← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٢٤ - العقد لغة: الربط والشد والضمان والعهد. قال الفيروزآبادى: عقد الحبل والبيع والعهد: شده (١). ويطلق أيضا على الجمع بين أطراف الشيء، يقال: عقد الحبل إذا جمع أحد طرفيه على الآخر وربط بينهما (٢). وقال الفيومى: عقدت البيع ونحوه، وعقدت اليمين وعقَّدتها بالتشديد توكيد، وعاقدته على كذا، وعقدته عليه بمعنى: عاهدته، وعقدة النكاح وغيره: إحكامه وإبرامه والجمع عقود (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ (البقرة ٢٣٥) أى إحكامه، والمعنى: لا تعزموا على عقدة النكاح فى زمان العدة (٤). وعلى ذلك يكون عقدا فى اللغة: كل ما يفيد الالتزام بشيء عملا كان أو تركاً من جانب واحد أو من جانبين لما فى كل ذلك من معنى الربط والتوثيق. واصطلاحا: فيطلق العقد على معنيين (٥): أحدهما خاص وهو الالتزام الصادر من طرفين متقابلين، أو ما يتم به الالتزام من كلام وغيره، مما يقوم مقامه من إشارة أو كتابة أو نحوهما صادرا من شخصين على وجه يترتب عليه أثره الشرعى، أما الالتزامات التى تصدر من طرف واحد كالطلاق المجرد عن المال والوقف والإبراء فلا تسمى عقدا بل تصرفا أو التزاما. وهذا المعنى هو الشائع المشهور الذى يكاد ينفرد بالاصطلاح حتى إذا أطلقت كلمة العقد تبادر إلى الفهم هذا المعنى. ثانيهما: عام حيث يشمل العقد ما كان الالتزام فيه من جانبين كالبيع والإجارة والزواج، أو ما يتم الالتزام فيه بإرادة واحدة من غير توقف على شيء آخر كالطلاق المجرد عن المال والعزل من التوكيل واليمين والوقف. لابد لتصور العقد ووجوده من وجود الأمور الآتية: أولا: وجود المتعاقدين اللذين يرغبان فى إنشاء العقد وتكوينه ليتوصّلا مثلا إلى أثره المترتب عليه شرعا ويلتزما بحكمه. ثانيا: الصيغة التى يتكون منها العقد وهى ما يصدر عن المتعاقدين من عبارة كاشفة عن إرادتهما ومظهرة لرغبتهما كأن يقول أحدهما: بعت أو اشتريت أو وهبت أو تزوجت ويقول الآخر قبلت. ثالثا: محل العقد الذى يقع عليه التعاقد ويكون الالتزام بخصوصه وواقعاً عليه كالسلعة المبيعة فى عقد البيع والمنفعة التى يتملكها المستأجر فى عقد الإجارة، والثمن المتفق عليه. أما سبب التعاقد: فلم يعتبره الفقهاء ركنا من أركان العقد وإن كانوا قد اعتبروه شرطا لا وجود للعقد بدونه فالعقد يكون موجودًا إذا كان سببه مشروعا: ولا وجود له إذا كان الشارع قد نهى عن التعامل فيه، فاستئجار شخص ما للسرقة، أو للاعتداء على آخر بالضرب باطل لا يترتب عليه أثر، لأن سبب التعاقد منهى عنه شرعا. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 457

٢٥ - العقل لغة: مأخوذ من عقال البعير إذا عقله صاحبه بالحبل؛ ليمنعه من السير، والعقل فيه معنى المنع؛ لأنه يمنع صاحبه عن العدول عن سواء السبيل، ويسمى فى القرآن بالحجر، وذو الحجر ذو العقل، وأولوا الألباب: أصحاب العقول، وكذلك أولوا النُّهى. وحذف الحرف الخامس من التفعيلة العروضية "مفاعلتن " يسمى عقلا وهى اللام المتحركة لتصبح التفعيلة مفاعتن. ويسمى البيت معقولا. واصطلاحا: عند الفلاسفة يطلق على معان كثيرة. هو جوهر بسيط يدرك الأشياء بحقائقها. جوهر مفارق للمادة فى ذاته مقارن لها فى فعله، وهو النفس الناطقة فى الإنسان المشار إليها "بأنا ". العقل جوهر لطيف روحانى يتعلق بالبدن تعلق تدبير وتصريف، العقل قوة النفس الناطقة مغاير لها فى الفعل. فالنفس هى الفاعلة والعقل أداة لها فى الفعل بمنزلة السكين بالنسبة لفعل القطع. وقيل: العقل- النفس- الذهن، أسماء مختلفة لمسمى واحد، وتسمى نفسا لكونها متصرفة فى البدن، وتسمى عقلا لكونها مدركة، وتسمى ذهنا لكونها مستعدة للإدراك. وقيل العقل قوة تدرك به حقائق الأشياء محلها الرأس وقيل محلها القلب. ويستعمله الفلاسفة فى: ١ - إدراك العمليات الذهنية التى يتم بها إدراك الأشياء، والبرهنة عليها، لنميز بها بين الصواب والخطأ فى الأقوال والأفعال، والحق والباطل فى الاعتقاد. ٢ - يطلق على المبادئ الأولية المؤسسة لليقين البرهانى التى يلتقى عليها العقلاء، بلا خلاف بينهم. ٣ - القوة التى يتم بها تجريد المعانى الكلية من المحسوسات الجزئية، ومن شأنها انتزاع الصور من الهيولى وبتصورها مجردة من موادها المحسوسة، ليصح لنا أن نعقل الماهيات المجردة. وينقسم العقل إلى عقل عملى وعقل نظرى، فالعقل النظرى ينصب على الإدراك والمعرفة أما العقل العملى فيطلق على السلوك الأخلاقى. وأرسطو يقسم العقل إلى عقل بالفعل وعقل بالقوة، أحدهما فاعل والآخر منفعل ولا غنى لأحدهما عن الآخر. والعقل الفعال يسميه الفلاسفة بالعقل العاشر آخر سلسلة العقول العشرة (فى نظرية الفيض) وهو عند ابن سينا والفارابى مشرق على ما تحت ملك القمر (العالم) وهو صورة مفارقة بريء عن المادة وعلائقها. والعقل قوة تدرك بها الماهيات المجردة. وتدرك بها المعانى المتقابلة (الوجود والعدم- الجوهر والعرض) وندرك به النسب والإضافات، وتدرك به مباحث عامة فى كل علم كما تدرك به وجودات غير مادية لا تقبل المادة ولا تحل بها أصلا. والعقل الهيولانى استعداد فطرى محض لإدراك المعقولات ويسمى عقلا بالقوة، لأنه قوة محضة خالية عن الفعل (كفعل الطفل) وسمى هيولانيا، لأنه يشبه النفس فى حال خلوها من الصورة الجسمية. العقل بالملكة، هو علم بالضروريات واستعداد النفس لاكتسابها. وعند أرسطو هو عقل هيولانى، وقد حصل فيه المقولات الأولى. العقل بالفعل هو أن تصير النظريات مختزنة بالفعل، بحيث لا يغيب عن المرء إدراكها بالقوة العاقلة، لكثرة تكرارها بحيث تصير ملكة يستحضرها المرء متى شاء من غير صعوبة العقل المستفاد. استحضار (أن تحضر عنده) النظريات التى أدركها بحيث لا تغيب عنه. والعقل العملى عند ابن رشد هو قوة للنفس هى مبدأ تحريك القوة الشوقية إلى ما يختار من الجزئيات من أجل غاية مظنونة. هو السبب لكل ما هو بالقوة عقل فى أن يصير بالفعل عقلا. العقل القدسى حال للعقل الهيولانى، يكون مستعدا فيه للاتصال بالعقل الفعال كأنه يعرف كل شيء عن نفسه، ومنه عقل الكل، ويقال لمعنيين: أحدهما جملة العالم، والثانى الجرم الأقصى الذى يقال له جرم الكل، ولحركته حركة الكل، وأما الكل بالاعتبار الثانى فهو العقل الذى هو جوهر مجرد عن المادة من كل الجهات، وهو الذى يحرك الكل على سبيل التشوق لنفسه، ووجوده- أول وجود مستفاد عن الوجود الأول. العقل الكلى هو المعنى المعقول المقول على كثيرين مختلفين بالعدد من العقول التى لأفراد الناس. والعقل باعتباره مدركا للماهيات يسمى عقلا نظريا وإذا حكم على الأشياء بأنها خيرأو شر سمى عقلا عمليا. أ. د/ محمد السيد الجليند

стр. 458

٢٦ - العقيدة لغة: تدل مادة (عقد) فى مختلف استعمالاتها على معانى التوكيد والتوثيق والإبرام، سواء كان ذلك فى الجانب الحسى: أو الجوانب المعنوية، ومنها قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ (المائدة ٨٩) أى، أقسمتم به مع النية التامة والقصد الكامل، ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ (البقرة ٢٣٥) ومن هنا جاءت كلمة (عقيدة) لتدل على ما يدين الإنسان به، ويعقد عليه القلب والضمير (١). واصطلاحا: كلمة (عقيدة) تتسع فى المحيط الإسلامى لتدل على "فعل الاعتقاد" نفسه حينا، ولتدل على " محتوى الاعتقاد وموضوعاته " حينا، ولتدل على (العلم) الذى يتكفل ببيان الأمرين جميعا حينا آخر. فيما يتعلق "بفعل الاعتقاد" نفسه فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مصحوبا بالجزم والتيقن والإذعان، وأن يتخلص من شوائب "الظن " الذى يعنى التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف الراجح منهما، ومن شوائب "الشك " الذى يعنى التردد بين طرفين، دون ميل إلى أحدهما، ومن شوائب "الوهم " الذى يعنى أيضا التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف المرجوح منهما (٢). وحين يتخلص الاعتقاد الصحيح من هذه الشوائب- بما تعنيه من اهتزاز وارتياب. فإنه يكون مقترنا بإذعان العقل، وسكون النفس، وانشراح الصدر، ومن ثم يصير هذا الاعتقاد باعثا لصاحبه على آداء التكاليف العملية كالصلاة والصيام وغيرها فى طواعية ويسر، كما يكون دافعا لصاحبه على الالتزام الخلقى، والسلوك السوى، مصحوبا بمراقبة الله فى السر والعلانية، حتى يبلغ ذلك الاعتقاد بصاحبه إلى مرتبة الإحسان التى عبر عنها قوله ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (٣). من أجل ذلك فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مؤسسا على الدليل اليقينى القاطع، سواء كان دليلا إجماليا أو تفصيليا، فالدليل الإجمالى مثلا على وجود الله تعالى، واتصافه بصفات الكمال هو العالم بكل ما فيه من بديع الصنع، ومظاهر الحكمة، ودلائل النظام والاتساق والإحكام، والدليل الإجمالى مثلا على صدق النبى ﷺ فيما بلغه عن ربه هو ما أيده الله تعالى به من باهر المعجزات، وأعظمها القرآن الكريم نفسه، وما اشتملت عليه رسالته السامية من هداية البشرية، وما نعمت به فى ظلها من الرفاهية والأمن والسعادة. ولئن كان الاعتقاد الصحيح مؤسسا على الدليل اليقينى القاطع فهو بالضرورة مطابق للحق وللواقع بلا ريب، وعلى هذه الأسس الثلاثة: أعنى الجزم، والتأسيس على الدليل، والمطابقة للواقع: يترسخ الاعتقاد الصحيح فى الإسلام، ويصير فرقانا بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وبين الهدى والضلال (٤)، كما يصير مرادفا للعلم المأمور به فى قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) (محمد ١٩). أما محتوى الاعتقاد أو "المعتقدات " فتشمل منظومة من العقائد التى تتعلق بجانب الألوهية (وتسمى الإلهيات)، وتشمل مجموعة من العقائد التى تتعلق بالأنبياء ﵈، وتسمى (النبوات) وتشمل أخيرا طائفة من العقائد التى تتعلق بالأمور الغيبية التى ورد بها السمع (أى الكتاب والسنة الصحيحة) وتسمى (السمعيات). فى جانب الإلهيات يجب على المسلم الاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن النقائص التى لا تليق بجلاله وألوهيته، فهو سبحانه منزه عن الاعتماد فى وجوده على غيره، ومنزه عن أن يكون لوجوده بداية، أو نهاية، ومنزه عن أن يكون مماثلا للمخلوقات، ومنزه عن التعدد فى ذاته، وفى صفاته، وفى أفعاله، فلا ذات تماثل ذاته العلية، ولا صفات تشابه صفاته المقدسة، ولا أفعال تماثل أفعاله تعالى، ولقد سمى علماء العقائد هذه الصفات التى تدل على التنزيه بالصفات السلبية. ومن ناحية أخرى يجب على المسلم- فى جانب الإلهيات أيضا: الاعتقاد بأنه سبحانه متصف بالكماليات العليا التى تليق بجلاله وعظمته، مثل القدرة التامة الشاملة، والإرادة الكاملة التى تعنى أنه غير مقهور، ولا عاجز، والعلم المحيط الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض، وهو سبحانه متصف أيضا بالسمع والبصر والكلام، وغيرها من الصفات التى سماها علماء العقائد: الصفات الثبوتية أو الوجودية .. وفى جانب النبوات يجب على المسلم الاعتقاد بأن الأنبياء جميعا- ﵈ متصفون بالصدق والعصمة، وتبليغ ما أرسلوا به دون كتمان، ومتصفون أيضا بفطانة الرأى وسداد المسلك، لأنهم قادة البشرية وهداتها إلى الحق والخير والصواب. وفى جانب السمعيات يجب على المسلم الاعتقاد بكل ما ورد فى القرآن الكريم والسنة الصحيحة من معتقدات: كالملائكة والجن، والروح، والكرسى، والعرش، واللوح، والقلم، وكذلك الإيمان بالقدر، وبعث الموتى من قبورهم، وأحوال الآخرة من الحشر والنشر، والصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة، والجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها (٥). أما "علم العقيدة"، وهو ما يسمى علم التوحيد، أو علم الكلام، أو علم أصول الدين فهو العلم الذى يتكفل ببيان الجانبين السابقين- الاعتقاد والمعتقدات- معتمدا فى ذلك على العقل والنقل جميعا، ولعل هذا الملحظ هو ما حدا بعلماء العقائد إلى الإصرار على أن تكون معرفة أحكام العقل الثلاثة- الوجوب والاستحالة والجواز- من أهم المهمات لمن يتصدى للبحث فى هذا العلم، بل لقد سماها البعض "قاعدة الدين " (٦). وإذا كان هذا العلم كما يرى بعض علماء العقائد- هو العلم الذى يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه (٧) فإن هاتين الوظيفتين- إقامة الحجج ودفع الشبه- لا يمكن النهوض بهما إلا لمن أحكم أصول الشرع وأصول العقل جميعا، ومن أجل هذا المعنى فقد عرفه بعض علماء العقائد بتعريف مشابه، وهو أنه العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية" (٨). أ. د./ محمد عبد الفضيل القوصى

стр. 459

٢٧ - علامات الترقيم لغة: العلامات جمع " علامة "، وا لعلامة: ما ينصب فى الطريق فيهتدى به كما فى اللسان (١)، والّرقم والترقيم: تعجيم الكتاب، ورقم الكتاب يرقمه رقما أعجمه وبينه (٢). واصطلاحا: هى علامات توضع بين أجزاء الكلام المكتوب؛ لتمييز بعضه من بعض، أو لتنويع الصوت به عند قراءته (٣). واعلم أن علامات الترقيم على غاية كبيرة من الأهمية؛ لأنه كما ظهر من التعريف بها يتميز غرض المتكلم من كلامه، لأن العبارات بوضعها دون هذه العلامات قد يستغلق فهمها على الكثير من أبناء هذا العصر أو يعسر، فلو نظرنا إلى هذه العبارة: زارنى حسن ومحمد وإخوتك غائبون، وجدنا أنها تحتمل معنيين، أحدهما: أن حسنا زارنى، بينما كان محمد وإخوتك غائبين، ثانيهما: أن حسنا ومحمدا زارانى، بينما كان إخوتك غائبين. ولكن هذا الإبهام يزول بتاتا، إذا فصلنا الكلمات بعضها عن بعض، فللتعبير عن المعنيين السابقين توضع العبارة هكذا: زارنى حسن، ومحمد وإخوتك غائبون. زارنى حسن ومحمد، وإخوتك غائبون. وعلامات الترقيم فى اللغة العربية علامات مستنبطة حديثا، وأول من أمر باستنباطها صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول ملك مصر، فسارع العلماء والمهتمون باللغة العربية ودراساتها إلى تنفيذ أمر مليكهم، وأشهر ما استنبطوه من علامات: ١ - الفصلة، وترسم هكذا، ٢ - الوقفة، وترسم هكذا. ٣ - النقطتان أو المزدوجة، وترسم هكذا: ٤ - علامة الاستفهام، وترسم هكذا؟ ٥ - علامة الانفعال والتأثر، وترسم هكذا! ٦ - القوسان، وترسمان هكذا () ٧ - علامة التنصيص، وترسم هكذا " " ٨ - الحاصرتان، وترسمان هكذا [] ٩ - الشرطة، وترسم هكذا- ١٠ - علامة الحذف، وترسم هكذا ..... ١١ - الفصلة المنقوطة، وترسم هكذا؛ ١٢ - السنان، وترسم هكذا ^ ولكل علامة من هذه العلامة سبب فى التسمية باسمها، وطرق استعمال مبينة فى الكتب الخاصة بعلامات الإملاء والترقيم فلتبحث فيه (٤). أ. د/ على جمعة محمد

стр. 460

٢٨ - العِلَّة لغة: المرض الشاغل واصطلاحا: ١ - عند الفلاسفة: كل ما يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بوساطة انضمام غيره إليه، وما كان كذلك فهو علة لذلك الأمر، والأمر معلول له، والعلل عندهم إما علة فاعلية أو مادية أو صورية أو غائية، ويطلق عليها فى مجموعها العلة التامة. ٢ - عند العروضيين: التغير اللاحق بالأسباب والأوتاد فى الأعاريض والضروب خاصة، لازما لها (والسبب حرفان أحدهما ساكن والآخر متحرك والوتد ثلاثة حروف متحركان وساكن أو متحركان بينهما ساكن، والأعاريض آخر الشطرة الأولى، والضروب آخر الشطرة الأخيرة من البيت). وحروف العلة عند النحاة هى الواو والألف والياء. ٣ - عند الأصوليين: وصف ظاهر منضبط يلزم من وجوده وجود الحكم ويلزم من عدمه عدم الحكم لذاته، ويقصدون بالظاهر ضد الخفى، وبالمنضبط ضد المضطرب. والعلل العقلية عند الفلاسفة مؤثرات بمعنى أن العلة تقارن المعلول ومن هنا أنكر المتكلمون أن الله علة للعالم كما تقول الفلاسفة حيث يترتب على ذلك القول بِقِدَم العالم وهو ما لا يقبله المسلمون حيث إن القول بِقِدَم العالم يعنى عندهم أن هناك شريكا للخالق فى ِقدَمه وهو سبحانه منزه عن الشريك. والعلل الشرعية عند الأصوليين معرفات لا مؤثرات، ولذلك يمكن وجود علتين لحكم واحد لأن المعرفات قد تتعدد على المعرَّف الواحد. فالإسكار علة تحريم الخمر، وذلك لما اشتمل عليه من معنى ذهاب العقل وهو وصف يحسن شرع حكم التحريم عنده حيث إن مراد الله من خلقه العبادة له وعمارة الكون وهما لا يحصلان إلا ممن لديه العقل، والعقل مناط التكليف، وذهاب العقل حكمته، والفرق بين العلة والحكمة أن العلة منضبطة والحكمة قد لا تنضبط. والعلة ركن من أركان القياس: (وهى الأصل، وحكم الأصل وعلة حكم الأصل، والفرع) ويمكن الوصول إليها عن طريق النص أو الاستنباط، وطرق الوصول إلى العلة تسعة وهى: ١ - النص ٢ - الإجماع. ٣ - الإيماء ٤ - التقسيم والسبر ٥ - الكسر ٦ - المناسبة ٧ - التأثير ٨ - الشبه ٩ - الد وران ومن المشهور أن الحكم يدور وجودا وعدما مع علته لا مع حكمته. أ. د./ على جمعة محمد

