٤٤ - الحنابلة
يقصد بالحنابلة من ينسبون إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل آخر الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة وهم: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعى، وأحمد بن حنبل. وهذه الطائفة أكثر ما يميزها التمسك بالمأثور من كتاب أو سنة، وقد ثار جدل عظيم حول مكانة الإمام أحمد بن حنبل الفقهية وإن كان الكل يشهد له بمكانته كأحد أبرز المحدثين، وقد أنكر ابن جرير الطبرى كون أحمد بن حنبل فقيها، وعده ابن قتيبة من المحدثين ولم يعده من الفقهاء، وكثيرون قالوا مثل هذه المقالة أو قريبا منها، ولكن النظرة الفاحصة لفقه أحمد بن حنبل وما أثر عنه تجعلنا نحكم بأنه كان فقيها غلب عليه الأثر ومنحاه.
فقد كان فقهه آثارا، أو محاكاة صحيحة لآثار، أو مقاربة لها، فكان الفقه الأثرى فى حقيقته ومنحاه فى مظاهره.
وقد عضد هذا الرأى الذى ذهب إلى أنه ليس فقيها أنه كان كثيرا ما ينهى أصحابه عن كتابة فتاويه، ويرى أنه الحديث فقط ولا شىء سواه، لكن على كل فقد استجاز كتابة هذه الفتاوى فى أخريات حياته، ومهما يكن فقد توارثت الأجيال ما وصلها من فقه أحمد واهتمت بدراسته وصار له جمهور كبير يترسمون خطاه.
وأبرز ما يميز الفقه الحنبلى كثرة الأقوال والروايات فيه فى المسألة الواحدة وتضاربها، حتى أننا نعجب أشد العجب من هذا، مما أثار غبارا كثيفا حول نسبة الفقه الحنبلى إلى أحمد بن حنبل، لكن يرده أن انصراف أحمد كان فى الأساس للحديث وأن فتاويه كانت أقرب بما يكون للرواية منها للتفريع الفقهى، أما كثرة الروايات عنه فإنه مأثور عن كل الأئمة ويختلفون فيه قلة وكثرة، وقد كان دافعه فى هذا الإخلاص فى تحرى الحق لما يعترى الفتوى من ملابسات توجب تغييرها. ولهذه الكثرة فى الروايات والأقوال فى الفقه الحنبلى أسباب منها: تورع أحمد عن الفتوى وحرصه على قربها من المأثور مما جعل رأيه يتغير تبعا لكثرة الروايات عنده، وأنه كان أحيانا يترك المسائل على أكثر من قول تبعا لما أثر عنده من صنيع الصحابة، وأن أصحاب أحمد كانوا يأخذون آراءه من فتاويه وأفعاله وأجوبته ورواياته وهو مجال خصب للاستنباط، وقد وضع الحنابلة ضوابط للنظر فى فقهه ﵁ فهناك ضوابط عامة وضوابط خاصة لهذا.
أما العامة: فإنها تتجلى فى الموازنة بين الأقوال بقوة السند، والترجيح بينها، والتوفيق إن أمكن، أو التعرف على الناسخ منها والمنسوخ وهكذا.
والخاصة: تتجلى فى فهم عبارات أحمد ﵁ وتصنيفها حسب ما تشير إليه من أحكام شرعية وهذا نتج من استقرائهم للنصوص.
وقد كان لأحمد بن حنبل تلامذة نشروا فقهه ونقلوه، لكن أبرز هؤلاء هو أبو بكر الخلال: إذ قطع الفيافى والقفار فى سبيل ذلك من أفواه ومكتوبات أصحاب أحمد بعد تفرقهم، وجمعه فى الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، وقد نقل فقه أحمد بعد الخلال أبو القاسم الخرقى وغلام الخلال، وقد اشتهر من مصنفات الخرقى "مختصره " الذى يعد أشهر كتاب فى الفقه الحنبلى وقد شرح أكثر من ثلاثمائة شرح أشهرها " المغنى" لابن قدامة.
وقد كان غلام الخلال ذا عقلية فاحصة متحررة فقد خالف شيخه الخلال فى كثير من المسائل الفقهية ولم يتابعه عليها. والفقه الحنبلى يرتكز على مجموعة أصول، فأصول الاستنباط عند الحنابلة هى: الكتاب، والسنة، والإجماع، وفتاوى الصحابة، والقياس، والاستصحاب، والأخذ بالمصلحة، والذرائع.
وهناك جانب آخر ميز الفقه الحنبلى عن غيره إذ يعتبر أوسع المذاهب الفقهية الإسلامية فى نظرية الشروط المقترنة بالعقود فالعقد عندهم شريعة المتعاقدين ما داما لم يشرطا فيه ما يخل بالشريعة وأحكامها، وقد أجازوا حرية التعاقد وذهبوا إلى أن العبرة فيها وفى إنشاء العقود عدم مصادمة هذه العقود للشريعة الإسلامية. وقد اقترن الحنابلة بمصطلح التشدد عند العوام لتشددهم فى أمور الطهارة حتى صار هذا سمة مميزة، والمذهب الحنبلى قليل الأتباع قليل الانتشار لعدة أمور: منها: أنه آخر المذاهب الأربعة، خصومات علماء الحنابلة مع الحكام، وشدة تعصبهما وخصوصا بعد محنة الإمام أحمد، وتشددهم فى التمسك بما تقرره الفروع الفقهية والوقوف عند نصوصها فكثرت خصومهم من أرباب المذاهب ومن شايعهم من الحكام وجانبتهم العامة.
وعلى الجانب الكلامى فإن الحنابلة لهم آراؤهم فى عدد من القضايا العقدية، كالإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة، والقدر وأفعال الإنسان، والصفات، ورؤية الله يوم القيامة.
فبالنسبة للإيمان فإنهم يرون أنه قول وعمل يزيد وينقص وأن الإسلام وسط بين الإيمان والكفر، وبالنسبة لمرتكب الكبيرة فإنهم يرونه مؤمنا غير كافر وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وفى مسائل القدر يفوضون تفويضا مطلقا لحكم الله تعالى ويؤمنون بالقضاء والقدر ويسلمون الأمور كلها لله تعالى، وبالنسبة للصفات فإنهم يثبتونها كلها لله ولا يبحثون عن كنهها ولا عن حقيقتها ويعتبرون التأويل خروجا عن السنة إن لم يكن مستمدا منها، ويؤمنون بالرؤية، إيمانا كاملا ولكنهم لا يجرون وراء تحديد كنه هذه الرؤية. والله أعلم.
أ. د/ على جمعة محمد
стр. 247
٤٥ - الحنفاء
لغة .. جمع حنيف، والحنَفَ - فى الأصل: هو إقبال القدم بأصابعها على القدم الأخرى - والحنيف هو المائل من خير إلى شر أو من شر إلى خير.
واصطلاحا: هو المسلم الذى يتحنف عن الأديان، أى يميل عنها إلى الدين الحق. وقيل: هو الذى يستقبل قبلة البيت الحرام على دين إبراهيم.
وقيل كل من أسلم لأمر الله ولم يلتو فهو حنيف.
وقال أبو عبيدة فى قوله تعالى: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفا﴾ (البقرة ١٣٥) قال: من كان على دين إبراهيم فهو حنيف عند العرب. وقال الأخفش: الحنيف، المسلم، وكان يقال فى الجاهلية: من اختتن وحج البيت قيل له حنيف: لأن العرب لم تتمسك فى الجاهلية بشىء من دين إبراهيم غير الختان وحج البيت؛ فكل من اختتن وحج قيل له حنيف. وفى قوله تعالى ﴿حنفاء لله غير مشركين به﴾ (الحج ٣١) قال الضحاك: "حجاجا" وكذا قال السدى. وقيل: الحنيف هو المستقيم، وإنما قيل للمائل الرجل "أحنف " تفاؤلا بالاستقامة. والحنيف فى الإسلام: هو الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه.
أما فى الجاهلية: فهو من كان يحج البيت ويغتسل من الجنابة ويختتن. ومنهم من كان يحرم على نفسه الخمر والسجود للأصنام-
وقد أطلق على هؤلاء اسم "الحنفاء"قبيل بعثة النبى محمد ﷺ ..
وقد تكرر ورود كلمة " حنيف " فى القرآن الكريم للدلالة على أهل الدين الحق الصحيح (يونس ١٠٥؛ الحج ٣١؛ الروم ٣٠؛ البينة ٥) وقد وصف به إبراهيم ﵇ فى أكثر من موضع؛ كما تقابل الآيات بينه وبينها المشركين، كما فى (سورة آل عمران ٩٥) ويصفه القرآن الكريم أيضا بأنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا- كما فى سورة البقرة ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (البقرة ١٣٥) ولعل المراد به الدين الفطرى فى مقابل ما ظهر بعده من الشرك ودين أهل الكتاب المحرف، ولما كان الإسلام قد أحيا دين إبراهيم فإن كلمة "حنيف " قد استعملت بمعنى "مسلم " عند ابن هشام وغيره، وقد جاء فى الحديث: " أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة " أى ملة الإسلام، كما جاء فى الحديث أيضا: " خلقت عبادى حنفاء" أى خلقتهم حنفاء مؤمنين لما أخذ عليهم الميثاق ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
ويرى بعض الباحثين أن كلمة " حنيف " كلمة دخيلة على العربية، وأنها مشتقة من الكلمة الكنعانية الآرامية "حنف "، ومعناها (المنافق أو الملحد أو الوثنى أو الكافر) - ولكن هذا بعيد للغاية، لأن هذه المعانى بعيدة كل البعد، بل مناقضة تماما لكلمة "حنيف " العربية.
أ. د/ صفوت حامد مبارك
стр. 248
٤٦ - حُنَيْن
حُنَيْن: واد يقع إلى الشرق من مكة بنحو ثلاثين كيلو مترا، وفيه الآن إحدى ضواحى مكة، تسمى " الشرائع " تبعد عن المسجد الحرام نحو ثمانية وعشرين كيلو مترا.
وقعت هذه الغزوة عقب فتح مكة فى شوال من السنة الثامنة للهجرة (فبراير ٦٣٠ م)، وقد حشدت لها قبيلتا هوازن وثقيف جندا كثيفا قدر بعشرين ألف مقاتل لحرب المسلمين؛ فلقد كانوا يعتقدون أن المسلمين يريدون قتالهم حينما خرجوا من المدينة لفتح مكة قبل شهر مضى. فاستعدوا بهذا الجيش الضخم للقضاء على المسلمين ودولتهم. وكان قائدهم يومئذ مالك بن عوف النصرى، وهو شاب شجاع جريء، لكنه قليل الخبرة ناقص التجربة، فأمر رجاله بأن يصحبوا معهم نساءهم وذريتهم وأموالهم حتى لا يفروا أمام العدو!!
وعلى الرغم من أن أحد شيوخ هوازن- وهو دريد بن الصمة- قد نقد هذا الأمر وفنده، فإن مالكا لم يغير خطته التى تتمثل فى تقدم الخيل (الفرسان)، ثم الرجالة (المشاة) ويليهم النساء والذرية ثم الأغنام فالإبل، وبعد أن تلقى النبى ﷺ تقريرا عن هذا الجيش، استعد لهذا اللقاء، فاستعار أسلحة من بعض المكيين، كما اقترض أموالا من آخرين، ثم زحف نحو حنين على رأس جيش كبير يبلغ اثنى عشر ألف جندى، عشرة آلاف فتح بهم مكة، وألفان من مسلمة الفتح من قريش.
لقد كان هذا أكبر جيش إسلامى حتى ذلك الوقت، ولهذا غلب شعور بالاطمئنان إلى النصر لدى بعض الجند لكثرتهم، فعاتبهم القرآن الكريم، ونبههم إلى حقيقة أن النصر من عند الله وحده، وإلا وكلهم الله لأنفسهم، قال تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ (التوبة ٢٥).
كانت هوزان وثقيف قد سبقوا المسلمين إلى وادى حنين، فأخذوا مواقعهم فى الطرق والمداخل والشعاب وكمنوا فيها، وأصدر قائدهم أوامره بأن يرشقوا المسلمين بالسهام عند دخولهم الوادى، ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحد، وهيأ رسول الله الجيش قبيل الفجر، ورتب الرجال صفوفا منتظمة، ثم دخل بهم الوادى المنحدر، فاستقبلوا عدوهم الذى تقهقر أمامهم، وترك بعض الغنائم، فأخذ المسلمون فى جمعها وشغلوا بها، فانقض عليهم العدو بسهامه يقذفهم من كل جانب، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فولوا مدبرين لا يبالون بشىء، وثبت رسول الله ﷺ ومعه قلة من أصحابه، وأخذ ينادى الرجال: هلموا إلىّ أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب!!
وأمر النبى ﷺ عمه العباس- وكان من الذين ثبتوا معه- أن ينادى المسلمين بصوته الجهورى، فأسرعوا إليه عائدين وهم يهتفون (لبيك، لبيك)، ودارت المعركة قوية ضد هوازن وثقيف، ونزل رسول الله عن بغلته (دلدل)، وتقدم أصحابه وهو يقول " الآن حمى الوطيس،، ثم تناول حفنة من التراب وقذف بها فى وجوه الأعداء وقال: "شاهت الوجوه" فأصابت عيونهم جميعا، فولوا مدبرين، فقال النبى: " انهزموا ورب الكعبة "!! وتبعهم المسلمون يقتلون من يدركونه منهم، حتى سقط المئات منهم يومئذ، وقد نهى رسول الله عن قتل النساء والأطفال والأجراء، وكل من لا يحمل السلاح. لقد غنم المسلمون فى هذه المعركة أموالا لم يدركوا مثلها من قبل؛ فبلغ السبى من النساء والذرية ستة آلاف نفس، والأموال أربعة آلاف أوقية فضة، ومن الإبل نحو أربعة وعشرين ألفا، أما الغنم فكانت أربعين ألف رأس.
ومما لا شك فيه أن انهزام المشركين وانتصار المسلمين عليهم يوم حنين على هذه الصورة كان معجزة أجراها الله على يد نبيه محمد ﷺ ، وفى ضوء ذلك يفهم قول الله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا﴾ (التوبة ٢٦) ٠
أ. د/ محمد جبر أبو سعدة
стр. 249
٤٧ - الحوض
من جوانب العقيدة الإسلامية جانب يسمى السمعيات، وهى أمور جائزة عقلا، أخبر بها المعصوم ﷺ ، فيجب اعتقادها والإيمان بها .. من هذه الأمور الحوض، والذى يستلخص من الأحاديث الواردة فى صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يصله الماء من نهر الكوثر، الذى هو أحد أنهار الجنة، وماؤُه اشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك .. والحوض متسع جدا، عرضه وطوله سواء، وكيزانه أكثر من نجوم السماء، ويشرب منه المؤمنون، ويكون سيدنا محمد ﷺ هو الساقى لهم ..
ويطرد عن الحوض الذين غيروا وبدلوا عهد الله وميثاقه، وأحدثوا فى الدين مالا يرضاه الله ورسوله، وهم الظلمة الجائرون، والمعلنون بفسقهم، وأهل الزيغ والبدع ..
والذى عليه المحققون من العلماء أن المطرودين عن الحوض قسمان:
- قسم يطرد حرمانا، وهم الكفار، فلا يشربون منه أبدا ..
ـ قسم يطرد عقابا مؤقتا، وهم عصاة المؤمنين ..
ويرى جمهور العلماء أن الحوض يقع قبل الصراط، لأن الناس يخرجون من القبور عطاشا، فيردون الحوض للشرب منه.
هذا وقد روى أحاديث الحوض بضع وثلاثون صحابيا، منها ما خرجه البخارى ومسلم بسندهما عن جندب بن عبد الله رضى الله عنه سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" أنا فرطكم على الحوض " أى سابقكم. وفى رواية عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " إنى فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن على أقوام، أعرفهم ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم" زاد أبو سعيد الخدرى ﵁:
فأقول: "إنهم من أمتى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا .. سحقا لمن غير بعدى"
فالإيمان بمسألة الحوض واجب على سبيل الإجمال، أما التفاصيل فمن الخير إرجاؤها لعلام الغيوب.
ومنكر هذه المسألة فاسق ليس بكافر، لأنها ليست من أصول الدين.
أ. د/ محمد سيد أحمد المسير
стр. 250
٤٨ - الحياء
الحياء هو انقباض النفس عن القبائح، وهو قسمان:
̈ جِبِلَّى وهو ما فطرت النفوس عليه من ترك ما يحيك فى الصدر، ويخشى المرء اطلاع الناس عليه ..
̈ مكتسب وهو ترك ما يذم شرعا ..
والحياء خلق أجمعت عليه رسالات الوحى الإلهى، وجاء على ألسنة المرسلين، ففى صحيح البخارى بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " والذى يعين المرء على التخلق بخلق الحياء أن يستشعر خشية الله فى السر والعلن، وان يتذكر نعم الله عليه، ويرى عجزه عن الوفاء بشكرها، فيستحى أن يستخدم نعم الله فى معصية الله ..
والحياء يختلف عن الجبن، لأن الحياء يمنع من القبائح، أما الجبن فيمنع من المكارم .. والحياء على النقيض من المجاهرة بالمنكر، لأن الحياء فى حقيقته خوف الذم أما المجاهرة ففيها عدم الاكتراث بالذم ..
