٢ - الصبر
لغة: حبس النفس عن الجزع.
واصطلاحا: ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله.
وقد وصف الله المؤمنين بالصبر، فقال تعالى: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾ الرعد:٢٢، فهو ليس استسلاما للذل والمهانة وليس سلبية فى مواجهة الباطل، بل ضبط النفس والتحمل فى سبيل أداء ما يجب على المرء أداؤه ابتغاء وجه الله؛ إذ يصبر رب الأسرة فى رعاية أسرته وتوجيهها، والموظف فى أداء وظيفته، والقاضى فى سبيل تحرى العدل، والحاكم فى سبيل إحقاق الحق، وإقرار الطمأنينة والأمن، والفرد فى سبيل سيطرة حكمته على هواه، والأم فى سبيل رعاية أولادها، وسلامة صحتهم وعقولهم … إلخ.
ويتطلب الصبر قدرة على الاحتمال وضبط النفس، وإيمانا بالغاية والهدف، كما يتطلب ممارسة على السيطرة على هوى النفس وانفعالاتها، وعلى الرجوع إلى العقل والتروى فى مواجهة الشدائد والأزمات، ولهذا وردت فى القرآن الكريم آيات كثيرة تحث عليه، منها قوله تعالى: ﴿واصبرعلى ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ لقمان:١٧.
بل إنه قرن بالصلاة والمرابطة فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبروالصلاة إن الله مع الصابرين﴾ البقرة:١٥٣، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ آل عمران:٢٠٠.
أ. د/محمد شامة
стр. 387
٣ - الصحابة
اصطلاحا: هم هؤلاء الأعلام الذين عرفوا من أحوال النبى ﷺ ما جعلهم يهرعون إليه ويضعون مقاليدهم بين يديه ينغمسون فى فيضه الذى بهر منهم الأبصار وأزال عنهم الأكدار، وصيرهم أهلا لمجالسته ومحادثته ومرافقته ومخالطته، حتى آثروه على أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم، وبلغ من محبتهم له وإيثارهم الموت فى سبيله أن هان عليهم اقتحام المنية كراهة أن يجدوه فى موقف مؤذ أو كربة يغض من قدره.
ولما للصحابة من الفضل العظيم فإن الله تعالى ذكرهم فيما أنزل من الكتب؛ حتى لا يذهب ذكرهم ولا تمحى من رؤوس القبائل والشعوب مآثرهم فقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ الفتح:٢٩.
وقال تعالى ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون فى جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ الواقعة:١٠ - ١٤.
ثم قال تعالى: فى سورة الواقعة أيضا ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ الواقعة:٣٥ - ٤٠.
ويتضح من الآيات السابقة، وما يجرى فى فلكها، أن الصحابة درجات بعضها فوق بعض، فالسابقون الأولون الذين أسلموا وجوههم إلى الله، ولبوا مناديه إلى الإيمان، وكل من على سطح هذه المعمورة مخالف لهم هم كبار الصحابة الذين اصطنعهم سيدهم بنفسه، ورباهم تحت سمعه وبصره عبر ثلاث عشرة سنة قضاها رسول الله ﷺ فى مكة، وقال فيهم ورحى الحرب دائرة فى بدر (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض) (١)، وقال أيضا (الله الله فى أصحابى، فلو أن أحدكم تصدق بمثل أحد ذهبا ما ساوى مده ولا نصيفه) رواه البخارى (٣).
يلى هؤلاء السابقين من المهاجرين، السابقون من الأنصار وهم الذين بايعوا النبى ﷺ ليلة العقبة على أن يمنعوه من الأسود والأحمر، والإنس والجن.
يقول تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ التوبة:١٠٠.
وما سوى الصحابة الكبار طبقات بعضها أفضل من بعض، فالذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا أفضل من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، يقول تعالى ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾ الحديد:١٠.
وواضح من الآية السابقة وما يشبهها أن الله تعالى قد جعل لأصحاب النبى ﷺ مقياسا تقاس به أقدارهم وميزانا توزن به منازلهم ومراتبهم، فالسابقون الأولون من المهاجرين هم الكبار الذين لا يسمو إليهم غيرهم، ومن عداهم من الصحابة الكرام متفاوتون تبعا لأعمالهم فى نصرة الإسلام، وجهادهم تحت ألويته وراياته، فأفضلهم الذين شهدوا بدرا ودافعوا عن النبى ﷺ ودينه فيها.
ويليهم من شهد أحدا والخندق، وهكذا حتى غروة تبوك.
وهناك عدة ثوابت تعم الصحابة، منها:
١ - الصحابة كلهم عدول، لا يجوز تجريحهم ولا تعديل البعض منهم دون البعض.
٢ - الصحابة كالنجوم يهدون الحائر، ويرشدون الضال، وفيهم يقول النبى ﷺ (أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) (٣).
٣ - الصحابة لم يذكرهم الله تعالى فى كتابه إلا وأثنى عليهم وأجزل الأجر والمثوبة لهم، ولم يفرق بين فرد منهم وفرد ولا بين طائفة وطائفة.
وفيهم يقول الرسول ﷺ : (خيرالقرون قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (رواه البخارى) (٤).
أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر
стр. 388
٤ - الصحابى
اصطلاحا: هو من لقى النبى ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام (١).
ويشمل هذا التعريف كذلك:
١ - من رأى النبى ﷺ قبل البلوغ؛ فإنه إن كان قد بلغ سن التمييز فهو صحابى، وإلا فإن صحبته باعتبار رؤية النبى في ﷺ له، وهو تابعى من حيث الرواية.
٢ - المرتد العائد للإسلام؛ فهو صحابى وإن لم ير النبى ﷺ مرة أخرى.
ويخرج منه: من رأى النبى ﷺ وهو ميت؛ فليس بصحابى.
ويلاحظ فى هذا التعريف أنه لم يشترط فيمن يستحق لقب الصحابى وقتا، ولا عملا ما: فمن لقى النبى ﷺ ساعة واحدة فهو صحابى، زادت تلك الساعة أو قلت، والأمر كذلك فيمن غزا معه ومن لم يغز، ومن روى عنه ومن لم يرو؛ فهذا اللقب الكريم لا ينزعه عمن حمله إلا عودته إلى الكفر وإصراره عليه، وهذا هو التعريف الذى اختاره وقال به الإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى، وهو المتفق عليه.
وهناك من العلماء من اشترط فى الصحابى أن يكون قد صحب النبى ﷺ عامين، أو غزا معه غروتين (٢)، ومنهم من يرى أن الصحابى هو من تحقق فيه شرط من أربعة:
١ - طول المجالسة.
٢ - حفظ الرواية.
٣ - الغرو مع النبى ﷺ .
٤ - الاستشهاد بين يديه.
وقد وصف الإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى هذه الشروط بأنها من الشواذ.
أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر
стр. 389
٥ - الصَّحَاح
لغة: صَحَّحَ أزال خطأه أو عَيْبَه يقال: صحَّحَ الخبر وصحَّحَ الكتاب والصّحَاحُ: الصَّحيحُ (١).
واصطلاحاً: هى كتب الحديث التى كان من شرطها الحديث الصحيح دون غيره، وعلى رأس هذه الكتب الصحيحان اللذان أُفردَ لهما تعريفُُ فى هذه الموسوعة، ومن هذه الكتب:
١ - المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى (ت ٤٠٥ هـ)، وذلك أن صاحبى الصحيحين لم يستوعبا الصحيح، وإنما انتخبا منه، فتتبع الحاكم ما كان على شرطهما وما صح عندهما لم يخرجاه، وهو كما قال ابن الصلاح: "كتاب كبير يشتمل مما فاتهما على شىء كثير"وقال العلماء: إنه متساهل فى التصحيح، ولكن لخص الذهبى مستدركه، وتعقب بعض الأحاديث بالضعف، وعلى هذا فما اتفقا على تصحيحه يكون أحرى بالقبول والصحة (٢).
٢ - صحيح ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) وسماه "التقاسيم والأنواع " وقد رتبه بعض المتأخرين على أبواب وسماه: "الإحسان فى تقريب ابن حبان " (٣) ويقدمه العلماء على كتاب الحاكم، إذ هو أقل تساهلاً منه (٤) وقد استخرج أبو الحسن الهيثمى زوائده على الصحيحين (٥).
٣ - صحيح ابن خزيمة، وهو أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان، لشدة تحريه حتى إنه يتوقف فى التصحيح لأدنى كلام فى الإسناد (٦).
٤ - المُوَطَّأ، فكل ما فيه من الأحاديث المسندة صحيح ما عدا أربعة أحاديث لم يهتد العلماء إلى صحتها (٧).
٥ - المستخرجات على الصحيحين، وهى أن يأتى المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع فى شيخه أو من فوقه، كالمستخرج للإسماعيلى على البخارى، ولأبى عوانة على مسلم (٨).
٦ - ومن هذه الكتب التى جُردت للصحيح: "السنن الصحاح " لسعيد بن السكن، و "المنتقى" لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ.
ومما تجدر الإشارة إليه أن كثيرا من كتب الحديث غير هذه الكتب تحتوى على الكثير من الصحيح، ولكنه مختلط بغيره، وهذا كالسنن الأربع: أبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجه.
أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب
стр. 390
٦ - الصحة
اصطلاحاً: تطور تعريف الصحة مع ارتقاء المستويات الاقتصادية والاجتماعية حتى أصبح كل ما من شأنه سلامة البدن (الجسم) والنفس والتوافق الاجتماعى.
وقد حرصت التعاليم الإسلامية على التنبيه على أهمية الصحة ففى الحديث الشريف: (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير).
وفى حديث آخر ينصح الرسول ﷺ أحد صحابته (إن لبدنك عليك حقاً) بعد ما قال (إن لنفسك عليك حقاً).
وقد أصبح من المتعارف عليه الآن أن الصحة الجيدة مطلوبة للمجتمع كما هى مندوبة للفرد. فهى تمكن الناس من الاستمتاع بحياتهم وإنجاز ما يفيدهم ويفيد المجتمع بالتالى، ولهذا السبب تدخل المستويات الصحية فى المعايير التى يقاس بها التقدم وفى معايير التنمية البشرية.
وقد بلور الطب فكره فى أنه لابد لكافة أجزاء الجسم من العمل مع بعضها البعض بصورة صحيحة من أجل المحافظة على صحة البدن، ومن مقومات الحياة الصحية الرئيسية: الغذاء الصحيح، الرياضة، الراحة، النوم، النظافة، الرعاية الصحية، ورعاية الإنسان.
وتلعب الصحة النفسية دوراً مهما فى سلوكيات الناس ومشاعرهم، وأولئك الذين يتمتعون بأقدار معقولة من الثبات الانفعالى يستطيعون تحقيق قدر أكبر من السعادة؛ لأنهم يتقبلون أنفسهم علماً بأوجه الضعف وأوجه القوة على حد سواء، ويظلون أيضاً على صلة بالواقع، كما يتمكنون من التعامل الرشيد مع الضغوط ودواعى الإحباط، كما يستطيعون التصرف دون الاعتماد على المؤثرات الخارجية وردود الأفعال.
وفى المجتمعات المعاصرة تتولى وزارات متخصصة بالصحة المسئولية عن توفير عدد كبير من الخدمات الصحية، وقد تنامى الاهتمام المؤسسى بالرعاية الصحية الأولية والثانوية والمتقدمة، ويشمل هذا توفير الوسائل الكفيلة بمنع الأمراض، والسيطرة عليها، والتحكم فى الأوبئة، وتنفيذ برامج للتطعيم وللفحوص الروتينية، فضلاً عن إجراءات الحجر الصحى والتوعية الصحية. وتتولى مؤسسات عديدة الإسهام فى تقديم الرعاية الصحية.
وقد نشأت منظمة الصحة العالمية كإحدى منظمات الأمم المتحدة ولا تزال تعمل من أجل رفع المستوى الصحى فى كافة أنحاء العالم، وقد كان شعارها فى العقدين الماضيين "الصحة للجميع بحلول عام ٢٠٠٠ م"، وقد نجحت السلطات الصحية بالفعل فى استئصال بعض الأمراض كالجدرى، وفى تقليل مخاطر أمراض كثيرة أخرى.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 391
٧ - الصحوة
لغة: من الصحو، وهو ذهاب الغيم وارتفاع النهار، وذهاب السكر، وترك الباطل. (كما فى اللسان) (١).
واصطلاحا: اليقظة، تصيب الفرد أو الأمة، بعد سنة وغفلة وتخلف وتراجع.
ويشيع إطلاقها -فى واقعنا المعاصر- على نزوع أمتنا إلى النهضة الإسلامية، بعد عصر التراجع الحضارى، الذى امتد تحت حكم العسكر المماليك والسلطنة العثمانية، وهى صحوة تجاهد على صعيدين، وفى جبهتين:
١ - صعيد وجبهة التخلف الذاتى الموروث عن حقبة التراجع الحضارى.
٢ - وصعيد وجبهة التحديات الغربية، التى تريد تهميش دور الأمة الإسلامية، وإلحاقها بالتبعية للغرب، ليتأبد استغلال الغرب وهيمنته على عالم الإسلام.
ووصف هذه الصحوة بالإسلامية، إنما يأتى تمييزا لها عن مشاريع النهوض التى اختار أصحابها المذاهب والفلسفات الغربية مرجعية لدعوات النهوض، ونماذج التحديث التى يبشرون بها ليبرالية، أو اشتراكية أو قومية.
فالصحوة الإسلامية: هى ذلك التيار العريض المتعدد الفصائل والمستويات الذى يسعى إلى تجديد الدين الإسلامى لتتجدد به دنيا المسلمين.
ولما كانت سنة الله فى مسارات الأمم والحضارات، هى سنة الدورات التى تتداول فيها الأمم والحضارات فترات وحقب التقدم والتراجع، والصعود والهبوط، والنهوض والركود، والحياة والموت، وهى السنة التى أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾ آل عمران:١٤٠، ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ محمد:٣٨، ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ البقرة:٢٥١، والتى بينها حديت رسول الله ﷺ ، الذى قال فيه (لا يلبث الجور بعدى إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شىء ذهب من العدل مثله، حتى يولد فى الجور من لم يعرف غيره، ثم يأتى الله ﵎ بالعدل، فكلما جاء من العدل شىء ذهب من الجور مثله، حتى يولد فى العدل من لا يعرف غيره) (رواه أحمد).
فإذا كانت سنة الدورات هى التى تحكم مسارات الأمم والحضارات، فإن هذه السنة تقتضى الصحوة، واليقظة، والتجديد، خروجا من مراحل ودورات الغفلة، والتراجع، والجمود، فصحوة التجديد هى الأخرى سنة من سنن الله فى الاجتماع الإنسانى وفى مسارات الحضارات، وعن هذه الحقيقة ينبىء حديث رسول الله ﷺ ، الذى قال فيه (يبعثا الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (رواه أبو داود).
وإذا كانت الحضارات الإنسانية هى مواضعات بشرية وإبداعات مدنية، لا توصف بالخلود ولا بالإطلاق، ومن ثم يجوز عليها الموت وإخلاء الطريق لحضارات أخرى وارثة لأممها وشعوبها وتاريخها، بمعنى أن سنة الصحوة والتجديد قد تأتى فى صورة تداول الحضارات، لا بعثها وتجددها، فإن الحضارة الإسلامية -وأيضا اللغة العربية- مع أنهما مواضعات بشرية وإبداعات إنسانية، هما استثناء من مصيرموت وفناء الحضارات واللغات، وذلك لارتباطهما بالمطلق الدينى، وهو الإسلام الخالد والخاتم، والقرآن الكريم الذى تعهد الله بحفظه بلسان عربى مبين.
ولذلك، كانت الصحوة وكان التجديد سنة مطردة وقانونا لازما فى مسار الحضارة الإسلامية، يقودها إلى النهوض بعد كل ركود، وهذا هو الذى جعل حضارتنا الإسلامية -ومعها اللغة العربية- أطول الحضارات المعاصرة عمرا، وأرسخها قدما على درب النهوض من العثرات، وأكثرها استعصاء على فقدان الهوية والخصوصية، لارتباط ذلك فيها بالمطلق الدينى والخالد الإلهى، فهى إبداع مدنى بشرى، حفز إليه وصبغه وحدد معاييره الوضع الإلهى -المتمثل فى وحى الله ونبأ السماء العظيم- وتلك خصوصية لحضارتنا الإسلامية تفردت بها دون كل الحضارات.
وإذا كانت الحقبة المملوكية العثمانية، قد مثلت مرحلة التراجع فى مسيرة حضارتنا الإسلامية، فإن بواكير الصحوة الإسلامية قد بدأت فى بلادنا منذ أكثرمن قرنين من الزمان، وفى استطاعة المؤرخ لهذه الصحوة أن يتخذ من نداء الشيخ حسن العطار (١١٨٠ - ١٢٥٠هـ/١٧١١ - ١٨٣٥م) أواخر القرن الثامن عشر الميلادى علامة على مرحلة التبلور لبواكير هذه الصحوة، ذلك النداء الذى قال فيه هذا الشيخ الرائد: إن بلادنا لابدأن تتغيز ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها.
ولقد كان تلاميذ الشيخ حسن العطار وفى طليعتهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى (١٢١٦ - ١٢٩٠هـ/١٨٠١ - ١٨٧٣م) الذين سعوا إلى تجديد "الذات الإسلامية" بالاحياء، وإلى الاستفادة من علوم المدنية الغربية -علوم الواقع والتمدن المدنى- بالتفاعل، وليس بالمحاكاة والتقليد هم طلائع وجذور الصحوة الإسلامية الحديثة والمعاصرة.
فلما حدث وعاجل المد الاستعمارى الغربى مشروع النهضة الذى قاده محمد على باشا الكبير (١١٨٤ - ١٢٦٥هـ/١٧٧٠ - ١٨٤٦م).
والذى جسد إلى حد كبير فكر هذه الصحوة تسلم ريادة هذه الصحوة تيار الجامعة الإسلامية، الذى تبلور -شعبيا- عبر العالم الإسلامى حول جمال الدين الأفغانى (١٢٥٤ - ١٢٦٥هـ/١٧٧٠ - ١٨٤٩م) والذى كان الإمام محمد عبده المهندس الأول لمشروعه الفكرى النهوضى، والذى حملته إلى العالم الإسلامى -على امتداد أربعين عاما- مجلة (المنار) التى رأس تحريرها الإمام محمد رشيد رضا (١٢٨٢ - ١٣٥٤هـ/١٨٦٥ - ١٩٣٥م)، ثم أسلم أمانة هذه الصحوة إلى الحركات والتنظيمات الإسلامية الحديثة -سواء منها تنظيمات الصفوة أو التنظيمات الجماهيرية- تلك التى نشأت عقب عموم بلوى الاستعمار الغريى للعالم الإسلامى إبان الحرب الاستعمارية العالمية الأولى (١٣٣٢ - ١٣٣٦هـ/١٩١٤ - ١٩١٨م) وبعد إسقاط الخلافة الإسلامية (١٣٤٢هـ)، ولأن هذه الصحوة كانت تواجه جناحى المأزق الحضارى: التخلف الموروث، والزحف الاستعمارى الغربى، ولأنها قد سعت إلى الإحياء والتجديد الدينى، لبلورة معالم المشروع النهضوى العصرى، فى مواجهة الجمود والتقليد اللذين أوجدا "الفراغ الفكرى" فى بلادنا، وهو الفراغ الذى سعى الاستعمار الغربى إلى ملئه بنموذجه الحضارى الوضعى العلمانى، فلقد كان تركيز
هذه الصحوة على تجديد دين الإسلام لتتجدد به -وليس بالنموذج الغربى- دنيا المسلمين.
وهذه الحقيقة هى التى جعلت رفاعة الطهطاوى يدعو إلى إحياء الشريعة الإسلامية بالاجتهاد الجديد، وإلى تقنين فقه معاملاتها، ليحكم -بدلا من القانون الوضعى الفرنسى- حركة الاجتماع والاقتصاد والسياسة فى بلادنا "لأن بحر هذه الشريعة الغراء، على تفرع مشارعه، لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها بالسقى والرى، ولقد انطلق الأفغانى من ذات الموقف -إسلامية الصحوة- فرفض أن نبدأ صحوتنا من حيث انتهى المشروع الغربى العلمانى، قائلا: "إنه لا ملجئ للشرقى فى بدايته أن يقف موقف الغربى فى نهايته" فالتمدن الغربى هو فى الحقيقة تمدن للبلاد التى نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنسانى، والإسلام هو السبب المفرد لسعادة الإنسان، ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططا، ولا يزيدها إلا نحسا، ولا يكسبها إلا تعسا.
وعلى هذا الدرب فى إسلامية الصحوة سار الإمام محمد عبده، الذى قال: "إن الإسلام دين وشرع، وهو لم يدع ما لقيصر لقيصر وإنما كان من شأنه أن يحاسب قيصرعلى ماله، ويأخذ على يديه فى عمله " فهو كمال للشخص.
ولم تتكف هذه الصحوة عند حدود الفكر والدعوة وإنما سلكت سبيل التنظيم، لإبلاغ الرسالة، واستمرارية الدعوة، فعرفت مسيرتها تنظيمات: الحزب الوطنى الحر وجمعية العروة الوثقى وجمعية أم القرى، فى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، كما عرفت الحزب الوطنى الذى قاده مصطفى كامل (١٢٩١ - ١٣٢٦هـ/١٨٧٤ - ١٩٠٨م) فى العقد الأول من القرن العشرين وهو الحزب الذى جمع فى دوائر الانتماء بين الوطنية وبين الجامعة الإسلامية.
وليس صحيحا ما يظنه البعض من أن الصحوة الإسلامية قد تمثلت فقط فى الحركات والتنظيمات الإسلامية، فأوسع وأعرض فصائل الصحوة الإسلامية هو التيار الشعبى، المستمسك بالهوية الإسلامية، وفى مقدمة مؤسسات الصحوة الإسلامية الأزهر الشريف، الذى ظل يرعى علوم الشريعة والعربية ويحرس الوجدان الإسلامى للأمة عبر تاريخها الطويل.
فلقد سعى على هذا الطريق العديد من أعلام الفقه والقانون، وكان الدكتور عبدالرازق السنهورى باشا (١٣١٣ - ١٣٩١هـ/١٨٩٥ - ١٩٧١م) واحدا منهم، جعل هذه المهمة مشروع حياته، تأليفا وتطبيقا، مؤكدا أن دول الشرق لا يمكن أن تجتمع على شىء واحد غير الإسلام، فالإسلام بالشرق والشرق بالإسلام.
وإذا كانت العقود الأخيرة قد شهدت تعاظم الصحوات الدينية، فى مختلف الديانات، بعد أن فشلت مشاريع النهوض والتحديث اللادينية، فإن تعاظم الصحوة الإسلامية يستند إلى خصيصة إسلامية، ينفرد بها الإسلام عن غيره من الديانات، هى منهاجه الشامل، الذى يجعله بديلا حضاريا، وليس مجرد عقائد وعبادات.
