← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١١ - السَّلف لغة: السلف هو الماضى، وهو كل من تقدم. اصطلاحا: هو العصر الذهبى الذى يمثل نقاء الفهم والتطبيق للمرجعية الفكرية والدينية، قبل ظهور المذاهب التى وفدت بعد الفتوحات وأدخلت الفلسفات غير الإسلامية على فهم السلف الصالح للإسلام، والسلف أيضا هو كل عمل صالح قدمه الإنسان. وفى القرآن الكريم يرد مصطلح السلف بمعنى: الماضى، ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ البقرة:٢٧٥. ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ النساء:٢٢. هذا المعنى نجده فى الحديث النبوى الشريف، ففى مسند الإمام أحمد، عن فاطمة الزهراء، رضى الله عنها، أن رسول الله ﷺ ، قال لها فى مرض موته: ( … ولا أراه إلا قد حضر أجلى … إنك أول أهل بيتى لحوقا بى، ونعم السلف أنا لك) وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما ماتت زينب، ابنة رسول الله ﷺ ، قال رسول الله: (الحقى بسلفنا الصالح الخير عثمان بن مظعون). والسلف فى اصطلاح المال والتجارة، هو: إقراض الأموال قرضا حسنا، أى لا منفعة فيه للمقرض بالدنيا … وبهذا المعنى ورد فى الحديث النبوى، فعن السائب بن أبى السائبه انه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإسلام، فى التجارة فلما كان يوم الفتح جاء فقال النبى ﷺ : (مرحبا بأخى وشريكى -كان لا يدارى ولا يمارى- يا سائب قد كنت تعمل أعمالا فى الجاهلية لا تقبل منك، وهى اليوم تقبل منك كان ذا سلفا وصلة﴾ (رواه الإمام أحمد). ولما كان كل ماض هو سلف، فلقد شاع إطلاقا هذا المصطلح معرفا -السلف- على الجيل المؤسس الذى أقام الدين وطبق منهاج الإسلام جيل الصحابة الذين عاشوا بمصر فقد تنزل الوحى فيهم، وتلقوا عن المعصوم ﷺ البيان النبوى للبلاغ القرآنى، وحولوا جميع ذلك إلى واقع حياتى معين فعدوا لذلك السلف الصالح، بتعميم وإطلاق … ثم انضم إليهم فى زمرة السلف من اهتدى بهديهم وعمل بسنتهم من التابعين وتابع التابعين، فالسلف: هو كل من يقلد ويقتدى أثره فى الدين. وبعد السلف والتابعين والأئمة العظام للمذاهب الكبرى من تابعى التابعين، يأتى الخلف الذين يلونهم فى التسلسل الزمنى … وبعد الخلف تأتى أجيال المتأخرين. أ. د/محمد عمارة

стр. 352

١٢ - السلفية لغة: نسبة إلى السلف، والسلف هو الماضى، والسالف: المتقدم (لسان العرب). وفى القرآن الكريم: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ البقرة:٢٧٥. واصطلاحا: هى الرجوع فى الأحكام الشرعية إلى منابع الاسلام الأولى، أى الكتاب والسنة، مع إهدار ما سواهما. ومع وضوح هذا التعريف للسلفية، تعددت فصائل تيارها فى تراثنا وفكرنا الإسلامى، فكل السلفيين يعودون فى فهم الدين إلى الكتاب والسنة، لكن منهم فصيلا يقف فى الفهم عند ظواهرالنصوص، ومنهم من يعمل العقل فى الفهم، ومن الذين يعملون العقل: مسرف فى التأويل، أو متوسط، أو مقتصد. ومن السلفيين: أهل جمود وتقليد، ومنهم أهل التجديد، الذين يعودون إلى المنابع لاستلهامها فى الاجتهاد لواقعهم الجديد. ومن السلفيين من سلفهم -ماضيهم- فكر عصر الازدهار الحضارى والخلق والإبداع، ومنهم من سلفهم -ماضيهم- فكرعصر التراجع الحضارى والتقليد والجمود. ومن السلفيين مقلدون لكل التراث، دونما تمييز بين الفكر وبين التجارب، ودونما تمييز فى الفكر بين الثوابت وبين المتغيرات، ومنهم مستلهمون لثوابت التراث، مع الاسترشاد بتجارب ومتغيرات التاريخ. ومن السلفيين من يعيشون فى الماضى، ومنهم من يوازن بين السلف الماضى وبين الحاضر والمعاصر. وهذا التنوع الذى يقترب أحيانا من درجة التناقض، فى مناهج فصائل السلفية، هو الذى أحاط مضامين هذا المصطلح، وخاصة فى فكرنا المعاصر بكثيرمن الغموض، وسوء الفهم، بل وسوء الظن أيضا. ومن أشهر المدارس الفكرية التى حاولت الاستئثار، فى تراثنا، بمصطلح السلفية هى مدرسة أهل الحديث التى هالها الوافد اليونانى فلسفة ومنطقا وأفزعتها عقلانية اليونان المنفلتة من النقل الدينى، فاعتصمت بالنصوص، مقدمة ظواهرها، بل وحتى ضعيفها على الرأى والقياس والتأويل وغيرها من ثمرات النظر العقلى، وهى المدرسة التى انعقدت زعامتها للإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ/٧٨٠ - ٨٥٥م) حتى ليحسبها البعض كل السلفية، بينما هى فى الحقيقة واحدة من فصائل هذا الاتجاه. وفى منهاج هذه المدرسة يعلو النص على غيره، بل ويكاد أن ينفرد بالحجية، فالنص، وفتوى الصحابة، والمختار من فتوى الصحابة عند اختلافهم، والحديث المرسل والضعيف، ثم القياس للضروة هى الأصول الخمسة التى حددها الإمام أحمد بن حنبل أركانا لمنهج هذه المدرسة رافضا بذلك الرأى، والقياس، والتأويل، والذوق، والعقل، والسببية فى الفكر الدينى. وعن هذا المنهج النصوصى "للسلفية النصوصية" -كما صاغه الإمام أحمد بن حنبل- يقول واحد من أعلامها هو الإمام ابن القيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ/١٢٩٢ - ١٣٥٠م): الأصل الأول: النصوص فإذا وجد النص أفتى به ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه، كائنا من كان ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف. الأصل الثانى: ما أفتى به الصحابة فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى، لا يعرف له مخالف منهم فيها، لم يعدها إلى غيرها ولم يقدم عليها عملا ولا رأيا ولا قياسا. الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول. الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن فى الباب شىء يدفعه، وهو الذى رجحه -أى الحديث الضعيف- على القياس. الأصل الخامس: القياس للضروة، فإذا لم يكن عنده فى المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو واحد منهم، ولا آثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى القياس، فاستعمله للضرورة. وعن المنهاج التجديدي لهذه السلفية العقلانية يعبر الإمام محمد عبده (١٢٦٥ - ١٣٢٣هـ/١٨٤٩ - ١٩٠٥م) عندما قال: لقد ارتفع صوتى بالدعوة إلى تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشرى التى وضعها الله لترد من شططه، وتقل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله فى حفظ نظام العالم الإنسانى، وأنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم، باعثا على البحث فى أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها فى أدبا النفس وإصلاح العمل. ففى منهاج هذه السلفية العقلانية تآخى النص والعقل، وتزامل العلم والدين، وتآزرت السلفية والتجديد. أ. د/محمد عمارة

стр. 353

١٣ - السلفيون لغة: هم الذين يحتذون حذو السلف، الذين سلفوا، أى سبقوا ومضوا. واصطلاحا: يدخل فى إطار السلفيين أغلب تيارات الفكر ومذاهبه ومدارسه بدرجات متفاوتة ومعان متمايزة، لأن لها ماضيا ومرجعية ونموذجا ترجع إليه وتنتسب له وتحتذيه وتستصحب ثوابته ومناهجه، وذلك إذا استثنينا تيار الحداثة بالمعنى الغربى، والتى يقيم أصحابه قطيعة معرفية مع الموروث. وإذا كان السلف هو الماضى فكلنا سلفيون. لكن السلفيين أنواع: فمن السلفيين من يقلد السلف، وهؤلاء هم أهل الجمود والتقليد. ومن السلفيين من يرجع إلى السلف، فيجتهد فى ميراثهم وتراثهم، مميزا فيه الثوابت عن المتغيرات والصالح للاستصحاب والاستلهام عن ما تجاوزته الوقائع المتغيرة، والعادات المتبدلة، والأعراف المختلفة، والمصالح المستجدة. ومن السلفيين من يستلهم من فقه السلف ما يتطلبه فقه الواقع الجديد. ومن السلفيين من يهاجر من واقعه المعيش إلى واقع السلف الذى تجاوزه الزمان، وإلى تجاربهم التى طوتها القرون. ومن السلفيين من سلفه عصر الازدهار والإبداع فى تاريخنا الحضارى. ومن السلفيين من سلفه عصر الركاكة والتراجع فى مسيرتنا الحضارية. ومن السلفيين من سلفه تراثنا وحضارتنا وثقافتنا الوطنية والقومية والإسلامية. ومن السلفيين من سلفه تراث الآخر الحضارى ومذاهبه وتياراته الفلسفية والاجتماعية، وبهذا المعنى يمكن إدخال الليبراليين الذين يحتذون حذو الليبرالية الغربية، والماركسيين اللذين يحتذون حذو الماركسية الغربية، وأمثالهم من المتغربين فى عداد السلفيين الذين أصبح الموروث والماضى الغربى سلفا لهم يحتذونه أحيانا مع قدر من التحوير، وأحيانا بجمود وتقليد. ومن السلفيين من سلفه المذاهب والتيارات النصية الحرفية فى تراثنا. ومن السلفيين من سلفه تيارات العقلانية فى تراثنا أو النزعات الصوفية فى موروثنا الحضارى. ومن السلفيين من سلفه مذهب تراثى بعينه يتعصب له ولا يتعداه. ومن السلفيين من مرجعيته تراث الأمة، على اختلاف مذاهبها، يحتضنها جميعا، ويعتز بها، ويتخير منها. ولكن مع صدق وصلاحية إدخال أغلب تيارات الفكر تحت مصطلح السلفيين، إلا أن هذا المصطلح قد ادعاه واشتهر به وكاد يحتكره أولئك الذين غلبوا النص، وفى أحيان كثيرة ظاهر النص على الرأى والقياس وغيرهما من سبل وآليات النظر العقلى، فوقفوا عند الرواية أكثرمن وقوفهم عند الدراية، وحرموا الاشتغال بعلم الكلام فضلا عن الفلسفات الوافدة على حضارة الإسلام، وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم أحيانا أهل الحديث، لاشتغالهم بصناعة المأثور وعلوم الرواية، ورفضهم علوم النظرالعقلى. وإمام هذه المدرسة هو أبو عبد الله أحمد ابن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ /٧٨٠ - ٨٥٥م) وفيها نجد أبرز الأئمة الذين اشتغلوا بصناعة الرواية وعلومها، من أمثال: ابن راهويه (٢٣٨هـ/٨٥٢م) وإمام علم الجرح والتعديل، وأصحاب الصحاح والجوامع والمسانيد: البخارى (٢٥٦هـ/٨٧٠م)، وأبو داود (٢٧٥هـ/٨٨٨م)، والدارمى (٢٨٠هـ/٨٩٣م)، والطبرانى (٣٦٠هـ/٩٧١م)، والبيهقى (٤٥٨هـ/١٠٦٦م) إلخ … ولقد تطورت هذه المدرسة فى مرحلة ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨هـ/١٢٦٣ - ١٣٢٨م) وابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ/١٢٩٢ - ١٣٥٠م) فضمت إلى المأثور بعضا من أدوات النظر العقلى، وإن ظلت الغلبة والأولوية عندها للنصوص والمأثورات. وعن هذا المنهاج يعبر ابن القيم، فيقول: "إن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأى ولا قياس، وإن الشريعة لم تخوجنا إلى قياس قط، وإن فيها غنية عن كل رأى وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها". فلقد ظل النص وحده هو المرجع عند هؤلاء السلفيين، لكن التطور قد أصاب هذا المنهاج النصى -فى مرحلة ابن تيمية وابن القيم- فحدث إعمال الفهم والعقل فى النصوص، دون الاكتفاء بالوقوف عند ظواهر هذه النصوص. ولقد كان غلو هؤلاء السلفيين فى الانحياز إلى النص وحده، ثمرة لعوامل كثيرة، منها: مخافة غلو مضاد انحاز أهله -وهم فلاسفة العقلانية اليونانية من المشائيين- إلى عقلانية غير مضبوطة بالنص الدينى، وأيضا النزعة الصوفية الباطنية الإشراقية، التى انحازت إلى الذوق والحدس، دونما ضابط من النص ولا من العقل. ولأن هذه النزعات جميعها -النصية منها والعقلانية والباطنية- قد شابها قدر، كثير أو قليل، من الغلو، فلقد ظلت عاجزة عن استقطاب جمهور الأمة، وانحاز هذا الجمهور إلى النزعة الوسطية فى السلفية، تلك التى جمعت بين النقل والعقل ووازنت بينهما، وهى الأشعرية التى أسسها إمامها أبو الحسن الأشعرى: على بن إسماعيل (٢٦٠ - ٣٢٤هـ/٨٧٤ - ٩٣٦م) ففى هذه المدرسة من مدارس السلفيين اجتمع النقل والمأثور مع النظر العقلى والاشتغال بعلم الكلام -الذى حرم السلفيون النصيون الاشتغال به- مع علم أصول الفقه، الذى يمثل فلسفة العقلانية الإسلامية فى التشريع. ثم تطورت هذه المدرسة -بعد مرحلة التأسيس- على يد كوكبة من أئمتها، فى مقدمتهم الباقلانى: أبو بكر محمد بن أبى الطيب (٤٥٣هـ-١٠١٣م) وإمام الحرمين الجوينى: أبو المعالى عبد الملك بن عبد الله ابن يوسف (٤١٩ - ٤٧٨هـ/١٠٢٨ - ١٠٨٥م) وحجة الإسلام أبو حامد الغزالى (٤٥٠ - ٥٠٥هـ/١٠٥٨ - ١١١١م). وعلى امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية، ظلت هذه الصورة وهذه الموازنة ملحوظة فى مدارس ومذاهب السلفيين، فالنزعة النصية تمثلها فى عصرنا الحديث وواقعنا المعاصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦هـ/١٧٠٢ - ١٧٩٢م) المسماة بالوهابية، بينما لا تزال الأشعرية، الممثلة للعقلانية، النصية، تستقطب جمهور المسلمين. أ. د/محمد عمارة

стр. 354

١٤ - السلوك السلوك الإنسانى- فى الإسلام- مرتبط بالعقيدة الصحيحة، فالأخلاق والعبادات والمعاملات وأفعال الخير كلها إنما تتقبل من المرء ويثاب عليها فى الآخرة إذا انطلقت من إيمان صحيح وقامت على عقيدة صادقة ودفع إليها يقين بلقاء الله تعالى. والعقيدة حدد القرآن أصولها فى قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك رينا وإليك المصير﴾ (البقرة ٢٨٥). وقسم الفقهاء السلوك الإنسانى إلى قسمين: ١ - سلوك مع الله تعالى ويسمى العبادات، وهى الصلاة والزكاة والصيام والحج ٢ - سلوك مع الناس ويسمى المعاملات وهى البيوع والأقضية والشهادات والنكاح والحدود. وجاء علماء الكلام وبحثوا علاقة العمل بالإيمان، فذهب فريق منهم إلى أن الإيمان تصديق بالقلب وأن العمل شرط كمال للإيمان، لأن البيان القرآنى عطف العمل على الإيمان فى مثل قوله تعالى: ﴿إن اللذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ (الكهف ١٠٧) والعطف يقتضى المغايرة .. وذهب فريق آخر إلى أن الإيمان يشمل التصديق والعمل معا، وفَقْدُ أحدهما يؤدى إلى فقد الإيمان استدلالاً بالحديث الصحيح المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ". وبين الفريقين مجادلات ومناقشات مكانها فى كتب علم الكلام. واهتم المتصوفة بالسلوك، وحفلت كتبهم بما يسمى معارج القدس ومدارج السالكين ومنازل السائرين. وعلى سبيل المثال فإن الإمام أبا حامد الغزالى (٤٥٠ - ٥٠٥هـ) فى كتابه "إحياء علوم الدين " شرح علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح للوصول إلى رضوان الله ، وساق أربعة جوانب تشمل السلوك الإنسانى كله، وقدم آداب كل جانب ودقائق السنن وأسرار التشريع .. وهذه الجوانب هى: ١ - العبادات وذكر فيها قواعد العقائد وأسرار الطهارة والصلاة والزكاة والحج وآداب تلاوة القرآن، والأذكار والدعوات .. ٢ - العادات وذكر فيها آداب الأكل والنكاح وأحكام الكسب وآداب الصحبة والمعاشرة مع الخلق، وآداب السفر والسماع والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. ٣ - المهلكات وشرح فيها عجائب القلب ورياضة النفس وآفات شهوتى الفرج والبطن وآفات الغضب والحقد والحسد والغرور والكبر .. ٤ - المنجيات وبسط القول فى كل خلق محمود ورتب المنجيات هكذا: التوبة، والصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، والفقر، والزهد، والتوحيد والتوكل، والمحبة والشوق، والأنس والرضا، والنية والصدق، والإخلاص والمراقبة والتفكر وذكر الموت. أ. د/ محمد سيد أحمد المسير

стр. 355

١٥ - السَّماع لغةً السِّمْعُ: حسُّ الأذن. وقال ثعلب: معناه خَلا له، فلم يشتغل بغيره وقد سَمعَه سَمْعا، وقال ابن السكيت السَّمْعُ: سَمْعُ الإنسان وغيره (كما فى اللسان) (١). واصطلاحًا: عند علماء الحديث يقصد به سماع الأحاديث فى حال تحملها، والسماع أهم وسيلة من وسائل تحمل الحديث وأدائه أداء صحيحا لأن طالب العلم إذا سمع الحديث من الشيخ فإنه يضبطه ضبطاً دقيقا وهو أرفع درجات أنواع الرواية (٢)، ومن ثَمَّ عابوا على من يأخذون الحديث من الكتب، لأنه عرضة لعدم ضبطه فى التحمل وفى الأداء، وسموا ذلك "وجَادة" أى وجد كتباً فأخذ منها المرويات، واعتبروا ذلك من باب المنقطع والمرسل (٣). وقد اتخذت الشروط التى تجعل السماع محققا لما يهدف إليه من صيانة الحديث وأدائه أداء صحيحاً. وأهم شروطه هو التمييزوالوعى حال التحمل، وقد اشترط بعضهم سنا معينا لذلك كحد أدنى للسماع، ولكن المرجع الأساسى هو الوعى الكامل لما يسمع سواء أكان السامع صغيرا أو كبيرا. قال ابن الصلاح: "والذى ينبغى أن يعتبر فى كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب، ورَدا للجواب، ونحو ذلك- صححنا سماعه وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه، وإن كان ابن خمس، بل ابن خمسين " (٤) وسئل الإمام أحمد: متى يجوز سماع الصبى للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط (٥)، وهذا يدل على أن السماع لم يكن مجرد وسيلة، وإنما كان مُسهما فى ضبط الحديث. وينقسم السماع إلى إملاء من الشيخ أو تحديث من حفظه (٦)، والتلميذ غالبا ما يكون فى يده كتاب الشيخ نقله قبل السماع، وفى بعض الأوقات يكون حافظا لحديث الشيخ فيسمعه من غير كتاب فى يده. وهكذا كان السماع مصاحبا للكتاب فى معظم الأحيان، وفى هذا زيادة فائقة فى توثيق السنة ونقلها نقلاً صحيحا. وهناك وسيلة أخرى لتحمل الحديث هى أيضا من السماع، وإن كان أصحاب الحديث قد اختاروا لها مصطلحاً آخر، وهى العرض على الشيخ، أو القراءة على الشيخ، وفيها يسمع الشيخ من أحد التلاميذ، فالتلميذ يقرأ والشيخ يسمع، يقول ابن الصلاح فى هذا الوجه من وجوه التحمل: "من أقسام الأخذ والتحمل القراءة على الشيخ، وأكثر المحدثين يسمونها عرضاً، وسواء كنت أنت القارئ أو قرأ غيرك وأنت تسمع وقرأت من كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أولا يحفظ، لكن يمسك أصله هو أوثقة غيره" (٧). وهنا أيضا يبدو الكتاب أوضح من الطريقة الأولى فى مصاحبتها مما يعطى توثيقاً كبيراً فى تحمل السنة بها، وكما قلنا: إن هذه الطريقة سماع فى حقيقتها وتؤدى الهدف نفسه، ولهذا فقد رأينا بعض العلماء يجيز لمن تحمَّل الأحاديث بها أن يقول عند الأداء: "حدثنا " و" سمعتُ" (٨). وممن زوى عنه أنه يجيز"حدثنا": مالك، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن أبى رباح، وأبو حنيفة، والزهرى، وزفر بن الحارث، والأوزاعى وغيرهم ﵏. وممن أجاز أن يقول القارئ على الشيخ: "سمعتُ" عند الأداء: سفيان الثورى وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى (٩). ومما يدل على أن هذه الطريقة سماع أن الذين اشترطوا السماع لم يفصلوا فى كون هذا السماع قراءة من الشيخ أو سماعا منه أى"عَرضا". وأفضل السماع ما كان إملاء من الشيخ، لأن فيه التُؤدة، ومصاحبة الكتابة، ولهذا كثر الراغبون فى هذا اللون، وكثرة الراغبين فى هذا قد تؤدى إلى تفويت فائدته، لأنه قد لايصل صوت الشيخ إلى كل التلاميذ الموجودين، ولهذا اتخذ الشيوخ مُستملين يبلغون عنهم ما يروون، بحيث يسمع جميع الحاضرين والمستملين يقول ابن الصلاح: ويستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث، فإنه من أعلى مراتب الراوين، والسماع فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها، وليتخذ مستمليا يبلغ عنه إذا كثر الجمع، فذلك دأب أكابر المحدثين المتصدين لمثل ذلك، وممن رُوِي عنه ذلك: مالك، وشعبة، ووكيع، وأبو عاصم، ويزيد بن هارون " (١٠). واشترطوا فى هذا المستملى أن يكون مُحَصَّلأ، متيقظا، جهورى الصوت، وأن يكون على موضح مرتفع، وأن يتبع لفظ المحدث فيؤديه على وجهه من غير خلاف (١١). ولما كان السماع بالمعنى الذى ذكرناه هو أهم وسيلة لتحمل السنة وأدائها أداء صحيحاً فقد حرص المحدثون على أن يسجلوا على الكتب والمصنفات الحديثية فى أولها أو فى آخرها أو فى حواشيها من سمعوا هذه الكتب ومن قرأوها على الشيوخ وتواريخ ذلك، ومن سمعها جميعها، ومن سمع بعضها، وسميت هذه بالسماعات، وكان ذلك حتى لا يدعى مُدَّعِ أنه سمع هذه الكتب أو أحاديث منها وهو لم يسمع. وسجلوا أيضا من كتبوا هذه "السماعات "وعرفوا خطوطهم، واعتبروا أن كل تغيير فى خطوط هذه السماعات أو إضافات لها مما يفسد هذه السماعات، ويتهم من يثبت عليه ذلك أو يدعى السماع وهو لم يسمع بأنه كذاب أو سارق للأحاديث، وهذا يطعن فى عدالته، وبالتالى فى روايته (١٢).وهذا قليل من كثير اتُّخذَت فيه الحَيطَة فى صيانة السنة وروايتها على وجهها الصحيح دون تحريف، سواء أكان هذا التحريف عن عمد أو غير عمد. أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب

стр. 356

١٦ - السمع لغة: هو حسنُّ الأذن (١) واصطلاحا: هو قوة فى الأذن تدرك بها الأصوات وفى التنزيل ﴿إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق٣٧) (٢) ويطلق السمع على الأذن وقد يأتى بمعنى الإجابة كما فى الحديث (سمع الله لمن حمده) أى أجاب حمده وتقبله، ومنها الدعاء المأثور"اللهم إنى أعوذ بك من دعاء لا يسمع " أى لا يستجاب، ولا يعتد به، كأنه غير مسموع. ومن أسماء الله الحسنى السميع، وصفة السمع بالنسبة لله هى صفة وجودية أزلية قائمة بذاته تعالى، تكشف لله المسموعات الموجودة، وهى ليست بأذن وجارحة تسمع المخلوقات، فالله تعالى منزه عن ذلك، إنه يسمع كل شيء فى هذا الوجود، إنه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء. قال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ (المجادلة ١). وقال لموسى وهارون: ﴿إننى معكما أسمع وأرى﴾ (طه ٤٦) وفى السنة نجد مارواه أبو موسى الأشعرى ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فجعلنا لا نصعد شرفا أولا نعلو ولا نهبط فى واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، ودنا منّا رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم ما تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك من كنوز الجنة: لاحول ولا قوة إلا بالله) (رواه البخارى). والدليل العقلى على ثبوت المسمع له تعالى، أنه تعالى لو لم يتصف بصفة السمع لاتّصف بضدها وهو الصمم وهذا نقص، والنقص محال، فاستحال عليه الضد ووجب اتصافه بصفة السمع. والسمع من أهم حواس الإنسان وأشرفها حتى من البصر كما عليه أكثر الفقهاء، إذ هو المدرك لخطاب الشرع الذى به التكليف، ولأنه يدرك به من سائر الجهات وفى كل الأحوال، هو أول حاسة تعمل فى حواس الإنسان منذ ولادته، ويمكن أن تعمل والإنسان نائم، لذا فقد جاء فى حال أهل الكهف قوله تعالى ﴿فضرينا على اذانهم فى الكهف سنين عددا﴾ (الكهف١١) فيشترط فيمن يتصدى لأمر مهم من أمور المسلمين العامة كالإمامة والقضاء أن يكون سميعا، فلا يجوز أن يتم تنصيب إمام أصم، ولا تعيين قاضي لا يسمع. ومما يدخل تحت باب السمع ما يسمى بالسمعيات وهى الأمور التى يخبرنا بها الشرع مثل أشراط الساعة وعذاب القبر والبعث، والأمور التى تكون بعد البعث كالحساب والكتب والصراط والشفاعة والحوض والجن والنار والملائكة، فهذه السمعيات كلف الشارع الناس التصديق بها بقلوبهم واعتقادها فى أنفسهم مع الإقرار بها بألسنتهم، وهى عقائد إيمانية تقررت فى الدين، ومتى أخلّ أحد بواحدة منها لم يكن مؤمنا فعندما سئل رسول الله ﷺ جميع عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره (الحديث كاملاً رواه مسلم فى صحيحه فى كتاب الإيمان عن عمر بن الخطاب). ويدخل تحت باب السمع السماع وهو ضرب من الغناء والتغبيرأي الغناء بذكر الغابرة، وهى الآخرة، والمغبّرون قوم يغبَّرون بذكر الله تعالى بدعاء وتضرع، وقد أطلق عليهم هذا الاسم لتزهيدهم الناس فى الفانية (اى الدنيا) وترغيبهم فى الباقية (أى الآخرة).وقد كرهه الشافعى لأنه يلهى عن ذكرالله وعن القرآن، وقال فيه ابن تيمية: إنه من أمثل أنواع السماع، ومع ذلك كرهه الأئمة فكيف بغيره، ولقد تحدث عن السماع كثيرمن الصوفية فى كتبهم كالقشيرى والغزالى والطوسى. (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب لابن منظور مادة (سمع) (١) صادر. بيروت ٢ - التعريفات للجرجانى، ط، البابى الحلبى

стр. 357

١٧ - السنة السنة النبوية: هى أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته. والمراد بحجيتها: قبولها، واعتقاد أنها وحى من الله تعالى، وأنها جزء من الرسالة التى أمر الرسول ﷺ بتبليغها. والناس أمام حجية السنة وعدم حجيتها أنواع: الأول: مسلمون مذعنون لرسول الله ﷺ ملتزمون بقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ النساء:٦٥. وبقوله تعالى ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر﴾ الأحزاب:٢١. وبقوله تعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر:٧. وبقوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ النساء:٨٠. والطاعة عند هؤلاء واجبة فيما أمر به وجوبا، وواجبة الابتعاد فيما نهى عنه تحريما، ومستحبة فيما أمر به استحبابا، ومكروهة فيما نهى عنه تنزيها، ومباحة الفعل والترك فيما أذن بطرفيه، الفعل والترك. الثانى: هناك من الناس من يقف أمام حجية السنة على طرف النقيض من النوع الأول، يردون السنة كلها، وينكرونها جملة وتفصيلا، وينكرون أنها وحى من عند الله، وأنها من جملة الرسالة، وقريب من هؤلاء من يعترف بأنها وحى لكنه يتشكك فى ثبوتها كلها، وصدورها عن محمد ﷺ لعدم قدرته على الفصل بين صحيحها وضعيفها، فيردها ككل، ويدعى إمكان الاكتفاء بالقرآن الكريم. وهذان النوعان فى حاجة إلى دراسة ووعى علمى ودينى، أو الرجوع إلى أهل الذكر والاختصاص، وشأنهم فى ذلك شأن المريض الذى لا يميز بين الأدوية، ما ينفع منها، وما يضر، فيظن أن الحكمة فى ترك الدواء، كل الدواء. ومشكلة العصر فى تشكيك بعض المسلمين في السنة، بل بعض علماء المسلمين من بنى جلدتنا، ويتكلمون لغتنا، بل ويحملون مؤهلاتنا وشهاداتنا، لكنهم بهدف أو بآخر يتنصلون من بعضها، وفى الرد عليهم رد على غيرهم من الطاعنين أو المغرضين أو الشاكين، وهم يقسمون السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، فيقول أحدهم: ما ورد عن النبى ﷺ ودون فى كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته على أقسام: أحدها: ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب، والنوم، والمساواة فى البيع والشراء. ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية والاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة، والطب، وطول اللباس وقصره. ثالثها: ما سبيله التدبير الإنسانى أخذا من الظروف الخاصة، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية، وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا، يتعلق طلب الفعل والترك، وانما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول فيها تشريعا ولا مصدر تشريع (١). ثم يقول: ومن هنا نجد أن كثيرا مما نقل عنه صور بأنه شرع أو دين أو سنة أو مندوب، وهو لم يكن فى الحقيقة صادرا على وجه التشريع أصلا (٢). فهذا القول ينفى التشريع بأحكامه الأريعة (الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة) عن جميع أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ الواردة فى هذه الأمور الثلأثة، ولو تتبعنا ما ورد فى الأكل والشرب كمثال لوجدنا منه ما هو واجبه، وما هو محرم، وما هو مندوب، وما هو مكروه فأحاديث: صيد الكلب، وحل السمك، والجراد الميت، وتحريم كل ذى ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير، تحرم أشياء، وتبيح أشياء فكيف لا يكون الرسول ﷺ فيها مشرعا؟ والله تعالى يقول عنه: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ الأعراف:١٥٧. ويقول الآخر: فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات، أفلا يجوز لمن يأتى بعده أن يدلى فى الموضوع باجتهاده أيضا؟ هادفا إلى تحقيق المصلحة، ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول باجتهاده (٣). وهذه الشبهات من أخطر ما يوجه إلى السنة من تحطيم، فشبهتهم أن الرسول ﷺ بشر من الناس، وهذا حق، لكن بشريته لم تلغ رسالته فى وقت من الأوقات فهو بشر رسول في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، إن جعله رسولا فى قول دون قول، وفي فعل دون فعل؟ يلغى الأمر بالاقتداء به، وينفى مراقبة الله له فى وقت من الأوقات، وفى قول من الأقوأل، وفى فعل من الأفعال. كيف تفلت بعض أفعال محمد ﷺ من مراقبة الله، وكل مؤمن وغير مؤمن مراقب محاسب على ما يفعل، وهو يزيد عن البشر بالوحى والرؤية فى المنام وفي الإلهام، وبجبريل ﵇ ومأمور بالاقتداء به فى أفعاله والعمل بأقواله. لقد حوسب وعوتب على أنه امتنع عن طعام يحبه، إرضاء لأزواجه، فنزل فيه قرآن يتلى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحلا لله لك تبتغى مرضات أزواجك﴾ التحريم:١. ولقد حوسب وعوتب على عوارض انفعالاته، وتجهم وجهه فى ملاقاة أعمى لا يراه، ولا يتاثر بعبوسه، فنزل فيه قرآن يتلى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ عبس:١ - ٢. بل لقد عوتب وحوسب على خلجات قلبه، ودواخل نفسه، فنزل فيه قرآن يتلى: ﴿وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ الأحزاب:٣٧. أليست كل هذه الأفعال قد صدرت بصفته البشرية؟ لكنها خضعت لرقابة الوحى، وتوجيه الوحى، ولكل فعل من أفعال المكلفين حكم عند الله، لأنه إما أن يكون مرضيا عنه من الله تعالى، وإما أن يكون غير مرضى عنه، ويستحيل أن يفعل محمد ﷺ فعلا لا يرضى عنه الله، وينزل جبريل المرة بعد المرة فلا يعدله، ولا يوجهه، فنزول جبريل بعد صدور حكم له ﷺ أو فعل، وعدم اعتراضه عليه، إقرار وتقرير من الله تعالى، وهو شرع لا يسند إلى محمد ﷺ ولكنه يسند إلى الله تعالى. وكان الصحابة يؤمنون بذلك، ويقتدون بأفعاله على أنها شرع الله حتى فيما هو من الأمور البشرية، لبس نعله فى الصلاة، فلبسوا نعالهم، فلما خلع نعله لسبب لا يعلمونه، خلعوا نعالهم، فلما قضى صلاته، قال لهم: (ما حملكم على إلقاء نعالكم، قالوا رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا، قال: إن جبريل أتانى فأخبرنى أن فيها قذرا أوأذى) (٤) ونزل ضيفا على أبى أيوب الأنصارى، فتكلفوا له طعاما، فيها ثوم، فكره أكله فتوقف الصحابة عن أكله، فقال لهم: (كلوا، فإنى لست كأحدكم إنى أخاف أن أوذى صاحبى) (٥). وقدم إليه الضب في طعامه فكره أكله، فقيل له: أحرام هو؟ قال: (لا ولكن نفسى تعافه، فأكلوه بعد أن توقفوا) (٦). إن الذين ينفون التشريع عن فعل النبى ﷺ فى الأكل والشرب يسوون بين أكله وشربه ﷺ وبين أكل وشرب أبى جهل وأبى لهب، فالكل عندهم صادر عن الجبلة والعادة والطبيعة والبشرية وما هكذا يفهم الإسلام والله المستعان. أ. د/موسى شاهين لاشين

стр. 358

١٨ - السَّنَد لغةً: ما استندت إليه من حائط أو غيره، ومُعتَمَد الإنسان، أو هو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل (١). واصطلاحاً: هو الطريق الموصل للمتن، أو هم رواة الحديث الذين رووه كل واحد عن الآخر حتى يبلغوا متنه، سواء كان هذا للمتن مرفوعا إلى رسول الله ﷺ أو موقوفا على غيره من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم. والصلة واضحة بين المعنى اللغوى والمعنى الاصطلاحى. وإسناد الحديث: روايته بالإسناد وهم الرواة، وقد يطلق الإسناد ويراد به السند، قال ابن جماعة: المحدثون يستعملون السند والإسناد لشىء واحد (٢). ورواية حديث رسول الله ﷺ بإسناده من أهم وسائل صيانته وأدائه أداءً صحيحا: لأنه بالإسناد يمكن تبيين حالة الرواة هل هم عدول ضابطون فيقبل حديثهم، أو غير عدول ضابطين، فلا يقبل؟ وهل هناك اتصال وثيق بين الرواة بعضهم وبعض، بمعنى أن كل واحد منهم قد سمع من الآخرة فيكون حديثهم صحيحاً، أو لم يسمع، فيكون انقطاعاً يحول دون صحة الحديث؟ ولما كانت سنة رسول الله ﷺ هى المصدر الثانى من مصادر التشريع، وكانت صحتها تتوقف على الإسناد كما سبق بيانه، فقد اكتسب الإسناد أهمية كبرى، واعتبر من الذِّين، قال عبدالله بن المبارك "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، كما يقول "بيننا وبين القوم القوائم " يعنى الإسناد (٣). ويحث محمد بن سيرين على تسمية من يؤخذ منهم الحديث، أى رواة الإسناد، والحذر من الأخذ عن غير العدول الضابطين، فيقول: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم. (٤) كما يبين ابن سيرين أن الاهتمام بالإسناد إنما نشأ بعد الفتنة، والخوف على حديث رسول الله ﷺ أن يُدَسَّ فيه ما ليس منه أو يحرف، قال "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ". (٥) وقامت علوم لخدمة الإسناد حتى يحقق الهدف المَرجُوَّ منه، ومنها علم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم طبقات الرواة، وعلم علل الحديث، وغيرها. ودرجة الحديث تتوقف على صفات الإسناد فصفات إسناد الحديث الصحيح: أن يكون متصلاً والرواة فيه عدول ضابطون، وأن يكون خاليًا من الشذوذ والعلة (٦)، وان كان الشذوذ والعلة قد يرجعان إلى المتن فى بعض الأحيان. وصفات إسناد الحديث الحسن: هى نفسها صفات الحديث الصحيح، غير أن ضبط بعض الرواة يقل عن تمامه فى الحديث الصحيح (٧). وصفات إسناد الحديث الضعيف: هى اختلاف صفة من الصفات السابقة، كأن يكون بعض رواته غير عدل ولكنه غير كذاب، أو سيئ الحفظ، أو منقطعاً أو فيه شذوذ، أو علة. ويتنوع الانقطاع فى الإسناد، فتارة يكون في أوله، وتارة يكون فى وسطه، وتارة يكون فى آخره، وبالتالى تتنوع الأحاديث الضعيفة لهذا السبب، ويطلق على كل نوع من الانقطاع مصطلح خاص، كالمرسل، والمنقطع، والُمعضَل، والمدلَّس، والبلاغ، والمعلّق (٨). أما الحديث الموضوع: فما كان فى إسناده كذِّاب. وهناك تقسيم أخر للإسناد، وهو الإسناد العالى والإسناد النازل (٩)، والإسناد العالى هو قلة الوسائط فى السند، أو قدم سماع الراوى، أو قدم وفاته، والإسناد النازل هو كثرة الوسائط فيه، وكما يقول ابن الصلاح .. "العلو يبعد السند من الخلل لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوًا أو عمدًاه ففى قلتهم قلة جهات الخلل، وفى كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جلىَّ واضح " (١٠) ولميزة العلو هذه استُحبَّت الرحلة فى طلب الحديث، ولا يكتفى كثير من المحدّثين بأن يحدثه علماء بلده عن شيوخ أحياء، بل يرحل إلى هؤلاء الشيوخ، وتنتفي هذه الواسطة، وهكذا، فتعلو الأسانيد. وكان للرحلة هدف آخر أسمى، وهو قوة الإسناد، والاطمئنان التام إليه، قال الحاكم "وقد رحل فى طلب الإسناد غير واحد من الصحابة، وساق حديث خروج أبى أيوب الأنصارى عن المدينة إلى عقبة ابن عامر بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسولا الله ﷺ (١١). ونحب أن ننوه إلى ماهو بَدهىُّ فى تاريخ العلوم الإسلامية، وهو أنه ليست السنة فقط هى التى نقلت بالأسانيد، وإنما كل العلوم الإسلامية نقلت كذلك، ابتداء من القرآن الكريم الذى نقل بأسانيد القراء جيلا بعد جيل، مع كونه نُقل متواترًا. وانتهاء بكل العلوم ويتجلى ذلك فى مخطوطات تلك العلوم، وهذا ما تمتاز به العلوم الإسلامية عن تراث الأمم الأخرى، وكما يقول ابن الصلاح "أصل الإسناد أولاً خِصَّيصة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة) (١٢). وبهذه الخِصَّيصة حفظ الله تعالى للأمة الإسلامية دينها، فلم يُحَرَّف كما حُرَّفت الرسالات السابقة، وصدق الله عزوجل حيث يقول ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون﴾ (الحجر ٩). أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب

стр. 359

١٩ - السنوسية اصطلاحا: هى إحدى الحركات الإصلاحية فكريا وثقافيا وسياسيا، والتى لعبت دورا كبيرا فى الحياة السياسية بأفريقيا، وبخاصة ليبيا. وقد عدّها بعض من المؤرخين طريقة من طرق الصوفية، ولعل ذلك لخروج طرق صوفية من تحت عباءتها. وتنسب هذه الحركة إلى مؤسسها محمد بن على السنوسى بن العربى، وهو من سلالة الأدارسة الذين يتصل نسبهم بعلى بن أبى طالب ﵁ وقد ولد فى الثانى والعشرين من ديسمبر سنة ١٧٩٨م فى بلدة مستغانم بالجزائر. وفى ذلك الوقت كانت البلاد العربية تابعة للخلافة العثمانية ممثلة فى الأتراك العثمانيين، والذين كانوا عسكريين فقط، فلم يبذلوا جهدا يذكر فى ترقية الحياة الاجتماعية والثقافية عند المسلمين، وكانوا يقنعون من الوالى بأن يدفع لهم ما التزم به من مال، مما أدى إلى انتشار الجهل والتخلف الفكرى فى البلاد الخاضعة لتركيا. إضافة إلى ذلك، لم تستمر الانتصارات العسكرية، حيث انقلب ميزان القوى، وبدأت الهزائم تتوالى على تركيا والبلاد العربية التابعة لها من القرن السابع عشر، وتجمعت دول أوروبا عليها مما ولّد إحساسا بالخسارة سياسيا وثقافيا كان هو الباعث والمحفز لظهور حركات إصلاحية فى شتى البلاد العربية، فظهرت فى اليمن الحركة الزيدية، وفى مصر حركة على بك الكبير وفى فلسطين حركة الزعيم البدوى ضاهر العمر، وفى لبنان حركة الأمير فخر الدين وحركة الشهابيين، إضافة إلى حركة جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده التى انتشرت فى عدة أقطار عربية. ولم يكن السنوسى بمعزل عن هذا كله، فقد طاف البلاد العربية متعلما ومتابعا لما يحدث، فرحل إلى فاس حيث التحق بجامعة القرويين، وكذا إلى مصر حيث تعلم بالأزهر الشريف، ثم رحل إلى الحجاز وتعلم منهم، وبعد هذا التطواف تولد لديه الإحساس العميق بحاجة الدعوة الإسلامية إلى الإصلاح، فراح يعمل على وضع خطة لتنفيذ ذلك. وكان أهم عُمُد خطته الإصلاحية ما يلى: ١ - ليست هناك حدود تقسم العالم الإسلامى، فالحركة الإصلاحية يلزم أن تكون شاملة لكل أقطاره. ٢ - يجب أن تكون الحركات الإصلاحية سياسية وفكرية فى نفس الوقت، فكلاهما مكمل للآخر. ٣ - يجب أن تعنى الحركة الإصلاحية بنشر الإسلام وبخاصة فى اللادينيين، وذلك فى مواجهة حركة التبشير المسيحية. ٤ - الاعتماد على الكتاب والسنة والانتفاع بالمذاهب المختلفة فيما يناسب المسلمين وييسر حياتهم، مع تنقية الإسلام من بدع أهل الأهواء. ٥ - يجب آن تتخلى الطرق الصوفية عن الزهد والخمول والاستجداء الذى كان يغلب على طابعها لأنه ليس من الإسلام فى شيء. ولتحقيق هذه الخطة أنشأ عدة زوايا كمراكز دينية وثقافية واجتماعية وعسكرية، وهى عبارة عن فناء واسع تحيط به مرافقه ممثلة فى مسجد ومسكن الشيخ ومكان للضيافة وحجرات لسكنى الطلاب ومحل لإيواء اللاجئين إلى الزاوية، وبه بئر ومخزن للأمتعة، وتكون فى مكان حصين أو نحوه ليسهل الدفاع عنها، كما يكون موقعها بحيث يسهل الاتصال بينها وبين غيرها من الزوايا، ويقوم عليها "مقدّم " يكون هو الشيخ والقيم عليها يتولى أمور الناحية، ويفصل فى الخصومات بين أهلها وسائر الشئون الاقتصادية، ولكل زاوية شيخ يقيم الصلاة ويقوم على تعليم الأولاد ومباشرة عقود النكاح وسائر الأشياء الشرعية. ويشرف على إدارة الزوايا جماعة تسمى (الخواص) وهم الذين بلغوا درجة عالية فى العلم والمعرفة. ولقد تنقل السنوسى من الحجاز إلى مصر ثم إلى طرابلس سنة١٨٤٠هـ حيث استقر بها وأنشأ مركز دعوته سنة ١٨٤٣م فى الزاوية البيضاء بالجبل الأخضر ثم نقله سنة ١٨٥٦م إلى واحة الجغبوب. وأنشأ فيها مدرسة دينية بها مكتبة تضم ثمانية آلاف مجلد، وكان يشرف عليها إشرافا مباشرا. ولنشاط السنوسى ونشاط أتباعه انتشرت الزوايا فى نواحى برقة وطرابلس ووادى، وكان لها أكبر الأثر فى نشر الإسلام والحفاظ على ثوابته وأصوله. ولما توفى السنوسى سنة ١٨٥٩م خلفه ابنه المهدى، والذى نقل مركز الدعوة من الجغبوب إلى الكفرة سنة ١٨٩٥م، وكان نشيطا فى دعوته حتى إنه عند وفاته سنة ١٩٠٢م كان للسنوسية ١٣٦ زاوية. وخلف المهدى ابن عمه السيد أحمد الشريف، الذى وجد نفسه فى ظروف استعمارية حملته على أن يخوض غمار الحرب ضد الفرنسيين، ثم ضد الزحف الإيطالى على ليبيا، إلا أنه اعتزل زعامة السنوسية سنة ١٩١٨م إثر الهجوم على مصر. وآلت زعامة السنوسية إلى السيد إدريس الذى تولى ملك ليبيا، حيث أصبحت السنوسية قوة دولية يعترف بها، إلى أن هبّت ثورة الفاتح وعزلته سنة ١٩٦٩م. (هيئة التحرير)