стр. 461

٢٩ - العلمانية العلمانية مصطلح ترجم بمصر والمشرق العربى للكلمة الإنجليزية ( SECULARISM) بمعنى: الدنيوى والواقعى، والعالمى .. ذلك لأن العلمانية هى نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفيا بذاته، تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه .. فالعالم والواقع والدنيا هى مرجعية التدبير للاجتماع الإنسانى والدولة والحياة، ومن ثم فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست فى حاجة إلى مدبر من خارج هذا العالم ومن وراء هذه الطبيعة .. والإنسان مكتف بذاته، يدبر شئونه ويبدع قيمه ونظمه بواسطة العقل والتجربة، وليس فى حاجة إلى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير. فالعلمانية- لذلك- تضبط بفتح العين، لأنها نسبة إلى العالم وهناك فى المغرب العربى من يترجمها بالدنيوية. ولقد نشأت العلمانية- بأوربا- فى سياق النهضة الحديثة، وكانت من أبرز معالم فلسفة التنوير الوضعى الغربى، التى جابه بها فلاسفة عصر الأنوار- فى القرنين السابع عشر والثامن عشر- سلطة الكنيسة الكاثوليكية بعد أن تجاوزت هذه الكنيسة الحدود التى رسمتها لها النصرانية، وهى خلاص الروح، ومملكة السماء، وترك ما لقيصر لقيصر والاقتصار على ما لله .. لقد تجاوزت الكنيسة- حدود رسالتها واختصاصاتها، فبعد عصور من سيادة نظرية " الّسيْفَين theory of the two swords أى السيف الروحى- أو السلطة الدينية للكنيسة- والسيف الزمنى أى السلطة المدنية للدولة جمعت الكنيسة السلطتين معا فضمت ما لقيصر إلى ما للكنيسة واللاهوت فى ظل نظرية "السيف الواحد" theory of one sword وتحت حكم "البابوات الأباطرة" أضفت الكنيسة قداسة الدين وثباته على المتغيرات الدنيوية والاجتماعية- أفكارا وعلوما ونظما- فرفضت وحرمت وجرمت كل ما لا وجود له فى الأناجيل، وبذلك دخلت أوربا عصورها المظلمة، الأمر الذى استنفر رد الفعل العلمانى، الذى حرر الدنيا من كل علاقة لها بالدين. ففى مواجهة الكهنوت الكنسى الذى قدس الدنيا وثبتها، وجعل اللاهوت النصرانى المرجع الوحيد للسياسة جاء رد الفعل العلمانى لينزع كل قداسة عن كل شئون الدنيا، وليحرر العالم من سلطان الدين، وليعزل السماء عن الأرض، جاعلا العالم مكتفيا بذاته، والاجتماع والدولة والنظم والفلسفات محكومة بالعقل والتجربة، دونما تدخل من الدين. ولقد ساعدت الملابسات التى نشأت فيها العلمانية على هزيمة الكنيسة وتراجع اللاهوت النصرانى أمام النزعة العلمانية. وكان التخلف الأوربى شاهدا على فشل الحكم الكنسى الكهنوتى وكانت هذه الملابسات الواقعية والمواريث الدينية والفلسفية- فى أوربا- عونا لانتصار العلمانية على الكنيسة وسلطانها. ولقد تميز تياران فى إطار فلاسفة العلمانية الأوربية: أولا: تيار مادى ملحد، طمح إلى تحرير الحياة- كل الحياة- من الإيمان الدينى .. وكانت الماركسية أبرز إفرازات هذا التيار. ثانيا: تيار مؤمن بوجود خالق للكون والإنسان، لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين، مع بقاء الإيمان الدينى علاقة خاصة وفردية بين الإنسان وبين الله .. ومن فلاسفة هذا التيار "هوبر (٥٨٨ ١ - ٦٧٩ ١م)، ولوك (٦٣٢ ١ - ١٧١٦م)، وليبيز (١٦٤٦ - ١٧١٦ م)، وليسينج (١٧٩٢ - ١٨٧١م)، ورسو (١٧١٢ - ٧٧٨ ١م) ". ولقد ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى القرن التاسع عشر، عندما جاءت إلى بلادنا الإسلامية فى ركاب النفوذ الأجنبى والاستعمار الغربى الحديث .. وإذا كانت مصر بحكم موقعها قد مثلت طليعة الأقاليم الشرقية فى التأثر بالفكر الأوروبى ومنه العلمانية فلقد كان وفود العلمانية إليها نموذجا لتسللها من أوربا إلى بلاد الشرق الإسلامى فى ركاب النفوذ الأجنبى والاستعمار الحديث. فبعد تحطيم النظام الحمائى للصناعة والتجارة الذى أقامه محمد على باشا فى مصر، زاد نفوذ التجار الأجانب، ونشأت على عهد الخديوى سعيد، فى سنة ٢٧٢ ١هـ ١٨٥٥م أول محكمة تجارية مختلطة بين المصريين والأجانب "مجلس تجار" تسلل إليها القانون الوضعى الفرنسى. ومع تزايد أعداد الجاليات الأجنبية ونفوذها وخاصة بعد عقد اتفاقية حفر قناة السويس نشأت المحاكم القنصلية لتقضى فى المنازعات الناشئة بين المصريين وبين الأجانب، وقضاتها أجانب ولغاتها أجنبية، وقانونها وضعى علمانى. ولما زادت فوضى القضاء القنصلى تم إنشاء المحاكم المختلطة بقضاة أجانب ولغة فرنسية وشريعة نابليون. وبعد أن كان هذا الاختراق فى المحاكم القنصلية ثم المختلطة مقصورا على المنازعات التى يكون أحد طرفيها أجنبيا حدث تعميم لبلوى هذا الاختراق العلمانى فى كل القضاء الأهلى أى فيما عدا المحاكم الشرعية، التى انحصر اختصاصها فى شئون الأسرة والأحوال الشخصية وكان ذلك عقب الاستعمار الإنجليزى لمصر، فيما سمى بالإصلاح القضائى سنة ٨٨٣ ١م. ولقد استعان الغرب الاستعمارى بنفر من أبناء الأقلية المارونية الذين تربوا فى مدارس الإرساليات التنصيرية بلبنان فى الدعوة إلى نموذجه الحضارى العلمانى، فكان فرح أنطون ٨٧٤ ١ - ٩٢٢ ١م أول دعاة العلمانية فى بلادنا .. ثم تخلّق للعلمانية تيار فكرى بلغ ذروته فى كتاب الشيخ على عبدا لرازق (٨٨٧ ١ - ٩٦٦ ١م) عن (الإسلام وأصول الحكم) الذى صدر سنة ٩٢٥ ١م مصورا الإسلام كالنصرانية دينا لا دولة، ورسالة لا حكما، يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وفى مواجهة هذا التسلل العلمانى إلى بلادنا كانت مقاومة تيار الإحياء والتجديد الدينى لعلمانية القانون والنهضة .. فلقد رأى هذا التيار الإحيائى التجديدى فى العلمانية عدوانا على شمولية المنهاج الإسلامى لأنه دين ودولة وجامع بين ما لقيصر وما لله .. ولأن نطاق عمل الذات الإلهية- فى التصور الإسلامى- لا يقف عند مجرد الخلق، وإنما هو خالق ومدبر للعالم والاجتماع بواسطة الشرائع والرسالات:) لا له الخلق والأمر [(الأعراف ٥٤) ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له﴾ (الأنعام ١٦٢، ١٦٣). فكان رفاعة الطهطاوى (٨٠١ ١ - ٨٧٣ ١م) أول من انتقد تسلل القانون التجارى لنابليون إلى المجلس التجارى فى الموانىء التجارية، ودعا إلى تقنين فقه المعاملات الإسلامية الوافى بتنظيم المنافع العمومية، لأن بحر الشريعة الغراء لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها. ونهض القانونى البارز محمد قدرى باشا (٨٢١ ١ - ٨٨٨ ١م) وهو من تلامذة الطهطاوى بتقصى فقه المعاملات للمذهب الحنفى، ليقدم البديل الإسلامى فى القانون، كجزء من الرفض والمقاومة للقانون الوضعى العلمانى. ولقد عبر الإمام محمد عبده (٨٤٩ ١ - ٩٠٥ ١م) بلسان مدرسة الإحياء والتجديد الإسلامى عن ضرورة إسلامية النهضة؛ لأن الإسلام على عكس النصرانية منهاج شامل، فهو: كمال للشخص، وأُلفة فى البيت، ونظام للملك، وسبيل الدين لمريد الإصلاح فى المسلمين سبيل لا مندوحة عنها". ومنذ ذلك التاريخ، ظل التدافع سجالا، فى واقعنا الفكرى والقانونى والسياسى بين دعاة العلمنة لمشروعنا النهضوى وبين دعاة إسلامية هذا المشروع. وعندما أعادت مصر صياغة قانونها المدنى، الذى وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهورى باشا (٨٩٥ ١ - ١٩٧١م) والذى طبق عقب إلغاء الامتيازات الأجنبية سنة ٩٤٨ ١م، زادت فى هذا القانون مرجعية الشرعية الإسلامية عنها فى سابقه الذى وضع سنة١٨٨٣م ولما وضعت مصر دستورها الجديد سنة ٩٧١ ١م نصت مادته الثانية على أن مبادىء الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للقوانين وفى التعديل، الذى تم الاستفتاء عليه، لهذه المادة سنة ٩٨٠ ١م غدت الشريعة هى المصدر الرئيسى للقوانين، فانفتح بذلك الباب الدستورى أمام المشروع المصرى لأسلمة القانون، ولإجلاء العلمانية عن المواقع التى احتلتها فى بلادنا تحت نفوذ وحراب الاستعمار. أ. د/ محمد عمارة

стр. 462

٣٠ - علم الحديث لغة: العلم إدراك الشىء بحقيقته، واليقين. (١) واصطلاحا: يشمل علم الحديث موضوعين رئيسيين: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية. ١ - علم الحديث رواية: هو العلم الذى يقوم على نقل ما أضيف إلى النبى ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلقيّة وخُلُقِيّة نقلا دقيقا محررا (٢). ويرى بعض الباحثين أنه يقوم أيضا على نقل ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم. فموضوع هذا العلم: هو أقوال النبى ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته من حيث نقلها نقلا دقيقا، فهو يتناول ضبط كل حديث ونقله. وفى العناية بعلم الحديث رواية: حفظُ السنة وضبطها والاحتراز عن الخطأ فى نقل ما أضيف إلى النبى ﷺ . وبهذا يقدم الحديث إلى الأمة كى تستمد منه أحكامها وتقتدى برسولها، وتؤدى السنة فى الأمة دورها باعتبارها المصدر الثانى من مصادر التشريع الإسلامى. ٢ - علم الحديث دراية: هو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن (٣)، وهذه القوانين هى القواعد والأصول التى يتوصل بها إلى معرفة الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وما يتصل بذلك من شروط الرواية، ومعرفة الرواة وأحوالهم، وجرحهم وتعديلهم، وتواريخ الرواة من حيث الولادة والوفاة، والناسخ والمنسوخ، ومختلف الحديث، وغريبه، وغير ذلك من المباحث والأنواع التى تذكر فى هذا العلم، وفى كتبه (٤). فموضوعه: السند والمتن أو الراوى والمروى من حيث القبول والرد والقواعد التى تبين ذلك، وغايته معرفة الصحيح من غيره (٥). ولا يستغنى أحد العلمين عن الآخر، وعلم الحديث رواية لا يجدى ما لم يقترن بعلم الحديث دراية؛ كى يمكن معرفة المقبول من المردود، وقد أطلق علماء الحديث على علم الحديث دراية اسم "مصطلح الحديث " واسم "أصول الحديث ". والحق أن كل موضوع من موضوعات علم الحديث دراية يستحق أن يطلق عليه علم قائم بذاته، لكثرة ما فيه من مجالات وقواعد، ومن ثم قيل: علم الجرح والتعديل، وعلم الرواة، وعلم مختلف الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب الحديث .... وهكذا، ولهذا أطلقوا على علم الحديث: علوم الحديث؛ لأن كل موضوع من موضوعاته يستحق أن يكون علما قائما بذاته، يقول الحازمى: "علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علم مستقل، لو أنفق الطالب فيه عمره ما أدرك نهايته " (٦) وسمى كتاب الحاكم "معرفة علوم الحديث "، وكتاب ابن الصلاح "مقدمة فى علوم الحديث " أو: "علوم الحديث " (٧). وعلم الحديث رواية نشأ فى عهد الرسول ﷺ إذ تلقى الصحابة- رضوان الله عليهم- الحديث من رسول الله ﷺ ورووه إلى من بعدهم. ونشأ التدوين فى عهد رسول الله ﷺ ، وعلى سبيل المثال دوَّن عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته التى رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ودوَّنت صحيفة على بن أبى طالب ﵁ وكان عند جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما- صحيفة … وكثير من الصحابة (٨). ثم كثر التدوين حتى بدأ التدوين الشامل فى مصنفات فى عهد عمر بن عبد العزيز، وأُلَفت الكتب فى علوم الحديث دراية وهى التى تصون الروايات وتميزها وتتناول قواعد ذلك. ونشأت بذور علوم الحديث دراية فى وقت مبكر ومنذ عهد رسول الله ﷺ ككيفية الرواية والتثبت فيها وبيان الأخطاء فيها، والجرح والتعديل … ، ثم ألفت الكتب الخاصة التى تتناول هذه العلوم. وأول من ألف فى علوم الحديث دراية: أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزى (ت ٣٦٠ هـ) ألف كتابه " المحدث الفاصل بين الراوى والواعى" (٩)، ولكونه أول محاولة لم يستوعب كل أنواع هذه العلوم ومباحثها. ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابورى (ت ٤٠٥ هـ) وألف كتابه "معرفة علوم الحديث " (١٠)، ولكنه لم يهذب الفن كما ينبغى، ولم يرتبه الترتيب المنشود. ثم جاء الخطيب البغدادى أحمد بن على بن ثابت (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ) فألف فى قوانين الرواية كتابه " الكفاية فى قوانين الرواية " (١١). ثم جاء القاضى عياض بن موسى اليحصبى (٤٧٩ - ٥٤٤ هـ) فألف كتابه " الإلماع فى ضبط الرواية وقوانين السماع " (١٢). ثم جاء الحافظ الفقيه أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشّهَرزورى فألف كتابه المشهور" علوم الحديث"، ويعرف بمقدمة ابن الصلاح، وقد جمع ابن الصلاح متفرقات هذا الفن من كتب مطولة فى هذا الحجم اللطيف (١٣). وقد اعتنى العلماء بكتاب ابن الصلاح وسار فى فلكه جُلّ من ألف بعده فى علوم الحديث. أ. د/ رفعت فوزى عبد المطلب

стр. 463

٣١ - علم الطبيعة لغة: الطبيعة السجية، وهى القوة السارية فى الجسم التى بها يصل إلى كماله الطبيعى (لسان العرب). واصطلاحا: العلم المختص بتفهم الظواهر الطبيعية التى تحدث فى الكون معتمدا على الملاحظات التجريبية والقياسات الكمية. وأهم أهدافه استنباط القوانين التى تحكم الظواهر الطبيعية لتطوير نظريات يمكن لها أن تتنبأ بنتائج التجارب، وتصاغ القوانين الأساسية لهذه النظريات بلغة الرياضيات التى تمثل الجسر الذى يربط بين النظرية والتجربة. وعندما يظهر تناقض بين النظرية والتجربة الفيزيقية، تنبثق نظريات جديدة وتجارب جديدة لحل هذا التناقض، وفى هذا دفع للبحث العلمى. وتنقسم الفيزيقا إلى ستة مجالات، هى: ١ - الميكانيكا التقليدية التى تختص بحركة الأجسام ذات سرعة تقل كثيرا عن سرعة الضوء. ٢ - النظرية النسبية التى تصف الجسيمات المتحركة بسرعة تقترب من سرعة الضوء. ٣ - الديناميكا الحرارية وتختص بدراسة تغير درجة حرارة الأجسام على التركيب الداخلى للمواد. ٤ - الضوء ويتضمن الضوء الفيزيقى والضوء الهندسى والظواهر الضوئية المختلفة، وكذلك علم الليزر الذى ظهر حديثا. ٥ - الكهرومغناطيسية وتتضمن النظرية الكهربائية والمغناطيسية والمجالات الكهرومغناطيسية. ٦ - ميكانيكا الكم وهى نظرية تختص بسلوك الجسيمات على المستوى بالغ الصغر (دون المجهر). وتسمى الفيزيقا التى تم تطويرها قبل عام ١٩٠٠م "الفيزيقا التقليدية". ومن العلماء الذين أسهموا بجهد كبير فى تطوير هذه الفيزيقا على مر العصور. كل من العالم العربى المسلم "الحسن بن الهيثم" (٣٥٧ - ٤٣٠هـ/٩٦٥ - ١٠٣٨م) الذى أنجز معظم أعماله فى مدينة القاهرة، وأهمها نظرية الضوء والتفسير الصحيح لعملية الرؤية، وقد تضمن كتابه "المناظر" بحوثا عديدة تعتبر انقلابا فى علم الضوء. وترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية بعد وفاته بقرنين من الزمان، وظل هو المرجع الرئيسى لعلم الضوء حتى القرن السابع عشر. كما أن العالم المصرى القاهرى "ابن يونس" (٣٩٩هـ/١٠٠٨م) هو مخترع الرقاص (بندول الساعة) والذى ينسب خطأ للعالم الإيطالى جاليليو (٥٦٤ - ١٦٤٢م) الذى أسهم فى تطويرعلم الميكانيكا التقليدية. وإذا كان العالم الإنجليزى إسحق نيوتن (١٦٤٢ - ١٧٢٧م) قد صاغ قانون الجاذبية، وقوانين الحركة الثلاث؛ فإن مفهوم القانون الأول لنيوتن قد ظهر فى أعمال العلماء المسلمين ابن سينا (ت ٤٢٨هـ-١٠٣٧م) والرازى (ت ٣٢١هـ-٩٢٤م) وغيرهم. ومن العلماء المسلمين الذين كان لهم دور كبير فى تقدم علم الفيزيقا "الخازن" القرن السادس الهجرى. القرن الثانى عشر الميلادى) الذى وضع كتابا فى الميكانيكا سماه "ميزان الحكمة" وقد سبق العالم تورشيللى (١٦٠٨ - ١٦٤٧م) فى وزنه الهواء، وفى تفسيره بأن حركة الأجسام فى الهواء لها قوة رافعة كالسوائل، كما قام الخازن بقياس كثافة كثير من العناصر والمركبات بدرجة من الدقة لم يصل إليها علماء القرن الثامن عشر كما أوضح أن سقوط الأجسام إلى الأرض ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام فى اتجاه مركز الأرض، وهذا هو قانون الجاذبية الذى ينسب إلى نيوتن. وبنهاية القرن التاسع عشر بدأت الفيزيقا الحديثة فى الظهور، وسبب ظهورها هو قصور الفيزيقا التقليدية عن تفسير عدد من الظواهر الفيزيقية التى تم كشفها، مثل تفسير حركة الجسيمات بسرعة تقترب من سرعة الضوء، والذى فشلت قوانين نيوتن فى تفسيرها، فظهرت النظرية النسبية للعالم ألبرت أينشتين (١٨٧٩ - ١٩٥٥م) لتوضح هذا التفسير، كما توضح أن سرعة الضوء فى أقصى سرعة فى الكون، وكذلك تحدد العلاقة بين الكتلة والطاقة. وقد فشلت الفيزيقا التقليدية أيضا فى تفسير عدد من الظواهر الفيزيقية مثل سلوك الذرات والجزيئات والأنوية، فظهر علم ميكانيكا الكم على أيدى مجموعة من العلماء منهم نيلزبور (١٨٨٥ - ١٩٦٢م) وشرودنجر (١٨٨٧ - ١٩٦١م) وهيزنبرج (١٩٠١ - ١٩٧٦م). وتعتمد هذه النظرية على مبدأ عدم الحتمية الذى صاغه هيزنبرج، ويتمثل فى استحالة حساب سرعة جسيم مع تحديد مكانه بنفس الدقة، كما تعتمد على اعتبار أن الجسيم الدقيق يمكن أن يسلك سلوك الموجات ومنه ظهرت معادلة شرودنجر الشهيرة التى تصف حركة الجسيمات عن طريق دراسة الموجات المصاحبة لها. وبحل هذه المعادلة يتم التوصل إلى الوصف الدقيق للذرة ومكوناتها، وهى النواة الموجبة والإلكترونات السالبة الشحنة، والتى تتحرك على مسافة بعيدة عن النواة -رغم ارتباطها بها- حتى لا تتلاشى الشحنات، وتتركب النواة من جسيمات البروتون والنيوترون التى تتماسك بقوة هائلة. وقد ظهرت اشعة الليزر عام ١٩٦٠ وهى عبارة عن تكبير للضوء ناتج عن إثارة عدد كبير من ذرات عناصر معينة -مثل الهليوم والنيون- والتى عندما تعود إلى حالتها الطبيعية تنطلق هذه الأشعة، واليوم أصبح لها تطبيقات فى معظم فروع العلم والصناعة والطب. ويمكن تلخيص علم الفيزيقا بأنه يتناول دراسة القوى الأساسية فى الكون وهى كالآتى: ١ - القوى النووية القوية: وهى التى تربط بين دقائق النويات (البروتون والنيوترون). ٢ - القوى النووية الضعيفة: وهى القوى الناتجة عن إشعاع الجسيمات الدقيقة (بيتا) والأشعة (جاما) والجسيمات غير الدقيقة (ألفا) من العناصر المشعة مثل (اليورانيوم). وتستخدم هذه المصادر فى الطب والصناعة. ٣ - القوى الكهرومغناطيسية: وهى قوى التجاذب بين الشحنات المتضادة والتنافر بين الشحنات المتشابهة. ٤ - القوى التثاقلية: وهى الناتجة عن تجاذب الأجسام مثل الأرض والشمس أو الأرض والقمر، وينتج عنها استقرار الحركات الدورانية للكواكب والتوابع. ومن العلماء المسلمين الذين أسهموا فى تطوير علم الفيزيقا الحديثة العالم الباكستانى عبد السلام (١٩٢٦ - ١٩٩٤م) الذى قام بتوحيد القوى النووية الضعيفة والقوى الكهرومغناطيسية لتصبح مجالا موحدا، وقد نال جائزة نوبل فى الفيزيقا عام ١٩٧٩م عن نظريته تلك. والعالم المصرى أحمد زويل الذى نال جائزة نوبل عام ١٩٩٩م بعد أن اكتشف وحدة قياس جديدة لقياس الزمن المتناهى فى الصغر. أ. د/على حلمى موسى

стр. 464

٣٢ - علم الفلك لغة: المدار الذى يسبح فيه الجرم السماوى. واصطلاحا: يتناول دراسة المجرات البعيدة والمذنبات، والشهب والنيازك والنجوم والكواكب أو مجموعات النجوم ويبحث فيه الفلكيون عن جوهر الكون مستخدمين أعينهم أو المنظار الثنائى أو التلسكوب أو سفن الفضاء. ويتميز علم الفلك بأنه العلم الذى ليس له حد يفصل بين الهواة والمحترفين، بل إنه فى أحيان كثيرة تكون لمعلومات الهواة فائدة كبرى للفلكيين فى أبحاثهم. وبالنظر إلى مجموعات النجوم فى الفضاء، نجد أن كل مجموعة لها حدود ونجوم متألقة ونجوم أقل تألقا ونجم كبير. والآن يتعرف الفلكيون على ٨٨ مجموعة فى السماء تقع ٤٤ منها فى النصف الشمالى للسماء، و ٤٤ فى النصف الجنوبى. وعلى مر العصور كان للثقافات المختلفة اهتمامات بمجموعات نجوم خاصة بها. وللتعرف على هذه المجموعات يجب النظر إلى السماء عندما يكون القمر محاقا، ومع استمرار التحديق فى أى مجموعة نلاحظ حركتها من الشرق إلى الغرب نتيجة لدوران الأرض حول محورها. وعندما ننظر إلى السماء تظهر لنا على هيئة نصف كرة ولكنها فى الحقيقة كرة كاملة، تسمى القبة السماوية وتحيط بالكرة الأرضية ويظهر لنا القمر والنجوم والكواكب والمجرات وكل ما هو موجود فى الكون كأنه متصل بهذه القبة السماوية. وكما يتم تحديد الأماكن على سطح الأرض بخطوط الطول والعرض يتم تحديد مواقع الأجسام السماوية بعنوان مشابه، وهما خط الطول وزاوية السمت. ونظرا للعدد الهائل للنجوم، فإنه من الصعب جدا إيجاد المسافات بينها، ولكن أقصى ما يمكن عمله هو إيجاد المسافات بين أنواع مميزة من النجوم، أو المسافات التى تفصل بين النجوم فى منطقة صغيرة، فإذا جمعنا هذه البيانات أمكن وضع تصور قريب من الواقع لأبعاد الكون. وقد بدأ اهتمام الإنسان بعلم الفلك منذ خلقه الله، وقد قام بملاحظة القمر منذ فجر التاريخ وأحيانا كان يقدسه وأحيانا يدرسه، ومنذ عام ١٩٦٩ بدأ يمشى على سطحه كما قام بجمع عينات من حجارته. ولقد كان للعرب والمسلمين دور كبير فى تقدم علم الفلك، إذ كانت بعض مسائله مما يطالب المسلم بصرفتها كأوقات الصلاة التى تختلف بحسب الموقع، وتتغير من يوم إلى يوم، وفوق ذلك فاتجاه المسلمين إلى الكعبة فى صلواتهم يستلزم معرفتهم سمت اتجاه القبلة وكذلك هلال رمضان وأحكام الشريعة والصوم. وبدأ اهتمام العرب والمسلمين بترجمة كتب الفلك فى العصر الأموى بدءا بكتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم، ثم بعد ذلك كتاب السند هند الكبير الذى اختصره الخوارزمى (توفى عام ٢٣٢هـ/٨٤٦م) فيما بعد وكتاب الأربع مقالات فى صناعة أحكام النجوم لبطليموس الذى نقله أبو يحيى البطريق (توفى عام ٢٠٠هـ/٨١٥م)، وكتاب المجسطى لبطليموس والذى شارك فى شرحه ونقله وإصلاح أغلاطه عدد من الفلكيين العرب مثل النيريزى (توفى عام ٣١٠هـ-٩٢٢م) والبوزجانى (توفى عام ٣٨٨هـ-٩٩٨م) والبيرونى (توفى عام ٤٤٠هـ-١٠٤٨م) والطوسى (توفى عام ٦٧٢هـ-١٢٧٤م) والشيرازى (توفى عام ٧١٠هـ-١٣١١م)، ثم بعد ذلك أسهم علماء الفلك العرب بمؤلفاتهم القيمة مثل: "ماشاء الله" الذى ألف فى الإسطرلاب ودوائره النحاسية و"يحيى بن ابى منصور" الذى وضع زيجا (جدولا) فلكيا مع "سند بن على". وفى عهد الخليفة المأمون ألف "موسى بن شاكر" و "أحمد بن عبدالله بن حبش" أزياجا (جداول) فى حركات الكواكب. وقد قام علماء الفلك فى عهد المأمون بتقدير محيط الأرض وتوصلوا لقيمة تقترب من القيمة الحقيقية، كما وضع البيرونى نظرية بسيطة لتقدير محيط الأرض، ودقق الفلكيون العرب فى حساب طول السنة الشمسية، وأخطأوا فى حسابهم بمقدار دقيقتين و ٢٢ ثانية ويعود سبب الخطا إلى اعتمادهم على أرصاد بطليموس. وقد توصل البتانى (توفى عام ٣١٧هـ/٩٢٩م) إلى تقدير بعد الشمس عن الأرض بأنه يساوى ١٠٧٠ مرة، مثل نصف قطر الأرض وهذه النتيجة قريبة من القيمة الحقيقية. وقد وضع الصوفى (توفى عام ٣٧٦هـ/٩٨٦م) جداول دقيقة لبعض النجوم الثوابت، وكان أول من أشار فى عام ٩٦٤م إلى التجمع النجمى أندروميدا، ووصفه بأنه سحابة صغيرة، وظلت هذه الحقيقة قائمة حتى وضع عالم الفيزيقا المعاصر واينبرج أفكاره عن الثلاث دقائق الأولى فى عمر الكون عام ١٩٧٧م. ويمكن تلخيص فضل العرب والمسلمين على علم الفلك، بأنهم نقلوا الكتب الفلكية عن اليونان والفرس والهنود والكلدان والسريان، وصححوا بعض أغلاطها وتوسعوا فيها، وهذا عمل جليل لا سيما إذا عرفنا أن أصول تلك الكتب قد ضاعت، ولم يبق منها غير ترجماتها العربية، وعن هذه الترجمات نقل الأوربيون أصول علم الفلك، كما هى وقد أضاف العرب اكتشافات قطع بها علم الفلك شوطا كبيرا، ويذكر أن نصف أسماء النجوم هى من وضع العرب ولاتزال مستعملة بلفظها العربى فى اللغات الأجنبية. كما يشهد للعرب أنهم جعلوا علم الفلك علما استقرائيا يعتمد على المشاهدات، كما أنهم قد طهروا علم الفلك من أدران التنجيم. وقد تطور علم الفلك فى عصر النهضة (لقرون ١٥ - ١٧) تطورا كبيرا. فقد كان العلماء فى التاريخ القديم (منذ بطليموس فى القرن الثانى الميلادى) يعتبرون أن الأرض مركز العالم، ويقول علماء الغرب أن هذا الاعتقاد ظل سائدا لمدة أربعة عشر قرنا حتى اقترح الفلكى البولندى "كورنيقوس" ١٤٧٣ - ١٥٤٣م) أن الأرض والكواكب تدور فى مسارات دائرية حول الشمس، ثم قام الفلكى الدانيمركى "تيكوبراها" (١٥٤٦ - ١٦٠١م) بإجراء قياسات فلكية على مدار عشرين عاما كانت الأساس الذى بنى عليه نموذجا للمجموعة الشمسية. وبعد ذلك قام الفلكى الألمانى "تبلر" (١٥٧١ - ١٦٣٠م) بوضع قوانينه الثلاثة لشرح الحركة الكوكبية، وفى عام ١٩٢٩ توصل العالم الأمريكى هارلوشيبلى (١٨٨٥ - ١٩٧٢) إلى أن شكل المجرة مفلطح، وتشبه ساعة المعصم، وتحتوى على النجوم والسديم والسحب النجمية، وأن الشمس والكواكب لا تقع فى مركزها، وأن رحلة الضوء من مركز المجرة فى اتجاه حدودها حيث الشمس والنجوم المرئية تبلغ أكثر من خمسين ألف سنة. وفى عام ١٩٧٧ نشر عالم الفيزيقا ستيفن واينبرج (١٩٣٣) الحائز على جائزة نوبل فى الفيزيقا كتابا بعنوان الدقائق الثلاث الأولى يشرح فيه فكرة أصل الكون القائمة على أساس نموذج الانفجار العظيم، المبنى على عدد كبير من نتائج التجارب العملية الفيزيقية المختلفة، كما تعتمد الفكرة على أن الكون فى تمدد مستمر. وكان الفلكى توماس رايت، قد قال عام ١٧٥٠م: "منذ أن كانت الخليقة فإن الخالق نفسه يتجلى فى كل ما حولنا فإننا نستطيع أن نقرر أن هناك ١٧٠ مليون عالم مسكون فى مجرتنا. فى هذا الخلق الكونى العظيم فإن كارثة عالم مثل عالمنا أو حتى الاختفاء التام لعدد من النظم الكونية قد يكون ممكنا لمؤلف الطبيعة العظيم تماما كإمكانية حدوث حادث لحياة أحدنا". وقد ذكر العالم الباكستانى محمد عبدالسلام أنه أنهى حديثه عند استلامه جائزة نوبل فى الفيزيقا بالآيتين التاليتين: قال تعالى: ﴿الذى خلق سبع سماوات طباقا ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾ الملك:٣،٤. أ. د/على حلمى موسى