وهكذا ارتبطت الصحوة الإسلامية بحلم الأمة فى النهوض، والانعتاق من أسر التخلف الموروث، ومن الهيمنة الاستعمارية والحضارية الغربية، منذ فجر هذه الصحوة وحتى الآن.
أ. د/محمد عمارة
стр. 392
٨ - الصحيحان
لغةً: الصحيحُ: السليم من العيوب والأمراض. ومن الأقوال: ما يعتمد عليه. والصحيح من أحاديث الرسول ﷺ : الحديث المرفوع المتصل بنقل عَدْلٍ ضابط فى التحرى والأداء سالماً (١) من شذوذ وعلة.
واصطلاحاً: يطلق مصطلح الصحيحين على صحيحى البخارى ومسلم، وهما الكتابان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول، واعتبرا أصح كتابين بعد كتاب الله (٢) فى رواية السنة المشرفة.
وسمى البخارى كتابه "الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه " (٣).
ويعد صحيح البخارى مرحلة هامة من مراحل تطور علم الحديث رواية، إذ كانت المؤلفات فى هذا العلم قبله لا تفرد الحديث الصحيح بالتأليف، باستثناء موطأ الإمام مالك.
والذى دفع البخارى إلى ذلك هو استطالة الأسانيد، وكثرة طرق الحديث وبالتالى كثرت الأحاديث بما فيها من صحيح وضعيف، وأصبح من العسير تمييز هذا من ذاك. فوفر ذلك الإمام البخارى فى كتابه، وقد أعلن هذا المحدث الكبير ابن راهويه فى مجلس من مجالسه العلمية الذى كان يضم الإمام البخارى. قال: "لو جمعتم كتابا مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ ، قال البخارى: فوقع فى قلبى، فأخذت فى جمع الجامع الصحيح " (٤).
واشترط البخارى ألا يدخل فى كتابه إلا أصح ما ورد من الحديث، ولهذا ترك الكثير من الصحيح (٥)، واشترط بالإضافة إلى الشروط العامة للحديث الصحيح: طول ملازمة الراوى لشيخه، لأن ذلك أدعى إلى حفظه وضبطه للحديث الذى يرويه، كما اشترط أن يثبت عنده تاريخيا لقاء الراوى بشيخه وسماعه منه الحديث الذى يرويه عنه بصيغة تحتمل السماع وعدمه (٦).
وهذه الشروط إنما تنطبق على الأحاديث المسندة فى الكتاب دون المعلقة التى قد تكون على شرطه، وقد لا تكون.
وقد رتب الإمام البخارى كتابه، على أبواب الفقه والعقائد، والتفسير والآداب، كل مجموعة من الأبواب ينتظمها موضوع واحد جعلها كتابا يضم معنى هذه الأبواب.
وترجم البخارى لهذه الأبواب بتراجم تضمنت الكثير مما يستنبط من الأحاديث من أحكام فقهيه، ولهذا قيل بحق: فقه البخارى فى تراجمه.
أما صحيح مسلم (٢٠٤ هـ- ٢٦١ هـ) فاسم كتابه: "المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ " (٧).
يقول عنه مسلم: "ما وضعت شيئا فى كتابى هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة" (٨)، ويقول: "ليس كل شيء عندى صحيح وضعته ههنا- يعنى فى كتابه الصحيح- إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه " (٩).
وأتى صحيح مسلم فى المرتبة الثانية بعد البخارى- على رأى الجمهور- لأنه لم يشترط ما اشترطه البخارى من ملازمة الراوى لشيخه، وثبوت اللقاء فيما عبر عنه الرواة بعبارة تحتمل السماع وعدمه، واكتفى مسلم بالشروط العامة للصحيح، لكن هذا لا يمنع أن مسلما انتخب أحاديثه من أصح الأحاديث، قال: "إنما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعا عندى، وعند من يكتبه عنى، ولا يرتاب فى صحته " (١٠).
ورتب مسلم كتابه ترتيبا على الموضوعات كما فعل البخارى، ولكنه لم يضع تراجم لأبوابه، وجرده للصحيح فلم يدخل فيه كثيرا من التعليقات التى قد لا تكون على شرطه، كما أنه قد امتاز بجمع روايات الحديث فى مكان واحد على عكس البخارى الذى فرق الروايات فى الكتاب، لتفيد من الناحية الفقهية، أما صنيع مسلم فيفيد من الناحية الحديثية.
أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب
стр. 393
٩ - صحيفة المدينة
كان الرسول ﷺ يأمل حين هجرته إلى المدنية أن يستميل اليهود الذين بالمدينة إلى دينه، لأنهم أهل كتاب قد بشر بنبوته، وهم إن لم يستجيبوا لدينه، ويدخلوا فيه فلا أقل من أن يسالموه، ولا يكونوا مثل كفار مكة الذين اعترضوا دعوته، وحالوا دون نشرها بين الناس.
وكان اليهود من جهتهم يطمعون فى أن يستطيعوا بحيلهم ومكرهم من استمالة الرسول ﷺ إليهم، واحتواء دينه فى دينهم، فأظهروا له المسالمة فى أوائل هجرته، وهم يضمرون فى أنفسهم له ولدينه العداوة والبغضاء.
فلبسوا للمسلمين ثياب النفاق وخالطوهم وتبسطوا معهم، وبدوا لهم كأنهم قد قاربوا من دينهم، ورضوا عن شعائره بينهم (١).
وأعلن الكثير منهم الإسلام نفاقا، ودخلوا المسجد وأدوا الشعائر مع المسلمين، وهم يظنون أنهم يخادعون الله ورسوله وهو خادعهم.
ونتج عن هذه المعايشة السلمية التى كانت بين المسلمين واليهود والطوائف المشركة الأخرى التى كانت فى المدينة غير المسلمين واليهود أن قام رسول ﷺ بكتابة صحفية تكون بمثابة دستور بين هذه الطوائف يحكمها ويحفظ حق كل طائفة منها، فى أداء شعائرها بحرية تامة، على أن تؤدى كل طائفة واجبات التعايش السلمى مع جيرانها فى البلد الواحد، فلا تساعد الأعداء عليها ولا تحالفهم ولا تجيرهم.
واعترفت هذه الصحيفة بأن المدينة المنورة قد أصبحت دولة صغرى لها كيانها وقوانينها.
وأن النبى ﷺ رئيس تلك الدولة وهو يجمع فى يديه السلطتين الروحية والسياسية.
وقد أورد ابن هشام نصوص هذه الصحيفة فعدد أسماء القبائل التى التزمت بها، ومنه نقتبس بعض السطور:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبى ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف (وعدد الرسول ﷺ وسلم قبائل المؤمنين على هذا النمط، ثم قال: وإنه لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ظلم أو أثم، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة (٢).
ثم اتجهت الصحيفة للحديث عن اليهود فقالت: وإن اليهود يتفقون ما داموا محاريين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وإن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف (وعد على هذا النمط قبائل اليهود) ثم استمرت الصحيفة تقول: وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدثا أواشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله والى محمد رسول الله ﷺ ، وإن البر دون الإثم، وان الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره " وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ (٣).
وخلاصة هذه الصحيفة:
١ - أن للجماعة شخصية دينية وسياسية ومن حقها أن تعاقب المفسد وتؤمن المطيع.
٢ - أن الحرية الدينية مكفولة للجميع.
٣ - على سكان المدينة من مسلمين وغير مسلمين أن يتعاونوا ماديا وأدبيا وعسكريا، وعليهم أن يردوا متساندين أى اعتداء قد يوجه لمدينتهم.
٤ - الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو الرئيس الأعلى لسكان المدينة، وتعرض عليه القضايا الكبرى وحالات الخلاف بين الأفراد ليفصل فيها.
وعلى الرغم من موقف المسلمين السمح كان اليهود غيرمخلصين لما جاء فى هذه الصحيفة، ويبدو أنهم قبلوها ريثما يدبرون أمرهم كما هو معروف من دراسة مواقفهم من المسلمين بعد ذلك (٤).
أ. د/أحمد شلبى
стр. 394
١٠ - صحيفة المقاطعة
لما رأت قريش أن المسلمين الذين هاجروا للحبشة وجدوا بها ملاذا آمنا طيبا، وأن عمر بن الخطاب دخل الإسلام هو وحمزة وقوى بهما المسلمون، اجتمعت قريش لتدبر أمرها، واتفقوا على أن يكتبوا صحيفة يتعاقدون فيها ضد بنى المطلب على ألا يزوجوهم أو يتزوجوا منهم، ولا يبيعون لهم، ولا يبتاعون منهم، وأن يقاطعوهم، وكتبوا هذه الصحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة فى جوف الكعبة، وكان كاتب الصحيفة هو منصور بن عكرمة بن عامر، ويقال إنه النضر بن الحارث، وقد دعا عليه الرسول ﷺ فشلت يده.
وإزاء ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب ودخلوا معه فى شعبه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب (عبدالعزى بن عبد المطلب).
وقد عانى المسلمون من هذه المقاطعة أشد عناء، ومسهم الضر الشديد على الجوع والحرمان، وقد استمرت هذه المقاطعة حوالى ثلاث سنوات.
انتهاء المقاطعة:
وكان من بين المشركين نفر عارضوا استمرار المقاطعة، إذ أحسوا بالضر الذى يعيش فيه بنو هاشم وبنو المطلب، فمشوا فى نقض الصحيفة، ومن هؤلاء هشام بن عمرو بن الحارث، وأبو البخترى العاص بن هشام، والمطعم بن عدى، وزهير بن أبى أمية، وزمعة بن الأسود، وذهب زهير بن أبى أمية إلى البيت الحرام فطاف سبعا ثم صاح قائلا: يا أهل مكة، أناكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى؟
والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة، وعارض أبوجهل هذا الاتجاه، ولكن جانب الخير كان أقوى.
ويروى ابن هشام أن رسول الله ﷺ قال لأبى طالب: (إن الله سلطد الأرضة على هذه الصحيفة فلحستها ولم تدع بها إلا اسم الله جل وعلا)، فخرج أبو طالب إلى القوم وصاح: يا معشر قريش إن ابن أخى أخبرنى أن الأرضة لحست كلمات المقاطعة فإن كان الأمر كما قال ابن أخى فانتهوا عن قطيعتنا، وإن يكن كاذبا فإنى أسلمه لكم، فقال القوم: رضينا، وتعاقدوا على ذلك وذهبوا للصحيفة فإذا هى كما قال الرسول ﷺ .
وانتهت بذلك صحيفة المقاطعة، وإن كان كيد قريش للمسلمين لم ينته، مما جعل المسلمين يلجأون للهجرة إلى المدينة المنورة.
أ. د/أحمد شلبى
стр. 395
١١ - الصدر الأعظم
لغة: الصدرهو أعلى مقدم كل شىء وأوله، والأعظم صيغة أفعل التفضيل من عظيم، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: هو نائب السلطان ورئيس الوزراء فى الباب العالى، ورئيس ولاة الولايات العثمانية فى آسيا وأفريقيا وأوربا.
وقد استحق هذا اللقب لأنه كان يتصدر مجلس الباب العالى، ويرأس الحكومة العثمانية وما اشتملت عليه من المؤسسات المختلفة، كما كان يقود المعارك وحده، أو فى معية السلطان، ولم يكن يساويه أو يفوقه غير شيخ الإسلام "المفتى الأعظم " ولم يكن هذا المنصب عثمانيا وحسب، وإنما كان إسلاميا يتقلده أصحاب الكفاءة من سائر الجنسيات.
ومدة ولايته تتراوح غالبا بين تسعة أشهر وسبعة أعوام، وبعد عزله أو اعتزاله كان يتولى حكم مصر والمجر غالبا، لأنهما أهم ولايات الدولة العثمانية.
وأول من تولى هذا المنصب هو خليل باشا، ابن على باشا، فى سلطنة مراد الثانى (٢) وقيل بل علاء الدين باشا (٣).
وقد بقى هذا المنصب قائما حتى انتهى نظام السلطنة والخلافة العثمانية، وآل الحكم إلى تركيا الحديثة تحت قيادة كمال أتاتورك سنة ١٣٤٤هـ-١٩٢٥م.
أ. د/عبد العزيز غنيم عبد القادر
стр. 396
١٢ - الصدق
لغة: ضد الكذب، يقال: هو رجل صدق، وصديق صدق أى صادق الرجولة والصداقة لا يخون صدق يصدق صدقا، صدقا، فى وعده أو وعيده: أنفذه وصدقه: قبل قوله والمصدق: هو الذى يصدقك فى حديثك والصديق: الدائم التصديق، وهو أيضا الذى يصدق قوله بالعمل.
واصطلاحا: هو من الصفات الحميدة فى الإنسان، بل إنه من أفضل الصفات الإنسانية على الإطلاق، ذلك أن من يتحلى بالصدق فى القول وفى العمل، فهو لبنه صالحة فى بناء المجتمع الإنسانى، لأن الصدق من أهم الدعائم التى تستقيم بها حياة الفرد، وتصلح بها العلاقات الاجتماعية، وتقوى بها الروابط بين الناس فى المجتمع، ولذا حث الإسلام عليه، ووعد الصادقين جنات النعيم، فقد ورد مدح الصادقين فى القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة، منها قوله تعالى: ﴿ليجزى الله الصادقين بصدقهم﴾ الأحزاب:٢٤، وقوله: ﴿قل أؤنبئكم بخيرمن ذلكم، للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهارخالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفرلنا ذنوبنا وقنا عذابا النار الصابرين والصادقين … ﴾ آل عمران:١٥ - ١٧.
كما ورد أن الصدق من صفات هؤلاء الذين سينعمون بجنات تجرى من تحتها الأنهار، فقال تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجرى من تحتها الأنهارخالدين فيها أبدا، رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفورالعظيم﴾ المائدة:١١٩.
كذلك ورد فى حديث رسول الله ﷺ يدعو المسلمين إلى التحلى بالصدق فى القول والعمل، فقد روى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: (من أفتى بغيرعلم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشاربعلم وهو يعلم أن الرشد فى غيره فقد خانه) رواه أبو داود.
فالصدق صفة مطلوبة، وفضيلة يجب على كل مسلم أن يتحلى بها، فإن لم يفعل ذلك، كان جزاؤه النار وبئس المصير، فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وما يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا) (رواه البخارى).
وكما حث الإسلام المسلمين على الالتزام بالصدق فى القول، ووعد من التزم به جزاء فى الدنيا والآخرة، كذلك أمرهم بالصدق فى العمل، فقد قال رسول الله ﷺ (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) أى أن يكون صادقا فيما يقوم به من عمل فى جميع المجالات سواء كانت دينية أم دنيوية.
أ. د/محمد شامة
стр. 397
١٣ - صدقة الفطر
لغة: الصدقة ما يعطى على وجه القربى لله تعالى لا المكرمة (١).
والفطر (٢): نقيض الصوم، وقد أفطر وفطر وأفطره وفطره تفطيرا.
وشرعا: صدقة واجبة يقدمها المسلمون إلى المحتاجين بمناسبة عيد الفطر.
وهى تسمى زكاة الفطر، وزكاة الفطرة، فمن قال: زكاة الفطر أوجبها بدخول الفطر، ومن قال: زكاة الفطرة أوجبها على الفطرة، والفطرة الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فطرت الله التى فطر الناس عليها﴾ الروم:٣٠، أى خلقته التى جبل الناس عليها (٣).
ولهذا فهى واجبة على المسلمين إجماعا على الحر والعبد، الذكر والأنثى، الصغير والكبير.
والأصل فيها أحاديث كثيرة، منها ما ورد عن ابن عباس (٤) قال: (فرض رسول ﷺ زكاة الفطرة طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهى زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات).
وحيث ثبت وجوبها فهى فرض كزكوات الأموال، وقال أبوحنيفة: هى واجبة وليست فرضا كالوتر، بناء على أصله فى الفرق بين الواجبه والفرض وهذا الخلاف إذا قدر كان خلافا فى العبارة وفاقا فى المعنى، والخلاف فى العبارة مع الوفاق فى المعنى غير مؤثر.
ومقدارها على كل مسلم صاع من تمر أو من شعير، كصاع رسول الله ﷺ لما ورد فى ذلك عنه ﷺ (٥).
ووقتها قبل صلاة العيد، على خلاف بين الفقهاء فى جوازها فى أيام رمضان (٦).
أ. د/على جمعة محمد
стр. 398
١٤ - الصّراط
لغة: الطريق (١). وفى التنزيل العزيز﴾ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله ﴿(الأعراف ٨٦) وفى اللسان "الصراط، السراط الزراط: الطريق " (٢)
واصطلاحا: هو فى الشرع "جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار خلافا للحليمى، حيث ذهب إلى أنهم لا يمرون عليه ولعله أراد الطائفة التى ترمى فى جهنم من الموقف بلا صراط " (٣). وفى "المواقف " "واعلم أن الصراط جسر ممدود على ظهر جهنم يعبر عليه المؤمن وغير المؤمن)، (٤).
ويقول ابن قدامة: "والصراط حق يجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار" (٥).
وفى الفقه الأكبر للإمام الشافعى "وأما الصراط فقنطرة ممدودة على جهنم " (٦).
وفى الحديث الصحيح "ويضرب الصراط بين ظهرى جهنم فأكون أنا وأمتى أول من
يجيز" (٧).
ويقول النووى: وفى هذا إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته، وقد أجمع السلف على إثباته، وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب حالهم، أى منازلهم، والآخرون يسقطون فيها" (٨).
وفى تحفة المريد "وفي بعض الروايات أنه أدق من الشعرة وحَدَّ من السيف، وهو المشهور … ثم يقول: وقال بعضهم: إنه يضيق ويتسع بحسب ضيق النور وانتشاره، فعرض صراط كل أحد بقدر انتشار نوره، فإن كل إنسان لا يتعداه إلى غيره، فلا يمشى أحد فى نور أحد ومن هنا كان دقيقا فى حق قوم، عريضا فى حق آخرين .. " (٩).
وصدق الله إذ يقول:﴾ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا.
ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ﴿(مريم ٧١،٧٢).
أ. د. حسن عبد الرؤوف محمد
стр. 399
١٥ - الصعاليك
لغة: الصعلوك يقصد به الفقير .. من " صعلك فلانا: أفقره .. والتصعلك: الفقر وصعاليك العرب ذؤبانها .. وصعلك البقل الدواب .. سمنها .. وتصعلكت الإبل: طرحت أوبارها .. وتصعلك الرجل: افتقر .. وصعاليك العرب فتاكها (١).
ولم تقف اللفظة فى الجاهلية عند مدلولها اللغوى الخاص .. وإنما أخذت تدل على من يتجرد للغارات وقطع الطريق ..
واصطلاحا: هم طائفة من الشعراء اشتهروا بالعدو والإغارة على القبائل للنهب (٢) وهم أيضا شبان فقراء أمثال "عروة بن الورد" و "تأبط شرا" و "السليك بن السلكة" ويطلق عليهم- كما أوردنا: ذؤبان العرب .. لأنهم كانوا يختطفون المال .. كما تخطفه الذئاب .. كما كان يطلق عليهم أيضا: العدائين .. لأنهم كانوا مشهورين بسرعة العدو فى السلب والنهب .. ولكنهم كانوا مع فقرهم نبلاء .. ومن نبلهم أنهم كانوا لا يهجمون إلا على الأشحاء والبخلاء من الأغنياء .. فإذا وجدوا غنيا كريما تركوه .. وإن وجدوا غنيا شحيحا هاجموه (٣).
وقد كانوا على ثلاث مجموعات:
١ - الخلعاء الشذاذ .. الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة جرائرهم .. مثل حاجز الأسدى المتوفى سنة (٥٧٠ م) كان يسبق الخيل.
٢ - أبناء الحبشيات السود .. ممن نبذهم آباؤهم .. ولم يلحقوهم بهم لعار ولادتهم .. فسموا هم وأضرابهم باسم " أغربة العرب " .. لأنهم كانوا يشاركون أمهاتهم فى السواد.
٣ - ولم يكن أفراد هذه المجموعة من الخلعاء ولا من أبناء الإماء الحبشيات وإنما كانوا من الذين احترفوا الصعلكة احترافا (٤).
وقد كانت أكثر المناطق عرضة لإغارتهم .. مناطق الخب .. حيث كانوا يرصدون طرق القوافل التجارية .. وقوافل الحجاج القاصدة إلى مكة .. وكانوا ينتشرون حولها فى جبال السراة .. كما كانوا ينتشرون بالقرب من الطائف والمدينة .. وأطراف اليمن الشمالية (٥).
وتتميز أشعارهم بأنها تمتلئ بصيحات الفقر والجوع، وتموج أنفسهم بالثورة العارمة على الأغنياء والأشحاء .. وأنهم يمتازون بالشجاعة والصبر عند البأس .. وشدة المراس .. وتضرب بهم الأمثال فى شدة العدو. وتروى عنهم أقاصيص كثيرة فى هذا الجانب .. وكانوا يحسنون ركوب الخيل .. والإغارة عليها (٦).
وفى أشعارهم يتغنون بمغامراتهم .. وعندهم غير قليل من الترفع والشعور بالكرامة فى الحياة .. ونجد عروة بن الورد يعبر عن مثالية خلقية رفيعة .. تصل إلى نظام يشبه نظام الفروسية .. وهى فى حقيقتها تقوم على السلب والنهب .. وعروة هذا يسمى "عروة الصعاليك" لأنه كان كالرئيس عليهم- يجمعهم ويقوم بأمرهم .. وكان لشعره تأثير فى نفوس قبيلته (٧).
أ. د/ صفوت زيد
стр. 400
١٦ - الصفاء
لغة: الصفو والصفاء نقيض الكدر (١). والصفاء: الخلوص من الشوب (٢). وصفاء الذهن هو عبارة عن استعداد النفس لاستخراج المطلوب بلا تعب وبلا تشويش (٣). وأما من اتصف بالصفاء عن كدر الغيرية فهم الصفوة.
واصطلاحا: الصفاء عند الصوفية لفظ يطلقونه ويريدون به البعد عن المذمومات، وإماتة الشهوات، فالصفاء مرآة القلب الطاهرة التى عليها الحقائق بعد التخلص من آفات العادة والطبع الرديء.
والصفاء عدم الركون لطلبات النفس من الفتوحات والكشوفات والتجليات وإنما طهارة النفس بلا ملاحظة واهتمام، فانشغال العبد بصفائه واهتمامه بتنقية قلبه إنما هو جفاء أى بعد عن الصفاء، لأنه فى هذه الحالة يكون مريدا للأحوال والمقامات، راغبا فى الكمالات، وهذا انشغال برؤية العقل عن الطاعات والموجبات فملاحظة ما صفا بالصفاء جفاء.
وبذلك يصل إلى درجة عليا من الصفاء وهو صفاء الصفاء، أى يشاهد الحق بالحق ولا يكون هناك حاجز حسى أو مادى أو علة وسبب فى الاتصال بالله، لأنه هنا يكون قد وصل بعد مفارقة الطبع والعادة والفعل والعمل (٤).