والإسلام يراعى طبائع الأشياء، فالمرأة أكثر حياء من الرجل، والفتاة أشد حياء من باقى النساء، ولهذا تعامل الإسلام مع المرأة برفق، فلم يؤكد عليها الجُمع والجماعات كما أكدها على الرجال، وعندما أمر الإسلام بأخذ رأى المرأة فى شريك حياتها فرّق بين البكر والثيب، ففى صحيح مسلم، قال الرسول ﷺ : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت " فالأيم هى التى سبق لها الزواج وطلقت أو مات عنها زوجها، والبكر هى التى لم يسبق لها الزواج، فالبكر أكثر حياء من الأيم، ومتى لم تبد اعتراضا ولم يظهر عليها أعراض الرفض كان ذلك إذنا منها لوليها، فيكفى من البكر الإشارة، ولابد للثيب من المقالة ..
هذا وإذا وُصِفَ الله تعالى بالحياء، فالمراد لازمه وهو مزيد عفو عن العباد، وزيادة عطاء لهم، وفى حديث رواه أبو داود والترمذى قال رسول الله ﷺ : إن الله حيى، يستحى من عبده إذا مد يده إليه أن يردهما صفرا.
ولشرف الحياء وُصِفَ به رسول الله ﷺ فقد كان أشد حياء من العذراء فى خدرها، وخصه الرسول الكريم بالذكر فى شعب الإيمان، فقد أخرج البخارى ومسلم بسندهما عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
أ. د/ محمد سيد أحمد المسير
стр. 251
٤٩ - الحياة
[تفاصيل هذه المادة غير متوفرة على الموقع، وإنما وضعت تحت هذا العنوان التفاصيل المتعلقة بمادة (الحياء)!!] [عويسيان البصري]
стр. 252
٥٠ - الحيل
لغة: جمع حيلة، اسم من الاحتيال، وأصله: الحذق فى تدبير الأمور ثم غلب فى العرف على أستعمال الطرق الخفية التى يتوصل بها المرء إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، كما فى مختار الصحاح (١).
واصطلاحا: تقديم عمل ظاهر الجوازة لإبطال حكم شرعى وتحويله فى الظاهر إلى حكم آخر.
والحيل ثلاثة أقسام:
١ - حيل لا خلاف في تحريمها وإبطالها، كحيل المنافقين والمرائين، ومن ذلك.
أ- الاحتيال للتفريق بين المؤمنين كما فى قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ التوبة:١٠٧ - ١٠٨.
ب- الاحتيال لإسقاط الواجب على المكلف (٢)، كما في قوله ﷺ (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة). (رواه البخارى وأبو داود، واللفظ للبخارى) (٣). فهذا يعنى النهى عن احتيال مقصود به إبطال حكم شرعى وتحويله فى الظاهر إلى حكم آخر.
٢ - حيل جائزة، وذلك اذأ كان المقصود بها أخذ حق، أو دفع باطل، أو مكروه (أذى) يلحق بصاحبه، كالنطق بكلمة الكفر حالة الإكراه.
يقول تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفرصدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذابا عظيم﴾ النحل:١٠٦.
٣ - ما اختلف فيه، وهو ما لم يتبين بدليل قاطع موافقته لمقصد الشارع أو مخالفته، فمن رأى من الفقهاء أن الاحتيال فى أمرها مخالفا للمصلحة منعه، ومن رأى أن الاحتيال غير مخالف لها فهو عنده جائز، بشرط أن لا يكون قصد المكلف المحتال مخالفا لقصد الشارع الحكيم.
ومثال ذلك من باع ماله أو وهبه عند رأس الحول فرارا من الزكاة، فإن أصل البيع أو الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غيرهما لكان حراما، فهذا وما شابهه محل خلاف بين الفقهاء (٤).
أ. د/على مرعى
стр. 253
٥١ - الحيل (علم)
علم "الحيل" الذى عرف عند العرب بهذا الاسم هو ذلك العلم الذى أطلق عليه قدامى الإغريق اسم "الميكانيكا" ولا يزال يحمل هذه التسمية حتى الآن.
وقد ازدهر علم الحيل فى العالم الإسلامى ما بين القرنين الثالث والسابع الهجريين، التاسع والثالث عشر الميلاديين، واستمر عطاء المسلمين فيه حتى القرن السادس عشر الميلادى تقريبا.
ويمثل علم "الحيل النافعة" الجانب التقنى المتقدم فى علوم الحضارة الإسلامية حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها تقنيا فى كل ما يخدم الدين ويحقق مظاهر المدنية والإعمار.
وقد جعلوا الغاية من هذا العلم "الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسيرا، ويقصد به استعمال الحيلة مكان القوة، والعقل مكان العضلات، والآلة بدل البدن، ذلك أن الشعوب السابقة كانت تعتمد على العبيد، وتلجأ إلى نظام السخرة في إنجاز الأعمال التى تحتاج إلى مجهود جسمانى كبير، فلما جاء الإسلام ونهى عن السخرة وإرهاق الخدم والعبيد وتحميلهم فوق ما يطيق الإنسان العادى، إلى جانب تحريمه المشقة على الحيوان أتجه المسلمون إلى تطوير الآلات لتقوم بالأعمال الشاقة، وبعد أن كانت غاية السابقين من علم "الحيل" لا تتعدى استعماله فى التاثير الدينى والروحى على اتباع مذاهبهم، مثل استعمال التماثيل المتحركة أو الناطقة بواسطة الكهان، واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوتة فى المعابد، فقد جاء الإسلام وجعل الصلة بين العبد وربه بغير حاجة إلى وسائل وسيطة أو خداع حسى أوبصرى وأصبح لعلم "الحيل النافعة" هدف جديد هو التيسير على الإنسان باستعمال آلات متحركة.
وقد ظهر هذا التوجه عند المسلمين الأوائل على أيدى نفر من العلماء الأعلام، لعل أشهرهم أبناء موسى بن شاكر الذين عاشوا فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وألفوا كتابهم المعروف باسم "حيل بنى موسى" وقد قام دونالد هيل " D.Hill" بترجمته إلى الإنجليزية كاملا فى عام ١٩٧٩م، ويحتوى هذا الكتاب على مائة تركيب ميكانيكى مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحه لطرائق التركيب والتشغيل، وهو ما يدخل اليوم فى نطاق علم "الهندسة الميكانيكية" المعتمدة على حركة الهواء، أو حركة السوائل والتزامها.
وقد استعملوا نظام الصمامات الآلية ذات التشغيل المتباطىء وعرفوا طريقة التحكم الآلى والتشغيل عن بعد.
كذلك تضمنت ابتكارات المسلمين الأوائل فى علم الحيل النافعة تصميمات متنوعة لساعات وروافع آلية يتم فيها نقل الحركة الخطية إلى حركة دائرية بواسطة نظام يعتمد على التروس المسننة وهو الأساس الذى تقوم عليه جميع المحركات العصرية.
ومن المؤلفات التراثية الرائدة فى هذا المجال كتاب "الجامع بين العلم والعمل النافع فى صناعة الحيل"، لبديع الزمان الرزاز الجزرى الذى عاش فى القرنين السادس والسابع الهجريين (الثانى عشروالثالث عشر الميلاديين).
وقد وصفه مؤرخ العلم المعاصر"جورج سارتون "بأنه أكثرالكتب من نوعه وضوحا ويمكن اعتباره الذروة في هذا النوع من إنجازات المسلمين.
أ. د/أحمد فؤاد باشا
стр. 254
١ - خادم الحرمين الشريفين
الحرمان الشريفان: هما المسجد الحرام بمكة المكرمة، الذى رفع قواعده سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل ﵉، والمسجد النبوى بالمدينة، وقد بناه سيدنا محمد ﷺ فى السنة الأولى للهجرة. وخادم الحرمين الشريفين: هو من يقوم على أمرهما من عمارة ورعاية، وهو وإن كان لقب مستحدثا فى العصر الحديث أطلقه الملك فهد بن عبد العزيز على نفسه، إلا أن مضمونه كان متحققا فى رجال اختصهم الله بفضله وشرفهم بخدمة الحرمين الشريفين عبر العصور. وبقدر ما تعرض الحرمان الشريفان إلى تصدع فى عمارتهما، أو عوامل الزمن التى ألقت بظلالها عليهما، تعرضا أيضا إلى إعادة إعمار وإصلاح، إضافة إلى توسعات عديدة لتستوعب المزيد والمزيد من المسلمين، وكانت أول توسعة للمسجد النبوى قام بها الرسول ﷺ حيث أعاد بناءه ووسعه فى السنة السابعة للهجرة، ثم تعاقب بعد ذلك الإعمار والإصلاح لهما، ومن هؤلاء الرجال الذين قاموا بذلك عبر العصور:
فى عهد الخلفاء الراشدين: عمر بن الخطاب (إعمار وتوسعة للحرمين)
عثمان بن عفان (إعمار وتوسعة للحرمين).
فى العهد الأموى: عبد الله بن الزبير (إعادة بناء الكعبة وزيادة ارتفاعها).
عبد الملك بن مروان (أعاد الكعبة كما كانت وسَقَّفَ وزَيَّن المسجد الحرام).
الوليد بن عبد الملك (إعمار وتوسعه للحرمين).
فى العهد العباسى: أبو جعفر المنصور (توسعة الحرمين).
المهدى (توسعة المسجد الحرام). المعتصم (ترميم وإعمار المسجد النبوى).
المعتضد والمقتدر والمقتفى (إصلاحات بالمسجد الحرام).
فى العصر المملوكى: قلاوون (إصلاحات بالحرمين).
الظاهر برقوق، وقانصوه الغورى (إصلاحات بالمسجد الحرام)
الظاهر بيبرس والأشرف برسباى والظاهر جمقمق وقايتباى (إصلاحات بالمسجد النبوى) ثم انفرد قايتباى بإعادة عمارة المسجد النبوى وتوسعته بعد ما احترق.
وفى العهد العثمانى: السلطان سليم الثانى ومراد الرابع والشريف الحسين بن على (إصلاحات بالمسجد الحرام) السلطان عبد المجيد (إعادة إعمار للمسجد النبوى وتوسعته) وقد استغرق العمل فيه ثلاث عشرة سنة.
وفى العصر الحديث بدأت التوسعة السعودية للحرمين الشريفين على أربعة مراحل:
١ - فى عهد الملك عبد العزيز ١٣٧٣ هـ/١٣٨٤هـ.
٢ - فى عهد الملك فيصل ١٣٨٤هـ /١٣٩٥ هـ.
٣ - فى عهد الملك خالد ١٣٩٥ هـ/١٤٠٢ هـ.
٤ - فى عهد الملك فهد بن عبد العزيز، والذى أطلق على نفسه هذا اللقب (خادم الحرمين الشريفين) وقد وصل بالحرمين الشريفين إلى صورة تمثل قمة العمارة الإسلامية المعاصرة، وما يتبعهما من ساحات ومواقف للسيارات تحت الأرض، ومحطات ومبان للخدمات، ونظم تبريد وأنظمة صوت وإضاءة عبر نظام تحكم للأنظمة الكهربائية والميكانيكية مزودة بالحاسب الآلى.
(هيئة التحرير)
стр. 255
٢ - الخاص
لغة: مأخوذ من قولهم "اختص فلان بكذا" إذا انفرد به، فالخصوص يقتضى الانفراد ويقطع العموم والشركة (١).
واصطلاحاً: اللفظ الموضوع للدلالة على معنى واحد على سبيل الانفراد (٢).
والخاص هو أحد أقسام اللفظ الأربعة باعتبار وضعه للمعنى وهى (الخاص. العام. المشترك. المؤول)
والخاص أربعة أقسام:
١ - ما يكون موضوعاً لشخص معين كأسماء الأعلام مثل خالد ومحمد.
٢ - وما يكون موضوعاً لنوع معين مثل رجل وفرس.
٣ - وما يكون موضوعاً لكثير محصور (محدود) وأسماء الأعداد مثل اثنين وثلاثة وثلاثين ومائة ألف وهكذا.
٤ - وما يكون موضوعاً لجنس معين كإنسان (٣).
حكم الخاص:
إذا ورد لفظ خاص فى نص شرعى فإنه يتناول مدلوله على سبيل القطع ما لم يدل على صرفه عن معناه وإرادة معنى آخر فمثلأ لفظ ثلاثة أيام فى قوله تعالى:﴾ فصيام ثلاثة أيام ﴿(المائدة ٨٩) لفظ خاص لا يمكن حمله على ما هو أقل أو أكثر فدلالته على ذلك قطعية (٤) للخاص باعتبار الصيغة أربعة أنواع: المطلق، والمقيد، والأمر، والنهى (٥).
أ. د/ يحيى أبو بكر
١ - أصول الفقه الإسلامى- بدران أبو العينين ٣٤٩. طبعة مؤسسة شباب الجامعة.
٢ - انظر. فتح الغفار بشرح المنار ١/ ١٦ طبعة مصطفى الحلبى ٩٣٦ ام أصول السرخسى ١/ ١٢٤.
٣ - تيسير أصول الفقه لمحمد أنور البدخشانى ص ٢٧ منشورات دار القرآن والعلوم الإسلامية ١٩٩٠ م
٤ - أصول الفقه الإسلامى بدران أبو العينين ٣٥٠.
٥ - تيسير أصول الفقه ص ٢٨.
стр. 256
٣ - الخاطر
لغة: ورد الخاطر فى لسان العرب بعدة معان:
١ - ما يجول فى القلب من تخطيط وتدبير.
يقول عنه ابن سيده: ما يخطر فى القلب من تدبير أو أمر، تقول: خطر ببالى، وعلى بالى كذا أى جال ببالى كذا، وخطر الشيطان بين الإنسان وقلبه أى أوصل الشيطان وسواسه إلى قلبه.
٢ - المتبختر فى مشيته.
يقال خطر فلان يخطر إذا تبختر فى مشيته، والفحل يخطر بذنبه عند الوعيد من الخيلاء، وفى حديث مرحب- وهو فارس يهودى قتله علىٌّ ﵁ يوم خيبر … فخرج يخطر بسيفه " أى يهزه
معجبا بنفسه.
٣ - ارتفاع القدر والمال والشرف والمنزلة عند الرجل. تقول رجل خطير: أى عظيم المنزلة والشرف.
٤ - السبق الذى يترامى عليه فى التراهن. من خطر يخطرُ، تقول؛ تخاطر القوم على الأمر أى تراهنوا عليه.
٥ - الإشراف على الهلاك: يقال: خاطر الإنسان بنفسه متى ألقى الإنسان بنفسه، فى مواطن الخطر، حتى أوشك على الهلاك.
واصطلاحا: عند علماء الكلام، هو ما يلقى فى النفس ويجول فيها؛ ذلك لأن ما يجرى فى النفس على خمس مراتب.
الأولى: الهاجس، وهو ما يلقى فى النفس ولا يجول فيها.
الثانية: الخاطر، وهو ما يلقى فى النفس ويجول فيها.
الثالثة: حديث النفس، وهو ما يتردد فى النفس بين فعل الخاطر أو تركه.
الرابعة: الهمّ، وهو توجه النفس نحو الفعل والميل إليه.
الخامسة: الفعل، وهو العزم والتصميم ومباشرة الفعل وإتيانه.
ويرى علماء الكلام أن المراتب الأربع الأوليات لا يعاقب الإنسان عليها، أما الخامسة فهى موطن الثواب والعقاب.
ولذلك قال بعض علماء التفسير عن تناولهم لقول الله تعالى:﴾ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه … ﴿إن همه ﵇ حتى لو فرضنا جدلاً أنه كان للمعصية، فإن الهمّ غير معاقب عليه شرعاً.
أ. د/ عبد السلام محمد عبده
стр. 257
٤ - ختم النبوة
لغة: خَتم الشىء: آخره، وخِتامُ القوم وخاتِمهم وخاتَمهم: آخرهم. يقال: خَتَم الشيء يختمه ختماً بلغ آخره.
واصطلاحاً: عقيدة إسلامية بأن محمدا ﷺ هو آخر الأنبياء وخاتم النبيين، وأن الدين به قد أكمل وأن رسالة الإسلام هى الرسالة الأخيرة الخاتمة.
وختم النبوة والرسالة بسيدنا محمد ﷺ أمر مقرر فى القرآن الكريم يقول تعالى:﴾ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴿(الأحزاب ٤٠).
وجاءت السنة الصحيحة مبينة لهذا المعنى، من ذلك ما روى عن أبى هريرة عن النبى ﷺ أنه قال "إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" (رواه البخارى). وقوله ﷺ بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبى خلفه نبى، وإنه لا نبى بعدى، (رواه البخارى).
وقد اجتمعت أقوال المفسرين على هذه الحقيقة وتأكيدها، يقول الإمام ابن كثير: وقد أخبر الله تعالى فى كتابه، ورسوله فى السنة المتواترة عنه بأنه لا نبى بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذاب أفاك دجال مضل.
ويقول الألوسى: وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب وصدعت به السنة وأجمعت عليه الأمة فيكفر مدع خلافه، وما كان لمسلم أن يؤول القرآن والسنة الصحيحة تأويل من لا ينصح لله ورسوله ليجيب داعية هوى فى نفسه.
وهكذا انعقد إجماع الأمة على هذه الحقيقة، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور بعض الأدعياء الذين ادعوا النبوة لأنفسهم، أمثال: الأسود العنسى ومسيلمة الكذاب وسجاح .. وقد تصدت لهم الأمة الإسلامية بحسم فى عهد الخليفة أبى بكر الصديق ﵁ مما يؤكد ويدعم أن حقيقة ختم النبوة للنبى ﷺ كانت مقررة فى صدور المسلمين.