стр. 360

٢٠ - سؤال القبر اصطلاحا: هو سؤال الملكين منكر ونكير للميت بعد دفنه فى قبره. وهو من الغيبيات التى يجب على المسلم الإيمان بأن أول ما ينزل بالميت بعد موته سؤال الملكين فى القبر، وبأن الله يرد عليه روحه وسمعه وبصره، ثم يسأله الملكان عن ربه ودينه ونبيه، فإما أن ينعم وأما أن يعذب حسب حسن إجابته أو سوئها، وقد ورد فى ذلك أحاديث كثيرة بلغت حد الشهرة والتواتر المعنوى منها: "استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل" (رواه أبو داود). وحينما تفارق روح الإنسان جسده، ويوضع فى قبره، يكون قد ودَّع الحياة الدنيا، ولم يعد يملك إلا ما كان يعمله فى الدنيا، ويبقى وحيدا، لا معين ولا نصير. وفى القبر يكون أول مواقف الحساب، وأول حادث يواجهه الإنسان بعد دفنه هو سؤال الملكين له فى القبر، ويودع الله فيه نوعا من الحياة، بها يستطيع، فهم السؤال والإجابة عليه. وقد قيل: إنه ورد فيه قوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة﴾ (إبراهيم (٢٧). فالقول الثابت فى الحياة الدنيا هى كلمة التوحيد، وفى الآخرة أى القبر حين يسألون عن ربهم ودينهم ونبيهم فيوفقون فى الإجابة على ذلك، فعن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سئل فى القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله" ] يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة [. وليس السؤال فى القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وابن هبيرة، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح، والأحاديث الصحيحة ترد القولين. وكذلك عذاب القبر ونعيمه يكون للنفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والإجماع، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به. واتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان بعد موته قُبِرَ أم لم يُقْبَرْ يسأل عن أعماله، وجوزى بالخَير خيرا، وبالشر شرا، وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معا. ولم ينازع أحد من جمهور المسلمين فى سؤال القبر أو فى تسمية الملكين اللذين يأتيان ويسألانه- منكر ونكير- إلا بعضا من المعتزلة كالجبائى والبلخى. ولكن القاضى عبد الجبار المعتزلى يقرر أنه يجب الإيمان والإقرار بسؤال القبر، وأن الله يبعث إلى الميت ملكين يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير، وإنهما يسألان الميت ثم يعذبانه، أو يبشرانه على حسب ما وردت به الأخبار، لأن ذلك مما لا يهتدى اليه من جهة العقل، وإنما الطريق اليه السمع فوجب قبولها. ومما جاء فى صفة الملكين وصفة سؤالهما ما رواه معمر عن عمر بن دينار وعن سعد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لعمر: كيف بك يا عمرإذ جاءك منكر ونكير وإذ مت وانطلق بك قومك وقاسوا ثلاثة أذرع وشبرا فى ذراع وشبر ثم غسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك فوضعوك فيه ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران شعورهما ومرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها؟ فقال عمريا رسول الله، أفرقنا فحق لنا أن نبعث على ما نحن عليه أو قال يا رسول الله أيرجع إلىّ عقلى، قال: نعم. قال عمر إذا أكفيكهما والله لئن سألانى سألتهما فأقول لهما: أنا ربى الله فمن ربكما أنتما؟ ومن ذلك الوصف أيضا ما رواه أبو هريرة أن الرسول ﷺ قال: (إذا قبر الميت او قال أحدكم آتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكروالآخر النكير فيقولان ما كنت تقول فى هذا الرجل فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعا فى سبعين ثم ينور له فيه ثم يقال له نم فيقول أرجع إلى أهلى فأخبرهم فيقولان نم كنومة العروس الذى لا يوقظه إلا أحب أهله إليه يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله لا أدرى فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمى عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، رواه الترمذى وابن حيان فى صحيحه. ومما تقدم يستفاد أن لأهل القبور حياة يدركون بها أثر النعيم والعذاب، ولو تفتتت أجسادهم، وأما كيفية تنعيمهم أو تعذيبهم فأمرها غيبى لا تعرف حقيقتها، وحال الميت فى ذلك كحال النائم يرى الملاذ، ولا يرى من بجواره شيئا. (هيئة التحرير)

стр. 361

٢١ - السورة لغة: المنزلة، وقيل: مخصوصة بالرفعة (الدرجة) والسورة من البناء: ما طال وحسن، وقيل: هى العلامة كما فى مختار الصحاح (١). واصطلاحا: قرآن يشتمل على آى ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها: ثلاث آيات وهى سورة الكوثر، وقيل: الطائفة المسماة باسم خاص بتوقيف من النبى ﷺ . والسورة تشتمل على آيات، والآية: قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدء ومقطع، مندرج فى سورة، وأصلها العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿إن آية ملكه﴾ البقرة:٢٤٨، لأنها علامة للفضل والصدق، أو الجماعة لأنها جماعة كلمة. وقيل السورة: هى طائفة من القرآن، منقطعة عما قبلها وما بعدها، ليس بينها شبه بما سواها. والحكمة فى تقطيع القرآن سورا هى الحكمة ذاتها فى تقطيع السور آيات معدودات، لكل آية حد ومطلع، حتى تكون كل سورة، بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا. وسورت السور طوالا وقصارا وأوساطا: تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز، بل قصارها كطوالها، ولهذا -أيضا- حكمة فى التدرج فى تعليم الصبيان القرآن الكريم. وسور القرآن قد يكون لها اسم واحد وهو الأكثر، وقد يكون لها اسمان: كسورة البقرة فانه يقال لها: فسطاط القرآن لعظمها وبهائها، وآل عمران يقال لها فى التوراة: طيبة، والنحل تسمى سورة النعم لما عدد الله فيها من النعم على عبادء، والجاثية تسمى الشريعة، ومحمد تسمى القتال. وقد يكون لها ثلاثة أسماء: كالمائدة فإنها تسمى العقود والمنفذة، وكغافر فتسمى الطول والمؤمن. وقد يكون لها أكثر من ذلك: كسورة براءة فهى التوبة، والفاضحة، والحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، والعذاب، والمشقشقة، والمبعثرة، وكسورة الفاتحة فإنها: أم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثانىء والحمد، وقد ذكر لها بضعة وعشرون اسما. واختصاص كل سورة بما سميت به مقصود: فالعرب تراعى فى الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون فى الشىء من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائى للمسمى وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم، لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها، وسورة النساء سميت بذلك لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وهكذا فى بقية السور. وعدد سور القرآن الكريم أربع عشرة ومائة سورة، افتتحها سبحانه وتعالي بعشرة أنواع من الكلام، لا يخرج شىء من السور عنها، وهى: ١ - الاستفتاح بالثناء، مثل: الحمد لله، وتبارك، وسبحان، وسبح، ويسبح لله. ٢ - الاستفتاح بحروف التهجى: مثل الم، المص، الر، وذلك فى ست وعشرين سورة. ٣ - الاستفتاح بالنداء، وذلك فى عشرين سورة، مثل: مفتتح النساء، والمائدة والأحزاب. ٤ - الاستفتاح بالجمل الخبرية، فى ثلاث وعشرين سورة، مثل، مفتتح النحل والأنبياء. ٥ - الاستفتاح بالقسم، وذلك فى خمس عشرة سورة، مثل: مفتتح الضحى والليل والشمس. ٦ - الاستفتاح بالشرط، فى سبع سور، مثل: مفتتح التكوير والانفطار والانشقاق. ٧ - الاستفتاح بالأمر، فى ست سور، مثل: مفتتح الجن والأعلى والإخلاص والمعوذتين. ٨ - الاستفتاح بالاستفهام، فى ست سور، مثل: الإنسان والنبأ والغاشية والفيل. ٩ - الاستفتاح بالدعاء، فى ثلاث سور وهى المطففين، والهمزة، والمسد. ١٠ - الاستفتاح بالتعليل، فى موضع واحد، لإيلاف قريش. وهذه الافتتاحات فيها من الحسن وبراعة الاستهلال ما فيها. وخواتم السور مثل فواتحها فى الحسن، لأنها آخر ما يقرع الأسماع، ولهذا تضمنت جملة من المعانى البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام حتى يرتفع معه تشوف النفس إلى ما يذكر بعد. ومن أوضحه خاتمة سورة إبراهيم ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به .. ﴾ (آية ٥٢) والأحقاف ﴿بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ (آية٣٥) وأول سورة نزلت فى القرآن "اقرأ" ثم "نوح"، وآخرما نزل ﴿إذا جاء نصرالله والفتح﴾ النصر:١. وكل سور القرآن الكريم بدأت بالبسملة إلا سورة التوبة، وسورة النمل بدأت بالبسملة ووجدت البسملة فى آية منها فى قوله تعالى: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ النمل:٣٠. أ. د/عبدالصبور مرزوق

стр. 362

٢٢ - السياحة لغة: "الذهاب فى الأرض للعبادة والترهب "، ومنه "المسيح ابن مريم ﵇ الذى "كان يذهب فى الأرض، فأينما أدركه الليل صفَّ قدميه، وصلى حتى الصباح " (١) (لسان العرب، مادة: س. ى، والسياحة بهذا المعنى غيرمفضلة فى شريعة الإسلام بل ربما ورد النهى عنها أخذاً من حديث أبى أمامة: أن رجلاً قال: يارسول الله ائذن لى فى السياحة، فقال: " إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله" وأيضا قياساً على منع التبتل فى حديث ابن مظعون، وجمهور المفسرين على أن المراد من " السائحين " فى قوله تعالى: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون﴾ (التوبة ١١٢) هم الصائمون، ويقول الزّجّاج: "السائحون فى قول أهل التفسيرواللغة جميعا: الصائمون ". وفيما يقول القرطبى: هم الصائمون أو المهاجرون أو المسافرون لطلب العلم، أو الجائلون بأفكارهم فى عالم الملكوت. والمفسرون- من شيوخ التصوف كالقشيرى وابن عجيبة- يُوَسَّعون مفهوم "السياحة" فى الآية السابقة ليشمل ما قاله غيرهم من المفسرين، وليشمل السفر من أجل زيارة المشايخ، وأيضا السياحة بالمعنى الصوفى، وهى "السفر فى الأرض على جهة الاعتبار طلبا للاستبصار"، ويقصدون بها سياحة السالك ومفارقته الأوطان لتصفية القلب بالعبادة والذكر والتفكر. ومُجمل ما تشير إليه مصنفاتهم فى هذه المسألة أنهم- غالبا- ما يتكلمون عن السياحة فى باب السفر" وأسراره، ولعل اختيارهم لعنوان "السفر" بدلا من السياحة" راجع إلى الآثار الواردة فى الترغيب عنها، لكن تاريخ الصوفية يطلعنا على "شيوخ " اختاروا السياحة منهجا ثابتا فى تحصيل علومهم وأذواقهم الإلهية. ويُعدّ "ذو النون المصرى" (ت ٢٤٥ هـ- تقريبا) من أوائل من مارس السياحة بهذا المعنى، وسيرته حافلة بلقاءات- يصعب حصرها- مع الزهاد والعُبّاد والوالهين من المنقطعين فى الزوايا والبرارى والجبّانات والمغارات ورؤوس الجبال، من القيروان غربا إلى مكة شرقا، ومن اليمن جنوبا إلى جبال لبنان وجبال أنطاكية شمالا، حتى قال فيه ابن عريى: "لم أرَ فى الجماعة أكثر سياحة واجتماعا بأولياء الله من ذى النون المصرى". لكننا نرى تقييما آخر للسياحة عند الشيخ الأكبر: محيى الدين بن عربى، الذى يعلل رغبة البعض من أهل الله فى السياحة بسبب "الاٌنس " الحاصل من مخالطة الشبيه " من الناس. وهو ميل طبيعى تصعب مقاومته. وهذا الأُنس فى حقيقته ليس الا وحشة من الحق. والسياحة هى الوسيلة التى يعتدل بها الآمر ليكون الأُنس بالله والوحشة من الخلق، ورغم ان الشيخ يعدَّد كثيرا من فضائل السياحة الصوفية، إلا أنه يفضل السكون والاستقرار على السياحة وقطع المسافات. ويستلهم فى مذهبه هذا قوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ (الحديد ٤)، ويرى ان معنى التوكل هو السكون تحت مجارى الأقدار، والسياحة مبادرة أو مبادأة قادحة فى تجريد التوكل، ويقول: إنه ذاق الأمرين. وو صل إلى أن سكون الاستقرار أقوى فى تحصيل المعارف الالهية من السياحة، وأن " من رَّجح ترك السفر فقد أصاب فى النظر، وقَصَد عَيْن الخبر" وفى النهاية يتساءل: إذا كان الله جليس الذاكر فإلى أين يرحل؟ أ. د/ أحمد الطيب ١ - لسان العرب، لابن منظور، مادة (سيح) دار صادر بيروت

стр. 363

٢٣ - السياسة لغة: مصدرللفعل "ساس" أى رأس وقاد، والسياسة: القيام على الشىء بما يصلحه … والوالى يسوس رعيته، كما فى اللسان (١). وسست الرعية سياسة، أى ملكت أمرهم، كما فى الصحاح (٢). وفى الحديث الشريف: "كان بنو إسرائيل يسوسهم أنبياؤهم " أى يتولون أمورهم كما يفعل الأمراء، الولاة بالرعية. والمعنى الاصطلاحى للسياسة حتى اليوم يتفق وتدبير أمور الرعية فى الداخل والخارج، وفى التوصيف الغربى (٣) فإن السياسة هى مجموعة القرارات المترابطة المتفق عليها بقصد التوصل إلى نتائج وأهداف محددة على المستوى العام أو المستوى الشخصى. وينظر إلى السياسة غالبا باعتبارها تمثل التعامل والتفاعل بين الأفراد والعوامل، التى تحدث نتيجة تحديد المواقع والمصالح، التى يمكن تحقيقها والقرارات المصاحبة لذلك، إلا أن اللفظ اتخذ فى الإسلام طابعا دينيا، إذ أن الرسول ﷺ لم يكن صاحب رسالة دينية فقط إنما كان رئيسا للجماعة الإسلامية الناشئة، التى وضع أساسها بمقتضى الصحيفة التى آخى فيها بين المهاجرين والأنصار، والتى يمكن أن يطلق عليها "دستور المدينة" إذ تضمنت تنظيما واضحا للعلاقات بين أعضاء المجتمع الإسلامى، بينهم ورياسة هذه الجماعة، وبينهم وبين من يخالفونهم فى الدين. وتعتبر الصحيفة نقلة نوعية من المنظور السياسى، حيث تضمنت من المعانى-على خلفية عالميةالإسلام- عناصر بالغة الدلالة من حيث العلاقات الدولية، فقد تضمنت إطارا لدول متعاونة على كل ما عرف خيره تتحمل مسئوليتها فرادى وجماعات فى عمارة الأرض (٤) وعدم الإفساد وأنه لا إكراه فى الدين، وبرّ من يخالفنا ما لم يعتد علينا فى ديارنا أو ديننا، وأن الخلق كلهم عيال الله، وأن الحوار والتفاوض فى السياسة أمران واردان. وجاء ذلك فى إطار ما حفل به القرآن الكريم من معان سامية ينبغى أن تسود البشر لإصلاح أمورهم فى دنياهم وأخراهم، بما فى ذلك تأكيده على قيم العدل والمساواة والتعاون والسلام بين البشر -وهى قيم ينبغى أن تكون لها السيادة فى العلاقات السياسية الدولية- أتى بها الإسلام وسبق غيره بقرون عديدة. وعالمية الإسلام تكسب التوجهات الإسلامية بعدها العالمى ﴿تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ الفرقان:١، وقد أمر الإسلام بالتعايش والتعارف ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ الحجرات:١٣، وأمر بالعدل ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ المائدة:٨. ويعتبر الإسلام أن السلام هو السياسة الإسلامية الأصيلة التى تمارس داخل المجتمع الاسلامى فى علاقاته مع مخالفيه (٥) وهو يفرق فى هذا الصدد بين الذين يسالمون المسلمين والذين يقاتلونهم، والاختلاف ليس سبيلا للحرب بل إنه كامن فى طبيعة الحياة، والسلام لا يعنى الاستسلام للمعتدين، وحتى فى حالة الحرب فلها سياستها وآدابها، والإسلام يدعو إلى التعايش والحوار كمنهاج لممارسة السياسة، وفى ظلها تنمو العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها من أوجه العلاقات التى تتم فى إطار السياسة الدولية. أما التنافس والتدافع فى المصالح والأمور السياسية فلا يعنى بالضرورة تصارعا وقتالا، إنما يعتبر ذلك من سنن الحياة التى تحقق التوازن والتداول فى إطار الفهم السليم لمقاصد الشريعة ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزير﴾ الحج:٤٠. وقد عرف النظام الإسلامى أسلوب كتابة المعاهدات، وسبق اتفاقيات جنيف التى عقدت عام ١٩٤٩م فى حماية ضحايا الحرب وأسراها، وحظر أعمال الثأر والانتقام ضد العدو. ولقد كان إنشاء الدولة الإسلامية فى المدينة، وامتداد نفوذها بالتدريج فى معظم أجزاء شبه جزيرة العرب فى حياة الرسول ﷺ ثمرة مجهودات كبيرة حربية وتشريعية وسياسية، وكانت حصيلة النشاط السياسى والدبلوماسى مجموعة كبيرة من الرسائل والصكوك والمعاهدات التى تحدد العلاقات السياسية على أسانيدها من القرآن والسنة النبوية. السفير/نبيل محمد بدر

стр. 364

٢٤ - السيَّرَة السيرة لغة: السنة والطريقة، والحالة التى يكون عليها الإنسان، وهى من الفعل: سار يسير، والمصدر: سَيْر، وسِيرة، وتسيْار، وتسار، وتِسيرة. واصطلاحا: السيرة النبوية هى السجل الدقيق الكامل لحياة النبى محمد ﷺ ، منذ مولده يوم الاثنين، الثانى عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل (٥٧٠ميلادية). إلى وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، يوم الاثنين الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة هجرية، الثامن من شهر يونية ٦٣٢ م. كذلك تقدم إلينا السيرة النبوية- فى إحاطة شاملة- يوميات الدعوة الإسلامية فى عصر النبوة، بمرحلتيها: الأولى فى مكة المكرمة قبل الهجرة، والثانية فى المدينة النبوية بعد الهجرة. ولما كان رسول الله ﷺ هو المثل الأعلى للمسلمين أجمعين، كما قال تعالى: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (الأحزاب ٢١). فقد حرص أصحابه الكرام أشد الحرص على استيعاب وحفظ كل ما سمعوه منه وما شهدوه معه، ونقل صورة كاملة عنه إلى الجيل التالى من المسلمين- وهم التابعون- وذلك تحقيقا للاقتداء به وترسُّم خطاه، فكان حال هؤلاء التابعين كأنهم يشاهدون النبى ﷺ بأعينهم، ويسمعونه بآذانهم، ويشهدون معه الوقائع والمواقف التى مرت به وبأصحابه إبان عصر النبوة. ومما لا ريب فيه أن حُفاظ الصحابة- وهم ينقلون هذه الصورة الحية إلى تلاميذهم التابعين- كانوا يعتقدون أنه أمر واجب يلزمهم القيام به أداء لحق الدعوة إلى الإسلام عليهم، وكذلك التزم بهذا الواجب وقام به أولئك التابعون نحو الجيل التالى لهم وهم تابعو التابعين، وهكذا حتى وصلت إلينا هذه السيرة العطرة كاملة غير منقوصة، تحفل بها بعض ُسور القرآن الكريم، وتحتشد لها كتب الحديث والتفسير، والمغازى، والشمائل ودلائل النبوة، والتاريخ والطبقات، وموسوعات الفقه، والأدب العربى. إن القرآن الكريم، ومعه كل ذلك التراث الإسلامى الحافل قد وعى سيرة النبى ﷺ ودعوته، ومعاملته مع الله ومع الناس، ومظاهر الإبداع فى خَلْقه وخُلُقه، وفى حبه ورأفته، وفى دعائه وابتهاله، وفى منطقه وحكمته، ومعالجته لمختلف الأمور، وفى اجتماع الكمال البشرى فى شخصيته. بل ليس هناك أدنى مبالغة إذا قلنا: إنه ليس فى الدنيا إنسان كامل تحدث التاريخ عن سيرته وحياته على التفصيل كما تحدث عن تفاصيل حياة نبينا محمد ﷺ ولا شك فى أن دراسة السيرة النبوية تحقق لدارسيها أهدافا ذات أهمية بالغة، منها: الوقوف على التطبيق العملى لأحكام الإسلام التى اشتملت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فى شتى مجالات الحياة. كما أننا نقف بدراستها على دلائل نبوته ومعجزاته ﷺ فيزيد إيماننا وتقوى عقيدتنا. كذلك فإن معرفة ما حفلت به السيرة النبوية من مواقف إيمانية للرسول ﷺ وأصحابه فى سبيل إعلاء كلمة الله، تقوَّى عزائم المؤمنين، وتثبتهم فى معركة الدفاع عن الدين والحق. وتغمر قلوبهم بالطمأنينة. وفى دراسة السيرة معرفة المثل الأعلى للإنسان الكامل الذى تجسّده شخصية الرسول ﷺ . إن دارس هذه السيرة يحصل على قدر عظيم من المعرفة الصحيحة بعلوم الإسلام. من حديث، وتفسير، وعقيد ة، وشريعة، وأخلاق، وتربية، واجتماع، وسياسة، وغيرها. كذلك يتعرف دارس السيرة النبوية غلى تطور الدعوة الإسلامية فى عصر النبوة. وما عاناه رسول الله ﷺ وأصحابه فى سبيل نشر الإسلام، وما واجههم من مشكلات وعقبات. وكيف تغلبوا عليها. كما أن المعجزات التى أجراها الله سبحانه على يدى نبيه محمد ﷺ لا تُفهم جيدا الا فى ضوء معرفة وقائع السيرة التى حدثت خلالها تلك المعجزات .. وثمة أمور أخرى يستمد الإنسان معرفتها من خلال دراسته للسيرة النبوية لا نطيل بذكرها. ويبقى أن نلم- فى إيجاز- بأهم مصادر السيرة النبوية لتتم الفائدة من هذا التعريف. وأول هذه المصادر هو القران الكريم- لا خلاف على ذلك- بل هو المصدر الرئيسى لسيرة النبى ﷺ : إذ هو نص قطعى الثبوت. لأنه أصح كتاب عرفه البشر على الإطلاق ـ ولكي يمكن الإفادة من كتاب الله فى معرفة السيرة. فلابد من الرجوع إلى كتب التفسير وفى طليعتها: تفسير الطبرى. وتفسير ابن الجوزى، وتفسير ابن كثير. ثم كتب الحديث النبوى وهى الموسوعات التى عنيت بجمع أقوال النبى ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلُقية. كما تناولت سيرته. ومغازيه وـ وسراياه. وبعوثه. ومكاتباته وفضائل أصحابه وأزواجه ﷺ ، وغير ذلك من موضوعات السيرة النبوية. وفى مقدمة هذه الكتب: صحيحا البخارى ومسلم، والمستدرك للحاكم النيسابورى،. وكتب السنن الأربعة لآبي داود، والترمذى، وأبن ماجه، والنسائى، والسنن الكبرى للبيهقى. ومسند الإمام أحمد. وموسوعات اخرى لا نطيل بذكرها. ويلحق بكتب الحديث مصنفات أخرى. مثل: كتاب الشمائل للترمذى، وكتاب أخلاق النبى ﷺ وآدابه لأبى الشيخ الأصبهانى، ودلائل النبوة لأبى نعيم الآصبهانى، ودلائل النبوة للبيهقى. وكتب المغازى والسير، التى وضعها أصحابها خصيصاً لعرض السيرة النبوية على جهة التفصيل ومن أهمها: سيرة ابن إسحاق، التى هذبها ابن هشام، ومغازى الواقدى. والسيرة النبوية لابن سعد، وجوامع السيرة لابن حزم، والسيرة النبوية للذهبى، والسيرة النبوية لابن كثير، وزاد المعاد لابن القيم. ثم كتب التاريخ الإسلامى التى أفردت مساحة كبيرة لعرض السيرة النبوية، مثل: تاريخ خليفة بن خياط، والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان، وتاريخ المدينة لعمر بن شبَّة، وتاريخ الطبرى، والكامل لابن الأثير، وتواريخ أخرى عديدة لا يتسع المقام لذكرها. إننا ننبه إلى أن ما سبق ذكره من مصادر السيرة- يمثل مع كثيرغيره مما لم نذكره من المصادر- الأساس الذى استمد منه، وبنى عليه كل من كتب فى سيرة النبى ﷺ بعدئذ من القدامى والمحدثين .. أ. د/ محمد جبر أبو سعدة

