← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٢ - الطَّبَقات لغة: الطَّبَقة جمعها الطَّبَقات من المصدر طبقه الذى تؤول أكثر معانيه إلى تماثل شيئين إذا وضع أحدهما على الآخر ساواه وكانا على حذوٍ واحد، فقيل منه "تطابق الشيئان " إذا تساويا وتماثلا. واصطلاحا: تقسيم إسلامى أصيل، وهو قد يبدو أقدم تقسيم زمنى وُجِدَ فى التفكير التاريخى الإسلامى. ولم يكن هذا التقسيم نتيجة مؤثرات خارجية ولكنه جاء نتيجة طبيعية لفكرة صحابة رسول الله ﷺ فالتابعين .. إلخ التى تطَّورت فى أوائل القرن الثانى الهجرى بالارتباط بنقد علم الحديث للإسناد (الجرح والتعديل). يؤيد ذلك حديث أورده البخارى نصه "خيرأمتى قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ". ويظهر هذا المفهوم بوضوح فى كتب الإمام ابن حبان البُستىّ المتوفى سنة ٣٥٤ هـ/ ٩٦٥ م حيث قَسَّم الرواة فى كتابيه "الَّثقات " و "مشاهير علماء الأمصار" إلى ثلاث طبقات، هم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، فصارت الطبقة هنا تعنى جيلا. واخترع المحدثون التنظيم على الطبقات لخدمة دراسة الحديث النبوى الشريف ومعرفة إسناد الحديث ونقده، فهو الذى يؤدى إلى معرفة ما إذا كان الحديث متصلا، أو ما فى السند من إرسال أو انقطاع، أو عضل أو تدليس، أو اتفاق فى الأسماء مع اختلاف فى الطبقة. وأول الكتب التى وصلت إلينا فى هذا الفن هى كتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد كاتب الواقدى المتوفى سنة ٢٣٠ هـ/٨٤٥ م، وكتاب "الطبقات " لخليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م، ويمثل هذان الكتابان تطوراً هاما فى الكتابة التاريخية، وإن كانا يبينان لنا أنها لم تزل مرتبطة ارتباطا وثيقا بعلم الحديث، خاصة وأن موادهما جمعت فى المقام الأول بغرض نقد الحديث. ولكن كتاب ابن سعد سبقه مؤلفات أخرى لم تصل إلينا مثل: " طبقات أهل العلم والجهل " لواصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١هـ/٧٤٨ م و" طبقات الفقهاء والمحدثين " و "كتاب من روى عن النبى وأصحابه " للهيثم ابن عدىّ المتوفى سنة ٢٠٧ هـ/٨٢٣ م و "الطبقات" للواقدى. وقد تأثر بهذا النوع من التأليف نقاد الأدب، فكتب محمد بن سلام الجُمَحى كتابه "طبقات فحول الشعراء" ولكنه لم يقصد المعنى الذى يتبادر إلى الأذهان وإنما عنى بلفظ "طَبَقة" المذهب والمنهج " خاصة وأن من المعانى المختلفة لكلمة " طبقة " فى لسان العرب " الأحوال والمذاهب "، أى أنه قسمَّ الشعراء فى كتابه عشرة مذاهب أو عشرة مناهج من مذاهب الشعر ومناهجه. وهكذا كانت بواكير التأليف فى فن الطبقات والتراجم كتب طبقات علماء الحديث، ثم أخذت فى الظهور كتب طبقات الفقهاء والشعراء والكتاب والوزراء والأطباء والحكماء والفلاسفة … إلخ. ويُعد كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١م أول كتاب فى التراجم جمع جميع هذه الفروع معا، رغم اهتمامه فى الأساس بالترجمة لرجال الحديث. أما أول كتاب حرص مؤلفه على الترجمة لمجموعات مختلفة من الشخصيات الهامة التى لعبت دوراً بارزاً فى مختلف مجالات الأنشطة العلمية فى كل أنحاء العالم الإسلامى فكتاب "وفيات الأعيان " لابن خلَّكان المتوفى فى سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢م، وإن كنا نجد أساس هذا النوع من التراجم فى النمط الجديد لكتابة الحوليات الذى بدأه أبو الفرج بن الجوزىّ المتوفى سنة ٥٩٧ هـ/ ١٢٠١م عندما ألحق فى نهاية ذكره للحوادث التاريخية فى كل عام فى كتابه "المنتظم " تراجم من مات فى هذه السنة على اختلاف تخصصاتهم، وقد استمر هذا النوع من كتابة التراجم على النظام الحَولى وخاصة عند زكى الدين المنذرى المتوفى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨م فى كتابه "التكملة لوفيات النَّقَلَة"وعند الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨ هـ/١٣٤٧م فى كتابه "تاريخ الإسلام " و "العبر فى خير من عبر" و "سير أعلام النبلاء". وابتداء من القرن الثامن أخذ المؤلفون فى ترتيب الوفيات على القرون وتخصيص مؤلفات لوفيات كل قرن مرتبة على حروف المعجم، كان أسبقهم أبو شامة المقدسى المتوفى سنة ٦٦٥هـ /١٢٦٧م بكتابه "الذيل على الروضتين " أو " تراجم رجال القرنين السادس والسابع "، ثم تبعه ابن حجر العسقلانى بكتابه "الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة " وشمس الدين السخاوى بكتابه "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع " .. وكان المؤهل الرئيسى لإدراج اسم شخص فى كتب الطبقات والتراجم هو مدى إسهامه فى أحد المظاهر الثقافية أو الفكرية المختلفة للمجتمع الإسلامى، على أن من أكبر عيوب التنظيم على الطبقات صعوبة العثور على الترجمة لغير المتمرسين بهذا الفن تمرسًا جيدا، فضلا عن عدم وجود تقسيم موحد للطبقة عند المؤلفين. ولكن عندما توفرت للمؤلفين مادة كافية لضبط تاريخ المواليد والوفيات إزداد عدد المؤلفين الذين ينظمون كتبهم الرجالية على الوفيات (الوفيات لابن رافع السلامى وشذرات الذهب لابن العماد) وإن أصبح الترتيب على حروف المعجم هو الأكثر شيوعا مثل "الوافى بالوفيات " للصفدى المتوفى سنة ٧٦٣ هـ ومؤلفات ابن حجر والسخاوى السابق الإشارة إليها. وفى فترة انتشار كتب "الطبقات " شمل هذا النوع جميع الفنون والعلوم (الأطباء، والفقهاء، والقراء، والنحويين، واللغويين، والمفسرين، والأدباء، والشعراء)، وإذ اكانت "الطبقات الكبرى" لابن سعد هى أول ما وصل إلينا من هذا النوع من المشرق الإسلامى، فإن كتاب "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جلجل الأندلسى المتوفى بعد سنة ٣٧٧ هـ/٩٨٤ م هو أول كتاب وصل إلينا فى هذا الموضوع من المغرب الإسلامى. وعادة ماتفيدنا هذه النوعية من الكتب فى التعرف على بدايات كل فن أو علم منها وتطوره من خلال دراسة رجاله وما أضافوه لهذا العلم أو الفن، فكتب التراجم والطبقات هى السجل الحافل للأنشطة الثقافية والدينية والعلمية للأمة الإسلامية، بالإضافة إلى ما تمدنا به من معلومات عن الحياتين الاقتصادية والاجتماعية من خلال العلاقات التى نستخرجها من مادة هذه التراجم. وأحصى لنا حاجى خليفة فى كتابه "كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون " أسماء الكتب المؤلفة فى فن الطبقات. د/ أيمن فؤاد سيد

стр. 422

٣ - الطرق الصوفية لغة: الطرق جمع طريق وهو السبيل، وطريقة الرّجُل: مذهبه. يقال: مازال فلان على طريقة واحدة أى على حالة واحدة، والطريقة الحال. والصوفية: نسبة إلى الصوف، وهو للغنم كالشعر للمعز والوبر للإبل. واصطلاحا: طرق مخصوصة ووسائل منتخبة فى السلوك، تشتمل على مجموعة قواعد ورسوم مقصودة ينشدها السالك ويستهدفها فى رياضته بما يؤدى إلى تصفية قلبه وتحصيل صفات الكمال والقوى الروحية للوصول إلى معرفة الله تعالى. "وقد اختلف العلماء فى تعريف الصوفى، ويذكر السهروردى ضابطا يجمع جل معانيها، فيقول الصوفى هو الذى يكون دائم التصفية، لا يزال يصفى الأوقات عن شوب الأكدار: بتصفية القلب عن شوب النفس، ويعينه على كل هذه التصفية دوام الافتقار إلى مولاه، فبدوام الافتقار ينقى من الكدر، وكلما تحركت نفسه وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه " (١). وتتخذ الطرق الصوفية صورا شتى: فإما أن تكون فردية أو تتخذ صورة الأخوة الدينية، أو تتخذ صورة التقليد والتبعية الصارمة للشيخ الهادى أو الأستاذ المرشد أو صورة المنهج المبتكر والتأمل الذاتى والتجربة الشخصية المستقلة، وتختلف هذه الصور تبعا لمقدار ثقافة السالك ونضجه واستعداداته النفسية، فكما يقول ابن خلدون: إن "الطرق إلى الله تعالى عدد أنفاس الخلائق وإن كل واحد فى نفسه طريق، فكل سالك يليق به من التربية ما لايليق بغيره، والواردات والمواهب، والعلوم والإلقاءات والعوارض فى السلوك تختلف بحسب الأشخاص والأحوال والبدايات والنهايات والقوة والضعف، وسبيل سلوكهم غير متفق " (٢). إلا أن سبيل الوصول عند القوم في عمومه واحد، وهو "العلم بكيفية تطهير القلب من الخبائث والمكدرات، بالكف عن الشهوات، وإخماد القوى البشرية بقطع جميع العلائق البدنية، والاقتداء بالأنبياء صلوات الله عليهم- فى جميع أحوالهم، فبقدر ما يتجلى من القلب ويحاذى به شطر الحق تتلألأ فيه حقائق الوجود" (٣). وهذه هى الرياضة والمجاهدات. والصوفى السالك وهو فى طريقه إلى التماس الحقيقة لابد أن يتخذ لنفسه هاديا، شيخا أو مرشدا، قد خبر المجاهدات، وقطع بها طريق الله، وتجلت له الأنوار، فهو يعرف أحوالها ويدرج المريد فى عقباتها حتى تتاح له الرحمة الربانية، ويحصل له الكشف والاطلاع. وهذه التبعية من السالك للشيخ أمر لازم عند الصوفية: لأن النقل وحده لايفضى بالسالك إلى مطلوبه، لأن مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المتعارف من العلوم الكسبية والصنائع، وإنما من مدارك وجدانية إلهامية، فلا يدرك تمييزها بالمعارف الكسبية بل تحتاج إلى الشيخ الذى يميزها بالعيان والشفاه. ولكل طريق من هذه الطرق مقاماته يتدرج فيها السالك وكذا الأحوال النفسية المصاحبة لها، وتتفاوت الطرق فى ذكر المقامات ووصف الأحوال، وقد كانت فى بداية النمو الداخلى لحركة التصوف بسيطة فقد عدها الجنيد البغدادى أربعة مقامات وهى اتوبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات، ومراقبة الله فى خواطر القلوب. وعدها الطوسى سبعة مقامات وهى التوبة والورع، والزهدُ والفقر، والصبر والتوكل والرضا، وجعل الأحوال عشرة، وهى المراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والأنس والطمأنينة والمشاهدة واليقين. فى حين إن هذه المقامات والأحوال سرعان ما تضاعفت عند غيرهم حتى وصلت إلى مائة مقام، وروى أن بعض الشيوخ ذكروا لها ألف حالة. وقد انعقد إجماع شيوخ الصوفية على ضرورة التزام المريد المطلق فى أثناء رياضته بأحكام الشريعة الظاهرة، والعمل بالتكاليف الدينية المكتوبة فقالوا: الطرق إلى الله تعالى كثيرة، وأصح الطرق وأعمرها وأبعدها عن الشبه اتباع القرآن والسنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية. وكان الجنيد يقول: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا لمن اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته (٤). وادعى بعض المنتسبين إلى الصوفية إسقاط التكاليف الدينية والتنكر لها، إلا أنهم قوبلوا بالرفض المطلق من شيوخ الصوفية، فكان التسترى يقول " أصول طريقتنا سبعة: التمسك بالكتاب والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصى، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق " (٥). وقد كان للطرق الصوفية دور مهم فى نشر الإسلام، خاصة بأفريقيا، ومن هذه الطرق: ١ - الطريقة القادرية: ومؤسسها الشيخ عبدالقادر الجيلانى، والذى ولد بجيلان ٤٨٨ هـ ١٠٩٥م، وقد انتشرت طريقته فى العراق واليمن والصومال والهند وتركيا ومصر والمغرب. ٢ - الطريقة البكائية: وهى من الطرق التى تفرعت عن الطريقة القادرية، ومؤسسها أحمد البكاى فى نهاية القرن الخامس عشر، وقد ازدهرت بأفريقيا حتى ١٨٥٠م ٣ - الطريقة التيجانية: مؤسسها أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار، وهو فقيه مغربى ولد ١١٥٠هـ ١٧٣٧م وقد اتخذ من فاس مقرا له، وأطلق على مريديه الأحباب. ٤ - الطريقة الخلوتية: وتنسب إلى كريم الدين الخلوتى المصرى وقد توفى ١٥٧٨م وعنها خرجت الطريقة التيجانية. (هيئة التحرير) ١ـ عوارف المعارف للسهروردى ص ٦٥. ٢ - شفاء السائل لتهذيب المسائل لابن خلدون ص ٨٧. ٣ - إحياء علوم الدين للغزالى ص ١٩٨. ٤ - طبقات الصوفية للسلمى ص ١١٥. ٥ - الرسالة القشيري ص ١٢.

стр. 423

٤ - الطريقة المولوية المولوية طريقة صوفية تنسب إلى مؤسسها مولانا جلال الدين الرومى. مركزها مدينة "قونية" بتركيا. مؤسسها هو محمد جلال الدين محمد بن حسين بهاء الدين البلخى القونوى، المولود فى بلخ (من أعمال خراسان) عام ٦٠٤هـ - ١٢٠٧م الذى ينتهى نسبه إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه واشتهر والده بلقب سلطان العلماء، عاش مولانا جلال الدين عهد اضطرابات وحروب من فتنة جنكيز خان حتى الحروب الصليبية، وما صاحب ذلك من مظاهر القتل والتخريب ومن جانب آخر ظهرت عدة فرق ومذاهب مختلفة مثل المعتزلة، والمشبهة، والمرجئة والخوارج، فرأى مولانا ضرورة ظهور دعوة تهدف إلى الحفاظ على الإسلام فى النفوس، وحث المسلمين على التماسك والحفاظ على وحدتهم، ومن هنا ظهرت الطريقة المولوية، خاصة وأن مولانا كان قد تتلمذ على يد العارف العالم "شمس الدين التبريزى" الذى حول مسار مولانا جلال من علم القال إلى علم الحال والخلوة والذكر قام شمس الدين تبريزى بتدريب مولانا جلال على أصول التوحيد الصوفى مع الاحتفاظ بالثقافة الشرعية. اشتهرت الطريقة المولوية بما يعرف بالرقص الدائرى لمدة ساعات طويلة يدور الراقصون حول مركز الدائرة التى يقف فيها الشيخ، ويندمجون فى مشاعر روحية سامية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحى فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون فى وجد كامل يبعدهم عن العالم المادى ويأخذهم إلى الوجود الإلهى كما يرون. اشتهرت الطريقة المولوية بالنغم الموسيقى عن طريق الناى، وكان مولانا يرى فيه وسيلة للجذب الإلهى، ويعتبره أكثر الآلآت الموسيقية ارتباطا بعازفه، ويشبه انينه بأنين الإنسان للحنين إلى الرجوع إلى أصله السماوى فى عالم الأزل. كان آخر ملهم لمولانا جلال مؤسس المولوية مريده وتلميذه "حسام الدين جلبى" الذى أحبه مولانا كثيرا ووصفه بأنه مفتاح خزائن الفرس، "وبايزيد الوقت، وجنيد الزمان "، ووصفه أنه نوره (أى نور مولانا)، وبصره، وسنده، ومعتمده. اشتهرت المولوية بكتاب المثنوى الذى ألفه مولانا، بناء على طلب مريده حسام الدين وكان أشهر كتبه على الإطلاق، واشتهرت الطريقة المولوية بتسامحها الواضح مع أهل الذمة ومع غير المسلمين أيا كان معتقدهم وعرقهم كما يقول: عرق كنت كرديا أو روميا أو تركيا لابد أن تتعلم لغة من لغة لهم وقوله "إن كنت مؤمنا أو كافرا .. بوذيا أو مجوسيا .. فتعالى أكينا". وعندما توفى مولانا فى ديسمبر عام ١٢٧٣م شيعه مريدوه فى الطريقة من كل جنس وملة ودين، وكان الحاخامات يقرؤون التوراة والمسيحيون يقرؤون الإنجيل جنبا إلى جنب مع المسلمين دفن مولانا جلال فى مسجده المسمى بالقبة الخضراء فى قونية بجوار والده بهاء الدين. ويعد كتاب المثنوى أشهر أعمال مولانا جلال الدين مؤسس المولوية، وهو كتابا شعرى يضم ٢٦ الف بيت شعر مزدوج ويشتمل على٢٧٥ قصة وكلها مستقاة من القرآن الكريم وقصص الأنبياء ويعض قصص ألف ليلة وليلة وبعض نوادر جحا وطبعت فى ستة أجزاء. يصف مولانا جلال كتابه المثنوى بأنه إلهام ربانى، وفتح روحانى من معانى الكتاب والسنة كتب المثنوى بالفارسية وترجم إلى عدة لغات منها العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية. وظهر فى المولوية مدى تأثر مولانا جلال الدين مؤسس المولوية بالعديد من كبار المتصوفين أمثال الغزالى، محى الدين بن عربى، شهاب الدين السهروردى، وفريد الدين العطار، ويحيى بن معاذ، وأبو يزيد البسطامى، والحلاج، والشبلى وإبراهيم بن أدهم وغيرهم. أثرمولانا جلال الدين أيضا فى علماء كثيرين، مثل كمال الدين الخوارزمى وإسماعيل الأنقروى، وعبد العلى محمد بن نظام، وعبدالعزيز آل جواهر، والشاعر إقبال، وغيرهم. كما أثر فى العديد من المستشرقين أمثال جورج روزن الألمانى، وسير جيمس رد هاوس الانجليزى، ورينولد نيكلسون الإنجليزى أيضا. من أشهر العلماء المعاصرين لجلال الدين العالم أوحد الدين الكرمانى، وبهاء الدين زكريا، نجم الدين الرازى، ومحي الدين بن عربى، وصدر الدين القونوى، وأبو الحسن الشاذلى، وعزيز الدين النسفى. لقيت المولوية عناية فائقة من علماء المسلمين والمستشرقين، وذلك لجمع مؤسسها بين الصوفية والشريعة متمشيا مع القرآن والسنة. خلف مولانا جلال فى الطريقة حسام الدين جلبى الذى نصبه رسميا قبل وفاته بإحدى عشرة سنة. اتخذت الطريقة الشكل المتماسك بفضل الحلقات التى كان يقيمها مولانا لمريديه وتلاميذه. ومن خلال الطريقة كان مولانا يهاجم الأراء الفلسفية المتناقضة مع الإسلام وكانت استدلالاته جميعها مستقاة من القرآن والسنة. لاتزال الطريقة المولوية مستمرة حتى يومنا هذا فى مركزها الرئيسى فى قونية. ويوجد لها مراكز أخرى فى استنابول، وغاليبولى، وحلب، ورغم منع الحكومة التركية كل مظاهر التصوف إلا أن الجهات الرسمية فى تركيا تستخدم مراسم المولوية كجزء من الفولكلور التركى. ويحضر جلسات ذكر المولوية كل من يريد من كل الأجناس ومع كل الأديان ويلقى الجميع تسامحا ملحوظا من المولويين. أ. د/هدى درويش