ولعل هذا التسليم بمقام النبوة وختمه بسيدنا محمد ﷺ ، هو ما دفع بعض الصوفية باتخاذ مقام الولاية ونسبته إلى بعضهم بعد إسباغه معنى اصطلاحيَّا خاصا، يتفوق به عن مقام النبوة عند بعضهم. حتى قال أحدهم:
مقام النبوة فى برزخ فويق الرسول ودون الولى.
بدأ ذلك عند الحكيم الترمذى حيث ذهب إلى امور غريبة لم يسبق إليها، وقد أوّل معنى خاتم الأنبياء بقوله: ليس معنى كونه خاتم الأنبياء أنه آخر الأنبياء مبعثاً ورسالة، ولكنه يعنى أن رسالته مختومة بخاتم الصدق، وهو صدق العبودية لله. إلا أنه لم يذهب إلى القول بتقدم الولى عليه، وإنما جعل الرسول فى قمة الدرجات، ثم يليه النبى، ثم الولى المحدّث، ثم بقية الأولياء.
وقد التقت أفكاره تلك بتراث كثير من الصوفية بعده، وعلى رأسهم ابن عربى.
إلا أن أعداء الإسلام أرادوا أن يكيدوا له باسم الإسلام؛ فظهرت فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر فى بلاد الهند الدعوى القاديانية والتى تقدّم باسم الإسلام، وقد ساندها فى نشأتها الصليبيون المستعمرون، وكان من أحد دعائم دعوتها إنكار ختم النبوة بالمصطفى محمد ﷺ ، منتحلة فى ذلك مماحكات لا ترقى لأن تمثل مجرد شبهة إلا عند من اتبع هواه ليضل عن سبيل الله، وقد قدم صاحب هذه الدعوى "مرزا غلام أحمد القاديانى" نفسه باعتباره مصلحاً ثم مهديا ثم المسيح الموعود وأخيراً نبيا ورسولاً. ومثل هذا فعلته البهائية فى إيران حيث أنكرت عقيدة ختم النبوة، ولكنها أعلنت بصراحة: أنها طائفة مستقلة ليست مسلمة بمعنى الكلمة المصطلح عليها. وما كان أغناها عن هذه الصراحة، فمن المعلوم بالضرورة أن من أنكر ذلك فقد خرج من ربقة الإسلام، فإن عقيدة أن محمدا ﷺ خاتم النبيين هى الخط الفاصل بكل دقة بين الدين الإسلامى والديانات الأخرى التى تشارك المسلمين فى عقيدة التوحيد، وبهذا الخط الفاصل يستطيع الإنسان أن يحكم على طائفة بالاتصال بالإسلام أو الانفصال عنه.
(هيئة التحرير)
стр. 258
٥ - الخراج
لغة: الخراج من خرج يخرج خروجاً أى برز. والاسم الخراج وأصله ما يخرج من الأرض.
والجمع: أخراج، وأخاريج، وأخرجة (١).
واصطلاحاً: يطلق الخراج على الغلة الحاصلة من الشيء كغلة الدار والدابة، ومنه قوله ﷺ : " الخراج بالضمان " (رواه أبو داود) (٢).
ويطلق الخراج أيضا على الأجرة، أو الكراء، ومنه قوله تعالى:﴾ فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ﴿(الكهف ٩٤)، وقوله تعالى:﴾ أم تسألهم خرجًا فخراج ربك خيرا ﴿(المؤمنون ٧٢). واصطلح الفقهاء للخراج معنيين: معنى عام وآخر خاص.
والخراج بالمعنى العام: هو الأموال التى تتولى الدولة أمر جبايتها وصرفها فى مصارفها.
أما الخراج بالمعنى الخاص: فهو الضريبة التى يفرضها الإمام على الأرض الخراجية النامية. وقد أطلق الفقهاء عدة ألفاظ ومصطلحات على الخراج بالمعنى الخاص منها:
١ - جزية الأرض: وذلك لأن اللفظين (خراج وجزية) يشتركان فى معنى واحد، وهو أن كلا منهما مال يؤخذ من الذمى (٣).
٢ - أجرة الأرض: وذلك لأن الخراج المفروض على الأرض الخراجية النامية بمثابة الأجرة لها (٤).
٣ - الطِّسق: والطسق كلمة فارسية معربة يراد بها الوظيفة المقررة على الأرض (كما فى اللسان) (٥). وأول من استعمل هذه اللفظة فى الإسلام الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ حيث كتب إلى عثمان ابن حنيف ﵁ فى رجلين من أهل الذمة أسلما- كتاباً جاء فيه: (ارفع الجزية عن رءوسهما وخذ الطسق عن أرضيهما) والخراج واجب شرعا على كل من بيده أرض خراجية نامية سواء أكان مسلماً أم كافرا، صغيرا أم كبيرا، عاقلاً أم مجنونا، رجلاً أم امرأة، وذلك لأن الخراج مؤونة الأرض النامية وهم فى حصول النماء سواء (٦). وأدلة مشروعيته كما قال عمر بن الخطاب: (قد وجدت حجته فى قوله تعالى:
﴾ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شىء قدير ﴿(الحشر ٦). فقد رأى أمير المؤمنين أن من المصلحة عدم تقسيم الأرض المفتوحة عنوة، ووقفها على جميع المسلمين وضرب الخراج عليها. وأهم ما تقضى به المصلحة فى ذلك:
١ - تأمين مورد مالى ثابت للأمة الإسلامية بأجيالها المتعاقبة ومؤسساتها المختلفة حيث قال عمر ﵁: وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفى رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين، المقاتلة والذرية ولمن يأتيهم من بعدهم (٧).
٢ - توزيع الثروة وعدم حصرها فى فئة معينة. كما أشار إليه قوله تعالى:﴾ كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ﴿(الحشر ٧).
٣ - عمارة الأرض بالزراعة وعدم تعطيلها:﴾ وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ﴿(البقرة ٣٠) وهذا هو قصد عمر بن الخطاب ﵁ من ضرب الخراج أن تبقى الأرض عامرة بالزراعة فأهلها أقدر من الغانمين على ذلك لتوفر الخبرة والقدرة على الزراعة.
وقد قسم الفقهاء الخراج إلى أنواع باعتبارات مختلفة:
أولاً: باعتبار المأخوذ من الأرض وينقسم إلى قسمين:
(أ) خراج الوظيفة ويسمى أيضا (خراج المقاطعة وخراج المساحة) لأن الوالى ينظر إلى مساحة الأرض ونوع ما يزرع عند توظيف الخراج عليها.
(ب) خراج المقاسمة: وهو أن يكون الواجب جزءاً شائعاً من الخارج من الأرض
كالربع والخمس وما أشبه ذلك. وهذا النوع يتعلق بالخارج من الأرض بالتمكن، فلو عطل المالك الأرض لا يجب الخراج.
ثانيا: باعتبار الأرض التى تخضع للخراج وينقسم إلى قسمين:
(أ) الخراج الصلحى: وهو الخراج الذى يوضع على الأرض التى صولح عليها أهلها على أن تكون الأرض لهم ويقرون عليها بخراج معلوم.
(ب) الخراج العنوى: وأما العنوة فهى الغلبة، فهو كل مال صار للمسلمين على وجه الغلبة، ويوضع الخراج على الأرض التى فتحت عنوة، وبعد أن يقفها الإمام على جميع المسلمين، ويدخل فى هذا النوع:
١ - الخراج الذى يوضع على الأرض التى جلا عنها أهلها خوفا وفزعا من المسلمين.
٢ - الخراج الذى يوضع على الأرض التى صولح أهلها على أن تكون للمسلمين ويقرون عليها بخراج معلوم.
أنواع الأرض الخراجية:
النوع الأول: الأرض التى صالح المسلمون أهلها عليها، إما بتركها لهم وللمسلمين الخراج، أو الأرض للمسلمين ويقر أهلها عليها بخراج معلوم.
النوع الثانى: الأرض التى جلا عنها أهلها خوفا وفزعا وبدون قتال. فهى أرض خراجية.
النوع الثالث: الأرض التى افتتحها المسلمون عنوة.
وقد اختلف الفقهاء فى تقسيمها على المقاتلين. فقال مالك فى رواية ذكرها عنه أحمد: لا تقسم الأرض، وتكون وقفا على المسلمين ويصرف خراجها فى مصالحهم. وقال أبو حنيفة والثورى: الإمام مخير بين أن يقسمها على المسلمين المقاتلين أو يضرب على أهلها الخراج ويقرها بأيديهم. وقال الشافعى: إن الأرض تقسم بين المقاتلين، كما يقسم المنقول إلا أن يتركوا حقهم منها بعوض.
(هيئة التحرير)
١ - لسان العرب لابن منظور، والمصباح المنير، مادة (خرج).
٢ - سنن أبى داود ٣/ ٧٨٠ والتلخيص الحبير ٣/ ٢٢ طبعة شركة الطباعة الفنية الكويت بدون تاريخ.
٣ - شرح منح الجليل على مختصر خليل، عليش ١/ ٧٥٦ طبعة مكتبة النجاح بليبيا، جواهر الإكليل على مختصر خليل، للأبي ١/ ٢٦٦ مطبعة دار إحياء الكتب العربية. القاهرة.
٤ - الأموال أبو عبيد ص ٩٨ مكتبة الكليات الأزهرية. بالقاهرة ط ١، ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨ م.
٥ - لسان العرب لابن منظورهـ مادة (طسق)، الأموال أبو عبيد ص ٨١
٦ - الأحكام السلطانية للماوردى ص ١٤٢، كشاف القناع للبهوتى ٣/ ٩٤، مطبعة النصر الحديثة الرياض.
٧ - الخراج لأبى يوسف ص ٢٤، نيل الأوطار للشوكاش ٨/ ١٨. مطبعة الحلبى. القاهرة.
стр. 259
٦ - الخرقة
لغة: القطعة من الثوب الممزق، وخرق الشىء مزقه وشقه. كما فى المعجم الوسيط.
واصطلاحا: هى ما يلبسه المريد من شيخه الذى دخل فى إرادته.
ويرى الصوفية أن فى لبسها معنى المبايعة، وأنها تمثل عتبة دخول المريد فى صحبة الشيخ الذى يتولى تربيته وتهذيب أخلاقه وتقويم سلوكه.
وللبس الخرقة مراسم يشترك فى أدائها كل من الشيخ والمريد وإن كان الشيخ يتولى القسط الأكبر منها، فهو يتطهر ويتوضأ ثم يأمر المريد بذلك ثم توضع الخرقة بين أيديهما، ويقرأ الشيخ الفاتحة، ثم يقوم بإلباسا للمريد مبينا له سند وصولها إليه ثم يأخذ عليه عهد الوفاء لشرائطها، ويعرفه حقوق الخدمة.
ويقول الصوفية إنه يسرى -عند ذلك- من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد كسراج يقتبس من سراج، وبعضهم يشبهها بقميص يوسف ﵇ الذى لما ألقاه البشير على وجه أبيه يعقوب ﵇ ارتد بصيرا.
ويذكر السهروردى أن الخرقة خرقتان:
خرقة إرادة وخرقة تبرك، ومقصود الصوفية هو الأولى منهما، أما الثانية فتأتى تبعا لها.
وقد أفاض القاشانى فى بيان الفوائد التى تترتب على لبس الخرقة. وقد أراد الصوفية أن يجعلوا للخرقة إسنادا متصلا إلى الحسن البصرى عن الامام على رضى الله عنه عن الرسول ﷺ ويذكر الشعرانى أن ابن حجر والسيوطى صححا هذا الإسناد.
ولكن ابن الجوزى يرفض ذلك رفضا حاسما.
على حين يرى ابن خلدون أن فى ربط الخرقة بالإمام على مظهرا من مظاهر تأثر التصوف بالتشيع.
وقد قال السهروردى -الذى كان من أهم من تحدثوا عن الخرقة- عن الهيئة التى تعتمدها الشيوخ فى هذا الزمان لم تكن فى زمن رسول الله ﷺ وأنه قد كانت طبقة من السلف الصالحين لا يعرفون الخرق ولا ينبسونها المريدين".
وقد رأينا من المشايخ من لا يلبس الخرقة ومن يسلك بأقوام من غير لبس الخرقة، واللون المفضل للخرقة هو اللون الأزرق، ولكنه ليس بلازم.
أ. د/عبد الحميد مدكور
стр. 260
٧ - خزندار
لغة: يقال خزندار وخازندار وخزينة دار وخزانة دأر وخازن الدار أيضا.
واللفظ مؤلف من كلمتين:
١ - خزانة العربية.
٢ - دار الفارسية وهى بمعنى مُمسِك.
والمعنى الكلى: الموكل بالخزانة والمتولى أمرها.
واصطلاحا: موضوع هذه الوظيفة هو الإشراف على خزائن أموال الدولة أو السلطان أو الأمير، وهى بهذه الدلالة معادلة لوظيفة الخازن الذى يمكن اعتبارها الصيغة العربية المحصنة.
بدأ ظهور هذا المصطلح فى العصر العباسى بصيغ قريبة، واستقر فى الصيغة "خزندار" فى عصر الأيوبيين، وزادت أهميتها فى عصر المماليك واعتبرها القلقشندى الوظيفة الثانية عشرة من الوظائف التى يشغلها عسكريون بحضرة السلطان المملوكى وكان يختار لها من "الخاصكية". وكان كبير الخزندارية يسمى أمير خزندار.
وقد استمر استخدامها حتى العصر العثمانى.
أ. د/حسن الباشا
стр. 261
٨ - خصوص السبب
لغة: الخصوص نقيض العموم (١).
والسبب ما يتوصل به إلى أمر من الأمور (٢)
واصطلاحا: المراد بالسبب فى قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ليس ما يولد الفعل أو يوجب الحكم، بل ما كان سببا فى الجواب، أو داعيا إلى الخطاب بذلك القول وباعثا عليه (٣)، قرآنا كان اللفظ أو حديثا.
والمراد بسبب النرول فى علوم القرآن هو:
ما نزلت الآيات متحدثة فيه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه (٤).
والمراد بخصوص الشىء: كونه متعينا له وحدة تخصه فلا شركة للغير فيه (٥).
والغرض فى هذا المقام الإجابة على سؤال هو: أن اللفظ العام المستقل (٦) بنفسه إذا ورد من أجل سبب خاص هل يعم، أو يقتصر به على سببه؟
ويرى الجمهور أن العبرة بعموم اللفظ مثل قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود:١١٤.
فهذا حكم عام نزل على سببه خاص، وهو قصة الأنصارى الذى قبل امرأة أجنبية عنه، فاللفظ يتناوله ويتناول كل مثيل له، لأنه باق على عمومه وهذا هو الراجح (٧).
وغير الجمهور يرى أن العبرة بخصوص السبب، فاللفظ عام أريد به الخصوص، فلا يتناول بحكمه إلا صورة السبب، أما مثيلها فحكمه نفس الحكم لكن من دليل آخر من قياس أو غيره (٨).
وعلى الرأيين لم يختلف حكم المثيل عن حكم الصورة، بل أجمعت الأمة على أن الحكم فيهما واحد (٩).
أ. د/عبدالغفور محمود مصطفى
стр. 262
٩ - الخضر
الخضر: هو عبد من عباد الله آتاه الله تعالى نعمة من عنده، وعلمه من لدنه علم الباطن إلهاما (١). وقصته مع سيدنا موسى ﵇ في سورة الكهف (٢)، ولم يكن نبيا عند أكثر أهل العلم (٣).
وسمع أبو حاتم السجستانى مشايخه يقولون: "إن أطول بنى آدم عمرا: الخضر، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم" (٤). لكن قد ورد ما يدل على أنه كان من بنى اسرائيل فى زمان فرعون (٥). وصحح ابن جرير أنه كان متقدما فى الزمان حتى أدركه موسى ﵇ (٦).
وفى الصحيح المرفوع: "إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هى تهتز خلفه خضراء" (٧). وأخرجة عبد الرزاق ثم قال: والفروة: الحشيش الأبيض وما أشبهه، يعنى: الهشيم اليابس (٨).
وقال السهيلى بصحة الطرق الواردة باجتماعه مع النبى ﷺ وتعزيته لأهل البيت بعد وفاته ﵊ (٩).
وقال الأكثرون من العلماء إنه حى الآن.
وهذا متفق عليه عند مشايخ الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة (١٠)،واستشهد الجمهور على ذلك بأخبار عديدة (١١).
وقد اختلف العلماء فى اسمه ونسبه ونبوته وحياته إلى الآن (١٢)، وبناء عليه فليس ذلك من العقائد والله أعلم.
أ. د/عبد الغفور محمود مصطفى
стр. 263
١٠ - الخطابة
لغة: مصدر خطب يخطب أى باشر الخطبة كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: قد عرفت بتعريفات كثيرة منها تعريف "أرسطو" بأنها: القدرة على النظر فى كل ما يوصل إلى الإقناع فى أى مسألة من المسائل (٢).
وعرفها ابن رشد بأنها: قوة تتكلف الإقناع الممكن فى كل واحد من الأشياء المفردة (٣).
وعرفها بعض المحدثين بأنها: نوع من فنون الكلام غايته إقناع السامعين واستمالتهم والتأثير فيهم بصواب قضية أو بخطأ أخرى (٤).
وعرفت بأنها: علم يقتدر بقواعده على مشافهة الجماهير بفنون القول المختلفة لإقناعهم واستمالتهم (٥).
