← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٤ - دار الضرب لغة: الدَّارُ: المحل يجمع البناء. وقال ابن جنى: هى دَارَ يَدُورُ لكثرة حركات الناس فيها. والضَّرَِبُ: الضَّرْبُ مصدر ضَرَبُته، وضَرَبَ الدِّرْهَم يَضْرِبُهُ ضَرْباً: طَبَعَه (كما فى اللسان) (١). واصطلاحاً: هى عبارة عن منشأة صناعية، تتبع السلطة (غالباً) تقوم بإصدار عملات نقدية ذهبية، أو فضية، أو نحاسية أو برونزية، فيتداولها الناس، وتكون أساس تعاملهم المالى، ويمكن أن تَسُك هذه الدار (الرسمية) نقداً تكلفه الدولة، أو تقوم أحيانا بعملات للتجار، أو لدولة أخرى أحيانا لتزيد من سيولة النقد بعد أن تحصل على تكاليف الضرب. ودار الضرب تؤدى خدمات جليلة لا تقل شأناً عما تؤديه مصارف الإصدار اليوم. وهناك اختلاف كبير بين دار الضرب أو دار السكة ودار العيار فدار الضرب تتعامل مع النقود، لكن دار العيار تتعامل مع الصنج والموازين، ودار الضرب تابعة لمشرف الدار، فى حين أن دار العيار تابعة للمحتسب، أو صاحب الشرطة. ويمكن تصور العملية الفنية التى كان يقوم بها الصناع فى دار الضرب الإسلامية الأولى أجمالاً فى عدة نقاط: ١ - تسلم السبائك الطبيعية، أو الخامات موزونة. ٢ - صهر هذه السبائك أو الخامات وإعادة وزنها. ٣ - صب المعدن المصهور فى قوالب أغلب الظن أنها اسطوانية الشكل. ٤ - وزن القضبان الناتجة. ٥ - تقطيع القضبان قطعاً متساوية، وإعادة وزن كل قطعة. ٦ - محاولة تكميل استدارة القطعة وتسوية وجهيها. ٧ - الضرب على القطعة على الأزواج كل وجه على حدة، مع محاولة التحرز بجعل النقش فى الدائرة دون أن يشذ منه شىء. ٨ - مرحلة الفحص النهائى وتشمل الفحص والوزن والعد والتلميع وتوجيه العملة للتداول. (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب لابن منظور مادة (دار) ومادة (ضرب)

стр. 282

٥ - دار العهد لغةً: الأمان والمَوْثق والذمة ومنه قيل للحربى يدخل بالأمان ذو عهد ومعاهد، والمعاهدة المعاقدة (١). اصطلاحاً: هى كل بلد صَالَح الإمام أهلُها بترك القتال على أن تكون تلك الأرض لهم وللمسلمين الخراج عنها (٢) وتسمى دار الموادعة، ودار الصلح، ودار المعاهدة. يجوز أن يعقد الإمام مع أهل الحرب عهدا للمصالحة يترك بموجبه القتال مدة بعوض أو بغير عوض فتكون تلك الدار دار عهد. وينقسم عقد الصلح مع أهل الحرب إلى قسمين: ١ - أحدهما: يشترط فى عقد الصلح أن تكون تلك الأراضى لنا، ونقرها بأيديهم بخراج يؤدونه لنا، فهذا الصلح صحيح باتفاق الفقهاء، والخراج يعتبر أجرة نظير الانتفاع بالأرض لا يسقط بإسلامهم، ويؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى مسلم، وهم يصيرون أهل عهد والدار دار إسلام ليس لهم أن يتصرفوا فيها بالبيع أو الرهن. والثانى: يشترط فى عقد الصلح معهم أن تكون الأرض لهم بموجب الصلح باتفاق الفقهاء، ويوضع الخراج على الأرض يؤدونه عنها ويكون لبيت المال وهذا الخراج يعتبر فى حكم الجزية فمتى أسلموا سقط عنهم، ولا تصير الدار دار إسلام وتكون دار عهد ولهم بيعها ورهنها، وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها ويقرون فيها ما أقاموا على العهد، ولا تؤخذ جزية رقابهم لأنهم فى غير دار الإسلام ولا يمنعون من إظهار شعائرهم فيها كالخمر والخنزير وضرب الناقوس ولا يمنعون إلا مما يتضرر به المسلمون كإيواء جاسوس، ونقل أخبار المسلمين إلى الأعداء وسائر ما يتضرر به المسلمون. ويجب على الإمام أن يمنع المسلمين والذميين من إيذاء أهل دار العهد والتعرض لهم، لأنهم استفادوا الأمان فى أنفسهم وأموالهم بالموادعة وهذا العهد عقد غير لازم محتمل للنقض فللإمام أن ينبذ إليهم، لقوله تعالى:﴾ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴿(الأنفال ٥٨). أما إذا وقع العهد على أن تجرى فى دارهم أحكام الإسلام فهو عقد لازم لا يحتمل النقض منا، لأن العهد الواقع على هذا الوجه عقد ذمة والدار دار إسلام يجرى فيها حكم الإسلام. فإن نقضوا الصلح بعد استقراره معهم فقد اختلف العلماء فيه: فذهب الشافعى وأبو يوسف ومحمد إلى أن دارهم تصير دار حرب، وقال أبو حنيفة: إن كان فى دارهم مسلم أو كان بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين، فتبقى دارهم دار إسلام يجرى على أهلها حكم البغاة وإن لم يكن بينهم مسلما ولا بين دار الحرب بلد للمسلمين فتكون دار حرب (٣). أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 283

٦ - الداعي لغةً: دعا دعواً ودعوة دعا الله: رجاه وابتهل إليه، ودعا إلى الدين وإلى المذهب: حثّ على اعتقاده، والداعى اسم الفاعل من الفعل دعا، وهو الذى يدعو لدين أو مذهب (١) واصطلاحاً: الداعى من يقوم بدعوة حركية تسعى لتحقيق أهداف معينة حددها مقدما، وأعلن عنها كمحور للنشاط المنبعث من مذهبه. وقيل: هو من يقوم بدعاية منظمة وفق أسس فنية، تهدف إلى أغراض معينة ومحددة. (٢) وقيل: هو من يقوم بدعوة الجماهير ومخاطبة المجموع لتحقيق أهداف عن طريق التكتل الجماهيرى والوحدة الحركية. (٣) وظهور مصطلح الدعاة ارتبط بظهور التشيع على مسرح الحياة الإسلامية، حيث قام أفراد بالدعوة، ولم يصبح هذا اللفظ من المصطلحات التى لها مدلولها الخاص إلا بعد ظهور فرقة الإسماعيلية الباطنية، عقب وفاة جعفر الصادق (١٤٨هـ) فقد جعل الإسماعيلية نظاما خاصا لنشر دعوتهم التى كانت سرية، وبفضل هذا النظام وجهود الدعاة ثم تأسيس الدولة السياسية التى عرفت فى التاريخ بالدولة الفاطمية (٢٩٦ - ٩٦٣ هـ). وكان الدعاة هم الركيزة الأولى التى اعتمد عليها الخلفاء الباطنيون فى طغيانهم واستبدادهم لأن عملهم كان خدمة السلاطين، وكانوا كثيرا ما يشجعونهم على الاستبداد والطغيان، وكانت مهام الدعاة ترتكز على أربعة مستويات: ١ - علمى: وهو القيام بالدعوة وتلقين أصول المذهب. ٢ - سياسى: وهو تجميع الناس حولهم ودعوتهم إلى خلع الخليفة العباسى وطاعة الخليفة الباطنى. ٣ - مالى: وهو جمع الأموال من الناس وإرسالها إلى الخليفة بعد خصم النفقات اللازمة لهم أثناء تأدية أعمالهم. ٤ - إدارى: وهو تقسيم البلاد أقساما إدارية حسبما يرون، وأن يأخذوا العهد على من يولونه على كل قسم نيابة عن الخليفة وهذه المهام الأربعة مجتمعة مهام سياسية بالدرجة الأولى تخدم الخليفة وتدعم سلطانه المطلق، وتقوى من إحكام قبضته على الشعب. وقد كانت للدعاية السياسية عند الباطنية خصائص منها: (أ) أنها تعبر عن عقيدة سياسية ذات جوهر دينى. (ب) أنها دعاية تشهيرية وتحريضية ضد النظام القائم. وكانت العلاقة بين الدعاة والأئمة قائمة على أساس المنفعة المتبادلة بين الطرفين فالأئمة يعتمدون على الدعاة فى تدعيم مركزهم السياسى وبسط نفوذهم على الشعب، والدعاة يحصلون فى مقابل ذلك على النفوذ والشهرة والإقطاعات والأموال الطائلة، فها هو ذا واحد من أشهر الدعاة والملقب بفيلسوف الدعوة أحمد حميد الدين الكرمانى يتحدث عن النعم الكثيرة التى أولاه إياها الحاكم بأمر الله فيقول: "وقضاء بحق النعمة فيما أولانيه ولى الله فى أرضه صلوات الله عليه وبركاته التى أصبحت بها فى نعمة تامة وروضة مدهامة ماؤها معين وهواؤها على المراد معين، وكأنها حور العين، ثم شكرا على الموهب، وطلبا للأجر والمثوبة" (٤). ودرجات الدعاة عند الإسماعيلية هى: ١ - الباب، وهى أعلى درجات الدعاة، ولما يصل إليها إلا أفراد قلائل، وأحيط من يشغل هذه الدرجة بسرية تامة حتى فى عصر الظهور. ٢ - الحجة أو داعى الدعاة ويكون بجانب الإمام وله الإشراف على كل شىء يتصل بالدعوة. ٣ - داعى البلاغ، وله رتبة الاحتجاج. ٤ - الداعى المطلق، وله رتبة تعريف التأويل بالباطن. ٥ - الداعى المحدود، وله التعريف بالعبادات الظاهرة. ٦ - الداعى المأذون، وله أخذ العهد والميثاق. ٧ - الداعى المكالب أو المكاسر، وهو الذى يشكك الناس فى عقائدهم، يستميلهم إلى مذهب الإسماعيلية. (٥) ومن أشهر الدعاة دعاة الإسماعيلية فمنهم الحسين بن حوشب بن زادان وأبو حاتم الرازى صاحب كتاب الزينة وأبو يعقوب السجزى أستاذ شيخ الدعوة الأكبر أحمد حميد الدين بن عبد الله الكرمانى، والداعى هبة الله بن موسى الشيرازى المعروف بالمؤيد فى الدين داعى الدعاة مناظر أبى العلاء المعرى، ومنهم عبدان وحمدان قرمط، وهم من دعاة القرامطة، وهى فرقة انشقت من الفرقة الإسماعيلية (٦). (هيئة التحرير) ١ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية القاهرة مادة (دعو) ١/ ٢٩٦. ٢ - بحوث فى السياسة د/ سويلم العمرى ص ٣٤٤ ط االأنجلو المصرية- القاهرة سنة ١٩٥٣ م ٣ - الفلسفة السياسية عند إخوان الصفا- د/محمد فريد حجاب ص ١٤٢ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ١٩٨٢ م. ٤ - راحة العقل- تأليف أحمد بن حميد الكرمانى ص ٨٤ تحقيق د/ مصطفى غالب- ط دار الأندلس بيروت ط ثانية ١٩٨٣ م. ٥ - السابق: ص ١٣٨. ٦ - دائرة المعارف الإسلامية مادة الداعى ٧/ ٩٤ - هـ ٩.

стр. 284

٧ - الدروز هم فرقة من الباطنية لهم عقائد سرية وهم متفرقون بين جبال لبنان وحوران والجبل الأعلى من أعمال حلب، ويطلق عليهم جماعة حمزة. وقد ظهر مذهب الدروز فى القرن الحادى عشر الميلادى فى مصر على عهد الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى، حيث ظهر بها رجل اسمه محمد بن إسماعيل الدرزى قدم مصر من بلاد فارس، فوافق القائلين بألوهية الحاكم بأمر الله، ودعا الناس للإيمان بها وأضاف إلى هذا الدين طائفة من العقائد القديمة وعقائد غلاة الشيعة فلم تصادف هذه الدعوة قبولا فى مصر ففر صاحبها إلى الشام فوجد هنالك آذاناً مصغية. ولكن الدروز يلعنون هذا الرجل ولا يحترمونه وينتسبون إلى حمزة بن على الأعجمى الملقب بالهادى، وكان من خاصة الحاكم بأمر الله. بعض معتقدات الدروز: إن شريعة الدروز تتلخص فى إسقاط الفرائض الدينية التكليفية وعدم إقامة الفرائض الدينية الإسلامية، والاعتراف بالخصال التوحيدية، فمن اعترف بها فهو من الموحدين. وهم فى ذلك يتفقون إلى حد كبير مع المبادئ التى نادى بها الحسن بن محمد زعيم الإسماعيلية الشرقية فى آلموت (سنة ٥٨٨ هـ) الذى طلب من أتباعه طرح جميع التكاليف الدينية. غير أن الدروز يصومون فى أيام خاصة، وهى التسعة أيام الأولى من شهر ذى الحجة، وصيامهم يقترب من صيام عامة المسلمين من حيث الامتناع عن الطعام والشراب وأى عمل يبطل صيام المسلم، ويحتفلون بعيد الأضحى ويسمونه العيد الأكبر ومنهم من يجاهد نفسه فيصوم عدة أشهر متوالية. ومن الدروز من يقلع عن الزواج إمعاناً فى التصوف، ومنهم من لا يأكل لحماً طوال حياته على نحو ما يفعله براهمة الهند. ومن معتقداتهم أن كلمة الشهادة عندهم: (ليس فى السماء إله موجود ولا على الأرض رب معبود إلا الحاكم بأمره) فمن معتقداتهم أن الحاكم بأمر الله هو الله تعالى نفسه، وقد ظهر على الأرض عشر مرات أولاها فى العلى ثم فى الباز إلى أن ظهر عاشر مرة فى الحاكم بأمر الله، وأن الحاكم لم يمت بل اختفى حتى إذا خرج يأجوج ومأجوج- ويسمونهم القوم الكرام- يخرج الحاكم وينجلى على الركن اليمانى من البيت بمكة ويدفع إلى حمزة سيفه المذهّب فيقتل به إبليس ثم يهدمون الكعبة ويفتكون بالنصارى والمسلمين ويملكون الأرض كلها إلى الأبد. ويعتقدون أن عدد الأرواح محدود، فالروح التى تخرج من جسد الميت تعود إلى الدنيا فى جسد طفل جديد. وهم يعتقدون بالإنجيل والقرآن ويختارون منهما ما يستطيعون تأويله ويتركون ماعداه، ويقولون إن القرآن أوحى إلى سلمان الفارسى فأخذه محمد، ونسبه لنفسه، ويسمونه فى كتبهم المسطور المبين. والدروز ينقسمون إلى عقّال أو أجاويد أى الذين يعرفون الأمور الدينية، وجهَّال أى الذين يجهلونها، والعقال درجات بحسب التقوى والمعرفة والإدراك، ويشترك النساء فى العقل الدينى مع الرجال، ولا يقبل بانتظام جاهل فى سلك العقال إلا بعد تكرار الطلب، وتأكد شيخ العقل فى القرية أو الناحية أنه مستحق، فإذا كان ذا أهلية يرتقى من درجة إلى درجة ويقال إن أعلاها مطالعة كتاب ذى شأن من كتبهم ويجتمعون فى الليل من كل يوم جمعة فى خلواتهم ليسمعوا قراءة كتبهم الدينية، فمنهم من ينصرف باكرا ومنهم فى وسط السهرة ومنهم فى آخرها حسب الدرجة، وقد يقع هذا التفاضل فى كل اجتماع أو فى بعض الاجتماعات، ويمنع الجهال الذين لا يعرفون أصول الدين ونصوصه من الاشتراك فى الاجتماعات الدينية إلا فى عيدهم، وهو عيد واحد عيد الضحية. ومن عاداتهم أنهم يجتمعون رجالا ونساء ليتحدثوا فى الشئون السياسية والدينية، ولهم رموز وإشارات فى التعارف تشبه رموز البناء الحر الماهر عند الماسونية. وينقسم الدروز فى لبنان مدنياً إلى أمراء، ومشايخ، وعامة فالأمراء هم آل أرسلان، وأشهر المشايخ هم آل جنبلاط وعبد الملك وتلجون، أما العامة فهم شديدو الانقياد يحافظون على العادات المعروفة فى الجبل بطريقة الأمراء والمشايخ، وهؤلاء المشايخ ينقسمون إلى قسمين سياسيين كان جميع أهالى جنوبى لبنان منهما وهما جنبلاطى ويزبكى، ولهم رؤساء دينيون أولون فى كل مكان، فلهم فى لبنان رئيسا عقل أولان: أحدهما جنبلاطى والآخر يزبكى يقضيان فى الأمور الدينية الحظيرة ويعرفان بشيخى العصر. ويقول ابن القيم فى كتابه القيم إغاثة اللهفان، بعد أن تحدث عن المجوس وفرقهم وأديانهم … ومنهم الخرمية- أصحاب بابك الخرمى- وهم شرّ طوائفهم لا يقرون بصانع، ولامعاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام وعلى مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والبشكية، والدرزية، والحاكمية وسائر العبيدية، الذين يسمون أنفسهم الفاطمية وهم أكفر الكفار". وبذلك يكون ابن القيم قد جمع الدروز مع كل هؤلاء الذين حكم بكفرهم. (هيئة التحرير)