стр. 424

٥ - الطفولة لغة: يطلق الطفل على المولود مطلقا. واصطلاحا: هى المرحلة التى لم يبلغ فيها الطفل قدرة الاكتفاء الذاتى بنفسه من حيث البلوغ والنضح العقلى. وقد اختلف فى تحديد هذه المرحلة، وإن كان قد اتفق على بدايتها، فهى تبدأ بمرحلة ما قبل ميلاد الطفل، وهو لم يزل بعد جنينا، ثم مرحلة الطفولة المبكرة وتمتد حتى نهاية السنة الخامسة من العمر وقيل: السادسة أو السابعة على الأكثر. وهناك من قصرها حتى الثالثة. تتم مرحلة الدراسة المبكرة من سن خمس سنوات إلى الحادية عشرة أو الثانية عشرة. ثم مرحلة الدراسة من سن الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة ثم مرحلة الشباب المبكر من الرابعة عشرة إلى السابعة عشرة أو الثامنة عشرة. ويضيف الدكتور مسعد عويس إلى ما سبق مرحلة الحضانة وهى من سن الثالثة إلى سن السادسة حيث يقصر مرحلة الطفولة المبكرة من سن الثالثة. فى حين تقسم "أنا فرويد" مرحلة الطفولة إلى ثلاثة أقسام: ١ - مرحلة الطفولة المبكرة والتى تمتد حتى نهاية السنة الخامسة من العمر. ٢ - مرحلة الكمون وتستمر إلى أوائل دور المراهقة أى نحو الحادية عشرة أو الثالثة عشرة. ٣ - مرحلة البلوغ والتى تمتد إلى حياة الرشد .. حقوق الطفل: ورد ذكر الطفل فى القرآن الكريم أربع مرات، إلا أن عنايته بالطفل شغلت قسما كبيرا من آياته، فقد اهتم الدين الإسلامى الحنيف بالطفل ووضع له حقوقا منذ أربعة عشر قرنا توفر الرعاية والحماية منذ وجوده فى رحم أمه كما كفل الإسلام للطفل حق الحياة وحق التغذية وحق الحب بكل صوره وأشكاله، وحق العدل فى المعاملة بينه وبين إخوته وحق الحماية من الظلم وحق التعليم وحق التوجيه التربوى والمهنى. ولعل أول حق قرره الإسلام للطفل هو حق الوجود بقول تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ (الأنعام ١٥١) وكتب الخسران على من قتل ولده ﴿قد خسر الذين قتلوا أولإدهم سفها بغير علم﴾ (الأنعام ١٤٠). وهذا الحق كفله الإسلام أيضا لأطفال المشركين فى حالة الحرب فنهى عن قتل النساء والأطفال. كما كفل الإسلام حق الطفل فى التسمية، وفى الوضح الإجتماعى بأن تكون له أسرة مستقلة. هذا ولم يترك الإسلام حقا للطفل إلا وأكد عليه. كحقه فى الرضاعة يقول تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (البقرة ٢٣٣). كما قرر الإسلام كيفية معاملة الطفل بحب ورعاية، والعدل فى معاملة الأبناء والمساواة بينهم فى الحقوق من ذلك ما روى عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول ﷺ فقال: إنى نحلت ابنى هذا بستانا أو قال حائطا كان لى، فقال: رسوله الله ﷺ : أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : فارجعه (رواه مسلم). وشملت حقوق الطفل فى الإسلام والحرية واللعب لما فى ذلك من أثر فى بناء ونضج الطفل اجتماعيا واتزانه انفعاليا وتنشيطه ذهنيا كما أنه وسيلة للتعلم. كذلك حق الأمن مطلقا وبخاصة فى أسرته كأول حصن له فلا يكون مسرحا لنزاع الوالدين وشقاقهما فيكون أداة لكل منهما فى ترسيخ ذلك النزاع مما يعرضة" للخوف والقلق وعدم الأمان يقول تعالى ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ (البقرة ٢٣٣) ولم يغفل الإسلام كذلك حق الطفل اليتيم بقول تعالى ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ (الضحى ٩). هذا وقد ساهم علماء المسلمين من خلال القرآن الكريم والسنة وسيرة الصحابة فى وضع برامج متكاملة للتريية ورعاية الطفل فى جميع مراحلها. من هؤلاء الإمام الغزالى الذى ضمن كتابه:" إحياء علوم الدين" بابا بعنوان: بيان الطريق فى رياضة الصبيان فى أول نشوئهم، ووجه تأديبهم، وتحسين أخلاقهم، وفيه عدة أشياء تجب مراعاتها فى تتشئة الطفل: ١ - تشجيع الأطفال على ممارسة الخلق الجميل والتمتع بالعقل المحمود. ٢ - عدم ذكر أخطاء الأطفال عند حدوث الخطأ فى أول مرة وعند عقابهم فيجب أن يكون فى السر دون العلانية. ٣ - توضيح آثار الأخطاء والاستمرار فيها للأطفال حتى يتجنبوها. ٤ - المحافظة على شعور الأطفال وبخاصة أمام الآخرين واحترام إنسانيتهم. ٥ - أن يكون أسلوب التوجيه فى التطبع الإجتماعى سرا. ٦ - عدم الإكثار من معاتبة الأطفال لأن ذلك يأتى بنتيجة عكسية. ٧ - تعليم الأطفال وتعويدهم على أداء الأعمال علانية دون إخفائها. ٨ - أن يعَّود الأطفال القيام بخدمة أسرتهم وكل جماعة ينتسبون إليها. ٩ - تعليم الأطفال وتشجيعهم على الصدق فى الأقوال والأخلاص فى الأعمال لمرضاة الله . ١٠ - إنماء الاعتزاز بالنفس فى غير غرور مع التواضع. ١١ - تعليم الطفل عدم البصق والتمخط والتثاؤب بحضور الغير والاعتدال فى الكلام وحسن الاستماع. ١٢ - تعليم الطفل إعطاء المحتاجين لما فى العطاء من خير والأخذ من ذل ١٣ - عدم تعويده النوم بالنهار لأنه يورث الكسل. ١٤ - الاهتمام بالتريية الرياضية والترويح عن النفس بعد تعب الدراسة. ١٥ - مراعاة تعليمه آداب الطعام من الأكل بيمينه، وذكر اسم الله وحمده، وأن يأكل مما يليه مع المحافظة على نظافة يديه وثوبه. ١٦ - تعويده لبس ما يناسبه من ثياب، وما يتفق منها وتعاليم الإسلام والأدب العام. وفى العصر الحديث شرعت القوانين فى البلاد الإسلامية لحماية حقوق الطفل وهى فى مجموعها تستلهم أسسها من القرآن الكريم والسنة والنبوية. (هيئة التحرير)

стр. 425

٦ - الطَّلاق لغة: الحل ورفع القيد، وأصله: طُلّقت المرأة تطلق فهى طالق بدون هاء، وروى بالهاء طالقة. إذا بانت من زوجها (١). وشرعا: رفع قيد النكاح فى الحال أو المآل بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه (٢). والأصل فى الطلاق: أنه ملك الزوج وحده. وقد يقوم به غيره بإنابته، كما فى الوكالة والتفويض، أو بدون إنابة كالقاضى فى بعض الأحوال. اتفق الفقهاء على أصل مشروعية الطلاق. واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: ١ - قوله تعالى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة ٢٢٩). ٢ - قول الرسول ﷺ " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " (٣). ٣ - إجماع المسلمين من زمن النبى ﷺ على مشروعيته. لكن الفقهاء اختلفوا فى الحكم الأصلى للطلاق: فذهب الجمهور إلى أن الأصل فى الطلاق الإباحة أوقد يخرج عنها فى أحوال، وذهب آخرون إلى أن الأصل فيه الحظر ويخرج عن الحظر فى أحوال، على كل فالفقهاء متفقون فى النهاية على أنه تعترية الأحكام الخمسة فيكون واجبا أو مندوبا أو مباحا كما يكون مكروها أو حراما. وذلك بحسب الظروف والأحوال على ما يلى: ١ - فيكون واجبا كالُمولى إذا أبى الفيئة إلى زوجته بعد والتربص على مذهب الجمهور. ولقوله تعالى: ﴿للذين يؤلونَ من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ (البقرة ٢٢٦). أما الحنفية: فإنهم يوقعون الفرقة بانتهاء المدة حكمًا، وكطلاق الحكمين فى الشقاق إذا تعذر عليهما التوفيق بيت الزوجين ورأيا الطلاق، عند من يقول بالتفريق لذلك. ٢ - ويكون مندوبا إليه إذا فرطت الزوجة فى حقوق الله الواجبة عليها، مثل الصلاة ونحوها، وكذلك يندب الطلاق للزوج إذا طلبت زوجته ذلك للشقاق. ٣ - ويكون مباحا عند الحاجة إليه لدفع سوء خلق المرأة وسوء عشرتها، أو لأنه لا يحبها. ٤ - ويكون مكروها إذا لم يكن ثمة داع إليه مما تقدم، وقيل: هو حرام فى هذه الحالة، لما فيه من الإضرار بالزوجة من غير داع إليه. ٥ - ويكون حراما وهو الطلاق فى الحيض، أو فى طهر جامعها فيه وهو الطلاق البدعى. حكمة تشريع الطلاق: ما قد يوجد فى حياة الزوجين الهانئين ما يثير بينهما القلاقل والشقاق كمرض أحدهما أو عجزه، وربما كان ذلك بسبب عناصر خارجة عن الزوجين أصلا كالأهل والجيران، وربما كان سبب ذلك انصراف القلب وتغيره، فيبدأ بنصح الزوجين وارشادهما إلى الصبر والاحتمال، وبخاصة إذا كان التقصير من الزوجة. قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ (النساء١٩) إلا أن هذا الصبر قد لا يتيسر للزوجين آو لا يستطيعانه، فربما كانت أسباب الشقاق فوق الاحتمال، فإما أن يأمر الشرع بالإبقاء على الزوجية مع استمرار الشقاق الذى قد يتضاعف وينتج عنه فتنة، أو جريمة، أو تقصير فى حقوق الله تعالى، أو على الأقل تفويت الحكمة التى من أجلها شرع النكاح، وهى المودة والآلفة والنسل الصالح، وإما أن يأذن بالطلاق والفراق، وهو ما اتجه إليه التشريع الإسلامى، وبذلك علم أن الطلاق قد يتمحض طريقا لإنهاء الشقاق والخلاف بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما﴾ (النساء١٣٠). أ. د/ مصطفى الشكعة

стр. 426

٧ - طلب العلم من نعم الله على خلقه أنه ميزهم بالعلم. وجعل للإنسان قدرة على التعلم لم يجعلها لأى مخلوق آخر، حتى الملائكة المقربين. والعلم هو الأساس فى تقدم الإنسان ورقيه وبالعلم حقق الإنسان إنجازات بشرية هائلة لم يكن يحلم بها خاصة فى النصف الثانى من القرن العشرين حتى الآن. ولاشك أن الفارق بين مجتمع متقدم وآخر متخلف. هو فرق مهم بين من حاز على أكبر قدر من العلوم، ويسير فى حياته وفقا للمنهج العلمى. ومن لازال يتخبط فى اتباع أى منهج. ومازال يعتمد على الخرافات والأوهام بعيدا عما أعطاه الله له من قدرات لا يريد أن يستخدمها. لذلك فرض الله على خلقه أن يتعلموا. وأعطاهم القدرة منذ خلقهم على هذا التعلم، ووصل العلماء إلى أن التعلم من فروض الكفاية فى المجتمعات الإسلامية. لذا نضج العلم نضوجًا كبيرا فى العصور الوسطى وفى مختلف أرجاء الدولة الاسلامية ولاشك أن علوم الدين لها أهمية كبرى فى الإسلام، لأن "من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين" كما قال رسول الله ﷺ لذا فرض القرآن الكريم على المسلمين تعلم أصول دينهم والاجتهاد لبذل الجهد فى استخراج الأحكام الكلية من أدلتها التفصيلية. بقول : ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (التوبة ١٢٢). كما يعلم الله المسلمين بأن يلجأوا إلى العلماء والفقهاء إن غم عليهم أمر من الأمور. يقول : ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (النساء٨٣). وإذا كانت هذه الآيات تتصل بعلوم الفقه والأصول فإن القرآن الكريم يوجه المسلمين إلى التعمق فى الخلق وشئونه مما يقودهم إلى تعلم العلوم المتصلة بالحياة وبالبيئة وبالكون بشكل عام. يقول : ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت إلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾ (الغاشية ١٧ - ٢٠). أ. د/ جعفر عبد السلام

стр. 427

٨ - الطّهَارة لغة: هى النظافة والخلوص من الأدناس، حسية كانت كالأدنالس أو معنوية كالعيوب، يقال: تطهر بالماء، وهم قوم يتطهرون: أى يتنزهون عن العيب (١). وشرعا: هى عبارة عن غسل أعضاء، مخصوصة بصفة مخصوصة (٢). وعُرّفت أيضا بأنها: زوال حدث أو خبث، أو رفع الحدث، أو إزالة النجس، أو ما فى معناهما أو على صورتهما (٣). وتنقسم الطهارة إلى قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس، أى حكمية وحقيقية. والأولى منهما، وهى الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر شرعت بقوله تعالى ﴿يا آيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ (المائدة ٦). ولقوله ﷺ " لاتقبل صلاة بغير طهور" (٤). والثانية منهما: وهى طهارة الجسد والثوب والمكان الذى يصلى عليه من النجس شرعت بقوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ (المدثر ٤)، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ (المائدة ٦)، وقوله تعالى ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ (البقرة ١٢٥). والطهارة من ذلك كله من شروط صحة الصلاة (٥). وقد اتفق الفقهاء على أن التطهير من النجاسة لا يحتاج إلى نية، فليست النية بشرط فى طهارة الخبث، ويطهر محل النجاسة بغسله بلا نية، لأن الطهارة عن النجاسة من باب التروك فلم تفتقر إلى النية. وقال فى العناية: الماء طهور بطبعه. فإذا لاقى النجسَ طهّره قصدَ المستعمل ذلك أو لا، كالثوب النجس (٦). أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 428

٩ - الطورانية اصطلاحا: تنسب الطورانية إلى هضبة طوران الواقعة فى آسيا الوسطى، حيث كانت تعيش الأقوام التركية قبل نزوحها غربا إلى خراسان وما وراء النهر. وقد قام (ضيا كوك آلب)، الأب الروحى للقوميين الأتراك بنشر منظومته الشهيرة (طوران) سنة ١٩١١م وفيها طرح فكرة الوحدة الطورانية. ومؤداها: "أن وطن الترك ليس الدولة العثمانية أو الأناضول وإنما هو (طوران) ثم دعى إلى الاهتمام برقى العنصر التركى أولا. إذ إن وحدة العنصر هى الباقية: فالدين لم يقض على الفوارق العنصرية. وبعد هزيمة الدولة العثمانية فى حرب طرابلس سنة ١٩١١م وحرب البلقان سنة ١٩١٢م. راجت مثل هذه الدعاوى العنصرية وتبناها السياسيون، فأصبح (ضيا كوك آلب) عضوا بارزا فى الاتحاد والترقى ويبدو أن تبنى جماعة الاتحاد والترقى لهذه النزعة جاء كرد فعل لظهور الدعوة إلى القومية العربية آنذاك فى الشام. حيث ظهرت مؤلفات تدعو إلى القومية منها ما نشره نجيب عاذورى سنة١٣٢٤هـ بعنوان (يقظة الأمة) وما نشره عبد الرحمن الكواكبى بعنوان (أم القرى). وقد تبنى بعض الأتراك فكرة اللامركزية التى اتخذها حزب (الحرية والائتلاف) المعارض شعارا له. وقد أدت هذه الدعوة إلى هزيمة تركيا فى الحرب العالمية الأولى وأدركوا أن مغالاتهم وتطرفهم أدى بدوره إلى وقوعهم فى كثير من الأخطاء السياسية. فراجعوا حساباتهم. وتخلوا عن مواقفهم فى كثير من الأمور منها: ١ - تخلى (ضيا كوك آلب) عن دعوته الطورانية، وظهر ذلك من خلال مقالات كتبها فى مجلة (يكى مجموعة) أى بمعنى: المجلة الجديدة وجاء ذلك رداً على مجلة (تورك يوردى) المغالية فى قوميتها. وقد وضح وجهة نظره التى تهدف إلى "تقييم المبادئ فى إطار الظروف والأحداث السياسية وعرف القومية من وجهة نظره بأنها "الدعوة إلى النهوض بمستوى تركيا الحضارى وأن الوحدة السياسية بين العناصر التركية أى الطورانية أمر بعيد المنال، أما عن الإسلام: " فهو دين وعقيدة للأتراك ولا يمكنهم التخلى عنه ". وقد ردد هذه الأفكار ثانية فى كتابة (التركية والإسلامية والعصرنة) واعترف بأن صفة الإسلام هى التى تميز الأتراك عن غيرهم من الأمم، ولكن ينبغى أن تترجم معانى القرآن وكذلك الآذان والأدعية إلى التركية حتى يكون الدين ملكا لكل تركى مسلم. ثم نادى بان تنحصر العصرنة فى نقل العلوم والتقنية فقط من الغرب: إذ إن محاولة اللحاق بركب الحضارة الغربية لا يعنى تقليد العادات والتقاليد الأوروبية. ثم جاء فى كتابه (أسس القومية التركية) لينفى صفة العنصرية عن دعوته قائلا بأن القومية فى التاريخ إنما تعنى الإحساس بالانتماء إلى تراث الأتراك جميعا، وليس تراث عشيرة (فابى) التى ينتمى إليها العثمانيون بداية ظهور القومية التركية: وفكرة القومية التركية ظهرت من خلال أن الأبحاث التاريخية التى بدأت تتبع مواطن الأتراك الأوائل بالتنقيب فى المصادر الصينية. وبدأت هذه الأبحاث فى القرن الثانى عشر الهجرى. وزاد الاهتمام بها حين استطاع المستشرق الدانماركى (بروفيسوف طومسون) آن يقرأ كتابات آورخون فى آوا خر القرن الثالث عشر الهجرى التاسع عشر الميلادى ثم جاء عالم مجرى يدعى (فامبرى) يرتدى زى الدراويش المتصوفة ويتحدث التركية ليجوب تركيا والتركستان ويصل فى رحلته إلى الصين ثم عاد إلى أستانبول وأخذ يتحدث مع المثقفين الأتراك عن صفاء العنصر التركى فى أقاصى آسيا وتعبيره لهم عن إعجابه به. وفى نفس الفترة تقريبا أصدر عالم لغويات روسى يدعى (رادولف) قاموسا للتركية والألمانية كتب عليه المعجم التركى وأعقب ذلك ظهور كتاب (مدخل لتاريخ آسيا) لليهودى (ليون كاهن) الذى اتصل بجماعة الشبيبة العثمانية فى باريس. وكان لأعمال المستشرقين الأثر الكبير فى إحساس الأتراك بقوميتهم. كما أوعزوا إليهم فكرة أنهم أتراك قبل أن يكونوا عثمانيين أو مسلمين. وسرعان ما آتت جهود المستشرقين ثمارها إذ قام أحمد وفيق باشا سنة ١٨٧٦م بإصدار قاموس يسمى لهجة عثمانى تناول فى مقدمته اللغة التركية وجذورها. ثم كتب سليمان باشا (تاريخ عالم) مردداً فيه ما ذكره الباحثون الغربيون عن الأصول التركية، ورغم ذلك لم تظهر كلمة تركى فى أى من هذه المؤلفات وذلك لآن سياسة السلطان عبد الحميد لم تكن لتسمح بفصل ما هو تركى عما هو عثمانى. الدعوات السلفية: أثارت هذه الحركات ردّ فعل شديد فى الأوساط العثمانية مما جعل المصلحون ينادون بضرورة العودة إلى المبادئ الإسلامية كشرط للإصلاح الاجتماعى والسياسى والأمثلة على ذلك عديدة تمثلت فى الدعوات السلفية سواء فى داخل الأناضول أو فى الولايات العثمانية الأخرى مثل دعوة الشيخ محمد قاضى زاده، ودعوة الشيخ سعيد النورسى. وتمثلت الدعوة الإسلامية فى نقطتين: الأولى: أنه لا يأتى الإصلاح الاجتماعى والاقتصادى والسياسى إلا بالعودة إلى المبادئ الإسلامية. الثانية: إيقاظ الشعور لدى المسلمين فى تركيا وغيرها حتى يتحد المسلمون صفاًّ أمام القوى الاستعمارية. ومثل شعر محمد عاكف شعر الدعوة الإسلامية بكل خصائصه، إلا أن الشاعر قد تنباً بأن هذه الفوضى ستكون تربة صالحة لبذور الشقاق والفتنة فى تركيا. (هيئة التحرير)