والخطابة ضرورة اجتماعية تفرضها الظروف، وتعبر عن المجتمع بوجه عام، وكل الأمم فى حاجة إليها، بل إن المواقف المجيدة فى تاريخ الأمم مدينة للخطباء الذين عبروا عن قضاياهم أصدق تعبير، وأثروا فى مجتمعاتهم أعظم التأثير.
والخطابة أنواع كثيرة منها: الخطابة العلمية، والخطابة السياسية، والخطابة العسكرية، والخطابة الدينية، والخطابة الاجتماعية، والخطابة القضائية، والخطابة الحفلية.
وللخطابة طرق للتحصيل وعوامل للرقى، فمن طرق تحصيلها: الموهبة والاستعداد الفطرى، ودراسة أصول الخطابة، ودراسة كثير من كلام البلغاء، وحفظ الكثيرمن الألفظ والأساليب، وكثرة الاطلاع على العلوم المختلفة، والتدريب والممارسة.
أما عوامل رقيها فمنها: الحرية، وطموح الأمة إلى حياة أرقى وذلك -مثلا- إذا ما تفشى فى أمة من الأمم سخط على نظام قائم ووجدت إرادة فى التغيير إلى الأفضل، والتاريخ القديم والمعاصر يشهدان لهذا، والتغيرات الدينية والسياسية والاجتما عية، والحروب والثورات، وكثرة الأحزاب والتكتلات مع تنازعها، والرغبة فى إصلاح ذات البين.
وفن الخطابة له أصول يتعلق بعضها بالخطيب وبعضها بالخطبة.
فأما ما يتعلق بالخطيب فأهمه: الموهبة ورباطة الجأش، وسلامة الصوت من العيوب، وطول النفس، وحسن الوقفة، وحسن استخدام الإشارة فى موضعها المناسب، والسمت الذى يستميل سامعيه.
وأما ما يتعلق بالخطبة فأهمه: براعة الاستهلال، ووفرة المحصول من مختلف أساليب البيان، والتنقل بين الانشائية والخبرية، ووضوح المعانى من خلال قصر الجمل، وملاحظة تقسيم الخطبة، ثم موضوع الخطبة، ثم الختام الذى يجب أن يشتمل على جمل يسهل تردادها وتذكرها بعد انتهاء الخطيب من خطبته وخاصة فى النوعين السياسى والدينى من الخطابة.
هذا وتجدر الإشارة إلى بعض الأسماء من الخطباء الذين خلد التاريخ ذكرهم مثل: "ميرابو" و"سحبان وائل" و"قس بن ساعدة" و"واصل بن عطاء" فى القديم، ومثل "غاندى" و"مصطفى كامل" و"سعد زغلول" فى الحديث (٦).
وللخطابة علاقة وثيقة بغيرها من العلوم، فبالنسبة للعلوم الإنسانية: لها علاقة وثيقة بعلم المنطق، وعلم النفس وخاصة علم نفس الجماعة، وعلم الاجتماع.
وبالنسبة للعلوم الاسلامية: فهى تتصل بكل هذه العلوم، والعلوم الإسلامية تفيد علم الخطابة بصفة عامة والخطابة الدينية بصفة خاصة.
ومن أهم ما يحتاجه الخطيب من العلوم الإسلامية ومصادرها: القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومقارنة الأديان، ومعرفة الأحكام الفقهية ومصادر التشريع، والعلم بالتاريخ الإسلامى -ولا تخفى علاقتها- أيضا.
بالشعر والأدب، والكتابة، والأخلاق والسياسة (٧).
أ. د/عبد الصبور مرزوق
стр. 264
١١ - خطبة الجمعة
لغة: الخطبة بضم الخاء مصدر (خطب).أى ألقى الكلام إلى الغير لإفهامه، والجمعة: اليوم المعروف وهو يوم العروبة (١).
واصطلاحا: الخطبة تطلق على معنيين: أحدهما: الكلام المنثور سجعا كان أو مرسلا.
وثانيهما: إلقاء الكلام المنثور مسجوعا كان أو مرسلا لاستمالة المخاطبين إلى رأى أو ترغيبهم فى عمل (٣).
وعلى ذلك فخطبة الجمعة عبارة عن: إلقاء الكلام المنثور وتوجيهه إلى الناس فى اليوم المعلوم من إمام الجمعة، أو هى الكلام نفسه الملقى عليهم.
وهى خطبتان قبل الصلاة يجلس بينهما الإمام هنيهة، ولها أركان وشروط، على خلاف فى بعضها أو إطلاق أو تقييد.
فأركانها: حمد الله ﵎، والصلاة على رسول الله ﷺ والوصية بتقوى الله تعالى، والدعاء للمؤمنين وهو خاص بالخطبة الثانية، وقراءة شىء من القرآن ولو آية واحدة، والموعظة وهى القصد منها.
ومن شروطها: الوقت وهو بعد الزوال، وتقديم الخطبتين على الصلاة، والقيام فيهما عند القدرة، والجلوس بينهما مع الطمأنينة فيه، والطهارة عن الحدث والنجس ثوبا ومكانا، ورفع الصوت بحيث يسمع، والعدد الذى تنعقد به الجمعة.
وقد اختلف الفقهاء فى حرية الكلام أثناءها. فالجمهور على حرمته، والشافعى فى الجديد وأحمد فى رواية على عدمها. والله أعلم.
د/عبد الصبورمرزوق
стр. 265
١٢ - الخَطُّ العَرَبي
لغة: يقصد به الطريقة التى اتخذها العرب فى الكتابة والتى أخذوها عن طريق الأنباط المجاورين للعرب الحجازيين.
واصطلاحاً: عُرِفَ هذا الخط بعدة أسماء منها: الخَطّ الأنْبارى والخَطّ الحيرى.
ومع ظهور الإسلام وانتشاره خارج الحجاز عُرِفَ هذا الخط بالخط البَصْرى والخط الكوفى. يقول ابن النديم: فأول الخطوط العربية الخطّ المكى وبعده المدَنى ثم البَصْرى ثم الكوفى. فأما المكى والمدنى ففى ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفى شكله انضجاع يسير.
ظَلَّ الخط العربى المبكر خاليا من النَّقْط وحركات الإعراب إلى أن وضع أبو الأسود الدُّؤَلى المتوفى سنة ٦٩ هـ/٦٨٨ م طريقة لإصلاح الألسنة، فوضع نقطة فوق الحرف للدلالة على فتحته، ونقطة تحت الحرف للدلالة على كسرته، ونقطة عن شماله للدلالة على ضَمَّته، وإذا كان الحرف مُنؤَّناً وضع نقطتين فوقه أو تحته أو عن شماله. ولم تشتهر طريقة أبى الأسود الدُّؤَلى إلا فى المصاحف حرصا على إعراب القرآن.
ثم طلب الحجاج بن يوسف الثَّقفى- والى العراق- إلى كُتّابه أن يضعوا علامات لتمييز الحروف المتشابهة بعد أن كثر التصحيف نتيجةً لدخول الأعاجم فى الإسلام. فتولَّى عملية الإصلاح الثانى فى الكتابة العربية نَصْر بن عاصم اللَّيْثى ويحيى بن يَعْمُر العدوانى فقَّررا وضع نُقَط لتمييز الأحرف المتشابهة. ولما كان هذا الإصلاح يستدعى اشتباه نُقَط الشكل بنُقَط الإعجام قَرَّر نَصْر ويحيى أن تكون نُقَط الشكل بالمداد الأحمر ونُقَط الإعْجام بنفس مداد الحروف. وأخيراً وضع عالُم اللغة الشهير الخليل بن أحمد الفراهيدى المتوفى نحو سنة ١٧٠هـ/٨٧٩ م طريقة جعل فيها الشكل بنفس مداد الكتابة وهى العلامات التى مازالت تستخدم إلى الآن.
تَطَوُّر الخَطّ العربى:
أخذ الخَطُّ المُحَقَّق- الذى كان يكتب به الوَرَّاقون- فى التحسن حتى عصر الخليفة المأمون، وبدأ فى التحوُّل من الشكل الكوفى إلى الشكل الذى هو عليه الآن على يد الأحْوَل الُمحرِّر، أحد صنائع البرامكة، ثم أتمَّه بعده الوزير أبو على محمد بن على بن الحسن بن مُقلْة المتوفى سنة ٣٢٨ هـ/ ٩٤٠ م الذى انتهت إليه وإلى أخيه أبى عبد الله جودة الخط وتحريره على رأس الثلاثمائة وإن بقى فيه تكويفٌ ما.
ويُعَدّ ابن مُقْلَة أوَّل من هندس الحروف وقَدَّر مقاييسها وأبعادها بالنُّقَط وضبطها ضبطاً محكماً، واستخلص من الأقلام الموجودة ستة أقلام هى: الثُّلُث والنَّسْخ والتوقيع والرَّيحان والمُحَقَّق والرِّقاع، وأصبح يُطلْق على هذا الخط المُنْضَبط "الخط المنسوب "، ويمكن اعتبار ابن مُقْلَة وبحق منشىء الخط المنسوب، وكانت طريقته هى إكساب كل حرف من حروف الهجاء نسبة محدَّدة إلى حرف الألف ممَّا أدَّى إلى تنظيم قياسى دقيق للحروف الهجائية.
وقرب منتصف القرن الرابع الهجرى ظهر طرازٌ جديد من الكتابة رسمت بعض حروفه بخطوط مائلة مميزة، والبعض الآخر ذو رءوس مثلثة الشكل عرف باسم "شبيه الكوفى" أو "الكوفى المائل " أو "الكوفى الفارسي الشرقى". ووصلت إلينا من هذا الخط نماذج كثيرة أهمها المصحف الذى كتبه علىّ بن شاذان الرازى سنة ٣٦١ هـ/٩٧٢ م وقد أضفى أبو الحسن على بن هلال البغدادى المعروف بابن البَوّاب على الخط العربى العنصر الفنى الذى كان يفتقد إليه الخط المنسوب الذى ابتدعه ابن مُقْلَة.
ثم جاء جمال الدين ياقوت بن عبد الله المستعصى المتوفى سنة ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٩م المعروف بـ " قِبْلَه الخَطّاطين " ليلعب دوراً مهما فى تطوير الخط العربى وتجويده مُضْفياً عليه كمالاً وحُسْناً جعلت منه رائداً لمن جاء بعده من الخَطاطين. واتَّسَم خطه بالرقة والرشاقة ويُنْسَب إليه شَذْب القلم، وكتب ياقوت الكثير من المصاحف والكتب مازال بعضها محفوظاً فى دور الكتب العالمية. وكانت بغدادُ مركزاً لكل هذه التطورات.
وأصبح فَنُّ الخط بعد ياقوت المستعصمى ساحة التنافس البارزة فى مجال الفنون. ولكن بغداد- أو العراق بمعنى أصح- فقدت مكانتها كمركز ريادى بعد سقوط الخلافة، وتدلنا الكتابات الكثيرة الموجودة على العمائر المملوكية والمصاحف الضخمة التى وصلت إلينا على أن مصر فى عصر المماليك أصبحت المركز الهام الثانى بعد بغداد مباشرة فى فن الخط حتى نهاية القرن التاسع الهجرى، ونما بها بصفة خاصة: الخط المُحقَّق والخط الرَّيْحان اللذين استخدما فى كتابة المصاحف.
وقد صارت فى مصر طريقةُ ابن البَوّاب جنباً إلى جنب مدرسة بغداد وما ابتدعه ياقوت المُسْتَعْصِمى حتى ظهور المدرسة العثمانية فى الخط. وصار شيخ التجويد فى مصر الذى يُضرَب بجودة خطه المثل أبا عبد الله يوسف الذَّرْعى الدمشقى المعروف بابن الوَحيد الكاتب المتوفى سنة ٧١١ هـ/ ١٣١١م، والذى كتب للسلطان بيبرس الجَاشنكير مصحفاً من سبعة أجزاء بالخط المُحَقّقَ محفوظ الآن بمكتبة المتحف البريطانى. وكذلك عبد الرحمن بن يوسف بن الصَّائِع المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/١٤٤٢ م الذى تحتفظ دار الكتب المصرية بمصحفين بخطه تحت رقم ١١ و ١٦ مصاحف.
وعرفت تركيا العثمانية منذ مطلع القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى مدرسة جديدة فى فن الخط تأثَّرت فى بادئ الأمر بمدرسة ياقوت المستعصمى، ولكن سرعان ما أصبحت لها سماتها الخاصة التى مهدت السبيل للدخول إلى العصر الذهبى لفن الخط العربى الإسلامى بفضل خطاطين من أمثال الشيخ حَمد الله بن مصطفى المعروف بابن الشيخ الأمايسى (٨٣٣ - ٩٢٢ هـ/١٤٢٩ - ١٥٢٠م الرائد الأكبر للخطاطين الأتراك الذى أدخل على خَطَّى النَّسْخ والثُّلُث إصلاحات أساسية، فأضفى جمالاً باهرا على هذين الخطين، فبينما نجد عند ياقوت أن الحروف التى تُخَطّ من أعلى إلى أسفل (أ. ك. ل.) لم تكن متوازية، فإنها أصبحت عند الشيخ حمد الله متوازية دائما. وشهد الربع الأخير من القرن الحادى عشر الهجرى / السابع عشر الميلادى مرحلة جديدة فى تطوير الخط العربى مع الحافظ عُثمان بحيث استقرت فى القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى الأقلام الستة.
أ. د/ أيمن فؤاد سيد
стр. 266
١٣ - الخلاء Void, Emptiness
والملاء Plein
الخلاء لغة: من الأرض: الفضاء الواسع الخالى.
ومن الأمكنة: الذى لا أحد به ولا شىء فيه (١)
واصطلاحاًً: هو المكان المطلق الذى لا يُنسب إلى متمكِّن فيه (٢).
والخلاء عند الفلاسفة يطلق على عدة معان:
١ - الخلاء هو خلوّ المكان من كل مادة جسمانية تشغله.
٢ - الخلاء هو الامتداد الموهوم المفروض فى الجسم أو فى نفسه، الصالح لأن يشغله الجسم. ويسمى أيضا: بالمكان، والبعد الموهوم، والفراغ الموهوم. وحاصله: البعد الموهوم الخالى من الشاغل.
٣ - الخلاء هو خلوّ المكان من مادة معينة، توجد فيه بالطبع، كخلاء "البارومتر".
٤ - الخلاء هو الخلوّ من الفكر: كخلو الجملة من المعنى، وخلو الشعر من الخيال.
٥ - الخلاء هو البعد المجرّد القائم بنفسه، سواء كان مشغولاً بجسم أم لم يكن. ويسمى بُعدا مفطورا، وفراغا مفطورا (٣).
هذا وإن ما يسميه أفلاطون بعدا مفطورا، يسميه المتكلمون فضاء موهوما، وهو الفضاء الذى يثبته الوهم، كالفضاء المشغول بالماء أو الهواء داخل الإناء.
فهذا الفضاء الفارغ هو الذى من شأنه أن يحصل فيه الجسم، وأن يكون ظرفاً له. وبهذا الاعتبار يكون حيزا للجسم، وباعتبار فراغه عن شغل الجسم إياه يكون خلاء (٤).
̈ فالخلاء عند المتكلمين، هو هذا الفراغ الذى لا يشغله جسم من الأجسام، وهو غير موجود فى الخارج بالفعل؛ بل هو أمر موهوم.
̈ ومن الحكماء من لم يجوّز خلوّ البعد الموجود من جسم شاغل له، مثل "أرسطو" الذى ذهب إلى أن الطبيعة ترهب الخلاء، ومنهم من جوّزه.
̈ وهؤلاء المجوّزون وافقوا المتكلمين فى جواز المكان الخالى من الشاغل، وخالفوهم فى أن ذلك المكان بُعدٌ موهوم (٥).
من يرى امتناع الخلاء:
من الحكماء القدماء الذين يذهبون إلى امتناع الخلاء: أرسطو، وابن سينا. حيث يقول: " الخلاء غير موجود أصلاً، وهو كاسمه، كما قال المعلم الأول (٦) ".
ويقول أيضا:
"لا وجود للخلاء، ولا لمقدار ليس فى مادة (٧) "
لكن ابن سينا أثبت وجود الملاء Plein على أساس أنه جسم من جهة ما يمانع أبعاده دخول جسم آخر فيه.
ومن الحكماء المحدثين "ليبنتز" الذى يقول:
"إن وجود المادة مناسبة طيبة، لكى يمارس الله سلطانه وجبروته"
ومن أجل ذلك وغيره: أنكر وجود الخلاء على الإطلاق (٨).
ويلاحظ أن الخلاف فى جواز الخلاء أو امتناعه، إنما هو بالنسبة لداخل العالم. أما بالنسبة لخارج العالم فقد اتفق الحكماء على وجوده (٩).
هذا وقد أثبت الذريّون القدماء وجود الملاء والخلاء:
فهم يرون أن العالم يتألف مما هو موجود، أى من الملاء (الذرات)، ومما هو غير موجود، أى من الخلاء (الفراغ) على حد سواء. لكنهم يذهبون إلى أن الفراغ غير متناه فى امتداده، وأن الذرات كذلك لا متناهية من حيث عددها، وأنه ليس إلا الذرات والخلاء.
كذلك ذهب الذريّون إلى أن الذرات لا تقبل الانقسام فيزيقيا، وأنها متفقة من حيث الكيف. لكنهم لم يقدموا شاهدا تجريبيا مباشرا على وجود الخلاء، سوى مغالطة مؤداها: أن الجسم يتحرك، وأنه لولا الخلاء ما حدث ذلك (١٠).