أ. د. على جمعة محمد
١ - لسان العرب لابن منظور ٤/ ٢٤٦٨دار المعارف- التوقيف على مهمات التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوى تحقيق د/محمد رضوان الداية ص ٤٥٧ دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، ١٩٩٩ م.
٢ - التعريفات للجرجانى ص ١٧ ١ مصطفى الحلبى ١٩٣٨م.
٣ - التعريفات للجرجانى ص ١١٧ - التوقيف على مهمات التعاريف، المناوى، ص ٤٥٨.
٤ - انظر اللمع للشيخ أبى نصر سراج الدين الطوسى ص ٤١٤، ٤١٥ طبعة لجنة نشر التراث الصوفى تحقيق د/عبد الحليم محمود.
стр. 401
١٧ - الصفات
لغة: جمع صفة، وهى الاسم الدال على بعض أحوال الذات وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق وغيرها.
واصطلاحا: الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذى يعرف بها.
والمصدر الأول لأسماء الله وصفاته هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف:١٨٠.
ومشكلة الأسماء والصفات تحتل مركزا وثقلا كبيرين فى مؤلفات الفلاسفة والمتكلمين المسلمين.
ويندرج تناول مشكلة صفات الله تحت باب التوحيد خاصة عند المعتزلة والأشاعرة ومن تابعهم من الفلاسفة المسلمين.
ويقسم المعتزلة الصفات المنسوبة لله تعالى إلى قسمين:
أحدهما: صفات الذات، وتعرف بأنها الصفات التى لا تنفك عنها الذات وهى خمس صفات: الوجود والحياة والقدرة والعلم والإرادة
والثانى: صفاته الأفعال وهى كل ما تعلق بالجوارح أو الحواس التى لا تنسب إلى الله إلا على سبيل المجاز.
أما بالنسبة للإنسان فهى تكون على وجه الحقيقة ولا يجوز وصفه تعالى بعكس صفات الذات ولا صفات الأفعال التى تليق بذاته، أما صفات الأفعال الأخرى فيمكن وصفه تعالى بأضدادها مثل المحيى والمميت، والرحيم والمنتقم، والعاطى والمانع أما صفة العدل فلا يجوز وصفه تعالى بأضدادها، وكذلك صفة الكمال والجمال والإحسان وما إلى ذلك مما لا يتصور ضدها فيه تعالى.
لم ينكرأحد المسلمين ثبوت صفات الجلال لله ، وإنما وقع الخلاف فى كيفية نسبتها إلى ذاته بحيث لا توحى بالتعدد أو التغير فى ذاته تعالى.
وقد حرصت المعتزلة على عدم إشراك أى مع الله فى صفة القدم ونتج عن ذلك تقارب فى الآراء بين المعتزلة أنفسهم وبينهم وبين الفرق الأخرى من جانبه آخر. وعرف فى هذا المجال ما يسمى بنظرية المعانى التى قال بها معمر بن عياد السلمى (٣٢٠هـ) وأبو على الجبائى (٣٠٣هـ-٩٢٤م) وأخد بها الأشاعرة. كما عرفت نظرية الأحوال التى قال بها أبو هاشم عبد السلام الجبائى (٣٢١هـ-٩٤١م). ومضمون نظرية المعانى أن الصفات عبارة عن معان قائمة بالذات لا ينتج عن قيامها بالذات لا تعددا ولا تغيرا.
أما الأحوال فتعنى أن الذات الإلهية تكون على حال ثم تكون على حال أخرى، فتكون تارة على حال عالمة ثم على حال قادرة ثم أخرى مريدة وهكذا، وقد قوبلت هذه النظرية بنقد شديد من كثير من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من متكلمى أهل السنة والفلاسفة.
أما أول محاولة جادة لتفسير علاقة الصفات بالذات الإلهية فقد قام بها أبو الهذيل العلاف المعتزلى (٢٢٧هـ-٨٤٢م) حيث روى عنه أنه كان يقول بأن الله قادر بقدرة ليست هى هو ولا هى غيره، وكذا فى سائر الصفات فأثبت له تعالى حق القدرة ولكنه لم يستطع بيان علاقة القدرة أو أية صفة أخرى من صفات الذات بذاته تعالى فقال بما يتناقض مع نفسه، فهذه القدرة ليست هى هو ولا هى غيره ماذا تكون إذن؟!
وكانت هذه المقولة سببا فى اتهام المعتزلة بأنهم نفوا الصفات عن الله وأنهم مُعَطِّلة وكان من المعتزلة من يذهب إلى القول بضد الصفة لإثباتها لذاته تعالى، فنفى، العجز يتضمن الوصف بالقدرة، ونفى الجهل عنه تعالى يعنى إثبات صفة العلم لله تعالى، وهكذا فى باقى صفات الذات ومن هنا جاء وصفهم من قبل متكلمى أهل السنة بأنهم نفوا الصفات عن الله عزوجل.
أما أشد أنواع الجدل فقد دار حول الصفات التشبيهية مثل تفسير اليد والوجه والاستواء وما شابه ذلك. حيث توقف أهل السنة والجماعة عن الخوض فيها، وآمنوا بها كما جاءت فى القرآن الكريم دون السؤال عن الكيف.
أما المعتزلة فقد لجأوا فى تفسير ذلك إلى ما عرف بقياس الغائب على الشاهد، وفسروها أحيانا بأنها منسوبة لله عزوجل على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة، ففسروا الوجه بالوجود واليد بالقدرة والرؤية (رؤية البارى فى الآخرة) على أنها تكون بالروح لا بحاسة البصر، وقد اختلف معهم فى هذه الطريقة أيضا متكلمو السنة.
ويرى أبو الحسن الأشعرى أن إثبات الصفة عن طريق نص ضدها حسبما كان يذهب إليه إبراهيم بن سيار النظام (٢٣٥هـ-٨٥٠م) قد دخل الفكرالاسلامى عن طريق الفلسفة اليونانية ومن تأثر بها من المسلمين. وقد أيد أبو حامد الغزالى ما ذهب اليه أبو الحسن الأشعرى فى حق الفلاسفة لنفيهم الصفات بحجة أن إثباتها يؤدى إلى التعدد فى الذات الإلهية.
وكذلك يرفض ابن رشد تفسيرالمعتزلة للصفات وعلاقتها بالذات ويدلل على بطلانه وتناقضه مع ذاته ثم جاء ابن تيمية (٧٢٨هـ) ليرد على المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة ويضع حدا للخوض فى هذه المسألة وإثبات استحالة القطع فيها عن طريق العقل.
أ. د/السيد محمد الشاهد
стр. 402
١٨ - الصفويون
ينسب الصفويون إلى جدهم الأعلى الشيخ صفى الدين الذى ينتسب فيما يقال إلى الإمام موسى الكاظم، فالأسرة بذلك من أولاد الإمام الحسين ومن ذرية الرسول ﷺ وقد اتجهت هذه الأسرة اتجاها صوفيا فأصبح لها مريدون وأتباع فى موطنهم الأصلى "الأردبيل " ولما كثر هؤلاء الأتباع خافهم حاكم المنطقة فطردهم، فلجأوا إلى ديار بكر فأصبحوا فى رعاية حسن أوزون، وتزوج زعيمهم بنت حسن أوزون، وقاد جيوشه، وكان إسماعيل الصفوى- الشاه إسماعيل فيما بعد- ثمرة هذا الزواج، وقد استطاع إسماعيل أن يجمع أشتات أسرته وأن يجمع أشتات أتباعه، وبعد أن كان رجل دين أصبح قائدا عسكريا، واستطاع أن يعود إلى بلاده، وأن يبدأ فى تكوين مملكة كان لها شأن كبير فى التاريخ.
وحدث الصراع بين أمراء الآق قوينلو والصفويين القوة الجديدة التى قامت فى بلاد فارس، واتجهت هذه القوة إلى الاستيلاء على كل ما بأيدى الآق قوينلو ببلاد فارس والعراق وقد بدأ الصراع بين القوتين، إلا أن كفة الصفويين كانت ترجح دائما، وبخاصة أن ظهورهم بدأ فى فترة كان الخلاف واضحا بين أفراد أسرة الآق قوينلو، ومراحل هذا الصراع كما يلى:
١ - سنة ٩٠٦ هـ عقب مقتل محمدى ميرزا عقدت معاهدة بين المنتصرين ألوند ومراد، بمقتضاها أصبحت أذربيجان وديار بكر إلى ألوند وأصبحت العراق وفارس لمراد.
٢ - سنة ٩٠٧ هـ انتهز الشاه إسماعيل الصفوى فرصة الخلاف والانشقاق فهاجم ألوند فى أذربيجان واضطره للفرار إلى بغداد ثم إلى ديار بكر وتوفى سنة ٩١٠ هـ.
٣ - سنة ٩٠٨ ص انثنى الشاه إسماعيل إلى مراد فالتقى به فى معركة بالقرب من همذان هزمه فيها شر هزيمة، وأرغمه على الفرار إلى بغداد.
٤ - سنة ٩١٤ هـ هاجم الشاه إسماعيل بغداد فاضطر مراد وحاكم بغداد (باديك) إلى الفرار إلى مصركما سبق القول، وسقطت بغداد فى يد الصفويين وتعتبر سنة ٩١٤ هـ/٥٠٨ ١م تاريخا لانقراض دولة الآق قوينلو، وأصبحت العراق تابعة للصفويين وقد تحقق لإسماعيل الصفوى ما أراد، فأسس الأسرة الصفوية، ثم أخذ حكمه يتسع حتى امتد من جيحون إلى خليج البصرة ومن أفغانستان إلى الفرات، واستولى على بغداد سنة ٩١٤ هـ كما ذكرنا من قبل، وأصبحت العراق ولاية تابعة لملك الصفويين الفسيح. وتبعية العراق لبلاد فارس حدث خطير من الناحية الحضارية، فقد أصبح العراق بذلك تابعا لدولة مسلمة شيعية، بعد أن ظل عدة قرون تحت حكم جماعات أقرب للوثنية، وبهذا بدأ الطابع الإسلامى الحقيقى يعود إلى العراق هذا من الجانب الدينى إلا أن الصفويين حاولوا من جانب آخر أن يتجهوا بالعراق اتجاها فارسيا، بحيث يشمل اللغة والتقاليد، وكان هذا الاتجاه على وشك أن يعيد العراق إلى الفارسية كما كانت عليه قبل الإسلام، لولا الزحف العثمانى على العراق.
ولما كان الصفويون شيعة فقد اتجهوا باهتمامهم إلى مناصرة التشيع ونشره بالعراق، وقد بدأ الشاه إسماعيل بذلك، فإنه عقب فتح بغداد أسرع بزيارة العراق، ووفد له شيعة العراق فأكرم وفادتهم، وزار كربلاء والنجف فى إجلال ظاهر، وشيد بناية فخمة على قبر موسى الكاظم، وانثنى إلى قبور أئمة السنة فهدمها وقتل جماعة من السنيين. وبذلك أحيا الصراع الطائفى الذى عرفه العراق بين السنة والشيعة منذ العهد الأول للإسلام: والولاة الصفويون لبغداد هم:
١ - لالا حسين (أول وال فارسى) ٩١٤ هـ
٢ - قثعرز سلطان ٩٢١ هـ.
٣ - ثورة ذى الفقار نخود ٩٣٠ هـ.
٤ - محمد خان بن شرف الدين ٩٣٦ هـ
٥ - تكلو محمد خان ٩٤٠ هـ- ٩٤١ هـ.
وكان هناك حاكم عربى للبصرة، ولكنه كان يدفع إتاوة سنوية إلى الشاه وندب الشاه أحد الخانات ليحكم الموصل.
وكان عهد الصفويين بالعراق عهد استقرار نسبى، وقد تقاطر التجار الفرس إلى بغداد وسكنوها، وبدأ النشاط الاقتصادى يأخذ طريقه، ولكن فترة الصفويين بالعراق كانت قصيرة، حيث امتدت حدود الأتراك العثمانيين حتى تاخمت حدود الصفويين، وكان الخلاف الطائفى بين أهل السنة والشيعة حادا فاستلزم صراعا بين القوتين الكبيرتين وامتد الصراع إلى بغداد، ورجحت فيه كفة الأتراك العثمانيين، إلا أن الحكم الصفوى استطاع أن يعود مرة أخرى سنة ٦٢٣ ١م وكان ذلك فى عهد الشاه عباس الذى شجعه على أطماعه ضعف الدولة العثمانية، وقد حاصر الشاه بغداد حصارا طويلا، مما دفع أهلها الجائعين إلى أن يأكلوا لحوم البشر، وفى وسط هذه الأزمة الطاحنة حدثت حوادث مفزعة بين أهل السنة والشيعة، فقد صلب أهل بغداد الفرس الشيعيين وألقوا برؤوسهم إلى المحاصرين وعلقوا أجسامهم على الأسوار، وانتقاما لذلك قضى جنود الشاه عباس عندما استولوا على بغداد على أهل السنة قضاء تاما، ولم يدعوا أثرا لأبنية بغداد الشاهقة، حتى جامع أبى حنيفة وعبد القادر الجيلانى أصبحا أنقاضا.
لكن كان عمر هذا النصر الصفوى قصيرا، إذ استطاع ا. لسلطان العثمانى مراد الرابع استعادة بغداد لآخر مرة سنة ٦٣٨ ١م وأوقع بالجيش الشيعى مثل ما أوقعه الشيعة بأهل السنة من دمار، ثم تم الصلح مع الصفويين وتم تثبيت الحدود بين الدولتين. وأصبحت العراق جزءا من الإمبراطورية العثمانية.
(هيئة التحرير)
стр. 403
١٩ - الصَّقَالِبة
يطلق مصطلح الصقالبة (السٌّلاف) على أمة مرجعها أصل واحد، وقد أكثر من ذكرها مؤرخو اليونان والرومان والعرب، ولكن أكثر أقوالهم مبهمة لا تدل دلالة صريحة على أصل مرجعها، وتوزعها فى بلاد أوروبا وآسيا، ومن مؤرخى العرب من جعلها فئة قليلة، ومنهم من توسع فنسب إليها بلادا وأمما لم تكن منها.
قال ياقوت الحموى: "الصقالبة جيل حمر الألوان صهب الشعور يتاخمون بلاد الخور فى أعالى جبال الروم " وقال أيضا: الصقالبة بلاد بين بلغار وقسطنطينية. وقال المسعودى: الصقالبة أجناس مختلفة ومساكنهم فى المغرب وبينهم حروب، ولهم ملوك، فمنهم من ينقاد إلى دين النصرانية، ومنهم من لا كتاب له ولا شريعة.
وجعل المسعودى الترك من الصقالبة قال: وهذا الجيش (أى الترك)، أحسن الصقالبة صورا وأكثرهم عددا وأشدهم بأسا.
وقال ابن خلدون: الصقالبة إخوة الخزر والترك. ولا يخفى ما فى هذا الإجمال من الإبهام والغموض.
ولكل المؤرخين عذرهم لأن هذه الأمم لم تبلغ فى أيامهم شأنا يدونه التاريخ، فإنهم أخذوا ما أخذوه مما التقطوه من أفواه الناس، أو نقلوه عن تواريخ اليونان الذين لم يكن لعهدهم منزلة كبرى لهذه الأمم، غير أن الدراسات الحديثة أكدت أنهم شعوب كانت تسكن بين جبال الأورال والبحر الأدريانى فى أوروبا الشرقية والوسطى، ويتكلمون بلغات تنتمى إلى العائلة- الهند وأوروبا- ويقسمون عادة إلى ثلاثة أقسام كبرى: صقالبة الغرب ويشملون البولنديين، والتشيكيين والسلوفاكيين، وعناصر أخرى صغيرة فى شرقى ألمانيا.
وصقالبة الشرق: وهم (الروس الكبار)، والأوكرانيون (الروس الصغار) البلورسيون (الروس البيض).
وصقالبة الجنوب ويضمون الصربيين والكرواتيين والسلوفينيين والمقدونيين والبلغاريين.
وينقسم الصقالبة ثقافيا إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى ترتبط بالكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، والأخرى بكنيسة الروم الكاثوليكية. ويذكر أن الصقالبة اسم يطلق على جميع الأسرى الذين كانت تأتى بهم الجيوش الألمانية من حملاتها من جميع البلاد الأوروبية ثم يبيعونهم إلى الأندلس، وهم لا يزالون بعد فى شرخ الشباب، ولكنهم سرعان ما بدأوا يتحدثون باللغة العربية، ثم أسلموا وقد أثرى بعضهم وامتلك الضياع الواسعة، بل كان لهم عبيدهم الخاصون بهم، وتثقفت عقولهم بفضل اتصالهم بالحضارة الأندلسية الزاهرة، وكان منهم علماء مشاهير وشعراء.
وفى راوية الأبار والمقرى أن أحدهم وهو حبيب الصقلبى، صنف فى عهد هشام الثانى كتابا أشاد فيه بفضائل أدباء الصقالبة من الأندلسيين، وكان عنوان الكتاب " الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة ".
وكان الصقالبة فى الأندلس لهم دور بارز فى السياسة يتناسب وازدياد عددهم حتى أنهم كونوا طبقة اجتماعية تشبه إلى حد ما طبقة المماليك الأتراك فى المشرق الإسلامى. وقد استخدم الخلفاء الأمويون فى الأندلس هؤلاء الصقالبة للحد من نفوذ الأرستقراطية العربية فى الحكم، وإضعاف سيطرة الجند من العرب والبربر، وقد استمر الصقالبة يقومون بدور مهم فى سياسة الدولة الأموية، ويتدخلون فى إقامة الخلفاء وعزلهم حتى احتضار الدولة، إذ شاركوا فى المؤتمرات التى قامت فى قرطبة وغيرها من مدن الأندلس. ومن أشهر أمرائهم (أبو الجيش مجاهد العامرى الصقلبى) الذى استطاع بقوة أسطوله أن يضم جزر البليار إلى ملكه فى ٤٠٥ هـ/٠١٤ ١م ومن ثم اتخذها قاعدة انطلق منها أسطوله لغزو جزر البحر المتوسط. ولاشك أن هؤلاء الصقالبة قد تركوا أثرا حضاريا فى الأندلس لا يمكن إغفاله، فهم وإن كانوا قد فقدوا كل صلة ببلادهم الأصلية، واعتنقوا الإسلام، وأتقنوا
اللغة العربية، فإنهم برغم ذلك قد جلبوا معهم بعض العادات الاجتماعية، والتقاليد الثقافية، والفنون الشعبية، والمفردات اللغوية التى تعلموها فى صغرهم.
كذلك اشتهر منهم الأدباء والشعراء الذين ظهرت فى كتاباتهم اتجاهات شعوبية تغلب العجم على العرب. ومع ذلك فإن هؤلاء الصقالبة قد لعبوا دورا سياسيا وثقافيا فى تاريخ أسبانيا الإسلامية. ويبدو أن ابن الكلبى هو أول من لاحظ العلاقة بين الصقالبة وشعوب العرب، ولقد استعير اللفظ التركى الحديث (سلاو) من الاستعمال العلمى الأوروبى الحديث، والراجح أن استعارته كانت من الفرنسية، وأبرز معالم للتاريخ الصقلبى ظهور روسيا الموحدة من عدة دول منفصلة، وكانت الدعوة للجامعة السلافية من أقوى ما اعتمدت عليه روسيا فى توسعها.
أ. د/عزة الصاوى
стр. 404
٢٠ - الصلاة
لغة: الدعاء، لقوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ التوبة:١٠٣، أى ادع لهم. (١).
واصطلاحا: قال الجمهور (٢): هى أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة.
وعند الأحناف هى عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال المخصوصة (٣) وعليه فإذا ورد فى الشرع أمر بصلاة أو حكم معلق بها، انصرف بظاهره إلى الصلاة الشرعية.
والصلاة مفروضة شرعا، دل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فآيات كثيرة منها: قوله تعالى فى غير موضع من القرآن: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ البقرة:١١٠.
وأما السنة: فأحاديث كثيرة منها: ما رواه ابن عمر عن النبى ﷺ أنه قال: (بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا) (متفق عليه) (٤).
وأما الاجماع: فقد أجمعت الأمة سلفا وخلفا على وجوب خمس صلوات فى اليوم والليلة (٥).
والصلوات المكتوبات خمس فى اليوم والليلة، وهى: الظهر، أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، والصبح ركعتان.
ولا خلاف بين المسلمين فى وجوبها، ولا يجب غيرها إلا لعارض من نذر، وذلك لما رواه أنس بن مالك قال: (فرضت على النبى ﷺ الصلوات ليلة أسرى به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودى يا محمد، إنه لا يبدل القول لدى، وإن لك بهذه الخمس خمسين) (٦).
والصلاة أفضل أركان الإسلام بعد الإيمان، وهى أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة (٧).
والصلوات المكتوبات معلومة من الدين بالضرورة، فمنكرها كافر، حيث إن تارك الصلاة حالين:
الأولى: أن يتركها جحودا لفرضيتها، وفى هذه الحالة أجمع العلماء على أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كفرا.
الثانية: أن يترك الصلاة تهاونا وكسلا لا جحودا، وفى حكم هذه الحالة اختلف الفقهاء، فذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا لا كفرا. أى أن حكمه بعد الموت حكم المسلم، فيغسل ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين.
وذهب الإمام أحمد فى الرواية الثانية وهى أرجح الروايتين عنه، وعبد الله بن المبارك، وابن راهويه، وهو وجه عند الشافعية إلى أن حكم المتكاسل عن الصلاة يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كفرا. وذهب أبو حنيفة والإمام المزنى إلى أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلى (٨).
وللصلاة شروط يجب توافرها، وهى نوعان: شروط وجوب، وشروط صحة.
أولا: شروط الوجوب، هى:
١ - الإسلام: فتجب الصلاة على كل مسلم، ذكرا أو أنثى، ولا تجب على الكافر ولكن يعاقب على تركها فى الآخرة، لتمكنه من فعلها بالإسلام.
٢ - العقل: فلا تجب الصلاة على المجنون باتفاق الفقهاء.
٣ - البلوغ: اتفق على أن البلوغ شرط لوجوب الصلاة، فلا تجب على الصبى حتى يبلغ، ولكنه يؤمر بها تعليما له عندما يبلغ سبع سنوات، ويضرب على تركها إذا بلغ عشر سنوات.
ثانيا: شروط الصحة، هى:
(أ) طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة الحقيقية.
(ب) الطهارة من الحدث، وتكون بالوضوء، أو الغسل، أو التيمم.
(ب) العلم بدخول وقت الصلاة، فلا تصح الصلاة إذا أديت قبل دخول وقتها.
(د) ستر العورة، فتبطل الصلاة مع كشف العورة للقادر على سترها، ولو كان منفردا فى مكان مظلم، والعورة من الذكر ما بين السرة والركبة، ومن الأنثى جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين.
(هـ) استقبال القبلة، فيجب على المصلى أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام (٩).
أقوال الصلاة وأفعالها تنقسم إلى أركان وسنن، فالأركان هى التى لا تصح الصلاة بدونها، والسنن تصح الصلاة بدونها على خلاف بين الفقهاء.