стр. 429

١٠ - الطُّولُونِيَّة (الطُّولونيُّون) أسرة حاكمة تولت حكم مصر فى الفترة بين سنتى ٢٥٤هـ-٨٦٨م،٢٩٢هـ-٩٠٥م تنسب إلى مؤسسها الوالى التركى أحمد بن طولون نشأ ابن طولون فى سامراء (سُرّ من رأى) التى شيدها بالعراق الخليفة المعتصم بالله سنة ٢٢٢هـ/٨٣٦م ليقيم فيها جنوده وأتباعه من الأتراك لتحاشى التنافسن بينهم وبين أهل بغداد وقد أثرت هذه النشأة كثيرا فى حياة ابن طولون. ونشأ مع استيلاء الأتراك على مقاليد السلطة فى سامراء نوع من الإقطاع الإدارى، بلغ أوجه فى زمن الخليفة المعتمد وشقيقه الموفق طلحة، فقد تطلب تحقيق السيطرة على الجيش التركى الجديد كسبا لولاء أكثر قادته قوة، فعين كل واحد من هؤلاء القادة واليا على ولاية، وفضل بعضهم البقاء فى سامراء وإيفاد من ينوب عنه من صغار الضباط الموالين له مصحوبا ببعض قواته لإدارة الولاية وحمل عائدها إليه. وتصادف أن منح الخليفة المعتز ولاية مصر إلى القائد التركى باكباك الذى عهد بها إلى غلامه أحمد بن طولون سنة ٢٥٤هـ-٨٦٨م وكان ابن طولون من الأتراك الطُغزغُز شابا طموحا فى الرابعة والثلاثين من عمره، وكان مدركا تماما للصعوبات والمشاكل التى كانت تمر بها الخلافة العباسية فى العراق (الحركات الانفصالية فى الولايات الشرقية وبداية ثورة الزنج) ووجد فى ذلك فرصة مواتية لإعلان استقلاله بمصر بعد أن تخلص من منافسه القوى متولى الخراج أحمد بن المدبر الذى سيره إلى الشام. وترجع أهمية الدولة الطولونية التى أسسها فى مصرأحمد بن طولون، إلى أنه لأول مرة من خلالها تحاول مصر أن تكون ولاية مستقلة، ولكن طموحات ابن طولون لم تدفعه أبعد من تأسيس أسرة حاكمة تتوارث الحكم فى مصر وتعترف بالسيادة الاسمية للخلافة العباسية، فلم تكن لابن طولون أية أهداف استراتيجية مماثلة لتلك التى حملت الفاطميين بعد ذلك بقرن على تأسيس مدينة القاهرة. وعلى ذلك فإن دار الإمارة بمدينة العسكر، العاصمة العباسية، لم تعد تناسب طموحات الحاكم الجديد الذى أخذ يبحثه عن مقر جديد يجعله عاصمة لدولته فوقع اختياره على الفضاء الممتد شمال شرق العسكر عند سفح المقطم تحت الشرف الذى كانت تقوم عليه حينئذ قبة الهواء وحيث أقام صلاح الدين بعد ثلاثة قرون قلعة الجبل، ليشيد مدينة "القطائع ". إن تأسيس هذه المدينة وتطورها يذكرنا تماما بمدينة سامراء (سر من رأى) العراقية، فمثلما كان الحال فى سامراء قسمت المدينة فى مصر إلى عدد من القطع يسكن فيها عبيد ابن طولون وعساكره وغلمانه وجعلت كل قطيعة لطائفة، فكانت بمنزلة الحارات التى قسمت إليها القاهرة فيما بعد. وقد بدأ ابن طولون فى عام ٢٥٦هـ-٨٧٠م ببناء "القصر" و "الميدان " الذى كان يضرب فيه بالصوالجة، وتقدم إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا لأنفسهم حوله، فاختطوا وبنوا حتى اتصل البناء جنوبا بعمارة الفسطاط، وكانت مساحة القطائع ميلا فى ميل. كان موقع القصر الذى شيده ابن طولون هو الميدان السلطانى تحت قلعة الجبل فيما بعد، وكان "الميدان" فيما بين القصر والجامع الذى شهر باسم "جامح ابن طولون ". فهذا الجامع هو الأثر الذى خلد اسم ابن طولون والذى بقى وحده من مدينة القطائع بعد أن خربها جنود العباسيين سنة ٢٢٩هـ-٩٠٤م وفعل فيها الاهمال فعله، وقد فرغ من بنائه وافتتح للصلاة فى رمضان سنة ٥٢٦هـ-مايو٨٧٩م. ويعد هذا الجامع أقدم جوامع مصر الإسلامية المحتفظة بتفاصيلها المعمارية وتخطيطها الأصلى، بنى على طراز جامع سامراء فى العراق مع مئذنته الفريدة، وأصبح تخطيطه هو النموذج الذى أثر فيما بعد فى تخطيط وبناء المساجد الجامعة فى مصر الإسلامية، حتى جامع المؤيد شيخ الذى بنى سنة ٨١٨هـ-١٤١٥م. كما أنه يعد نقطة تحول هامة فى تاريخ العمارة الإسلامية، لأنه بنى من مواد جديدة تماما وليس من أنقاض الكنائس والمعابد القديمة، حيث أستخدم فى بناء عقوده ودعائمه الآجر بدلا من استخدام الرخام حتى يتمكن من مقاومة الحريق. عمل ابن طولون بعد استقرار أمره فى مصر على مد نفوذه إلى بلاد الشام، فقد كان يعلم تماما أن أى خطر يمكن أن تتعرض له مصر لن يأتى إلا من الشام، وأن السلطة المركزية فى العراق لو فكرت فى مناؤاته فستسلك إليه طريق الشام. ودفعه إلى ذلك أيضا حرصه على أن يقوم بدور بارز فى السياسة الإسلامية المعاصرة، فحصل ابن طولون على ولاية الثغور الشامية وأصبحت له بذلك صفة المدافع عن حدود الشام حامى دار الإسلام من الخطر البيزنطى. وبلغت الدولة الطولونية أوج عظمتها فى عهد خمارويه بن أحمد بن طولون وخليفته فى حكم مصر، الذى بلغ فى إضفاء مظاهر البذخ والأبهة على عاصمته، وقد ترك لنا المقريزى فى الخطط، وصفا تفصيليا للأعمال التى قام بها خمارويه، والتى استغل فيها العائد الكبير الذى كانت تدره عليه مصر والذى كان هو المستفيد الوحيد منه. وإذا كانت فترة حكم خمارؤيه ٢٧٠:٢٨٢هـ-٨٨٤:٨٩٥م تمثل فترة ازدهار الدولة فإنها حملت فى طياتها عوامل تداعيها، فقد قادت النفقات الباهظة التى أنفقها خماروته -خاصة عند زفاف ابنته قطر الندى إلى الخليفة العباسى المعتمد- مالية الدولة إلى الإفلاس. وظهرت نتيجة ذلك فى أعقاب وفاته المفاجئة سنة ٢٨٢هـ-٨٩٥م فلم يخلف ولدا بالغا يخلفه فى حكم مصر، فكان الانهيار المالى وثورة الجنود عوامل أسهمت فى وضع نهاية للحكم الطولونى حيث أرسل العباسيون جيشا بقيادة محمد بن سليمان الكاتب سنة ٢٩٢هـ-٩٠٥م وضع نهاية لاستقلال الطولونيين وأعاد مصر ولاية عباسية من جديد. أ. د/أيمن فؤاد سيد

стр. 430

١ - الظاهرية الظاهرية: مذهب من المذاهب الفقهية البائدة تتسب إلى أبى سليمان داود بن على ابن خلف الأصبهانى المعروف بالظاهرى، ولد بالكوفة سنة ٢٠٢ هـ. وأخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبى ثور وغيرهما. وكان أكثر الناس تعصبا للشافعى وصنف فى فضائله والثناء عليه كتابين، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، ثم انتحل لنفسه مذهبا خاصا أساسه العمل بظاهر الكتاب والسنة ما لم يدل دليل منهما أو من الإجماع على أنه يراد به غير الظاهر، فإن لم يوجد نص عمل بالإجماع ورفض القياس رفضا باتا وقال: إن فى عمومات النصوص من الكتاب والسنة ما يفى بكل جواب. صنف داود كثيرا من الكتب منها كتبه فى أبواب الفقه ومنها فى الأصول كتاب إبطال التقليد، وكتاب إبطال القياس، وكتاب خبر الواحد وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الحجة، وكتاب الخصوص والعموم، وكتاب المفسر والمجمل وغير ذلك من الكتب، وقد انتهت إليه رئاسة العلم فى بغداد. وممن أخذ عنه وسار على مذهبه ابنه محمد وكان فاضلا صنف كثيرا من الكتب، ومن متبعى داود والمؤلفين على مذهبه أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس توفى سنة ٣٢٤هـ. وقد استمر مذهب داود متبعا إلى منتصف القرن الخامس الهجرى ثم اضمحل، وله آراء خالف فيها الجمهور نتجت من ترك القياس والعمل بظاهر الكتاب والسنة، ومن يطلع على كتاب "المحلى" لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى المتوفى سنه ٤٥٦هـ. يرى فيه كثيرا من تلك المسائل، وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه فى أقوالهم، وخالف إمامهم داود. وفى طبقات الشافعية لابن السبكى هل يعتد بخلاف الظاهرية فى الفروع أم لا؟ وحكى فى ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: اعتباره مطلقا وهو الصحيح. والثانى: عدم اعتباره مطلقا ونسبه الأستاذ أبو إسحاق إلى الجمهور. والثالث: اعتباره إلا فيما خالف القياس الجلىّ. وحكى ابن السبكى عن والده أن داود لا ينكر القياس الجلى وانما ينكر الخفى فقط. قال عنه الذهبى: داود بن على بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس فى معرفة الخلاف من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، وكذلك فى فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر وذكاء قوى. وقال ابن خلدون: ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة فى النصوص والإجماع وردوا القياس الجلىّ والعلة المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم فى جميع محالها، ثم درس مذهب أهل الظاهر بدروس أئمته أنكار الجمهور على منتحله. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 431

٢ - الظن لغة: هو التردد الراجح بين طرفى الاعتقاد غير الجازم وجمعه ظنون وأظانين. وقد يوضع موضع العلم. واصطلاحا: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل فى اليقين والشك وقيل، الظن أحد طرفى الشك بصفة الرجحان. وقد ورد لفظ الظن بالمعنى السابق أكثر من ستين مرة، إضافة إلى ثمانى مرات بمعنى اليقين فى مثل قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ البقرة:٤٦، وكذلك فى قوله تعالى: ﴿إنى ظننت أنى ملاق حسابيه﴾ الحاقة:٢٠. استخدم لفظ الظن فى الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام بالمعنى الغالب فى آيات القرآن الكريم ومقابلا للعلم أو الحق طبقا لما ورد فى قوله تعالى: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لايغنى من الحق شيئا﴾ يونس:٣٦. والظن درجة من درجات العلم الذى لا يصل إلى درجة اليقين. وقد قسم المفكرون المسلمون العلوم إلى علوم ظنية، وعلوم يقينية. فالعلوم الظنية: هى العلوم التى يحصلها الإنسان بإدراكاته الحسية والعقلية. أما العلوم اليقينية فهى العلوم التى يأتى بها الوحى كما ورد فى قوله تعالى ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ الكهف:٦٥. أما فى الحديث الشريف فقد ورد هذا اللفظ عدة مرات معظمها بمعنى الظن أو الاعتقاد الراجح وبعضها الآخر يتضمن اليقين، كما ورد فى قول الرسول ﷺ لأبى بكر وهما فى الغار: (ما ظنك بأثنين الله ثالثهما) (البخارى فى تفسير سورة التوبة). وكذلك قوله ﷺ فى الحديث القدسى: (أنا عند ظن عبدى بى إن خيرا فخير وإن شرا فشر) وفى رواية آخرى: (فليظن بى مايشاء) (البخارى فى التوحيد ومسلم فى التوبة). أما فيما يفيد الاعتقاد الراجح فى مقابل اليقين فقد ورد عن عروة بن الزبيرعن عائشة رضى الله عنها فى تفسيرقوله تعالى ﴿حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جأءهم نصرنا﴾ يوسف:١١٠ قالت عائشة: "كذبوا، قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت: أجل، لعمرى لقد استيقنوا بذلك فقلت لها: وظنوا أنهم كذبوا، فقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها" (انظر البخارى فى تفسير سورة يوسف الآية ١١٠). وقد ورد الظن مرادفا للشك فى بعض الأحاديث النبوية الشريفة، فى مثل قوله ﷺ لمن شك فى عدد الركعات التى صلاها: ( … فشككت فى ثلاث أو أريع وأكبر ظنك على أربع تشهدت) (انظر سنن الدرامى باب الصلاة). وقد استخدم "الظن " للدلاله على أولى مراحل العلم فى إطار مايسمى بنظرية المعرفة الإسلامية، فتعرف مرحلة "الظن" بأنها تكون حينما تتعادل دلالات الإثبات مع دلالات النفى. أما المرحلة التى تلى مرحلة "الظن " فهى مرحلة "غلبة الظن " وتأتى هذه المرحلة بعد البحث والتمحيص فى أدلة النفى وأدلة الاثبات، فترجح إحدى الكفتين دونما دليل قطعى يقينى فيبقى هناك مجال للنظر. وفى الفقه تعتبر"مظنة" الحرج والمشقة الوصف المناسب الملائم للجمع بين الصلاتين عند المطر والسفر. ويعبر بعض الفقهاء، كما يروى عن الإمام أبى حنيفة النعمان، عن هذه المرحلة بالمقولة المشهورة عنه، مذهبنا صحيح يحتمل الخطأ، ومذهب الآخر خطا يحتمل الصواب وتلى مرحلة غلبة الظن مرحلة تسمى مرحلة "التصديق "ويعتمد فيها على الثقة فى صدق القائل ثم تأتى مرحلة "الإيمان " الذى ينبنى على التصديق بالخبر على شرط الثقة ثم مرحلة "حق اليقين" وهو التصديق التام بالخبر عن طريق كمال الثقة فى مصدر الخبر، كما ورد فى قوله تعالى: ﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم﴾ الحاقة:٤٩ - ٥٢، وتلى هذه المرحلة مرحلة "علم اليقين " عندما يجتمع صدق مصدر الخبر مع القوة الاقناعية بالبراهين العقلية مثلما ورد فى قوله تعالى ﴿كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لوتعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين﴾ التكاثر:٣ - ٧. وتمثل الآية رقم ٧ من سورة التكاثر ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ المرحلة القصوى من مراحل العلم حيث تجتمع كل شروط المراحل السابقة مع المشاهدة العينية لموضوع المعرفة. أما فى علم الكلام فقد فصل القاضى عبدالجبار الحديث فى هذا الموضوع حيث قرر أن النظر العقلى لايولد الشك أو الظن، وهو يفرق بين لفظى الشك والظن. أ. د/السيد محمد الشاهد

стр. 432

٣ - الظهار لغة: مأخوذ من الظهر، لأن صورته الأصلية أن يقول الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى. قيل إنما خص ذلك بذكر الظهر لأن الظهر من الدابة موضع الركوب والمرأة مركوبة وقت الغشيان فركوب الأم مستعار من ركوب الدابة ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الأم الذى هو ممتنع وهو استعارة فكأنه قال: ركوبك للنكاح حرام عَلىَّ (١). واصطلاحا: هو تشبيه الرجل زوجته، أو جزءاً شائعا منها أو جزءاً يعبر به عنها بامرأة محرمة عليه تحريما مؤبدا، أو بجزء منها يحرم عليه النظر إليه كالظهر والبطن وا لفخذ (٢). مشروعية أحكام الظهار: كان الناس قبل الإسلام إذا غضب الرجل على زوجته لأمر من الأمور ولم يرد أن تتزوج بغيره قال لها: أنت علىَّ كظهر أمى، فتحرم عليه تحريما مؤبدا لا تحل له بحال، وتبقى كالمعلقة لا هى بالمتزوجة ولا بالمطلقة. واستمروا على ذلك فى صدر الإسلام حتى غضب أوس بن الصامت على زوجته خولة بنت ثعلبة فقال لها: أنت علىَّ كظهر أمى فذهبت إلى النبى ﷺ تشكو إليه ما صنع زوجها فقال ﷺ : ما أراك إلا قد حرمت عليه "، فقالت أشكو إلى الله فاقتى ووجدى (٣) فنزل قول الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله﴾ (المجادلة ١). الظهار محرم ولا يعتبر طلاقا، وصرح بعض الفقهاء بأنه من الكبائر لكونه منكرا من القول وزورا، لقوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتُهُم إن أُمَّهاُتهُمْ إلا اللائى ولدْنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإنَّ الله لعفو غفور﴾ (المجادلة ٢). أثر الظهار: إذا تحقق الظهار وتوافرت شروطه ترتب عليه الآثار الآتية: (أ) حرمة المعاشرة الزوجية قبل التكفير عن الظهار، وهذه الحرمة تشمل حرمة الوطء ودواعيه من تقبيل أو لمس أو مباشرة فيما دون الفرج، لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا﴾ (المجادلة ٣). (ب) للمرأة الحق فى مطالبة الزوج بالوطء وعليها أن تمنع الزوج من الوطء حتى يكفر، فإن امتنع عن التكفير كان لها أن ترفع الأمر إلى القاضى وعلى القاضى أن يأمر بالتكفير، فإن امتنع أجبره بما يملك من وسائل التأديب حتى يكفر أو يطلق وهذا عند الحنفية لأن الزوج قد أضر بزوجته بتحريمها عليه بالظهار حيث منعها حقها فى الوطء مع قيام الزواج بينهما (٤). وعند المالكية: على القاضى أن يأمر الزوج بالطلاق فإن امتنع طلق القاضى عليه فى الحال طلاقا رجعيا، فإن قدر الزوج على الكفارة قبل انقضاء العدة كفر وراجعها (٥). (ج) وجوب الكفارة على المظاهر قبل وطء المظاهر منها ودواعى الوطء وخصال كفارة الظهار ثلاثة، وهى واجبة على الترتيب: ١ - عتق رقبة. ٢ - صيام شهرين متتابعين. ٣ - إطعام ستين مسكينا. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 433

١ - العادات الشعبية لغة: العادات جمع عادة، والعادة: كل ما اعتيد حتى صار يفعل من غير جهد، والعادة: الحالة تتكرر على نهج واحد (١). والشعبية نسبة إلى شعب، والشعب: الجماعة الكبيرة ترجع لأب واحد، وهو أوسع من القبيلة، والشعب: الجماعة من الناس تخضع لنظام اجتماعى واحد وتتكلم لسانا واحدا كما فى الوسيط (٢). واصطلاحا: يقصد بالعادات الشعبية أو السنن Folkways السلوك المكتسب الذى يشترك فيه أفراد شعب معين، وهى معايير ذات قيمة اجتماعية، من شأنها أن تثير رد فعل فى المجتمع، يتمثل فى الفزع والاستهجان والاستياء، الأمر الذى يبرر توقيع جزاءات على المخالف الذى يعتدى على حرمتها. والعادات الشعبية يتلقنها الفرد من الآخرين بحسب المقتضيات والمناسبات الاجتماعية، ولذا فهى تختلف عن العادات الفردية التى يكتسبها الفرد وفقا لحاجته، مما يعنى أنها لا تقوم الا كعلاقة اجتماعية، تعمل على الانسجام مع مثيلاتها، نتيجة للتكرار الدائم لبعض الأفعال التى تصدر عن عدد كبير من أفراد المجتمع فى مواقف معينة فتبدو العادات الشعبية من ثم ذات صبغة جمعية تنمو تلقائيا، وتظهر بالتدريج حتى تتمكن من النفوس، وتصبح أشبه بالدستور غير المكتوب الذى يتمتع بقوة الإلزام. وهناك غير قليل من التداخل بين هذا المصطلح ومصطلحات العرف، والعادة المستحدثة، والتقليد، وما إلى ذلك من الممارسات الاجتماعية التى لا تخضع إلى التقنين. ولعل أهم ما يميز العادات الشعبية أنها تلب دورا هاما فى بقاء المجتمع الإنسانى واستمراره عن طريق تحديدها لأنماط الفعل وقواعد السلوك واللياقة، كما أنها كثيرا ما تقاوم العادات المستحدثة خاصة تلك التى تكون تعبيرا عن نزوات الساعة، إضافة إلى أنها مكملة للقانون وتمهد لظهوره، وإن اختلفت عنه من حيث التلقائية فى الظهوروالسرعة فى الجزاء. ومع ذلك فلم يعد مصطلح العادات الشعبية مما يتوافق مع المجتمعات التى قطعت شوطا بعيدا فى التغير الاجتماعى والثقافى، ولكنها تلب دورا كبيرا فى تلك المجتمعات التى تتسم بالبساطة، وإن كان من المهم القول مع ذلك بأن هناك بعض هذه العادات التى تبدو منافعها وصلاحيتها، مما يلزم معه وضعها فى دائرة البحث للتعريف الأعمق بها وبإيجابياتها وسلبياتها؛ لما لها من أهمية فى تنظيم الحياة الاجتماعية، على اعتبار أن السنن هى آخر الأمرالمناهج العامة التى تتخذ كطريقة للمعيشة، مما يوجد ضميرا عاما يربط الجماعة بمقاييس واحدة فيما يجوز وما لا يجوز، وهو ما يوجد فى النهاية ذلك الحياء الذى وصفه الرسول الكريم ﷺ بأنه شعبة من الإيمان، الذى من بين وظائفه توحيد العادات العامة، وإسباغ طريقة للحياة يمارسها الجميع بشكل واحد،،وهو ما يكسب الحياة الإسلامية قدرة خاصة على التحمل وعلى المقاومة، باعتبار أن توحد العادات يؤدى إلى توحد الفهم والقضاء على المنازعات، نظرا لمعرفة الجميع مقدما بما يجب فعله فى مختلف المناسبات. أ. د/محمود أبوزيد