أ. د/ عبد اللطيف محمد العبد
стр. 267
١٤ - الخلافة
لغة: من خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وجاء من بعده، وهى مصدر تخلف فلان فلانا إذا تأخر عنه، والخلافة النيابة عن الغير.
واصطلاحا: الخلافة فى الإسلام منصب سياسى يجمع صاحبه بين السلطتين الزمنية والروحية، ولكن وظيفته الدينية لا تتعدى المحافظة على شرع الله، ومن حقه قيادة الدولة الإسلامية ورسم سياستها وتنفيذها على المستويين: الداخلى والخارجى، وواجبه تبليغ الدعوة الإسلامية ونشرها والتصدى بالقتال -إذا لزم الأمر- ضد من يقف عقبة فى سبيل أدائه لمهمته، وله أن يعاقب الخارجين على أوامر الشرع، ويؤم الناس فى الصلوات ويساعدهم على أداء الفرائض السياسية.
وقد وردت هذه المادة فى آيات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ البقرة:٣٠، أى قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن.
وقوله : ﴿ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ ص:٢٦، أى استخلفناك على الملك فى الأرض، لأن داود ﵇ كان ملكا نبيا.
وقد نشأ منصب الخلافة -باعتباره ضرورة فرضتها الظروف السياسية- عقب وفاة النبى ﷺ وكان نتيجة للمناقشات الحرة التى جرت بين الصحابة -رضوان الله عليهم- فى "سقيفة بنى ساعدة" لقد كان اجتماع "السقيفة" هذا أشبه بجمعية تأسيسية أو وطنية مناط بها البحث فى مصير أمة بعد وفاة موجهها وقائدها، وقد دارت المناقشات فيه بحرية كاملة، وانبثق عنه آنئذ قيام نظام الخلافة، هذا النظام الذى استمر -بشكل أو بآخر- فى العالم الإسلامى حتى القرن العشرين، ولم يغب عن مجتمعنا إلا بعد أن قام "كمال أتاتورك" بإلغائه سنة (١٣٢٣هـ-١٩٢٤م) عقب انهيار الخلافة العثمانية.
وكان اختيار لقب "خليفة" وإطلاقه على أول رئيس للدولة الإسلامية -أبى بكر الصديق رضى الله عنه- الهدف منه، التمييز بين هذا النظام الذى أقامه المسلمون وبين أنظمة الحكم التى كانت سائدة فى العالم آنئذ، لقد كانت هذه الأنظمة تقوم على القهر والجبروت، وتستعبد الشعوب وتستغلها وتحرمها من أبسط حقوقها، بينما جاء النظام الإسلامى ليكون جديدا فى جوهره وغاياته فهو يرفض القهر والظلم، ويقوم على قواعد الحرية والمساواة والعدل والاعتداد برأى الأمة؛ ولهذا كان هذا اللقب تأكيدا لحقيقة مهمة هى أن حكم الرسول ﷺ مستمر وباق فى أمته، وأن أبا بكر إنما يخلف محمدا ﷺ فى التنفيذ والتطبيق ورعاية مصلحة الأمة، وليس فى الإضافة إلى الدين أو الانتقاص منه.
نرى كل هذه الحقائق واضحة فى ذهن كل من عرض لموضوع "الخلافة" الذين قدموا لها تعريفات توضح جوهر النظام الإسلامى وغاياته، ولعل من أبرزها تعريف "ابن خلدون" الذى عبر عن ماهيتها بقوله: "الخلافة هى حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى فى مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهى فى الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع فى حراسة الدين وسياسة الدنيا به ".
لقد كان اختيار المسلمين لخليفتهم الأول رضى الله عنه، بناء على قاعدة الشورى، وتحددت مهمته فى قيادة المسلمين، ورعاية مصالح الناس، وتنفيذ شرع الله ، واشترط العلماء فيمن يلى هذا المنصب شروطا منها الكفاية والعدل وصحة البدن والعقل … الخ.
واستمر اختيار الخلفاء وفقا لهذه الشروط طوال عصر الراشدين، ثم حدث تحول ابتداء من العصر الأموى، فتركت الشورى، واعتمد نظام الغلبة والتوارث، وبعد أن كانت الخلافة اختيارا اصبحت قهرا وإجبارا، تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه، وتتفق معه فى قليل أو كثير إلى أن تم إلغاؤها تماما كما أسلفناه.
أ. د/عبد الله محمد جمال الدين
стр. 268
١٥ - الخلفاء الراشدون
أثيرت مسألة من يخلف الرسول ﷺ في تدبير أمور المسلمين وحراسة الدين بعد وفاته مباشرة حيث اجتمع الأنصار ليختاروا الخليفة، ولحق بهم كبار المهاجرين مثل أبى بكر وعمر، وأنهوا هذا الاجتماع الهام إلى جعل الخلافة فى قريش باعتبار سبقهم إلى الإسلام وقرابتهم من رسول الله ﷺ وبعد مشاورات عديدة بلغت حد الاختلاف، استقر الرأى على مبايعة أبى بكر بالخلافة، وكان هذا الصحابى أول من ولى أمور المسلمين بعد الرسول ﷺ .
ونلاحظ أن النبى ﷺ لم يعين خليفة له بشكل مباشر، ولكنه ترك الأمر شورى يتولاه المسلمون.
وبمبايعة أبى بكر بالخلافة بدأت مرحلة ما يعرف بعصر الخلفاء الراشدين، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وهى مرحلة تختلف عن المراحل التالية فى تاريخ الإسلام، فقد حكم الدولة الإسلامية صحابة رسول الله ﷺ وثبتوا أركان الدولة، حيث واجه أبوبكر حركة الارتداد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ بحسم، وبدأت الفتوح الإسلامية لأكبر إمبراطوريتين فى عصره وهما: إمبراطورية الروم، وإمبراطورية الفرس، وتفغ عمر بن الخطاب لتأسيس الدولة الإسلامية فأنشأ الدواوين وتكملة الفتح الإسلامى لأراضى الفرس والروم، وأرسى مبادى واضحة لإقامة العدل بين الناس ومحاسبة الولاة.
أما عثمان ففضله عظيم فى مجال جمع القرآن وتوحيد المصاحف وتكملة الفتوح ودخل بالمسلمين مجال البحر، فتم إنشاء أسطول بحرى فى عصره انتصر على الأعداء فى موقعة ذات الصوارى.
وبدأت الفتنة الكبرى فى عهد عثمان، تلك الفتنة التى انتهت بقتله، ولم تهدأ آثارها فى دول الإسلام بعد ذلك فقد اشتدت الفتنة، وأدت إلى انقسام المسلمين بين مؤيد لعلى وبين معارض له بدعوى عدم قيام على بالثأر لمقتل عثمان، وبدأت تتكون الفرق المعروفة فى التاريخ الإسلامى والتى فرقت جمع المسلمين: فرق الشيعة والخوارج وغيرهم.
وقد واجه على بن أبى طالب هذه الفتن بقوة وصلابة وخاصة فى واقعتين هما واقعة الجمل، وواقعة صفين، ووضع فيهما قواعد لمعاملة أهل البغى تعتبر دستورا لمعاملة المنشقين على الإمام فى كل عصر، ويستفيد منها القانون الدولى الإنسانى الآن فى مجال حقوق المحاربين فى النزاعات الدولية غير المسلحة.
ومع ذلك فقد سير أمور الدولة، ووضع قواعد لتحقيق العدالة والمساواة بين المسلمين كما تم تثبيت الفتوح الإسلامية فى عهده.
وقد استمر حكم الخلفاء الراشدين ثلاثين عاما من عام ١١هـ إلى عام ٤٠هـ، وتميز بتداول السلطة بين المسلمين بسهولة، والحكم بالشورى، وإرساء دعائم الدولة الإسلامية.
أ. د/جعفر عبد السلام
стр. 269
١٦ - الخلق
لغة: خلق الله العالم: صنعه وأبدعه (١).
واصطلاحا: الخلق مرادف للصنع، وهو ينسب إلى الإنسان على سبيل المجاز، فإذا نسب إلى الله كان يعنى: الإيجاد من عدم كما جاء فى قوله تعالى: ﴿قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبرعتيا. قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا﴾ مريم:٨ - ٩.
وقد وردت كلمة الخلق منسوبة لله بالمعنى السالف مائتين وأربعا وخمسين مرة.
وأضيفت للإنسان بمعنى الصنع لا الإيجاد من عدم مرتين كقوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى﴾ المائدة:١١٠.وفى قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا﴾ العنكبوت:١٧.
ويحدث الخلق بقوله تعالى للشىء "كن" فيكون، كما ورد فى قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ يس:٨٢.
ومن أهم السياقات الفكرية التى استخدم فيها مصطلح "الخلق" ثلاثة: "خلق العالم" و"خلق الأفعال" "وخلق القرآن".
وقد عرفت مشكلة خلق العالم منذ القدم وبصفة خاصة فى الحضارة المصرية القديمة وتشهد على ذلك الآثار والمعابد والأجساد المحنطة التى تثبث أيضا وجود عقيدة البعث بعد الموت. وقد عرف الفكر القديم الخلق على فترات متعددة كما فى نظرية الصدور والفيض والعقول العشرة أو نظرية المثل الأفلاطونية أو المحرك الأول عند أرسطو طاليس ثم فى الفلسفة الهيلينية ثم انتقل ذلك إلى الفكر الاسلامى خاصة عند الكندى والفارابى (٣٣٠هـ /٩٥٠م) وابن سينا (٤٢٧هـ /١٠٣٧م) ويعد المثال الأول عند أفلاطون (٣٤٧ ق. م) والمحرك الأول عند أرسطو طاليس (٣٢٢ ق. م.) والحق المطلق أو الخير- المحض عند أفلوطين (٢٧٠م) المقابل لكلمة الخالق ﵎ عند المسلمين.
وقد عرف الفكر الإنسانى نظرية "قدم العالم" فى مقابل نظرية "خلق أو حدوث العالم ".
ويرى أصحاب نظرية "قدم العالم" أن العالم قديم قدم الخالق، فهو مخلوق له ولكن لا يتأخر عنه فى الزمان بل يتأخر عنه فى الدرجة فقط لكونه معلولا للخالق. وقد انتقلت هذه النظرية إلى المسلمين عن طريق الفيلسوف الهيلينى برقلس (٤٨٥ م) الذى تأثر بفلسفة أفلوطين (٢٧٠ م) والأفلاطونية المحدثة التى نسبت إليه وقد تأثر بها من المسلمين بعض المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن المعدوم شىء يكتسب صفة الوجود فيخلق، أى أن الخلق ليس سوى نقل من العدم إلى الوجود. وارتبطت هذه النظرية عند المعتزلة بقولهم بارتباط الجواهر بأعراضها متأثرين في ذلك بنظرية أرسطو طاليس فى المادة والصورة.
وقد تأثر أيضا بعض الفلاسفة المسلمين بهذه النظرية وذهبوا إلى القول بقدم العالم وأثبتوا خلقه فى الزمان. فجاء تقسيم الأشاعرة للموجودات إلى قسمين فقط هما: القديم والمحدث مقابلا لتقسيم المعتزلة للموجودات الى ثلاثة أقسام: قديم ومعدوم ومحدث: فالقديم هو الله تعالى فالق كل شئ. والمعدوم هو الجسم الخالى عن ألأعراض. والمحدث هو الجسم الذى انتقل من العدم إلى الوجود عن طريق اكتسابه للأعراض (٢).
إلا أن المعتزلة كانت تفرق بين "العدم" "والمعدوم"، فالعدم هو اللاشىء، أما المعدوم فهو الشىء الذى يمكنه أن يوجد بالخلق ليصبح جسما، وبذلك يكون المعدوم مماثلا للممكن (٣).
أما ردود الأشاعرة على المعتزلة ونقدهم مذهبهم فى الخلق والمعدوم فقعد فصل الحديث فيه عبد القاهر البغدادى والشهرستانى وابن حزم وغيرهم (٤).
أما خلق الأفعال: فقد ذهب فيه المعتزلة إلى أن الإنسان خالق لأفعاله مسئول عنها أمام الله بناء على إدرته على الفعل والترك، وقدرة الأنسان على أفعاله قدرة مخلوقة فالأنسان قادر بقدرة محدثة يخلقها الله تعالى فيه قبل الفعل، وقد رتبوا على ذلك قولهم بالاستطاعة والاستحقاق، إما استحقاق الثواب أو العقاب (٤). ويقابل "الكسب" عند الأشاعرة: "الاستطاعة" عند المعتزلة (٥).
أما مشكلة "خلق القران": فقد ترتبت على قول المعتزلة فى الصفات بأن كلام الله مخلوق لأنه مركب من حروف ويحدث فى الزمان ولا يمكن إضافته إلى ذاته تعالى فتشاركه فى القدم.
وقد ترتبه على مغالاة المعتزلة فى هذا القول وتماديهم فى محاولة إجبار علماء السنة على القول بخلق القرآن ما نعرفه فى التاريخ بمحنة الإمام أحمد بن حنبل فى زمن المعتصم إلى أن جاء الخليفة المتوكل ونصر أهل السنة وحرم القول بخلق القرآن، وقد أفرد القاضى عبد الجبار لخلق الأفعال المجلد السابع من كتابه المغنى فى أبواب التوحيد والعدل.
أ. د/السيد محمد الشاهد
стр. 270
١٧ - الخلود
لغة: من "الخلد" وهو دوام البقاء، و"أخلده الله "، و"أخلده تخليدا "، والفعل أخلد بمعنى "ركن" فيقال: "أخلد إليه" أى ركن إليه.
واصطلاحا: لا يختلف المعنى الاصطلاحى عن المعنى اللغوى كما ورد فى قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه﴾ الأعراف:١٧٦.وقد ورد هذا اللفظ فى صيغة المضارع بمعنى دوام البقاء فى قوله تعالى: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا﴾ الفرقان:٦٩، أما لفظ "الخلود" فقد ورد فى القرآن الكريم مرة واحدة بالمعنى السابق وهو دوام البقاء فى قوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾ ق:٣٤.أما فى السنة المطهرة فقد ورد لفظ الخلود بالمعنى ذاته فى مواضع كثيرة، منها قوله ﷺ : (يقال لأهل الجنة خلود بلا موت .... ) (رواه البخارى ومسلم والترمذى فى الجنة) أما فى علم الكلام فقد حظى لفظ الخلود باهتمام خاص فى إطار مناقشة مسألة "الجوهر الفرد" أو "الجزء الذى لا يتجزأ" وقد مثل كل من أبى الهزيل العلاف (٢٢٧هـ-٨٤٢ م) وإبراهيم بن سيار النظام (٢٣٥هـ-٨٥٠ م).قطبى الرحى فى هذه المناقشات. مقال الأول بأن الجزء لابد له أن يصل إلى جزء لا يتجزأ حيث تتوقف عملية التقسيم تماما.
وأراد أبو الهزيل إثبات حدوث العالم بهذه الطريق، لأن التقسيم إلى ما لا نهاية يعنى أن العالم ليس له نهاية أو بداية، ومن ثم لا يمكن أن يكون محدثا؛ لأن المحدث بدأ فى الزمان ولابد أن ينتهى أيضا فى الزمان، فالتجزؤ إلى ما لا نهاية يعنى قدم العالم وسرمديته وهذا ما يرفضه أبو الهزيل. إلا أن النظام ألزمه على قوله أن حركات أمل الجنة لابد وأن تتوقف فى زمن ما فيتخلدون على الوضع الذى توقفت عنده حركاتهم فى سكون أبدى، وذلك لأن الحركة مرتبطة بانقسام المادة فإذا توقف الانقسام توقفت الحركة.
أما النظام فقد كان يرى أنه ما من جزء إلا ويتجزأ إلى ما لا نهاية ومن ثم لا تتوقف الحركة فى الكون أبدا، وكذلك لا تتوقف حركات أهل الجنة. وقد كان رأى النظام فى الجزء الذى يتجزأ أساسا لما عرف فيما بعد بالنظرية الذرية فى الإسلام وبه قال أكثر الفلاسفة.
وقد ثار الجدل حول خلود الكافر والفاسق فى النار ضمن الحديث عن الشفاعة والوعد والوعيد واستحقاق الثواب والعقاب حيث أنكرها المعتزلة بناء على ما ذهبوا إليه فى الوعد والوعيد وأثبتها أهل السنة بناء على ثبوتها بنص القرآن الكريم. أما الفلاسفة فقد قال منهم ابن سينا وأبو البركات البغدادى بخلود النفس متأثرين فى ذلك على ما يبدو بأفلاطون (٣٤٧ ق. م.) وقد قررتها المسيحية والإسلام وفى الفلسفة الحديثة عن كانط خلود النفس الإنسانية من مسلمات العقل العملى، ويعنى خلود النفس حسب ما جاء فى المعجم الفلسفى: "بقاؤها بعد فناء البدن مع احتفاظها بخصائصها ومميزاتها الفردية".
أ. د/السيد محمد الشاهد
стр. 271
١٨ - الخلوة
لغة: انفراد الإنسان بنفسه أو بغيره، أو بمعنى: المكان الذى يتم فيه ذلك، ومنه قول أنس بن مالك -رضى الله عنه- جاءت امرأة من الأنصار إلى النبى ﷺ فخلا بها (رواه البخارى) (١) أى ابتعد منفردا بها بحيث لا يسمع الحاضرون شكواها، لا بحيث يغيب عن أبصارهم.
واصطلاحا: للفظ الخلوة استعمالان:
١ - استعمال فقهى بمعنى انفراد الرجل بالمرأة فى مكان يبعد أن يطلع عليهما فيه أحد.
وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه حرام، لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، أنه سمع النبى ﷺ يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) (رواه البخارى (٢)، ومسلم) (٣) كما روى عن ابن عمر من خطبة لعمر -رضى الله عنهما- (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) (رواه الترمذى فى سننه) (٤).
ولا يلزم الزوجة أن تمكن الزوج من نفسها فى غير خلوة، ولا يجوز له أن يطلب ذلك منها.
والخلوة عند المالكية نوعان:
أ- خلوة الاهتداء، وهى: أن يوجد الزوج معها وحدها فى محل ترخى الستور على نوافذه إن كانت ستور، وغلق الباب الموصل لهما، بحيث لا يصل إليهما أحد.
ب- وخلوة الزيارة، وهى: أن تزوره فى بيته، أو يزورها فى بيتها، أو يزور الاثنان شخصا آخر فى بيته.
وعند الحنفية: الخلوة الصحيحة التي تترتب عليها أحكام الزوجية هى:
أن يجتمعا فى مكان، وليس هناك مانع يمنعهما من الوطء، لاحسا. ولا شرعا. ولا طبعا. ولاختلاف المذاهب فى اعتبارات الخلق وأحوالها وأحوال أطرافها، والربط بينهما وبين الآيات القرآنية من مثل قوله تعالى:
﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ النساء:٤، وقوله: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين. وأن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ البقرة:٢٣٦،٢٣٧، وقوله: ﴿ياأيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ الأحزاب:٤٩، لاختلاف المذاهب فى ذلك اختلفت بعض أحكامها فيما يتعلق بإيجاب المهر كله، أو نصفه، أو إسقاطه، وكذلك فى المتعة والعدة والنسب عند حدوث الولد، والاحصان، وحرمة من تحرم بالزواج، إلى غير ذلك من الأحكام.
٢ - استعمال صوفى بمعنى محادثة السر -الذى هو محل المشاهدة- مع الحق بحيث لا يرى غيره، وهذه حقيقتها، أما صورتها فهى ما يتوصل به إلى تحقيق ذلك.
وهذا يرجع إلى منهجهم فى مجاهدة النفس، حيث يرون أن الخلوة أعون للمريد على التركيزفى عبادته حتى يمحو ما فى نفسه من ذميم الصفات، ويحصل على صفو العلاقة بالله ، فمن وجد فى نفسه القوة أن يكون مع الناس بجسمه ومع الحق وحده بروحه وسره، فالخلطة والاجتماع له افضل، وللمشايخ فى المفاضلة بين الخلوة والمخالطة ترجيحات تعود إلى تقدير أحوال المريد، وهم يرجعون فى شأن الخلوة إلى ما روى عن رسول الله ﷺ فى حديث بدء الوحى (٥)، أنه ﷺ حبب إليه الخلاء، فكان يأتى غار حراء فيتحنث فيه الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة رضى الله عنها فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء.
وقد وضعوا للخلوة شروطا لكى تثمرثمارا صحيتة، فما كان منها وفقا لقواعد الشرع وصدق المتابعة لرسول الله ﷺ أثمر تنوير القلب، والزهد فى الدنيا، وحلاوة الذكر، والمعاملة لله بالاخلاص، لذلك يحتاج المريد إلى تعلم ما يلزمه من علوم الشريعة قبل الدخول فى الخلوة.
وما لم يستوف المريد شروطها فإنها توقعه فى فتنة أو بلية، وقد تنتج له صفاء فى النفس يستعان به على اكتساب علوم الرياضة، مما يعتنى به الفلاسفة وامثالهم، وقد يوجد عندهم ما يشبه فى صورته أحوال المتابعين للشرع، فيكون فى حقهم مكرا واستدراجا، ولا يصح للمريد أن يغتر بشىء من ذلك حتى لو مشى على الماء أوطار فى الهواء، لأن من تعلق بخيال، أو قنع بمحال، ولم يحكم أساس خلوته فى الإخلاص فإنه يدخل الخلوة بالزور، ويخرج بالغرور، ويسلبه الله لذة العبادة، ويفتضح فى الدنيا والآخرة.
وكثيرا ما يكتفون فى الخلوة بأربعين يوما يسمونها الأربعينية؛ رجاء أن ينسحب حكم الأربعين على جميع الزمان بحيث تجعل المدوامة فيها على شىء خلقا كالخلق الأصلى الغريزى.
واعتمدوا فى تحديد الأربعينية على حديث رواه مكحول قال: رسول الله ﷺ (٦) (من أخلص لله تعالى العبادة أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) وهو حديث ضعيف الإسناد إلا أن الصوفية يؤيدون معناه بما ورد فى القرآن الكريم عن موسى ﵇ حيث يقول ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ الأعراف:١٤٢، ففيها إشارة إلى الاستعداد البدنى والنفسى خلالها بمزيد عبادة وتبتل من أجل استقبال واردات الحق.
ومن أصولهم أن من يدخل الخلوة ينبغى أن يكون خاليا من جميع الأفكار إلا ذكر الله، ومن جميع المرادات إلا مراد ربه، بصرف النظر عما يمكن أن يقع دون نظر إلى شىء سواه، وإلا فتن بهواه.
أ. د/عبد الفتاح عبد الله بركة
стр. 272
١٩ - الخوف
جاء لفظ الخوف فى القرآن الكريم فى ست وعشرين آية، مُنكّراً ومعرَّفا ومضافا، وقد ورد الأمر به- كشرط للإيمان- فى قوله تعالى:﴾ وخافون إن كنتم مؤمنين ﴿(آل عمران ١٧٥). والخوف من الله قد يكون خوفا من عقابه على المعاصى، أو طمعا فى جنته، والعبادة مع هذا الخوف لا تتمحض لوجه الله، فهى وسيلة للنجاة من العقاب أو الطمع فى الثواب، وللنفس فى هذه العبادة حظ ونصيب، وقد يكون الخوف من الله تعالى لمقامه العظيم ليس إلا، وهذا الخوف ينشأ من كثره التأمل عند العُبّاد- فى مقايسة ذل العبودية إلى عز الألوهية وجبروتها، وليس للنفس فى العبادة الناشئة عن هذا الخوف أدنى نصيب فى طمع أو نفع، ولعل هذا ما تشير إليه الآية الكريمة:﴾ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴿. (الرحمن ٤٦).
ويحتل موضوع "الخوف " مكانة بارزة فى أنظار الصوفية وأقوالهم، سواء من حيث " المفهوم " أو
" المراتب " أو " الثمرات الروحية التى تثمرها كل مرتبة. وربما كان الكلاباذى (ت ٣٨٠ هـ) من أوائل من عالجوا هذا الموضوع من منظور صوفى بعد الحكيم الترمذى (المتوفى حوالى ٣١٨ هـ) والنِّفرى (المتوفى بعد سنة ٣٦٦ هـ. لكننا نجد تحليلاً أدق لهذا الموضوع فى "منازل السائرين " للهروى (المتوفى ٤٨١ هـ)، الذى أهتمَّ بتحرير مفهوم "الخوف " وبيان درجاته الثلاث، وهى: درجة العامة الذين يخافون من العقوبة، ودرجة أهل المراقبة، الخائفين من المكر وسلب لذة الحضور، ثم درجة أهل الخصوص، وهى أعلى درجات الخوف وفيها يسمى الخوف: "هيبة"، وهؤلاء يخافون من " الإعراض " بعد " الإقبال "، وتبلغ هذه الدرجة ذروة سنامها فى أنموذج النبى ﷺ لأنه "لا إقبال أتم من إقباله " فلا خوف أشد من خوفه، وهنا يشير الصوفية إلى حديث مسلم: "… إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له " (رواه مسلم).
وتمتاز معالجة القشيرى (ت ٤٦٥ هـ) لموضوع الخوف بشيء غير قليل من المنهجية وتنظيم الأفكار، وربما ظل تعريف القشيرى للخوف هو التعريف الثابت فى كتابات من جاءوا بعده وكتبوا فى مصطلح "الخوف " مثل: الإمام الغزالى، والقاشانى، والجرجانى، وابن عربى وغيرهم. وقد مزج القشيرى- كعادته- فى شرح هذا المصطلح بين "البُعد الصوفى العرفانى" المتمثل فى أقوال الصوفية وتجاربهم وحكايات الخائفين ومأثوراتهم، وبين "البُعد الشرعى" المرتكز على آيات من القرآن وأحاديث من السنة الصحيحة (١). غير أن أوفى دراسة عن الخوف وأعمقها فى التراث الصوفى نجدها عند الإمام الغزالى (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) فى كتابه: الإحياء؛ فقد تناول فيها- بإسهاب- حقيقة الخوف وبيان درجاته، وفضيلته، وهل الأفضل: الخوف أو الرجاء؟ وأيضا: علاج الخوف ودواءه، وبيان أحوال الخائفين من الأنبياء والصالحين، وغير ذلك.
أ. د/ أحمد الطيب
١ - انظر على سبيل المثال- حديث عائشة الذى أورده القشيرى من جامع الترمذى: أبواب التفسير، باب: ومن سورة المؤمنين، حديث ٣١٧٥. ط. دار السلام. الرياض، (١٤٢٠هـ -١٩٩٩م)
стр. 273
٢٠ - الخيال
لغة: ما تشبه لك فى اليقظة والحلم من صورة، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: يقصد به أحد قوتين:
١ - القوة الذهنية التى تحتفظ بصور المحسوسات، بكل أنواعها من مرئية ومسموعة وملموسة ومشمومة، بعد غياب هذه المحسوسات عن الحواس التى أدركتها.
وهو بهذا المعنى شىء يشبه الذاكرة، سواء كانت هذه الذاكرة تفصيلية حرفية تحفظ الأشياء الفردية كما أدركها صاحبها، أو ذاكرة إجمالية مجردة تحفظ الصور العامة للمدركات الحسية.
٢ - القوة الذهنية الأخرى التى تعتمد على صور المدركات السابق ذكرها، فتختار منها بعض عناصرها، وتقوم بالتأليف بينها مبدعة بذلك صورا جديدة.
وهذه الصور الجديدة قد تكون مع هذا واقعية (أى ليست مستحيلة؛ بل يمكن أن تقع)، وقد تكون خارقة مستحيلة، كما فى الملاحم القديمة، والخرافات والأساطير، وكما فى كثيرمن قصص "ألف ليلة وليلة" و"رسالة التوابع والزوابع" وبعض قصص جوته وإدجار ألن بو، وقصة "آلة الزمن" لهربرت جورج ولز، و"عود على بدء" لإبراهيم المازنى.
وهذه الصور الخيالية قد تكون صورا محدودة جزئية، مثلما هو الحال فى التشبيه والاستعارة والمجاز، وقد تكون صورا كلية فسيحة المدى، كما هو الحال فى القصص والمسرحيات، وقد تكون شيئا وسطا بين هذا وذاك، كما فى اللوحات التصويرية في بعض القصائد والمقالات وغيرها.
وقد اختلف موقف النقاد والأدباء المبدعين من الخيال:
فبعضهم كأفلاطون قد أدانه، ومن ثم أخرج الشعراء من "جمهوريته ".
وبعضهم رحب به أيما ترحيب، وجعله محور الإبداع، كنقاد العرب القدماء، الذين كانوا يرون أن أعذبا الشعر أكذبه، وكالرومانسيين.
وغنى عن البيان أن الواقعية هى أيضا لا تستغنى عن الخيال، بل أن أحد ألوانها، وهى الواقعية السحرية، التى ظهرت مؤخرا فى أعمال قصاصى أمريكا اللاتينية، يخلط بين الواقعى والخرافى الغرائبى فى جديلة واحدة، وليس فى هذا ما يدعو إلى الدهشة أو التعجب؛ إذ لا يعدو الأمر أن يكون تضافرا بين درجتين أو نوعين من أنواع الخيال.
وفى الشعر الصوفى الإسلامى يتلون الخيال بصبغة خاصة، إذ يتجه إلى عالم الغيب الأعلى تبعا لاهتمامات أصحابه، الذين يولون وجوههم نحو الله ، محاولين الاقتراب منه، بل والفناء فيه كما يزعمون، فنراهم يتحدثون عن ليلى ووصالها لهم وهجرها إياهم، وعن الخمرة والساقى وما إلى ذلك، وهم إنما يقصدون (حسبما يقولون) الذات الإلهية، والنشوة الروحيه التى تعتريهم عند نجاحهم فى تحقيق ما يصبون إليه من الاقتراب منها، أو الفناء المزعوم فيها.
أ. د/إبراهيم عوض
стр. 274
٢١ - خيال الظل
لغة: الخيال ما تشبه لك فى اليقظة والحلم من صورة.
واصطلاحا: خيال الظل لون من الفن التمثيلى الشعبى.
ويقوم هذا الفن على تحريك شخوص جلدية كاريكاتورية بين مصدر ضوئى وشاشة بيضاء، تسقط عليها ظلال هذه الشخوص التى صممت بحيث تظهرعلى الشاشة نقوشها وألوانها.
وتسمى الواحدة من تمثيليات خيال الظل "بابة" وتجمع لغتها عادة بين الفصحى والعامية، وبين الشعر والسجع، كما دخلها بعد ذلك الغناء والتلحين، ويسمى الرجل الذى يحرك هذه الشخوص ب "المخايل" أما منشد أزجال البابة، فيطلق عليه "الحازق".
وقد تكون البابة انتقادا لبعض العيوب الأخلاقية والاجتماعية، أو تصويرا فكاهيا لبعض أرباب الحرف والصناعات، أو عرضا لبعض الأحداث التاريخية الهامة كمقتل طومان باى، وفتح السودان.
وترجع أصول هذا الفن غالبا إلى الهند أو الصين، وربما جاء إلينا عبر المغول، وقد استمرهذا الفن معروفا فى البلاد العربية إلى أوائل القرن العشرين، وكانت تمثيليات خيال الظل تمثل فى قصور الحكام والكبراء، أو فى بيوت خاصة بها يرتادها الجمهور، كما هو الحال فى المسارح ودور الخيالة اليوم.
ولعل أهم من ألف بابات خيال الظل هو "ابن دانيال" الكحال المشهور فى عصر الظاهر بيبرس، وهو عراقى الأصل، لكنه انتقل إلى مصر واستقر بها، والواقع أن "خيال الظل" يمثل خطوة رائدة لمسرح العرائس وفن الخيال كليهما.
أ. د/إبراهيم عوض
стр. 275
٢٢ - الخيانة
لغة: خانه يخونه خونا وخيانة. والخون: أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، والخون النقص، كما أن معنى الوفاء التمام، ومنه تخونه: إذا انتقص منه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء؛ لأنك إذا خنته الرجل، فى شىء فقد أدخلت عليه النقصان فيه كما فى الكشاف (١).
وفى الحديثه: (يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب) رواه أحمد، وخائنة الأعين: ما تسارق من النظر إلى ما لا يحل، ففى القرآن الكريم: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ غافر:١٩، أى يعلم خيانة الأعين.
واصطلاحا: من ضيع شيئا مما أمره الله به، أو اقترف أمرا مما نهى عنه أو عصى أمر رسول الله ﷺ أو فرط فى الأمانة يعد خائنا، يقول الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ الأنفال:٢٧.
ومن أظهر خلاف ما يبطن، فهو خائن، ففى الحديث: "لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين" (رواه أبو داود والنسائى)، أى أن يضمر فى نفسه غيرما يظهره. ومن ضيع أمانات الناس فهو خائن، ففى الحديثه (المسلم أخو المسلم لا يخونه … ) (رواه الترمذى) و (وآية المنافق ثلاث .... وإذا أؤتمن خان) (رواه البخارى) (٢).
والتعامل مع العدو أثناء الحرب لإمداده بأسرار الدولة: خيانة، يقول الله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بألله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أوأبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ المجادلة:٢٢، فحكم القرآن في هؤلاء الذين يتعاونون مع أعداء الله بيِّن واضح؛ إذ يعتبر ذلك خيانة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لقوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران:٢٨، إذ فى مناصرة الأعداء خطرعلى المسلمين، فمن يفعل ذلك فليس بمؤمن إلا في حالة الضعف والخوف من أذاهم، فتجوز الموالاة ظاهرا ريثما يعد المسلمون أنفسهم لمواجهة من يهددهم.
أ. د/محمد شامة
стр. 276
٢٣ - الخير
لغة: هو اسم تفضيل على غير قياس وهو ضد الشر، والخير الحسن لذاته ولما يحققه من لذة أو نفع أو سعادة، وجمعه خيور، وخيار، وأخيار، كما فى الوسيط (١).
ومنه قوله تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا﴾ المزمل:٢٠، أى تجدوه خيرا لكم من متاع الدنيا.
واصطلاحا: لها عدة تعريفات:
١ - ينظر "الأبيقوريون" إلى كل شعور باللذة على أنه خير بالنسبة إلى الفرد الذى يمارسه بغض النظر عن المصدر، وهذا يؤدى بالضرورة إلى إرجاع الفارق بين أى لذتين على أساس كمى.
٢ - بينما يرى "الرواقيون" أن الخيرهو الواجب؛ فالحياة الخيرة التى ينبغى لكل حكيم أن يسعى إليها هى تلك التى يتحدد بها واجب الإنسان على أساس قانون الطبيعة أو النظام الكونى للعقل.
