسود فى الدنيا والآخرة إذ يقول: "وأما أنه لا ضرر فيه على المحسود فى دينه ودنياه فواضح، لأن النعمة لا ترول عنه بحسدك، بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة، فلابد أن يدوم إلى أجل معلوم قدره الله ، فلا حيلة في دفعه، بل كل شىء عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب، فإذا لم تزل ألنعمة بالحسد، لم يكن على المحسود ضرر فى الدنيا، ولا يكون عليه إثم فى الآخرة. ولعلك تقول: ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدى وهذا غاية الجهل، فلو كانته النعمة تزول بالحسد لم يبق الله عليك نعمة ولا على أحد من خلقه، ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان، قال تعالى ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسم .. ﴾ البقرة:١٠٩. وقد نسب إلى رسول الله ﷺ أحاديث تخبرعن إمكانية وجود الحسد ووقوع ضرر من عين الحاسد بالمحسود، وتوصى بتلاوة نصوص محددة للتعاويذ والرقى للحماية من عين الحاسد، كما شرحت، أحاديث أخرى العلاج من ضرر الحسد .. أما فى القرآن الكريم فقد وردت كلمة "الحسد" فى أربع آيات: البقرة:١٠٩، النساء:٥٤، الفتح:١٥، الفلق:٥) كما وردت ألفاظ تتضمن معنى الحسد فى آيات أخرى: (البقرة:٩٠، ٢١٣، الحسد فى آيات أخرى: (البقرة:٩٠، ٢١٣،آل عمران:١٩، الشورى:١٤، الجاثية ١٧). وقد أول المنكرون لتأثير عين الحاسد فى المحسود كل ما ورد فى القرآن الكريم وخاصة فى قوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ الفلق:٥، فقالوا فى تفسير هذه الآية "وتقييد الاستعاذة من شره بوقت: "إذا حسد"؟ لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود، حين يجيش الحسد فى نفسه، فتتحرك له الحيل والنوايا، لالحاق الضرر به" أى أن الضرر لا يأتى من العين، بل من عمل الحاسد، حين يدفعه حسده إلى إلحاق الضرر بالمحسود، أما ما نسب إلى رسول الله ﷺ فقد قبلوا ما أخبر به عن وقوع الحسد لأن وجوده فى النفس الإنسانية مسلم به إلا أنه لا يتعدى كونه ظاهرة نفسية لدى الحاسد، أما الأحاديث التى تتحدث عن الأضرار التى تصيب المحسود عن طريق غير الحاسد فقد ردوها لضعف سندها أو لتناقض معناها مع مبادىء الإسلام وتعاليمه، مثل الحديث المشهور: (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر)، إذ لم يرد هذا الحديث فى أى من كتب الحديث التسعة، وإنما ذكره أبو نعيم الأصفهانى فى الحلية، قال الصابونى: "بلغنى أنه قيل له -أى لراويه شعيب بن أيوب الأنصارى-: ألا ينبغى أن تمسك عن هذه الرواية، ففعل). أ. د/محمد شامة

стр. 232

٣٠ - الحشر لغة: الجمع، "حَشَرْتُ الناسَ أَحْشِرهُمْ وأَحْشُرُهُمْ حَشْراً: (جَمَعْتُهُمْ) ومنه يومُ الحَشْر. والحاشر: اسم من أسماء النبى ﷺ . واصطلاحا: الحشر: عبارة عن سوق الخلائق بعد بعثهم ونشرهم أحياء من قبورهم، وجمعهم فى أرض المحشر. قال تعالى.: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾ (الكهف ٤٧) وقال تعالى: ﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ (الأنعام ١٢) وقال تعالى ﴿يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا﴾ (النبأ ١٨) أى زمرا. قال أبو هريرة- y" إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ". وقال ابن عباس- رضى الله عنهما - فى قوله تعالى ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ (التكوير٥) يحشر كل شىء. والحاصل أن الله- تعالى- يجمع فى ذلك اليوم الأولين والآخرين حتى لا يدرى الشخص أين يضع قدمه لشدة الزحام. ولهذا اليوم أهوال وشدائد تذيب الأكباد، وتذهل المراضع، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (الحج ٢,١) ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ (المطففين ٦) ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾ (النبأ ٣٨). وفى هذا اليوم العظيم تدنو الشمس من الرؤوس، روى مسلم فى صحيحه: "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل " قال سليم بن عامر: ما أدرى ما يعنى بالميل: مسافة الأرض، أو الميل الذى تكحل به العين. قال: (فيكون الناس على قدر أعمالهم من العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما) وأشار رسول الله ﷺ إلى فيه. وقد أخبر الله تعالى- بأن هذا اليوم كألف سنة، وفى آية أخرى كخمسين ألف سنة، ولا تنافى فى ذلك فكل يرى هذا اليوم بحسب عمله حتى المؤمن يرى أنه أخف من صلاة مكتوبة. كما ورد أن سبعة أصناف من المؤمنين لا يشعرون بأهوال هذا اليوم، لأن الله تعالى يظلهم فى ظله يوم لا ظل إلا ظله. وأما أنواع الحشر فهى أربعة قال اللقانى فى شرح جوهرة التوحيد وأنواع الحشر أربعة: اثنان فى الدنيا: أحدهما: إجلاؤه ﵇ اليهود، وثانيهما: سوق النار الناس قرب قيام الساعة إلى المحشر. واثنان فى الآخرة: أحدهما: جمعهم إلى الموقف بعد إحيائهم والثانى: صرفهم من الموقف إلى الجنة أوالنار. والحشر من الأمور السمعية التى يجب الإيمان بها: لأنه ثبت بالكتاب، والسنة، والإجماع. أ. د/ أحمد المهدى

стр. 233

٣١ - الحقوق لغة: يقال حقَّ الأمر: صحَّ وثبت، قال تعالى ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾ (يس ٧٠)، والحق خلاف الباطل، والحق: اسم من أسماء الله تعالى، والحق: الثابت بلا شك. والحق: النصيب الواجب للفرد والجماعة وحقوق الله ما يجب علينا له، وحقوق الدار: مرافقه كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: الثابت الذى لا يسوغ إنكاره. (٢) وهو قسمان: حقوق الله، وحقوق العباد. وحقوق الله: ما لا مدخل فيها للصلح، كالحدود والزكوات والكفارات وغيرها. وحقوق العباد: هى التى تقبل الصلح والإسقاط والمعارضة عليها (٣). والحق عند علماء أصول الفقه يعنى: (أ) أن الحق هو الحكم وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. (ب) الحق هو الفعل، فحق الله تعالى هو أمره ونهيه الذى هو عين العبادة (٤)، والحق عند العلماء ما يستحقه الرجل (٥). ومصدر الحق هو الله تعالى لتنظيم حياة الخلق حتى يكونوا سعداء فى الدنيا والآخرة فما أثبتته الشريعة حقا فهو حق، وما لم تثبته فليس بحق قال تعالى ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (يوسف ٤٠) وتنقسم الحقوق باعتبار عموم النفع وخصوصه إلى: الأول: حقوق الله الخالصة وهى ما يتعلق به النفع العام للعالم فلا يختص به أحد وهى أنواع منها: ١ - عبادة خالصة مثل الصلاة، وصوم رمضان. ٢ - عبادة فيها معنى المئونة مثل صدقة الفطر. ٣ - مئونة فيها معنى العبادة مثل زكاة الزروع. ٤ - مئونة فيها معنى العقوبة مثل الخراج على الأرض الزراعية. ٥ - حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة، وهى الكفارات مثل كفارة الظهار، وكفارة الحنث فى اليمين. ٦ - عقوبة خالصة، وهى الحدود مثل حد السرقة. ٧ - عقوبة قاصرة، وهى حرمان القاتل من الإرث، وإنما كانت قاصرة، لأنه لم يلحق القاتل ألم فى بدنه، ولا نقصان فى ماله. الثانى: حق العبد الخالص، وهو ما كان نفعه مختصا بشخص معين، مثل حقوق الأشخاص المالية. الثالث: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد ولكن حق الله غالب. مثل: حد القذف بعد تبليغ المقذوف وثبوت الحد على القاذف، فللعبد الحق فى حد القذف لأنه المقذوف بالزنى فقد اتهم فى عرضه ودينه. وهو حق لله لأن القذف بالزنى مساس بالأعراض علنا مما يؤدى إلى شيوع الفاحشة. وغلب حق الله لكى يتحتم إقامة الحد على القاذف: لاعتدائه على المقذوف، ولكى يمنع المقذوف من التنازل أو الصلح. الرابع: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد ولكن حق العبد غالب. مثل القصاص من القاتل عمدا وعدوانا فلله فيه حق لأنه اعتداء على المجتمع واعتداء على عبده الذى حرم دمه إلا بحق، وللعبد فى القصاص حق، وغلب حق العبد، لأن ولى المقتول يملك رفع القصاص أو عدم رفعه. وقد قسم ابن رجب حقوق العباد إلى خمسة أقسام هى: (أ) حق الملك (ب) حق التملك كحق الوالد فى مال ولده، وحق الشفيع فى الشفعة. (جـ) حق الانتفاع كوضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يضره. (د) حق الاختصاص مثل مراجعة الأسواق والجلوس فى المساجد. (هـ) حق التعلق لاسيتفاء الحق مثل تعلق حق المرتهن بالرهن (٦). والأصل أن حقوق الله سواء كانت عبادات كالصلاة، أم كانت عقوبات كالحدود، أم كانت مترددة بين العقوبة والعبادة كالكفارات، أم غير ذلك من الحقوق التى تثبت للعبد بصفة ذاتية بمقتضى الشريعة، كحق الأبوة والأمومة، وحق الابن فى الأبوة والنسب. لا تقبل الإسقاط من أحد من العباد، لأنه لا يملك الحق فى ذلك (٧) ومن حاول إسقاط حق من حقوق الله تعالى يقاتل كما فعل أبو بكر y بمانعى الزكاة (٨). وحق العباد بالنسبة للإسقاط وعدمه يشمل الأعيان والمنافع والديون والحقوق المطلقة، وهى التى ليست عينا أو دينا ولا منفعة (٩). والأصل أن كل صاحب حق لا يمنع من إسقاط حقه إذا كان جائز التصرف. والعين ما تحتمل التعيين مطلقا كالعروض من الثياب والعقار والموزون، ومالك العين يجوز له التصرف بالنقل على الوجه المشروع من بيع وغيره، والعين على الجملة لا تقبل الإسقاط، أما على التفصيل فيجوز فى بعضها الإسقاط كالعتق إسقاط لملك الرقبة. والدين والمنافع يجوز إسقاطها والاعتياض عنها بالاتفاق. (هيئة التحرير)