стр. 465

٣٣ - العِلِّيَّة لغة: العرض الذى إذا حل فى معروضه يتغير به حاله أى حال معروضه وتطلق على المرض، وعلى السبب. واصطلاحا: عند الأصوليين عرفها الغزالى بقوله: هى ما أضاف الشارع الحكم إليه وناطه به، ونصبه علامة عليه فقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .. ) (المائدة ٣٨) جعلت السرقة فيه مناطا لقطع اليد، وقوله ﷺ " القاتل لا يرث " (أخرجه الترمذى) (١) جعل فيه قتل المورث مناطا للحكم وهو حرمان القاتل إرث المقتول. ومن شروطها عندهم: ١ - أن تكون العلة وصفاً ظاهرا، أى: واضحا يمكن إدراكه والتحقق من وجوده أو عدمه. ٢ - أن تكون العلة وصفا منضبطا لا يختلف باختلاف موصوفه. ٣ - أن يكون الوصف متعديا غير مقصور على الأصل، فإذا كان مقصورا على الأصل لم يصح القياس لانعدام العلة فى الفرع. ٤ - ألا يكون من الأوصاف التى ألغى الشارع اعتبارها، كأن يضيف الشارع الحكم إلى وصف وينوطه ثم تقترن به أوصاف علم بعادة الشرع وموارده ومصادره فى أحكامه أنه لا مدخل لها فى التأثير ككون الذى أفطر فى رمضان بوقاع أهله وأوجب عليه الشارع العتق أعرابيا، فإنا نلحقه كل مكلف أفطر فى رمضان بجماع، وتحذف عن درجة الاعتبار وصف كونه أعرابيا واقع منكوحته فى رمضان معين وفى يوم منه لأنا نعلم من عادة الشارع وموارده ومصادره أن مناط الحكم وقاع مكلف فى رمضان وهو صائم. والعلل عند أصحاب أصول الفقه نوعان: طردية ومؤثرة، أما الطردية: فهى الوصف الذى اعتبر فيه دوران الحكم معه وجودا فقط عند البعض، ووجودا وعدما عند البعض، فى غير نظر إلى ثبوت أثره فى موضوع بنص أو إجماع. وعند النحاة هى: ما ينبغى أن يختار المتكلم عند حصوله أمرا يناسبه وذلك الأمر المناسب حكمه وأثره لا بمعنى الموجب فهى ليست عللا موجبة بل نكات يقصد بها نوع رجحان للمستعمل فى محاوراتهم. وعند الأطباء: العلة هى المرض؟ لأنه بحلوله يتغير به حال الشخص المريض من القوة إلى الضعف. وعند الحكماء: العلة هى ما يتوقف عليها وجود الشيء ويكون خارجا مؤثرا فيه، والعلة عندهم قسمان: ١ - علة الماهية، وهى ما تقوم بها الماهية من أجزائها وهى إما علة مادية: "ما يوجد الشيء بالقوة"أو علة صورية: "ما يوجد الشيء بالعقل ". ٢ - علة الوجود؛ وهى ما يتوقف عليها أنصاف الماهية المتقومة بأجزائها بالوجود الخارجى؛ وهى علة فاعلية "ما يوجد الشىء بسبب " أو علة غائبة "ما يوجد الشيء لأجله ". والعلة إذا كان المعلول غير محتاج إلى سواها فهى علة تامة وإن لم يكن الأمر كذلك فهى علة ناقصة. وقد حاول ابن سينا وغيره من فلاسفة الإسلام أن يفسروا الوجود اعتمادا على العلية ويبرهنوا من خلال ذلك على وجود واجب الوجود، وهو الله ، وذلك باعتبار "أن أول ما يتوجب علينا هو إثبات أن أقسام العلل متناهية وأن هناك مبدأ أولا لكل طبقة من تلك الأقسام، وأنها تنتهى كلها إلى مبدأ واحد مباين لكافة الموجودات، وهو الواجب الوجود الواحد ومنه مبدأ وجود لكل موجود،) والشىء الذى يتعلق بالغير بواسطة أحد أنحاء التعلق إنما نحو ممكن الوجود، وليس بواجب الوجود أما الشىء الذى يقع فى بداية السلسلة فيخلو من كافة أنحاء التعلقات ومنزه عن كل أنواع التبعية، وهو واجب الوجود. (هيئة التحرير)

стр. 466

٣٤ - العمارة لغة: من الإعمار والتعمير، وهى كل ما يبنى على وجه الأرض من مبان (لسان العرب). واصطلاحا: كل ما يبنى على وجه الأرض بهدف التنمية العمرانية التى تسعى إلى خدمة الفرد والمجتمع، وتستجيب لكافة متطلباته، سكنية وإدارية وثقافية .. الخ. ولا تتعارض مع العقيدة الاسلامية. وعلى ذلك فليس منها ما يبنى لتخليد الإنسان، كما قال تعالى فى قوم عاد: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون﴾ الشعراء:١٢٨ - ١٢٩. والعمارة فى الإسلام تشمل كل ما يبنيه المجتمع من مبان على قدر حاجته فيها، وإلا فقد المبنى وضعه الإسلامى، فقد أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه الناس عند بناء الكوفة بالحجارة ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد. وتمتاز العمارة فى الإسلام بعدة أشياء، منها: ١ - لا تتقيد بشكل، فالشكل يتغير بتغير المكان والزمان حضاريا وبيئيا، أما العقيدة فثابتة ولا يحدها زمان أو مكان. ٢ - توفر الخصوصية الشخصية أو الفردية فى الداخل، وتتوافق مع قيم الجماعة من الخارج. الأمر الذى يضعها فى نظرية عالمية كعالمية الإسلام. أما ما يطلق عليه جوازا العمارة الإسلامية، فهى تنحصر فيما بنى من تراث فى منطقة محددة من الأرض أطلق عليها العالم الإسلامى، وفى فترة من الزمن أطلق عليها العصر الإسلامى، كما تنحصر فيما يبنى من مبان تحمل بعض العناصر المعمارية المميزة مثل القبة والقبو والعقد مضافة إليها الزخارف الهندسية أو النباتية، وهذا ما يتعارض مع عالمية الإسلام وانتشاره فى بيئات وحضارات مختلفة شرقا وغربا، جنوبا أو شمالا لها خصائصها المعمارية. وعمارة المسجد لها أصولها الفقهية والإنشائية التى تحرص على توفير الصفاء النفسى خلال أداء الصلاة، كما تحرص على الإقلال من الأعمدة التى تقطع الصفوف باستعمال نظم البناء المتقدمة. وعمارة المسكن توفر الخصوصية للساكنين ولا تعلو إلى ما هو أكثر من أدوار قليلة تفاديا للخلل الاجتماعى والأمنى، وتبنى المساكن فى مجموعات للجوار يحددها الحديث النبوى الشريف (ألا إن أربعين دارا جار) (رواه الطبرانى) مما ينمى وحدة الجوار والتاخى والتراحم والتكافل بين السكان دون تمييز بين الطبقات، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات:١٣. وللفقراء نصيب من ثمار العمارة فيما يسمى بعمارة الفقراء، والإنفاق على عمارة الفقراء يعتبر من مصارف الزكاة كما جاء فى فتوى د/محمد سيد طنطاوى للجمعية المركزية لإيواء المحتاجين. د. م/عبدالباقى إبراهيم

стр. 467

٣٥ - عمارة الأرض لغة: عُمر المنزل بأهله كان مسكونا بهم، فهو عامر، وعمَّر الأرض: بنى عليها وأهلها، واستعمره جعله يعمره، والعمارة نقيض الخراب، كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: نسبة إلى التعمير والعمران، بمعنى استمرارية الوظيفة الإنسانية العامة للإنسان، الذى حمل الأمانة عندما استخلفه الله فى الأرض كى يعمرها ويستخرج ما فيها بجهده وعمله، لتنعم بخيراتها الأجيال اللاحقة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها يقول الله فى كتابه العزيز ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة﴾ البقرة:٣٠، ويقول سبحانه ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ هود:٦١، كما يقول ﴿ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم﴾ يونس:١٤. ويتضح من هذه الآيات الكريمة كما ذهب الإمام ابن حزم الأندلسى أن حكم الإنسان وخلافته هما حكم من الله -جلت قدرته- الذى حكم وقضى بإستخلاف الإنسان فى إقامة العمران، والنهوض بتكاليفه التى يعمر بها الكون؛ لتتحقق المصلحة الاجتماعية على الوجه المقرر شرعا ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ الشورى:١٣، وكان الدين بذلك سائدا للعمران، وبين الاثنين تقوم علاقة أشبه ما تكون بالعلاقة الجدلية فى إطار الدين ترقى بالإنسان وبوضعه. ويقدم الإسلام أروع صورة لعمارة الأرض فى ظل ثقافة التوحيد لله والاستخلاف للإنسان، فى داخل إطار المشروعية العليا الإسلامية، ألا وهى العدل المستمد من التوحيد فلقد شاءت إرادة الخالق عندما خلق الكون وسخره للإنسان ﴿وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا﴾ الجاثية:١٣، أن يحدد الطريق لإعمار الأرض ضمن إطار من الأحكام: فهناك الأحكام المتعلقة بالضرورات وهذه ثابتة لا تتغير، والأحكام المتعلقة بالحاجيات كرفع المشقة، وبالتحسينات الملائمة للذوق، وهذه شديدة المرونة على حسب الأحوال، وأرسى بذلك قواعد النظام الاجتماعى فى المجتمع المسلم، ليكون هديا لبنى الإنسان فى كل مكان وزمان. وليس من شك فى أن عبادة الله هى الأصل والأساس إذ يقول ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ الذاريات:٥٦. ولكن العبادة المقصودة بحكم النص القرآنى أن الإنسان العابد لابد أن يكون عاملا منتجا، باعتبار أن العمل الجاد هو السبيل لإسعاد الفرد والجماعة، وفى هذا يقول سبحانه ﴿الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ الحج:٤١. كما يقول ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين﴾ القصص:٧٧، ويقول ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ الجمعة:١٠. وكما أن الدين دعوة للتراحم والمودة فإنه كذلك دين وسط يدعو للعمل والإنتاج، ليعمر الكون، ويعيش الإنسان فى خير وسعادة عندما يعمر نور الإيمان قلبه، ويحصن نفسه ويهذب أخلاقه، فيحيا فى عمله فالله يقول ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ التوبة:١٠٥ ويقول ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ المائدة:٨٧، وليس أبلغ من هذا موازنة بين المادة والروح وبين الدين والدنيا، فكما أن الالتزام العام بفروض الكفاية يؤدى إلى التضامن بين أبناء الأمة، كذلك فإن الإنسان بالعمل يكون قدوة للآخرين فقد روى أن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وأن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده) رواه البخارى. فليس فى الإسلام دعوة إلى الرهبنة أو نكران للمتع الحلال المباحة، وإنما هو دعوة صريحة للعمل الذى يتحقق به الإعمار الذى يعود بالخير على العالمين. أ. د/محمود أبوزيد

стр. 468

٣٦ - العمرة لغة: الزيارة، وقد اعتمر إذا أدى العمرة، وأعمره أعانه على أدائها (١). واصطلاحا: الطواف بالبيت، والسعى بين الصفا والمروة بإحرام (٢). حكمها: ١ - ذهب المالكية وأكثر الحنفية إلى أن العمرة سنة مؤكدة فى العمر مرة واحدة. وذهب بعض الحنفية إلى أنها واجبة فى العمر مرة واحدة بناء على اصطلاح الحنفية فى الواجب. والأظهر عند الشافعية، هو المذهب عند الحنابلة: أن العمرة فرض فى العمر مرة واحدة، ونص الإمام أحمد على أن العمرة لا تجب على المكى (٢) لأن أركان العمرة معظمها الطواف بالبيت وهم يفعلونه فأجزأ عنهم. واستدل الحنفية والمالكية على سنة العمرة بأدلة منها: ما رواه جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة هى؟ قال: لا، وأن تعتمروا هو أفضل. (٣) واستدل الشافعية والحنابلة على فرضية العمرة بقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (البقرة ١٩٦) أى: افعلوهما تامين، فيكون النص أمرا بهما فيدل على فريضة الحج والعمرة. وقد وردت فى فضل العمرة أحاديث كثيرة منها: ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٤). وتؤدى العمرة على ثلاثة أوجه: (أ) إفراد العمرة: وذلك بأن يحرم بالعمرة أى ينويها ويلبى دون أن يتبعها بحج فى أشهر الحج، أو يحج ثم يعتمر بعد الحج، أو يأتى بأعمال العمرة فى غير أشهر الحج فهذه كلها إفراد للعمرة. (ب) التمتع: وهو أن يحرم بالعمرة فى أشهر الحج ويأتى بأعمالها ويتحلل ثم يحج فيكون متمتعا بأداء نسكين فى سفر واحد ويجب عليه هدى التمتع. (جـ) القِرَان: وهو أن يحرم بالعمرة والحج معا فى إحرام واحد، فيأتى بأفعالهما مجتمعين وتدخل أفعال العمرة فى الحج عند الجمهور، ويجزءه لهما طواف واحد وسعى واحد عندهم ويظل محرما حتى يتحلل بأعمال يوم النحر فى الحج. ومذهب الحنفية: أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، طواف وسعى لعمرته وطواف وسعى لحجه، ولا يتحلل بعد أفعال العمرة بل يظل محرما أيضا حتى يتحلل تحلل الحج، وكيفما أدى العمرة على وجه من هذه الوجوه تجزئ عنه (٥). ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان العمرة ثلاثة هى: الإحرام والطواف والسعى، وهو مذهب المالكية والحنابلة (٦). والشافعية زادوا ركنا رابعا هو الحلق (٧). ومذهب الحنفية: أن الإحرام شرط للعمرة وركنهما واحد (٨) وهو الطواف ويجب فى العمرة الإحرام من الميقات وتجنب محظورات الإحرام. أ. د./ فرج السيد عنبر

стр. 469

٣٧ - عموم الرسالة لغة: الرسالة: ما يرسل، والرسالة: الخطاب، والرسالة: كتاب يشتمل على قليل من المسائل تكون فى موضوع واحد، ورسالة الرسول: ما أُمر بتبليغه عن الله، ودعوته للناس إلى ما أوحى إليه، ويقال: عمَّ الشىء عموما: شمل، والعام: الشامل. كما فى الوسيط (١). واصطُلاحا: يقصد بعموم الرسالة: رسالة الإسلام التى جاءت عامة لجميع البشر فى كل زمان ومكان، وتشريعه يتسم بالعموم والشمول. فهى الرسالة التى امتدت طولا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عمقا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة. والعموم من الخصائص التى تميز بها الإسلام عن كل ما عرفه الناس فى الأديان والفلسفات والمذاهب بكل ما تتضمنه هذه الخاصية من معان وأبعاد. ومما يدل على عموم رسالة الإسلام: ١ - إنها رسالة الزمن كله فهى رسالة لكل الأزمنة والأجيال، ليست موقوتة بعصر معين أو زمن مخصوص، ينتهى أثرها بانتهائه، كما كان الشأن فى رسالة الأنبياء السابقين على محمد ﷺ فقد كان كل نبى يبعث لمرحلة زمنية محددة حتى إذا ما انقضت بعث الله نبيا آخر. أما محمد ﷺ فهو خاتم النبيين ورسالته هى رسالة الخلود التى قدر الله بقاءها إلى أن تقوم الساعة. قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (الأحزاب ٤٠). كما أن رسالة الإسلام فى جوهرها رسالة كل نبى جاء من عند الله منذ عهد نوح إلى محمد ﷺ إنها رسالة الزمن كل الزمن قال تعالى ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (البقرة ٢٨٥). ٢ - رسالة العالم كله فهى غير محدودة بمكان ولا بأمة ولا بشعب ولا بطبقة، إنها الرسالة الشاملة التى تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب، وكل الطبقات قال تعالى ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء١٠٧). وقال ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ (سبأ ٢٨). وقوله ﷺ " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى … وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (رواه البخارى ومسلم). ٣ - رسالة الإنسان، حيثُ إنها تخاطب عقله وروحه معا، فالإنسان كل متكامل وكيان واحد، لا تنفصل فيه روح عن مادة، إنه وحدة لا تتجزأ من الجسم والروح والعقل والضمير، فى كل مراحل حياته ووجوده، فهى تصاحب الإنسان طفلا ورجلا وشيخا فى دنياه وفى قبره، ففى الإسلام أحكام تتعلق بكل ذلك فلا توجد مرحلة فى حياته إلا والإسلام له فيها توجيه وتشريع .. ٤ - مصادر الأحكام تجعل الشريعة الإسلامية فى غاية القدرة والاستعداد والأهلية للبقاء يحدث شيء جديد إلا وللشريعة حكم فيه، إما بالنص الصريح من الكتاب والسنة أو بالاجتهاد الصحيح والعموم، بحيث لا من القياس والإجماع والاستحسان والمصلحة المرسلة، وبالتالى الناس ومصالحهم. ٥ - مكانة المصلحة فى الشريعة الإسلامية؛ فالواقع يدل على الشريعة الإسلامية ما أن شُرعت إلا لتحقيق مصالح العباد فى العاجل ولا تضيق الشريعة بالوقائع الجديدة وبالتالى لا تضيق بحاجاتالآجل، ودرء المفاسد والأضرار عنهم فى العاجل والآجل، ومما يبين مكانة المصلحة فى الشريعة الإسلامية قوله تعالى فى: (أ) تعليل رسالة محمد ﷺ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء ١٠٧) فالرحمة تتضمن، قَطعا رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ولا يمكن أن تكون رحمة إذا أُغفلت هذه المصالح. (ب) تعليل الأحكام فى الشريعة بجلب المصلحة ودرء المفسدة، لإعلام البشر بأن تحقيق المصالح هو مقصود الإسلام، وأن الأحكام ما شُرعت إلا لهذا الغرض. قال تعالى ﴿ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب﴾ (البقرة ١٧٩). فالقصاصُ شُرع لتحقيق هذه المصلحة، وهى الحياة للناس بزجر من تسول له نفسه الاعتداء على أرواح الناس. (ج) تشريع الرخص عند وجود المشقات فى تطبيق الأحكام، إذا كانت هذه المشقات فوق طاقة البشر المعتادة، من ذلك إباحة الفطر فى رمضان للمريض والمسافر. (د) أحكام الشريعة كلها تحقق وتحفظ مصالح الناس المتعلقة بالضروريات والحاجيات وا لتحسينات، فبالنسبة للضروريات شرعت العبادات لإقامة الدين وتحقيقه، وشرع الجهاد وعقوبة المرتد لحفظه، وشرع تحريم الخمر لحفظ العقل وبالنسبة للحاجيات شرعت لها الرخص عند المشقة. وفى التحسينات شرعت الطهارة للبدن والثوب. وعلى هذا فكل مصلحة مشروعة حقيقية تظهر، أو مفسدة تطرأ فإن الشريعة الإسلامية تبيح لإيجاد الحكم لتحقيق تلك المصلحة، ودرء هذه المفسدة فى ضوء قواعد الاجتهاد المقررة فى الفقه الإسلامى. ٦ - وأحكام الشريعة بشقيها العامة والتفصيلية جاءت على نحو يوافق كل مكان وزمان ويتفق مع عموم رسالة الشريعة الإسلامية وبقائها: فأما القواعد والمبادئ العامة- فقد وردت فى الشريعة- تتضمن أحكاما عامة يمكن بسهولة ويسر تطبيقها فى كل مكان وزمان، وتتسع لتشمل كل مصلحة حقيقية جديدة للناس، ومن هذه القواعد والمبادئ العامة: (أ) مبدأ الشورى. قال تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى ٣٨). فهذا المبدأ أسمى وأعدل وأحكم قواعد الحكم الصالح بين البشر، فقد جاء بدرجة كافية من العموم والمرونة، بحيث يتسع لكل تنظيم صحيح يوضع لتطبيق هذا المبدأ. (ب) مبدأ المساواة، فهو من مبادئ الإسلام العظيمة، وله مظاهر كثيرة فى جوانب التشريع الإسلامى، من المساواة أمام القانون، وفى تطبيق الأحكام، ومساواة فى التكاليف. (ج) مبدأ العدالة فى الإسلام مبدأ بارز يظهر فى الأمر بها والحكم بين الناس بموجبها، وبالالتزام بمقتضاها قال تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء٥٨). ولاشك أن هذا المبدأ يضمن مصالح الناس، ويتسع لكل تنظيم صحيح يحقق معنى العدالة والمقصود منها. (د) قاعدة لا ضرر ولا ضرار ومعناها أن الضرر مرفوع بحكم الشريعة؛ أى لا يجوز لأحد إيقاع الضرر بنفسه أو بغيره، كما أن مقابلة الضرر بالضرر لا تجوز؛ لأنه عبث وإفساد لا معنى له، فمن أحرق مال غيره فلا يجوز للغير إحراق مال المعتدى، وإنما له أن يطالبه بالتعويض. وأما الأحكام التفصيلية فهى كثيرة يطول شرحها وبيانها لإظهار مدى قابليتها للبقاء والاستمرار. فأحكام الشريعة إما أن تتعلق بأمور العقيدة أو بالأخلاق أو بالعبادات أو بالمعاملات، ولنأخذ مثالا على ذلك منها: فمن أحكام العبادات وجوب الصلاة والصيام ونحو ذلك، ومسائل العبادة من لوازم الإيمان بالله ومقتضاه؛ لأنها تنظيم لعلاقة الفرد بخالقه والوفاء بحق هذا الخالق العظيم. والإنسان لا ينفك عن صفة مخلوقيته لله فى أى دهر من الدهور وفى أى زمن من الأزمان؛ وبالتالى لا يستغنى عن تنظيم علاقته بربه، والعبادات بعد ذلك وسيلة لتزكية النفس وطهارتها وربطها بخالقها ودفعها إلى الخير، ومنعها من الشر. قال تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (العنكبوت ٤٥). وفى ذلك تحقيق مصلحة الجماعة فى كل زمان ومكان، ومن ثمَّ فأحكام العبادات لابد منها فى أى مجتمع إنسانى وبالنسبة لكل فرد فى القرن الحادى والعشرين أو فى أى قرن بعده. (هيئة التحرير) ١ - المعجم الوسيط- مجمع اللغة العربية ١/ ٣٥٦ - دار المعارف ط ٣.