٣ - فى حين تذهب "الأفلاطونية" الحديثة إلى أن الخيرهو خلاص النفس من سجنها المادى باتصالها بالواحد الأحد.
٤ - ثم جاءت "المسيحية" فبينت أن الخير هو طاعة القانون، وليس هذا القانون هو ما يكتشفه العقل البشرى، بل هو الوحى المنزل من السماء، فيجب علينا الالتزام به، لمجرد كونه تعبيرا عن الإرادة الإلهية، سواء بدا لنا معقولا أم غيرمعقول، منطقيا أم تعسفيا، عادلا أم ظالما.
٥ - ويصف "الإسلام" كل ما هو طيب ونافع للإنسان، فردا أو جماعة بأنه خير، فهو إحدى القيم الإسلامية الهامة، ذكره القرآن الكريم فى مائة وتسعين آية، فأمر به الله كقيمة مطلقة، أى من حيث هو خير فى نفسه من غير قياس إلى غيره فى قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ الحج:٧٧، وقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ البقرة:١٤٨.
وذكره الله تعالى فى معرض التفضيل فى آيات عدة، حيث بين:
١ - أن ما أنزل على محمد ﷺ خير مما هو عند الآخرين، فقال: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء .. ﴾ البقرة:١٠٥، فالخير فى هذه الآية هو الوحى، أى القرآن، وهو خير مما عندهم.
٢ - أن عبادة الله وتقواه خير من عبادة الأوثان: ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ العنكبوت:١٦، يعنى عبادة الله وتقواه خير لكم، أى خير للناس، إن كانوا يعلمون ما ذكره الله لهم من الآيات البينات، والدلائل الواضحة على إثبات هده الخيرية.
٣ - أن إعطاء كل ذى حق حقه خير ﴿فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خيرللذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون﴾ الروم:٣٨، يمكن أن يكون معناه: ذلك خيرمن غيره، ويمكن أن يقال: ذلك خير فى نفسه وإن لم يقس إلى غيره.
٤ - أن الآخرة خير من الدنيا: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ الأعلى:١٧، ﴿وللآخرة خيرلك من الأولى﴾ الضحى:٤.
٥ - الخير هو المال الكثير الطيب فى قوله ﴿إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ البقرة:١٨٠.
ورسالة محمد خير للإنسانية، والإيمان بها خير للإنسان، فردا أو جماعة، والعبادة نوع من أنواع فعل الخير، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذى هو عبارة عن التعظيم لأمر الله، وإلى الإحسان الذى هو عبارة عن الشفقة على خلق الله، ويدخل فيه: البر والمعروف، والصدقة على الفقراء، وحسن القول للناس، ودقة الالتزام بالقيم الإنسانية، وإتقان العمل فى جميع مجالات الحياة.
والخير عند الصوفى: تفويض الأمر لله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ إبراهيم:١١، والزهد فى الدنيا، والرضا، والتوكل، والانفرادية فى التعبد؛ لأنها تتيح له مواجهة نفسه، والتفتيش فيها، وتنقيتها، وتهيئتها لأن تصفو وتنجلى.
أ. د/محمد شامة
стр. 277
٢٤ - الخيلاء
لغة: الكبر، وقد اختال، وهو ذو خيلاء وذو مخيلة أى ذو كبر، كما فى الوسيط (١).
وعن ابن عباس رضى الله عنه (كل ما شئت والبس ما شئت ما خطأتك خلتان: سرف أو مخيلة) (رواه البخارى) (٢).
واصطلاحا: المختال: المتكبر، يقول الله تعالى ﴿ولا تمش فى الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ لقمان:١٨، وهو الصلف للمتباهى الجهول الذى يأنف من ذوى قرابته أو جيرانه، إذا كانوا فقراء، ولا يحسن عشرتهم. أو من يكون به خيلاء، وهو الذى يرى الناس عظمة نفسه وهو التكبر، يقول الرسول ﷺ : "من جر ثوبه خيلاء لم ينظرالله إليه .. " (رواه البخارى) (٣).
ولا يحمد الخيلاء إلا فى موضعين لقول الرسول ﷺ : "من الخيلاء وما يحبه الله فى الصدقة والحرب "، أما الصدقة فإنها تهز أريحية السخاء، فيعطيها طيبة بها نفسه، ولايستكثر كثيرا، ولا يعطى منها شيئا إلا وهو مستقل، وأما الحرب فإنه يتقدم فيها بنشاط وقوة ونخوة وجنان" (رواه النسائى).
والخائل: المعجب بنفسه الذى يتباهى أمام الناس، ويمشى فى الأرض مرحا، يقول تعالى: ﴿ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا﴾ الإسراء:٣٧.
أ. د/محمد شامة
стр. 278
١ - دار الإسلام
هى كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، وقال الشافعية: هى كل أرض تظهر فيها أحكام الإسلام، ويراد بظهور أحكام الإسلام كل حكم من أحكامه غير نحو العبادات كتحريم الزنى والسرقة، أو يسكنها المسلمون وان كان معهم فيها أهل ذمة، أو فتحها المسلمون، وأقروها بيد الكفار، أو كانوا يسكنونها، ثم أجلاهم الكفار عنها (١).
إذا استولى الكفار على بقعة من دار الإسلام، صار الجهاد فرض عين على جميع أفراد الناحية التى استولى عليها الكفار، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، أصحاء ومرضى، فإذا لم يستطع أهل الناحية دفع العدو عن دار الإسلام: صار الجهاد فرض عين على من يليهم من أهل النواحى الأخرى من دار الإسلام، وهكذا حتى يكون الجهاد فرض عين على جميع المسلمين، ولا يجوز تمكين غير المسلمين من دار الإسلام، ويأثم جميع المسلمين إذا تركوا غيرهم يستولى على شىء من دار الإسلام.
ويجب على أهل بلدان دار الإسلام وقراها من المسلمين إقامة شعائر الإسلام وإظهارها فيها كالجمعة، والجماعة، وصلاة العيدين، والأذان، وغير ذلك من شعائر الإسلام، فإن ترك أهل بلد أو قرية إقامة هذه الشعائر أو إظهارها قوتلوا وإن أقاموها سرا (٢).
ولا يجوز لغير المسلمين دخول دار الإسلام إلا بإذن من الإمام أو أمان فى سلم، ولا يجوز لهم إحداث دور عبادة لغير المسلمين كالكنائس والصوامع وبيت النار.
استيطان غير المسلم دار الإسلام:
قسم الفقهاء دار الإسلام إلى قسمين: جزيرة العرب وغيرها: فجزيرة العرب لا يُمكَّن غير المسلم من الاستيطان فيها وهذا محل اتفاق بين الفقهاء (٣).
واستدلوا بخبر: "لا يُترك بجزيرة العرب دينان (٤).
وخبر: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب (٥).
واختلفوا فى المراد من جزيرة العرب.
فقال الشافعية والحنابلة: المراد بالجزيرة العربية الحجاز، فتجوز إقامتهم فى غير الحجاز من الجزيرة، بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحداً من الكفار من اليمن، وتيماء ونجران.
وقال الأصمعى وأبو عبيد القاسم بن سلام حد الجزيرة من عدن إلى ريف العراق طولا. ومن تهامة إلى ما وراءها إلى أطراف الشام عرضا (٦).
وإذا وجد لقيط منبوذ فى دار الإسلام حكم بإسلامه وان كان فيها مع المسلمين غير مسلمين، وليس لغير المسلم إحياء موات فى دار الإسلام ولا يملكه بالإحياء ولا حفر معادنها، ولا يُمكَّن من ذلك.
أ. د/ فرج السيد عنبر
стр. 279
٢ - دار الحرب
اصطلاحاً: هى كل بقعة أحكام الكفر فيها ظاهرة (١).
وقد قسم العلماء الناس فى شأن الهجرة من دار الحرب إلى ثلاثة أقسام:
١ - من تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه مع المقام فى دار الحرب، وإن كانت امرأة لا تجد محرما، إن كانت تأمن على نفسها فى الطريق، أو كان خوف الطريق أقل من خوف المقام فى دار الحرب (٢). لقوله تعالى:﴾ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ﴿(النساء٩٧)
أما حديث: "لا هجرة بعد الفتح " (٣) فمعناه: لا هجرة من مكة بعد فتحها، لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة إن شاء الله.
٢ - من لا هجرة عليه: وهو من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة فى دار الكفر، أو ضعف كالنساء، والولدان لقوله تعالى:﴾ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ﴿(النساء٩٨)
٣ - من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه: وهو من يقدر على الهجرة ويتمكن من إظهار دينه فى دار الحرب هذا يستحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد وتكثير المسلمين.
وقال الحنفية: لا تجب الهجرة من دار الحرب لحديث: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (٤).
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الربا حرام فى دار الحرب كحرمته فى دار الإسلام فما كان حراما فى دار الإسلام، كان حراما فى دار الحرب، سواء بين المسلمين وبين أهل الحرب أو بين مُسْلِمَيْنِ لم يهاجرا من دار الحرب، وبهذا قال الشافعى ومالك، وأبو يوسف من الحنفية وقالوا إن النصوص جاءت فى تحريم الربا عامة، ولم تفرق بين دار ودار ولا بين مسلم وغيره (٥).
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يحرم الربا فى دار الحرب بين المسلم وأهل الحرب، ولا بين مُسْلِمَيْنِ لم يهاجرا من دار الحرب (٦) لحديث: "لا ربا بين المسلم والحربى فى دار الحرب" (٧). ولأن مالهم مباح فى دارهم، فبأى طريق أخذه المسلم أخذ مالا مباحا إذا لم يكن فيه غدر، ولأن مال أهل الحرب مباح بغير عقد فبالعقد الفاسد أولى.
والرأى الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء بعموم الأدلة، والجواب عن الحديث أنه مرسل ضعيف فلا حجة فيه.
واتفق الفقهاء على كراهة التزوج فى دار الحرب لمن دخل فيها من المسلمين بأمان لتجارة أو لغيرها، ولو بمسلمة، وتشتد الكراهة إذا كانت من أهل الحرب وعند الحنفية الكراهة تحريمية فى الحربية لافتتاح باب الفتنة، وتتزيهية فى غيرها لأن فيه تعريضا للذرية لفساد عظيم، إذ أن الولد إذا نشأ فى دارهم لا يؤمن أن ينشأ على دينهم وإذا كانت الزوجة منهم فقد تغلب على ولدها فيتبعها على دينها (٨). وقال الحنابلة: إذا كان المسلم أسيرا فى دار الحرب فلا يحل له التزوج لأنه إذا ولد له ولد كان لهم رقيقا (٩).
أ. د/ فرج السيد عنبر
стр. 280
٣ - دار الصناعة
لغةً: الصناعة اسم لحرفة الصانع، وعمله الصنعة، يقال: صنعه، يصنعه صنعاً. " وصناعة: عمله، والصنع إجادة الفعل وكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعاً (١).
وقد ذهب المالكية والشافعية إلى أنه تكره الصناعة فى المساجد لمنافاة ذلك حرمة المساجد، واستثنى الشافعية من ذلك المعتكف (٢).
واصطلاحاً: يقصد بدار الصناعة أو دار الصنعة المسفن. وقد انتقلت إلى اللغات الرومانية من العربية شأن كثير من المصطلحات التجارية والبحرية. ففى الإيطالية (دارسنا) و (أرسنالى) وفى الأسبانية (أرسنال)، ومنها انتقلت إلى جميع اللغات الأوروبية منها (٣).
وكانت دور الصناعة فى أول أمرها أحواضا خاصة بالأسطول ويظهر أنه لم تكن هناك دور للصناعة أول أيام الخلافة الإسلامية إلا فى مصر (٤). ثم بنى معاوية بن أبى سفيان داراً للصناعة فى (عكا) سنة ٤٩ هـ ثم نقلت إلى (صور) فى أواخر عهد بنى أمية.
ثم يقول المقريزى: لقد قامت بعد ذلك دور الصناعة فى جميع المواضع المهمة على الساحل، وكان المشرف على دار الصناعة يسمى "متولى الصناعة" أو "والى الصناعة" (٥)، وكان من جملة مناظر الخلفاء التى تم إنشاؤها منظرة بالصناعة فى الساحل القديم بمصر وكان بهذه الصناعة ديوان العمائر، وبقيت هذه المنظرة إلى آخر الدولة الفاطمية.
وكانت جميع المراكب والأساطيل تنشأ بدار الصناعة بالجزيرة فقام الوزير المأمون بتغيير ذلك، وأمر بإنشاء الشوانى وغيرها من المراكب النيلية الديوانية بالصناعة بمصر، وأضاف إليها دار الزبيب ليسهل عملية حمل الغلات السلطانية والأحطاب وغيرها.
(هيئة التحرير)
стр. 281
٤ - دار الضرب
لغة: الدَّارُ: المحل يجمع البناء. وقال ابن جنى: هى دَارَ يَدُورُ لكثرة حركات الناس فيها.
والضَّرَِبُ: الضَّرْبُ مصدر ضَرَبُته، وضَرَبَ الدِّرْهَم يَضْرِبُهُ ضَرْباً: طَبَعَه (كما فى اللسان) (١).
واصطلاحاً: هى عبارة عن منشأة صناعية، تتبع السلطة (غالباً) تقوم بإصدار عملات نقدية ذهبية، أو فضية، أو نحاسية أو برونزية، فيتداولها الناس، وتكون أساس تعاملهم المالى، ويمكن أن تَسُك هذه الدار (الرسمية) نقداً تكلفه الدولة، أو تقوم أحيانا بعملات للتجار، أو لدولة أخرى أحيانا لتزيد من سيولة النقد بعد أن تحصل على تكاليف الضرب.
ودار الضرب تؤدى خدمات جليلة لا تقل شأناً عما تؤديه مصارف الإصدار اليوم. وهناك اختلاف كبير بين دار الضرب أو دار السكة ودار العيار فدار الضرب تتعامل مع النقود، لكن دار العيار تتعامل مع الصنج والموازين، ودار الضرب تابعة لمشرف الدار، فى حين أن دار العيار تابعة للمحتسب، أو صاحب الشرطة.
ويمكن تصور العملية الفنية التى كان يقوم بها الصناع فى دار الضرب الإسلامية الأولى أجمالاً فى عدة نقاط:
١ - تسلم السبائك الطبيعية، أو الخامات موزونة.
٢ - صهر هذه السبائك أو الخامات وإعادة وزنها.
٣ - صب المعدن المصهور فى قوالب أغلب الظن أنها اسطوانية الشكل.
٤ - وزن القضبان الناتجة.
٥ - تقطيع القضبان قطعاً متساوية، وإعادة وزن كل قطعة.
٦ - محاولة تكميل استدارة القطعة وتسوية وجهيها.
٧ - الضرب على القطعة على الأزواج كل وجه على حدة، مع محاولة التحرز بجعل النقش فى الدائرة دون أن يشذ منه شىء.
٨ - مرحلة الفحص النهائى وتشمل الفحص والوزن والعد والتلميع وتوجيه العملة للتداول.
(هيئة التحرير)
١ - لسان العرب لابن منظور مادة (دار) ومادة (ضرب)
стр. 282
٥ - دار العهد
لغةً: الأمان والمَوْثق والذمة ومنه قيل للحربى يدخل بالأمان ذو عهد ومعاهد، والمعاهدة المعاقدة (١).
اصطلاحاً: هى كل بلد صَالَح الإمام أهلُها بترك القتال على أن تكون تلك الأرض لهم وللمسلمين الخراج عنها (٢) وتسمى دار الموادعة، ودار الصلح، ودار المعاهدة.
يجوز أن يعقد الإمام مع أهل الحرب عهدا للمصالحة يترك بموجبه القتال مدة بعوض أو بغير عوض فتكون تلك الدار دار عهد.
وينقسم عقد الصلح مع أهل الحرب إلى قسمين:
١ - أحدهما: يشترط فى عقد الصلح أن تكون تلك الأراضى لنا، ونقرها بأيديهم بخراج يؤدونه لنا، فهذا الصلح صحيح باتفاق الفقهاء، والخراج يعتبر أجرة نظير الانتفاع بالأرض لا يسقط بإسلامهم، ويؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى مسلم، وهم يصيرون أهل عهد والدار دار إسلام ليس لهم أن يتصرفوا فيها بالبيع أو الرهن.
والثانى: يشترط فى عقد الصلح معهم أن تكون الأرض لهم بموجب الصلح باتفاق الفقهاء، ويوضع الخراج على الأرض يؤدونه عنها ويكون لبيت المال وهذا الخراج يعتبر فى حكم الجزية فمتى أسلموا سقط عنهم، ولا تصير الدار دار إسلام وتكون دار عهد ولهم بيعها ورهنها، وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها ويقرون فيها ما أقاموا على العهد، ولا تؤخذ جزية رقابهم لأنهم فى غير دار الإسلام ولا يمنعون من إظهار شعائرهم فيها كالخمر والخنزير وضرب الناقوس ولا يمنعون إلا مما يتضرر به المسلمون كإيواء جاسوس، ونقل أخبار المسلمين إلى الأعداء وسائر ما يتضرر به المسلمون.
ويجب على الإمام أن يمنع المسلمين والذميين من إيذاء أهل دار العهد والتعرض لهم، لأنهم استفادوا الأمان فى أنفسهم وأموالهم بالموادعة وهذا العهد عقد غير لازم محتمل للنقض فللإمام أن ينبذ إليهم، لقوله تعالى:﴾ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴿(الأنفال ٥٨). أما إذا وقع العهد على أن تجرى فى دارهم أحكام الإسلام فهو عقد لازم لا يحتمل النقض منا، لأن العهد الواقع على هذا الوجه عقد ذمة والدار دار إسلام يجرى فيها حكم الإسلام.
