١٦ - الرَّصْد
لغة: الراصد بالشىء الراقب له، ويقال: أرصدته إذا قعدت له على طريقه ترقبه، والمَرْصد: موضع الرصد.
واصطلاحا: هو القسم العملى من علم الفلك، والذى يُعنى بكيفية مراقبة الأجرام العلوية من شموس وسيّارات وثوابت وتوابعها وذوات الأذناب.
ويعتبر الرصد من أقدم معارف الإنسان، فقد قيل إن الإنسان رصد الكواكب من يوم وجوده لاحتياجه الاهتداء بها، ثم برع المصريون القدماء فى ذلك، وعنهم أخذ اليونان هذا العلم.
وعندما فتح المسلمون البلاد ترجموا ما عند الأمم من علوم، ومنها علم الفلك، وكان أول من عنى بهذا العلم الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور، فهو أول من أشار لحركة الرصد بالآلات، فجمع لذلك علماء الفلك، وشيد مرصدا تولى الرصد بالآلات فى بغداد وجبل قيسون بدمشق سنة ٢١٤ هـ، وكانت الآلات عبارة عن جسم مربع مستو يعلم به الميل الكلى وأبعاد الكواكب، وكذا الحلقة الاعتدالية، وذات الأوتار، وذات الحلق، وذات الجيب، والأسطرلاب .. وغيرها من الآلات التى اخترعها المسلمون، حتى صار لعلماء الفلك قسم من الكادر الوظيفى فى الدولة.
ونبغ فى القرن الثانى والثالث الهجريين علماء كثيرون، منهم: محمد بن موسى الخوارزمى، وبنو شاكر، وثابت بن قرة الحرانى، وأحمد بن كثير الفرغانى، وغيرهم، ثم نبغ من بعدهم فى القرنين الرابع والخامس أبو الوفا البوزجانى، والبيرونى، وبنو الأعلم، وغيرهم، وقد شيد هؤلاء العلماء مراصد عدة. ومن بعدهم نصر الدين الطوسى الذى أقام مرصدا ضخما بتركستان.
وكان أول مرصد فى مصر فى عهد الفاطميين، وأقيم على جبل المقطم، وعرف بالمرصد الحاكمى نسبة إلى الحاكم بأمر الله (ت ٤١١ هـ).
وفى القرن السادس عشر توصل "تيخو براهى" إلى اختراع عدة آلات للرصد بعد نقل العلوم الإسلامية إلى الغرب، ثم ظهر من بعده تلميذه "كبلر" فأحدث انقلابا عظيما فى علم الفلك، وعاصره جاليليو، وهو الذى اخترع المنظار الفلكى فرصد به القمر أولا، وفى سنة ١٦١٠م رصد المشترى.
ومنذ ذلك الحين توالت الاكتشافات، فظهرت تقنيات حديثة فى الرصد، مما مكّن الإنسان من الصعود على سطح القمر، وإطلاق سفن فضاء ترصد المجموعة الشمسية ومجراتها، وتستشرف آفاق المجهول.
(هيئة التحرير)
стр. 317
١٧ - الرضا
لغة: قبول الشىء بسرور وغبطة، والاطمئنان به قلبيا دون ألم أو ضجر أو مشقة.
واصطلاحا: هو فى قضايا الشرع والدين قسمان:
١ - رضا الله تعالى عن العبد.
٢ - رضا العبد عن الله تعالى.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين القسمين فقال: ﴿رضى الله عنهم ورضوا عنه﴾ (البينة ٨).
ورضا الله تعالى عن العبد يعنى مزيد الثواب والوصول إلى مرتبة الرضوان التى هى أعلى من نعيم الجنة، قال الله تعالى: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ (التوبة ٧٢).
وفى الحديث المتفق عليه، عن أبى سعيد الخدرى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير فى يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأى شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
ورضا العبد عن الله تعالى يعنى التسليم لحكم الله وحكمته، ويكون التسليم للحكم بالامتثال والطاعة، وللحكمة بالشكر فى السراء والصبر فى الضراء قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (النساء٦٥).
وفى صحيح مسلم عن أبى يحيى صهيب بن سنان قال: قال رسول الله ﷺ : " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ".
وللصوفية كلام فى الرضا، هل هو مقام أم حال، بمعنى هل هو مكتسب من العبد أم هبة من الله؟ وهل هو نهاية جهود العارفين أو بداية الجود الإلهى عليهم؟
وحاول الإمام القشيرى (٣٧٦ - ٤٦٥ هـ) التوفيق بين الرأيين فقال فى رسالته: بداية الرضا مكتسبة للعبد، وهى من المقامات، ونهايته من الأحوال، وليست مكتسبة".
ويرى القشيرى أن مَنْ صح توكله على الله يرقى إلى حالة الرضا.
أ. د/ محمد أحمد المسير
стр. 318
١٨ - الرِّضاع
لغة: شرب اللبن من الضرع أو الثدى، تقول: رضع يرضع بكسر الضاد فيهما، وبفتح الضاد فى المضارع، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: يقال: امرأة مرضع، إذا كان لها ولد ترضعه، وهو أخوه من الرضاعة بفتح الراء، ومدته حولان كاملان غير لازمة التمام (٣)، يقول تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. البقرة:٢٣٣.
وقد قال رسول الله ﷺ "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (رواه مسلم).
مصداقا لقوله تعالى -فى بيان بعض أسباب التحريم- ﴿وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ النساء:٢٣.
وموجزما قاله علماء الفقه والتفسير فى إيضاح ذلك: إذا أرضعتا المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه، وبنتها كأنها أخته، وأختها كأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت زوجها صاحبا اللبن لأنها أخته، وأخته لأنها عمته، وأمه لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها لأنهم بنات إخوته وأخواته، وأما الأخوات من الرضاعة، فهن الأخت لأب وأم، وهى التى أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أوولدت قبلك أو بعدك، والأخت للأب دون الأم، وهى التى أرضعتها زوجة أبيك، والأخت من الأم دون الأب، وهى التى أرضعتها أمك بلبان رجل آخر (٣).
والرضاع المحرم: هو الذى يحدث فى الحولين عند جمهور العلماء: لأنه هو الذى ينبت اللحم وينشز العظم.
وزاد الإمام مالك الشهر ونحوه بعد الحولين.
وزاد الامام أبو حنيفة ستة أشهر كذلك.
وانفرد الإمام الليث بن سعد بالقول بأن رضاع الكبير يحرم، وهو قول السيدة عائشة رضى الله عنها، محتجة بقصة سالم مولى أبى حذيفة. حيث صار رجلا، وكان قد تربى فى حجر زوجة أبى حذيفة، فلما بلغ مبلغ الرجال ترددت فى دخوله عليها لما رأته فى وجه أبى حذيفة من التغير، فقال لها ﷺ "أرضعيه " (خرّجه صاحب الموطأ، وغيره) (٤).
ويحصل التحريم عند الحنفية والمالكية بوصول أى قدر من اللبن إلى جوف الرضيع.
ولو بمصة واحدة؛ لعموم النص.
وعند الشافعى وأحمد بن حنبل بخمس رضعات متفرقات؛ لحديث عائشة مرفوعا (كان فيما أنزل الله فى القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات .. ) الحديث .. (رواه مسلم) (٥).
وعند داود الظاهرى بثلاث رضعات؛ محتجا بحديث (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان) (رواه مسلم) (٦) فتكون الثلاثة محرمة.
ولا يثبت التحريم بالشك فى الرضاع، بل لابد فيه من اليقين بحصوله.
أ. د/أحمد على طه ريان
стр. 319
١٩ - الرِّفق
لغة: ضد العنف، فهولين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه: رفيق، وفى الحديث: (من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير.) (سنن الترمذى-البر).
رفقه: نفعه وأعانه، ورفق به، وله، وعليه -رفقا، ومرفقا-: عامله برفق، والرفق، والمِرفَق، والمَرفَق، والمَرفِق: ما استعين به، ففى القرآن الكريم ﴿ويهيئ لكم من أمركم مرفقا﴾ الكهف:١١٦.
اصطلاحا: صفة يحبها الله فى كل مجالات الحياة، يقول رسول الله ﷺ : (إن الله يحب الرفق فى الأمر كله) البخارى: كتاب الأدب، ولهذا ينبغى على كل مسلم -بل على كل إنسان ذى عقل سليم- أن يلتزم بالرفق. إزاء كل من -وما- تحت يديه؛ فيرفق بأبويه وأهله، ويكون رفيقا بمن تحت يديه فى العمل، وبما سخره الله له من حيوانات، عطوفا على الضعفاء والمساكين، لينال ستر الله فى الدنيا، ويحظى بدخول جنته فى الآخرة، يقول رسول ﷺ : (ثلاث من كن فيه ستر الله عليه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك). (الترمذى: كتاب القيامة)، والرفق -بالإضافة ثوابه فى الدنيا والآخرة- يرفع درجة صاحبه بين الناس، بحيث تلهج ألسنتهم عند ذكره بالثناء عليه والدعاء له، ومن سلب هذه الصفة، فسلك مع الناس سلوك العنف، وتعامل معهم بالشدة، صبوا عليه اللعنات.
وجردوه فى حديثهم من الإنسانية. يقول رسول الله ﷺ (إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه، ولا ينزع من شىء إلا شانه) (مسلم: كتاب البر)، فالخير كل الخير فى الالتزام بالرفق، والشر كل الشر لمن حرم الرفق، ومال إلى ضده، يقول رسول الله ﷺ : (من حرم الرفق حرم الخير). (مسلم-كتاب البر).
أ. د/محمد شامة
стр. 320
٢٠ - الرِّقّ
لغة: هو الشىء الرقيق، نقيض الغليظ والثخين (لسان العرب).
واصطلاحا: هو الملك والعبودية، أى نقيض العتق والحرية، والرقيق-بمعنى العبد- يطلق على المفرد والجمع، وعلى الذكر والأنثى. أما العبد، فهو الرقيق الذكر، ويقابله الأمة للأنثى ومن الألفاظ الدالة على الرقيق الذكر لفظها الفتى، والغلام، وعلى الأنثى لفظتا الفتاة والجارية. أما القِنّ فهو أخص من العبد، إذ هو الذى مُلك هو وأبواه، ومالك الرقيق هو السيد، أو المولى.
والرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال فى تاريخ الإنسان، وإليه أشار القرآن الكريم فى قصة يوسف ﵇: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون. وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وقال الذى اشتراه من مصرلامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ يوسف:١٩ - ٢١، وكان الاسترقاق من عقوبات السرقة عند العبرانيين القدماء، وعندما سئل إخوة يوسف عن جزاء السارق لصواع الملك: ﴿قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه﴾ يوسف:٧٥.
وفى الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفى بعض تلك الحضارات -كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية- كان النظام الطبقى المغلق يحول دون تحرير الأرقاء، مهما توفر لأى منهم الرغبة أو الإمكانات.
وفى الحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية فى الإمبراطورية برابرة أرقاء، أو فى حكم الأرقاء.
وللأرقاء فى تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة "سبارتاكوس " (٧٣ - ٧١ ق. م).
وعندما ظهر الإسلام كان التمييز العرقى والطبقى والمظالم الاجتماعية بمثابة منابع وروافد تغذى "نهر الرق " فى كل يوم بالمزيد من الأرقاء. وذلك من مثل:
١ - الحرب، بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء.
٢ - الخطف، يتحول به المخطوفون إلى رقيق.
٣ - ارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبيها بالاسترقاق.
٤ - العجز عن سداد الديون، كان يحول الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين.
٥ - سلطان الوالد على أولاده، كان يبيح له أن يبيع هؤلاء الأولاد، فينتقلون من الحرية "إلى العبودية ".
٦ - سلطان الإنسان على نفسه، كان يبيح له بيع حريته، فيتحول إلى رقيق.
٧ - النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقا حتى ولو كان أبوه حرا.
ومع كثرة واتساع هذه الروافد التى تمد نهر الرقيق -فى كل وقت- بالمزيد من الأرقاء، كانت أبواب العتق والحرية إما موصدة تماما، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها.
وأمام هذا الواقع، اتخذ الإسلام منذ ظهوره طريق تحرير الأرقاء، وإلغاء نظام العبودية بنهج متميز، فهو لم يتجاهل الواقع، وأيضا لم يعترف به على النحو الذى يبقيه ويكرسه.
لقد بدأ الاسلام بأغلاق أغلب الروافد التى كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد منهم إلا أسرى الحرب المشروعة، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء، وحتى أسرى الحرب المشروعة، فتح أمامهم باب العتق والحرية ﴿فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوتاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ محمد:٤، فعندما تضع الحرب أوزارها، يتم تحرير الأسرى، إما بالمن عليهم بالحرية وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء.
ومع إغلاق روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى "كتلة" واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعا لتحرير الانسان من عذاب النار يوم القيامة.
كما جعل عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا.
وجعل للدولة مدخلا فى تحرير الأرقاء عندما جعله مصرفا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة. يقول سبحانه ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقابا والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة:٦٠.
كما جعل الحرية هى الأصل الذى يولد عليه الناس، والرق هو الاستثناء الطارئ الذى يحتاج إلى إثبات، فمجهولو الحكم هم أحرار، وعلى مدعى رقهم إقامة البينات، وأولاد الأمة من الأب الحر أحرار وقد قيل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟.
كذلك، ساوى الإسلام بين العبد والحر فى كل الحقوق الدينية، وفى أغلب الحقوق المدنية، وكان التمييز فقط -فى أغلب حالاته- للتخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التى يفرضها الاسترقاق عليهم.
فالمساواة تامة فى التكاليف الدينية، وفي الحساب والجزاء، وشهادة الرقيق معتبرة عند الحنابلة، وله حق الملكية فى ماله الخاص، والدماء متكافئة فى القصاص. وإعانته على شراء حريته -بنظام المكاتبة والتدبير- مرغوب فيها دينيا ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾ النور:٣٣.
وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوله الإسلام -بمنظومة القيم التى كادت أن تسوى بين العبد وسيده- إلى ما يشبه العبء المالى على ملاك الرقيق، فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، بل والمطلوب منه -أيضا- إلغاء كلمة "العبد" و "الأمة" واستبدالها بكلمة " الفتى" و "الفتاة".
بل لقد مضى الإسلام إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم فى عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء، وإنما سعى إلى إدماجهم فى القبائل والعشائر والعصبيات التى كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أقام نسيجا اجتماعيا جديدا عن طريق "الولاء" الذى قال عنه رسول الله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب " رواه الدارمى. حتى لقد غدا أرقاء الأمس "سادة" فى أقوامهم، بعد أن كانوا "عبيدا" فيهم.
وقد قال عمر بن الخطاب -وهو من هو- عن بلال الحبشى الذى اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: سيدنا أعتق سيدنا! كما تمنى عمر بن الخطاب أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حيا فيختاره فى منصب الخلافة؛ فالمولى الذى نشأ رقيقا قد حرره الإسلام، فكان إماما فى الصلاة وأهلا لخلافة المسلمين.
ورغم انتكاس الواقع التاريخى للحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أن حال الأرقاء فى الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيودا وأكثر عدلا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية.
عندما سعت أوربا فى القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق وتحريم تجارته، لم تكن دوافعها -فى أغلبها- روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت فى الأساس، دوافع مادية؛ لأن نظامها الرأسمالى قد رأى فى تحرير الرقيق سبيلا لجعلهم عمالا أكثر مهارة، وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفنى فى الصناعات التى أقامها النظام الرأسمالى.
ولقد كان القرن الذى دعت فيه أوربا لتحريرالرقيق هو القرن الذى استعمرت فيه العالم فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقا جديدا، لا تزال الإنسانية تعانى منه حتى الآن.
أ. د/محمد عمارة
стр. 321
٢١ - الركاز
لغة: قطع ذهب وفضة أو معدن تخرج من الأرض، وقال أهل العراق الركاز، المعادن كلها، وقال أهل الحجاز الركاز: كنوز الجاهلية، فأما المعادن فليست بركاز. قال أبو عبيد: وهذان القولان تحتملهما اللغة، لأن كلا منهما مركوز فى الأرض أى ثابت، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: اختلف الفقهاء فى حقيقته، فجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية بأن توجد عليه آثارهم، أو يعثر عليه فى قبورهم أو مبانيهم، وعلى هذا يختلف الركاز عن المعدن الذى هو جزء من الأرض.
بينما يذهب أبو حنيفة إلى أن الركاز يشمل ما وجد من دفن الجاهلية، أو ما استخرج من باطن الأرض من المعدن سواء كان جزءا منها، أوتكون فيها بفعل مؤثرات جيولوجية متنوعة، فيوجد على هيئة عروق ممتدة، فيقطع الجزء الخاص بالمعدن منها، ويصفى من خلال أجهزة معينة مما علق به من شوائب، ولا تخرج زكاته إلا بعد تصفيته، وقد أوجب فى الجميع الخُمس.
بينما أوجب الجمهور فى الركاز، وهو ما وجد من دفن الجاهلية، الخمس لسهولة استخراجه وقلة تكاليفه خلافا للشافعى الذى أوجب فيه ربع العشر، وأوجبوا فى المعدن ربع العشر، نظرا لكثرة ما ينفق على استخراجه وتصفيته من تكاليف.
أما ما وجدت عليه علامة أهل الإسلام، أو فى المبانى الإسلامية، أو فى طرق المسلمين المستعملة فى حركتهم وتنقلاتهم، فإنه ليس بكنز جاهلى ولا يعطى حكم الركاز بل هو لقطة يجب أن تعرف سنة إن كانت قيمته ذات بال، وإلا فهو لواجده، وقد ميز رسول الله ﷺ بين هذين النوعين بحديثه الشريف "ما كان فى طريق مأتى أو فى قرية عامرة فعرفها سنة فإن جاء صاحبها، وإلا فلك، وما لم يكن فى طريق مأتى ولا قرية عامرة، ففيه وفى الركاز الخمس " (رواه النسائى) (٢).
وهذا القدر الواجب إخراجه يجب على واجده أيا كان معتقده أو حاله، أى سواء كان مسلما أو ذميا، كان صغيرا أم كبيرا، عاقلا أومجنونا. وهذا قول جمهورالفقهاء لعموم حديث (وفى الركاز الخمس) خلافا للشافعى الذى أوجبه فقط على من تجب عليه الزكاة.
على أن ما يخرج من القدر الواجبه فى المعدن والركاز لا يشترط فيه مرور الحول بل يخرج كل منهما بمجرد العثور عليهما، وإمكانية الانتفاع بهما.