стр. 365

٢٥ - سيرة ذاتية لغةً: السيرة: السُّنَّةُ والطريقة والحالة التى يكون عليها الإنسان وغيرُه وهى مأخوذة من مادة سار: اى مشى وسلك أو ذهب فى الأرض. وهى مرادف لكلمة ترجمة التى تدل على تاريخ حياة إنسان. واصطلاحاً: يطلق مصطلح السيرة على العمل الأدبى الذى يقوم فيه مؤلفه بسرد قصة حياته، ويرى مؤرخو الأدب أن اقدم عمل أدبى من هذا الطراز كان هو كتاب (اعترافات) الذي كتبه القديس المسيحى القديس أوغسطينوس (٤٠٠ م) وفيه يقص جهاده الروحى وما حققه من انتصارات على نفسه، وقد عرفت الحضارة العربية تجارب بارزة ومبكرة للسير الذاتية. منها كتاب "أسامة بن منقذ" الاعتبار. وتتيح السيرة الذاتية للقارئ الفرصة لدراسة وقراءة حياة الشخصيات المتميزة،. كما تتضمن بالضرورة وصفا مباشرا ودقيقا لبعض الحوادث التاريخية وملامح الحياة (بكل صورها) فى الفترة التى عاش فيها صاحب السيرة، حتى إن كثيرا من وقائع التاريخ (العام والقومى) بل والحياة الاجتماعية والفعلية، لا يمكن استخلاصها إلا من السير الذاتية. ومع أن بعض الذين يكتبون سيرهم الذاتية يعمدون إلى استغلالها فى تبرير بعض رؤاهم ومواقفهم. إلا أن الدراسة الواعية تستطيع بالطبع استخلاص الحقائق واكتشاف الأكاذيب من ركام النظرات الذاتية. وقد ساعدت وسائل الإعلام فى العصر الحديث على آن تجعل من كتابة السيرة الذاتية مصدر عائد مادى كبير لرجال السياسة والمجتمع الذين يتطلع العامة الى معرفة أسرارهم وممارستهم للحياة، خاصة مع تزايد تيارات الحديث عن الأسرار الشخصية والحميمية وكسر الأسرار للحياة الخاصة. وتختلف السيرة الذاتية عن السيرة بمعناها العام أو ما يسميه بعض النقاد السيرة الغيرية وهو كتابة قصة حياة الشخص بواسطة كاتب آخر، سواء كان هذا الآخر معاصرا لصاحب السيرة أو غير معاصر، وسواء التقى به أولم يلتق وسواء كان صاحب السيرة على قيد الحياة أم فارقها، وينبغى على كاتب السيرة آن يسعى إلى جمع أكبر قدر من المعلومات عن حياة من يكتب عنه، وإن لم يستلزم هذا أن يضمن ما يكتبه من سيرة كل هذه المعلومات، وتتمثل براعته ومقدرته وتفوقه فى القدرة على تقديم صورة متكاملة أقرب إلى الصدق التام وإلى الحقيقة، ومع هذا فإن بعض الكتاب المتميزين يفرضون ذاتهم على السيرة التى يتولون كتابتها. ولم تصبح السيرة فنا قائما بذاته فى أوروبا إلا فى القرن السابع عشر، وقد اشتهر فى هذا الفن جيمس بوزويل بكتابه "حياة صموئيل جونسون)، وعد بمثابة أعظم السير فى القرن الثامن عشر، وقد ازدهر فن السيرة فى أوروبا فى القرن العشرين على يد أندريه موروا وإميل لودفيج، وقد ألف بلورتارك "سير متوازية لنبلاء الإغريق والرومان " فاعتبر رائد فن السيرة فى الآداب الأوروبية، ورتبت فيه السير أزواجا، كل زوج منها يتحدث عن علم يونانى وآخررومانى مع مقارنة بين السيرتين. وقد عنى الكتاب المسلمون بفن السيرة منذ مرحلة مبكرة، وأقدم آثارهم فى هذا الفن هو سيرة ابن إسحاق التى كتب فيها سيرة الرسول ﷺ " المغازى والسير"، وقد كتبه بأمر وتشجيع من الخليفة العباسى المنصور، وعليه عول "ابن هشام " فى سيرته المشهورة. ومن أشهر كتب السير العربية: "وفيات الأعيان " لابن خلكان، ومعجم الأدباء" لياقوت الحموى وفى العصر الحديث ألف الدكتور محمد حسين هيكل "حياة محمد" ووضع عباس محمود العقاد "عبقرية عمر" و"عبقرية خالد". ومن أشهر كتب السير الذاتية المعاصرة سيرة غاندى "قصة تجاربى مع الحقيقة" وقد ترجمها منير البعلبكى، و" الأيام" لطه حسين. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 366

١ - الشر لغة: فعله شرَّ يشر ويشُر بكسر الشين وضمها، وهو نقيض الخير ولا يقالَ ضده لآن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان معا، وهذا هو شأن الخير والشر. فلا يجتمعان ولا يرتفعان معا، وجمعه شرور وقوم أشرار. واصطلاحاً: الشر صفة أخلاقية للفعل الذى يقع على خلاف الطبع، وهو عدم ملاءمة الشيء لطبعه. وعرّفه المعتزلة (فرقة كلامية) بأنه الضرر القبيح وما يؤدى إليه ويقابله الخير وهو النفع الحسن وما يؤدى إليه. وعند أهل السنة هو الفعل العارى عن الحكمة (أى العبث) أو هو وضع الشىء فى غير موضعه اللائق به، ولا ينسب الشر إلى الله تعالى لا إلى أفعاله ولا إلى أقواله. لآن أفعاله كلها لحكمة مقصودة وليست عارية من الحكمة قال تعالى ﴿ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت﴾ (الملك ٣) (أى قصور أو تقصير) وفى الحديث الشريف: (الخيربيديك والشر ليس إليك) وفى القرآن الكريم: ﴿قل أعوذ برب الفلق. من شرما خلق﴾ (الفلق ١. ٢) فأضاف الشر إلى المخلوق ولم يضفه إلى الخالق. وعند المعتزلة أن الله لا يخلق الشر ولا يريده لأن الشر قبيح وإرادة الشر قبيحة والله منزه عن إرادة القبيح. وهو فعل للإنسان مخلوق له ومحاسب عليه. والأشاعرة يرون ان الشر والخير كليهما مخلوقان لله لأنهم يعرِّفون الشر بأنه فعل الغير فى غير ملكه والله تعالى يفعل فى ملكه ما يشاء، وعند السلف أن الشر مخلوق لله مفعول للعبد والله تعالى لا يوصف بمفعولات العبد وإنما يوصف العبد بفعله، ولما كان الشر فعلا للعبد فينسب إليه ولا ينسب إلى الله. وقضاء الله تعالى وقدره لا يحملان الشر للإنسان حتى وإن أصابه الضرر من قضاء الله وقدره لأن كل ضرر يصيب العبد من متعلقات القضاء والقدر لا يصح أن يسمى شرا إلا على سبيل التجوز فى الاستعمال اللغوى لأن قضاء الله كله خير حيث يضع كل شيء فى موضعه اللائق من حيث الحكمة الإلهية علم ذلك من علمه وجهله من جهله. ويقسم الفلاسفة الشر إلى أنواع: ١ - شر أخلاقى كالكذب والظلم والخيانة والإنسان مسئول عنه لأنه الكاذب والظالم والخائن. ٢ - شر طبيعى كالزلازل والأمراض والكوارث الطبيعية مما لا دخل للإنسان فيه، وهذا النوع إذا نظرت إليه بالنسبة إلى فاعله كان خيرا لآن للفاعل فى ذلك- وهو الله- حكمة- مقصودة- وخفاؤها على الإنسان لا يلغيها وإذا نظرت إليه بالنسبة للمحل المنفعل فإن الشارع يسميها ضررا وقد يسميها الإنسان شرا تجوزا فى الاستعمال. لكن الشرع لا يسمى ذلك شرا لأن الشرهو الفعل العارى عن الحكمة، ومحال أن يكون فعل الله عاريا عن الحكمة. ٣ - شر ميتافيزيقى: وهو نقصان كل شيء عن كماله، والفلاسفة يعرفون الشر بأنه عدم الخير أو عدم الكمال، وقد يكون الشر أمرا وجوديا مثل انشغال القلب بالتفكير فى فعل الشر، وقد يكون أمرا عدمياً مثل فراغ القلب من التفكير فى فعل الخير، أو عدم التفكير فى فعل الخير، والشر العدمى سبب فى الشر الوجودى وعدم انشغال القلب بالتفكير فى فعل الخير يسمى شر النفس، وانشغال القلب بالتفكير فى فعل الشر يسمى سيئات الأعمال كما فى الحديث الصحيح .. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. والشر كله ظلم لأنه وضع الشيء فى غير موضعه، والفعل الإلهى لا يوصف إلا بالخير فعقوبة السارق والزانى والقاتل خير من جهة فاعلها- وهو الله- لأن ذلك وضع للشيء فى موضعه لكنها بالنسبة للمحل المنفعل (الإنسان) قد توصف بأنها شر لعدم ملاءمتها لطبعه فيحدث الألم المنافى للذة، والله تعالى لم يخلق شرا محضا لا خير فيه من جميع الوجوه لأن حكمته تعالى تأبى ذلك، ولأنه سبحانه ميزه بالخير فلا يضاف إليه الشر لا خلقا ولا فعلا وإنما يضاف إلى المحل المنفعل به فيكون شرا من جهة المنفعل خيرا من جهة الفاعل، لما له فى ذلك من الحكمة وأفعاله سبحانه إيجاد وإمداد وعداد، فالإيجاد خير من الإعدام، وامداد الموجود بالوجود خير من عدم إمداده، وإعداده للوجود خير من منعه. فصارت كلٌّ خيرا وسببا للخير. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 367

٢ - الشُرطة لغة: الخير؛ لأن شرطة كل شىء خياره، وقيل أشراط الشىء أوائله، منه أشراط الساعة، وقيل: الأشراط: الأشراف (لسان العرب). اصطلاحا: هم نخبة السلطان من جنده، وهم المكلفون بالمحافظة على الأمن الداخلى بمنع وقوع الجرائم، والقبض على الجناة، وعمل التحريات اللازمة، وتنفيذ العقوبة التى يحكم بها القضاة، وإقامة الحدود. ويطلق على واحد الشرطة شرطى، وعلى جماعة الشرطة شرط وشرطية، وصاحب الشرطة هو رئيسهم وقائدهم، وربما سمى أيضا عامل الشرطة، ومتولى الشرطة، وولى الشرطة. وقد يسند إليه أيضا القيام بأعمال أخرى، مثل: بعض أعمال الحسبة، والإشراف على الأحباس، والمساعدة فى تحصيل الأموال، وإصدار الدنانير، وإطفاء الحرائق. وقد عرف العالم الإسلامى إلى جانبه شرطة الأمن الداخلى أنواعا أخرى من الشرطة، مثل: الشرطة النهرية، وشرطة الخميس، وشرطة الجيش، والشرطة الخاصة. وقد تبلورت اختصاصات صاحب الشرطة على مدى العصور الإسلامية، فظهرت وظيفة صاحب الشرطة فى خلافة الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه الذى نُظِّمت الشرطة فى عهده، ووضحت مهمة الشرطة فى العصر الأموى، وزاد تنسيقها فى العصر العباسى إذ صار لكل مدينة شرطة خاصة تخضع لرئيسها: صاحب شرطة هذه المدينة، وكان صاحب الشرطة يتخذ نائبا ومساعدين يسمون الأعوان، وكان الشرط يتخذون أعلاما خاصة، ويلبسون زيا خاصا بهم، ويحملون مطارد وترسة تحمل كتابات لباسم صاحب الشرطة، ويحملون فى الليل الفوانيس، ويصحبون معهم كلاب الحراسة. وكان تعيين صاحب الشرطة من اختصاص الوالى أو الأمير؛ ومن ثم كان عزل الوالى يتبعه فى معظم الأحيان عزل صاحب الشرطة، وكان الوالى يختار لهذه الوظيفة من بين أبنائه أو أقاربه، وكان صاحب الشرطة يخلف الوالى فى السلطة إذا غاب فى الحج أو الحرب أو غير ذلك، كما كان ينيبه عنه كثيرا فى إمامة الصلاة، وأحيانا كان يولى الإمارة، وعرف صاحب الشرطة فى الدول الإسلامية التى تفرعت من الخلافة العباسية. ومنذ عصر الولاة فى مصر كانت وظيفة صاحب الشرطة من أكبر الوظائف وأهمها، وكانت تسمى فى عصر الولاة بخلافة الفسطاط، لأنه كان ينوب عن الوالى، غير أن هذه الصيغة اختفت منذ عصر الطولونيين. وفى عصر الولاة كان صاحب الشرطة يقيم فى الفسطاط مع الوالى، وعندما آسست العسكر وجدت شرطتان: شرطة الفسطاط؛ وكانت تسمى الشرطة السفلى، وشرطة العسكر وكانت تسمى الشرطة العليا، وكانت الشرطة العليا تقيم فى دار تقع قريبا من جامع ابن طولون، وكانت دار الشرطة تعرف باسم الشرطة، وظل نظام الشرطتين -العليا والسفلى- معروفا فى العصر الفاطمى، غير أن صاحب الشرطة العليا كان يقيم فى القاهرة، وكان يسمى أيضا باسم حاكم القاهرة، واختفت صيغة صاحب الشرطة فى عصر المماليك، وصار من يتولى مهامها يسمى الوالى أو وإلى القاهرة أو وإلى المدينة أو صاحب العسس. وعرفت الشرطة وصاحبها فى العالم الإسلامى خارج مصر شرقا وغربا، وعظم أمر صاحب الشرطة بخاصة فى الأندلس فى دولة بنس أمية، وانقسمت الشرطة إلى شرطتين: شرطة كبرى، وشرطة صغرى، وكانت مهمة الشرط الكبرى: النظر فى أمر الخاصة، وربما سمى صاحب الشرطة الكبرى باسم صاحب الشرطة العليا، أما صاحب الشرطة الصغرى فكان مخصصا للنظر فى أمر العامة، وفى أواخر العصر الإسلامى فى الأندلس صار صاحب الشرطة يسمى صاحب المدينة، وعند العامة يعرف بصاحب الليل، كما عرف أيضا باسم الحاكم. وعرفت وظيفة صاحب الشرطة فى عصر الموحدين فى تونس، وكان ضمن من يجلسون بين يدى السلطان. أ. د/حسن الباشا

стр. 368

٣ - شرع من قبلنا لغة: الشرع عبادة عن البيان والأظهار يقال: شرع الله كذا أى جعله طريقا ومذهبا، ومنه المشرعة (لسان العرب) (١). وإصطلاحا: يراد بشرع من قبلنا. (٢) الأحكام التى شرعها الله تعالى للأمم السابقة وجاء بها الأنبياء السابقون، وكلف بها من كانوا قبل الشريعة المحمدية كشريعة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. وهذا الموضوع يمثل مدى صلة الشريعة الإسلامية بالديانات والشرائع السابقة، فمن القضايا المعروفة أن النبى ﷺ بعث فى سن الأربعين سنة ٦١١ م، وأن شريعته ﷺ خاتمة الشرائع، وقد أخبر القرآن الكريم والسنة الشريفة عن قصص الأنبياء السابقين وبعض الأحكام التشريعية فى شرائعهم، فهل أحكام شرائع الأمم السابقة كاليهودية والنصرانية نطالب بالعمل بها؟ (٣). والكلام فى هذا الموضوع يتطلب بحث أمرين: أولهما (٤): هل كان الرسول ﷺ قبل البعثة متعبدا بشريعة سابقة، لأنه إذا كان متعبدا بشرع سابق، ولم ينسخ فى شريعته بعد نزولها فيكون ذلك مشروعا فى حقنا كمسلمين. ثانيهما: هل النبى ﵊ وأمته بعد البعثة متعبدون بشرع نبى سابق؟ وللاجابة على هذا نقول: إن تعبده ﷺ بشريعة سابقة من ناحية الجواز العقلى لا مانع منه إذ لا دليل على استحالته، أما من ناحية الوقوع العقلى والجواز الشرعى فهو محل خلاف بين الأصوليين سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها، فليراجع فى كتبهم. وأعلم أن شرائع من قبلنا على أربعة أقسام (٥): ١ - الأحكام التى لم يرد لها ذكر فى شريعتنا لا فى الكتاب ولا فى السنة، فهذه الأحكام لا تكون مشرعا لنا بلا خلاف. ٢ - الأحكام التى نسختها شريعتنا مثل: تحريم أكل ذى الظفر، وتحريم الشحوم التى تكون فى بطن الحيوان محيطة بالكرش (٦). وتحريم الغنائم، فهذه أيضا ليست شرعا لنا بالاتفاق، بل منسوخة فى حقنا. ٣ - الأحكام التى أقرتها شريعتنا فلا نزاع فى أننا متعبدون لها؛ لأنها شريعتنا، لورود التشريع الخاص فيها، الصياد (٧) والاضحية (٨) وغيرها. ٤ - الأحكام التى علم قبولها بطريق صحيح، ولم يرد عليها ناسخ، ولكن لم تقرر فى شريعتنا كالتى قصها الله سبحانه فى كتابه، أو وردت على لسان نبيه ﷺ من غير إنكار ولا إقرار لها، مثل آية القصاص فى شريعة اليهود (٩)، وهذا النوع هو محل النزاع والخلاف بين الفقهاء. أ. د/على جمعه محمد

стр. 369

٤ - الشرك اصطلاحا: هو ادعاء وجود شريك لله. فى ملكه أو فى صفاته، أو فى أفعاله، أو هو عبادة معبود آخر مع الله. ونقيض الشرك هو: " " التوحيد"، وهو. اعتقاد أن الله واحد فى ذاته وفى صفاته، وفى أفعاله. وقد أقام القرآن الكريم عدة أدلة على وحدانية الله، منها قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء ٢٢)، وكذلك آيات سورة النمل التى تختتم كل واحدة منها بقوله تعالى: ﴿أإله مع الله﴾ (النمل ٦٠ - ٦٤). ولقد اهتمت السور المكية- بصفة خاصة - بإثبات عقيدتين أساسيتين فى الإسلام: أولاهما: وحدانية الله تعالى، ووجوب إفراده وحده بالعبادة، ولذلك تكررت عبارة واحدة على السنة جمع من الرسل- (نوح وهود وصالح وشعيب ﵈ وهى] يا قوم اعبدو الله مالكم من إله غيره [فى سورة) الأعراف)، وفى سورة "هود" وفى سورة "المؤمنون" ثم هذه العبارة الجامعة .. ﴿ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى اليه أنه لا إله الا أنا فاعبدون﴾ (الانبياء٢٥). أما العقيدة الثانية: فهىعقيدة الإيمان باليوم الآخر، فالسور المكية تمتلىء بالأدلة على وقوع البعث بعد الموت ووصف اليوم الآخر وما فيه من حشر وسؤال أن ونعيم وعذاب. وقد وردت كلمة الشرك وما يشتق منها فى القرآن الكريم نحوا من (١٨٤) مرة، فالقرآن الكريم فى آياته يجادل المشركين ويهددهم بالعذاب يوم القيامة (القصص ٦٢ - ٦٤) ويؤكد لهم ان معبوداتهم لا تملك لهم نفعا ولا ضراً ولن تغنى عنهم شيئا (الأنعام ٩٤) وبذلك يبطل دعواهم أنها تشفع لهم عند الله، حيث قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر ٣)، وانظر أيضا. (يونس١٨)، (الروم ١٣)، (الزمر ٣٨) - كما ينذرهم القرآن الكريم بأنهم سيكونون هم وما يعبدون من دون الله وقود جهنم (الأنبياء٩٨، وما بعدها)، بل إن هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله سينقلبون عليهم يوم القيامة، ويتبرأون من عبادتهم لهم، ويكونون عليهم ضدا (سورة مريم ٨٢)، (يونس٢٨ وما بعدها) - ويحرم القرآن على المؤمنين أن يتزوجوا من المشركات حتى يؤمن، كما يحرم عليهم آن يزوجوا بناتهم من المشركين حتى يؤمنوا (البقرة ٢٢١)، وقد نص القرآن الكريم صراحة على آن المشركين هم أشد الناس عدأوة للذين آمنوا- هم واليهود- ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ (المائدة ٨٢) - كما لا يحل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى (التوبة- ١١٣) وقد أعلن النبى ﷺ براءته من المشركين- (التوبة ٣) - وينص القرآن الكريم على أن الله تعالى يغفرجميع الذنوب لمن يشاء من عباده - ما عدا الشرك- فإنه لا يغفره إلا بالرجوع عنه والدخول فى الإسلام: ﴿إن الله لا يغفرأن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء ٤٨،١١٦). وقد وصف القرآن الكريم الشرك بأنه ظلم عظيم (لقمان ١٣) ومع أنه أمر الإنسان بطاعة والديه فى كثير من آياته، إلا أنه نهاه عن طاعتهما إذا طلبا منه أن يشرك بالله: ﴿وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ (القمان١٥). ومع ذلك يأمره بأن يصاحبهما- رغم شركهما- بالمعروف. وقد سألت "أم حبيبة" بنت أبى سفيان- زوجها رسول الله ﷺ عن أبيها، وكان لا يزال مشركا. وقد قدم لزيارتها- هل يباح لها. أن تكرمه؟ فأمرها رسول الله ﷺ بذلك وهناك أنواع أخرى من الشرك- غير اتخاذ شريك لله فى العبادة- ويطلق على هذه الأنواع اسم "الشرك الأصغر" أو "الشرك الخفى"- وفيها يقول رسول الله ﷺ - " اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى فى أمتى من دبيب النمل " فقال من شاء الله أن يقول: وكيف وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" (أخرجه أحمد فى مسنده) وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ - ونحن نتذاكر المسيخ الدجال، فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندى من المسيخ الدجال؟ قلنا: بلى، قال: الشرك الخفى، أن يقوم الرجل يصلى فيزين صلاته لما يرى من نظر الناس، (رواه ابن ماجه) كما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر- قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء- يقول الله للمرائين يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: "اذهبوا إلى الذين كنتم تراء ون فى الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ " (أخرجه أحمد فى مسند هـ) وإنما جعل الرياء فى العبادة نوعا من الشرك الخفى لأن المرائى قد قصد بعبادته شيئا آخر سوى الله، فكأنه جعل شريكا لله. كما جعل رسول الله ﷺ " التطير، نوعا من الشرك، فقال: "الطيرة شرك، ولكن الله يذهبه بالتوكل " فقدر التطيرشركا بالله فى جلب النفع أو دفع الضر، ولكنه ليس شركا حقيقيا، لأنه يذهب بالتوكل على الله- وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن صحيح. وقد يقع التباس بين الشرك والكفر- غير أن الكفر "أعم من الشرك ". فهو وصف لجميع الذين لا يؤمنون بالله إيمانا يتفق مع ما جاءت به العقيدة الإسلامية، كما يوصف به جميع الذين رفضوا الدين الذى جاءتهم به أنبياؤهم- وعلى هذا تشمل كلمة الكفر "اليهود والنصارى وأمثالهم ممن انحرفوا بعقيدة التوحيد، كما تشمل أيضا المشركين الذين أشركوا مع الله غيره فى عبادته- يقول الله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من آهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تآتيهم البينة﴾ (البينة ١) ويقول ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم﴾ (البينة ٦). وإنما دخلت "الباء" فى قوله تعالى: ﴿لا تشرك بالله﴾ ونحوه: لآن معناه لا تعدل به غيره فتجعله شريكا له، وفى قوله: ﴿والذين هم به مشركون﴾ أى أنهم عبدوا الله وعبدوا معه الشيطان- أى أطاعوه- فصاروا بذلك مشركين، وفى حديث تلبية الجاهلية-: " لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك " يريدون أن "الصنم " وما يملكه ويختص به والنذور التى تقدم إليه كلها ملك لله وحده- ومع ذلك لم ينفعهم طوافهم ولا تلبيتهم ولا قولهم فى الصنم "هو لك" ولا قولهم "تملكه وما ملك "- مع تسميتهم الصنم شريكا- بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم] ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى [. أ. د/ صفوت حامد مبارك