نكتفى بذكر الأركان إجمالا، أما تفصيلها ومعرفة السنن فيرجع إليها فى كتاب الصلاة من كتب المذاهب.
والأركان هى: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام للقإدر عليه، وقراءة الفاتحة، وآيات من القرآن، والركوع، والرفع من الركوع والاعتدال، والسجود، والرفع من السجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فى الأركان، والجلوس الأخير، والتشهد الأخير، والسلام، وترتيب أركان الصلاة (١٠).
أ. د/على مرعى
стр. 405
٢١ - صلاة القصر
لغة: قصر من الصلاة وقصر من الشىء على كذا: لم يجاوز به إلى غيره، والسفر قطع المسافة كما فى الصحاح (١).
واصطلاحا: أن تصير الصلاة الرباعية ركعتين فى السفر (٢).
والصلاة التى تقصر هى: الظهر والعصر والعشاء، أما الصبح والمغرب فلا قصر فيهما؛ لأن الالتزام بأحكام الصلاة أمر تعبدى.
وقد ثبتته مشروعية القصر بالكتاب والسنة، قال تعالى ﴿واذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ النساء:١٠١، وجاء فى صحيح مسلم (٣) عن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قال: (صحبت النبى ﷺ ، فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك).
وبالنسبة إلى حكم صلاة القصر: ذهب الحنفية إلى وجوب قصر الصلاة (٤)، لقول السيدة عائشة رضى الله عنها (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد فى صلاة الحضر) (٥) ولا يعلم ذلك إلا توقيفا.
وذهب غير الحنفية إلى جواز قصر الصلاة، فقالوا: والمسافر له القصر وله الإتمام، وذلك لما ورد عن يعلى عن أبيه أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ النساء:١٠١، فقد أمن الناس، قال: عجبت بما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) (رواه مسلم) (٦).
والقصر والإتمام فى السفر سواء، وإن كنا نرى أن الأولى هو قصر الصلاة مراعاة للخلاف الواقع بين الفقهاء فى حكم قصر الصلاة.
ومسافة السفر التى تبيح قصر الصلاة فقد حددها الحنفية بثلاثة أيام سيرا على الأقدام، وعند غيرهم بيومين، ولا فرق فى ذلك بين أن تقطع هذه المسافة سيرا على الأقدام أو تقطع بالوسائل العصرية فى ساعة واحدة، لأن العبرة فى ذلك بقطع المسافة المبيحة للسفر (٧).
واختلف الفقهاء فى مدة الإقامة التى ترفع حكم القصر:
١ - فذهب المالكية والشافعية إلى أن إقامة أربع أيام صحاح تقطع حكم القصر، لأن المسافر يعتبر مقيما.
٢ - وذهب الحنفية إلى اعتبار الإنسان مقيما إن كانت المدة خمسة عشر يوما، ويبدأ المسافر قصر الصلاة من حين مجاوزة حدود إقامته، وتنتهى بنية الإقامة، ويظل المسافر يقصر الصلاة مادام على نية سفر، حتى وإن طالت المدة، لأن العبرة بنية السفر، ومادام قد نوى قطع السفر فإنه لا يجوز له قصر الصلاة بعد ذلك.
وإذا كان الإنسان يعيش فى بلدة، وانتقل إلى بلدة أخرى وأقام بها إقامة دائمة، فإن البلدة الأولى لا تكون له دار إقامة، فإذا سافر إلى بلدته الأولى التى تركها جاز له قصر الصلاة بها، لأن الرسول ﷺ حينما فتح مكة قصر الصلاة بها، وكما نعلم جميعا أن مكة هى الموطن الأصلى لسيدنا رسول الله ﷺ ، ولكنه بعد أن انتقل إلى المدينة صارت المدينة له وطنا: ولهذا قصر الصلاة بمكة، وأمر أهل مكة بإتمام صلاتهم، وهذا معناه أن العبرة بالإقامة الدائمة فى مكان معين، وليست العبرة بمحل الميلاد أو وجود الأقارب.
وعلى المسافر أن يعلم أنه لا يجوز له أن يأتم بمقيم، فإن اقتدى بمقيم فعليه أن يتم صلاته تابعة لصلاة الإمام عملا بقول الرسول ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) (رواه مسلم) (٨).
ولكن يجوز للمقيم ان يأتم بالمسافر؛ لأن الرسول ﷺ قال: (أتموا يا أهل مكة صلاتكم فإنا قوم سفر) (رواه الترمذى) (٩).
أ. د/صبرى عبدالرؤوف محمد عبدالقوى
стр. 406
٢٢ - صلة الأرحام
لغة: وصل الشيء وصلا وصلة: ضمَّه به وجمعه ولأمه، ووصل رحمه: أحسن إلى الأقربين إليه من ذوى النسب والأصهار، وعطف عليهم، ورفق بهم، وراعى أحوالهم، والصلة العطية، والجائزة، والزاد.
والرحم لغة: القرابة أو أسبابها (يذكر ويؤنث). والجمع: أرحام، وذوو الأرحام: الأقارب الذين ليسوا من العصبة، ولا من ذوى الفروض: كبنات الأخوة، وبنات الأعمام. كما فى الوسيط (١).
واصطلاحا: غير الفرضيين منهم- يراد بهم عند الإطلاق الأقارب (٢) غير أنه فى فروع بعض المذاهب بين الأرحام والأقارب عموم وخصوص مطلق، فمثلا لا تدخل قرابة الأم فى الوقف على القرابة عند الحنابلة، بينما لو وقف على ذوى رحمه يدخل الأقارب من الجهتين، وهم عند أهل الفرائض أخص من ذلك، ويراد بهم "من ليسوا بذوى سهم ولا عصبة ذكورا أو إناثا "، والأرحام وذوو الأرحام بمعنى واحد على لسان الفقهاء. والصلة هى ما يعد به الإنسان واصلا، قال ابن حجر الهيثمى "الصلة إيصال نوع من الإحسان " (٣).
وصلة الرحم بالنسبة للأبوين وغيرهما واجبة عند الحنفية، والمالكية، والحنابله (٤) وهو ما يصوبه النووى من الشافعية، ودليل الوجوب قول الله سبحانه﴾ واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام، ﴿(النساء١). وقوله ?: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (رواه البخارى).
وفصل الشافعية بين الأبوين وغيرهما، فاتفقوا مع غيرهم على وجوب بر الوالدين وأن عقوقهما كبيرة، وذهبوا إلى أن صلة غيرهما من الأقارب سنة، على أن الشافعية صرحوا بأن ابتداء فعل المعروف مع الأقارب سنة، وأن قطعه بعد حصوله كبيرة (٥).
وللعلماء فى الرحم التى يطلب وصلها رأيان:
الأول: أن الصلة خاصة بالرحم المحرم دون غيره، وهو قول للحنفية وغير المشهور عند المالكية، وهو قول أبى الخطاب من الحنابلة. قالوا: لأنها لو وجبت لجميع الأقارب لوجب صلة جميع بنى آدم، وذلك متعذر، فلم يكن بد من ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها وإكرامها، ويحرم قطعها وتلك قرابة لرحم المحرم. وقد قال رسول الله ?: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ". الثانى: أن الصلة تطلب لكل قريب محرما كان أو غيره، وهو قول للحنفية، لم يخصصها أحد منهم بالرحم المحرم. وقد ذهب فقهاء الحنفية والشافعية إلى أن درجات الصلة تتفاوت بالنسبة للأقارب فهى فى الوالدين أشد من المحارم، وفيهم أشد من غيرهم.
وليس المراد بالصلة أن تصلهم إن وصلوك، لأن هذا مكافأة، بل أن تصلهم وإن قطعوك (٦)
فقد روى البخارى وغيره " ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها".
وتحصل صلة الأرحام بأمور عديدة منها:
١ - الزيارة، والمعاونة، وقضاء الحوائج، وا لسلام.
٢ - وتحصل الصلة بالكتابة إن كان غائبا، نص على ذلك الحنفية والمالكية والشافعية، وهذا فى غير الأبوين.
٣ - وكذلك المال للأقارب، فإنه يعتبر صلة لهم، لقوله ?: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذى الرحم ثنتان: صدقة وصلة، وظاهر عبارة الحنفية، والشافعية أن الغنى لا تحصل صلته بالزيارة لقريبه المحتاج إن كان قادرا على بذل المال له، ويدخل فى الصلة جميع الإحسان مما تتأتى به الصلة (٧).
ومن فضائل صلة الرحم:
١ - البركة فى الرزق، لحديث رسول الله ?: (من سره أن يبسط له فى رزقه وينسأ له فى أثره فليصل رحمه).
٢ - رضا الله لأنه أمر بصلة الرحم، وإدخال السرور على الأرحام.
٣ - زيادة المروءة وزيادة الأجر بعد الموت، لأنهم يدعون له بعد موته، كلما ذكروا إحسانه (٨).
وقطع الرحم المأمور بوصلها حرام باتفاق، لقول الله سبحانه﴾ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴿(الرعد ٢٥).
(هيئة التحرير)
стр. 407
٢٣ - الصلح
لغة: اسم من الصلاح وهو التوفيق، وأصلحت بين القوم: أى وفقت قال الراغب: الصلح يختص بإزالة النفار بين الناس، فهو قطع المنازعة (١).
وشرعا: هو الانتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه، فهذا التعريف يشير إلى أنه قد يكون الصلح عن المنازعة بعد وقوعها، كما أنه يكون أيضا عند خوف المنازعة واحتماك وقوعها وقاية منها (٢).
والصلح مشروع بالكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ النساء:١١٤، وقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ النساء:١٢٨، فالله تعالى وصفه الصلح بالخيرية، ولا يوصف بها إلا ما كان مشروعا ومأذونا فيه.
وأما السنة: فبما روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال (الصلح جائز بين المسلمين) (٣) فالحديث واضح الدلالة على مشروعية الصلح.
وأما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الصلح فى الجملة، وإن كان هناك خلاف فى بعض الصور (٤).
أما عن درجة المشروعية: فالأصل أنه مندوب، ومع ذلك فقد يكون واجبا عند تعين مصلحة، وقد يكون حراما أو مكروها عند استلزامه مفسدة يجب درؤها، أو يترجح جانب المفسدة (٥).
وللصلح أنواع خمسة:
(أ) الصلح بين أهل العدل وأهل البغى.
(ب) الصلح بين الزوجين عند خوف الشقاق.
(ج) الصلح بين المتخاصمين فى غير مال كالجنايات العمدية.
(د) الصلح بين المسلمين والكفار.
(هـ) الصلح بين المتخاصمين فى الأموال.
وهذا الأخير قد أفرد له الفقهاء بابا فى كتب الفقه (٦).
ويجوز للقاضى أن يرد الخصوم إلى الصلح إن طمع فى الصلح منهم، وإلا فلا يردهم، بل ينفذ القضاء فيهم، لأنه لا فائدة فى الرد (٧).
وعقد الصلح ليس عقدا مستقلأ بذاته، بل هو متفرع عن غيره، بمعنى أنه تسرى عليه أحكام أقرب العقود إليه شبها بحسب المضمون، فالصلح عن مال بمال يعتبرفى حكم البيع، والصلح عن مال بمنفعة يعد في حكم الإجارة، والصلح عن نقد بنقد له حكم الصرف وهكذا. ويترتب على ذلك أنه تجرى على الصلح أحكام العقد الذى تشابه معه أواعتبر به، فتراعى فيه شروطه ومتطلباته، وذلك لأن العبرة للمعانى دون الصور (٨).
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن للصلح أركانا ثلاثة:
١ - الصيغة (الإيجاب والقبول).
٢ - والعاقدان.
٣ - والمحل (المصالح به والمصالح عنه).
وللصلح أقسام نوجزها فيما يلى، ومن أراد الأستزادة فليرجع إلى التفصيل فى كتب الفقهاء.
فالصلح إما أن يكون بين المدعى والمدعى عليه، وإما أن يكون بين المدعى والأجنبى المتوسط.
كما ينقسم الصلح بنوعيه إلى ثلاثة أقسام: صلح عن الإقرار، وصلح عن الإنكار، وصلح عن السكوت.
(أ) فالصلح مع إقرار المدعى عليه جائز باتفاق الفقهاء، وهو ضربان: صلح عن الأعيان وصلح عن الديون، والصلح عن الأعيان نوعان: صلح الحطيطة، وصلح المعاوضة والصلح عن الديون نوعان: صلح
إسقاص وإبراء، وصلح معاوضة (٩).
(ب) وأما الصلح مع إنكار المدعى عليه فقد اختلف الفقهاء فى جوازه على قولين:
القول الأول: أن الصلح على الإنكار جائز، بشرص أن يعتقد المدعى أن له الحق، والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه، فيتصالحان قطعا للخصومة والنزاع.
وبهذا قال الحنفية والمالكية والحنابلة (١٠).
والقول الثانى: أن الصلح على الإنكار باطل وبهذا قال الشافعية وابن أبى ليلى (١١).
(ج) وأما الصلح مع سكوت المدعى عليه، كما إذا ادعى شخص على آخر شيئا، فسكت المدعى عليه دون أن ينكر أو يقر، ثم صالح عنه وهذا النوع اعتبره الفقهاء فى حكم الصلح عن الإنكار، وبالتالى ففيه القولان السابقان (١٢).
٨ - وقد بين الفقهاء أنه يترتب على انعقاد الصلح حصول البراءة عن الدعوى، ووقوع الملك فى بدل الصلح للمدعى، وفى المصالح به للمدعى عليه إن كان مما يحتمل التمليك، كما أن الصلح يعتبربأقرب العقود إليه، فما كان فى معنى البيع أو الإجارة أخذ حكمه؛ ذلك أن العبرة فى العقود للمقاصد والمعانى دون الألفاظ والمبانى.
كما أن الصلح من العقود اللازمة، فإذا انعقد صحيحا خاليا من العيوب، فإنه لا يملك أحد المتعاقدين فسخه أو الرجوع عنه بمفرده (١٣).
أما عن شروط الصلح وسائر تفصيلات أحكامه وفروعها، فيرجع إليها فى كتب الفقه على نحو ما ذكرت من مراجع.
أ. د/على مرعى
стр. 408
٢٤ - صلح الحديبية
اصطلاحا: هو الصلح الذى تم بين قريش وبين النبى ﷺ وألف وأربعمائة من الصحابة، فى وادى الحديبية، فى شهر ذى القعدة من العام السادس للهجرة الموافق لسنة ستمائة وسبع وعشرين ميلادية، بعد مفاوضات شاقة وظروف صعبة، وقد تم الصلح بينهما على شروط أربعة هى:
١ - أن توضع الحرب عن الناس عشر سنين.
٢ - أن من أراد الدخول فى عهد محمد ﷺ دخل فيه، ومن أراد الدخول فى عهد قريش دخل فيه.
٣ - أن يعيد محمد ﷺ إلى مكة من أتاه مسلما من غير إذن مواليه، ولا تفعل كذلك قريش.
٤ - أن يعود محمد ﷺ عامه هذا، ويأتى فى العام المقبل، فيقيم فى مكة ثلاثة أيام تخليها قريش له، وليس معه سوى سلاح المسافر، وهو السيوف فى الأغماد (١).
وقد اعترض الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه على الشرطين الثالث والرابع، واشتد حتى قال له الصديق: الزم غرزك، فإنى أشهد أنه رسول الله، وأن الله لا يضيعه.
كذلك اعترض على بن أبى طالب رضى الله عنه على ما أصرعليه سهيل بن عمرو عند كتابة الصلح من كتابة باسمك اللهم بدلا من البسملة، وكتابة اسم محمد وأبيه بدلا من محمد رسول الله (٢)، ولكن الرسول ﷺ يعلم ما سيجنيه من المكاسب للإسلام من وراء هذا الصلح ما لا يعلمه غيره، فقد أجاب سهيلا إلى ما أراده.
ولما جاء وقت الحلق والتقصير لم يستجب المسلمون؛ على أساس أنهم لم يدخلوا المسجد الحرام كما وعدهم النبى ﷺ ، فدخل النبى ﷺ على أم سلمة أم المؤمنين وأخبرها الخبر، فأشارت عليه أن يكون هو البادىء بالحلق، فإن الناس لن يخالفوه، وكان الأمر كما توقعت.
وقد سمى هذا الصلح فتحا مبينا من قبل الله ، ونزلت فى تسجيل أحداثه سورة تحمل هذا الاسم (سورة الفتح)، وذلك لعدة أسباب، منها:
١ - اعتراف قريش بالإسلام، والسماع للمسلمين بزيارة البيت وأداء المناسك للحج.
٢ - إتاحة الفرصة أمام القبائل لإرسال بعوثها إلى المدينة لزيارة النبى ﷺ والاستماع لما يدعو إليه.
٣ - إرسال النبى ﷺ الكتب والرسل لدعوة الحكام فى كل مكان إلى الدخول فى الإسلام هم ورعاياهم (٣).
أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر
стр. 409
٢٥ - الصليبيون
الصليبيون: هم الذين شنوا حملات عسكرية أوروبية على الشرق الإسلامى فى القرن الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر الميلادى بحجة استخلاص الأراضى المقدسة من أيدى المسلمين.
وسموا بذلك لاتخاذهم الصليب شعارا لهم، ورسمه على ملابسهم وراياتهم، محاولة منهم فى إصباغ حملاتهم بالصبغة الدينية، ولكن الحقيقة أن الدين لم يكن السبب الوحيد، ولا السبب المهم لها.
فهناك أسباب ودوافع وراء هذه الحروب منها:
١ - الأسباب التاريخية: فالحروب الصليبية هى فصل من فصول الصراع بين الشرق والغرب، ذلك الصراع الذى بدأ بحرب طروادة وفارس فى الأزمنة الغابرة، وانتهى بالتوسع الاستعمارى الأوروبى فى العصر الحديث فهى حلقة من هذه السلسلة.
وهذا الصراع بين الشرق والغرب يهدأ ويثور كالبركان فى هدوئه وثورته. فلما جاء القرن الحادى عشر اشتد غليان البركان، فثار متخذا الصليب هذه المرة أداة له أو مظهرا لغليانه.
٢ - الأسباب الدينية: كان الشرق هو المهد الحقيقى لدين المسيح ﵇، ولكن المسيحية ترعرعت فى أوروبا، وانتشرت من خلال كنائس أوروبا وجامعاتها، وكانت هناك أديان تزاحم المسيحية فى عصورها المختلفة مثل: اليهودية والبوذية والكنفوشيوسية والإسلام.
ولكن الإسلام كان هو الدين الوحيد الذى انتشر بقوة جارفة، مقتحما على أوروبا المسيحية أبوابها من الغرب عن طريق الأندلس، ومن الشرق عن طريق القسطنطينية التى دق المسلمون أبوابها منذ العهد الأموى، كل هذا جعل أوروبا تناصب الإسلام العداء.
فضلا عن ذلك فإن سقوط الخلافة الأموية بالأندلس، وما تبع ذلك من هزائم وقعت بالمسلمين فى الميدان الغربى، شجع أوروبا لأن تضرب ضربتها من جهة الشرق، لتدمير قوى المسلمين، ووقف أى محاولات ترمى إلى مساعدة المسلمين لإخوانهم بالأندلس، أو مد يد العون لهم، ليستردوا قوتهم مرة أخرى، وواكب كل ذلك يقظة دينية مسيحية فى أوروبا آنذاك جعلت من أهدافها الاستيلاء على الأماكن المقدسة فى فلسطين، لتتولى الكنيسة البابوية بروما حماية هذه الأماكن المقدسة وإدارتها.
٣ - الأسباب التجارية: وهى من الأسباب عظيمة الشأن فى هذا المقام، حيث إن التجار بالساحل الشمالى للبحر المتوسط فى البندقية، وجنوه، وبيزا، أرادوا امتلاك بعض الموانئ على الساحل الشرقى والجنوبى للبحر المتوسط، لتكون هذه الموانئ مركزا لتجارة الغرب فى الشرق، ولتتصل تجارة أوروبا عن طريق هذه المنافذ بالخطوط التجارية بالشرق، لذلك فقد بذل هؤلاء التجار المال والسلاح للتشجيع على الحروب الصليبية.
كل هذه الأسباب تتصل بصورة مباشرة بالصليبيين، لكن هناك أسباب تتصل بالجبهة الإسلامية فى هذه الحروب منها:
١ - حالة الضعف التى أصابت العالم الإسلامى بذهاب شوكة السلاجقة وتفككهم إلى دويلات تنازعت فيما بينها.
٢ - ترنح الخلافة الفاطمية، وما حدث فيها من اضطراب وفوضى فى عهد الحاكم بأمر الله، ولم يصلح من جاء بعده هذه الأمور وإعادتها إلى نصابها نتيجة لتولى الصبية الصغار للخلافة، مما جعل زمام الأمور فى يد الوزراء.
٣ - النزاع بين الفاطميين والسلاجقة على بلاد الشام، وكان الفاطميون على مذهب الشيعة، والسلاجقة على مذهب أهل السنة، فسعى كل فريق منهم إلى الإيقاع بالآخر، فنشبت بينهم الحروب التى أنهكت قواهم وأضعفتهم.
ولقد شن الصليبيون على الشرق الإسلامى سبع حملات:
الحملة الأولى (١٠٩٧ - ١٠٩٩م)
الحملة الثانية (١١٤٧ - ١٤٩ ١م)
الحملة الثالثة (١١٨٨ - ١٩٢ ١م)
الحملة الرابعة (١٢٠٢ - ٢٠٤ ١م)
الحملة الخامسة (١٢١٨ - ٢٢١ ١م)
الحملة السادسة (٢٢٨ ١ - ٢٢٩ ١م)
الحملة السابعة (١٢٤٨ - ٢٥٠ ١م)
ولم تحقق هذه الحملات العسكرية أهدافها المرجوة التى حاول بها الصليبيون السيطرة على الشرق الإسلامى، وذلك للأسباب التالية التى يراها المؤرخون ومنها:
١ - سياسة الكنيسة التى كانت تضع مصلحتها فوق كل مصلحة، ولم يكن يهمها النصر، بقدر ما يهمها ما تجنيه من نتائجه.
٢ - اهتمام أمراء الإقطاع بمصالحهم الخاصة، وتكوين إمارات يحكمونها ويورثونها لأولادهم، أكثر من اهتمامهم بالصالح العام الأوروبى والمسيحى فلم يكن الصليب سوى وسيلة للتغرير بالجماهير كأنه غطاء يخفون به أطماعهم الشخصية، ولكن اتضح الأمر لكثير من المسيحيين فقلل من حماستهم للحرب.
٣ - عقد التجار الأوروبيون معاهدات تجارية مع المسلمين إذ كان الهدف الاقتصادى أهم باعث لديهم، فلما رأوا أهدافهم تتحقق بلا حروب وبطريق المعاهدات آثروا السلامة، وخذلوا ذويهم المسيحيين.
٤ - زحف التتار على العالم الإسلامى فى مطلع القرن الثالث عشر، وما فعلوه من تدمير للحضارة الإسلامية، جعل أوروبا تجد فى زحف التتار تحقيقا لأهدافها دون بذل أى جهد من جانبها، لذا لم يقدموا مزيدا من العون للصليبيين.