стр. 234

٣٢ - حقوق الإنسان لغة: الحقّ نقيض الباطل، جمعه حقُوق وحقاقٌ وحَقَّ الأمر يَحِقُّ حقا وحقوقا: صار حقا وثبت. وأحقه: كان منه على يقين (كما فى اللسان) (١) وقد وردت فى القرآن مادة (ح. ق. ق) فى مائتين وثلاثة وثمانين موضعا بدءا من سورة البقرة فى قوله تعالى ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾ (آية ٢٦) وانتهاء بسورة العصر فى قوله جل وعلا: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (آية ٣) وقد جاءت فى صور الكلمات الآتية (حق- حقت- بحق- استحق- بالإفراد والتثنية" الحق- حقا- حقه- حق- حقيق). وفى السنة النبوية جاءت فى مائة وثمانية وخمسين حديثا (٢). واصطلاحا: يقصد بها حفظ الضروريات الخمس للإنسان وهى: النفس والعقل والدين والمال والنسل. فحقوق الإنسان فى الإسلام أشمل وأعمق من حقوق الإنسان فى الوثائق الوضعية لأن مصدرها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فالإسلام تناول الحق وقرره، وساوى فيه بين الناس، مما أعلى من قيمهم الإنسانية: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ (الحجرات ١٣) وجاء فى خطبة الرسول ﷺ فى حجة الوداع: " أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد فكلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربى فضل على أعجمى إلا بالتقوى ". إن إقرار حقوق الإنسان بمفهومها الإسلامى وأهمها حقه فى الحرية والمساواة تعد مدخلا لإقامة المجتمع الصالح وبما أن الأسرة نواة المجتمع نجد الإسلام يحوطها بحمايته ويهيئ لها كل أسباب الاستقرار والتقدم. أما بالنسبة للمجتمع ككل فالسلطة فيه تعد أمانة فى عنق الحاكم، وتقرر فيه السياسات التى تنظم شئونه طبقا لمبدأ الشورى وتتوافر فيه الفرص المتكافئة للجميع، حتى يتحمل كل فرد فيه مسئولياته بحسب قدرته وكفاءته. وبهذا قضى الإسلام على الطائفية وأساليب التفرقة بين الطبقات وجعل المساواة حقا مقررا فى الإسلام: ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ (فصلت ٤٦). وفى الحدود يعلن النبى ﷺ عن ربه: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف ٤٩) ومن أجل ذلك يقول لمن تشفع عنده فى حد من حدود الله: (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها). وأقر الإسلام حق الملكية للأفراد ومنع الاعتداء عليها حيث نسب المال إلى أصحابه: ﴿واعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (الأنفال ٢٨) فقال تعالى: أموالكم فنسب المال إلى أصحابه. وتستمد حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية من أربعة مصادر: أولا: القرآن الكريم وهو الأصل الذى تتفرع منه كل المصادر وقد وضع المبادئ التالية: ١ - الدعوة إلى حياة إنسانية فاضلة من غير تمايز. ٢ - الأمر بالمعروف الذى عرفته الشريعة الإسلامية. ٣ - حماية حقوق الإنسان الأساسية من عدم الإكراه فى الدين وحرمة دمه وحق كل إنسان فى العمل وملك ثمراته وضمان حريته الشخصية وحصانة بيته وصيانة ماله وضمان العدالة فى الحكم. ثانيا: السنة النبوية المشرفة وهى فى جملتها تابعة للقرآن الكريم تفصل ما أجمله. ثالثا: الإجماع وقد اعترف القرآن والسنة بالإجماع كأصل ثالث من أصول الشريعة. رابعا: الاجتهاد: ويقصد به الرأى الذى يصدر عن علماء الشريعة فى كل زمان ومكان. وبهذا فقد قرر الإسلام للإنسان قوانين لم تبلغ إليها القوانين الحديثة لصون كرامة الإنسان وحقوقه (٣)، وفى العصر الحديث نادت أصوات غربية تندد بالظلم وتنادى بالمساواة وإقامة العدل بين الناس مما شجع على ظهور حركة تحرير العبيد، والتمرد على الاستبداد بكل أشكاله، وتجلى ذلك فى تلك الوثيقة التى وضعت، وبدأت الدول تعمل على تقريرها وحمايتها منذ عام ١٢١٥م عندما أعلنت الوثيقة الإنجليزية تمرد البارونات على عهد الملك جون. أما فى فرنسا فقد صدر إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام ٧٨٩ ١م وقد ألحق بدستور سنة ٧٩١ ١م الذى نص على (أن الناس خلقوا أحرارا ومتساوين فى الحقوق وأن هدف كل دولة هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية التى لا تقبل السقوط (٤). وإذا نظرنا إلى إعلان حقوق الإنسان بعد الثورة الفرنسية سنة ٧٨٩ ١م والإعلان العالمى لحقوق الإنسان سنة ١٩٤٨ م ومبادئ القانون الدولى العام والأعراف الدولية، تجدها جميعا تتباهى بما تنطوى عليه من ذكر لحقوق الإنسان، على الرغم من أن التمييز مازال قائما بين الأفراد فى البلد الواحد وبين الدول بعضها البعض وحسبنا فى ذلك أن هذه المصادر والقوانين من صنع البشر حيث تختلف لديهم معايير المساواة فى الحقوق والواجبات كما تختلف معايير الحرية التى يتمتع بها الإنسان. رغم كون الإعلان ترديدا عاديا لبعض الوصايا النبيلة التى تلقاها المسلمون عن الرسول الكريم (٥). (هيئة التحرير)

стр. 235

٣٣ - حقوق المرأة فى الإسلام يكتسب موضوع حقوق المرأة فى الإسلام حيوية متزايدة، بما يثيره من جدل حول الحقوق وممارستها، وما يتصل بذلك من أسانيد وتأويلات، فضلا عن مساحات تتداخل فى الموضوع من عادات وتقاليد متوارثة فى وقت تتسارع فيه خطى التغيرات وطبيعة التحديات. ونبادر إلى القول إلى أن الفهم الشامل والواعى لحقوق المرأة فى إطار أهداف الشريعة الكلية يمثل التزاما دينيا وأخلاقيا وإنسانيا أمام المسلمين. ولقد حسمت الشريعة الغراء قبل غيرها المساواة فى الإنسانية دون تمييز بين البشر جميعا أو بين رجل وامرأة ﴿ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكروأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ الحجرات:١٣. وكفلت الشريعة للمرأة حقوقها المدنية والمشاركة فى الحياة العامة كعنصر فعال فى المجتمع الإنسانى، وقضى الإسلام على ما ساد المجتمعات الانسانية قبله من تفرقة بين الرجل، والمرأة أمام القانون أو فى الحقوق العامة أو فى القيمة، قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بنى آدم﴾ الإسراء:٧٠. وقال: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكرأوأنثى بعضكم من بعض﴾ آل عمران:١٩٥. وقال: ﴿للرجال نصيبا مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن﴾ النساء:٣٢. وسمح الإسلام للمراة بدور فعال فى المجتمع والحياة العامة، ودعاها للعلم والمعرفة، وهى تتمتع -كالرجل- بحقوقها المدنية ومن بينها العمل والاتجار وتولى الوظائف، كما اعترف بحقوقها السياسية فى قوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ التوبة:٧١. وجاءت أحوالها الشخصية -من أسرة وزواج وطلاق ورعاية طفل ومسئولياتها- راسخة الصلة بالمنظور الإسلامى للأسرة والمجتمع وتوزيع الأدوار بين الرجل والمرأة، لما فيه صلاح المجتمع والأمة فى إطار المساواة فى القيمة والكرامة دون نظرة دونية، تتأسى على سوء الفهم أو البعد عن الممارسة السليمة. ولقد سبق الإسلام غيره فى كل ذلك من عدة قرون حيث تأسست النظرة الإسلامية على مبدأ مساواة المرأة بالرجل، ومراعاة الاختلاف بينهما فى القدرات الطبيعية كما خلقها الله (١). والتكامل بينهما لخدمة المجتمع، وهى نظرة عميقة أبعد ما تكون عن دعاوى التهميش. وللموضوع فضلا عن ذلك أبعاده فى الإطارين الإسلامى والدولى، ففى الاطار الإسلامى اتفقت الدول الإسلامية على إصدار ميثاق حقوق الانسان فى الاسلام، ومن بين ما يقرره أن الأسرة هى الأساس فى بناء المجتمع، والزواج أساس تكوينها .. كما تنص المادة السادسة فى الإعلان على أن المرأة مساوية للرجل فى الكرامة الإنسانية (١). ولها من الحق مثل ما عليها من الواجبات، ولها شخصيتها المدنية وذمتها المالية المستقلة، وحق الاحتفاظ باسمها ونسبها، وأن على الرجل عبء الأنفاق على الأسرة ومسئوليته ورعايتها .. كما تنص المادة الخامسة والعشرون على "أن الشريعة الإسلامية هى المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أى مادة من مواد هذه الوثيقة" (٢). وإذا تناولنا الاطار الدولى للموضوع فالشرعية الدولية لحقوق الإنسان بما فى ذلك حقوق المرأة تتضمنها ثلاثة وثائق رئيسية هى: ١ - الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ١٩٤٨. ٢ - العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ١٩٦٦. ٣ - والعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ١٩٦٦، والاتفاقيات المنبثقة عنها. وقد انعكست معالم واضحة فى الفكر الغربى (٣) فى هذه الإعلانات التى يستهدف حماية مجمل حقوق الانسان اللازمة لممارسة حياة آمنة، وهى أهداف سبقت إليها الشريعة الإسلامية وقررتها وحددتها، وتبقى الممارسة السليمة علامة هامة على طريق تحقيق هذه الأهداف. السفير/نبيل محمد بدر