стр. 434

٢ - العاطفة لغة: من عطف: مال، وعطف عليه: أشفق ورحم. والعاطفة: الشفقة، وجمعها: عواطف (١). واصطلاحا: لفظ مشترك له عدة تعريفات منها: ١ - استعداد نفسى ينزع بصاحبه إلى الشعور بانفعالات وجدانية معينة، والقيام بسلوك خاص حيال فكرة أو شيء (٢). ٢ - العاطفة انفعال ناشئ عن أسباب معنوية، لا عن أسباب عضوية. ٣ - هى الميول الخيرية دون الميول الأنانية والنفعية. فالعطوف من الرجال هو الذى يحمى الضعفاء، والعطوف من النساء هى المحبة لزوجها، وهو مذهب "روسو" وآدم سميث و" جاكوبى"، ويسمى مذهب العاطفة فى الأخلاق، وقوامه الشعور بالغيرية، أى بحب الآخرين، وطريقته المعروفة الحدسية. ٤ - وقد تطلق العاطفة على اللذات والآلام، وعلى غريزة حفظ البقاء، والمشاركة الوجدانية والحب والكبرياء، والتواضع، والمنازع الخلقية والاجتماعية والدينية والجمالية والعقلية (٣). وإذا كان من المألوف أن ينزع المرء بعاطفته إلى المشاركة الوجدانية، فإنه أيضا ينزع بها إلى "الكشف عن الحقيقة". غير أن الحقيقة التى نكشف عنها بعاطفتنا لا تصبح حجة عند غيرنا، إلا إذا حصل لهم من الكشف مثل ما حصل لنا. وعند "كوزان " أن العاطفة مصدر الانفعالات، وهى لهذا تقابل العقل (٤). والعاطفى Sentimental هو المنسوب إلى العاطفة، ولاسيما عاطفة الحب. ويجوز أن نقول "التربية العاطفية" و" السياسة العاطفية"، وهى ضد السياسة الواقعية. والعاطفى من البشر: هو الذى يتغذى بالعواطف، أو يتبع عواطفه فى علاقاته الإنسانية، أو يفضل إظهار عواطفه على سترها. ويكون المقصود بالعواطف هنا "العواطف العذبة" وهى المصحوبة بالذكريات العذبة والأحلام الجميلة (٥). وقد اهتم "صوفية الإسلام، بموضوع العاطفة لأن التصوف علم القلوب، وما يفيض به القلب من شعور وإحساس هو الأساس فى سلوكهم. ولذا كان هناك شبَه قِوىّ بين أدب الصوفية المسلمين وأدب الرومانتيكيين من الأوروبيين؛ لأن كلا الفريقين كان يمجد العاطفة، ويتخذ منها هاديا فى السلوك. بل كانوا يرون جميعا أن العاطفة أصدق من العقل، وأن الفكرة العميقة نابعة من عاطفة عميقة (٦). وكل ذلك يخفف عن الإنسان وطأة الحياة المادية، ولاسيما تلك المادية التى ألقت بظلال ثقيلة على كل مناحى الحياة فى عصرنا هذا (٧). هذا وإن العاطفة واحدة بين الرجل والمرأة، فليس للرجل عاطفة تختلف عن المرأة أو العكس، فهى قاسم مشترك بين الطرفين، مثلما يحدث ذلك فى الكتابة والإبداع الأدبى وغير ذلك (٨). أ. د / عبد اللطيف محمد العبد

стр. 435

٣ - العالَم اصطلاحا: هو مشتق من العلم والعلامة، وهو ما ِسوَى الله من الموجودات، والعالَم اسم لكل ما وجوده ليس من ذاته، بل يحتاج إلى صانع يوجده، وينقسم العالَم إلى جسمانى وروحانى، كما ينقسم المعنى إلى عام وخاص، فالعالم يضم: العالم الجسمانى: وهو مجموعة الموجودات من الأجسام الطبيعية، التى توجد فى الزمان والمكان، وهو هذه الأشكال المتعددة للمادة، والعالم بهذا المعنى مجمل الأشياء والظواهر والعلائق القائمة بين تلك الأشياء وتلك الظواهر. والعالم المادى هو العالم الذى نعيش فيه وندرسه، وتكون العلوم الطبيعية ميدان المعرفة الخاص به، حيث المناهج التى تزن، وتقيس، وتكرر التجربة، وتبحث عن قوانين مبنية عليه. وقد يختلط مصطلح العالَم مع مصطلح الكون، ولكن بينهما اختلافا دقيقا، فالعالَم هو عالم الناس، العالم الطبيعى، وعالم العلاقات بين الظواهر، أما الكون فهو أشمل، ومرادف للوجود المطلق العام، وقد يطلق على وجود العالم من حيث هو عالم، أو على العالم من جهة ما هو ذو نظام محكم، وتشمل المادة وغير المادة. وهذا العالَم المحسوس منشأ لجميع الأفراد، وفيه تفهم حقيقته، وفيه الانفصال والاتصال، والتحيز، والمغايرة، والاتفاق، والاختلاف وقد ظهر قديما بين مفكرى الإسلام خلافا حول قِدَم العالم وحدوثه، ذهب أغلب الفلاسفة إلى أنه قديم، وذهب المتكلمون إلى أنه حادث، لكن ابن رشد يرى أن هذا الخلاف فى مفهوم العالَم يجب ألا يؤدى إلى أن المذاهب تتباعد حتى يكفر بعضها بعضا. ويضم العالم الروحانى، الموجودات غير المادية، مثل عالم الأرواح والروحانيات، لأنها وجدت بأمر الحق بلا واسطة، وأحيانا يسمى هذا العالَم عند الصوفية بعالم الأمر، عالم الملكوت، عالم الغيب. وقد تناول مفكرو الإسلام العالَم بالدراسة، ووصفوا العالَم المادى، وغير المادى، فأشاروا إلى أن العالَم المادى هو ما حواه السطح الظاهر، ويقال على جمله مؤلفة من أشياء مختلفة تنقسم إلى ثقيل وخفيف، وشكله كرة، ويتكون من عناصر بسيطة، وأجسام مركبة من هذه العناصر، وهذا العالَم يسمى عندهم بعالم الملك.، وهو أيضا عالَم الشهادة، عالَم المعرفة بالحس والمشاهدة الحسية. فهو الأرض بما عليها ومن عليها، عالَم الأعيان، عالَم الخلق حيث التغير والنقص والشر والفساد، وهو عالمَ الشهادة. كما يسمى عندهم بعالَم الكون والفساد، لأن الأجسام التى تشكل أجزاء هذا العالَم تتكون ثم تفسد، وهذا العالَم فى مقابل العالَم العلوى، أى عالمَ الأفلاك وما فيه مَن العقول والنفوس والأجرام. وعالَم الأمر عندهم ضد عالَم الخلق. ويوضع العالم الأرضى فى منزلة دنيا، فالعالَم هو الدنيا ذات المرتبة الفانية، وهى الدار التى يقدم فيها الإنسان عمله، لينتقل إلى دار أخرى هى دار البقاء ليجازى عن هذا العمل. وتوجد تفسيرات أخرى للعالم قدمها مفكرون وصوفية، فقد فرق إخوان الصفا- إحدى الجماعات الفكرية- بين العالَم الأكبر والعالَم الأصغر الأول هو عالَم الموجودات، والأصغر هو الإنسان، وعقدوا مقارنة بين الاثنين، فالجبال فى الطبيعة تشابه الرأس فى الإنسان، والأنهار فى الطبيعة تقابل عروق الدم فى الإنسان. والآن يستخدم مصطلح العالمَ الأكبر إشارة إلى عالمَ الموجودات، وذلك فى مقابل المصطلح الأصغر وهو الذرة والنواة. وللصوفية تفسيراتهم للعالَم، فالعالَم عندهم هو الظل الثانى، ولا وجود لهذا العالَم عندهم، فالعالم صورة الحق، وقد تكلم الصوفية عن مفاهيم أخرى للعالم، فقالوا: عالم الجبروت، أى عالم الأسماء والصفات الإلهية، وعالم الأمر أى عالم الغيب، وعالَم الخلق وهو عالم الأجسام- والعالَم الكبير عندهم هو ما فوق السماء والصغير هو ما تحتها. وقيل: الكبير ملكوت السموات والصغير ملكوت الأرض. وأحيانا يطلقون اسم العالم الكبير على القلب، والصغير على النفس، أو قالوا كما ذهب إخوان الصفا- إن العالَم الكبير هو عالم السماء والأرض، والعالَم الصغير هو الإنسان. والمعنى الخاص للعالَم يطلق على أجناس معينة، كما نقول عالم الإنسان، أو عالَم القيم، وعالم الأدب وعالم السياسة، وعالم المقال، وعالم المعقولات، ومن هنا قالوا: إن معنى العالَم هو الجملة، وهى جملة المعانى أو الأجناس والأنواع التى تدخل فى تأليف الحكم أو الاستدلال. وهذه العوالم كثيرة، قال الغزالى: "والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى" أ. د/ منى أحمد أبو زيد

стр. 436

٤ - عام الحزن هو العام العاشرمن بعثة النبى ﷺ وسمى بعام الحزن لأنه كان من المظنون بعد انتهاء المقاطعة الجائرة، التى كانت قريش قد ضربتها على النبى ﷺ ومن انحاز إليه أن يعيش رسول الله ﷺ مسرورا بين أحب الناس إليه وآثرهم عنده، وهما عمه أبوطالب وزوجه خديجة رضى الله عنها إلا أنهما قد توفيا فى هذا العام، وبوفاتهما وفقد الرسول ﷺ لهما سمى هذا العام بعام الحزن. فقد مات عمه أبو طالب، وليس يدرى إلا الله كم كان وجده عليه (١)، إذ كان له خير نصير، يدرأ عنه الأعداء، ويجمع من حوله الأقرباء، ويمكنه من العمل لدينه، على الرغم من وعيد المشركين وتهديد قريش أجمعين، وكان إذا أذاه قومه قال ﷺ (والله ما أصابنى هذا إلا بعد موت أبى طالب) (٢). ثم جاءت وفاة السيدة خديجة رضى الله عنها بعد أيام من وفاة عمه، فانفطر فؤاده ﷺ واشتدت لوعته، فقد كانت له نعم العشير والنصير مدة خمس وعشرين سنة، فلم يسمع منها كلمة تؤذيه، ولا رأى منها نظرة تؤلمه، جاءها خائفا يرجف فؤاده فتلقته باسمة، واستقبلته راضية، ومازالت به حتى أعادت الأمن إلى نفسه، وعندما أمره ربه أن يدعو إلى دينه كانت أول من دخل فيه، ولما قاطعته قريش أبت إلا أن تدخل معه شعب أبى طالب، وكان إذا اشتد عليه قومه وقفت إلى جانبه تربت على صدره، وتمسح الأسى عن قلبه، حتى يشتد عزمه ويعود إليه نشاطه. وليس يدرى إلا الله كيف استطاع النبى ﷺ احتمال فقد عمه ثم زوجه، ولا كيف احتمل أن يرى زوجه وهو يدخلها قبرها. مفتقدا نصرتهما له، ومواساتهما إياه، من أجل هذا اعتكف ﷺ فى داره وسمى هذا العام الذى فقدهما فيه عام الحزن (٣). أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر

стр. 437

٥ - عام الوفود اصطلاحا: هو العام التاسع أو العاشر الهجرى، على اختلاف فى تحديده، لأن العامين قد شهدا وفود القبائل إلى النبى ﷺ ، وإن كانت فى الأول أكثر منها فى الثانى (١). والحق أن حركة الوفود كانت سابقة على عام الوفود، فلم يكن العام التاسع الهجرى هو الذى بدأت فيه الوفود انطلاقها إلى المدينة، وإنما كان بداية ذلك إثر صلح الحديبية، حيث انطلقت إلى النبى ﷺ وفود دوس ومزينة وبنى سعد، وإنما عُدّ العام التاسع أو العاشر الهجرى باعتبار الكثرة. وقد بلغت هذه الوفود واحدا وثلاثين، أقبلت إلى المدينة تخطب ود النبى ﷺ وتعلن إسلامها بين يديه، ومن الأسباب التى من أجلها توافدت تلك الوفود إلى المدينة المنورة، وكثرث فى العامين المذكورين؛ أن قريشا قد أسلمت فور فتح مكة، وتحطمت الأصنام القائمة حول الكعبة، وتلتها ثقيف، وبات العرب أمام أمرين للعناد؛ إما أن يهجروا البيت الحرام فلا يحجون إليه ولا يعتمرون، وهو ما لا قدرة لهم عليه، وإما أن يواصلوا الحرب، وهو ما لا رغبة لهم فيه، خاصة وأن الجيش الإسلامى عاد من تبوك بعد إرهاب أقوى دول الأرض، وهى الروم، والقبائل المنتصرة على تخوم الشام. وإن تعجب فعجب أن القبائل الآن تحج إلى النبى ﷺ طالبة رضاه، معلنة اعتناقها لدينه، وقد كان يأتيها قبل هجرته فى مواسم الحج والعمرة يدعوها إلى دينه فتأبى، ويطلب منها الحماية حتى يبلغ آمنا رسالة ربه فترفض (٢). وعلى كل حال فقد كان النبى ﷺ يستمع لكل وفد ويجيبه إلى ما يريده فى إطار الشرع: ساًله ممثلو ثقيفه ألا يعشروا، ولا يحشروا، ولا يولى عليهم غيرهم، وأن ترفع الصلاة عنهم، ولا يهدم صنمهم إلا بعد ثلاث سنين، فأجابهم إلى الثلاثة الأولى دون الرابع والخامس (٣). ومن الوفود من كان يتجاوز حدوده، وكان الرسول ﷺ يتعامل معه بما يردعه وينهنه من غروره. أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر

стр. 438

٦ - العامة لغة: عمَّ الشىء عموما: شمل، والعام: الشامل وهو خلاف الخاص، والعامة من الناس: خلاف الخاصة والجمع عوام، كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: يدل بوجه عام على معنى الجمهور الذى يشير فى الكتابات الحديثة إلى معنى الشعب، ومن ثم فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بنظرية المعرفة وبخاصة ما إذا كانت هذه المعرفة بمجالاتها وبأمورها المنوعة هى معرفة إجمالية للكافة والعامة، وما قد يترادف مع هذا من مصطلحات أخرى مثل الرعية، والسواد الأعظم، والأهالى، والعباد، والمؤمنين، أم أن بها من الأمور الدقيقة والتفصيلية ما يعتبر وقفا على الخاصة. وهو يتردد كثيرا ضمن المصطلحات الأساسية فى نظرية الحكم الإسلامية سواء ما تعلق منها بإطار الحكم فى عموميته، أو ما تعلق بطبيعة المادة البشرية للحكم أى المحكومين. ولا جدال فى أن باب الاجتهاد مفتوح أمام كل القادرين، ولكن هناك من يرى أن من الأمور اللازمة لضبط المصالح العامة ما يتصف بالخصوصية، التى تباعد بينها وبين العوام أو العامة، وعلى قمة هذه الأمور نظرية الإمامة الإسلامية، وخاصة ما تعلق بمسألة تمييز الإمام وتنصيبه، حيث يرى البعض أنه فرض على خاصة الأمة، بمعنى أنه ليس ضرويا ولا هو بالشرط اللازم اشتراك العامة واتفاقها، لأنها مهمة المؤهلين لإنجازها. وربما كان الإمام الغزالى هو صاحب الصوت الأعلى الذى أكد هذا التمييز، فالأمة أو القاعدة الشعبية فى الإسلام تتألف من قوى شعبية هى الأمناء من العلماء، ثم سائر القاعدة من عوام المسلمين، والأولون عليهم واجب الشورى، والمساهمة فى الحكم، والقيام بالدعوة، وإقامة الشريعة والدين، بينما على الباقين واجب النصرة والنصح والطاعة فهو يقول "وإنما حق العوام أن يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعبادتهم ومعايشهم ويتركوا العلم للعلماء" كما يقول "اعلم أن لكل صناعة أهلا يعرف قدرها ومن أهدى نفائس صنعه إلى غير أربابها فقد ظلمها" (٢). ومصداق ذلك قوله فى "أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم مخصوصين ". ولكن التضامن الإسلامى ينشأ بالأكثر، فضلا عن وحدة الإيمان، بسبب آخر هو فرض الكفاية أى الواجب الذى لا يكلف القيام به أحد بعينه، ولكنه تكليف على المسلمين جميعا. وبذلك تبدو قضية الإمامة فرض عامة الأمة وواجبها، حتى بلغ الأمر حد القول بانعدام الإمامة ما لم يحصل الإجماع من الأمة على من ينصب إماما، وعلى ما نجد بصفة خاصة لدى أصحاب الطريقة المعروفة فى فقه الخلافة بطريقة العامة. وأيا ما كان الرأى فإن التضامن الإسلامى خاصة فى ظروف المجتمع المتغير المعاصر إنما يحتاج أشد ما يحتاج إلى تضافر الرأى، والثقافه حول أهداف الأمة وغاياتها، وفى ظنى أن هذا مما يوجب المشاركة فى إبداء الرأى وتمحيصه، وما الشورى ذاتها والتى تعتبر أساس الحكم الصالح إلا فرض كفاية من هذا النوع الأصيل. أ. د/محمود أبوزيد