стр. 470

٣٨ - عموم اللفظ لغة: يقال: عمَّ الشىء عموما: شمل، عمَّ القوم بالعطية شملهم، عم الشىء جعله عاما، والعام: الشامل، وهو خلاف الخاص. ولَفَظَ بالكلام: نطق به، واللفظ: ما يلفظ به من الكلمات، والجمع ألفاظ. كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: العام هو اللفظ الدال على كثيرين، المستغرق فى دلالته لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد (٢). ومعنى أنه بحسب وضع واحد: ليخرج المشترك، لأن اللفظ المشترك يدل على أكثر من معنى بطريق التبادل، مثل العين فإنها تدل على معان مختلفة ولكن بأوضاع مختلفة. والألفاظ الدالة على العموم كثيرة من أشهرها (٣). ١ - لفظ "كل وجميع " وهما يفيدان العموم فيما يضافان إليه، كقوله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ (المدثر ٣٨). ٢ - المعرف بالإضافة أو بأل الجنسية فى الجموع، كقوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم.﴾ (النساء٢٣) وكقوله ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ (الأحزاب ٣٥). ٣ - أسماء الاستفهام مثل "من "كقوله تعالى (من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا) (البقرة ٢٤٥). ٤ - أسماء الشرط، كقوله تعالى ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾ (البقرة ٢٧٢). ٥ - الأسماء الموصولة، كقوله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ (النساء٢٤). ٦ - النكرة الواردة فى سياق النفى أو النهى أو الشرط كقوله ﷺ " لا وصية لوارث ". وقد اختلف العلماء فيما وضعت له صيغ العموم فقيل:- (أ) إنها وضعت للاستغراق ما لم يدل دليل على التجوز عن وضعها. (ب) إنها موضوعة لأقل الجمع. (جـ) إنها مشترك بين الاستغراق وأقل الجمع وما بينهما، والأول رأى الجمهور. وهو الراجح (٤). والعام ثلاثة أقسام هى: ١ - عام دلالته على العموم قطعية مثل قوله تعالى ﴿وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها﴾ (هود ٦). ٢ - عام يراد به الخصوص قطعا، لقيام الدليل على أن المراد بهذا العام بعض أفراده، كقوله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (البقرة ٤٣) فضمير الجماعة فى "أقيموا " من ألفاظ العموم ولكن يراد به بعض المكلفين لا كلهم. ٣ - عام مخصوص وهو العام المطلق الذى لم تصحبه قرينة تنفى احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفى دلالته على العموم، كقوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (البقرة ٢٢٨) فهو قابل للتخصيص بوضع الحامل لحملها. وقد اختلف الفقهاء فى دلالة العام، أهى قطعية أم ظنية على قولين: ذهب بعضهم، ومنهم الحنفية إلى أن دلالته على أفراده قطعية ما لم يخصص، فإذا خصص صارت دلالته على ما بقى من أفراده ظنية. وقال الجمهور إن دلالة العام على شمول جميع أفراده ظنية لا قطعية مثل التخصيص وبعده (٦). وشروط المخصص للعام أن يكون مستقلا، ومقاربا فى الزمان، وفى رتبة العام من حيث الظنية والقطعية (٧). ومن أمثلة التخصيص للعام حديث: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" خصص العموم الوارد فى قوله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ (النساء٢٤). وقد اشتهر على ألسنة الأصوليين والفقهاء قولهم "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " ويريدون بهذه العبارة: أن العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص كسؤال أو واقعة معينة، فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام، وليست العبرة بالأساليب التى دعت إلى مجىء هذه النصوص، لأن مجىء النص بصيغة العموم يعنى أن الشارع أراد أن يكون حكمه عاما لا خاصا بسببه، ومن أمثلته: آية اللعان؛ وإن نزلت بسبب واقعة معينة، هى قذف هلال بن أمية زوجته، إلا أنها عامة فى جميع الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم (٨). (هيئة التحرير)

стр. 471

٣٩ - العناية اصطلاحا: هى تأثير الله تعالى فى العالم وتوجيهه نحو غايات معينة بإرادته، وحفظه لنظامه، وإحاطة علمه بالوجود على نحو يكون به على أحسن نظام وأكمله. يقول ابن سينا: "العناية هى كون الأول عالما بما عليه الوجود من نظام الخير، وعلة لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان، وراضيا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ فى الإمكان، فيفيض على أتم تأدية إلى النظام بحسب الإمكان " (١). وإحاطة علم الله بالكل، وإرادته لما يجب أن يكون عليه الكل، حتى يكون كل شيء على أحسن نظام يحقق به غايته ويخضع لنظام ثابت له قوانينه التى أرادها الله لخيرية نتائجها، تسمى عناية عامة. وتوفيق الله للعبد فى أفعاله يسمى عناية خاصة. قال ابن سينا: "العناية هى إحاطة علم الأول بالكل، وبالواجب أن يكون عليه الكل، حتى يكون أحسن نظام " (٢). والعناية هى القضاء عند الحكماء (٣) وهناك فرق بين العناية والقضاء والقدر، فقضاء الله تعالى عند متكلمى الأشاعرة مثلا هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هى عليه فيما لا يزال، وقدرة إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معين معتبر فى ذواتها وأحوالها. والقضاء عند الفلاسفة عبارة عن علمه تعالى- بما ينبغى أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمى عندهم بالعناية الأزلية التى هى مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها، والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العينى بأسبابها، على الوجه الذى تقرر فى القضاء. وقيل: إن القضاء عبارة عن وجود جميع الموجودات فى العالم العقلى مجتمعة ومجملة على سبيل الإبداع، والقدر عبارة عن وجودها الخارجى فى الأعيان مفصلة واحدا بعد واحد. أما العناية فهى علم الله تعالى بالموجودات على أحسن النظام والترتيب، وعلى ما يجب أن يكون لكل موجود من الآلات بحيث تترتب عليها جميع الكمالات المطلوبة التى تخصه. وهذا يعنى أن فى مفهوم العناية تفصيلا، إذ العناية تعلق العلم بالوجه الأصلح والنظام الأكمل الأليق، بخلاف القضاء فإنه العلم بوجود الموجودات جملة (٤). والعناية من أهم الأدلة على وجود الله تعالى وتفرده بالوحدانية، فوجود الكون والعالم الذى نعيش فيه على الوضع الذى هو فيه ملائم لوجود الإنسان والحيوان والنبات، مما يبرهن على أن عناية الله تحيط بمخلوقاته. فالنظر فى طبيعة الكون الذى نعيش فيه، وما يحتوى عليه من مظاهر وظواهر يرشدنا إلى أن وجود كثير من الكائنات والموجودات كأنما قصد به الإنسان، وذلك لأن هذه الكائنات والموجودات توافق حياته وطبيعته وتلائمها. وليس يمكن أن تكون هذه الملاءمة وليدة المصادفة. والحق أن العلم الحديث قد أثبت أن هذا الخلق المحكم الذى يحقق غايات محددة لا يمكن أن يصدر إلا عن علم وتدبير وحكمة، فإن وجود الليل والنهار والشمس والقمر والفصول الأربعة والحيوان والنبات والأمطار، كل أولئك يوافق حياة الإنسان، وكأنما خلق من أجله، كما يشهد بذلك الحس، ثم إن الحكمة والعناية تتجليان فى تركيب جسم الإنسان بل فى جسم الحيوان، كما يجزم كثير من العلماء فى العصر الحديث أن هناك عناية بما فى هذا العالم، وأن هذه العناية لا يمكن أن تنسب إلى الاتفاق والمصادفة، يقول ابن رشد: "الطريق التى نبه الكتاب العزيز عليها .. طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها، ولنسمِّ هذا دليل العناية .. إن جميع الموجودات التى ههنا موافقة لوجود الإنسان من قِبَل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق … ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع جميع الموجودات " (٥). وما يقرره العقل هنا هو نفس ما يقرره القرآن الكريم وتؤيده آياته من مثل قوله تعالى ﴿ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا، وخلقناكم أزواجا، وجعلنا نومكم سباتا، وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا، وبنينا فوقكم سبعا شدادا، وجعلنا سراجا وهاجا، وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا، لنخرج به حبا ونباتا، وجنات ألفافا﴾ (النبأ ١٦:٦) ومثل قوله سبحانه ﴿تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا﴾ (الفرقان ٦١). ومثل قوله جل شأنه ﴿فلينظر الإنسان إلى طعام﴾ (عبس ٢٤)، وغير هذا كثير فى القرآن الكريم. أ. د./ محفوظ عزام

стр. 472

٤٠ - العُنْصُر لغة: الأصل والجنس، ومن ذلك قولنا إن فلانا كريم العنصر. واصطلاحا: ١ - فى الكيمياء هو أية مادة تتكون من نفس النوع من الذرات، وتتكون المركبات من اتحاد العناصر، وهكذا فإن المواد الكيميائية إما عناصر وإما مركبات. وتعزف العناصر أيضا بأنها المواد التى لا يمكن تحليلها إلى مواد أبسط منها بالطرق الكيميائية. والبنية الذرية للعنصر تميزه عن غيره من حيث نقطة الغليان، ونقطة الانصهار، والرائحة، واللون، والصلاد ة، والثقل النوعى. ولكل عنصر رمزه، ورقمه الذرى، ووزنه الذرى. ويوجد فى الطبيعة (١٠٩) عناصر معروفة، منها (٩١) عنصرا توجد فى صورة طبيعية، أما العناصر الباقية فيجرى تخليقها فى المعامل الذرية بواسطة "معجلات الجسيمات " وهى عناصر غير مستقرة سرعان ما تفنى أو تتحول إلى عناصر أخرى، وقد أذيع مؤخرا الكشف عن ثلاثة عناصر جديدة، ولكل عنصر رمز كيميائى يتكون من حرف أو حرفين، ويتضمن عدد ذراته، فالأكسجين O٢ ( أ٢) والكربون C ( ك) والهيدروجين H ( يد) .. وهكذا. وتحتوى نواة ذرة كل عنصر على نفس عدد البروتونات، أما عدد النيوترونات فقد يختلف فى بعض أنوية ذرات نفس العنصر، وتسمى الصور المختلفة للعنصر فى هذه الحالة "نظائر" والنظائر تتفق مع بعضها فى عدد البروتونات ولكنها تختلف فيما بينها فى عدد النيوترونات. ومن أبرز الإبداعات التى توصل إليها العلم "الجدول الدورى" للعناصر، وقد تطور هذا الجدول الفذ عن الجدول الدورى الأول الذى وضعه العالم الروسى مندليف (١٨٦٩ م)، وفيه نظمت العناصر حسب الترتيب التصاعدى لأوزانها الذرية، وتنتظم العناصر فى مجموعات، وتتشابه عناصر كل مجموعة فى تفاعلاتها الكيميائية، والهيدروجين هو أخف العناصر جميعا (رقمه الذرى ١) وأكثرها وفرة فى الكون، ويليه الهليوم (رقمه الذرى ٢)، أما الليثيوم (رقمه الذرى ٣) فمن العناصر النادرة. ويطلق لفظ عنصر نادر على أى عنصر ينتمى إلى مجموعة من العناصر المعدنية فضية اللون التى يتراوح عددها الذرى بين (٥٨ و ٧١) وتوجد هذه العناصر فى حالة امتزاج إما مع بعضها البعض، أو مع عناصر أخرى لتكوين مركبات مثل الفوسفات والكربونات. وتستخدم العناصر النادرة فى صناعة الليزر والمغناطيس والفوسفور وشاشات تكبير الأشعة والزجاج والسيراميك، وتستعمل مركباتها الآن على نطاق واسع باعتبارها عوامل مساعدة فى صناعة المنتجات الكيماوية والنفطية، وتقسم العناصر إلى فلزية ولا فلزية. ٢ - فى الفلسفة: ومعنى العنصر فى الفلسفة قريب من معناه فى الكيمياء، ولابن سينا مقولة مأثورة: "العنصر اسم للأصل الأول فى الموضوعات، فيقال عنصر للمحل الأول الذى باستحالته يقبل صورا تتنوع بها كائنات عنها .. إما مطلقا وهو الهيولى الأول، وإما بشرط الجسمية وهو المحل الأول من الأجسام التى تكون عنها سائر الأجسام الكائنة بقبول صورتها"وعند ابن سينا أن عنصرا الجسم هما الصورة والمادة. وللخوارزمى رؤية مماثلة، فهو يعرِّف العنصر بالشىء البسيط الذى منه يتركب المركب، كالحروف يتركب منها الكلام، والواحد يتركب منه العدد، والحجارة والجذوع والقراميد يتركب منها البيت. والعنصر فى المنطق أحد أفراد النوع أو الصنف، فعناصر الأشياء هى أجزاؤها البسيطة وعناصر اللغة ألفاظها، وعناصر المعرفة مبادئها، وعناصر المثلث خطوطه وزواياه، وعناصر المجتمع أفراده (٥). وكانت العناصر (أو المواد) عند القدماء أربعة: النار والهواء والماء والتراب، وفى اللاتينية أطلق أرسطو مصطلح العنصر الخامس على مادة الأجرام السماوية .. وهو جسم ليس له ضد، فهو لذلك غير متغير، وطبيعته أنه لا يتحرك بغير الحركة المكانية الدائرية. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 473

٤١ - العهد لغة: الوصية يقال: عهد إليه إذا أوصاه، والعهد: الأمان والموثق والذمة، ومنه قيل للحربى يدخل بالأمان: ذو عهد ومعاهد، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد (١). واصطلاحا: لا يخرج المعنى الاصطلاحى عن ذلك. والوفاء بالعهد واجب شرعا، والأدلة على ذلك كثيرة. فمن الكتاب، قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ النحل:٩١، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ الإسراء:٣٤، وقد وصف الله تعالى: الذين ينقضون العهد بالخسران، فقال تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه يقطعون ما أمرالله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك هم الخاسرون﴾ البقرة:٢٧، وأما السنة: فقد نفى النبى ﷺ الدين عمن لا عهد له، فقال ﵇: (لا دين لمن لا عهد له) أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك (٢) أضف إلى ذلك التزام الرسول ﷺ بسائر عهوده وعدم مخالفتها، ومن ذلك وفاؤه بالوثيقة التى عقدها لليهود عندما هاجر إلى المدينة، والتزامه بما اتفق عليه مع المشركين فى صلح الحديبية. وقد وصف رسول الله ﷺ ناقض العهد بالنفاق، ولا شك أن النفاق محرم، فيكون ما أدى إليه، وهو نقض العهد نفاقا محرما فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى ﷺ أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) (٣) فمن الأدلة السابقة يتضح أنه يجب على المؤمن الوفاء بالعهد، سواء كان هذا العهد بين المسلمين أنفسهم، أو كان بين المسلمين وغيرهم ممن عقدوا لهم العهد والأمان. ويجب على المسلم إتمام مدة العهد إلى معاهده، فيمتنع بذلك عن ظلمه امتثالا لقوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ التوبة:٤، واتباعا لنهيه ﷺ عن ظلم المعاهد بقوله: (من ظلم معاهدا أو انتقصه أوكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) (٤). فإذا خالف المسلم ذلك فإنه يكون ناقضا للعهد، وهو من الغدر، وقد شهر رسول الله ﷺ بالغادر، فيما رواه عنه عبد الله ابن عمر رضى الله عنهما حيث قال ﵇: (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به) ٠ (٥). ومع ذلك إذا غدر المعاهد ونقض عهده فللمسلم أن ينبذ العهد، أى ينقض العهد جهرا لا سرا، ويعلم المعاهد بنقض العهد، ثم بعد ذلك يجوز للمسلم أن يخالف العهد وأن يوقع بالمعاهد. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ الأنفال:٥٨. وما رواه عمر بن عبسة عن النبى ﷺ أنه قال: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدا ولا يشدنه حتى يمضى أمده أو ينبذ إليهم على سواء) (٦). ومن صور غدر المعاهدين ونقضهم للعهد: قتالهم للمسلمين، أو امتناعهم عن إعطاء الجزية، ومن إجراء حكم الإسلام عليهم، أو من دل أهل الحرب على عورة المسلمين -تجسس عليهم- أو فتن مسلما فى دينه (٧). .... إلخ. وقد اتفق الفقهاء على أن الحلف بعهد الله يعتبر يمينا، يترتب على الحلف به الآثار التى تترتب على كل يمين من وجوب البر بها، أو الكفارة الواجبة عند الحنث إلا أن الشافعية اشترطوا لاعتبار هذه الصيغة يمينا أن ينوى الحالف بها اليمين، لاستحقاق الله للعهد الذى أخذه على بنى آدم (٨). ويعتبر من صور الوفاء بالعهد، ما يعهد به الحاكم إلى من بعده، كما عهد أبو بكر إلى عمر، وعهد عمر إلى أهل الشورى رضى الله عنهم (٩). أ. د/على مرعى

стр. 474

٤٢ - العواصم الإسلامية (الحواضر) اصطلاحا: ظهر هذا المصطلح عندما بدأت حركة الفتوحات الإسلامية الأولى فى شمال جزيرة العرب وغربها، وأحس الفاتحون بحاجتهم إلى الاستقرار فى الأقاليم المفتوحة، فأسسَّوا مدنا جديدة أشبه بالمعسكرات الحربية، اتخذوها عواصم لهذه الأقاليم وأطلقوا عليها " الأمصار"، فكانت الكوفة والبصرة هما أول الأمصار الإسلامية. وأسست هذه الأمصار، بوجه عام، فى مواضع بعيدة عن عواصم الحكم القديم، فكانت البصرة والكوفة فى العراق بعيدة عن مدائن كسرى، والفسطاط والقيروان فى إفريقيا بعيدة عن الأسكندرية وقرطاجنة، كما أنها كانت قبل كل شىء ذات صفة حربية خالصة، قصد بها أن تكون معسكرات للجند الفاتحين ونقاط ارتكاز استراتيجية ومعقلا يتحصنون به إذا اضطروا للجوء إليها. وإذا كان الفاتحون قد اضطروا إلى إنشاء مدن جديدة (أمصار) فى جنوب العراق ومصر وإفريقية، فإنهم احتلوا المدن الرومانية التى خلاها البيزنطيون فى سوريا وفلسطين وطوروها وطوعوا منشآتها لتخدم وظائف الإسلام الرئيسية مثل مدينة دمشق عاصمة الأمويين. ولم يمض جِيلان حتى تحولّت هذه الأمصار إلى مراكز للنشاط الفكرى والحضرى، وأصبحت مراكز جذب للمسلمين الجدد بعد أن استقربها عدد من كبار الصحابة والتابعين. ومع قيام الخلافة العباسية فى أواسط القرن الثانى الهجرى والخلافة الفاطمية فى مطلع القرن الرابع الهجرى، استعيض عن المعسكرات الحربية بإنشاء مدن ملكية من نمط آخر، محاطة بالأسوار معنّى بمنشآتها يغلب عليها طابع الفخامة اتخذت مقرا للخلفاء، ومن ينوب عنهم (بغداد وسامرا والقاهرة). ولا تعيننا التواريخ العربية القديمة على رسم صورة صادقة لما كانت عليه المدن الإسلامية فى أول إنشائها ولكن من خلال ما وصل إلينا من معلومات فقد كانت المدينة الإسلامية تجمعات محلية لها كيانها وشخصيتها ومقوماتها المتميزة التى تعطيها وحدتها وتكاملها وطابعها الخاص، وتظهر هذه الشخصية فى كل المدن التى أسست فى ظل الإسلام وتكشف عن وجود روح عامة ثابتة ومستمرة خلال التاريخ الإسلامى كله لا يخطئها المرء فى تنقله من بغداد إلى حلب إلى دمشق وصنعاء والقاهرة وفاس. فالحياة الإجتماعية فى هذه المدن هى نتاج لتاريخ طويل تمتزج فيه عناصر الإسلام والعروبة بالعناصر المحلية القومية المتمثلة فى العادات والتقاليد المتوارثة، وتميزت المدن الإسلامية بمجموعة من الأبنية والمنشآت، ذات صبغة دينية واجتماعية، أضفت على المدينة شخصيتها بحيث توصف بأنها إسلامية هى: المسجد- دار الإمارة- الأسواق- الحمامات- المصَلّى- المقابر. فقد كان الجامع والسوق، وفى بعض الأحيان دار الإمارة، هى المركز الجاذب لكل المجموعة السكنية، وكانت دار الإمارة عادة تفتح على المسجد الجامع ليؤم الأمير أو الوالى جموع المصلين. وأحاطت الأسواق بالجامع وجعل لكل طائفة أو صنعة سوق خاص بها. وحول هذا المركز اختطت القبائل والجماعات خططها. ودائما ما كان خارج المدينة رحبة مكشوفة يجتمع فيها المسلمون للصلاة فى العراء يومى عيد الفطر وعيد الأضحى تعرف بـ "مصلى العيدين". أما "المقابر، فكانت تقام خارج أسوار المدينة، والأغلب أن تكون بجوار أحد أبوابها. هذا من الناحية التخطيطية، أما من الناحية التنظيمية والوظيفية فقد نشأت بظهور الإسلام مجموعات من الوظائف ميزت المدينة الإسلامية، حقيقة أن بعضها كان معروفا فى المدن الرومانية، إلا أن تعاليم الإسلام أضفت عليها ثوبا جديدا مثل وظائف الوالى والقاضى وصاحب السوق أو المحتسب وصاحب الشرطة وصاحب المعونة وصاحب العَسَس أو متولى الطوف ليلا. أما الصورة النموذجية للمدينة الإسلامية فى عصر ازدهارها فكانت تحتوى على: ١ـ حى ملكى أو مدينة ملكية كان يستعاض عنها أحيانا ببناء قلعة تقوم على موضع له طبيعة دفاعية. ويضم هذا الحى أو المدينة الملكية قصور الأفراد والإدارات الحكومية والدواوين وأماكن لسكنى الحرس. ٢ - مركز للمدينة يضم المسجد الجامع والمساجد الكبرى والمد ارس الدينية والأسواق المركزية وكثيرا ما كان توزيع الأسواق يتحدد بالنسبة للجامع والمدارس حسب الدور الدينى للسلع التى كانت تباع فيها وموقف الشريعة من تلك السلع. ٣ - وتأتى بعد ذلك منطقة الأحياء السكنية التى كانت تعكس الروابط الدينية والحرفية إلى جانب الاستقلال النسبى لكل حي من هذه الأحياء، حيث يميل أبناء الدين الواحد والحرفة الواحدة إلى التجمع معا. ٤ - ثم تأتى الضواحى أو الأحياء الخارجية التى كان يقيم بها الوافدون الجدد، وحيث يصرح بممارسة بعض الأعمال والقيام ببعض الصناعات التى قد تلوث جو المدينة. ٥ - وأخيرا تأتى أضرحة الأولياء والمدافن التى كانت تقام فى الأغلب وراء أسوار المدينة. وبعد القرن الخامس الهجرى أصبحت المدارس ودور الحديث ودور القرآن، ثم الأسبلة والكتاتيب إضافة إلى المؤسسات الاقتصادية مثل الوكالات والفنادق والخانات، والمؤسسات ذات الصفة الاجتماعية مثل البيمارستانات وأمثالها هى أحد مميزات المدينة الإسلامية. أ. د/ أيمن فؤاد سيد