стр. 285

٨ - الدستور يقصد بالدستور القانون الأساسى الذى يوضح النظام السياسى الذى تتبناه الدولة والسلطات الرئيسية التى تمارس مهمة الحكم فيها، والعلاقة بين هذه السلطات، كما يتضمن الدستور المبادئ العامة التى يجب أن تسير عليها هذه السلطات، مغفلاً عن حقوق الأشخاص وواجباتهم. وبعبارة أخرى فهو الوثيقة الرئيسية التى تحكم عمل سلطات الدولة وتوجه السياسات التشريعية والتنفيذية والقضائية التى يجب أن تتبع فى كل دولة. فبداية يوضح الدستور شكل الدولة إذا كانت ملكية أو جمهورية مثلا، كما يوضح النظام السياسى الذى تقدم عليه، فكثير من الدول تتبنى النظام الاشتراكى، وتتبنى غيرها النظام الرأسمالى، وهكذا. وتوضح نصوص الدساتير فى جملتها ما إذا كانت الدولة تأخذ بالنظام الرئاسى الذى يجعل رئيس الدولة هو حجر الزاوية فى النظام السياسى، وتجعل السلطة التنفيذية كلها بيديه، كما نرى فى الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، أم أن الذى يمارس الحكم هو الحكومة المشكلة من الحزب صاحب الأغلبية فى البرلمان، وضرورة أن تكون هذه الممارسة بالتعاون بين الحكومة والبرلمان. فالنظام الأول يسمى النظام الرئاسى، والنظام الثانى، يسمى النظام البرلمانى. توضح الدساتير المعالم الرئيسية للنظام السياسى الذى تقوم عليه الدولة. وقد استقرت دساتير معظم الدول، إن لم يكن كلها الآن- على ضرورة وجود سلطات ثلاث للحكم هى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. وتقر الدساتير مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، مع وجود قدر من التعاون بينها، يختلف من دولة إلى دولة، ومن نظام إلى نظام. وتبين الدساتير المقدمات الأساسية التى يقوم عليها نظام الدولة كاحترام الأسرة وجعلها الخلية الأساسية للمجتمع كما نرى فى الدستور المصرى، والاعتراف بالملكية الفردية واحترامها، واحترام الأديان وعدم المساس بقدسيتها، إلى غير ذلك من المقومات. ويعتبر إقرار حقوق الأفراد وواجباتهم، من أهم الأمور التى تتولاها الدساتير واضعة بذلك الخطوط الرئيسية لهذه الحقوق والواجبات، تاركة للتشريعات والقوانين المختلفة، مهمة تفصيل مدى الحقوق والقيود التى توضع على ممارستها. ولم يعد هناك دستور لا يتضمن النص على حق الحياة وحمايته، وحرية الرأى بضماناته، وحرية العقيدة، واحترام الحقوق المتصلة بممارستها فضلا عن ضمانات تحقيق العدالة فى المجتمع. وتحرص مختلف الدساتير على جعل القضاء سلطة حامية للحقوق وحريات المجتمع واضعة الضمانات التى تمكنه من ممارسة هذه المهمة الجليلة فى المجتمع. وكثيرا ما يقال إن الدولة الإسلامية لم تعرف دستورا، كما يقال كثيرا إن القرآن هو دستور الدولة الإسلامية. وهذه الأقوال لا تعبر عن الحقيقة. لأن الرسول ﷺ عندما ذهب إلى المدينة وقام ببناء الدولة بها، وضع دستورا مكتوبا نجده بنصه فى سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام أى لم ينقل عن طريق الراوية وإنما يرجح أنه كتب على وسيط مما كانت تكتب عليه الأمور الهامة وانتقل إلينا بهذا الشكل. ويطلق تاريخيا على هذا الدستور مصطلح "الصحيفة". وتروى الكتب أن الرسول ﷺ : جمع القبائل وبطون الطوائف التى كانت تعيش فى المدينة من مهاجرين وأنصار ووثنيين ويهود فى منزل دمنة بنت الحارث- وكانت يهودية- وجلسوا جميعا فى فناء هذا المنزل الفسيح وقرأ عليهم الصحيفة وأقرها- وهى من حيث النشأة- أتى بها الاتفاق الصريح بين أهل المدينة- ومن حيث مضمون ما وجد بها من مسائل دستور كامل. فقد أوضحت من يملك مهام السلطات الثلاث، كما أوضحت عناصر بناء الدولة من إقليم وشعب وسلطة، وأوضحت كذلك حقوق وواجبات من يتلو أحكام الصحيفة، والمهم أنها جعلت الصحيفة الأساس لقيام هذا المجتمع وممارسة سلطاته فى وقت لم يكن المجتمع الدولى قد عرف ذلك. لأن الصحيفة وضعت فى العام الأول للهجرة. أ. د/ جعفر عبد السلام

стр. 286

٩ - الدعوة سرا وجهرا لغة: اسم من الفعل (دعا) ومعناها: مطلق الطلب لأى شىء حسى كطعام أو معنوى كفكرة (١) وعند ابن فارس: هى فن الإمالة للجمهور نحو شىء معين بأى وسهيلة متاحة. (٢). واصطلاحا: ورد فى تعريفها عدة تعريفات منها: "العلم الذى به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق (٣). أو هى "تبليغ الإسلام للناس وتعليمهم إياه وتطبيقه فى مواقع الحياة " (٤) أو "هى برنامج كامل يعم جميع المعارف التى يحتاج إليها الناس ليبصروا الغاية من محياهم وليستكشفوا معالم الطريقة التى تجمعهم راشدين. (٥) أو هى فن يستميل الناس إلى الإسلام بالوسائل المناسبة ليتعلموه ويطبقوه فى واقع الحياة". والدعوة بهذا المفهوم: إما أن نتوجه بها إلى غير المؤمنين بالإسلام لنكشف لهم عن محاسن هذا الدين واستقامة عقيدته ونبل مقاصده وعظمة تشريعاته وغالبا ما يكون ذلك فى المجتمعات غير الإسلامية كأوربا وأمريكا وغيرها. وإما أن نتوجه بها إلى المؤمنين به والمعتنقين له لنأخذ بأيديهم ونبصرهم حتى يعملوا بمقتضى مبادى هذا الدين ويسيروا على نهجه الذى اختاروه فى العقيدة والعبادة والسلوك والأخلاق والمعاملات. وعلى كل فإن كلمة الدعوة من الألفظ المشتركة التى تطلق على الإسلام كدين وعلى عملية نشره وتبليغه للناس، وسياق الكلام هو الذى يحدد المعنى المراد فمثلا إذا قيل: هذا من رجال الدعوة إلى الله كان معنى الدعوة هنا محاولات النشر والتبليغ، وإذا قيل: اتبعوا دعوة الله كان المراد الإسلام. وإذا ذكرت على إطلاقها فإنها تنصرف عرفا إلى محاولة نشر الإسلام وتبليغه للعالمين، وهو المعنى الذى تواردت عليه معظم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وخير من قام بتبليغ الدعوة هو الرسول ﷺ بعد أن أعده الله لها وهيأه لحملها ثم كلفه بتبليغها حين نزل عليه قوله تعالى: ﴿ياأيها المدثر. قم فأنذر﴾ المدثر:١ - ٢. فبدأ النبى ﷺ دعوته سرا يدعو كل من وثق فيه إلى عبادة الله، وكان يلتقى بالأولياء والأصدقاء المقربين، وكان أول من آمن به من النساء زوجته، ومن الصبيان على بن أبى طالب، ومن الموالى زيد بن حارثه، ومن الرجال أبو بكر الصديق الذى أسلم على يديه كثير من الأحرار والعبيد، وظلت الدعوة سرية حوالى ثلاث سنوات أسلم فيها ثلاثة وخمسون شخصا بينهم عشرنساء. (٦). وإنما كانت الدعوة خفية ابتداء لتتكون خلية الإسلام، فالخلايا يكون بذر البذور فيها بالكتمان؛ لأن الجهر يبددها قبل أن تتكون حتى يبدو عودها ويتكون سوقها، فكل فكرة جديدة لابد أن تلتقى حولها قلوب مؤمنة بها، ويكون بعد ذلك إعلانها والمجاهرة بها. ولم تكن السرية فى هذه الدعوة استخفاء بالدعوة فقد كان النبى ﷺ يعلن ما جاء من نذير وما عنده من تبشير ولكن الذى كان يستخفى به هو إقامة العبادة ومدارسة الاسلام فى دار الأرقم بن أبى الأرقم. (٧). ومكث ﵊ يدعو سرا حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ الشعراء:٢١٤. وقوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ الحجر:٩٤. فبدل بالدعوة سرا الدعوة جهرا ممتثلا أمر ربه واثقا بنصره ووعده. وبدأ رسول الله ﷺ بعشيرته الأقربين، فصعد على الصفا فجعل ينادى: يا بنى فهر، يا بنى عدى، يا بنى عبد مناف، ثم نادى بطون قريش حتى اجتمعوا إليه فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج ارسل رسولا لينظر الخبر فجاء أبولهب بن عبد المطلب وقريش فقال ﵊: (أرايتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغيرعليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ماجربنا عليك كذبا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبولهب تبالك ألهذا جمعتنا) فأنزل الله شأنه: ﴿تبت يدا أبى لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب﴾ المسد:١ - ٣ (٨)؛ وهكذا دمغه الوحى بهذه الآيات البينات التى كانت بمثابة التشجيع للنبى ﷺ ليستمر فى دعوته ويمضى إلى غايته، فكانت حافزا قويا على النشاط فى إذاعتها والمضى فى سبيل انتشارها، كما كانت سابقة فأل ومقدمة بشارة بأن الله سينصر الحق على الباطل ويتم نوره ولو كره المشركون. وقد وجه النبى ﷺ دعوته فى السر والجهر بإصرار وثبات، وصادف من بيئته جمودا ومعارضة تمثلت فى ردود فعل مختلفة أقلها تعذيب أتباعه، ثم مقاطعتهم ثم محاولة قتله بوصفه صاحب اللواء فإذا سقط انتهت دعوته ولكن الله عصمه، ونصره بالهجرة وامتن عليه بالفتح حتى إذا صار للإسهلام الكلمة العليا في الجزيرة العربية، فاضت الوحدانية بالنور إلى الأقاليم المجاورة إقليما بعد إقليم. أ. د/خليفة حسين العسال

стр. 287

١٠ - دعوى لغةً: التمنى، والطلب. قال الله تعالى:﴾ ولهم ما يدَّعون ﴿(يس٥٧) وجمعها دعاوى بالفتح والكسر. (١) واصطلاحاً: إخبار عن وجوب حق على الغير عند حاكم (٢). وأركانها عند الحنفية: هى نفس الإخبار عن ذلك الحق (٣)، وعند غيرهم ثلاثة: مدِعى وهو: من إذا ترك دعواه ترك، ومدعى عليه وهو: من إذا ترك الخصومة لم يترك، ومدعى به وهو: الشىء الذى ادعاه المدعى (٤). وقد يكون كل من طرف الدعوى مدعياً، ومدعى عليه فى نفس الوقت كما لو اختلف المتبايعان فى الثمن (٥). ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، بشىء معلوم، محقق (٦) والأصل فيها الإباحة، وقد تحرم إذا كانت بباطل، أو بغرض التشنيع (٧). والأصل فى مشروعيتها قول النبى ﷺ : " لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماء قوم وأموالهم، اليمين على المدعى عليه" (رواه البخارى) (٨). أ. د/ أحمد يوسف سليمان

стр. 288

١١ - الدلالة لغة: كل شىء يقوم بدور العلامة أوالرمز له دلالته أو معناه، سواء أكانت العلامة أو الرمز كلمات وجملا، أو كانت أشياء غير لغوية، كإشارات المرور، وإيماءة الرأس، ورسم فتاة مغمضة تمسك ميزانا، والتصفيق باليدين، وغيرها. واصطلاحا: علم مستقل يعد فرعا من فروع اللغة، يهتم بدراسة دلالات الرموز اللغوية وأنظمتها، يسمى علم الدلالة، أو علم المعنى. وقد كان للعرب فضل السبق فى هذا النوع من الدراسات، فمعظم الأعمال اللغوية المبكرة عند العرب تعد من مباحث الدلالة، مثل: تسجيل معانى الغريب فى القرآن الكريم، والحديثا عن مجاز القرآن، والتأليف فى الوجوه والنظائر فى القرآن، وإنتاج المعاجم. وحتى ضبط المصحف بالشكل يعد فى حقيقته عملا دلاليا، لأن تغييرالضبط يؤدى إلى تغييرالمعنى. ولعل من أهم الدراسات العربية المبكرة التى تناولت جانبا المعنى دراسات الأصوليين التى سبقته فى كثيرمن نتائجها دراسة المعنى فى العصر الحديث، كما ضمت هذه الدراسات موضوعات مثل: دلالة اللفظ من حيث الشمول (العام، الخاص، المشترك) ودلالة المنطوق، ودلالة المفهوم، وتقسيم المعنى بحسب الظهور والخفاء، وطرق الدلالة، والتغير الدلالى، والحقيقة والمجاز، والمشترك اللفظى والمترادف. كذلك نجد دراسات واشارات كثيرة للمعنى فى مؤلفات الفلاسفة المسلمين، مثل: الفارابى، وابن سينا، وابن رشد، وابن حزم، والغزالى، والقاضى عبدالجبار وغيرهم. كما انعكس الاهتمام بالمعنى فى دراسات البلاغيين التى اهتمت بمباحث الحقيقة والمجاز، ودرست كثيرا من الأساليب، كالأمر والنهى والاستفهام، وقدمت نظرية النظم عند عبدالقاهر الجرجانى وغيرها. ولم يقتصر الاهتمام العربى بمباحث الدلالة على وسائل الاتصال اللفظية وحدها، بل تجاوزها ليشمل كذلك الوسائل غير اللفظية، وبخاصة حركات الجسم وما تحمله من دلالات لغوية، وفى القرآن الكريم أمثلة كثيرة على ذلك، مثل: أ- شخوص البصرعند الدهشة، كما فى قوله تعالى ﴿واقترب الوعد الحق فإذا شاخصة أبصارالذين كفروا﴾ الأنبياء:٩٧. ب- غل اليدين إلى العنق للإشارة إلى البخل، كما فى قوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ الإسراء:٢٩. وقد أشار الجاحظ فى كتابه "البيان والتبين" إلى حسن الاشارة باليد والرأس، واعتبرها من تمام حسن البيان باللسان، كما نعى على أحد المتحدثين عدم استخدامه الإشارة باليد وغيرها. كما أشار الجاحظ إلى التواصل باستخدام العين أو الجفن للتفاهم بين اثنين بطريقة تخفى على الآخرين، فى أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس. أ. د/أحمد مختار عمر

стр. 289

١٢ - الدهر لغةً: يُعد "الدهر" من أسماء الله الحسنى فيقول الفيروز آبادى فى القاموس المحيط: " الدهر قد يعد فى الأسماء الحسنى، والزمان الطويل والأمد الممدود وألف سنة … جمعها أَدْهُرٌ ودُهُورٌ واصطلاحاً: يقول الجرجانى فى تعريفاته "الدهر": هو الآن الدائم الذى هو امتداد الحضرة الإلهية، وهو باطن الزمان وبه يتحدد الأزل والأبد " (١). حسب هذا التعريف يكون الدهر مرادفا للزمان على إطلاقه فى اللغة إلا أنه لا يشير بالتحديد إلى ما يتضمنه لفظ "الأزل " بمعنى القدم المطلق أو "اللابداية"، كما أنه لا يتضمن معنى الأبد أو "اللانهاية"، لأنه لو كان كذلك لأصبح مرادفا لى "السرمدية" حسب تعريف الجرجانى نفسه، حيث يقول: السرمدى ما لا أول له ولا آخر" والأمر ليس كذلك. وقد ورد لفظ " الدهر" فى القرآن الكريم مرتين، فى قوله تعالى:﴾ وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴿(الجاثية ٢٤). وفى قوله تعالى:﴾ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ﴿(الإنسان ١)، أما فى السنة المطهرة فقد ورد لفظ "الدهر" فى أكثر من موضع، ففى صحيح البخارى: "لا تقولوا خيبةُ الدهر فإن الله هو الدهر" (باب الأدب)، كما أورد الحديث القدسى: "يؤذينى ابن آدم َيسبُّ الدهرَ وأنا الدهرُ" (باب التوحيد). أ. د/ السيد محمد الشاهد ١ - التعريفات للشريف الجرجانى، على بن محمد ص ١١١ - مكتبة لبنان- بيروت- ١٩٨٥م

стр. 290

١٣ - الدهرية "الدهرية" هى أصل كل مذاهب الإلحاد والمادية التى عرفتها البشرية، فهى مذهب كل من اعتقد فى قدم الزمان والمادة والكون، وأنكر الألوهية والخلق والعناية والبعث والحساب. ويتوازى مع إنكار البعث والحساب عقيدة (تناسخ الأرواح) الذى يعتقد أصحابها بأن أرواح البشر تنتقل من جسد كائن حى (إنسان أو حيوان) إلى جسد كائن حى آخر بعد موت الأول، فتشقى هذه الروح أو تسعد حسب ما اكتسبه الإنسان الذى كانت حاله فى جسده إن خيرا فخير وإن شراً فشر. وقد لخص القرآن الكريم عقيدة الدهريين فى آية كريمة، فى قوله تعالى:﴾ وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يُهلِكنا إلا الدهر ﴿(الجاثية ٢٤). آما الخلق والتدبير للكون فينسبونه للكواكب (١). وُيْرجع المستشرق "دى بور" نشأة هذا المذهب إلى أصول فارسية، ويرى أن كلمة "الدهرية" تقابل " الزروائية" نسبة إلى "زروان " أو "زرفان " وهى تعنى فى اللغة الفارسية "الدهرية"، كما يرجع تاريخه إلى عهد يزدجرد الثانى (٤٣٨ - ٤٥٧)، وهو آخر ملوك الدولة الساسانية قبل الفتح الإسلامى (٣٩ هـ/ ٦٥١ م) (٢). ويعرِّف الشهرستانى أصحاب هذا المذهب: "بأنهم أولئك الذين أنكروا خلق العالم والعناية الإلهية، ولم يسلِّموا بما جاءت به الأديان الحقة، وقالوا بقدم الدهر، وأن المادة لا تفنى" (٣). ويمكن اعتبار الفلسفة الوضعية الحديثة وكذلك الفلسفة الماركسية أحدث صور الدهرية القديمة. أ. د/١لسيد محمد الشاهد