стр. 439

٧ - العبادة لغة: الخضوع والتذلل للغير لقصد تعظيمه، ولا يجوز فعل ذلك إلا لله، وتستعمل بمعنى الطاعة (١). واصطلاحا: ذكروا لها عدة تعريفات متقاربة منها: ١ - هى عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف (٢) ٢ - هى الطاعة والتذلل، وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين (٣). ٣ - هى أقصى غاية الخضوع والتذلل (٤). ٤ - هى اسم لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والأعمال الظاهرة والباطنة. وللعبادة مميزات: ١ - العبادة لا تصدر إلا عن وحى: لما كان المقصود من العبادة تهذيب النفس بالتوجه إلى الله والخضوع له والانقياد لأحكامه بالامتثال لأمره؛ فلا تصدر إلا عن طريق الوحى: القرآن الكريم، والسنة النبوية، فقد ورد فى الصحيح: "من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٥). أما الأمور العادية التى تجرى بين الناس لتنظيم مصالحهم الدنيوية، فالمقصود منها: التوجيه إلى إقامة العدل بينهم، ودفع الضرر، فيجوز فيهما الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص، لتحقيق العدل ودفع الضرر. ٢ - اشتراط النية فى العبادات: لا خلاف بين الفقهاء فى اشتراط النية فى العبادات لحديث: "إنما الأعمال بالنيات " (٦). والحكمة فى إيجاب النية فيها: تمييز العبادة عن العادة، ولهذا قالوا: تجب النية فى العبادة التى تلتبس بعادة، فالوضوء والغسل يترددان بين التنظيف والتبرد والعبادة، والإمساك عن المفطرات قد يكون للحمية والتداوى، وقد يكون لعدم الحاجة إليه، وقد يكون للصوم الشرعى، والجلوس فى المسجد يكون للاستراحة ويكون للاعتكاف، ودفع المال للغير قد يكون صدقه تطوع وقد يكون فرض الزكاة؛ فشرعت النية لتمييز العبادة عن غيرها، والصلاة قد تكون فرضا أو نفلا، فشرعت النية لتمييز الفرض عن النفل. أما التى لا تلتبس بعادة، كالإيمان بالله والخوف والرجاء والآذان والإقامة وخطبة الجمعة، وقراءة القرآن والأذكار فلا تجب فيها النية لأنها متميزة بصورتها (٧). ٣. هل تدخل النيابة فى العبادات؟ قسم الفقهاء العبادة إلى ثلاثة أقسام:- ١ - عبادة بدنية محضة. ٢ - عبادة مالية محضة. ٣ - عبادة مترددة بينهما. فالعبادة البدنية المحضة كالصلاة والصوم والوضوء والغسل، فالأصل فيها امتناع النيابة، إلا ما أخرج بدليل كالصوم عن الميت، لأن المقصود من التكاليف البدنية الابتلاء والمشقة، وهى تحصل بإتعاب النفس والجوارح بالأفعال المخصوصة، وهو أمر لا يتحقق بفعل نائبه، فلم تجزئ النيابة إلا فى ركعتى الطواف تبعا للنسك فى الحج عن الميت أو المعضوب، ولو استناب فيهما وحدهما لم يصح. أما الصوم عن الميت فيقبل النيابة لحديث ورد فيه عن ابن عباس- رضى الله عنهما: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله إن أمى ماتت وعليها صوم نذر" أفأصوم عنها؟ فقال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ذلك يؤدى عنها قالت نعم قال: فصومى عن أمك (٨). " أما العبادات المالية المحضة: كالصدقة والزكاة والكفارات والنذر والأضحية ونحو ذلك فتصح فيها النيابة، لأن الإمام لا يفرقها على المستحقين إلا عن طريق النيابة. وأما العبادة المترددة بين المالية والبدنية: كالحج عن المعضوب أو الميت فتصح فيها النيابة. ويجوز للإنسان أن يجعل ثواب ما فعله من عبادة لغيره وهذا محل اتفاق فى العبادات غير البدنية المحضة كالصدقة والدعاء والاستغفار والوقف عن الميت وبناء المسجد عنه والحج عنه. واختلف العلماء فى العبادات البدنية المحضة كالصلاة وتلاوة القرآن فقال الحنفية والحنابلة: له أن يجعل ثواب عبادته لغيره؛ لأنه وردت أحاديث صحيحة فى الصوم والحج والدعاء وهى عبادات بدنيه. وقال الإمام الشافعى: لا يفعل عن الميت الصلاة عنه قضاء أو غيرها وقراءة القرآن لقوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم ٣٩) وهو مذهب المالكية، وحكى النووى من الشافعية وجها أن ثواب القراءة يصل إلى الميت (٩). أ. د./ فرج السيد عنبر

стр. 440

٨ - العباسيون العباسيون: هم أبناء عباس (١) بن عبدالمطلب القرشى الهاشمى، عم النبى ﷺ وكافله بعد أخيه أبى طالب وصاحب السقاية والعمارة. ولد قبل النبى ﵊ بسنتين، ودخل فى دينه قبل هجرته إلى المدينة، وكان يكتم إسلامه بناء على توجيه منه ﷺ ، وقد شهد العقبة الثانية ليستوثق لابن أخيه من الأنصار، وشهد معه مشاهدكثيرة، منها: فتح مكة، وغروة حنين، والطائف، وغروة تبوك، وعاش ﷺ حتى شارك فى دفن الرسول ﷺ والصلاة عليه، وتوفى سنة اثنتين وثلاثين هجرية ستمائة واثنتين وخمسين ميلادية، وله من العمر ثمان وثمانون سنة، بعد أن أدرك خلافة الشيخين، والشطر الأكبر من خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه الذى صلى عليه وشارك فى دفنه. والعباس (٢) وإن كان أقرب إلى النبى ﷺ من علىّ كرم الله وجهه، فإنه لم يستشرف للخلافة، لعدم توافر شرطها الأساسى فيه وهو السبق إلى الإسلام، ووقف بجانب على رضى الله عنه يؤيده ويحضه على المطالبة بحقه ونسج على هذا المنوال نفسه أبناؤه العشرة من بعده، وهم: ١ - الفضل، وبه كان يكنى. ٢ - عبدالله. ٣ - عبيدالله. ٤ - قثم. ٥ - عبدالرحمن. ٦ - معبد. ٧ - الحارث. ٨ - كثير. ٩ - عون. ١٠ - تمام. فأطاعوا عليا، وشاركوا فى حكومته ومعاركه التى دارت رحاها بينه وبين معاوية ابن أبى سفيان، ولما مالت كفة الصراع إلى غير صالحه أخذوا يتوجهون إلى الأمويين، ففارقه (٣) عبدالله مستقيلا من البصرة، وفارق أخوه عبيدالله ولده الحسن، وآوى إلى معاوية. ولما تنازل الحسن رضى الله عنه عن الخلافة، ونزل أخوه الحسين على إرادته، اعتقد العباسيون أن حقهم فيها قد سقط، وأنهم وحدهم صاروا أصحاب هذا الحق، فهادنوا الأمويين ونالوا جوائزهم، وفى الوقت نفسه راحوا يعدون أنصارهم للدعوة إليهم وأخذه عنوة من الأمويين وكانوا ينتظرون ثلاث علامات (٤)، إحداها: هلاك الطاغية يزيد بن معاوية، والثانية: مجىء العام المكمل للمائة، والثالثة: قتل يزيد ابن أبى مسلم وانتفاض البربر. ولما تم لهم ما أرادوا أخذوا فى الدعوة إلى أنفسهم وفق برنامج غاية فى الدقة والعمق، فجعلوا للدعوة مراكز ثلاثة: الحميمة، وفيها يقيم الإمام، والكوفة، وفيها يقيم نائبه الأول على العراق، وخراسان، وفيها يقيم نائبه الثانى وأتباعه من الدعاة والنقباء، وكان الاتصال بين هذه المراكز مرتبا ترتيبا دقيقا، إذ تخرج التوجيهات من الإمام فى الحميمة إلى نائبه فى الكوفة، ومنه إلى نائبه الثانى فى خراسان، ولكى لا يخفى على الإمام شىء من أخبار الدعوة وأسرارها فإنه كان يلتقى فى موسم الحج من كل عام بنائبيه فى العراق وخراسان والدعاة السبعين ونقبائهم الاثنى عشر، الذين كان ثمانية منهم من العرب وأربعة من الموالى. كانت الدعوة فى بدايتها للرضا من أهل البيت، وذلك حتى لا يشغب أبناء فاطمة على العباسيين ويجهضوا دعوتهم قبل أن تبلغ الهدف وتدرك الغاية. تبقى المراحل التى عبرتها الدعوة حتى أتت أكلها وهى المرحلة السرية: وكانت أطولها فقد بدأت سنة مائة وانتهت سنة مائة وتسع وعشرين. أما المراحل الخمس الأخرى هى: ١ - الجهرية. ٢ - المواجهة المسلحة. ٣ - الفتح. ٤ - قيام الدولة. ٥ - الانتقام. وقد مرت عبرثلاث سنين ما خلا مرحلة الانتقام فقد استغرقت خلافة السفاح، وهو أول من بويع له بالخلافة من بنى العباس. وقد حكمت الخلافة العباسية العالم الإسلامى من سنة مائة واثنتين وثلاثين هجرية سبعمائة وتسع وأربعين ميلادية إلى سنة ستمائة وثمان وخمسين هجرية الف ومائتين وستين ميلادية. حيث سقطت على أيدى المغول، الذين خربوا بغداد، وألقوا ما فى مكتباتها فى دجلة، وحرموا العالم من تراث علمى وفنى، لو أنه بقى لغير وجه الدنيا، وعدل مسار التايخ. والذى يستعرض إنجازات هذه الخلافة يلاحظ أنها رفعت صرح الحضارة الإسلامية، ونشرت أضواءها شرقا وغربا، ففيها ترجمت إلى العربية ما تفتقت عنه العقول البشرية من الآداب، والعلوم، والفنون، وفيها ازدهرت النهضة الفقهية والمذهبية التى لم ير العالم لها نظيرا من قبل ولا من بعد. وبعد، فهؤلاء هم العباسيون وهذه هى دولتهم التى رعت الحضارة، ورفعت ألوية المدنية، وأخرجت العالم كله من ظلام الجهل إلى نور العلم. أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر

стр. 441

٩ - عبدة الشيطان الحبادة الإبليسية عرفتها البشرية منذ القدم بصور مختلفة وليست مجرد ظاهرة تظهر فى بلاد الغرب أو فى الشرق من حين إلى آخر. ولكى نلقى الضوء على هذه المسألة من بدايتها نقف أمام قول الحق ﵎: ﴿إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خيرمنه خلقتنى من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ص:٧١ - ٨٥. فى هذه الآيات نرى انطلاق الغواية والصراع بين آدم وذريته وبين إبليس وذريته إلى يوم القيامة. لكن سير الغواية كان فيما أشارت إليه الآيات: ﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أوتكونا من الخالدين﴾ الأعراف:١٩ - ٢٠. ثم يأتى التعبير القرآنى ليبين نتيجة الغواية: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقرومتاع إلى حين﴾ البقرة:٣٦. وبعدها تأتى رحمة الله لآدم ولذريته من بعده فى نافذة التوبة: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ البقرة:٣٧. وبقيت غواية إبليس الذى يترصد لذرية آدم إلى أن تقوم الساعة فى أهم مهام بنى آدم وهى العبادة الحقة لله والاستخلاف وتعمير الكون. وانطلقت البشرية فى اتخاذ المعبودات المضلة التى نذكر منها: عبدة الشمس وعبدة الأصنام، وهناك من عبد النار سواء فى الهند أو عند الفرس ومن قدس الأنهار والمياه وعبد الأفعى، وكان القدماء المصريون يقدمون القرابين للنيل من الشابات الجميلات. كما كانت هناك حيوانات تعبد على أنها آلهة فى ذاتها ولها معابد خاصة مثل العجل "منفيس" والعجل "أبيس" وفى عهد الاغريق دخلت إلى مصر فى عبادة الأبطال من الرجال. وهناك من عبد الكواكب مثل الصابئة الذين كان لهم أكبر الأثر فى فرقة اليزيدية. على أن حصر العبادات المختلفة لدى البشرية وغواية إبليس للإنس على مر العصور والحضارات أمر يجل عن الحصر ومن أشهر الطوائف التى عرفت فى العالم الإسلامى هم فرقة "اليزيدية" أو عبدة الشيطان وهم طائفة ينتمى معظمها إلى الجنس الكردى، ويوجد بعض منهم فى إيران ومعظم هذه الطائفة يسكن المدن والقرى ويشتغل بالزراعة إلا أن بعضها لايزال فى طور البداوة ويؤلف قبائل رحالة تدعى "الكوجر". وترتبط عقيدتهم بطاووس ملك وهو "الشيطان" أو "إبليس" ولهم كتابهم المقدس "مصحف رش" الذى يحتوى على قصة الخلق وعقائد اليزيدية مما حلل أو حرم عليهم. وعبادة الشيطان مسألة تتجدد وتنمو مع ظهور الفساد والرغبة فى الانطلاق من قيود وضوابط الأديان وهى مسألة تنمو وتزدهر من حين إلى آخر سواء فى بلادنا العربية والإسلامية أو فى الغرب مما يفزع له أصحاب القيم الحريصون المؤمنون بالعقائد والأديان. وهذه العبادة يوجد لها كنائس ورواد وطقوس من كل لون وفن لإغواء الشباب وتلبية حاجاتهم الغريزية بفنون وطقوس وكهنة وحاخامات يزينون لهم هذه الغواية، وصدق الحق ﵎ إذ يقول: ﴿يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ الأعراف:٢٧. أ. د/آمنة محمد نصير

стр. 442

١٠ - العثمانيون العثمانيون نسبة إلى عثمان مؤسس دولتهم التى حكمها ٣٦ سلطانا واستمرت ٦٢٤ سنة ونيفا ينتسبون إلى قايى من قبائل الغز، ثم شاعت صفة عثمانى على كل مواطن ينتمى إلى دولتهم العثمانية بصرف النظر عن دينه وثقافته وعرقه كونوا إمارة ثغر تابعة لدولة سلاجقة الروم فى الأناضول على حدودها مع الدولة البيزنطية ثم استقل أميرها عثمان عام ٦٩٩هـ-١٢٩٩م وأسس إمارته على العلم والفتوحات. وفى عهده برز الشاعر عاشق باشا أول شعراء العثمانيين. ثم توسع عثمان بالغرو والجهاد على حساب البيزنطيين، ولما مات خلفه ابنه أورخان الذى اتخذ من مدينة بورصة عاصمة سياسية وثقافية. واتبع أورخان سياسة أبيه فى نشر العلم وفى الفتح، ووصل إلى مضيق الدردنيل. ومن أبرز شعراء عصره سليمان جلبى صاحب قصيدة المولد. وتولى مراد بن أورخان الإمارة العثمانية والتى تمتد بين الأناضول والبلقان، وفى عهده تأسست فرقة الإنكشارية أول جيش نظامى فى العالم، وفتحت أدرنة من أكبر المدن البيزنطية ٧٦٤هـ-١٣٦٢م، وظلت عاصمة للعثمانيين حتى عام ٨٥٧هـ-١٤٥٣م وأنجب عصره الشاعر نسيمى الذى نشأ فى العراق العثمانى، ونظم بالتركية فى لهجتها الآذرية. وانتصر مراد على تحالف القوى الأوربية ضده فى معركة قوصوه (كوسوفا) إلا أنه استشهد عقبها. وفى عهد ابنه بايزيد الصاعقة انتهى عهد الإمارة لتتحول رسميا إلى سلطنة الخليفة العباسى فى القاهرة بتنصيبه بايزيد سلطانا على الروم إلا أن هزيمته أمام تيمور لنك فى موقعة أنقرة ٨٠٥هـ-١٤٠٢م تسببت فى تفرق الدولة مدة إحدى عشر عاما، بعدها لم ابنه السلطان محمد الأول شمل الدولة من جديد. وهو الذى اعتنى بالتوحيد السياسى وبالمعرفة وظهر فى عهده شيخى الشاعر المجدد صاحب خرنامة آما ثم جاء السلطان مراد الثانى وبعده محمد الثانى الذى لقب بالفاتح لفتحه القسطنطينية (استانبول) عام ٨٥٧هـ-١٤٥٣م واتخاذها عاصمة. وبه انتهى رسميا وجود الدولة البيزنطية وبدأ عهد الدولة الحديثة فى أوربا. وبه أيضا بدأ التاربخ الحديث. واشتهرالفأتح كقائد عسكرى وشاعر وأديب وراع للفنون والأدب، فبالإضافة إليه نفسه كشاعر صاحب ديوان نجد فى عهده العالم آق شمس الدين، الذى عرف الميكروب وكتب عن السرطان، والشاعر أحمد باشا وكذلك سنان باشا رائد النثر التركى العثمانى، والشاعرتين مهرى خاتون وزينب خاتون. وإذا كان الأمير عثمان المؤسس مات عن إمارة تبلغ ٨٠٠ كم٢ فقد توفى الفاتح عن دولة ٢.٠٠٠.٠٠٠كم٢ أى مدى ١٥٤ سنة فقط بين الاثنين. وإذا كانت الفتوحات العثمانية قد توقفت فى عهد بايزيد الثانى ابن الفاتح إلا أن سليم الأول الذى كان شاعرا فى لغته العثمانية وله ديوان بالفارسية وظهر فى عهده العالم اللغوى الفقيه المؤرخ ابن كمال، أعاد سليم حركة الفتوحات مرة أخرى بضمه مصر والبلاد العربية إلى الدولة. وبسليم تحولت الدولة من سلطنة إلى سلطنة وخلافة استمرت حتى عام ١٣٤٢هـ-١٩٢٣م تخللها الذروة التى وصلت فيها الدولة على عهد سليمان القانونى عصرها الذهبى من حيث توسع الدولة وسيطرتها على أوربا، ومن حيث الثقافة والفنون والأدب، فالقانونى نفسه كان أول شعراء عصره الذى أنجب فضولى أمير الشعر التركى القديم، ولامعى الشاعر، وخيرالدين باريماروس القائد البحرى، وبيرى رئيس العالم صاحب كتاب البحرية، والمعمار سنان بانى جامع السليمانية فى أدرنة قمة الفن الإسلامى المعمارى، والذى استخدم قبة الجامع التى لا تستند على أعمدة وإنما على أنصاف قباب، ثم أرباع قباب، ثم الجدار وفى ذلك توسعه لمساحة الجامع. وفى عهد سليمان قضى على نشاط فرسان القديس يوحنا بعد الفتح العثمانى لجزيرة رودوس أما هو نفسه فقد قاد ١٣ حملة عسكرية بدات بفتح بلغراد وانتهت بحصار قلعة سيكتوار عام ٩٧٤هـ-١٥٦٦م والذى مات عن ٧٣ سنة وهو على فرسه يحاصرها، تاركا لابنه سليم الثانى دولة بلغت مساحتها ١٣.٠٠٠.٠٠٠ كم٢. وبعد قرن كامل من الوصول إلى الذروة حكم خلاله عدة سلاطين أبرزهم سليم الثانى، ومراد الثالث، الذى ظهر فى عهده المورخ خوجه سعد الدين، صاحب كتاب تاج التواريخ وأول المؤرخين الرسميين، فتح فيه العثمانيون روسيا ووصلوا إلى مشارف موسكو لكنهم فشلوا فى حصار مدينة فيينا وعندها سقطت عنهم صفة "المنتصرون دائما"، بدأت فترة التوقف التى بدأ فيها العثمانيون فقد أراضيهم لصالح الأوربيين مثل المجر وترانسلفانيا، بموجب معاهدة كارلو فجه فى نهاية القرن الثامن عشر الميلادى، أما فى معاهدة كوجوك قاينارجه بعد ذلك فقد بات واضحا هزيمة العثمانيين أمام روسيا فبدات فترة الانهيار مما جعل الدولة تبدأ مرحلة التجديد لاستعادة القوة، وهى التى بدأت بعبد الحميد الأول، وبرزت فى عهد سليم الثالث صاحب "النظام الجديد" نظرا لإحلاله النظم الأوربية الحديثة محل العثمانية القديمة فى الجيش والإدارة ومظاهر الحياة، مما أثار عليه جنود الإنكشارية فعزلوه وقتلوه. نشطت الحركة الثقافية فى عهده وترجم عاصم، قاموس برهان قاطع من الفارسية. ومن علماء عصره خوجه إسحق عالم الهندسة، ومصطفى بهجت عالم الطب جاء بعد محمود الثانى الذى هيأ الدولة لتجديد أوسع على النمط الأوربى مثلما فعل واليه على مصر محمد على باشا، مما سهل على ابنه عبد المجيد إعلان "التنظيمات" رسميا وذلك يعنى إعادة تنظيم شئون الدولة العثمانية على أسس أوربية وجعل الفرنسية لغة الثقافة تولى بعده مراد الخامس ثم عبد الحميد الثانى الذى تولى والدولة فى غاية ضعفها، مما أطمع فيها دول أوربا وبضغط من النخبة الحاكمة كرجال دولة والمثقفة على أسس غربية أعلن قيام النظام النيابى،"مجلس المبعوثان"، إلا أن هذه النخبة دفعت الدولة إلى الحرب العثمانية الروسية رغما عن إرادة السلطان وبنكبة هذه الحرب ألغى السلطان العمل بالنظام النيابى واهتم بالشئون الثقافية والدينية والعلمية طوال عهده ٣٣ عاما وصلت فيه الثقافة والفنون والنظم التعليمية إلى درجة عالية وظهر فى عهده أساطين الأدب والفكر والفن منهم: نامق كمال، أول دعاة الجامعة الإسلامية، وضيا باشا، وعبدالحق حامد وتوفيق فكرت لكن الجيش بقيادة حزب الاتحاد والترقى أجبر السلطان عبدالحميد على ترك العرش عام ١٣٢٧هـ-١٩٠٩م ليحل محله السلطان محمد رشاد بتوجيه الاتحادين الذين أدخلوا الدولة فى حرب البلقان وإيطاليا ثم بمغامرة عسكرية منهم دون علم السلطان والصدر الأعظم أشركوا الدولة فى الحرب العالمية الأولى التى خرجت منها منهارة وقامت على أنقاضها دولة تركيا فى ٢٩ أكتوبر ١٣٤٢هـ-١٩٢٣م. أ. د/محمد حرب