стр. 475

١ - الغائية اصطلاحا: دليل أساسى من أدلة إثبات الألوهية بوجه خاص، والدين بوجه عام، يسميه الفلاسفة الغربيون دليل العلة الغائية، والفلاسفة المسلمون يسمونه دليل الحكمة ودليل النظام. وللقرآن الكريم عناية خاصة بلفت أنظار العقول إليه، وبعضهم يسميه: "دليل القرآن "، إذ كثير من آياته الكريمات تدور حوله ويعنى الدليل الغائى أن النظر فى تركيب العالم يقتضى تحقيق حكمة أو غاية يعمل من أجلها الكون، كما يقتضى إثبات صانع حكيم مدبر لهذا النظام ويعد الفيلسوف الألمانى "كانت " أوضح الأدلة وأقواها فى البرهنة على وجود الله تعالى. والغائية واحدة من العلل الأربع المعروفة فى الفكر الفلسفى، والمأخوذة من النظر فى علاقة "الاحتياج " بين الشيء وغيره، وهى علاقة ضرورية لا تحتاج إلى استدلال: فالمحتاج إليه نسميه علة، والمحتاج يسمى: معلولا، والعلة قد تكون جزءا من المعلول كالخشب بالنسبة للكرسى لن- مثلا-، وتسمى: علة مادية؛ وكالصورة التى يأخذها شكل الكرسى، وتسمى: علة صورية؛ وقد تكون العلة أمرا خارجا عن ذات المعلول، فإن احتاج إليها المعلول فى وجوده سميت: علة فاعلة؛ كالنجار فى مثالنا هذا؛ وإن احتاج إليها كغاية صنع من أجلها سميت: علة غائية؛ وهى تسبق المعلول ذهنا، وتعقبه وجودا .. وقد عرف ابن سينا العلة الغائية بأنها: "التى لأجلها الشىء، أو الفعل، وهى علة بماهيتها لعلية العلة الفاعلية، ومعلولة لها فى الوجود" ومعنى التعريف باختصار: أن الغاية- مطلق غاية- علة باعثة للصانع على صنع الشىء، فهى علة لعلية الفاعل، وهى- فى الوقت نفسه- معلولة لعلية الفاعل باعتبار تشخصها فى غاية معينة كالجلوس، دون النوم، مثلا. ويمثل القول بالغائية المذهب العقلى الصحيح فى تاريخ الفلسفة والتفلسف؛ أولا: لأن التأمل فى ظواهر الكون المحسوسة كاشف عما وراءها من نظام وعناية بالغة، وقاصد بأن فاعلها قاصد- حتما- إلى غاية، وثانيا: لأنه لولا اعتبار الغاية فى الأفعال لاستوى الفعل وعدم الفعل ولما أمكن تصور لماذا يفعل ولماذا لا يفعل، ولأصبحت الأفعال محض صدف واتفاقات، وأصحاب هذا الاتجاه- منذ أرسطو وحتى العصر الحديث- لا يثبتون "الغايات " عللا فى الأفعال فقط بل كثيرا ما يرونها عللا- أحيانا- فى وجود أجزاء من الفاعل، مثل: "الطيران "، فهو وإن كان غاية لأجل وجود الجناحين فى الطائر، فهو- فى الوقت نفسه- علة فى وجود الجناحين؛ إذ لولا الطيران لما كانت حاجة إليهما. والشيء نفسه يقال بالنسبة للعين والرؤية، والأذن وا لسمع، وما إليهما .. والقائلون بالغائية ينفون نفيا قاطعا أى احتمال للصدفة أو العبث أو الاتفاق فى حوادث هذا الكون من الذرة إلى المجرة، ويفردون فى مطولاتهم الفلسفية مقالات بعينها يبطلون فيها القول بالاتفاق (١). ويقابل أصحاب الغاية القائلون بالآلية البحته فى نظام الكون، وهم الفلاسفة الحسيون بدءا من أنبادقليس وديمقريطس ووصولا إلى الفلسفات المادية والوضعية فى عصرنا هذا "والمحدثون منهم آخذون عن القدماء بدون تغيير، أعنى عن ديمقريطس إمام المذهب المادى، وتابعيه: أبيقور ولوكريس". ويدور فى تراث المتكلمين المسلمين خلاف بين المعتزلة والأشاعرة فى مسألة "الغاية" فى فعل الله تعالى، حيث يذهب المعتزلة إلى أن أفعاله تعالى معللة بالأغراض، ولها غايات، وإلا كانت خالية من الحكمة، وهو عبث مستحيل على الله العليم الحكيم، بينما يذهب الأشاعرة إلى استحالة أن يفعل الله لغرض، وإلا كان الغرض باعثا له على الفعل، فيكون الله محتاجا إليه فى فعله، وهو يستلزم نقص الفاعل واستكماله بغيره، وهذا المعنى يستحيل أن يتصف الله به- ومع أن الأشاعرة يحرصون على تنزيه الأفعال الإلهية من الأغراض، فإنهم فى الوقت نفسه يثبتون الحكمة فى كل فعل إلهى، لكنهم يرفضون تسمية الحكمة غرضا أو باعثا على الفعل، وعندهم أن تقييد الفعل الإلهى بالغرض الباعث نوع من الإيجاب أو الاضطرار، ينافى الإرادة والاختيار فى فعله تعالى. ولابن رشد وابن تيمية وابن القيم وصدر الدين الشيرازى اعتراضات على ما يقوله الأشاعرة فى نفى الغرض. وقد تعقبها شيخ الإسلام مصطفى صبرى، وفندها فى شىء غير قليل من الدقة والعمق. أ. د/ أحمد محمد الطيب

стр. 476

٢ - غار حراء لغة: بيت منحوت فى الجبل، فإذا اتسع كان كهفا كما فى اللسان (١). اصطلاحا: هو البيت الذى كان النبى ﷺ يثحنث فيه الليالى ذوات العدد من رمضان فى الجبل، قبل هبوط الوحى عليه، والذى نزلت فيه الآيات الأولى من القرآن، وكان يسمى حراء فى الجاهلية، ثم سمى جبل النورفى الإسلام. والسبب فى تغير التسمية هو أن جبريل ﵇ نزل فيه على محمد صلوات الله وسلامه عليه مخبرا إياه أن الله تعالى قد اختاره خاتما للمرسلين ونبيا للإنس والجن أجمعين، فانبثاق هذا النور منه هو السبب الذى من أجله عدل الناس عن إطلاق لفظة حراء إلى لفظة نور. يقول العلماء إن العرب فى الجاهلية كانوا يجلون رمضان، ويأوون فيه إلى الكهوف والغيران، لتقديس الله بعيدا عن الناس وما هم منغمسون فيه من شواغل النفس وهموم العيش، ومن أجل هذا كان محمد ﷺ إذا أقبل رمضان أعدت له زوجه خديجة رضى الله عنها الزاد والماء، وآوى إلى غار حراء، فأقام فيه ما شاء الله مفكرا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، باحثا عن الطريق الذى إذا سلكه خلص الناس من الشرك وهداهم إلى الحق. وكانت إقامة الرسول ﷺ فى هذا الغار تزداد من سنة إلى سنة، حتى إذا لم يبق على اصطفائه سوى ستة أشهر، أخذت تظهر عليه علامات لم تكن تظهرعليه من قبل (٢). منها: ١ - طول الإقامة فى الغار. ٢ - لم يكن يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ٣ - لم يكن يمرعلى صخرة ولا شجرة إلا صلت عليه (٣). حتى جاءه الروح الأمين وكان قد بلغ أشده، وبلغ الأربعين من عمره، وأنزل عليه الآيات الأولى من سورة العلق وهى قوله سبحانه: ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ العلق:١ - ٥. أ. د/عبدالعزيز غنيم عبدالقادر

стр. 477

٣ - الغرر لغة: الخطر، وهو تعريض المرء نفسه أو ماله للهلاك من غير أن يعرف (١) وقال الجرجانى: الغرر ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أم لا (٢). واصطلاحا: عرف الغرر بتعريفات متعددة وكلها متقاربة نسبيا منها: الغرر ما طوى عنك علمه (٣). الغرر التردد بين أمرين: أحدهما على الغرض، والثانى على خلافه (٤). الغرر ما تردد بين جوازين متضادين الأغلب منهما أخوفهما (٥). الغرر ما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر، كالآبق متردد بين الحصول وعدمه (٦). وقال ابن تيمية: الغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما كبيع البعير الشارد، فإن موجب البيع تسليم المبيع والبائع عاجز عنه، والمشترى إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة، فإن أمكنه أخذه كان المشترى قد قمر البائع، وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشترى (٧). والخلاصة: أن بيع الغرر هو البيع الذى يتضمن خطرا يلحق أحد المتعاقدين؛ فيؤدى إلى ضياع ماله. . حكم بيع الغرر: الغرر الذى يتضمن خديعة حرام ومنهى عنه؛ لما رواه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" (٨). قال النووى: النهى عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع يدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل، لأنه غرر من غير حاجه تدعو إليه (٩). وقد اتفق العلّماء على أن الغرر ينقسم إلى مؤثر فى البيوع وغير مؤثر، ويشترط فى الغرر حتى يكون مؤثرا أن يكون كثيرا، أما إذا كان يسيرا أو تدعو إليه الضرورة فإنه لا تأثير له على العقد (١٠). وقد أجمع العلماء على جواز إجارة الدار وغيرها شهرا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين، وعكس هذا أجمعوا على بطلان بيع الأجنة فى البطون والطير فى الهواء (١١). أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 478

٤ - الغرور لغة: كل ما غر الإنسان من مال، أو جاه أو شهوة أو إنسان أو شيطان. واصطلاحا: هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع (التعريفات للجرجانى) وتجىء مادة "الغرور" بصيغ مختلفة فى القرآن الكريم، لتدل على معان أهمها الانخداع والتعالى المؤدى إلى البطر، ونكران نعم الله على الإنسان، الأمر الذى يحاسب عليه بقوله: ﴿ما غرك بربك الكريم﴾ الانفطار:٦، ولأن هذا الموقف مبنى على باطل، كان النهى عن كل أنواع الغرور والاغترار بالدنيا أو بالدين (١). أما فى السنة الشريفة فيتركز التنبيه على روافد الغرور، وهى الإعجاب بالنفس وهو ظن كاذب بالنفس فى استحقاق منزلة هى غيرمستحقة لها وكذلك الكبر الذى ينبنى على الإعجاب الخادع، ويؤدى إلى الغرور والتعالى وغمط الحق وفي هذا يقول ﷺ : (ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) (٢) (لا يدخل الجنة من كان فى قلبة مثقال ذرة من كبر) (٣). وما ذلك إلا لأن الكبر والعظمة صفة الرحمن وحده. وتبين السنة العلاج حين تدعو إلى التواضع، وإلى أن يعرف الإنسان أصل خلقته ومصيره الذى سيئول إليه. والربط بين مولدات الغرور وبينه، موضع اهتمام علماء المسلمين الذين كتبوا فى الأخلاق والتربية فمسكويه يقرر أن الغرور جهل من الإنسان بعيوبه وجهل بحقيقة هامة هى أن الفضل مقسوم بين البشرلا يكمل الواحد منهم إلا بفضائل غيره (٤). والماوردى يذكرأن الغرور المبنى على الكبروالإعجاب يضر بصاحبه قبل غيره لأن غروه يمنعه من أن يستفيد من علم غيره لغروره، ولا يألفه أحد لتكبره فهو معزول عن مجتمعه ممقوت فيه (٥). أما الأصفهانى فيظهر نقص المغرور لأنه يغتر بما ليس يملك من علم أوعمل أومال ونحو ذلك لأن هذا عطية من الله، والعاقل يشكرولا يغتر، فكيف به إذا استطال أو صلف (اغتر) (٦). أما ابن حزم فيدعو الإنسان المغرور المعجب بما عنده أن يفكر ملئا فى حاله كيف هو وفى النعم التى عنده، من أين أتت؟ وهل هى كاملة دائمة؟ إلى غير ذلك مما يعيد إليه توازنه، والا فمصيبته إلى الأبد (٧). أما الحارث المحاسبى فقد فصل القول فى الكبروالإعجاب والغرور باعتبارها أمراضا نفسية لها خطرها على العقيدة والعبادة وممارسة الحياة، مبينا كيف يكون العلاج وسائله وضوابطه (٨). أ. د/أبواليزيد العجمى

стр. 479

٥ - غريب الحديث لغة: غريب جمعه غرباء. من غَرُبَ عن وطنه غرابة وغُرْبةً: ابتعد عنه وغَرُبَ الكلام غرابةً: غمض وخفى (١). واصطلاحا: غريب الحديث هو ما يخفى معناه من المتون؛ لقلة استعماله ودورانه على الألسنه، بحيث يبعد فهمه ولا يظهر إلا بالتنقيب عنه فى كتب اللغة. ورسول الله ﷺ كان أفصح العرب لسانا وأوضحهم بيانا، وكان الصحابة- رضوان الله عليهم- يعرفون أكثر ما يقوله، ولكن نشأت أجيال لا تعرف من اللغة إلا ما تتخاطب به، وجهلت الكثير من الألفاظ ومعانيها فى الحديث وفى غيره ومن هنا كان الغريب فى الحديث. وقد أفرد له علماء الحديث علما خاصا لأهميته، إذ يتوقف على تفسيره التفسير الصحيح والتلفظ الصحيح للكلمة أو العبارة الغريبة، وأهم من ذلك يتوقف عليه فهم المعنى الصحيح وما يترتب عليه من استنباط للأحكام والاستفادة من الحديث، وتتأكد العناية به لمن يروى بالمعنى؛ لأنه لا يستطيع أن يختار من الألفاظ والعبارات ما يؤدى المعنى نفسه إلا إذا كان على فهم صحيح للفظ الأصل (٢). يقول ابن الصلاح مبينا أهميته: هذا فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحرى، جدير بالتوقى (٣) وسئل الإمام أحمد عن حرف من غريب الحديث فقال: "سلوا أصحاب الغريب؛ فإنى أكره أن أتكلم فى قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئ " (٤). ومن أمثلة التوقى فى تفسير الغريب أنه سئل الأصمعى- وهو من هو فى اللغة- عن معنى قول رسول الله ﷺ " والجار أولى بسقبه " (٥)، فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله ولكن العرب تزعم أن السقب: الَّلزيق (٦). ولم يهتم العلماء فى هذا الفن بتفسير الغريب فقط، ولكن تتبعوا التفسيرات التى فْسرت على نحو من الخطأ فبينوا أخطاءها (٧). وإذا كان تفسير الغريب إنما هو بالرجوع إلى أهل اللغة واستعمالاتهم فإن العلماء نبهوا إلى أمر هام وهو أنه قد يريد الشارع من بعض الألفاظ غير ما يستعمله العرب، وهذا يدرك بالقرائن والسياقات. يقول السخاوى مبينا ذلك: ولا يجوز حمل الألفاظ الغريبة من الشارع على ما وجد فيه أصل كلام العرب (دائما) بل لابد من تتبع كلام الشارع والمعرفة بأنه ليس مراد الشارع من هذه الألفاظ إلا ما فى لغة العرب، وأما إذا وجد فى كلام العرب قرائن بأن مراده من هذه الألفاظ معان اخترعها هو فيحمل عليها ولا يحمل على الموضوعات اللغوية، كما هو فى أكثر الألفاظ الواردة فى كلام الشارع، وهذا هو المسمَّى عند الأصوليين بالحقيقة الشرعية" (٨). وكما ذهب المفسرون للقرآن الكريم إلى تفسير القرآن بالقرآن، كذلك ذهب المحدثون إلى أن أفضل وسيلة لتفسير الغريب فى الحديث هو تفسيره بالقرآن والحديث. قال ابن الصلاح: "وأقوى ما يعتمد عليه فى تفسير الحديث أن يُظفر به مفسرا فى بعض روايات الحديث "، نحو ما روى فى حديث ابن صَيَّاد أن النبى ﷺ قال له " قد خبَّأْتُ خبيئا لك، فما هو؟ فقال: "الدُّخّ" .. " (٩)، قال ابن الصلاح: "فهذا خفى وأعضل، وفسره قوم بما لا يصح "، وفى معرفة علوم الحديث للحاكم أن: "الدُّخُّ " بمعنى الزَّخ الذى هو الجماع وهذا تخليط فاحش يغيظ العالم والمؤمن، وإنما معنى الحديث أن النبى ﷺ قال له: قد أضمرت لك ضميرا فما هو؟ قال: "الدُّخُّ "- بضم الدال - يعنى الدخان، والدُّخُّ هو الدخان فى لغة، إذ فى بعض روايات الحديث ما نصه: ثم قال رسول الله ﷺ إنى قد خبأت لك خبيئا- وخبأ له﴾ يوم تأتى السماء بدخان مبين ﴿(الدخان ١٠) فقال ابن صياد: الدُّخُّ، فقال رسول الله ﷺ "اخسأ فلن تعدو قدرك " وهذا ثابت صحيح خرَّجه الترمذى وغيره (١٠). وقد قام علماء اللغة والحديث خير قيام فى التصنيف فى هذا العلم بما يشبه أن يكون إحصاء لما فى الحديث من الغريب وشرحه وتفسيره، وكمَّل بعضهم بعضا فى هذا المضمار. ونقتصر فى هذه العجالة بذكر المصنفات الكبرى فى هذا الفن، والتى هى متاحة للمتخصصين الآن حيث طُبعت، ومن الميسور الحصول عليها: ١ - غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلام (١١) (ت ٢٢٤ هـ) قال ابن الصلاح فى هذا الكتاب: جمع وأجاد واستقصى، فوقع من أهل العلم بموقع جليل (١٢). ٢ - غريب الحديث لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) وقد تتبع فيه ما فات أبا عبيد (١٣). ٣ - غريب الحديث للخطابى أبى سليمان (ت ٣٨٨ هـ) وقد تتبع ما فات الكتابين السابقين (١٤). قال ابن الصلاح: فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلَّفة فى ذلك (١٥). ٤ - الفائق فى غريب الحديث للزمخشرى (ت ٥٨٣ هـ) (١٦). ٥ - النهاية فى غريب الحديث لابن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) (١٧)، وقد بلغ هذا الكتاب النهاية فى هذا الفن الشريف ولم تند عنه إلا أحاديث يسيرة ذكرها السيوطى فى "الدر النثير"، و " التذييل والتذنيب " (١٨). أ. د / رفعت فوزى عبد المطلب

стр. 480

٦ - غريب القرآن لغة: يقال غرب الكلام غرابة: غمض وخفى، فهو غريب والجمع غرباء، وهي غريبة، والجمع: غرائب، والغريب: غير المعروف والمألوف كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: ما احتاج إلى البيان أو إلى مزيد منه من ألفاظ القرآن الكريم أو غيره. وليس المقصود هنا الغرابة بالمعنى الذى عده علماء البلاغة عيبا مخلا بفصاحة الكلمة ذاهبا بفصاحة وبلاغة ما يشتمل عليه من كلام، والذى عرفوه بكون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى، بحيث لا ينتقل ذهن العربى الخالص العروبة إلى معناها بسهولة، أو كونها غير مأنوسة الاستعمال فى المعنى المراد منها لدى خلص العرب، بحيث يحتاج تخريج الأمر فيها إلى وجه بعيد (٢). لأن فصاحة الكلام فضلا عن بلاغته متوقفة لامحالة على فصاحة كل كلمة منه، والقرآن الكريم قد انتهى من البلاغة إلى حد الإعجاز. وفى ذلك يقول السعد التفتازانى -يرحمه الله-مدافعا عن اشتمال القرآن على كلمات غير فصيحة فيقول فمجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح، بل على كلمة غير فصيحة إنما يقود إلى نسبة الجهل أو العجز إلى الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (٣). وترتيبا على ما سبق لا يصح بحال ما رواء المتساهلون من الأخبار المؤذنة بجهالة الجماهير من الصحابة لمعانى بعض ألفاظ القرآن، لأنهم عرب خلص، وما كانت لتفوت الحمية العربية ولا سيما لدى أهلها أعداء الدين والقرآن فى عصره مطعنا يوجهونه إلى القرآن فى مقتل. نعم قد يجر العجل الذى خلق منه الإنسان إلى عدم تبصر فى سياق أو تدبر فى قرينة تستوجب الحمل على مجاز، فيقع خطأ الفهم من بعضهم حتى يستبين النبى ﷺ فيبينه له، كقصة عدى بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود (٤) وقصة عائشة في الحساب اليسير (٥). وقد يتعنت من سفه نفسه من كفرة العرب تلقاء لفظ من ألفاظ القرآن المجيد فينكر ما فى حقيقته من البيان والهدى، فما يلبث القرآن أن يفضح أمره ببيانه الحاسم أن حقيقة أمر اللفظ معلومة للكافة كقصتهم مع لفظ الرحمن، (٦) وقصتهم مع شجرة الزقوم (٧). وقد بدأت أولى خطوات شرح الغريب والحديث عنه مبكرة في العهد المكى لنزول القرآن متمثلة فى بيان القرآن ذاته تارة، وبيان النبى ﷺ بسنته تارة أخرى، ونتبين من ذلك أن الغريب هنا يراد منه ما احتاج إلى البيان أو إلى مزيد من ألفاظ القرآن الكريم أومن سنة النبى ﷺ . ثم اتسعت خطوات الحديث عن الغريب وشرحه بعد عهد النبوة فى عصر الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم، فكلما طال بالناس زمان احتاجوا إلى المزيد من البيان، نظرا لكثرة الفتوحات ودخول الكثير من غير العرب فى الإسلام، واختلاط العرب بهم، حتى سرت اللكنة إلى اللسان العربى، وذهب من العرب الخلص، وجاء المولدون، بحيث احتاج أكثر ما كان بينا بنفسه إلى البيان، لحصول الجهل به، لا نقول للعامة فقط بل سرى الكثيرمن ذلك إلى بعض الخاصة أيضا. وهكذا دعت الضرورة إلى تصنيف كتب النحو والصرف والبلاغة ومعاجم اللغة الشارحة لمتنها، والمصنفات الشارحة لفقهها، وكان من بين ذلك بطبيعة الحال، ونظرا لفرط رعاية الأمة بقرآنها أن أفردته المصنفات العديدة فيما يختص بغريب القرآن. ويضاف إلى هذه الضرورة أن بيان اللفظ القرآنى قد لا يتوقف على معرفة حقيقة اللغة فحسب، بل قد يكون الحمل على الحقيقة اللغوية فيه من أفسد الفسادة أرايت لو حمل حامل لفظ مبصرة فى قوله تعالى ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ الإسراء:٥٩، علي حقيقته ولم ينظر إلى السياق والقرآئن المضطرة اضطرارا للصرف إلى المجازى كم يقع فى الفساد والباطل. فمن ثم كانت الضرورة -من أكثر من وجه- إلى وضع المصنفات المفردة المختصة بهذا اللون من علوم القرآن، فأفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون كما قال السيوطى (٨). وأمثل ما بأيدى الناس منها اليوم كتاب "المفردات فى غريب القرآن" للحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهانى المتوفى سنة (٥٠هـ/١١٠٨م) على ما اختاره الزركلى فى الأعلام. يقول الراغب في مقدمته عن سبب تصنيفه لكتابه: "وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معانى ألفاظ القرآن في كونه أوائل لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن فى كونه أول فى بناء ما يريد أن يبنيه، ليس ذلك نافعا فى علم القرآن فقط بل هو نافع فى كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هى لب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء فى أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء فى نظمهم ونثرهم، وماعداهما وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لباب الحنطة. ولمجمع اللغة العربية بمصرمصنف نفيس فى هذا الباب فى مجلدين تحت اسم "معجم ألفاظ القرآن الكريم" استرشد فى طريقة وضع الألفاظ فيه بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. هذا بالإضافة إلى جميع كتب التفسير، فما من كتاب فى التفسير إلا ويعنى صاحبه بشرح الغريب مبسوطا كان المصنف أو متوسطا أو موجزا. أ. د/إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 481