وما بقى من الركاز بعد القدر الواجب فهو لواجده من مسلم، أو ذمى، أو غيرهما، شأنه شأن الغنيمة، بخلاف المعدن، فإنه بعد إخراج زكاته يكون لصاحب الأرض التى وجد فيها، إذ هو جزء منها عند جمهور الفقهاء. وأن كان بعض العلماء يرى أنه ملك الدولة وأن كانت هى التى ملكت الأرض التى وجد بها معدن أو الركاز لبعض الأفراد أو الهيئات (٣).
أ. د/أحمد على طه ريان
стр. 322
٢٢ - الرهبانية
لغة: رَهِبَ، يَرِهَبُ، رَهبّة ورهبا، ورَهَبا: خاف رَهِبَ الشىء: خافه تَرَهَّبَ الرَّجُلُ: صار راهبا يخشى الله. والراهب: المتعبد فى صومعة، وجمعه: رهبان، وجمع الراهبة: راهبات، ورواهب. والمصدر: الرهبة، والرهبانية. والرهبنة: اسم من معنى الراهب، أى اتخاذ طريق الرهبان.
واصطلاحا: حياة دينية منعزلة عن المجتمع، سماتها: التقشف، والاستغراق فى العبادة وصورتها: حياة الفرد وحده منعزلا عن الناس، أو فى جماعة عزلت نفسها عن المجتمع فى الصحراء، أو فى بناء خاص يطلق عليه: الدير.
وتدل الرهبنة فى مجال التاريخ الدينى والاجتماعى على شكل اجتماعى له الخصائص التالية:
مجموعة من الرجال -أو النساء- يعيشون معا فى تجمعات صغيرة، داخل مجموعات أكبر، وتتصرف فيما تحت يدها على أساس أنه ملكية شائعة طبقا للتعاليم التقشفية التى التزموا بها، ويلتزمون فى جميع تصرفاتهم بما رسمه لهم الحبر الأكبر فى معزل عن إخوانهم فى العقيدة.
ولا يرتبط ظهور الرهبنة بجنس خاص من البشر ولا تتعلق الرهبنة بلغة معينة، فهى ظاهرة عامة وجدت فى كثير من المجتمعات، وتأسست تحت عباءة أديان عدة على درجات متفاوتة، وبصور متعددة، إذ توجد فى الهندوسية، والبوذية، (وخاصة فى سيلان والتبت).
وكان أول ظهورها بين المسيحيين فى مصر، وكانت فى صورة حياة داخل صوامع، تحولت فيما بعد إلى أديرة على يد " Basilius "(٣٣٠-٣٧٠) ثم أدخلها " Benedikt " (٤٨٠-٥٤٧) - الذى يعتبر أب الرهبنة الأوروبية- إلى أوروبا على شكل حياة فى أديرة خاصة منعزلة عن المجتمع.
ظهرت الرهبنة فى التاريخ الدينى مرتبطة بالمسيحية، ويرجع المؤرخون السبب فى ظهورها بين المسيحيين إلى أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه، فاتخذوا أسرابا وصوامع وابتدعوا ذلك فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع، ودخلوا فيه، لزمهم تمامه، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفترض عليه لزمه أن يتمه.
كما استدل المسيحيون على شريعة الرهبنة بنصوص من العهد الجديد، إذ يكررون فى هذا الصدد ما جاء فى إنجيل متى على لسان عيسى ﵇: " ...... إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء، فيكون لك كنز فى السماء، وتعال اتبعنى" (١٩:٢١).
وبعبارة وردت فى رسالة بولس إلى العبرانيين " ...... وهم لم يكن العالم مستحقا لهم: تائهين فى برارى، وجبال، ومغاير، وشقوق الأرض، فهؤلاء كلهم مشهود لهم بالإيمان .... " (١١:٣٨ - ٣٩).
وقد دفعت هذه الكلمات كثيرا من المسيحيين إلى اللجوء إلى الأديرة، فأصبحت فى مصر مكانا لمن ليس له وطن أو مكان يستقر فيه وعنده شعور داخلى يدفعه إلى الزهد فى الحياة الدنيا، كما ظهرت جماعة من الزهاد المتجولين فى سوريا، اعتبروا أنفسهم المنقذين لمبادئ الرهبنة بكاملها.
وتدل كتابات " Klement " الإسكندرانى (توفى قبل عام ٢١٥ م) على أن رجال الدين كانوا يرون: أن فى محيط الرهبنة يتثقف ويتخرج أحسن التلاميذ، ويعنون بذلك أن الرهبان هم القادرون على حمل الرسالة للآخرين، وهم النموذج الأمثل فى مجال التبشير بالمسيحية. ويرى " Origenes" (١٨٥-٢٥٤) أن حياة الرهبان هى النموذج الكامل لحياة المسيح وتوجد الرهبنة عند كل الطوائف المسيحيه ما عدا الطائفة الإنجيلية (البروتستانت).
وفى القرآن الكريم وردت كلمة رهبانية مرة واحدة فى قوله تعالى: ﴿ ...... وجعلنا فى قلوب اللذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها … ﴾ الحديد:٢٧، أى أنهم ابتدعوا فى الدين ما لم يأمر به الله، ثم لم يلتزموا بما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله .
وفى الحديث: (إن الرهبانية لم تكتب علينا) مسند أحمد قال ابن الأثير: هى من رهبنة النصارى، وأصلها من الرهبة، أى الخوف: كانوا يترهبون بالتخلى عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها، حتى أن منهم من كان يخصى نفسه، ويضع السلسلة فى عنقه. فنفاها النبى ﷺ عن الإسلام، ونهى المسلمين عنها. وفى الحديث (وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام.) (مسند أحمد).
أ. د/محمد شامة
стр. 323
٢٣ - الرهن
لغة: يطلق على ما يفيد الثبوت والدوام على الشىء والارتباط به، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: عرفه الفقهاء بأنه حبس الشىء، بحق يمكن أخذه منه كالدين (٢) وتتكون عناصره من:
١ - الراهن، وهو المدين صاحب الرهن، وشرط: أن يكون جائز التصرف فى المال بأن يكون بالغا عاقلا رشيدا مالكا للرهن، لازم من جهته متى تم قبضه.
٢ - المرتهن، وهو الدائن بدين لازم، والرهن غير لازم من جهته لأنه أخذه للتوثق بدينه، فإن حصل التوثق من جهة أخرى غير الرهن فلا بأس من إعادة الرهن إلى راهنه.
والرهن يوضع عند المرتهن إلى أن يسدد الدين، ويجوز الاتفاق على وضعه عند شخص أمين.
٣ - الرهن، وهو الشىء المرهون وشرطه أن يكون فيه وفاء الدين حتى إذا لم يقم المدين بالسداد فى الموعد فإن الرهن يباع ويستوفى الدين من ثمنه.
٤ - المرهون به، وهو الدين الذى يشترط فيه أن يكون لازما ولابد من معرفة قدره، وجنسه، وصفته.
٥ - الصيغة، وهى الإيجاب والقبول.
وقد جاء فى القرآن الكريم ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ البقرة:٢٨٣، فقد أفاد النص الكريم أن الرهن المقبوض فى السفر يحل محل التوثق بالكتابة التى جرى الشرع والعرف على التوثق بها، وإنه وإن ذكر السفر فى الدين لكنه ليس على سبيل الاشتراط، بل إنه خرج مخرج الغالب، إذ يغلب فى السفر عدم وجود أدوات الكتابة مع حصول النسيان والتعرض للموت فيه (٣)، وقد ورد جواز الرهن فى الحضر بما روته عائشة رضى الله عنها قالت "اشترى رسول الله ﷺ من يهودى طعاما ورهنه درعا من حديد" رواه مسلم (٤). واستغلال الرهن مدة الرهن إنما يكون من قبل المرتهن لحساب الراهن، ولا يأخذ من عائد الاستغلال إلا قدر نفقته عليه إن كان يحتاج إلى نفقة، لقوله ﵊ (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذى يشرب ويركب النفقة) رواه البخارى.
أ. د/أحمد على طه ريان
стр. 324
٢٤ - رواة الحديث
لغة: رَوَى البعيرُ الماءَ يَرْويه من باب رَمى: حَمَله، فهو راوية، والهاء فيه للمبالغة (١).
واصطلاحا: رواة الحديث هم الذين يحملونه وينقلونه إلى غيرهم، وهو مأخوذ من المعنى اللغوى السابق.
وكان العرب قبل الإسلام يتحملون الشعر وينقلونه، وسُمُّوا رواة (٢)، فلما جاء الإسلام حفظ المسلمون القرآن الكريم ونقلوه، وكذلك حفظوا حديث رسول الله ﷺ ، وتعاقب الأجيال على ذلك.
وفى القرآن الكريم ما يدعو الرواة إلى تمحيص الأخبار والتثبت فيها عندما يروونها وتُروَى لهم. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (الحجرات ٦).
وقد حثَّ رسول الله ﷺ المسلمين على سماع حديثه وحفظه، ثم روايته حتى تستفيد منه الأجيال المتعاقبة فقال ﷺ : " نضَّرَ الله امرأً سمع مقالتى فوعاها، وحفظها، وبَلَّغها، فرُبَّ حاملِ فقه إلى من هو أفقه منه " (٣).
وقال ﷺ واصفا ومرشدا ما يكون من أمر سنته- وهو أنها تنقل بسماع الرواة بعضهم من بعض- " تسمعون ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممن يَسمع منكم " (٤).
وحذر ﷺ الرواة من الكذب عليه، فقال ﷺ فى الحديث المتواتر: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (٥).
فامتثلت الأمة ما أمرها به نبيها ﷺ وندبها إليه، وبادرت إلى نقل سننه، وحافظت عليها، واستمر العمل بها خلفا بعد سلف، وتنوعوا فى حفظها وضبطها كابرا عن كابر فهم كما وصفهم نبيهم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدولهُ، ينفُون عنه تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين " (٦).
ومن هذا التوجيه النبوى وقبله القرآن الكريم نشأت الشروط التى تُشتَرَط فى رواة الحديث كى يؤدَّى الحديث آداءً صحيحا.
واشترط فى رواة الحديث بعضهم عن بعض أن يكونوا مسلمين بالغين عدولا ضابطين والعدالة هى: التقوى والمروءة.
والمراد بالتقوى: اجتناب الراوى للأعمال السيئة من فسق وبدعة (٧).
والمراد بالمروءة: اجتناب ما يُذم به عرفا من الأخلاق المذمومة (٨).
أما الضبط فهو أن يكون الراوى حافظا لحديثه منذ تحمله إلى أن يؤديه آداءً سليما. ويتنوع الحفظ إلى حفظ صدر وإلى حفظ كتاب (٩).
وتوافر العدالة والضبط أو عدم توافرهما يجعل الرواة على مستويات أو مراتب متفاوتة، وبالتالى تتفاوت أحاديثهم، ومن هنا كان هناك رواة الأحاديث الصحيحة، ورواة الأحاديث الحسنة، ورواة الأحاديث الضعيفة، ورواة الأحاديث الموضوعة، مما هو مفصل فى علم الجرح والتعديل.
وهناك المصطلحات التى تطلق على كل مستوى أو مرتبة.
فرواة الأحاديث الصحيحة تطلق عليهم عبارات تنبئ عن العدالة والضبط التامَّين كقولهم: "ثقة".
ورواة الأحاديث الحسنة تطلق عليهم عبارات تنبئ عن ضبط أقل من سابقتها كقولهم: "لا بأس به "، وهكذا، فهناك مراتب للتعديل ومراتب للجرح (١٠).
كما وضع هؤلاء الرواة فى طبقات، تبعا لوجودهم فى الأزمنة المختلفة (١١).
وصُنِّفت الكتب التى تبين أحوال كل راوٍ وشيوخه الذين أخذ عنهم، ومن أخذوا عنه، وغير ذلك مما هو مفيد فى توثيق السنة، وبيان صحيحها وضعيفها وموضوعها، واتصال بعض الرواة ببعضهم وعدم اتصالهم (١٢).
أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب
стр. 325
٢٥ - الروح
اصطلاحا: قال العلماء: لا نعلم حقيقتها وهو مما جهل العباد بعلمه مع التيقن بوجوده بدليل قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ (الإسراء ٨٥) ووجود الروح أمر متفق عليه فى كل الأديان السماوية، كما قال اليهود لقريش: اسألوا محمدا عن ثلاثة أشياء فإن أخبركم عن شيئين وأمسك عن الثالث فهو نبى، اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح.
ولا يلزم عن عدم العلم بحقيقتها المخصوصة نفيها مطلقا وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ (الإسراء ٨٥).
والروح عند أهل السنة هى عبارة عن ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجىء وتتحرك وتسكن وهذا ما جاء فى القرآن الكريم حيث قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ (الأنعام ٩٣) وقال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعى إلى ربك راضية مرضية. فادخلى فى عبادى. وادخلى جنتى﴾ (الفجر ٢٧ - ٣٠) وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد، وقال تعالى: ﴿ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها﴾ (الشمس ٨ - ٩). ولقد سوى الله تعالى البدن كما سوى النفس، بل سوى البدن كقالب للنفس، فتسوية البدن تابع لتسوية النفس والبدن موضع لها، ومن هنا نعلم أنها تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، فيتأثر البدن وينتقل عنها فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها، والنفس أيضا تكتسب الطيب والخبث من البدن، فأشد الأشياء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا، وتأثرا من أحدهما بالآخر الروح والبدن، ولهذا يقال لها عند المفارقة: اخرجى أيتها النفس الطيبة، التى كانت فى الجسد الطيب واخرجى أيتها النفس الخبيثة التى كانت فى الجسد الخبيث.
والروح عند الفلاسفة عبارة عن نور روحانى آلة للنفس كما أن السرَّ آلة لها أيضا، فإن الحياة فى البدن إنما تبقى بشرط وجود الروح فى النفس. وقيل: إن النفس جسم كثيف والروح فيه جسم لطيف، والعقل فيه جوهر نورانى، وقيل: إن الروح لطيف مودع فى القلب منه الأخلاق والصفات المحمودة.
وأما الصوفية فالروح عندهم خفى لذا يسميه السالكون بالأخفى. فقيل: إنه نور لطيف من السر والروح، وهو أقرب إلى عالم الحقيقة وثمة روح آخر ألطف من هذه الأرواح.
والقائلون بتجرد الروح يقولون: الروح جوهر مجرد متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وإليه ذهب أكثر أهل الرياضيات وقدماء المعتزلة وبعض الشيعة وأكثر الحكماء، وهى النفس الناطقة.
والروح عند الأطباء عبارة عن جسم لطيف بخارى يتكون من لطافة الأخلاط وبخاريتها كتكون الأخلاط من كثافتها وهو الحامل للقوى الثلاث، وبهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - روح حيوانى ٢ - روح نفسانى ٣ - روح طبيعى.
وقد أجمع المسلمون على أن الروح مظهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها، ولذلك فلا يمكن أن يحوم حولها حائم ولا يروم وصلها رائم، لا يعلم كنهها إلا الله تعالى. والروح حادثة وليست قديمة ويظهر أنها تحدث بعد تسوية الجسم، وتتصل به، وتحل فيه، وهو جنين. كما جاء ذلك فى حديث الرسول ﷺ : " إن أحدكم يُجْمَعُ نطفة فى بطن أمه أربعين يوما. ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَةً مثل ذلك. ثم يرسل الله تعالى الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقى أم سعيد" (رواه مسلم).
والروح والنفس معناهما واحد، يقول تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ (الزمر ٤٢).
وقد ذكر القرآن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة والنفس المطمئنة. والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت. وتبقى هى مدركة تسمع من يزورها، وتعرفه، وترد ﵇ وتحس لذة النعيم، وألم الجحيم.
(هيئة التحرير)
стр. 326
٢٦ - الرؤيا
لغة: على وزن فُغلَى غير منصرف لألف التأنيث، وهى ما رأيته فى منامك قال الليث: لا تجمع الرؤيا، وقال غيره: تجمع الرؤيا على رؤى كما يقال عليا وعلىَّ كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: ورد فى القرآن ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشركوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين. قال يابنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ يوسف:٤،٥، كما جاء فى سورة يوسف أيضا رؤيا الفتيين، ورؤيا الملك فى أكل السبع البقرات السمان للسبع العجاف (٢) ورؤيا إبراهيم ﵇ أنه يذبح ولده (٣).
وقد ورد فى السنة الكثير من الحديث عن الرؤيا ونكتفى منها بحديث أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة. والرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا ما يحدث المرء نفسه فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس … ) رواه مسلم (٤).
وقد وردت عدة روايات فى هذا الحديث جاءت بلفظ (من ست وأربعين جزءا من النبوة) وفى رواية من حديث ابن عمر رضى الله عنهما (من سبعين جزءا من النبوة) وجميع هذه الرؤايات أخرجها مسلم فى صحيحه (٥) وقد نقل عن ابن عبد البر، أن الاختلاف فى مقدار الجزء إنما هو بحسب يقين الرائى، وإخلاصه، ودرجة تقواه، كما أن الأنبياء يتفاضلون (٦).
وبالجملة فإن أهل العلم يتفقون على أن الرؤيا الصادقة من الله تعالى وأن التصديق بها حق، وتحتاج إلى التأويل الحسن، ولا ينبغى أن تعبر إلا من أهل العلم العارفين بالتأويل كما أن فيها من بديع صنع الله وجميل لطفه ما يزيد المؤمن فى إيمانه، ولم ينكرالرؤيا إلا أهل الإلحاد من قدامى ومحدثين، وشرذمة من المعتزلة حيث إنهم لينسبونها إلى ما يغلب على الإنسان من الطبائع الأربعة فإن غلبت السوداء عليه رأى السواد والأهوال، وان غلبت عليه الصفراء رأى النار والمصابيح والمعصفرات وإن غلب عليه البياض رأى المياه والأنهار، وإن غلب عليه الدم رأى الشراب والرياحين والمعازف (٧) قال الكرمانى فى الرؤيا ثمانية أقسام، سبعة لا تعبر وواحد يعبر، حيث أضاف إلى الأربعة السابقة خامسا: وهو الرؤى المنعكسة عما يجول فى النفس فى حالة اليقظة. وسادسا وهو ما كان من رؤى الشيطان ويعرف بكونه يأمره بمنكر وينهاه عن المعروف. وسابعا وهو ما كان من قبيل الاحتلام.
أما الرؤيا التى تعبر فهى ما ينقله ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ من أمور دنيا الرائى وأخراه (٨) وعلى ذلك فما قاله الملحدون ومن معهم إنما هو نوع من الرؤيا وليس هو كل الرؤيا بل هو يدخل فى أضغاث الأحلام التى آشار إليها المصطفى ﷺ فى الحديث الصحيح (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) رواه مسلم (٩).
أما الأحكام الفقهية التى تلقى فى الرؤيا وكانت مخالفة للأحكام المستقرة فى الشريعة الإسلامية فإنه لا يعمل بها قال الإمام القرافى: من رأى رسول الله ﷺ ووقال له مثلا: إن امرأتك طالق ثلاثا وهو يجزم بأنه لم يطلقها.