стр. 291

١٤ - الدواء لغة: يقال داواه أى عالجه، ويقال: هو يدوى ويداوى أى يعالج، ويداوى بالشىء أى يعالج به، والدواء: ما عولج به الفرس من تضمير وحنذ، وما عولجت به الجارية حتى تستمن، كما فى اللسان (١). واصطلاحا: مادة تستخدم لعلاج المرض أو تشخصيه أو الوقاية منه. ومن استعمالات الدواء: ١ - يستعمل فى تغييربعض وظائف الجسم الطبيعية مثل الإحساس بالألم. ٢ - يستخدم لأغراض جراحية، مثل التخدير وتطهير الجروح. ٣ - يستخدم فى تعويض النقص فى إفرازات الغدد، مثل استعمال الأنسولين في علاج مرضى السكر، واستعمال العصائر الحمضية فى علاج عسر الهضم. ٤ - يستعمل فى علاج عوز الفتيامينات والعناصر المعدنية. ويحدث الدواء تأثيره بتفاعله مع الكائن الحى، سواء كان هذا الكائن عضوا من أعضاء الجسم، أو خلية من خلاياه، أو فيروسا، أو ميكروبا، أو خلايا سرطانية تلحق به المرض. ويطلق اسم "علم الأدوية" (فارماكولوجى) على الذى يختص بدراسة الدواء، وامتصاصه من الجهاز الهضمى وأعضاء أخرى، وأنتشاره فى أعضاء الجسم، وتغيير هيكله الكيميائى فى بعض الأعضاء، وخروجه من الجسم. ولقد أطلق، على هذا المبحث قديما اسم "أقراباذين" وهو مصطلح يونانى الأصل، ويعنى تركيب الأدوية المفردة وقوانينها. ولقد أخذت هذه الكلمة عند العلماء العرب مدلولا دقيقا هو "الأدوية المركبة". ولقد كان للعرب والمسلمين أبلغ الأثر فى تقدم وتطوير "علم الأدوية"، وذلك فيما بين القرن السابع والقرن الحادى عشر الميلادى، وكان لهم أثركبيرفى إثراء علم الكيمياء، الذى يعتبر الدعامة الأساسية لاكتشاف الآلاف من الأدوية المصنعة كيميائيا. ولقد استفاد علماء الغرب من خبرة وتجارب علماء الكيمياء العرب، مثل جابربن حيان، الذى ثبت دعائم الكيمياء، وبين أهمية التجربة، وأوصى بدقة الملاحظة، وهو الذى عرف العمليات الكيميائية، ولقد ترجمت كتبه إلى اللاتينية، وبقيت مرجعا يعتمد عليه فى الكيمياء لمدة ألف عام. وكان لحث الإسلام للمسلمين على طلب العلم وتكريم العلماء فضل كبيرعلى العالم فى تقدم وازدهار شتى مجالات العلم والمعرفة، ومنها الصيدلية، حيث شهد العالم فى العصرالإسلامى مولد أول مدرسة للصيدلة، ولقد برع المسملون فى فن تحضير الدواء، وكانوا من أول من أنشأوا صيدليات لبيع الدواء. ويعتبر العالمان المسلمان: أبو بكر الرازى (٢٤٠ - ٣٢٠هـ /٨٥٤ - ٩٣٢م) وابن سينا (٣٧١ - ٤٢٩هـ/٩٨٨ - ١٠٣٧م) من أشهر علماء الطب والصيدلة، ولقد تركت دراساتهما أثرا بالغا فى علوم الأدوية والطب الأوروبية. وتضم قائمة العلماء العرب المسلمين الذين أثروا هذه العلوم البيرونى ٣٥١ - ٤٤٠هـ /٩٦١ - ١٠٤٥م) والزهراوى (٣٢٤ - ٤٥٣هـ /٩٣٦ - ١٠١٣م) وابن البيطار (٥٧٥ - ٦٤٦هـ /١١٤٨ - ١١٩٧م) وغيرهم. ويعتبر كتاب "الطب النبوى" لابن قيم الجوزية من أشهر الكتب التى تناولت أحاديث الرسول ﷺ فى هداية النفوس والأبدان، وشمل الكتاب فصولا عديدة فى الطب والدواء وعلاج الأمراض. أ. د/عز الدين الدنشارى

стр. 292

١٥ - الدواوين لغة: جمع "ديوان" والديوان يعنى السجل الذى يتم فيه تدوين الأعمال والأموال والقائمين بها أو عليها، أو على حد تعبير الماوردى فى الأحكام السلطانية: والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، ثم أطلقت الكلمة أيضا من باب المجاز على المكان الذى تحفظ فيه السجلات ويجرى العمل بها. وقد اختلف الباحثون فى أصل هذه الكلمة، فذهب البعض إلى القول بأنها ترجع إلى أصل فارسى كما يذكر العلامة ابن خلدون فى مقدمته، بينما يعود بها البعض الأخر إلى أصول عربية، من دون الشىء أى: أثبته، على حد قول ابن منظور فى لسان العرب أخذا عن سيبوبه. وكانت الحاجة قد استدعت إنشاء هذا النظام والعمل به على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى السنة الخامسة عشرة للهجرة، بعد أن بدأت الفتوحات الإسلامية للمناطق المجاورة لشبة الجزيرة العربية، وأخذت الأموال تتدفق على المدينة الإسلامية، وأصبح ضروريا وضع نظام دقيق لضبط هذه الأموال ومصارفها وتسجيل المستحقين لها. ولما كان العرب قد انصرفوا فى صدر الإسلام للجهاد من أجل جعل كلمة الله هى العليا، فقد كان طبيعيا أن تكون أعمال الدواوين بأيدى أبناء البلاد المفتوحة وبألسنتهم، ومن ثم كتب ديوان الشام باليونانية أو الرومية كما يسميها المسلمون، وديوان مصر بها أيضا بالقبطية، وديوان العراق بالفارسية، وديوان إفريقية بالبربرية، وظل الأمر على هذا الحال حتى كان عهد الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، فصدرت الأوامر بنقل هذه الدواوين جميعها إلى العربية، وهو ما عرف بتعريب الدواوين. ولاشك أن حركة تعريب الدواوين قد أسهمت إسهاما فعالا فى نشر اللغة العربية على نحو كبير، إذ سارع أبناء هذه البلاد المفتوحة إلى تعلم العربية حتى لا يفقدوا وظائفهم فى تلك الدواوين، كما أنها أدت إلى ظهور طبقة جديدة فى المجتمع الإسلامى، هى طبقة الكتاب. وكان ديوان الجند أول الدواوين التى أنشأها الخليفة عمر بن الخطاب، ويعرف أيضا بديوان الجيش أو العطاء، واختص بتدوين أسماء الجند وأوصافهم وأنسابهم وما يخصهم من العطاء، وشدد عمرعلى ضرورة التفرغ للجهاد حتى لا ينصرف الناس عنه إلى الدعة فى البلاد المفتوحة. وقد وصل ديوان الجند إلى أقصى مراحل تطوره فى أيام الخلافة الفاطمية، حيث صار يضم ثلاثة دواوين، هى الجند والرواتب والإقطاع. أما الديوان الثانى فهو ديوان الخراج، وقد نشأ فى عهد الخليفة عمربن الخطاب بعد أن اتسعت فى عهده رقعة الدولة الإسلامية وكثرت الأموال، وغدت مهمته الإشراف على جباية الأموال وتدوين ما يرد منها إلى بيت المال وأوجه الإنفاق العام، وأضحى له -مع الاتساع- فرع فى كل ولاية. ولما كان عهد بنى أمية، ونشطت حركة الفتوح، وامتدت أطراف الدولة، استدعى الأمر قيام عدد من الدواوين الأخرى، يأتى فى مقدمتها ديوان الخاتم الذى أنشأه معاوية ابن أبى سفيان ضمانا لسرية أمور الدولة، حتى أصبح ديوان الخاتم يعد أهم دواوين الدولة الإسلامية، وكانت مهمته تشمل أوأمر الخليفة ورسائله وحزمها بخيط ولصقه بالشمع ثم ختمه بخاتم الخليفة حتى لا يجرو أحد على فضه سوى المرسل إليه. ويكمل عمل هذا الديوان ديوان الرسائل الذى عرف أيضا بديوان الإنشاء، ويشرف على الرسائل الواردة من الولايات إلى الخليفة، أو من هذا إلى عماله فى الأمصار، وازدادت أهمية هذا الديوان تدريجيا حتى صار الكثيرون يتنافسون للعمل فيه، وبلغ قيمة ازدهاره فى مصر زمن الفاطميين والأيوبيين والمماليك، ومن بين أعظم من شغلوا رئاسته القاضى الفاضل والقلقشندى. وتعددت الدواوين فى الدولة الإسلامية بتطور عهودها، فظهر ديوان البريد، وتتضح أهميته من قول أبى جعفر المنصور: "ما كان أحوجنى إلى أن يكون على بابى أربعة نفرهم أركان الملك، ولايصح الملك إلا بهم .. أما أحدهم فقاض لا تأخذه فى الله لومة لائم، والآخرصاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى، والثالث صاحب خراج لا يظلم الرعية، والرابع. وعض على أصبعه السبابة ثلاث مرات وقال صاحب بريد يكتب إلى بخبر هؤلاءعلى الصحة". وإلى جانب ما سبق هناك عدد آخر من الدواوين، كديوان الطراز، وديوان التوقيع، وديوان الجهبذة، وديوان البر والصدقات، وديوان الزمام، ولكن تظل الدواوين الخمسة الأولى صاحبة الأهمية فى الدولة الإسلامية. أ. د/رأفت عبد الحميد محمد

стр. 293

١٦ - الدولة يقصد بها اكتمال عناصرثلاثة هى: الإقليم، والشعب، والحكومة، ولذلك يجب أن توجد جماعة من الناس يعيشون على إقليم محدد، كما يجب أن ينتظم هؤلاء الناس تحت حكومة معينة يحدد الإقليم نطاق السلطة التى تمارسها هذه الحكومة على الشعب. ويشمل الإقليم عناصر ثلاثة هى: الإقليم البرى والإقليم البحرى والإقليم الجوى، ويكفل الإقليم البحرى للدولة حماية شواطئها حتى امتداد معين حدد باثنى عشر ميلا بحريا، كما يكفل إقليمها الجوى حماية إقليمها من أى اختراق بواسطة الطائرات إذ يمتد إلى ما لانهاية فى الارتفاع، أما الإقليم البرى فهو موئل نشاط البشر المكونين لشعب الدولة. وتعتبر الدولة القومية المعروفة بشكلها الحالى نتاجا حديثا ظهر فى بداية العصور الحديثة أى فى القرن السادس عشر، وجاء كرد فعل لانسياب السلطة وتوزعها فى العصور الوسطى فى أوروبا ويتميز بتقوية سلطة الملك أو الحاكم بشكل عام. أما فى الإسلام فقد كون رسول الله ﷺ دولة المدينة، كان فيها مركز للسلطات المعروفة فى الدول الحديثة أى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقد تم تحديد ذلك بوضوح في الصحيفة، أو الوثيقة الأولى لتأسيس دولة المدينة التى قرأها الرسول ﷺ على سكان المدينة وممثلى القبائل واليهود. وعرف الرسول ﷺ فكرة الحدود فأرسل من يضع حدودا بين لابتيها شمالا وجنوبا وشرقا وغربا كما حدد فى الصحيفة شعب المدينة وعلاقته بالشعوب المجاورة، وحدد من هم أعداء الدولة وكيف تكون العلاقة معهم، وهم هنا المشركون من قريش وهى علاقة أساسها الحرب ردا على عدوانهم على الرسول ﷺ وصحابته ومحاولتهم اجتثاث الإسلام من جذوره. ويجب أن نوضح أن دولة الإسلام ليست دولة دينية بالمفهوم الغربى، لأن الأمة هى مصدر سلطات الخليفة، وهو مسئول أمامها وتستطيع أن تحاسبه، ولايمكن الادعاء بأن الخليفة يستمد سلطاته من تفويض إلهى بشكل أو بآخر. ويتبين ذلك من التسليم فى الفقه الإسلامى بان سند تولية الخليفة هو البيعة، وقد استنتجت محكمة العدل الدولية في حكم حديث لها أن السيادة في الدولة الإسلامية ارتبطت بالبيعة. كما نود أن نشير إلى أن الإسلام كان دينا وجنسية، وكان من حق المسلم أن ينتقل بين مختلف أجزاء الدولة الإسلامية دون قيود، بل إن السلطة كانت تنتقل بين هذه الأجزاء بسهولة ويسر. ولايمكن أن نقول إن الاسلام قد اشترط شكلا معينا للدولة فيمكن أن تكون ملكية أوجمهورية بشرط أن يقيم الحاكم حدود الله وأن يحقق العدالة فى الناس، وبشرط أن يتخذ الشورى أساسا لحكمه إعمالا لقوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ الشورى:٣٨، وأمره لنبيه بها ﴿فاعف عنهم واستغفرلهم وشاورهم فى الأمر﴾ آل عمران:١٥٩، مع ملاحظه أنه فى حالة النظام الملكى يستوجب الإسلام مبايعة كل ملك ورث ملكه ورضا الشعب عنه. أ. د/جعفر عبد السلام

стр. 294

١٧ - الديمقراطية اصطلاحاً: يقصد بها حق الشعب فى أن يحكم نفسه بنفسه وهو مصطلح مورث من العصر اليونانى، وكانت ممارسة الديمقراطية تتم فى عاصمة اليونان- أثينا- بأن يجتمع كل الناس فى كل مكان، وتعرض عليهم مسائل الحكم والسياسة، فيبدون رأيهم فيها، ويتخذون القرارات فى مختلف الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال مجلس واحد يمثلون فيه جميعا. كان ذلك بالإمكان، لأن عدد الناس كانوا قلة، وكان الأحرار فقط هم الذين يمارسون هذا الحق السياسى الهام، حق تسيير أمور الدولة والمجتمع الذى يعيشون فيه. ولا شك أن الديمقراطية فى هذا الشكل الذى وجدت فيه هى أفضل الأساليب للحكم والإدارة؛ إذ تعنى أن إرادة الشعب هى أساس الحكم فى الدولة، وأن الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ولا توجد سلطة فوقهم تسوسهم كما تهوى. ولا شك أن مثل هذا النظام يجعل الناس تشعر بأهميتها، وتبذل أقصى جهدها فى العمل والإنتاج، ويسود فيه ولاء كامل؛ إذ أن الحاكم والمحكوم سواء فى حقوق المواطنة، وفى تسيير أمور المجتمع. ولكن بعد التطورات التى حدثت فى تكوين المجتمعات وتزايد الأعداد بنسب كبيرة لم يعد ممكناً جمع الناس كلهم فى مكان واحد ليمارسوا سلطة الحكم، ومن ثَمّ أفرزت الديمقراطية ما يعرف بالنظام النيابى. وهو نظام يقوم على تأسيس مجالس للشورى، واتخاذ القرار فى الشئون التشريعية، والرقابة على شئون التنفيذ من ممثلين للشعب يختارهم بكامل إرادته عن طريق الانتخاب من المواطنين. كما أن الديمقراطية أوجدت نظام الفصل بين السلطات حتى لا تركز السلطات الخاصة بالحكم فى شخص واحد أو فى جهاز واحد، وإنما يجب الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بحيث تستقل كل سلطة فى ممارسة عملها عن السلطات الأخرى، مع وضع نظام للتعاون بينها، على أن تكون السلطة التشريعية هى المهيمنة على الشئون السياسية وأن تُعْطَى حقوق فى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، ورقابة الإنفاق العام؛ بحكم أن القوانين التى تصدرها هى التى تحدد الأطر التى تسير وفقا لها باقى السلطات، بل هى التى تحكم الشعب كله الذى يجب عليه أن يطيع وأن ينفذ التشريعات التى تصدر عن البرلمان. ويرتبط البرلمان والنظام التمثيلىّ بنظام الانتخاب، وبنظام الأحزاب وبالمجالس التشريعية، وهى أدوات ممارسة الديمقراطية فى المجتمعات الحديثة. فلكى تتحقق الديمقراطية، يجب أن يمارس الشعب سلطته فى الترشيح والانتخاب للمجالس التشريعية، ويجب أن يكون من حق كل مواطن أن يرشح نفسه لهذه المجالس، وكذا أن ينتخب الأشخاص الذين يمثلونه فيها. وحتى إذا وضعت شروط للترشيح أو الانتخاب فيجب أن تكون شروطاً عامة يجب أن تتوافر فى الجميع دون تمييز بين أحد بسبب الجنس أو الدين أو اللون، ويجب أن تكفل عمليات الترشيح والانتخاب التعبير عن إرادة الشعب الحقيقية دون تزييف أو تزوير. والشروط العامة تتصل عادة بالوصول إلى حد أدنى من السن أو التمتع بجنسية الدولة أو إجادة القراءة والكتابة، إلى غير ذلك من الشروط العامة. وقد وُجِّهت العديد من السهام إلى الديمقراطية على أساس أن الأحزاب تحتكر عملية التمثيل، وأنها هى نفسها تخضع لسيطرة رأس المال الذى يشترى الأصوات ويؤثر فى إرادة الناخبين ويحتكر الترشيح للمجالس وللوظائف الهامة، وهو نقد صحيح. كما أن من أخطر عيوب الديمقراطية أن فئة جاهلة يمكن أن تؤثر على أعمال هامة مثل عمليات التشريع والحكم والإدارة، مما يجعل النخبة العالمة والمثقفة تزهد فى دخول هذا المجال، وهو نقد صحيح بدوره، وإن كان مثل هذا النقد لا يمنع القول بأن هذا النظام هو أفضل الأنظمة المتاحة للحكم فى الوقت الحاضر. أ. د/ جعفر عبد السلام