стр. 370

٥ - الشركات لغة: هى عقد بين اثنين أو أكثر للقيام بعمل مشترك، وهو معنى قريب من المعنى الاصطلاحى فى القانون التجارى، وفى الشريعة الإسلامية (لسان العرب). واصطلاحا: اتفاق بين اثنين أو أكثر بقصد القيام بنشاط اقتصادى معين ابتغاء الربح. ويشجع الإسلام قيام الشركات، فيقول رسولنا محمد ﷺ (أنا مع الشريكين ما لم يختلفا) كما أن الرسول ﷺ قد أسهم كشريك فى نوع معين من الشركات، هو شركة المضاربة حيث قدمت السيدة خديجة رضى الله عنها مالا، وقدم هو عمله فى هذه الشركة، ولازال هذا النشاط يعد من أهم الأنشطة للشركات الآن، ومن تطبيقاته: شركات المزارعة، وشركات الاستصناع، كذلك فهو نظام شائع فى التجارة بمختلف فروعها فى الدول الإسلامية، وغير الإسلامية على السواء. هذا ويحفل الفقه الإسلامى بدراسات تتصل بمجموعات الشركات، ومن أهم الشركات التى اهتم بها الفقه الإسلامى: - شركات الأعمال: وهى شركات تقوم بين أصحاب المهن المتماثلة أو المتكاملة لأداء الأعمال للمهن التى يحترفونها، وهى شركات قامت أساسا للحفاظ على تقاليد المهن الراسخة، ومنع الدخلاء الذين لا يحترمون هذه التقاليد. - شركات الذمم: وتتميز هذه الشركات بأن الشركاء فيها لا يدفعون رأس مال وتقوم أساسا على شراء سلع بالأجل يتجرون فيها جميعا، ثم يقتسمون الربح بنسبة ما يتحمله كل منهم فى ثمن السلع المشتراة. - شركات القراض: وهى تجمع شخصا أو أشخاصا يقدمون رؤوس أموال، بالإضافة إلى لشخص أو أشخاص يقدمون العمل، ويقوم أصحاب الحصص بنشاط اقتصادى واحد أو متعدد حسب الاتفاق، ويوزعون الربح بينهم حسب الاتفاق. وهى نوع من شركات المضاربة. كما يشجع الإسلام قيام أية شركات أخرى لتنفيذ تعاليم الإسلام فى تشجيع المبادرات الفردية على العمل والإنتاج لتكوين المؤمن القوى القادر، وذلك طالما توافرت لها الشروط الآتية: ١ - عدم التعامل فى أى أشياء محرمة مثل الاتجار فى الخمر أو فى لحوم الخنزير أو فى اللحوم غير المذبوحة وفقا للشريعة. ٢ - عدم التعامل بالفائدة أخذ أو عطاء؛ لذا فمن المتفق عليه ضرورة إلغاء أحكام الفائدة من نماذج إقامة الشركات التى تصدرها بعض الدول، وكذلك شطب القانون المنظم لاصدار السندات، لأن السند دين على الشركة يتم الوفاء به بعد مدة مع سداد فوائد منصوص عليها فيها. ٣ - أن يؤدى قيام الشركة إلى تعظيم الإنتاج وزيادة الموارد؟ لأن فلسفة الشركة هى القيام بأعمال مفيدة يعجز عنها الفرد العادى، أو ضم جهود متعددة إلى بعضها البعض فينتج من هذا الضم القيام بأعمال ضخمة. والمثال النموذجى لذلك هو شركات المساهمة التى تقوم على تجميع الأموال أساسا من عدد كبير من الأشخاص فى أسواق المال، ويختار أصحاب الأسهم من يقومون بإدارة الشركة ويراقبون أعمالهم، ويملكون تغييرهم. أما الشركات ذات المسئولية المحدودة، فتختلف عن شركات المساهمة فى انها لا تصدر أسهما، وإنما تتم المشاركة عن طريق حصص يساهم فيها الأشخاص وغير قابلة للتداولة مثل الأسهم، كما تحدد قوانين مختلف الدول حدا أدنى لرأس المال وحدا أقصى لعدد الشركاء فى هذا النوع من الشركات. كذلك توجد "شركات أشخاص " يعتبر عامل الشخص هو الأساس فيها، منها شركات التضامن، وشركات التوصية البسيطة، وشركات التوصية بالأسهم، ورؤوس أموالها تكون بسيطة فى الغالب، كما أن وفاة أى شريك أو خروجه من الشركة ينهيها. د/جعفر عبد السلام

стр. 371

٦ - الشريعة لغة: الموضع الذى ينحدر إلى الماء منه، كما فى اللسان (١). واصطلاحا: ما شرعه الله لعباده من الدين، مثل الصوم والصلاة والحج .. وغير ذلك، وإنما سمى شريعة لأنه يقصد ويلجأ إليه، كما يلجأ إلى الماء عند العطش، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها﴾ الجاثية:١٨، وقوله تعالى ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ المائدة:٤٨ والشرع والتشريع هو ما يسن من الأحكام (٢). والشرائع السماوية تستمد أحكامها من عدة مصادرة فالشريعة الموسوية تستمد أحكامها أساسا من كتاب الله تعالى المنزل على سيدنا موسى بن عمران ﵇ والمسمى بالتوراة، ثم زاد علماؤهم ما كتبه رجال الدين اليهوديى على امتداد قرون متطاولة، والذى جمع فيما بعد فيما سمى بالتلمود، على الرغم من اعتراضات كثيرة حوله. كما أن الشريعة العيسوية تستمد أكامها من كتابى الإنجيل والتوراة معا. أما الشريعة الإسلامية، فإنها تستمد أحكامها من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الشريفة، ومن إجماع العلماء على حكم من الأحكام فى عصر من العصور بعد وفاة النبى ﷺ ؛ مثل الإجماع على مبايعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالخلافة، ومن القياس فى إثباته حكم فرعى قياسا على حكم أصلى لعلة جامعة بينهما؛ مثل إثبات جريمة إتلاف مال اليتيم بالحرق قياسا على حرمة إتلافه بالأكل، الثابت بالقرآن الكريم؛ بجامع الإتلاف فى كل. بالإضافة إلى مجموعة من الأدلة المختلف فيها مثل: الاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والبراءة الأصلية، والعرف المستقر، وقول الصحابى؛ حيث لم يخالف نصا شرعيا، ولم يوجد ما يخالفه من قول صحابى آخر، وشرع من قبلنا؛ إذا لم يرد فى شرعنا ما ينسخه (٣). وقد أجمع العلماء على أن الشرائع السماوية متفقة على أمرين: ١ - الأمور الاعتقادية، من حيث الإقرار بوجود إله خالق رازق محى مميت موجد لهذا العالم، وواضع لنواميسه، ومرسل للرسل وما يحملون من شرائع. ٢ - الدعوة إلى مكارم الأخلاق، مثل الوفاء بالعهود والعقود، والإخلاص فى الأقوال والأفعال، وأداء الأمانات .. وغير ذلك مما تدعوا إليه هذه الشرائع. لكنها تختلف من حيث الأحكام العملية فى العبادات، والمعاملات، والأقضية والشهادات، وجزاء الجنايات، ونظم المواريث؛ فلكل شريعة أحكامها الخاصة بها (٤). ومن خصائص الشريعة الإسلامية أنها: ١ - إلهية المصدر. ٢ - محفوظة عن التبديل والتغير. ٣ - شاملة لكل شئون الحياة، حيث تعايش الإنسان جنينا، وطفلا، وشابا، وشيخا، ثم تكرمه ميتا، وتنظم انتقال تركته إلى من بعده. ٤ - حاكمة على كل تصرف من تصرفات الإنسان فى هذه المراحل كلها، بالوجوب، أو الحرمة، أو الكراهة، أو الندب، أو الاباحة، وفى كل مجالات الحياة من عملية، وعقائدية، وأخلاقية. ٥ - واقعية، حيث راعت كل جوانب الإنسان البدنية، والروحية الفردية، والجماعية، كما راعت التدرج فى مجال التربية. ٦ - صلاحيتها لكل زمان ومكان. ومن أهدافها: حفظ الضروات الخمس، وهى: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال إلى جانب مراعاتها رفع الحرج والمشقة فى مجال الحاجيات؛ كشريعة القراض، والمساقاة، والسلم، ونحو ذلك من التصرفات التى تشتد الحاجة إليها، مع الأخذ بما يليق فى جانبه التحسينات كالطهارات، وستر العورات، وأخذ أنواع الزينة، وآداب الأكل، وهكذا جاءت شريعة كاملة وافية بكل حاجات البشر فى كل زمان ومكان (٥). أ. د/أحمد على طه ريان

стр. 372

٧ - شعب أبي طالب الشَّعب لغة: ما انفرج بين جبلين، قال الجوهرى: الشُّعب والشَّعب الطرق فى الجبل، والجمع شعاب. أبو طالب: هو أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى، عم الرسول الكريم ﷺ شعب أبى طالب: هو الشعب الذى أوى إليه رسول الله ﷺ وبنو هاشم، لما تحالفت قريش على بنى هاشم وكتبوا الصحيفة. وذلك بعد ست سنوات من مبعثه. وهوجزء من شعب أبى يوسف وكان لعبد المطلب، فقسمه بين بنيه حين ضعف بصره، وقيل بل كله، إذ كان النبى ﷺ قد أخذ حظ أبيه، وكان هذا الشعب منزل بنى هاشم ومساكنهم. وكان كفار قريش لما رأوا هجرة بعض المسلمين إلى أرض الحبشة، وحمية قوم الرسول ﷺ وذب عمه عنه، وأن أمر الرسول ﷺ يفشو فى القبائل وبين ظهرانيهم حتى أسلم عمه حمزة بن عبدالمطلب، أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن لاتبايع قريش أحدا من بنى هاشم ولاتناكحهم ولاتعاملهم ولاتكلمهم أو يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ليقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة، كتبها منصوربن عكرمة بن عامربن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وختمت الصحيفة بأربعين خاتما، وقيل: ختمت بثمانين خاتما- وعلقوها فى جوف الكعبة. فجمع أبو طالب بنى هاشم وبنى عبد المطلب فى شعبه، وكانوا أربعين رجلاً مؤمنهم وكافرهم ما خلا أبا لهب وأبا سفيان، فظاهراهم عليه فحلف أبو طالب لئن شاكت محمدا شوكة لآتين عليكم يا بنى هاشم، وحصَّن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار. فأقام الرسول ﷺ ومعه جميع بنى هاشم وبنى المطلب فى الشعب ثلاث سنين، حتى أنفق رسول الله ماله وكذا أبو طالب، "وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها وصاروا إلى حد الضر والفاقة. وكان أبو جهل والعاص بن وائل والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبى معيط يخرجون إلى الطرقات، فمن رأوه معه ميرة نهوه أن يبيع من بنى هاشم شيئا ويحذرونه من النهب، وكان أبو العاص بن الربيع، وهو ختن رسول الله ﷺ يجئ بالعير ليلا، عليها البر والتمر إلى باب الشعب ثم يصيح بها، فحمد النبى ﷺ فعله. ثم نزل جبريل على رسول الله ﷺ فقال: إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته، ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان، فأخبر رسول الله ﷺ عمه أبا طالب بذلك، فقال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: نعم، فوالله ما يدخل عليك أحد. فخرج أبو طالب إلى قريش فقال: يا معشر قريش إن ابن أخى أخبرنى بكذا وكذا، فهلموا إلى صحيفتكم فإن كان كما قال ابن أخى فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها، وإن يكن كاذبا دفعته إليكم، فأتوا بها وفكوا الخواتيم فإذا فيها: باسمك اللهم. فقال لهم أبو طالب: اتقوا الله، وكفوا عما أنتم عليه، فسكتوا أو تفرقوا، فاجتمع سبعة نفر من قريش على نقضها، وهم: مطعم بن أبن عدى، وزهير بن أمية المخزومى، وهشام بن عمرو، وأبو البخترى بن هشام، وزمعة بن الأسود وآخرون. فخرج بنو هاشم من الشعب، بنصر من الله، وانتهى الحصار. (هيئة التحرير)

стр. 373

٨ - الشعوبية لغة: كلمة منسوبة للشعوب، فهى بذلك لا تفرق بين شعب وآخر من حيث الرفعة أو الضعة، وإنما تدعو للمساواة وهى بهذا المعنى متفقة مع الفكر الإسلامى الذى يرى أنه لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأعجمى على عربى إلا بالتقوى فالمفاضلة تكون بين الأفراد حسب أعمالهم، وليست بين الجماعات والشعوب، وجدى الحال على ذلك فى صدر الإسلام، فبلال الحبشى وصهيب الرومى، وسلمان الفارسى كانوا من خيرة الصحابة، وعندما غضب أبو ذر الغفارى على عبد له، وقال له يا ابن السوداء، صاح به الرسول ﷺ إنك إمرؤ فيك جاهلية، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بعمل صالح (١). وبدأ الإسلام يتسع على يد العرب، ويضم أقواما لهم فى التاريخ مكان مجيد، وجاء العصر الأموى الذى كان يعتمد على سيوف العرب فى فتوحاته وتوسعه، وظهرت روح جديدة لايقرها الإسلام وهى الفرق بين العرب والموالى، وفى أيسر تعريف للموالى أنهم المسلمون من غير العرب، وأحس العرب بتفوق جنسهم الذى كان منه الخلفاء والأمراء والكتاب والشعراء والفقهاء، وافتخر العرب بجنسهم ولم يساووا بين العرب والموالى وبخاصة من الفرس. ومن هنا بدأ للشعوبية معنى جديد فى التاريخ يرمى إلى التعصب لغير العرب، واعتبارهم بتاريخهم العظيم أسمى من العرب، وقاد يهود فارس هذا الإتجاه. وساعد على ذلك أن الدولة العباسية قامت بسيوف فارسية، وأن مفكرى الفرس اهتموا بالتفوق فى مجالات الأدب والشعر والتفسير والفكر، وذلك ضمن لهم التفوق فى المجال السياسى والفكرى، فأصبح الخلفاء يعترفون بفضلهم، وأصبح منهم العديد من الوزراء والأدباء والسفراء والمفسرين والمؤرخين. وبدءوا بحاضرهم وماضيهم يعدون أنفسهم أسمى من العرب، وهذا هو المعنى الذى آل إليه معنى الشعوبية فأصبح للشعوبية معنى مزدوج هو الحط من الجنس العربى، والنيل من الدين الإسلامى، ووسيلتها لذلك التعصب لرفع شأن غير العرب وبخاصة الفرس والتفاخر بأمجادمم، ورقى حضارتهم، وما يتبع ذلك من تصغير شأن العرب والهجوم عليهم، ووصفهم بأحقر الأوصاف. ويصور الجاحظ حركة الشعوبية وأهدافها بقوله: إن عامة من ارتاب فى الإسلام كانت الشعوبية أساس ارتيابهم فلا تزال الشعوبية تنتقل بأهلها من وضع إلى وضع حتى ينسلخوا من الإسلام لأنه نزل على نبى عربي، وكان العرب حمله أوائه عندما نزل (٢). ويلاحظ أن الفرس حاولوا أن يشركوا الأجناس غير العربية فى حركتهم الشعوبية فاستعانوا بأجناس وحضارات مختلفة ضد العرب، وتنفيذا لذلك راحوا يمجدون حضارة الفراعنة وحضارة الفينقيين والهند، ولكن ذلك لم يخدع هذه الشعوب، فإن هؤلاء ربحوا عقائديا وثقافيا وسياسيا بالاسلام فرفضوا أن ينضموا للفكر الشعوبى وتمسكوا بالفكر الإسلامى الذى يسوى بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم، والذى يدعو إلى التعاون بين الشعوب الإسلامية لخدمة الجميع. وبقى الفرس وحدهم فى هذا المضمار، وقد وضعوا بعض الأحاديث التى نسبوها للرسول صلوات الله وسلامه عليه والتى تعلى من قدرهم. واشترك بعض الشعراء الفرس فى هذا المجال فنظموا القصائد التى يهاجمون فيها العرب، ومن ذلك ما قاله أحدهم: همو راضة الدنيا وسادة أهلها * إذا افتخروا لإراضة الشاه والإبل وقال آخر: ولست تبارك إيوان كسرى * لتوضح أو لحومل فالدخول. ووجد اليهود الفرس فرصتهم فى هذا المجال ليهاجموا الإسلام ورسول الإسلام فقالوا: منا العديد من الأنبياء والمرسلين وليس هناك أنبياء من العرب سوى ثلاثة هم هود وصالح ومحمد، ونسوا أن كثرة الأنبياء فيهم كانت لكثرة زيفهم وضلالهم، فأرسل الله لهم العديد من الأنبياء لإصلاح شأنهم ولكن بدون جدوى، وطعن اليهود الفرس فى إسماعيل الجد الأعلى للرسول صلوات الله وسلامه عليه فقالوا إنه ابن جارية (هاجر)، أما إسحق جدهم فإن حرة (سارة). وهكذا خلق اليهود والفرس هذه النفرة للتفريق بين المسلمين، مع أن الإسلام لا ينظر إلى أصول الناس أو ثرائهم أو ألوانهم، وإنما ينظر إلى تقواهم وأعمالهم قال تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات:١٣. والآية تذكر الناس بوحدة المنشأ، وتقرر أن تقسيم الناس إلى قبائل وضع طبيعى ناتج عن تعدد الأولاد والأحفاد، ولكن يهدف للتعارف لا للتفرقة، كما تؤكد الآية أن التفاضل لا يتخذ أساسه أصول الناس بألوانهم وأخباسهم، بل ينظر إلى عمق الإيمان وما يقدمه الناس من العمل الصالح. أ. د/أحمد شلبي

стр. 374

٩ - الشعوذة لغة: الشعوذة خفة فى اليد وأخذ كالسحر، يُرى الشيء بغيرماعليه أصله فى رأى العين، ورجل مشعوِذ ومشعوَذ. والشعوذة: السرعة، وقيل هى الخفة فى كل أمر، والشعوذى رسول الأمراء فى مهماتهم على البريد وهومشتق منه لسرعته وقال الليث: الشعوذة والشعوذى مستعمل وليس من كلام أهل البادية (١). واصطلاحا: كل أمر مموّه باطل لاحقيقة له ولاثبات (٢). وقيل الشعوذة حيل ومخرقة وتهويل وإيهام ليس لها حقائق أولها حقائق لكن لطف مأخذها، ولو كشف أمرها لعلم أنها أفعال معتادة يمكن لمن عرفها أن يفعل مثلها. والشعوذة أو الشعبذة ضرب من السحر قائم على التمائم والتعاويذ والأحجبة والطلاسم. وتكثر الشعوذة لدى الشعوب والأمم المتأخرة فى ميدان المدنية، حيث تشغل الشعوذة والسحر المحل الأول من مجهوداتها العقلية والروحية، فنجد أن بعض الأفارقة تكثر لديهم التمائم والطلاسم، ويعزون لها أمورا خارقة للعادة تحفظ من الحسد، وتشفى من الأمراض، وتجلب الرزق، وتوجب المحبة والانعطاف، فإذا بدا لأحدهم أن طلسما أخطأ غرضا ولم يأت بالنتيجة المنتظرة منه لا يشك إطلاقا فى قوة الطلسم ولا يزيد على أن يبدله بسواه معتقدا فيه العقيدة التى كانت عنده لسابقه. ومازالت الشعوذة عند كثير من الأمم مثل أهل التبت، فقد أقرّت العقيدة البوذية السحر والشعوذة وكذلك لدى الهنود والاستراليين، وهناك من يسمون بالروحانيين الذين يقومون بأعمال تدخل تحت باب الشعوذة من قيامهم بما يسمى تحضير الأرواح والاستعانة على ذلك بأجهزة وآلات تحقق لهم أهدافهم وينخدع بها كثير من الناس. ومن هنا فتجب محاربة هذه الأشياء التى هى سهم مسموم قاتل موجّه لتدمير أمتنا لقطع وريدها وإفساد عقيدتها، وتدمير قيمها، لتصبح هشيما تذروه الرياح، فلابد من كشف حقيقة المشعوذين وأباطيلهم وتعريتها. الحكم الشرعى: جعلت الشريعة السحر والشعوذة والطلسمات بابا واحدا محظورا، لأن الفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا فى ديننا الذى فيه صلاح آخرتنا، أو فى معاشنا الذى فيه صلاح دنيانا، وما لا يهمنا فى شيء منهما، فإن كان فيه ضرر أو نوع ضرر كالحاصل من السحر والشعوذة والطلسمات والنجامة التى فيها نوع ضرر باعتقاد التأثير، فتفسد العقيدة الإيمانية برد الأمور الى غير خالقها وهو المولى فمن هنا تبدو حرمة هذه الأمور التى يجب الابتعاد عنها قربة الى الله تعالى، ولو من باب: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. والله اعلم. (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب لابن منظور مادة (شعوذ) ٢ - أحكام القرآن/ الجصاص (١/ ٤٣)

стр. 375

١٠ - الشفاعة لغة: من الفعل شفع يشفع شفاعة، وتشفع بمعنى طلب ورجا، ومنه الشفيع والشافع، وجمعه شفعاء وقد يجمع بالواو والنون جمعا مذكرا فيقال شافعون ومنه استشفع لفلان على فلان وتشفَّع له، وتشفع إليه فشفعه فيه وشفعه له. وفى القرآن الكريم: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾ (النساء٨٥). والشفاعة طلب ورجاء من الشفيع فى حاجة يسألها لغيره عند الغير. وفى الحديث: "إذا بلغ الحد السلطان فلعن الله الشافع والمشفع" واصطلاحا: عند علماء أصول الدين هى سؤال النبي ﷺ ربه أن يتجاوز عن ذنوب أمته بمغفرتها، والشفاعة هى خصوصية اختص الله بها نبيه محمد ﷺ دون سائر الأنبياء والرسل، قال ﷺ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء، أحلت لى الغنائم ولم تحل لنبى قبلى، وجعلت لى الأرض مسجدا وتربتها طهورا فأيما امرؤ أدركته الصلاة فليصل، ونصرت بالرعب، وأعطيت الشفاعة، وكان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" والشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وأحاديث الشفاعة كثيرة الورود فى كتب الأحاديث الصحيحة وفى كتب السنن، وفى القرآن الكريم: ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بأذنه﴾ (البقرة ٢٥٥) وجمهور المفسرين أنه لم يؤذن لأحد فى الشفاعة من الأنبياء إلا لمحمد ﷺ . فهى أصل من أصول الإيمان، ومنكرها كافر بإجماع أهل السنة والجماعة. لم يشذ إجماع المسلمين عليها إلا طائفة من الخوارج وبعض رجالات المعتزلة لأنهم قاسوا شفاعة الرسول ﷺ لأمته على شفاعة الإنسان للإنسان فى الدنيا. والشفاعة أنواع ومراتب: ١ - الشفاعة العظمى يوم الموقف، وهى خاصة بنبينا محمد ﷺ لحديث الشفاعة الطويل الوارد فى البخارى ومسلم، وفيه: أن الناس يهرعون إلى الأنبياء جميعا طلبا لشفاعتهم من الله من هول الموقف فيهرعرن إلى آدم وإبراهيم وموسى وعيسى وكلهم يقول: لسنا لها. ثم يجيئون إلى محمد ﷺ فيقول: أنالها أنالها .. الحديث. ٢ - شفاعته ﷺ فى أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع لهم ليدخلوا الجنة. ٣ - شفاعته ﷺ فى أقوام قد أمر بهم ليدخلوا النار. فيشفع لهم فيدخلون الجنة ٤ - شفاعته فى أقوام يدخلون الجنة بغير حساب. ٥ - شفاعته ﷺ فى أن يؤذن لجميع أمته المؤمنين به فى أن يدخلوا الجنة. ٦ - شفاعته فى تخفيف العذاب عمن يستحقه. كشفاعته فى عمه أبى طالب. ٧ - شفاعته فى رفع درجات بعض المؤمنين. وقد وافق المعتزلة على هذا النوع فقط من بين أنواع الشفاعة المذكورة. ٨ - شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته، لقوله ﷺ " شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى." وقد أنكر ذلك الخوارج والمعتزلة. وقد يشارك الملائكة والنبيون والمؤمنون فى هذا النوع من الشفاعة فإن المؤمنين يشفع بعضهم لبعض كما فى الحديث: إن للشهيد عند الله سبع خصال، وذكرمنها: أن يشفع فى سبعين إنسان من أقاربه. وفى القرآن الكريم ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ (الطور ٢١) وقد اختلف المحققون فى منكر الشفاعة والراجح عندهم أنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، لأنها ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع. فمن أنكر فقد أنكر ما هو ثابت بالنصوص القطعية ومن هنا قالوا بكفره. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 376