стр. 443

١١ - العُدة لغة: الاستعداد والتأهب، والعُدة: ما أعددته من مال أو سلاح أو غير ذلك، والجمع عدد، وأعددته إعدادا هيأته وأحضرته (١). واصطلاحا: ما يحتاج إليه المجاهدون من الزاد والراحلة والسلاح (٢) تعالى ﴿ولو أرادوا الخروج لا عدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ (التوبة ٤٦).أى (٣) لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف، ولكن كره الله خروجهم معك، فحبسهم عنك وخذلهم، لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا فى الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين، ويدل على هذا قوله تعالى ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ (التوبة ٤٧). العُدة أى الاستعداد للحرب: فريضة تلازم فريضة الجهاد، فالحرب بلا عدة إلقاء للنفس إلى التهلكة، والعدة للحرب فى سبيل إعلاء كلمة الله بأنواعها فرض على المسلمين، ويكون ذلك بإعداد السلاح، والتدريب على استعماله وعلى الرمى، لقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ (الأنفال ٦٠) الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية وقد يتعين، وقد ورد لفظ القوة فى الآية الكريمة مطلقا بغير تحديد ولا تقييد، فهو يتسع ليشمل كل عناصر القوة ماديا ومعنويا وما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للجهاد فهو من جملة القوة، وقد تركت الآية تحديد القوة المطلوبة، لأنها تتطور تبعا للزمان والمكان، وحتى يلتزم المسلمون. بإعداد ما يناسب ظروفهم من قوة يستطيعون بها إرهاب العدو. وقد فسر رسول الله ﷺ القوة بالرمى (ألا إن القوة الرمى) (٤) وكرر هذه الجملة ثلاث مرات للتأكيد والترغيب فى تعلمه وإعداد آلات الحرب، وهو أهم فنون القتال حيث إن الرمى أعلى المراتب فى استعمال السلاح. قال القرطبى (٥): إنما فسر القوة بالرمى- وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب- لكون الرمى أشد نكاية فى العدو وأسهل مؤنة، لأنه قد يرمى رأس الكتيبة فيهزم من خلفه. فيحمل معنى الآية هنا على الاستعداد للقتال بجميع ما يمكن من الآلات كالرمى بالنبل والسيف وتعلم الفروسية، واتفاق الكلمة والثقة بالله، ويشمل فى عصرنا الرمى بالدبابات والطائرات والغواصات والصواريخ، وإنما ذكرهذا هنا لأنه لم يكن له استعداد تام فى بدر فنبهوا على أن النصر بدون استعداد لا يتأتى فى كل زمان، ودلت الآية على أن وجود القوة الحربية اتقاء بأس العدو. وخص رباط الخيل بالذكر مع أن الأمر بإعداد القوة فى الآية يتناول جميع ما يتقوى به للحرب، لأنها الأدوات التى كانت موجودة عندهم ولو أمرهم بأسباب غير معروفة لديهم ولا يطيقون إعدادها لكان تكليفا بما لا يطاق. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 444

١٢ - العِدَّة لغة: أيام أقراء المرأة وهى مأخوذة من العد والحساب، وقيل: تربصها المدة الواجبة عليها، والجمع عدد، وهى مأخوذة من العدد لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر غالبا. (١) وقال الجرجانى: العدة تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته (٢) واصطلاحا: هى اسم لمدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها. أو للتعبد أو لتفجعها على زوجها (٣). اتفق الفقهاء على مشروعية العدة ووجوبها على المرأة عند وجود سببها، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع: (أ) أما الكتاب فمنه قول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (البقرة ٢٢٨) وقوله تعالى: ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (الطلاق ٤) وقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (البقرة ٢٣٤). (ب) وأما السنة: فمنها: ما ورد عن أم عطية عن النبى ﷺ قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت. فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (٤). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب. العدة فى الجملة (٥). وتجب العدة على المرأة بالفرقة بين الزوجين بعد الدخول بسبب الطلاق أو الموت أو الفسخ أو اللعان، كما تجب بالموت قبل الدخول وبعد عقد النكاح الصحيح. وأما الخلوة: فقد اختلف الفقهاء فى وجوب العدة بها: فعند الحنفية والمالكية والحنابلة: تجب العدة على المطلقة بالخلوة الصحيحة فى النكاح الصحيح دون الفاسد. أما الفاسد فلا تجب فيه إلا بالدخول. وعند الشافعية: أن العدة لا تجب بالخلوة المجردة عن الوطء. وقد شرعت العدة لمعان وحكم اعتبرها الشارع. منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فكثر فى رحم واحد فتختلط الأنساب وتفسد، ومنها: تعظيم خطر الزواج ورفع قدره وإظهار شرفه، ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق لعله يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة، ومنها قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده فى المنع من التزين والتجمل. ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد، ومنها: الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة وحق الولد والقيام بحق الله الذى أوجبه، ففى العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشرع الموت مقام الدخول فى استيفاء المعقود عليه. فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها (٦) وأنواع العدد فى الشرع ثلاثة: ١ـ عدة القروء. ٢ ـ عدة الأشهر. ٣ ـ عدة وضع الحمل. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 445

١٣ - العدد لغة: الإحصاء. (عدَّه): يَعُده حسبه وأحصاه. (أعتد): صار معدوداً (العديد): المعدود. (أيام عديدة): أى معدودة. (العِدَّة): الجملة من الأشياء. واصطلاحا: يشير إلى تعداد (أو مجموع) بضعة أشياء، وتسمى الأعداد من هذا النوع أعدادا أصلية. وأحيانا تشير الأعداد إلى مواقع الأشياء فى قائمة مرتبة، فتسمى أعداد ترتيبية. كانت مجموعة الأعداد الأصلية تحتوى على الأعداد الطبيعية (أى الصحيحة الموجبة فقط)، ثم امتدت لتشمل أنواعا جديدة أمكن تصورها، فأضيفت الأعداد السالبة والصفر، فتكونت مجموعة "الأعداد الصحيحة". ثم أضيفت الكسور، فصار لدينا مجموعة الأعداد الجذرية"، ثم أضيفت الأعداد الصماء، وهى التى لا يمكن كتابتها على هيئة كسور بسيطة، مثل: (٢) ١/ ٢ (٤) ١/ ٣، فصار لدينا ما يسمى "الأعداد الحقيقية "، ثم جاءت إضافه مهمة إلى فكرة الأعداد، وهى الأعداد التخيلية (التى تحتوى على (-١) ١/ ٢) والنظام العشرى طريقة مبسطة لكتابة القيم الحقيقية أو التقريبية للأعداد الموجودة فى نظام الأعداد الحقيقية، ومع أن بعض الكسور البسيطة مثل ١/ ٣ ليس لها مقابل عشرى، إذ نلاحظ تكرارا لا ينتهى فى الأرقام إلا أن قيمتها معروفة. مثال آخر ٢/ ٧ = ٠٠٠٠٠ ٢٨٥٧١٤ و (٢٨٥٧٧١٤و). أما الأعداد الصماء مثل (٢) ١/ ٢، فنجد أنها إذا وضعت على هيئة كسر عشرى فإن هذا لا ينتهى ولا تتكرر أرقامه، فيكتفى بالتقريب المطلوب. وألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة فى اللغة العربية تكون على عكس المعدود فى التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كسبع ليال وثمانية أيام أو مركبة كخمسة عشر بيتا وست عشرة دولة. أو معطوفا عليها. كثلاثة وعشرين كرسيا وأربع وعشرين ناقة. أما واحد واثنان فهما وفق المعدود فى الأحوال الثلاثة تقول فى المذكر واحد، وأحد عشر. وواحد وثلاثون. واثنان واثنا عشر واثنان وثلاثون. وفى المؤنث واحدة وإحدى عشرة وإحدى وثلاثون واثنتان واثنتا عشرة واثنتان وثلاثون. وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما فى التذكير والتأنيث. وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وأربعين إلا عشرة، فهى على عكس معدودها إن كانت مفردة كعشرة رجال وعشر نسوة، وعلى وفقه إن كانت مركبة كخمسة عشر رجلا وخمس عشرة امرأة. ثم إذا انتقلنا إلى الإعجاز العددى للقرآن الكريم، الذى يعد دليلا على وجود الموحى ورسالة الموحى إليه، فسيجد كل باحث ودارس فى هذا الكتاب العظيم من أوجه الإعجاز العددى تساويا .. أو تناسبا .. أو توازنا آية جديدة ومعجزة فريدة. ونورد هنا بعضا من هذا الإعجاز فقد ورد لفظ محمد ﷺ مكررا فى القرآن الكريم ٤ مرات وهو بذلك يتساوى فى العدد على مرات ذكر روح القدس، وأيضا الملكوت، وكذلك السراج ويتساوى بذلك مع الشريعة بكل مشتقاتها. إذ وردت بلفظ شريعة مرة واحدة فى النص الكريم] ثم جعلنا ك على شريعة من الأمر [ (الجاثية١٨) كما وردت بلفظ شرع فى النص الشريف: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك﴾ (الشورى١٣). ومرة بلفظ شرعوا فى قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ (الشورى ٢١) وكذلك بلفظ شرعة فى النص الكريم] لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [ (المائدة ٤٨). وبذلك يتساوى عدد مرا ت ذكر محمد بعدد مرات ذكر روح القدس، وعدد مرات ذكر الملكوت، وعدد مرات ذكر السراج، وعدد مرات ذكر الشريعة. هذه مجرد لفتة إعجازية سريعة، تشير إلى محمد والشريعة، وهناك مئات الإشارات العددية الأخرى تنبئ عن أسرار مدهشة تكشف عن توافقات علمية كا لعدد الذرى والعدد الكتلى يقف الإنسان إزاءها ذاهلا. وتتوالى الأنباء عن محاولات جادة ودراسات فذة لتوسيع رقعة البحث فى الإعجاز العددى للقرآن الكريم فى كل جامعات العالم بأحدث أجهزة العد والحصر. (هيئة التحرير)

стр. 446

١٤ - العدم لغة: العَدَم، العُدْم، العُدُم فقدان الشيء وزواله، يقال: عَدَمه يعدمه عُدْما وعَدَما فهو عَدم، ومنه أعدم الرجل إذا افتقر وأصبح ذا حاجة ورجل معدم يعنى أنه فقير. واصطلاحا: سلب الوجود عما من شأنه أن يكون موجودا، والعدم يقابله الوجود، وهما نقيضان (ولا يقال ضدان) لا يجتمعان معا، ولا يرتفعان معا عن الشيء الواحد فى زمان واحد ولابد للشيء من واحد منهما، فهو إما أن يكون معدوما أو موجودا. وقيل: العدم نفى الشيئية عما من شأنه أن يكون شيئا. العدم ليس بذات موجودة على الإطلاق، ولا معدومة على الإطلاق، بل هو ارتفاع الذات الوجودية بالقوة. هكذا يعرفه ابن سينا، وعند ابن رشد: لا يوجد العدم مطلقا عن الإضافة لأنه ليس هناك عدم مطلق دائما، وإنما يوجد العدم مضافا إلى شيء معدوم، فيقال عدم الخير شر، عدم الحركة سكون. وعند المعتزلة العدم ذات عارية عن الوجود قبل كون العالم ووجوده بالفعل، والعدم شيء والشيئية صفة ثابتة للعدم، ولذلك هم يقولون بشيئية المعدوم، ويسميها ابن عربى الصوفى الشهير "بالأعيان الثابتة". ويقصدون به خلو الشيء عن الصفات التى كانت موجودة فيه، أو ليست موجودة بالفعل لكنها موجودة بالقوة. كالعمى والسكون والموت بالنسبة للإنسان. والعدمية نظرية نادى بها "فور غياس" وهى تعنى أنه ليس يوجد شيء على الإطلاق وبرهن على ذلك بما يأتى: ١ - لا يوجد شيء على الإطلاق. ٢ - إذا كان هناك شيء فالإنسان قاصرعن إدراكه. ٣ - إذا أدركه الإنسان فلن يستطيع أن يبلغه لغيره من الناس، كما هو عليه فى نفس الأمر، ولكن كما يحسه هو. والعدمية نظرية فلسفية تقوم على إنكار القيم الأخلاقية، ويرون أن الأخلاق- القيم الأخلاقية والظواهر الأخلاقية- لا وجود لها فى ذاتها، ولكن المجتمعات هى تخترعها، وليس هناك وجود ذاتى لما يسمى قيمة خلقية، وإنما هناك تفسير إنسانى لظواهر سلوكية. العدم نقص والوجود كمال، عدم كل شيء شر له من وجوده، العدمى خلو الشيء عن صفات كماله. العدمية نزعة فلسفية تقوم على النفى المطلق للحقائق الثابته على الإطلاق. أ. د / محمد السيد الجليند

стр. 447

١٥ - عذاب القبر اصطلاحا: من السمعيات التى ورد بها الشرع، ويجب على المسلم الإيمان بها "نعيم القبر وعذابه "- فى حياة تسمى بحياة "البرزخ " وهى ما بين الموت والبعث. وقد تضافرت الأدلة من القرآن الكريم والسنة وإجماع الأمة علّى أن "القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار"- وهذا حديث نبوى متواتر المعنى- وفى القرآن الكريم يقول الله تعالى فى "آل فرعون" ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ (غافر ٤٦) أى قبل يوم القيامة- وذلك إنما يكون فى القبر، بدليل قوله تعالى عقب ذلك: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ (غافر ٤٦)؛ وفى حق قوم نوح ﵇ ﴿أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ (نوح ٢٥) ومعلوم أن الفاء للتعقيب؛ وقوله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ (غافر ١١) فالإماتة الأولى تقع فى الدنيا، والثانية تقع عند النفخة الأولى فى الصور، والإحياء الأول يكون فى الدنيا قبل الموت، والإحياء الثانى يكون فى حياة البرزخ فى القبر حيث النعيم أو العذاب؛ وقد ترك ما فى الآخر من إحياء لأن القائلين "ربنا .. الخ " يشاهدون ذلك ويعاينونه عند مقالتهم تلك- كما تواتر عن النبى ﷺ استعاذته من عذاب القبر، والأحاديث فى هذا الباب كثيرة. وقد أنكر نعيم القبر وعذابه فريق ممن ينتسبون إلى الإسلام ـ وقد نسب ذلك إلى " المعتزلة " ولكن هذا ادعاء باطل فالمعتزلة لا ينكرون نعيم القبر وعذابه، إنما الذى أنكر ذلك هو ضرار بن عمرو ـ وهو ليس من المعتزلة، ولكنه كان يتردد عليهم فنسب إليهم وليس منهم. والشبهات التى استند إليها المنكرون تتلخص فى أن بعض الناس يموتون ولا يقبرون ـ كمن غرق فى البحر وأكلته الحيتان، ومن أحرقته النار فصار رمادا ـ فكيف يسأل هؤلاء وكيف ينعمون أو يعذبون ـ مع أنهم لم يدفنوا فى قبور؛ ومن شبههم أيضا أن المصلوب يبقى مصلوبا أياما بعد موته من غير أن يظهر عليه أثر للنعيم والعذاب ـ كما أننا لو فتحنا قبر ميت بعد دفنه بفترة من الزمن لوجدناه على وصفه الذى كان عليه عند دفنه ـ بدون أن يظهر عليه أثر للنعيم أو العذاب حتى لو وضعنا على صدره ـ عند دفنه ـ حبات من خردل ـ لوجدناها كما هى ـ مما يدل على أنه لم يتحرك ـ إلى نحو ذلك من شبهات. ويقال فى الرد على هذه الشبهات: ١ـ أنه إنما سمى بعذاب القبر ونعيمه؛ لأن الغالب على الموتى أنهم يقبرون- ولكن المراد به "حياة البرزخ "- فكل ميت يناله من النعيم والعذاب- فى حياة البرزخ- ما قدر له – وإن لم يدفن فى قبر. ٢ - أن ما يخبر به الرسل إما أن يكون مما تشهد له العقول والفطر، وإما أن يكون مما لا تدركه العقول بمفردها- كالغيبيات- التى أخبروا بها عن حياة البرزخ واليوم الآخر وما فيه- وهى أمور لا تحكم العقول بأنها مستحيلة، وإن كانت لا تصل إلى إدراكها بمفردها- غير أنها أمور ممكنة فى ذاتها- أخبر بها الصادق الذى ثبت صدقه بالمعجزة، فتكون حقا لا ينبغى لعاقل أن يمارى فيه- وإذا حكم العقل باستحالة شيء من هذا القبيل فإن ذلك يرجع إما إلى خلل فى حكم العقل، أو كذب فى النقل عن الرسل. ٣ - أن دار الدنيا لها أحكامها وقوانينها التى تجرى على الأبدان؛ وأما دار "البرزخ" فلها أحكامها التى تجرى على الأرواح - ونحن نرى مثالا لذلك فى الدنيا- وهو النائم الذى ينعم أو يعذب فى منامه بينما الملاصق له فى سريره لا يرى شيئا من ذلك ولا يحس به؛ مما أخبر به الرسول ﷺ عن عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وكونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار- هو أمر لا يحكم العقل باستحالته، وقد أخبر به الصادق المؤيد بالمعجزة؛ فيكون حقا لا ريب فيه، ولا مستند لمن ينفيه. هذا وقد اتفق المثبتون لنعيم القبر وعذابه أن الله يعيد إلى الميت فى القبر نوع حياة قدر ما يتلذذ ويتألم- ولكنهم توقفوا فى إعادة الروح إليه- وما يقال من أنه لا حياة بدون الروح فإنما يكون ذلك فى الحياة الكاملة- وهى المصحوبة بالقدرة والفعل الاختيارى- وقد اتفقوا على أن الميت لا يتمتع بذلك. أ. د/ صفوت حامد مبارك

стр. 448

١٦ - العرش لغة: الكلمة فى أصل وضعها اللّغوى مأخوذة من اعترش يعترش على العرش إذا علا فوقه، ويقال اعترشت المرأة عريشها إذا اعتلته، وهو مطاوع الفعل عرش، كرفع وارتفع كذلك يقال عرش واعترش، والعرش السقف، والجمع عروش، ومنه قوله تعالى ﴿وهى خاوية على عروشها﴾ (الكهف ٤٢) أى علّى سقوفها، وقالوا بدت لنا عروش مكة أى سقوف بيوتها لأن أعلى البيت سقفه وتقول العرب: نساء مسكنات فى العرائش أى الهوادج. واصطلاحا: العرش عند علماء الكلام هو سرير الملك. يقال استوى الملك علّى عرشه إذا امتلك أمره، واستوى علّى عرشه إذا استولى عليه ويقال فلَّ عرشه إذا هلك. والمعتزلة (طائفة من علّماء الكلام) يقولون: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طَّه ٥) يعنى استولى علّيه وملّك وقهر. ويستدلون على هذا المعنى ببيت من الشعر لا يعلم قائله. قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق أما أهل السنة والجماعة وما مضى عليه سلف الأمة فإنهم يقولون] الرحمن على العرش استوى [ أى علا على العرش ورفضوا تأويل المعتزلة أن استوى بمعنى استولى وملك وقهر، لأنه لا يوجد من غالب الله علّى عرشه حتى يقال إن الله استولى على العرش منه. وقد ورد] الرحمن على العرش استوى [فى ستة مواضع من القرآن الكريم فسرها أهل السنة علّى النحو السابق بأنه العلو، وفسرها المعتزلة ومتأخر والأشاعرة بالاستيلاء. والعرش هو أعلى المخلوقات، محيط بها من جميع جهاتها وهو سقفها وفوقها، فالأرض مستديرة وفوقها سماء الدنيا محيطة بها، وفوقها السماء الثانية (كرية)، محيطة بالسماء الدنيا وبالأرض، ثم السماء الثالثة إلى السماء السابعة، والكرسى فوق الأفلاك جميعها، والعرش فوق الكرسى محيط بالجميع لكون الأرض مستديرة وأعلاها من كل جانب هو جهتها من هذا الجانب، والعرش محيط بالجميع، وهو أعلّى الجميع من كل جهة كما قال تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ (البقرة: ٢٥٥) وقوله تعالى ﴿والله من ورائهم محيط﴾ (البروج ٢٠). أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 449