٥ - تجمع المسلمين من مختلف الأنحاء لمواجهة الصليبيين حيث اتضح للصليبيين أنهم ليسوا فقط أمام مصر وسوريا بل أمام القوى الإسلامية من مختلف البقاع، فقد أظهر المسلمون حماسا لم يكن فى حسبان الصليبيين، فلم يكد المسلمون يهزمون فى الشوط الأول من هذه الحروب، حتى تناسوا الى حد كبير ما بينهم من خصومات، وتجمعت كلمتهم لاستعادة الأرض التى افتقدوها، لذا مال المصريون إلى نور الدين زنكى، ورحبوا بالقائد السلطان صلاح الدين، وتغلب الصالح العام على المصالح الخاصة، ووقفت الجماهير تنصر من يعمل على تجميع الكلمة، وتخذل من يسعى لمصالح ذاتية.
(هيئة التحرير)
стр. 410
٢٦ - الصناعة
لغة: صنع الشىء صنعا: عمله. كما فى اللسان (١)
واصطلاحا: هى كل نشاط للإنسان يتفاعل فيه مع البيئة المحيطة ليطوعها لاحتياجاته، ويصنع منها عالم أشيائه.
انظر إلى الإبل كيف خلقت! يأخذ الإنسان من ألبانها، ويصنع منه أنواعا من الجبن ومن الدهن. ويأخذ أصوافها، ويصنع منه أنواعا من الثياب. ويأخذ جلودها ويصنع منها ما يشاء من اللباس، ومن الخيام ومن الأحذية. ويأخذ لحومها ويصنع منها ما يشاء من لحوم مجففة ومصنعة، لذة للآكلين.
وانظر إلى الجبال كيف نصبت! يأخذ الإنسان من صخورها مواد فلزية وغير فلزية، يستخرجها ليصنع منها أدوات لحربه وسلمه. وقبل هيمنة الصناعة الغربية على العالم كان التطور الصناعى يمضى بمعدلات بطيئة، أهم ما يميزها التوازن البيئى والحفاظ على بيئتنا نظيفة متجددة.
وكانت محاولات الإنسان التصنيعية تأخذ حقبا من الدهر من قبل أن تستقر فى وعاء الأمم التقنى، وخلال هذا الزمن الممتد للتجربة والخطأ يصحح الإنسان طرائق الصناعة حتى تتوافق مع احتياجاته وتتناغم مع البيئة المحيطة، وتحقق التوازن الراشد بين احتياجات الإنسان وبين الحفاظ على الكون المحيط.
والصناعة وما فيها من أفكار وحيل هى وليدة علوم عصرها صحيح أن العلم والتكنولوجيا ليسا سواء، ولكنهما زوجان متمايزان متكاملان، والتكنولوجيا المتقدمة تستدعى علوما متقدمة.
ولذلك ففى العصر الحديث، وعندما حدثت طفرة فى العلوم تابعتها طفرة فى الصناعة، ومع هذه الطفرة الصناعية وما صاحبها من اقتصاد من ورائه مؤسسات ضخمة، أصبح الهاجس البيئى لا يلتفت إليه.
ولأول مرة فى تاريخ الإنسانية تصبح المخلفات الصناعية مصدر تهديد للحياة على وجه الأرض، تنذر بفنائها، وأصبح الإنسان لكى يأخذ دواء يستشفى به لابد أن يقرأ صفحات عن الآثار الجانبية لهذا الدواء، وربما قتلت الآثار الجانبية المريض الذى ظنها شفاء فإذا هى سم قاتل. ولأن وسائل الاتصالات والمواصلات ربطت الأرض من أطرافها وسهلت مهمة الأقوياء فى فرض منتجاتهم فى أسواق أقوام آخرين، فإن هذا الأمر قد أدى بكثير من الشعوب إلى أن تهمل صناعات بسيطة نظيفة عاشت بها مئات القرون، وتلهث وراء صناعات لا تملك من إمكانياتها إلا بيع ثرواتها الطبيعية؛ من أجل خطوط إنتاج لمنتجات لم يكن لها بها سابق عهد، إنما عملت الآلة الإعلامية الجبارة على تزيين هذه المنتجات للناس، وإغوائهم باستخدامها فى الطعام، والشراب، واللباس، والسكن، وكل نواحى الحياة.
وكثيرا ما أنبه إلى ضرورة دراسة طيف التنمية دراسة دقيقة، ولقد قسمت الطيف إلى ثلاثة ألوان تنموية:
١ - تنمية البقاء.
٢ - وتنمية النماء.
٣ - وتنمية السبق.
وتنمية البقاء: هى أن يعيش الناس بما كان يعيش به الناس لملايين السنين، وحتى منتصف هذا القرن. لقد تمخضت حياتنا من قديم عن مجموعة من الصناعات البسيطة النافعة والنظيفة. عندنا صناعة للخبز، وصناعة للألبان، وصناعات زراعية، وصناعات للبناء .. إلخ نملكها، ونستطيع توثيقها قبل فوات الأوان. إن إحدى الشركات الأمريكية استجلبت صانعا مصريا وضع لها توصيفا دقيقا لصناعة الجبن الدمياطى، ثم طرحته بالأسواق بنفس الاسم، وسجلته كاختراع أمريكى، ويمكن لهذه الشركة أن تقاضينا إذا نافسناها فى الأسواق. فى مصر كانت عندنا صناعات يدوية للقطن والكتان غزلا ونسيجا وحياكة. إن الميكنة لا تضيف جمالا ولا قوة إلى المنتجات، وإنما يظل العمل اليدوى، والمنتجات اليدوية تتمتع بالقوة والجمال. أهدانى أخ جزائرى عباءة جميلة مصنوعة من صوف الخراف، وقال لى: هذه العباءة صنعتها أمى غزلا ونسيجا وحياكة، وكنا فى زمن الثورة الجزائرية يعيش المجاهدون على هذه الصناعات، التى كانت تصنعها أمهاتنا فى قلب الصحارى بعيدا عن ظلمة المستعمرين، وكان نشيدنا القومى يبدأ بهذا البيت فى تحية العلم:
"يا نسيج الأمهات فى الليالى الحالكات … علمى … علمى … " وما زلت أستخدم هذه العباءة منذ ثلاثين عاما.
أما تنمية النماء: فيتصل بها بعض الاختيارات النافعة من الصناعة الحديثة. ونحن والحمد لله ما زلنا فى أول الطريق بالنسبة لعمليات التصنيع العربية، ويمكننا عمل اختيارات راشدة، ويتصل بهذا بعض الصناعات الحربية التى لابد منها فى مواجهة الأخطار المحدقة بأقطارنا.
ثم فى النهاية تنمية السبق: وفيها لا بد أن نبحث عن مجال نسبق فيه غيرنا أو أن تكون لنا فيه قدرة على السبق. وفى بلد كمصر نملك أمرين: الآثار والسياحة من ناحية، وكرسى الدراسات العربية والإسلامية من ناحية أخرى وفى رأيى أن الصناعات المتعلقة بالأمرين يمكننا أن نسبق بها غيرنا ثقافة، واقتصادا.
ولابد أن أذكر أن الابتكار الصناعى يأتى وحيا وإلهاما، وبالطبع لابد للمتلقى لهذا الوحى أن يتهيأ له التهيؤ المناسب. وهذا درس القرآن فى سورة هود﴾ وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون. واصنع الفلك بأعيننا ووحينا. ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴿(هود ٣٦ - ٣٧). فالدرس هنا أن الابتكار والإبداع- وهو من الوحى والإلهام- يحتاج إلى حماية ورعاية من فوق المخترع والمبدع … هو درس للذين يحرصون أوديتنا الصناعية … لا تدعوها للرياح تذروها، ولكن ارعوها حق رعايتها، واحموها من كل مفسد لا يؤمن بيوم الحساب.
أ. د/ سيد دسوقى حسن
١ - لسان العرب طبعة دار المعارف مادة (صنع).
стр. 411
٢٧ - الصهيونية
لغة: الصهيونية نسبة إلى صهيون التى ذكرت فى أسفار العهد القديم ( O.T) أكثر من مائة مرة، وهو اسم عبرى أطلق أولا على إحدى ربوات مدينة القدس .. وكثيرا ما تطلق كلمة صهيون ويراد بها القدس، كما تطلق على كنيسة اليهود وجماعاتهم وأمتهم عامة (١).
واصطلاحا: هى حركة قومية مسئولة عن إنشاء دولة إسرائيل الحديثة كوطن قومى لليهود، ومع أنها تنسب إلى تيودر هرتزل th. herzl وجماعات القرن التاسع عشر فإنها ترجع إلى بداية عصر الشتات اليهودى: Diaspora حيث تتحدث أسفارهم عن عودة المطرودين المنفيين إلى بابل على يد بختنصر وبعد تقويض مملكة إسرائيل عام ٧٢١ ق. م.
وقد تميز تاريخ اليهود بتواتر ظهور مسحاء كذبة pseudo يزعمون قدرتهم على إعادة اليهود إلى صهيون مثل سيتاى زئيفى. s.zevi. وأسرة ناسى Nasi - الإيطالية الذين أذن لهم العثمانيون فى تكوين جماعة يهودية بالخليل. وحتى سنة ١٧٩١م - عام تحرير اليهود وانعتاقهم خلال الثورة الفرنسية، كان ينقص اليهود الأساس المحرك لنجاح الصهيونية، وفى القرن التاسع عشر، ومع تصاعد الشعور القومى فى أوروبا- ألهم موسى هس M. hess وديفيد لوزاتو وآخرين لبذل جهودهم لإحياء وبعث الشعور القومى لدى يهود الجيتو ghetto وقدم كل من موسى مونتفيورى، وإدموند روتشلد، وموسى هيرس- المساعدات المالية، ورسمت ونفذت برامج عديدة للعودة إلى فلسطين … وفى سنة ٨٩٧ ١م عقد المؤتمر الصهيونى العالمى فى بازل بسويسرا برئاسة تيودور هرتزل، حيث انبثقت حركة سياسية عالمية. ونلاحظ أنه على الرغم من معارضة بعض اليهود لفكرة العودة إلى فلسطين، واعتراض بعضهم على رفض اليهود اقتراح بريطانيا بإنشاء الوطن القومى لليهود فى أوغندا- على الرغم من ذلك فإن الحركة الصهيونية قد نجحت، وحصلت فعلا على وعد بلفور ٩١٧ ١م وموافقة عصبة الأمم سنة ٩٢٢ ١م، على الانتداب البريطانى على فلسطين لكى تحقق وعدها للصهيونية، وقد وقع عنف متزايد بين اليهود المستوطنين المهاجرين والفلسطينيين (كانت نسبة اليهود لا تتجاوز ٦% من عدد السكان فى فلسطين) وأخيرا أقرت الأمم المتحدة تقسيم أرض فلسطين بين اليهود والعرب، ثم أعلنت دولة إسرائيل فى ١٤/ ٥/١٩٤٨م. هذا حديث الكاتب اليهودى شاول فريدمان (٢).
أما الصهيونية- فى الواقع واعتمادا على ما جاء فى كتبهم وتلمودهم- فهى أفكار وطموحات وأحلام يهودية لتأسيس مملكة صهيون العالمية لكى تبسط نفوذها على فلسطين وما حولها أولا، ثم لتفرض نفوذها الباطن أو الظاهر على العالم بأسره فهى طموحات استعمارية استيطانية تتمثل فى:
١ - إنهاك المنطقة العربية، وتفتيت وحدتها، واستهلاك طاقاتها ومواردها، وشغلها بإسرائيل بحيث لا تقوم لها قائمة تجعلها تفكر يوما ما فى الثأر لنفسها من الغرب الذى استعمرها وسلبها حريتها وسيادتها ونهب مواردها.
٢ - وبهذا تظل المنطقة العربية الإسلامية منطقة نفوذ وهيمنة غربية دائمةسياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا.
٣ - الحيلولة دون قيام الإسلام بدوره الحضارى التحريرى والتنويرى فى العالم.
٤ - تخليص المجتمعات الغربية من مشاكل اليهود المزمنة وترحيلها وتوطينها فى العالم العربى.
فالصهيونية- وإن كانت فى الأصل أفكارا وطموحات يهودية خبيثة- فإن الغرب قد وظفها لحسابه بعد أن أعاد صياغتها ووضعها فى برنامج تنفيذى، واصطنع لها- على عينه- زعماء، وهيأ بها كل وسائل النجاح السياسى والعسكرى والاقتصادى، بدءا من مؤتمر بازل، ووعد بلفور، والانتداب، واضطهاد اليهود وحرق بعضهم لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين، إلى قرار التقسيم، إلى إنشاء الدولة الإسرائيلية على جثث العرب مسلمين ومسيحيين.
الصهيونية إذا صناعة غربية خالصة؛ لأن اليهود يعلمون- من أسفارهم المقدسة- أن إلههم قد قضى عليهم بالنفى والشتات بعد تدمير دولتهم وتخريب هيكلهم، بسبب عنادهم وإلحادهم وإفسادهم فى الأرض. وأكدت ذلك النصوص القرآنية كقوله تعالى:﴾ وقطعناهم فى الأرض أمما ﴿(الأعراف ١٦٨)، وقوله تعالى في سورة الأعراف أيضا (آية ١٦٧)﴾ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب ﴿.
ومن تصاريف القدر أن يتم تشتيت اليهود، وطردهم من فلسطين بشكل نهائى على يد الغرب الرومانى وبأمر من الإمبراطور هادريان فى القرن الأول للميلاد، فالغرب هو الذى طردهم وشتتهم وخّرب هيكلهم، واستمر شتاتهم زهاء ألفى سنة، ثم تغيرت ظروف المنطقة، وتبدلت استراتيجيات الغرب، فبعث فى نفوس اليهود ذكرياتها الجميلة وأحلامهم الحميمة فى العودة إلى صهيون، فاستبدل بالذكريات والأحلام والتطلعات اليهودية خطة سياسية عسكرية لإنشاء دولة لإسرائيل تحت سمعه وبصره، موظفا خصائص الشخصية اليهودية التى يتفق عليها القرآن الكريم مع بقية الوحى فى أسفار العهدين، المتمثلة فى الفساد والإفساد﴾ ويسعون فى الأرض فسادا ﴿(المائدة ٣٣)، إلى بذر الفتن والمؤامرات وإيقاد نيران الحروب﴾ كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ﴿(المائدة ٦٤) إلى نقض العهود والمواثيق﴾ أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ﴿(البقرة١٠٠)﴾ ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة ﴿(الأنفال ٥٦) إلى التحريف والتبديل والتزييف
﴾ يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ﴿(آل عمران ٧٨)﴾ يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿(البقرة ٧٥)، إلى قساوة القلوب وفظاظتها (وقالوا قلوبنا غلف، (البقرة ٨٨)﴾ فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية ﴿(المائدة ١٣)، إلى الجبن والخساسة﴾ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴿(المائدة ٢٤).
وبعد فهذه هى الصهيونية العالمية المتآمرة مع الغرب الصليبى العنصرى الاستعمارى فى حلف أسود شيطانى، لكن سنة الله القاضية﴾ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴿
(الرعد ١١) تجعلنا نرى الضوء فى نهاية النفق﴾ فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ﴿
(الإسراء ١٠٤).﴾ والله غالب على أمره ﴿(يوسف ٢١).
أ. د/ محمد عبد الله الشرقاوى
١ ـ قاموس الكتاب المقدس، القاهرة، ١٩٨٦م.
٢ ـ saul. S . friedman, arb: zionism (grolisr engc. U. s.a. ١٩٩٤.
وانظر _ david vital , orlgins ٠٧ zionism, ١٩٧٥.
وانظر w. lagueur, ahitary ٠٧ zionism ١٩٧٢.
٣ ـ د. محمد عبدالله الشرقاوى، مقارنة الأديان، دار الجيل بيروت، ١٩٩٤م
стр. 412
٢٨ - الصورة
اصطلاحا: من المتقابلات: فيقال المادة والصورة ولا ينفك أحدهما عن الآخر وهما متلازمان تلازم الجوهر والعرض.
وصورة الشيء ما تبقى فى الذهن بعد غياب شخصه، وصورة الشيء ما به يحصل الشيء فى الواقع بعد أن كان حاصلا فى الذهن بالقوة.
والصورة الجسمية جوهر بسيط متصل لا وجود لمحله بدونه، قابل للأبعاد الثلاثة (الطول- العرض- السمك) المدركة من الجسم فى بادئ النظر.
وقيل: الصورة هى الجوهر الممتد فى الأبعاد كلها، المدرك فى بادئ النظر ومنه الصورة النوعية وهى جوهر بسيط لا يتم وجوده بالفعل دون وجود ما حل به كالنفس بالنسبة للجسم، فهى صورته.
والصورة كمال أول للمادة من حيث هى قوة صرفه، وهى ما يعطى الهيولى الوجود بالفعل فى ماهية معينة كالنفس للبدن والصورة اسم مشترك يطلق على معان؛ على النوع، وعلى كل ماهية لشيء كيف كان، وعلى الكمال الذى يستكمل النوع استكمالاته الثوانى، وعلى الحقيقة التى تقوم المحل الذى لها، وعلى الحقيقة التى تقوم النوع.
فإذا قيلت على النوع كان حد الصورة:
المقول على كثيرين فى جواب ما هو، وإذا قيلت على الماهية كان معناها كل موجود فى شيء لا كجزء منه ولا يصح قوامه بدونه كيف كان، وإذا قيلت على ما به يستكمل النوع يكون معناها الموجود فى الشيء لا كجزء منه ولا يصح قوامه بدونه ولأجله وجد الشيء كالعلوم والفضائل الإنسانية بالنسبة للإنسان. وإذا قيلت على الحقيقة المقومة للمحل يكون معناها: الموجود فى الشيء لا كجزء منه ولا يصح وجوده مفارقا له لكن وجوده ما هو فيه بالفعل خاصا به هو مثل صورة النار فى هيولى النار.
وإذا قليت على الحقيقة المقومة للنوع يكون معناها: الموجود فى الشيء لا كجزء منه ولا يصح قوامه بدونه مفارقا له ويصح قوام ما فيه دونه إلا أن النوع الطبيعى سيحصل به. كصورة الإنسانية والحيوانية فى الجسم الطبيعى الموضوع له، وكصورة الكمال الفارق مثل النفس فحده أنه جزء غير جسمانى مفارق يتميز به، ومنها المنطق الصورى وموضوعه: العلاقات الكائنة بين أطراف القياس.
وصورة المعرفة ما تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معا، لكن الحس الظاهر يدرك ويؤدى مدركاته إلى النفس.
الصورة الجوهرية: كل معنى يوجد فى جسم طبيعى ويكون من المعانى المقومة للماهية فإنه يسمى صورة جوهرية كالزوايا الثلاثية للمثلث.
صورة مادية: علة المادة فى إخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.
أ. د محمد السيد الجليند
стр. 413
٢٩ - الصوم
لغة: الإمساك عن الفعل مطلقا (١).
واصطلاحا: هو فى الشرع الإمساك عن الأكل والشرب من الفجر إلى غروب الشمس، مع نية من أهله (٢).
وحكمه الشرعى الوجوب، وقد ثبت وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى﴾ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴿(البقرة ١٨٢) وأما السنة فقوله ?: بنى الإسلام على خمس، وذكر منها الصوم (٣) والإجماع قائم على وجوبه. والصيام يثبت بأحد أمرين: أحدهما رؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان بعد غروب الشمس على المعتمد من آراء الفقهاء، والثانى إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما إن لم ير الهلال ليلة الثلاثين سواء كانت السماء صافية أو بها غيم.
وشروط وجوبه: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعلم بالوجوب.
وشروط الاداء: الصحة والسلامة من المرض، والإقامة لقوله تعالى:﴾ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴿(البقرة ١٨٤). وخلو المرأة من الحيض والنفاس.
وأركانه: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
والنية، وصفتها ما يلى:
(أ) الجزم: فلو نوى ليلة الشك الصيام غدا إن كان من رمضان فلا يصح.
(ب) التبييت: وهو أن يبيت النية من الليل لقوله ? " لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر" (٤).
(ج) التعيين: فلا يكفى مطلق الصوم، بل لابد أن ينوى صيام الغد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى.
(د) تجديد النية لكل يوم خلافا لمالك (٥) وأحمد فى رواية (٦) حيث يكتفى عندهم بنية واحدة.
ومفسدات الصيام كا لآتى:
(أ) إدخال عين من الظاهر إلى الباطن عمدا سواء كان الداخل مطعوما أو لا، بشرط أن يكون الداخل من المنافذ المفتوحة أو الواسعة، وأن يكون الداخل مما يمكن الاحتراز عنه، فإن كان مما لا يمكن الاحتراز عنه كالغبار ونحوه، فلا يفسد الصيام، وأن يكون الصائم ذاكرا لصيامه، فإن كان ناسيا فلا يفسد الصيام، وأن يكون مختارا غير مكره على إفساد صيامه.
(ب) الجماع فى نهار رمضان عمدا سواء حصل الإنزال أو لا (٧).
وأما ما يفسد الصيام ويوجب القضاء فهو:
(أ) أن يتناول مالا يؤكل فى العادة كالحبوب النيئة، أو الثمار الفجة كالسفرجل ونحوه.
(ب) تعمد إنزال المنى بلا جماع كالتقبيل، أو اللمس ونحو ذلك.
(ج) تناول الأشياء التى تعطى عن طريق الأنف بالشم بشرط أن تصل إلى الدماغ، أو إلى الحلق، وذلك كالبخور أو بخار القدر ونحوهما.
(د) التقصير فى حفظ الصوم، وذلك كما لو أفطر ظانا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب.
وأما ما يوجب القضاء والكفارة فهو:
١ - الجماع عمدا مختارا بشرط إدخال فرج الرجل فى فرج المرأة.
٢ - الأكل والشرب طائعا عامدا بغير خطأ ولا نسيان، وأن ينوى الصيام ليلا، ولا يطرأ عليه عذر شرعى يبيح له الإفطار كالمرض (٨).
ويبيح الإفطار للصائم ما يلى:
١ - المرض إذا كان غير قادر على الصوم، أو يخاف الهلاك من المرض، أو الضعف، أو يخاف تأخر الشفاء، أو يخاف فساد عضو من الأعضاء.
٢ - السفر بشرط أن يكون السفر مما تقصر فيه الصلاة، وأن لا يكون السفر فى معصية، وأن يجاوز محل إقامته وما يتصل بها من البناء، وأن لا يعزم الإقامة خلال سفره أربعة أيام أو أكثر خلال سفره.
٣ - الحمل والرضاع، بشرط أن تخاف الحامل أو المرضع على نفسها أو على ولدها المرض، أو تخاف على نفسها أو ولدها الضرر أو الهلاك وإطلاق لفظ الحامل يتناول كل حمل ولو من زنى، وكذا المرضع حتى ولو كانت مستأجرة.
٤ - الشيخوخة: وهى فناء القوة، أو الإشراف على الفناء، أو كان مريضا لا يرجى برؤه.