١١ - الشفعة لغة: الزيادة، وهو أن يشفعك فيما تطلب حى نضمه إلى ما عندك فتزيده، أى أنه كان، واحدا فضم إليه مازاده وشفعه به، ويسمى صاحبها شفيعا، كما فى اللسان (١). وفى القرآن الكريم ﴿والشفع والوتر﴾ الفجر:٣، والمختار فى تفسيرها هو ما قاله ابن عباس رضى الله عنهما وعدد كبير من التابعين: أن المراد من الشفع فى الآية هو الخلق قال الله تعالى: ﴿ومن كل شىء خلقهنا زوجين﴾ الذاريات:٤٩، الكفر، والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحروالبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء، والأرض، والجن والإنس. والوتر: هو الله تعالى قال جل ثناؤه: ﴿قل هوالله أحدالله الصمد﴾ الإخلاص:١ - ٢،وقال النبى ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين أسما والله وتر يحب الوتر) (٢). واصطلاحا: عرفها الفقهاء؛ بأنها حق تملك قهرى يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض، وقد قيل فى الحكمة من تشريعها؛ إنها لدفع ضرر مؤنة القسمة أو استحداث المرافق كالمصعد والمنور والبالوعة وغيرها مما يحتاج إليه فى نصيبه الذى آل إليه؛ وقيل: إنها لدفع ضرر الشركة، مع شريك جديد لم تعرف معاملته ومجاورته. وأركانها: الشقص المشقوع فيه، والشريك القديم الطالب للشفعة، والمشترى لجديد للشقص، والصيغة، وهى الإيجاب والقبول بلفظ دال على عقد الشفعة. وفى الحديث الشريف: عن جابر رضى الله عنه قال: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فى كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به) (رواه مسلم) (٣). فبين هذا الحديث الشريف سبب الشفعة وما يجب على الشريك الذى يريد بيع نصيبه من إخطار شريكه برغبته فى البيع، بينما آخرج البخارى هذا الحديث بلفظ (قضى النبى ﷺ بالشفعة فى كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) (رواه البخارى) (٤) حيث دلت هذه الزيادة على الأمد الذى انتهى عنده حق طلب الشفعة وهو حصول القسمة ووضع الحدود بين الأنصياء وتصريف الطرق بينها. ومذهب جهود العلماء أن الشفعة تثبت فيما لم يقسم فى العقارات؛ وهى الأرض وما اتصل بها من بناء وأشجار، فإذا حصلت القصمة ووقعت الحدود فلا شفعة، وقد نقل هذا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبدالعزيز، والزهرى، ويحيى الأنصارى، وأبى الزناد، والأوزاعى، ومالك، والشا فعى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبى ثور، رضى الله عنهم أجمعين. وقال أبو حنيفة والثورى: تثبت الشفعة بالجوار الملاصق ولو من جانب واحد، واستدلا بحديث أبى رافع عن النبى ﷺ أنه قال: (الجار أحق بسقيه) (أخرجه البخارى، والشافعى، وأحمد، وأبو داود، والنسائى وأصحها رواية البخارى) (٥). ويبطل حق الشفيع بعد علمه ببيع نصيب شريكه من أجنبى وسكوته بما يظن منه أنه غير راغب فى المطالبة بالشفعة، ويثبت ذلك بقرائن الأحوال. أ. د/أحمد على طه

стр. 377

١٢ - الشهادة لغة: تعنى الخبر القاطع، وشهد كعلم وكرم، وشهده "كسمعه " شهودا حضره فهو شاهد والجمع شهود وشهد. والشهيد- وتكسر شينه- الشاهد والأمين فى شهادته، والذى لا يغيب عن علمه شيء، والقتيل فى سبيل الله لأن ملائكة الرحمة تشهده والجمع شهداء (١) واصطلاحاً: الشهادة ذات وظائف مختلفة، ومعان متعددة، تعنى"التوحيد " أى شهادة ألاّ إله إلا الله، وحين تذكر بصيغة التثنية- أى الشهادتين- فإنها تعنى: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهى بذلك باب الدخول إلى الإسلام والإيمان بالله ربَّا، وبمحمد ﷺ رسولا. وقد ورد هذا المعنى فى قوله تعالى] قل أى شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم [) الأنعام ١٩) ٠ أى أن أعظم شهادة فى إثبات إنى رسول الله أن الله شهيد على ذلك. والعلم بالغيب والشهادة صفة خص الله بها نفسه، فهو وحده "عالم الغيب والشهادة"، وقد جات هذه الخاصية الإلهية فى عدد من آيات الكتاب العزيز، ويجيء ذكرها مقرونا كل مرة بشأن من شئون الألوهية، فيقول : ﴿قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة﴾ (الأنعام ٧٣). أى أنه سبحانه يعلم ماغاب من حواسكم وما تشاهدونه. وقوله : ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ (التوبة ٩٤) ٠ أى الذى لا تخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها. وقوله : ﴿عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون﴾ (المؤمنون ٩٢). ومن نعم الله وأفضاله على الملائكة وعلى أولى العلم من عباده تكريمهم فى مجال الشهادة، فيذكرهم مقرونين بذاته العليّة أنهم يشهدون معه أنه "لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام " وذلك فى قوله ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ (آل عمران ١٨ - ١٩). فشهادة الله بوحدانيته هى إيجاد ما يدل على وحدانيته فى العالم وفى نفوسنا وشهادة الملائكة بذلك هى إظهارهم أفعالا يؤمرون بها، وشهادة أولى العلم اطلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك، وهذه الشهادة تختص بأهل العلم، طبقا لما ذهب إلية أكثر المفسرين- وعلى هذا نبه بقوله :﴾ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴿(فاطر ٢٨). وأداء الشهادة واجب فى الإسلام، بل إن أداءها أقرب إلى أن يكون فرضا منه أن يكون واجبا، ففى أدائها إنصاف المظلوم مثلما أنها تثبت الحقوق لأصحابها، فضلا عن كونها أداة للفصل بين الدائن والمدين وبين أصحاب الخصومات، وفى هذه المواقف يؤكد القرآن الكريم على حتمية أدائها وذلك فى قوله ﴾ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون ﴿(البقرة ١٤٠). وفى آية أخرى من سورة البقرة يرد النص القاطع بتأثيم كاتم الشهادة، وذلك فى قوله :﴾ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴿(البقرة ٢٨٣). وتحتل شهادة "الوصية"، مكانة متينة فى مجتمع المسلمين من منطلق أن الوصية واجبة التنفيذ، والوصية لا تكون إلا فى مجال الخيرات، ومن هنا كان قول الرحمن الرحيم﴾ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ﴿(المائدة ١٠٦). وتمضى الآيات متتابعة فى إصدار الأحكام الإلهية فى شأن تثبيت الوصية على الوجه السليم الذى لا تشوبه شائبة، وفى ذلك يقول الله :﴾ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أق ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين ﴿(المائدة ١٠٨). وإذا كانت الشهادة فى الإسلام من الخطورة بحيث احتلت مكانة بارزة فى كتاب الله وفى حديث رسوله ﷺ ، فإن الاهتمام بالشهود- وهم من يقومون بأداء الشهادة- أمر جليل الخطر، فليس كل إنسان مؤهلا لأداء الشهادة. إن الرسول ﷺ يقول: "إنما يراد من الشهادة معرفة الحق" (٢) ومن منطلق هذا الهدف النبيل جاء فى السنة أن رسول الله ﷺ ردَّ شهادة الخائن والخائنة وذى الغمر- ذى الشحناء- على أخيه، ورد شهادة القانع- القانع هو الأجير التابع مثل الأجير الخاص- لأهل البيت وأجازها لغيرهم (٣). وعن سليمان بن موسى بإسناده، قال رسول الله ﷺ : " لا تجوز شهادة خائن ولا زان ولا زانية ولا ذى غمر على أخيه ". (٤) وتبلغ الدقة فى اختيار الشاهد: الحدود التى قد تبدو غير ذات خطر، ولكن خطورة الشهادة التى على صلاحها يشيع العدل فى المجتمع جعلت رسول الله ﷺ يقول- والرواية لأبى هريرة- "لا تجوز شهادة بدوى على صاحب قرية". ويقتدى عمر بن الخطاب نهج رسول الله ﷺ . فى شأن أن يكون الشاهد مؤهلا للشهادة الصالحة، وليس به ما يعيب شهادته حيال أحد طرفى القضية التى يدلى بشهادته فيها. يقول عمر فى "رسالة القضاء" الشهيرة التى بعث بها إلى أبى موسى الأشعرى حين ولاه قضاء البصرة فى إحدى فقراتها فى شأن الشهود: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب) (٥). إن عمر يقرر أن المسلمين جميعا أكفاء فى الشهادة، غير أن بعضا منهم لا تجوز شهادته، الفريق الأول هم الذين أقيمت عليهم الحدود لطعنهم فى أعراض المحصنات، والفريق الثانى ممن لا تجوز شهادتهم هم الذين عرف عنهم أنهم يشهدون زورا، والفريق الثالث من يظن بهم أن ثمت صلة تربط بين الواحد منهم وبين أحد طرفى النزاع مثل صلة القربى أو الرق أو ما شاكل ذلك. ومن الذين ينطبق عليهم الاستثناء فى أداء الشهادة كاملة النساء، ذلك أن "شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل " طبقا لحديث رسول الله ﷺ . الذى مر بنا (٦). وقد أورد القرآن الكريم شهادة المرأة على هذا النهج فى قوله تعالى:﴾ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴿(البقرة ٢٨٢). ثمة نوع آخر من الشهادة يكون الإدلاء بها على جانب من الدقة بالنظر إلى الحرج الذى يقع فيه الشاهد لأنه فى حالتنا هذه يكون واحدا من الأزواج الذين يرمون زوجاتهم بالخيانة الزوجية، وليس لديه شهداء طبقا لطبيعة تطبيق هذا النوع من الحدود، وفى مثل تلك الحالة يكون على الزوج أن يشهد أمام القاضى أربع شهادات بالله أى أربع مرات أنه صادق فى رميه إيّاها بالزنا، ثم يزيد شهادة خامسة بأن يدعو على نفسه باستحقاق لعنة الله ان كان من الكاذبين. وبذلك تكون الزوجة مستحقة عقوبة الزنا وهى الرجم حتى الموت، وفى هذه الحالة لا يدفع عنها عقوبة الحد إلا أن تشهد فى مقابل شهادة زوجها أربع شهادات إنه لكاذب فى اتهامه إياها، ثم تزيد شهادة خامسة بالدعوة على نفسها أنها تستحق غضب الله إن كان زوجها صادقا فى اتهامه إياها، فإذا تم ذلك قام القاضى بالتفريق بينهما. لقد أورد القرآن الكريم هذه الشهادات من الطرفين تفصيلا فى نطاق من الإعجاز الربانى فى قوله تعالى﴾ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ﴿(النور ٦ - ٧) ثم يكون للزوجة أن تقوم بمثل صنيع زوجها من الإدلاء بخمس شهادات على النحو الذى سبق الاستشهاد به فى الآيتين السابقتين. ومن الشهادات التى ألف المسلمون سماعها، شهادة براءة يوسف ﵇ من اتهام امرأة العزيز له بمحاولة الاعتداء عليها، وقيام أحد أقربائها بتوضيح البرهان الذى برأه من كيدها وذلك فى قوله :﴾ وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ﴿إلى قوله تعالى:﴾ فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴿(يوسف ٢٣ - ٢٨). ومن القضايا التى تنال اهتمام المسلمين كل عام رؤية هلال شهر رمضان التى تصح أصلا بالشهادة، وهى هنا بمعنى الحضور والرؤية بالعين، فإن رسول الله ﷺ يقول: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" والرؤية تحتاج إلى شهادة من مسلمين بالغين سليمى الإبصار، وهؤلاء يؤدون الشهادة لدى ولى الأمر بأنهم رأوا الهلال، ولا نريد هنا أن نذهب مذاهب المحدثين فى تأويل الرؤية فليس هذا مجالها، وإنما المطلوب فى هذا المقام شهود عدول يؤدون الشهادة بأنهم رأوا هلال رمضان. لعل هذا الذى أوردناه فى "الشهادة" لا يعفى من ذكر شهادات أخرى مثل شهادة الزواج وهى غير وثيقة الزواج، وشهادة توكيل العروس لمن اختارته وكيلا لها فى إتمام إجراءات الزواج. وهناك مصطلح بلفظ الشهادة، وهذه الشهادة هنا تعنى وثيقة، مثل شهادات الميلاد، والوفاة والملكية، وإبراء الذمة، وحسن السير والسلوك، وشهادة النسب الشريف، والشهادات الدراسية التى تبدأ بشهادة الإبتدائية، وتنتهى بشهادة الدكتوراه وغير ذلك كثير. والحق أن مصطلح التسمية فى تلك الأمثلة ينبغى أن يتغير، وأن تستعمل التسمية التى تدل على حقيقة هذه الحالات وهى الوثيقة. أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 378

١٣ - شهود يهوه jehovah ,s Witnesses يرجع إنشاء جماعة شهود يهوه إلى سنة ١٨٧٢ م فى ولاية بنسلفانيا الأمريكية (١). على يد القس تشارلز راسل charles T .Russel الذى ولد على المذهب البروتستانتى سنة ١٨٥٢ ولكنه رفض تعاليم كنيسته وهو فى السادسة عشرة من عمره، والتحق بكنيسة "الأدفنتست " التى يعرف أتباعها بالسبتيين، والنهائيين لأنهم يعتقدون باقتراب نهاية العالم (٢). ولقد عرفت شهود يهوه فى أول عهدها بالظهور باسم "جمعية العالم الجديد" ثم غيرت اسمها إلى "الدارسون الصادقون للإنجيل " ثم تحولت إلى اسم ثالث هو "أتباع راسل " نسبة إلى مؤسسها ثم استقرت على اسمها الحالى "شهود يهوه " وكان ذلك سنة ١٩٣١ م عندما اتخذوا لأنفسهم مقرا فى حى بروكلين فى نيويورك (٣). وكان الهدف من التسمية فى صيغتها الأخيرة أنهم يعتنقون الشهادة التى تقول بأن "يهوه " هو الإله الأعظم خالق الكون (٤) .. على أن الشيء الجدير بالذكر أن راسل Russel مؤسس الجمعية لم يلبث أن خرج على المذهب الأدفنتستى وانصرف إلى العكوف على التوراة قراءة وتأويلا وانتهى إلى أن عليه رسالة إيمانية واجبة الأداء تتمثل فى رفض جميع الديانات، ودحض وافتراءات الديانات القائمة مثل الكاثوليكية والبروتستانتية وتضليلاتها" (هـ) .. كما شرع فى إقامة نظام دينى مختلف أسسه على تفسيره الذاتى للتوراة، وسجل المبادئ التى انتهى إليها فى عدد من المجلدات تلقفتها "الماسونية" ووجدت فيها أداة لزلزلة المذاهب المسيحية المشهورة، وتولت طباعتها ونشرها سنة ٨٨١ ام فى سبعة مجلدات تحت عنوان "بحوث كتابية". واستطاع راسل بعد إعلان مذهبه أن يؤسس مجلة ناطقة باسمه سنة ٨٨٤ ام وجعل اسمها "مجلة برج صهيون للمراقبة" ثم ما لبث بعد اثنى عشر عاما أن حذف اسم صهيون من العنوان فصار عنوانها الذى استقرت عليه حتى الآن ((برج المراقبة Watch Tower)) ولما مات راسل سنة ١٩١٦ م خلفه فى قيادة حركته "جوزف فردرك رذرفورد" j.f. Rutherford وكان أكثر انحرافا من سلفه، فساد أخلاق وخراب ذمة واختلاق أكاذيب، فحكم عليه بالسجن عشرين عاما، وكان قد أعلن الحرب على الكنائس والمساجد ومع ذلك كان يلقب بالمسيح الثالث مثلما كان يلقب أستاذه بالمسيح الثانى. وبعد موت فورد سنة ٩٤٢ ام عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاما، خلفه فى قيادة الشهود " ناثان هومر نور Nathan H. Knorr الذي نظم المدرسة التى أنشئت فى بر وكلين بعد الحرب العالمية الثانية، كما أنشأ مبنى كبيرا ليطبع فيه مجلتى برج المراقبة، و: استيقظوا awake، وكانت تعاليمه تقضى برفض تقسيم الكتاب المقدس إلى "العهد القد يم " و "العهد الجديد" كما كان أشد عداوة للأديان وسخرية بها وبخاصة الكثلكة والإسلام (٦) .. وكان ناثان قبل موته قد شارك فى توسيع هيئة أمناء الجمعية بمقرها الرئيسى فى بروكلين بعد أن كانت قد تفرقت فى جماعات متعددة، وفى سنة ٩٨٩ام صار كل فرد من الأمناء الاثنى عشر قد تفرغ للعمل بالجمعية وكرس كل وقته للعمل بها (٧) ومن المظاهر البارزة فى طبيعة تفكير "شهود يهوه " وعقيدتهم صلتهم الوثيقة بدولة إسرائيل الحديثة الصنع، وإيمانهم الذى لا يحده حدود بالصهيونية، فإنهم ينفردون بهذا السلوك المنحرف دون غيرهم من سائر شعوب الأرض وجميع الملل والمذاهب، إنهم يقررون فى صلب عقيدتهم "أن كلمة صهيون تطلق على جماعة الله والهيئة التى نظمها يهوه القدير حسب قصده " (٨). كما يعتقدون "أن الأمة الإسرائيلية والمنظمة بعهد من الله هى رمز إلى صهيون الحقيقية التى اختارها الله سكنا له، والتى من جمالها أشرق نوره " (٩) .. وفى إلحاح شديد على تأكيد هويتهم الصهيونية يقول شهود يهوه فى المصدر نفسه ((إن لفظة صهيون تطلق على شعب الله على الأرض، لأنهم من صهيون التى هى هبة الله وجمعيته ". (١٠) ثم يعودون لتأكيد تأييدهم الأعمى لإسرائيل بتسميتهم إياها "مملكة الرب الرمزية (١١) وتضم عقيدة "شهود يهوه" الكثير من الأعاجيب التى كثيرا ما يصطدم بعضها ببعض ففى الوقت الذى يمجدون فيه" يهوه " ويوحدونه، يقولون يهوه هو الإله الحى الحقيقى الوحيد"، يؤكدون أن له شهودا على الأرض قبل آلاف السنين من مجيء المسيح، وإن "يهوه " الأب، وابنه الأول اسمه "لوغس "، وابنه الثانى اسمه "لوسيفر (١٢). ومن معتقدات "شهود يهوه " أن عقيدتهم مستمدة من التوراة وحدها دون أى مصدر آخر بما فى ذلك الكتب الدينية المسيحية الأخرى (١٣) وقد سلف القول إنهم يفرقون بين العهد القديم والعهد الجديد الذى لا يعترفون به "وشهود يهوه " لا يؤمنون بعقيدة التثليث التى هى الرمز المعرفى للمسيحية ويعتقدون التوحيد المطلق ليهوه "الكائن الأسمى" وهم ينكرون أن المسيح قد صلب ويعتبرون الصلب من الشعائر الوثنية وأن عيسى قد ربط على عمود واحد قائم من الخشب (١٤). وهم يحرمون نقل الدم من إنسان لآخر ولو أدى ذلك إلى هلاك المريض (١٥). ومن عقائد "شهود يهوه " التى تتسم بالقسوة، إيمانهم بمعركة "هرمجدون " وقد افاضت كتبهم- وبخاصة كتاب الخلاص الذى أفرد لها ستين صفحة- فى وصف قسوتها ووحشيتها، وملايين الأرواح التى سوف تزهق بها، وأنواع العذاب التى ستحل بمن لا يعتقد عقيدتهم. وإن كان الواقع يستبعد حدوثها، فقد جاء فى كتبهم أنها ستقع سنة ١٩١٨، ١٩٢٠، ١٩٢٥، ١٩٤١م، وقد مرت هذه السنوات ولم تحدث المعركة الموعودة مما دفع بعض أتباعهم إلى الخروج على عقيدتهم. ومرة أخرى اعتقد "شهود يهوه "طبقا لما ورد فى كتبهم أن سنة ١٩٧٥م توافق مرور ستة آلاف سنة على خلق آدم فى جنة عدن وترجموا هذا التاريخ إلى سنة ٤٠٢٤ ق م، ومن ثم اعتقدوا أن سنة ١٩٧٥ م هى التاريخ المحدد لنشوب معركة "هر مجدون " الوحشية (١٦)، ولكن تلك السنة قد مرت بسلام ومضى الآن على انقضائها ربع قرن من الزمان ولم يشهد أحد للمعركة "المنتظرة" أثرا ولا توقعا. أ. د. مصطفى الشكعة

стр. 379

١٤ - الشورى اصطلاحا: يقصد بها النظام الذى يجب أن يطبق فى الدول الإسلامية وهو يعنى أن الحاكم ولى الأمر، وكل من ولي ولاية عامة يجب أن يستطلع رأى المسلمين فيما يعرض عليه من مهام. وقد وصف الله المسلمين بالشورى﴾ وأمرهم شورى بينهم ﴿(١٣٨). وهناك سورة كاملة فى القرآن الكريم تحمل اسم الشورى. كما أمر الله رسوله الكريم بمشاورة أصحابه فى سورة آل عمران حيث يقول جل شأنه﴾ فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر ﴿، (أل عمران ١٥٩). ولا شك أن الشورى تحقق أهدافا إسلامية عديدة، منها إحساس المسلمين بأنهم يديرون شئونهم والاستفادة برأى النخبة فيما يهم أمرهم، لذا كان الرسول ﷺ يشاور أصحابه، وكثيرا ما نزل على رأى بعضهم حتى وإن خالف رأيه، كما حدث فى اختيار مكان غزوة بدر، وكما حدث فى اختيار المكان الذى يحارب منه المسلمون فى غزوة أحد، وكذا فى طريق معاملة الأسرى بعد غزوة بدر، وفى كثيرمن شئون الحكم والإدارة والحرب. وتعتبر الشورى من أهم الأسس التى يقوم عليها نظام الحكم فى الإسلام، وهى تقابل بشكل أو بآخر، النظام الديمقراطى الذى يطبق فى الدول الغربية، وإن ظل النظام الإسلامى يختلف اختلافا بينا عن النظام الغربى. فأهل الشورى فى الإسلام هم النخبة المتميزة عقلا وبلاء فى خدمة الدين الحنيف، ومن لديهم القدرة على فهم الأحداث وحل مشكلات المسلمين، وهذه النخبة يطلق عليها اصطلاحا "أهل الحل والعقد " وهم يختارون الخليفة أو ولى الأمر، ويقومون بالاجتهاد معه لحسم المشكلات وقد وصف الله دورهم المكمل لدور الخليفة أو ولى الأمر بقوله:﴾ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴿ (النساء ٨٣). فأهل الشورى هم رأس المجتمع الإسلامى، والفئة القادرة على الاجتهاد، وتقدير مصالح الأمة، لذا فمنهم ركن ركين من أركان نظام الشورى. وهم يختلفون عن هؤلاء الذين لهم حق الانتخاب والترشيح وفقأ للأنظمة الحديثة، إذ عادة ما يكتفى القانون فى المرشح إجادة القراءة والكتابة فحسب، وهو شرط لا يجعل مثل هذا الشخص يقدر على تصريف الأمور، ووقاية الحكومة، والإسهام فى وضع التشريعات. ولا يستبعد النظام الإسلامى بقية أفراد الشعب من المشاركة فى تسيير أمور الدولة، ويعطيهم جميعا الحق فى "البيعة" وهو حق يجعل الخليفة غير شرعى إذا لم يبايعه المسلمون، ولكل المسلمين رقابة الحاكم المسلم وتقويمه ونصحه إن رأوا فيه أى اعوجاج، كما كان ولاة الأمور والخلفاء يطلبون دائما من المسلمين. ولم ينص القرآن الكريم ولا سنة الرسول ﷺ على أساليب معينة لممارسة الشورى , ومن ثم فقد ترك الباب واسعا للمسلمين ليقرروا الأسلوب الأمثل بالنسبة لكل زمان ومكان. واتجه بعض العلماء والفقهاء إلى أنه طالما أن الشورى واجبة، فإن كل ما يوصل إليها يأخذ حكمها أى الوجوب، وبالتالى فإذا كان يصعب جمع علماء الأمة وحكمائها فى مكان واحد لمشاورتهم، فإن الأخذ بالنظام النيابى، أى تمثيل الأمة فى مجلس منتخب من الشعب يقبله الإسلام طالما لم يوجد وسيلة أخرى تحقق الشورى. كذلك نجد من قال إن لولى الأمر- بعد المشاورة- أن يتخذ القرار المناسب وهو رأى مرجوح، إذ ما أهمية الشورى إن لم تكن نتيجتها ملزمة؟ إننا مع ضرورة تطبيق الشورى فى الدولة الإسلامية والالتزام بنتيجتها. أ. د/ جعفر عبد السلام