стр. 236

٣٤ - الحقيقة المحمدية الحقيقة المحمدية اصطلاح ظهر متأخرا فى أدبيات التصوف الاسلامى، وهو يعنى أن النبى ﷺ مخلوق من نور، وأن حقيقته النورية هى أول الموجودات فى الخلق الروحانى، ومن نورها خلقت الدنيا والآخرة، فهى أصل الحياة، وسرها السارى فى كل الكائنات والموجودات الدنيوية والأخروية. وللحقيقة المحمدية أسماء أخرى عديدة، مثل: "حقيقة الحقائق" و"أول موجود فى الهباء" و"العقل الأول" و"التعين الأول" والقائلون بهذه النظرية يؤكدون على أن الأنبياء والرسل السابقين على محمد ﷺ هم فى حقيقة الأمر نوابه وورثته، وأن دورهم فى التاريخ إنما هو تجسيد للحقيقة المحمدية، أو الروح المحمدى قبل ظهور جسده الشريف. ومن الحقيقة المحمدية يستمد كل الأنبياء والأولياء والعارفين علومهم وأنوارهم الإلهية. وبهذا الاعتبار سمى محمد ﷺ بنور الأنوار وأبى الأرواح، وسيد العالم بأسره، وأول ظاهر فى الوجود. أما ظهور الجسد المحمدى فهو الصورة العنصربة لمعنى حقيقته النورية. والنبى ﷺ فى مفهوم هذه النظرية، هو الجد الأعلى للأنبياء والنبى الخاتم فى آن واحد. ويستند الصوفية فى نظريتهم هذه إلى ظواهر من نصوص القرآن والسنة النبوية ومأثورات السلف الصالح، مثل قوله تعالى: ﴿جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ المائدة:١٥، وقوله تعالى: ﴿وسراجا منيرا﴾ الأحزاب:٤٦، ومثل حديث ( ..... متى جعلت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد) (مسند الإمام أحمد ٤/ ٦٦. الترمذى، مناقب، ١)، وقول الإمام مالك، وهو يناظر أبا جعفر المنصور، ويأمرء باستقبال القبر الشريف فى دعائه: " .. إنه وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ". وللصوفية مروياته أخرى ردها علماء الحديث وأنكروها عليهم. أ. د/أحمد الطيب

стр. 237

٣٥ - الحكم التكليفي اصطلاحا: هو خطاب الله تعالى الذى يقتضى طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل أو تخييره بين الفعل والكف عنه (١). فمثال طلب الفعل: قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (البقرة ٤٣) ومثال طلب الكف قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ (الإسراء٣٣)، ومثال التخيير بين الفعل والكف قوله تعالى ﴿وإذا ضريتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (النساء١٠١) سبب تسميته حكما تكليفيا: أنه يتضمن التكليف بفعل أو ترك فعل أو التخيير بينهما. أقسام الحكم التكليفى: ينقسم الحكم التكليفى باعتبار ما اشتمل عليه من طلب أو تخيير إلى خمسة أقسام (الإيجاب- الندب- التحريم- الكراهة- الإباحة) وذلك أن طلب الفعل إما أن يكون جازما أو غير جازم فالأول الإيجاب والثانى الندب، وطلب الكف إما أن يكون جازما أو غير جازم، فالأول التحريم، والثانى الكراهة، وإن كان متعلقا على وجه التخيير فهو الإباحة فهذه أنواع خمسة. ١ - الإيجاب: هو خطاب الله الدال على طلب الفعل طلبا جازما مثل ﴿وآتوا الزكاة﴾ (البقرة ٤٣) ٢ - الندب: هو خطاب الله الدال على طلب الفعل طلبا غير جازم مثل ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ (النور ٣٣). ٣ - التحريم: هو خطاب الله الدال على طلب الكف عن الفعل طلبا جازما مثل ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ (الإسراء٣٢). ٤ - الكراهة: هى خطاب الله الدال على طلب الكف عن الفعل طلبا غير جازم مثل قوله ﷺ "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ". (٢) ٥ - - الإباحة: هى خطاب الله الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك (٣) مثل ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم﴾ (النور ٢٩) أ. د/ يحى أبو بكر ١ - المقصود بخطاب الله هنا. كلامه النفسى الأزلى سواء دل عليه كلامه اللفظى كالقرآن أو دل عليه السنة أو الإجماع أو القياس (أصول الفقه- أبو النور زهير ١/ ٣٨). ٢ - الحديث أخرجه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبى هريرة وأبى قتادة رضى الله عنهما (البيان والتعريف ١/ ٦٤). ٣ - انظر. أصول الفقه، لأبى النور زهير ١/ ٣٧ وما بعدها، طبعة المكتبة الأزهرية للتراث ١٩٩٢ م تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع، لبدر الدين الزركشى تحقيق: سيد عبد العزيز وعبد الله ربيع ١/ ١٦٠ مكتبة قرطبة، ط٣، القاهرة ١٩٩٩ م.

стр. 238

٣٦ - الحكم الوضعي اصطلاحا، هو خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشىء سببا لشىء أو شرطا له أو مانعا منه. (١) ووجه تسميته بالحكم الوضعى أن مقتضاه وضع أسباب لمسببات وربط من الشارع بين شرط ومشروط أو بين مانع وممنوع (٢) والفرق بين الحكم التكليفى والحكم الوضعى: ١ - أن الحكم التكليفى يتطلب فعل شىء أو تركه أو إباحة الفعل والترك للمكلف. أما الحكم الوضعى فلا يفيد شيئا من ذلك إذ لا يقصد به إلا بيان ما جعله الشارع سببا لوجود شىء أو شرطا له أو مانعا منه ليعرف المكلف متى يثبت الحكم الشرعى ومتى ينتفى فيكون على بينة من أمره. ٢ - إن المكلف به فى الحكم التكليفى أمر يستطيع المكلف فعله وتركه فهو داخل فى حدود قدرته واستطاعته لأن الغرض من التكليف امتثال المكلف ما كلف به. أما فى الحكم الوضعى فلا يشترط فى موضوعه أن يكون فى قدرة المكلف، ومن ثم كان منه المقدور للمكلف، ومنه الخارج عن قدرته ولكن مع هذا إذا وجد ترتب عليه أثره (٣) وينقسم الحكم الوضعى إلى ثلاثة أقسام: السبب والشرط والمانع، وهذه الثلاثة متفق على أنها من خطاب الوضع عند القائلين به وزاد الآمدى وغيره أربعة أنواع وهى- الصحة والبطلان والعزيمة والرخصة وزاد القرافى نوعين آخرين وهما التقديرات الشرعية والحجاج (٤). أولا: السبب: وهو عند جمهور الأصوليين: ما يوجد عنده الحكم لا به، سواء أكان مناسبا للحكم أم لم يكن كذلك. ويرى بعض الأصوليين أن السبب مقصور على ما إذا لم يكن مناسبا. أما إذا كان مناسبا للحكم فيسمى علة. ثانيا: الشرط وهو: ما يتوقف وجود الحكم على وجوده وجودا شرعيا بأن يوجد الشرط ويكون خارجا عن حقيقة المشروط ويلزم من عدمه عدم الحكم كالوضوء شرط فى صحة الصلاة فإنه إذا انتفى ولم يوجد تنتفى الصلاة وهو خارج عن حقيقة الصلاة لأنه ليس جزءا منها ومع هذا لا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة فقد يتوضأ ولا يصلى. ثالثا: المانع وهو فى اصطلاح الأصوليين: ما جعله الشارع حائلا دون تحقوا السبب أو الحكم، فيلزم من وجوده عدم السبب أو عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود أحدهما ولا عدمه. فمثال الوصف الذى جعله الشارع مانعا للحكم، الأبوة التى جعلها الشارع مانعة من جريان القصاص بين الولد وأبيه. ومثال الوصف الذى جعله الشارع مانعا من تحقق السبب، الدَّيْن الذى جعله الشارع مانعا من وجوب الزكاة (٥) أ. د/ يحيى أبو بكر