فالذى يظهر أن إخبار رسول الله ﷺ فى اليقظة مقدم على الخبر فى النوم لتطرق الاحتمال للرائى بالغلط فى ضبط المثال ولو قال له: عن أمر حرام إنه حلال، أو عين حكما من الشريعة، قدمنا ما ثبته فى اليقفلة على مارؤى فى النوم لما ذكرنا، كما إذا تعارض خبران من أخبار اليقظة فإننا نقدم اللأرجح (١٠).
فإذا تعلقت بشىء من فضائل الأعمال وقد عبرها أحد العلماء بالتأويل فالظاهرأنه يعمل بمقتضاها إذا لم تتعارض مع حكم منصوص عليه، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبى ﷺ أروا ليلة القدر فى المنام فى السبع الأواخر فقال رسول الله ﷺ (أرى رؤياكم قد تواطأت فى السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها فى السبع الأواخر) رواه البخارى (١١).
وهذا فى غير رؤيا الأنبياء لأن رؤيا الأنبياء حق فقد عمل رسول الله ﷺ بمقتضاها حينما رأى أنه يدخل المسجد الحرام، كما عمل إبراهيم ﵇ بمقتضاها حينما رأى أنه يذبح ابنه كما هو معلوم ومفصل فى القرآن الكريم.
أ. د/أحمد على طه ريان
стр. 327
٢٧ - الرؤية
لغة: يقال رؤية العين ورؤيا العين، ما تراه الباصرة، وجمع الرؤية رُؤَى. ورؤية العين معاينتها للشىء، وهى تتعدى إلى مفعول واحد، وإن كانت بمعنى العلم فإنها تتعدى إلى مفعولين، وقال ابن سيده: الرؤية النظر بالعين وبالقلب، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: الرؤية بالعين، هى إدراك الأشياء بحاسة البصر وعليها المعول فى الشهادة، ففى حديث ابن عباس رضى الله عنهما، أن رجلا سأل النبى ﷺ عن الشهادة فقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد أو دع (أخرجه البيهقى فى سننه والحاكم فى مستدركه) (٢).
لذلك رد كثيرمن الفقهاء شهادة الأعمى مطلقا لأن مبنى الشهادة على المشاهدة، وهو لا يشاهد، وبعضهم ردها فى خصوص الشهادة على الأشياء التى تحتاج إلى مشاهدة، وأجازها فيما يمكنه التعرف عليه بلمسه أو ذوقه أو شمه أو سماعه.
وقد أوجب الشارع على من اعتدى على آخر بالضرب على رأسه فأذ هب الرؤية من حاسة بصره ولو بقى جرم العين سليما - فإنه يقتص منه بمثل ما فعل، إن كان قد فعل ذلك به عمدا عدوانا، وإلا بأن كان خطأ، فتجب فيه الدية كاملة، فإن ذهبت رؤية إحدى العينين فنصف الدية.
وعن رؤية الله ﵎ يوم القيامة ذهب أكثر العلماء إلى أن قوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ القيامة:٢٢ - ٢٣، يبشر المؤمنين برؤية ربهم ﵎ يوم القيامة وذلك لاقتران النظر بلفظ إلى وقد قال تعالى ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ المطففين:١٥، ومفهوم ذلك أن المؤمنين لايحجبون منها (٣)، وأن هذه الرؤية هى الزيادة التى وعد الله ﵎ بها المؤمنين من أهل الجنة فى قوله جل شأنه ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس:٢٦.
وفى رواية صهيب عن النبى ﷺ قال (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظرإلى ربهم رواه مسلم (٤) كما ثبت فى مسلم أيضا أنهم يرونه كما يرون الشمس بالظهيرة صحوا والقمر ليلة البدر صحوا (٥).
وأما رؤية الله تعالى فى الدنيا فيقول الجمهور من أهل السنة بجواز وقوعها مستدلين لسؤال موسى ﵇ فى قوله جل شأنه ﴿قال رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ الأعراف:١٤٣، فبعد أن سمع موسى ﵇ كلام ربه اشتاق لرؤيته ولم يطلب منه أن يريه آية، أو أنه طلبها ليعلم قومه الذين طلبوها منه أنها مستحيلة، كما يقول بذلك المعتزلة، وغيرهم ممن ينكر ذلك مستدلين بقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ الأنعام:١٠٣.
وقد رد ذلك بأن الإدراك المنفى فى الآية هو بمعنى الإحاطة والحصر، وليس مجرد النظر والرؤية.
ومبنى الاستدلال من الجمهور أن موسى ﵇ لو لم يعلم جواز وقوع الرؤية فى الدنيا لما طلبها إذ يبعد ألا يعلم ما يجوز فى حق الله تعالى وما يستحيل، لكن المولى منعه منه رحمة به، لأن خلقه لا يقوى على المعاينة فقد دل على ذلك بأنه سبحانه سيتجلى للجبل وهو أقوى منه وأصلب، ثم أراه الجبل ولم يثبت، وذلك حتى يطيب نفسا، وأن حجبه عن الرؤية إنما كان رعاية له ورحمة به، وهذا هو رأى الأكثر، لكن نقل القاضى عياض عن الإمام محمد بن الطيب المشهور بأبى بكر الباقلانى شيخ علماء عصره ببغداد أن موسى ﵇ رأى الله تعالى فلذلك خر صعقا وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلق الله له، مستنبطا ذلك من قوله تعالى ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى﴾ الأعراف:١٤٣.
ومن هنا وجد الخلاف فى مقولة رؤية نبينا محمد ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج حيثه اشتهر القول عند ابن عباس وأبى بن كعب وأنس بن مالك والحسن وعكرمة وأبى الحسن الأشعرى بأن محمدا ﷺ رأى ربه مستدلين لقوله تعالى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ النجم:١١، وأنكرت عائشة رضى الله عنها رؤيته ﷺ لربه بعينه وقالت: من قال إن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. وفى صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ حين سئل عن ذلك (نورأنى أراه) (٦).
وفى رواية أخرى أخرجها مسلم أيضا قال: (رأيت نورا) (٦) وهذا هو المشهور عن ابن مسعود حيث قال المراد هو رؤية محمد لجبريل ﵇ على هيئته العظيمة التى خلقه الله عليها إذ لم يره بهذه الخلقة حيث سد الأفق بجناح واحد حين فرده من أجنتته الستمائة إلا مرتين وهما اللتان أشار إليهما المولى ﵎ فى قوله عز شأنه ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ وفى قوله تعالى ﴿ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى﴾ النجم:١٣،١٤.
أ. د/أحمد على طه ريان
стр. 328
٢٨ - الرياء
لغة: من المراءاة وهو الاتصاف بالخير والصلاح على خلاف ما عليه صاحبه، راءى: عمل الشىء رياء وسمعة. (١)
واصطلاحا: ترك الإخلاص فى العمل بملاحظة غير الله فيه (٢)
وقيل هو: إظهار الطاعة للناس ليحسنوا بها إلى صاحبها (٣) وقيل: الرياء إرادة العبد العباد بطاعة رَبّه (٤).
ولقد شدد الإسلام النكير على من يتخلق بالرياء، لأنه ينافى الإخلاص فى العبادة لله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ (البينة ٥) فالرياء يحبط ثواب الأعمال والطاعات، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس﴾ (البقرة ٢٦٤) وقال تعالى متوعدًّا المراءين بالويل: ﴿فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراءون. ويمنعون الماعون﴾ (الماعون ٤ - ٧)
ويخبرنا رسول الله ﷺ عن أناس يبدو لنا من حالهم فى الدنيا الاستشهاد أو العلم أو الإنفاق، ولكن حقيقة أمرهم ليست كذلك؛ لأنهم أبطلوا ثواب أعمالهم بالرياء، فعن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به، فعرفه نعمته، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جرىء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فى النار ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمته، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ! فقد قيل، ثم أمر فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتى به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقى فى النار " (رواه مسلم فى صحيحه)
وقد وردت آثار عن الصحابة- رضوان الله عليهم- فى النهى عن الرياء منها ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى رجلا يطأطئ رقبته قال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع فى الرقاب إنما الخشوع فى القلوب. (٥)
والإسلام لم يحرم المسلم من فضل ثناء الناس عليه، ما دامت نيته- أساسا- خالصة لوجه الله تعالى، لأنه فى هذه الحالة يكون ثناء الناس عليه دليلا على رضوان الله . فعن أبى ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : " أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (رواه مسلم)
ولقد اهتم الصوفية ببيان حقيقة الرياء وذمّه وتوضيحه حتى لا يقع فيه الناس، حيث درسوه بعمق فى مؤلفاتهم، وقد أفردوا له صفحات طوال مثلما فعل أبو طالب المكى فى كتابه "قوت القلوب" والمحاسبى فى كتابه "الرعاية لحقوق الله " والغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين " والديلمى (ت ٥٨٩ هـ) فى كتابه " إصلاح الأخلاق ".
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط، مادة (رأى) ١/ ٣٧٠
٢ - التعريفات، للجرجانى، ص ٧٠ ط البابى الحلبى ١٩٣٨م، القاهرة
٣ - إصلاح الأخلاق ومفتاح الأغلاق، محمد بن عبد الملك الديلمى (مخطوط بمعهد المخطوطات العربية)
٤ - الرعاية لحقوق الله، الحارث المحاسبى ص ١٣١ ط دار المعارف ١٩٨٤ م.
٥ - إحياء علوم الدين، للغزالى،٣/ ٣١٤ ط الريان للتراث، القاهرة ١٩٨٧ م.
стр. 329
٢٩ - الرياضة
لغة: فعالة من راض.
واصطلاحا: يقصد بها رياضة النفس عن متابعة الأهواء، وتسخيرها فى ملازمة حدود الشرع، بمعنى أن الرياضة عملية تربوية تهدف إلى السيطرة على غرائز الإنسان الحيوانية والتسامى بها إلى الروحانيات.
وارتبط مصطلح الرياضة بالصوفية ويعنى عندهم المجاهدة، وقيل إن الرياضة ملازمة الصلاة والصوم والمحافظة عن الآثام، وسد باب النوم والبعد عن صحبة القوم للاعتزال.
واعتبر الصوفية أن الحرمان أساس كل رياضة ومجاهدة، وأخذوا من الجوع وسيلة لذلك، وباعتيادهم الجوع بلغوا ما يصبون إليه من صفاء النفس وغلبة الروح على الجسم، وأحيانا يغالون فى ذلك حتى زعموا أن الصوفى الذى بلغ هذه الدرجة من الصفاء بسبب كثرة الرياضة والمجاهدة يمكن أن تصدر عنه العجائب والخوارق.
والسالك فى طريق التصوف يسلك رياضة تنقله من منزلة عبادة إلى منزلة أعلى منها، والسالك هو المنتقل من مقام إلى مقام، وهذا الطريق الذى يسكن بالرياضة لابد أن يمر فيه بمراحل متعددة تسمى المقامات كى تصل فى النهاية إلى غايته وهو الله، ويشبه ذلك بمن يبدأ رحلة سفر بطريق ما واضعا نصب عينيه المشقة التى تقوم على الرياضة.
وينتقل السالك برياضته عبر مقامات فى طريقه إلى ربه، وسمى المقام مقاما لثبوته واستقراره عليه، والمقام يأتى ببذل المجهود، فهو من المكاسب وهى رتب ودرجات معنوية يتدرج فيها السالك، وتقوم الرياضة على استخدام أساليب سلبية، ووسائل إيجابية، فالسلبية هى التخلص من آفات النفس، وهذا يتم أولا، أما الإيجابية فهى التزود بما يتحلى به الصوفى فى رحلته من الأذكار والصلاة والعبادات فيطلق عليه التخلى والتحلى.
والصوفى فى رياضته تلك يمر بمقامات هى: التوبة والورع والزهد والفقر والتوكل ثم الرضا، والصوفية لا يصلون إلى غاية الطريق ونهايته إلا عبر الرياضة والترقى، فلا يصح أن يقف الصوفية عند مقام أو مقامين، بل لابد من تخطى كل المقامات.
وقد سئل أحد الشيوخ عن الفرق بين طريقة الإمام أبى الحسن الشاذلى التى تقوم على الشكر لله بلا مشقة، وبين طريقة الإمام الغزالى التى مدارها الرياضة، فأجاب: إن طريق الشكر هو الأصل، وأضاف إليه أهل الرياضة الفتح والكشف والجوع والسهر والصيام ودوام الخلوة، أى مختلف الرياضات حتى حصلوا على ما حصلوا عليه.
والشكر يتعلق برياضة القلوب والتزام الوقوف على بابه تعالى، أما الرياضة فتتعلق برياضة الأبدان من صوم وجوع وسهر بالإضافة إلى رياضة القلوب.
أ. د/ منى أبو زيد
стр. 330
١ - الزاجل
اسم يطلق على ضرب من الحمام يرسل إلى مسافات بعيدة (١)، وهو نوع متميز استخدم فى نقل الرسائل منذ عهد قديم كما استخدم فى أوقات الحروب، وتكتب الرسالة - التى ترسل عن طريقه - على ورق رقيق يودع فى أنبوبة معدنية أو غابة مثقوبة تحملها الحمامة حول عنقها أو تربط إلى ساقها، وتقطع الحمامة الزاجلة مئات الأميال، وتعود إلى المكان الذى سرحت منه وقلما تضل طريقها حتى فى الظلام، وكان العرب يدعونه "حمام البريد" وكان بعضه يباع فى أسواق بغداد والقاهرة بآلاف الدراهم.
والحمام بوجه عام نوع من الطيور منها الأليف ومنها البرى، ويطلق العرب اسم الحمام على أنواع أخرى من الطيور، كاليمام والقمرى أو الحمامة المنزلية فهى أكثر أنواع الحمام انتشارا، وتربى فى أبراج أو أقفاص.
أما عن رأس الحمامة فهى صغيرة ولكل عين ثلاثة جفون؟ ولذلك يضرب بها المثل فى حدة البصر، وللحمامة ثلاث وعشرون ريشة فى كل جناح واثنتا عشرة ريشة فى الذنب، لهذا يبدو أطول من حقيقته.
أما عن غذائها فتتغذى بالحبوب وفتات الخبز، وتضع أنثى الحمام بيضتين فى كل مرة تحتضنها بالتناوب مع الذكر، ويفرخ البيض بعد تسعة عشريوما فراخا فتغذيها الأم بمنقارها.
والحمام البرى ينتشر فى الصيف طلبا للقوت، ويفرخ فى الربيع، ويصطاد بالشباك أو بقيادته إلى برج من أبراج الحمام بدليل أليف من نوعه (٢).
أ. د/عبد الله جمال الدين
стр. 331
٢ - الزاوية
ويقصد بها المسجد غير الجامع وجمعها زوايا (١).
اصطلاحا: محل تثقيف العقول دينيا وأدبيا، وتكون مسماة باسم أحد المرابطين على اصطلاح المغاربة (٢).
وهى عبارة عن فناء واسع تحيط به مرافق، وهى مسكن الشيخ ومسجد ومكان للضيافة وحجرات لساكنى الطلاب ومحل لإيواء اللاجئين إلى الزاوية … وتدور هذه المرافق حول الفناء الذى كان محط رجال القوافل، وبه بئر للسقيا ومخزن للمتاع … ولكل زاوية شيخ يقيم الصلاة، ويعلم الأولاد، ويباشر عقود النكاح، والصلاة على الجنائز.
وانتشرت الزوايا فى برقة وطرابلس وظهر أثرها واضحا حيث زحف الإسلام بواسطة هذه الزوايا نحو الجنوب حتى بحيرة تشاد ووسط إفريقيا (٣).
وفى الجزائر يدفع التلميذ عند أول قصده إتمام الدراسة - إذا كان ولدا - نحو ٣٠ فرنكا، أما إذا كان أهله أولى ثروة فيقدمون هدايا كثيرة مساعدة للزاوية، وكثيرا ما يبذل الزوار الأغنياء الأموال الجزيلة، وبذلك قد صار لها ريع كثير من الأوقاف (٤).
على أن صاحب كتاب الطبقات (١) سماها خلوة وكان ينشئها البعض من أهل اليسار فى السودان، ويؤجر فقيها يقرر له راتبا معينا ويطلب منه هذه المهمة الجليلة، وفى بعض الأحايين كان ينشئها البعض من حفظة القرآن الكريم أو يشترك فى إنشائها أهل البلدة جميعا (٢).
أ. د/عبد الله جمال الدين
стр. 332
٣ - الزجل
اصطلاحا: نوع من الشعر تغلب عليه العامية.
ويعد من فنون الأدب الشعبى، ومن أبرز الذين نظموا فيه شاعر العامية الأول بيرم التونسى، وهو (مولد).
"وفن بيرم يمتاز بخصوصية، ينفرد بها دون جميع الآثار الأدبية التى بين أيدينا، وهي النفوذ واتساع دائرة المخاطبة، ولم أر أدبا يشترك العامة والخاصة فى تذوقه، واستظهار أطايبه كأدب بيرم، وذلك لما يمتاز به من الجمال، والواقعية، وصفاء الرؤية ومعايشة الأحداث التى مرت بنا، وتعقبها وتسجيلها، من الزاوية التى يسقط عليها بحسه الفنى، ثم يقدمها من خلال نظرته الساخرة، ولقد قال أمير الشعراء أحمد شوقى "إنى لا أخاف على الفصحى إلا من أزجال بيرم ".
ومن نماذج الزجل الجيد قول بيرم التونسى يهاجم المجلس البلدى فى وقت الاستعمار فيقول:
يا بائع الفجل بالمليم واحدة
كم للعيال وكم للمجلس البلدى
كأنَّ أمى بلَّ الله تربتها
أوصت فقالت أخوك المجلس البلدى
وكما أن هناك أدبا لا يكتب إلا بالفصحى كالقصيدة التقليدية، والمقال الأدبى، والدراما التاريخية، فإن هناك أدبا لا يكتب إلا بالعامية كالزجل والموال، والحواديت الشعبية .. وما إلى ذلك من فنون الأدب الشعبى.
وسيبقى أدب العامية، إلى جانب أدب الفصحى، طالما بقيت هذه الظاهرة اللغوية، وطالما كانت للحياة اليومية البيئية لغة، وللكتابة الرسمية لغة.
أ. د/ محمد سلام
стр. 333
٤ - الزخرفة
لغة: مفعول الزُّخرُف وهو الذهب، أو الزينة وكمال حسن الشىء لسان العرب.
واصطلاحا: إضفاء الجماليات على الأشياء باستعمال الأشكال الهندسية والنباتية ودون إدخال صور الكائنات الحية فيها.