١٧ - العَرَض اصطلاحا: العَرَض: يقابله الجوهر، فى الحد والمعنى، والعرض: ما لا يقوم بنفسه ولا بد له من جوهر يقوم به، ولا يفترقا وقيل: هو ما يقوم بغيره، ما يقوم فى موضوعه، الموجود الذى يحتاج إلى موضوع يقوم به، كالكون القائم بالجسم المتكون، والبياض القائم بالجسم الأبيض. وقيل: العَرَض ما ليس داخلا فى تقويم الماهية دخولا ذاتيا، كالقيام والقعود بالنسبة للإنسان، وهو من لوازم الماهية لاينفك عنها كالضاحك بالقوة بالنسبة للإنسان. وينقسم العَرَض إلى عَرَض ملازم للماهية، ومفارق لها، والملازم للماهية قد يكون ملازما لها فى الوجود الخارجى، وقد يكون ملازما لها فى العقل فقط، مثال الملازم للماهية الزوجية بالنسبة للاثنين، والزوايا الثلاثة للمثلث، ومثال الملازم للوجود الخارجى السواد بالنسبة للزنجى، وكل عرض لازم للماهية عقلاً يلازمها وجودا، ولا عكس. وينقسم من جهة أخرى إلى عرض عام وخاص. فالعرض العام: قول كلى يقال على كثيرين مختلفين فى الحقيقة قولا غير ذاتى فى موضوعه كالسواد والبياض للإنسان. والعرض الخاص: قول كلى يقال على واحد قولا عرضيا، كالكاتب للإنسان. وينقسم العرض باعتبار ثالث إلى: (أ) عرض قارّ الذات: وهو الذى تجتمع أجزاؤه فى الوجود، ولا توجد إلا كذلك، كالسواد القائم بالجسم الأسود (ب) غير قارّ الذات: وهو الذى لا تجتمع أجزاؤه فى الوجود، كالحركة بالنسبة للجسم المتحرك. والعرض اللازم للماهية: هو ما لا ينفك تصوره عنها، كالكاتب بالقوة للإنسان غير الكاتب؛ فإنها عرض ملازم لماهيته، ويقال لها: عرض بالفعل للإنسان، إذا مارس الكتابة وباشرها واقعا. والعرض المفارق هو ما يجوز تصوره عقلا منفكا عن ماهيته، كحمرة الخجل للإنسان وكصُفْرة الوجه وجلا. وقد يكون العرض ذاتيا من خواص الماهية، ولكنه ليس داخلا فى تقويمها، كالتعجب بالنسبة للإنسان، وقد يكون لاحقا للماهية، كالحركة اللاحقة للإنسان بما أنه حيوان، وقد يكون العرض لاحقا للماهية بواسطة أمر خارج عنها لاحقة كالضحك اللاحق للإنسان من التعجب، وهناك أعراض غريبة على الماهية لاحقة لها لأمر أعم منها، كحركة الجسم الأبيض بواسطة أنه جسم، فالجسم أعم من الأبيض. وكالعرض اللاحق للأخص، كالضحك بالنسبة للحيوان، من منطلق أنه إنسان، فهو أخص من الحيوان. ويكون العرض حاصلا بسبب مُبَاين، كالحرارة العارضة للماء بسبب النار، وهى مباينة بطبعها للنار. وهناك عوارض مكتسبة بفعل الكائن لا تكون جزاء من ماهيته، ولا تدخل فى تصورها، كالسكر بالنسبة للإنسان؛ فإنه ليس ذاتيا ولازما، ولا لاحقا لماهيته دائما، وإنما هو مكتسب بفعله. وابن سينا يرى أن العرض اسم مشترك يقع على كثيرين: ١ - فهو يقال لكل موجود فى محل. ٢ـ يقال لكل موجود فى موضوع. ٣ـ يقال للمعنى المفرد الكلى المحمول على كثيرين حملا غير مقوّم للماهية ٤ـ يقال لكل معنى موجود بالشئ، خارج عن ماهيته. ٥ـ يقال لكل معنى يحمل على الشئ لأجل وجوده فى آخر يقارنه. ٦ـ يقال لكل معنى وجوده فى أول أمره لا يتوقف على تصوره. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 450

١٨ - العرف لغة: المعروف وهو خلاف النكر، والعرف: ما تعارف عليه الناس فى عاداتهم ومعاملاتهم (١). واصطلاحا (٣): هو ما اعتاده الناس وساروا عليه من فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا إطلاقه على معنى خاص لم يوضع له فى اللغة، ولا يتبادر غيره عند سماع ذلك اللفظ. فالعرف: ما يعرفه كل أحد، والعادة: ما يتكرر معاودتها مرة بعد أخرى. والعرف من الأدلة الشرعية عند الفقهاء، وإليه يحتكم فى كثير من أحكام الفقه الفرعية، وخاصة فى أحكام الأيمان والنذور، والطلاق (٣). والعرف منه عملى وقولى (٤) فالعرف العملى، قيل: اعتياد الناس بيع المعاطاة من غير وجود صيغة لفظية، وتعارفهم على قسمة المهر فى الزواج إلى مقدم ومؤخر، وتعارفهم على أكل القمح ولحم الضأن. والعرف القولى، مثل: تعارف الناس إطلاق لفظ "الولد" على الذكر دون الأنثى مع أنه فى الاستعمال اللغوى يطلق عليهما معا، وكذلك تعارفهم على عدم إطلاق لفظ "اللحم" على السمك. وهناك فرق بين العرف والإجماع (٥). إذ الاجماع هو اتفاق مجتهدى الأمة فى أى عصر، وأما العرف فما يعتاده أكثر الناس من العوام والخواص، فلا يشترط فيه الاتفاق ويكون فيه حظ للعوام أيضا بخلاف الإجماع. والعرف سواء أكان قوليا أم عمليا نوعان (٦): عرف عام وعرف خاص، فالأول: ما تعارفه غالبية أهل البلدان فى وقت من الأوقات، مثل: تعارفهم عقد الاستصناع واستعمال لفظ الحرام بمعنى الطلاق لإزالة عقد الزواج. والثانى وهو العرف الخاص: هو ما يتعارفه أهل بلدة أو إقليم أو طائفة معينة من الناس، كإطلاق الدابة فى عرف أهل العراق على الفرس، وجعل دفاتر التجار حجة فى إثبات الديون. وينقسم ثانيا إلى عرف صحيح وعرف فاسد، فالأول: ما تعارفه الناس دون أن يحرم حلالا أو يحل حراما كتعارفهم تقديم عربون فى عقد الاستصناع، والثانى ما تعارفه الناس ولكنه يحل حراما أو يحرم حلالا كتعارفهم أكل الربا، واختلاط الناس بعضهم ببعض رجالا ونساء فى الحفلات والأندية العامة. والأصل فى اعتبار العرف قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ الأعراف:١٩٩. وقول ابن مسعود: إما راه المسلمون حسنا فهو عندالله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ) (٧). أ. د/على جمعه محمد

стр. 451

١٩ - العَرُوض لغة: ذكر الزبيدى فى معجمه تاج العروس أن للفظ العروض أربعة عشر معنى منها: الطريق فى عرض الجبل، والعروض من الكلام فحواه ومعناه، والعروض المكان الذى يعارضك إذا سرت، ويطلق على مكة والمدينة .. والعروض مؤنثة ولا تجمع لأنها اسم جنس (١). واصطلاحا: له عدة تعريفات نذكر منها: أنه علم يعرف به وزن الشعر واستقامته من انكساره. وقيل: هو ميزان الشعر، به يعرف مكسوره من موزونة .. كما أن النحو معيار الكلام، به يعرف معربه من ملحونه. وقيل: علم وضع لمعرفة شعر العرب .. وبمعرفته يأمن الشاعر على نفسه من إدخال جنس من الشعر علّى جنس .. إذ كان الاشتباه فى أجناس الشعر كثيرا .. وقد وقع فيه جماعة من العرب. (٢) وهذه التعريفات- كما ترى- تختلّف لفظا، وتتحد فى المعنى، ويمكن أن نخرج منها بتعريف واحد يجمعها وهو: العروض: علم بأصول يعرف بها صحيح أوزان الشعر وفاسدها .. وما يعتريها من الزحافات والعلل .. فالعروض: ميزان الشعر. (٣) وقد وضع هذا العلم .. أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو الأزدى الفراهيدى (١٠٠ - ١٧٠هـ) شيخ "سيبويه " ومصنف كتاب "العين " أول معجم يحصر لغة أمة من الأمم .. مات بالبصرة (٤). وقد ألهمه الله تعالى علم "العروض " فى مكة فسماه به .. تيمنا بها .. وأنه شبهه بالمعانى اللغوية الباقية بجامع مطلق التوصيل فى كل .. لكنه صار حقيقة عرفية فيه .. وحصر فيه أوزان العرب فى خمسة عشر بحرا .. وزاد عليه تلميذه "الأخفش " بحرا آخر .. ثم لم يزد عليهما أحد شيئاً يعتد به. (٥). وموضوعه: الشعر العربى .. من حيث هو موزون بأوزان مخصوصة. وفائدته: تمييز الشعر من النثر .. وأمن الناظم اختلاط البحور بعضها ببعض لعظيم التشابه ودقة الفروق بينها، والسلامة من كسر الوزن أو الإخلال فيه .. وضمان قراءة الشعر قراءة صحيحة بمقتضى الوزن .. والمعاونة على نظم الشعر بمعرفة السليم الموزون منه من المكسور وزنا. (٦) والعروض اسم يطلق على آخر جزء من النصف الأول من البيت .. وسمى بذلك تشبيها بعارضة الخباء .. وهى الخشبة المعترضة فى وسطه .. وأعاريض الشعر أربع وثلاثون عروضا- استعملتها العرب .. وكثرت أشعارها عليها .. وهى عند بعضهم ثلاث وثلاثون عروضا (٧) أ. د/ صفوت زيد

стр. 452

٢٠ - العزيمة لغة: القصد المؤكد، يقال عزمت على فعل كذا، أى قصدت اليه قصدا مؤكدا (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فنسى ولم نجد له عزما﴾ طه:١١٥. واصطلاحا: هى الحكم الثابت على وفق الدليل، أو على خلاف الدليل لغير عذر (٢). فالحكم: جنس يشمل الرخصة والعزيمة، ويقصد بالثابت: أنها لابد وأن تكون ثابتة بدليل. وقوله: "على وفق الدليل" لإخراج الرخصة: فهى حكم مثبت على خلاف الدليل. أما قوله: "أو على خلاف الدليل لغير عذر" فيقصد به إدخال بعض أنواع العزيمة فى تعريفها، مثل: وجوب الصلاة والزكاة والحج وغيرها من باقى التكاليف، فإنها أحكام شرعت على خلاف الأصل، وهو الأدلة الشرعية، لكن تلك المخالفة ليست لعذر؛ لأن المراد من العذر: الحاجة والمشقة أو الضرورة، وهذه التكاليف لم تشرع للحاجة والمشقة، وإنما شرعت للابتلاء والاختبار. وفى ضوء هذا التعريف يعلم تنوع العزيمة إلى نوعين: الأول: أحكام ثابتة على وفق الدليل، مثل: إباحة الأكل والشرب وسائر الطيبات، فإنها تثبت على وفق الدليل الأصلى، إذ الأصل فيها الإباحة. الثانى: أحكام ثابتة على خلاف الدليل لغير عذر، مثل أحكام سائر التكاليف الشرعية، فإنها تثبت ابتداء على خلاف الدليل الأصلى، إذ الأصل عدم التكليف، لكن بثبوتها ليس لأعذار العباد. وقد ذهب بعض الأصوليين إلى أنها تشمل الأحكام الخمسة، على الوجه التالى: ١ - الإيجاب: كإيجاب الصيام، والحج، وغير ذلك من الواجبات. ٢ - الندب: مثل صلاة ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد صلاة المغرب. ٣ - التحريم: مثل تحريم السرقة، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها من المنهيات. ٤ - الكراهة: مثل الصلاة فى مرابض الإبل والغنم. ٥ - الإباحة: مثل إباحة الأكل والشرب، وغيرهما من كل ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك. والعزيمة تقابل الرخصة. والرخصة لغة: التيسير، يقال: رخص الشارع فى كذا إذا يسره وسهله. واصطلاحا: هى أسم لما بنى على أعذار العباد، وهو ما يستباح بعذر مع قيام المحرم (٣). وقال الغزالى: هى ما وسع للمكلف فى فعله لعذر مع قيام السبب المحرم (٤). وبقية تعريفاتها تدور على معنى التيسير لى العباد بسبب ما يعرض لهم من أعذار. ودليلها من القرآن قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسرولا يريد بكم العسر﴾ البقرة:١٨٥. ومن السنة قوله ﷺ "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٥). وقوله ﷺ "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لى فيه" (٦). أ. د/عبد الصبور مرزوق

стр. 453

٢١ - العصمة لغة: عصم إليه عصما: لجأ، وعصم القربة وجعل لها عصاما يشدها به، وعصم الله فلانا: حفظه ومنعه ووقاه من الشر والخطايا، واعتصم به: امتنع به ولجأ، واستعصم طلب العصمة وتأبى وامتنع، ومنه قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ يوسف:٣٢،تأبى وامتنع، واعتصم بالله: امتنع بلطفه من المعصية (١). واصطلاحا: ملكة إلهية تمنع من فعل المعصية، والميل إليها مع القدرة عليها، وتمنع من خطأ الرسول، أو نسيانه فيما يبلغه عن ربه، ولذلك يجب الإيمان بكل ما يخبر الرسل به عن ألله تعالى، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به. والعصمة بهذا المعنى ليست لأحد غير الأنبياء صلوات الله عليهم، قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ الحشر:٧. وقد وردت العصمة فى القرآن الكريم أيضا بمعنى المنع والحفظ، قال تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ المائدة:٦٧. أى يمنعك ويحفظك، كان الرسول ﷺ يحرس فلما نزلت هذه الآية قال: (يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنا الله (٢). والعصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامى، ومنه قول الله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمرالله إلا من رحم﴾ هود:٤٣. قال الزجاج: وأصل العصمة الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد عصما، قال الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ آل عمران:١٠٣،أى تمسكوا بعهد الله، وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم﴾ آل عمران:١٠١، أى من يتمسك بحبله وعهده. والعصمة: عقد النكاح، أو رباط الزوجية يحله الزوج متى شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ الممتحنة:١٠، أى لا تتمسكوا بعقود نكاحهن، والعصمة أيضا قيد النكاح وهو الأثر المترتب على عقده، وهو حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر، وأن يكون استمتاع الزوج بالزوجة على سبيل الملكية لا يشاركه فيه أحد، فللزوج ملك التمتع بالمرأة أى اختصاصه بذلك (٣) فالعصمة بهذا المعنى فى يد الزوج، وهى عقدة النكاح، وفى الحديث (ولى عقدة النكاح الزوج) (٤). وللزوج أن ينقل العصمة إلى المرأة إذا اشترطت ذلك، وقبل هذا الشرط منها، أو بأن يخيرها قبل الدخول أو بعده بينه وبين نفسها، فإذا اختارت نفسها فقد طلقت أو يفوضها فى طلاق نفسها منه متى شاءت فتنتقل العصمة إليها، ولها أن تطلق نفسها منه متى أرادت، ولا يسقط ذلك حقه فى أن يطلقها إذا أراد. أ. د/عبدالرحمن العدوى

стр. 454

٢٢ - العفة لغة: عفَّ عفَّة وعَفافا: كفَّ عما لا يحل ولا يجُمل من قول أو فعل، والعفّة: ترك الشهوات من كل شيء. والتعفف التنزه عن السؤال قال تعالى ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم﴾ (البقرة ٢٧٣) كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: هيئة للقوة الشهوانية متوسطة بين الفجور الذى هو إفراط هذه القوة، والخمود الذى هو تفريطها (٢). وعرفها مسكويه: العفة وسط بين رذيلتين، وهما الشره، وخمود الشهوة، والشره هو الانهماك فى اللذات والخروج عما ينبغى، وخمود الشهوة هو السكون عن الحركة التى تسلك نحو اللذة الجميلة التى يحتاج إليها البدن فى ضروراته، وهى ما ترخص فيه الشريعة والعقل (٣). وقيل: هى اعتدال الميل إلى اللذة وخضوعها لحكم العقل (٤). ويندرج تحت العفة فضائل كثيرة عند مسكويه منها: الحياء، والدعة، والصبر، والسخاء، والحرية، والقناعة، والدماثة، والانتظام، وحسن الهدى، والوقار والورع (٥). وكل من جاوز حد الاعتدال فى مأكله ومشربه أو فى فعله وسلوكه أو فى إرضاء رغباته وشهواته لم يكن عفيفا. والعفة نوعان هما: (أ) العفة عن المحارم وتشمل كف اللسان عن الأعراض، وضبط الفرج عن الحرام، فقد روى عن النبى) ﷺ أحب العفاف إلى الله عفاف الفرج والبطن). ويتم التحكم فى ضبط الفرج عن طريق: أولا: غض الطرف عن إثارتها، وكفه عن مساعدتها؛ فإنه القائد المحرك والقائد المهلك. ثانيا: ترغيبها فى الحلال عوضا واقناعها بالمباح بدلا، فإن الله ما حرم شيئا إلا وأغنى عنه بمباح من جنسه (٦). والعاقل من حفظ دينه ومروءته بترك الحرام وحفظ قوته فى الحلال (٧). ثالثا: إشعار نفسه بتقوى الله تعالى فى أوامره واتقاؤه فى زواجره. (ب) العفة عن المآثم وذلك بالكف عن المجاهرة بالظلم وزجر النفس عن الإسرار بالخيانة. وكان من دعاء النبى ﷺ قوله:"اللهم إنى أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى". (رواه أحمد عن عبد الله بن مسعود). وأفضل الطرق فى الحياة أن يتمتع الإنسان باللذات الطيبة فى حدود الأخلاق غير متجاوز بذلك الحدود المشروعة لقوله تعالى ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ (الأعراف ٣٢). فالعفة ليست القضاء على الشهوات والرغبات وإنما الاعتلاء بها، وتهذيبها وفرض رقابة العقل عليها. (٨) (هيئة التحرير)

стр. 455

٢٣ - العفو لغة: عفا الأثر عفوا: زال واختفى وعفا عن ذنبه: لم يعاقبه عليه وتجاوز عنه، والعفو: ما زاد على النفقة والحاجة. وفى التنزيل ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ (البقرة ٢١٩) والعفو المعروف وخيار كل شيء وأجوده والطيب من الأخلاق والأعمال. قال تعالى ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف ١٩٩) ٠ واصطلاحا: الصفح عن الذنوب وترك مجازاة المسيء وقال أبو حامد الغزالى: أن يستحق حقا فيسقطه ويبرى عنه من قصاص أو غرامة، وهو غير الحلم وكظم الغيظ. والعفو: من أسماء الله تعالى على وزن فعول صيغة المبالغة، معناه كثير العفو .. قال ابن جرير فى قوله ﴿إن الله كان عفوا غفورا﴾ (النساء٤٣) إن الله لم يزل عفوا عن ذنوب عباده وترك العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به. وقد ورد هذا الاسم فى القرآن خمس مرات، ومن آثار الإيمان به: ١ - أن الله سبحانه هو العفو الذى له العفو الشامل، ولا سيما إذا أتى العباد بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة؛ فالله يقبل التوبة ويعفو عن السيئات. ولولا كمال عفوه وسعة حلمه سبحانه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا عين تطرف ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾ (النحل ٦١) وقد قال النبى ﷺ " ليس أحدا أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليدعون له ولدا وانه ليعافيهم ويرزقهم " (رواه البخارى). وقال ابن القيم فى النونية: وهو العفو فعفوه وسع الورى لولاه غارت الأرض بالسكان ٢ - أنه تعالى عفو غفور مع قدرته على خلقه وقهره لهم وقد نبه خلقه إلى ذلك ﴿إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا﴾ (النساء ١٤٩). أى فاعفوا أنتم أيضا عن الناس، كما أن الله يعفو عنكم ويغفر لكم. وقد حث الله تعالى عباده على العفو والصفح وقبول الأعذار فمن ذلك ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ (النور٢٢) وقد خاطب الله نبيه بذلك وحثه على قبول العفو فقال ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (الأعراف ١٩٩) ومدح بذلك عبادة المؤمنين ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ (آل عمران ١٣٤). وقد قال النبى ﵁ " وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا " ولقد كان النبى ﷺ المثل الأعلى للبشر فى العفو والصفح. (هيئة التحرير)