стр. 239

٣٧ - الحِلْف لغة: الحِلْف والحلف: القَسم، والحلف العهد يكون بين القوم واصطلاحا: هو المعاقدة والمعاهدة على التناصر والتساعد والاتفاق، وسمى حلفا لأنه لا يعقد إلا بالخلف؛ أى يؤكد بالأيمان. وكانت الأحلاف فى الجاهلية تعقد بين فرد وقبيلة أو فرد وفرد أو قبيلة وقبيلة، من ذلك: ١ - حلف المطيبين من قريش. ٢ - حلف الفضول، وقد شهده الرسول ﷺ بنفسه قبل البعثة وكان سنه إذ ذاك قريبا من عشرين عاما، وقد قال فيه بعد ذلك " لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت " (أخرجه البيهقى) (١). وقد تعاقد فيه المتحالفون وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته. وقد روى أن النبى ﷺ قال فى غزوة الفتح " لا حلف فى الإسلام وأيما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " (رواه البخارى) (٢) وقد اختلف العلماء فى تفسير ذلك فذهب جمهور الفقهاء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث من أن الأحلاف الجاهلية يستمر التناصر بها حتى بعد هذا الحديث لكن لا يكون إلا تناصرا على الحق والتعاون على الخير ولا تقتضى ميراثا لكون التوارث بها منسوخا. فى حين انفرد الحنفية بأن للحليف تزويج المرأة باعتباره وليًّا لها ولكن ترتيبه فى ذلك بعد العصبات وذوى الأرحام وقبل القاضى والسلطان. (هيئة التحرير)

стр. 240

٣٨ - حلف الفضول اصطلاحا: المعاهدة التى عقدت بين بنى هاشم وبنى المطلب وأسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة قبل بعثة النبى ﷺ بنحو عشرين سنة. وسبب تسميتها بهذا الاسم أن ثلاثة من قبيلة جرهم هم الفضل بن فضالة والفضل بن وداعة والفضل بن الحارث قد عقدوا قديما نظيرا لهذه المعاهدة، فلما أشبه فعل القريشيين فعل هؤلاء الجرهميين الأول المسمون جميعا بالفضل سمى الحلف: حلف الفضول. وسبب قيام هذا الحلف أن رجلا من زبيد باليمن قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمى، ثم رفض أن يؤديه ثمنها، فطلب الزبيدى من الأحلاف أن يعينوه على اقتضاء حقه فأبوا وانتهروه بسبب قدر ومكانة العاص فى قومه. فصعد هذا الرجل إلى أعلى جبل فى مكة وقريش فى أنديتهم حول الكعبة، وصاح بأعلى صوته مرددا شعرا يطلب فيه من آل فهر أن يحموه من الظلم. وكانت النتيجة أن قام الزبير بن عبد المطلب يلبى نداءه واجتمعت هاشم وزهرة وتيم فى بيت عبد الله بن جدعان بمكة وتحالفوا متعاهدين ليكونن يدا واحدة مع المظلوم حتى يؤدى له حقه، ومشوا إلى العاص، وانتزعوا سلعة الزبيدى منه، ودفعوها إليه. وقد قال رسول الله ﷺ عن هذا الحلف: (لقد شهدت فى دارعبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو دعيت إليه فى الإسلام لأجبت). أ. د/عبد الله جمال الدين

стр. 241

٣٩ - الحُلْم الحُلْم: الرؤيا، والجمع: أحلام يقال: حلم يحلم: إذا رأى فى نومه رؤيا، والحلم: ما يراه النائم فى نومه من الأشياء، ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشئ الحسن، وغلب الحلم على ما يراهن من الشر والقبح، ومنه قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ يوسف:٤٤، فى حديث: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) رواه البخارى، وفى الاستعمال: يعبر كل منهما عن الآخر. بدأ الانسان حياته على الأرض وهو يحلم، وما زال يحلم حتى الآن. وفى سجل الحضارات بيان لأهمية الأحلام فى حياة الإنسان، وخاصة احلام ملوكهم من حيث إنها منذرة أو مبشرة بأحداث قادمة، مما الجأ الملوك إلى البحث عن مفسرين لأحلامهم عرفوا باسم: (رجال المعرفة فى مكتبة السحر) وقد اكتشفت إحدى اللوحات أمام غرفة فى أحد المعابد مكتوب عليها: (إنى أفسر الأحلام ولدى إذن من الآلهة بأن أقوم بذلك). ساد الاعتقاد فى المجتمعات القديمة بأن الذى يحدث فى النوم هو أن الروح تترك الجسد وتهيم فى مكان آخر، أو أنها تواجه الآلهة. ويرى أفلاطون أن الأحلام تمثل تحرر الروح من قيود الجسد، لتعبرعن مكامن خفية فى حياتنا والتى لا تعيها فى أنفسنا، إذ يقول: "فالنوم .... ، فإن الوحش الهائج فى داخلنا، والذى أشبع اللحم والشراب، فإنه ينتصب، وينفض عنه النوم، ويسعى فى طلب ذلك الذى يرضى غرائزه … " وبهذا القول يتضح أن أفلاطون رأى فى الأحلام تعبيرا عن قوى وحاجات غريزية تكمن فى الفرد ذاته، ولا تأتى إليه من خارجه، مخالفا بذلك ما قالت به النظرية التاريخية من أن الأحلام هى رسائل يستلمها الحالم، وبدون فعل آخر منه يتجاوز هذا الاستلام. وهذا ما ذهب إليه "فرويد" فى العصر الحديث من أن الأحلام تعبر عن مكنونات خفية عن الوعى، أو أنها فى معظمها تعود إلى ذكريات بعيدة فى الطفولة أو الحداثة. وقد عارضه بعض الباحثين مثل: "ازرنسكى"، و "كلايتمان" اللذين كانت أبحاثهما بداية اكتشاف للمنظور العلمى الحديث للأحلام، الذى يربط بين ظاهرة الأحلام ونشاطات بيولوجية وفسيولوجية واسعة فى الدماغ والجسم. وبهذا يتبين أن المنظور السيكولوجى الذى طوره "فرويد" ليس بالمنظور الوحيد -أو حتى الصحيح- فى مجمله فى تفسيرظاهرة الأحلام. اعتقد العرب أن الأحلام هى من فعل القوى الخارقة والتى شملت الآلهة، كما شملت الشياطين والأرواح الشريرة، فاهتموا بها وأقبلوا على تفسيرها، وعمق هذا الاهتمام لديهم ما ورد فى القرآن الكريم عن الرؤى والأحلام، فقد جاء الحديث عن الرؤيا فى أربع سور: (يوسف، والإسراء، والصافات، والفتح). ففى سورة يوسف: ١ - إخبار يوسف لأبيه بأنه رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. ٢ - سؤال صاحبى السجن عن تفسير ما رأياه فى منامهما بأن أحدهما رأى أنه يعصر خمرا، والآخر يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، ففسر لهما هذه الرؤيا بقوله: ﴿ياصاحبى السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ يوسف:٤١. ٣ - سؤال الملك ليوسف عن تفسير ما رآه فى منامه، من أن سبع بقرات سمان يأكلن سبع عجاف، وكان الجواب: ﴿ … تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا مما تأكلون. ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون. ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾ يوسف:٤٧ - ٤٩. وقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس … ﴾ الإسراء:٦٠، فقد روى الرازى فى تفسيره للرؤيا فى هذه الآية أربعة أقوال: أن الرسول ﷺ رأى فى منامه: ١ - دخوله مع المسلمين مكه. ٢ - مصارع كفار قريش فى غروة. ٣ - ارتقاء بنى أمية منبره. ٤ - ما أراه الله فى ليلة الإسراء على اعتبار أنه لا فرق بين الرؤية والرؤيا فى اللغة. وفى قوله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين﴾ الصافات:١٠٥، خطابا لإبراهيم حين أطاع الله، فهم بتنفيذ ما أراه الله فى منامه: ﴿فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى … ﴾ الصافات:١٠٢. وفى قوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ الفتح:٢٧، فهذه الآية تخبر بأن الله كان قد أرى محمد ﷺ فى منامه أنهم سيدخلون مكة. أما الحلم، فلم يرد فى القرآن الكريم -فى مجال التعبير عما يراه المرء فى منامه إلا بصيغة الجمع وصفا لما يراه المرء فى نومه من الشر والقبح، ﴿قالوا أضغاث أحلام … ﴾ يوسف:٤٤، فالضغت من الخبروالأمر: ما كان مختلطا لا حقيقة له، ومنه قيل للأحلام الملتبسة: أضغاث، ومنه قول رسول الله ﷺ (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان). تعتبر رؤيا الأنبياء بمثابة الوحى إليهم، فقد أخبرنا القرآن الكريم عما رآه إبراهيم فى منامه بأن يذبح ولده، فهم بذبحه لأنه اعتبر هذه الرؤيا وحيا من الله واجب التنفيذ، كما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (رؤيا الأنبياء وحى) (رواه البخارى). وعنه أيضا: (الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة). (رواه البخارى). اهتم الباحثون فى المجتمع الإسلامى بالرؤيا، واشتهر منهم محمد بن سيرين (المتوفى ١٠٨هـ-٧٢٨ م) الذى ألف عددا من الكتب فى تفسير الأحلام والرؤى، وكثر المعبرون للرؤى بعد ابن سيرين، تحدث عنهم عبد الغنى بن اسماعيل، الملقب بابن النابلسى فى كتابه: (طبقات المعبرين) الذى تضمن الإشارة إلى أكثر من سبعة آلاف مفسر للأحلام. الحلم، والاحتلام: الجماع ونحوه فى النوم، الاسم: الحلم، ففى القرآن الكريم: ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ النور:٥٨، أى لم يصلوا من الصبيان إلى حد البلوغ. وفى الحديث أن النبى ﷺ أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا، يعنى الجزية. قال أبو الهيثم: أراد بالحالم كل من بلغ الحلم، وجرى عليه حكم الرجال، احتلم أم لم يحتلم. الحلم بكسر الحاء: الأناة والعقل، وجمعه: أحلام، فى القرآن الكريم: ﴿أم تأمرمم أحلامهم بهذا﴾ الطور:٣٢. أى تأمرهم عقولهم بما كانوا يقولون؟ وفى حديث رسول الله ﷺ في صلاة الجماعة: (ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى) رواه ابن ماجه، أى ذوو الألباب والعقول. والحليم فى صفة الله معناه: الصبور، أى أنه الذى لا يستخفه عصيان العصاة، ولا يستفزه الغضب عليهم. أ. د/محمد شامة