وقد تعددت الزخارف الهندسية والنباتية فى العمارة الإسلامية بأشكال وأنماط وألوان متعددة مستمدة من الموروث الحرفى الذى تتميز به الأقطار المختلفة من العالم الإسلامى.
فقد تشكل من الحجر كما فى مصر، أو من "الطابوق" كما فى العراق، أو من الخزف كما فى إيران.
وتطبق الزخارف على الأرضيات أو الحوائط أو الأسقف والقباب، وعلى الأقمشة والسجاد والأعمال الخشبية والحديدية والنحاسية؟ لتزيينها، وإضفاء مسحة من الجمال عليها.
وقد أدخلت الزخرفة على العمارة الإسلامية فى مراحل ما بعد صدر الإسلام
عندما انتشرت على ربوع الأرض شرقا وغربا، وقد تأثرت الزخارف بمعطيات الحضارات السابقة، فأخذت منها ما لا يتعارض مع العقيدة الإسلامية، ولفظت ما يتعارض معها.
فالإسلام يدعو إلى إضفاء الجمال على الأشياء وتزيينها، ولكن دون إسراف أو تقتير، قال تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك لك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ الأعراف:٣٢، فقد ربط الله تعالى الزينة بالإيمان، وربط فقد ربط الله تعالى الزينة بالإيمان، وربط الإيمان بالوسطية، حتى لا تنقلب الزينة إلى إسفاف أو إسراف.
فالإسراف فى الزخرف والألوان منهى عنه خاصة فى المساجدة حتى لا يشغل المصلين عن الصلاة، عملا بمنهج الوسطية فى الإسلام، قال تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ البقرة:١٤٣.
وينطبق ذلك على المسكن والملبس والأثاث وغيرها من الأدوات، قال تعالى ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون. ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون. وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين﴾ الزخرف:٣٣ - ٣٥.
وهنا يجدر الفصل بين خصوصية الزخرف الذى لا يظهر للآخرين، والزخرف الذى يظهر للآخرين من أفراد المجتمع، وهو ما يكون من الخيلاء أو التفاخر، فالزخرف داخل المعمار له خصوصيته الفردية، أما الزخرف فى الخارج فله حدوده التى ينبغى أن تتفق مع ما ترضى عليه الجماعة.
د. م/عبد الباقى إبراهيم
стр. 334
٥ - الزكاة
لغة: الصلاح والتقوى والتطهير والزيادة والنماء، كما فى اللسان (١). ومنه قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ التوبة:١٠٣. واصطلاحا: إذا أطلقت الزكاة فإنما يراد منها زكاة الأموال التى فرضت فى السنة الثانية من الهجرة على من ملك نصابا وحال عليه الحول، فى زكاة المواشى، والنقود، وعروض التجارة، وبدو الصلاح فى الثمار والحبوب وذوات الزيوت. وتجب الزكاة على المسلم البالغ العاقل المالك للنصاب مع خلو المال من الدين عند الحنفية، لأنها من العبادات، والعبادات منوطة بالتكليف، بينما لا يشترط الجمهور البلوغ والعقل، بل تجب فى مال الصبى والمجنون ويخرجها عنهما وليهما، لأنها حق واجب فى الأموال لا يشترط فى مالكها التكليف.
كما أن الخلو من الدين عند الجمهور إنما يراعى فى زكاة النقدين وعروض التجارة فى الجملة، أما الحرث والمواشى فلا يراعى فيها ذلك.
وتجب فى النقود التى يتعامل بها أو ما يقوم مقامها من أوراق البنكنوت إذا ملك المسلم منها، ما يعادل عشرين دينارا شرعيا، وهو ما يوازى الآن خمسة وثمانين جراما ذهبا، ومن الفضة مائتا درهم شرعى، وهو ما يوازى الآن خمسمائة وخمسة وتسعين جراما من الفضة.
والزكاة عن النقدين، إنما يراعى فيها سعر صرف يومها، والقدر الوجب فى ذلك هو ربع العشر، حيث يجب فى الألف خمسة وعشرون جنيها، وقد تضمن ذلك الحديث الشريف ( … فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شىء، وحتى تكون لك عشرون دينارا وحال عليها الحول؟ ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك .. ) الحديث أخرجه أبو داود (٢).
وعن المواشى، يجب فى أربعين من الغنم شاة، وفى مائة وواحد وعشرين شاتان، وتجب فى خمس من الإبل شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بنت مخاض (٣) … وفى البقر والجاموس، فى كل ثلاثين تبيع (٤)، وفى كل أربعين مسنة (٥)، ويراعى فى نصاب المواشى التدرج فى الارتفاع فى القدر المخرج بارتفاع الأعداد المملوكة، وتعرف تفاصيلها من كتب الفروع وعن الحبوب والثمارة يجب فيها العشر إن سقيت بدون تكلفة، ونصف العشر إذا كانت بتكلفة وذلك إذا حصل نصاب منها، وقدره خمسة أؤسق، والوسق ستون صاعا، وقدره بالكيل المصرى الحالى خمسون كيلة.
وعن البقول والخضروات، فيوجب فيها الإمام أبو حنيفة الزكاة، بينما الجمهور لا يوجب فيها الزكاة، وكذلك الحلى الذى تتحلى به المرأة، فبعض العلماء يوجب فيها الزكاة، بينما يذهب فريق آخر إلى عدم وجوب الزكاة فيه لأنه ليس بمكنوز ولا نام.
وعن عروض التجارة، فتجب فيها الزكاة إذا مر عليه حول منذ ملك أصله وكان فيه النصاب، والواجب فيه ربع العشر، وعروض التجارة تشمل المال المتحرك فى المحلات التجارية والمصانع، كما تشمل قيمة أسهم الشركات بمختلف أنواعها، وكل مال يتاجر فيه، بمرور الحول وملك النصاب.
وعن الركاز، فيجب فيه الخمس، وهو يشمل المعدن عند الحنفية، بينما الجمهور يوجبون فيه الخمس، وأما المعادن المستخرجة من الأرض بمختلف أنواعها ففيها عندهم رتجع العشر لما يبذل فيها من تكلفة (٦).
وقد تحددت مصارف الزكاة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة:٦٠، وذلك تحقيقا لمبدأ التكافل الاجتماعى بين المسلمين حيث يلنرم الأغنياء بسد حاجة الفقراء فى المجتمع المسلم.
أما زكاة الفطر فتجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، أو طلوع الفجر من يوم أول شوال على من كان عنده قوت يومه لحديث ابن عمر مرفوعا (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا (٧) من تمر أو صاعا من شعيرعلى العبد والحرة والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه مسلم (٨).
أ. د/أحمد على طه ريان
стр. 335
٦ - الزمان
لغة: اسم لقليل الوقت وكثيره، والزمان هو العصر والدهر ويجمع على أزمنة، ويقال أزمن الشىء إذا طال عليه العهد، وأزمن بالمكان إذا طال مقامه به، وأخذوا منه لفظ زمن بكسر الميم إذا أصابته آفة ولازمته فيقال: رجل زمِن بمعنى مريض أو مبتلى ويجمع على زمنى، ويقال أزمن عنى عطاؤك بمعنى أبطأ وبُعد عهدى به فلم يصلنى.
واصطلاحا: الزمان عند الفلاسفة مجموع آنات متتالية (آناً بعد آن) وهو مقدار الحركة التى تقع فيه ولا تجتمع أجزاؤه أبدا ولا توجد أجزاؤه إلا متتاليات، ويتصل طرفه الماضى بطرفه فى المستقبل عن طريق الآن الحاضر.
وهوية هذا المقدار الذى للحركة، هى أنه لحركة مستديرة، ولما كانت الأفلاك فى حركة مستديرة حول الشمس كان تعلق الزمان وتقديره بالحركة المستديرة، ولذلك قيل: إن الزمان هو مقدار الحركة المستديرة من المتقدم والمتأخر دون انقطاع عن طريق الآن الحاضر وصلته بالآن السابق والآن المستقبل، ولأن الحركة المستديرة متصلة لا تنقطع كانت أجزاء الزمان متصلة ولا يتصور الزمان إلا كذلك لأنه يطابق الحركة المتصلة وما طابق المتصل كان متصلا مثله.
ولا ينقسم الزمان إلا بالتوهم ولا انقسام بالفعل أو بالقوة فيكون للآنات نهايات وبدايات عن طريق التوهم فقط.
والزمان ليس حادثا حدوثا زمانيا بل حدوث إبداع بحيث لا يتقدمه مبدعه بالزمان ولا بالمدة بل يتقدمه بالذات، ولو كان للزمان مبدأ زمانى لكان محدثا بعد أن لم يكن، أى بعد زمان متقدم عليه، فيكون بَعْداً لقَبْل غير موجود معه فكان بعد قبل وقبل بعد فيكون له قبل غير ذات الموجود عند وجوده، وكل ما كان كذلك فليس هو أول قبل فليس مبدأ للزمان كله، فالزمان مبدع أى يتقدمه بارئه بالذات فقط لا بالزمان.
والزمان يقال فى مقابل الأزلى وكل ما كان زمانيا ليس بأزلى وكل أزلى لا يتصور أن يكون زمانيا. وهو وسط متجانس الأجزاء غير محدود تمر فيه الأحداث متلاحقة وجزؤه يسمى "مدة".
وعند أرسطو هو مقدار حركة الفلك وهو وعاء للحركة لأن الحركة لابد لها من زمان تقع فيه، والحركة متصلة الأجزاء فيكون الزمان متصلا كذلك، والحركة عند أرسطو قديمة والزمان قديم تبعا لها ويقابله المكان ولما كانت الحركة لا تقع إلا فى زمان ومكان، كان الزمان والمكان قديمين بقدم الحركة.
وعند المتكلمين أن الزمان متجدد معلوم يقدر به متجدد آخر موهوم مثل قولك آتيك عند طلوع الشمس، فإن طلوع الشمس معلوم والإتيان موهوم فإذا قرن الإتيان بطلوع الشمس صار معلوما.
وقيل: الزمان ما به تقدر الحركة.
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 336
٧ - الزَّنْج
هو اسم أطلق على أحد الأجناس الثلاثة الكبرى التى ينقسم إليها النوع الإنسانى، ويتميز بخصائص جسمانية بارزة (١) هى:
(أ) البشرة السوداء.
(ب) الشعر الصوفى.
(ج) الأنف الأفطس.
(د) الفك البارز.
(هـ) الشفاة الغليظة المتهدلة.
كما يطلق لقب زنجى على بعض السلالات المنحدرة من القبائل الإفريقية أنى استوطنت (٢). كذلك نجد الزنج المتكرر ذكرهم فى تاريخ الإسلام، والمذكور رئيسهم باسم "صاحب الزنج" تارة، وباسم "الخبيث صاحب الزنج" تارة أخرى يراد بهم نوع من الخوارج الزنوج (٣).
وقد أثار هؤلاء القلق فى حاضرة الخلافة العباسية، وكان مسرح هذه الثورة الجامحة العنيفة التى دامت أكثر من أربع عشرة سنة هذه المستنقعات الممتدة بين البصرة وواسط.
وكان صاحب الزنج رجلا فارسيا يسمى "على بن محمد" من أهالى الطالقان، ادعى أنه من ولد على زين العابدين بن الحسين بن على، ولكنه لم يجهر بعقائد المذهب الشيعي على الرغم من ادعائه النسب إلى على وفاطمة، وإنما جهر بعقائد مذهب الخوارج.
ومهما يكن فإن صاحب الزنج لم يلبث أن كشفط عن ميوله الحقيقية، حتى إن أعداءه سموه: دَعِىّ علىّ، كما سموه: الخبيث.
قدم صاحب الزنج بلاد العراق واتصل ببعض بطانة الخليفة المنتصر (سنة ٢٤٧ - ٢٤٨هـ)، ثم سار فى سنة ٢٤٩هـ، إلى البحرين، ودعا إلى تحرير العبيد، واستمال قلوبهم، حتى إنهم تركوا مواليهم وانضموا إليه، فعظم شأنه، وقويت شوكته، ولقيت دعوته قبولا بين أهالى البحرين (٤).
وقد أول قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ التوبة:١١١، تأويلا سياسيا قصد به تضليل أنصاره، إذ أولها بأن المؤمنين قد اشتروا أنفسهم أى: لم يعودوا بعد عرضة للرق والعبودية.
وسرعان ما قدم إلى البصرة، فأسرع إليه بعض غلمانها رغبة فى التخلص من الرق، وما زال الزنج يلتفون حوله حتى نهبت جيوشه القادسية واستولت على البصرة وذبحت كثيرا من أهلها سنة ٢٥٧هـ، واستولت جيوشه بعد ذلك على الأهواز، ثم واسط، فسير إليهم الخليفة المعتمد كثيرا من قواده، ولكن الزنج لم يضعفوا، وظل خطرهم يتزايد، فعهد الخليفة المعتمد إلى أخيه أبى أحمد الموفق بقتالهم، فأجلاهم عن الأهواز، وحاصر مدينتهم "المختارة".
لقد دامت هذه الحرب بين جيوش العباسيين والزنج أكثر من أربع عشرة سنة، وقضى عليهم الموفق وقواده، مما جعله يخر ساجدا لله شكرا.
ولكن أحد أنصار صاحب الزنج رمى الموفق بسهم فى صدره، ولكن جىء به إلى الموفق فقتله ابنه العباس، وقتل صاحب الزنج فى صفر سنة ٢٧٠هـ، وبلغ عدد القتلى ألفى ألف وخمسمائة ألف (٥) وقيل ألف ألف وخمسمائة ألف (٦).
أ. د/عبد الله جمال الدين
стр. 337
٨ - الزَّنْدَقة
اصطلاحا: الزندقة اسم مشترك يطلق على معان متعددة، مختلفة فيما بينها على الرغم مما قد يجمع بينها من تشابه؛ فقد أطلق على القول بأزلية العالم، وعدم الإيمان بالربوبية، والشك والضلال والإلحاد والكفر، والقول بإلهين أو أكثر للعالم، وعلى المذاهب الثنوية كالزرادشتية أو المجوسية والمزدكية والمانوية، وإبطان الكفر وإظهار الإسلام، إبطان عقائد هى كفر بالاتفاق، والنطق بعقائد أخرى بالإضافة إلى الإسلام، وعلى ابتداع ما ليس من الدين، وعلى مخالفة مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى حياة المجون التى كان يحياها بعض الشعراء والكتاب.
والزندقة تساوى "الكفر" عند بعض العلماء؛ قال التفتازانى فى "مقاصد الطالبين فى أصول الدين": الكافر إن أظهر الإيمان خص باسم المنافق، وإن كفر بعد الإسلام فبالمرتد، وإن قال بتعدد الآلهة فبالمشرك، وإن تدين ببعض الأديان فبالكتابى، وإن أسند الحوادث إلى الزمان واعتقد بقدمه فبالدهرى، وإن نفى الصانع فبالمعطل، وإن أبطن عقائد هى كفر بالاتفاق فبالزنديق.
وقال فى شرحه: قد ظهر أن الكافر اسم لمن لا إيمان له؛ فإن أظهر الإيمان خص باسم المنافق، وإن طرأ كفره بعد الإسلام خص باسم المرتد لرجوعه عن الإسلام، وإن قال بإلهين أو أكثر خص باسم المشرك، لإثباته الشريك فى الألوهية، وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابى، كاليهودى والنصرانى، وإن كان يقول بقدم الدهر وإسناد الحوادث إليه خص باسم الدهرى، وإن كان لا يثبت البارى تعالى خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبى ﷺ وإظهاره شعائر الإسلام يبطن عقائد هى كفر بالاتفاق خص باسم الزنديق.
والمراد بإبطان بعض عقائد الكفر ليس هو الكتمان من الناس، بل المراد أن يعتقد بعض ما يخالف عقائد الإسلام مع ادعائه إياه.
فقد روى عن ابن عمر- رضى الله عنهما- أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون فى هذه الأمة مسخ، ألا وذلك فى المكذبين بالقدر والزنديقية" (رواه أحمد).
ولقد أطلق اسم "الزندقة" على بعض الفرق والمذاهب والديانات التى ظهرت فى بلاد الفرس؛ فقد كانت بلاد الفرس بلاد الوثنية والدهرية والزندقة.
وفى هذه البلاد ظهرت المجوسية أو الزرادشتية، والمانوية والمزدكية، وهى ديانات ومذاهب شرك ووثنية.
فقد رأى "زرادشت" متنبئ المجوس الذى عاش فى القرن السابع قبل الميلاد ومات فى عام ٥٨٣ ق. م تقريبا، أن العالم مكون من قديمين، وأن جبلته حصلت من امتزاج الضدين، وهذان الضدان هما النور والظلمة اللذان يعدان أصلين للخير وللشر، وهما قوتان متنازعتان، لأن كلتيهما تتمتعان بالقدرة على الخلق، فأصل الخير هو "النور" وقد خلق كل ما هو حسن وخير ونافع؛ أما أصل الشر فهو "الظلمة" وقد خلق كل ما هو سيئ ومشوه فى هذا العالم. وقد أتى "زرادشت" المجوس بكتاب يعرف باسم "الأبستا" أو "الأوستا" وهو كتاب الزرادشتية المقدس، ولهذا شرح يسمى"زند" ولهذا الشرح شرح يسمى"بازند".
أما "المانوية" فهى فرقة أخرى من الزنادقة، وهم أتباع مانى بن فاتك وقد ادَّعى دينا ممزوجا بين النصرانية والمجوسية، وقد آمنوا بما آمنت به "الزرادشتية" على بعض الخلاف بينهما، وفى أيام "مانى" هذا ظهر اسم "الزندقة" الذى إليه أضيف الزنادقة، وذلك أن الفرس حين أتاهم "زرادشت" بكتابهم "الأبستا" باللغة الأولى من الفارسية، وعمل له التفسير وهو"الزند" وعمل لهذا التفسير شرحا سماه "البازند" .. وكان "الزند" بيانا لتأويل المتقدم المنزل، وكان من أورد فى
شريعتهم شيئا بخلاف المنزل الذى هو "الأبستا" وعدل إلى التأويل الذى هو "الزند"، قالوا: هذا زندى، فأضافوه إلى التأويل، وأنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى تأويل هو بخلاف التنزيل، فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس وقالوا: زنديق، وعربوه، والثنوية هم الزنادقة، ولحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم، وأبى حدوث العالم.
وقد كان لهذه الديانات والمذاهب أثرها فى الخلافات الكلامية عند المسلمين؛ كما كان لها أثرها فى إطلاق اسم الزندقة على بعض الفرق الكلامية؛ حيث أطلق على إحدى فرق الجهمية اسم "الزنادقة"، وهم الذين قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربًّا، لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما يدرك فليس بإله، وما لا يدرك لا يثبت. كما أطلق أيضا على الإسماعيلية اسم الباطنية والقرامطة والمزدكية، والتعليمية الملحدة.