فإن نقضوا الصلح بعد استقراره معهم فقد اختلف العلماء فيه: فذهب الشافعى وأبو يوسف ومحمد إلى أن دارهم تصير دار حرب، وقال أبو حنيفة: إن كان فى دارهم مسلم أو كان بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين، فتبقى دارهم دار إسلام يجرى على أهلها حكم البغاة وإن لم يكن بينهم مسلما ولا بين دار الحرب بلد للمسلمين فتكون دار حرب (٣).
أ. د/ فرج السيد عنبر
стр. 283
٦ - الداعي
لغةً: دعا دعواً ودعوة دعا الله: رجاه وابتهل إليه، ودعا إلى الدين وإلى المذهب: حثّ على اعتقاده، والداعى اسم الفاعل من الفعل دعا، وهو الذى يدعو لدين أو مذهب (١)
واصطلاحاً: الداعى من يقوم بدعوة حركية تسعى لتحقيق أهداف معينة حددها مقدما، وأعلن عنها كمحور للنشاط المنبعث من مذهبه.
وقيل: هو من يقوم بدعاية منظمة وفق أسس فنية، تهدف إلى أغراض معينة ومحددة. (٢)
وقيل: هو من يقوم بدعوة الجماهير ومخاطبة المجموع لتحقيق أهداف عن طريق التكتل الجماهيرى والوحدة الحركية. (٣) وظهور مصطلح الدعاة ارتبط بظهور التشيع على مسرح الحياة الإسلامية، حيث قام أفراد بالدعوة، ولم يصبح هذا اللفظ من المصطلحات التى لها مدلولها الخاص إلا بعد ظهور فرقة الإسماعيلية الباطنية، عقب وفاة جعفر الصادق (١٤٨هـ) فقد جعل الإسماعيلية نظاما خاصا لنشر دعوتهم التى كانت سرية، وبفضل هذا النظام وجهود الدعاة ثم تأسيس الدولة السياسية التى عرفت فى التاريخ بالدولة الفاطمية (٢٩٦ - ٩٦٣ هـ).
وكان الدعاة هم الركيزة الأولى التى اعتمد عليها الخلفاء الباطنيون فى طغيانهم واستبدادهم لأن عملهم كان خدمة السلاطين، وكانوا كثيرا ما يشجعونهم على الاستبداد والطغيان، وكانت مهام الدعاة ترتكز على أربعة مستويات:
١ - علمى: وهو القيام بالدعوة وتلقين أصول المذهب.
٢ - سياسى: وهو تجميع الناس حولهم ودعوتهم إلى خلع الخليفة العباسى وطاعة الخليفة الباطنى.
٣ - مالى: وهو جمع الأموال من الناس وإرسالها إلى الخليفة بعد خصم النفقات اللازمة لهم أثناء تأدية أعمالهم.
٤ - إدارى: وهو تقسيم البلاد أقساما إدارية حسبما يرون، وأن يأخذوا العهد على من يولونه على كل قسم نيابة عن الخليفة وهذه المهام الأربعة مجتمعة مهام سياسية بالدرجة الأولى تخدم الخليفة وتدعم سلطانه المطلق، وتقوى من إحكام قبضته على الشعب.
وقد كانت للدعاية السياسية عند الباطنية خصائص منها:
(أ) أنها تعبر عن عقيدة سياسية ذات جوهر دينى.
(ب) أنها دعاية تشهيرية وتحريضية ضد النظام القائم.
وكانت العلاقة بين الدعاة والأئمة قائمة على أساس المنفعة المتبادلة بين الطرفين فالأئمة يعتمدون على الدعاة فى تدعيم مركزهم السياسى وبسط نفوذهم على الشعب، والدعاة يحصلون فى مقابل ذلك على النفوذ والشهرة والإقطاعات والأموال الطائلة، فها هو ذا واحد من أشهر الدعاة والملقب بفيلسوف الدعوة أحمد حميد الدين الكرمانى يتحدث عن النعم الكثيرة التى أولاه إياها الحاكم بأمر الله فيقول: "وقضاء بحق النعمة فيما أولانيه ولى الله فى أرضه صلوات الله عليه وبركاته التى أصبحت بها فى نعمة تامة وروضة مدهامة ماؤها معين وهواؤها على المراد معين، وكأنها حور العين، ثم شكرا على الموهب، وطلبا للأجر والمثوبة" (٤).
ودرجات الدعاة عند الإسماعيلية هى:
١ - الباب، وهى أعلى درجات الدعاة، ولما يصل إليها إلا أفراد قلائل، وأحيط من يشغل هذه الدرجة بسرية تامة حتى فى عصر الظهور.
٢ - الحجة أو داعى الدعاة ويكون بجانب الإمام وله الإشراف على كل شىء يتصل بالدعوة.
٣ - داعى البلاغ، وله رتبة الاحتجاج.
٤ - الداعى المطلق، وله رتبة تعريف التأويل بالباطن.
٥ - الداعى المحدود، وله التعريف بالعبادات الظاهرة.
٦ - الداعى المأذون، وله أخذ العهد والميثاق.
٧ - الداعى المكالب أو المكاسر، وهو الذى يشكك الناس فى عقائدهم، يستميلهم إلى مذهب الإسماعيلية. (٥)
ومن أشهر الدعاة دعاة الإسماعيلية فمنهم الحسين بن حوشب بن زادان وأبو حاتم الرازى صاحب كتاب الزينة وأبو يعقوب السجزى أستاذ شيخ الدعوة الأكبر أحمد حميد الدين بن عبد الله الكرمانى، والداعى هبة الله بن موسى الشيرازى المعروف بالمؤيد فى الدين داعى الدعاة مناظر أبى العلاء المعرى، ومنهم عبدان وحمدان قرمط، وهم من دعاة القرامطة، وهى فرقة انشقت من الفرقة الإسماعيلية (٦).
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية القاهرة مادة (دعو) ١/ ٢٩٦.
٢ - بحوث فى السياسة د/ سويلم العمرى ص ٣٤٤ ط االأنجلو المصرية- القاهرة سنة ١٩٥٣ م
٣ - الفلسفة السياسية عند إخوان الصفا- د/محمد فريد حجاب ص ١٤٢ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ١٩٨٢ م.
٤ - راحة العقل- تأليف أحمد بن حميد الكرمانى ص ٨٤ تحقيق د/ مصطفى غالب- ط دار الأندلس بيروت ط ثانية ١٩٨٣ م.
٥ - السابق: ص ١٣٨.
٦ - دائرة المعارف الإسلامية مادة الداعى ٧/ ٩٤ - هـ ٩.
стр. 284
٧ - الدروز
هم فرقة من الباطنية لهم عقائد سرية وهم متفرقون بين جبال لبنان وحوران والجبل الأعلى من أعمال حلب، ويطلق عليهم جماعة حمزة.
وقد ظهر مذهب الدروز فى القرن الحادى عشر الميلادى فى مصر على عهد الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى، حيث ظهر بها رجل اسمه محمد بن إسماعيل الدرزى قدم مصر من بلاد فارس، فوافق القائلين بألوهية الحاكم بأمر الله، ودعا الناس للإيمان بها وأضاف إلى هذا الدين طائفة من العقائد القديمة وعقائد غلاة الشيعة فلم تصادف هذه الدعوة قبولا فى مصر ففر صاحبها إلى الشام فوجد هنالك آذاناً مصغية.
ولكن الدروز يلعنون هذا الرجل ولا يحترمونه وينتسبون إلى حمزة بن على الأعجمى الملقب بالهادى، وكان من خاصة الحاكم بأمر الله.
بعض معتقدات الدروز:
إن شريعة الدروز تتلخص فى إسقاط الفرائض الدينية التكليفية وعدم إقامة الفرائض الدينية الإسلامية، والاعتراف بالخصال التوحيدية، فمن اعترف بها فهو من الموحدين.
وهم فى ذلك يتفقون إلى حد كبير مع المبادئ التى نادى بها الحسن بن محمد زعيم الإسماعيلية الشرقية فى آلموت (سنة ٥٨٨ هـ) الذى طلب من أتباعه طرح جميع التكاليف الدينية.
غير أن الدروز يصومون فى أيام خاصة، وهى التسعة أيام الأولى من شهر ذى الحجة، وصيامهم يقترب من صيام عامة المسلمين من حيث الامتناع عن الطعام والشراب وأى عمل يبطل صيام المسلم، ويحتفلون بعيد الأضحى ويسمونه العيد الأكبر ومنهم من يجاهد نفسه فيصوم عدة أشهر متوالية.
ومن الدروز من يقلع عن الزواج إمعاناً فى التصوف، ومنهم من لا يأكل لحماً طوال حياته على نحو ما يفعله براهمة الهند.
ومن معتقداتهم أن كلمة الشهادة عندهم: (ليس فى السماء إله موجود ولا على الأرض رب معبود إلا الحاكم بأمره) فمن معتقداتهم أن الحاكم بأمر الله هو الله تعالى نفسه، وقد ظهر على الأرض عشر مرات أولاها فى العلى ثم فى الباز إلى أن ظهر عاشر مرة فى الحاكم بأمر الله، وأن الحاكم لم يمت بل اختفى حتى إذا خرج يأجوج ومأجوج- ويسمونهم القوم الكرام- يخرج الحاكم وينجلى على الركن اليمانى من البيت بمكة ويدفع إلى حمزة سيفه المذهّب فيقتل به إبليس ثم يهدمون الكعبة ويفتكون بالنصارى والمسلمين ويملكون الأرض كلها إلى الأبد.
ويعتقدون أن عدد الأرواح محدود، فالروح التى تخرج من جسد الميت تعود إلى الدنيا فى جسد طفل جديد.
وهم يعتقدون بالإنجيل والقرآن ويختارون منهما ما يستطيعون تأويله ويتركون ماعداه، ويقولون إن القرآن أوحى إلى سلمان الفارسى فأخذه محمد، ونسبه لنفسه، ويسمونه فى كتبهم المسطور المبين.
والدروز ينقسمون إلى عقّال أو أجاويد أى الذين يعرفون الأمور الدينية، وجهَّال أى الذين يجهلونها، والعقال درجات بحسب التقوى والمعرفة والإدراك، ويشترك النساء فى العقل الدينى مع الرجال، ولا يقبل بانتظام جاهل فى سلك العقال إلا بعد تكرار الطلب، وتأكد شيخ العقل فى القرية أو الناحية أنه مستحق، فإذا كان ذا أهلية يرتقى من درجة إلى درجة ويقال إن أعلاها مطالعة كتاب ذى شأن من كتبهم ويجتمعون فى الليل من كل يوم جمعة فى خلواتهم ليسمعوا قراءة كتبهم الدينية، فمنهم من ينصرف باكرا ومنهم فى وسط السهرة ومنهم فى آخرها حسب الدرجة، وقد يقع هذا التفاضل فى كل اجتماع أو فى بعض الاجتماعات، ويمنع الجهال الذين لا يعرفون أصول الدين ونصوصه من الاشتراك فى الاجتماعات الدينية إلا فى عيدهم، وهو عيد واحد عيد الضحية.
ومن عاداتهم أنهم يجتمعون رجالا ونساء ليتحدثوا فى الشئون السياسية والدينية، ولهم رموز وإشارات فى التعارف تشبه رموز البناء الحر الماهر عند الماسونية. وينقسم الدروز فى لبنان مدنياً إلى أمراء، ومشايخ، وعامة فالأمراء هم آل أرسلان، وأشهر المشايخ هم آل جنبلاط وعبد الملك وتلجون، أما العامة فهم شديدو الانقياد يحافظون على العادات المعروفة فى الجبل بطريقة الأمراء والمشايخ، وهؤلاء المشايخ ينقسمون إلى قسمين سياسيين كان جميع أهالى جنوبى لبنان منهما وهما جنبلاطى ويزبكى، ولهم رؤساء دينيون أولون فى كل مكان، فلهم فى لبنان رئيسا عقل أولان: أحدهما جنبلاطى والآخر يزبكى يقضيان فى الأمور الدينية الحظيرة ويعرفان بشيخى العصر.
ويقول ابن القيم فى كتابه القيم إغاثة اللهفان، بعد أن تحدث عن المجوس وفرقهم وأديانهم … ومنهم الخرمية- أصحاب بابك الخرمى- وهم شرّ طوائفهم لا يقرون بصانع، ولامعاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام وعلى مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والبشكية، والدرزية، والحاكمية وسائر العبيدية، الذين يسمون أنفسهم الفاطمية وهم أكفر الكفار". وبذلك يكون ابن القيم قد جمع الدروز مع كل هؤلاء الذين حكم بكفرهم.
(هيئة التحرير)
стр. 285
٨ - الدستور
يقصد بالدستور القانون الأساسى الذى يوضح النظام السياسى الذى تتبناه الدولة والسلطات الرئيسية التى تمارس مهمة الحكم فيها، والعلاقة بين هذه السلطات، كما يتضمن الدستور المبادئ العامة التى يجب أن تسير عليها هذه السلطات، مغفلاً عن حقوق الأشخاص وواجباتهم.
وبعبارة أخرى فهو الوثيقة الرئيسية التى تحكم عمل سلطات الدولة وتوجه السياسات التشريعية والتنفيذية والقضائية التى يجب أن تتبع فى كل دولة.
فبداية يوضح الدستور شكل الدولة إذا كانت ملكية أو جمهورية مثلا، كما يوضح النظام السياسى الذى تقدم عليه، فكثير من الدول تتبنى النظام الاشتراكى، وتتبنى غيرها النظام الرأسمالى، وهكذا. وتوضح نصوص الدساتير فى جملتها ما إذا كانت الدولة تأخذ بالنظام الرئاسى الذى يجعل رئيس الدولة هو حجر الزاوية فى النظام السياسى، وتجعل السلطة التنفيذية كلها بيديه، كما نرى فى الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، أم أن الذى يمارس الحكم هو الحكومة المشكلة من الحزب صاحب الأغلبية فى البرلمان، وضرورة أن تكون هذه الممارسة بالتعاون بين الحكومة والبرلمان. فالنظام الأول يسمى النظام الرئاسى، والنظام الثانى، يسمى النظام البرلمانى. توضح الدساتير المعالم الرئيسية للنظام السياسى الذى تقوم عليه الدولة.
وقد استقرت دساتير معظم الدول، إن لم يكن كلها الآن- على ضرورة وجود سلطات ثلاث للحكم هى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. وتقر الدساتير مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، مع وجود قدر من التعاون بينها، يختلف من دولة إلى دولة، ومن نظام إلى نظام.
وتبين الدساتير المقدمات الأساسية التى يقوم عليها نظام الدولة كاحترام الأسرة وجعلها الخلية الأساسية للمجتمع كما نرى فى الدستور المصرى، والاعتراف بالملكية الفردية واحترامها، واحترام الأديان وعدم المساس بقدسيتها، إلى غير ذلك من المقومات.
ويعتبر إقرار حقوق الأفراد وواجباتهم، من أهم الأمور التى تتولاها الدساتير واضعة بذلك الخطوط الرئيسية لهذه الحقوق والواجبات، تاركة للتشريعات والقوانين المختلفة، مهمة تفصيل مدى الحقوق والقيود التى توضع على ممارستها. ولم يعد هناك دستور لا يتضمن النص على حق الحياة وحمايته، وحرية الرأى بضماناته، وحرية العقيدة، واحترام الحقوق المتصلة بممارستها فضلا عن ضمانات تحقيق العدالة فى المجتمع.
وتحرص مختلف الدساتير على جعل القضاء سلطة حامية للحقوق وحريات المجتمع واضعة الضمانات التى تمكنه من ممارسة هذه المهمة الجليلة فى المجتمع. وكثيرا ما يقال إن الدولة الإسلامية لم تعرف دستورا، كما يقال كثيرا إن القرآن هو دستور الدولة الإسلامية. وهذه الأقوال لا تعبر عن الحقيقة. لأن الرسول ﷺ عندما ذهب إلى المدينة وقام ببناء الدولة بها، وضع دستورا مكتوبا نجده بنصه فى سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام أى لم ينقل عن طريق الراوية وإنما يرجح أنه كتب على وسيط مما كانت تكتب عليه الأمور الهامة وانتقل إلينا بهذا الشكل. ويطلق تاريخيا على هذا الدستور مصطلح "الصحيفة". وتروى الكتب أن الرسول ﷺ : جمع القبائل وبطون الطوائف التى كانت تعيش فى المدينة من مهاجرين وأنصار ووثنيين ويهود فى منزل دمنة بنت الحارث- وكانت يهودية- وجلسوا جميعا فى فناء هذا المنزل الفسيح وقرأ عليهم الصحيفة وأقرها- وهى من حيث النشأة- أتى بها الاتفاق الصريح بين أهل المدينة- ومن حيث مضمون ما وجد بها من مسائل دستور كامل. فقد أوضحت من يملك مهام السلطات الثلاث، كما أوضحت عناصر بناء الدولة من إقليم وشعب وسلطة، وأوضحت كذلك حقوق وواجبات من يتلو أحكام الصحيفة، والمهم أنها جعلت الصحيفة الأساس لقيام هذا المجتمع وممارسة سلطاته فى وقت لم يكن المجتمع الدولى قد عرف ذلك. لأن الصحيفة وضعت فى العام الأول للهجرة.
أ. د/ جعفر عبد السلام