стр. 242

٤٠ - الحماسة اصطلاحا: هى كتب فى المختارات الأدبية أدى إلى ظهورها الاتجاه إلى ترتيب الأشعار وفق الموضوعات والمعانى فظهرت كتب المعانى وأيضا كتب الحماسة. وهذا التطور لمختارا ت أبى تمام المشهورة (المتوفى ٢٣١ هـ/٨٤٦ م) وأول الأبواب العشرة لهذا الكتاب مخصص لأشعار فى الحماسة، ومن ثم فهو باب الحماسة، وربما أصبح عنوان هذا الباب فى حياة أبى تمام دالا أيضا على العمل كله. وقد أطلقوا على "كتاب الوحشيات "، وهو المجموعة الثانية التى اختارها أبو تمام، اسم "الحماسة الصغرى"، قياسا على الحماسة الكبرى (ديوان الحماسة)، وقد سميت كتب مماثلة فى المختارات الأدبية بنفس العنوان فيما بعد، وقد ظل هذا العنوان مستخدما أيضا فى وقت لم تعد موضوعات المختارات تشبه حماسة أبى تمام شبها يذكر، ولم يعد الباب الأول أو أحد الأبواب التالية يحمل هذا العنوان. حماسا ت أبى تمام: هناك خبر مقتبس متداول أن أبا تمام ألف كتبه الخمسة فى المختارات الأدبية، ومن بينها الحماسة، وكتاب الوحشيات، أثناء قضائه الشتاء فى همذان، حيث استطاع الإفادة من مكتبة أبى الوفاء بن مسلمة وإذا نظرنا فى الرأى القائل بأن أبا تمام أول من اعد كتبا فى المختارات الأدبية المصنفة، جمعها من مجموعات شعرية غير مصنفة، وأنه بادر إلى عمل خمسة مختارات شعرية فى وقت قصير، لرأينا أن هذا الخبر يبدو بعيد الاحتمال إلى أقصى درجة. إنا نجد اعتراض كلا ينفرانكه على حق فلقد بحث الحماسة، ووجد أنه من الصعب ظهور كل هذه الأعمال أثناء إقامة أبى تمام فى فصل الشتاء فى همذان، وإنا نفكر من الجانب الآخر فى أن أبا تمام قد استطاع أن يعتمد على كتب المختارات الموجودة لديه، والمصنفة موضوعيا، فقد يسرت له العمل، وعجلت به، ويبدو أن أدباء العرب كانوا يعرفون مصادر أبى تمام فثمة إشارة عند النمرى (المتوفى ٣٨٨ هـ/ ٩٩٨ م). وهو أحد شراح الحماسة القدامى، فقد كان يرجع بين الحين والحين إلى "كتاب المعانى) لأحمد بن حاتم البهلى (ولد ٦٠ ١هـ/٧٧٧ م وتوفى ٢٣١ هـ/٤٦ ٨م). لم يقتصر أبو تمام فى مختاراته على شعر الجاهليين والإسلاميين فقد قبل أيضا شعرا للعباسيين. عناوين أبواب ديوان الحماسة: باب الحماسة- المراثى- الأدب- النسيب (التشبيب) - الهجاء- الأضياف والمديح- الصفات- السير والنعاس- الملح- مذمة النساء. أ. د/ محمد سلام

стр. 243

٤١ - الحماية لغة: حَمى الشىء حَمْيًا وحمى وحماية ومحمية: منعه ودفع عنه، واحْتَمى وتحَمَّى امتنع، والحامية: الرجل يحمى أصحابه فى الحرب، وهم أيضا الجماعة يحمون أنفسهم، وفلان على حامية القوم أى آخر من يحميهم فى انهزامهم، وأحمى المكان جعله حمى لا يُقرب ٠ (١) واصطلاحا: تأمين المقومات الضرورية لحياة الإنسان وهى الضرورات الخمس: الدين- النفس- العقل- المرض- المال (٢). ولقد تكفل الإسلام بحماية هذه الحرمات ووضع ما يكفل لها الوجود، وقد التقت كلمة الأديان السماوية على تقديس هذه الحرمات وربما شاركتها فى ذلك القوانين الوضعية على تفاوت يظهر فى تقديم بعضها على بعض، وفى التحلل أيضا من بعضها. وهذه الضرورات أو المقومات الضرورية لوجود المسلم وحياته حياة ترضى له بحسب ما ينبغى أن تكون يأتى ترتيبها من حيث قيمتها وأهميتها بالمقاييس الإسلامية الخالصة. فيأتى الدين أول هذه الضرورات الواجبة الحماية لأن دين المسلم أعز عليه وأقدس من كل ماعداه، وهو بالنسبة لمجتمع المسلمين الوطن الحقيقى. فقد وضع الله (الدين) فى كفة وما عداه من مقدسات الحياة كلها فى كفة قال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره﴾ (التوبة ٢٤). فالعدوان على الدين بالنسبة لشخص المؤمن به: فتنة أو إكراه أكبر من العدوان على ذات نفسه. ثم تأتى النفس وهى مقدمة بعد الدين على سائر ما يحرص الإنسان على حمايته، قال تعالى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ (عبس ٣٤ - ٣٧) ألا وهى النفس التى شغلته عن هؤلاء جميعا. ثم العقل، لأن به تتقوم إنسانية الإنسان وأهليته لما خلق له من مكانة فى ملكوت الله، ورسالة تفرد بها بين مخلوقات الله قال تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾ (الأحزاب ٧٢) وسقوط التكليف عن المجنون قاطع بأن العقل هو مناط التكليف وبه يكون الإنسان إنسانا. ثم يأتى أخيرا المال لأنه قوام الحياة فى بعدها المادى القائم على إشباع حاجات الجسد أولا وإن تسامى به الإسلام فجمله مع ذلك أداة من أدوات تطهير الروح وتزكية النفس. فبدأ النظر الإسلامى من أعلى ليبدأ بالدين ولينتهى بالمال. كيف يحمى الإسلام هذه المقومات؟ لقد أقر الإسلام حدودا يحمى بها هذه المقومات الضرورية لحياة الإنسان وقابلها بحدود بحسبها: فإزاء حرمة الدين كان حد الردة وإزاء حرمة النفس: كان حد القتل أو القصاص. وإزاء حرمة العقل: كان حد الخمر. وإزاء حرمة العرض: كان حد الزنا وحد القذف وإزاء حرمة المال: كان حد السرقة. أما الحرابة فهى حد انتهاك لحرمات المجتمع كلها. ضرورة الحماية وأثرها: إذا أمن الفرد على دينه ونفسه، وسلم له عقله وعرضه، وحفظ له ماله فقد جمعت أطراف الأمن كلها. وإذا أمن المجتمع من الخارجين عليه ممن يسمون فى عصرنا " المخلين بالأمن العام " فقد تهيأ مناخ صالح يتنفس فيه الأفراد حرياتهم، وينعمون بالطمأنينة والأمان، فتنطلق الطاقات فى ميدان العمل المنتج، وقد وقفت وراءها دوافع قوية منشؤها توافر مقومات الحياة التى وضع الإسلام نظاما لحمايتها وصيانتها والحفاظ عليها. فحينما قال الله تعالى ﴿فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه﴾ (الملك ١٥) فقد أرسى سبحانه قواعد تأمين وحماية حركة الإنسان على الأرض وإشاعة جوِّ من الأمن والطمأنينة بحيث ينطلق الناس متحررين من المخاوف ممثلة فى الحدود. ولقد كان من أول ما امتن الله به على من دعاهم لدينه، أن أطعمهم من بعد جوع وآمنهم من بعد خوف ﴿فليعبدوا رب هذا البيت، الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ (قريش ٣ - ٤) (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب مادة (حمى) ج ١٤/ ١٩٨ ط بيروت دار صادر. ٢ - أثر إقامة الحدود فى استقرار المجتمع د/ محمد حسين الذهبى ص ٢٧ - ٢٨ ط وهبة القاهرة ١٩٨٦ م.