أ. د/ محفوظ عزام
стр. 338
٩ - الزهد
الزهد لغةً: ترك الشىء أو الميلِ إليه.
واصطلاحا: عند الصوفية هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل إن الزهد ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة، وقيل أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك، ومنه جاء مصطلح الزاهد أى المعرض عن متاع الدنيا ولذاتها.
وهناك من فرق بين الصوفى والزاهد والعابد، فيذكر ابن سينا أن المُعْرِض عن متاع الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يسمى العابد، والمنصرف بفكره إلى الله مستديما لشروق نور الحق فى سره يخص باسم العارف.
والعارف عنده هو الصوفى. ومن هنا فقد فرق بين الزاهد والصوفى.
الزاهد من يزهد فى الدنيا، والصوفى يزهد فى كل ما يبعده عن الله، الزاهد يحرم نفسه من متاع الدنيا، والصوفى لا يحرم نفسه من متاع الدنيا إلا إذا حجبته عن الله، الزاهد غايته دخول الجنة، والصوفى غايته معرفة الله، الزاهد لابد أن يملك حتى يزهد فيه، والصوفى لا يشترط أن يملك شيئا حتى يزهد فيه، وعلى ذلك فإن الزهد بالمفهوم الصوفى أن تكون الدنيا فى يده لا فى قلبه. ومن ذلك نرى أن كل صوفى زاهد، وليس كل زاهد صوفيا.
والتصوف أعلى منزلة من الزهد، وقد ظهر الزهد عند المسلمين عندما اتسعت فتوحاتهم وكثرت غنائمهم، وأقبل كثيرون منهم على الدنيا وجنحوا إليها، وشجعهم على ذلك الثراء المفاجىء الذى أصابوه. وكان نتيجة ذلك أن قامت فى نفوس أتقيائهم ثورة داخلية، هى نزاع بين نفس لا تزال على إيمان قوى ودنيا مقبلة عليهم بشهواتها ومباهجها، وكان الطريق الوحيد للتخلص من هذا، هو الفرار من لذات الحياة، وكانت دعوة أبى ذر الغفارى صدى لهذه الثورة.
وكلمة الزهد لم ترد فى القرآن إلا مرة واحدة فى قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين﴾ (يوسف ٢٠). إلا أن ثمة آيات كثيرة يفهم منها الحث على الزهد كقوله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾ (الحديد ٢٣).
وقد أفردت المؤلفات الأدبية فصولا فى شعر الزهد وأحوال الزهاد، وما قيل عنه من حكم ومواعظ وأمثال للتحبيب فيه، مثل كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ و"عيون الأخبار" لابن قتيبة، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، وغيرها من المؤلفات.
ويرتبط الفقر بالزهد، فالزهد هو كمال الأبرار، وكراهة الدنيا والشغل عنها بالآخرة، فهو نقص فى الدنيا وغنى فى الآخرة، أما الراغب فيها فهو مشغول بالدنيا وبينه وبين الله حجاب لأنه يحجب نفسه بالدنيا ومشغول عن الله تعالى، والزهد مرتبط بالفقر حيث إن الزاهد محتاج إلى الله، وهو كالفقير فى شدة الاحتياج.
والوصول إلى الزهد لا يتأتى بيسر، بل لابد أن يمر الراغب فيه بمراحل، فصورته فى البداية ترك الشواغل وقطع العلاقات ورفع العوائق، وإسقاط الرغبة عن الشىء بالكلية، ودرجته فى المعاملات: الزهد فى الفضول والاختصار على الحقوق ليتفرغ الزاهد إلى عمارة وقته بالعبادة.
وأن تتصف أخلاق الزاهد بالتجرد عن الميل إلى كل ما هو فان، والتعود على ارتقاء الروح وتغذيتها، وفى الأصول تنحية ما دون الحق عن طريق القصد، ولزوم الفقر لغنى القلب بالحق.
ويشرح "المقدسى" تدرج مقام الزهد بأنه يبدأ بقصر الأمل، وهو المقام الأول للزهد، إذ هو بداية ورع دينى واستعداد للموقف فى قصر الأمل، ويستشهد بقول للإمام علىّ- كرم الله وجهه: إنما أخاف عليكم خصلتين: طول الآمال، واتباع الهوى فيضل عن الحق؛ الثانى الجهاد والعبادة وأن يخرجوا مما يحبون ويتصدقوا بالإنفاق، وإيثارهم الفقر على الغنى.
واختلف العلماء فى تفسير المزهود فيه من الدنيا، فقيل: الدينار والدرهم، وقيل: الطعام والشراب والملبس والمسكن، وقيل: الحياة، وقيل: إن الزهد قسمان زهد مقدور: وهو ترك طلب ما ليس عنده، وإزالة ما عنده من الأشياء، وترك الطلب فى الباطن، وزهد غير مقدور: وهو أن يبرد قلبه من الدنيا بالكلية، فلا يحبها أصلا، وإذا حصل للعبد القسم الأول يحصل الثانى أيضا بفضله تعالى وكرمه.
والزهد عند الصوفية ثلاثة أنواع: الأول: أن يكون تاركا للظاهر ميالا للباطن، ويسمى المتزهد، ومثل هذا الشخص ممقوت من البارى تعالى، والثانى: أن يكون تاركا للظاهر والباطن ولكن عنده شعور بالترك ويعلم أنه تارك، ويسمى ناقصا، والنوع الثالث: ألا يكون عنده قدر ولا قيمة حتى يعلم الشىء الذى تركه ويسمى الكامل فى ترك الدنيا، وهذه الأنواع الثلاثة تقع فى المرتبة الأولى للزهد.
أما المرتبة الثانية، فهى لمن يكون تاركا للدنيا والآخرة ولكنه ما زال لم يترك نفسه وهو يريد المولى نفسه، هذه مرتبة كاملة، والمرتبة الثالثة مرتبة تارك الدنيا والآخرة ونفسه وأن يكون غافلا عن نفسه وغير نفسه، ويهب نفسه كلية للمولى ولا يطلب نفسه إلا من أجل مولاه، وهذا الشخص فى الكمال الأكمل.
وهذه المراتب الثلاث تتمثل فى ترك:
١ - الحرام وهو خاص بالعوام من الناس.
٢ - ترك فضول من الحلال وهو زهد الخواص.
٣ - ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى وهو زهد العارفين.
أ. د/ منى أبو زيد
стр. 339
١٠ - الزَّوَاج
النكاح لغة: الضم والجمع، أو عبارة عن الوطء والعقد جميعا (١).
والزواج شرعا (٢): عقد يتضمن إباحة الاستمتاع بالمرأة بالوطء والمباشرة والتقبيل والضم وغير ذلك، إذا كانت المرأة غير محرمة بنسب أو رضاع أو صهر، أو هو عقد وضعه الشارع ليفيد ملك استمتاع الرجل بالمرأة، وحل استمتاع المرأة بالرجل، فأثر هذا العقد بالنسبة للرجل يفيد الملك الخاص به فلا يحل لأحد غيره، وأما أثره بالنسبة للمرأة فهو حل الاستمتاع لا الملك الخاص بها.
والزواج مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (النساء ٣).
وأما السنة: فقول النبى ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " (٣)، والباءة مؤن الزواج وواجباته.
وأجمع المسلمون على أن الزواج مشروع.
وحكمة مشروعيته: إعفاف المرء نفسه وزوجه عن الوقوع فى الحرام، وحفظ النوع الإنسانى من الزوال والانقراض، بالإنجاب والتوالد، وبقاء النسل وحفظ النسب، وإقامة الأسرة التى ينتظم بها المجتمع، وإيجاد التعاون بين أفرادها، فالزواج تعاون بين الزوجين لتحمل أعباء الحياة وعقد مودة وتعاضد بين الجماعات، وتقوية روابط الأسر، وبه يتم الاستعانة على المصالح.
وأما صفة الزواج شرعا: بحسب طلب الشارع فعله أو تركه فيعرف عند الفقهاء بحسب أحوال الناس (٤).
١ - الفرضية: يكون الزواج عند عامة الفقهاء فرضا، إذا تيقن الإنسان الوقوع فى الزنا لو لم يتزوج، وكان قادرا على نفقات الزواج من مهر ونفقة الزوجة وحقوق الزواج الشرعية، لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وطريقه الزواج، ولا فرق بين الفرضية والوجوب عند الجمهور.
ورأى الحنفية: أن الزواج واجب إذا خاف المرء الوقوع فى الفاحشة بعدم الزواج خوفا دون اليقين، وكان قادرا على مؤن الزواج من مهر ونفقة ولا يخاف ظلم المرأة ولا التقصير فى حقها.
٢ - التحريم: يحرم الزواج إذا تيقن الشخص ظلم المرأة والإضرار بها إذا تزوج بأن كان عاجزا عن تكاليف الزواج، أو لا يعدل إن تزوج بأخرى لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
٣ - الكراهة: يكره الزواج إذا خاف الشخص الوقوع فى الجور والضرر خوفا لا يصل إلى مرتبة اليقين إن تزوج لعجزه عن الإنفاق، أو إساءة العشرة، أو فتور الرغبة فى النساء.
٤ - الاستحباب أو الندب فى حالة الاعتدال: يستحب عند الجمهور غير الشافعى الزواج إذا كان الشخص معتدل المزاج، بحيث لا يخشى الوقوع فى الزنا إن لم يتزوج، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوج، ودليل كون الزواج سنة الحديث السابق " يا معشر الشباب " وتزوج الرسول ﷺ وأصحابه، وداوموا عليه، فالمداومة والمتابعة دليل السنة، وهذا الرأى هو الراجح.
وقال الشافعى: إن الزواج فى هذه الحالة مباح يجوز فعله وتركه، والتفرغ للعبادة والعلم أفضل.
أ. د/ فرج السيد عنبر
стр. 340
١١ - الزيدية
هى إحدى فرق الشيعة الثلاث الكبرى الموجودة فى العالم الإسلامى حتى اليوم، وهم أتباع زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب- رضى الله عنهم- الذى خرج على هشام بن عبد الملك، وقتل سنة ١٢١هـ (١).
ويبنى جمهور الزيدية مذهبهم على الإمامة على الأسس التالية:
١ - أن النبى ﷺ نص على إمامة علىّ ﵁ بالوصف لا بالاسم.
٢ - ينبغى أن يكون الإمام فاطميا عالما زاهدا شجاعا سخيا خرج بالإمامة يجب له الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين- رضى الله عنهما.
٣ - جواز خروج إمامين فى قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.
٤ - جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، فقال: كان على بن أبى طالب ﵁ أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين نار الفتنة وتطييب قلوب العامة.
٥ - إثبات إمامة أبى بكر وعمر- رضى الله عنهما.
٦ - جواز إمامة المفضول، والأفضل قائم، فيرجع إليه فى الأحكام، ويحكم بحكمه فى القضايا.
وقد تتلمذ زيد بين علىّ على يد واصل بن عطاء رأس المعتزلة مع اعتقاد واصل أن جده على بن أبى طالب ﵁ فى حروبه التى جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه، فاقتبس منه الاعتزال وصار أصحابه كلهم معتزلة.
وقد جرت مناظرات بين زيد بن على وبين أخيه الباقر محمد بن على فى أمور عدَّة منها:
(أ) أنه كان يتتلمذ على يد واصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن يجوِّز الخطأ على جده فى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
(ب) أن زيداً كان يتكلم فى القدر بغير مذهب أهل البيت.
(ج) اشتراط زيد الخروج فى صحة الإمامة، حتى قال له الباقر يوما: " على مقتضى مذهبك والدك ليس بإمام، فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج ".
ولما قتل زيد بن علىّ بكناسة الكوفة قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان، وقد اجتمعت عليه جماعة كثيرة وبايعوه، ووعدوه بالقيام معه ومقاتلة أعدائه، وبذلوا له الطاعة، فبلغ ذلك جعفر بن محمد الصادق؛ فكتب إليه ينهاه عن ذلك، وعرّفه أنه مقتول كما قتل أبوه. وكان كما أخبر الصادق؛ فإن أمير خراسان قتله.
وقد فوض يحيى بن زيد الأمر بعده إلى محمد وإبراهيم الإمامين، وخرجا بالمدينة. ومضى إبراهيم إلى البصرة واجتمع الناس عليهما وقتلا أيضا. ولم ينتظر أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان "ناصر الأطروشى" فطلب مكانه ليقتل. فاختفى وصار الى بلاد الديلم والجبل، وكانوا لم يدخلوا دين الإسلام، فدعاهم إلى الإسلام على مذهب زيد بن علىّ فدانوا بذلك ونشأوا عليه وبقيت الزيدية فى تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلى أمرهم.
ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت فى الصحابة طعن الإمامية.
وتنقسم الزيدية إلى فرق كثيرة أشهرها-
(أ) الجارودية: وهم أصحاب أبى جارود زياد بن أبى زياد، وقد زعموا أن النبى ﷺ نصّ علىّ بن أبى طالب ﵁ بالوصف دون التسمى وهو الإمام بعده. والناس قصروا حيث لم يتعرافو الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك. وقد خالف أبو الجارود بذلك إمامه زيد بن علىَّ حيث لم يعتقد ذلك الاعتقاد.
(ب) السليمانية: وهم أصحاب سليمان بن جرير، وكان يقول: إن الإمامة شورى فيما بين الخلق ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وإنها تصح فى المفضول مع وجود الأفضل، وأثبت إمامه أبى بكر وعمر باختيار الآمة. غير أنه طعن فى عثمان ﵁ للأحداث التى أحدثها، وكفره بذلك، وطعن فى الرافضة.
(ج) الصالحية والبترية، والصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حىّ، والبترية أصحاب كثير الأبتر، وهما متفقان فى المذهب. وقولهم فى الإمامة كقول السليمانية، إلا أنهم توقفوا فى أمر عثمان، أهو مؤمن أم كافر؟ وقالوا: "إذا سمعنا الأخبار الواردة فى حقه، وكونه من العشرة المبشرين بالجنة؟ قلنا: يجب أن نحكم بصحة إسلامه وإيمانه، وكونه من أهل الجنة. وإذا رأينا الأحداث التى أحدثها من استهتاره بتربية بنى أمية وبنى مروان واستبداده بأمور لهم توافق سيرة الصحابة: قلنا، يجب أن نحكم بكفره. فتحيرنا فى أمره وتوقفنا فى حاله، ووكلناه إلى أحكم الحاكمين "-
أما عن الآراء الكلامية للزيدية فيمكننا أن نحكم عليهم بأنهم معتدلون فى آرائهم، لأن آراءهم مرددة بين رأى المعتزلة والأشاعرة، وليس المراد من هذا أنهم كانوا أشاعرة، ولكن آراءهم تشبه آراء الأشاعرة فقط، ولأن تاريخهم فى الوجود متقدم على وجود الأشاعرة، وأن ميلهم إلى آراء المعتزلة أكثر من غيرهم، ويظهر أن سبب ذلك أنهم تتلمذوا على يد المعتزلة.
ويلاحظ أن الزيدية قد امتازت آراؤهم بالدقة أكثر من آراء الخوارج لأنهم لم يكونوا مشغولين مثلهم فى الحروب، ولم يكونوا متطرفين تطرفهم فى الحكم على مخالفيهم، ولقد كان اعتدالهم فى آرائهم سببا فى بقاء مذهبهم، واعتناق بعض المسلمين لهم حتى عصرنا هذا، وأغلب ذلك فى بلاد اليمن، ولم يقف الزيدية فى التأليف على الآراء الكلامية، وإنما ألفوا فى الفقه، ولهم فقههم المعروف باسمهم الآن "فقه الزيدية".
بقى أن نقول إن الزيدية كانوا أقرب فرق الشيعة الى أهل السنة، بل إن هناك اتجاهامحافظا بينهم يتسم بطابع الولاء للأحاديث والأخبار فى صورة سلفية لا حشوية، وهذا الاتجاه المحافظ يوازن الاتجاه العقلى الاعتزالى عند القوم، مما يعطى للفكر الزيدى لونا خاصا واصالة مشهودة فى العقيدة وفى الفقه على السواء.
(هيئة التحرير)
стр. 341
١ - السبب
لغةً: ما يتوصل به إلى غيره كما فى اللسان (١).
واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته (٢)
وقيل: السبب وصف ظاهرمنضبط يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدم الحكم (٣).
من أمثلة السبب: السفر، فإنه سبب لجواز الفطر فى رمضان، والإسكار، فإنه سبب لتحريم الخمر، والقتل العمدة فإنه سبب لوجوب القصاص، ودلوك الشمس، فإنه سبب لوجوب صلاة الظهر، وشهر رمضان، فإنه سبب لوجوب الصوم.
والسبب ينقسم إلى ما يتكرر الحكم بتكرره كالدلوك للصلاة، ورؤية الهلال فى رمضان لوجوب الصوم، وكالنصاب للزكاة، والى ما لا يتكرر الحكم بتكرره كوجوب معرفة الله عند تكرر الأدلة الدالة على وجوده، ووجوب الحج عند تكرر الاستطاعة عند من يجعلها سببا.
ويقسم- أيضا- إلى وقتى كالزوال فإنه معرف لوقت الظهر، وإلى معنوى كالإسكار، فإنه معرف لتحريم الخمر، والملك، فإنه جُعل سببا لإباحة الانتفاع). (٤)
وقد جعل بعض الأصوليين السبب والعلة لفظيين مترادفين بمعنى واحد، من كل وصف ظاهرمنضبط دلَّ الدليل السمعى على كونه معرفا لحكم شرعى، والبعض الآخر على أنهما متغايران، فالعلة عبارة عن وصف ظاهر منضبط مقتض للحكم الطالب له، وإن تخلف الحكم عنها لمانع أو فقد شرط، وأما السبب فهو عبارة عما حصل الحكم عنده لا به. وذهب فريق ثالث الى أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، يجتمعان فى وجه وينفرد الأعم "والأعم هو السبب" فكل علة سبب وليس كل سبب علة (٥).
وعلى كل فقد يستعمل كل منهما فى معنى الآخر، فيذكر السبب ويراد به العلة، وتذكر العلة ويراد بها السبب.
ويطلق السبب فى عرف الفقهاء على أمور (٦):
أحدها: ما يقابل المباشرة، ومنه قول الفقهاء: إذا اجتمع السبب والمباشرة غُلبِّ المباشرة، مثل: حَفر البئر مع التردى، فإذا حفر إنسان بئرا وجاء آخر فدفع شخصا فيه فالأول وهو من حفر متسبب، والثانى وهو الدافع مباشر، وهنا أطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة.
ثانيها: علة العلة، فالرمى فى المثال السابق سبب للقتل، وعلة للإصابة التى هى علة لزهوق الروح الذى هو القتل، فالرمى هو علة القتل، وقد سموه سببا.