٧ - الغزنويون اصطلاحا: يقصد بهم جماعة من الأتراك الذين سكنوا الجزء الجنوبى الشرقى من التركستان وهضاب أفغانستان وجبالها، وهى الجهات التى سبق أن فتحها القائد الأموى قتيبة بن مسلم الباهلى سنة ٩٠هـ/٧٠٩م. أخذ نفوذ أولئك الأتراك يعلو فى الدولة الإسلامية منذ استخدمهم الخليفة العباسى المعتصم ٢١٨هـ/٨٣٣م فى حرسه الخاص، حتى آل إليهم أخيرا حكم كثير من ولايات الخلافة العباسية. ونبغ من أولئك الأتراك زعيم يسمى "ألبتكين" أقامه السامانيون الذين أقاموا لهم دولة مستقلة فى ظل الخلافة العباسية حاكما على خراسان، ثم اختلف معهم، فاتجه إلى غزنة فى أقصى بلاد الإسلام شرقا، وأنشأ لنفسه مع إخوانه الأتراك دولة هى المعروفة باسم الدولة الغزنوية وذلك فى سنة ٣٥١هـ/٩٦٢م) وطال عمرها حتى سنة (٥٨٢هـ/١١٨٦م) وامتد سلطانها حتى شمل كل أفغانستان وإقليم البنجابا، وهو حوض نهرالسند بالهند. وتعد هذه الدولة من دول الفتوح فى الإسلام فاشتهر من حكامها "سبكتكين" (٣٦٦/ ٣٨٧هـ) ثم ابنه "محمود" ٣٨٨ - ٤٢١هـ الذى استطاع أن يضيف بجهاده إلى دار الإسلام قدر ما أضاف عمربن الخطاب فى المساحة تقريبا إذ أنه فتح شمال الهند كله بما فى ذلك نهر الكنج إلى مصبه، ووصل بالإسلام إلى سفوح الهملايا شمالا، وتسلق هضبة الدكن جنوبا. وفى هذه المساحة كلها زالت الوثنية وحلت محلها عبادة الله وقامت المساجد. وكان "محمود" وافيا لوحدة الإسلام، فاعترف بالتبعية للخليفة العباسى القادر بالله ٣٨١ - ٤٢٢هـ وتلقى منه التفويض وخلع السلطنة، ولقبه الخليفة بلقب الأمير كما عرف "بالغازى" وهو أول من حمل هذه التسمية. وفى أيام الغازى محمود أصبحت غزنة من العواصم العظام فى دار الإسلام فازدانت بالمساجد السامقة والمبانى الدينية العظيمة. كما ظهر فى بلاطه العديد من علماء المسلمين مثل أبو الريحان البيرونى الذى صحب الغازى محمود فى حملاته إلى بلاد الهند، وظهر أيضا أبو القاسم الفردوسى وهو الشاعر الإيرانى الكبير مؤلف الشاهنامة. وقد تفككت هذه الدولة بسبب اتساعها الكبير وقامت فى لاهور شمال الهند دولة جديدة تعرف باسم "دولة الغوريين" وهم منسوبون إلى "الغور" من أقاليم جنوب أفغانستان، وتمكن الغوريون من إخضاع منافسيهم فى شمال شرقى الهند ثم وسعوا حدود بلادهم، وجعلوا عاصمتهم مدينة "دهلى" التى تسمى الآن "دلهى". وتابع الغوريون مطاردة آخر سلاطين الغزنويين بالهند وهما السلطان خسرو وابنه بهرام شاه الثانى حتى قتلوهما، وبذلك انتهت سيرة الدولة الغزنوية التى عمرت قرنين من الزمان. أ. د/إبراهيم أحمد العدوى

стр. 482

٨ - الغسل لغة: الغسل بالضم: هو الماء الذى يتطهر به وهو لغة: تمام الطهارة، والغسل بالكسر ما يغسل به الرأس من سدر وخطمى ونحو ذلك (١). واصطلاحا: استعمال ماء طهور فى جميع البدن على وجه مخصوص بشروط وأركان (٢). الغسل مشروع بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى﴾ وإن كنتم جنبا فاطهروا ﴿(المائدة ٦) وقوله تعالى:﴾ ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن ﴿(البقرة ٢٢٢) تطهرن: أى اغتسلن. وأما السنة: فما روته عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل (٣) والغسل يكون واجبا كغسل الجنابة والحائض، وقد يكون سنة كغسل الجمعة والعيدين. أسباب وجوب الغسل: ١ - أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: "إنما الماء من الماء " (٥) ومعناه: يجب الغسل بالماء من خروج المنى ولا فرق فى ذلك بين الرجل والمرأة فى النوم أو اليقظة (٤). ودليله: حديث إنزال الماء الدافق وهو المنى. ٢ - التقاء الختانين وإن لم ينزل لحديث عائشة المذكور. ٣ - الحيض والنفاس، ودليل وجوبه قوله تعالى:﴾ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴿(البقرة ٢٢٢) أى إذا اغتسلن، فمنع الزوج من وطئها قبل غسلها فدل على وجوبه عليها، ودليل وجوبه فى النفاس الإجماع. ٤ - الموت من موجبات الغسل عند الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة وذهب بعض المالكية إلى سنية غسل الميت (٦). ٥ - إسلام الكافر ذهب المالكية والحنابلة إلى أن إسلام الكافر موجب للغسل، لما روى أبو هريرة أن ثمامة بن أثال أسلم، فقال النبى ﷺ " اذهبوا به إلى حائط بنى فلان فمروه أن يغتسل، (٧). وذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الغسل للكافر، لأنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبى ﷺ بالغسل (٨). فرائض الغسل: ١ - النية ويكفى رفع نية الحدث الأكبر أو استباحة الصلاة. ٢ - تعميم الشعر والبشرة بالماء. ٣ - الموالاه اختلف الفقهاء فيها: هل هى من فرائض الغسل أو من سننه؟ ٤ - الدلك. اختلف الفقهاء فيه هل هو سنة أو فرض. سنن الغسل: ١ - التسمية. ٢ - غسل الكفين. ٣ - إزالة الأذى ٤ - الوضوء. ٥ - البدء باليمنى ٦ - البدء بأعلى البدن. ٧ - تثليث الغسل. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 483

٩ - الغصب لغة: هو أخذ الشىء قهرا وظلما، فهو غاصب والاغتصاب مثله (١). واصطلاحا: فقد عرفه أبو حنيفة وأبو يوسف بأنه: إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل فى المال (٢). وعرفه المالكية بأنه: أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة (٣). وعرفه الشافعية بأنه: الاستيلاء على حق الغير أى على وجه التعدى بغير حق (٤). وعرفه الحنابلة بأنه: استيلاء على حق غيره من مال أو اختصاص قهرا بغير حق (٥). والغصب حرام: إذا فعله الغاصب عن علّم، لأنه معصية، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى:﴾ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴿(النساء: ٢٩). وأما السنة فمنها: قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا " (٦). وقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه " (٧). وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب، وإن لم يبلغ المغصوب نصاب سرقة. ويلزم الغاصب الإثم إذا علم أنه مال الغير، ورد العين المغصوبة ما دامت قائمة وضمانها إذا هلكت (٨). يستحق الغاصب المؤاخذة فى الآخرة، إذا فعل الغصب عالما أن المغصوب مال الغير، لأن ذلك معصية، وارتكاب المعصية عمدا مُوجب للمؤاخذة، لقوله ﷺ : "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين " (٩). للمالك المغصوب منه حقوق تقابل ما يلزم الغاصب من الأحكام المذكورة وهى: رد عين المغصوب، والثمار والغلة، والتضمين وحق المالك المغصوب منه فى الهدم والقلع لما أحدثه الغاصب فى ملكه، والجمع بين أخذ القيمة والغلة. وإذا تلف المغصوب فى يد الغاصب آو نقص أو أتلفه، أو حدث عيب مفسد فيه: وجب على الغاصب ضمانه بأن يدفع للمالك المغصوب منه مثله إن كان من ذوات المثليات، فإن لم يقدر الغاصب على المثل أو كان المال قيميا وجب عليه ضمان القيمة (١٠). أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 484

١٠ - الغضب لغة: غضب عليه غضبا سخط عليه وأراد الانتقام منه (١). واصطلاحا: تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفى للصدر (٢). وتختلف دلالة لفظ الغضب وما تصرف منه فى القرآن الكريم حسب جهته ومصدره، فإذا كان من الله سبحانه كان بمعنى النقمة والعقاب، وإذا كان من البشر فهو هيجان النفس لأمر يتصل بالشخص ذاته، وهو ما يعالج بالعفو والحلم والمغفرة، ويمكن أن ينسى بمرور الوقت، وقد يكون الغضب من أجل حرمة لله تنتهك، فهو هيجان نفس لكنه محمود وينبغى أن يستمر. وفى السنة الشريفة بيان وتفصيل لأمور تتصل بالغضب الذى هو هيجان النفس. ففيها أن هذا الغضب نار فى القلب تفقد صاحبها أناته حين تشتعل، وينبغى أن يعالجه صاحبه فورا (ألا وإن الغضب جمرة فى قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمره عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشىء من ذلك فليلصق بالأرض) (٣). وفى السنة بيان أنه (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب) (٤) وفى السنة ما يفيد خطرهذه الحالة النفسية حيث يوصى الرسول ﷺ ويكرر على سائله الذى قال له: أوصنى، بقوله: لا تغضب وكلما ردد: أوصنى، قال النبى ﷺ لا تغضب (٥). وفى السنة كذلك أن العلاج هو الحلم والرفق وتذكر الندم الذى يعقب الغضب (٦). وللغضب الذى هو انتصار للنفس، وهيجان من أجلها أسباب كثيرة منها: العجب والافتخار، والزهو، والمراء، والجدال، والاستهزاء بالآخرين، وفى جميعها تبدو شهوة الانتقام، ومن لواحقه الندامة وتوقع العقاب عاجلا أو آجلا، وربما كان سببا لأمراض صعبة، فضلا عن أنه يمنع من التفكير، أو المنطق الصائب (٧). وعلاج الغضب باللجوء إلى تفكير فى الحلم، ومراجعة للنفس فيما أغضبها، وتذكر عفوالله عنا حين نخطىء قال سلطان لحكيم: كيف لى ألا أغضب؟ قال: بأن تكون فى كل وقت ذاكرا أنه يجب أن تطيع لا أن تطاع فقط، وأن تخدم لا أن تخدم فقط، وأن تحتمل لا أن تحتمل فقط، وأن تتحقق أن الله يراك دائما، فإذا فعلت ذلك لم تغضب وإن غضبت كان قليلا (٨). أ. د/أبواليزيد العجمى

стр. 485

١١ - الغلو لغة: مجاوزة حدالاعتدال، وفى مقابل طرفه هذا طرف آخر هو التفريط أو التسيب، وكلا طرفى قصد الأمور ذميم. واصطلاحا: نجد النصوص الشرعية تقرن بين "الغلو" و "التشدد" و "التنطع" وكأنها جميعا مجاوزة حد الاعتدال المطلوب من المسلم أن يلتزم به. والغلو قديم قدم انحراف الفكر والسلوك حين يتجاوزان حد الاعتدال لسبب أو لآخر. وفى القرآن الكريم نهى لأهل الكتاب عن الغلو لأنه انحراف عن الحق فى الدين، وقد جاء هذا فى آيتين هما: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد له ما فى السموات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا﴾ النساء:١٧١. ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غيرالحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل﴾ المائدة:٧٧. وتدل الآيتان على أن الغلو والانحراف كان فى باب العقيدة، فيما يخص الذات الإلهية وصفاتها، وفيما يخص اعتقاد النصارى فى المسيح بما يخرجه عن حقيقته غلوا وتجاوزا (١). لذا كانت الوسطية إحدى الخصائص العامة للإسلام، وهى إحدى المعالم الأساسية التى ميز الله بها أمته ﷺ عن غيرها ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ البقرة:١٤٣. فهى أمة العدل والاعتدال التى تشهد فى الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا أو شمالا عن خط الوسط المستقيم (٢). وفى السنة تحذير واضح من الغلو والتنطع والتشدد لمخالفتها وسطية الإسلام واعتداله. وفى الوقت ذاته تحفل السنة القولية والعملية بالأمر بالتيسير والرفق والتسامح. وحسبنا أن نشير إلى أن الرسول ﷺ ربط بين الغلو والهلاك وكذا التنطع والتشدد (إياكم والغلو فى الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلوفى الدين) (٣) (هلك المتنطعون) (٤) (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم فى الصوامع والديارات) (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) (٥). أما التيسير والأمر به فأشهر من أن لا يعلم، فقد عاتب الرسول ﷺ معاذا حين شكا أحد الناس أن معاذا يطيل فى الصلاة فقال والمسلمين جميعا (يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا). وقد وقعت فى تاريخ المسلمين مظاهر غلو بعث عليها فهم معين، أو مبالغة مرذولة، فكان موقف الأمة بيان خطأ أصحاب هذه المظاهر حتى ولو كانت اجتهادا بشكل أو بآخر. ففى باب العبادات لم يقبل النبى ﷺ موقف النفر الذى قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أصلى ولا أنام، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء بل بين الرسول الكريم خطأهم وقال: (أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى) (٧). وفى بابا الحكم على الآخرين حين كفر الخوارج مرتكب الكبيرة، ورتب بعضهم على هذا جواز قتله، واعتبر بعضهم ديار مخالفيه ديار كفر، وقفت الأمة منهم علماء وحكاما موقف المحاور لهم، ثم رفض هذه الآراء (٨). وفى باب الغلو فى المعتقدات، حين ألهت السبئية عليا رضى الله عنه، وحين قالت بعض فرق الشيعة بتناسخ الأرواح، والرجعة ونحو هذا، عدهم مؤرخو الفرق من الغلاة الذين حادوا عن العقيدة الحقة (٩) وكذلك حين غالى بعض الصوفية فى فهم التوحيد وقالوا بوحدة الوجود، أو الاتحاد، أو الحلول أو وحدة الأديان، هوجموا من الصوفية المعتدلين وقيل إنهم غلطوا فى كذا وكذا (١٠). وفى باب الممارسات الحياتية، حين انعزل بعض الزهاد عن الحياة، وسكنوا الكهوف ووقعوا فى رهبانية لا يقبلها الإسلام، نظر إليهم على أنهم سقام الفهم للزهد والتوكل مضطربو السلوك (١١). وأما خطر الغلو فيكمن فى ضرره بالدعوة ووجه الإسلام. فهومن جهة ينفرعامة الناس حيث لا يطيقه الناس، فينصرفون عن الارتباط بالجماعة أو الاستمرار فى العبادة، وهو من جهة أخرى أصعب من أن يستمر صاحبه عليه، فيفتر فيفقد مصداقيته أمام من عرفوه. وهو من جهة ثالثة يضر بالتوازن المطلوب فى شخصية المسلم، أعنى أنه يضيع بعض الحقوق، ولعل هذا هو الذى جعل رسول الله ﷺ يقول لعبدالله بن عمرو حين بلغه صوم النهار وقيام الليل باستمرار: (لا تفعل، صم وأفطر وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا .... الحديث) (١٢). فإذا أضفنا إلى ما سبق تعصب صاحب الغلو لرأيه وجموده عليه، وعدم اعترافه بالرأى الآخر، والتسرع فى الحكم على الآخرين فى عقائدهم. أقول: إذا علمنا هذه المظاهر أدركنا خطر الغلو فى الدين بكل مناحيه ومجالاته، وهو خطر يكتوى به صاحبه قبل الآخرين. أما أسباب الغلو فكثيرة، وحسبنا أن نشير إلى أن هناك أسبابا تتصل بذات الشخص وأسبابا تتصل بالجو العام. وعلى رأس ما يتصل به قلة العلم، وما يتفرع عنه من جهل بأدب الحوار، وضوابط الاختلاف وعدم التمكن من روافد الفهم الصحيح للإسلام، وأخذ الإسلام من كتب معينة دون غيرها وتتصل به كذلك الظروف النفسية التى تكون عليها وتأثر بها جمودا، أو زعامة، أو حبا للشهرة ونحو هذا (١٣). وهذا ما نبه إليه الشاطبى حين ذكرأن أسباب الابتداع وأخطرها أن يعتقد إنسان فى نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد فى الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة (١٤) أما ما يتصل بالجو العام، فانتشار الفساد، وغياب العدالة، والتضييق فى الحريات، وعدم الاهتمام بالتربية الحوارية، فكل هذا يحدث رد فعل يتسم بالغلو. ولاشك أن علاج هذه الظاهرة الخطرة لابد أن تقوم به كل أجهزة التربية والتثقيف من تعليم وإعلام وثقافة ومؤسسة دينية، وكلها على التوازى مع البيت والأسرة. أ. د/أبواليزيد العجمى

стр. 486

١٢ - الغناء اصطلاحا: هو فن من الفنون المتعلقة بالموسيقى. ويقوم الغناء على التحكم فى الصوت لإخراجه وفقا لنغمة معينة، وعلى إمكانية التحكم فى النفس، الأمر الذى يسمح بأداء جمل طويلة، والتحكم فى الطبقات الصوتية المختلفة والانتقال بينها دون أن يتم ملاحظة ذلك. كما يقوم فى آن واحد على التوافق بين النغم والإيقاع وتطويع الخطاب. إنه تعبير تلقائى منتشر بين البشر وأنواع كثيرة من الطيور، والدليل على تلقائيته وعالميته انتشاره بين الأطفال وبين مختلف الطبقات الاجتماعية سواء الأمية منها أو غيرها. والغناء على نغمات الموسيقى كان عادة مألوفة عند قدماء المصريين أثناء قيامهم بالعمل. وقد تغنى بعض الشعوب بلا آلات موسيقية، إلا أن التاريخ لم يعرف وجود شعب بلا غناء … ولقد انتشر فن الغناء بين كل الشعوب التى على درجة ما من الحياة المنتظمة. لذلك نجد بعض السمات المشتركة فى موسيقى الشعوب والأمم. والموسيقى الشرقية قائمة على اللحن أساسا وليس على التوزيع الهارمونى، وعادة ما تكون حرة الإيقاع الذى يعتمد على آلة شديدة الوضوح. والسلم الموسيقى الشرقى قائم على الربع تون، وهو يتكون من ٢٤ درجة بدلا من الاثنتى عشرة درجة التى تقوم عليها الموسيقى الغربية- مما يضاعف من ثرائه وإمكانيات تنوع عطائه الفنى. والزخارف النغمية من السمات الواضحة فيها، ويعد الارتجال التلقائى الإبداعى من أهم معالمها. والمعروف أن آلات النقر والعود والرباب والقيثارة والنقارة عربية الأصل ولها تأثير على أصل الموسيقى الغربية، إذ تأثرت الموسيقى الأسبانية بالموسيقيين العرب حتى أصبح لها مذاق خاص يصعب إغفاله. والثابت تاريخيا أن فن الغناء قد انبثق من فن الشعر وقوافيه. بل لقد نهض صرح الغناء العربى بكل عظمته فى مدة لا تزيد عن أربعين عاما فى القرن الهجرى الأول. وتعد هذه الوثبة سباقة فى تاريخ نشأة الفنون وتطورها. ثم عاش هذا الفن أكثر من ألف ومائتى عام فما يغنيه المطربون فى أيامنا من مقامات ومشتقاتها وإيقاعاتها هى نفس المقامات والأوزان التى ضبطها إسحاق الموصلى ضبطا دقيقا آنذاك، والذى كان المغنى والملحن الذى رسخت قواعد التلحين والغناء بعمله وعلمه. وترجع أولى خطوات تنظيم أو منهجه فن الغناء إلى زرياب الذى غادر بلاط هارون الرشيد فى مطلع القرن التاسع الميلادى ليقيم بقرطبة فى أسبانيا. وكان زرياب يقسم منهجه فى تعليم فن الغناء إلى ثلاثة أقسام: الإيقاع، واللحن، والحليات. وقد أنشأ ابن سريج صناعة الضرب بالعود وأدخل نغماتها إلى عروض الشعر العربى مما أدى إلى طفرة هائلة فى مقامات الغناء العربى الذى أصبحت له مدرستان فى آن واحد إحداهما فى مكة والأخرى فى المدينة. والثابت تاريخيا أن فن الغناء العربى المتقن قد بزغ كلمح البرق، وارتقى حتى أصبح يتميز على غناء الأمم والحضارات. بل لقد أصبح الغناء فن العرب الثانى بعد فن الشعر … وبذلك كان الشعر والغناء معا يمثلان بهجة الحياة لديهم. وصار الغناء وازدهاره دليلا على ازدهار الدولة حتى قال ابن خلدون فى مقدمته: "أول ما ينقطع فى الدولة عند انقطاع العمران صناعة الغناء". وتعد الصحوة الثانية لفن الغناء العربى فى مصر فى منتصف القرن التاسع عشر على يد الشيخ شهاب الدين، بينما يعد الانبعاث الثالث له أيام عبده الحمولى ومحمد عثمان إلى سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. ويشتمل تراث الغناء العربى القريب على أكثر من ألفى موشح ودور وقصيدة وطقطوقة غير الأغانى المسرحية والشعبية. والصعوبة الأساسية فى الغناء وأدائه لا تكمن فحسب فى ضرورة التمكن من مجالى الصوت والكلمات وإنما يتطلب الأمر الجمع بين جمال الصوت، وجمال النغم، وقوة وتنوع الإيقاع، ومعنى التعبير العاطفى، وقوة ومعنى وجمال وتنوع الأداء بين الآلات. ويعد أهم كتاب فى الغناء والموسيقى فى المائتى عام الماضية هو كتاب "سفينة الملك ونفيسة الفلك" المعروف باسم "سفينة شهاب" للشيخ شهاب الدين محمد بن إسماعيل (٢٧٣ ١ هـ- ٨٥٦ ١م) ويحتوى هذا الكتاب على مائة من الموشحات بكلماتها ومقاماتها وإيقاعاتها. أما أول كتاب عن الأصوات والغناء والموسيقى فهو "كتاب النغم " للملحن المغنى يونس الكاتب، الذى شهد أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، وسبق الأصبهانى بأكثر من مائتى عام. وقد أثبت الكندى (٨٧٤ م) أن الغناء فن قائم بذاته وليس فارسيا أو روميا كما قام الإمام أبو حامد الغزالى بتناول قضية تحريم أو إباحة الغناء فى كتاب "أداب السماع والوجد، وهو جزء من كتابه الكبير "إحياء علوم الدين" مستلهما نصوص الآيات والأحاديث، كما استند إلى القياس ليخرج بإباحة الصوت الجميل مدافعا عن حق الإنسان المتدين فى التعبير الفنى، على أن يكون لذلك الفن آدابه وأصوله. فقد أوقف الرسول ﷺ عائشة وراءه لرؤية رجال الحبشة يغنون ويلعبون، ويعد هذا نصا صريحا فى أن الغناء ليس بحرام، شريطة أن يكون فنا أصيلا وليس مبتذلا. فالغناء الأصيل فطرة وفن وأدب … فطرة لا تصنع بالطبع والوجدان وإنما يدرك بهما، وفن لأن له نظما وقواعد وأصولا وأدبا، لأنه أبلغ الوسائل فى التعبير عن نجوى الضمير … أ. د / زينب عبد العزيز

стр. 487

١٣ - الغنائم لغة: جمع غنيمة، وهى من الغنم، وهو الفوز بالشىء كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: المأخوذة من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة والانتصار، بقتال وركوب خيل ونحوها (٢). وقد شرعها الله تعالى لأمة محمد ﷺ ، واختصها بها، قال تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ الأنفال:٤١، وقال رسول الله ﷺ : (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى ...... وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى) رواه البخارى ومسلم (٢). وقد ظهر من هذه الآية الكريمة، ومن فعل رسول الله ﷺ أن الغنائم تقسم على خمسة أسهم: ١ - سهم منها يقسم على خمسة مصارف هى: (أ) رسول الله ﷺ . (ب) أقاربه ﷺ من بنى هاشم وبنى المطلب. (ج) اليتامى. (د) المساكين. (هـ) ابن السبيل. فلكل جهة من هؤلاء الخمسة خمس خمس الغنيمة. ٢ - سهم للمشاة من المقاتلين يقسم بينهم. ٣ - سهم للفرسان يقسم بينهم. ٤، ٥ - سهمان للخيول الصحيحة التى يقاتلون عليها. وقد يعطى رسول الله ﷺ أحد المقاتلين شيئا من الغنيمة قبل التقسيم يسمى نفلا، لأنه زيادة على ما يستحقه من التقسيم، لتفوقه فى بعض الأعمال، وتسمى الغنيمة كلها نفلا وأنفالا، لأنها منحة من الله تعالى لهذه الأمة، قال تعالى ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ...... ﴾ الأنفال:١، وقد روى أنها فى أول الإسلام كانت للنبى ﷺ وحده يصنع فيها ما يشاء، ثم نسخ ذلك بآية التقسيم على المقاتلين (٣). وهناك أيضا الرضخ من الغنيمة، وهوعطاء يعطيه الإمام ونائبه لمن حضر القتال ولم يستوف الشروط التى يستحق بها المقاسمة فى الغنيمة كالنساء والصبيان ونحوهم. وهناك أيضا السلب، وهو ما يكون على العدو المقتول من ملابس وآلات حربا وما يركبه من فرس، فإن ذلك يكون لقاتله فوق نصيبه من الغنيمة، لحديث (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) رواه البخارى (٤). ويدخل فى الغنيمة كل ما حصل عليه المسلمون من الكفار، نتيجة قهرهم والانتصار عليهم من أموال منقولة أو أسلحة أو أراض أو فداء للأسرى أو سابقة للمسلمين (٥). والتقسيم على المقاتلين بالنسب السابقة فيكون للأموال المنقولة والأسلحة والفداء، أما ما استرده المسلمون من أموالهم، فترد إلى أصحابها، ولا تدخل فى التقسيم إذا عرفها أصحابها، فإن لم يعرفوها قسمت، وأما الأراضى ففيها خلاف فقيل: بالتقسيم، وقيل: بعدمه، وقيل: الإمام مخير فى الأراضى بين التقسيم، أو يتركها لأهلها بالخراج. ويجب على أمير الجيش حفظ الغنائم، وتكليف من يقوم بحفظها حتى يقسمها بين أصحابها، وجمهور الفقهاء على أن التقسيم يكون فى محل الغزوة بعد الانتصار وانتهاء الحرب، ليدخل السرور على المقاتلين، إلا إذا كان الموقع غير آمن، فينتقل بهم إلى موقع آخر يكون آمنا، ثم يقسمها عليهم (٦)، وفى التعجيل بالتقسيم حكمة أخرى، وهى وقاية الغنيمة من السرقة والفلول. ويشترط فيمن يستحق الغنيمة شروط وهى: أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، ذكرا، حرا، صحيحا، وأن يشهد المعركة ولو لم يقاتل فإن اختل شرط أو أكثر من هذه الشروط بأن حضر المعركة صبى أو ذمى .. رضخ له الإمام أى أعطاه نصيبا من المال العام قبل التقسيم، ولا يبلغ هذا الرضخ قدر سهم من السهام الخمسة التى تقسم عليها الغنيمة. ويخرج من الغنائم قبل التقسيم: الأسلاب، وأموال المسلمين المعروفة التى استردوها والأراضى على خلاف، وأجرة حفظ الغنيمة، والأرضاخ والأنفال (٧) ثم تقسم على مستحقيها كما سبق ويقسم خمس الرسول ﷺ بعد موته على الأربعة الباقين، أو يعتبر فيئا يعطى منه الغنى والفقيرعلى خلاف بين الفقهاء (٨). أ. د/محمد نبيل غنايم

стр. 488

١٤ - الغيب لغة: الغيب كل ما غاب عنك، والغيابة: الأجمة وهى جماع الشجر يغاب فيها، ويسمى المطمئن من الأرض: الغيب لأنه غاب عن البصر، والغيب: كل ما غاب عن العيون، وغاب على الأمر غيبا وغيابا: كما فى اللسان (١). واصطلاحا: الغيب كل ما أخبر به القرآن الكريم والرسول ﷺ مما لا تهتدى به العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر؛ والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، والملائكة، والجن والكتب السماوية، وقيل: القضاء والقدر. والغيب أمر خفى لا يدركه الحس، ولا تقتضيه بديهة العقل، وهو قسمان: ١ - قسم لا دليل عليه لا عقليا ولا سمعيا وهذا هو المعنى بقوله تعالى:﴾ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ﴿(الأنعام ٥٩). وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه: قال النبى: ﷺ " فى خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير) (لقمان ٣٤). وقوله :﴾ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت فى السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿ (الأعراف ١٨٧). ٢ - وقسم نصب عليه دليل عقلى أو سمعى، كالصانع وصفاته، واليوم الآخر وأهواله، وهو المراد بالغيب فى قوله تعالى﴾ الذين يؤمنون بالغيب ﴿(البقرة ٣). قال القرطبى: وهذا هو الإيمان الشرعى المشار إليه فى حديث جبريل ﵇، حين قال للنبى ﷺ : " فأخبرنى عن الإيمان: قال أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت " وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ﴾ الذين يؤمنون بالغيب ﴿. وفى التنزيل﴾ وما كنا غائبين ﴿(الأعراف ٧). وقوله﴾ الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون ﴿(الأنبياء٤٩). فهو غائب عن الأبصار، غير مرئى فى هذه الدار، غير غائب بالنظر والاستدلال، فهم يؤمنون بأن لهم ربا قادرا يجازى على الأعمال، فهم يخشونه فى سرائرهم وخلواتهم التى يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم باطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق الآراء ولا تتعارض، والحمد لله، وقيل: بالغيب أى بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين، وهذا قول حسن. قال الشاعر: وبالغيب آمنا، وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمد. ومن الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة، الذين لا يعلم حقيقتهم إلا الله، فالملائكة ليسوا كالبشر، بل هم عالم آخر قائم بنفسه ومستقل بذاته، ولهم القدرة على أن يتمثلوا بصورة بشرية وغيرها. والإيمان بالملائكة من البر ومن دلائل الصدق والتقوى، وهذا العالم الغيبى لا يدرك بالحس ولا بالعقل، وسبيل معرفته هو الوحى؛ لأنه غيب من الغيوب. (٢) والله سبحانه هو الذى يعلم الغيب وحده. قال تعالى:﴾ فقل إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين ﴿(يونس ٢٠). وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها " قالت: من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون فى غد فقد أعظم على الله الفرية " والله تعالى يقول﴾ قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله ﴿(النمل ٦٥). وقال تعالى:﴾ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين ﴿(الأنعام ٥٩). فالله تعالى عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه، ولا يكون ذلك إلا من إفاضته على رسله بدليل قوله تعالى: ﴾ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء ﴿(آل عمران ١٧٩). وقوله تعالى:﴾ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ﴿(الجن ٢٦، ٢٧). ذكر القرطبى: أنه لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كما فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحى إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم. فالله جعل حرسا حول هذا الرسول الذى أطلعه على بعض الغيب المتعلق برسالته، وهذا الحرس من الملائكة والشهب لحفظ هذا الغيب من تلاعب الشياطين. وفى قصة سليمان يبين القرآن أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما استمروا فى عملهم سخرة لسليمان: قال تعالى﴾ فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين ﴿(سبأ ١٤) (٣). وقد نهى النبى ﷺ عن إتيان العراف والكهان، فقال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما، (رواه مسلم). والعراف هو الحازر والمنجم الذى يدعى علم الغيب، وهى من العرافة، وصاحبها عراف، وهو الذى يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعى معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن بالزجر والطرق والنجوم، وأسباب معتادة فى ذلك، وكلها يطلق عليها اسم الكهانة، والكهانة: ادعاء علم الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر فى كتاب الكافى: من المكاسب المجمع على تحريمها: الربا ومهور البغايا، والسحت، والرشوة، وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء. وقد روى مسلم فى صحيحه عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: سأل رسول الله ﷺ أناس عن الكهان. فقال: "إنهم ليسوا بشيء" فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا فقال رسول الله ﷺ " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرها فى أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة. وروى البخارى عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الملائكة تنزل فى العنان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضى فى السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم". وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر فى الكتب، ويزجر بالطير، ممن ارتضاه الله من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه، وفيه استحلال دمه علىّ هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: حكم المنجم أن طالع مولدى يقضى على بميتة الغرق قل للمنجم صبحة الطوفان هل ولد الجميع بكوكب الغرق (هيئة التحرير) ١ - لسان العرب، ابن منظور، مادة (غيب) ١/ ٦٥٤دار صادر بيروت. ١٩٥٥م، دائرة معارف القرن العشرين ٧/ ١٠٠ محمد فريد وجدى. دار المعرفة بيروت. ٢ - العقائد الإسلامية، للشيخ سيد سابق- ص ١١٣ - دار الكتب الحديثة. ٣ - السابق ص ١٢١.

стр. 489

١٥ - الغيبة لغة: الغيبة أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن يحوج إلى ذكره، ولا يبعد المعنى الاصطلاحى عن المعنى اللغوى لمفهوم الغيبة. وهذا ما وضحه الرسول ﷺ فى قوله: (أتدرون ما الغيبة، قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) (١). ومن هنا قيل: واعلم أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب فى القبح والمعرة، ويزيد عليه فى الأذى والمضرة، وهى: الغيبة، والنميمة والسعاية (٢). وقد نهى القرآن عن الغيبة، مصورا ممارستها بما ينفر منها، ويظهر خطر الوقوع فيها فقال: ﴿ولا يغتبا بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ الحجرات:١٢. يعنى إذ كنتم تعافون أكل لحم الميت طبعا، فعافوا الغيبة شرعا لأنها أشد وأخطر. وقد وضحت السنة القولية والعملية خطر الغيبة والنميمة فى سياق بيان خطر الكلمة التى يتفوه بها الإنسان لا يلقى لها بالا فتجره إلى قاع جهنم، وفى سياق أن ريح الغيبة حين يوجد فى الأمة كريح الجيفة النتنة. ومن أجل أن يتوقى الإنسان إثم هذه الرذيلة نهت السنة عن حضور مجالس يغتاب فيها المسلم (٣)، بل لابد من رد غيبة المسلم وإلا فترك هذه المجالس هو اللائق بالمسلم، فهما لقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين﴾ القصص:٥٥. والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته كما فى الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله ﷺ لما استأذن عليه الرجل الفاجر (ائذنوا له بئس أخو العشيرة) (٤). فالغيبة رذيلة تخالف ما تقرر فى الإسلام من حرمة الإنسان الذى هو أعظم حرمة عند الله من الكعبة، وحرمة دم المسلم وعرضه وماله، كما جاء فى خطبة الوداع وفى أحاديث كثيرة تبين حق المسلم على المسلم، وضرورة سلامته من لسانه ويده (٥). ثم هى من جهة أخرى تظهر نقصا نفسيا عند مقترفها، فقد قيل: ما وجد عائب إلا كان معيبا، وهى تقطع العلاقات الطيبة، وتفتح باب التعقب والبحث عن العيوب فقد قيل: إن من اغتاب اغتيب ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يحمل الناس على البحث عن عيوبه (٦) وقيل "لا تعن الناس على عيبك بسوء غيبك". وقيل "الغيبة رعى اللئام" فإذا وضح ما أشرنا إليه، كان على المسلم أن ينأى بنفسه من هذا الداء، وأن يتقى الله ويتوب إذا كان قد قارفه والله تواب رحيم. أ. د/أبواليزيد العجمى

стр. 490

١٦ - الغيرة لغة: الغيرة المصدر من قولك غار الرجل على أهله. قال ابن سيده: وغار الرجل على امرأته، والمرأة على بعلها تغار غيرة وغيرا، وغارا وغيارا (١) بفصل ابن منظور القول فى الصيغ والاشتقاقات، ويحكى من النثر والشعر ما يؤدى المعنى يقول وهى الحمية والأنفة .... والعرب تقول: أغير من الحمى، أى أنها تلازم المحموم ملازمة الغيور لبعلها (٢). واصطلاحا: الغيرة ثوران الغضب حمية على أكرم الحرم، وأكثر ما تراعى النساء. وفى أدبيات الفضائل العربية والإسلامية تذكر الغيرة على أنها خلق فطرى كثر فى العرب، وربط بينه وبين الجوار، واتسع نطاقه ليشمل كل حرمة يأنف المسلم أن تمس. وجعل الله سبحانه هذه القوة فى الإنسان سببا لصيانة الماء وحفظا للإنسان، ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة فى رجالها وضعت العفة فى نسائها. وقد يستعمل ذلك فى صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته فى السياسات الثلاث التى هى سياسة الرجل نفسه، سياسة منزله وأهله، وسياسته مدينته وضيعته، ولذلك قيل: ليست الغيرة ذب الرجل عن امرأته ولكن ذبه عن كل مختص به … فقد كثرت فى العرب خاصة إن من دخل دار أحدهم والتجأ إلى فنائه ولو كان عدوا فله حرمة وجوار وذمار (٣). لم يرد فى القرآن لفظ الغيرة وإنما جاء فى القرآن لفظ "الحمية" وفى سياق يدل على أنه غيرة يبغضها الله سبحانه، لأنها غضب من أجل باطل، ونعرة كاذبة، لذا وصفت بأنها "حمية الجاهلية" ﴿إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهليه﴾ الفتح:٢٦ (٤). ذلك أن قريشا فى صلح الحديبية رفضت أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وأن يكتب محمد رسول الله قال النبى ﷺ لعلى ابن أبى طالب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل بن عمرو: لا ندرى بسم الله الرحمن الرحيم اكتب: بسمك اللهم وحين قال الرسول ﷺ لعلى اكتب: (محمد رسول الله، قال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك وقال اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبى ﷺ اكتب: من محمد بن عبد الله) (٥). أما السنة الصحيحة فقد ورد فيها لفظ "الغيرة" بصيغ مختلفة، وفى سياقات متعددة، نشير إليها فيما يلى: ١ - غيرة فطرية: غيرة الرجال على النساء، إذ يقول سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح، فيقول النبى ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغيرمنه والله أغير منى) (٦). ومثله الحديث عن على رضى الله عنه: (ألا تستحيون أو تغارون فإنه بلغنى أن نساءكم يخرجن فى الأسواق يزاحمن العلوج) (٧). غيرة النساء على الرجال، وقد غارت عائشة رضى الله عنها على النبى ﷺ حين سألها النبى: (أغرت يا عائشة؟ قالت: ومالى ألا يغارمثلى على مثلك؟ فقال النبى ﷺ أفأخذك شيطانك؟) الحديث (٨). غيرة المرأة على المرأة ضرتها، وقد غارت عائشة رضى الله عنها من ذكر الرسول ﷺ لخديجة بعد وفاتها (٩). وهذه كلها غيرة فطرية ومحمودة شريطة ألا تخرج عن حد الاعتدال كى لا تكون عدوانا على حقوق الآخرين. ٢ - غيرة دينية وأخلاقية تكتسب بالتربية وقد ربطت السنة بين غيرة المؤمن وغيرة الله تعالى (إن الله يغار وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرم عليه) (١٠). والتربية تعنى بها أن المؤمن يغار إذا انتهكت حرمات الله، وهذا لا يكون إلا إذا ربى على هذا، وعلم مقاصد الشريعة (الحفاظ على العقل، النسل، المال، الدين، العرض) وقد ذكرت السنة أن جزاء غيرة المؤمن فى الآخرة عظيم حيث جاءت بأنه قصر فى الجنة (١١). ٣ - الغيرة منها ما يحمد ومنها ما يذم ولأن الغيرة حمية وغضب، فكان من اللائق بالمسلم أن يعلم الدوافع والغايات فإذا كانته الدوافع رعاية حق الله، والأهداف إزالة الريب، وتحقيق مقاصد الشرع كانت هى الغيرة التى يحبها الله، وإذا كانت غير ذلك كانت الغيرة التى يبغضها الله سبحانه "إن من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغض الله … فأما الغيرة التى يحب الله فالغيرة فى ريبة، وأما الغيرة التى يبغض الله فالغيرة فى غير ريبة" (١٢). بقى أن نشير إلى حقيقتين مهمتين: الأولى أن التاريخ يحفظ للعرب والمسلمين مواقف كانت الغيرة فيها دفاعا عن الحق، أو حرصا على الكرامة، فغيرة عمرو بن كلثوم حين صاحت أمه واعمراه كانت فى موضعها، وغيرة الصحابة الكرام من أجل دين الله غيرة المعتصم حين استنجدت به المرأة المسلمة قائلة: وا معتصماه، وغيرة صلاح الدين من أجل تحرير القدس، وغيرة جنودنا من أجل تحرير سيناء، هذه كلها نماذج لها ولنظائرها فى التاريخ موقع معلم. الثانية أن التربية على القيم الدينية والوطنية الحقة أساس صحيح لتكوين الغيرة المحمودة التى تصون المقدس من دين أو عرض أو مال أو وطن، والتى تقف عند حدود الشرع تضبط به البواعث وتحدد به الأهداف، وترشد السلوك كى لا تكون الغيرة نعرة أو حمية جاهلية. أ. د/أبواليزيد العجمى

стр. 491

١ - الفاطميون هم أسرة حكمت فى شمال أفريقيا، وأقامت خلافة إسلامية معارضة بها الخلافة العباسية فى بغداد فى أوائل القرن العاشر الميلادى، وهم ينتسبون إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ فهم شيعة علويون فى نسبهم، إسماعيليون فى مذهبهم، كما يطلق عليهم العبيديون نسبة إلى مؤسس دولتهم عبيد الله المهدى (٢٩٧ - ٣٢٢ هـ/٩٠٩ - ١١٣٤م) الذى ولد بالكوفة أو سلمية بسوريا. وقد تأسست الدولة الفاطمية أول الأمر فى تونس، واتخذت القيروان عاصمة لها، ثم أقام خليفتها الأول أبو محمد عبيد الله المهدى مدينة المهدية، التى تقع على بعد ١٠٧ كم جنوب القيروان عاصمة لخلافته (٠٨ ٣ هـ/ ٩٢٠ م) (١) وأخضع قبائل صنهاجة بالمغرب الأقصى، وقضى على نفوذ الأدارسة فى فاس، واستولى على الجزائر وتونس وطرابلس ثم برقة، ولكنه فشل فى هجومه على مصر عدة مرات؛ ثم توفى (٢). وبذل الخليفة الثانى أبو القاسم محمد القائم بأمر الله (٣٢٢ـ ٣٣٤ هـ/٩٣٤ - ٩٤٥ م) غاية همته لتوسيع نطاق دولته، فأرسل أسطولا أغار على شواطئ إيطاليا وفرنسا والأندلس، كما أرسل جيشا إلى مصر هزمه الإخشيديون، ثم صرف بقية حياته فى حرب بعض الخوارج بقيادة أبى يزيد الخارجى الذى ثار عليه؛ بغية انتزاع الملك منه (٣). وفى عهد الخليفه الثالث أبى طاهر إسماعيل المنصور بالله (٣٣٤ - ١ ٣٤ هـ/٩٤٥ - ٩٥٢ م) ثم الاستيلاء على صقلية (٣٣٥ هـ/٩٤٦ م)، كما تم القضاء على ثورة أبى يزيد الخارجى، ثم أعقبه الخليفة الرابع أبو تميم معدّ المعز لدين الله (١ ٣٤ - ٣٦٥ هـ/٩٥٢ - ٩٧٥ م) الذى ولد بالمهدية، واستطاع قائده جوهر الصقلى (ت ٣٨١هـ / ٩٩٢م) أن يفتح فاس وسلجماسة، وانقادت له بلاد الشمال الأفريقى كلها حتى ساحل الأطلس، ماعدا سبتة التى بقيت لبنى أمية (أصحاب الأندلس) ونتيجة لاضطراب أحوال مصر عقب وفاة كافور الإخشيدى، فقد أشار المعز إلى قائده جوهر بالسير إلى مصر لأهميتها السياسية والحربية والاستراتيجية، حيث نجح فى فتحها سنة (٣٥٨ هـ/٩٦٩ م) واختط مدينة القاهرة وبها قصر الحاكم، والجامع الأزهر (نسبة إلى فاطمة الزهراء) بالإضافة إلى العديد من المنشآت الإدارية وسماها القاهرة المعزية (٤) التى أصبحت عاصمة للخلافة الفاطمية بعد أن دخلها المعز لدين الله بأهله وبيت ماله ورجال دولته. بل وبرفات أجداده (١ ٣٦ هـ/١٩٧٢ م)، حيث ظلت عاصمه للفاطميين إلى انتهاء دولتهم، وباتخاذ القاهرة عاصمة للّخلافة الفاطمية رجحت كفة الفاطميين على العباسيين فى بغداد، وارتفع شأنهم فامتد نطاق حكمهم من البحر الأحمر حتى المحيط الأطلسى ليشمل- فضلا عن الشمال الأفريقى- سوريا وفلسطين واليمن ومكة والنوبة، بل وصل إلى الموصل وكادوا يقتحمون بغداد على الخلافة العباسية، وكان الأسطول الفاطمى يفرض سلطانه على البحر المتوسط، بل ويهدد الشواطئ الجنوبية لأوروبا. (٥) إن الاستقرار السياسى الذى شهدته الخلافة الفاطمية فى مصر فى عهد المعز لدين الله (١ ٣٤ - ٣٦٥ هـ/٩٥٢ - ٩٧٥ م)، والعزيز بالله (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ/ ٩٧٥ - ٩٩٦ م)، والحاكم بأمر الله (٣٨٦ - ٤١١ هـ/٩٩٦ - ١٠٢٠م) نتج عنه ازدهار اقتصادى، وعلمى وعمرانى، حيث عم الرخاء البلاد وانتشرت مظاهر التحضر والازدهار والرخاء المادى الذى بلغ حد الترف بصورة لم تعرفها مصر منذ زمن بعيد، كما ازدهرت الحياة العلمية برعاية خلّفاء الفاطميين ووزرائهم، حيث جلبت نوادر الكتب والمخطوطات فى كل علم وفن، حيث بلغت محتويات "خزانة الكتب " بالقصر مليونا وستمائة ألف كتاب، ونشطت الحركة العلمية لنشر العلم وتدعيم المذهب الشيعى فى الجامع الأزهر الذى عقدت له الزعامة الثقافية والعلمية والدينية، وفى دار العلم (دار الحكمة) التى أنشأها الحاكم بأمر الله (٤٠٠ هـ/١٠٠٩م) والتى زودها بمختلف أنواع الكتب لتنافس بيت الحكمة فى بغداد، وبالنساخ والقراء وجميع أدواتهم، وقصدها العلماء فى كافة العلوم، هذا فضلا عن مجالس المناظرة فى قصور الخلفاء، والتى كان يحضرها مشاهير علماء العصر. وفى العمران شيدت المنشآت الدينية فضلا عن الأزهر- كان جامع الحاكم بأمر الله (٤٠٣ هـ/١٠١٢ م) والجيوشى (٤٩٨ هـ/١٠٠٧م) والأقمر (٥١٩ هـ/١١٢٥م) ومسجد الصالح طلائع (٥٥٥ هـ/ ١٦٠ ١م) وغيرها من العمائر والمنشآت المدنية التى تشهد على ما بلغته البلاد من الرقى الفنى. وقد انقسم المجتمع المصرى فى عهد الفاطميين إلى سنى وشيعى، فالسنيون هم المصريون والأتراك والسودانيون؛ أما الشيعة فهم المغاربة حضروا مع الفاطميين، وكانت الإدارة فيهم، وكان الخلفاء متسامحين، فلم يجبروا أحدا على اعتناق المذهب الشيعى الأمر الذى حفظ للمصريين مذهبهم السنى كما اهتم الفاطميون بالاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية بشكل منقطع النظير، وكثير من مظاهر الاحتفالات الدينية السائدة فى مصر الآن ترجع بجذورها إلى أيام الفاطميين فى مصر. وقد تضافرت عدة عوامل أدت إلى تدهور الفاطميين وضعفهم ثم زوال دولتهم، وذلك منذ عهد الظاهر (أبو الحسن على الظاهر لإعزاز دين الله (٤١١ - ٤٢٧ هـ/٠٢٠ ١ - ٠٣٥ ١م) ثم المستنصر بالله (أبو تميم) (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ/ ١٠٣٥ - ١٠٩٤ م) منها: الإسراف فى استخدام جند من الأتراك والمغاربة والسودانيين، والتنازع بين طوائفهم، ثم توالى الخلفاء الضعاف الذين تولوا، وهم جميعا أطفال باستثناء الحافظ الذى تولاها وهو شيخ كبير، هذا فضلا عن انتشار المجاعات والأوبئة نتيجة نقص مياه النيل حينا واحتكار التجار أحيانا بالإضافة إلى التهديد الصليبى الذى كان يتطلع إلى السيطرة على مصر. إضافة إلى سيطرة قادة الجند والوزراء. فأصبح الصراع الحقيقى بين الوزراء أنفسهم كما حدث بين طلائع بن رزيك وشاور، وبين شاور وضرغام فاستنجد الأخير بعمورى ملك بيت المقدس، كما استنجد شاور بسلطان حلب نور الدين محمود الذى أرسل قائده أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين، حيث نجح شيركوه فى القضاء على ضرغام ثم شاور، وتولى الوزارة فى مصر لآخر خلفاء الفاطميين وهو الخليفة أبو محمد عبد الله العاضد لدين الله (٥٥٥ - ٥٦٧ هـ) (١١٦٠هـ /١١٧١ م) وبعد وفاة شيركوه خلفه على الوزارة فى مصر صلاح الدين، ولما مات الخليفة العاضد (٥٦٧ هـ/ ١١٧١م) أزيل شعار الفاطميين وقامت الدولة الأيوبية فى مصر على يد صلاح الدين الذى أعادها إلى المذهب السنى والخلافة العباسية (٦). ظلت الدولة الفاطمية منذ بدء إعلانها فى سنة (٢٩٧ هـ/٩٠٩ م) وحتى سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١م) مائتين وسبعين عاما تولى الخلافة فيها أربع عشرة خليفة أولهم أبو محمد عبد الله المهدى غير أن الخلافة لم تأت إلى مصر إلا سنة (١ ٣٦ هـ/٩٧٢ م) حين دخلها الخليفة الرابع المعز لدين الله، وبذلك يكون قد تواتر عليها أحد عشر خليفة أولهم المعز وآخرهم العاضد. أ. د/ السيد محمد الدقن

стр. 492

٢ - الفاعل يقسم أرسطو "العلة" التى هى من لواحق الموجود- بما هو موجود- إلى علل أربع: علتين داخلتين فى قوام الشىء المعلول، وهما: المادة والصورة، وعلتين خارجتين عن المعلول هما: الفاعل والغاية التى تبعث على الفعل. ويعرف ابن سينا الفاعل بأنه "العلة التى تفيد وجوداً مباينا لذاتها"، أى تعطى شيئا ما وجودا يخالف وجودها، وهذا هو اصطلاح الفلاسفة الإلهيين فى الفاعل، أما الطبيعيون فالفاعل عندهم هو "مبدأ التحريك فقط "، أى هو الذى يفيد حركة ولا يفيد وجودا، وعليه فلا تسمى "الطبيعة" فاعلاً حقيقيا فى اصطلاح الفلاسفة الإلهيين؛ لأنها لا تفيد الوجود، إذ واهب الوجود ومفيده هو الله تعالى. وقد يطلق على "الفاعل " العلة المؤثرة. ويختلف المتكلمون والفلاسفة فى سبب احتياج المفعول للفاعل: هل هو وجوده باعتباره فى نفسه أمرا ممكنا، أو وجوده من جهة كونه بعد عدم؟ والاحتمال الأول يعنى أن الإمكان هو علة الحاجة كما يقول الفلاسفة، أما الثانى فيعنى أن الحدوث هو علة الاحتياج، وهو مذهب المتكلمين… وينبه الفلاسفة إلى خطأ المذهب القائل بأن تأثير الفاعل قاصر على حال حدوث الشىء أو وجوده فقط، وبحيث لو أوجده الفاعل فإنه يستغنى عنه فى بقائه واستمرار وجوده. ويضربون مثال لذلك وجود البناء قائماً بعد انتهاء أثر البَنَّاء. وخطأ هذا المذهب فيما يقول الفلاسفة الإلهيون- هو عدم الانتباه إلى أن تأثير الفاعل إنما هو فى الإيجاد وفى البقاء معا، إذ علة الحاجة- وهى الإمكان- ثابتة ومستمرة بعد الإيجاد، والبَنَّاء فى المثال ليس علة مؤثرة فى بقاء المبنى، بل حركته علة لحركة الأحجار ووضعها فى شكل معين، أما بقاء الشكل فهو معلول لأمر آخر .. ويقول الفلاسفة إن أكثر ما يظن فاعلاً كالأب والزارع والبنَّاء ليس فى الحقيقة عللاً فاعلة للوجود، بل هى معدات وأسباب، أما فاعل الوجود فهو الله تعالى. وربما أشار القرآن الكريم إلى ذلك فى قوله تعالى:﴾ أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ﴿(الواقعة ٥٨ - ٥٩)، ومثله فى نفس السورة أيضا:﴾ أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴿(الواقعة ٦٣ - ٦٤). ومما تجدر ملاحظته فى الموضوع أن الأشاعرة وإن قالوا بأن "الحدوث" هو علة الحاجة إلى الفاعل فإنهم لا يقولون باستغناء المفعول فى بقائه عن الفاعل، لأنهم يقولون بأن الأعراض لا تبقى زمانين، فهى فى حدوث مستمر، وخلق متجدد لا يتوقف، وهو ما يسمى بتعلّق القبضة" باصطلاح المتأخرين منهم. والفاعل بمعنى مفيد الوجود منحصر- عند الأشاعرة- فى فاعل واحد مؤثر، هو: الله تعالى. فلا فاعل إلا الله، وينكرون- من ثم- أن يفعل شىء فى شىء، حتى الأسباب، فإنها لا توجد مسبباتها ولا تفعل فيها. وللفاعل أقسام عديدة، تختلف باختلاف الفاعلية، وهى: الطبع أو المقر أو التسخير أو القصد أو الرضا أو العناية أو التجلى، والحقيق باسم الفاعل. فيما يقول صدر الدين الشيرازى- هو: "مَن يطرد العدم بالكلية عن الشىء، ويزيل الشر والنقص، وهو البارى جل ذكره ". وصانع العالم فاعل بالطبع فى مذهب الدهرية والطبيعيين، وبالإرادة والاختيار عند المتكلمين، وبالرضا عند الإشراقيين، وبالعناية عند المشائيين، وبالتجلى عند الصوفية. أ. د/ أحمد الطيب

стр. 493

٣ - فتح مكة جاء فتح مكة تحقيقا للبشارة التى جاءت فى قوله فى سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وماتأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ آية:١ - ٣. ونزلت هذه السورة الكريمة وهو فى طريق عودته ﷺ من الحديبية بعد أن عقد مع قريش صلح الحديبية فى العام السادس من الهجرة فبراير ٦٢٨م وتبعا لهذا الصلح التحقت خزاعة بالمسلمين، والتحق بنو بكر بقريش، وحدث صراع بين خزاعة وبنى بكر ساعدت قريش بنى بكر وطلبت خزاعة من الرسول ﷺ المساعدة بناء على ما جاء فى اتفاق الصلح. كان الحال فى مكة انذاك مختلفا عن ذى قبل فقد اتسع نفوذ المسلمين شمالا وجنوبا وأحاط بمكة مما هدد تجارة قريش، وأهل مكة أنفسهم أحسوا بالخجل لأن أكثر العرب دخلوا الإسلام ولكن أهله بمكة بقوا على الشرك، ونشأ جيل جديد فى مكة سمع بالإسلام منذ نعومة أظفاره فلم تتعمق عبادة الأصنام فى نفسه. وكان الرسول ﷺ شديد الحرص على دخول مكة دون قتال كما أن أهل المدينة معظمهم هاجروا إليها من مكة، لو حدث قتال سيكون فيه قطع لصلة الأرحام، ولذلك أعد الرسول ﷺ عدته لفتح مكة دون قتال، فخرج من المدينة سرا بجيش كبير، ولم تحس قريش بهذه الحركة إلا بعد وصول المسلمين إلى مشارف مكة، وكان ذلك فى العاشر من رمضان سنة ٨هـ. وحينئذ خرج أبو سفيان زعيم مكة ليحاول النجاة لأهله فالتقى بالمسلمين فى المكان الذى عسكروا فيه، ورفض الرسول ﷺ مقابلته أول يوم ليفت فى عضده، وفى صباح اليوم التالى قابله، وفى هذا اللقاء آمن أبو سفيان بالله ورسوله وعاد إلى مكة، بعد أن شاهد عظمة قوات المسلمين، يحمل لأهلها اليأس من المقاومة والأمان من رسول الله ﷺ وما يطمئنهم على حياتهم وجاء تأكيد الرسول ﷺ على أن يبعد كل نزعة إلى الحرب، ويبعد كل متطرف ولو كان من المقربين، فلقد سمع سعد بن عبادة، حامل راية الأنصار يقول: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا" ولما علم الرسول الكريم بهذا قال: (اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزالله قريشا). وجاء تعبير"يوم المرحمة" عن فتح مكة قمة آداب الجهاد فى الإسلام، وتطبيقا عمليا منه ﵇ بأن الجهاد فى الإسلام يختلف عن كل صور القتال والحرب اختلافا ظاهرا جليا منذ البداية وحتى النهاية. ثم توج عليه أفضل الصلاة والسلام هذا بالعفو الشامل، الذى مازال التاريخ يردده، ليس فى العالم الإسلامى فحسب، بل وتردده كل الدنيا على مر العصور، حين قال: ﴿يا معشر قريش ماترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال رسول الله: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾. أ. د/إبراهيم أحمد العدوى

стр. 494

٤ - الفتوة يرجع تاريخ هذا المصطلح إلى العصر الجاهلى، حيث تغنى شعراؤه بالفتوة، مثل طرفة بن العبد وغيره، وكانوا يعنون بها طائفة من الأخلاق تجتمع فيمن يسمى بالفتى، مثل: الكرم والشجاعة والفروسية والنجدة، إضافة إلى أخلاق سلبية، مثل اللهو ومعاقرة الخمر وما إليها .. ويشتبه مصطلح "الفتوة" بمصطلح "المروءة" من حيث المعنى، وإن كانت الأولى تطلق على الشباب بينما تطلق الثانية على المكتملين من الرجال، وبعض الباحثين يرى أنَّ معنى الفتوة أعم من معنى المروءة، وبعضهم يقول: إنهما لفظان مترادفان. ولمِّا جاء الإسلام أقر كثيرا من أخلاق الفتوة الجاهلية، ولكن بعدما هذّبها وحوّلها من فضائل فردية أو قبلية إلى أخلاق دينية تطلب من أفراد المجتمع الجديد، ولغايات أسمى من غايات المجتمع الجاهلى. ولذلك أخذ معنى "الفتوة" فى صدر الإسلام منعطفا متميزا، وإن ظل شبيها فى بعض الوجوه بما كان عليه فى الجاهلية؛ فقد بقيت أخلاق الشهامة والكرم وحماية الضعيف كما هى، واندثرت الأخلاق التى تتنافى مع قيم الدين، مثل القبلية واللهو والخمر. وقد استعمل لفظ "الفتى" مفرداً أو مضافاً للمبالغة فى الوصف بالفتوة، فكان يقال: "فتى الفتيان " أو "فتى العرب" أو "شيخ الفتيان " أو "سيد الفتيان " .. ثم طرأت تغيرات جذرية- فى العصور المتأخرة- على مفهوم "الفتوة" نتيجة للتطور السياسى والاجتماعى للدولة الإسلامية، وعاد السلوك الجاهلى- من جديد- سمة بارزة فيمن يتصف بالفتوة، وأصبح اللهو والغناء والسكر والتشبيب بالنساء من أخلاق الفتيان وشمائلهم، كما أصبحت "العيارة" و، الشطارة" و" قطع الطريق " مرادفات للفتوة .. وفى تطور لاحق تحولت الفتوة- فى ظل الحكم التركى- إلى تنظيم حركى شَكَّل خطرا أمنيا وسياسيا ملحوظا، وأصبح للفتوة جمعيات لها لباس وطعام وطريقة حياة خاصة، كما كان لها من بينها "قضاة" يسمى الواحد منهم: "قاضى الفتيان ". ويقول المؤرخون: إنه رغم الانحراف الخلقى الذى ساد حركة الفتيان فى العصور المتأخرة، فإن أخلاق الرجولة مثل: النجدة والإيثار والموت من أجل الغير، وما إلى ذلك، ظلت الطابع العام لهذه الحركة. هذا والمعلومات التاريخية مضطربة اضطرابا شديدا فى وصف "الفتوة" فى عصورها المتأخرة، وبحيث يصعب على الباحث تحديد ملامح أو قسمات مشتركة لحركة الفتوة والفتيان. أمَّا مصطلح "الفتوة" بالمعنى الصوفى فإنه وإن كان يختلف عن المعنى التاريخى: الجاهلى والعربى، من حيث المنطلق والغاية إلا أنه مرتبط أشد الارتباط بالمعنى الخلقى المستمد من معنى الفتوة، وهو: المروءة. وقد حمل هذا التشابه كثيرا من الباحثين على التفتيش عن علاقة تأثير وتأثر بين الفتوة بالمعنى التاريخى، والفتوة بمعناها الصوفى، واكتشفوا أن الفتوة العربية اتصلت بالتصوف منذ مراحله الأولى، وأن العراق وفارس كانا المهد الأول لظهور مصطلح " الفتوة، بالمعنى الصوفى، وقد روى أن " الحسن البصرى" تسمى بهذا الاسم، وأطلق عليه لقب: " سيد الفتيان "، ورغم أن اسم "الفتوة لم يرد فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية ولا فى لسان السلف- فيما يقول ابن القيم (١) - فإننا نجد عند شيوخ التصوف ما يشبه اقتباس "منزلة الفتوة" من الآيات الكريمة التى ورد فيها اسم "فتى" و "فتية": فقد افتتح الإمام القشيرى كلامه فى باب "الفتوة" بذكر قوله تعالى:﴾ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ﴿(الكهف ١٣)، وكذلك فعل صاحب منازل السائرين .. ويعد إبراهيم- ﵇ - هو الفتى، على الحقيقة، عند الصوفية، استنادا إلى قوله تعالى:﴾ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ﴿(الأنبياء ٦٠)، وفتوته فى كسر الأصنام أنموذج لفتوة الصوفى فى كسر صنم النفس، لكن كمال الفتوة- عندهم- لا يتحقق إلا للنبى - ﷺ - .. وبعض الصوفية- خاصة الشيعة- يقولون: إن آدم وإبراهيم ومحمدا- عليهم الصلاة والسلام- ثم من بعدهم: الإمام على وسلمان الفارسى هم الروّاد الأوائل، للفتوة، وبعضهم يضيف شخصيات تاريخية متأخرة، مثل: صلاح الدين الأيوبى. وللفتوة تعريفات وتحديدات كثيرة، تختلف باختلاف مشارب الصوفية وأذواقهم (٢)، وكلها يهدف إلى الغاية نفسها التى يهدف إليها كل صوفى وهى: صفاء النفس، إلاّ أن أخلاق الفتوة تنهج نهجا أصعب، يتناسب ومشقة تطهير النفس تطهيرا كاملا. ومما قيل فى تعريف "الفتوة"ما جاء فى شرح المنازل من أنها "اسم لمقام القلب الصافى عن صفات النفس"، وأن نوع من زيادة الهدى بعد الإيمان، ويقول الصوفية: إن موسى ﵇ لما سأل ربه عن الفتوة، قال: "أن ترد نفسك إلىّ طاهرة كما قبلتها منى طاهرة". وخلاصة معنى الفتوة فيما يقول الهروى الأنصارى: "ألا تشهد لك فضلاً ولا ترى لك حقا " وهى على درجات ثلاث: الدرجة الأولى: "ترك الخصومة، والتغافل عن الزلة، ونسيان الأذية" والثانية: "أن تُقرّب من يقصيك، وتُكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجنى عليك " والثالثة: التحرر فى السلوك من طلب دليل العقل "فمن طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحل له دعوى الفتوة"، ويمكن القول بأن " الإيثار" أو "نكران الذات " هو المحور الذى تدور عليه بقية الفضائل الأخلاقية التى يشترطها الصوفية فيمن يمنح لقب "الفتى" .. والفتوة عند الصوفية- من باب الأخلاق، وليست من باب الأحوال ولا المقامات. أ. د/ أحمد الطيب ١ - مدارج السالكين٢:٣٤١ - القاهرة ١٣٧٥ هـ/١٩٥٦م - ورغم إنكار ابن القيم أن تكون الفتوة مما تكلم فيه السلف، فإنه ينقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن الفتوة فقال: "ترك ما تهوى لما تخشى". ٢ - انظر الرسالة القشيرية، للإمام للقشيرى ص ١١٣ - ١١٤ ط. الحلبى ١٣٥٩ هـ/١٩٤٠ م

стр. 495

٥ - الفتوى لغة: الفتوى هى الجواب عما يُشكل من المساك الشرعية أو القانونية، والجمع: فتاوٍ وفتاوى ويقال أفتى فى المسألة: أبان الحكم فيها، فالإفتاء هو إبانة الأحكام فى المسائل الشرعية أو القانونية أو غيرها مما يتعلق بسؤال السائل، والمفتى: هو من يتصدر للإفتاء والفتوى بين الناس، وهو فقيه تعينه الدولة ليجيب عما يُشكل من المسائل الشرعية والجمع مفتون، ودار الفتوى: هى مكان المفتى، والفتيا هى الفتوى فى المسألة المشكلة (١). شرعا: لايختلف المعنى الشرعى للفتوى والإفتاء عن هذه المعانى اللغوية، فالفتوى: هى بيان الحكم الشرعى فى مسألة من المسائل مؤيدا بالدليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الاجتهاد. وهى ضرورية للناس لأنهم لايمكن أن يكونوا جميعا علماء بالأحكام، ولو انقطعوا لتحصيل ذلك حتى يبلغوا مرتبة الاجتهاد، لتعطل العمل وتوقفت الحياة فكان من رحمة الله تعالى بالأمة أن جعل منها علماء ومقالدين وأوجب على العامة من المقلدين أن يستفتوا العلماء فيما يجهلونه فقال: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ الأنبياء:٧. وأوجب على العلماء أن يفتوهم ويجيبوهم ويبينوا لهم الأحكام فقال ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) (أخرجة أبو داود والترمذى وابن ماجه) (٢). ويجب على العامى أن يتوجه بالسؤال إلى من يثق بعلمه وعدالته فإذا جهل حاله كفاه أن يراه مشهورا بين الناس بذلك، ومع هذا الا تبرأ ذمته بالعمل بفتواه إلا إذا أطمأن قلبه إليها، فإذا كان يعلم أن الأمر فى الواقع على خلاف الفتوى لم يبرأ من الإثم، وإن كان المفتى أعلم العلماء. وعن مكانة المفتى ومسئوليته يقول الشاطبى، ﵀ (ت ٧٩٠هـ): "المفتى قائم فى الأمة مقام النبى ﷺ والدليل على ذلك أمور: أحدها: النقل الشرعى فى الحديث: (إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولادرهما وإنما ورثوا العلم) (أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه) (٣). الثانى: أنه نائب عنه فى تبليغ الأحكام، بقوله ﷺ : (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) (٤) وقوله: (بلغوا عنى ولو آية) (٥). الثالث: أن المفتى شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول من صاحبها وإما مستنبط من المنقول: فالأول: يكون فيه مبلغا، والثانى: يكون فيه قائما مقامه فى إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع. وعلى الجملة، فالمفتى مخبر عن الله كالنبى وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبى، ونافذ أمره فى الأمة بمنشور الخلافة كالنبى، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله فى قوله تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ النساء:٥٩، والأدلة على هذا المعنى كثيرة (٦). وتحصل الفتوى من المفتى من جهة القول كأن يسأل فيجيب، ومن جهة الفعل كأن يفعل ويقتدى به، ومن جهة الإقرار كأن يرى عملا من شخص فيقره عليه، ولاتصح الفتيا إذا خالفت مقتضى العلم سواء كانت قولا أم فعلا أم تقريرا. والمفقى البالغ ذروة الدرجة هو الذى يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال (٧). صفات المفتى: ينبغى أن يتصف المفتى بخمس صفات نقلها ابن القيم عن الإمام أحمد فقال: "لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها أن تكون له نية فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ماهو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفايه وإلا مضغه الناس، الخامسة: معرفة الناس" (٨). فإن هذه الخمسة هى دعائم الفتوى وأى شىء انقضى منها ظهر الخلل فى المفتى بحسبه. واجبات المفتى: يجب على المفتى أمور منها ما أشار إليه ابن القيم فى كتابه "إعلام الموقعين" قال: "ليس للمفتى الفتوى فى حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل مسئول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى (٩). ومنها أن يتحرى الحكم بما يرضى ربه، ويجعل نصب عينيه قوله سبحانه: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ المائدة:٤٩. فلا يصح له أن يعتمد فى فتواه على مجرد وجود الحكم بين أقوال الفقهاء، بل يجب عليه أن يتحرى ماهو أرجح منها تبعا لقوة الدليل (١٠). ويجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يفتى بما حفظه من مذاهب الفقهاء المعروفين إذا فهم أصولهم وأحسن التصرف فى تطبيقها، وتتفق الفتوى مع القضاء فى أنه لابد لكل من القاضى والمفتى من أمرين أولهما: فقه الحادثه التى يريد الإفتاء أوالقضاء بها. ثانيهما: فقه الحكم الشرعى لهذه الحادثة. ويفترقان فى أمور: ١ - أن الإفتاء أوسع مجالا من القضاء، فيصح الإفتاء من الحر والعبد والرجل والمرأة والبعيد والقريب والأجنبى والصديق، بخلاف القضاء ففيه خلاف فى: ٢ - أن القضاء ملزم للخصوم، ونافذ فيهم بخلاف الإفتاء. ٣ - أن القضاء بما يخالف فتوى المفتى نافذ ولا يعد نقضا لقضاء سابق بخلاف القضاء بما يخالف قضاء سابقا فلا ينفذ. ٤ - المفتى لا يقضى إلا إذا ولى القضاء، ولكن القاضى يفتى بل ويجب عليه الإفتاء إذا تعين له. أ. د/محمد نبيل غنايم
следующие страницы →