стр. 244

٤٢ - الحمدانيون الحمدانيون دولة من أمراء العرب ملكت الموصل والجزيرة والشام فى زمن الخلافة العباسية. وهم ينتسبون إلى حمدان بن حمدون بن الحارث، وتعود أصولهم إلى قبيلة تغلب التى كانت مسيحية الديانة. وأمير هذا البطن فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى هو حمدان بن حمدون، وقد استطاع حمدان إبان فترة اضمحلال الخلفاء العباسيين أن يستقل بقبيلته فى منطقة قريبة من الموصل سنة ٢٦٠ هـ. ومن أبناء حمدان الحسين بن حمدان، الذى أصبح قائدا من قادة الخليفة البارزين، وقد اشتهر بحروبه التى قادها ضد القرامطة، وقد ناصر عبد الله بن المعتز، الذى بويع بالخلافة لمدة يومين عام ٢٩٦ هـ، فكرهه المقتدر، وعزله من مناصبه، ثم عفا عنه، وولاه " قم قاشان " ثم عاد واختلف معه، وسجنه ومات فى السجن عام ٣٠٦ هـ، ثم خلفه على ديار ربيعة أخوه إبراهيم عام ٣٠٧ هـ وتوفى عام ٣٠٨ هـ، ثم أخوه داود حتى عام ٣٠٩ هـ. وأما سعيد بن حمدان فقد تولى أمر الموصل ونهاوند. وفى سنة ٢٩٢ هـ عين أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان حاكما للموصل وما حولها، وقد أتاح هذا الوضع الفرصة للحمدانيين؛ ليقوى جاههم وتبنى قوتهم. وقد انتهى أمر أولاد حمدان كلهم قبل نهاية عام ٣٢٢ هـ، غير أن عبد الله بن الهيجاء، قد أناب عنه فى الموصل ابنه الحسن ناصر الدولة، فاستطاع أن يحتفظ بها منذ أن تولى أمرها عام ٣٠٨ هـ حتى توفى عام ٣٥٨ هـ باستثناء مدة قصيرة عام ٣١٧ - ٣١٩ هـ بسط عماه سعيد ونصر نفوذهما عليها بأمر المقتدر. وكان هؤلاء الملوك رافضة. وفى عام ٣٢٣ هـ قتل ناصر الدولة الحسن بن عبد الله عمه سعيدا أبا العلاء والد أبى فراس، عندما أراد أن ينتزع منه الموصل. وكان ناصر الدولة وأخوه سيف الدولة على بن عبد الله بجانب الخليفة حتى جاء البويهيون، فوقعوا فى صدام معهم، ثم تصالحوا، لكن عادوا فاختلفوا، كما حاربوا البريديين الذين كانوا فى الأهواز، ودخلوا مدينة واسط. وقد استولى ناصر الدولة على قنسرين عام ٣٣٢ هـ من الأخشيد، وأعطى إمرتها لابن عمه الحسين بن سعيد الحمدانى، كما استولى سيف الدولة الحمدانى على حلب عام ٣٣٣ ص وتولى أمرها. وقد تقاتل ناصر الدولة الحمدانى أمير الموصل مع القائد تكين التركى، وتمكن ناصر الدولة من تكين، واستقر له الأمر بالموصل والجزيرة عام ٣٣٥ هـ. وفى عام ٣٣٦ هـ حدث خلاف شديد بين معز الدولة البويهى وناصر الدولة الحمدانى، ودارت بينهما حروب ومناوشات، وفى عام ٣٤٥ هـ تدخل سيف الدولة الحمدانى للصلح بينهما، وتعهد سيف الدولة بأن يحمل ناصر الدولة إلى دار الخلافة فى بغداد فى كل عام مليونين وتسعمائة درهم، كما تعهد سيف الدولة أن يؤدى ما على أخيه من أموال. وعقد ناصر الدولة لابنه أبى تغلب ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة مقابل مال مقرر، وذلك عام ٣٥٣ هـ، ثم اختلف ناصر الدولة مع ابنه أبى تغلب، فسجن الولد أباه، وظل فى السجن حتى مات فى عام ٣٥٨ هـ. وأما الحمدانيون فى حلب فقد كان أميرهم سيف الدولة فى صراع دائم مع الروم بصفته كان أمير الثغور، أو أن الثغور قد آلت إمرتها إليه لا بصفته مجاهدا أو بطلا مغوارا، إذ لم يكن كذلك كما تصفه كتب الأدب من خلال مدح المتنبى له؛ حيث كان يطمع من ورائه الحصول على إمارة، فمديحه قول شاعر صاحب غاية. وقد دخل سيف الدولة بجيش كثيف بلاد الروم غير أنه هزم، وأخذ الروم كل ما بأيدى هذا الجيش الحمدانى، وفى عام ٣٣٩ هـ عاد سيف الدولة فدخل بلاد الروم بجيش عظيم، فانتصر وأخذ عددا كبيرا من الروم أسارى، غير أن الروم قد قطعوا عليه الطريق أثناء العودة فهزموه وأخذوا ما معه من الأسرى، ونجا سيف الدولة بنفر يسير، وعاد سيف الدولة إلى بلاد الروم عام ٣٤٢ هـ، وتمكن من إحراز النصر فى هذه المرة، وفى العام التالى أغار على زبطرة وملاطية، وهى ثغور إسلامية استولى عليها الروم، والتقى مع قسطنطين بن الدمشتق، فانتصر عليه، وقتل أعظم رجاله، ثم التقى بجيش الدمشتق عند "مرعش " وتغلب عليه، وأسر صهر الدمشتق وابن ابنته، وهذا ما شجعه فعاد إلى بلاد الروم عام ٣٤٥ هـ فأحرز انتصارا كبيرا وعاد إلى حلب غانما، وكانت هذه أعظم انتصارات سيف الدولة على الروم. وامتداد هذا الصراع بين سيف الدولة والبزنطيين كان بها هزائم وانتصارات للحمدانيين، ولكن المتنبى استطاع بشعره أن يجعل الهزيمة نصرا، وأن يسجل مواقف البطولة لممدوحه. وفى عام ٣٥٤ هـ ثار مروان أحد القرامطة فى مدينة حمص وامتلكها من سيف الدولة، فأرسل إليه سيف الدولة مولاه بدر، فالتقيا فى معركة أصيب فيها مروان بسهم مسموم فمات، وفى نفس الوقت أسر بدر فى هذه المعركة، وقتله أصحاب مروان. وفى عام ٣٥٥ هـ تمت المفاداة بين سيف الدولة والروم، وكان من بين أسرى الحمدانيين أبو فراس الحمدانى. وما أن توفى سيف الدولة عام ٣٥٦ هـ فخلفه ابنه سعد الدولة أبو المعالى، فاصطدم مع خاله أبى فراس فقتله عام ٣٥٧ هـ وبعد وفاة سيف الدولة الحمدانى بدأت دولة الحمدانيين فى الانحلال، وقد انقرضت دولة بنى حمدان سنة ٤٦٠ هـ. وقد ازدان بلاط سيف الدولة الحمدانى بنخبة ممتازة من رجال الأدب والفن لا تباريها إلا حلقات خلفاء بغداد فى أيام عزهم، فقد ضمت الفيلسوف الشهير والموسيقى البارع أبا نصر الفارابى، ومؤرخ الأدب العربى أبا الفرج الأصفهانى، والنحوى الشاعر ابن جنى وغيرهم. (هيئة التحرير)

стр. 245

٤٣ - الحمل اصطلاحا: هو إثبات محمول لموضوع أو نفيه عنه، وحمل الشىء على الشىء إلحاقه به فى حكمه، أو هو: نسبة أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا. فإذا حكمنا بشىء على شىء فقلنا مثلا: إن الإنسان حيوان. فالمحكوم به يقال له المحمول والمحكوم عليه يقال له الموضوع. والمحمول هو الطرف الذى يخبر عن الموضوع أو الذى يحكم به. وسلسلة المحمولات كما وضعها أرسطو وتأثر بها مناطقة الإسلام هى: التعريف، والخاصة والعرض، والجنس، والفصل وهى ما نسميه اليوم بالكليات الخمس. وكان يسميه أرسطو واضع علم المنطق بالمحمولات. والحمل نوعان: حمل بالمواطأة: وهو ما كان بلا واسطة، وحمل بالاشتقاق: وهو ما كان بواسطة. والحمل الشائع المتعارف هو أن يكون الموضوع من أفراد المحمول. وينقسم إلى حمل بالذات وإلى حمل بالعرض. والحملى هو المنسوب إلى الحمل ومنه القضية الحملية التى هى إحدى أنواع القضايا .. يقول عنها الفارابى إنها تكون واحدة إذا كان محمولها واحدا بالمعنى لا بالاسم، وموضوعها أيضا واحدا فى المعنى. وقد تكون كثيرة بأن تكون محمولاتها معانى كثيرة أو موضوعاتها معانى كثيرة. ويشير ابن سينا إلى أن القضية الحملية تتم بأمور ثلاثة، فإنها تتم بمعنى الموضوع ومعنى المحمول وبنسبة بينهما هى الرابطة. كما يطلق الحملى على قسم من القياس الاقترانى وعلى قسم من القضية مقابل القضية الشرطية وللقضية الحملية "سور" هو اللفظ الذى يدل على الكم فيها وسمى سورا لأنه يحصر القضية كما يحصر السور الحديقة. وأسوار القضية الحملية: السور الكلى فى حالة الإيجاب، والسور الكلى فى حالة السلب، السور الجزئى فى حالة الإيجاب، والسور الجزئى فى حالة السلب. أ. د/ منى أبو زيد