٥ - إرهاق الجوع والعطش الشديد، بشرط أن يخاف على نفسه الهلاك بغلبة الظن، لا بالوهم، أو يخاف ذهاب بعض الحواس، وذلك كأرباب المهن الشاقة كالمحترف المحتاج إلى نفقته كالخباز أو الحصاد ونحوهما.
٦ - الخوف من الضعف عن لقاء العدو سواء كان اللقاء واقعا بالفعل، أو كان متوقعا (٩).
أ. د/ يحيى أبو بكر
١ - لسان لعرب مادة: صوم
٢ - كشاف القناع ٢/ ٣١٩.
٣ - أخرجه البخارى كتاب الصوم ١/ ٤٠٢.
٤ - أخرجه أبو داود ٢/ ٨٢٣.
٥ - القوانين الفقهية لابن جزى المالكى ص/٨٠.
٦ - الإنصاف٣/ ٢٩٥.
٧ - يراجع تبيين الحقائق ١/ ٣٢٥، القوانين الفقهية ص/٠ ٨، روضة الطالبين ٣/ ٣٥٦، كشاف القناع ٢/ ٣٢٠.
٨ - بدائع الصنائع ٢/ ٩٦، حاشية الدسوقى ١/ ٥٢٩، روضة الطالبين ٢/ ١ ٣٦، كشاف القناع٢/ ٣٢٦.
٩ - الدر المختار٢/ ٩٨، القوانين الفقهية ص/٨١، المجموع ٦/ ٣٢٠، الإنصاف ٢/ ٢٢٩،٣٠٠
стр. 414
٣٠ - الصيدلة
لغة: الصيدلانى، فارسى معرب، والجمع صيادلة كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: فن علمى يبحث فى أصول الأدوية سواء كانت نباتية أو حيوانية أو أدوية مصنعة كيميائيا، من حيث تركيبها وتحضيرها ومعرفة خواصها الكيميائية والطبيعية، وتأثيرها فى علاج الأمراض والوقاية منها، كما تختص الصيدلة بكيفية استحضار الأدوية المركبة من هذه الأصول.
ويدل المصطلح العربى "صيدلى" أو "صيدلانى" -طبقا لما ذهب إليه العالم المسلم البيرونى- على المحترف بجمع الأدوية على أحد صورها واختيار الأجود من أنواعها مفردة أو مركبة؛ لاستعمالها فى علاج الأمراض.
ويرى البيرونى أن كلمة "صيدلانى" تعريب لكلمة "جندولانى" بقلب الجيم صادا، وكلمة "جندن "و" صندل " تدل على أفواه الطيب العطر، وقد تنسب كلمة "صيدلانى" أيضا إلى "الصندل " وفى كلتا الحالتين فإن المصطلح يدل على أن "الصيدلى" هو الشخص الذى يجمع الأعشاب النافعة للتطبيب.
ولقد عرف الإنسان الدواء منذ فجر التاريخ، حيث اهتدى الإنسان البدائى بالفطرة إلى اكتشاف الدواء الذى يسكن آلامه ويعالج مرضه، فقد استعمل الكحول والأفيون لتسكين الآلام، كما استخدم "السنكونا " لعلاج الملاريا، ونبات عرق الذهب لعلاج الدوسنتريا.
وتعتبر الحضارة المصرية القديمة من أعرق الحضارات التى زخرت بالكثير من العلوم الطبية، والتى كان لها الفضل فى اكتشاف بعض الأدوية التى لا يزال يستعمل عدد منها حتى الآن، وتشهد بعض البرديات التى يرجع تابخها إلى (١٦٠٠) سنة قبل الميلاد، على أن قدماء المصريين قد توصلوا إلى علاج أمراض عديدة ومتنوعة، حيث تزخر البرديات الطبية بما يزيد عن (٧٠٠) وصفة علاجية تشمل طريقة تحضير الدواء، وكيفية إعطائه للمريض، منها استعمال الحنظل والزعتر والزعفران والثوم والبصل وزيت الزيتون والسمسم والقرنفل، وغير ذلك مما يدل على أنهم قد برعوا فى مجال الطب والصيدلة.
وقد توصل الهنود فى القرن السادس قبل الميلاد إلى الوقاية من مرض الجدرى باستعمال وسيلة التطعيم، وعلاج بعض الأمراض باستعمال النباتات والأدوية الطبيعية، كما كانوا يعتقدون فى العلاج بالسحر.
كما توصل أيضا قدماء اليونانيين إلى علاج بعض الأمراض باستعمال الأدوية الطبيعية والنباتات، كما كانوا يعتقدون كذلك فى العلاج بالسحر.
ولقد استطاع العالم اليونانى أبقراط (٤٦٠ - ٣٧٧ ق م) وأتباعه أن يحرروا الطب من الخرافات والخزعبلات، وأوصى أبقراط بالوقاية من الأمراض وعلاجها بتناول الغذاء الأمثل والتعرض للهواء النقى وتدليك الجسم، كما أوصى باستعمال الأدوية المسهلة والحقن الشرجية وبعض الأدوية فى علاج الأمراض.
وفى العصر الرومانى انتقل التراث الطبى من اليونان إلى روما، ويعتبر العالم جالينوس -وهو يونانى المنشأ- من أشهر علماء الطب والصيدلة فى العصر الرومانى، حيث كان له أبلغ الأثر فى تقدم الصيدلة، فهو أول من أدخل المستحضرات الدوائية المركبة فى مجال الصيدلة، وأول من حضر صبغة الأفيون ومستحضرات بعض النباتات الطبية، التى أطلق عليها فيما بعد اسم "الجالينات".
ولقد كان للإسلام أبلغ الأثر فى تقدم وتطور علوم الطب والصيدلة، حيث حث المسلمين على طلب العلم وتكريم العلماء، ولقد شهد العالم الإسلامى مولد أول مدرسة للصيدلة، وبذلك استقل مبحث الصيدلة عن مبحث الطب، ويشهد لعلماء العصر الإسلامى ببراعتهم فى فن تحضير الدواء، وكان المسلمون هم أول من أنشأوا صيدليات لبيع الدواء.
ولقد أسهم الأطباء والصيادلة العرب والمسلمون إسهاما كبيرا فى تقدم وتطور علوم الطب والصيدلة فى مختلف دول العالم بما قدموه من دراسات ومؤلفات، مما كان له أثر كبير فى تطورها، وكانت تعد من أهم المراجع الطبية والصيدلية فى أوروبا إلى ما بعد القرن السابع عشر.
ولقد شهد العصر الحديث تطورا مذهلا فى علوم الصيدلة، حيث شيدت آلاف الأدوية الكيميائية، واكتشفت الآثار الطبية العديد من الأدوية الطبيعية، كما تنوعت وتقدمت وسائل العلاج الدوائى، وتحضير الأدوية والمركبات الصيدلية، كما شهد هذا العصرتقدما علميا وتقنيا فى الصناعات الدوائية ودراسات وبحوث الصيدلة.
أ. د/عز الدين الدنشارى
стр. 415
٣١ - الصيرفة
لغة: مشتقة من الصرف، وهو صرف الذهب والفضة فى الميزان، أى فضل الدرهم على الدرهم، والدينار على الدينار، لأن كل واحد منهما يصرف عن قيمة صاحبه، ويقال بين الدرهمين صرف أى فضل لجودة فضة أحدهما، والصرف أيضا بيع الذهب بالفضة، ويقال صرفت الدراهم بالدنانير (كما فى اللسان). (١)
واصطلاحا: وظيفة من وظائف كتاب الأموال فى الدول الإسلامية.
والصراف والصريف والصيرفى هو الذى كان يتولى قبض الأموال وصرفها ونقدها، والجمع صيارف وصيارفة، وقد يجمع شخص واحد مهمة الصيرفى والجابى.
ونظرا لأهمية وظيفة الصيرفة ألفت كتب لإرشاد الصيارفة، منها:
كتاب "المختار فى كشف الأسرار" للجويرى، وهو من علماء النصف الأول من القرن الهجرى، وقد تناول هذا الكتاب كشف أسرار الغش والتدليس فى الصناعات، وعنى بصفة خاصة بأعمال الصيارف.
كتاب "الباهر فى الحيل والشعبذة" لأحمد بن عبدالملك الأندلسى. واهتم الكتاب بتنبيه الصيارفة إلى تجنب التصرفات المخالفة للشرع، فحذرهم السباكى مثلا من خلط أموال الناس بعضها ببعض، وعدم بيع النقدين بالآخر نسيئة، بل نقدا، وذكرهم أيضا بأن من حق الصيرفى معرفة عقد الصرف، وألزم بضمان ما يتلف فى يده من النقد للغير. ومن الأمورالتى لفت السباكى نظر الصيرفى إليها انه إذا سلم صبى درهما إلى صيرفى لينقده لم يحل للصيرفى رده إليه، وإنما يرده إلى وليه.
ومن الملاحظ أن كثيرين من اليهود والنصارى مارسوا الصيرفة فى مصر فى العصر الإسلامى، وأثروا منها ثراء كبيرا، وحصلوا عن طريقها على كثير من النفوذ.
وحدد ديوان الإنشاء فى عصر المماليك ألقابا الصيارف من اليهود والنصارى، وذكر أنها تصدر "بالشيخ" كما كانوا يتخذون ألقابا مضافة إلى الدولة مثل ولى الدولة وشمس الدولة، وربما قيل: الشيخ الشمسى للتفخيم.
وكان الصيرفى إذا أسلم أضيف لقبه إلى الدين بدلا من الدولة، فيقال مثلا شمس الدين، وإذا كان لقبه لا ينالب الإضافة إلى الدين نعت بلقب قريب، مثلا الشيخ السعيد، قد يقال له سعد الدين.
هذا .. واشتهر بعض الأعلام بلقب الصيرفى مما يرجح اشتغالهم بهذه الوظيفة، أو انتسابهم إلى من اشتغل بها، ومن أمثلة هؤلاء: الصيرفى على بن بندار الصوفى والصيرفى عمرو بن عدى، والشيخ أبو القاسم على بن منجب الصيرفى الكاتب، مؤلف كتاب "قانون ديوان الرسائل" وشهرته ابن الصيرفى، وقد ورد اسمه بمسجد مهدم بقرية الحصن.
وقد وصلتنا بعض شواهد قبور تشتمل على أسماء مصحوبة بهذه الوظيفة، منها: شاهد رخام من ترابانى مؤرخ ربيع الأول سنة ٤٧٤هـ باسم سيدة الأهل بنت عبدالعزيز الصيرفى من أهل مازر.
شاهد حجر جيرى مؤرخ آخر رجب سنة ٥٨٣هـ من جبانة باب الشاغور بدمشق باسم الحاج أبو المكارم بن جامع بن على الصيرفى.
هذا ويطلق حاليا فى مصروغيرها من البلاد العربية على شركات تغيير العملات أو استبدالها شركات الصرافة.
أ. د/حسن الباشا
стр. 416
١ - الضرر
لغة: اسم من الضر، وهو نقص يدخل على الأعيان، فهو ضد النفع، وهو النقصان يقول الأزهرى: "كل ما كان سوء حال وفقر وشدة فى بدن فهو ضر بالضم، وما كان ضد النفع فهو بفتحها (١).
واصطلاحا: هو إلحاق مفسدة بالغير (٢).
والضرر قد يكون بالقول: كرجوع الشاهدين عن شهادتهما بعد القضاء، وقبض المدعى للمال، فلا يفسخ الحكم، ويضمنان ما أتلفاه على المحكوم عليه، وقد يكون الضرر ناشئا عن الفعل كتمزيق الثياب، وقطع الأشجار (٣).
وقد يكون بالقول والفعل كما سبق.
وقد يكون بالترك، ومثاله امرأة تصرع أحيانا، فتحتاج إلى حفظها، فإن لم يحفظها الزوج حتى ألقت بنفسها من شاهق، فعليه ضمانها (٤).
والأصل أن سائر أنواع الضرر حرام إلا ما قام الدليل على إباحته، وتزداد حرمته كلما زادت شدته، وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة، منها:
قوله تعالى ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ البقرة:٢٣٣، وقوله تعالى ﴿ولا تمسهكوهن ضرارا لتعتدوا﴾ البقرة:٢٣١.
وقول الرسول ﷺ "لا ضر ولا ضرار" (٥). فهذا الحديث يشمل كل أنواع الضرر؛ لأن النكرة فى سياق النفى تعم، ومعناه أنه لا يجوز شرعا إلحاق ضرر أو ضرار بالنفس أو بالغير إلا بموجب خاص.
وتجدر الإشارة إلى أن الضرر يباح استثناء فى أحوال منها: إدخال الضرر على أحد يستحقه لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر جريمته، ومنها ارتكاب الضرر فى حالة الضرورة، أو ارتكاب ضرر أخف تجنبا لضرر أشد إلى غيرذلك.
وهناك قواعد فقهية ضابطة لأحكام الضرر، تناولها الفقهاء وفصلوها وبينوا أحكامها، وسنذكرها إجمالا ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتب القواعد.
فمن هذه القواعد: "الضرر يزال " فيبنى على هذه القاعدة كثير من أبواب الفقه مثل الرد بالعيب، والخيار بأنواعه، والحجر والشفعة، وقسمة الجبر وغير ذلك (٦) ويتفرع عن هذه القاعدة قاعدتان:
الأولى: الضروات تبيح المحظورات وبناء عليها يجوز أكل الميتة للمضطر.
الثانية: ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، ويتفرع عليها أنه لا يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة إلا مقدار ما يسد الرمق (٧).
وهناك قواعد تقيد من تلك القاعدة العامة -الضرر يزال- من هذه القواعد:
"الضررلا يزال بمثله " ذلك أن الضرر مهما كان واجب الإزالة، فإزالته إما بلا ضرر أصلا أو بضرر أخف، أما إذا كان الضرر لا يزال إلا بضرر مثله أو أشد فلا يجوز. ومن أمثلتها: ما لوهدد المسلم بالقتل إذا لم يقتل جاره المسلم، فإنه لا يجوز له فعل ذلك، بخلاف ما لو أكرهه على أكل ماله.
ومن هذه القواعد آيضا: "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضررالعام ". وهذه القاعدة مقيدة لقاعدة "الضرر لا يزال بمثله ". أى لا يزال الضرر بالضرر إلا إذا كان آحدهما عاما والآخر خاصا، فيتحمل حينئذ الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
ومن هذه القواعد أيضا: "الضرر الأشد يزال بالأخف " أو بمعنى آخر " يختار أهون الشرين " ومن أمثلتها: جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته (٨).
ويجوز شرعا ترك الواجب وذلك إذا تعين طريقا لدفع الضرر، وذلك كالفطر فى نهار رمضان، وترك ركعتين من الصلاة الرباعية لدفع ضرورة السفر.
كما قد يفعل المحرم دفعا للضرر، كأكل الميتة فإنه حرام، ولكنه يجوز فى حال الاضطرار دفعا لضرر التلف. أما إذا أمكن تحصيل الواجب، أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات فلا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم (٩).
ويجب على كل مسلم محاولة دفع الضررعن غيره، فيجب قطع الصلاة لإغاثة ملهوف وغريق وحريق (١٠).
فينقذه من كل ما يعرضه للهلاك. فإن كان الشخص قادرا على ذلك دون غيره وجبت عليه، الإغاثة وجوبا عينيا، أما إذا كان هناك من يقدر على ذلك، كان الوجوب عليه كفائيا، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء.
وإنما اختلفوا فى تضمين من امتنع عن دفع الضرر عن المضطر مع القدرة على ذلك.
فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا يلزمه الضمان، وقد أساء؛ لأنه لم يهلكه ولم يكن سببا فى هلاكه، كما لولم يعلم بحاله.
بينما ذهب المالكية وأبو الخطاب من الحنابلة إلى أن الممتنع مع القدرة يلزمه الضمان، لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه، فيضمنه كما لو منعه الطعام والشراب (١١).
أ. د/على مرعى
стр. 417
٢ - الضمان
لغة: له عدة معان: منها الكفالة، فنقول: ضمنته الشئ ضمانا إذا كفله.
ومنها الالتزام، فتقول: ضمنت المال، إذا التزمته.
ومنها التغريم، تقول ضمنته الشىء تضمينا إذا غرمته (١).
واصطلاحا: يطلق على المعانى التالية:
(أ) يطلق على كفالة النفس، وكفالة المال عند جمهور الفقهاء.
(ب) كما يطلق على غرامة المتلفات والمغصوبات والمتعيبات والتغيرات الطارئة.
(ج) كما يطلق على ضمان المال والتزامه سواء كان بعقد وبغيرعقد.
(د) كما يطلق على وضع اليد على المال، بغير حق أو بحق.
وقد عرف الفقهاء الضمان بتعريفات كثيرة نقتصرعلى اثنين منها:
الأول: التزام دين أو إحضار عين أو بدن (٢).
الثانى: شغل ذمة أخرى بالحق (٣).
والضمان جائز شرعا، حفظا للحقوق، ورعاية للعهود، وجبرا للضرر، دلت على ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة ومن ذلك:
(أ) قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ يوسف:٧٢، فزعيم: أى ضامن، فقد ضمن يوسف رضى الله عنه لمن جاء بسقاء الملك قدرما يحمله البعيرمن الطعام.
(ب) ما رواه أنس رضى الله عنه قال: أهدت بعض أزواج النبى ﷺ إلى النبى طعاما فى قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال النبى ﷺ (طعام بطعام، وإناء بإناء) (٤).
(ب) ما رواه سمرة بن جندب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤدى) (٥) أى ضمانه.
ولكى يتحقق الضمان شرعا، ويجب على من التزم به، لابد من توافر ثلاثة أركان هى:
التعدى، الضرر، علاقة السببية بين التعدى والضرر " الافضاء".
- فالتعدى: هو مخالفة ما حده الشرع أو العرف، فيشمل التعدى: المجاوزة، والتقصير، والإهمال، وقلة الاحتراز، كما يشمل العمد والخطأ (٦).
- أما الضرر: فهو إلحاق مفسدة بالغير، وهذا يشمل الإتلاف والإفساد. والضرر قد يكون ناشئا عن القول أو الفعل، كما أنه قد يكون بالقول والفعل أو بالترك. (٧).
- أما علاقة السببية: فيشترط أن يكون التعدى مفضيا إلى الضرر، سواء كان بالمباشرة أو بالتسبب، ويشترط أيضا أن لا يتخلل بين السبب وبين الضرر فعل فاعل مختار، فإذا وجد هذا الفاعل الأجنبى فإنه يضاف الضمان إليه، وينقطع التعدى عن الضرر (٨).
وللضمان أسباب، ذكر الشافعية والحنابلة أنها قد تكون:
(أ) العقد: كالمبيع، والثمن المعين قبل القبض، والسلم فى عقد البيع.
(ب) اليد: مؤتمنة كانت كالوديعة والشركة، فى حالة حصول التعدى، أو غير مؤتمنة كالشراء الفاسد.
(ج) الإتلاف: سواء كان للنفس أو المال (٩).
أما المالكية فقد ذكروا أن أسباب الضمان هى:
(أ) الإتلاف مباشرة؛ كإحراق الثوب.
(ب) التسبب فى الإتلاف: كحفر بئر فى موضع لم يؤذن فيه فيترتب عليه فى العادة إتلاف.
(ج) وضع اليد غير المؤتمنة: ويندرج فيها يد الغاصب، والبائع يضمن المبيع الذى يتعلق به حق توفيته قبل القبض (١٠).
والأمانات يجب تسليمها بذاتها، وآداؤها فور طلبها، لقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ النساء:٥٨. وتضمن الأمانات فى حالة التعدى، وإلا فلا ضمان فيها.
أما المضمونات فتضمن بالإتلاف وبالتلف ولوكان سماويا (١١).
هذا وأحكام الضمان كثيرة ومتفرعة فى سائر أبواب الفقه، فيرجع إليها لمن أراد الاستزادة من سائر كتب المذاهب.
أ. د/على مرعى
стр. 418
٣ - الضمير
لغة: هو ما دل على متكلم كـ "أنا" أو مخاطب كـ "أنت " أو غائب كـ "هو" ومنه البارز والمستتر، فالبارز "قمت " أما المستتر فهو كالمقدر نحو قولك "قم " كما فى اللسان.
ولم يرد هذا اللفظ فى القرآن الكريم ولا فى السنة المطهرة ولم أجد كذلك لفظا قرآنيا يشترك مع هذا اللفظ فى الأصل سوى لفظ "ضامر" وهو ما جاء فى قوله تعالى: ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ الحج:٢٧.
واصطلاحا: فيعرف الضمير بأنه خاصية يصدر بها الإنسان أحكاما مباشرة على القيم الأخلاقية لأعمال معينة، فإن تعلق فيما لم يقع بعد فقد يكون أمرا بالفعل أو نهيا عنه.
وقد عنى به من الفلاسفة أصحاب المدرسة الحدسية، واعتبروه قوة فطرية يميز بها الإنسان بين الخير والشر تلقائيا دون خبرة مسبقة أو توجهيه من الآخرين، أما أصحاب المدرسة الطبيعية (المادية) فقد أرجعوا أحكام الضمير إلى التجربة أى الخبرة السابقة وربطوا قيمة الفعل الأخلاقى بنتائجه دون غيرها.
أما فى الفكر الإسلامى فيستخدم لفظ الضمير، بالمعنى اللغوى فى الدرجة الأولى.
أما المعنى الاصطلاحى للضمير فيعبر عنه بلفظ النفس اللوامة وهو المصطلح القرآنى المأخوذ من قوله تعالى ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ القيامة:٢، حيث تقوم النفس اللوامة بمحاسبة الإنسان عما بدر منه، فى هذا المعنى يقول الحسن البصرى ت: (١١٠هـ) فى النفس اللوامة: إن المؤمن والله لا نراه إلا لائما لنفسه، ما أردت بكلمتى؟ ما أردت بأكلتى؟ ما أردت بحديث نفسى؟ وإن الفاجر يمضى قدما لا يعاتب نفسه.
أما ابن جرير الطبرى فيعرف النفس اللوامة بأنها: التى تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات.
بذلك يتفق المعنى المقصود بالنفس اللوامة فى القرآن الكريم مع المعنى المقصود بلفظ "الضمير" فى الاصطلاح فى الفكر الحديث.
فالمقصود من كلا المصطلحين أنه جهاز مراقبة ومحاسبة داخل الإنسان السوى، يقيم ويقوم أعماله السابقة واللاحقة ويصدر عليها حكما أخلاقيا بالخير أوالشر.
وللشاعر المصرى المعروف "المنفلوطى" قصيدة بعنوان " الضمير" نشرت ضمن ديوانه الشعرى (ديوان أتى النصر).
أ. د/السيد محمد الشاهد
стр. 419
٤ - الضوء
لقد تقدم العلم بقدر كبير نحو تجلية ماهية الضوء، فقد استنتج أينشتين أن الضوء إشعاع، والإشعاع هو صورة من صور الطاقة، والطاقة لها كتلة، والكتلة (وهى مادة الكون) تتأثر بقوة الجاذبية. وتكون نتيجة ذلك أن الضوء المار خلال الكون يجب أن ينجذب إلى الأجرام السماوية المختلفة، كما لو كان كوكبا صغيرا يتحرك بسرعة الضوء وبمعنى آخر إذا كان للضوء كتلة فيجب أن ينثنى بعيدا عن مسيره كلما حدث أن قرب من جرم سماوى. واقترح أينشتين تجربة ضخمة لتحقيق نظريته، فقد كان من المتوقع حدوث كسوف للشمس فى مايو سنة١٩١٩ م عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، وينتج عن ذلك أن تعتم السماء فى وقت النهار، وترى النجوم القريبة من الشمس بوضوح، فإذا كانت النظرية صحيحة، فإن تلك النجوم لا تظهر فى مواقعها الطبيعية لكنها يجب أن تظهر مزاحة قليلا نتيجة جذب الشمس للضوء المنبعث منها أثناء مروره بالشمس، ويجب أن تبين الصور الفوتوغرافية للنجوم التى يبدو أنها قريبة قربا مباشرا من الشمس إزاحة هذه النجوم عن مواقعها الطبيعية. وبعد عدة محاولات قام الفلكيون بها للتثبت من صحة هذه الظاهرة، إلا أنهم رأوا أن أينشتين كان محقا، حيث ظهرت النجوم بعد تجارب عديدة فى مواقعها الحقيقية، وأن الضوء له كتلة، وله وزن.
إننا نرى الأشياء من حولنا ونميز بين الألوان بوساطة الضوء الذى يدخل أعيننا، ونستطيع القول: إنه مهما تكن حقيقة الضوء، فنحن نستطيع رؤية ضوء صغير منه فقط .. وإحدى خصائص الضوء هى طول موجته، حيث يتكون الضوء الأبيض من مزيج من أطوال الموجات تتراوح ما بين حوالى ٠.٠٠٠٠٨سم (الأحمر) و ٠.٠٠٠٠٤ سم (البنفسجى). ويسمى هذا المدى "بالطيف المنظور" ولا ترى العين البشرية الضوء الذى طول موجته يزيد أو يقل عن هذا المدى. ويقع الضوء (الأحمر) فى المنطقة التى يزيد فيها طول الموجة قليلا على ٠.٠٠٠٠٨. سم. وينبعث هذا النوع من الضوء غير المنظور من جميع الأشياء الساخنة. ومن الممكن التقاط صور دون استخدام أى ضوء منظور، وذلك باستخدام ألواح فوتوغرافية حساسة للضوء تحت الأحمر. وكل ما يلزم للإضاءة فى هذه الحالة هو جسم ساخن مثل المكواة، تنعكس الأشعة تحت الحمراء المنبعثة من المكواة من المنظر المراد تصويره، وتدخل فى آلة التصوير حيث تكون الصورة على الفيلم الحساس للأشعة تحت الحمراء، فالأشعة تحت الحمراء مثل الضوء العادى تنعكس وتتجمع بوساطة عدسات آلة التصوير وتسقط من مكان لآخر. ويدلنا العلماء على أن الألوان ناتجة من تفسير الإحساس الواصل إلى المخ عندما يستقبل موجة ذات تردد معين، وإذا زاد التردد عند حد ما، فإننا ندخل ضمن نطاق تردد الأمواج الضوئية المرئية التى لها نفس طبيعة الأمواج اللاسلكية، فلها أيضا تردد وطول موجى تماما، كموجات اللاسلكى بالتليفزيون والرادار.
ويطلق العلماء على هذه المجموعة من الأمواج اسم "الطيف الكهرومغناطيسى" أو للاختصار اسم "الطيف ".
وتذيع محطات الإرسال العادية بتردد يكون عادة حوالى مليون اهتزازة فى الثانية، فى حين أن الضوء ينتقل بموجات متوسط ترددها ٦ ملايين اهتزازة فى الثانية.
ويمكن تشبيه العين بجهاز الاستقبال اللاسلكى حيث يمكنها أن تميز بين تردد الأشعة المختلفة، حيث إن تردد اللون البنفسجى حوالى ٧,٥ ملايين مليون اهتزازة، فى الثانية، تليه الألوان الأزرق والأخضر والأصفر والبرتقالى، وأخيرا اللون الأحمر الذى يبلغ تردد موجاته ٤ ملايين مليون اهتزازة فى الثانية.
وحقيقة الأمر أنه لا توجد فواصل محددة تفصل بين انتهاء لون وبداية لون آخر، إنم يحدث التغير بالتدريج، أى أن هناك استمراراً بين الألوان. وعندما تسقط الأشعة على عين بشرية، فإن الأشعة تصطدم بأجسام مخروطية دقيقة فى نهاية العين، حيث تستطيع بها أن تميز بين الألوان المختلفة التردد، إذ إن هناك أجساما مخروطية حساسة للون الأحمر، وأخرى للأخضر، وثالثة للأزرق والبنفسجى، فإذا استقبلت العين أشعة حمراء ذات أربعة ملايين مليون اهتزازة فى الثانية، فإن الأجسام الخاصة باللون الأحمر هى التى ترسل تيارا عصبيا إلى المخ، الذى يعطينا الإحساس بالأحمر.
وكذلك إذا استقبلت العين أمواجا ذات تردد خمسة ملايين مليون اهتزازة فى الثانية، فإنها تثير الإحساس باللون الأخضر بنفس الطريقة.
ونفس الشيء يحدث للونين الأزرق والبنفسجى وغيرهما، لذلك تسمى هذه الألوان الثلاثة باسم الألوان الأساسية. وإذا وصل إلى العين لونان: أخضر وأحمر معا، فإن العين تنقل الإحساس بكليهما فى نفس الوقت، ويحدث الإحساس باللون الأصفر. وبهذه الطريقة يمكن لنا أن نرى عددا لا نهائيا من الألوان. وضوء الشمس العادى ما هو إلا مزيج من ألوان الطيف، إذا استطعت أن تمزجها بنفس النسبة لأحسست باللون الأبيض.
(هيئة التحرير)
стр. 420
١ - الطِّب
اصطلاحًا: هو وسيلة شفاء المرض، بمعرفة أسراره ومداواته.
وقد كان إنسان ما قبل التاريخ يؤمن بأن الأمراض تحدث نتيجة غضب الآلهة، أو بسبب ما أسماه بالأرواح الشريرة، ومن ثمَّ أصبح شفاء المرض من وظائف الكُهَّان ورجال الدين .. وفى مصر القديمة كان الأطباء المصريون القدماء هم رجال الدين الذين توحى إليهم الآلهة بأسرار الشفاء، وكان هؤلاء يتخصصون فى الأمراض المختلفة، وقد طَبقت شهرتهم الآفاق، حتى سجل التاريخ أن الملوك سعوا إليهم من أنحاء الدنيا القديمة لاستشارتهم.
ويذهب المؤرخون إلى أن أول طبيب فى العالم أطلق عليه اسم "طبيب " كان هو المصرى "إيمحتب"، وهو الذى تتخذ. جامعة القاهرة من تمثاله شعاراً لها، وقد أظهرت البرديات الطبية أن الأطباء المصريين القدامى أحرزوا تقدما هائلا فى العلوم الطبية، وبخاصة فى الجراحات، ويعتقد أن أولى الجراحات فى العالم كانت نشر الجمجمة، وهى العملية التى كانت تجرى لتخفيف الضغط على المخ، وقد وجدت بقايا جماجم يرجع عمرها إلى عشرة آلاف سنة. وقد تفوَّق المصريون القدماء فى علاج كسور العظام، على سبيل المثال، كما قام الصينيون القدماء بتطوير الطب وفق معتقداتهم القائلة بأن قوتين من قوى الحياة تجريان فى الجسم وتتحكمان فيه، ولا يظهر المرض إلا إذا اختل التوازن بين هاتين القوَّتين، ومازالت هذه الفكرة القائمة فى العلاج بالإبر الصينية، التى يعتقد أن الوخز بها فى أماكن معينة- تسيطر على هاتين القوتين- يعيد الاتزان المفقود إلى الجسم، ولا يزال الأطباء الصينيون- وغيرهم- يمارسون الوخز بالإبر حتى الآن.
وفى القرن الخامس قبل الميلاد وضع "أبقراط " ما يعتبر بمثابة الأساس العلمى للطب بدراسة المريض والمرض، وقد أثبت أبقراط أن الأمراض ترجع إلى أسباب طبيعية مادية لا إلى أسباب دينية، وقد أنشأ مدرسته الطبية الشهيرة بجزيرة قو الإغريقية، وإلى أبقراط يرجع الفضل فى وضع أخلاقيات الطب الحديث التى يبلورها قسم أبقراط الذى ما يزال يحتفظ بمكانته إلى اليوم.
وفى روما مارس الطبيب الإغريقى "جالينوس " الطب أثناء القرن الثانى بعد الميلاد، وهو أول من وضع النظريات الطبية التى تعتمد على التجارب العلمية، وقد ظلت هذه النظريات- رغم خطأ معظمها- بمثابة الدليل الذى يسترشد به الأطباء قرونا طويلة، وقد تأثر الأطباء العرب المسلمون بجالنيوس وشرحوا أفكاره وعدلوا بعضها واكتشفوا أوجه الخطأ فيها، وتطور الطب على أيديهم تطورا عظيما، على حين ظل الطب فى العصور الوسطى الأوروبية بمعزل تام عن الممارسة المباشرة للطب، وكان أطباء العصور الوسطى يمارسون الطب كالفلسفة بمعزل تام عن الممارسة الإكلينيكية التى نعرفها اليوم، وكانوا يعتمدون على الكتب القديمة وفحص البول لتشخيص الأمراض على حين تركوا الجراحة للحلاقين، والولادة للقابلات، وتركيب الأدوية للصيادلة.
أما فى العالم الإسلامى فقد لمعت نجوم عدد من الأطباء الكبار الذين أسهموا فى تقدم العلوم الطبية تقدما ملحوظا، وقد وصف أبو بكر الرازى الحصبة والجديرى وصفا دقيقا، كما وضع ابن سينا موسوعة طبية كبيرة ظلت المرجع الأساسى فى الطب لقرون متصلة، وطور الزهراوى أدوات جراحية كثيرة، واستمر الأطباء المسلمون فى الإيمان بأهمية التجربة وفى ممارستها، كما طور الأطباء المسلمون استخدام عقاقير طبية كثيرة من مصادر نباتية.
وفى القرن السادس عشر قام الطبيب الإيطالى فيزاليوس بتشريح عدد كبير من الجثث، ووضع أول كتاب تعليمى عن تشريح جسم الإنسان، وفى القرن السابع عشر نبغ الطبيب الإنجليزى توماس سيدنهام، وقد اتجه إلى الدراسة الإكلينيكية للأمراض والمرضى، وعنى عناية خاصة بالحميات دون اعتماد على الكتب المتوافرة، وكان يلقب بأبقراط الإنجليزى.
وتوحدت الجراحة والطب فى القرن الثامن عشر، وكان جون هنتر مؤسس الأسلوب العلمى فى الجراحة، مجرّبا لا يهدأ فى العمليات الجراحية، وكوّن مجموعة من الأطباء سميت "الجراحين المفكرين " وقضى هؤلاء أوقاتا طويلة فى حجرات التشريح لتعلم تركيب جسم الإنسان وأساليب الجراحة.
كذلك كان الجراح العسكرى الفرنسى "امبرواز باريه " أول من طور أساليب الجراحة الحديثة، ولهذا يسمى أبو الجراحة الحديثة.
وفى نهاية القرن الثامن عشر (١٧٩٦ م) اكتشف الطبيب الإنجليزى "إدوار جينر" أن بإمكانه توفير المناعة ضد مرض الجديرى- وهو مرض معد جدا- وذلك عن طريق التطعيم بمصل مستخرج من جراثيم مرض الجدرى (وهو مرض قريب الصلة بالجديرى وإن كان محدود الضرر إذا ماقورن به).
وكان تقدم المجهر (الميكروسكوب) وكشف علاقة البكتريا بالأمراض سبباً فى تحويل طب القرن التاسع عشر إلى علم معملى، وأصبحت للدراسات المعملية أدوار كبيرة فى تشخيص الأمراض وفى بحوث علاجها.
وقد تمكن الكيميائى الفرنسى "لويس باستير" من إثبات وجود ميكروبات دقيقة جدا ولا ترى بالعين المجردة تتسبب فى الإصابة بالأمراض وتسمى الجراثيم، كما توصل الطبيب الألمانى "روبرت كوخ " إلى أسلوب تحديد نوع الجراثيم التى تتسبب فى كل مرض من الأمراض. وقد ساعدت هذه الاكتشافات الجراحين فى تعقيم الجروح بالمطهرات، ومكافحة الإصابة بالعدوى عن طريق الغسل بالماء والمطهرات فيما قبل كل عملية.
كما حفل القرن التاسع عشر بعدة اكتشافات مهمة كان لها أثرها فى تقدم الطب. وقد اكتشفت مادتا الإثير والكلورفورم وهما مادتان تقتلان الإحساس بالألم أثناء العمليات الجراحية، ومن هنا تطور التخدير تطورا كبيرا، ومن ثمَّ أمكن ممارسة عمليات جراحية فى أجزاء متعددة من الجسم. وحفل القرن العشرون بمظاهر عديدة لثورة طبية أفادت من ثمار التقدم العلمى الكبير الذى تفجر طوال هذا القرن، فقد تم اكتشاف الأشعة السينية (أشعة ×) واستخدمها الأطباء فى تصوير الأجزاء غير الظاهرة (المرئية) من الجسم، والإفادة من هذه الصور فى تشخيص العلل المختلفة.
كما أثبت عدد من علماء الطب أهمية الفيتامينات، ومن ثم أمكن التغلب على بعض أمراض سوء التغذية منذ العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين
وكان اكتشاف المضادات الحيوية بمثابة ثورة كبرى مكنت من مكافحة كثيرمن صور العدوى، والقضاء على كثير من الأمراض.
وتوالت الاكتشافات التى ساعدت على تجويد الأداء الطبى والارتفاع بكفاءته، فعلى سبيل المثال أدى اكتشاف مجموعات الدم إلى جعل عمليات نقل الدم أكثر أماناً، كما تطورت وسائل الجراحة والتخدير، وتطورت العقارات الطبية نفسها بصورة غير مسبوقة.
وبدأ الطب فى زراعة الأعضاء كالقلب والكبد والكلى، وَوُجهت هذه العمليات بالفشل عندما رفض الجهاز المناعى لبعض المرضى تقبل الأعضاء المزروعة، حتى تم اكتشاف عقار لمقاومة رفض الجسم للعضو المزروع (١٩٧٨م)
ويتجه الطب إلى تطوير وسائل جراحية للتغلب على أمراض كانت تعد باطنية، وأصبح من الممكن التغلب جراحيا على آثار الأزمات القلبية والاحتساء القلبى الحاد، والانضمامات الرئوية، وسكتات الدماغ.
ويولى الطب الآن عناية شديدة بالتوترات العصبية والنظم الغذائية التى تتسبب فى مضاعفة الإصابة بأمراض القلب والسكتات المخية الوعائية.
وقد تم توظيف كثيرمن التطبيقات التكنولوجية لأفكار هندسية وعلمية لخدمة أغراض التشخيص، وبرز هذا فى التصوير بالموجات فوق الصوتية، وبالرنين المغناطيسى، والفحوص المقطعية المبرمجة بأجهزة الكمبيوتر.
ولابد من الاعتراف بأن ميكنة الطب كانت بمثابة خطوة تقدمية كبيرة إذ هيأت للطب المعاصر عدد كبير من الآلات والماكينات التى تساعد على ممارسة الطب على وجه أفضل، ولكنها لا تغنيه عن الصفات والمهارات الإنسانية التى لابد من توافرها بدرجات عالية فى الأطباء.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 421
٢ - الطَّبَقات
لغة: الطَّبَقة جمعها الطَّبَقات من المصدر طبقه الذى تؤول أكثر معانيه إلى تماثل شيئين إذا وضع أحدهما على الآخر ساواه وكانا على حذوٍ واحد، فقيل منه "تطابق الشيئان " إذا تساويا وتماثلا.
واصطلاحا: تقسيم إسلامى أصيل، وهو قد يبدو أقدم تقسيم زمنى وُجِدَ فى التفكير التاريخى الإسلامى. ولم يكن هذا التقسيم نتيجة مؤثرات خارجية ولكنه جاء نتيجة طبيعية لفكرة صحابة رسول الله ﷺ فالتابعين .. إلخ التى تطَّورت فى أوائل القرن الثانى الهجرى بالارتباط بنقد علم الحديث للإسناد (الجرح والتعديل). يؤيد ذلك حديث أورده البخارى نصه "خيرأمتى قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ".
ويظهر هذا المفهوم بوضوح فى كتب الإمام ابن حبان البُستىّ المتوفى سنة ٣٥٤ هـ/ ٩٦٥ م حيث قَسَّم الرواة فى كتابيه "الَّثقات " و "مشاهير علماء الأمصار" إلى ثلاث طبقات، هم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، فصارت الطبقة هنا تعنى جيلا.
واخترع المحدثون التنظيم على الطبقات لخدمة دراسة الحديث النبوى الشريف ومعرفة إسناد الحديث ونقده، فهو الذى يؤدى إلى معرفة ما إذا كان الحديث متصلا، أو ما فى السند من إرسال أو انقطاع، أو عضل أو تدليس، أو اتفاق فى الأسماء مع اختلاف فى الطبقة.
وأول الكتب التى وصلت إلينا فى هذا الفن هى كتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد كاتب الواقدى المتوفى سنة ٢٣٠ هـ/٨٤٥ م، وكتاب "الطبقات " لخليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م، ويمثل هذان الكتابان تطوراً هاما فى الكتابة التاريخية، وإن كانا يبينان لنا أنها لم تزل مرتبطة ارتباطا وثيقا بعلم الحديث، خاصة وأن موادهما جمعت فى المقام الأول بغرض نقد الحديث.
ولكن كتاب ابن سعد سبقه مؤلفات أخرى لم تصل إلينا مثل: " طبقات أهل العلم والجهل " لواصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١هـ/٧٤٨ م و" طبقات الفقهاء والمحدثين " و "كتاب من روى عن النبى وأصحابه " للهيثم ابن عدىّ المتوفى سنة ٢٠٧ هـ/٨٢٣ م و "الطبقات" للواقدى.
وقد تأثر بهذا النوع من التأليف نقاد الأدب، فكتب محمد بن سلام الجُمَحى كتابه "طبقات فحول الشعراء" ولكنه لم يقصد المعنى الذى يتبادر إلى الأذهان وإنما عنى بلفظ "طَبَقة" المذهب والمنهج " خاصة وأن من المعانى المختلفة لكلمة " طبقة " فى لسان العرب " الأحوال والمذاهب "، أى أنه قسمَّ الشعراء فى كتابه عشرة مذاهب أو عشرة مناهج من مذاهب الشعر ومناهجه.
وهكذا كانت بواكير التأليف فى فن الطبقات والتراجم كتب طبقات علماء الحديث، ثم أخذت فى الظهور كتب طبقات الفقهاء والشعراء والكتاب والوزراء والأطباء والحكماء والفلاسفة … إلخ.
ويُعد كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١م أول كتاب فى التراجم جمع جميع هذه الفروع معا، رغم اهتمامه فى الأساس بالترجمة لرجال الحديث.
أما أول كتاب حرص مؤلفه على الترجمة لمجموعات مختلفة من الشخصيات الهامة التى لعبت دوراً بارزاً فى مختلف مجالات الأنشطة العلمية فى كل أنحاء العالم الإسلامى فكتاب "وفيات الأعيان " لابن خلَّكان المتوفى فى سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢م، وإن كنا نجد أساس هذا النوع من التراجم فى النمط الجديد لكتابة الحوليات الذى بدأه أبو الفرج بن الجوزىّ المتوفى سنة ٥٩٧ هـ/ ١٢٠١م عندما ألحق فى نهاية ذكره للحوادث التاريخية فى كل عام فى كتابه "المنتظم " تراجم من مات فى هذه السنة على اختلاف تخصصاتهم، وقد استمر هذا النوع من كتابة التراجم على النظام الحَولى وخاصة عند زكى الدين المنذرى المتوفى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨م فى كتابه "التكملة لوفيات النَّقَلَة"وعند الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨ هـ/١٣٤٧م فى كتابه "تاريخ الإسلام " و "العبر فى خير من عبر" و "سير أعلام النبلاء".
وابتداء من القرن الثامن أخذ المؤلفون فى ترتيب الوفيات على القرون وتخصيص مؤلفات لوفيات كل قرن مرتبة على حروف المعجم، كان أسبقهم أبو شامة المقدسى المتوفى سنة ٦٦٥هـ /١٢٦٧م بكتابه "الذيل على الروضتين " أو " تراجم رجال القرنين السادس والسابع "، ثم تبعه ابن حجر العسقلانى بكتابه "الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة " وشمس الدين السخاوى بكتابه "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع " ..
وكان المؤهل الرئيسى لإدراج اسم شخص فى كتب الطبقات والتراجم هو مدى إسهامه فى أحد المظاهر الثقافية أو الفكرية المختلفة للمجتمع الإسلامى، على أن من أكبر عيوب التنظيم على الطبقات صعوبة العثور على الترجمة لغير المتمرسين بهذا الفن تمرسًا جيدا، فضلا عن عدم وجود تقسيم موحد للطبقة عند المؤلفين. ولكن عندما توفرت للمؤلفين مادة كافية لضبط تاريخ المواليد والوفيات إزداد عدد المؤلفين الذين ينظمون كتبهم الرجالية على الوفيات (الوفيات لابن رافع السلامى وشذرات الذهب لابن العماد) وإن أصبح الترتيب على حروف المعجم هو الأكثر شيوعا مثل "الوافى بالوفيات " للصفدى المتوفى سنة ٧٦٣ هـ ومؤلفات ابن حجر والسخاوى السابق الإشارة إليها.
وفى فترة انتشار كتب "الطبقات " شمل هذا النوع جميع الفنون والعلوم (الأطباء، والفقهاء، والقراء، والنحويين، واللغويين، والمفسرين، والأدباء، والشعراء)، وإذ اكانت "الطبقات الكبرى" لابن سعد هى أول ما وصل إلينا من هذا النوع من المشرق الإسلامى، فإن كتاب "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جلجل الأندلسى المتوفى بعد سنة ٣٧٧ هـ/٩٨٤ م هو أول كتاب وصل إلينا فى هذا الموضوع من المغرب الإسلامى.
وعادة ماتفيدنا هذه النوعية من الكتب فى التعرف على بدايات كل فن أو علم منها وتطوره من خلال دراسة رجاله وما أضافوه لهذا العلم أو الفن، فكتب التراجم والطبقات هى السجل الحافل للأنشطة الثقافية والدينية والعلمية للأمة الإسلامية، بالإضافة إلى ما تمدنا به من معلومات عن الحياتين الاقتصادية والاجتماعية من خلال العلاقات التى نستخرجها من مادة هذه التراجم. وأحصى لنا حاجى خليفة فى كتابه "كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون " أسماء الكتب المؤلفة فى فن الطبقات.
د/ أيمن فؤاد سيد
стр. 422
٣ - الطرق الصوفية
لغة: الطرق جمع طريق وهو السبيل، وطريقة الرّجُل: مذهبه.
يقال: مازال فلان على طريقة واحدة أى على حالة واحدة، والطريقة الحال. والصوفية: نسبة إلى الصوف، وهو للغنم كالشعر للمعز والوبر للإبل.
واصطلاحا: طرق مخصوصة ووسائل منتخبة فى السلوك، تشتمل على مجموعة قواعد ورسوم مقصودة ينشدها السالك ويستهدفها فى رياضته بما يؤدى إلى تصفية قلبه وتحصيل صفات الكمال والقوى الروحية للوصول إلى معرفة الله تعالى.
"وقد اختلف العلماء فى تعريف الصوفى، ويذكر السهروردى ضابطا يجمع جل معانيها، فيقول الصوفى هو الذى يكون دائم التصفية، لا يزال يصفى الأوقات عن شوب الأكدار: بتصفية القلب عن شوب النفس، ويعينه على كل هذه التصفية دوام الافتقار إلى مولاه، فبدوام الافتقار ينقى من الكدر، وكلما تحركت نفسه وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه " (١). وتتخذ الطرق الصوفية صورا شتى: فإما أن تكون فردية أو تتخذ صورة الأخوة الدينية، أو تتخذ صورة التقليد والتبعية الصارمة للشيخ الهادى أو الأستاذ المرشد أو صورة المنهج المبتكر والتأمل الذاتى والتجربة الشخصية المستقلة، وتختلف هذه الصور تبعا لمقدار ثقافة السالك ونضجه واستعداداته النفسية، فكما يقول ابن خلدون: إن "الطرق إلى الله تعالى عدد أنفاس الخلائق وإن كل واحد فى نفسه طريق، فكل سالك يليق به من التربية ما لايليق بغيره، والواردات والمواهب، والعلوم والإلقاءات والعوارض فى السلوك تختلف بحسب الأشخاص والأحوال والبدايات والنهايات والقوة والضعف، وسبيل سلوكهم غير متفق " (٢).
إلا أن سبيل الوصول عند القوم في عمومه واحد، وهو "العلم بكيفية تطهير القلب من الخبائث والمكدرات، بالكف عن الشهوات، وإخماد القوى البشرية بقطع جميع العلائق البدنية، والاقتداء بالأنبياء صلوات الله عليهم- فى جميع أحوالهم، فبقدر ما يتجلى من القلب ويحاذى به شطر الحق تتلألأ فيه حقائق الوجود" (٣). وهذه هى
الرياضة والمجاهدات.
والصوفى السالك وهو فى طريقه إلى التماس الحقيقة لابد أن يتخذ لنفسه هاديا، شيخا أو مرشدا، قد خبر المجاهدات، وقطع بها طريق الله، وتجلت له الأنوار، فهو يعرف أحوالها ويدرج المريد فى عقباتها حتى تتاح له الرحمة الربانية، ويحصل له الكشف والاطلاع.
وهذه التبعية من السالك للشيخ أمر لازم عند الصوفية: لأن النقل وحده لايفضى بالسالك إلى مطلوبه، لأن مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المتعارف من العلوم الكسبية والصنائع، وإنما من مدارك وجدانية إلهامية، فلا يدرك تمييزها بالمعارف الكسبية بل تحتاج إلى الشيخ الذى يميزها بالعيان والشفاه.
ولكل طريق من هذه الطرق مقاماته يتدرج فيها السالك وكذا الأحوال النفسية المصاحبة لها، وتتفاوت الطرق فى ذكر المقامات ووصف الأحوال، وقد كانت فى بداية النمو الداخلى لحركة التصوف بسيطة فقد عدها الجنيد البغدادى أربعة مقامات وهى اتوبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات، ومراقبة الله فى خواطر القلوب. وعدها الطوسى سبعة مقامات وهى التوبة والورع، والزهدُ والفقر، والصبر والتوكل والرضا، وجعل الأحوال عشرة، وهى المراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والأنس والطمأنينة والمشاهدة واليقين. فى حين إن هذه المقامات والأحوال سرعان ما تضاعفت عند غيرهم حتى وصلت إلى مائة مقام، وروى أن بعض الشيوخ ذكروا لها ألف حالة.
وقد انعقد إجماع شيوخ الصوفية على ضرورة التزام المريد المطلق فى أثناء رياضته بأحكام الشريعة الظاهرة، والعمل بالتكاليف الدينية المكتوبة فقالوا: الطرق إلى الله تعالى كثيرة، وأصح الطرق وأعمرها وأبعدها عن الشبه اتباع القرآن والسنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية. وكان الجنيد يقول: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا لمن اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته (٤).
وادعى بعض المنتسبين إلى الصوفية إسقاط التكاليف الدينية والتنكر لها، إلا أنهم قوبلوا بالرفض المطلق من شيوخ الصوفية، فكان التسترى يقول " أصول طريقتنا سبعة: التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصى، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق " (٥).
وقد كان للطرق الصوفية دور مهم فى نشر الإسلام، خاصة بأفريقيا، ومن هذه الطرق:
١ - الطريقة القادرية: ومؤسسها الشيخ عبدالقادر الجيلانى، والذى ولد بجيلان ٤٨٨ هـ ١٠٩٥م، وقد انتشرت طريقته فى العراق واليمن والصومال والهند وتركيا ومصر والمغرب.
٢ - الطريقة البكائية: وهى من الطرق التى تفرعت عن الطريقة القادرية، ومؤسسها أحمد البكاى فى نهاية القرن الخامس عشر، وقد ازدهرت بأفريقيا حتى ١٨٥٠م
٣ - الطريقة التيجانية: مؤسسها أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار، وهو فقيه مغربى ولد ١١٥٠هـ ١٧٣٧م وقد اتخذ من فاس مقرا له، وأطلق على مريديه الأحباب.
٤ - الطريقة الخلوتية: وتنسب إلى كريم الدين الخلوتى المصرى وقد توفى ١٥٧٨م وعنها خرجت الطريقة التيجانية.
(هيئة التحرير)
١ـ عوارف المعارف للسهروردى ص ٦٥.
٢ - شفاء السائل لتهذيب المسائل لابن خلدون ص ٨٧.
٣ - إحياء علوم الدين للغزالى ص ١٩٨.
٤ - طبقات الصوفية للسلمى ص ١١٥.
٥ - الرسالة القشيري ص ١٢.
стр. 423
٤ - الطريقة المولوية
المولوية طريقة صوفية تنسب إلى مؤسسها مولانا جلال الدين الرومى.
مركزها مدينة "قونية" بتركيا.
مؤسسها هو محمد جلال الدين محمد بن حسين بهاء الدين البلخى القونوى، المولود فى بلخ (من أعمال خراسان) عام ٦٠٤هـ - ١٢٠٧م الذى ينتهى نسبه إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه واشتهر والده بلقب سلطان العلماء، عاش مولانا جلال الدين عهد اضطرابات وحروب من فتنة جنكيز خان حتى الحروب الصليبية، وما صاحب ذلك من مظاهر القتل والتخريب ومن جانب آخر ظهرت عدة فرق ومذاهب مختلفة مثل المعتزلة، والمشبهة، والمرجئة والخوارج، فرأى مولانا ضرورة ظهور دعوة تهدف إلى الحفاظ على الإسلام فى النفوس، وحث المسلمين على التماسك والحفاظ على وحدتهم، ومن هنا ظهرت الطريقة المولوية، خاصة وأن مولانا كان قد تتلمذ على يد العارف العالم "شمس الدين التبريزى" الذى حول مسار مولانا جلال من علم القال إلى علم الحال والخلوة والذكر قام شمس الدين تبريزى بتدريب مولانا جلال على أصول التوحيد الصوفى مع الاحتفاظ بالثقافة الشرعية.
اشتهرت الطريقة المولوية بما يعرف بالرقص الدائرى لمدة ساعات طويلة يدور الراقصون حول مركز الدائرة التى يقف فيها الشيخ، ويندمجون فى مشاعر روحية سامية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحى فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون فى وجد كامل يبعدهم عن العالم المادى ويأخذهم إلى الوجود الإلهى كما يرون.
اشتهرت الطريقة المولوية بالنغم الموسيقى عن طريق الناى، وكان مولانا يرى فيه وسيلة للجذب الإلهى، ويعتبره أكثر الآلآت الموسيقية ارتباطا بعازفه، ويشبه انينه بأنين الإنسان للحنين إلى الرجوع إلى أصله السماوى فى عالم الأزل.
كان آخر ملهم لمولانا جلال مؤسس المولوية مريده وتلميذه "حسام الدين جلبى" الذى أحبه مولانا كثيرا ووصفه بأنه مفتاح خزائن الفرس، "وبايزيد الوقت، وجنيد الزمان "، ووصفه أنه نوره (أى نور مولانا)، وبصره، وسنده، ومعتمده.
اشتهرت المولوية بكتاب المثنوى الذى ألفه مولانا، بناء على طلب مريده حسام الدين وكان أشهر كتبه على الإطلاق، واشتهرت الطريقة المولوية بتسامحها الواضح مع أهل الذمة ومع غير المسلمين أيا كان معتقدهم وعرقهم كما يقول: عرق كنت كرديا أو روميا أو تركيا لابد أن تتعلم لغة من لغة لهم وقوله "إن كنت مؤمنا أو كافرا .. بوذيا أو مجوسيا .. فتعالى أكينا".
وعندما توفى مولانا فى ديسمبر عام ١٢٧٣م شيعه مريدوه فى الطريقة من كل جنس وملة ودين، وكان الحاخامات يقرؤون التوراة والمسيحيون يقرؤون الإنجيل جنبا إلى جنب مع المسلمين دفن مولانا جلال فى مسجده المسمى بالقبة الخضراء فى قونية بجوار والده بهاء الدين.
ويعد كتاب المثنوى أشهر أعمال مولانا جلال الدين مؤسس المولوية، وهو كتابا شعرى يضم ٢٦ الف بيت شعر مزدوج ويشتمل على٢٧٥ قصة وكلها مستقاة من القرآن الكريم وقصص الأنبياء ويعض قصص ألف ليلة وليلة وبعض نوادر جحا وطبعت فى ستة أجزاء.
يصف مولانا جلال كتابه المثنوى بأنه إلهام ربانى، وفتح روحانى من معانى الكتاب والسنة كتب المثنوى بالفارسية وترجم إلى عدة لغات منها العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية.
وظهر فى المولوية مدى تأثر مولانا جلال الدين مؤسس المولوية بالعديد من كبار المتصوفين أمثال الغزالى، محى الدين بن عربى، شهاب الدين السهروردى، وفريد الدين العطار، ويحيى بن معاذ، وأبو يزيد البسطامى، والحلاج، والشبلى وإبراهيم بن أدهم وغيرهم.
أثرمولانا جلال الدين أيضا فى علماء كثيرين، مثل كمال الدين الخوارزمى وإسماعيل الأنقروى، وعبد العلى محمد بن نظام، وعبدالعزيز آل جواهر، والشاعر إقبال، وغيرهم. كما أثر فى العديد من المستشرقين أمثال جورج روزن الألمانى، وسير جيمس رد هاوس الانجليزى، ورينولد نيكلسون الإنجليزى أيضا.
من أشهر العلماء المعاصرين لجلال الدين العالم أوحد الدين الكرمانى، وبهاء الدين زكريا، نجم الدين الرازى، ومحي الدين بن عربى، وصدر الدين القونوى، وأبو الحسن الشاذلى، وعزيز الدين النسفى.
لقيت المولوية عناية فائقة من علماء المسلمين والمستشرقين، وذلك لجمع مؤسسها بين الصوفية والشريعة متمشيا مع القرآن والسنة.
خلف مولانا جلال فى الطريقة حسام الدين جلبى الذى نصبه رسميا قبل وفاته بإحدى عشرة سنة.
اتخذت الطريقة الشكل المتماسك بفضل الحلقات التى كان يقيمها مولانا لمريديه وتلاميذه. ومن خلال الطريقة كان مولانا يهاجم الأراء الفلسفية المتناقضة مع الإسلام وكانت استدلالاته جميعها مستقاة من القرآن والسنة.
لاتزال الطريقة المولوية مستمرة حتى يومنا هذا فى مركزها الرئيسى فى قونية. ويوجد لها مراكز أخرى فى استنابول، وغاليبولى، وحلب، ورغم منع الحكومة التركية كل مظاهر التصوف إلا أن الجهات الرسمية فى تركيا تستخدم مراسم المولوية كجزء من الفولكلور التركى.
ويحضر جلسات ذكر المولوية كل من يريد من كل الأجناس ومع كل الأديان ويلقى الجميع تسامحا ملحوظا من المولويين.
أ. د/هدى درويش
стр. 424
٥ - الطفولة
لغة: يطلق الطفل على المولود مطلقا. واصطلاحا: هى المرحلة التى لم يبلغ فيها الطفل قدرة الاكتفاء الذاتى بنفسه من حيث البلوغ والنضح العقلى.
وقد اختلف فى تحديد هذه المرحلة، وإن كان قد اتفق على بدايتها، فهى تبدأ بمرحلة ما قبل ميلاد الطفل، وهو لم يزل بعد جنينا، ثم مرحلة الطفولة المبكرة وتمتد حتى نهاية السنة الخامسة من العمر وقيل: السادسة أو السابعة على الأكثر. وهناك من قصرها حتى الثالثة.
تتم مرحلة الدراسة المبكرة من سن خمس سنوات إلى الحادية عشرة أو الثانية عشرة.
ثم مرحلة الدراسة من سن الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة ثم مرحلة الشباب المبكر من الرابعة عشرة إلى السابعة عشرة أو الثامنة عشرة.
ويضيف الدكتور مسعد عويس إلى ما سبق مرحلة الحضانة وهى من سن الثالثة إلى سن السادسة حيث يقصر مرحلة الطفولة المبكرة من سن الثالثة.
فى حين تقسم "أنا فرويد" مرحلة الطفولة إلى ثلاثة أقسام:
١ - مرحلة الطفولة المبكرة والتى تمتد حتى نهاية السنة الخامسة من العمر.
٢ - مرحلة الكمون وتستمر إلى أوائل دور المراهقة أى نحو الحادية عشرة أو الثالثة عشرة.
٣ - مرحلة البلوغ والتى تمتد إلى حياة الرشد ..
حقوق الطفل:
ورد ذكر الطفل فى القرآن الكريم أربع مرات، إلا أن عنايته بالطفل شغلت قسما كبيرا من آياته، فقد اهتم الدين الإسلامى الحنيف بالطفل ووضع له حقوقا منذ أربعة عشر قرنا توفر الرعاية والحماية منذ وجوده فى رحم أمه كما كفل الإسلام للطفل حق الحياة وحق التغذية وحق الحب بكل صوره وأشكاله، وحق العدل فى المعاملة بينه وبين إخوته وحق الحماية من الظلم وحق التعليم وحق التوجيه التربوى والمهنى.
ولعل أول حق قرره الإسلام للطفل هو حق الوجود بقول تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ (الأنعام ١٥١) وكتب الخسران على من قتل ولده ﴿قد خسر الذين قتلوا أولإدهم سفها بغير علم﴾ (الأنعام ١٤٠). وهذا الحق كفله الإسلام أيضا لأطفال المشركين فى حالة الحرب فنهى عن قتل النساء والأطفال.
كما كفل الإسلام حق الطفل فى التسمية، وفى الوضح الإجتماعى بأن تكون له أسرة مستقلة. هذا ولم يترك الإسلام حقا للطفل إلا وأكد عليه. كحقه فى الرضاعة يقول تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (البقرة ٢٣٣).
كما قرر الإسلام كيفية معاملة الطفل بحب ورعاية، والعدل فى معاملة الأبناء والمساواة بينهم فى الحقوق من ذلك ما روى عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا بستانا أو قال حائطا كان لى، فقال: رسوله الله ﷺ : أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : فارجعه (رواه مسلم).
وشملت حقوق الطفل فى الإسلام والحرية واللعب لما فى ذلك من أثر فى بناء ونضج الطفل اجتماعيا واتزانه انفعاليا وتنشيطه ذهنيا كما أنه وسيلة للتعلم.
كذلك حق الأمن مطلقا وبخاصة فى أسرته كأول حصن له فلا يكون مسرحا لنزاع الوالدين وشقاقهما فيكون أداة لكل منهما فى ترسيخ ذلك النزاع مما يعرضة" للخوف والقلق وعدم الأمان يقول تعالى ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ (البقرة ٢٣٣)
ولم يغفل الإسلام كذلك حق الطفل اليتيم بقول تعالى ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ (الضحى ٩).
هذا وقد ساهم علماء المسلمين من خلال القرآن الكريم والسنة وسيرة الصحابة فى وضع برامج متكاملة للتريية ورعاية الطفل فى جميع مراحلها.
من هؤلاء الإمام الغزالى الذى ضمن كتابه:" إحياء علوم الدين" بابا بعنوان: بيان الطريق فى رياضة الصبيان فى أول نشوئهم، ووجه تأديبهم، وتحسين أخلاقهم، وفيه عدة أشياء تجب مراعاتها فى تتشئة الطفل:
١ - تشجيع الأطفال على ممارسة الخلق الجميل والتمتع بالعقل المحمود.
٢ - عدم ذكر أخطاء الأطفال عند حدوث الخطأ فى أول مرة وعند عقابهم فيجب أن يكون فى السر دون العلانية.
٣ - توضيح آثار الأخطاء والاستمرار فيها للأطفال حتى يتجنبوها.
٤ - المحافظة على شعور الأطفال وبخاصة أمام الآخرين واحترام إنسانيتهم.
٥ - أن يكون أسلوب التوجيه فى التطبع الإجتماعى سرا.
٦ - عدم الإكثار من معاتبة الأطفال لأن ذلك يأتى بنتيجة عكسية.
٧ - تعليم الأطفال وتعويدهم على أداء الأعمال علانية دون إخفائها.
٨ - أن يعَّود الأطفال القيام بخدمة أسرتهم وكل جماعة ينتسبون إليها.
٩ - تعليم الأطفال وتشجيعهم على الصدق فى الأقوال والأخلاص فى الأعمال لمرضاة الله .
١٠ - إنماء الاعتزاز بالنفس فى غير غرور مع التواضع.
١١ - تعليم الطفل عدم البصق والتمخط والتثاؤب بحضور الغير والاعتدال فى الكلام وحسن الاستماع.
١٢ - تعليم الطفل إعطاء المحتاجين لما فى العطاء من خير والأخذ من ذل
١٣ - عدم تعويده النوم بالنهار لأنه يورث الكسل.
١٤ - الاهتمام بالتريية الرياضية والترويح عن النفس بعد تعب الدراسة.
١٥ - مراعاة تعليمه آداب الطعام من الأكل بيمينه، وذكر اسم الله وحمده، وأن يأكل مما يليه مع المحافظة على نظافة يديه وثوبه.
١٦ - تعويده لبس ما يناسبه من ثياب، وما يتفق منها وتعاليم الإسلام والأدب العام.
وفى العصر الحديث شرعت القوانين فى البلاد الإسلامية لحماية حقوق الطفل وهى فى مجموعها تستلهم أسسها من القرآن الكريم والسنة والنبوية.
(هيئة التحرير)
стр. 425
٦ - الطَّلاق
لغة: الحل ورفع القيد، وأصله: طُلّقت المرأة تطلق فهى طالق بدون هاء، وروى بالهاء طالقة. إذا بانت من زوجها (١).
وشرعا: رفع قيد النكاح فى الحال أو المآل بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه (٢).
والأصل فى الطلاق: أنه ملك الزوج وحده. وقد يقوم به غيره بإنابته، كما فى الوكالة والتفويض، أو بدون إنابة كالقاضى فى بعض الأحوال.
اتفق الفقهاء على أصل مشروعية الطلاق. واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
١ - قوله تعالى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة ٢٢٩).
٢ - قول الرسول ﷺ " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " (٣).
٣ - إجماع المسلمين من زمن النبى ﷺ على مشروعيته.
لكن الفقهاء اختلفوا فى الحكم الأصلى للطلاق: فذهب الجمهور إلى أن الأصل فى الطلاق الإباحة أوقد يخرج عنها فى أحوال، وذهب آخرون إلى أن الأصل فيه الحظر ويخرج عن الحظر فى أحوال، على كل فالفقهاء متفقون فى النهاية على أنه تعترية الأحكام الخمسة فيكون
واجبا أو مندوبا أو مباحا كما يكون مكروها أو حراما.
وذلك بحسب الظروف والأحوال على ما يلى:
١ - فيكون واجبا كالُمولى إذا أبى الفيئة إلى زوجته بعد والتربص على مذهب الجمهور. ولقوله تعالى: ﴿للذين يؤلونَ من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ (البقرة ٢٢٦).
أما الحنفية: فإنهم يوقعون الفرقة بانتهاء المدة حكمًا، وكطلاق الحكمين فى الشقاق إذا تعذر عليهما التوفيق بيت الزوجين ورأيا الطلاق، عند من يقول بالتفريق لذلك.
٢ - ويكون مندوبا إليه إذا فرطت الزوجة فى حقوق الله الواجبة عليها، مثل الصلاة ونحوها، وكذلك يندب الطلاق للزوج إذا طلبت زوجته ذلك للشقاق.
٣ - ويكون مباحا عند الحاجة إليه لدفع سوء خلق المرأة وسوء عشرتها، أو لأنه لا يحبها.
٤ - ويكون مكروها إذا لم يكن ثمة داع إليه مما تقدم، وقيل: هو حرام فى هذه الحالة، لما فيه من الإضرار بالزوجة من غير داع إليه.
٥ - ويكون حراما وهو الطلاق فى الحيض، أو فى طهر جامعها فيه وهو الطلاق البدعى.
حكمة تشريع الطلاق: ما قد يوجد فى حياة الزوجين الهانئين ما يثير بينهما القلاقل والشقاق كمرض أحدهما أو عجزه، وربما كان ذلك بسبب عناصر خارجة عن الزوجين أصلا كالأهل والجيران، وربما كان سبب ذلك انصراف القلب وتغيره، فيبدأ بنصح الزوجين وارشادهما إلى الصبر والاحتمال، وبخاصة إذا كان التقصير من الزوجة.
قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ (النساء١٩)
إلا أن هذا الصبر قد لا يتيسر للزوجين آو لا يستطيعانه، فربما كانت أسباب الشقاق فوق الاحتمال، فإما أن يأمر الشرع بالإبقاء على الزوجية مع استمرار الشقاق الذى قد يتضاعف وينتج عنه فتنة، أو جريمة، أو تقصير فى حقوق الله تعالى، أو على الأقل تفويت الحكمة التى من أجلها شرع النكاح، وهى المودة والآلفة والنسل الصالح، وإما أن يأذن بالطلاق والفراق، وهو ما اتجه إليه التشريع الإسلامى، وبذلك علم أن الطلاق قد يتمحض طريقا لإنهاء الشقاق والخلاف بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما﴾ (النساء١٣٠).
أ. د/ مصطفى الشكعة