стр. 295

١٨ - الدِّين الدين من الألفاظ التى لم تخل منها لغة من اللغات بمدلولها، لأن التدين فطرة، وقد تعددت دلالتها بتعدد الأمم، وإن وجد قاسم مشترك بينها في النهاية، وقد عرفها العرب بمدلولات شتى، ووردت فى القرآن الكريم بمعان متعددة منها: ١ - الدين: الطاعة، وهو أصل المعنى، ودنت له أى أطعته، ومنه قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين لله﴾ البقرة:١٩٣. وفى آية أخرى: ﴿ويكون الدين كله لله﴾ الأنفال:١٩٣، أى الخضوع له وحده دون سواه، قال عمرو بن كلثوم: وأياما لنا غرا كراما * عصينا الملك فيها أن ندينا ومنه قوله تعالى: ﴿لا إكراه فى الدين﴾ البقرة:٢٥٦، أى فى الطاعة. ٢ - الدين: الجزاء والمكافأة، يقال دانه دينا أى جازاه، ويقال: كما تدين تدان أى كما تجازى بحسب ماعملت، ومنه قوله تعالى ﴿أءنا لمدينون﴾ الصافات:٥٣، أى مجزيون، قال خويلد بن نوفل يخاطب الحارث بن أبى شمر: يا صاح أيقن أن ملكا زائل * واعلم بأن كما تدين تدان ٣ - الدين: الحساب، ومنه قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ الفاتحة:٤، وبه فسر الحديث: (الكيس من دان نفسه) أى حاسبها. ٤ - الدين: السلطان والملك، وقد دنته دينا، ملكته، ومنه قوله تعالى: ﴿غير مدينين﴾ الواقعه:٨٦، أى غير مملوكين عند الفراء، ومنه قولهم: يدين الرجل أمره، أى يملكه. ٥ - الدين: القضاء والحكم والملك، وبه فسر قوله تعالى: ﴿ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك﴾ يوسف:٧٦، أى فى حكمه وقضائه، والديان: هو القاضى. ٦ - الدين: الحال والعادة والشأن، يقال: مازال ذلك دينى وديدنى، أى عادتى، قال المثقب العبدى: تقول إذا درأت لها وصينى * أهذا دينه أبدا ودينى قال ابن شمل: سألت أعرابيا عن شئ فقال: لولقيتنى على دين غير هذا لأخبرتك. ٧ - الدين: يطلق ويراد به الإسلام، قال الراغب: ومنه قوله تعالى: ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ آل عمران:٨٣، يعنى الإسلام لقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ آل عمران:٨٥. وقد وردت الكلمة بمعان أخرى غير ما سبق فى لغة العرب وفى القرآن الكريم. ومن ملاحظة جملة المعانى السابقة من منظور دينى ندرك أنها تؤلف وحدة كلية. يعبركل جزء من المعانى عن جانب من المعنى المطلق لها، وهذا ما ذهب إليه أحد العلماء (د/دراز) حين قال: إن من وراء هذا الاختلاف الظاهر، تقاربا شديدا، بل صلة تامة فى جوهر المعنى، إذ نجد هذه المعاش تعود في نهاية الأمر، إلى ثلاثة معان، وإن التفاوت مرده إلى أصل الفعل من حيث التعدى بالنفس والتعدى بالغير. فإذا تعدى الفعل بنفسه (دانه دينا) عنينا به أنه ملكه وحكمه وقهره وحاسبه وجازاه. وإذا تعدى باللام، أردنا أنه أطاعه وخضع له، وكلمة الدين لله، يصح أن يفهم منها كلا المعنيين: الحكم لله أو الخضوع لله، وواضح أن هذا المعنى الثانى، ملازم للأول، ومطاوع له، وأنه دانه فدان له أى قهره فخضع وأطاع. وإذا تعدى بالباء، دان بالشىء، كان معناه أنه اتخذه دينا ومذهبا، فهو الطريقة التى يسير عليها المرء نظريا وعمليا. وجملة القول أن كلمة دين عند العرب تشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر، ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول كان خضوعا وانقيادا، وإذا وصفا بها الطرف الثانى كان أمرا وسلطانا وحكما وإلزاما، وإذا نظر بها إلى أمر الرباط الجامع بين الطرفين كانت الدستور المنظم لتلك العلاقة أو المظهر الذى يعبر عنها. ومعنى كلمة دين بين الإطلاق والتقييد: من الدلالة اللغوية لكلمة دين رأينا أن كل خضوع على وجه ما لشىء ما تقديسا وتقربا اليه، يسمى دينا، سواء أكان منشأ هذا الخضوع الوضع كما هو الحال فى معتقدات الوثنيين والصابئين والمجوس أو الوحى كما فى معتقدات أهل الكتاب والمسلمين. وقد وسم القرآن كل معتقد بأنه (دين) حقا كان أم باطلا، ففى قوله تعالى: ﴿قل ياأيها الكافرون. لا أعبد ماتعبدون﴾ الكافرون:١ - ٢، ختمها بقوله ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ الكافرون:٦، وقال تعالى ﴿ومن يبتغ غيرالإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ آل عمران:٨٥، فسمى كل معتقد غاير الإسلام بأنه دين ويرفض البعض إطلاق كلمة دين علي كل معتقد غاير الاسلام، وهم بذلك مصادمون لنصوص القرآن والسنة، بينما يرى آخرون: أن الكلمة إذا وردت محلاة باللام يراد بها الإسلام دون سواه، واستشهد بقوله تعالى ﴿شرع لكم من الدين﴾ الشورى:١٣. وقوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين﴾ الشورى:٢١. وأما إذا ذكرت منكرة، فإنها تحتمل الدين الحق والدين الباطل، وهذا غير صحيح، لأن الكلمة كما وردت منكرة يراد بها الدين الحق، الأديان الباطلة وردت معرفة كذلك بنفس المعنى قال تعالى: ﴿هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ الصف:٩. والتمييز بين الحق والباطل يكون بالوصف الدين الإسلامى، الدين اليهودى، الدين الحق، الدين الباطل، أو بالاضافة إلى الله أو النبى أو المتبع أو المؤسس: (دين الله) من (دين) (البوذية). أ. د/بكر زكى عوض

стр. 296

١ - الذَّرِيعة لغةً: الوسيلة والسبب إلى الشىء، كما فى الوسيط (١) واصطلاحاً: ما يتوصل به إلى محظور. العقود من إبرام عقد أو حله، وقيل: التوصل بمباح إلى جناح (٢). مثالها: أن يريد المكلف بيع دينار بدينارين، فيعلم أنه لا يجوز فيبيع ديناره بعشرة دراهم، ثم يبيع هذه الدراهم العشر من بائعها منه بدينارين، فالظاهر أنه لا غرض له فى ذلك إلا ليتوصل بالعقدين إلى بيع دينار بدينارين، لاسيما إن اقترن ذلك بأن يرد إليه الدراهم فى المجلس أو بالقرب أو غير ذلك من المعانى التى تذكر أن المراد بها بيع دينار بدينارين. والبيع هنا فى حد ذاته مباح، وإنما يمنع لأنه وسيلة إلى الربا المحرم، ويعبر عن هذا المنع بسد الذرائع، أى سد أسباب الفساد المؤدية إليه، وإن كانت الأسباب فى نفسها مباحة، ومثاله: حفر البئر فى طريق الناس، فإن حفر البئر فى نفسه مباح، وإنما يمنع لأنه وسيلة إلى هلاك الناس والبهائم. والذريعة كما يجب سدها يجب فتحها لأنها وسيلة، والوسائل تأخذ حكم المقاصد فهى على أقسام خمسة: محرمة، وواجبة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة. والوسائل معتبرة بقوله تعالى:﴾ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴿(الأنعام ١٠٨)، فسبهم مباح فى ذاته، ويحرَّم إن رتب عليه سب الله تعالى (٣). والله أعلم. أ. د/ على جمعة محمد ١ - المعجم الوسيط مادة (ذرع) طبعة دار المعارف. ٢ - الحدود لأبى الوليد الباجى من٦٨. ٣ - شرح تنقيح الفصول للقرافى ص ٤٠٤ طبعة تونس سنة ١٣٢٨ هـ- ١٩١٠ م.

стр. 297

٢ - الذِّكر ورد الذكر فى القرآن الكريم فى مواضع عديدة تبياناً لمنزلته العظمى فى مقام الإيمان بوجه عام، ومقام الإحسان بوجه خاص. وقد أمر به النبى ﷺ ، كما أمر به المؤمنون، قال تعالى:﴾ واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة .. ﴿(الأعراف ٢٠٥)، وقال:﴾ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيراً ﴿(الأحزاب ا ٤). والذكر فى القرآن هو أفضل الطاعات وأكبرها:﴾ ولذكر الله أكبر ﴿(العنكبوت ٤٥) بل هو الغاية من "الصلاة" التى هى أشرف الطاعات:﴾ وأقم الصلاة لذكرى ﴿(طه ١٤). والأحاديث الصحيحة الواردة فى فضل الذكر كثيرة أيضاً، منها- على سبيل المثال-: قوله ﷺ : " سبق المفرّدون " قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات " (١). والذكر- عند الصوفية- على ضربين: ذكر باللسان وذكر بالقلب، والأول وسيلة إلى الثانى: والثانى أهم من الأول، والأول من شأن العوام، لأنه قد يحصل مع غفلة القلب. بخلاف الثانى فإنه من شأن الخواص من المقربين. لكن المريد الكامل هو الذى يجمع بين ذكر اللسان وذكر القلب. والذكر الممدوح فى النصوص الشرعية- فيما يقول الصوفية- هو ما كان مضبوطاً بقواعد الحلال والحرام والأدب، ولذلك ينكرون حلقات الذكر المصحوبة بالألحان والرقص واختلاط الرجال بالنساء، ويكرهون حضور المجالس إلى يُتلى فيها القرآن بالألحان، أو تُنشد فيها الأشعار مع التواجد والطرب (٢). وبعض الشيوخ يقولون: إن الأفضل للمريد أن يقيم على ذكر واحد يلتزمه، ومن هؤلاء من يصرح بأن ملازمة ذكر واحد أفضل من تلاوة القرآن. لكن المحققين منهم يردون هذا القول، وبخاصة: السهروردى الذى يقول فى كتابه عوارف المعارف (على هامش علوم الدين، ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥): "ولابد للمبتدئ أن يكون له حظ من تلاوة القرآن، ولا يصغى إلى قول من يقول: ملازمة ذكر واحد أفضل من تلاوة القرآن، فإنه يجد فى القرآن فى الصلاة، وفى غير الصلاة، جميع ما يتمنى، وإنما اختار بعض المشايخ أن يديم المريد ذكرا واحداً ليجتمع الهم فيه، ومن لازم التلاوة، فى الخلوة وتمسك بالوحدة، تفيده التلاوة والصلاة أوفى ما يفيده الذكر الواحد ". ويدل على علو منزلة الذكر أنه غير محدد بوقت معين، فهو أدوم العبادات وأسرعها ثمرة للعبد، والصلاة فى كونها أشرف العبادات تجوز فى وقت ولا تجوز فى وقت آخر. والذكر أفضل من الفكر، لأن الله يتصف به ولا يتصف بالفكر، قال تعالى:﴾ فاذكرونى أذكركم ﴿(البقرة ١٥٢). ودرجات الذكر ثلاث: الذكر الظاهر: وهو ما كان باللسان والقلب معا، والذكر الخفى: وهو ذكر القلب بوارداته وتجلياته، والذكر الحقيقى: وهو ذكر الله لعبده مع تخلص العبد من رؤية الذكر، وبعضهم يقول: إن بقاء الذاكر شاهدا لذكره أفضل من فنائه عن شهود الذكر، لأن طريق البقاء أسلم فى عواقبه من طريق الفناء، ويشترط متأخروا الصوفية "شيخ التربية" فى تلقين الذكر للمريد فى بادئ أمره. ولهم فى كيفية التلقين وآداب الذكر وحركاته كلام كثير، ولهذا أيضا فى أنواع الذكر ودرجاته تقسيمات أخرى يضيق عنها المقام. أ. د/ أحمد الطيب ١ - رواه مسلم فى صحيحه: كتاب الذكر والدعاء … ، باب: الحث على ذكر الله. ٢ - اللمع، أبو نصر السراج: بتحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقى سرور، ص٣٧٢ - ٣٧٤ دار الكتب الحديثة بمصر ١٣٨٠ هـ- ١٩٦٠م، نتائج الأفكار القشيرية فى بيان معانى شرح الرسالة القشيرية، مصطفى العروسى (شيخ الإسلام)، ١: ١٥٤، ط بولاق مصر ١٢٩٠هـ.

стр. 298

٣ - الذمة لغة: العهد، لأن نقضه يوجب الذم، وتسمية المعاهد بالذمى نسبة إلى الذمة بمعنى العهد (١)، وفسر قوله ﷺ : " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم " (٢) بالأمان و"من صلى الصبح فهو فى ذمة الله"، والذمة أيضا: الضمان، فإذا قلت: فى ذمتى كذا يكون المعنى فى ضمانى، وتجمع على ذِمَم. واصطلاحا: الذمة عند الفقهاء مختلف فيها (٣): فمنهم من جعلها وصفا، وعرَّفها: بأنها وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له وعليه. ومنهم من جعلها ذاتا، ولهذا عرَّفها: بأنها نفس لها عهد، فإن الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه بإجماع الفقهاء حتى يثبت له ملك الرقبة وملك النكاح ويلزمه عشر أرضه وخراجها بالإجماع وغير ذلك من الأحكام. وقد استعملها الفقهاء بمعنى العهد، واستعملها بعض الأصوليين بمعنى أهلية الوجوب. وجاء فى المُغرب: أن الذمة تطلق على محل الالتزام كقولهم: ثبت فى ذمتى، وبعض الفقهاء يقول: هى محل الضمان والوجوب، وبعضهم يقول: هى معنى يصير بسببه الآدمى على الخصوص أهلا لوجوب الحقوق له وعليه. وتختص الذمة بعدة أمور: ١ - الذمة من صفات الشخصية الإنسانية وهى ذمة حقيقية، وقد يثور التساؤل عما إذا كان الفقه الإسلامى يعترف بوجود ذمة أو أهلية وجوب للشخص الاعتبارى من الهيئات والمنشآت أم أن الذمة مقصورة على الإنسان باعتبارها خاصة من خصائصه، ومن ثم فلا ذمة لما سوى الإنسان من الأشخاص الاعتباريين؟ والجواب: أن الذمة كما تثبت للشخص الطبيعى تثبت للشخص الاعتبارى ويتولاها من تثبت له الولاية ويكون الفرق بين الذمتين أن ذمة الشخص الطبيعى ذمة حقيقية أساسها العقد والعهد، وذمة الشخص الاعتبارى ذمة افتراضية اعتبارية لا ترقى إلى ذمة الشخص الطبيعى فلا يترتب عليها من الحقوق إلا ما يتناسب وطبيعتها (٤). ٢ - الذمة من توابع الشخصية الإنسانية، فتلازم الإنسان منذ وجوده حتى لو كان حملا فى البطن، فلو أوصى له إنسان بشىء صحت الوصية. ٣ - لكل شخص ذمة واحدة لا تتعدد ولا يجوز الاشتراك فيها. ٤ - الذمة لا حدَّ لسعتها فهى تتسع لكل الديون مهما عظمت. ٥ - الذمة تتعلق بالشخص لا بأمواله وثروته فله التجارة والبيع ولو كان مدينا بأكثر مما يملك، ويقضى ما يشاء من الديون المتقدم أو المتأخر، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه ما لم يمنع من ذلك مانع شرعى كالرهن أو الحجر أو التفليس. والذِّمَّة: تبدأ منذ الحمل وتبقى معه طيلة حياته فإذا مات تنتهى تلك الذمة إذ لا بقاء لها بعد الموت. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 299

٤ - الذمي لغة: الذِّمَّة: الأمان والعهد، فأهل الذمة: أهل العهد، والذمى هو المعاهد (١). واصطلاحا: الذميون، والذمى نسبة إلى الذِّمَّة: أى العهد من الإمام، أو ممن ينوب عنه بالأمن على نفسه وماله نظير التزامه الجزية ونفوذ أحكام الإسلام. (٢) وتحصل الذمة لأهل الكتاب ومن فى حكمهم بالعقد أو القرائن أو التبعية، فيقرُّون على كفرهم فى مقابل الجزية. والغرض منه: أن يترك الذمى القتال مع احتمال دخوله الإسلام عن طريق مخالطته بالمسلمين، ووقوفه على محاسن الدين، فكان عقد الذمة للدعوة إلى الإسلام لا للرغبة أو الطمع فيما يؤخذ منهم من الجزية (٣). أما شروط عقد الذمة: فيشترط أن يكون مؤبدا، وفى قول عند الشافعية: يصح مؤقتا. وكذلك يشترط فى هذا العقد قبول والتزام أحكام الإسلام فى غير العبادات من حقوق الآدميين فى المعاملات وغرامة المتلفات، وكذا ما يعتقدون تحريمه كالزنى والسرقة، كما يشترط فى حق الرجال منهم قبول بذل الجزية كل عام. وزاد الماوردى شروطا أخرى لم يذكرها الآخرون فقال: يشترط عليهم ستة أشياء (٤): ١ - ألا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن ولا تحريف له. ٢ - وألا يذكروا رسول الله ﷺ بتكذيب له ولا ازدراء. ٣ - وألا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه. ٤ - وألا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح. ٥ - وألا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله. ٦ - وألا يعينوا أهل الحرب ولا يؤوا للحربيين عينا (جاسوسا). فهذه حقوق تلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط تأكيدا لتغليظ العهد عليهم، ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم. وما يتمتع به أهل الذمة من حقوق فهى: ١ - حماية الدولة لهم، بدفع الظلم عنهم لأنهم بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم (٥). قال النبى ﷺ : " ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة" (٦). ٢ - حق الإقامة والتنقل فى دار الإسلام أينما يشاءون للتجارة وغيرها، لكن الفقهاء اتفقوا على عدم جواز إقامة الذمى واستيطانه فى مكة والمدينة. ٣ - عدم التعرض لهم فى عقيدتهم وعبادتهم، ويكون دخول الذمى الإسلام عن طريق الدعوة لا عن طريق الإكراه. ٤ - يتمتع الذمى باختيار العمل الذى يراه مناسبا للتكسب فيشتغل بالتجارة والصناعة كما يشاء، أما الوظائف العامة فيما يشترط فيه الإسلام كالخلافة والإمارة على الجهاد فلا يجوز أن يعهد بذلك إلى ذمى. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 300

٥ - الذوق تختلف عبارات الصوفية فى تحديد معنى "الذوق" من مدرسة إلى مدرسة، ومن طبقة إلى أخرى لكنها تلتقى فى أن "الذوق" عبارة عن: علوم إلهية تُدرك إدراكا قلبيا عن طريق الذوق والكشف، لا تعلّما أو نقلا من كتاب أو غيره. والشيوخ الأوائل (مثل: الطوسى فى اللمع، والقشيرى فى الرسالة) لا يخرجون فى تفسيرهم للذوق عن هذا المعنى البسيط المتبادر من إطلاقه فى كتبهم، وإن كان يرتبط - عندهم- دائما بمصطلحين آخرين يأتيان بعده على الترتيب، هما: الشرب، والرِّى. غير أن مرتبة الذوق أدون من مرتبتى: الشرب والرى، حتى إنهم ليسمون صاحب الذوق: "متساكرا"، وصاحب الشرب: "سكران"، وأما صاحب الرى فهو: "صاح" ومن ثم كان مقامه أعلى من مقام الشرب، ومقام الشرب أتم من مقام الذوق. والذوق- فيما يبين صاحب عوارف المعا رف- إيمان، وهو لأرباب "البواده"، أى: الإشارات الفجائية الخاطفة، والشرب: علم، وهو لأرباب الطوالع واللوائح واللوامع، وهى أكثر دواما وثباتا من البواده التى هى حظ الذائقين، وأما "الرى" فهو لأرباب "الأحوال" لأن الأحوال تستقر، ومالا يستقر فليس بحال (١). ويسوى الهجويرى فى كشف المحجوب بين "الذوق" و "الشرب" ويكاد يحصر الفرق بينهما فى الاستعمال فقط: فالشرب لا يستعمل إلا فيما كان لذة أو راحة كأن يقال: شربت بكأس الوصال، وكأس الوداد، بخلاف الذوق فإنه يستعمل فى اللذة وفى المشقة على السواء، فيقال: ذقت الراحة، وذقت البلاء، وذقت الخوف. ويستأنس "الهجويرى" فى تفرقته هذه، بقوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئا﴾ (المرسلات ٤٣)، وقوله فى موضع آخر: ﴿ذوقوا مس سقر﴾ (القمر ٤٨) ٠ (٢) ونفس هذه التقسيمات نجدها فى كتابات الشيوخ المتأخرين، وإن لوحظ أن "الذوق" قد حظى فى هذه الكتابات بشىء من التحليل العقلى لا يوجد فى كتابات السابقين، من ذلك- مثلا-: رجوع الذوق وارتباطه بمقام "البرق"، فإن صاحب هذا المقام يذوق قطرة من ماء "البرق" الصادق، لا البرق الكاذب، وهو: البرق الخُلّب، وهذه القطرة علوم إلهية خالصة، لا تُنال إلا بالذوق فقط. وهنا يقارن الشيوخ- أو يقربون- بين صورة اللسان الخالى من العلل والأمراض فى ذوق الطعوم على حقيقتها، وصورة "القلب" الخالى من العقائد والعلوم فى ذوق المعارف الإلهية على حقيقتها، وأن القلب المدخول يستحيل عليه ذوق العلوم الإلهية كما هى فى أنفسها، كما يستحيل على اللسان المعلول إدراك ذوق المطعومات على وجهها الصحيح، ويقولون: كما أن كيفية ذوق اللسان للعسل ليست أمرا آخر وراء كيفية حلاوة العسل ذاتها، كذلك القلوب الذائقة للعلوم الإلهية ليست لها حالة أو كيفية أخرى غير هذه العلوم المذوقة وحصولها بأنفسها فى قلوب العارفين، والفرق بين إدراك علماء الرسوم وذوق المتألهين هو فرق ما بين العلم بطعم العسل وذوق العسل نفسه، ففى الذوق يتحد العلم بالمعلوم، وشرط الذوق على هذا النحو تطهير النفس، والفناء عن جميع حظوظهما، وإزاحة كل الوسائط بين المُدرك وما يدركه. وللذوق- عند الصوفية- درجات ثلاث، هى: ذوق التصديق، وذوق الإرادة، وذوق الانقطاع، ولكل درجة: أحوالها، وتجلياتها، وثمراتها، ومواريثها. أ. د/ أحمد الطيب ١ - يخالف السهروردى الصوفية فيما ذهب إليه من اعتبار "الرِّى" الذى هو خط ثابت ودائم- من الأحوال، وهو نفسه قد تحفظ على رأيه هذا، وبيَّن أن الأحوال إذا كان من شرطها التحول وعدم الاستقرار- كما يقول الجمهور- فإن ما يجده صاحب "الرِّى" مما لا يستقر لا يكون "رِيّاً"، بل هو من باب اللوائح والطوالع التى تبدو وتغيب لصاحب "الشرب". انظر: عوارف المعارف (على هامش إحياء علوم الدين) ٤: ٢٧٠، طبعة. عيسى الحلبى القاهرة. ٢ - هذا الفرق غير دقيق فقد ورد "الشرب" فى القرآن الكريم مستعملا فى المشقة مثل الذوق، قال تعالى: ﴿فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم﴾ (الواقعة: ٥٤ - ٥٥).

стр. 301

١ - رأس مال (رأسمالية) لغة: اسم للقليل والكثير من المقتنيات من كل ما يتمول ويملك، ويقصد برأس المال فى اللغة. أصل المال دون ربح أو زيادة، كما فى القرض لتحريره من الربا (١)، وكذلك لقوله تعالى ﴿إن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ البقرة:٢٧٩. واصطلاحا: يطلق رأس المال على المال الذى يدفع للعامل فى شركة المضاربة، وعلى الثمن الذى يعجل به فى بيع السلم، وعلى المبلغ الذى يدفعه كل شريك فى شركة العنان، وعلى الثمن الأصلى الذى اشترى به البائع فى معاملات التجارة، ويطلق كذلك على النقد ذهبا أو فضة أو ما يقوم مقامهما من العملات (٣). ويطلق فى الفكر الوضعى على أدوات الإنتاج التى لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشر، وإنما للمساهمة فى إنتاج سلع أخرى، ويطلق على الرصيد المتجمع من الموارد، والذى يسهم فى إنتاج أكبر قدر ممكن من السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة. ويعرف كذلك، بأنه الرصيد الذى يستخدم كاحتياطى لتدعيم مستوى مرتفع من الاستهلاك فى وقت تشتد الحاجة فيه إليه. ويمكن التفرقة بين رأس المال والدخل، بأن الدخل هو الإيراد أو الغلة التى تعود على الفرد أو المؤسسة من العمل أو المال، كما أنه أجر العامل أو إيجار الأرض، وقد حرص الإسلام على استثمار رأس المال وتنميته. وقد اعتبر الفقهاء أن الانفاق من رأس المال تبذير، بينما الإنفاق من الربح ليس تبذيرا (٣). ولا يخفى حرص الإسلام على تشجيع التكوين الرأسمالى عندما أعفى رأس المال الثابت من الزكاة وقد حدد الدمشقى وسائل حفظ المال كما يلى: ١ - ألا ينفق أكثر مما يكتسب. ٢ - ألا يكون ما ينفق مساويا لما يكتسب. ٣ - أن يحذر الرجل أن يمد يده إلى ما يعجز عنه وعن القيام به. ومن أنواع رأس المال: ١ - رأس المال المتداول ويقصد به المال الذى تنتهى منفعته الاقتصادية باستعماله مرة أو بضع مرات، وتحسب قيمته بالكامل فى نفقة إنتاج السلعة المنتجة، مثل القطن الخام الذى يستخدم فى صناعة المنسوجات مرة واحدة. ٢ - رأس المال العامل، ويقصد به الموارد السائلة الصافية لمنشاة ما فى السوق، وهى الأصول الجارية مطروحا منها الالتزامات الجارية وتشمل عروض التجارة، ويستحق عليها الزكاة باعتبارها مالا ناميا بعد حولان الحول. ٣ - رأس المال الاجتماعى، ويقصد به المرافق العامة ومشروعات البنية الأساسية ومؤسسات حفظ النظام، والأمن والعدالة، باعتبارها أصولا يتملكها المجتمع. ٤ - رأس المال المعنوى ويقصد به الشهرة فى التجارة أو التصنيع أو العلامة التجارية، والذى يضمن تحقيق رقم مرتفع من المبيعات، وعلى ذلك فقد درج المحاسبون على تحديد قيمة نقدية للشهرة ضمن عناصر أصول رأس مال المشروع باعتبارها أصلا رأسماليا معنويا. ٥ - الأوراق المالية والسندات باعتبارها مساهمات فى رؤوس أموال المشروعات تدر عائدا سواء فى صورة أرباح موزعة على كل سهم، وفائدة محددة تزاد على أصل قيمة السند فى تاريخ استحقاقه. ويعتبر رأس المال أحد عناصر الانتاج حيث يشترك مع غيره من العناصرلتحقيق الإنتاج بدرجة تجعله محور التنمية الاقتصادية، ويحتل مكانا بارزا فى النظرية الاقتصادية للإنتاج والتوزيع، وفى نظرية النمو الاقتصادى فى نفس الوقت. ويطلق تعبير "رأسمالية" للدلالة على النضام الاقتصادى القائم على تطبيق قواعد العرض والطلب فى السوق الحرة، وعلى حرية القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى، وعلى حق الملكية الخاصة للأفراد والمشروعات، وبحيث يكون تخصيص الموارد وتوزيع الدخل بمعرفة قوى السوق الحرة دون تدخل من السلطات الحكومية، التى تقتصر وظائفها على الدفاع والأمن والعدالة ومراقبة السوق والأسعار، ويعترف النظام الاقتصادى الرأسمالى بدور ثانوى للقطاع العام وفقا لما تقرره السلطات الحكومية فى مجال المنافع العامة، ذات الربحية الاجتماعية، وفى مجال الأنشطة الاستراتيجية. أ. د/حمدى عبد العظيم

стр. 302

٢ - الرأفة لغة: الرحمة، وقيل: أشد الرحمة. رأف به -يرأف، ورئف، ورؤف رأفة، ورآفة- رحمه أشد رحمة. شرعا وفى القرآن الكريم ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله﴾ النور:٢، أى لا ترحموهما فتسقطوا عنهما ما أمر الله به من الحد. ومن صفات الله : (الرءوف)، أى الرحيم بعباده، العطوف عليهم بألطافه، يقول تعالى: ﴿والله رءوف بالعباد﴾ البقرة:٢٠٧، كما وصف الله بها نبيه ﷺ ، فقال ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ التوبة:١٢٨، فقد كان رسول الله ﷺ شديد الرأفة بالمسلمين كثير المراعاة لاختلاف أحوالهم وما يعترى النفوس من فتور وملل، يقول ابن مسعود -رضى الله عنه-: (كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة فى الأيام كراهة السآمة علينا) (البخارى: كتاب العلم)، وكان مع شدة ولعه بالصلاة يتجوز فيها إذا سمع بكاء الصبى، فقد روى أنه قال (إنى لأقوم فى الصلاة أريد أن أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبى، فأتجوزفى صلاتى، كراهة أن أشق على أمه). (البخارى: كتاب الأذان). ومن رأفة الله بعباده أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، بل جعل الواجبات والفروض لا تكون مقبولة إلا إذا كانت فى اطار سهل ميسر لكل الناس، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا وأبشروا .... ). البخارى: كتاب الإيمان، ومسند أحمد: ٥/ ٦٩، ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر طول حياته، إذا تاب وأناب، أسقط عنه العقاب وأعطاه الثواب الدائم والنعيم الخالد فى الآخرة. ومن رآفة محمد ﷺ بالمسلمين وصيته لأصحابه بأن ييسروا ولا يعسروا ويبشروا ولا ينفروا. أ. د/محمد شامة

стр. 303

٣ - الرأي لغة: يطلق على معان منها: الاعتقاد، والعقل، والتدبير، والنظر والتأمل (كما فى الوسيط) (١). واصطلاحا: عرفه الأصوليون بأنه: استنباط الأحكام الشرعية فى ضوء قواعد مقررة، وعرف بأنه: اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة ظن (٢). وقيل: هو استخراج صواب العاقبة. وقيل: ما يترجح للإنسان بعد فكر وتأمل. وعرَّفه الباجى بأنه: اعتقاد إدراك صواب الحكم الذى لم ينص عليه. ويلاحظ فى هذه التعريفات مجتمعة أنه يقصد بالرأى فيها ما كان للعقل فيه نظر وبحث للتوصل إلى شىء مجهول. وهناك فرق بين الرأى والاجتهاد، فالفرق بينهما أن الاجتهاد معنى طلب الصواب، والرأى معنى إدراك الصواب، ولذلك يقال: إن الرأى المصيب ما رأيت، فلا يعبرون بذلك إلا عن كمال الاجتهاد وإدراك الصواب (٣). وتعريف الباجى للرأى وكذا تعريف ابن خويز منداد وهو أن الرأى: استخراج صواب العاقبة، يظهران أن الرأى ليس بمقصور على الرأى الفقهى لأن هذا حكم كل رأى مصيب فى الفقه وغيره (٤). واعلم أنه قد انتسب للرأى جماعة من الفقهاء فسموا بأهل الرأى وذلك بأنهم كانوا يفزعون إلى تلمس الأحكام الشرعية للوقائع التى تمر عليهم دون أن يجدوا لها دليلا من كتاب أو سنة، وصنيعهم هذا كان له جذور ممتدة من عمل الصحابة والتابعين ﵃ فإنهم كانوا يفزعون إلى ما يسمى بالرأى حينما يفقدون نصا فى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يستندون إليه فكانوا يبنون فتاويهم على القواعد العامة المستنبطة من مجمل الأصول الشرعية كالأخذ بالعرف، ومراعاة جلب المصالح ودفع المضار وغيرها مما يرجع مدلوله إلى الكتاب والسنة، ولم يكونوا في صنيعهم يهتمون بأصل معين يشبهون بمحله الحادثة التى يفتون فيها كما قضى عمر بن الخطاب ﵁ على محمد بن سلمة بأن يمر خليج داره فى أرضه، لأنه ينفع جاره ولا يضر محمدا، فعلل الفتوى بأصل عام وهو إباحة النافع وحظر الضار، ولم يقله قياسا على أصل معين. ولما كان هذا الأمر فيه شىء من الخطر فقد أحس الفقهاء بهذا فرأوا أن يضيقوا دائرة الرأى فشرطوا أن يكون للمستنبط بالرأى أصل معين يرجع إليه فى فتواه وهذا الأصل هو الكتاب أو السنة، وهذا هو القياس الذى اعتبروه أصلا من أصول التشريع بعد الكتاب والسنة، وبرع فيه فقهاء العراق، إلا أنهم كثيرا ما يتركون القياس لشىء سموه الاستحسان. وأهل الرأى فى مذهبهم ينطلقون من أن الشريعة معقولة المعنى، ورأوا لها أصولا عامة نطق بها القرآن الكريم، وأيدتها السنة، ورأوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولا أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التى تعرض من هذا الباب، ولو لم يكن فيها نص (٥). واعلم أن السادة الحنفية أو أهل العراق المسمون بأهل الرأى لم يكونوا وحدهم الذين يفزعون إلى الرأى والاجتهاد عند فقد النص الشرعى، ولكن شاركهم غيرهم من أرباب المدارس الفقهية والأصولية الأخرى فهاهم المالكية يقولون بالمصالح وسد الذرائع وغيرها، وغيرهم يقولون بغير ما ورد كالاستصحاب، والأخذ بالعرف، وغيرها مما يوجد فى كتب الأصول تحت مسمى الأدلة المختلف فيها، أو تحت مسمى "الاستدلال"، والاستدلال حالة عند المجتهد يكون عليها بعد أن يتشبع بالأصول الشرعية الجزئية من الكتاب والسنة يستطيع بها أن يحكم فى الوقائع عند حدوثها دونما بحث عن دليل جزئى، ومرجع الاستدلال الأدلة والقواعد العامة المستنبطة من جملة الأصول المنصوصة، فهذا هو الرأى عند الفقهاء والأصوليين، وهو والاجتهاد معنى واحد، إن لم نقل بأنه أعم من الاجتهاد كصنيع أبى الوليد الباجى إذ يعتبر الرأى هو صواب الاجتهاد .. والله أعلم. أ. د/ على جمعة محمد ١ - انظر: المعجم الوسيط ١/ ٣٢٠، دار المعارف ١٩٧٢ م، لسان العرب لابن منظور ٣/ ١٥٤٣ دار المعارف. ٢ - انظر: الحدود لأبى الوليد الباجى، تحقيق: د/ نزيه حماد، ص ٦٤ مؤسسة الزعبى للطباعة والنشر بيروت، ط أولى، ١٩٧٣ م، التوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد عبد الرؤوف المناوى، تحقيق: محمد رضوان الداية، ص ٣٥٤ دار الفكر، الطبعة الأولى ١٩٩٠م، المعجم الوسيط ١/ ٣٢٠، معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس قلعجى، وحامد صادق قنيبى، ص٢١٨، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٨٥ م. ٣ - الحدود، لأبى الوليد الباجى، ص هـ ٦. ٤ - الحدود، للباجى، ص ٦٤، ٦٥. ٥ - انظر: تاريخ التشريع الإسلامى، للشيخ/ محمد الخضر بك، ص١٦٧ وما بعدها، دار الفكر، الطبعة الثامنة ١٩٦٧ م.

стр. 304

٤ - الرباط اصطلاحا: الرباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدو، وأصله أن يربط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطا، وربما سميت الخيل أنفسها رباطا. وقد يطلق الرباط على: المواظبة على الأمر: خاصة المواظبة على مواقيت الصلاة يدل على هذا قول الرسول ﷺ : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط " (١). ويبين الرازى أصل الرباط فيقول: (٢) وأصل الرباط من مرابطة الخيل: وهو ارتباطها بإزاء العدو فى بعض الثغور، والعرب تسمى الخيل إذا ربطت بالأفنية وعلقت رُبُطا واحدها ربيط، ويجمع الرُّبْطُ على: رباط، وهو جمع الجمع. قال تعالى: ﴿ … ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ (الأنفال ٦٠). ويقول الفراء فى قوله تعالى: ﴿ .. ومن رباط الخيل .. ﴾. قال يريد الإناث من الخيل، وقال: الرباط: مرابطة العدو وملازمة الثغر، والرجل مرابط، والمرابطات جماعات الخيول التى رابطت (٣). والرباط فى الثغور، وعلى حدود الإسلاميين واجب، فالأمر للوجوب فى قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ (الأنفال ٦٠). والرباط فى الإسلام لحماية الدعوة والأمة، وليس للعدوان أو الاستيلاء على مقدرات الآخرين المسالمين لنا، ولذلك تلت هذه الآية تلكم الآية: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ (الأنفال ٦١). ولقول الله تعالى لرسوله محمد ﷺ يوم أحد، والمسلمون مذهولون مما فعله الوثنيون بقتلى المسلمين، فقد مثلوا بالجثث الصريعة أبشع تمثيل: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ (النحل ١٢٥). فالرسول ﷺ داع إلى الله تعالى فهو منتصر بقدر ما يكسب من قلوب لا بقدر ما يربح من معارك. ومن معالم المرابطة ما يلى (٤): أ- إن المرابطة فرض على كل قادر من الأمة، والجهاد فرض عين متى كان القتال فى بلاد الإسلام، والمسلمون يقاتلون مدافعين، ويكون فرض كفاية متى كان القتال فى غير بلاد الإسلام، والمسلمون يقاتلون مهاجمين لنشر دينهم تحقيقا للعالمية. ب- إن المرابطة لردع من تسول له نفسه فى العدوان على المسلمين أو مهاجمة أوطانهم. جـ- إن المرابطة لحماية الدعوة والوطن والعِرض والمقدرات، وليست للمباهاة، أو للاستيلاء على مقدراتهم أو استباحة أعراضهم، أو سفك دمائهم. د- إن الإسلام لا يبدأ أحدا بالعدوان ولكن إذا اعتدى عليه كان أبناؤه الرجال فلا ينامون على ضيم، ولا يولون أعداءهم الأدبار. هـ- إن الإسلام دين واقعى لا مكان فى منهجه للخيال الذى يحسن الظن بالحياة ويتصور البشر ملائكة أطهارا يترفعون على العدوان، ويأبون سفك الدماء ويتسامون عن الغدر، لكنه يعيش واقع الحياة، ويضع الأسس القويمة للتعامل معها. وتوضيح الإسلام قيمة المرابطة، وحثه عليها، وبيان الثواب الذى ينتظر المرابطين فى سبيل الله تعالى. أ. د/ عبد السلام عبده ١ - المعجم الوسيط ١/ ٤٠٥. ٢ - تبيين الحقائق، الشيخ محمد الشربينى ٢/ ٩٤، الشرح الصغير، لأحمد الدردير ٢/ ٣٣٢ وما بعدها، مغنى المحتاج ٣/ ١٢٣ من كشاف القناع منصور بن يونس بن إدريس، ٥/ ٣. ٣ - أخرجه البخارى فى كتاب النكاح، باب قول النبى ﷺ " من استطاع الباءة فليتزوج"، فتح البارى بشرح صحيح البخارى ٩/ ٨. ٤ - تبيين الحقائق ٢/ ٩٥، بداية المجتهد ٢/ ٢، مغنى المحتاج ٣/ ١٢٥، كشاف القناع ٥/ ٤، المهذب للشيرازى ٢/ ٣٣.

стр. 305

٥ - الرباعيات (الدُّوبيْت) لغة: جمع رباعية. واصطلاحا: هى مقطوعة شعرية مؤلفة من أربعة أشطر (بيتان) اعتمدها عدد من شعراء الفرس فى التعبير عن أحاسيسهم وخواطرهم وأخيلتهم. وتعرف الرباعيات، فى كتب الأدب- وبخاصة الشعر- بالدوبيت. والدوبيت اسم مركب من كلمتين، "دو" فارسية، ومعناها: اثنان و "بيت" عربية، وهو أحد أبيات الشعر. ويسميه الفرس بالرباعى، لكونه ينظم على بيتين فقط فى أى غرض يريده الناظم ولبعض شعرائهم اختصاص بشهرة إجادة الرباعيات كـ (عمر الخيام) (١) ومن أشهر أوزانه: فًعْلن (بسكون ثانيه) متفاعلن فعولن فًعَلن (بتحريك ثانيه) (أربع مرات). ومن أمثلته قول عمر الخيام: يا نفس ما هذا الأسى والكدر قد وقع الإثم وضاع الحذر هل ذاق حلو العفو إلا الذى أذنب والله عفا وغفر (٢) وقوله: أطفئ: لظى القلب ببرد الشراب فإنما الأيام مثل السحاب وعيشنا طيف خيال فنل حظك منه قبل فوت الشباب (٣) وقول العماد الأصفهانى: للغزو نشاطى وإليه طربى ما لى فى العيش غيره من أرب بالجد والاجتهاد نُجْحُ الطلب والراحة مستودعة فى التعب (٤) أ. د/ عيد محمد شبايك ١ - والمتصفح لرباعيات الخيام يلاحظ أنها تراوح بين الصوفية المتسامية وبين النزعة الأبيقورية المتهالكة. ويقصد بالأبيقورية الانغماس فى الملذات وشرب الخمر، نسبة إلى الفيلسوف أبيقور. المعجم الأدبى. جبور عبد النور. ٢ - رباعيات الخيام، ترجمها نظما عن الفارسية أحمد رامى ص ٢٥ الدار القومية للطباعة والنشر. ٣ - السابق ص ٢٦. ٤ - الروضتين، لأبى شامة المقدسى ١/ ٢٠٧.

стр. 306

٦ - الرثاء لغة: رثى له: رق له، والرثاء هو تعداد مناقب الميت، ونظم الشعر فيه. (١) واصطلاحا: ذكر الجاحظ (٢٥٥ هـ) (الرثاء) بمعناه العام: أى (فن الرثاء)، والخاص: أى بكاء الميت وإحصاء محاسنه (٢). وفرَّق قدامة بن جعفر (٣٣٧هـ) بين المرثية والمدحة بأن المرثية يذكر فى لفظها ما يدل على أنها لهالك مثل (كان) و (تولى)، و (قضى نحبه) وما أشبه ذلك (٣)، وتبعه فى ذلك ابن رشيق (٤٥٦هـ) وأضاف: "وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع بيَّن الحسرة، مخلوط التلهف والأسف والاستعظام إن كان الميت ملكا أو رئيسا" (٤) والرثاء من الموضوعات البارزة فى الشعر العربى، وهو يأخذ ألوانا ثلاثة: ١ - الندب: وهو بكاء الأهل والأقارب إذا عصف بهم الموت. ٢ - التأبين: وهو ثناء على الميت وتعديد فضائله. ٣ - العزاء: وهو مرتبة عقلية فوق التأبين، ينفذ فيها الشاعر من حادثة الموت الفردية إلى التفكير فى حقيقة الموت والحياة، وقد ينتهى به التفكير إلى معان فلسفية عميقة. وقد عرف العرب الرثاء فى العصر الجاهلى، إذ كان الرجال والنساء يندبون موتاهم، ومن أشهر من بكت واستبكت فى الجاهلية الخنساء فى رثاء أخيها صخر: كأن عينى لذكراه إذا خطرت فيض يسيل على الخدين مدرار وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم فى رأسه نار (٥) ومن الشعراء المخضرمين متمم بن نويرة وله شعر جيد فى رثاء أخيه مالك حين قتل فى حروب الردة، فيرد على صديقه بقوله: يقول: أتبكى كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له: إن الشجى يبعث الشجى فدعنى فهذا كله قبر مالك وهذا أبو ذؤيب الهذلى يعبر عن لوعته لفقد أبنائه وقد هلكوا بالطاعون فيرثيهم بقوله. أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع أودى بنى وأعقبونى حسرة بعد الرقاد وعبرة ما تقلع وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع وهذا ابن الرومى يرثى ابنه الأوسط محمدا فيقول: توخى حمام الموت أوسط صبيتى فلله كيف اختار واسطة العقد ألام لما أبدى عليك من الأسى وإنى لأخفى منك أضعاف ما أبدى وقالوا: إن أرثى بيت هو: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه فطيب تراب القبر دل على القبر هذا ويدخل فى عداد الرثاء أيضا القصائد التى نظمها الشعراء فى البكاء على الإمارات والدول البائدة، والعمران الزائل والمجد الغابر كما فى كتاب المنازل والديار لأسامة بن منقذ. أ. د/ عيد محمد شبايك

стр. 307

٧ - الرجاء لغة: له معان منها: الأمل: والأمل نقيض اليأس، تقول رجوت الخير، بمعنى أمَّلت الخير. التوقع: تقول رجوت قدوم محمد بمعنى توقعت قدوم محمد. الخوف: فقد جاء فى التنزيل: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا. وقد خلقكم أطوارا﴾ (نوح ١٣ - ١٤). والرجا (مقصور): ناحية كل شىء؛ وخص بعضهم به ناحية البئر من أعلاها إلى أسفلها، وتجمع على أرجاء قال الله تعالى: ﴿والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة ١٧). والرجو: المبالاة، يقال ما أرجو أى ما أبالى. وأرجأ الأمر: أخَّره تقول أرجأت الأمر، وأرجيته إذا أخرته، ومنه المرجئة، وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، وسموا مرجئة، لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصى (١). ورجيه وترجاه، وارتجاه ورجاه: بمعنى واحد. واصطلاحا: الرجاء هو التماس الخير من الأعلى، وهو دائما من الإنسان لخالقه. وعلماؤنا يفرقون بين الرجاء والالتماس الذى يكون بين المتساويين، والطلب الذى يكون من الأعلى للأدنى. ومن معالم الرجاء فى الإسلام: ١ - أن يكون الرجاء فى الله تعالى فلا يرجون أحدا إلا ربهم. ٢ - أن يكون الرجاء للخير لملتمس الرجاء أو لغيره. ٣ - أن يتحين طالب الرجاء لرجائه الأوقات الطيبة كوقت السحر من الليل، وبعد زوال الشمس من نهار رمضان، والأيام الطيبة كيوم عرفات وليلة القدر من رمضان. ٤ - أن يكون طالب الرجاء طائعا، مستقيما على شرع الله تعالى فلا يجوز لمن عصى ربه أن يرجو ربه. ٥ - أن يثق طالب الرجاء فى الله الذى يرجوه، وأن يطمئن إليه مهما كان رجاؤه. ومن آثار الرجاء فى نفس المسلم: أ- قتل اليأس والقنوط فى نفوس الراجين، فإذا أذنب المسلم فعليه ألا ينساق تحت وطأة الشعور بالذنب بل عليه أن يبادر بالتوبة، وأن يرجو من ربه قبولها، وأن يدرك أن رحمة الله تعالى وسعت كل شىء. ب- أن يدعو إلى التفاؤل، ويشحذ الهمم إلى العمل، وهاهو القرآن الكريم يدعو أمته إلى مواصلة الجهاد ويشد من أزرهم فى ميادين القتال حين يذكرهم بأنهم يرجون من الله تعالى ما لا يرجو غيرهم فيقول لهم: ﴿ولا تهنوا فى ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما﴾ (النساء١٠٤). جـ- أنه يجلب الطمأنينة إلى نفس المسلم الذى يرجو ربه؛ فالمسلم حين يرجو ربه يبرأ من حوله إلى حول الله، ويخرج من طوله إلى طول الله، فلا يلوذ بحمى ما لجأ إليه خائف إلا بذل خوفه أمنا. أ. د/ عبد السلام عبده ١ - انظر لسان العرب لابن منظور، ٢/ ١٥٨٣ مادة (رجو).

стр. 308

٨ - الرجعة من عقائد الشيعة الأساسية قضية الإمامة ورئاسة الدولة، فهى- فى اعتقادهم- ركن من أركان الدين- ولا تخرج عن على بن أبى طالب وذريته، وإن خرجت فبظلم أو تقية، أى بظلم من المعارضين أو تقية ومداراة من الأئمة أنفسهم. والرجعة من العقائد الشيعية المرتبطة بقضية الإمامة، فالإمام يغيب عن أعين أتباعه بالموت، أو القتل أو الهروب والانسحاب من المواجهة، ويظل مختفيا أو غائبا أوقاتا متطاولة، قد تستغرق قرونا بل قد تستغرق الزمان بأجمعه. وينتظر الشيعة عودة هذا الإمام الغائب، ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ولا يتفق الشيعة على عودة إمام بعينه، بل تتعدد الأئمة بتعدد الفرق. وأول من قيل فيه بالرجعة محمد بن الحنفية أحد أبناء على بن أبى طالب ﵁ من غير فاطمة الزهراء، ويقال إنه فى جبل رضوى، بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل. وتقف فرقة الباقرية عند محمد الباقر بن على زين العابدين (٥٧ - ١١٤هـ) ويقولون فيه بالغيبة والرجعة. وتقف فرقة الجعفرية عند جعفر الصادق بن محمد الباقر (٨٣ - ١٤٨م) ويقولون فيه بالغيبة والرجعة. وتتواصل الأئمة عند فرقة الاثنا عشرية إلى الحسن العسكرى الزكى (٢٣٢ - ٢٦٠هـ) ثم إلى ابنه محمد الطفل الرضيع الذى ولد عام ٢٥٦ هـ وهو الإمام القائم الحجة المنتظر. ويحيل الشيعة هذه العقيدة إلى جواز ذلك على القدرة الإلهية، ويحاولون الاستدلال عليها بخوارق العادات التى وقعت للأنبياء- ﵈ ويقيسون رجعة غيبة أئمتهم ورجعتهم على المزاعم القائلة بحياة الخضر وإلياس- ﵉. وهذه المحاولات كلها فاشلة لأنها قائمة على غير أساس صحيح من النقل والعقل، وليس لهؤلاء الأئمة عصمة ولا حصانة إلهية، وهم بشر كسائر البشر، وإن القول بحياة الخضر وإلياس- ﵉ يعوزه الدليل، ولا يسلم به المحققون من العلماء، ولو أحيل كل شىء إلى القدرة الإلهية بغير نص ولا عقل لبطلت النواميس الكونية وتعطلت الحياة الإنسانية. أ. د/ محمد سيد أحمد المسير

стр. 309

٩ - الرحلات والرحالة المسلمون اصطلاحا: هى الرحلات البرية والبحرية التى قام بها الرحالة المسلمون، وقد تنوعت بتنوع أغراضها، ومن تلك الأغراض: التجارة أو طلب العلم أو الحج، ومن أهم دواعيها الكشف وحب استطلاع المجهول. وبعد نمو الدولة الإسلامية على متسعات من آسيا وأفريقيا وأوربا، ومن يسكنها من شعوب وحضارات وعقائد ولغات مختلفة، ظهرت الحاجة إلى معرفة العالم الإسلامى والعوالم المجاورة له؟ كما أن بعض الرحالة كانت تحدوهم أغراض سياسية كمقدمة للتوسع، أو تغليب مذهب على آخر كما حدث عندما صارت هناك دول إسلامية سنية وأخرى شيعية. وقد ترتب على الرحلة الإسلامية نمو أسس معرفية لعلوم عديدة أخصها الجغرافيا والنقل والأنثروبولوجيا والاجتماع والسياسة، وبدايات علم الخرائط التفصيلية للأقاليم بدلا من الاعتماد على خريطة العالم التى رسمها بطليموس الجغرافى السكندرى فى القرن الثانى الميلادى، والشىء نفسه تكرر فى العصر الحديث الذى بنى فيه الأوربيون علومهم على معارف المسلمين، وهذه هى سنة البناء العلمى فقد بنى المسلمون علومهم علي معارف سابقيهم من روم ويونان وفرس وهنود إلخ .. وقد ترتب على الرحلات التى قام بها الجغرافيون ظهور أنواع متتالية من التأليف. وآول الجغرافيين العرب كان الخوارزمى (ت ٨٥٠م) الدى كان متأثرا بجغرافية بطليموس. وفى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين ظهرت كتب كثيرة تحت مسمى "المسالك والممالك " مثل اليعقوبى (ت ٨٩٧م) الذى اهتم بما نسميه الآن الجغرافيا البشرية. وابن خرداذبة (ت:٩١٢) اهتم بالطرق والمسافات فى كتابه " المسالك ". والبلخى (ت:٩٣٤). وابن فضلان (بدأ رحلته إلى نهر الفولجا عام ٩٢١). والاصطخرى كتب المسالك والممالك ٩٣٣م. والمسعودي (ت:٩٥٧م) صاحب "مروج الذهب " الذى تضمن وصفا لاستدارة الأرض ومظاهرها الطبيعية وحضارات الماضى وشعوبه وبلاد الإسلام. والمقديسى الذى أعطى للظاهرات المختلفة ألوانا خاصة على الخرائط وكتب "أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم " بترتيب وتدقيق. وكان ابن حوقل أكثر الجغرافيين الذين ارتحلوا فى تلك الفترة، وبلغ زمن رحلته نحو ٣٢ سنة غطى فيها مشارق العالم الإسلامى ومغاربه، فهو بدون منازع شيخ الرحالة، وكتب "صورة الأرض" ٩٧٧م. وفى القرنين ١١ و ١٢م. برز من بين الرحالة الشريف الإدريسى (ت:١١٦٦) صاحب خريطة العالم على قرمى كبيرمن الفضة التى حلت محل خريطة بطليموس كأساس محدث يستند إليه إلى أن جاءت الكشوف الجغرافية ابتداء من ق ١٦٠م. كما كتب "نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق". أما ناصرخسرو (ت:١٠٦١م) وكتابه "سفر نامه " فيتضمن معلومات دقيقة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد بين فارس ومصر قبيل الغزوات الصليبية. وابن جبير الأندلسى (ت.١٢١٧م) قدم لمصر والحجاز والشام فى ثلاث رحلات طوال أوسطها بعد فتح صلاح الدين للقدس مباشرة، ولم يصلنا من كتاباته إلا القليل من الرحلة الأولى. ثم ياقوتا الحموى (ت:١٢٢٩م) صاحب "معجم البلدان"، هو اتجاه بحثى هام وغير مسبوق، حفظ لنا الكثير من أسماء وأبحاث الجغرافيين السابقين الذين فقدت أعمالهم. أما العلامة البيرونى (ت:١٠٤٨م) فلم يكن جغرافيا، لكنه أجاد فى الجوانب الفلكية والجغرافيا الرياضية. وأنجب القرن١٤م أمير الرحالة المسلمين ابن بطوطة (ت:١٣٧٧م) الذى قضى نحو ٢٥ سنة فى رحلته الأولى من المغرب إلى الصين. كما ظهر فى الفترة ذاتها عالم الاجتماع وفلسفة التاريخ ابن خلدون (ت:١٤٠٦م) فى كتابه الشهير "ديوان المبتدأ والخبر فى تاريخ العرب والعجم والبربر"، وتجلت عبقريته فى مقدمة الكتاب التى تعد فلسفة فى العلوم الاجتماعية والعمرانية والسياسية. أ. د/محمد رياض

стр. 310

١٠ - الرحمة لغة: الرِّقَّة، والتَّعَطُّف، و "الرحمة": المغفرة، يقول الله تعالى ﴿ .... وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ يونس:٥٧، أى فصلناه هاديا وذا رحمة، يقول تعالى ﴿ .... ورحمة للذين آمنوا منكم .. ﴾ التوبة:٦١. رَحِمَةُ رَحمًا، ورُحُمًا، ورَحمَة: رقَّ له، وشفق عليه، وتعطف وغفر له، يقول تعالى ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ البلد:١٧، أى أوصى بعضهم بعضا برحمة الضعيف، والتعطف عليه. ويقول تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ الأعراف:٥٦، أى عفوه، وعنايته، ورعايته "الرحيم": قد يكون بمعنى "المرحوم"، كما يكون بمعنى "الراحم" يقول الله تعالى ﴿ ...... وأقرب رحما﴾ الكهف:٨١، وقيل: "ترحمت عليه"،قلت: ﵀. اصطلاحا: إرادة إيصال الخير وهى: اللطف والإحسان: أى التخلص من كل آفة أو نزعة تدفع الإنسان إلى الشر، مع إيصال الخير إلى الناس، فمساعدة الضعيف رحمة، ومد يد العون للمحتاج رحمة، وتخفيف آلام الناس رحمة، وعدم القسوة على من -وما- تحت يد المرء رحمة، ومعاملة الأرحام -وخاصة الوالدين- بالحسنى رحمة. وقد ذكرت كلمة "رحمة" فى القرآن الكريم ٧٩ مرة توزعت فى سوره، ابتداء من قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ البقرة:١٥٧، وحتى قوله تعالى ﴿وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ الحديد:٢٧، وتدور معانيها حول رحمة الله بعباده، وذلك بإنزال النعم عليهم فى الدنيا والآخرة، وفى مقدتها بعث الله محمدا ﷺ لهم بالهدى والرحمة، يقول تعالى ﴿فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة﴾ الأنعام:١٥٧، ويقول ﴿ … وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ الإسراء:٨٢، ولبيان أن الرحمة لأصحاب الفضل واجبة، يقول تعالى ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة … ﴾ الإسراء:٢٤،أو التبشير بالرحمة لمن تاب وأناب، يقول تعالى ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الزمر:٥٣، فرحمة الله قريب من المحسنين وهى لعباده المطيعين لأوامره، سواء كانت أمرا أو نهيا، كما بين القرآن الكريم أن الرحمة هى أساس العلاقة بين الزوجين، يقول الله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ الروم:٢١، ومدح الله بها أصحاب رسول الله ﷺ ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .... ﴾ الفتح:٢٩. وردت كلمة "رحمة" ومشتقاتها فى أحاديث عديدة، وكلها تدور حول: التواصل بين الناس، ووصف المؤمنين بالتراحم والتعاطف فيما بينهم، مثل: (ترى المؤمنين فى توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد … ) (البخارى: كتاب الأدب)،، و (الراحمون يرحمهم الرحمن) (سنن الترمذى: كتاب البر والصلة). كما تنفرهم من القسوة وعدم الرحمة، مثل قوله ﷺ : "الجماعة رحمة والفرقة عذاب " (مسند أحمد)، وقوله: (لا تنزع الرحمة إلا من شقى، وقوله: نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة، لم تلقه إلا رجيما ملعونا) (سنن ابن ماجة: كتاب الفتن)، وقوله: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) (سنن الترمذى: كتاب البر والصلة)، ولهذا نص عليها فى رد السلام: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، ليتذكرها الناس دائما فيسود التعاطف والتالف بينهم. أ. د/محمد شامة

стр. 311

١١ - الرِّدَّة عندما توفى رسول الله ﷺ ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، وانتشر النفاق بالمدينة وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتف على طليحة الأسدى بنو أسد وطيئ، وبشر كثير أيضا، وادّعى النبوة أيضا كما ادعاها مسيلمة الكذاب وعَظُم الخطب واشتدت الحال، ونفذ أبو بكر الصديق جيش أسامة فقل الجند عند الصديق فطمعت كثير من الأعراب فى المدينة وراموا أن يهجموا عليها فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها … وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يقرون بالصلاة ويمتنعون عن آداء الزكاة، ومنهم من امتنع عن دفعها إلى الصديق وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (التوبة ١٠٣). قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا، وقد تكلم الصحابة مع الصديق فى أن يتركهم وما هم عليهم من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان فى قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق من ذلك وأباه (١). وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: لما توفى رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبى بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق (رواه الإمام مسلم) (٢). وبهذا يتضح لنا أن أهل الردة كانوا- كما يقول النووى نقلا عن الخطابى- صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب. وهذه الفرقة طائفتان إحداهما أصحاب مسيلمة من بنى حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه فى النبوة وأصحاب الأسود العنسى ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمدا ﷺ مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسى بصنعاء، وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم، والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه فى الجاهلية .. والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وهؤلاء على الحقيقة أهل بغى .. ثم قال: وقد كان فى ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى وقبضوا على أيديهم فى ذلك كبنى يربوع فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبى بكر ﵁ فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وفى أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ﵁ فراجع أبا بكر ﵁ وناظره واحتج عليه بقول النبى ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم نفسه وماله ". وكان هذا من عمر ﵁ تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر فى أخره ويتأمل شرائعه .. فلما استقر عند عمر صحة رأى أبى بكر- رضى الله عنهما- وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله: " فلما رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال عرفت أنه الحق " رواه مسلم (٣). هذا وقد سلك الصديق ﵁ فى قتال المرتدين طريقين: الأول كان الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لعلهم يعودون إلى رشدهم ويتوبون إلى ربهم وهذا ما يمكن أن نسميه بالطريق السلمى ويتجلى ذلك فى الكتاب الذى أرسله أبو بكر ﵁ إلى المرتدين وأعطى نسخة منه لكل قائد أرسله إلى هؤلاء القوم، وفى هذا الكتاب دعاهم الصديق ﵁ إلى الخضوع للحق والعودة إلى الإسلام وإلى الطريق المستقيم وإلا كان كل أمير أرسله أبو بكر فى حل من قتل كل من أَبَى" (٤). أما الطريق الثانى: فكان الحرب حيث عقد الصديق ﵁ أحد عشر لواء وجهها إلى المرتدين فى أنحاء الجزيرة العربية، وفيما يلى موجز لهذه الحروب: عقد الصديق ﵁ لخالد بن الوليد ﵁ لواء وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. وقام خالد ﵁ بالتوجه أولا إلى طليحة الأسدى والتقى مع طليحة بمكان يقال له: بزاخه (٥). ثم توجه خالد بعد ذلك إلى مالك بن نويرة التميمى بالبطاح، وكان مالك قد استجاب لسجاح بنت الحارث وهى من نصارى العرب، وقد ادّعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبى بكر الصديق ﵁، ثم سار خالد ﵁ بمجموعة إلى اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب والتقى الجمعان ودام الحصار أياما ثم قُتِلَ الكذاب لعنه الله قَتَلَهُ وحشى قاتل حمزة. وكان الصديق ﵁ قد بعث قبل خالد إلى مسيلمة عكرمة بن أبى جهل وشرحبيل بن حسنة. ولما ارتد أهل البحرين بعث الصديق ﵁ إليهم العلاء بن الحضرمى .. وكان العلاء من سادات الصحابة العلماء العُبَّاد مجابى الدعوة (٦) فالتقوا بجواثى فنصر المسلمون (٧). أما أهل عمان فخرج فيهم رجل يقال له: فى الجاهلية الجُلَنْدى فادعى النبوة أيضا وتابعه الجهلة من أهل عمان فتغلب عليها وقهر جيفرا وعبادا وألجأهما إلى أطرافها من نواحى الجبال والبحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميرى، وعرفجة البارقى من الأزد، حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعمان وحذيفة هو الأمير فإذا ساروا إلى بلاد مهره فعرفجة الأمير. وأمر الصديق عكرمة بن أبى جهل أن يلحق بحذيفة وعرفجة إلى عمان وكل منكم أمير على جيشه وحذيفة مادمتم بعمان فهو أمير الناس فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة فإذا فرغتم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المهاجرين أبى أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكل به (٨). واستمرت جيوش الصديق ﵁ وأمرائه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوَّالين فى البلاد يمينا وشمالا لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام حتى رد شارد الدين بعد ذهابه ورجع الحق إلى نصابه وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى. وما تحقق هذا النصر للمسلمين على المرتدين إلا بسبب قوة إيمان الصديق ﵁ ومن معه من صحابة رسول الله ﷺ وقوة إيمان من أرسلهم لمحاربة هؤلاء المرتدين ومهارتهم الحربية والتخطيط المحكم الدقيق الذى نفذت به تلك الحروب، وبانتصار المسلمين فى تلك الحروب قوى سلطانهم وعز الإسلام ورفعت رايته خفاقة عالية، وكان ما فعله أبو بكر الصديق ﵁ من محاربة المرتدين بعد نصحهم بالعودة إلى الإسلام من أسدِّ عمله وأفضل ما قدمه للإسلام (٩)، فجزى الله الصديق ﵁ خير الجزاء إزاء ما قدمه للإسلام والمسلمين، إنه نعم المولى ونعم النصير. أ. د/ حسن عبد الرؤوف محمد

стр. 312

١٢ - الرذيلة لغة: الخصلة الذميمة، وهى تقابل الفضيلة، جمعها رذائل (١). واصطلاحا: هيئة نفسانية تصدر عنها الأفعال القبيحة فى سهولة ويسر. وقيل: هى ميل مكتسب من تكرار أفعال يأباها القانون الأخلاقى والضمير، فهى عادة فعل الشر، أو هى عادة سيئة تميل إلى الجبن والتردد والإفراط والكذب والشح. (٢) أجناسها: إذا كانت أصول الفضائل أربعة هى الشجاعة والعدل والسخاء والعفة- كما ذكرها مسكويه- فإن كل فضيلة منها هى وسط بين رذيلتين، إذاً يمكننا بناء على ذلك أن نحدد عدد أجناس الرذائل بأنها ثمانية هى أطراف الفضائل الكبرى. وهذه الرذائل الثمانية هى: السفه، والبله، والتهور، والجبن، والشره، والخمود والجور والمهانة، وتحت كل رذيلة من هذه الثمانية من الرذائل ما يصعب حصره، وهى فى طبيعتها كالفضائل ليست متأصلة فى النفس، لكنها تكتسب اكتسابا. وطرق اكتسابها تكون بأمور أهمها العادة والقدوة السيئة والجهل. ولأن الرذائل أمراض روحية لابد لسلامة الإنسان من معرفة دوائها، ووسائل علاجها للقضاء عليها، والنجاة من شرها وأهم هذه الوسائل: ١ - التسلح بعزم صارم أكيد لا يعرف التردد أو النكوص. ٢ - أن يميل بالرذيلة نحو الجانب المضاد فإذا أحس بإفراط فى نوع من الشهوات قاوم ذلك الميل بالتزهد فيه. ٣ - أن يوسع مجال فكره وأفق نظره، فمن الرذائل ما يكون مصدره ضيق دائرة الفكر والنظر، فإذا وسع دائرة حياته عرف أنه ليس إلا فردا من أفراد المجتمع، وأن غيره له حقوق يجب أن تراعى وإنما يُعرف ذلك ويتحقق بدراسة علم الأخلاق. ٤ - أن يترك الخلق الذميم مرة واحدة، وهذه الخطة المهاجمة قد تسبب لصاحبها بعض الألم، ولكنه ألم ما أسرع أن يزول ويعقبه سرور الفضيلة (٣). فالتخلص من نير الرذائل ليس بالأمر الهين، لأنها عادات تمكنت من صاحبها ولكن بمراعاة هذه القواعد التى ذكرت وملاحظة هذه الطرق كفيل بغرس الفضائل وهدم كل رذيلة من أساسها وإقامة الفضيلة على أنقاضها. (هيئة التحرير) ١ - المعجم الوسيط، مادة (رذل) - ط مجمع اللغة العربية سنة ١٩٨٥م ٢ - علم الأخلاق، د. محمد نعيم السيد ص ١٢٠. ٣ - دراسات فى الأخلاق- د/ طه خضير ص ١٩٩.

стр. 313

١٣ - الرزق لغة: الرزق بكسرالراء كل ما ينتفع به من المال أو الجاه أو السلطان أو الصحة أو الملبس أو المسكن أو الذرية أو العلم. ويشمل العطاء الدنيوى والأخروى. والأرزاق نوعان: أرزاق ظاهرة للأبدان "كالأقوات ". أرزاق باطنة للقلوب والنفوس "كالمعارف والعلوم" (١). أما الرزق: بفتح الراء فهو المصدر الحقيقى، والمرة الواحدة رزقة، والجمع رزقاف. يقول الجوينى الأشعرى: "والذى صح عندنا فى معنى الرزق أن كل ما انتفع به منتفع فهو رزقه، فلا فرق بين أن يكون متعديا بانتفاعه، وبين أن لا يكون متعديا به" (٢). واصطلاحا: الرزق يتسع ليضم كل ما يتغذى به سواء كان حراما أم حلالا وهذا ما يقول به أهل السنة. كما ورد فى عبارة الباقلانى التالية: "فإن قالوا: أفتقولون إن الله يرزق الحلال والحرام؟ قيل لهم: أجل، فقد دل على ذلك بقوله: ﴿الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ الروم:٤٠، فلما كان منفردا بالخلق والإماتة والاحياء كان منفردا بتولى الأرزاق، فإن قيل: ما معنى قولكم إن الله يرزق الحرام؟ قيل لهم: تأويل ذلك أن يجعله غذاء للأبدان، وقواما للأجسام، لا على معنى التمليك والاباحة لتناوله، لأن ذلك مما قد أجمع المسلمون على خلافه (٣). ويعرف بعض المعتزلة الرزق بأنه: الملك، بينما يعرفه المتأخرون منهم، بأنه: ما ينتفع به المنتفع من ملكه (٤). وعلى هذا المعنى يجوز للإنسان عندهم أن يأخذ رزقا غيره، ويجوز أن يأخذ غيره رزقه. وهم يرون أن ما يتغذى به من الحرام، لا يكون رزقا من الله لأنه لا يرزق الحرام وإنما هو من فعل العبد (٥). ويلزم من تعريف المعتزلة للرزق، أن البهائم لم يرزقها الله، لأنها لا تتصف بالملك، وهذا يتناقض مع قوله تعالى ﴿وما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها﴾ هود:٦. كما يلزم قولهم بأن من تغذى بالحرام طول عمره لم يرزقه الله سبحانه، وهذا مخالف للنقل والعقل (١). ويرى أهل السنة أن كل ما أكله الانسان أو شربه فهو رزقه حلالا أو حراما لا يتعداه، فلا يأكل أحد رزق غيره، ولا يأكل غيره رزقه. أما الرزاق: فهو من غلبت نعمه شكر العباد، ولا يصح إطلاقه إلا على الله . أ. د/محمد الأنور حامد عيسى

стр. 314

١٤ - رسائل الرسول ﷺ عُنِىَ الرسول صلوات الله وسلامه عليه عناية كبيرة بتبليغ الدعوة، وقد استعمل الرسول فى سبيل تحقيق هذا الهدف الدعوة بالكلمة المقولة والكلمة المكتوبة والأسوة الحسنة. وفى الأسوة الحسنة كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه نموذجا رائعا لكل صفات الخير، ويقول القرآن الكريم عنه: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ الأحزاب:٢١. وتقول السيدة عائشة رضى الله عنها: (كان خلقه القرآن) (١). وبمراجعة أحاديث الرسول ﷺ نجد فيها أسمى طريق للخلق الحسن فى كل شىء. وعنى الرسول ﷺ بتربية الحكام والقضاة والولاة كما عنى أعظم عناية بالتربية الاجتماعية (٢). واذا نظرنا إلى الكلمة المكتوبة: نجد رسائل الرسول ﷺ إلى الملوك والرؤساء يدعوهم للإسلام تحقيقا لعالمية الإسلام كما جاء فى قوله تعالى: ﴿تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ الفرقان:١، ثم توالت الآيات فى السور المكية تؤكد عالمية الإسلام كقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ سبأ:٢٨، كما جاءت فى معنى عالمية الإسلام آيات فى سورة الأنبياء والأعراف وإبراهيم وبناء على هذه العالمية أرسل ﷺ رسائله إلى ملوك عصره وأمراء عهده، وتمتازهذه الرسائل بالنقاط التالية: ١ - تجاهل الرسول ﷺ تماما التوسعات الاستعمارية التى كان يقوم بها الروم والفرس ضد بعض المناطق العربية وكتب صلوات الله وسلامه عليه لولاة هذه المناطق مباشرة فكتب لوالى الروم على دمشق والمقوقس والى مصر، وكتب إلى باذان والى الفرس على اليمن، وتعتبر هذه الخطوة رائعة ذات مغزى عظيم فى الدلالة على عظمة الدعوة. ٢ - صيغت كتب رسول الله ﷺ بمنتهى الحكمة والبراعة فالرسول فيها سمح يدعو ولا يهدد، يخاطب الملوك والروساء بألقابهم ويعترف بمكانتهم ويقرر أن سلطانهم فى ظل الإسلام باق لهم، وهو بذلك يؤكد أنه ليس طالب ملك، ثم هو يذكر أن هناك زكاة فى أموال الأغنياء ولكنه يؤكد أن الزكوات والصدقات لا تحل لمحمد ولا آل محمد، وإنما تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم، وهو بهذا يؤكد أنه ليس طالب مال. ٣ - كان ﵊ يخاطب كل ملك حسب ظروفه، فإن كان من أهل الكتاب أشار إلى ما بين الأديان السماوية من روابط، وإذا كان من غيرهم أشار إلى التزام البشرية بالعودة إلى الله وترك عبادة ما سواه. ٤ - اختير المبعوثون بحيث يعرف كل منهم لغة من سيرسل إليه. ٥ - امتدت فترة إرسال الرسل فيما بين الحديبية ووفاة الرسول ﷺ . ونذكر هنا نصوص بعض الرسائل ككتاب الرسول ﷺ إلى هرقل ملك الروم: "من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيِّين". ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا آربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ آل عمران:٦٤. كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى فارس: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس. كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس عظيم مصر: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط: سلام على من أتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولو فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ آل عمران:٦٤. وتقول الرواية: إن المقوقس لما قرأ الكتاب سأل حامله (حاطب بن أبى بلتعة): ما منع صاحبك إن كان نبيا أن يدعو على من أخرجوه من بلده فيسلط الله عليهم السوء؟ فقال حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على أولئك الذين تآمروا عليه ليقتلوه فيسلط الله عليهم ما يستحقون؟ قال المقوقس: أنت حكيم جئت من عند حكيم. كتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشى: من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة: سلام عليك إنى أحمد الله إليك، الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه كما خلق آدم بيده، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله ، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحى، والسلام على من اتبع الهدى. وقد أدت الرسائل كلها مهمتها خير أداء. أ. د/أحمد شلبى

стр. 315

١٥ - الرسالة لغة: ما يرسل، والرسالة: الخطاب، والرسالة: كتاب يشتمل على قليل من المسائل تكون فى موضوع واحد، ورسالة الرسول: ما أُمِرَ بتبليغه عن الله، ودعوته الناس إلى ما أوحى إليه- كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: هى اختصاص العبد بسماع وحى الله تعالى بحكم شرعى تكليفى، وأمر بتبليغه. وهى تختلف عن النبوة التى تعنى اختصاص العبد بسماع وحى الله بحكم شرعى تكليفى سواء أمر بتبليغه أم لا. وترجع حاجة البشر إلى الرسالة: (أ) التعريف بحقائق الدين وأحكام الشريعة، ليقوم الناس بالعدل كقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ (الحديد ٣٥). (ب) قطع الحجة على الناس لقوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (النساء١٦٥). (جـ) إن العقل وحده فى قصور عن إدراك المعرفة المتصلة برب العالمين، كما أنه يضل تحت ضغط تأثير ودافع التقليد. (د) حاجة الإنسان للرسل؛ لكى يتم التوفيق بينه وبين الكون المسبح لربه. قال تعالى: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح بحمده﴾ (الإسراء٤٤). ولقد دعا الإسلام إلى الإيمان بجميع الرسل دون التفريق بينهم، فمن كفر بواحد كمن كفر بالجميع على حد سواء ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ (النساء١٥٠ - ١٥١). وهم من الكثرة، بحيث لا يعد عددهم، ولا يحصى ولا يعلم عددهم إلا الله ، وإن كان القرآن ذكر ما يربو على خمسة وعشرين رسولا، إلا أنه خاطب رسوله محمدا ﷺ بقوله: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ (النساء١٦٤). وهؤلاء الرسل والأنبياء الذين ذكروا فى القرآن يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم تفصيلا، بمعنى أن الإنسان لو عرض عليه واحد منهم، لا ينكر نبوته ولا رسالته إن كان رسولا، فمن أنكر نبوة واحد منهم، أو أنكر رسالة من بعث منهم برسالة كفر. وأما الأنبياء والرسل الذين لم يقصهم القرآن علينا، فقد أمرنا أن نؤمن بهم إجمالا، وليس لنا أن نقول برسالة أحد من البشر أو نبوته ما دام القرآن لم يذكره فى عدد الأنبياء والرسل، ولم يخبرنا به رسول الله ﷺ . ومن لوازم الإيمان بالرسل وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم وصحة عقولهم وصدقهم فى أقوالهم وأمانتهم فى تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه. ورسل الله هم القدوة للناس فى زمانهم والكواكب الساطعة فى الليالى المظلمة، بهم يهتدون، وبأخلاقهم يتأسون، وبأفعالهم يقتدون. قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾ (الأنبياء٧٣). وقوله: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا﴾ (الأحزاب ٢١). ولقد اقتضت حكمة الله وسنته فى البشرية أن يرسل إلى كل أمة رسولا بلسان قومه. قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (إبراهيم ٤). وقوله: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر ٢٤). ولقد علم الله أنبياءه ورسله أسماءه وصفاته، وحدد ذلك تحديدا دقيقا؛ أصبح على المسلم بعدها أن يتبع ولا يبتدع، صحيح يمكن أن نستخلص بعض صفات الخالق بعقولنا بدون رسل بعد أن نرى آثارها فى أرجاء الكون، فمثلا آثار الخلق تشهد أنها من صنع الخالق، وآثار الحكمة تشهد أنها من صنع الحكيم. وهناك قاعدة تقول إن الآثار تدل على الأسماء، والأسماء تدل على الصفات، والصفات تدل على الذات، فالكون من آثار الله، وحوادثه من آثار الله كذلك. قال تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها﴾ (الروم ٥٠). ولكن مع هذا يستمر عجزنا عن الإحاطة بهذه الصفات إلا بما أخبرنا به الوحى، فلا يستطيع الإنسان أن يحدد تحديدا كاملا، أو يحصى إحصاء شاملا، لا دخل فيه ولا دخن، وإلا لوصفنا الله بغير صفاته، وسميناه بغير أسمائه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومن الشروط الشرعية للرسول والنبى: ١ - البشرية، فليس هناك رسول أو نبى من الجن أو الملائكة، قال تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ (الأنعام ٩). ٢ - الحرية، فليس هناك رسول أو نبى من العبيد؛ لأن العبودية تمنعه من نشر دعوته والجهاد فى سبيلها. ٣ - الذكورة، فليس هناك نبى أو رسول أنثى، لأن هذا الميدان لا تصلح له المرآة قال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم﴾ (الأنبياء ٧). ٤ - السلامة من المنفر، حتى لا يبتعد الناس عنه ويتفرقون، سواء كان هذا المنفر مرضا معديا أو خَلقيا أو خُلقيا بأن يكون متصفا بمرذول الصفات أو الفظاظة. قال تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر﴾ (آل عمران ١٥٩). ووظائف الرسل: (أ) تلقى الوحى والعلم والدين عن الله على الوجه والكيفية التى يختارها الله تعالى، وتبليغ هذا الوحى يكون المهمة العظمى لتعريف الخلق بالخالق والإيمان بوحدانيته، وتخصيص العبادة له دون سواه قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (الأنبياء٢٥). (ب) تبليغ أوامر الله إلى البشر. (جـ) شرح كتاب الله وتبيينه للناس. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (النحل ٤٤). (د) مناقشة من أرسلوا إليهم ومجادلتهم وإزالة الشبهات والإجابة على جميع التساؤلات برفق وحكمة. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ (النحل ١٢٥). (هـ) إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشاد الناس إلى الطريق المستقيم. (و) التذكير بالنشأة والمصير وتعريف الناس بما بعد الموت من شدائد وأهوال. (ز) الشهادة على الأمة أنه بلغ إليهم الرسالة وأدى الأمانة وقدم واجب النصيحة. (حـ) قيادة الأمة وسياستها الدينية والدنيوية، فالرسول فى قومه قائدهم وزعيمهم وحاكمهم ومدبر سياستهم الدينية والدنيوية. (ط) تربية أتباعهم تربية عالية ربانية تليق بإيمانهم بربهم وتعدهم للشرف العظيم الذى ينتظرهم فى الآخرة. (ى) يضعون للبشر بأمر الله حدودا عامة يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم كاحترام الدماء البشرية إلا بحق مع بيان الحق الذى يهدر. (هيئة التحرير) ١ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١/ ٣٥٦ وما بعدها- دار المعارف، ط ٣، القاهرة.

стр. 316

١٦ - الرَّصْد لغة: الراصد بالشىء الراقب له، ويقال: أرصدته إذا قعدت له على طريقه ترقبه، والمَرْصد: موضع الرصد. واصطلاحا: هو القسم العملى من علم الفلك، والذى يُعنى بكيفية مراقبة الأجرام العلوية من شموس وسيّارات وثوابت وتوابعها وذوات الأذناب. ويعتبر الرصد من أقدم معارف الإنسان، فقد قيل إن الإنسان رصد الكواكب من يوم وجوده لاحتياجه الاهتداء بها، ثم برع المصريون القدماء فى ذلك، وعنهم أخذ اليونان هذا العلم. وعندما فتح المسلمون البلاد ترجموا ما عند الأمم من علوم، ومنها علم الفلك، وكان أول من عنى بهذا العلم الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور، فهو أول من أشار لحركة الرصد بالآلات، فجمع لذلك علماء الفلك، وشيد مرصدا تولى الرصد بالآلات فى بغداد وجبل قيسون بدمشق سنة ٢١٤ هـ، وكانت الآلات عبارة عن جسم مربع مستو يعلم به الميل الكلى وأبعاد الكواكب، وكذا الحلقة الاعتدالية، وذات الأوتار، وذات الحلق، وذات الجيب، والأسطرلاب .. وغيرها من الآلات التى اخترعها المسلمون، حتى صار لعلماء الفلك قسم من الكادر الوظيفى فى الدولة. ونبغ فى القرن الثانى والثالث الهجريين علماء كثيرون، منهم: محمد بن موسى الخوارزمى، وبنو شاكر، وثابت بن قرة الحرانى، وأحمد بن كثير الفرغانى، وغيرهم، ثم نبغ من بعدهم فى القرنين الرابع والخامس أبو الوفا البوزجانى، والبيرونى، وبنو الأعلم، وغيرهم، وقد شيد هؤلاء العلماء مراصد عدة. ومن بعدهم نصر الدين الطوسى الذى أقام مرصدا ضخما بتركستان. وكان أول مرصد فى مصر فى عهد الفاطميين، وأقيم على جبل المقطم، وعرف بالمرصد الحاكمى نسبة إلى الحاكم بأمر الله (ت ٤١١ هـ). وفى القرن السادس عشر توصل "تيخو براهى" إلى اختراع عدة آلات للرصد بعد نقل العلوم الإسلامية إلى الغرب، ثم ظهر من بعده تلميذه "كبلر" فأحدث انقلابا عظيما فى علم الفلك، وعاصره جاليليو، وهو الذى اخترع المنظار الفلكى فرصد به القمر أولا، وفى سنة ١٦١٠م رصد المشترى. ومنذ ذلك الحين توالت الاكتشافات، فظهرت تقنيات حديثة فى الرصد، مما مكّن الإنسان من الصعود على سطح القمر، وإطلاق سفن فضاء ترصد المجموعة الشمسية ومجراتها، وتستشرف آفاق المجهول. (هيئة التحرير)

стр. 317

١٧ - الرضا لغة: قبول الشىء بسرور وغبطة، والاطمئنان به قلبيا دون ألم أو ضجر أو مشقة. واصطلاحا: هو فى قضايا الشرع والدين قسمان: ١ - رضا الله تعالى عن العبد. ٢ - رضا العبد عن الله تعالى. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين القسمين فقال: ﴿رضى الله عنهم ورضوا عنه﴾ (البينة ٨). ورضا الله تعالى عن العبد يعنى مزيد الثواب والوصول إلى مرتبة الرضوان التى هى أعلى من نعيم الجنة، قال الله تعالى: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ (التوبة ٧٢). وفى الحديث المتفق عليه، عن أبى سعيد الخدرى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير فى يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا". ورضا العبد عن الله تعالى يعنى التسليم لحكم الله وحكمته، ويكون التسليم للحكم بالامتثال والطاعة، وللحكمة بالشكر فى السراء والصبر فى الضراء قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (النساء٦٥). وفى صحيح مسلم عن أبى يحيى صهيب بن سنان قال: قال رسول الله ﷺ : " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". وللصوفية كلام فى الرضا، هل هو مقام أم حال، بمعنى هل هو مكتسب من العبد أم هبة من الله؟ وهل هو نهاية جهود العارفين أو بداية الجود الإلهى عليهم؟ وحاول الإمام القشيرى (٣٧٦ - ٤٦٥ هـ) التوفيق بين الرأيين فقال فى رسالته: بداية الرضا مكتسبة للعبد، وهى من المقامات، ونهايته من الأحوال، وليست مكتسبة". ويرى القشيرى أن مَنْ صح توكله على الله يرقى إلى حالة الرضا. أ. د/ محمد أحمد المسير

стр. 318

١٨ - الرِّضاع لغة: شرب اللبن من الضرع أو الثدى، تقول: رضع يرضع بكسر الضاد فيهما، وبفتح الضاد فى المضارع، كما فى اللسان (١). واصطلاحا: يقال: امرأة مرضع، إذا كان لها ولد ترضعه، وهو أخوه من الرضاعة بفتح الراء، ومدته حولان كاملان غير لازمة التمام (٣)، يقول تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. البقرة:٢٣٣. وقد قال رسول الله ﷺ "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (رواه مسلم). مصداقا لقوله تعالى -فى بيان بعض أسباب التحريم- ﴿وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ النساء:٢٣. وموجزما قاله علماء الفقه والتفسير فى إيضاح ذلك: إذا أرضعتا المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه، وبنتها كأنها أخته، وأختها كأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت زوجها صاحبا اللبن لأنها أخته، وأخته لأنها عمته، وأمه لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها لأنهم بنات إخوته وأخواته، وأما الأخوات من الرضاعة، فهن الأخت لأب وأم، وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أوولدت قبلك أو بعدك، والأخت للأب دون الأم، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك، والأخت من الأم دون الأب، وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر (٣). والرضاع المحرم: هو الذى يحدث فى الحولين عند جمهور العلماء: لأنه هو الذى ينبت اللحم وينشز العظم. وزاد الإمام مالك الشهر ونحوه بعد الحولين. وزاد الامام أبو حنيفة ستة أشهر كذلك. وانفرد الإمام الليث بن سعد بالقول بأن رضاع الكبير يحرم، وهو قول السيدة عائشة رضى الله عنها، محتجة بقصة سالم مولى أبى حذيفة. حيث صار رجلا، وكان قد تربى فى حجر زوجة أبى حذيفة، فلما بلغ مبلغ الرجال ترددت فى دخوله عليها لما رأته فى وجه أبى حذيفة من التغير، فقال لها ﷺ "أرضعيه " (خرّجه صاحب الموطأ، وغيره) (٤). ويحصل التحريم عند الحنفية والمالكية بوصول أى قدر من اللبن إلى جوف الرضيع. ولو بمصة واحدة؛ لعموم النص. وعند الشافعى وأحمد بن حنبل بخمس رضعات متفرقات؛ لحديث عائشة مرفوعا (كان فيما أنزل الله فى القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات .. ) الحديث .. (رواه مسلم) (٥). وعند داود الظاهرى بثلاث رضعات؛ محتجا بحديث (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان) (رواه مسلم) (٦) فتكون الثلاثة محرمة. ولا يثبت التحريم بالشك فى الرضاع، بل لابد فيه من اليقين بحصوله. أ. د/أحمد على طه ريان

стр. 319

١٩ - الرِّفق لغة: ضد العنف، فهولين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه: رفيق، وفى الحديث: (من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير.) (سنن الترمذى-البر). رفقه: نفعه وأعانه، ورفق به، وله، وعليه -رفقا، ومرفقا-: عامله برفق، والرفق، والمِرفَق، والمَرفَق، والمَرفِق: ما استعين به، ففى القرآن الكريم ﴿ويهيئ لكم من أمركم مرفقا﴾ الكهف:١١٦. اصطلاحا: صفة يحبها الله فى كل مجالات الحياة، يقول رسول الله ﷺ : (إن الله يحب الرفق فى الأمر كله) البخارى: كتاب الأدب، ولهذا ينبغى على كل مسلم -بل على كل إنسان ذى عقل سليم- أن يلتزم بالرفق. إزاء كل من -وما- تحت يديه؛ فيرفق بأبويه وأهله، ويكون رفيقا بمن تحت يديه فى العمل، وبما سخره الله له من حيوانات، عطوفا على الضعفاء والمساكين، لينال ستر الله فى الدنيا، ويحظى بدخول جنته فى الآخرة، يقول رسول ﷺ : (ثلاث من كن فيه ستر الله عليه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك). (الترمذى: كتاب القيامة)، والرفق -بالإضافة ثوابه فى الدنيا والآخرة- يرفع درجة صاحبه بين الناس، بحيث تلهج ألسنتهم عند ذكره بالثناء عليه والدعاء له، ومن سلب هذه الصفة، فسلك مع الناس سلوك العنف، وتعامل معهم بالشدة، صبوا عليه اللعنات. وجردوه فى حديثهم من الإنسانية. يقول رسول الله ﷺ (إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه، ولا ينزع من شىء إلا شانه) (مسلم: كتاب البر)، فالخير كل الخير فى الالتزام بالرفق، والشر كل الشر لمن حرم الرفق، ومال إلى ضده، يقول رسول الله ﷺ : (من حرم الرفق حرم الخير). (مسلم-كتاب البر). أ. د/محمد شامة

стр. 320

٢٠ - الرِّقّ لغة: هو الشىء الرقيق، نقيض الغليظ والثخين (لسان العرب). واصطلاحا: هو الملك والعبودية، أى نقيض العتق والحرية، والرقيق-بمعنى العبد- يطلق على المفرد والجمع، وعلى الذكر والأنثى. أما العبد، فهو الرقيق الذكر، ويقابله الأمة للأنثى ومن الألفاظ الدالة على الرقيق الذكر لفظها الفتى، والغلام، وعلى الأنثى لفظتا الفتاة والجارية. أما القِنّ فهو أخص من العبد، إذ هو الذى مُلك هو وأبواه، ومالك الرقيق هو السيد، أو المولى. والرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال فى تاريخ الإنسان، وإليه أشار القرآن الكريم فى قصة يوسف ﵇: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون. وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وقال الذى اشتراه من مصرلامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ يوسف:١٩ - ٢١، وكان الاسترقاق من عقوبات السرقة عند العبرانيين القدماء، وعندما سئل إخوة يوسف عن جزاء السارق لصواع الملك: ﴿قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه﴾ يوسف:٧٥. وفى الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفى بعض تلك الحضارات -كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية- كان النظام الطبقى المغلق يحول دون تحرير الأرقاء، مهما توفر لأى منهم الرغبة أو الإمكانات. وفى الحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية فى الإمبراطورية برابرة أرقاء، أو فى حكم الأرقاء. وللأرقاء فى تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة "سبارتاكوس " (٧٣ - ٧١ ق. م). وعندما ظهر الإسلام كان التمييز العرقى والطبقى والمظالم الاجتماعية بمثابة منابع وروافد تغذى "نهر الرق " فى كل يوم بالمزيد من الأرقاء. وذلك من مثل: ١ - الحرب، بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء. ٢ - الخطف، يتحول به المخطوفون إلى رقيق. ٣ - ارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبيها بالاسترقاق. ٤ - العجز عن سداد الديون، كان يحول الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين. ٥ - سلطان الوالد على أولاده، كان يبيح له أن يبيع هؤلاء الأولاد، فينتقلون من الحرية "إلى العبودية ". ٦ - سلطان الإنسان على نفسه، كان يبيح له بيع حريته، فيتحول إلى رقيق. ٧ - النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقا حتى ولو كان أبوه حرا. ومع كثرة واتساع هذه الروافد التى تمد نهر الرقيق -فى كل وقت- بالمزيد من الأرقاء، كانت أبواب العتق والحرية إما موصدة تماما، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها. وأمام هذا الواقع، اتخذ الإسلام منذ ظهوره طريق تحرير الأرقاء، وإلغاء نظام العبودية بنهج متميز، فهو لم يتجاهل الواقع، وأيضا لم يعترف به على النحو الذى يبقيه ويكرسه. لقد بدأ الاسلام بأغلاق أغلب الروافد التى كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد منهم إلا أسرى الحرب المشروعة، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء، وحتى أسرى الحرب المشروعة، فتح أمامهم باب العتق والحرية ﴿فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوتاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ محمد:٤، فعندما تضع الحرب أوزارها، يتم تحرير الأسرى، إما بالمن عليهم بالحرية وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء. ومع إغلاق روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى "كتلة" واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعا لتحرير الانسان من عذاب النار يوم القيامة. كما جعل عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا. وجعل للدولة مدخلا فى تحرير الأرقاء عندما جعله مصرفا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة. يقول سبحانه ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقابا والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة:٦٠. كما جعل الحرية هى الأصل الذى يولد عليه الناس، والرق هو الاستثناء الطارئ الذى يحتاج إلى إثبات، فمجهولو الحكم هم أحرار، وعلى مدعى رقهم إقامة البينات، وأولاد الأمة من الأب الحر أحرار وقد قيل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟. كذلك، ساوى الإسلام بين العبد والحر فى كل الحقوق الدينية، وفى أغلب الحقوق المدنية، وكان التمييز فقط -فى أغلب حالاته- للتخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التى يفرضها الاسترقاق عليهم. فالمساواة تامة فى التكاليف الدينية، وفي الحساب والجزاء، وشهادة الرقيق معتبرة عند الحنابلة، وله حق الملكية فى ماله الخاص، والدماء متكافئة فى القصاص. وإعانته على شراء حريته -بنظام المكاتبة والتدبير- مرغوب فيها دينيا ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾ النور:٣٣. وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوله الإسلام -بمنظومة القيم التى كادت أن تسوى بين العبد وسيده- إلى ما يشبه العبء المالى على ملاك الرقيق، فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، بل والمطلوب منه -أيضا- إلغاء كلمة "العبد" و "الأمة" واستبدالها بكلمة " الفتى" و "الفتاة". بل لقد مضى الإسلام إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم فى عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء، وإنما سعى إلى إدماجهم فى القبائل والعشائر والعصبيات التى كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أقام نسيجا اجتماعيا جديدا عن طريق "الولاء" الذى قال عنه رسول الله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب " رواه الدارمى. حتى لقد غدا أرقاء الأمس "سادة" فى أقوامهم، بعد أن كانوا "عبيدا" فيهم. وقد قال عمر بن الخطاب -وهو من هو- عن بلال الحبشى الذى اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: سيدنا أعتق سيدنا! كما تمنى عمر بن الخطاب أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حيا فيختاره فى منصب الخلافة؛ فالمولى الذى نشأ رقيقا قد حرره الإسلام، فكان إماما فى الصلاة وأهلا لخلافة المسلمين. ورغم انتكاس الواقع التاريخى للحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أن حال الأرقاء فى الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيودا وأكثر عدلا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية. عندما سعت أوربا فى القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق وتحريم تجارته، لم تكن دوافعها -فى أغلبها- روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت فى الأساس، دوافع مادية؛ لأن نظامها الرأسمالى قد رأى فى تحرير الرقيق سبيلا لجعلهم عمالا أكثر مهارة، وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفنى فى الصناعات التى أقامها النظام الرأسمالى. ولقد كان القرن الذى دعت فيه أوربا لتحريرالرقيق هو القرن الذى استعمرت فيه العالم فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقا جديدا، لا تزال الإنسانية تعانى منه حتى الآن. أ. د/محمد عمارة
следующие страницы →