стр. 380

١٥ - الشوقيات اصطلاحا: هى ديوان أمير الشعراء أحمد شوقى. تتكون الشوقيات من أربعة مجلدات وكتب مقدمة الديوان الأديب الكبير الدكتور محمد حسين هيكل. وقد طبع الديوان طبعة أولى بمطبعة الآداب والمؤيد سنة ١٨٨٨ م إلى ١٨٨٩ م فى جزء واحد صغير الحجم. ثم أعاد طبعه سنة ١٩١١م ولم يضف إليه شيئا. قسمت الشوقيات إلى أربعة أجزاء فطبع الجزء الأول سنة ١٩٢٦ م ولم يضف إليه شيئا. ثم طبع الجزء الثانى سنة ٩٣٠ام. وبعد موت شوقى طبع الجزء الثالث الخاص بالمراثى سنة ٩٣٦ام. ثم طبع الجزء الرابع سنة ٩٤٣ام. المقدمة تحدث فيها الدكتور "محمد حسين هيكل " عن عبقرية شوقى الشعرية، ثم تحدث عن الحملة الفرنسية على مصر، التى فتحت باب الثقافة الغربية أمام مصر فأرسلت مصر بعثات متعددة فى شتى العلوم والفنون والآداب. ثم تحدث عن ضعف الدولة العثمانية الذى كان سببا فى ضعف المسلمين. ثم تحدث عن عطف المصريين على الدولة العثمانية، وكان المصريون يريدون الاستقلال عن الدولة العثمانية ولكن هذا لم يتم فى حينه. وسط هذه العوامل السياسية والاجتماعية وجد شوقى , وولد (باب إسماعيل) وشب فى جواره ونشأ فى حماه، فكان طبيعيا أن تتأثر نفسه بالبيئة الاجتماعية والسياسية، وقد تأثر شوقى بحياة القصور التى هذبت نفسه، ونظمت حياته، وشوقى خلق ليكون شاعرا، والشاعر يتأثر أضعاف ما يتأثر سائر الناس هـ لذلك كان لكل هذه العوامل أثر باد فى شعره، وفى حياته ومع أن شوقى درس فى فرنسا، وتأثر بالوسط الأوروبى وبالحياة الأوروبية، وبالشعر الأوروبى تأثرا كبيرا، فقد ظل تأثره بالبيئة التى سبقت ظاهرا فى حياته وفى شعره هـ كما ظل تأثره بالبيئة الأوروبية ظاهرا فيهما كذلك. وإنك لتكاد تشعر حين مراجعة أجزاء الشوقيات أنك أمام رجلين مختلفين جد الاختلاف لا صلة بين أحدهما بالآخر، إلا أن كليهما شاعر مطبوع يصل من الشعر إلى أسمى درجاته، وأن كليهما مصرى يبلغ حبه لمصر حدا لا نهاية له. الجزء الأول: ويجمع إحدى وستين قصيدة فى السياسة والتاريخ والاجتماع، ومن أبرز قصائده كبار الحوادث فى وادى النيل وقصيدة ولد الهدى، وقصيدة ذكرى المولد- سلو قلبى. الجزء الثانى: يتحدث عن الوصف، والنسيب، وفيه متفرقات مختلفة. تحدث عن الوصف فى ست وثلاثين قصيدة، ثم تحدث عن النسيب فى أربع وثلاثين قصيدة أما المتفرقات فتصل إلى ست عشرة قصيدة منها الحديث عن لبنان، وعن توت عنخ آمون، ومنها قصيدته التى قالها فى مهرجان تكريمه سنة ٩٢٧ام. الجزء الثالث: فى المراثى: رثى فيه العظماء فى مصر والعالم العربى فى ستين قصيدة، تختلف طولا وقصرا حسبما تجود موهبته. الجزء الرابع: يتناول فيه متفرقات فى السياسة والتاريخ والاجتماع: منها ثمان وثلاثين قصيدة فى الاجتماع، ومنها فى الخصوصيات خمس وخمسون قصيدة، على لسان الحيوان يرمز بها إلى أشياء خاصة، وهذا القصص قد أخذه عن لافوتين أديب فرنسا الكبير، ثم قال فى الخصوصيات اثنتين وعشرين قصيدة، وكلها عظة وعبرة. ومن مشتملات الجزء الرابع من الشوقيات (ديوان الأطفال)، ويشمل عشر قصائد، ثم تحدث عن شعر الصبا فى ثمانى قصائد. وأخيرا كتب محجوبياته وهى عن الدكتور محجوب ثابت وهى أربع مقطوعات شعرية كلها فكاهة ومرح. أ. د/ محمد سلام

стр. 381

١٦ - الشيخ اصطلاحا: هو من استبانت فيه السِّنُّ، وظهر عليه الشيب، ومن جاوز الخمسين من عمره والجمع أشياخ، وشيوخ، وشيخة، ومشيخة، ومشيوخاء، ومشايخ، والمؤنث شيخة. قال تعالى﴾ قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ﴿(القصص ٢٣). والشيخ هو العالم المحقق، النحرير، المدرس، المحدث، المفسر، الفقيه، الأصولى النحوى، اللغوى، المنطقى، المؤرخ الرياضى، صاحب الحلقة والأمالى، وهو الإمام، والخطيب، والمقرئ، والواعظ والداعية إلى الله تعالى، الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر، وهو الصوفى المتعبد الزاهد، الذى أخلص لله تعالى عمله وقوله وجهاده. والشيخ: الرئيس أو الزعيم، ويحدد تلك الرئاسة أو الزعامة ما يضاف إليها مثل: شيخ القراء: قراء القرآن الكريم. وشيخ المحدثين: علماء الحديث النبوى الشريف. وشيخ المفسرين: علماء القرآن الكريم قراءة وتفسيرا. وشيخ الفقهاء: علماء الفقه على المذاهب السنية الأربعة. وشيخ اللغويين والنحاة: علماء اللغة العربية وقواعدها وأصولها. وشيخ الأصوليين والمناطقة والمتكلمين: علماء الأصول والمنطق والكلام. وشيخ المؤرخين: علماء التاريخ. وشيخ الرياضيين: علماء الرياضة. وشيخ الأطباء: علماء الطب. وشيخ الأدباء: علماء الأدب العربى شعرا ونثرا. وشيخ مذهب من المذاهب الأربعة: الشافعى أو المالكى أو الحنفى أو الحنبلى. وشيخ أحد الأروقة فى الأزهر كرواق المغاربة ورواق الأتراك. ويرأس هؤلاء الشيوخ الذين تقدم ذكرهم شيخ الشيوخ، وشيخ الأزهر والإسلام، وشيخ الإسلام والمسلمين، وهو فى مصر شيخ الأزهر وأحيانا أعلم علمائه، وقاضى القضاة، وفى استانبول المفتى الأعظم. وشيخ البلد: وهو زعيم مصر، وأعظم مماليكها ورئيس الحزب المسيطر فيها إبان عصر الخلافة العثمانية. وشيخ العرب: زعيم قبيلة أو عدد من القبائل العربية البدوية ذات السطوة والنفوذ. وشيخ البكرية: زعيم أسرة استمدت شرفها من انتسابها إلى أبى بكر الصديق ﵁ وظهر لها نفوذه قوى فى مصر فى العصر العثمانى. وشيخ السادات: زعيم أسرة استمدت شرفها من انتسابها إلى على بن أبى طالب ﵁، وظهر لها نفوذ وقوة فى مصر فى العصر العثمانى. وشيخ الصوفية فى قُطْرٍ أو فى بلدة. وشيخ طريقة صوفية واحدة كالخلوتية والشاذلية والرفاعية. أ. د/ عبد الجواد صابر إسماعيل

стр. 382

١٧ - شيخ الأزهر يرى بعض المؤرخين أن هذا المنصب قد بدأ فى منتصف القرن السابع عشر الميلادى فى اجتماع عقده باشا مصر. إذ لم يجر النظام على أن يعين شيخ للأزهر تعيينا رسميا منذ أنشئ إلى أواخر القرن الحادى عشر الهجرى. وكان النظام المتبع قبل ذلك، أن شئون الجامع الأزهر ترجع غالبا إلى ولى الأمر سواء مباشرة، أو بطريق غير مباشر فيما يتعلق بإصلاحه وعمارته. ثم أخذت وظيفة "خطيب الجامع الأزهر " تنمو من حيث الأهمية حتى أنها كانت تسند إلى رجال من أصحاب المناصب الدينية الرفيعة كأكابر القضاة وعلماء المذاهب الفقهية الأربعة. وقد أصبح لشيخ الجامع الأزهر وعلمائه نفوذ خاص فهم يعتبرون ممثلى الأمة فى معنى من المعانى. ولذلك قام مشايخ الأزهر بواجبهم تجاه الدعوة الإسلامية والعلم الشرعى الشريف، وقاموا على خدمة الإسلام والمسلمين. فكان كل واحد منهم مضرب المثل فى التفانى والفهم والعلم والعمل وكان هذا المنصب يعطى لصاحبه سمات خاصة كما نرى فى صفحات التاريخ المصرى، أمثال الشيخ عبد الله الشرقاوى الذى امتاز بالنضال الوطنى والوقوف فى وجه الحملة الفرنسية مما جعل نابليون يصدر قرارا بتأليف ديوان يحكم مدينة القاهرة برئاسة الشيخ الشرقاوى. كذلك الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى الذى امتاز بالنشاط والكفاح العلمى والوعى القومى. حيث استطاع أن يقوم بإصلاحات جديدة فى الأزهر أرضت جميع الناس. وأصدر مجلة ثقافية باسم "نور الإسلام " ثم تغير اسمها فيما بعد إلى مجلة"الأزهر"، ومنذ تولى الشيخ مصطفى المراغى أصبح يطلق على شيخ الأزهر لقب الإمام الأكبر. وأول شيخ معروف لنا هو الشيخ محمد عبد الله الخرشى المالكى المتوفى سنة ١١٠١هـ / ١٦٩٠م، ويبلغ عدد من تولى المشيخة حتى الآن سبعة وأربعون شيخا. ويشغلها الآن الإمام الأكبر دكتور: محمد سيد طنطاوى. (هيئة التحرير)

стр. 383

١٨ - الشيطان لغة: الشطن: مصدر شطنه يشطنه شطنا خالفه عن وجهه ونيته. والشاطن: الخبيث والشيطان: فيعال من شطن إذا بَعُدَ فيمن جعل النون أصلاً، وقولهم الشياطين دليل على ذلك وهو جمع شيطان، وقيل: الشيطان فعلان من شاط يشيط، إذا هلك واحترق، وهذا فيمن جعل النون زائدة (١). واصطلاحا: الشيطان من نسل إبليس اللعين أبو الشياطين وأصلهم الأول. فبين الجن والشيطان عموم وخصوص من حيث القوة والحيل فكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان. ولهذا قال الأزهرى: هو من حيث العموم: العصى الأبى الممتلئ شرا ومكرا، أو المتمادى فى الطغيان الممتد إلى العصيان (٢). وقال الزجاج، فى قوله تعالى:﴾ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴿(الصافات ٦٥) وجهه أن الشيء إذا استقبح شبه بالشياطين، فيقال كأنه وجه شيطان، فالشيطان لا يرى، ولكنه يستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء. وقدرة الشيطان تكمن فى العوذ والوسوسة، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان. وإنما بالزلل الذى به يكون السبب فى زوال الإنسان من مكان إلى مكان بذنبه (٣). ولذلك يقول تعالى﴾ فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ﴿(البقرة ٣٦). وللشيطان قدرة على التطور والتشكل فى صور الإنس والبهائم، فيتصورون فى صور الحيات، والعقارب، وفى صور الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفى صور الطير، وفى صور بنى آدم كما أتى الشيطان قريشا فى صورة (سراقة بن مالك). وإذا كانت الملائكة جند الله الذين يمثلون الخير والفلاح، فإن إبليس ومن معه من الشياطين هم أعداء الله الذين يمثلون الشر، والفساد، فأعمال الملائكة والشياطين على طرفى النقيض. فالشيطان أعماله تتجه كلها دائما إلى التمرد وإلى التفريق والتمزيق والتخريب والتدمير، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع، فما من شرفى الأرض، ولا فساد فى الوجود إلا ولهم به صلة. وهم الذين زينوا للأمم السابقة سوء العمل، وحسنوا لهم الكفر والمعاصى، ودعوهم إلى تكذيب الرسل ومخالفة أوامر الله، ولا تزال هذه أعمالهم. يقول تعالى: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ﴿، (النحل ٦٣). ولهذا نجد القرآن الكريم قد ذكر لفظ: (الشياطين، والشيطان، وشيطانا، وشياطينهم) حوالى ثمانيا وثمانين مرة. وذكر عياض المجاشعى ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال ذات يوم فى خطبته: "ألا إن ربى أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمنى يومى هذا، كل مال نحلته عبدا حلال، وإنى خلقت عبادى حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا … ". وفى حديث سبرة بن فاكه أن رسول الله ﷺ قال "إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتترك دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم، تم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر؟ أتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال أتجاهد، وهو تلف النفس والمال، فتقاتل، فتقتلى فتنكح نساؤك ويقسم مالك؟ فعصاه وجاهد، وقال رسول الله ﷺ :" فمن فعل ذلك، فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة ". والشيطان لا يتمكن من نفس الإنسان إلا إذا أعرض عن هداية الله، وخرج عن المنهج المرسوم. فإذا أعرض الإنسان عن الطريق المرسوم له عاقبه الله بتمكين الشيطان منه، فيوجهه وجهة الشر والفساد فى كل قول وفى كل فعل:﴾ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال ياليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب مشتركون ﴿(الزخرف ٣٦ - ٣٩). إن الشيطان يمثل الشر فى الأرض ويعمل دائبا على تدمير حياة الإنسان بزحزحته عن هداية الله، وإبعاده عن منهج الحق والرشاد. لهذا حذرنا الله تعالى من كيده، وأخبرنا بعداوته، ودعانا إلى مقاومته بكل وسيلة حتى يضعف سلطانه، وتخف شروره وآثامه، فقال تعالى:﴾ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴿(فاطر ٦). وقد قص علينا من عداوته لأبينا آدم ﵇ ما فيه العظة البالغة، فقد استطاع أن يغريه بالأكل من الشجرة، وأن يخرجه من الجنة بكذبه وخداعه قال تعالى:﴾ يا بنى آدم لايفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ﴿(الأعراف ٢٧). وبين تعالى للإنسان ما أخذه الشيطان على نفسه منذ خصومته لآدم، حيث قال تعالى:﴾ قال أرءيتك هذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ﴿ (الإسراء٦٢ - ٦٥). والإيمان يفيض على النفس إشراقا، ويملأ القلوب نورا، وإذا أشرقت النفس واستنار القلب انمحى كل ما يوسوس به الشيطان. قال تعالى﴾ فإذا قرأت القرأن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه. والذين هم به مشركون ﴿(النحل ٩٨ - ١٠٠) إلا أن نوازع الخير ودواعيه تيقظت فى قلب آدم وحواء، وعلما أنه خدعهما فتغلبت هذه النوازع والدواعى على وسوسة الشيطان وحظه من النفس، فتابا إلى الله، وأنابا قائلين:﴾ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴿ (الأعراف ٢٣). والإنسان بمقتضى خلافته عن الله فى الأرض فى معركة مع الشيطان الذى يحاول أن يصرفه عن تنمية قواه العليا من جانب، ويضعف من روح المقاومة بطريق الخداع والإغراء والتزيين من جانب آخر. ومن ثم كان واجبا على الإنسان أن يحذر مكايد الشيطان ويعرف أساليبه التى يتخذها، ليصرف الإنسان عن وظيفته الأولى فى هذه الحياة، فإذا زلت به قدم، أو تورط فى الإثم، أو جانب صوابا، أو مارس شرا، أو اقترف معصية، أو ارتكب فجورا فأمامه السبيل الذى رسمه له أبوه آدم من التوبة، واستئناف حياة أزكى وأطهر. والشيطان ينتهز فرصة ضعف النفس ومرضها فيهجم عليها محاولا إفسادها. ولا خلاص منه إلا إذا صحت النفس من أمراضها، التى هى المداخل الحقيقية للشيطان، وأمراض النفس كثيرة ومتعددة منها: (الضعف واليأس، القنوط، الفخر، الظلم، العجلة، البخل، الريبة، الغفلة، الكذب، الجزع، حب المال، الافتتان بالدنيا .. إلخ). فحينما يكون ذكر الله والاستعاذة به من الشيطان، والتبرى من الحول والقوة، وإسلام الوجه لقيوم السموات والأرض مما يقوى من معنويات الإنسان ويرفع من مستواه الروحى، حتى يصل الإنسان إلى درجة يخاف فيها الشيطان منه كما روى عن رسول الله ﷺ لعمر: "يابن الخطاب ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك " (رواه البخارى ومسلم) ومن الأشياء التى تدل على قدرة الله على خلق المتضادات والمتقابلات. خلق الشيطان رمز الشر على الأرض فى مقابل الملائكة رمز الخير، كذلك ظهور أسمائه القهرية فى مقابل أسمائه المتضمنة عفوه ومغفرته وقد أشار النبى ﷺ إلى هذا بقوله: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم " (رواه مسلم). (هيئه التحرير) ١ - لسان العرب لابن منظور، مادة (شطن) ١٣/ ٢٣٨ طبعة دار صادر بيروت. ٢ - الكليات لأبى البقاء ٣/ ٥٥،٨٢. ٣ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ١/ ٣١١، ٣١٢ طبعة دار الثقافة، القاهرة، ١٩٨١ م.