ثالثها: العلة بدون شرطها، مثل: ملك النصاب فى الزكاة مع عدم حولان الحول، فهو سبب "أى ملك النصاب " لوجوب الزكاة، وإن فقد شرطها وهو حولان الحول، وقد سموه سببا.
الرابع: العلة الشرعية، وهى المجموع المركب من المقتضى، والشرط، وانتفاء المانع، ووجود الأهل والمحل، وقد سمى ذلك سببا على جهة الاستعارة، لأن الحكم لم يتخلف عن ذلك فى حال من الأحوال، كالكسر للانكسار. والسبب، شرعى، وعقلى، وعادى، فالأول:
كالصيغة بالنسبة إلى العتق، ودخول الوقت بالنسبة إلى الصلاة، والثانى: كالنظر المحصل للعلم، والعادى: كحز الرقبة فى القتل (٧).
حكمه (٨): إذا وجد السبب، وتوافرت الشروط، وانتفت الموانع: ترتب عليه مسبّبه حتمًا لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعا سواء أقصد من باشر السبب ترتيب المسبب عليه أم لم يقصد، بل يترتب ولو قصد عدم ترتبه، فالسفر فى رمضان يبيح الفطر سواء أقصد المسافر إلى الإباحة أم لا، ومن طلق زوجته رجعيا ثبت له حق مراجعتها ولو قال: لا رجعة لي، ومن تزوج امرأة حل له الاستمتاع بها وإن لم يقصد هو ثبوت الحل. والله أعلم.
أ. د/ على جمعة محمد
١ - لسان العرب، لابن منظور ٣/ ١٩١٠م دار المعارف، والمصباح المنير للفيومى ١/ ٤٠٠المطبعة الأميرية الكبرى بمصر، الطبعة الثانية١٩٠٩ م، والمعجم الوسيط ١/ ٤١١ دار المعارف ١٩٧٢ م.
٢ - التمهيد فى تخريج الفروع على الأصول للإسنوى تحقيق د/ محمد حسين هيتو ص٥٣ مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٩٨١ م وتقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الغرناطى، تحقيق: محمد المختار الشنقيطى ص هـ ٢٤ مكتبة ابن تيمية، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.
٣ - شرح تنقيح الفصول للقرافى ص ٨١، طبعة الكليات الأزهرية، وتسهيل الوصول إلى علم الأصول للشيخ المحلاوى ص٢٥٥، مطبعة الحلبى بمصر ١٣٤١ هـ.
٤ - البحر المحيط للزركشى ١/ ٣٠٦ طبعة وزارة الأوقاف بالكويت ١٩٩٠ م-
٥ - القاموس القويم فى اصلاحات الأصوليين لدكتور: محمد حامد عثمان ص ٤ ٢١ وما بعدها، دار الحديث بالقاهرة. طبعة أولى ١٩٩٦م.
٦ - البحر المحيط ١/ ٣٠٧، وشرح الكوكب المنيرلابن النجار الحنبلي- تحقيق د/ نزيه حماد ودـ/ محمد الزحيلى ١/ ٤٤٨ طبعة السعودية الأولى،
٧ - التمهيد للأسنوى ص٨٣.
٨ - أصول الفقه الإسلامى للدكتور وهبة الزحيلى١/ ٩٨ دار الفكر، الطبعة الأولى ١٩٨٦م-
стр. 342
٢ - السَّجادة
لغةً: تعود الكلمة- فى أصلها اللغوى- إلى مادة: سجد. والسجود- فى اللغة- هو الخضوع والانحناء، والتطامن، مع خفض الرأس. وهو- فى الشرع-: وضع الجبهة على الأرض فى الصلاة، وليس هناك خضوع أكثرمنه. وهو لا يكون لغير الله تعالى. واسم الفاعل: ساجد، وجمعه: سُجَّد وسجود. وقد جات الصيغتان فى القرآن الكريم.
والسَّجَّاد- كشدَّاد-: الكثير السجود.
والسَّجَّادة، والمِسْجَدة (بكسر الميم): القطيفة المسجود عليها، والبساط الصغير يصلى عليه. وهى- كذلك- أثر السجود فى الوجه. أما والسجِّادة- بكسر السين- فهى: مكان الصلاة، وعلامة السجدة فى الجبهة.
وقد عُنى الصوفية- عند حديثهم عن آداب السلوك ومراسمه العملية- بالحديث عن الآداب المتعلقة بالسجادة. وكان مما ذكروه أنه يجوز التشبه بأهل الخير فى زيهم، لأن ذلك يُشْعربمحبتهم، والمرء مع من أحب. وهذا مشروط بأن يسلك سبيلهم، ولا يُمْنَع المريد السالك من ذلك، إلا إذا قصد التلبس والتغرير كلباس المرقعة وأخد المسبحة والعصا والسجادة" (قواعد التصوف لزروِّق ص ٨٨).
وكانت عناية الصوفية أشد بسجادة شيخ الطريقة. وكان واجباً على المريد عندهم- كما يقول الشيخ عبد القادر الجيلانى (٥٦١ هـ) "ألا يتكلم بين يدى شيخه، إلا فى حالة الضرورة… ولا ينبغى له أن يبسط سجادته بين يدى الشيخ إلا وقت أداء الصلاة- فإذا فرغ من صلاته طوى سجادته فى الحال… ويجتهد فى اجتناب بسط سجادته فوق سجادة من هو فوقه فى الرتبة، وإدناء سجادته من سجادته إلا بأمره، فإن ذلك عندهم من سوء الأدب" (الغنية ٢/ ١٦٧).
وإذا كان احترام الشيوخ واجبا، لأنهم الهداة الى الله تعالى، والإدلاِّء على طريقه فإن من احترامهم ألا يجلس على سجادتهم، وألا يطأها بقدميه. توقيرا لهم، حتى ولو لم يكن الشيوخ جالسين عليها.
وكان من آداب الصوفية- فيما بينهم- ألا يبخل الواحد منهم على أصحابه بما تحت يده كالثياب والسجاجيد وما يجرى مجراها "ولو وطئ أحد منهم سجادته بقدمه لايستوحش منه ولا يضع قدمه على سجادة غيره. ولا يبسط سجادته على سجادة من هو فوقه فى الرتبة" (الغنية ٢/ ١٧٦) وقد استعملت الكلمة- عند الصوفية- بمعنيين:
أولهما: أطلقه أهل السلوك على من يستقيم على الشريعة والطريقة والحقيقة. ومن لم يكن كذلك لا يُسَمَّى سجادة إلاَّ رَسْما ومجازا. والكلمة- بهذا المعنى- معرَّبة عن سجادة الفارسية ثانيهما: فقد ظهر فى التصوف المتأخر، عندما اُطلقت الكلمةُ ليراد بها الطريقة الصوفية- فإذا قالوا: شيخ السجادة فالمراد شيخ الطريقة، وإذا قالوا: شيخ السجادة الرفاعية أو الأحمدية أو البكرية فالمراد شيخ الطريقة الرفاعية والأحمدية والبكرية. وهكذا.
أ. د/ عبد الحميد مدكور
стр. 343
٣ - السَّجْع
اصطلاحًا: هو توافق الفِاصلتين- من النثر على حرف واحد.
والأصل فى السجع الاعتدال في- مقاطع الكلام، وينبغى أن تكون الألفاظ حلوة حادة، لا غثة ولا باردة.، فإذا صفى الكلام المسجوع من الغثاثة والبرودة، فإن ورإء ذلك مطلبا آخر، وهو أن يكون اللفظ تابعا للمعنى، فإذا توافرت هذه الأمور فإن وراءها مطلبا آخر، وهو أن تكون كل واحدة. من الفقرتين أو السجعتين المزدوجتين دالة على معنى غير المعنى" الذى اشتملت عليه الأخرى. يقول السكَّاكى: السجع فى النثر كالقافية فى الشعر.
ومن السجع الحَسَن المستوفى لهذه الشروط قول "ابن الأثير"، من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، قال:"الكريم من أوجب لسائله حقا، وجعل كواذب آماله صدفًا، وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم يربين ذممه ورحمه فرقا، وقد يأتى السجع فى الشعر، وذلك مثل
قول أبى تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم لله مرتغب فى الله مرتقب
أ. د / محمد سلام
стр. 344
٤ - السِّحْر
لغة: يقال: سحره: خدعه (أى عمل له السحر) أو استماله وفتنه وسلب لبه، وسحره عن كذا: صرفه وأبعده، وجمع السحر أسحار، وسحور، وصفة المذكر: ساحر والجمع سحرة وسحار، قال الأزهرى: وأصل السحر: صرف الشىء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما رأى الباطل فى صورة الحق، وخيل الشىء على غير حقيقته - قد سحر الشىء عن وجهه، أى صرفه (١).
واصطلاحا: عمل يتقرب فيه إلى الشيطان وبمعونة منه، وهو كل عمل لطف مأخذه ودق، وكل أمر يخفى سببه ويتخيل على نكير حقيقته ويجرى مجرى التمويه والخداع.
ولقد دأب الإنسان منذ فجر التاريخ على ممارسة السحر باعتباره وسيلة للسيطرة على الطبيعة، مثل: إسقاط الأمطار، أو حدوث التحاريق، أو إثارة الريح والزوابع، أو كسبب فى الأمراض والحوادث المميتة التى تصيب الإنسان والزرع والضرع، ولذا قد شاع بين المجتمعات الوثنية، كما انتشر فى المجتمعات التى تدين بالأديان السماوية.
وكان موقف الكنيسة من السحرة متأرجحا، فقد تشددت فى محاربتهم فى بادىء الأمر، وعملت كل ما تستطيع لإبطال مفعول السحر السئ والشرير، إذ أصدرت فى أواخر القرن التاسع الميلادى قرارا بتوقيع الحرمان الكنسى على السحرة، إلا أنها كانت أقل تشددا فى الفترة بين (١٢٥٨ - ١٢٦٠م)
حيث نصح البابا "ألكسندر الرابع" بعض المحققين فى محاكم التفتيش أن يبذلوا قصارى جهدهم فى اكتشاف الهرطقة والضرب عليها من حديد، مع ضبط النفس فى حالة السحرة، ثم عادت الكنيسة إلى اتخاذ موقف من السحرة أكثر تشددا فى عام ١٩٤٨م عندما أدخل البابا "أنسونت الثامن" تعديلات على الموقف البابوى المتساهل تجاه السحرة، وأصدرت تعليمات مشددة إلى محاكم التفتيش بألا تأخذهم أدنى شفقة أو رحمة بهم.
ويعتبر السحر من الموبقات السبع التى حذر الرسول ﷺ المسلمين من الاقتراب منها، حيث أمر باجتنابها فى قوله ﷺ (اجتنبوا الموبقات السبع، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال (الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه مسلم (٢).
وقد جاء فى الروايات أن حده القتل، لقوله ﷺ (حد الساحر ضربة بالسيف) رواه الترمذى (٣)، ويرى الشافعى أن الساحر يقتل إذا كان يعمل فى سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملا دون الكفر فلا يقتل.
وليس السحر سوى محض تمويه، بدليل قوله تعالى ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس﴾ الأعراف:١١٦، إذ قال المفسرون لو كان السحر حقا، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم، فثبت أن المراد: أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع أن الأمر فى الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوا، ذلك أن السحرة أتوا بالحبال والعصى، ولطخوا تلك الحبال بالزئبق، وجعلوا الزئبق فى دواخل تلك العصى، فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوت بعضها على بعض -وكانت كثيرة جدا - تخيل الناس أنها تتحرك وتتلوى باختيارها وقدرتها.
أ. د/محمد شامة
стр. 345
٥ - السرايا
لغة: جمع سرية والسرية قطعة من الجيش ما بين خمسة أنفس إلى ثلاث مائة (١).
واصطلاحا: السرايا هى ما يعقد فيها اللواء لغير الرسول ﷺ ، ومهمتها استطلاعية أو حربية، وقد يطلق على بعض السرايا المهمة غزوة، مثل: غروة مؤتة، وغزوة ذات السلاسل وعدتها ٣٨ أولها سرية حمزة بن عبد المطلب إلى قريش، وآخرها سرية أسامة بن زيد إلى بنى مذجح باليمن (٢). وقيل: إن عددها ٤٧ سرية (٣).
ومن هذه السرايا:
١ - سرية عبيدة بن الحارث: وكانت مكونة من ستين راكبا من المهاجرين بقيادة عبيدة بن الحارث، وكان الهدف منها: تهديد تجارة قريش بين مكة والشام، وقد وصلت هذه السرية إلى وادى رابغ ورجع الفريقان دون قتال.
٢ - سرية عبد الله بن جحش: إذ بعثه الرسول ﷺ ومعه ثمانية من المهاجرين، وكتب له كتابا أمره فيه ألا يفضه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه ويمضى لما أمره به، ولا يستكره أحدا من أصحابه ففعل، حتى إذا فتح الكتاب وجد فيه إذا نظرت فى كتابى هذا فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم.
٣ - سرية مؤتة: وكانت فى السنة الثانية للهجرة، وكان أعظم ما يلفت النظرفيها أنها موجهة إلى أمير بصرى وهى إمارة كانت تابعة لدولة الروم، وكان الغرض منها الانتقام للحارث بن عمير الأزدى وهو الرسول الذى كان يحمل كتاب النبى ﷺ إلى هذا الأمير، فأساء أنصاره إليه وقتلوه ظلما، وخالفوا بذلك أبسط القواعد المعروفة لدى جميع الأمم، وهى أن الرسل لا تقتل، وقد أمر الرسول ﷺ عليها زيد بن حارثة وقال لهم: إن أصيب فالأمير جعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة (٤).
وقد كانت هناك سرايا أطلق عليها سرايا تأديب الأعراب منها:
١ - سرية: عمربن الخطاب إلى تربة واد بقرب مكة سنة ٧هـ.
٢ - سرية: أبى بكر الصديق إلى بنى كلاب بنجد شعبان سنة ٧هـ.
٣ - سرية: بشير بن سعد الأنصارى إلى فدك شعبان سنة ٧هـ.
٤ - سرية: أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم سنة ٧هـ.
وهناك سرايا أطلق عليها سرايا الدعوة إلى التوحيد منها:
١ - سرية: خالد بن الوليد إلى جذيمة من كنانة فى شوال سنة ٨هـ.
٢ - سرية: عيينة بن حصن الفزارى إلى بنى تميم فى المحرم سنة ٩هـ.
٣ - سرية: على بن أبى طالب إلى اليمن فى رمضان سنة ١٠هـ (٥).
أ. د/عبد الله جمال الدين
стр. 346
٦ - السَّرْمَد
لغة: هو الدائم الذى لا ينقطع.
اصطلاحا: هو"ما لا أول له ولا آخر" (التعريفات للجرجانى)، أو هو الدائم والطويل من الليالى كما جاء فى معلقة طرفة ابن العبد:
لعمرك ما أمرى على بغمة * نهارى ولا ليلى على بسرمد.
وقد ورد هذا اللفظ مرتين في القرآن الكريم بذات المعنى في قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل الي سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل ما أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون﴾ القصص:٧١ - ٧٢ ٠
ويجتمع فى لفظ السرمد معنيان: الأزل والأبد. فالأول ما لا بداية له، أوكما يعرفه الي الفلاسفة "الوجود فى أزمنة مقدرة غير متناهية فى جانب الماضى". أما الأبد فهو: "الوجود فى أزمنة مقدرة غير متناهية فى جانب المستقبل" والشىء الذى يوصف باللانهائية فى المستقبل يسمى "السرمد". منسوبا إلى الأشياء مع مفهوم "السرمد" مع مفهوم "القدم" الذى لا ينسب إلا لله حسب مذهب المعتزلة، ونتج عن تماديهم ومبالغتهم فى هذا المذهب كثير من المشكلات الكلامية والفلسفية، ومنها مسألة خلق القرآن أو "كلام الله المخلوق" (انظر مادة الصفات).
أما المعنى الذى يفهم من تفسير الآيتين الكريمتين من سورة القصص (٧١ - ٧٢) فلا يتضمن معنى الأزلية أى اللابداية، بل أكثر ما يفهم منها هو معنى اللانهاية، لأنه لوكان المقصود أن يجعل الله الليل أو النهار أزليا أبديا لما عرف الناس غير الليل أو النهار، ولما عرفوا الفرق بينهما ولا الحكمه من اختلافهما، بل لأصبحوا يخافون اختلاف الليل والنهار الذى جعله الله آية من آياته الكبرى. كما جاء فى قوله تعالى ﴿إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس. لآيات لقوم يعقلون﴾ البقرة:١٦٤، فلا يتم المعنى المقصود فى آيتى سورة القصص إلا إذا كان الإنسان يعرف فوائد الليل وفوائد النهار فيكون فى انعدامها ضياع لهذه الفوائد. بهذا المفهوم يقترب معنى "السرمد" من معنى كل من "الأبد" والخلود (انظر هاتين المادتين) اللذين يتضمنان معنى بداية الأمر- لا ينتهى فى الزمان.
أ. د/السيد محمد الشاهد
стр. 347
٧ - السَّعادة
اصطلاحا: هو مصطلح خاض فيه علماء الكلام والفلاسفة المتصوفة، ولكل وجهة، لكن الشيء الذى هو محل إجماع المسلمين هو أن السعادة ترتبط بما يميز الإنسان عن سائر الكائنات، وهو العقل السوى، والفطرة النقية.
وتتحقق السعادة فى الدنيا بانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وفى الآخرة بالفوز بالجنة، والخلود فى الفردوس.
وهذه السعادة بشقيها الدنيوى والأخروى هى ثمرة الإيمان الصحيح، والتسليم المطلق لحكم الله تعالى، والرضا الكامل بحكمة الله عزوجل. قال الله تعالى ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتَّبَعَ هداى فلا يضل ولا يشقى﴾ (طه/ ١٢٣). وقال جل شأنه: ﴿يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد. فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفيروشهيق. خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ماشاء ربك إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ما شاء ربك عطاء غيرمجذوذ﴾ (هود ١٠٥ - ١٠٨)
ويرى الأشاعرة من علماء الكلام أن السعادة هى الموت على الإيمان، وضدها الشقاوة وهى الموت على الكفر، فالعبرة بالخوا تيم.
ويرى الماتريدية- من علماء الكلام- أن السعادة هى الإيمان فى الحال، وأن الشقاوة هى الكفر فى الحال، فلحظة الإيمان هى السعادة ولحظة الكفر هى الشقاوة وقد تتبدل اللحظات فينقلب المؤمن السعيد كافرًا شقيا، وينقلب الكافر الشقى مؤمنًا سعيدا .. ويذهب فلاسفة المسلمين والمتصوفة إلى أن السعادة هى المعرفة وزوال الحجب بين العبد وربه، بحيث تنعكس العلوم الإلهية من اللوح المحفوظ إلى مرآة القلب الإنسانى، فيصل المرء إلى معرفة مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والطريق إلى ذلك عند الفلاسفة: هو التأمل العقلى، والنظر الفلسفى، فيما وراء الطبيعة.