стр. 456

٢٤ - العقد لغة: الربط والشد والضمان والعهد. قال الفيروزآبادى: عقد الحبل والبيع والعهد: شده (١). ويطلق أيضا على الجمع بين أطراف الشيء، يقال: عقد الحبل إذا جمع أحد طرفيه على الآخر وربط بينهما (٢). وقال الفيومى: عقدت البيع ونحوه، وعقدت اليمين وعقَّدتها بالتشديد توكيد، وعاقدته على كذا، وعقدته عليه بمعنى: عاهدته، وعقدة النكاح وغيره: إحكامه وإبرامه والجمع عقود (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ (البقرة ٢٣٥) أى إحكامه، والمعنى: لا تعزموا على عقدة النكاح فى زمان العدة (٤). وعلى ذلك يكون عقدا فى اللغة: كل ما يفيد الالتزام بشيء عملا كان أو تركاً من جانب واحد أو من جانبين لما فى كل ذلك من معنى الربط والتوثيق. واصطلاحا: فيطلق العقد على معنيين (٥): أحدهما خاص وهو الالتزام الصادر من طرفين متقابلين، أو ما يتم به الالتزام من كلام وغيره، مما يقوم مقامه من إشارة أو كتابة أو نحوهما صادرا من شخصين على وجه يترتب عليه أثره الشرعى، أما الالتزامات التى تصدر من طرف واحد كالطلاق المجرد عن المال والوقف والإبراء فلا تسمى عقدا بل تصرفا أو التزاما. وهذا المعنى هو الشائع المشهور الذى يكاد ينفرد بالاصطلاح حتى إذا أطلقت كلمة العقد تبادر إلى الفهم هذا المعنى. ثانيهما: عام حيث يشمل العقد ما كان الالتزام فيه من جانبين كالبيع والإجارة والزواج، أو ما يتم الالتزام فيه بإرادة واحدة من غير توقف على شيء آخر كالطلاق المجرد عن المال والعزل من التوكيل واليمين والوقف. لابد لتصور العقد ووجوده من وجود الأمور الآتية: أولا: وجود المتعاقدين اللذين يرغبان فى إنشاء العقد وتكوينه ليتوصّلا مثلا إلى أثره المترتب عليه شرعا ويلتزما بحكمه. ثانيا: الصيغة التى يتكون منها العقد وهى ما يصدر عن المتعاقدين من عبارة كاشفة عن إرادتهما ومظهرة لرغبتهما كأن يقول أحدهما: بعت أو اشتريت أو وهبت أو تزوجت ويقول الآخر قبلت. ثالثا: محل العقد الذى يقع عليه التعاقد ويكون الالتزام بخصوصه وواقعاً عليه كالسلعة المبيعة فى عقد البيع والمنفعة التى يتملكها المستأجر فى عقد الإجارة، والثمن المتفق عليه. أما سبب التعاقد: فلم يعتبره الفقهاء ركنا من أركان العقد وإن كانوا قد اعتبروه شرطا لا وجود للعقد بدونه فالعقد يكون موجودًا إذا كان سببه مشروعا: ولا وجود له إذا كان الشارع قد نهى عن التعامل فيه، فاستئجار شخص ما للسرقة، أو للاعتداء على آخر بالضرب باطل لا يترتب عليه أثر، لأن سبب التعاقد منهى عنه شرعا. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 457

٢٥ - العقل لغة: مأخوذ من عقال البعير إذا عقله صاحبه بالحبل؛ ليمنعه من السير، والعقل فيه معنى المنع؛ لأنه يمنع صاحبه عن العدول عن سواء السبيل، ويسمى فى القرآن بالحجر، وذو الحجر ذو العقل، وأولوا الألباب: أصحاب العقول، وكذلك أولوا النُّهى. وحذف الحرف الخامس من التفعيلة العروضية "مفاعلتن " يسمى عقلا وهى اللام المتحركة لتصبح التفعيلة مفاعتن. ويسمى البيت معقولا. واصطلاحا: عند الفلاسفة يطلق على معان كثيرة. هو جوهر بسيط يدرك الأشياء بحقائقها. جوهر مفارق للمادة فى ذاته مقارن لها فى فعله، وهو النفس الناطقة فى الإنسان المشار إليها "بأنا ". العقل جوهر لطيف روحانى يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصريف، العقل قوة النفس الناطقة مغاير لها فى الفعل. فالنفس هى الفاعلة والعقل أداة لها فى الفعل بمنزلة السكين بالنسبة لفعل القطع. وقيل: العقل- النفس- الذهن، أسماء مختلفة لمسمى واحد، وتسمى نفسا لكونها متصرفة فى البدن، وتسمى عقلا لكونها مدركة، وتسمى ذهنا لكونها مستعدة للإدراك. وقيل العقل قوة تدرك به حقائق الأشياء محلها الرأس وقيل محلها القلب. ويستعمله الفلاسفة فى: ١ - إدراك العمليات الذهنية التى يتم بها إدراك الأشياء، والبرهنة عليها، لنميز بها بين الصواب والخطأ فى الأقوال والأفعال، والحق والباطل فى الاعتقاد. ٢ - يطلق على المبادئ الأولية المؤسسة لليقين البرهانى التى يلتقى عليها العقلاء، بلا خلاف بينهم. ٣ - القوة التى يتم بها تجريد المعانى الكلية من المحسوسات الجزئية، ومن شأنها انتزاع الصور من الهيولى وبتصورها مجردة من موادها المحسوسة، ليصح لنا أن نعقل الماهيات المجردة. وينقسم العقل إلى عقل عملى وعقل نظرى، فالعقل النظرى ينصب على الإدراك والمعرفة أما العقل العملى فيطلق على السلوك الأخلاقى. وأرسطو يقسم العقل إلى عقل بالفعل وعقل بالقوة، أحدهما فاعل والآخر منفعل ولا غنى لأحدهما عن الآخر. والعقل الفعال يسميه الفلاسفة بالعقل العاشر آخر سلسلة العقول العشرة (فى نظرية الفيض) وهو عند ابن سينا والفارابى مشرق على ما تحت ملك القمر (العالم) وهو صورة مفارقة بريء عن المادة وعلائقها. والعقل قوة تدرك بها الماهيات المجردة. وتدرك بها المعانى المتقابلة (الوجود والعدم- الجوهر والعرض) وندرك به النسب والإضافات، وتدرك به مباحث عامة فى كل علم كما تدرك به وجودات غير مادية لا تقبل المادة ولا تحل بها أصلا. والعقل الهيولانى استعداد فطرى محض لإدراك المعقولات ويسمى عقلا بالقوة، لأنه قوة محضة خالية عن الفعل (كفعل الطفل) وسمى هيولانيا، لأنه يشبه النفس فى حال خلوها من الصورة الجسمية. العقل بالملكة، هو علم بالضروريات واستعداد النفس لاكتسابها. وعند أرسطو هو عقل هيولانى، وقد حصل فيه المقولات الأولى. العقل بالفعل هو أن تصير النظريات مختزنة بالفعل، بحيث لا يغيب عن المرء إدراكها بالقوة العاقلة، لكثرة تكرارها بحيث تصير ملكة يستحضرها المرء متى شاء من غير صعوبة العقل المستفاد. استحضار (أن تحضر عنده) النظريات التى أدركها بحيث لا تغيب عنه. والعقل العملى عند ابن رشد هو قوة للنفس هى مبدأ تحريك القوة الشوقية إلى ما يختار من الجزئيات من أجل غاية مظنونة. هو السبب لكل ما هو بالقوة عقل فى أن يصير بالفعل عقلا. العقل القدسى حال للعقل الهيولانى، يكون مستعدا فيه للاتصال بالعقل الفعال كأنه يعرف كل شيء عن نفسه، ومنه عقل الكل، ويقال لمعنيين: أحدهما جملة العالم، والثانى الجرم الأقصى الذى يقال له جرم الكل، ولحركته حركة الكل، وأما الكل بالاعتبار الثانى فهو العقل الذى هو جوهر مجرد عن المادة من كل الجهات، وهو الذى يحرك الكل على سبيل التشوق لنفسه، ووجوده- أول وجود مستفاد عن الوجود الأول. العقل الكلى هو المعنى المعقول المقول على كثيرين مختلفين بالعدد من العقول التى لأفراد الناس. والعقل باعتباره مدركا للماهيات يسمى عقلا نظريا وإذا حكم على الأشياء بأنها خيرأو شر سمى عقلا عمليا. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 458

٢٦ - العقيدة لغة: تدل مادة (عقد) فى مختلف استعمالاتها على معانى التوكيد والتوثيق والإبرام، سواء كان ذلك فى الجانب الحسى: أو الجوانب المعنوية، ومنها قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ (المائدة ٨٩) أى، أقسمتم به مع النية التامة والقصد الكامل، ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ (البقرة ٢٣٥) ومن هنا جاءت كلمة (عقيدة) لتدل على ما يدين الإنسان به، ويعقد عليه القلب والضمير (١). واصطلاحا: كلمة (عقيدة) تتسع فى المحيط الإسلامى لتدل على "فعل الاعتقاد" نفسه حينا، ولتدل على " محتوى الاعتقاد وموضوعاته " حينا، ولتدل على (العلم) الذى يتكفل ببيان الأمرين جميعا حينا آخر. فيما يتعلق "بفعل الاعتقاد" نفسه فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مصحوبا بالجزم والتيقن والإذعان، وأن يتخلص من شوائب "الظن " الذى يعنى التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف الراجح منهما، ومن شوائب "الشك " الذى يعنى التردد بين طرفين، دون ميل إلى أحدهما، ومن شوائب "الوهم " الذى يعنى أيضا التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف المرجوح منهما (٢). وحين يتخلص الاعتقاد الصحيح من هذه الشوائب- بما تعنيه من اهتزاز وارتياب. فإنه يكون مقترنا بإذعان العقل، وسكون النفس، وانشراح الصدر، ومن ثم يصير هذا الاعتقاد باعثا لصاحبه على آداء التكاليف العملية كالصلاة والصيام وغيرها فى طواعية ويسر، كما يكون دافعا لصاحبه على الالتزام الخلقى، والسلوك السوى، مصحوبا بمراقبة الله فى السر والعلانية، حتى يبلغ ذلك الاعتقاد بصاحبه إلى مرتبة الإحسان التى عبر عنها قوله ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (٣). من أجل ذلك فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مؤسسا على الدليل اليقينى القاطع، سواء كان دليلا إجماليا أو تفصيليا، فالدليل الإجمالى مثلا على وجود الله تعالى، واتصافه بصفات الكمال هو العالم بكل ما فيه من بديع الصنع، ومظاهر الحكمة، ودلائل النظام والاتساق والإحكام، والدليل الإجمالى مثلا على صدق النبى ﷺ فيما بلغه عن ربه هو ما أيده الله تعالى به من باهر المعجزات، وأعظمها القرآن الكريم نفسه، وما اشتملت عليه رسالته السامية من هداية البشرية، وما نعمت به فى ظلها من الرفاهية والأمن والسعادة. ولئن كان الاعتقاد الصحيح مؤسسا على الدليل اليقينى القاطع فهو بالضرورة مطابق للحق وللواقع بلا ريب، وعلى هذه الأسس الثلاثة: أعنى الجزم، والتأسيس على الدليل، والمطابقة للواقع: يترسخ الاعتقاد الصحيح فى الإسلام، ويصير فرقانا بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وبين الهدى والضلال (٤)، كما يصير مرادفا للعلم المأمور به فى قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) (محمد ١٩). أما محتوى الاعتقاد أو "المعتقدات " فتشمل منظومة من العقائد التى تتعلق بجانب الألوهية (وتسمى الإلهيات)، وتشمل مجموعة من العقائد التى تتعلق بالأنبياء ﵈، وتسمى (النبوات) وتشمل أخيرا طائفة من العقائد التى تتعلق بالأمور الغيبية التى ورد بها السمع (أى الكتاب والسنة الصحيحة) وتسمى (السمعيات). فى جانب الإلهيات يجب على المسلم الاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن النقائص التى لا تليق بجلاله وألوهيته، فهو سبحانه منزه عن الاعتماد فى وجوده على غيره، ومنزه عن أن يكون لوجوده بداية، أو نهاية، ومنزه عن أن يكون مماثلا للمخلوقات، ومنزه عن التعدد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله، فلا ذات تماثل ذاته العلية، ولا صفات تشابه صفاته المقدسة، ولا أفعال تماثل أفعاله تعالى، ولقد سمى علماء العقائد هذه الصفات التى تدل على التنزيه بالصفات السلبية. ومن ناحية أخرى يجب على المسلم- فى جانب الإلهيات أيضا: الاعتقاد بأنه سبحانه متصف بالكماليات العليا التى تليق بجلاله وعظمته، مثل القدرة التامة الشاملة، والإرادة الكاملة التى تعنى أنه غير مقهور، ولا عاجز، والعلم المحيط الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض، وهو سبحانه متصف أيضا بالسمع والبصر والكلام، وغيرها من الصفات التى سماها علماء العقائد: الصفات الثبوتية أو الوجودية .. وفى جانب النبوات يجب على المسلم الاعتقاد بأن الأنبياء جميعا- ﵈ متصفون بالصدق والعصمة، وتبليغ ما أرسلوا به دون كتمان، ومتصفون أيضا بفطانة الرأى وسداد المسلك، لأنهم قادة البشرية وهداتها إلى الحق والخير والصواب. وفى جانب السمعيات يجب على المسلم الاعتقاد بكل ما ورد فى القرآن الكريم والسنة الصحيحة من معتقدات: كالملائكة والجن، والروح، والكرسى، والعرش، واللوح، والقلم، وكذلك الإيمان بالقدر، وبعث الموتى من قبورهم، وأحوال الآخرة من الحشر والنشر، والصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة، والجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها (٥). أما "علم العقيدة"، وهو ما يسمى علم التوحيد، أو علم الكلام، أو علم أصول الدين فهو العلم الذى يتكفل ببيان الجانبين السابقين- الاعتقاد والمعتقدات- معتمدا فى ذلك على العقل والنقل جميعا، ولعل هذا الملحظ هو ما حدا بعلماء العقائد إلى الإصرار على أن تكون معرفة أحكام العقل الثلاثة- الوجوب والاستحالة والجواز- من أهم المهمات لمن يتصدى للبحث فى هذا العلم، بل لقد سماها البعض "قاعدة الدين " (٦). وإذا كان هذا العلم كما يرى بعض علماء العقائد- هو العلم الذى يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه (٧) فإن هاتين الوظيفتين- إقامة الحجج ودفع الشبه- لا يمكن النهوض بهما إلا لمن أحكم أصول الشرع وأصول العقل جميعا، ومن أجل هذا المعنى فقد عرفه بعض علماء العقائد بتعريف مشابه، وهو أنه العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية" (٨). أ. د./ محمد عبد الفضيل القوصى

стр. 459

٢٧ - علامات الترقيم لغة: العلامات جمع " علامة "، وا لعلامة: ما ينصب فى الطريق فيهتدى به كما فى اللسان (١)، والّرقم والترقيم: تعجيم الكتاب، ورقم الكتاب يرقمه رقما أعجمه وبينه (٢). واصطلاحا: هى علامات توضع بين أجزاء الكلام المكتوب؛ لتمييز بعضه من بعض، أو لتنويع الصوت به عند قراءته (٣). واعلم أن علامات الترقيم على غاية كبيرة من الأهمية؛ لأنه كما ظهر من التعريف بها يتميز غرض المتكلم من كلامه، لأن العبارات بوضعها دون هذه العلامات قد يستغلق فهمها على الكثير من أبناء هذا العصر أو يعسر، فلو نظرنا إلى هذه العبارة: زارنى حسن ومحمد وإخوتك غائبون، وجدنا أنها تحتمل معنيين، أحدهما: أن حسنا زارنى، بينما كان محمد وإخوتك غائبين، ثانيهما: أن حسنا ومحمدا زارانى، بينما كان إخوتك غائبين. ولكن هذا الإبهام يزول بتاتا، إذا فصلنا الكلمات بعضها عن بعض، فللتعبير عن المعنيين السابقين توضع العبارة هكذا: زارنى حسن، ومحمد وإخوتك غائبون. زارنى حسن ومحمد، وإخوتك غائبون. وعلامات الترقيم فى اللغة العربية علامات مستنبطة حديثا، وأول من أمر باستنباطها صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول ملك مصر، فسارع العلماء والمهتمون باللغة العربية ودراساتها إلى تنفيذ أمر مليكهم، وأشهر ما استنبطوه من علامات: ١ - الفصلة، وترسم هكذا، ٢ - الوقفة، وترسم هكذا. ٣ - النقطتان أو المزدوجة، وترسم هكذا: ٤ - علامة الاستفهام، وترسم هكذا؟ ٥ - علامة الانفعال والتأثر، وترسم هكذا! ٦ - القوسان، وترسمان هكذا () ٧ - علامة التنصيص، وترسم هكذا " " ٨ - الحاصرتان، وترسمان هكذا [] ٩ - الشرطة، وترسم هكذا- ١٠ - علامة الحذف، وترسم هكذا ..... ١١ - الفصلة المنقوطة، وترسم هكذا؛ ١٢ - السنان، وترسم هكذا ^ ولكل علامة من هذه العلامة سبب فى التسمية باسمها، وطرق استعمال مبينة فى الكتب الخاصة بعلامات الإملاء والترقيم فلتبحث فيه (٤). أ. د/ على جمعة محمد

стр. 460

٢٨ - العِلَّة لغة: المرض الشاغل واصطلاحا: ١ - عند الفلاسفة: كل ما يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بوساطة انضمام غيره إليه، وما كان كذلك فهو علة لذلك الأمر، والأمر معلول له، والعلل عندهم إما علة فاعلية أو مادية أو صورية أو غائية، ويطلق عليها فى مجموعها العلة التامة. ٢ - عند العروضيين: التغير اللاحق بالأسباب والأوتاد فى الأعاريض والضروب خاصة، لازما لها (والسبب حرفان أحدهما ساكن والآخر متحرك والوتد ثلاثة حروف متحركان وساكن أو متحركان بينهما ساكن، والأعاريض آخر الشطرة الأولى، والضروب آخر الشطرة الأخيرة من البيت). وحروف العلة عند النحاة هى الواو والألف والياء. ٣ - عند الأصوليين: وصف ظاهر منضبط يلزم من وجوده وجود الحكم ويلزم من عدمه عدم الحكم لذاته، ويقصدون بالظاهر ضد الخفى، وبالمنضبط ضد المضطرب. والعلل العقلية عند الفلاسفة مؤثرات بمعنى أن العلة تقارن المعلول ومن هنا أنكر المتكلمون أن الله علة للعالم كما تقول الفلاسفة حيث يترتب على ذلك القول بِقِدَم العالم وهو ما لا يقبله المسلمون حيث إن القول بِقِدَم العالم يعنى عندهم أن هناك شريكا للخالق فى ِقدَمه وهو سبحانه منزه عن الشريك. والعلل الشرعية عند الأصوليين معرفات لا مؤثرات، ولذلك يمكن وجود علتين لحكم واحد لأن المعرفات قد تتعدد على المعرَّف الواحد. فالإسكار علة تحريم الخمر، وذلك لما اشتمل عليه من معنى ذهاب العقل وهو وصف يحسن شرع حكم التحريم عنده حيث إن مراد الله من خلقه العبادة له وعمارة الكون وهما لا يحصلان إلا ممن لديه العقل، والعقل مناط التكليف، وذهاب العقل حكمته، والفرق بين العلة والحكمة أن العلة منضبطة والحكمة قد لا تنضبط. والعلة ركن من أركان القياس: (وهى الأصل، وحكم الأصل وعلة حكم الأصل، والفرع) ويمكن الوصول إليها عن طريق النص أو الاستنباط، وطرق الوصول إلى العلة تسعة وهى: ١ - النص ٢ - الإجماع. ٣ - الإيماء ٤ - التقسيم والسبر ٥ - الكسر ٦ - المناسبة ٧ - التأثير ٨ - الشبه ٩ - الد وران ومن المشهور أن الحكم يدور وجودا وعدما مع علته لا مع حكمته. أ. د./ على جمعة محمد
следующие страницы →