стр. 384

١٩ - الشيعة لغة: القوم الذين يجتمعون على الأمر .. والفرقة من الناس .. وأتباع الرجل وأنصاره .. وهى من المشايعة، أى المطاوعة والمتابعة .. وجمع الشيعة: شيع، وجمع الجمع: أشياع. واصطلاحا: اشتهرت كلمة الشيعة- للدلالة على الفرقة: أو الفرق- الذين يتولون ويشايعون الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وآل بيته، حتى صار مصطلح الشيعة اسما خاصا بهم. ولقد بدأت شيعة علىّ والتشيع له فى صورة أولية، تمثلت فى الميل إليه، وتمنى تقديمه فى ترتيب تولى الخلافة بعد رسول الله ﷺ وكان ذلك من قبل بعض بنى هاشم، ونفر من الصحابة، يذكر فيهم المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسى، وأبو ذر الغفارى .. أما المعيار الفارق الذى يميز الشيعة- كفرقة من الفرق الإسلامية- فلقد تجاوز الميل إلى على التفضيل له وتقديمه فى الترتيب بين الخلفاء الراشدين .. وأصبح هذا المعيار .. فى مذهب الشيعة- هو دعوى وعقيدة أن إمامة على بن أبى طالب والأئمة من بنيه إنما هى "بالنص والوصية والتعيين " أى النص الإلهى والوصية الدينية، التى بلغها رسول الله ﷺ للأمة، كما بلغ أصول الدين .. فهى عندهم، المرادة بقول الله :﴾ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسا لته ﴿(المائدة ٦٧). فكل من عدا الشيعة- من الفرق الإسلامية- قد قالوا إن الإمامة والخلافة طريقها الشورى والاختيار والبيعة من الأمة أو نوابها .. بينما انفردت الشيعة- بفرقها المتعددة- بادعاء أن الإمامة سبيلها "النص والوصية والتعيين "، فهى شأن دينى سماوى، وهى من أمهات العقائد الدينية، ولا مدخل للأمة أو الشورى فيها. والشيعة قد قاسوا " الإمامة" على " النبوة" فجعلوها كالنبوة- اصطفاء إلهيا، لا اختيارا بشريا، وجعلوا للإمام العصمة التى للأنبياء، بل ورفعوا مكانتها على مكانة النبوة، لأن النبوة عندهم، "لطف خاص" أى انتهى دورها - بينما الإمامة " لطف إلهى عام " لأنها مستمرة بأداء رسالة النبوة، بعد انتهاء طور النبوات .. حتى ليقول الإمام آية الله الخمينى - عن علو مقام الأئمة على الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين: "إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبى مرسل " .. ولقد انعكست هذه العقيدة، التى ميزت نظرية الإمامة عند الشيعة .. ، والتى ميزت الشيعة عمن عداها من الفرق الإسلامية، انعكست على صفات الإمام عندهم، وعلى السلطات التى اختصوه بها .. وباستقراء المصادر الأصلية، التى كتبت فى نظرية الإمامة- من قبل مختلف الفرق الإسلامية .. وفى مقدمتها المصادر الشيعية. لا نجد ذكرا ولا مجرد إشارة لعقيدة "النص والوصية" قبل عصر إمامهم السادس- الصادق أبو عبد الله جعفر بن محمد (٨٠ - ٤٨ ١ هـ ٦٩٩ - ٧٦٥ م) وأقدم عناوين المؤلفات التى كتبت فى الإمامة- والتى أحصاها ابن النديم (٤٣٨ هـ ١٠٤٧ مـ) فى (الفهرست) - والتى أشارت إلى فكرة "الوصية" بالإمامة، منسوب إلى عالمهم هشام بن الحكم (١٩٠ هـ ٨٠٥ مـ) .. فمن مؤلفاته (كتاب الوصية والرد على من أنكرها) .. ويشهد لهذه الحقيقة- حقيقة الظهور المتأخر لعقيدة الشيعة فى "النص والوصية والتعيين "- خلو تاريخ الصراع على الإمامة قبل ذلك التاريخ من أية إشارة للاحتجاج بهذه العقيدة فى ذلك الصراع .. فلقد اختلف المسلمون حول من يتولى الخلافة- عقب وفاة رسول الله ﷺ فى سقيفة بنى ساعدة ولم يذكر أحد من الفرقاء الذين اختلفوا أن هناك نصا وتعيينا لمن يليها .. وتأخرت بيعة على بن أبى طالب لأبى بكر الصديق عدة أشهر. ثم بايع، ولم يؤثر عنه- فى ذلك التاريخ- تعليل لتأخر بيعته بأن هناك نصا يعينه هو للخلافة بدلا من الصديق .. ثم شارك علىّ فى شورى البيعة لكل من عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، دون أن يشير إلى أن هناك نصا إلهيا ووصية نبوية باختصاصه هو دون غيره، بالإمامة والخلافة وبعد مقتل عثمان، عقدت البيعة بالخلافة لعلى بن أبى طالب، وتلقاها وتولاها هو بالبيعة، ولم يؤثر عنه أنه قال لمبايعيه: لست فى حاجة إلى بيعتكم، لأن هناك نصا على إمامتى، يخرجها عن الشورى والاختيار والبيعة .. بل إن كتاب "نهج البلاغة "، والذى جمعه الشيعة- بواسطة إمامهم "الشريف الرضى" ٣٥٩ - ٤٠٦ هـ ٩٧٠ - ١٠١٥ م" - باعتباره خطب ومراسلات وأحاديث وحكم الإمام على بن أبى طالب، لا أثر فيه لإشارة- مجرد إشارة- إلى عقيدة "النص والتعيين " .. الأمر الذى يجعل استقراء التاريخ، واستقراء الفكر من صدر الإسلام إلى عصر جعفر الصادق، شاهدا على أن هذه العقيدة- التى ميزت الشيعة كفرقة، بالمعنى الاصطلاحى للتشيع- لم تظهر قبل تأليف هشام بن الحكم فيها، وتبنى الشيعة للاعتقاد بها منذ ذلك التاريخ. وإذا كانت الشيعة- على اختلاف فرقهم- معتدلين كانوا أم غلاة- قد اتفقوا على نظرية "النص والوصية والتعيين " الإلهى لإمامة على بن أبى طالب، خليفة ووصيا وإماما بعد رسول الله ﷺ ، فإنهم قد اختلفوا إلى فرق متعددة، بعد هذه العقيدة التى جعلوها أهم عقائد الإيمان الدينى، يَكْفُر- فى نظرهم- من جحدها. فالشيعة الأثنى عشرية- وهم أغلبية الشيعة المعاصرين- يقولون إن عليا قد أوصى بالإمامة لابنه الحسن، الذى أوصى بها إلى أخيه الحسين .. وهكذا استمرت فى أبناء على من فاطمة الزهراء حتى إمامهم الثانى عشر ولقد سموا بالاثنى عشرية لقولهم بإمامة هؤلاء الأئمة الاثنى عشر: ١ - أبو الحسن، على بن أبى طالب " المرتضى" .. - ٢٣ ق هـ- ٤٠ هـ ٦٠٠ - ٦٦١ م) ٢ - أبو محمد، الحسن بن على- "الزكى" ٣ - ٥٠ هـ ٦٢٤ - ٦٧٠ م ". ١ - أبو عبد الله، الحسين بن على- "سيد الشهداء"- ٤ - ١ ٦ هـ ٦٢٥ - ٠ ٦٨ م ٤ - أبو محمد، على بن الحسين- (زين العابدين) - "٣٨ - ٩٤ هـ ٦٥٨ - ٢ ٧١ ٥ - أبو جعفر، محمد بن على- "الباقر"- ٥٧ - ٤ ١ اهـ ٦٧٦ - ٧٣٢ م. ٦ - أبو عبد الله، جعفر بن محمد- "الصادق " ٨٠ - ٤٨ ١ هـ ٦٩٩ - ٧٦٥ م. ١ - أبو إبراهيم، موسى بن جعفر- "الكاظم " ٢٨ ١ - ٨٣ ١ هـ ٥ ٤ ٧ - ٧٩٩ م ٨ - أبو الحسن، على بن موسى- "الرضا"- ٥٣ ١ - ٣ ٠ ٢ هـ ٠ ٧٧ - ٨١٨ م. ٢ - أبو جعفر، محمد بن على- "الجواد"- ٩٥ ١ - ٢٢٠ هـ ١ ٨١ - ٨٣٥ م. ٣ - أبو الحسن، على بن محمد- "الهادى"- ٤ ١ ٢ - ٤ ٢٥ هـ ٨٢٩ - ٦٨ ٨ م. ١١ - أبو محمد، الحسن بن على- "العسكرى" - ٢٣٢ - ٠ ٣٦ هـ ٨٤٦ - ٨٧٣ م. ١٢ - أبو القاسم، محمد بن الحسن- " المهد ى" ٢٥٦ - … هـ ٨٧٠ - … م الذى اختفى فى سرداب بمدينة "سامراء"- من أرض العراق ولا يزال فى " الغيبة"- فهو " المهدى"، والذى ينتظرون ظهوره، ويدعون الله أن يعجل فرجه، ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا- وعنه ينوب، فى عصور غيبته العلماء المجتهدون. أما الشيعة "الكيسانية"، فإنهم لم يحصروا الإمامة فى أبناء فاطمة الزهراء، وإنما قالوا إنها انتقلت من الإمام على إلى ابنه محمد بن الحنفية (٢١ - ٨١ هـ ٦٤٢ - ٧٠٠ م). أما الإسماعيلية- وهم من الباطنية الغلاة .. حتى فى نظر الاثنى عشرية- ويوجد منهم فى عصرنا: البهرة .. وا لنصيريون .. والدروز - فلقد اتفقوا مع الاثنى عشرية على تسلسل الإمامة من على حتى جعفر الصادق، ثم جعلوها- بعد الصادق- لابنه إسماعيل (١٤٣ هـ- ٧٦٠ م) .. وليس لابنه موسى الكاظم، كما قالت الاثنى عشرية، ثم انفرد الإسماعيلية- منذ إسماعيل- بسلسلة خاصة بهم فى الإمامة. أما الشيعة الزيدية- أتباع زيد بن على بن الحسين (٧٩ - ٢٢اهـ ٦٩٨ - ٠ ٧٤ م) فلقد تميزوا بالاعتدال الذى اقترب بهم من فكر أهل السنة، فقالوا فى عقيدة " النص ": إن النص لم يكن على "ذات، الإمام، وإنما كان على صفاته "، وأن هذا "النص " لم يتعد ثلاثة من هؤلاء الأئمة، هم: على والحسن والحسين .. والإمامة بعدهم لمن يجتمع فيه شروط الإمام من أبناء فاطمة- وهى شروط لا أثر فيها لغلو الفرق الشيعية الأخرى .. ولأن الشيعة- فيما عدا الزيدية- قد قاسوا " الإمامة " على " النبوة"، وليس على " الإمارة .. والولاية، كما صنع أهل السنة، فلقد أضفوا على الإمام صفات فاقت حتى صفات الأنبياء … فهو عندهم- معصوم فى كل شيء .. بينما الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله- .. وروح القدس "الذى حمل النبى به النبوة، قد انتقل بعد النبى إلى الإمام وهو يعلم- بالعلم اللدنى .. كل ما يريد علمه "بالقوة القدسية الإلهامية، بلا توقف، ولا ترتيب مقدمات ولا تلقين معلم، تنجلى فى نفسه المعلومات كما تنجلى المرئيات فى المرآة الصافية .. " حتى ليستطيع علم كل العلوم والحديث بجميع اللغات، والكتابة بكل الحروف، دون معلم ولا مدرسة ولا كتاب ولا كُتّاب ( .. فالأئمة- كما يقولون- لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة. ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ فى شيء من الأشياء، مع مالهم من منزلة علمية لا تجارى، وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه فى وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة لا أدرى"، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمل، أو نحو ذلك .. "! .. وهى صورة تعلو على صورة الرسل أولى العزم، الذى كان خاتمهم ﷺ ، يسأل فينتظر- أحيانا- وحى السماء .. والذى قال لصحابته: "أنتم أعلم بشئون دنياكم " .. ولعصمة الإمام عند الشيعة .. ولأن كل الأمة- برأيهم- يمكن أن تجتمع على ضلال، كان الإمام وحده مصدر الشريعة، والحجة والقيم حتى على الدين والقرآن .. أما سلطات الإمام عندهم فهى كل سلطات الرسول، التى هى كل سلطات الله المفوضة إلى الرسول، ولذلك، فإن الراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله .. وللإمام كل الدنيا- وبعبارتهم "فإن الدنيا كلها للإمام، على وجه الملك، وأنه أولى بها من الذين هى فى أيديهم ". وغير عقيدة الإمامة- بما فيها من "النص والوصية والتعيين " .. وصفات الإمام .. وسلطاته- انفردت الشيعة بعقائد .. منها: * التقية: أى إظهار الإنسان غير ما يبطن، اتقاء لضرر محقق الوقوع .. وهى عندهم دين، يروون فيه عن جعفر الصادق: التقية دينى ودين آبائى .. ومن لا تقية له لا دين له "! * والرجعة: وتعنى- عندهم- أن الله سيعيد إلى الحياة، قبل قيام الساعة- وعند قيام المهدى- قوما قد توفاهم، فى صورهم التى كانوا عليها قبل موتهم، وفى مقدمتهم أكثر المظلومين من آل البيت، وأكثر الظالمين لهم وبعد أن يعز المظلومين ويذل الظالمين يتوفاهم ثانية. ثم، إن الشيعة، بعد ذلك باستثناء الباطنية الغلاة- يتفقون مع العديد من الفرق الإسلامية الأخرى فى ثوابت العقائد الإسلامية وشعائر وعبادات الإسلام .. فهم جزء من الأمة الإسلامية. ولو أنهم جعلوا الإمامة- كما فعل أهل السنة- من الفروع، وليس من أصول وأمهات العقائد، لكان الخلاف بينهم وبين أهل السنة مجرد تنوع فى المذهب الفقهى- المذهب الجعفرى- الذى لا تزيد الاختلافات بينه وبين مذاهب الفقه السنيّة عن الاختلافات التى بين المذاهب السنية ذاتها. ولأن عقيدة الشيعة، فى الإمامة والإمام، هى " حلم مثالى"، أفرزته معاناة الاضطهاد من قبل السلطة البشرية- فى الدولة الأموية - فلقد ظل هذا "الحلم "مستعصيا على التطبيق حتى عندما حكم الشيعة فى إيران عقب إسقاط النظام الشاهنشاهى سنة ٩٧٩ام .. فلقد استمر الحكم بالمؤسسات الشورية، والنظام النيابى، الدستورى وسلطة الأمة والرأى العام .. ولم يطرأ على هذا النظام الديمقراطى- مع المرجعية الإسلامية - إلا منصب "ولاية الفقيه " .. الذى هو محل خلاف بين مراجع الشيعة .. والذى تنبئ المساجلات الدائرة حوله عن أنه فى طريقه إلى الزوال … أما التوزيع الجغرافى للشيعة الإمامية، فهو فى إيران والعراق ولبنان وأذربيجان وأفغانستان، والإسماعيلية فى الهند وباكستان وتركيا وسوريا ولبنان.، أما شيعة اليمن فهم من الزيدية. وإذا كان تعداد الأمة الإسلامية يبلغ الأن مليارا وثلث المليار-٠ ١,٣٨٤,٨٠٠,٠٠ - فإن نسبة أهل السنة تبلغ ٩٠% من هذا التعداد، والباقى شيعة- بفرقها المختلفة- وخوارج وإباضيون؟. أ. د/ محمد عمارة

стр. 385

١ - الصابئة لغة: صبأ الرجل بمعنى ترك دينه فهو صابىء. واصطلاحها: الصابئة قوم يعبدون الكواكب أو الملائكة أو لا دين لهم، أو هم قوم يوحدون الله وليس لهم كتاب ولا نبى ولا طقوس للعبادة. وهذا المعنى يقتبس مما تدل عليه الآية الكريمة: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ البقرة:٦٢. والصابئة نوعان تبعا لإشارات القرآن الكريم، وأقوال المفكرين المسلمين: النوع الأول: يذكر بعضهم أنهم من أهل الكتاب بدليل ارتباط ذكرهم باليهود والنصارى فى بعض الآيات. النوع الثانى: ويعدهم من الوثنيين وهم صابئة حران، وهؤلاء يقولون بوسائط بين الله والعالم، وهى التى تدير الكون، وتفيض على الوجود، وهم يمنعون تعدد الزوجات، ويحرمون الطلاق والختان، ويحرصون على تطهير أنفسهم من دنس الشهوات، ويصلون ثلاث صلوات فى اليوم. والصابئة الحرانيون خدموا الإسلام عن طريق الترجمة، وكان منهم الرياضيون والوزراء مثل: ثابته بن قرة، وابن سنان. وكان لهم نشاط فكرى فى بغداد فى عهد أبى إسحاق الصابى وزير الطائع والمطيع، ثم ضعف شأنهم. ومن أشهر علمائهم ثابت بن قرة (٩٠١م) وقد برع فى الرياضة والفلك وكان من كبار المترجمين من اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية، وترجم أو اشترك فى ترجمة كتب أرشميدس وإقليدس وجالينوس، ومن مؤلفاته الطبية كتاب "الذخيرة". وقد نبغ من أبنائه إبراهيم، وسنان وسنان خدم الخليفتين المقتدر والقاهر، وأشرف على إنشاء البيمارستان الذى عرف باسم والدة المقتدر، وله تصانيف فى الفلسفة وعلم الهيئة. ومن أشهر أدباء الصابئة الصابى الحرانى إبراهيم بن هلال (٩٩٤م)، كان من أدباء العصر، ودرس الرياضة والفلسفة والفلك والأدب، وتولى ديوان الرسائل والمظالم سنة (٩٦٠م)، سجن عدة مرات، وكان شاعرا مجيدا له ديوان، واشتهر بالرسائل الديوانية التى حوت صورا طيبة من الألفاظ الجزلة والتعبير السهل. أ. د/أحمد شلبى

стр. 386

٢ - الصبر لغة: حبس النفس عن الجزع. واصطلاحا: ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله. وقد وصف الله المؤمنين بالصبر، فقال تعالى: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾ الرعد:٢٢، فهو ليس استسلاما للذل والمهانة وليس سلبية فى مواجهة الباطل، بل ضبط النفس والتحمل فى سبيل أداء ما يجب على المرء أداؤه ابتغاء وجه الله؛ إذ يصبر رب الأسرة فى رعاية أسرته وتوجيهها، والموظف فى أداء وظيفته، والقاضى فى سبيل تحرى العدل، والحاكم فى سبيل إحقاق الحق، وإقرار الطمأنينة والأمن، والفرد فى سبيل سيطرة حكمته على هواه، والأم فى سبيل رعاية أولادها، وسلامة صحتهم وعقولهم … إلخ. ويتطلب الصبر قدرة على الاحتمال وضبط النفس، وإيمانا بالغاية والهدف، كما يتطلب ممارسة على السيطرة على هوى النفس وانفعالاتها، وعلى الرجوع إلى العقل والتروى فى مواجهة الشدائد والأزمات، ولهذا وردت فى القرآن الكريم آيات كثيرة تحث عليه، منها قوله تعالى: ﴿واصبرعلى ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ لقمان:١٧. بل إنه قرن بالصلاة والمرابطة فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبروالصلاة إن الله مع الصابرين﴾ البقرة:١٥٣، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران:٢٠٠. أ. د/محمد شامة

стр. 387

٣ - الصحابة اصطلاحا: هم هؤلاء الأعلام الذين عرفوا من أحوال النبى ﷺ ما جعلهم يهرعون إليه ويضعون مقاليدهم بين يديه ينغمسون فى فيضه الذى بهر منهم الأبصار وأزال عنهم الأكدار، وصيرهم أهلا لمجالسته ومحادثته ومرافقته ومخالطته، حتى آثروه على أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم، وبلغ من محبتهم له وإيثارهم الموت فى سبيله أن هان عليهم اقتحام المنية كراهة أن يجدوه فى موقف مؤذ أو كربة يغض من قدره. ولما للصحابة من الفضل العظيم فإن الله تعالى ذكرهم فيما أنزل من الكتب؛ حتى لا يذهب ذكرهم ولا تمحى من رؤوس القبائل والشعوب مآثرهم فقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ الفتح:٢٩. وقال تعالى ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون فى جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ الواقعة:١٠ - ١٤. ثم قال تعالى: فى سورة الواقعة أيضا ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ الواقعة:٣٥ - ٤٠. ويتضح من الآيات السابقة، وما يجرى فى فلكها، أن الصحابة درجات بعضها فوق بعض، فالسابقون الأولون الذين أسلموا وجوههم إلى الله، ولبوا مناديه إلى الإيمان، وكل من على سطح هذه المعمورة مخالف لهم هم كبار الصحابة الذين اصطنعهم سيدهم بنفسه، ورباهم تحت سمعه وبصره عبر ثلاث عشرة سنة قضاها رسول الله ﷺ فى مكة، وقال فيهم ورحى الحرب دائرة فى بدر (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض) (١)، وقال أيضا (الله الله فى أصحابى، فلو أن أحدكم تصدق بمثل أحد ذهبا ما ساوى مده ولا نصيفه) رواه البخارى (٣). يلى هؤلاء السابقين من المهاجرين، السابقون من الأنصار وهم الذين بايعوا النبى ﷺ ليلة العقبة على أن يمنعوه من الأسود والأحمر، والإنس والجن. يقول تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ التوبة:١٠٠. وما سوى الصحابة الكبار طبقات بعضها أفضل من بعض، فالذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا أفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، يقول تعالى ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾ الحديد:١٠. وواضح من الآية السابقة وما يشبهها أن الله تعالى قد جعل لأصحاب النبى ﷺ مقياسا تقاس به أقدارهم وميزانا توزن به منازلهم ومراتبهم، فالسابقون الأولون من المهاجرين هم الكبار الذين لا يسمو إليهم غيرهم، ومن عداهم من الصحابة الكرام متفاوتون تبعا لأعمالهم فى نصرة الإسلام، وجهادهم تحت ألويته وراياته، فأفضلهم الذين شهدوا بدرا ودافعوا عن النبى ﷺ ودينه فيها. ويليهم من شهد أحدا والخندق، وهكذا حتى غروة تبوك. وهناك عدة ثوابت تعم الصحابة، منها: ١ - الصحابة كلهم عدول، لا يجوز تجريحهم ولا تعديل البعض منهم دون البعض. ٢ - الصحابة كالنجوم يهدون الحائر، ويرشدون الضال، وفيهم يقول النبى ﷺ (أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) (٣). ٣ - الصحابة لم يذكرهم الله تعالى فى كتابه إلا وأثنى عليهم وأجزل الأجر والمثوبة لهم، ولم يفرق بين فرد منهم وفرد ولا بين طائفة وطائفة. وفيهم يقول الرسول ﷺ : (خيرالقرون قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (رواه البخارى) (٤). أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر

стр. 388

٤ - الصحابى اصطلاحا: هو من لقى النبى ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام (١). ويشمل هذا التعريف كذلك: ١ - من رأى النبى ﷺ قبل البلوغ؛ فإنه إن كان قد بلغ سن التمييز فهو صحابى، وإلا فإن صحبته باعتبار رؤية النبى في ﷺ له، وهو تابعى من حيث الرواية. ٢ - المرتد العائد للإسلام؛ فهو صحابى وإن لم ير النبى ﷺ مرة أخرى. ويخرج منه: من رأى النبى ﷺ وهو ميت؛ فليس بصحابى. ويلاحظ فى هذا التعريف أنه لم يشترط فيمن يستحق لقب الصحابى وقتا، ولا عملا ما: فمن لقى النبى ﷺ ساعة واحدة فهو صحابى، زادت تلك الساعة أو قلت، والأمر كذلك فيمن غزا معه ومن لم يغز، ومن روى عنه ومن لم يرو؛ فهذا اللقب الكريم لا ينزعه عمن حمله إلا عودته إلى الكفر وإصراره عليه، وهذا هو التعريف الذى اختاره وقال به الإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى، وهو المتفق عليه. وهناك من العلماء من اشترط فى الصحابى أن يكون قد صحب النبى ﷺ عامين، أو غزا معه غروتين (٢)، ومنهم من يرى أن الصحابى هو من تحقق فيه شرط من أربعة: ١ - طول المجالسة. ٢ - حفظ الرواية. ٣ - الغرو مع النبى ﷺ . ٤ - الاستشهاد بين يديه. وقد وصف الإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى هذه الشروط بأنها من الشواذ. أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر

стр. 389

٥ - الصَّحَاح لغة: صَحَّحَ أزال خطأه أو عَيْبَه يقال: صحَّحَ الخبر وصحَّحَ الكتاب والصّحَاحُ: الصَّحيحُ (١). واصطلاحاً: هى كتب الحديث التى كان من شرطها الحديث الصحيح دون غيره، وعلى رأس هذه الكتب الصحيحان اللذان أُفردَ لهما تعريفُُ فى هذه الموسوعة، ومن هذه الكتب: ١ - المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى (ت ٤٠٥ هـ)، وذلك أن صاحبى الصحيحين لم يستوعبا الصحيح، وإنما انتخبا منه، فتتبع الحاكم ما كان على شرطهما وما صح عندهما لم يخرجاه، وهو كما قال ابن الصلاح: "كتاب كبير يشتمل مما فاتهما على شىء كثير"وقال العلماء: إنه متساهل فى التصحيح، ولكن لخص الذهبى مستدركه، وتعقب بعض الأحاديث بالضعف، وعلى هذا فما اتفقا على تصحيحه يكون أحرى بالقبول والصحة (٢). ٢ - صحيح ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) وسماه "التقاسيم والأنواع " وقد رتبه بعض المتأخرين على أبواب وسماه: "الإحسان فى تقريب ابن حبان " (٣) ويقدمه العلماء على كتاب الحاكم، إذ هو أقل تساهلاً منه (٤) وقد استخرج أبو الحسن الهيثمى زوائده على الصحيحين (٥). ٣ - صحيح ابن خزيمة، وهو أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان، لشدة تحريه حتى إنه يتوقف فى التصحيح لأدنى كلام فى الإسناد (٦). ٤ - المُوَطَّأ، فكل ما فيه من الأحاديث المسندة صحيح ما عدا أربعة أحاديث لم يهتد العلماء إلى صحتها (٧). ٥ - المستخرجات على الصحيحين، وهى أن يأتى المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع فى شيخه أو من فوقه، كالمستخرج للإسماعيلى على البخارى، ولأبى عوانة على مسلم (٨). ٦ - ومن هذه الكتب التى جُردت للصحيح: "السنن الصحاح " لسعيد بن السكن، و "المنتقى" لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ. ومما تجدر الإشارة إليه أن كثيرا من كتب الحديث غير هذه الكتب تحتوى على الكثير من الصحيح، ولكنه مختلط بغيره، وهذا كالسنن الأربع: أبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب

стр. 390

٦ - الصحة اصطلاحاً: تطور تعريف الصحة مع ارتقاء المستويات الاقتصادية والاجتماعية حتى أصبح كل ما من شأنه سلامة البدن (الجسم) والنفس والتوافق الاجتماعى. وقد حرصت التعاليم الإسلامية على التنبيه على أهمية الصحة ففى الحديث الشريف: (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير). وفى حديث آخر ينصح الرسول ﷺ أحد صحابته (إن لبدنك عليك حقاً) بعد ما قال (إن لنفسك عليك حقاً). وقد أصبح من المتعارف عليه الآن أن الصحة الجيدة مطلوبة للمجتمع كما هى مندوبة للفرد. فهى تمكن الناس من الاستمتاع بحياتهم وإنجاز ما يفيدهم ويفيد المجتمع بالتالى، ولهذا السبب تدخل المستويات الصحية فى المعايير التى يقاس بها التقدم وفى معايير التنمية البشرية. وقد بلور الطب فكره فى أنه لابد لكافة أجزاء الجسم من العمل مع بعضها البعض بصورة صحيحة من أجل المحافظة على صحة البدن، ومن مقومات الحياة الصحية الرئيسية: الغذاء الصحيح، الرياضة، الراحة، النوم، النظافة، الرعاية الصحية، ورعاية الإنسان. وتلعب الصحة النفسية دوراً مهما فى سلوكيات الناس ومشاعرهم، وأولئك الذين يتمتعون بأقدار معقولة من الثبات الانفعالى يستطيعون تحقيق قدر أكبر من السعادة؛ لأنهم يتقبلون أنفسهم علماً بأوجه الضعف وأوجه القوة على حد سواء، ويظلون أيضاً على صلة بالواقع، كما يتمكنون من التعامل الرشيد مع الضغوط ودواعى الإحباط، كما يستطيعون التصرف دون الاعتماد على المؤثرات الخارجية وردود الأفعال. وفى المجتمعات المعاصرة تتولى وزارات متخصصة بالصحة المسئولية عن توفير عدد كبير من الخدمات الصحية، وقد تنامى الاهتمام المؤسسى بالرعاية الصحية الأولية والثانوية والمتقدمة، ويشمل هذا توفير الوسائل الكفيلة بمنع الأمراض، والسيطرة عليها، والتحكم فى الأوبئة، وتنفيذ برامج للتطعيم وللفحوص الروتينية، فضلاً عن إجراءات الحجر الصحى والتوعية الصحية. وتتولى مؤسسات عديدة الإسهام فى تقديم الرعاية الصحية. وقد نشأت منظمة الصحة العالمية كإحدى منظمات الأمم المتحدة ولا تزال تعمل من أجل رفع المستوى الصحى فى كافة أنحاء العالم، وقد كان شعارها فى العقدين الماضيين "الصحة للجميع بحلول عام ٢٠٠٠ م"، وقد نجحت السلطات الصحية بالفعل فى استئصال بعض الأمراض كالجدرى، وفى تقليل مخاطر أمراض كثيرة أخرى. أ. د/ محمد الجوادى
следующие страницы →