стр. 246

٤٤ - الحنابلة يقصد بالحنابلة من ينسبون إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل آخر الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة وهم: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعى، وأحمد بن حنبل. وهذه الطائفة أكثر ما يميزها التمسك بالمأثور من كتاب أو سنة، وقد ثار جدل عظيم حول مكانة الإمام أحمد بن حنبل الفقهية وإن كان الكل يشهد له بمكانته كأحد أبرز المحدثين، وقد أنكر ابن جرير الطبرى كون أحمد بن حنبل فقيها، وعده ابن قتيبة من المحدثين ولم يعده من الفقهاء، وكثيرون قالوا مثل هذه المقالة أو قريبا منها، ولكن النظرة الفاحصة لفقه أحمد بن حنبل وما أثر عنه تجعلنا نحكم بأنه كان فقيها غلب عليه الأثر ومنحاه. فقد كان فقهه آثارا، أو محاكاة صحيحة لآثار، أو مقاربة لها، فكان الفقه الأثرى فى حقيقته ومنحاه فى مظاهره. وقد عضد هذا الرأى الذى ذهب إلى أنه ليس فقيها أنه كان كثيرا ما ينهى أصحابه عن كتابة فتاويه، ويرى أنه الحديث فقط ولا شىء سواه، لكن على كل فقد استجاز كتابة هذه الفتاوى فى أخريات حياته، ومهما يكن فقد توارثت الأجيال ما وصلها من فقه أحمد واهتمت بدراسته وصار له جمهور كبير يترسمون خطاه. وأبرز ما يميز الفقه الحنبلى كثرة الأقوال والروايات فيه فى المسألة الواحدة وتضاربها، حتى أننا نعجب أشد العجب من هذا، مما أثار غبارا كثيفا حول نسبة الفقه الحنبلى إلى أحمد بن حنبل، لكن يرده أن انصراف أحمد كان فى الأساس للحديث وأن فتاويه كانت أقرب بما يكون للرواية منها للتفريع الفقهى، أما كثرة الروايات عنه فإنه مأثور عن كل الأئمة ويختلفون فيه قلة وكثرة، وقد كان دافعه فى هذا الإخلاص فى تحرى الحق لما يعترى الفتوى من ملابسات توجب تغييرها. ولهذه الكثرة فى الروايات والأقوال فى الفقه الحنبلى أسباب منها: تورع أحمد عن الفتوى وحرصه على قربها من المأثور مما جعل رأيه يتغير تبعا لكثرة الروايات عنده، وأنه كان أحيانا يترك المسائل على أكثر من قول تبعا لما أثر عنده من صنيع الصحابة، وأن أصحاب أحمد كانوا يأخذون آراءه من فتاويه وأفعاله وأجوبته ورواياته وهو مجال خصب للاستنباط، وقد وضع الحنابلة ضوابط للنظر فى فقهه ﵁ فهناك ضوابط عامة وضوابط خاصة لهذا. أما العامة: فإنها تتجلى فى الموازنة بين الأقوال بقوة السند، والترجيح بينها، والتوفيق إن أمكن، أو التعرف على الناسخ منها والمنسوخ وهكذا. والخاصة: تتجلى فى فهم عبارات أحمد ﵁ وتصنيفها حسب ما تشير إليه من أحكام شرعية وهذا نتج من استقرائهم للنصوص. وقد كان لأحمد بن حنبل تلامذة نشروا فقهه ونقلوه، لكن أبرز هؤلاء هو أبو بكر الخلال: إذ قطع الفيافى والقفار فى سبيل ذلك من أفواه ومكتوبات أصحاب أحمد بعد تفرقهم، وجمعه فى الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، وقد نقل فقه أحمد بعد الخلال أبو القاسم الخرقى وغلام الخلال، وقد اشتهر من مصنفات الخرقى "مختصره " الذى يعد أشهر كتاب فى الفقه الحنبلى وقد شرح أكثر من ثلاثمائة شرح أشهرها " المغنى" لابن قدامة. وقد كان غلام الخلال ذا عقلية فاحصة متحررة فقد خالف شيخه الخلال فى كثير من المسائل الفقهية ولم يتابعه عليها. والفقه الحنبلى يرتكز على مجموعة أصول، فأصول الاستنباط عند الحنابلة هى: الكتاب، والسنة، والإجماع، وفتاوى الصحابة، والقياس، والاستصحاب، والأخذ بالمصلحة، والذرائع. وهناك جانب آخر ميز الفقه الحنبلى عن غيره إذ يعتبر أوسع المذاهب الفقهية الإسلامية فى نظرية الشروط المقترنة بالعقود فالعقد عندهم شريعة المتعاقدين ما داما لم يشرطا فيه ما يخل بالشريعة وأحكامها، وقد أجازوا حرية التعاقد وذهبوا إلى أن العبرة فيها وفى إنشاء العقود عدم مصادمة هذه العقود للشريعة الإسلامية. وقد اقترن الحنابلة بمصطلح التشدد عند العوام لتشددهم فى أمور الطهارة حتى صار هذا سمة مميزة، والمذهب الحنبلى قليل الأتباع قليل الانتشار لعدة أمور: منها: أنه آخر المذاهب الأربعة، خصومات علماء الحنابلة مع الحكام، وشدة تعصبهما وخصوصا بعد محنة الإمام أحمد، وتشددهم فى التمسك بما تقرره الفروع الفقهية والوقوف عند نصوصها فكثرت خصومهم من أرباب المذاهب ومن شايعهم من الحكام وجانبتهم العامة. وعلى الجانب الكلامى فإن الحنابلة لهم آراؤهم فى عدد من القضايا العقدية، كالإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة، والقدر وأفعال الإنسان، والصفات، ورؤية الله يوم القيامة. فبالنسبة للإيمان فإنهم يرون أنه قول وعمل يزيد وينقص وأن الإسلام وسط بين الإيمان والكفر، وبالنسبة لمرتكب الكبيرة فإنهم يرونه مؤمنا غير كافر وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وفى مسائل القدر يفوضون تفويضا مطلقا لحكم الله تعالى ويؤمنون بالقضاء والقدر ويسلمون الأمور كلها لله تعالى، وبالنسبة للصفات فإنهم يثبتونها كلها لله ولا يبحثون عن كنهها ولا عن حقيقتها ويعتبرون التأويل خروجا عن السنة إن لم يكن مستمدا منها، ويؤمنون بالرؤية، إيمانا كاملا ولكنهم لا يجرون وراء تحديد كنه هذه الرؤية. والله أعلم. أ. د/ على جمعة محمد

стр. 247

٤٥ - الحنفاء لغة .. جمع حنيف، والحنَفَ - فى الأصل: هو إقبال القدم بأصابعها على القدم الأخرى - والحنيف هو المائل من خير إلى شر أو من شر إلى خير. واصطلاحا: هو المسلم الذى يتحنف عن الأديان، أى يميل عنها إلى الدين الحق. وقيل: هو الذى يستقبل قبلة البيت الحرام على دين إبراهيم. وقيل كل من أسلم لأمر الله ولم يلتو فهو حنيف. وقال أبو عبيدة فى قوله تعالى: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفا﴾ (البقرة ١٣٥) قال: من كان على دين إبراهيم فهو حنيف عند العرب. وقال الأخفش: الحنيف، المسلم، وكان يقال فى الجاهلية: من اختتن وحج البيت قيل له حنيف: لأن العرب لم تتمسك فى الجاهلية بشىء من دين إبراهيم غير الختان وحج البيت؛ فكل من اختتن وحج قيل له حنيف. وفى قوله تعالى ﴿حنفاء لله غير مشركين به﴾ (الحج ٣١) قال الضحاك: "حجاجا" وكذا قال السدى. وقيل: الحنيف هو المستقيم، وإنما قيل للمائل الرجل "أحنف " تفاؤلا بالاستقامة. والحنيف فى الإسلام: هو الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه. أما فى الجاهلية: فهو من كان يحج البيت ويغتسل من الجنابة ويختتن. ومنهم من كان يحرم على نفسه الخمر والسجود للأصنام- وقد أطلق على هؤلاء اسم "الحنفاء"قبيل بعثة النبى محمد ﷺ .. وقد تكرر ورود كلمة " حنيف " فى القرآن الكريم للدلالة على أهل الدين الحق الصحيح (يونس ١٠٥؛ الحج ٣١؛ الروم ٣٠؛ البينة ٥) وقد وصف به إبراهيم ﵇ فى أكثر من موضع؛ كما تقابل الآيات بينه وبينها المشركين، كما فى (سورة آل عمران ٩٥) ويصفه القرآن الكريم أيضا بأنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا- كما فى سورة البقرة ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (البقرة ١٣٥) ولعل المراد به الدين الفطرى فى مقابل ما ظهر بعده من الشرك ودين أهل الكتاب المحرف، ولما كان الإسلام قد أحيا دين إبراهيم فإن كلمة "حنيف " قد استعملت بمعنى "مسلم " عند ابن هشام وغيره، وقد جاء فى الحديث: " أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة " أى ملة الإسلام، كما جاء فى الحديث أيضا: " خلقت عبادى حنفاء" أى خلقتهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ويرى بعض الباحثين أن كلمة " حنيف " كلمة دخيلة على العربية، وأنها مشتقة من الكلمة الكنعانية الآرامية "حنف "، ومعناها (المنافق أو الملحد أو الوثنى أو الكافر) - ولكن هذا بعيد للغاية، لأن هذه المعانى بعيدة كل البعد، بل مناقضة تماما لكلمة "حنيف " العربية. أ. د/ صفوت حامد مبارك

стр. 248

٤٦ - حُنَيْن حُنَيْن: واد يقع إلى الشرق من مكة بنحو ثلاثين كيلو مترا، وفيه الآن إحدى ضواحى مكة، تسمى " الشرائع " تبعد عن المسجد الحرام نحو ثمانية وعشرين كيلو مترا. وقعت هذه الغزوة عقب فتح مكة فى شوال من السنة الثامنة للهجرة (فبراير ٦٣٠ م)، وقد حشدت لها قبيلتا هوازن وثقيف جندا كثيفا قدر بعشرين ألف مقاتل لحرب المسلمين؛ فلقد كانوا يعتقدون أن المسلمين يريدون قتالهم حينما خرجوا من المدينة لفتح مكة قبل شهر مضى. فاستعدوا بهذا الجيش الضخم للقضاء على المسلمين ودولتهم. وكان قائدهم يومئذ مالك بن عوف النصرى، وهو شاب شجاع جريء، لكنه قليل الخبرة ناقص التجربة، فأمر رجاله بأن يصحبوا معهم نساءهم وذريتهم وأموالهم حتى لا يفروا أمام العدو!! وعلى الرغم من أن أحد شيوخ هوازن- وهو دريد بن الصمة- قد نقد هذا الأمر وفنده، فإن مالكا لم يغير خطته التى تتمثل فى تقدم الخيل (الفرسان)، ثم الرجالة (المشاة) ويليهم النساء والذرية ثم الأغنام فالإبل، وبعد أن تلقى النبى ﷺ تقريرا عن هذا الجيش، استعد لهذا اللقاء، فاستعار أسلحة من بعض المكيين، كما اقترض أموالا من آخرين، ثم زحف نحو حنين على رأس جيش كبير يبلغ اثنى عشر ألف جندى، عشرة آلاف فتح بهم مكة، وألفان من مسلمة الفتح من قريش. لقد كان هذا أكبر جيش إسلامى حتى ذلك الوقت، ولهذا غلب شعور بالاطمئنان إلى النصر لدى بعض الجند لكثرتهم، فعاتبهم القرآن الكريم، ونبههم إلى حقيقة أن النصر من عند الله وحده، وإلا وكلهم الله لأنفسهم، قال تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ (التوبة ٢٥). كانت هوزان وثقيف قد سبقوا المسلمين إلى وادى حنين، فأخذوا مواقعهم فى الطرق والمداخل والشعاب وكمنوا فيها، وأصدر قائدهم أوامره بأن يرشقوا المسلمين بالسهام عند دخولهم الوادى، ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحد، وهيأ رسول الله الجيش قبيل الفجر، ورتب الرجال صفوفا منتظمة، ثم دخل بهم الوادى المنحدر، فاستقبلوا عدوهم الذى تقهقر أمامهم، وترك بعض الغنائم، فأخذ المسلمون فى جمعها وشغلوا بها، فانقض عليهم العدو بسهامه يقذفهم من كل جانب، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فولوا مدبرين لا يبالون بشىء، وثبت رسول الله ﷺ ومعه قلة من أصحابه، وأخذ ينادى الرجال: هلموا إلىّ أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب!! وأمر النبى ﷺ عمه العباس- وكان من الذين ثبتوا معه- أن ينادى المسلمين بصوته الجهورى، فأسرعوا إليه عائدين وهم يهتفون (لبيك، لبيك)، ودارت المعركة قوية ضد هوازن وثقيف، ونزل رسول الله عن بغلته (دلدل)، وتقدم أصحابه وهو يقول " الآن حمى الوطيس،، ثم تناول حفنة من التراب وقذف بها فى وجوه الأعداء وقال: "شاهت الوجوه" فأصابت عيونهم جميعا، فولوا مدبرين، فقال النبى: " انهزموا ورب الكعبة "!! وتبعهم المسلمون يقتلون من يدركونه منهم، حتى سقط المئات منهم يومئذ، وقد نهى رسول الله عن قتل النساء والأطفال والأجراء، وكل من لا يحمل السلاح. لقد غنم المسلمون فى هذه المعركة أموالا لم يدركوا مثلها من قبل؛ فبلغ السبى من النساء والذرية ستة آلاف نفس، والأموال أربعة آلاف أوقية فضة، ومن الإبل نحو أربعة وعشرين ألفا، أما الغنم فكانت أربعين ألف رأس. ومما لا شك فيه أن انهزام المشركين وانتصار المسلمين عليهم يوم حنين على هذه الصورة كان معجزة أجراها الله على يد نبيه محمد ﷺ ، وفى ضوء ذلك يفهم قول الله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا﴾ (التوبة ٢٦) ٠ أ. د/ محمد جبر أبو سعدة

стр. 249

٤٧ - الحوض من جوانب العقيدة الإسلامية جانب يسمى السمعيات، وهى أمور جائزة عقلا، أخبر بها المعصوم ﷺ ، فيجب اعتقادها والإيمان بها .. من هذه الأمور الحوض، والذى يستلخص من الأحاديث الواردة فى صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يصله الماء من نهر الكوثر، الذى هو أحد أنهار الجنة، وماؤُه اشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك .. والحوض متسع جدا، عرضه وطوله سواء، وكيزانه أكثر من نجوم السماء، ويشرب منه المؤمنون، ويكون سيدنا محمد ﷺ هو الساقى لهم .. ويطرد عن الحوض الذين غيروا وبدلوا عهد الله وميثاقه، وأحدثوا فى الدين مالا يرضاه الله ورسوله، وهم الظلمة الجائرون، والمعلنون بفسقهم، وأهل الزيغ والبدع .. والذى عليه المحققون من العلماء أن المطرودين عن الحوض قسمان: - قسم يطرد حرمانا، وهم الكفار، فلا يشربون منه أبدا .. ـ قسم يطرد عقابا مؤقتا، وهم عصاة المؤمنين .. ويرى جمهور العلماء أن الحوض يقع قبل الصراط، لأن الناس يخرجون من القبور عطاشا، فيردون الحوض للشرب منه. هذا وقد روى أحاديث الحوض بضع وثلاثون صحابيا، منها ما خرجه البخارى ومسلم بسندهما عن جندب بن عبد الله رضى الله عنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا فرطكم على الحوض " أى سابقكم. وفى رواية عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " إنى فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن على أقوام، أعرفهم ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم" زاد أبو سعيد الخدرى ﵁: فأقول: "إنهم من أمتى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا .. سحقا لمن غير بعدى" فالإيمان بمسألة الحوض واجب على سبيل الإجمال، أما التفاصيل فمن الخير إرجاؤها لعلام الغيوب. ومنكر هذه المسألة فاسق ليس بكافر، لأنها ليست من أصول الدين. أ. د/ محمد سيد أحمد المسير

стр. 250

٤٨ - الحياء الحياء هو انقباض النفس عن القبائح، وهو قسمان: ̈ جِبِلَّى وهو ما فطرت النفوس عليه من ترك ما يحيك فى الصدر، ويخشى المرء اطلاع الناس عليه .. ̈ مكتسب وهو ترك ما يذم شرعا .. والحياء خلق أجمعت عليه رسالات الوحى الإلهى، وجاء على ألسنة المرسلين، ففى صحيح البخارى بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " والذى يعين المرء على التخلق بخلق الحياء أن يستشعر خشية الله فى السر والعلن، وان يتذكر نعم الله عليه، ويرى عجزه عن الوفاء بشكرها، فيستحى أن يستخدم نعم الله فى معصية الله .. والحياء يختلف عن الجبن، لأن الحياء يمنع من القبائح، أما الجبن فيمنع من المكارم .. والحياء على النقيض من المجاهرة بالمنكر، لأن الحياء فى حقيقته خوف الذم أما المجاهرة ففيها عدم الاكتراث بالذم .. والإسلام يراعى طبائع الأشياء، فالمرأة أكثر حياء من الرجل، والفتاة أشد حياء من باقى النساء، ولهذا تعامل الإسلام مع المرأة برفق، فلم يؤكد عليها الجُمع والجماعات كما أكدها على الرجال، وعندما أمر الإسلام بأخذ رأى المرأة فى شريك حياتها فرّق بين البكر والثيب، ففى صحيح مسلم، قال الرسول ﷺ : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت " فالأيم هى التى سبق لها الزواج وطلقت أو مات عنها زوجها، والبكر هى التى لم يسبق لها الزواج، فالبكر أكثر حياء من الأيم، ومتى لم تبد اعتراضا ولم يظهر عليها أعراض الرفض كان ذلك إذنا منها لوليها، فيكفى من البكر الإشارة، ولابد للثيب من المقالة .. هذا وإذا وُصِفَ الله تعالى بالحياء، فالمراد لازمه وهو مزيد عفو عن العباد، وزيادة عطاء لهم، وفى حديث رواه أبو داود والترمذى قال رسول الله ﷺ : إن الله حيى، يستحى من عبده إذا مد يده إليه أن يردهما صفرا. ولشرف الحياء وُصِفَ به رسول الله ﷺ فقد كان أشد حياء من العذراء فى خدرها، وخصه الرسول الكريم بالذكر فى شعب الإيمان، فقد أخرج البخارى ومسلم بسندهما عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ". أ. د/ محمد سيد أحمد المسير
следующие страницы →