والطريق إلى ذلك عند المتصوفة: هو قطع الهمة عن الأهل والمال والولد، ثم الخلوة والذكر، ثم الانتظار والكشف.
ويطلق الفلاسفة والمتصوفة على من وصل إلى تلك الحال اسم العارف بالله تعالى. وهذا العارف يعبد الله لأن الله تعالى أهل للعبادة، ويزهد فى الدنيا سُمُوَّا عليها واحتقارا للذَّاتها.
وتسمى تلك الحال بالفناء عن النفس والكون والكائنات، فيرى العارف الملأ الأعلى، وينكشف له عالم الملكوت، وهذا الانكشاف قد يطول وقته، وقد يقصرمنه على قدر استعداد العارف.
ا. د/ محمد سيد أحمد المسير
стр. 348
٨ - السفسطة
السفسطة اتجاه فكرى نشأ فى بلاد اليونان، قبل الميلاد بخمسة قرون نتيجة العجز الذى أصاب الفلسفة والدين والسياسة يومئذ ..
لقد عجزت الفلسفة عن تفسير الكون، وتعددت الآراء فى النشأة الأولى هل هى من ماء أو تراب، أو هواء أو نار .. إلخ.
وعجز الدين الوثنى السائد فى بلاد اليونان عن تلبية الفطرة الإنسانية، وكان لكل ظاهرة كونية أو إنسانية إله يعبد ويقدس من دون الله تعالى.
وعجزت السياسة، فنشأت الحروب والمنازعات بين بلاد اليونان.
والسفسطة كانت تعنى- فى ابتداء الأمر- تعلم قواعد البلاغة ودراسة التاريخ وفنون الطبيعة ومعرفة الحقوق والواجبات، ثم اقتصرت على فن الجدل والحرص على الغلبة دون التزام بالحق والفضيلة، وأصبحت مرادفة لكلمتى التضليل والخداع.
ومن أشهر زعمائهم فى العصر اليونانى القديم- بروتاجوراس (٤٨٠ ق م- ٤١٠ ق م)، ومحور فلسفته أن الإنسان مقياس كل شيء، وهو الذى يقرر وجود الأشياء أو عدم وجودها.
وجاء بعده "جورجياس " وحاول أن يثبت ثلاث قضايا خطيرة، هى:
١ - لاشيء موجود لأنه متغير.
٢ - وإن وجد شيء لا يمكن أن يعلم لأن الحواس مختلفة.
٣ - وإذا أمكن أن يعرف فلا يمكن إيصاله للغير لأن طريق الحواس ذاتى.
وقد ناقش سقراط (ت ٣٩٩ ق م) السوفسطائيين بمنهجه فى التهكم والتوليد الذى أراد به الوصول إلى حقائق الأشياء. وتابع الخطو أفلاطون (ت ٣٤٧ ق م) وقاد حملة واسعة على الفكر السوفسطائى، وألف مجموعة محاورات مثل: محاورة بروتاجوراس، ومحاورة جورجياس، ومحاورة هيبياس، ومحاورة السوفسطائى ..
وظهرت السفسطة فى عصور تالية، وعرفت باسم حركة الشكاك، ووقف الفيلسوف الفرنسى مونتانى (١٥٣٢ - ١٥٩٢م) على أعتاب الفلسفة الأوروبية الحديثة ليعلن أن العلم القديم قد سقط، فلِمَ لا يسقط العلم الجديد كذلك وإذا كان الجهل المطبق بداية العلم فإن جهل العالم هو النهاية، وآن آلات العلم عاجزة عن توفير اليقين، وستظل كذلك وقد جعل الإمام ابن حزم الأندلسى (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ) السوفسطائيين ثلاثة أصناف:
١ - صنف نفى الحقائق جملة.
٢ - صنف شكُّوا فيها.
٣ - صنف قالوا هى حق عند مَنْ عنده حق، وهى باطل عند مَنْ هى عنده باطل .. ورد عليهم ابن حزم بأن حس العقل شاهد بالفرق بين ما يخيل إلى النائم وبين ما يدركه المستيقظ، وخاطبهم قائلا: قولكم أنه لا حقيقة للأشياء أحق هو أم باطل؟! فإن قالوا هو حق أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا ليس هو حقا أقروا ببطلان قولهم، وكفّوا خصومهم أمرهم. ونحن نؤكد أن الحياة قائمة على حقائق الأشياء المعلومة بيقين، وأن العقل الإذسانى فى كفالة الشرع الصحيح جدير بكشف النواميس وممارسة التجربة واستنتاج الحقائق عمارة للكون وتواصلا للحضارات.
أ. د/ محمد سيد أحمد المسير
стр. 349
٩ - السَّكينة
لغةً: فعيلة من السكون. ومن معانيها. الطمأنينة والاستقرار، والهدوء والوداعة والأمن، والرزانة والوقار.
واصطلاحاً: فقد أخبر الله- فى القرآن الكريم عن إنزالها على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين فى مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة، إذ هو وصاحبه فى الغار، والعدوُّ فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين، حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار … وكيوم الحديبية، حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التى لا تحتملها النفوس … ".
ومن مواريث هذه السَّكينة أنها إذا نزلت على القلب أو نزلت فيه فإنه يطمئن بها، ويزول عنه ما يجده من الهِّم والحزن، أو ما يشعر به من الاضطراب والخوف والفزع. وفى ذلك يقول الله تعالى: ﴿لقد رضى الله عن المؤمنين، إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم مافى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريبا﴾ (الفتح ١٨).
وبهذه السكينة التى تتنزل على القلب يزداد إيمانا وثقة ويقينا. وفى هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿هو الذى أتزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما﴾ (الفتح٤) ويؤدى ذلك كله إلى انشراح القلب وانفساحه، ويصبح مُهَيَّأ لنزول الإلهامات الإلهية عليه، فيلهمه الله الحق والفرقان، ويمتلئ القلب حكمة ونورا، وينطق لسانه بالخير والصواب وقد وصف بمثل ذلك عمر
ابن الخطاب ﵁ الذى قال عنه على بن أبى طالب ﵁ " … وما نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر … " (مسند أحمد١/ ١٠٦).
وعُمَر هو الذى قال رسول الله ﷺ عنه " لقد كان فيمن قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإن يكن فى أمتى أحد فإنه عمر" (رواه البخارى٤/ ٢٠٠) وكذلك قال عنه ﷺ " إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمروقلبه" (مسند أحمد ٢/ ٥٣).
وقد كان رسول الله ﷺ يوصى بالسكينة، وخاصة فى المواطن التى تتطلب حضور القلب وخشوعه، وجمع الخواطر والهمة. كالذهاب إلى الصلاة، وعند أداء مناسك الحج، والقيام بأعباء الجهاد، ونحو ذلك من العبادات، وكان الحادى ينشد بين يديه، فى منصرفه من خيبر:
والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبَّت الأقدام إن لاقينا
وبيّن رسول الله ﷺ أن السكينة تتنزل عند قراءة القرآن والاجتماع على مدارسته، كما ذكر أنها من أعظم هدايا الله تعالى إلى عبده المؤمن. ومما جاء فى ذلك قوله "ما ازداد عبد علما إلا ازداد قصدا، ولا قلد الله عبدا قلادة خيرا من سكينة، (سنن الدرامى: ١/ ١٠٧).
وقد عنى الصوفية بالحديث عن السكينة، وجعلوها منزلا من منازل السلوك إلى الله تعالى. وهى- عندهم- من منازل المواهب لا من منازل المكاسب وعرِّفها الحكيم الترمذى بأنها: سكون القلب وطمأنينته إلى الواردات التى من الله لأوليائه، وهى دليل الولاية، كما أن المعجزات دليل النبوة وعرفها القاشانى بأنها: عبارة عما تجده. النفس من الطمأنينة عند نزول الغيب. وأضاف الجرجاني إلى ذلك أنها نور فى القلب يسكن. إلى شاهده، أنها من مبادئ عين اليقين.
وكان الهروى الأنصارى من أكثرهم حديثا عنها، وبيانا لأقسامها ومراتبها فى كتابه
"منازل السائرين ".
أ. د/ عبد الحميد مدكور
стр. 350
١٠ - السلاجقة
يطلق مصطلح السلاجقة على مؤسسى الدولة السلجوقية وهى من أهم الدول الإسلامية التي ظهرت على مسرح التاريخ لأنها وجهت سير الأحداث فى المنطقة المعروفة الآن بالشرق الأوسط واشتبكت فى قتال مع الغرب النصرانى ممثلا فى الدولة الرومانية الأمر الذي أدى إلى قيام الحروب الصليبية مما كان له أثره فى تاريخ الشرق والغرب على السواء، وهم مجموعة من القبائل التركية تنتمى فى الأصل إلى طائفة (الأوغوز) استقرت فى إقليم ما وراء النهر في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجريين بعد أن أسلمت وحسن إسلامها، ثم انتقلت بعد سنوات قليلة إلى خراسان وكونت جيشا قويا تمكنت به من دخول مدينة نيسابور فى عام (٤٢٩ هـ ١٠٢٧م) فأعلن زعيمها طغرل بك قيام دولة السلاجقة ونادى بنفسه سلطانا على هذه الدولة، ولقد نقل العرب المسلمون إلى أهل تلك البلاد نعمة الإسلام مما ساعد على انتشار الإسلام فى تلك البلاد. وأدى إلى امتزاج الدماء وإلى انتشار اللغة العريية- لغة الدين الحنيف- التى نزل بها القرآن الكريم وقيلت بها الأحاديث النبوية الشريفة، وصار تعلمها لازما لكل مسلم غيرعربى حتى يستطيع تعلم أصول دينه. وكان إسلام الترك نقطة تحول فى تاريخهم فقد أزال الحاجز بينهم وبين المسلمين، كما أزال الحاجز بينهم وبين التاريخ العالمى، فيّسر لهم العيش فى حياة المسلمين والدخول فى خدمة خلفاء المسلمين وسلاطينهم وأمرائهم وقوادهم، ثم واتتهم الفرصة لإقامة دولة تركية مسلمة مجاهدة. وكان قيام دولة السلاجقة حدثا بارزا فى تاريخ إيران والعراق بخاصة، وفى تاريخ العالم الإسلامى بعامة، وكانت موقعة (داندا نقان) (٤٣١ هـ ١٠٢٩م) من المواقع الحاسمة الفاصلة فى تاريخ كل من الغزنويين والسلاجقة لأنها كانت موجهة لتاريخ كل من الدولتين، ولقد أدى انتصار السلاجقة إلى ظفرهم بمغانم كثيرة مادية ومعنوية، فأحكموا بعدها سيطرتهم على خراسان وما وراء النهر، وظفروا باعتراف الخليفة العباسى وقيام دولتهم وأخذوا يستعدون لبسط سلطانهم على إيران والعراق (آسيا الصغرى والشام).
وكانت دولة السلاجقة عند وفاة طغرل بك (٤٥٥ هـ- ١٠٦٣م) دولة قوية راسخة الأركان وكان التنازع على العرش بين أفراد البيت السلجوقى والتنازع على الوزارة بين كبار رجال الدولة مشكلتين تظهران عقب وفاة كل سلطان تقريبا. ثم أخذت الأوضاع تستقر فى الدولة السلجوقية فى أوائل عام (٤٥٧ هـ ١٠٦٤م) وأخذ السلطان آلب أرسلان بمعاونة وزيره (نظام الملك) يرتفع ببناء الدولة وحدد أهداف السلاجقة القريبة والبعيدة وإتفقا على أن تكون أهدافهم القريبة هي تثبيت سلطانهم فى إيران والعراق وأن تكون أهدافهم البعيدة هى بسط نفوذهم على مناطق جديدة حتى. تتسع رقعة دولتهم ورجح السلطان والوزير أن تكون المناطق النصرانية المجاورة لإيران كبلاد الروم بهدف نشر الإسلام فيها، مما رفع من قدر السلاجقة وأكسبهم حب المسلمين جميعا وكانت موقعة (ملاذكرد) فى (٤٦٥ هـ ١٠٧٠ م)، نقطة تحول فى تاريخ غرب آسيا بخاصة، وفى التاريخ الإسلامى عامة لأنها يسرت القضاء على دولة الروم وعلى أكثر أجزاء منطقة آسيا الصغرى، مما ساعد على القضاء على دولة الروم نفسها بعد ذلك على أيدى العثمانيين والتطلع لفتح مصر وإسقاط الخلافة الشيعية. وقد جدد مصرع أآلب أرسلان) (٤٦٥ هـ ١٠٧٢م) النزاع على عرش السلاجقة بين أفراد البيت السلجوقي، غير أن (ملكشاه ابن آلب أرسلان عمل على توسع رقعة الدولة، وتنبيت أقدامها حتى شمل سلطانها بلاد الشام وجزءاَ كبيراً من بلاد الروم وصار لها فروع حتى كرمان والشام ومنطقة آسيا الصغرى، ولقد عين أحد أفراد البيت السلجوقى الأقوياء وهو (سليمان بن قتلمش بن إسرائيل) واليا على بلاد الروم ومؤسسا لفرع جديد من فروع الدولة عرف فى التاريخ باسم سلاجقة الروم، غير أن الدولة السلجوقية برغم بلوغها أوج قوتها لم تسلم ان مواجهة مشاكل مختلفة كان لها أكبر الأثر فى مستقبل هذه الدولة ومن بين هذه المشاكل ظهور الإسماعيلية فى إيران ومصرع الوزير نظام الملك، وموت السلطان ملكشاه.
أ. د/ عزة الصاوى
стр. 351
١١ - السَّلف
لغة: السلف هو الماضى، وهو كل من تقدم.
اصطلاحا: هو العصر الذهبى الذى يمثل نقاء الفهم والتطبيق للمرجعية الفكرية والدينية، قبل ظهور المذاهب التى وفدت بعد الفتوحات وأدخلت الفلسفات غير الإسلامية على فهم السلف الصالح للإسلام، والسلف أيضا هو كل عمل صالح قدمه الإنسان.
وفى القرآن الكريم يرد مصطلح السلف بمعنى: الماضى، ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ البقرة:٢٧٥.
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ النساء:٢٢.
هذا المعنى نجده فى الحديث النبوى الشريف، ففى مسند الإمام أحمد، عن فاطمة الزهراء، رضى الله عنها، أن رسول الله ﷺ ، قال لها فى مرض موته: ( … ولا أراه إلا قد حضر أجلى … إنك أول أهل بيتى لحوقا بى، ونعم السلف أنا لك) وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما ماتت زينب، ابنة رسول الله ﷺ ، قال رسول الله: (الحقى بسلفنا الصالح الخير عثمان بن مظعون).
والسلف فى اصطلاح المال والتجارة، هو: إقراض الأموال قرضا حسنا، أى لا منفعة فيه للمقرض بالدنيا … وبهذا المعنى ورد فى الحديث النبوى، فعن السائب بن أبى السائبه انه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإسلام، فى التجارة فلما كان يوم الفتح جاء فقال النبى ﷺ : (مرحبا بأخى وشريكى -كان لا يدارى ولا يمارى- يا سائب قد كنت تعمل أعمالا فى الجاهلية لا تقبل منك، وهى اليوم تقبل منك كان ذا سلفا وصلة﴾ (رواه الإمام أحمد).
ولما كان كل ماض هو سلف، فلقد شاع إطلاقا هذا المصطلح معرفا -السلف- على الجيل المؤسس الذى أقام الدين وطبق منهاج الإسلام جيل الصحابة الذين عاشوا بمصر فقد تنزل الوحى فيهم، وتلقوا عن المعصوم ﷺ البيان النبوى للبلاغ القرآنى، وحولوا جميع ذلك إلى واقع حياتى معين فعدوا لذلك السلف الصالح، بتعميم وإطلاق … ثم انضم إليهم فى زمرة السلف من اهتدى بهديهم وعمل بسنتهم من التابعين وتابع التابعين، فالسلف: هو كل من يقلد ويقتدى أثره فى الدين.
وبعد السلف والتابعين والأئمة العظام للمذاهب الكبرى من تابعى التابعين، يأتى الخلف الذين يلونهم فى التسلسل الزمنى … وبعد الخلف تأتى أجيال المتأخرين.
أ. د/محمد عمارة
стр. 352
١٢ - السلفية
لغة: نسبة إلى السلف، والسلف هو الماضى، والسالف: المتقدم (لسان العرب).
وفى القرآن الكريم: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ البقرة:٢٧٥.
واصطلاحا: هى الرجوع فى الأحكام الشرعية إلى منابع الاسلام الأولى، أى الكتاب والسنة، مع إهدار ما سواهما.
ومع وضوح هذا التعريف للسلفية، تعددت فصائل تيارها فى تراثنا وفكرنا الإسلامى، فكل السلفيين يعودون فى فهم الدين إلى الكتاب والسنة، لكن منهم فصيلا يقف فى الفهم عند ظواهرالنصوص، ومنهم من يعمل العقل فى الفهم، ومن الذين يعملون العقل: مسرف فى التأويل، أو متوسط، أو مقتصد.
ومن السلفيين: أهل جمود وتقليد، ومنهم أهل التجديد، الذين يعودون إلى المنابع لاستلهامها فى الاجتهاد لواقعهم الجديد.
ومن السلفيين من سلفهم -ماضيهم- فكر عصر الازدهار الحضارى والخلق والإبداع، ومنهم من سلفهم -ماضيهم- فكرعصر التراجع الحضارى والتقليد والجمود.
ومن السلفيين مقلدون لكل التراث، دونما تمييز بين الفكر وبين التجارب، ودونما تمييز فى الفكر بين الثوابت وبين المتغيرات، ومنهم مستلهمون لثوابت التراث، مع الاسترشاد بتجارب ومتغيرات التاريخ.
ومن السلفيين من يعيشون فى الماضى، ومنهم من يوازن بين السلف الماضى وبين الحاضر والمعاصر.
وهذا التنوع الذى يقترب أحيانا من درجة التناقض، فى مناهج فصائل السلفية، هو الذى أحاط مضامين هذا المصطلح، وخاصة فى فكرنا المعاصر بكثيرمن الغموض، وسوء الفهم، بل وسوء الظن أيضا.
ومن أشهر المدارس الفكرية التى حاولت الاستئثار، فى تراثنا، بمصطلح السلفية هى مدرسة أهل الحديث التى هالها الوافد اليونانى فلسفة ومنطقا وأفزعتها عقلانية اليونان المنفلتة من النقل الدينى، فاعتصمت بالنصوص، مقدمة ظواهرها، بل وحتى ضعيفها على الرأى والقياس والتأويل وغيرها من ثمرات النظر العقلى، وهى المدرسة التى انعقدت زعامتها للإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ/٧٨٠ - ٨٥٥م) حتى ليحسبها البعض كل السلفية، بينما هى فى الحقيقة واحدة من فصائل هذا الاتجاه.
وفى منهاج هذه المدرسة يعلو النص على غيره، بل ويكاد أن ينفرد بالحجية، فالنص، وفتوى الصحابة، والمختار من فتوى الصحابة عند اختلافهم، والحديث المرسل والضعيف، ثم القياس للضروة هى الأصول الخمسة التى حددها الإمام أحمد بن حنبل أركانا لمنهج هذه المدرسة رافضا بذلك الرأى، والقياس، والتأويل، والذوق، والعقل، والسببية فى الفكر الدينى.
وعن هذا المنهج النصوصى "للسلفية النصوصية" -كما صاغه الإمام أحمد بن حنبل- يقول واحد من أعلامها هو الإمام ابن القيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ/١٢٩٢ - ١٣٥٠م):
الأصل الأول: النصوص فإذا وجد النص أفتى به ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه، كائنا من كان ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف.
الأصل الثانى: ما أفتى به الصحابة فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى، لا يعرف له مخالف منهم فيها، لم يعدها إلى غيرها ولم يقدم عليها عملا ولا رأيا ولا قياسا.
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن فى الباب شىء يدفعه، وهو الذى رجحه -أى الحديث الضعيف- على القياس.
الأصل الخامس: القياس للضروة، فإذا لم يكن عنده فى المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو واحد منهم، ولا آثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى القياس، فاستعمله للضرورة.
وعن المنهاج التجديدي لهذه السلفية العقلانية يعبر الإمام محمد عبده (١٢٦٥ - ١٣٢٣هـ/١٨٤٩ - ١٩٠٥م) عندما قال: لقد ارتفع صوتى بالدعوة إلى تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشرى التى وضعها الله لترد من شططه، وتقل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله فى حفظ نظام العالم الإنسانى، وأنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم، باعثا على البحث فى أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها فى أدبا النفس وإصلاح العمل.
ففى منهاج هذه السلفية العقلانية تآخى النص والعقل، وتزامل العلم والدين، وتآزرت السلفية والتجديد.
أ. د/محمد عمارة
стр. 353
١٣ - السلفيون
لغة: هم الذين يحتذون حذو السلف، الذين سلفوا، أى سبقوا ومضوا.
واصطلاحا: يدخل فى إطار السلفيين أغلب تيارات الفكر ومذاهبه ومدارسه بدرجات متفاوتة ومعان متمايزة، لأن لها ماضيا ومرجعية ونموذجا ترجع إليه وتنتسب له وتحتذيه وتستصحب ثوابته ومناهجه، وذلك إذا استثنينا تيار الحداثة بالمعنى الغربى، والتى يقيم أصحابه قطيعة معرفية مع الموروث.
وإذا كان السلف هو الماضى فكلنا سلفيون.
لكن السلفيين أنواع:
فمن السلفيين من يقلد السلف، وهؤلاء هم أهل الجمود والتقليد.
ومن السلفيين من يرجع إلى السلف، فيجتهد فى ميراثهم وتراثهم، مميزا فيه الثوابت عن المتغيرات والصالح للاستصحاب والاستلهام عن ما تجاوزته الوقائع المتغيرة، والعادات المتبدلة، والأعراف المختلفة، والمصالح المستجدة.
ومن السلفيين من يستلهم من فقه السلف ما يتطلبه فقه الواقع الجديد.
ومن السلفيين من يهاجر من واقعه المعيش إلى واقع السلف الذى تجاوزه الزمان، وإلى تجاربهم التى طوتها القرون.
ومن السلفيين من سلفه عصر الازدهار والإبداع فى تاريخنا الحضارى.
ومن السلفيين من سلفه عصر الركاكة والتراجع فى مسيرتنا الحضارية.
ومن السلفيين من سلفه تراثنا وحضارتنا وثقافتنا الوطنية والقومية والإسلامية.
ومن السلفيين من سلفه تراث الآخر الحضارى ومذاهبه وتياراته الفلسفية والاجتماعية، وبهذا المعنى يمكن إدخال الليبراليين الذين يحتذون حذو الليبرالية الغربية، والماركسيين اللذين يحتذون حذو الماركسية الغربية، وأمثالهم من المتغربين فى عداد السلفيين الذين أصبح الموروث والماضى الغربى سلفا لهم يحتذونه أحيانا مع قدر من التحوير، وأحيانا بجمود وتقليد.
ومن السلفيين من سلفه المذاهب والتيارات النصية الحرفية فى تراثنا.
ومن السلفيين من سلفه تيارات العقلانية فى تراثنا أو النزعات الصوفية فى موروثنا الحضارى.
ومن السلفيين من سلفه مذهب تراثى بعينه يتعصب له ولا يتعداه.
ومن السلفيين من مرجعيته تراث الأمة، على اختلاف مذاهبها، يحتضنها جميعا، ويعتز بها، ويتخير منها.
ولكن مع صدق وصلاحية إدخال أغلب تيارات الفكر تحت مصطلح السلفيين، إلا أن هذا المصطلح قد ادعاه واشتهر به وكاد يحتكره أولئك الذين غلبوا النص، وفى أحيان كثيرة ظاهر النص على الرأى والقياس وغيرهما من سبل وآليات النظر العقلى، فوقفوا عند الرواية أكثرمن وقوفهم عند الدراية، وحرموا الاشتغال بعلم الكلام فضلا عن الفلسفات الوافدة على حضارة الإسلام، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم أحيانا أهل الحديث، لاشتغالهم بصناعة المأثور وعلوم الرواية، ورفضهم علوم النظرالعقلى.
وإمام هذه المدرسة هو أبو عبد الله أحمد ابن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ /٧٨٠ - ٨٥٥م) وفيها نجد أبرز الأئمة الذين اشتغلوا بصناعة الرواية وعلومها، من أمثال: ابن راهويه (٢٣٨هـ/٨٥٢م) وإمام علم الجرح والتعديل، وأصحاب الصحاح والجوامع والمسانيد: البخارى (٢٥٦هـ/٨٧٠م)، وأبو داود (٢٧٥هـ/٨٨٨م)، والدارمى (٢٨٠هـ/٨٩٣م)، والطبرانى (٣٦٠هـ/٩٧١م)، والبيهقى (٤٥٨هـ/١٠٦٦م) إلخ … ولقد تطورت هذه المدرسة فى مرحلة ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨هـ/١٢٦٣ - ١٣٢٨م) وابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ/١٢٩٢ - ١٣٥٠م) فضمت إلى المأثور بعضا من أدوات النظر العقلى، وإن ظلت الغلبة والأولوية عندها للنصوص والمأثورات.
وعن هذا المنهاج يعبر ابن القيم، فيقول: "إن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأى ولا قياس، وإن الشريعة لم تخوجنا إلى قياس قط، وإن فيها غنية عن كل رأى وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها".
فلقد ظل النص وحده هو المرجع عند هؤلاء السلفيين، لكن التطور قد أصاب هذا المنهاج النصى -فى مرحلة ابن تيمية وابن القيم- فحدث إعمال الفهم والعقل فى النصوص، دون الاكتفاء بالوقوف عند ظواهر هذه النصوص.
ولقد كان غلو هؤلاء السلفيين فى الانحياز إلى النص وحده، ثمرة لعوامل كثيرة، منها: مخافة غلو مضاد انحاز أهله -وهم فلاسفة العقلانية اليونانية من المشائيين- إلى عقلانية غير مضبوطة بالنص الدينى، وأيضا النزعة الصوفية الباطنية الإشراقية، التى انحازت إلى الذوق والحدس، دونما ضابط من النص ولا من العقل.
ولأن هذه النزعات جميعها -النصية منها والعقلانية والباطنية- قد شابها قدر، كثير أو قليل، من الغلو، فلقد ظلت عاجزة عن استقطاب جمهور الأمة، وانحاز هذا الجمهور إلى النزعة الوسطية فى السلفية، تلك التى جمعت بين النقل والعقل ووازنت بينهما، وهى الأشعرية التى أسسها إمامها أبو الحسن الأشعرى: على بن إسماعيل (٢٦٠ - ٣٢٤هـ/٨٧٤ - ٩٣٦م) ففى هذه المدرسة من مدارس السلفيين اجتمع النقل والمأثور مع النظر العقلى والاشتغال بعلم الكلام -الذى حرم السلفيون النصيون الاشتغال به- مع علم أصول الفقه، الذى يمثل فلسفة العقلانية الإسلامية فى التشريع.
ثم تطورت هذه المدرسة -بعد مرحلة التأسيس- على يد كوكبة من أئمتها، فى مقدمتهم الباقلانى: أبو بكر محمد بن أبى الطيب (٤٥٣هـ-١٠١٣م) وإمام الحرمين الجوينى: أبو المعالى عبد الملك بن عبد الله ابن يوسف (٤١٩ - ٤٧٨هـ/١٠٢٨ - ١٠٨٥م) وحجة الإسلام أبو حامد الغزالى (٤٥٠ - ٥٠٥هـ/١٠٥٨ - ١١١١م).
وعلى امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية، ظلت هذه الصورة وهذه الموازنة ملحوظة فى مدارس ومذاهب السلفيين، فالنزعة النصية تمثلها فى عصرنا الحديث وواقعنا المعاصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦هـ/١٧٠٢ - ١٧٩٢م) المسماة بالوهابية، بينما لا تزال الأشعرية، الممثلة للعقلانية، النصية، تستقطب جمهور المسلمين.
أ. د/محمد عمارة
стр. 354
١٤ - السلوك
السلوك الإنسانى- فى الإسلام- مرتبط بالعقيدة الصحيحة، فالأخلاق والعبادات والمعاملات وأفعال الخير كلها إنما تتقبل من المرء ويثاب عليها فى الآخرة إذا انطلقت من إيمان صحيح وقامت على عقيدة صادقة ودفع إليها يقين بلقاء الله تعالى.
والعقيدة حدد القرآن أصولها فى قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك رينا وإليك المصير﴾ (البقرة ٢٨٥).
وقسم الفقهاء السلوك الإنسانى إلى قسمين:
١ - سلوك مع الله تعالى ويسمى العبادات، وهى الصلاة والزكاة والصيام والحج
٢ - سلوك مع الناس ويسمى المعاملات وهى البيوع والأقضية والشهادات والنكاح والحدود.
وجاء علماء الكلام وبحثوا علاقة العمل بالإيمان، فذهب فريق منهم إلى أن الإيمان تصديق بالقلب وأن العمل شرط كمال للإيمان، لأن البيان القرآنى عطف العمل على الإيمان فى مثل قوله تعالى: ﴿إن اللذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ (الكهف ١٠٧)
والعطف يقتضى المغايرة .. وذهب فريق آخر إلى أن الإيمان يشمل التصديق والعمل معا، وفَقْدُ أحدهما يؤدى إلى فقد الإيمان استدلالاً بالحديث الصحيح المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ". وبين الفريقين مجادلات ومناقشات مكانها فى كتب علم الكلام.
واهتم المتصوفة بالسلوك، وحفلت كتبهم بما يسمى معارج القدس ومدارج السالكين ومنازل السائرين.
وعلى سبيل المثال فإن الإمام أبا حامد الغزالى (٤٥٠ - ٥٠٥هـ) فى كتابه "إحياء علوم الدين " شرح علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح للوصول إلى رضوان الله ، وساق أربعة جوانب تشمل السلوك الإنسانى كله، وقدم آداب كل جانب ودقائق السنن وأسرار التشريع .. وهذه الجوانب هى:
١ - العبادات وذكر فيها قواعد العقائد وأسرار الطهارة والصلاة والزكاة والحج وآداب تلاوة القرآن، والأذكار والدعوات ..
٢ - العادات وذكر فيها آداب الأكل والنكاح وأحكام الكسب وآداب الصحبة والمعاشرة مع الخلق، وآداب السفر والسماع والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ..
٣ - المهلكات وشرح فيها عجائب القلب ورياضة النفس وآفات شهوتى الفرج والبطن وآفات الغضب والحقد والحسد والغرور والكبر ..
٤ - المنجيات وبسط القول فى كل خلق محمود ورتب المنجيات هكذا:
التوبة، والصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، والفقر، والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق، والأنس والرضا، والنية والصدق، والإخلاص والمراقبة والتفكر وذكر الموت.
أ. د/ محمد سيد أحمد المسير
стр. 355
١٥ - السَّماع
لغةً السِّمْعُ: حسُّ الأذن. وقال ثعلب: معناه خَلا له، فلم يشتغل بغيره وقد سَمعَه سَمْعا، وقال ابن السكيت السَّمْعُ: سَمْعُ الإنسان وغيره (كما فى اللسان) (١).
واصطلاحًا: عند علماء الحديث يقصد به سماع الأحاديث فى حال تحملها، والسماع أهم وسيلة من وسائل تحمل الحديث وأدائه أداء صحيحا لأن طالب العلم إذا سمع الحديث من الشيخ فإنه يضبطه ضبطاً دقيقا وهو أرفع درجات أنواع الرواية (٢)، ومن ثَمَّ عابوا على من يأخذون الحديث من الكتب، لأنه عرضة لعدم ضبطه فى التحمل وفى الأداء، وسموا ذلك "وجَادة" أى وجد كتباً فأخذ منها المرويات، واعتبروا ذلك من باب المنقطع والمرسل (٣).
وقد اتخذت الشروط التى تجعل السماع محققا لما يهدف إليه من صيانة الحديث وأدائه أداء صحيحاً.
وأهم شروطه هو التمييزوالوعى حال التحمل، وقد اشترط بعضهم سنا معينا لذلك كحد أدنى للسماع، ولكن المرجع الأساسى هو الوعى الكامل لما يسمع سواء أكان السامع صغيرا أو كبيرا.
قال ابن الصلاح: "والذى ينبغى أن يعتبر فى كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب، ورَدا للجواب، ونحو ذلك- صححنا سماعه وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه، وإن كان ابن خمس، بل ابن خمسين " (٤)
وسئل الإمام أحمد: متى يجوز سماع الصبى للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط (٥)، وهذا يدل على أن السماع لم يكن مجرد وسيلة، وإنما كان مُسهما فى ضبط الحديث. وينقسم السماع إلى إملاء من الشيخ أو تحديث من حفظه (٦)، والتلميذ غالبا ما يكون فى يده كتاب الشيخ نقله قبل السماع، وفى بعض الأوقات يكون حافظا لحديث الشيخ فيسمعه من غير كتاب فى يده.
وهكذا كان السماع مصاحبا للكتاب فى معظم الأحيان، وفى هذا زيادة فائقة فى توثيق السنة ونقلها نقلاً صحيحا.
وهناك وسيلة أخرى لتحمل الحديث هى أيضا من السماع، وإن كان أصحاب الحديث قد اختاروا لها مصطلحاً آخر، وهى العرض على الشيخ، أو القراءة على الشيخ، وفيها يسمع الشيخ من أحد التلاميذ، فالتلميذ يقرأ والشيخ يسمع، يقول ابن الصلاح فى هذا الوجه من وجوه التحمل: "من أقسام الأخذ والتحمل القراءة على الشيخ، وأكثر المحدثين يسمونها عرضاً، وسواء كنت أنت القارئ أو قرأ غيرك وأنت تسمع وقرأت من كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أولا يحفظ، لكن يمسك أصله هو أوثقة غيره" (٧).
وهنا أيضا يبدو الكتاب أوضح من الطريقة الأولى فى مصاحبتها مما يعطى توثيقاً كبيراً فى تحمل السنة بها، وكما قلنا: إن هذه الطريقة سماع فى حقيقتها وتؤدى الهدف نفسه، ولهذا فقد رأينا بعض العلماء يجيز لمن تحمَّل الأحاديث بها أن يقول عند الأداء: "حدثنا " و" سمعتُ" (٨).
وممن زوى عنه أنه يجيز"حدثنا": مالك، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن أبى رباح، وأبو حنيفة، والزهرى، وزفر بن الحارث، والأوزاعى وغيرهم ﵏.
وممن أجاز أن يقول القارئ على الشيخ: "سمعتُ" عند الأداء: سفيان الثورى وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى (٩).
ومما يدل على أن هذه الطريقة سماع أن الذين اشترطوا السماع لم يفصلوا فى كون هذا السماع قراءة من الشيخ أو سماعا منه أى"عَرضا".
وأفضل السماع ما كان إملاء من الشيخ، لأن فيه التُؤدة، ومصاحبة الكتابة، ولهذا كثر الراغبون فى هذا اللون، وكثرة الراغبين فى هذا قد تؤدى إلى تفويت فائدته، لأنه قد لايصل صوت الشيخ إلى كل التلاميذ الموجودين، ولهذا اتخذ الشيوخ مُستملين يبلغون عنهم ما يروون، بحيث يسمع جميع الحاضرين والمستملين يقول ابن الصلاح: ويستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث، فإنه من أعلى مراتب الراوين، والسماع فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها، وليتخذ مستمليا يبلغ عنه إذا كثر الجمع، فذلك دأب أكابر المحدثين المتصدين لمثل ذلك، وممن رُوِي عنه ذلك: مالك، وشعبة، ووكيع، وأبو عاصم، ويزيد بن هارون " (١٠).
واشترطوا فى هذا المستملى أن يكون مُحَصَّلأ، متيقظا، جهورى الصوت، وأن يكون على موضح مرتفع، وأن يتبع لفظ المحدث فيؤديه على وجهه من غير خلاف (١١).
ولما كان السماع بالمعنى الذى ذكرناه هو أهم وسيلة لتحمل السنة وأدائها أداء صحيحاً فقد حرص المحدثون على أن يسجلوا على الكتب والمصنفات الحديثية فى أولها أو فى آخرها أو فى حواشيها من سمعوا هذه الكتب ومن قرأوها على الشيوخ وتواريخ ذلك، ومن سمعها جميعها، ومن سمع بعضها، وسميت هذه بالسماعات، وكان ذلك حتى لا يدعى مُدَّعِ أنه سمع هذه الكتب أو أحاديث منها وهو لم يسمع.
وسجلوا أيضا من كتبوا هذه "السماعات "وعرفوا خطوطهم، واعتبروا أن كل تغيير فى خطوط هذه السماعات أو إضافات لها مما يفسد هذه السماعات، ويتهم من يثبت عليه ذلك أو يدعى السماع وهو لم يسمع بأنه كذاب أو سارق للأحاديث، وهذا يطعن فى عدالته، وبالتالى فى روايته (١٢).وهذا قليل من كثير اتُّخذَت فيه الحَيطَة فى صيانة السنة وروايتها على وجهها الصحيح دون تحريف، سواء أكان هذا التحريف عن عمد أو غير عمد.
أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب