١ - الفاطميون
هم أسرة حكمت فى شمال أفريقيا، وأقامت خلافة إسلامية معارضة بها الخلافة العباسية فى بغداد فى أوائل القرن العاشر الميلادى، وهم ينتسبون إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ فهم شيعة علويون فى نسبهم، إسماعيليون فى مذهبهم، كما يطلق عليهم العبيديون نسبة إلى مؤسس دولتهم عبيد الله المهدى (٢٩٧ - ٣٢٢ هـ/٩٠٩ - ١١٣٤م) الذى ولد بالكوفة أو سلمية بسوريا.
وقد تأسست الدولة الفاطمية أول الأمر فى تونس، واتخذت القيروان عاصمة لها، ثم أقام خليفتها الأول أبو محمد عبيد الله المهدى مدينة المهدية، التى تقع على بعد ١٠٧ كم جنوب القيروان عاصمة لخلافته (٠٨ ٣ هـ/ ٩٢٠ م) (١) وأخضع قبائل صنهاجة بالمغرب الأقصى، وقضى على نفوذ الأدارسة فى فاس، واستولى على الجزائر وتونس وطرابلس ثم برقة، ولكنه فشل فى هجومه على مصر عدة مرات؛ ثم توفى (٢).
وبذل الخليفة الثانى أبو القاسم محمد القائم بأمر الله (٣٢٢ـ ٣٣٤ هـ/٩٣٤ - ٩٤٥ م) غاية همته لتوسيع نطاق دولته، فأرسل أسطولا أغار على شواطئ إيطاليا وفرنسا والأندلس، كما أرسل جيشا إلى مصر هزمه الإخشيديون، ثم صرف بقية حياته فى حرب بعض الخوارج بقيادة أبى يزيد الخارجى الذى ثار عليه؛ بغية انتزاع الملك منه (٣).
وفى عهد الخليفه الثالث أبى طاهر إسماعيل المنصور بالله (٣٣٤ - ١ ٣٤ هـ/٩٤٥ - ٩٥٢ م) ثم الاستيلاء على صقلية (٣٣٥ هـ/٩٤٦ م)، كما تم القضاء على ثورة أبى يزيد الخارجى، ثم أعقبه الخليفة الرابع أبو تميم معدّ المعز لدين الله (١ ٣٤ - ٣٦٥ هـ/٩٥٢ - ٩٧٥ م) الذى ولد بالمهدية، واستطاع قائده جوهر الصقلى (ت ٣٨١هـ / ٩٩٢م) أن يفتح فاس وسلجماسة، وانقادت له بلاد الشمال الأفريقى كلها حتى ساحل الأطلس، ماعدا سبتة التى بقيت لبنى أمية (أصحاب الأندلس) ونتيجة لاضطراب أحوال مصر عقب وفاة كافور الإخشيدى، فقد أشار المعز إلى قائده جوهر بالسير إلى مصر لأهميتها السياسية والحربية والاستراتيجية، حيث نجح فى فتحها سنة (٣٥٨ هـ/٩٦٩ م) واختط مدينة القاهرة وبها قصر الحاكم، والجامع الأزهر (نسبة إلى فاطمة الزهراء) بالإضافة إلى العديد من المنشآت الإدارية وسماها القاهرة المعزية (٤) التى أصبحت عاصمة للخلافة الفاطمية بعد أن دخلها المعز لدين الله بأهله وبيت ماله ورجال دولته. بل وبرفات أجداده (١ ٣٦ هـ/١٩٧٢ م)، حيث ظلت عاصمه للفاطميين إلى انتهاء دولتهم، وباتخاذ القاهرة عاصمة للّخلافة الفاطمية رجحت كفة الفاطميين على العباسيين فى بغداد، وارتفع شأنهم فامتد نطاق حكمهم من البحر الأحمر حتى المحيط الأطلسى ليشمل- فضلا عن الشمال الأفريقى- سوريا وفلسطين واليمن ومكة والنوبة، بل وصل إلى الموصل وكادوا يقتحمون بغداد على الخلافة العباسية، وكان الأسطول الفاطمى يفرض سلطانه على البحر المتوسط، بل ويهدد الشواطئ الجنوبية لأوروبا. (٥)
إن الاستقرار السياسى الذى شهدته الخلافة الفاطمية فى مصر فى عهد المعز لدين الله
(١ ٣٤ - ٣٦٥ هـ/٩٥٢ - ٩٧٥ م)، والعزيز بالله (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ/ ٩٧٥ - ٩٩٦ م)، والحاكم بأمر الله (٣٨٦ - ٤١١ هـ/٩٩٦ - ١٠٢٠م) نتج عنه ازدهار اقتصادى، وعلمى وعمرانى، حيث عم الرخاء البلاد وانتشرت مظاهر التحضر والازدهار والرخاء المادى الذى بلغ حد الترف بصورة لم تعرفها مصر منذ زمن بعيد، كما ازدهرت الحياة العلمية برعاية خلّفاء الفاطميين ووزرائهم، حيث جلبت نوادر الكتب والمخطوطات فى كل علم وفن، حيث بلغت محتويات "خزانة الكتب " بالقصر مليونا وستمائة ألف كتاب، ونشطت الحركة العلمية لنشر العلم وتدعيم المذهب الشيعى فى الجامع الأزهر الذى عقدت له الزعامة الثقافية والعلمية والدينية، وفى دار العلم (دار الحكمة) التى أنشأها الحاكم بأمر الله (٤٠٠ هـ/١٠٠٩م) والتى زودها بمختلف أنواع الكتب لتنافس بيت الحكمة فى بغداد، وبالنساخ والقراء وجميع أدواتهم، وقصدها العلماء فى كافة العلوم، هذا فضلا عن مجالس المناظرة فى قصور الخلفاء، والتى كان يحضرها مشاهير علماء العصر.
وفى العمران شيدت المنشآت الدينية فضلا عن الأزهر- كان جامع الحاكم بأمر الله (٤٠٣ هـ/١٠١٢ م) والجيوشى (٤٩٨ هـ/١٠٠٧م) والأقمر (٥١٩ هـ/١١٢٥م) ومسجد الصالح طلائع (٥٥٥ هـ/ ١٦٠ ١م) وغيرها من العمائر والمنشآت المدنية التى تشهد على ما بلغته البلاد من الرقى الفنى. وقد انقسم المجتمع المصرى فى عهد الفاطميين إلى سنى وشيعى، فالسنيون هم المصريون والأتراك والسودانيون؛ أما الشيعة فهم المغاربة حضروا مع الفاطميين، وكانت الإدارة فيهم، وكان الخلفاء متسامحين، فلم يجبروا أحدا على اعتناق المذهب الشيعى الأمر الذى حفظ للمصريين مذهبهم السنى كما اهتم الفاطميون بالاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية بشكل منقطع النظير، وكثير من مظاهر الاحتفالات الدينية السائدة فى مصر الآن ترجع بجذورها إلى أيام الفاطميين فى مصر.
وقد تضافرت عدة عوامل أدت إلى تدهور الفاطميين وضعفهم ثم زوال دولتهم، وذلك منذ عهد الظاهر (أبو الحسن على الظاهر لإعزاز دين الله (٤١١ - ٤٢٧ هـ/٠٢٠ ١ - ٠٣٥ ١م) ثم المستنصر بالله (أبو تميم) (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ/ ١٠٣٥ - ١٠٩٤ م) منها: الإسراف فى استخدام جند من الأتراك والمغاربة والسودانيين، والتنازع بين طوائفهم، ثم توالى الخلفاء الضعاف الذين تولوا، وهم جميعا أطفال باستثناء الحافظ الذى تولاها وهو شيخ كبير، هذا فضلا عن انتشار المجاعات والأوبئة نتيجة نقص مياه النيل حينا واحتكار التجار أحيانا بالإضافة إلى التهديد الصليبى الذى كان يتطلع إلى السيطرة على مصر. إضافة إلى سيطرة قادة الجند والوزراء. فأصبح الصراع الحقيقى بين الوزراء أنفسهم كما حدث بين طلائع بن رزيك وشاور، وبين شاور وضرغام فاستنجد الأخير بعمورى ملك بيت المقدس، كما استنجد شاور بسلطان حلب نور الدين محمود الذى أرسل قائده أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين، حيث نجح شيركوه فى القضاء على ضرغام ثم شاور، وتولى الوزارة فى مصر لآخر خلفاء الفاطميين وهو الخليفة أبو محمد عبد الله العاضد لدين الله (٥٥٥ - ٥٦٧ هـ) (١١٦٠هـ /١١٧١ م) وبعد وفاة شيركوه خلفه على الوزارة فى مصر صلاح الدين، ولما مات الخليفة العاضد (٥٦٧ هـ/ ١١٧١م) أزيل شعار الفاطميين وقامت الدولة الأيوبية فى مصر على يد صلاح الدين الذى أعادها إلى المذهب السنى والخلافة العباسية (٦).
ظلت الدولة الفاطمية منذ بدء إعلانها فى سنة (٢٩٧ هـ/٩٠٩ م) وحتى سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١م) مائتين وسبعين عاما تولى الخلافة فيها أربع عشرة خليفة أولهم أبو محمد عبد الله المهدى غير أن الخلافة لم تأت إلى مصر إلا سنة (١ ٣٦ هـ/٩٧٢ م) حين دخلها الخليفة الرابع المعز لدين الله، وبذلك يكون قد تواتر عليها أحد عشر خليفة أولهم المعز وآخرهم العاضد.
أ. د/ السيد محمد الدقن
стр. 492
٢ - الفاعل
يقسم أرسطو "العلة" التى هى من لواحق الموجود- بما هو موجود- إلى علل أربع: علتين داخلتين فى قوام الشىء المعلول، وهما: المادة والصورة، وعلتين خارجتين عن المعلول هما: الفاعل والغاية التى تبعث على الفعل. ويعرف ابن سينا الفاعل بأنه "العلة التى تفيد وجوداً مباينا لذاتها"، أى تعطى شيئا ما وجودا يخالف وجودها، وهذا هو اصطلاح الفلاسفة الإلهيين فى الفاعل، أما الطبيعيون فالفاعل عندهم هو "مبدأ التحريك فقط "، أى هو الذى يفيد حركة ولا يفيد وجودا، وعليه فلا تسمى "الطبيعة" فاعلاً حقيقيا فى اصطلاح الفلاسفة الإلهيين؛ لأنها لا تفيد الوجود، إذ واهب الوجود ومفيده هو الله تعالى.
وقد يطلق على "الفاعل " العلة المؤثرة. ويختلف المتكلمون والفلاسفة فى سبب احتياج المفعول للفاعل: هل هو وجوده باعتباره فى نفسه أمرا ممكنا، أو وجوده من جهة كونه بعد عدم؟ والاحتمال الأول يعنى أن الإمكان هو علة الحاجة كما يقول الفلاسفة، أما الثانى فيعنى أن الحدوث هو علة الاحتياج، وهو مذهب المتكلمين… وينبه الفلاسفة إلى خطأ المذهب القائل بأن تأثير الفاعل قاصر على حال حدوث الشىء أو وجوده فقط، وبحيث لو أوجده الفاعل فإنه يستغنى عنه فى بقائه واستمرار وجوده. ويضربون مثال لذلك وجود البناء قائماً بعد انتهاء أثر البَنَّاء.
وخطأ هذا المذهب فيما يقول الفلاسفة الإلهيون- هو عدم الانتباه إلى أن تأثير الفاعل إنما هو فى الإيجاد وفى البقاء معا، إذ علة الحاجة- وهى الإمكان- ثابتة ومستمرة بعد الإيجاد، والبَنَّاء فى المثال ليس علة مؤثرة فى بقاء المبنى، بل حركته علة لحركة الأحجار ووضعها فى شكل معين، أما بقاء الشكل فهو معلول لأمر آخر .. ويقول الفلاسفة إن أكثر ما يظن فاعلاً كالأب والزارع والبنَّاء ليس فى الحقيقة عللاً فاعلة للوجود، بل هى معدات وأسباب، أما فاعل الوجود فهو الله تعالى. وربما أشار القرآن الكريم إلى ذلك فى قوله تعالى:﴾ أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ﴿(الواقعة ٥٨ - ٥٩)، ومثله فى نفس السورة أيضا:﴾ أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ﴿(الواقعة ٦٣ - ٦٤).
ومما تجدر ملاحظته فى الموضوع أن الأشاعرة وإن قالوا بأن "الحدوث" هو علة الحاجة إلى الفاعل فإنهم لا يقولون باستغناء المفعول فى بقائه عن الفاعل، لأنهم يقولون بأن الأعراض لا تبقى زمانين، فهى فى حدوث مستمر، وخلق متجدد لا يتوقف، وهو ما يسمى بتعلّق القبضة" باصطلاح المتأخرين منهم.
والفاعل بمعنى مفيد الوجود منحصر- عند الأشاعرة- فى فاعل واحد مؤثر، هو: الله تعالى. فلا فاعل إلا الله، وينكرون- من ثم- أن يفعل شىء فى شىء، حتى الأسباب، فإنها لا توجد مسبباتها ولا تفعل فيها.
وللفاعل أقسام عديدة، تختلف باختلاف الفاعلية، وهى: الطبع أو المقر أو التسخير أو القصد أو الرضا أو العناية أو التجلى، والحقيق باسم الفاعل. فيما يقول صدر الدين الشيرازى- هو: "مَن يطرد العدم بالكلية عن الشىء، ويزيل الشر والنقص، وهو البارى جل ذكره ".
وصانع العالم فاعل بالطبع فى مذهب الدهرية والطبيعيين، وبالإرادة والاختيار عند المتكلمين، وبالرضا عند الإشراقيين، وبالعناية عند المشائيين، وبالتجلى عند الصوفية.
أ. د/ أحمد الطيب
стр. 493
٣ - فتح مكة
جاء فتح مكة تحقيقا للبشارة التى جاءت فى قوله فى سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وماتأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ آية:١ - ٣.
ونزلت هذه السورة الكريمة وهو فى طريق عودته ﷺ من الحديبية بعد أن عقد مع قريش صلح الحديبية فى العام السادس من
الهجرة فبراير ٦٢٨م وتبعا لهذا الصلح التحقت خزاعة بالمسلمين، والتحق بنو بكر بقريش، وحدث صراع بين خزاعة وبنى بكر ساعدت قريش بنى بكر وطلبت خزاعة من الرسول ﷺ المساعدة بناء على ما جاء فى اتفاق الصلح.
كان الحال فى مكة انذاك مختلفا عن ذى قبل فقد اتسع نفوذ المسلمين شمالا وجنوبا وأحاط بمكة مما هدد تجارة قريش، وأهل مكة أنفسهم أحسوا بالخجل لأن أكثر العرب دخلوا الإسلام ولكن أهله بمكة بقوا على الشرك، ونشأ جيل جديد فى مكة سمع بالإسلام منذ نعومة أظفاره فلم تتعمق عبادة الأصنام فى نفسه.
وكان الرسول ﷺ شديد الحرص على دخول مكة دون قتال كما أن أهل المدينة معظمهم هاجروا إليها من مكة، لو حدث قتال سيكون فيه قطع لصلة الأرحام، ولذلك أعد الرسول ﷺ عدته لفتح مكة دون قتال، فخرج من المدينة سرا بجيش كبير، ولم تحس قريش بهذه الحركة إلا بعد وصول المسلمين إلى مشارف مكة، وكان ذلك فى العاشر من رمضان سنة ٨هـ.
وحينئذ خرج أبو سفيان زعيم مكة ليحاول النجاة لأهله فالتقى بالمسلمين فى المكان الذى عسكروا فيه، ورفض الرسول ﷺ مقابلته أول يوم ليفت فى عضده، وفى صباح اليوم التالى قابله، وفى هذا اللقاء آمن أبو سفيان بالله ورسوله وعاد إلى مكة، بعد أن شاهد عظمة قوات المسلمين، يحمل لأهلها اليأس من المقاومة والأمان من رسول الله ﷺ وما يطمئنهم على حياتهم وجاء تأكيد الرسول ﷺ على أن يبعد كل نزعة إلى الحرب، ويبعد كل متطرف ولو كان من المقربين، فلقد سمع سعد بن عبادة، حامل راية الأنصار يقول: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا" ولما علم الرسول الكريم بهذا قال: (اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزالله قريشا).
وجاء تعبير"يوم المرحمة" عن فتح مكة قمة آداب الجهاد فى الإسلام، وتطبيقا عمليا منه ﵇ بأن الجهاد فى الإسلام يختلف عن كل صور القتال والحرب اختلافا ظاهرا جليا منذ البداية وحتى النهاية.
ثم توج عليه أفضل الصلاة والسلام هذا بالعفو الشامل، الذى مازال التاريخ يردده، ليس فى العالم الإسلامى فحسب، بل وتردده كل الدنيا على مر العصور، حين قال: ﴿يا معشر قريش ماترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال رسول الله: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾.
أ. د/إبراهيم أحمد العدوى
стр. 494
٤ - الفتوة
يرجع تاريخ هذا المصطلح إلى العصر الجاهلى، حيث تغنى شعراؤه بالفتوة، مثل طرفة بن العبد وغيره، وكانوا يعنون بها طائفة من الأخلاق تجتمع فيمن يسمى بالفتى، مثل: الكرم والشجاعة والفروسية والنجدة، إضافة إلى أخلاق سلبية، مثل اللهو ومعاقرة الخمر وما إليها .. ويشتبه مصطلح "الفتوة" بمصطلح "المروءة" من حيث المعنى، وإن كانت الأولى تطلق على الشباب بينما تطلق الثانية على المكتملين من الرجال، وبعض الباحثين يرى أنَّ معنى الفتوة أعم من معنى المروءة، وبعضهم يقول: إنهما لفظان مترادفان.
ولمِّا جاء الإسلام أقر كثيرا من أخلاق الفتوة الجاهلية، ولكن بعدما هذّبها وحوّلها من فضائل فردية أو قبلية إلى أخلاق دينية تطلب من أفراد المجتمع الجديد، ولغايات أسمى من غايات المجتمع الجاهلى. ولذلك أخذ معنى "الفتوة" فى صدر الإسلام منعطفا متميزا، وإن ظل شبيها فى بعض الوجوه بما كان عليه فى الجاهلية؛ فقد بقيت أخلاق الشهامة والكرم وحماية الضعيف كما هى، واندثرت الأخلاق التى تتنافى مع قيم الدين، مثل القبلية واللهو والخمر. وقد استعمل لفظ "الفتى" مفرداً أو مضافاً للمبالغة فى الوصف بالفتوة، فكان يقال: "فتى الفتيان " أو "فتى العرب" أو "شيخ الفتيان " أو "سيد الفتيان " .. ثم طرأت تغيرات جذرية- فى العصور المتأخرة- على مفهوم "الفتوة" نتيجة للتطور السياسى والاجتماعى للدولة الإسلامية، وعاد السلوك الجاهلى- من جديد- سمة بارزة فيمن يتصف بالفتوة، وأصبح اللهو والغناء والسكر والتشبيب بالنساء من أخلاق الفتيان وشمائلهم، كما أصبحت "العيارة" و، الشطارة" و" قطع الطريق " مرادفات للفتوة .. وفى تطور لاحق تحولت الفتوة- فى ظل الحكم التركى- إلى تنظيم حركى شَكَّل خطرا أمنيا وسياسيا ملحوظا، وأصبح للفتوة جمعيات لها لباس وطعام وطريقة حياة خاصة، كما كان لها من بينها "قضاة" يسمى الواحد منهم: "قاضى الفتيان ". ويقول المؤرخون: إنه رغم الانحراف الخلقى الذى ساد حركة الفتيان فى العصور المتأخرة، فإن أخلاق الرجولة مثل: النجدة والإيثار والموت من أجل الغير، وما إلى ذلك، ظلت الطابع العام لهذه الحركة. هذا والمعلومات التاريخية مضطربة اضطرابا شديدا فى وصف "الفتوة" فى عصورها المتأخرة، وبحيث يصعب على الباحث تحديد ملامح أو قسمات مشتركة لحركة الفتوة والفتيان.
أمَّا مصطلح "الفتوة" بالمعنى الصوفى فإنه وإن كان يختلف عن المعنى التاريخى: الجاهلى والعربى، من حيث المنطلق والغاية إلا أنه مرتبط أشد الارتباط بالمعنى الخلقى المستمد من معنى الفتوة، وهو: المروءة. وقد حمل هذا التشابه كثيرا من الباحثين على التفتيش عن علاقة تأثير وتأثر بين الفتوة بالمعنى التاريخى، والفتوة بمعناها الصوفى، واكتشفوا أن الفتوة العربية اتصلت بالتصوف منذ مراحله الأولى، وأن العراق وفارس كانا المهد الأول لظهور مصطلح " الفتوة، بالمعنى الصوفى، وقد روى أن " الحسن البصرى" تسمى بهذا الاسم، وأطلق عليه لقب: " سيد الفتيان "، ورغم أن اسم "الفتوة لم يرد فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية ولا فى لسان السلف- فيما يقول ابن القيم (١) - فإننا نجد عند شيوخ التصوف ما يشبه اقتباس "منزلة الفتوة" من الآيات الكريمة التى ورد فيها اسم "فتى" و "فتية": فقد افتتح الإمام القشيرى كلامه فى باب "الفتوة" بذكر قوله تعالى:﴾ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ﴿(الكهف ١٣)، وكذلك فعل صاحب منازل السائرين .. ويعد إبراهيم- ﵇ - هو الفتى، على الحقيقة، عند الصوفية، استنادا إلى قوله تعالى:﴾ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ﴿(الأنبياء ٦٠)، وفتوته فى كسر الأصنام أنموذج لفتوة الصوفى فى كسر صنم النفس، لكن كمال الفتوة- عندهم- لا يتحقق إلا للنبى - ﷺ - .. وبعض الصوفية- خاصة الشيعة- يقولون: إن آدم وإبراهيم ومحمدا- عليهم الصلاة والسلام- ثم من بعدهم: الإمام على وسلمان الفارسى هم الروّاد الأوائل، للفتوة، وبعضهم يضيف شخصيات تاريخية متأخرة، مثل: صلاح الدين الأيوبى.
وللفتوة تعريفات وتحديدات كثيرة، تختلف باختلاف مشارب الصوفية وأذواقهم (٢)، وكلها يهدف إلى الغاية نفسها التى يهدف إليها كل صوفى وهى: صفاء النفس، إلاّ أن أخلاق الفتوة تنهج نهجا أصعب، يتناسب ومشقة تطهير النفس تطهيرا كاملا. ومما قيل فى تعريف "الفتوة"ما جاء فى شرح المنازل من أنها "اسم لمقام القلب الصافى عن صفات النفس"، وأن نوع من زيادة الهدى بعد الإيمان، ويقول الصوفية: إن موسى ﵇ لما سأل ربه عن الفتوة، قال: "أن ترد نفسك إلىّ طاهرة كما قبلتها منى طاهرة".
وخلاصة معنى الفتوة فيما يقول الهروى الأنصارى: "ألا تشهد لك فضلاً ولا ترى لك حقا " وهى على درجات ثلاث: الدرجة الأولى: "ترك الخصومة، والتغافل عن الزلة، ونسيان الأذية" والثانية: "أن تُقرّب من يقصيك، وتُكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجنى عليك " والثالثة: التحرر فى السلوك من طلب دليل العقل "فمن طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحل له دعوى الفتوة"، ويمكن القول بأن " الإيثار" أو "نكران الذات " هو المحور الذى تدور عليه بقية الفضائل الأخلاقية التى يشترطها الصوفية فيمن يمنح لقب "الفتى" .. والفتوة عند الصوفية- من باب الأخلاق، وليست من باب الأحوال ولا المقامات.
أ. د/ أحمد الطيب
١ - مدارج السالكين٢:٣٤١ - القاهرة ١٣٧٥ هـ/١٩٥٦م - ورغم إنكار ابن القيم أن تكون الفتوة مما تكلم فيه السلف، فإنه ينقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن الفتوة فقال: "ترك ما تهوى لما تخشى".
٢ - انظر الرسالة القشيرية، للإمام للقشيرى ص ١١٣ - ١١٤ ط. الحلبى ١٣٥٩ هـ/١٩٤٠ م
стр. 495
٥ - الفتوى
لغة: الفتوى هى الجواب عما يُشكل من المساك الشرعية أو القانونية، والجمع: فتاوٍ وفتاوى ويقال أفتى فى المسألة: أبان الحكم فيها، فالإفتاء هو إبانة الأحكام فى المسائل الشرعية أو القانونية أو غيرها مما يتعلق بسؤال السائل، والمفتى: هو من يتصدر للإفتاء والفتوى بين الناس، وهو فقيه تعينه الدولة ليجيب عما يُشكل من المسائل الشرعية والجمع مفتون، ودار الفتوى: هى مكان المفتى، والفتيا هى الفتوى فى المسألة المشكلة (١).
شرعا: لايختلف المعنى الشرعى للفتوى والإفتاء عن هذه المعانى اللغوية، فالفتوى: هى بيان الحكم الشرعى فى مسألة من المسائل مؤيدا بالدليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الاجتهاد.
وهى ضرورية للناس لأنهم لايمكن أن يكونوا جميعا علماء بالأحكام، ولو انقطعوا لتحصيل ذلك حتى يبلغوا مرتبة الاجتهاد، لتعطل العمل وتوقفت الحياة فكان من رحمة الله تعالى بالأمة أن جعل منها علماء ومقالدين وأوجب على العامة من المقلدين أن يستفتوا العلماء فيما يجهلونه فقال: ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ الأنبياء:٧.
وأوجب على العلماء أن يفتوهم ويجيبوهم ويبينوا لهم الأحكام فقال ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) (أخرجة أبو داود والترمذى وابن ماجه) (٢).
ويجب على العامى أن يتوجه بالسؤال إلى من يثق بعلمه وعدالته فإذا جهل حاله كفاه أن يراه مشهورا بين الناس بذلك، ومع هذا الا تبرأ ذمته بالعمل بفتواه إلا إذا أطمأن قلبه إليها، فإذا كان يعلم أن الأمر فى الواقع على خلاف الفتوى لم يبرأ من الإثم، وإن كان المفتى أعلم العلماء.
وعن مكانة المفتى ومسئوليته يقول الشاطبى، ﵀ (ت ٧٩٠هـ): "المفتى قائم فى الأمة مقام النبى ﷺ والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النقل الشرعى فى الحديث: (إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء
لم يورثوا دينارا ولادرهما وإنما ورثوا العلم) (أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه) (٣).
الثانى: أنه نائب عنه فى تبليغ الأحكام، بقوله ﷺ : (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) (٤) وقوله: (بلغوا عنى ولو آية) (٥).
الثالث: أن المفتى شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول من صاحبها وإما مستنبط من المنقول: فالأول: يكون فيه مبلغا، والثانى: يكون فيه قائما مقامه فى إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع.
وعلى الجملة، فالمفتى مخبر عن الله كالنبى وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبى، ونافذ أمره فى الأمة بمنشور الخلافة كالنبى، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله فى قوله تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ النساء:٥٩، والأدلة على هذا المعنى كثيرة (٦).
وتحصل الفتوى من المفتى من جهة القول كأن يسأل فيجيب، ومن جهة الفعل كأن يفعل ويقتدى به، ومن جهة الإقرار كأن يرى عملا من شخص فيقره عليه، ولاتصح الفتيا إذا خالفت مقتضى العلم سواء كانت قولا أم فعلا
أم تقريرا.
والمفقى البالغ ذروة الدرجة هو الذى يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال (٧).
صفات المفتى:
ينبغى أن يتصف المفتى بخمس صفات نقلها ابن القيم عن الإمام أحمد فقال: "لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها أن تكون له نية فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ماهو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفايه وإلا مضغه الناس، الخامسة: معرفة الناس" (٨).
فإن هذه الخمسة هى دعائم الفتوى وأى شىء انقضى منها ظهر الخلل فى المفتى بحسبه.
واجبات المفتى:
يجب على المفتى أمور منها ما أشار إليه ابن القيم فى كتابه "إعلام الموقعين" قال: "ليس للمفتى الفتوى فى حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل مسئول عليه، أو حال
مدافعة الأخبثين، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى (٩).
ومنها أن يتحرى الحكم بما يرضى ربه، ويجعل نصب عينيه قوله سبحانه: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن
بعض ما أنزل الله إليك﴾ المائدة:٤٩.
فلا يصح له أن يعتمد فى فتواه على مجرد وجود الحكم بين أقوال الفقهاء، بل يجب عليه أن يتحرى ماهو أرجح منها تبعا لقوة الدليل (١٠).
ويجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يفتى بما حفظه من مذاهب الفقهاء المعروفين إذا فهم أصولهم وأحسن التصرف فى تطبيقها، وتتفق الفتوى مع القضاء فى أنه لابد لكل من القاضى والمفتى من أمرين أولهما: فقه الحادثه التى يريد الإفتاء أوالقضاء بها.
ثانيهما: فقه الحكم الشرعى لهذه الحادثة.
ويفترقان فى أمور:
١ - أن الإفتاء أوسع مجالا من القضاء، فيصح الإفتاء من الحر والعبد والرجل والمرأة والبعيد والقريب والأجنبى والصديق، بخلاف القضاء ففيه خلاف فى:
٢ - أن القضاء ملزم للخصوم، ونافذ فيهم بخلاف الإفتاء.
٣ - أن القضاء بما يخالف فتوى المفتى نافذ ولا يعد نقضا لقضاء سابق بخلاف القضاء بما يخالف قضاء سابقا فلا ينفذ.
٤ - المفتى لا يقضى إلا إذا ولى القضاء، ولكن القاضى يفتى بل ويجب عليه الإفتاء إذا تعين له.
أ. د/محمد نبيل غنايم
стр. 496
٦ - الفداء
لغة: فَدَيتهُ فدىّ وفداء وافتديته، وهذا يدل على البذل من النفس والمال لتخليص الآخرين، وقال الشاعر:
فلو كان ميت يفتدى، لفديته * بمالم تكن عنه النفوس تطيب (١).
وإنه لحسن الفدية. والمفاداة: أن يرد أسر اليد ويسترجع منهم من فى أيديهم، كأن يدفع رجلا ويأخذ رجلا.
والفداء: أن يشتريه، يقال: فديته بمالى فداء، وفديته بنفسى. قال تعالى: ﴿وإن يآتوكم أسارى تفادوهم﴾ البقرة:٨٥.
وافتدى: قدم الفدية عن نفسه. يقول الله تعالى فى شأن الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وخصاله، وظلموا غيرهم بالعدوان عليهم: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ومثله معه لا فتدوا به﴾ الزمر:٤٧، فما يرونه من أهوال القيامة يهون معه أن يقدموا مافى الأرض ومثله لوكانوا يملكونه ولكن يبقى هذا فى دائرة الأمانى ويقول الله تعالى: ﴿يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه﴾ المعارج:١١، فإن الله لا يقبل منهم هذا يقول الله تعالى: ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ آل عمران:٩١.
واصطلاحا: ما يقدم من مال ونحوه لتخليص المفدى. يقول الله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ الصافات:١٠٧، أى جعلنا الذبح فداء له، وخلصناه من الذبح.
والفداء والفدية: فيما يقى به الإنسان نفسه من مال يبذله فى عبادة. قصر فيها، ككفارة الصوم، والحلق ولبس المخيط فى الإحرام، فيقول الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ البقرة:١٨٤، ويقول سبحانه: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ البقرة:١٩٦.
وافتدت: اختلعت. يقول الله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ البقرة:٢٢٩.
والخلع: طلاق يعوض بلفظ الخلع أو الطلاق أو مافى معناهما، ويجوز الخلع على كثير المال وقليلة (٣).
والفدائى: المجاهد فى سبيل الله، مضحيا بنفسه، والفدائية: عمل الفدائى. ويعد هذا المفهوم بهذه الدلالات ثمرة من ثمرات العقيدة الإسلامية والعبادات ومظهرا من مظاهر الأخلاق وحسن المعاملات فى الإسلام، حيث يطهر القلب من الأثرة وحب الذات فيفكر فى غيره من الناس، فإن وجد غيره مكبلا بقيود الرق بذل من ماله ليفك قيده وأسره وإن دعاه الواجب لرفع كلمة الله فى حياة الناس كان فدائيا فى بذل لنفسه وماله وإن اتجه بالتفكير فى نفسه فإنما ينظر إليها نظرة الناقد البصير ليفتديها من عذاب يوم القيامة حتى لاتهلك فيه.
وإن لم تطب الحياة للزوجة مع زوجها كان هذا العطاء منها لزوجها، إنهاء لحياة زوجية غير صالحة.
كما يدل مفهوم الفداء على سبيل المحبة وتقويتها بين الناس عندما يسمع بعضهم من بعض عبارة: (فداك نفسى) أو (فداك أبى وأمى) أو (بأبى أنت وأمى) وقد خوطب النبى ﷺ بهذه المعانى من أصحابه رضوان الله عليهم.
أ. د/محمد رأفت سعيد
стр. 497
٧ - الفِراسة
لغة: التثبت والنظر.
واصطلاحاً: عند الصوفية هى مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب.
وكانت الفراسة من علوم العرب ومعارفهم فى الجاهلية، ويقال إن المصريين القدماء كانوا على شىء من علم الفراسة بدليل ما قرؤوه فى بعض أوراق البردى المكتوبة فى عصر العائلة الثانية عشرة (فى نحو القرن العشرين قبل الميلاد).
على أن الفراسة لم تدون وتعتبر علما مستقلا قبل ما كتبه أرسطو الفيلسوف اليونانى فى القرن الرابع قبل الميلاد، وعرف العرب الفراسة فى الجاهلية. حيث كانوا يعتقدون أشياء تعد من قبيل الفراسة كالقيافة والعيافة.
وكانت القيافة عندهم صناعة يستدل بها على معرفة أحوال البشر، ويسمونها قيافة البشر، لأن صاحبها ينظر ألوان الناس وجلودهم، والعيافة هى تتبع آثار الأقدام فى الطرق التى تتشكل بشكل القدم واستنتاج صورة أصحابها.
وقد ترجم علماء العرب كتب الفراسة عن اليونان والرومان، ووضعوه ضمن علوم الطب، وألف فيه بعضهم كتبا مستقلة. وذكره آخرون فى جملة ما كتبوه فى علوم الطب، كالرازى، وابن سينا، وابن رشد، والشافعى، وابن العربى وغيرهم.
ومن أشهر ما وصل إلينا من كتب العرب فى علم الفراسة كتاب "السياسة فى علم الفراسة " لأبى عبد الله شمس الدين محمد ابن أبى طالب الأنصارى، (٧٣٧ هـ)، وفيه أحكام علم الفراسة منسوبة إلى أصحابها، وكتاب "فى علم الفراسة " لمحمد غرس الدين بن غرس الدين بن محمد بن خليل، خطيب الحرم النبوى، وكتاب "البهجة الأنسية فى علم الفراسة الإنسانية" للعارف بالله زين العابدين محمد العمرى المرصفى، وكتاب "مختصر فى علم الفراسة وغيرها".
وانتشر علم الفراسة فى الأجيال المظلمة، ولم يكتف أصحابه بالاستدلال من الملامح على الأخلاق والقوى، ولكنهم صاروا يتنبأون بالغيب، وخلطوا بين الفراسة والسحر، فأصبحت الفراسة من العلوم الخرافية، ثم عادت فى العصر الحديث ولبست ثوبا جديدا على أثر ظهور العلم الحديث، فنظر فى علم الفراسة بعين العلم الطبيعى المبنى على المشاهدة والاختبار.
والفراسة الحقة من مقامات الإيمان، وقد ذكر فى القرآن قوله تعالى:﴾ إن فى ذلك لآيات للمتوسمين ﴿(الحجر ٧٥)، وقوله تعالى:﴾ تعرفهم بسيماهم ﴿(البقرة ٢٧٣) وهذا من أثر الفراسة الحقة، قد ذكرها رسول الله ﷺ بقوله: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله" (رواه البخارى).
والفراسة نوعان: أولهما يومض فى الفكر بما يشبه الإلهام، وهى فطرية تصقلها التجربة، وهى ما تسمى بالفراسة الشرعية، وهى نور إيمانى ينبسط على القلب حتى يتميز فى نظر صاحبه حال المنظور فيه من غيره ولكل مؤمن منها نصيب، لكن لا يهتدى لحقيقتها إلا من صفا قلبه من الشواغل والشواغب، ومن هنا قيل عنها إنها ملكة لا ينبغ فيها إلا أناس فيهم استعداد خاص لها، ويدل على ذلك أن بعض الناس يمتاز فيها دون الآخرين، وقد تراها فى بعض الناس خلقية دون علم أو درس، لكن لو تعلموا هذا العلم لكانوا من النابغين فيه.
والنوع الثانى من الفراسة: هى صناعة مكتسبة بالخبرة والتدريب، وتقوم على معرفة بواطن الأشخاص بظواهر الحواس، ومن فروعها فراسة الرأس، وفراسة الوجه، وفراسة الكف، وفراسة المشى، وفراسة الخط، وفراسة المقابلة، وهى الحكم على أخلاق الناس بالنظر إلى ما يشابه وجوههم من وجوه الحيوانات، كأن. يقال إن اتساع الصدر يشبه صدر الأسد دليل على الشجاعة وسمى هذا النوع بالفراسة الحكمية.
والفراسة ليست من علم الغيب، فقد أصبح الآن من العلوم الطبيعية التى تدرس أشكال أعضاء الإنسان لتستدل منها على أمزجته، فوجد أن كل جنس من أجناس البشرية له شكل معين من الأعضاء وله مزاج مختلف.
كما أن الفراسة من المعارف الإيمانية، فهى علم نورانى أودعه الله فى قلب عبده المؤمن القريب إليه، المشغول به، والفراسة غير الظن، لأن الظن يخطئ ويصيب حسب طهارة القلب وظلمته، وكثيرا ما يخطئ وقليلا ما يصيب، ولهذا أمرنا الله تعالى باجتناب كثير من الظن، وأخبر أن بعض الظن إثم.
والمتفرس إذا جالس أحدا من الناس اطلع على سره، فهو جاسوس القلب، فالذى ينظر بنور الله ينفذ فى الأشياء، فيرى ما هو مقدر، وكان أبو بكر الصديق ﵁ فى قمة الفراسة حيث استخلف عمر بن الخطاب ﵁، كما كانت صاحبة موسى ﵇ صاحبة فراسة حين قالت لأبيها﴾ يا أبت استأجره. إن خير من استأجرت القوى الأمين ﴿(القصص ٢٦) ويرى أئمة الصوفية أن الفراسة موهبة دائمة فى جميع الأوقات يحظى بها الولى، لأنه ينظر بنور الله، ولأن قلبه قد تطهر من الهوى، فلم يعد ينظر ببصره وإنما ببصيرته.
أ. د منى أبو زيد
стр. 498
٨ - الفرض
لغة: ما أوجبه الله عزوجل على عباده كما فى الوسيط (١)، وهو ما يثاب الإنسان على فعله ويعاقب تاركه، ويأتى الفرض بمعنى الإلزام أو التقدير كما فى اللسان (٢).
واصطلاحا: ذهب جمهور الفقهاء على أنه لا فرق بين الفرض والواجب إلا فى الحج فقط.
وأما الحنفية فإنهم يعرفون الفرض بأنه ما عرف وجوبه بدليل قطعى موجب للعلم والعمل قطعا، أما ما عرف وجوبه بدليل ظنى فإنه يطلق عليه الواجب (٣).
وهذا الاختلاف الواقع بين جمهور الفقهاء والحنفية فى المراد بالفرض والواجب خلاف لفظى. لأن الفرض والواجب يدلان على معنى الثبوت والتقدير، وكلاهما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
وينقسم الفرض باعتبار المكلف به إلى فرض عين وفرض كفاية، وثمة فروق بينهما هى:
١ - فرض العين هو ما يطالب به كل إنسان بعينه ولا يجوز أن يؤديه بدلا منه أحد، ولا يسقط عن المكلف إلا بأداء ما فرض عليه كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
أما فرض الكفاية فهو مايطلب حصوله دون النظر إلى فاعله، لكنه يسقط بفعل البعض، ويأثم الكل إن تركوه جميعا، إما إذا قام به البعض ولم يقم به الآخر، فإن من فعله يثاب، وأما تاركه فإنه لايعاقب لسقوطه بفعل الغير، وذلك كصلاة الجنائز، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الثابت بقوله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ آل عمران:١٠٤، وكذلك تعليم الحرف وتعلمها فإنها من فروض الكفاية، لأنه ليس مطلوبا من الناس جميعا تعلم حرفة واحدة.
٢ - فرض العين لايمكن أن يتحول إلى فرض كفاية، لأنه متعلق بعين الإنسان ذاته.
أما فرض الكفاية فإنه يتحول من كفاية إلى فرض عين، وذلك إذا تعين، مثال ذلك:
صلاة الجنازة فهى فرض كفاية، ولكن إذا لم يوجد غير مسلم واحد فى المكان الذى مات فيه مسلم تحول فرض الكفاية إلى فرض العين، لعدم وجود من يقوم بالفعل سواه (٤).
٣ - والفقهاء متفقون على أن فرض العين أقوى من فرض الكفاية، وإن اختلفوا فى أفضلية أحدهما على الآخر، لأن من ترك فرض العين أجبرعلى فعله كما فعل سيدنا أبو بكر رضى الله عنه مع مانعى الزكاة فإنه قاتلهم على تركها، وأجمع الصحابة على فعل أبى بكر دون إنكار.
أما فرض الكفاية فإن الإنسان لا يجبر على فعله إلا إذا تعين فى حقه دون غيره (٥).
٤ - وفرض العين إذا شرع الإنسان فى فعله، فإن الواجب عليه أن يتم هذا الفعل، إلا إذا طرأ عليه عذر يمنعه من إتمام هذا الفعل، كمن صام نهار رمضان، واشتد به المرض فله أن يقطع الصيام بسبب المرض.
أما فرض الكفاية إذا قام به الإنسان، فله أن يقطعه، ولا يستمر فى أدائه، كمن أراد أن يتعلم حرفة معينة ووجد أن غيره قد قام بتعلم هذه الحرفة، فله أن يقطع هذا الفعل لقيام غيره، ولا إثم عليه (٦).
٥ - نقل العطار فى حاشيته: إن قطع الطواف المفروض لصلاة الجنازة مكروه، لأنه لا يحسن ترك فرض العين لفرض الكفاية، فإذا تزاحم فرض الكفاية وفرض العين فى وقت واحد، وكان الوقت لايسع إلا واحدا منهما، وجب تقديم فرض العين إلا إذا كان له بدل، كما فى سقوط صلاة الجمعة عن إنسان له قريب يمرضه ولايوجد سواه يقوم بتمريضه والنظر فى مصالحه ورعايته.
٦ - ونرى أن لفرض الكفاية أمورا تتعلق بها مصالح دينية كصلاة الجنازة وغيرها، ومصالح دنيوية كتعلم الحرف وعلم الطب ونحو ذلك، وهذه الأمور قد قصد الشرع الحكيم تحصيلها لما لها من أثرطيب فى حياة الفرد والمجتمع، وهو فى نفس الوقت لم يكلف آحاد الناس بتحقيق هذه الأمور، وترك الأمر لكل إنسان على حسب رغبته فى تحصيل الخير، وتحقيق النفع العام لنفسه ولأبناء مجتمعه الذى يعيش فيه، وذلك يختلف تماما عن فرض العين الذى كلف الشرع الحكيم كل إنسان بالقيام به، وكلما حقق الإنسان فرض العين وأتى به ممتثلا لأمر ربه ، كلما نال الأجر والثواب
من الله تعالى، فكان الغرض من فرض العين هو الخضوع والامتثال لأمر رب العالمين، وذلك بخلاف فرض الكفاية فإنه فى الغالب لايتكرر.
د/صبرى عبدالرؤوف محمد
стр. 499
٩ - الفرض (العقلى)
اصطلاحاً: هو التجويز العقلى، أى الحكم بجواز الشىء.
والفرض العقلى قد يكون مطابقا للواقع أو مخالفا له أو ظنيا. فهو إما انتزاعى، وهو إخراج ما هو موجود فى الشىء بالقوة إلى الفعل، فلا يكون الواقع مخالفا للمفروض. وإما اختراعى وهو اختراع ما ليس بموجود فى الشىء أصلا، فيكون الواقع مخالفا للمفروض.
وإما تجريبى هو مجرد الظن بوقوع الشىء، فإذا أثبتت التجربة حدوثه ثبت الفرض وأصبح بمثابة حقيقة. وكل فرض ينطوى على تجويز، ولا يكون التجويز باطلاً إلا إذا كذبته التجربة أو أثبت العقل تناقضه. وليس معنى الفرض أنك فرضته بالفعل أو تفرضه فى المستقبل، بل إنه إذا صح فرضه صح ما يتلوه.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 500
١٠ - الفِرَق
لغة: الفرق: جمع فرقة، وهى الطائفة من الناس تجمعها آراء واحدة تتفق عليها وتعمل على نشرها وتأييدها والدفاع عنها.
واصطلاحا: يقسم الباحثون الفرق الإسلامية إلى قسمين:
١ - فرق سياسية ٢ - فرق اعتقادية.
وليس معنى هذا أن الفرق السياسية لا تتناول مسائل اعتقادية- كالخوارج الذين بحثوا مسألة مرتكب الكبيرة وحكمه فى الدنيا والآخرة وعلاقة الإيمان بالعمل وغير ذلك من المسائل الاعتقادية البحته- كما أن الفرق الاعتقادية قد تتناول أموراً سياسية، إذ ليست هناك حدود فاصلّة بين العقيدة والسياسة فى الإسلام. ولكن وصف "الفرقة" بأنها "سياسية " أو " اعتقادية" يعود إلى الأساس الذى قامت عليه، والمنطلق الذى انبثقت منه- عند نشأتها الأولى- سياسيا كان أو اعتقادياً.
وتروى عدة أحاديث نسبت إلى رسول الله ﷺ عن افتراق الأمة الإسلامية إلى عدة فرق؛ منها الحديث الذى أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه والحاكم وصححه- عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة"، وأخرج الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال. "إن بنى إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة، وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعون فرقة، وتخلص فرقة. قيل: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة. الجماعة" وفى راوية للحاكم. "وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين ملة، كلها فى النار إلا ملة واحدة، فقيل له: وما الواحدة قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابى". الأحاديث والروايات متعددة فى هذا الباب- مما يجعلها فى درجة التواتر المعنوى- وليس المراد بالعدد الحصر بل الكناية عن الكثرة.
ومن أهم الفرق السياسية فى الإسلام " الخوارج " "والشيعه؛ وذلك لأن منطلق كلتيهما كان مسألة "الخلافة"، ومن هو أحق الناس بها- كما أن من أهم الفرق الاعتقادية: " المعتزلة " "والأشاعرة " "والماتريدية" والمرجئة" والقدرية" والجبرية" والمجسمة ". هذا بالإضافة إلى "السلف ".
وكانت فرقة "الخوارج " أسبقها إلى الظهور؛ حيث ظهرت فى عهد على بن أبى طالب ﵁ بعد قضية "التحكيم". أما فرقة "الشيعة" فمتأخرة عنها- نعم كان هناك أفراد يحبون "عليا" ﵁ ويرون أنه كان أولى بالخلافة من "أبى بكر" وعمر" وعثمان، ﵃ ولكن هؤلاء الأفراد لم يأخذوا صورة فرقة ذات كيان متميز ونشاط واضح- إلا بعد ظهور الخوارج- رغم حرارة العاطفة التى كانوا يكنونها لعلى وآل البيت. أما "الثوار" الذين قتلوا الخليفة الثالث "عثمان " ﵁ فلم يكونوا من "الشيعة"- حيث لم تكن هذه التسمية قد ظهرت بعد كمصطلح على فرقة تنحاز إلى علىّ ونسله، وترى أنهم أحق بالخلافة- من سائر المسلمين- حتى إنه فى عهد خلافة علىّ ﵁ لم يكن مصطلح "الشيعة" خاصا بأنصار "علىّ" بل كان يقال "شيعة علىّ" "وشيعة معاوية" بمعنى أنصار علىّ وأنصار معاوية- ولم تتبلور فرقة "الشيعة " كجماعة لها كيانها المتميز وآراؤها الخاصة بها، ونظامها فى الدعوة إليها والدفاع عنها وتكثير أتباعها، والبحث عن أدلة من الكتاب والسنة تؤيد دعاويها إلا بعد استشهاد الحسين ﵁ فى خلافة يزيد بن معاوية، فبرزت فرقة "الشيعة" تنادى بإقامة دولة يكون الحكم فيها مقصورا على نسل "علىّ" ﵁.
أما الفرق الاعتقادية فلم يبدأ ظهورها إلا فى عصر"بنى أمية"- فقد كان المسلمون فى عصر النبى ﷺ وفى عصر الخلافة الراشدة يأخذون عقائدهم من الكتاب والسنة- مكتفين بظواهر هذه النصوص بدون تعمق ولا تأويل، ولم تكن لهم مناقشات فى مسائل العقيدة، بل التسليم المطلق لما يفهمونه من ظواهر النصوص بدون جدل حولها- وكانت سلائقهم العربية الخالصة، وصفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم، وحرارة إيمانهم تقرُّ بصحة نصوص القرآن الكريم والسنة وأنها كلها من عند الله- تعينهم على اتخاذ هذا الموقف- كما كان استغراق أوقاتهم فى العبادة والجهاد - من أجل الدفاع عن الدين- أثره أيضا فى سلوك هذا المسلك، والنأى بأنفسهم عن الجدل وإثارة المشاكل الاعتقادية.
ولما اتسعت الفتوحات الإسلامية، انضوى تحت لواء دولة الإسلام كثير من أتباع الديانات السابقة- سماوية أو غير سماوية، وعدد من أصحاب الفلسفات القديمة- وكانت لهؤلاء جميعا آراؤهم ومعتقداتهم التى لا تزال آثارها تعشش فى عقولهم وقلوبهم- حتى بعد اعتناق بعضهم للإسلام- نقلوا مشكلاتهم العقدية التى كانت لها فى ديانتهم السابقة ومذاهبهم الفلسفية إلى الساحة الإسلامية- فأخذوا يسألون المسلمين عن الحل الإسلامى لهذه المشكلات- بعضهم بنية حسنة، من أجل نفى شكوكهم وتثبيت يقينهم، والبعض الآخر بقصد خبيث من أجل تشكيك المسلمين فى عقيدتهم.
إضافة إلى أن بعض الذين اعتنقوا الإسلام فى عصر الفتوحات لم يكونوا مخلصين فى اعتناقهم له؛ فالبعض اعتنق انبهارا بقوة الإسلام التى مكنت بدو الجزيرة العربية من سحق دولتى الفرس والروم فى سنوات معدودات؛ والبعض رعبا وخوفا من أن يناله سوء موهوم، والبعض تهربا من دفع "الجزية" والبعض طمعا فى الحصول على كسب مادى أو منصب دنيوى، أو ليكون وجيها فى قومه بتشبهه بالسادة الجدد- ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية- وأخطر هؤلاء جميعا أولئك الذين تظاهروا باعتناق الإسلام من أجل الكيد له وتفجيره من الداخل- وكان أكثر أفراد هذا الفريق الأخير من اليهود والفرس المجوس. أخذ هؤلاء جميعا يعملون على تشكيك المسلمين فى عقيدتهم، فيثيرون أسئلة حول القضاء والقدر، وهل الإنسان مسير أو مخير؟ - وعن صفات الله تعالى: هل هى عين الذات أو زائدة على الذات؟ والقرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ إلى غير ذلك من المسائل التى كانت أساسا لنشأة "علم الكلام " والفرق الاعتقادية: من معتزلة ومرجئة وقدرية وجهمية وأشاعرة وماتريدية وغيرها من الفرق- ولكل فرقة من هذه الفرق اهتماماتها الخاصة ومنهجها فى البحث.
"فالمعتزلة" مثلا يعتمدون أساسا على حكم العقل وأدلته فإذا خالف نصا شرعيا فإنهم يؤولون النص حتى ينسجم مع حكم العقل.
أما "الأشاعرة" فمنهجهم يقوم على الاعتماد على النصوص الشرعية من قرآن وسنة يأخذون منها عقائدهم، ثم يأتون بعد ذلك بالأدلة العقلية ليقوم العقل بتأييد ما ورد فى النص.
فبينما يجعل "المعتزلة " من "العقل " حكما على "النص " يجعل الأشاعرة "العقل " فى خدمة النص " .. أما "الماتريدية" فهم يعتمدون على العقل كالمعتزلة، ولكن فى ضوء النصوص الشرعية- بمعنى أنه إذا خالف النص حكم العقل، فإنهم يقدمون "النص ".
أما السلف " من الفقهاء والمحدثين فإنهم لا يثقون بالعقل فى باب" العقيدة" فهى أمور غيبية لا يستقل العقل بإدراكها، لأنها ليست مجال عمله- وهو المادى المحسوس وما يؤخذ منه- ويعجز العقل تماما عن البحث بمفرده فيما ليس بمادى محسوس- وهو مجال العقيدة- ولذلك يعتمد علماء "السلف " على النصوص الشرعية فقط فى هذا الباب وكان على رأسهم الإمام "أحمد بن حنبل" ﵀ ثم فى عصور تاليه الإمام "ابن تيمية" ﵀.
أ. د/ صفوت حامد مبارك
стр. 501
١١ - الفَسَاد
لغة: مأخوذ من الفعل يفسد إذا ذهب صلاح الشىء، ويستعمل مُضَعَّفا- بالتشديد- يقال: ما فسَّده وما أفسده بمعنى أى شيء ذهب بصلاحه، ولا يأتى منه الفعل المطاوع فلا يقال: انفسد الشىء، ويقال: أفسدتُه وأفسده، ويقال: قوم فُسْدَى، كما قالوا: ساقط وسُقْطِى. وأفسده، واستفسده، وتفاسد القوم بمعنى تدابروا وقطَّعوا الأرحام، واستفسد السلطان رعيته، واستفسد قائده إذا أساء إليه.
والفساد نقيض الصلاح، ولا يقال ضده؛ لأن النقيضين لا يجتمعان فى الأمر الواحد ولا يرتفعان عنه، فكذلك الفساد والصلاح، فلا يكون الشىء فاسدا صالحا فى نفس الوقت، ولا يكون لا فاسدا ولا صالحا، وإنما يكون على أحد الحالين: إما فاسدا وإما صالحا بخلاف الضدين فلا يجتمعان فى الأمر الواحد، وقد يرتفعان عنه، وكذلك الاستفساد والاستصلاح نقيضان، ولا يقال عنهما ضدين.
والفساد يطلق على الجدب والقحط كما فى قوله تعالى:﴾ ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ﴿(الروم ٤١) أى أصابها الجدب والقحط، ويقال: فسدت الأرض وأفسدها إذا بارت بانقطاع زرعها، ويقال: إفساد الصبى؛ أن يطأ المرأة وهى مرضعة فيفسد لبنها وفى الحديث أنه ﷺ كره عشر خلال ذكر منها:
إفساد الصبى، بأن يطأ المرأة المرضع فإذا حملت فسد لبنها، وكان من ذلك فساد الصبى، وتسمى الغيِلة.
واصطلاحاً: الفساد يقابله الكون فيقال: الكون والفساد، كما يقال: الوجود والعدم، وهو عند الفلاسفة: زوال الصورة التى علّيها المادة بعد أن كانت حاصلة فيها، كزوال صورة الكرسى بأن تتفرق، أجزاؤه المكونة له، والفلاسفة انقسموا إلى فريقين فى تحديد معنى الفساد المقابل للكون.
١ - فريق يرى أن أصل الكون الوحدة، (مادة واحدة) وفسادها تغيير يطرأ على هيئتها وكيفيتها المكونة لها فتتحول صورتها وتتغير.
٢ - وفريق يرى أن أصل الكون الكثرة، وفساده تفرق أجزائه المؤلِّفة لجرمه.
وأرسطو يرى أن الهيولى المقابلة للصور المختلفة هى علة فساد الكون، ولذلك عرَّف الفساد بأنه تغير يطرأ على الجوهر الأعلى ليصير جوهرا أدنى.
وعند المتكلمين أن الفساد خروج الشىء من حال الوجود إلى حال العدم دفعة واحدة، لا يسيرا يسيرا، ويقابله الصلاح، وهو خروج الشىء من حال العدم إلى حال الوجود دفعة واحدة.
والفاسد من الأعمال: ما خالف أمر الشارع قاصداً المخالفة، والفاسد من الاعتقاد: ما خالف عقيدة التوحيد قاصداً المخالفة، والفاسد من الأقوال: ما خالف برهان العقل قاصدا المخالفة.
وقد تكرر الفعل "فسد" ومشتقاته فى القرآن الكريم كثيراً، ويقصد به ما خالف أوامر الشرع فى الأعمال والأقوال والاعتقاد، ومنه قوله تعالى:﴾ والله لا يحب المفسدين ﴿(المائدة ٦٤)﴾ ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ﴿(الأعراف ٥٦).
أ. د/ محمد السيد الجليند
стр. 502
١٢ - الفُسْطاط
أول عواصم مصر الإسلامية اختطها الفاتح العربى المسلم عمرو بن العاص سنة ٢٠هـ-٦٤٢م لتكون مقرا لولاة مصر المسلمين. تقع على الجانب الشرقى للنيل فى الفضاء المجاور لحصن بابليون، عند رأس الدلتا فى نقطة التقائها بجنوب الوادى. وقد ظلت العواصم المصرية تدورفى هذا الموقع وتنتقل فيه من موقع إلى آخر (ممفيس، بابليون، ثم العسكر، القطائع، القاهرة) ولكنها لم تخرج عنه إلا فى فترات عابرة فى التاريخ القومى (طيبة - الإسكندرية).
وفى بداية عهدها ضمت الفسطاط مسجدا جامعا يعرف بالجامع العتيق وتاج
الجوامع، وجامع عمرو هو أول جامع ينشأ فى إفريقيا، واختطت القبائل العربية التى تألف منها جيش القائد الفاتح حول الجامع ودار الإمارة، فاختير لكل جماعة "خطة" تنزل بها.
وعندما بنى العباسيون مدينة "العسكر" سنة ١٣٢هـ/٧٥٠م ثم أحمد بن طولون مدينة "القطائع" سنة ٢٥٤هـ-٨٦٨م إلى الشمال من "فسطاط عمرو" أصبح مجموع المدن الثلاث يمثل مدينة مصر، الفساط، وأصبح
هذا التجمع العمرانى أكثر وضوحا بعد بناء مدينة "القاهرة" الفاطمية سنة ٣٥٨هـ-٩٦٩م.
كانت الفسطاط تنقسم جغرافيا إلى قسمين: "عمل أسفل" و "عمل فوق"، وكان بكل منها مسجد جامع: جامع عمرو فى عمل أسفل وسمى لذلك بـ "الجامع السفلانى" وجامع ابن طولون فى عمل فوق وسمى لذلك بـ "الجامع الفوقانى". كان عمل أسفل يمثل المنطقة الجنوبية الغربية للفسطاط، ورغم
كونه أكثر رطوبة، فإنه كان يحوى أغلب مبانى المدينة الهامة، ففيه كان المسجد الجامع ودار الضرب والأسواق والقياسر، وظل هذا الحى الغربى للمدينة شاهدا على الأحداث الأليمة التى عرفتها الفسطاط طوال تاريخها.
أما الجزء الآخر للمدينة فكان يشمل مساحة كبيرة فى اتجاه الشرق ويمتد حتى المقابر القديمة فى سفح المقطم، وتمثل بركة الحبش الحد الطبيعى الجنوبى لهذا القسم من المدينة حيث توجد اليوم ضاحية القاهرة الجنوبية: البساتين، بينما لم يكن لهذا القسم حد معين؟ ففى ذروة ازدهار ونمو الفسطاط خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة/العاشر والحادى عشر للميلاد كان هذا القسم يمتد إلى ما يلى الخليج المصرى فى منطقة يصعب تحديدها تعادل ميدان السيدة زينب الحالى فيما وراء جبل يشكر، حيث يوجد
منذ القرن الثالث الهجرى/التاسع الميلادى جامع ابن طولون. كان هذا القسم فى الأساس حيا سكنيا رغم حرمانه من المراكز التجارية والحرفية التى كانت مركزة كلها فى القسم الآخر للمدينة القريب من مجرى النيل.
ورغم أن القسم الغربى للمدينة أو عمل أسفل قد دمر أكثر من مرة، إلا أنه كان يعاد بناؤه دائما ولم يفقد أهميته الاقتصادية والتجارية، وظل حتى نهاية العصر المملوكى حيث كان يعتبر المدينة الثانية للإقليم بعد القاهرة بسبب قربه من النيل. أما القسم الشرقى للمدينة أو عمل فوق فقد دمر تماما منذ النصف الثانى للقرن الخامس الهجرى/الحادى عشر الميلادى ولم يعاود سكنه بعد ذلك بسبب الأوبئة والمجاعات والاضطرابات التى اجتاحت مصر كلها فى هذه الفترة.
وبسبب ذلك فقد تخرب القسم الشرقى كله فيما عدا منطقة المشاهد بين المشهد النفيسى وباب زويله التى تمثل الضاحية الجنوبية للقاهرة الفاطمية.
وطوال العصر الفاطمى (٣٥٨ - ٥٦٧هـ/٩٦٩ - ١١٧١م) كانت الفسطاط تعد مدينة مصر الرئيسية ومركز نشاطها الاقتصادى والصناعى والعلمى، بينما كانت القاهرة هى مقر الحكومة الفاطمية ومركز الدولة الإدارى والسياسى والمعقل الرئيسى لنشر الدعوة الإسماعيلية، ويكون مجموع المدينتين العاصمة المصرية فى العصر الفاطمى.
وقرب نهاية العصر الفاطمى اجتاح الفسطاط حريق متعمد فى سنة ٥٦٤هـ/١١٦٨م، بناء على أوامر الوزير شاور السعدى، استمر أكثر من أربعة وخمسين يوما وأتى على أغلب المواضع الواقعة حول جامع عمرو، وعلى المناطق الشمالية الغربية المعروفة بالحقروات، بينما كانت المناطق
الشرقية قد تخربت كلية منذ أزمة منتصف القرن الخامس الهجرى/الحادى عشر الميلادى. ولم يأت عام (٥٧٢هـ/١١٧٦م) إلا وكانت هذه الأقسام قد أعيد بناؤها كما يذكر ابن جبير فى رحلته.
ورغم أن القاهرة فقدت مكانتها كمركز للحكم فى العصرالأيوبى، بعد بناء قلعة الجبل، وأخذت الأنشطة التجارية والحرفية تتسرب إليها، فإن قوة جذب الفسطاط كمركز صناعى واقتصادى ظلت كما هى حتى نهاية القرن السابع الهجرى/الثالث عشر الميلادى، بسبب قربها من مجرى النيل حيث كانت تلتقى عندها طرو التجارة القادمة من الإسكندرية والبحر الأحمر وداخل إفريقيا.
ولكن القاهرة بلغت أقصى ازدهارها كمركز تجارى وعلمى فى العصر المملوكى وخاصة فى زمن الناصر محمد بن قلاوون، وحلت تدريجيا محل الفسطاط التى لم يبق منها فى مطلع القرن التاسع الهجرى/الخامس مجر الميلادى إلا ما بساحل النيل وما جاوره إلى ما يلى جامع عمرو وما قرب منه، ودثرت أكثر خططها القديمة وتغيرت معالمها. ولم تجر أية محاولة للنهوض بالمدينة وإحياء دورها بسبب تحول طاقة التجارة المصرية ابتداء من عصر السلطان برسباى (٨٢٥ - ٧٤٢هـ/١٤٢١ - ١٤٣٨م) واعتمادها على تجارة البحر المتوسط بعد أن كانت حتى هذا الوقت تعتمد على تجارة البحر الأحمر عبر الطريق التقليدى (عيذاب - قوص - الفسطاط) وعلى الأخص بعد تخرب ميناء عيذاب نهائيا فى أواسط القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى.
وقد أدى ذلك بالضرورة إلى فقدان الفسطاط لأهميتها الاقتصادية وهجر الناس لها وتخربها نهائيا فى نهاية القرن التاسع الهجرى، وبالطبع لم يكن هذا ممكنا إلا بعد إنشاء ميناء آخر للعاصمة فى طرفها الشمالى الغربى هو ميناء (بولاق) الذى بدأ فى الظهور اعتبارا من سنة ٧١٣هـ-١٣١٣م ولكنه لم يلعب دورا فى الحياة الاقتصادية للمدينة إلا ابتداء من القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى.
أ. د/أيمن فؤاد سيد
стр. 503
١٣ - الفصاحة
لغة: مصدر "فصُح " بضم الصاد، وهى تنبئ عن الظهور والبيان. يقال: فصُح الصبح، وأفصح إذا ظهر ضوؤه واستبان، وفصح الأعجمى فصاحة إذا جادت لغته، فلا يلحن ولا تشوب لسانه لكنة. وفى القرآن الكريم حكاية عن موسى ﵇﴾ وأخى هارون هو أفصح منى لسانا ﴿(القصص ٣٤) أى أبين وأظهر منى قولا:
واصطلاحا: مصطلح بلاغى ارتبط فى بداية البحث البلاغى بمصطلح "البلاغة" دون فرق واضح بينهما، حتى جاء "أبو هلال العسكرى" الحسن بن عبد الله بن سهل (ت٣٩٥ هـ) فتحدث فى كتابه "الصناعتين" عن معناهما، وما بينهما من فروق. وبدأ بالحديث عن البلاغة فبيَّن أنها: إنهاء المعنى إلى قلب السامع فيفهمه، ثم ذكر اختلاف الناس فى الفصاحة على ثلاثة أقوال:
١ - قوم يطلقون الفصاحة على الإظهار والإبانة، وعلى هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد لأن كلا منهما يعنى الإبانة عن المعنى والإظهار له.
٢ - وقوم يرون أن الفصاحة تمام آلة البيان، وعلّى هذا فهى تختلف عن البلاغة، حيث تكون مقصورة على اللّفظ، دون الآلة تتعلق باللّفظ دون المعنى، والبلاغة هى إنهاء المعنى إلى القلّب فكأنها مقصورة على المعنى.
٣ - وقوم يذهبون إلى أن الكلام لا يسمى فصيحا إلا إذا جمع نعوت الجودة من وضوح المعنى، وسهولة اللفظ، وجودة السبك، والبعد عن الاستكراه والتكلف، واتصف مع ذلك بالفخامة وشدة الجزالة، فإذا جمع نعوت الجودة ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سُمِّى بليغا، ولم يسم فصيحا.
وجاء "الخفاجى" أبو محمد عبد الله بن محمد بن سنان (ت ٤٦٦ هـ) فتوسع فى الحديث عن الفصاحة، وفرق بينها وبين البلاغة، فجعل الفصاحة مقصورة على الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعانى، فلا توصف الكلمة الواحدة بالبلاغة، وإنما توصف بالفصاحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا، وجعل للفصاحة شروطا منها ما يوجد فى اللفظة المفردة، ومنها ما يوجد فى الألفاظ المنظومة. فأما التى توجد فى اللفظة المفردة فثمانية شروط:
١ - أن يكون تأليف الكلمة من حروف متباعدة المخارج.
٢ - أن يكون لتأليف اللفظة فى السمع حسن ومزية على غيرها.
٣ - أن تكون الكلمة غير متوعرة ولا وحشية.
٤ - أن تكون الكلمة غير ساقطة ولا عامية.
٥ - أن تكون جارية على العرف العربى الصحيح غير شاذة.
٦ - ألا تكون قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره.
٧ - أن تكون معتدلة ليست كثيرة الحروف.
٨ - ألا تكون مصغَّرة فى موضع التعظيم ونحوه.
وأما التى توجد فى الألفاظ المؤلفة، فالستة الأولى من شروط الكلمة المفردة، لما لها من علاقة بالكلام المؤلف، وأضاف إليها من الشروط ما يختص بالكلام المنظوم كوضع الألفاظ موضعها، والإيجاز، والوضوح وغير ذلك.
وسار "ابن الأثير" ضياء الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد الكريم (ت ٦٣٧ هـ) على نهج "الخفاجى، فتوسَّع فى دراسة الفصاحة وناقش بعض شروطه، وأتى بشروط لم يتحدث عنها، وعلى الجملة تعدُّ دراسته شرحا لما ذكره الخفاجى، وتعقيباً على بعض آرائه.
وانتهى الأمر إلى "الخطيب القزوينى" جلال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن (ت ٧٣٩ هـ) فضبط الحديث عن الفصاحة ونظمه بما لم يسبق إليه، وبيّن أن الفصاحة تقع وصفا للكلمة، وللكلام، وللمتكلم. ففصاحة الكلمة تكون بخلوصها من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفه القياس اللغوى. وفصاحة الكلام تكون بخلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد، مع فصاحة مفرداته.
وفصاحة المتكلم هى ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. ثم تحدث عن البلاغة، وبيّن أنها تقع وصفا للكلام وللمتكلم، ولا تقع وصفا للّكلمة، فبلاغة الكلام هى مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، وبلاغه المتكلم هى ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ. وعلى هذا فكل بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا.
وقد شرح الخطيب هذه المقاييس شرحا ضافيا مستعينا بالأمثلة الموضحة لما يقول، فجاءت دراسته للفصاحة والبلاغة خير الدراسات، وملكت زمام الفكر البلاغى وسيطرت عليه.
أ. د/ الشحات أبو ستيت
стр. 504
١٤ - الفصحى
لغة: وصف لمؤنث من " فَصُح " يدل على التفضيل، ومادة "فصح " تدور غالبا حول الخلوص والظهور والبيان، قال الراغب: الفَصْحُ خلوص الشىء مما يشوبه، وأصله فى اللبن. يقال: فَصُح اللبن، وأفصح، فهو مفصح وفصيح إذا تعرى من الرغوة. قال نضلة السلمى:
فلم يخشوا فصاحته عليهم وتحت الرغوةِ اللبن الفصيح
أى اللبن الخالص. ومنه استعير: فَصُح الرجل إذا جادت لغته، وأفصح: تكلم بالعربية. وقال تعالى:
﴾ وأخى هارون هو أفصح منى لساناً ﴿(القصص ٣٤) أى أبين وأظهر.
واصطلاحاً: اختلف العلماء فى المراد بالفصيح، فيرى كثيرون أنه ما كثر استعماله على ألسنة العرب الفصحاء. قال الجاربردى: فإن قلت ما يقصد بالفصيح؟ وبأى شىء يعلم أنه غير فصيح وغيره فصيح؟ قلت: أن يكون اللفظ على ألسنة الفصحاء الموثوق بعربيتهم أدور، واستعمالهم لها أكثر.
وقال السيوطى: والمفهوم من كلام "ثعلب " أن مدار الفصاحة فى الكلمة على كثرة استعمال العرب لها. فإنه قال فى أول "فصيحه ": هذا كتاب اختيار الفصيح مما يجرى فى كلام الناس وكتبهم، فمنه ما فيه لغة واحدة والناس على خلافها، فأخبرنا بصواب ذلك، ومنه ما فيه لغتان وثلاث وأكثر من ذلك، فاخترنا أفصحهن، ومنه ما فيه لغتان كثرتا واستعملتا، فلم تكن إحداهما أكثر من الأخرى، فأخبرنا بهما.
والمراد بالفصحاء الموثوق بعربيتهم هم الذين يستشهد بكلامهم من أهل الجاهلّية، والمخضرمين، ومتقدمى الإسلاميين حتى سنة ١٥٠ هـ تقريبا، ويختمون عند الأصمعى بإبراهيم بن هرمة فهو آخر من يحتج بشعره عنده.
ويرى بعض اللغويين أن الفصيح لا يخضع لكثرة الاستعمال ولا قلته، وإنما الفصيح ما أفصح عن المعنى واستقام لفظه على القياس، لا ما كثر استعماله، وليس كل ما ترك الفصحاء استعماله بخطأ، فقد يتركون استعمال الفصيح لاستغنائهم بفصيح آخر، أو لعلة غير ذلك.
وقد جمع البلاغيون بين الرأيين، فذكروا أن فصاحة الكلمة تكون بخلوصها من عيوب ثلاثة: تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس، فإن كانت الكلمة متنافرة الحروف مثل: "الهعخع" اسم لنبت، أو غريبة مثل: "تكأكأتم " أى اجتمعتم، أو مخالفة للقياس مثل:"الأجلل " فى الأجلّ، فهى غير فصيحة. ثم قالوا:
وعلامة كون الكلمة فصيحة: أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها.
والفصيح ليس علّى درجة واحدة، فله رتب متفاوته، فمنه الفصيح والأفصح، ونظير ذلك فى علوم الحديث تفاوت رتب الصحيح، ففيها صحيح وأصح. وكلام اللغويين يشهد بذلك.
ففى "ذيل الفصيح ": وتشديخ النخل- أى شق بسره- أفصح من التشقيح. ومجَّحَ العنبُ إذا بلغ- وطاب- أفصح من مَزَجَ- أى اصفر بعد الخضرة.
وفى "الصحاح ": ضربة لازب أفصح من لازم، وبُهت- بضم الباء- أفصح من بَهُت- بفتح الباء وضم الهاء أو كسرها.
" الصحاح: مادة: لزب، ومادة: بهت ".
ونقل السيوطى عن الجمهرة: البُرُّ أفصح من قولهم: القمح والحنطه. ونقل عن ابن خالويه فى شرح الفصيح: قد أجمع الناس جميعا أن اللغة إذا وردت فى القرآن فهى أفصح مما فى غير القرآن لا خلاف فى ذلك.
وخلاف الفصيح إما ضعيف أو منكر أو متروك. فالضعيف ما انحط عن درجة الفصيح، والمنكر أضعف منه وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه، والمتروك ما كان قديما من اللغات ثم ترك واستعمل غيره. وقد ضرب السيوطى أمثلة لكل ذلك.
وأجمع العلماء والرواة أن قريشاً أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وكانت مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروه إلى سلائقهم التى طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب.
وأفصح الخلق على الإطلاق سيدنا رسول الله ﷺ ، وروى أصحاب الغريب عنه ﷺ أنه قال "أنا أفصح العرب" ورووه أيضا بلفظ: " أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنى من قريش" وروى البيهقى فى شعب الإيمان عن محمد بن إبراهيم التيمى أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أفصحك! فما رأينا الذى هو أعربُ منك. قال: حق لى. فإنما أنزل القرآن على بلسان عربى مبين ".
أ. د/ الشحات أبو ستيت
стр. 505
١٥ - الفضيلة
لغة: الدرجة الرفيعة فى الفضل، والفضل ضد النقص، والفضيلة صفة يوصف بها السلوك الخيّر، وهى آتية بمعنى الزيادة فى الخير أو الإحسان، وكانت تعنى قديما أن فضيلة الشىء هى قوته التى يكون بها امتيازه أو كماله الخاص، كما يقال فضيلة السيف: إحكامه القطع.
وهذا معنى قديم يربط بين فضيلة الشىء وخاصيته.
واصطلاحاً: استعداد ثابت لممارسة الخير، أو أنها استعداد خاص للقيام بواجب معين أو عمل صالح معين.
وتستخدم الفضيلة فى المجال الأخلاقى إذا قصد بها صفات الكمال، وتعنى عادة فعل الخير، وتدخل ضمن موضوعات علم الأخلاق، والفاضل من غلبت فضائله رذائله، والخلق ينقسم إلى فضيلة هى مبدأ لما هو كمال، ورذيلة هى مبدأ لما هو نقصان، وقد يطلق على الفضيلة اسم القيمة الإيجابية، وعلى الرذيلة اسم القيمة السلبية، والقيمة بوجه عام تتجه نحو تحقيقها حسب قواعد معينة دقيقة، ومن هنا قيل إن علم الأخلاق من العلوم المعيارية.
وعلامة الفضيلة عند العرب، شأنها شأن كل فكر أخلاقى آخر، هى استحقاق المدح، مثلما نستدل على الرذيلة بما تثيره من لوم وذم. فالمدح فى الحقيقة هو وصف الموصوف بأخلاق يحمد صاحبها عليها، ويكون نعتا حميداً. وقد امتدح العرب فضائل الجود والسخاء والكرم والإيثار، وذمّوا الرذائل التى تقابلها.
وقد ذكر العرب الفضائل فى الآداب والأمثال والحكم والخواطر والتاريخ الثقافى والاجتماعى على وجه العموم، وفى الفكر الفلسفى والدينى على وجه الخصوص، ومن أشهر المؤلفات التى وضعت لشرح الفضيلة كتاب "سلوك الملوك فى تدبير الممالك "لأحمد بن محمد بن الربيع، وضعه للخليفة المعتصم العباسى، تناول فيه فضائل الإنسان الرئيس الذى يشغل أكمل المراتب الإنسانية. وكتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق " لمسكويه" أوضح فيه الحرص الطبيعى للإنسان على الخيرات طلبا للسعادة بمختلّف أنواعها، وكتاب "ميزان العمل" للغزالى، الذى يصف فيه الفضائل الأخلاقية، وكتاب "أدب الدنيا، والدين للماوردى" وغيرها.
والتخلق والتشبه بالأفاضل ضربان: ضرب محمود، وذلك ما كان على سبيل الارتياض والتدريب، يتحراه صاحبه سرا وجهرا على الوجه الذى ينبغى، وبالمقدار الذى ينبغى، وضرب مذموم، وهو ما يفعله على سبيل الرياء، لا يستهدف صاحبه من ورائه إلا التصنع والرياء فقط.
وقد تتشابه الفضائل مع السجايا والشيم، إلا أن بعض علماء الطب زعموا أن السجايا تابعة لمزاج البدن، فزعموا أن الغضب يكثر بكثرة المرة الصفراء، ويضعف بقلَّتها، وتكثر الحرارة والشجاعة مع وفور الدم وتقل لقلته، وإذا اعتدل مزاج الإنسان اعتدلت أخلاقه، فكانت فضائل، إذا تجاوزت الاعتدال إلى زيادة أو نقصان خرجت عن الفضائل إلى الرذائل.
والفضائل توسط محمود بين رذيلتين مذمومتين، من نقصان فيكون تقصيراً، أو زيادة تكون إسرافاً، فيكون فساد كل فضيلة من طرفيها، فالعقل واسطة بين الدهاء والغباء، والسخاء واسطة بين التقتير والتبذير، والشجاعة واسطة بين الجبن والتهور، والحياء واسطة بين الخلاعة والحصر، والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب، والحلم واسطة بين إفراط الغضب ومهانة النفس، والعفة واسطة بين الشَّرَه وضعف الشهوة، والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس.
ومن هنا ارتبطت الفضيلة بالعدل، لأن العدل نتيجة الفضائل، وهى مقدرة به، وفضيلة الشىء هو اعتداله، ومتى كانت النفس معتدلة كان شوقها نحو تحصيل الفضائل. وسعادة النفس فى كمالها، وتكميلها يكون باكتساب الفضائل كلها وهى وإن كانت كثيرة إلا أنها تجمعها فضائل أساسية. وهناك من رأى أن الفضائل نوعان: مكتسب وفطرى.
الأول: يحتاج إلى زمان وتدرب، وممارسة ويتقوى فيه الإنسان درجة درجة، ويختلف البشر حسب قدرتهم على الأكتساب بحسب اختلاف الطبائع والذكاء والبلادة.
والثانى: فطرى يحصل بفضل إلهى كأن يولد إنسان فيصير من غير تعليم البشر فاضلاً، مثل الأنبياء الذين حصلت لهم المعارف من غير ممارسة أو اكتساب. والفضيلة المكتسبة تأتى بالتدرب والتعود، أما من كان فاضلاً بالفطرة فهو كامل الفضيلة. والعلم ضرورى لاكتساب الفضائل حتى يعلم الإنسان حسنها ويفعلها، ويعلم قبح الرذائل ويجتنبها.
وبعد معرفة أصول الفضائل وحقيقتها وجزاء العمل بها، لابد أن يتعّود الإنسان على فعلها، وتكرار الفعل، حتى تصير هذه الأفعال عادة تصدر عنه بلا روية وتفكير، أى تصير ملكة تصدر عن الإنسان دون تكلف. هنا يسمى المتمتع بها إنساناً فاضلاً لأنه فعل الفضيلة بما يقارب الفطرة. وهناك من رأى أن المقصود بالفضيلة هى الفضيلة الجسمية، وأن يكون المرء صحيح البدن، إلا أن البدن بمثابة الآلة للصانع، والسفينة للربَّان؛ لا تصلح بغير فضائل النفس.
أ. د/ منى أبو زيد
стр. 506
١٦ - الفطرة
اصطلاحاً: كلمة "الفطرة" تدل على معنيين رئيسيين هما: الجبلة التى ولد عليها الإنسان والصفة التى يتصف بها كل موجود فى أول زمان خلقته، والمعنى الثانى هو الدين (١).
والمعنى الأول يدور حول عدة معان تتعلق بالخلق والابتداء والاختراع للموجودات التى أحدثها الله تعالى وجبلها على طبيعة أو طبائع خاصة، فقد فطر الله الإنسان على السلامة خلقة وطبعا وبنية، ليس معها كفر ولا إيمان ولا إنكار ولا معرفة (٢)، أى أنها خلقة قابلة للإنكار والمعرفة، والكفر والإيمان، ومتهيئة للسعادة والشقاوة وغير ذلك. فهى مجرد جبلة أو استعداد فطرى لقبول الدين (٣).
ومن هنا كان لدى النفس الإنسانية استعداد لقبول الخير وقبول الشر، فليست النفس شريرة بطبيعتها، والذى يفلح هو الذى يتوجه بها إلى الخير، يقول سبحانه﴾ ونفس وما سَوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها ﴿(الشمس ٧ - ١٠).
أما المعنى الثانى للفطرة فإنه يدور حول معانٍ عدة تتعلق بالدين والتدين؛ فالفطرة هنا يقصد بها الإيمان بالله ، والإقرار بمعرفته وربوبيته، والإيمان بدينه وإسلامه؛ فكل إنسان مولود على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، ولو ترك على هذه الطبيعة لاستمر عليها، ولزمها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد؛ وكل مولود يولد على معرفة الله تعالى والإقرار به، فلا نوجد أحدا فى هذه الدنيا إلا وهو يقرُّ بأن له صانعا، وإن سماه بغير اسمه، ولو عبد معه غيره (٤). وفى هذا الصدد نجد القرآن الكريم يقول:﴾ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴿(الزمر٣٨).
فإلانسان يقر ويعترف بأن الله تعالى هو رب كل شىء وخالقه، وهذا هو ما يُسمَّى بتوحيد الريوبية، وهو نوع من التوحيد لا نزاع فيه. كما أن الإنسان مفطور على التدين، فالدين فطرته التى قال الله عنها:﴾ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿(الروم ٣٠)
وقد ذكر القرآن الكريم أن هناك عهدا وميثاقا أقر فيه الإنسان بمعرفة الله تعالى، وهو العهد الذى أخذه الله سبحانه على عباده وهم فى أصلاب آبائهم، حيث مسح ظهر آدم، فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعا ومدبرا حكيما؛ يقول تعالى:﴾ وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ﴿(الأعراف ١٧٢ - ١٧٣).
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) (رواه مسلم) (٥)
ويقول النبى ﷺ راويا عن ربه: (إنى خلقت عبادى حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما حللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا). (٦)
وقد قيل: إن الفطرة هى دين الإسلام، وهو المعروف عند عامة السلف وقد أجمع أهل التأويل فى تأويل قول الله ﴾ فطرت الله التى فطر الناس عليها ﴿على أن فطرة الله دين الله الإسلام (٧).
والمقصود به هنا دين التوحيد الذى نزل على كافة الرسل- عليهم الصلاة والسلام- أو الاستعداد لقبول هذا الدين.
وهكذا يتبيَّن من دلالة الكتاب والسنه والآثار واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون على دين الله الذى هو معرفته به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها إن لم يحصل ما يعارضه ويقتضى حصول ضده، وأن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط بل على انتفاء المانع؛ فإذا لم يوجد فهو لوجود منافيه لا لعدم مقتضيه؛ ولهذا لم يذكر النبى ﷺ لوجود الفطرة شرطا بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويُمَجسِّانه) فحصول هذا التهويد والتنصير موقوف على أسباب خارجة عن الفطرة، وحصول الحنيفية والإخلاص ومعرفة الرب والخضوع له لا يتوقف أصله على غير الفطرة وإن توقف كماله وتفصيله على غيرها.
وتعد الفطرة من أهم الأدلة على وجود الله تعالى، فالكون بما فيه مفطور على الاعتراف بوجود الخالق إلا من غلبت عليه الشقاوة والغباوة، ووجود عبادات لبعض الموجودات التى خلقها الله سبحانه تؤكد على صحة القول بالفطرة الدينية.
أ. د/ محفوظ عزام
стр. 507
١٧ - الفقه
لغة: فهم غرض المتكلم من كلامه. وعند الإمام الغزالى والآمدى أنه يطلق على الفهم مطلقا سواء أكان المفهوم دقيقا أم غير ذلك وسواء أكان غرضا للمتكلم أم غير ذلك. وعند الشيرازى وآخرين أنه يطلق على الأشياء الدقيقة فقط. وعند الحسن البصرى هو فهم غرض المتكلم من كلامه فقط. ويقال فَقه بكسر القاف وفتحها أى صار فقيها أى عَالماً بالفقه (علم الدين) وتفقه أى صار عالماً (١).
واصطلاحا: له عدة تعريفات أحدها: أنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
والثانى: أنه معرفة الأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد.
والثالث: هو الظن فى الأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد. ولأن الأحكام التى طريقها الاجتهاد غاية المجتهد فيها حصول ظن غالب له بما يعتقد منها فالواجب أن يقال الظن ولا يقال العلم ولا المعرفة.
والرابع: هو معرفة جملة غالبة من الأحكام الشرعية، ومؤدى ذلك أن المقصود من الفقه العلم بجميع الأحكام على سبيل الملكة والتهيؤ لمعرفة أى حكم من الأحكام. وعلى هذا فإنه لا يشترط علم المجتهد بجميع الأحكام وإنما يشترط التهيؤ لمعرفة أى حكم من الأحكام. وقيل: هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفى الذى يتعلق به الحكم. وهو علم مستنبط بالرأى والاجتهاد ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل.
ووردت تعريفات مادة فقه فى القرآن الكريم بالمعنيين اللغوى والاصطلاحى فى مواضع كثيرة منها قوله تعالى على لسان موسى ﵇:﴾ واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى ﴿(طه ٢٨). وقوله :﴾ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴿(النساء٧٨) وقوله جل وعلا:﴾ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴿(التوبة ١٢٢) وغيرها من الآيات الكريمة.
أ. د/ سعاد صالح
١ - المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية ٢/ ٣٢٤ دار المعارف، ط٣ لسان العرب، ابن منظور، مادة (فقه)، دار صادر بيروت.
стр. 508
١٨ - فقه اللغة
اصطلاحاً: أطلقت هذه التسمية فى مجال الدراسات العربية القديمة على كل ما يخصُّ الدرس اللغوى، ووضع لها الأوربيون مصطلحاً Philologie وأصل الكلمة مركب من Logost philos أى حب اللغة الذى يدفع إلى علمها أو فقهها.
ويشيع فى مجال الدراسات اللغوية مصطلحان هما: علم اللغة، وفقه اللغة، وقد غلبت التسمية الأولى حديثا على فروع الدراسات اللغوية فى مقابل المصطلح الأجنبى: Linguistique الذى تنضوى تحته عدة مصطلحات دالة على المواد التى يدرسها المتخصصون فيها، كعلم الأصوات Phonetique وعلم الأصوات التشكيلى Phondogie، وعلم الدلالة sémantique الخ:
ولا شك أن كلا المصطلحين: (علم اللغة وفقه اللغة) قديم الاستعمال فى الثقافة العربية، ولم يكن القدماء يفرقون بين مفهومى العبارتين، فقد ورد كلاهما فى عناوين المؤلفات اللغوية مثل: (الصاحبى فى فقه اللغة وسنن العرب فى كلامها) لأحمد بن فارس (ت ٣٨٥ هـ)، ومثل: (فقه اللغة) لأبى منصور الثعالبى (ت ٤٢٩ هـ) وهو معدود فى معاجم المعانى، وجاء كذلك كتاب (المزهر فى علوم اللغة وأنواعها)، وهو أحدث من سابقيه ظهورا، فقد ولد السيوطى (سنة ٨٤٩هـ)، وتوفى سنة (٩١١ هـ)، ويؤخذ من سلوك القدماء تجاه مصطلح فقه اللغة أنهم يقصدون به كل ما يتصل باللغة ماعدا الأصوات والصرف والنحو غالبا، ومن أبرز ما وصل إلينا معبرا عن هذا الاتجاه كتاب (الخصائص) لأبى الفتح عثمان بن جنى
فأما المحدثون فقد ضيقوا مفهوم (فقه اللغة)، حيث تعاملوا من خلال المفهوم الغربى لمصطلح Philologie، وهى كلمة إغريقية تعنى على الترتيب:
١ - معرفة الأدب الجميل ودراسة نصوصه.
٢ - دراسة لغة معينة بالتحليل النقدى لنصوصها، وكان الرومان والجرمان فى القرن التاسع عشر يحصلون على شهادات فى النمو والفيلولوجيا.
٣ - الدراسة الشكلية للنصوص فى المخطوطات، وهو ما نطلق عليه (تحقيق النصوص).
ولا مانع من أن يقصد مصطلح (فقه اللغة) هذه الأبواب من المعرفة اللغوية والأدبية، فهى داخلة فى مفهوم فقه العربية الشامل لغة ونصا وتحقيقا.
ويعتبر أصحاب المعاجم كالخليل، والأزهرى، وابن دريد، وابن سيده، وابن منظور، والفيروز آبادى وغيرهم من أفقه العلماء باللغة، وكذلك علماء اللغة كسيبويه، والكسائى، والفراء، والأخفش، وابن جنى، وأبى على الفارسى، وغيرهم من أصحاب المصنفات اللغوية.
وعلى نفس الدرب نجد جمهرة مفسرى القرآن، والحديث؛ لأن معالجة نصوصهما تحتاج إلى مستوى من المعرفة الشاملة، وهو ما تميز به علماء السلف الذين رفعوا لواء المعرفة الإسلامية فى كل العصور.
أ. د/ عبد الصبور شاهين
стр. 509
١٩ - الفن
تعنى كلمة (الفن) مجمل الوسائل، والمبادىء التى يقوم الإنسان بواسطتها بإنجاز عمل يعبر عن مشاعره وأفكاره، فالعمل الفنى تجسيد لفكرة ما بأحد الأشكال التعبيرية.
والتعبير الفنى قائم بالفطرة الإنسانية منذ بدء الخليقة، فأقدم نموذج عرفة التاريخ هو تمثال لامرأة عارية من الحجر الجيرى، عثر عليه فى النمسا، ويعرف باسم "فينوس ويللندوروف" ويرجع تاريخه إلى خمس وعشرين أو خمس وثلاثين ألف سنة، وهى الفترة التى يطلق عليها العصر الحجرى، أو ما قبل التاريخ، والتى تنتهى مع بدايات التقويم الحالى، فقد كان الفن هو اللغة السائدة بين البشر قبل أن يعرف الإنسان الكتابة ويستخدمها فى التعبير.
والفن وثيق الارتباط بالتقدم الاجتماعى وبالعقل الإنسانى الذى كلما تقدم باتساع معرفته، تأثر نتاجه بنفس هذا التقدم والأتساع.
ومن هنا كان الارتباط للفن بالحضارات إذ أنه يمثل مختلف قيمها ورقيها الفكرى والتعبيرى، وبالتالى أصبح لكل حضارة فنها الذى يحمل سماتها المميزة، لأنه يمثل الشكل الذى أضفاه الإنسان على تطلعاته ومشكلاته عبر مشواره الطويل فى البحث عن المعرفة والسيطرة والتعبير عن أحلامه ومخاوفه، لذلك نجد أن الفن يمثل فى كل مجتمع إنسانى عنصرا أساسيا من العناصر المكونة للعقائد والطقوس، والأعراف الأخلاقيه والاجتماعية، فهو يقع فى مفترق الطرق بين الفكر العلمى والفكر الفطرى، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبين الواقع والأمل، لذلك لايمكن فهم وإدراك الفن بعيدا عن إطاره الاجتماعى وبيئته الزمانية.
وانطلاقا من ارتباط الفن بالحضارات يتم تقسيم تاريخ الفن وفقا لحقبات تطورها إجمالا، حيث إن التطورالإنسانى لا يخضع للتقويم الدقيق وإنما لمراحل إنجازاته وتآثيرها على المجتمع.
وقد جرى العرف على تقسيم الحضارات بفنونها على النحو التالى:
أوروبا الغربية من عصرما قبل التاريخ إلى الفن السلى.
الشرق القديم، مصر القديمة، كريت، اليونان، الفن الفارسى (وقد ضمت هذه الحقبة عصر جوستينيان ومعركة الايقونات (تحريم التصوير) بين اليهودية والمسيحية) فن الاستب، الفن الأتروسكى، الفن الرومانى، الفن المسيحى القديم، الفن االبيزنطى، الفن الإسلامى، الفن الأوروبى القديم، الفن القوطى، الفن فيما بين القرن الثالث عشروحتى المدرسة التكلفية، الفن الباروكى والروكوكو، من الكلاسيكية الجديدة إلى أواخر القرن التاسع عشر مرورا بمذاهب الانتكائية والرومانسية والواقعية والتأثيرية والرمزية والفن الجديد وما بعد التأثيرية والتعبيرية.
أما الفن فى القرن العشرين فقد بدأ بأزمة انعكست على الفن بفصل الشكل عن المضمون، وعرف هذا الاتجاه بالفن الحديث أو الفن التجريدى، وتنعكس هذه الأزمة على مئات المذاهب الفنية والتيارات التى تشابكت وتكررت بأسماء مختلفة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الحوشية والدادية والتكعيبية والتأليفية والمستقبلية والسريالية واللافن واللاشكل. وفن الكولاج (اللصق) وفن القمامة وفن الخردة وما إلى ذلك.
وينتهى هذا التقسيم الإجمالى للفن بالفنون الشعبية والفن الأفريقى والفن الهندى والفن فى جنوب شرق آسيا وفى الصين وفى كل من فيتنام وكوريا وفى اليابان والفنون فى أوتيانيا، لينتهى بالفن لدى هنود الأمريكتين.
لقد قام الفن الكريتى واليونانى على أسس وانجازات الفن المصرى القديم وكامتداد له. كما يعتبرالفن الإسلامى وحضارته هو همزة الوصل نين العالم القديم والعالم الغرربى الحديث وتميز بتنوع شديد فى أساليبه وتفاصيله وتعرض لمختلف المجالات الفنية سواء أكانت من الفنون الأساسية أو من
الفنون التطبيقية.
ويتسم الفن الإسلامى إجمالا ناتجاهين أساسيين رغم تباعدهما شكلا، وهما الاتجاه القائم على الفنون لممارسة فى الأقطار والحضارات التى امتد إليها الإسلام حيث أثر الإسلام فى تلك الفنون دون إلغائها، والاتجاه القائم على الأشكال المجردة النباتية أو الهندسية، وهو خط جديد مرتبط بالرؤية الكلية للمسلمين للإنسان والكون والحياة، متأثرا بالفلسفة الإسلامية، وبأفكار المتصوفة المسلمين ويمكن تلخيصه بعبارة (المركز فى الإشعاع) إشارة إلى الخالق والمخلوق، وهو كلا يمثل فرقا جوهريا بين المدارس التجريدية
فى الغرب التى تفرض العبث والضياع ولبين التجريد فى الفن الإسلامى القائم على الربط بين الإنسان وخالقه، لأن استبعاد المضمون عن الفن هو فى الواقع استبعاد للوجود الإنسانى برمته.
وأهم ما يميز الفن الإسلامى فى الفنون الأساسية هو: العمارة الدينية المتمثلة فى المساجد والمدارس والأسبلة، وكل ما يتعلق بهذا الجانب، والعمارة المدنية من قصور ومنشأت عامة وأسواق وحمامات ومدافن، والعمارة العسكرية من قلاع وحصون وأسوار. ووصلت براعة الفنان فى النقوش والزخارف التى تكسوها إلى درجة مذهلة سواء فى دقة تناوله ومعالجته الفنية للمواد الصلبة كالرخام والحجز أو فى فن الفسيفساء ولوحاته الجدارية التى وصلت ألوان بعضها إلى تسعة وعشرين لونا مختلفا، وهو رقم غير مسبوق انذاك.
ومن أهم إنجازاف الفن الإسلامى وإسهاماته فن الخط العربى بإمكانيات تشكيلاته اللانهائية، وفن المنمنمات، وفن الكتب والأغلفة، والمصاحف وزخارفها، ويمثل فن الخزف والأوانى ذات البريق المعدنى، وفن الزجاج ملمحا متميزا إلى جانب فن المعادن والعاج والحلى والأحجار الكريمة والنسجيات بمجالاتها المختلفة من سجاد وملبوسات.
أ. د/زينب عبد العزيز
стр. 510
٢٠ - الفنون الأدبية الحديثة
١ - القصة: وتتنوع إلى قصة، وأقصوصة، ورواية، ومسرحية.
القصة
وتدور حول حادثة يمكن أن توضع لها حكاية، ولا بد فيها من البناء الفنى، الذى تطرد فيه المواقف مؤسسا بعضها على بعض، ومرتبطا بعضها ببعض، بحيث تنمو شيئا فشيئا حتى تصل إلى أزمة يصل عندها التعقيد إلى غايته، ثم يكون الحل.
- ولابد فيها من وجود الشخصيات- التى يصورها كاتب القصة- أو يدعها تتحدث أحيانا، وذلك فى إطار حياة كل منها وتفكيره وشعوره أو يتصور كل شخصية وينطقها بما يلائمها من القول أو يسند إليها ما يلائمها من القول.
القصة القصيرة:
اصطلاحا: قصة تتخفف من الإطالة- حتى تظهر أحيانا فى صورة الأقصوصة- التى تميل إلى الإيجاز المسرف. وهى تمثل استجابة الفن القصصى لسرعة حركة الحياة الحديثة وتعقدها.
الرواية:
اصطلاحا: عمل فنى فيه تؤدة وأناة، تعرض قطاعات من الحياة والمجتمع الإنسانى. وهى بهذا تميل إلى الطول، وكثرة الأحداث والمواقف وتعقدها، وقد كتبت الرواية لتقرأ، وليقضى فيها الساعات الطوال ويستطيع الكاتب أن يستغل هذه الميزة فيها، فيكتب عن حياة عدد من الشخصيات.
المسرحية:
اصطلاحاً: هى نوع من أنواع الفن القصصى تتميز بأنها كتبت أصلاً للمسرح، أو كتبت وفى ذهن مؤلفها أنها تصلح لكى تمثل.
وكاتب المسرح لا يطمع فى أكثر من فترة زمنية محدودة يقضيها المشاهد معه ولهذا كانت محدودة الزمن ومع ذلك يجد القارئ فيها متعة ويستمتع بها رواد المسرح إذ يمكن أن تعرض على خشبة المسرح.
٢ - ترجمة الحياة:
اصطلاحاً: هى الكتابة عن أحد الأشخاص البارزين لجلاء شخصيته، والكشف عن عناصر العظمة فيها، وبيان العوامل التى أثرت فى هذه الشخصية. وترجمة الحياة: عملية فنية، تجمع بين عمل المؤرخ من جهة ارتباطها لسيرة إنسان عاش بينها وبين إنسان عاش فى زمن بعينه، ولكن مثل هذه الكتابات لا تكون نهاية، ويمكن إعادة الكتابة فيها.
فإذا كانت الشخصية قد سبق أن ترجم لها فى أزمان مختلفة، فهناك المبررات التى تجعل من حق الكاتب الترجمة لها من جديد. أما فى حالة الأشخاص الذين لم تسبق ترجمة حياتهم، فمبرر الترجمة لهم واضح، ما دامت الوثائق والشواهد المطلوبة فى متناول يد الكاتب.
والعقاد أول كاتب يكتب لنا ترجمة فنية يتجلى فيها الذكاء والمهارة والخبرة مثل العبقريات.
٣ - المقال:
اصطلاحاً: هو فن أدبى ظهر حديثا فى أدبنا العريى مع ظهور الصحافة وهو قريب مما عرف فى الأدب العربى القديم بفن الرسالة.
والمقال يتميز بالقصر، لأنه لا يحاول أن يشمل كل الحقائق والأفكار المتصلة بالموضوع، ولكنه يختار جانبا مهما من الحياة ليتحدث عنه.
والمقال ليس حشوا للمعلومات وليس هدفه أن ينقل المعرفة، بل لابد أن يكون إلى جانب ذلك مشوقا.
والمقال يتنوع إلى مقال أدبى، ومقال علمى، ومقال سياسى، ومقال اجتماعى، ومقال نقدى، إلى غير ذلك من الأنواع ومجاله الصحافة.
أ. د/ محمد سلام
стр. 511
٢١ - الفُؤَاد
لغة: القلب، أو: نياطه، أو: وسطه، أو: حبته وسويداؤه، أو: غشاؤه، وقيل: العقل. فهو إذن وثيق الصلة بالقلب، سواء بمعناه العضوى التركيبى أو بمعناه المعنوى الشامل. وفارغ الفؤاد: من لا هم عنده ولا حزن، قال تعالى:﴾ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ﴿(القصص ١٠)، أى فارغاً من الخوف والغم، لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدم من الوحى إليها.
واصطلاحاً: هو القلب المعنوى للإنسان، أو بعبارة أكثر تجريدا: هو ذلك العضو الذى ترتبط به كل مشاعره وأحاسيسه وإدراكاته. ونحن نعرف أن القلب يستخدم فى القرآن الكريم للدلالة على ما نعرفه الآن فى فهمنا الطبى والنفسى والفلسفى على أنه العقل. وقد وردت كلمة فؤاد ست عشرة مرة فى القرآن الكريم، خمسا مفردة، وإحدى عشرة بالجمع "أفئدة"، وكانت فى سبع مرات معطوفة على السمع والبصر، وذكرت أبصار معطوفة على أفئدة مرة واحدة.
وقد تكرر ورود السمع والبصر والفؤاد بهذا الترتيب فى القرآن، فهى وسائل الإنسان إلى المعرفة، وبها يهتدى الإنسان إلى الحق، ومن ثم فإن عليه أمانة ومسئولية﴾ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ﴿(الإسراء٣٦).
ومن الجدير بالذكر أن الإنسان يكتسب هذه الملكات تباعاً، فالسمع يعمل فى الجنين وهو فى رحم الأم، بينما البصر لا يبدأ إلا بعد الميلاد، أما إدراك القيم والنشاط الوجدانى فتالٍ لهما بطبيعة الحال، يقول تعالى:﴾ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴿(النحل ٧٨)، ويقول﴾ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ﴿(السجدة ٩) وكذلك (الملك ٢٣).
ويتأكد معنى آخر للفؤاد من استعمال القرآن الكريم لفظ فيما نعبر عنه الآن بالوجدان والبصيرة، كما فى قوله تعالى:﴾ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ﴿(هود ١٢٠) أى قلبك، وهو هنا القلب المعنوى لا العضلى. وقوله تعالى:﴾ وأفئدتهم هواء ﴿(إبراهيم ٤٣) أى خالية لا تفكر، ويمكن أيضا فهم هذا النص على أنها متأثرة بالأهواء المختلفة.
وورد لفظ " قلب " مفردا، أو مثنى، أو جمعا فى القرآن الكريم (١٣٢) مرة. واستعمال "قلب " على المعنى المعنوى والقيمى أو المجازى شائع فى كل اللغات، وهو الجارى أيضا فى المصطلح القرآنى، وأساس ذلك الصلة الوثيقة بين القلب العضلى وبين المشاعر والعواطف والأحاسيس، فأثر الجهازين العصبيين السمبتاوى (الودى) وغير السمبتاوى (اللاودى) على وظيفة القلب معروف، وكذلك أثر الهرمونات والمواد الأخرى التى تبعثها الانفعالات والضغوط والكروب، مما يجعل القلب محلا لكل ذلك ومناطا له.
وعلى هذا المجاز جعل القرآن الكريم قلب الإنسان موضعا للهدى، والتقوى، والطهارة والسكينة، والاطمئنان، والخشوع، والإخبات، واللين، والوجل، والرأفة، والرحمة، والألفة، ووصفه بالسلامة والإنابة، كما جعله موضعا للضلال، والإثم، واللهو، والزيغ، وحمية الجاهلية، والرعب، والريب، والقسوة، والغلظة، والغل، والغيظ، والحسرة، ووصف بالمرض والعمى والطبع والختم والإغفال، وبأن عليه أقفالا وأكنَّة.
ومن المفسرين مَنْ لا يرى التفريق بين القلب العضوى والتركيبى وقلب مجازى معنوى، ويرون أن القلب العضوى العضلى هو ذاته موضع تلّك الأحاسيس والصفات التى ذكرت، وأن القلب دون المخ هو المنوط بتلك الوظائف، ويستشهد هؤلاء بقوله تعالى:﴾ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ﴿(الحج ٤٦)، وهو رأى لا يؤيده الواقع الملموس فى العمليات الجراحية التى نزع فيها القلب العضوى تماما واستعيض عنه بمضخة آلية، عرفت باسم القلب الاصطناعى، تعمل بالطاقة، وعاش بها المرضى فترات دون أن يفقدوا تلك المشاعر والأحاسيس والمدارك.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 512
٢٢ - الفىء
لغة: مصدر فاء يفىء بمعنى رجع، فالفىء هو الرجوع كما فى المعجم الوسيط (١).
واصطلاحا: ما يرجع من أموال الكافرين إلى المسلمين بدون قتال ولا ركوب خيل، وقد ذكره الله فى كتابه: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شىء قدير﴾ الحشر:١٦، وذلك مثل الأموال المبعوثة مع رسول إلى إمام المسلمين، والأموال المأخوذة على موادعة أهل الحرب (٢) والفرقي بينه وبين الغنيمة من جهتين:
١ - أن الغنيمة تكون بالحرب وإيجاف الخيل، والفىء يكون بدون ذلك.
٢ - أن تقسيم الغنيمة يختلف عن تقسيم الفىء، مع أن الجميع من أموال الكافرين.
وقد شرعه الله تعالى لمحمد ﷺ وأمته قال تعالى ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ الحشر:٧، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ وكانت للنبى خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقى يجعله فى الكراع والسلاح.
وقد اختلف الفقهاء فى قسمة الفىء فقال قوم: أن الفىء لجميع المسلمين، الفقير والغنى، وإن الإمام يعطى منه للمقاتلة وللحكام وللولاة، وينفق منه فى النوائب التى تنوب المسلمين، كبناء القناطر وإصلاح المساجد، وغيرذلك، ولا خمس فى شىء منه، وبه قال الجمهور-عدا الشافعى- وهو الثابت عن أبى بكر وعمر (٤) وهذا هو المعنى العام للآية الكريمة، حيث بينت أنه لله وللرسول، فما لله فهو لمصالح المسلمين، وما للرسول فهو لنفقته ﷺ فى حياته، ثم لمصالح المسلمين بعد مماته، وكذلك ذووا القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فلم يبق أحد من المسلمين إلا وله حق فى مال الفىء.
أما الشافعى فيرى أن الفىء يخمس أى يقسم على خمسة أسهم: سهم منها يقسم على المذكورين فى آية الفىء وهم أنفسهم المذكورون فى آية الغنيمة، وأربعة أخماس لرسول الله ﷺ ، واجتهاد الإمام بعده، ينفق منه على نفسه وعلى عياله ومن يري.
والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول الشافعى فى القديم: أن الفىء لا يخمس وإنما كله لرسول الله ﷺ ومن ذكروا معه فى قوله ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان .. ﴾ الحشر:١٠.
فيكون عاما لجميع المسلمين بناء على اجتهاد الإمام، قال ابن المنذر: ولا نحفظ من أحد قبل الشافعى فى الفىء الخمس كخمس الغنيمة (٥) وقد روى أن عمر لما قرأ آية الفىء قال: "استوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فى هذا المال حق" (٦).
وعلى قول الشافعى يقسم الفىء على خمسة أسهم:
الأول: لله وللرسول ﷺ ينفق منه على نفسه وأهله وما فضله جعله فى سائر المصالح.
الثانى: لذوى القربى (بنى هاشم وبنى المطلب).
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لأبناء السبيل.
والأخماس الأربعة الباقية بعد تقسيم الخمس لرسول الله ﷺ فى حياته، ولمصالح المسلمين بعد مماته توضع فى بيت المال ويصرف فى مصالح العامة. (٧).
والخلاف بين الشافعى والجمهور بسيط لأن كليهما يعود إلى مصالح المسلمين فى حياته وبعد مماته ﷺ كما رأينا.
وقد ذكر البهوتى من الحنابلة ما يؤكد ذلك فى بيانه لمعنى الفىء وموارده ومصارفه فى الفقرة التالية:
وموارد الفىء عديدة منها:
١ - ما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب كما سبق.
٢ - الجزية.
٣ - الخراج.
٤ - زكاة نصارى تغلب.
٥ - عشر مال تجارة الحربى.
٦ - نصف العشر من تجارة الذمى.
٧ - ما تركه الكافرون فزعا وهربا.
٨ - خمس خمس الغنائم.
٩ - مال من مات منهم ولا وارث له.
١٠ - مال المرتد إذا مات على ردته.
ويصرف كل ذلك الفىء فى مصالح المسلمين للآيتين، ولهذا لما قرأ عمر الآيات (٧ - ١٠) من سورة الحشرقال: "هذه استوعبت المسلمين"، وقال: أيضا "ما من أحد من المسلمين إلا له فى هذا المال نصيب إلا العبيد".
وذكر أحمد الفىء فقال: فيه حق لكل المسلمين، وهو بين الغنى والفقير، ولأن المصالح نفعها عام، والحاجة داعية إلى فعلها تحصيلا لها، ويبدأ بالأهم فالأهم من المصالح العامة (٨).
أ. د/محمد نبيل غنايم
стр. 513
١ - القاف ية
اصطلاحاً: هى الحروف التى تبدأ بمتحرك قبل أول ساكنين فى آخر البيت الشعرى وهى إما بعض كلمة أو كلمه، أو كلمة وبعض أخرى أو كلمتان.
علم القافية: هو علم يعرف به أواخر الأبيات الشعرية من حيث ما يعرض لها من حركة وسكون، ولزوم وجواز، وفصيح وقبيح. فهذا العلم يبحث فى حروف القافية وحركاتها، وما يجب لها من لوازم، وما يعرض لها من عيوب.
وقد يتبادر إلى الذهن أن الخليل بن أحمد هو واضع علم القافية كما يعتقد الكثيرون وصرح به بعضهم لكن الصحيح أن علم القافية معروف لدى العرب من قديم الزمان ومنذ العصر الجاهلى.
ووضع العلم يكون باختراع مصطلحاته وأسمائها وطريقته كما فعل الخليل بفن العَروض.
أما القافية فكانت جميع مصطلحاتها معروفة لدى العرب قبل الخليل بقرون.
قد تكون القافية كلمة مثل قول الخنساء:
يذكرنى طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس
فكلمة "شمس" هى القافية أو جزء من كلمة مثل "وانى" من قول شوقى:
دقات قلب المرء قائله له إن الحياة دقائق وثوانى
فالقافية هى "وانى" وهى جزء من كلمة "ثوانى"
وقد تجىء القافية كلمه وبعض أخرى مثل "ةَ الأمل " من قول الشاعر:
الجَد فى الجِد والحرمان فى الكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
* وقد تكون كلمتين مثل قول الشاعر:
أبشر بخير عاجل تنسى به ما قد مضى
فالقافية هى "قد مضى" وهى كلمتان.
أ. د/ محمد سلام
стр. 514
٢ - القانون
اصطلاحاً: هو أحد ضوابط سلوك الإنسان فى حياته، وهو مع قواعد الدين والأخلاق يمثل منظومة لتحديد الحقوق وبيان الواجبات. لذا من المستقر عليه أن القانون يتكون من مجموعة من القواعد العامة المجردة التى تنظم العلاقات الاجتماعية، ولكنه يختلف عن القواعد الأخرى فى أنه ملزم أى يتعين على الأفراد أن ينفذوه، كذلك فإن الدولة تكفل هذا التنفيذ عن طريق جزاءات تفرضها على المخالف.
من هنا نجد أن القانون يتمثل فى قواعد ومبادئ، ومن صفات القاعدة: العموم والتجريد، بمعنى أنها تطبق على كل أفراد الجماعة دون تمييز بين فرد وآخر، كما تطبق على كافه الحالات التى تستدعى لحكمها دون فارق بين حالة وحالة أخرى.
والقانون يرتبط بالمجتمع، بل يرتبط بالسلوك الخارجى للفرد فى الجماعة، ولا يحاسب القانون على مشاعر كامنة فى النفس مهما كانت منحطة وإنما يحاسب على ما يخرج عن الإنسان من أعمال. لذا هو ينظم العلاقات الإجتماعية، ويضبط سلوك الإنسان فى علاقته بالآخرين حتى لا يعتدى أحد على أحد، ولا يظلم أحد أحداً.
ومن الملاحظ هنا أن دائرة ما ينظمه القانون من علاقات تضيق وتتسع وفقا لظروف الزمان والمكان، مع تطور ما يقدم بين الناس من علاقات. لم تعد دائرة العلاقات الإجتماعية كما كانت من قبل تقتصر على عمليات بيع وشراء محدودة وإنما اتسعت الدائرة، وصار الإنسان يمارس تصرفات يوميه، مع وسائل للنقل، ومع مصانع ومتاجر ضخمة ومع أناس من أجناس وجنسيات مختلفة، والقانون يحيط بكل هذه التصرفات ولحكمها مُطوراً لأساليب وتنظيمات تتفق معها. ومن ثم فهناك قانون للعلاقات الخارجية للدول، هو القانون الدولى- كان ينظم سلوك الحكام والملوك أساسا بقواعد تراعى أهميتهم عندما يتعاملون مع غيرهم ولكنه اتسع الآن لينظم البحار والمحيطات والفضاء والأجرام السماوية، وينظم كذلك قواعد المسئولية التى تتحملها الدول من جراء أى أفعال أخرى تصيب بها الغير. كذلك وجدت أجهزة ومنظمات دوليه تختص بتطبيق هذا القانون كالأمم المتحدة وما بها من جهاز تتفيذى هو مجلس الأمن، وجهاز تشريعى هو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجهاز قضائى هو محكمه العدل الدولية. أما ما يحكم العلاقات الداخلية للأفراد، فهو كمٌّ متنوع من القوانين يقف على رأسها القانون المدنى وهو الذى يحكم الفرد ويبين حقوقه وواجباته. نجد فى داخل هذا القانون تنظيماً للملكية، كيف تكتسب وما حقوق الفرد عليها، وكيفية التصرف فيها. ونجده يحكم مختلف العقود التى تتم بين الأشخاص كعقود العمل والإيجار والتأمين والبيع. وهناك القانون التجارى الذى يحكم علاقات التجار، وقواعد التجارة الداخلية والخارجية والأوراق التجارية والبنوك، إلى غير ذلك من أحكام. كما أن من فروع القانون كذلك ما يحكم علاقات الدولة كسلطة ذات سيادة بالأفراد، كالقانون الدستورى والقانون الإدارى والقانون الجنائى، والقانون المالى، وكل هذه الفروع يطلق عليها القانون العام، فى مقابل القانون الخاص والذى يدخل فى دائرته القانون المدنى والتجارى، والقوانين التى تنظم الأحوال الشخصية إلى غيرها.
وأهم صفه تميز القانون عن قواعد السلوك الأخرى كالعادة والأخلاق هى صفة الإلزام المقررة للقواعد والتى تكفلها الدولة بتوقيع جزاء مادى على من يخالف القاعدة. وهذا الجزاء يختلف باختلاف القاعدة التى تخالَف وتتدرج من عقوبة الإعدام التى تفرض على من يقتل نفسا إلى عقوبات المخالفة والتى تفرض غرامة مالية على المخالف. كذلك توجد جزاءات على من يخالف قواعد القانون الإدارى كالفصل من خدمة الحكومة أو الخصم من المرتب.
ويهمنا أن نشير هنا إلى أن الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامى قد تكفلا بالمهمة التى يقوم بها القانون فى النظم الحديثة. ويعالج الفقه الإسلامى كل أنواع البيوع التى عرفت بعد ذلك، كما يعالج العقود الأخرى بتفاصيل واسعة ولا يهمل الفقهاء التعرض لقواعد الملكية والعمل، وإنما يستعمل فقهاء الشريعة مصطلحات أخرى. فعلم السياسة الشرعية يتضمن كافة القواعد والنظم الخاصة بنظام الحكم- أى القواعد الدستورية والإدارية- كما أن الفقه يعالج القانون الجنائى فى فقه عميق يتصل بدراسة الحدود والتعازير. وهناك دراسات وافية عن مصادر إيرادات الدولة وقواعد إنفاقها أى القانون المالى، وهكذا نجد الإسلام عقيدة وشريعة.
ويستخدم مصطلح "القانون الإسلامى" فى الوقت الحاضر ليشمل التنظيمات التى يضعها الإسلام والفقه على الخصوص للمعاملات خاصة فى الأكاديميات والكليات والأماكن التى تدرس الشريعة فى العديد من البلاد الغربية.
أ. د/ جعفر عبد السلام
стр. 515
٣ - القبض
اصطلاحاً: " القبض "- ويقابله " البسط " هما من مصطلحات الصوفية، وهما من " الأحوال " عندهم "والحال " هو معنى يرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب ولا اكتساب- من طرب أو حزن أو بسط أو قبض أو شوق أو انزعاج- فالأحوال "مواهب " فى حين أن "المقامات " مكاسب- أى تحصل بالاكتساب. والفرق بين الأحوال والمقامات أن الأحوال صغيرة غير ثابتة، أما المقامات فهى مستقرة.، والقبض " يكون بعد ترقى العبد عن حال الخوف ".
كما أن "البسط " يكون بعد ترقى العبد عن حال "الرجاء".
"والخوف " والرجاء" إنما يتعلقان بالمستقبل، كالخوف من فوت ما يحب أو وقوع ما يكره-وكالرجاء فى الحصول على ما يحب والنجاة مما يكره.
أما " القبض والبسط " فيتعلقان بالوقت الحاضر؛ فصاحب القبض والبسط أسير لوقته الحاضر بوارد غلب عليه فى الحال. ويشبه "القبض " إلى حد ما، ما يعرف فى عصرنا هذا بـ "الاكتئاب"- إلا أنه قد يكون شاملاً لأن الوارد الذى نشأ عنه القبض قد استغرقه تماما؛ وقد يكون غير مستغرق له، فيعبر عنه بأنه "غير مستوف ". وكذلك البسط، فقد يكون "مبسوطا" منشرح الصدر بحيث لا يؤثر فيه شىء من الأشياء، وقد ينشرح صدره لبعض الأشياء دون بعض. وأحيانا لا يعرف سبب القبض؛ فيجد المرء فى قلبه قبضا لا يدرى ما هو سببه، وعليه حينئذ التسليم حتى يمضى ذلك الوقت؛ لأنه لو تكلف نفى هذا القبض بإرادته زاد فى قبضه، بل قد يعد ذلك منه سوء أدب، أما إذا استسلم لما حل به فعن قريب يزول القبض، فالله هو الذى "يقبض ويبسط".
وقد استعاذ شيوخ الصوفية من القبض والبسط- يروى عن "الجنيد" أنه كان يقول: "الخوف من الله يقبضنى، والرجاء فيه يبسطنى، والحقيقة تجمعنى، والحق يفرقنى- إذا قبضنى بالخوف أفنانى عنى، وإذا بسطنى بالرجاء ردّنى علىّ، وإذا جمعنى بالحقيقة أحضرنى، وإذا فرقنى بالحق أشهدنى غيرى، فغطأنى عنه؛ فهو تعالى فى ذلك كله محركى غير ممسكى، وموحشى غير مؤنسى، فأنا بحضورى أذوق طعم وجودى؛ فليته أفنانى عنى فمتعنى، أو غيبنى عنى فروّحنى.
أ. د/ صفوت حامد مبارك
стр. 516
٤ - القبة
لغة: مفرد قباب، وهى بناء مستدير، أو خيمة صغيرة أعلاها مستدير (كما في اللسان) (١).
واصطلاحا: عنصر إنشائى كروى يغطى مساحة معينة من المبنى ليزيد من ارتفاع فراغها الداخلى.
وقد ظهرت القبة فى المبانى قبلي ظهور الإسلام وبعده، كما ظهرت فى عمارة المسلمين وفى عمارة غير المسلمين، وهى ليست بالضرورة عنصرا مميزا فى العمارة الإسلامية على الرغم من انتشارها فى تراث هذه العمارة.
وقد اشتهرت العمارة البيزنطية باستعمال القباب فى تغطية مساحات كبيرة من المبانى ثم انتقل استعمالها الى العمارة الإسلامية فى تركيا والعراق ومصر والشام.
وتبنى القباب إما بالطوب اللبن أو الحجر أو بنظم الإنشاء الحديدية أو من الخرسانة المسلحة، ومنها ما هومسمط، ومنها ما تفتح فيها النوافذ للإنارة والتهوية.
وينتقل الشكل النصف كروى بالقبة إلى الشكل المربع عن طريق مثلثات كروية تعلوها مقرنصات جصية أو حجرية، وقد تتزايد هذه المقرنصات بإسراف فى بعض المبانى والقصورمثل قصرالحمراء بغرناطة، وقد تختفى كما فى بعض مساجد القاهرة.
وتتخذ القبة أشكالا مختلفة: منها ما هو تام التكور، ومنها ماهو مدبب، ومنها ما هو فى شكل بصلى كما فى العمارة الهندية، ومنها ما هو مخروطى الشكل.
وتزين القباب من الداخل والخارج فى بناء المساجد، وعادة ماتعلو القبة بيت الصلاة فى المساجد أو تعلو قاعات الاحتفالات الكبرى، وأشهر القباب فى تاريخ العمارة الإسلامية:
القبة الخضراء على قبر الرسول ﷺ ، وقبة الصخرة عند المسجد الأقصى الذى بارك الله حوله.
وبناء القباب على الأضرحة والقبور يتنافى مع العقيدة الإسلامية باستثناء قبة المسجد النبوى الشريف.
د. م/عبدالباقى إبراهيم
стр. 517
٥ - القبلة
لغة: الجهة، يقال: ما لكلامه قبلة. جهة. وأين جهتك؟.
واصطلاحا: التوجه إلى الكعبة فى الصلاة، لأن المسلمين يستقبلونها فى
صلاتهم (١). وقد جعل الله التوجه إليها شرطا يجب على المصلى الإتيان به وإلا بطلت صلاته قال تعالى ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ البقرة:١٤٤.
والحاضر بالمسجد الحرام يجب عليه أن يستقبل الكعبة ذاتها والذى يقيم بعيدا عنها عليه أن يستقبل جهتها لأن هذا هو المستطاع له، وقد يسر الله على عبادة كل ما يتصل بعبادتهم فعن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال "ما بين المشرق والمغرب قبلة" وهذا بالنسبة لأهل المدينة ومن جرى مجراهم كأهل الشام والجزيرة والعراق.
وأما أهل مصر فقبلتهم بين الشرق والجنوب، وأما أهل اليمن فالمشرق عن يمين المصلى والمغرب عن يساره، وأهل الهند، المشرق يكون خلف المصلى والمغرب أمامه وهكذا، ويستعان فى معرفة الاتجاه نحو الكعبة فى كل مكان ببيت الإبرة (البوصلة)، وإذا لم يتمكن المصلى من تحديد الاتجاه
الصحيح نحو الكعبة بسبب غيم مثلا فعليه أن يسأل ويجتهد، فإذا فعل ذلك وأخطأ، فلا يعيد صلاته، وإذا تبين الخطأ أثناء الصلاة صار إلى الصواب وهو فى صلاته ولا يقطعها، فعن بن عمر رضى الله عنهما قال: بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبى ﷺ قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ولا يسقط شرط استقبال القبلة الا فى الحالات الآتية:
١ - صلاة النفل للراكب فقبلته حيث اتجهت وسيلة سفره من دابة أو سيارة أو طائرة فعن عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلى على راحلته حيث توجهت به". رواه البخارى ومسلم، وزاد البخارى: يومى، والترمذى: ولم يكن يضيف فى المكتوبة وعن أحمد ومسلم والترمذى: أن النبى ﷺ كان يصلى على
راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به، وفيه نزلت ﴿فأينما
تولوا فثم وجه الله﴾ البقرة:١١٥.
٢ - صلاة المكره والمريض والخائف، إذا عجروا عن استقبال القبلة لأن النبى ﷺ قال "إذا أمرتكم بأمرفأتوا منه ما استطعتم" وفى قوله تعالى ﴿فإن خفتم فرجالا أوركبانا﴾ البقرة:٢٣٩.
قال ابن عمر رضى الله عنهما: مستقبلى القبلة، أوغيرمستقبلها. (رواه البخارى).
وإذا كان التوجه إلى القبلة يحقق للأمة هذا التوحد، فإنه يحقق لها. أيضا هذا التواصل مع أنبياء الله ورسله حيث كانوا يتوجهون إلى الكعبة المشرفة، ولذلك لما أمر النبى ﷺ بالتوجه إلى بيت المقدس كان منه السمع والطاعة وكانت اختبارا للناس فى حسن الاستجابة لأمر الله فى سائر الأحوال، وعلى السمع والطاعة من النبى ﷺ والمؤمنين.
كانت الرغبة مع الرجاء فى أن يحقق الله لهم التوجه إلى أول بيت وضع للناس، فاستجاب الله وحقق الرجاء، وأمر بالتوجه إلى القبلة التى يرضاها رسول الله ﷺ ، وصار الحال إلى ماحكاه ابن عباس، وذكره البغوى: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة أهل المشرق والمغرب" وهو قول مالك ﵀.
وفى الصحيحين عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال "كان رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان
يحب أن يوجه إلى الكعبة" فأنزل الله : ﴿نرى تقلب وجهك فى السماء﴾ البقرة:١٤٤.
فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها﴾ البقرة:١٤٢.
فقال الله تعالى ﴿قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ البقرة:١٤٢.
أ. د/محمد رأفت سعيد
стр. 518
٦ - القَدْر
لغة: قَدْر الشىء مبلغه، وهو أن يكون مساوياً لغيره من غير زيادة ولا نقصان (١).
واصطلاحاً: التساوى فى المعيار الشرعى الموجب للماثلة صورة وهو الكيل والوزن.
قال الراغب: (٢) القدر والتقدير تبين كمية الشىء، وقوله ﷺ فى الهلال: (فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له) (رواه البخارى ومسلم) (٣) أى قدروا عدد الشهر حتى تكملوا ثلاثين يوماً.
أحكام القدر:
١ - القدر المعفوُّ عنه من النجاسة:
رأى الحنفية أن قدر الدرهم وما دونه من النجاسة المغلظة: كالدم والبول والخمر ونحوها معفو عنه، وجازت الصلاة معه.
أما المالكية فيقولون: بالعفو عن قدر درهم من دم وقيح وصديد وسائر النجاسات، لأن الإنسان لا يخلو عنه.
أما الشافعية فقالوا: بالعفو عن اليسير من الدم والقيح ونحوهما مما يعسر الاحتراز عنه.
أما الحنابلة فيقولون: بأنه لا يعفى عن يسير النجاسة ولو لم يدركها الطرف، وإنما يعفى عن يسير الدم وما يتولد منه من القيح والصديد.
٢ - قدر النصاب فى الزكاة وقدر الواجب فيها:
واختلف فى قدر النصاب فى أنواع الأموال التى تجب فيها الزكاة كنصاب زكاة الأنعام، ففى الإبل إذا بلغت خمساً: شاة، وفى البقر إذا بلغت ثلاثين: تبيع أو تبيعة، وفى الغنم إذا بلغت أربعين: شاة.
وفى زكاة الذهب إذا بلغ النصاب عشرين مثقالاً والفضة مائتى درهم فالمقدار الواجب فيهما ربع العشر، وعروض التجارة تقوم ثم تعامل معامله الذهب والفضة.
وفى زكاة الزروع والثمار إذا بلغت خمسة أوسق فيها العشر إن سقيت بغير كلفة ونصف العشر إن سقيت بكلفة.
٣ - القدر من العلل الربوية:
اتفق الفقهاء على ثبوت الربا فى الأشياء الستة المنصوص عليها (٤). فى حديث الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والتمر بالتمر مثلاً بمثل، والبُر بالبُر مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل (رواه مسلم).
كما اتفق فقهاء الأمصار على أن حكم الربا غير مقصور على الأشياء الستة وأن فيها معنى ويتعدى الحكم بذلك المعنى إلى غيرها من الأموال.
واتفقوا على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعله الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا فى تلك العلة.
فذهب الحنفية إلى أن العلة هى الجنسية والقدر، عرفت الجنسية بقوله ﷺ : (التمر بالتمر والحنطة بالحنطة) (رواه مسلم).
وعرف القدر بقوله ﷺ : (مثلاً بمثل) ويعنى بالقدر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن، فقد بين أن العلة هى الكيل والوزن. وروى عن عبادة وأنس أن النبى ﷺ قال: (ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به) ووجه التمسك به أنه ﵊ رتب الحكم على الجنس والقدر، وهذا نص على أنهما علة الحكم، لما عرف أن ترتب الحكم على الاسم المشتق ينبئ عن علّيّه مأخذ الاشتقاق لذلك الحكم، فيكون تقديره: المكيل والموزون مثلاً بمثل بسبب الكيل أو الوزن مع الجنس، والذى يدل عليه حديث أبى سعيد وأبى هريرة: (أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءهم بتمر جنيب. فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال: فلا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً وقال فى الميزان مثل ذلك) (رواه البخارى) (٥) أى فى الموزون، إذ نفس الميزان ليس من أموال الربا، وهو أقوى حجة فى علّيّه القدر، وهو بعمومه يتناول الموزون كله الثمن والمطعوم وغيرهما (٦).
(هيئة التحرير)
стр. 519
٧ - القُدْرَة
لغة: اسم من قَدَرت على الشىء أقدر- من باب ضرب- قويت عليه وتمكنت منه (١). والقدرة: صفة.
واصطلاحاً: هى الصفة التى تمكن الحى من الفعل وتركه بالإرادة (٢). وقال الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فَعْلِ شىء ما، وإذا وصف الله تعالى بها ففى نفى العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله تعالى بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظاً (٣). فالقدرة صفة لله تعالى، إلا أن المعتزلة حرَّفت المعنى المفهوم من قوله تعالى:﴾ والله على كل شىء قدير ﴿(البقرة ٢٨٤) فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد، فلا يقدر عليها. وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟!
أما أهل السنة: فعندهم أن الله على كل شىء قدير، وكل ممكن فهو مندرج فى هذا، وأما المحال لذاته، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة. فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شىء إلا من آمن أنه قادر على تلك - الأشياء (٤).
القدرة شرط التكليف: يقول الأصوليون: جواز التكليف مبنى على القدرة التى يوجد بها الفعل المأمور به، وهذا شرط فى أداء كل أمر، والأصل فى ذلك قوله تعالى:﴾ لا يكلف الله نفس إلا وسعها ﴿(البقرة ٢٨٦). أى: طاقتها وقدرتها على أداء الأفعال. وبهذا فقد أُسْقِطَ التكليف عمن لا يقدر على الفعل ولا يطيقه، لأن الوسع هو دون الطاقة فلا يلزم استنفاد الجهد فى آداء الفرض مثل الشيخ الكبير الذى يشق عليه الصوم، وقد يؤدى به إلى ضرر يلحقه فى جسمه وإن لم يخش الموت بفعله.
وقد قسم الحنفية القدرة إلى قدرة ممكنة، وهى مفسرة بسلامة الآلات وصحة الأسباب، وإلى قدرة ميسرة، وهى التى يقدر بها الإنسان على الفعل مع يسر (٥).
ما تتحقق به القدرة:
يختلف ما تتحقق به القدرة باختلاف التصرفات، سواء أكان ذلك فى العبادات أم فى المعاملات. فمقياس القدرة فى العبادات تقع فيما يلى:
١ - القدرة على الطهارة المائية: ذهب الفقهاء إلى أن الطهارة بالماء للوضوء أو الغسل تتحقق بما يأتى:
(أ) وجود الماء الكافى للطهارة والفائض عن الحاجة الضرورية وذلك لقوله تعالى:﴾ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيِّباً ﴿(النساء٤٣).
(ب) إمكان استعمال الماء بنفسه على وجه لا يضره أو استعماله بمساعد ولو بأجر كالعاجز إذا وجد من يوضئه بأجرة فيعتبر قادراً بقدرة الغير. ولذلك إذا لم يتحقق وجود الماء أو المستأجر فينتقل إلى التيمم (٦).
٢ - القدرة على أداء أركان الصلاة: ذهب الفقهاء إلى أنه تتحقق القدرة على أداء الصلاة بسلامة أعضاء البدن التى يتمكن بها المصلى من الإتيان بالأركان على الوجه الأكمل. وإلا فيعتبر قادراً بما يمكنه الإتيان به ولو بإيماءة برأسه، وذلك لأن الصلاة من العبادات التى لا تسقط عن المكلف إلا لمانع شرعى، كالحيض والجنون المطبق (٧).
٣ - القدرة على أداء الزكاة: وقد ذهب مالك والشافعى إلى أن القدرة على الأداء شرط لوجوب أداء الزكاة على الفور، وتتحقق هذه القدرة بحضور المال وحضور المستحقين. وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القدرة على الأداء ليست شرطا لوجوبها، لأن الزكاة عبادة مالية فيثبت وجوبها فى الذمة مع عدم إمكان الأداء، كثبوت الدين فى ذمة المفلس.
٤ - القدرة على أداء الحج: اتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب الحج الاستطاعة لقوله تعالى:﴾ لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴿(آل عمران ٩٧). والاستطاعة: أى القدرة، وتتحقق بما يلى:
(أ) وجود الزاد والراحلة وهذا يحصل بوجود المال.
(ب) سلامة البدن من الأمراض والعاهات التى تعوق عن الحج، ويعتبر العاجز بنفسه قادراً بقدرة غيره.
(جـ) أمن الطريق، وذلك بأن يكون الإنسان آمنا على نفسه وماله.
(د) وجود محرم بالنسبة للمرأة أو رفقة مأمونة كما يقول بعض الفقهاء.
أما القدرة فى المعاملات فتقع فيما يلى:
١ - القدرة على تسليم المبيع: فذهب الفقهاء إلى أن القدرة على تسليم المبيع شرط من شروط صحة البيع ويتحقق ذلك بأن يكون الإنسان مالكا له متمكناً من التصرف فيه قادراً على تسليمه للمشترى.
٢ - القدرة على استيفاء المنفعة فى الإجارة: ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط فى المنفعة لصحة الإجارة القدرة على استيفائها حقيقة أو شرعاً. وذلك بالتمكن فلا تصح إجارة الدابة الفارَّة.
٣ - القدرة على أداء الدين: ذهب الفقهاء إلى وجوب أداء الدين عند القدرة على الأداء لقوله تعالى:
﴾ فليؤد الذى أؤتمن أمانته وليتق الله ربه ﴿(البقرة ٢٨٣). فإذا كان الدين حالا فإنه يجب أداؤه على الفور عند طلبه، أما إذا كان دينا مؤجلاً، فلا يجب أداؤه قبل حلول الأجل.
٤ - القدرة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: فالقدرة أصل تكون فى النفس، وتكون فى البدن، إن احتاج إلى النهى عن المنكر بيده.
٥ - القدرة على المحارب: والمحاربون المفسدون فى الأرض جزاؤهم فى قوله تعالى:﴾ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ﴿(المائدة ٣٣). وهذه العقوبة ينفذها الحاكم إذا قدر عليهم، وتمكن منهم قبل أن يتوبوا ويأتوا معلنين توبتهم.
٦ - القدرة على دفع الضرر عن الغير: فإذا أمكن إنقاذ شخص من الهلاك من جوع ونحوه؛ فإذا امتنع الإنسان عن بذل الطعام الزائد عن حاجته، أو امتنع عن إنقاذ الغريق ونحوه، فإنه يكون آثماً، وقد قال النبى ﷺ : " أيما رجل مات ضياعاً بين أقوام أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة
رسوله " (٨).
(هيئة التحرير)
стр. 520
٨ - القِدَم
لغة: قدم القوم يقدمهم قدما وقدوما: سبقهم، قدم الشىء قدما وقدامة: مضى على وجوده زمن طويل فهو قديم. والقدم: اسم من القديم، يقال وكان ذلك قدما "، والقدم من أسماء الزمان. ومن أسماء الله تعالى المقدم: ومعناه هو الذى يقدم الأشياء ويضعها فى مواضعها فمن استحق التقديم قدمه. والقديم على الإطلاق الله ، والقدم: نقيض الحدوث. القدم والقدمة: السابقة فى الأمر، ففى التنزيل:﴾ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴿(يونس ٢). أى سابق خير وأثرا حسنا. والقديم: ما توالت على وجوده الأزمنة ومنه قوله:﴾ حتى عاد كالعرجون القديم ﴿(يس ٣٩).
واصطلاحاً: عند المتكلمين: يطلق على عدم أولية الوجود، والقديم: ما لا أول لوجوده أى أن وجوده أزلى لا بداية له، ولم يسبقه عدم، والقدم بهذا المعنى هو الثابت لله .
والقدم من الصفات السلبية التى تسلب أى تنفى أى نقص لا يليق بذاته المقدسة، وهذه الصفات هى: "الوحدانية- القدم- البقاء- المخالفة للحوادث- القيام بالنفس". والقدم يعنى أنه لا أول لوجوده، وأن وجوده سبحانه ليس مسبوقا بشىء، بل ليس مسبوقا بالعدم ذاته، لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكانت هناك بداية زمانية لوجوده، لكنه سبحانه قبل الزمان وما الزمان إلا بعض فعله وخلقه.
والقدم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
(أ) قدم زمانى؛ وهو وجود الشيء فى الزمن الممتد فى الأزل اللانهائى، وعلى توالى أزمنة وجود الشىء، فالقديم هو ما توالت على وجوده الأزمنة، وكر عليه الليل والنهار، ومنه قوله:﴾ كالعرجون القديم ﴿(يس ٣٩). وبهذا الاعتبار يقال أساس قديم وبناء قديم.
وإطلاق القدم بهذا المعنى مستحيل فى حق الله تعالى لأن وجوده تعالى ليس زمانيا، ووجوده لم يتغير بالزمان كالحوادث. والزمان من صفات المحدث، فلو كان وجوده تعالى زمانيا لكان حادثا ضرورة.
(ب) قدم إضافى. أى قدم الشىء بالنسبة إلى شىء حادث آخر كقدم الأب بالنسبة للابن.
(جـ) قدم ذاتى، وهو عدم الاحتياج إلى الغير فى الوجود أو عدم افتتاح الوجود أو عدم الأولية للوجود وهو المراد هنا وهو الذى يصح وصف الله تعالى به، وبذلك يكون معنى القدم: عدم أولية الوجود، فوجوده سبحانه لا أول له أى لم يسبق وجوده بعدم، فالأول هو قبل كل شىء بلا بداية، والآخر هو بعد كل شىء بلا نهاية.
وقد ثبت بالدليل أن العالم كله، أرضه وما عليها، وسماءه وما فيها حادث ومخلوق وأنه محتاج إلى مُحْدِث وخالق، وخالق هذا العالم ومحدثه هو الله .
وإذا كان ذلك كذلك فالله تعالى يجب أن يكون قديما، وقد ثبت ذلك بالعقل وبالنقل. فمن الأدلة النقلية:
١ - قوله تعالى:﴾ هو الأول والآخر ﴿(الحديد ٣). فهو تعالى قبل- كل الأشياء بلا ابتداء، لأنه سبب كل شىء، وهو تعالى آخر كل شىء بلا انتهاء.
٢ - وفى الحديث "كان الله ولا شىء معه " أى كان الله تعالى فى الأزل ولا شىء معه فى الأزل، إنه هو القديم ولا قديم غيره.
٣ - روى البخارى فى صحيحه "كان الله ولم يكن شىء قبله، وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، وكتب فى الذكر كل شىء".
٤ - وعن أبى هريرة كان رسول الله ﷺ " يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: اللهم رب السموات والأرض .. اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء وأنت الآخر فليس بعدك شىء".
ومن الأدلة العقلية:
١ - ذلك أن الله تعالى لو لم يكن قديما بذاته لكان لوجوده بداية فيكون حادثا وموجودا من عدم، ولو كان حادثا لاحتاج إلى محدث موجد. هذا المحدث يحتاج هو الآخر إلى محدث. وهكذا حتى ينتهى العقل إلى وجود قديم أزلى هو الذى أحدث الكائنات وهو الله.
٢ - أنه لو لم يكن قديما لكان حادثا، إذ لا واسطة بين القدم والحدوث فى حق كل موجود، لكن كونه تعالى حادثا محال. إذ لو كان حادثا لاحتاج إلى محدث، واحتياجه إلى محدث باطل، لأنه يؤدى إلى الدور والدور والتسلسل باطل. وإذن فهو تعالى لا يحتاج إلى محدث، وليس حادثا، وإنما هو قديم أزلى.
والدور هو توقف الشىء على ما يتوقف عليه الشىء وهو باطل بالبداهة لأنه يستلزم تقدم الشىء على نفسه بالوجود وهو محال.
٣ - والعلم بثبوت هذين الوصفين: قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، مستقر فى الفطرة، فإن الموجودات لابد أن تنتهى إلى واجب الوجود لذاته، قطعا للتسلسل فإننا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت فعدمها ينفى وجودها، ووجودها ينفى امتناعها؛ وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه﴾ أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون ﴿(الطور ٣٥) أى أحدثوا من غير محدث أم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن الشىء المحدث لا يوجد نفسه، فالممكن الذى ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه، بل إن حصل ما يوجده، وإلا كان معدوما، وكل ما أمكن وجوده بدلا من عدمه، وعدمه بدلا من وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له.
وقد أدخل المتكلمون فى أسماء الله تعالى القديم، وليس هو من الأسماء الحسنى فإن القديم فى لغة العرب التى نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره فيقال: هو قديم للعتيق، وهو حديث للجديد، ولا يقال للعرجون "القديم " القديم حتى يبقى إلى حين وجود العرجون الثانى، فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم قال تعالى:﴾ وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ﴿(الأحقاف١١) أى متقدم فى الزمان. وأما إدخال القديم فى أسماء الله تعالى، فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم. ولا ريب أنه كان مستعملا فى نفس التقدم فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، ولكن أسماء الله تعالى هى الأسماء الحسنى التى تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم فى اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأول وهو أحسن من القديم. والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة.
(هيئة التحرير)
стр. 521
٩ - القذف
لغة: الرمى مطلقا، فيقال: قذف بالحجارة قذفا من باب ضرب أى رمى بها، وقذف المحصنة قذفا: رماها بالفاحشة، والقذيفة: القبيحة وهى الشتم. (١).
واصطلاحا: هو الرمى بزنا أو لواط أو شهادة بأحدهما عليه ولم تكمل البينة (٢).
واتفق الفقهاء (٣) على أن قذف المحصن والمحصنة حرام شرعا، وأنه من الكبائر، والأصل فى تحريمه الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فآيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم
يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ النور:٤.
وأما السنة فيما رواه أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قال يا رسول الله: وما هن؟ قال: ...... وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (٤) فأمر الرسول باجتنابه واعتباره من الكبائر، وتشديد العقوبة عليه كما فى الآية المطهرة دليل تحريمه.
والقذف على ثلاثة أضرب: صريح وكناية وتعريض، وذلك لأن اللفظ الذى يقع به القذف إما أن يدل بوضعه عليه دون احتمال لمعنى آخر غيره، فهذا هو الصريح، وإما أن يدل بوضعه على القذف مع احتمال لمعنى آخر غيره فهذا هو الكناية، وإما أن لا يدل بوضعه على القذف وإنما يفيد ذلك بقرائن الأحوال، فهذا هو التعريض. (٥).
واتفق الفقهاء على وجوب حد القذف بصريح الزنا.
أما فى القذف بلفظ كنائى: كقوله يا فاجر أويا خبيثة فقد اختلف الفقهاء فى موجبه، فذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد إلى أنه لا يجب به الحد. وذهب المالكية والرواية الثانية عن أحمد، إلى أنه يجب الحد إذا فهم منه القذف، أو دلت القرائن على أن القاذف قصد منها القذف. وذهب الشافعى والخرقى من الحنابلة، وابن المنذر إلى أن القذف بالكناية يجب به الحد إن نوى القاذف بعبارته القذف.
وأما التعريض بالقذف - كأن يقول شخص لآخر ما أنا بزان فالفقهاء فى موجبه على قولين:
الأول: أن ذلك لا يعد قذفا ولا يجب به الحد، وبهذا قال الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد.
الثانى: أن ذلك يعد قذفا يجب به الحد، وإليه ذهب الإمام مالك ورواية عن أحمد. (٦).
وإذا ثبت القذف فى حق شخص فإن القاذف يجب عليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة إذا كان حرا. ولكن لا يطبق هذا الحد إلا إذا توافرت شروط وجوبه، وهى شروط فى القاذف، وشروط فى المقذوف. أما ما يشترط فى القاذف -فى الجملة- فهو البلوغ، والعقل، والاختيار. ويشترط فى المقذوف أن يكون محصنا، أى يشترط فيه البلوغ والعقل والإسلام والحرية والعفة عن الزنا. (٧).
أ. د/محمد شامة
стр. 522
١٠ - القراءات
لغة: جمع قراءة، وهى مصدر سماعى لقرأ كما فى اللسان. (١) ويراد بها الفعل الذى يفعله القارئ (٢) ويراد بها الأثر المترتبه على الفعل، وهو الحروف والكلمات بمعانيها، وهو المقروء، وهما متلازمان.
والمقروء هو القرآن إذا كان القارئ ينطق بكلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد ﷺ فحينئذ تكون القراءة والمقروء والقرآن شيئا واحد (٣).
واصطلاحا: مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراءة مخالفا به غيره فى النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة فى نطق الحروف أم فى نطق هيئاتها. (٤).
وتذكر القراءة والرواية والطريق والوجه، فيراد بالقراءة ما ينسب إلى إمام من السبعة أو العشرة أو الأربعة عشرة أو غيرهم كفتح سين ﴿مرساها﴾ هود:٤١، لعاصم، والرواية: ما ينسب إلى الراوى عند الإمام كإمالة ﴿مجراها﴾ هود:٤١، لحفص عن عاصم، والطريق ما ينسبه إلى من دون الراوى كإدغام ﴿إركب معنا﴾ هود:٤٢، من طريق الشاطبية، أو للهاشمى عن حفص عن عاصم (٥)، أما الوجه فلا ينسب إلى أحد، إذ هو مخير فيه عند الجميع، كالوقف على ﴿نستعين﴾ الفاتحة:٥، بالسكون، أو الروم وهو الإتيان ببعض الحركة، أو الإشمام وهو هنا الإشارة إلى ضمة النون بضم الشفتين من غير صوت. (٦).
وإضافة القراءات إلى الشخص إضافة ملازمة واعتناء واختيار من بين القراءات الواردة، حسب ظروفه لا لأنه اخترعها. (٧).
وقولهم: قراءة النبى ﷺ يعنون أن أهل الحديث نقلوها عنه ولم يدونها القراء من طرقهم، وهو اصطلاح للمفسرين ومن تبعهم، وإلا فجميع القراءات المعمول بها قراءة النبى ﷺ .
وقراءات القرآن: مركب إضافى، والغريب فيه أنه من إضافة الأجزاء المخصوصة إلى الكل. (٨).
وقد ظهرت القراءات بعد الهجرة بظهور الأحرف السبعة التى نزل القرآن عليها، إذ هى فروع من الأحرف. وزاد عدد الفروع عن الأحرف لأمرين.
الأول: أن الأحرف كانت تتيح سبع ختمات، ثم تداخلت إذ جاز أن تقرأ سورة البقرة مثلا على حرف وبقية الختمة على غيره، لقوله ﷺ (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) (٩) فنتجت ختمة ثامنة بقراءة ليست على حرف واحد من السبعة ولا خارجة عنها إلى حرف ثامن، وعلى هذا النحو من التركيب الجائز واختلاف مواضعه فى القرآن تكثر القراءات.
الأمر الثانى: أن الأحرف السبعة لغات سبع، واللغة الواحدة تسمح بنطقين أو أكثر فى اللفظ، فتكون القراءات أكثر عددا من اللغات، مثال ذلك لفظ (جبريل) قرئ فى العشر بكسر الجيم والراء وإثبات الياء وحذف الهمزة، وبفتح الجيم وكسر الراء وإثبات الياء وحذف الهمزة، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة وياء مد، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة غير ممدودة.
فالقراءتان الأوليان على لغة لا تهمز كأهل الحجاز، والأخريان على لغة
تهمز كتميم.
والقراءات توقيفية تلقينا أو إذنا من رسول الله ﷺ ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وهذا لسان عربى مبين﴾ النحل:١٠٣. مع ما عرف من أن لسان العرب نهج منهج تعدد وجوه النطق، وهو مناهج البيان العربى، وبيان القرآن معجز، وقراءاته من محاسن وجوه إعجازه.
ومنها: أن أسانيد القراء على اختلاف قراءاتهم متصلة برسول الله ﷺ وتفصيلها فى الكتب المختصة.
ومنها الأحاديثه المروية فى نحو كتاب المستدرك للحاكم المتضمنة لقراءاته ﷺ ﴿مالك﴾ بالألف الفاتحة:٤، و ﴿ملك﴾ بدونها (١٠) ﴿وما كان لنبى أن يغل﴾ آل عمران:١٦١، بفتح الياء وضم الغين، وبضم
الياء وفتح الغين ﴿إنه عمل غير صالح﴾ هود:٤٦ (عمل) بفتح الميم والتنوين والرفع، (غير) بالرفع، و (عمل) بفتح اللام وكسر الميم فعلا ماضيا، و (غير) بالنصب (١١) و ﴿أيحسب﴾ البلد:٥،٧ بفتح السين وكسرها، وتواتر فى الأحاديث قراءة البسملة فى الصلاة، وتواتر ترك قراءتها أيضا.
ومنها إجماع أئمة الدين على أن الله تعالى أباح للصحابة رضى الله عنهم القراءة على لغتهم بشرط الأخذ عن النبى ﷺ ومنها العقل، فإن الضرورة قاضية بقراءة لتبليغ القرآن، ولو كانت واحدة وما عداها ليس من البلاغ النبوى لكانت ملتبسة علينا بغيرها، ومحال أن يلتبس لفظ الرسول ﷺ بغيره والأمة أحرص ما تكون على متابعته حتى فى عادته التى لا يظهر لهم أن فيها تعبدا، مع خشيتهم الابتداع وائتمارهم بأن يقرءوا كما علموا، وتلاحيهم إذا سمعوا ما لم يسمعوه منه فالقراءات المعمول بها متساوية وتوقيفية. (١٢).
وتنقسم القراءات -عموما- إلى متواترة، وشاذة. فالمتواترة هى القراءات المعمول بها من طرقها المعينة عن القراء العشرة، المعروفة فى الفن، والشاذة ما عداها فى الفن، والشاذة ما عداها.
أ. د/عبد الغفور محمود مصطفى
стр. 523
١١ - القرآن الكريم
لغة: مصدر للفعل "قرأ" بمعنى تلا، ثم نقل من هذا المعنى المصدرى وجعل اسما لكلام الله تعالى.
واصطلاحا: هو كلام الله تعالى المعجز المنزل على رسوله محمد ﷺ المكتوب فى المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته.
وللقرآن الكريم أسماء كثيرة من أشهرها:
(أ) الفرقان: وسمى بذلك لتفرقته بين الحق والباطل، قال تعالى ﴿تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نديرا﴾ الفرقان:١.
(ب) الكتاب: كما فى قوله تعالى ﴿الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾ الكهف:١.
(ج) الذكر: كما فى قوله ﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون﴾ الزخرف:٤٤.
(د) التنزيل: كما فى قوله تعالى ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح
الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين﴾ الشعراء:١٩٢ - ١٩٥.
هذه أشهر أسماء القرآن الكريم، وقد ذكر له بعض العلماء أسماء أخرى إلا أنها فى الحقيقة صفات للقرآن الكريم وليست أسماء له.
وقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد ﷺ لمقاصد سامية من أهمها:
(أ) المقصد الأول، أن يكون هداية للناس، يهديهم إلى ما يسعدهم فى دنياهم وفى آخرتهم.
وتمتاز هداية القرآن بتمامها وعمومها ووضوحها:
تمتاز بتمامها لأنها اشتملت على جميع ما تحتاج إليه البشرية فى عقائدها وعباداتها ومعاملاتها، وسلوكها، وآدابها، وأخلاقها، ومطالبها الروحية والمادية.
وتمتاز بعمومها، لأنها شملت الإنس والجن فى كل زمان ومكان، لأن رسالة النبى ﷺ الذى نزل القرآن على قلبه من ربه كانت رحمة للعالمين.
وتمتاز بوضوحها، حيث يدركها الإنسان الذى رسخ فى ألوان العلوم والمعارف، كما يدرك منها الأمى الذى لا يعرف القراءة والكتابة ما ينفعه ويصلحه.
(ب) المقصد الثانى: الذى من أجله أنزل الله تعالى القرآن الكريم أن يكون معجزة ناطقة فى فم الدنيا بصدق النبى ﷺ فيما يبلغه عن ربه وشاهدة بأن هذا القرآن ليس من كلام مخلوق، وإنما هو من كلام الخالق ، والدليل الساطع على أن هذا القرآن هو المعجزة الكبرى للرسول ﷺ التى تحدى الناس جميعا أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فنكصوا على أعقابهم وانقلبوا خاسرين. قال تعالى ﴿وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ البقرة:٢٣ - ٢٤.
وإذا كانا العرب وهم أرسخ الناس قدما فى البلاغة والفصاحة والبيان، قد عجروا عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم، فغيرهم أشد عجزا، ولو أن أحدا أتى بمثل سورة واحدة من القرآن، لنشرها أعداء الإسلام، ولكننا لم نقرأ ولم نسمع بأن أحدا قد أتى بمثل هذه السورة، ومادام الأمر كذلك، فقد ثبت أن هذا القرآن من عند الله: ﴿ولو كان من عند غيرالله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ النساء:٨٢.
(ج) المقصد الثالث: الذى من أجله أنزل الله القرآن الكريم، هو التقرب إليه سبحانه بتلاوته بمعنى أن قراءة القرآن، ترفع درجات المسلم، وتزيد فى ثوابه وفى تهذيب أخلاقه، وفى تنقية عقيدته وسلوكه ونطقه من كل ما لا يليق.
قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية. يرجون تجارة لن تبور﴾ فاطر:٢٩.
وفى الصحيحين عن عاتشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (الذى يقرأ القرآن وهو ماهر به -أى: يقروه قراءة صحيحة- مع الكرام البررة والذى يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له آجران عند الله تعالى).
وفى صحيح البخارى عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
والقول الصحيح: إن أول ما نزل من القرآن، هو صدر سورة "اقرأ" بدليل الأحاديث التى، وردت فى ذلك.
وأما آخر ما نزل من القرآن فهو قوله ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لا يظلمون﴾ البقرة:٢٨١.
وهذا هو الرأى الراجح بين المحققين من لعلماء، لأن هذه الآية قد نزلت على الرسول ﷺ قبيل وفاته بتسع ليال، كما جاء فى بعض الروايات.
أما الآية التى يقول الله تعالى فيها: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة:٣. فقد نزلت على الرسول ﷺ يوم عرفة فى حجة الوداع، وفى السنة لعاشرة من الهجرة، وكان نزولها قبل وفاته ﷺ بأكثر من شهرين. والمراد بإكمال الدين فى الآية الكريمة: إتمام النعمة، وإكمال تشريعاته التى تتعلق بالعبادات والمعاملات وغير ذلك من الأحكام.
ولاشك أن الإسلام فى حجة الوداع، كان قد ظهرتف شوكته، وعلت كلمته.
والقرآن ينقسم إلى مكى ومدنى:
فالقرآن المكى: هو الذى نزل على لرسول ﷺ قبل الهجرة ولو كان نزوله فى غير مكة.
والقرآن المدنى: هو الذى نزل على لرسول ﷺ بعد الهجرة ولو كان نزوله فى غير المدينة.
والسور المكية الخالصة عددها اثنتان وثمانون سورة، والسور المدنية الخالصة عددها عشرون سورة، وهناك اثنتا عشرة سورة منها ما يغلب عليه النزول قبل الهجرة، وبذلك يكون عدد سور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة.
والسور المكية نراها فى الأعم الأغلب تفصل الحديث عن الأدلة على وحدانية الله وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن يوم القيامة حق.
أما السور المدنية فنراها فى الأعم الأغلب تفصل الحديث عن الأدلة التى تتعلق بسمو الشريعة الإسلامية، فى معاملاتها، وفى عباداتها، وفى تنظيمها للأسرة وللعلاقات بين المسلمين وغيرهم.
ومن المتفق عليه بين المسلمين أن نزول القرآن الكريم على النبى ﷺ استغرق مدة تزيد على عشرين سنه، وقد ذكر العلماء
حكما وأسرارا لنزول القرآن مفرقا من أهمها:
١ - تثبيت قلب النبى ﷺ وتسليته عما أصابه من قومه عن طريق قصص الأنبياء السابقين.
٢ - التدرج فى تربية الأمة دينيا وأخلاقيا وثقافيا واجتماعيا وعقليا.
٣ - الإجابة على أسئلة السائلين الذين كانوا يسألون النبى ﷺ أسئلة معينة، فينزل القرآن بالإجابة عليها.
٤ - لفت أنظار المؤمنين إلى ما وقعوا فيه من أخطاء حتى لا يعودوا إليها مرة أخرى.
٥ - تيسير حفظ القرآن فقد كان الصحابة كلما نزلت آية أو آيات حفظوها عن النبى ﷺ .
وأكثر سور القرآن وآياته نزلت للهداية والسعادة الإنسانية فى حاضرها ومستقبلها، ومنه ما نزل لبيان ما هو حق فى أحداث خاصة حدثت بين المسلمين فيما بينهم، أو حدثت بينهم وبين غيرهم، كالآيات التى نزلت فى أعقاب حديث الإفك، الذى أشاعه المنافقون عن السيدة عائشة رضى الله عنها وكالآيات التى نزلت فى أعقاب ما حدث من حاطب بن أبى بلتعة عندما أخبر أهل مكة بأن المسلمين يعدون العدة لفتح مكة.
والتفسير معناه: التوضيح والتبيين لشىء يحتاج إلى ذلك، وقد عرف العلماء علم التفسير للقرآن: بأنه علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى فى كلامه بقدر الطاقة البشرية. ويعد علم التفسيرمن العلوم التى لايستغنى عنها، فعن طريقه يستطيع المسلم أن يعرف ما إشتمل عليه القرآن من هدايات وتوجيهات.
وكتب التفسير للقرآن الكريم كثيرة ومتنوعة، منها القديم ومنها الحديثه، ومنها الكبير، ومنها المتوسط، ومنها الوجيز، ومنها التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠هـ، وتفسير"الدر المنثور فى
التفسير بالمأثور" للسيوطى المتوفى سنة ٩١١هـ، ومنها تفسير الإمام ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤هـ، ومنها التفسير بالرأى: كتفسير "البيضاوى" وتفسير الفخر الرازى، وتفسير الكشاف، وتفسير الألوسى وغيرهم. ولكل تفسير من هذه التفاسير مزاياه التى قد لا توجد فى غيره.
أ. د/محمد سيد طنطاوى
стр. 524
١٢ - القَرامِطة
القرامطة: فرقة من الشيعة الباطنية المتطرفة، كانوا يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض، وصرح أبو الفرج ابن الجوزى بأنهم فرقة من الزنادقة الملاحدة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادِشت ومَزْدَك. ويقال لهم: الإسماعيلية، لانتسابهم- كذباً- إلى إسماعيل بن جعفر الصادق (ت ١٤٣هـ/ ٧٦٠ م). أما تسميتهم بالقرامطة، فهى نسبة إلى حمدان قِرْمِط بن الأشعث البقار، وهو رجل نشيط من دعاة الباطنية- كان فى مشْيِه قرمطة، أى تقارب خُطًى- وكان يعمل فرِّانا فى سواد الكوفة، وكان يدعو إلى إمام من أهل البيت! (١).
إن أول ظهور فعلى للقرامطة على مسرح الأحداث كان فى سنة ٢٨٦ هـ/٨٩٩ م، على يد أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابى (٢). الذى خرج إلى البحرين، فأقام بها تاجرا يبيع الطعام، وانضم إلى دعاة الشيعة بالقطيف وظهر بينهم، حتى تغلب على أمرهم، فاستجابوا له، والتفوا عليه، فصار أميرهم، وانتشر ذكره فى البحرين، وكثر أتباعه، وقويت شوكته جدا، ومن ثم أخذ يعيث فى الأرض فساداً، فقاد أتباعه للإغارة على بلاد هَجر سنة ٢٨٧ هـ/٩٠٠ م، فتغلبوا عليها جميعا، وقتلوا مالا يحصى من أهلها، وسَبَوْا، وأفسدوا، فجهز الخليفة إليهم جيشا كثيفا، فتمكن القرامطة من أسرهم جميعا، ثم قتلهم أبو سعيد، وأبقى على حياة قائدهم- العباس ابن عمرو الغَنوى- ثم أطلقه، وقال له: ارجع إلى صاحبك (الخليفة العباسى) فأخبره بما رأيت!؟ (وكان لهذه الوقعة صدى خطير لدى جمهور الناس؛ فهمَّ أهل البصرة بالجلاء عنها هلعا وفزعا من خطر القرامطة القريبين منهم، فهدّأ والى البصرة من روعهم، وقام بتحصين سور المدينة، وتقويته، فعدل الجنابى عن مهاجمتها (٣).
استولى القرامطة على البحرين والأحساء، واتخذوا من هجر قاعدة لهجماتهم على بلاد الخلافة العباسية وقوافل الحجاج، وارتكبوا خلالها فظائع وشناعات روعت المسلمين ترويعا شديدا، ومنعت الكثيرين من أداء مناسك الحج فى بعض الأعوام خوفا من التعرض لهجمات القرامطة المفاجئة.
وعلى الرغم من القوة البادية للقرامطة، التى مكنتهم من هزيمة قوات الخلافة فى كثير من المواجهات التى وقعت بين الطرفين، وأتاحت لهم الاستيلاء على بعض البلاد العراقية والحجازية والشامية والمصرية، على الرغم من ذلك فإنه لم يكن للقرامطة دولة بالمعنى الدقيق، إنما كانوا قوة عسكرية غاشمة، تعتمد فى استمرار وجودها على تلك الغارات المباغتة التى تشنها على البلاد المجاورة، أو مهاجمة القوافل- وبخاصة قوافل الحجاج- وتحصل من هذه وتلك على الغنائم والأسلاب، فترجع بها إلى قواعدها فى البحرين والأحساء ومن ثم تساعدها على البقاء إلى حين (٤).
وفى عامى ٢٨٩، ٢٩٠ هـ/٩٠٢، ٩٠٣م، ظهر القرامطة فى بلاد الشام تحت قيادة زكرَوَيه بن مِهْرَوَيْه واجتاحوا من تصدى لهم من قوات العباسيين والطولونيين، وعاثوا فيها فساداً، وقتلوا من أهلها مالا يُحصى كثرة، ونهبوا الأموال، وأحرقوا الديار والأثاث، ثم دارت الدائرة عليهم بعد ذلك حين انطلقت الجيوش العباسية من العراق لقتالهم بقيادة محمد بن سليمان الكاتب والحسين بن حمدان، فانهزم القرامطة، وقُتل منهم خلق كثير، وأُسِرَ عدد كبير، وفر هارباً من بقى منهم- وهم قليل- إلى قواعدهم فى شرق الجزيرة العربية. (٥)
ظل أبو سعيد الجنابى على رأس القرامطة نحو خمسة عشر عاماً، حتى قتله خادم له سنة ٣٠١ هـ/٩١٣ م، فتولى أمرهم ولده: أبو طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابى، وامتدت ولايته عليهم إلى سنة ٣٣٢ هـ/٩٤٤ م. ويُعد أبو طاهر أقوى رؤساء القرامطة، وأطولهم عهداً، وأشدهم خطرا على الخلافة العباسية، وعلى المسلمين فى المنطقة عامة، وحجاج بيت الله الحرام على وجه الخصوص.
وحين آلت إليه قيادة القرامطة، كتب إليه الخليفة العباسى المقتدر رسالة رقيقة، ورغبه فى طاعته، وطلب منه إطلاق الأسرى الذين تحت يده، فأطلقهم، وأكرم رسل الخليفة (٦).
وفى عام ٣١١ هـ/٩٢٣ م انقض القرامطة على مدينة البصرة فنهبوها، وسبوا أهلها، وطلب أبو طاهر الجنابى من الخليفة ضمها إلى ولايته هى والأهواز، فرفض ذلك الطلب، فأغار القرامطة فى العام التالى على الكوفة، واستباحوها ستة أيام، وحملوا ما استطاعوا من أموالها ومتاعها، وعادوا إلى بلادهم، فضج الناس فزعاً منهم، فسير إليهم الخليفة المقتدر جيشا كبيراً، فهزمه أبو طاهر وأتباعه وشتتوه، واستولوا على الرحبة والرقة فى شمال الشام (٧).
وفى سنة ٣١٥ هـ/٩٢٧ م، كانت جولة أخرى من القتال بين القرامطة وجيوش الخلافة العباسية انتصر فيها أبو طاهر ورجاله- وكانوا نحو ألفين وسبعمائة مقاتل- على القائد العباسى يوسف بن أبى الساج وعشرات الألوف من الجنود، فى معارك قرب الكوفة والأنبار، حتى اقتربوا من العاصمة بغداد، وقتل القرامطة يومئذ كثيرا من الجند وأسروا الألوف، حتى تعجب الخليفة المقتدر، حين بلغته أخبار هزيمة جيوشه فقال: لعن الله نيفاً وثمانين ألفا يعجزون عن ألفين وسبعمائة!! (٨).
أما الذى لا يمكن أن ينساه المسلمون من جرائم أبى طاهر والقرامطة، فهو عدوانهم على بيت الله الحرام وحجاجه فى عام ٣١٧ هـ/٩٢٩ م، حيث اقتحم مكة المكرمة فى سبعمائة من أتباعه، وأعمل القتل فى أهلها وفى الحجيج المحتشدين يوم السابع من ذى الحجة استعدادا للوقوف بعرفات وأداء المناسك، فقتلوا يومئذ نحو ثلاثين ألفا منهم، واقتحم المسجد الحرام، واقتلع الحجر الأسود وباب الكعبة، وأستارها، وردم بئر زمزم بجثث القتلى الذين سفك دماءهم فى المسجد، ووقف على عتبة باب الكعبة، وصاح منتشياً:
(أنا بالله، وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا)
ولم يتمكن أحد من أداء المناسك فى ذلك العام (ثم عاد القرامطة بعد ارتكابهم تلك المجزرة البشعة إلى بلادهم، وظل الحجر الأسود فى حوزتهم، حتى ردوه إلى الكعبة فى عام ٣٣٩ هـ/ ٩٥١ م، وقالوا فى ذلك؟ أخذناه بأمر وأعدناه بأمر!، وهو كلام لا معنى له فى الحقيقة. (٩)
ومنذ وفاة أبى طاهر فى عام ٣٣٢ هـ/٩٤٤ م، هدأ القرامطة، حتى تولى أمرهم الحسن بن أحمد بن بهرام المعروف بالحسن الأعصم فى سنة ٣٥٠ هـ/٩٦١ م، حيث تجدد نشاطهم مرة أخرى، فاستولوا على بلاد الشام فى عام ٣٥٧ هـ/٩٦٨ م. وحتى ذلك التاريخ، كانت علاقات القرامطة بالفاطميين يسودها الود والصداقة فلما أصبح الفاطميون خلفاء مصر سنة ٣٥٨ هـ/٩٧٩ م، انقلب عليهم القرامطة، وبدأ صراع مسلح مرير بين الفريقين؛ فأرسل المعز لدين الله الفاطمى جيشا لإخراج القرامطة من الشام فى سنه ٣٦٠ هـ/٩٧١ م بقيادة جعفر ابن فلاح، فهزمه القرامطة، وقُتل جعفر، وزحف الحسن الأعصم بقواته نحو مصر، وحاصر القاهرة عدة أشهر من عام ٣٦١ هـ/٩٧٢ م، لكنه لم يستطع دخولها، فارتد عائداً إلى الشام، ومات بعدئذ فى مدينة الرملة سنة ٣٦٦ هـ/٩٧٦ م. (١٠)
وبعد وفاة الحسن الأعصم صار أمر القرامطة إلى مجلس يضم ستة من شيوخهم يسمى (مجلس الستة) وحينئذ كانت أحوالهم تتجه نحو الضعف والانحلال، ولم يعد يخشى بأسهم أحد، غير أنهم ظلوا مسيطرين على ما تحت أيديهم من بلاد البحرين والأحساء، حتى تلاشى أمرهم، وزالت دولتهم فى نحو عام ٣٧٥ هـ/٩٨٥ م. (١١)
أ. د/ محمد جبر أبو سعدة
стр. 525
١٣ - القُرْب
لغة: قرّبه: أدناه،﴾ واقترب الوعد ﴿(الأنبياء٩٧)، وتقارب. والقرابة: القرب فى الرحم، قرب الشىء قربا وقربانا: دنا فهو قريب. وتقرب إلى الله بشىء أى طلب به القربة عند الله تعالى. وقوله فى الحديث "سددوا وقاربوا ": أى اقتصدوا فى الأمور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال قارب فلان فى أموره إذا اقتصد.
واصطلاحاً: القرب خلاف البعد. والقربة: ما يتقرب به إلى الله تعالى من أعمال البر.
وقد وردت مشتقات قرب فى القرآن بمعان متعددة منها:
اقترب فى قوله تعالى:﴾ كلا لا تطعه واسجد واقترب ﴿(العلق ١٩) بمعنى تقرب إلى ربك.
وقربات جمع قربة وهو ما يتقرب به إلى الله. وذلك فى قوله تعالى:﴾ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم ﴿(التوبة ٩٩). والله قريب أى عليم بأحوال عباده قال تعالى:﴾ وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴿(البقرة ١٨٦).
والمقربون ذوو القرب والمكانة من الله قال تعالى:﴾ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ﴿(النساء ١٧٢) وقوله:﴾ والسابقون السابقون. أولئك المقربون ﴿(الواقعة ١٠،١١)
وأول رتبة فى القرب القرب من طاعته، والاتصاف فى دوام الأوقات بعبادته. وفى الحديث القدسى الذى رواه البخارى "من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدى بشىء أحب إلىَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه ". فقرب العبد أولا قرب بإيمانه وتصديقه، ثم قرب بإحسانه وتحقيقه.
وقرب الحق ، ما يخصه اليوم به من العرفان، وفى الآخرة ما يكرمه به من الشهود والعيان، وفيما بين ذلك من وجوه اللطف والامتنان، ولا يكون قرب العبد من الحق إلا ببعده عن الخلق، وهذه من صفات القلوب دون أحكام الظواهر والكون. وقرب الحق سبحانه بالعلم والقدرة عام للكافة، وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين، ثم بخصائص الأنس بالله مختص بالأولياء. قال تعالى:﴾ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴿(ق ١٦)
ومن تحقق بقرب الحق فأقله دوام مراقبته إياه؛ لأن عليه رقيب التقوى، ثم رقيب الحفظ والوفاء، ثم رقيب الحياء. ولقد قالوا: أوحشك الله من قربه آن من شهودك لقربه، فإن الاستئناس بقربه من سمات العزة،.
فأما القرب بالذات فتعالى الله الملك الحق عنه. فإنه متقدس عن الحدود، مسبوق به، جلت صمديته عن قبول الوصل والفصل. فقرب هو فى ذاته محال، وهو تدانى الذوات. وقرب هو واجب فى نعته؛ وهو قرب بالعلم والرؤية. وقرب هو جائز فى صفته، يخص به من يشاء من عباده، وهو قرب الفضل باللطف.
(هيئة التحرير)
стр. 526
١٤ - القرض
لغة: ما تعطيه من المال لِتُقْضَاه، واستقرض منه طلب منه القرض فأقرضه واقترض منه القرض. (١)
وهو مصدر: قرض الشىء يقرضه إذا قطعه، وكأنه شىء قد قطعته من مالك.
واصطلاحا: دفع مال إرفاقا لمن ينتفع به ويرد بدله (٢).
ثبتت مشروعية القرض بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فبالآيات الكثيرة التى تحث على الإقراض، كقوله تعالى:﴾ من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ﴿(البقرة ٢٤٥).
وأما السنة: فما رواه أبو رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضى الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (٣).
- وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز القرض (٤).
وقد شرع القرض لمراعاة مصالح الناس والتيسير عليهم فى القيام بصنائع المعروف، ولذا يحرم القرض إن لم يكن القصد منه عمل المعروف كتحقيق منفعة للمقرض مثلا.
ولا خلاف بين الفقهاء فى أن الأصل فى القرض فى حق المقرض أنه قربة من القرب لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وقضاء حاجته وتفريج كربته وأن حكمه من حيث ذاته الندب، لكن قد يعرض له الوجوب أو الكراهة أو الحرمة أو الإباحة بحسب ما يلابسه أو يفضى إليه إذ للوسائل حكم المقاصد.
وبناء على ذلك: فإن كان المقترض مضطرا، والمقرض مليئا كان إقراضه واجبا، وإن علم المقرض أو غلب على ظنه أن المقترض يصرفه فى معصية أو مكروه كان حراما أو مكروها بحسب الحال لأنه إعانة على معصية ولو اقترض تاجر لا لحاجة، بل ليزيد فى تجارته طمعا فى الربح الحاصل منه كان إقراضه مباحا، حيث إنه لا يشتمل على تنفيس كربة، ليكون مطلوبا شرعا (٥).
آما فى حق المقترض فالأصل فيه الإباحة، وذلك لمن علم من نفسه الوفاء بأن كان له مال مرتجى، وعزم على الوفاء منه وإلا لم يجز ما لم يكن مضطرا، فإن كان كذلك وجب فى حقه لدفع الضّر عن نفسه. ولو كان المقرض عالما بعدم قدرته على الوفاء وأعطاه فلا يحرم، لأن المنع كان لحقه وقد أسقط حقه بإعطائه مع علمه بحاله.
أ. د/ فرج السيد عنبر
стр. 527
١٥ - قريش
لغة: قرش الشىء، يقْرِشُه أى قطعه وجَمَعَه من ههنا وههنا، وضم بعضَه إلى بعض.
واصطلاحا: أشهر قبائل العرب العدنانية على الإطلاق وسميت هذه القبيلة العربية قريشاً لتجمعهم إلى الحرم المكى، وثمت روايات أخرى عن سبب هذه التسمية، وكلها تدور حول ذلك المعنى اللغوى. والنسبة إلى قريش: قريشى، وقرشى.
ويعرِّف بهم ابن حزم بقوله (وَلَدُ فهربن مالك هم قريش، لا قريش غيرهم، ولا يكون قريشى إلا منهم، ولا من ولد فهر أحد إلا قريشى). وينتمى فهرُ بنُ مالك إلى جده الأعلى (عدنان) على هذا النسق: فِهْر ابن مالك بن النَّضْر بن كِنانَة بن خُرَيْمة بن مُدْرِكة ابن إلياس بن مُضر بن نزار بن مِعَدّ بن عَدْنان.
ويرتبط ذكر قريش فى التاريخ، ومكانتهم بين العرب جميعا بمكة المكرمة، وبيت الله الحرام الذى يقدسه العرب، ويحجون إليه فى كل عام، غير أن هذا الذكر والمكانة إنما يرجعان إلى عهد قريب من ظهور الإسلام، أما قبل ذلك فلم يكن لقريش شأن يكاد يذكر. وفى هذا الصدد يذكر المؤرخون: أن قُصَىَّ بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَىّ بن غالب بن فهر … بن عدنان، قصى هذا هو الذى يرجع إليه الفضل فى ظهور قبيلة قريش على مسرح الأحداث فى مكة، واتجاه أنظار العرب إليها، وذلك حين تمكن من جمع شمل أبناء قبيلته وتوحيد صفوفهم، ومن ثم استطاع التغلب على قبيلة خزاعة بعد قتال عنيف، كان النصر فيه لقصى وقريش، ثم عُقد صلح بين الفريقين على أن يتولى قصى أمور مكة والبيت الحرام، فأصبح أول رجل من قريش يدين له أهل مكة جميعا بالسمع والطاعة؛ فتولى حجابة البيت، وسقاية الحجاج ورفادتهم، ورئاسة الندوة واللواء والقيادة، وكان ذلك التطور الكبير فى تاريخ مكة وقريش فى النصف الأول من القرن الخامس الميلادى، أى قبل ظهور الدعوة الإسلامية بما يزيد قليلا عن قرن ونصف قرن من الزمان.
لما استقر الأمر لقصى جمع قريشاً وأمرهم أن يبنوا دورهم داخل مكة إلى جوار الكعبة، بعد أن اتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى البيت العتيق. وفى هذه الدار كان كبار رجال قريش يتبادلون الرأى فى أمور السلم والحرب، وفيها تُبرم عقود الزواج، وتُنجز المعاملات، ويرتبط بذلك أنه لا يدخل دار الندوة إلا الرجال الذين بلغوا سِنّ الأربعين، وهم بهذه المثابة يمثلون حكومة مكة، ولذلك التزم الناس بأوامرهم، كما صارت أوامر قصى بن كلاب مطاعة فيما بينهم.
وقبل وفاة زعيم مكة قام بتوزيع وظائف على أبنائه، فأعطى عبد الدار بن قصى حجابة البيت ودار الندوة واللواء، أما عبد مناف بن قصى فأعطاه السقاية والرفادة والقيادة، ونتيجة لذلك ظلت الأوضاع مستقرة بعد وفاة قصى، واستمرت قريش فى إدارة شئون مكة والبيت الحرام والقيام على خدمة الحجيج ورعايتهم.
لقد برز من خلفاء قصى العديد من رجال قريش الذين قاموا بأعمال مهمة أدت إلى ازدهار مكة، ورفعة شأن قبيلتهم بين العرب، ومن أشهرهم: هاشم بن عبد مناف بن قصى، الذى نجح فى عقد الإيلاف لقريش، وتوسيع نطاق التجارة المكية حيث أخرجها من الحدود المحلية إلى دائرة المجال الدولى؛ فأخذ الحلف من قيصر الروم لتجار قريش على أن يدخلوا الشام بتجارتهم ويعودوا منها آمنين، كما أنه هو الذى سَنّ لقريش رحلتى الشتاء إلى اليمن والحبشة، والصيف إلى الشام وغزة وآسيا الصغرى. وتولى بعد أبيه سقاية الحجاج وإطعام فقرائهم، وحفر عدة آبار جديدة ليرتفق بها أهل مكة وحجاج البيت. لقد كان اسمه عمر، ولكن غلب عليه لقب (هاشم)، لأنه هشم الثريد لقومه بمكة فى إحدى المجاعات. ومع هذه الأعمال جميعا فقد توفى شاباً وهو فى رحلة تجارية إلى غزة فى سنة ٥٢٤ ميلادية تقريبا. واشتهر أخوه المطلب بن عبد مناف بن قصى بالنسك والنهى عن الظلم والعدوان، والحث علّى مكارم الأخلاق. وكانت وفاته باليمن.
أما عبد المطلب بن هاشم، فكان أحد وجهاء مكة، وأشهر زعماء قريش فى عصره، وهو الذى لم يرهب لقاء أبرهة الحبشى الذى زحف على رأس جيش قوى من اليمن إلى مكة ليهدم البيت الحرام، وقال له واثقا مطمئنا: إن للبيت ربّا يحميه!! وصدق عبد المطلب " فقد حمى الله بيته، ودمر جيش أبرهة، وسجل القرآن الكريم هذه الحادثة الخطيرة فى تاريخ مكة وقريش فى سورة الفيل، واشتهر عبد المطلب كذلك بالفياض لجوده وسخائه، وإكرامه حجاج بيت الله- على الرغم من أنه لم يكن أغنى رجال مكة، ولُقِّب شيبة الحمد لكثرة حمد الناس له. وهو الذى حفر بئر زمزم التى استغنى بها أهل مكة عن الآبار الأخرى لغزارة مائها ولطف مذاقها. وقد توفى عبد المطلب قبل الهجرة بنحو خمسة وأربعين عاماً (٥٧٩ م).
ومن أبناء عبد المطلب المشهورين بين رجالات قريش: أبو طالب وشقيقه عبد الله (والد النبى محمد ﷺ )، والعباس جد الخلفاء العباسيين، وحمزة أسد الله، الذى استشهد فى غزوة أحد سنة ثلاث هجرية (٦٢٥ م).
أما أهم أسباب شهرة قبيلة قريش ومجدها المؤثل على مر التاريخ، فهو أن الله سبحانه قد شرفها ورفع ذكرها فى العالمين باختيار أحد أبنائها ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو: محمد ﷺ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى، الذى وُلد بمكة المكرمة فى عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة (٥٧٠ م)، وأوحى إليه وكلف بالرسالة حين بلغ الأربعين من عمره المبارك، ومن ثم أخذ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ عبادة الأصنام السائدة بين قريش والعرب جميعا، فمنهم من آمن به وصدقه، ومنهم من كفر بدعوته وصد عنه. ولكن بعد جهاد عظيم وكفاح مرير، ومعاناة شديدة، وهجرة من مكة إلى يثرب (المدينة المنورة) تكللت جهوده وجهاده بانتصار الحق الذى جاء به ودعا إليه وانتشار دعوته (دعوة الإسلام) فى مكة وسائر أنحاء شبه الجزيرة العربية. ولم تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها فى سنة إحدى عشرة للهجرة (٦٣٢ م)، إلا بعد اكتمال الرسالة، وإتمام نعمة الإسلام عليه وعلّى أمته، فأصبح العرب جميعا يدينون بالإسلام، والحمد لله رب العالمين …
أ. د/ محمد جبر أبو سعدة
стр. 528
١٦ - القصد
لغة: استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى:﴾ وعلى الله قصد السبيل ﴿(النحل ٩) أى على الله تبين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة، وسفر قاصد: سهل قريب. والقصد: العدل. والقصد إتيان الشىء، تقول: قصد له وقصد إليه توجه إليه عامداً، وقصد فى النفقة لم يسرف ولم يقتر، وقصد فى الأمر: توسط لم يُفرِط ولم يُفرِّط، وقصد فى مشيه: اعتدل فيه (١)
واصطلاحاً: يطلق ويراد به أولا: توجه النفس إلى الشىء أو انبعاثها نحو ما تراه موافقا، وهو مرادف للنية (٢).
فالقصد مرادف للنية، فالقصد يميز العبادة عن العادة كالجلوس للاعتكاف تارة، وللاستراحة تارة أخرى، أو تمييز رتبتها كالصلاة تكون للفرض تارة أو للنفل تارة أخرى، وشرطها إسلام الناوى وتمييزه وعلمه بالمنوى به. والإمساك عن الأكل قد يكون لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله ، فيحتاج فى الصيام إلى نية يقصد بها تميز ذلك عن ذلك.
مما تدخل النية فيه والقصد مسائل الأيمان فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما يجرى على اللسان من غير قصد بالقلب البتة قال تعالى:﴾ لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ﴿(المائدة ٨٩) (٣).
وأكثر استعمال القصد فى التعبير عن التوجه الإرادى (العملى) والتوجه الذهنى. فأما القصد الدال على التوجه الإرادى: فهو إما مشروع وإما هدف، فإن كان مشروعاً دل على مجرد العزم على الفعل والانبعاث نحوه. وإن كان هدفا دلّ على الغاية التى من أجلها حصل التوجه. فالنجار مثلاً يقصد صنع خزانة جميلة، وهذا مشروع، أو يقصد مع ذلك أن يشتهر ويكتسب ثقة الناس؛ وهذا هدف (٤).
ويطلق اصطلاح اتجاه القصد على العمل الذى له جانبان أحدهما جميل، والآخر قبيح، والمسلم لا يرى أن المعاصى تؤثر فيها النية الحسنة فتنقلب طاعة، فالذى يغتاب شخصا لتطييب خاطر شخص آخر هو عاص لله تعالى آثم لا تنفعه نيته وقصده الحسن فى نظره، وكذلك الذى يبنى مسجدا بمال حرام لا يثاب عليه، بل يعاقب على هذا المال الحرام، فلا يكفى أن يكون القصد حسنآ، بل لابد آن يكون الفعل والعمل صالحا موافقا للشرع. (٥)
فلابد من تقدير قيمة الفعل والعمل مع ملاحظة ناحيتين: إحداهما المبدأ الذى يوجه النفس إلى الشىء، والأخرى: الشروط الواقعية المحيطة بتنفيذ العمل.
وأما القصد الدال على التوجه الذهنى: فهو القصد الذى أشار إليه الفلاسفة المدرسيون فى القرون الوسطى، والفلاسفة الظواهريون والوجوديون فى العصور الحديثة.
فالفلاسفة المدرسيون يطلقون لفظ القصد على اتجاه الذهن نحو موضوع معين، ويسمّون إدراكه المباشر لهذا الموضوع بالقصد الأول، وتفكيره فى هذا الإدراك بالقصد الثانى.
والفلاسفة الظواهريون والوجوديون يطلقون لفظ القصد على تركيز الشعور فى بعض الظواهر النفسية، كالإدراك الحسى، والتخيل والذاكرة؛ لتفسيرها وتوضيح أسبابها فمعنى القصد عندهم قريب من معناه عند المدرسيين.
والقصدى هو المنسوب إلى القصد، ومنه الأنواع القصدية، وهى الأنواع المدركة بالحس، وهذا الإدراك عند الظواهرية لا يتم بتأثير العقل وحده، بل يتم بتأثير العاطفة والوجدان.
والانفعالية القصدية هى العواطف التى تتوجه إلى الشىء، وتعين على معرفته كالحب والبغضاء، فهما وسيلتان من وسائل المعرفة، كالإدراك والتذكر (٦).
ثانيا: القصد أخلاقيا: يطلق ويراد به التوسط والاعتدال فى الأمور كلها.
فقد تضمن الإسلام طائفة من الإرشادات المتصلة بحياة المسلمين الخاصة، قصد بها إلى تنظيم شئونهم البدنية والنفسية، ووضعها على أساس كريم وهى آداب تتعلق بمطعم الإنسان وملبسه ومسكنه وسائر آماله التى يسعى إليها فى هذه الحياة، لا يجنح بها إلى الرهبانية المغرقة، ولا إلى المادية الجشعة، فهى تقوم على التوسط والاعتدال، ومن ثم فتنفيذها سهل قريب.
إن الإسلام يقرن بين مطالب الجسم والنفس فى تعاليمه، ويكف طغيان أحدهما على الأخر، ويرى فى تنسيق حاجاتهما عونا للمرء على أداء رسالته فى هذه الحياة وما بعدها.
فالإسلام يقسم آمال المؤمن ورغائبه على معاشه ومعاده، ويطلب الخير لنفسه فى يومه وغده. قال تعالى:﴾ فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدنيا وماله فى الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴿(البقرة ٢٠٠ - ٢٠٢).
وقد جاء فى النصح لقارون ما يؤكد العمل للحياتين معاً، فإن الدنيا وسيلة للآخرة، وصحة الوسيلة ضمان لنجاح المقصد. قال تعالى﴾ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك .. ! ﴿(القصص ٧٧).
إن التوسط لب الفضيلة، والتوسط والقصد أن تملك الحياة لتسخرها فى بلوغ المثل العليا، لا أن تملك الحياة فتسخرها لدنياها، ولا أن تحرم من الحياة أصلاً فتقعد ملوما محسوراً. وقد قال الرسول ﷺ : " السمت الحسن والتؤدة- والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة" (رواه الترمذى). وقال تعالى:﴾ واقصد فى مشيك ﴿(لقمان ١٩) أى توسط واعتدل فى مشيك بين السرعة والبطء. (٧)
ولنأخذ مثالاً من الأمور التى طلب الإسلام فيها القصد، مثال المأكل والمشرب فإن حال الإنسان فى مأكله ومشربه مطلوب منه الاعتدال والقصد والتوسط فلا يُفرط فى تناول الطعام والشراب ولا يُفرِّط، فإن الداعى إلى الطعام والشراب شيئان: حاجة ماسة، وشهوة باعثة، فالحاجة تدعو إلى ما سدَّ الجوع وسكَّن الظمأ، وهذا مندوب إليه عقلاً وشرعاً لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد، ولذلك ورد الشرع بالنهى عن الوصال بين صوم اليومين، لأنه يضعف الجسد، ويمقت النفس، ويعجز عن العبادة. وأما شهوة الزيادة على قدر الحاجة والإكثار على مقدار الكفاية فهو ممنوع منه، فى العقل والشرع؛ لأنه تناول ما زاد على الكفاية فهو شَرَهٌ مضرّ (٨). وقد روى عن النبى ﷺ قال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن، صلبه فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه " (رواه ابن ماجه).
ولقد كان القصد فى الأمور والاعتدال فيها من صفة النبى ﷺ فلم يقبل النبى ﷺ موقف النفر الذى قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أصلى ولا أنام، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء، فبين رسول الله لهم أن ذلك يرفضه الإسلام ويأمر بالاعتدال والقصد فى الأشياء. فقال ﷺ " أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى ".
(هيئة التحرير)
стр. 529
١٧ - القصر
لغة: يدور حول معنيين: الحبس، وألا يبلغ الشىء مداه ونهايته، كما فى اللسان، ومن الأول قوله تعالى ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين﴾ الصافات:٤٨.
ومن الثانى: قوله تعالى ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ النساء:١٠١، ودلالة القصر، والحصر، والاختصاص متقاربة.
واصطلاحا: دلالة: قريبة من معنى الحبس اللغوى، لأنه تخصيص شىء بشىء بطريقة مخصوصة.
فجملة القصر المكونة من موصوف وصفة، تنتظم حكمين، إثبات الحكم للمقصور عليه، ونفيه عن غيره، فهى تنحل إلى جملتين فى المعنى، وتغنى غناءهما، وتداخل النفى والإثبات فى القصر، يجعله مركزا ذا إشعاع
وظلال وقوة حسم لأنه من أقوى طرق التوكيد.
وينقسم القصر إلى:
أولا: القصر الحقيقى، والإضافى: وهذا التقسيم راجع إلى اعتقاد المتكلم، وواقعه النفسى وإلى الواقع الخارجى، فالقصر إثبات شىء لشىء لايتعداه إلى غيره، وهذا الغير المنفى: إذا كان عاما فى الواقع كان القصر حقيقيا وإن كان خاصا معينا كان قصرا إضافيا.
فالحقيقى كقوله تعالى ﴿والهكم إله واحد لا إله إلا هو﴾ البقرة:١٦٣.
بقصر الألوهية على الله تعالى، بمعنى نفى كل فرد من الآلهة ثم حصرذلك المعنى فيه ﵎.
والقصر الإضافى: تخصيص شىء بشىء دون غيره أومكانه.
وينقسم الإضافى إلى قصر قلب، وإفراد وتعيين، حسب حال المخاطب واعتقاده.
فقصر القلب إنما يكون فى المتقابلات فى الصفات، والموصوفات: إذا كان المخاطب يعتقد عكس مايثبته المتكلم. كموقف المشركين من القرآن الكريم كما سجل القرآن على ألسنتهم قال تعالى ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ المدثر:٢٥، وقوله: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ المؤمنون:٨٣، وقوله تعالى ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ ص:٧، دلالة الحيرة والاضطراب والكذب بأنه غير حق.
أما قصر الإفراد، فالمخاطب يعتقد إشتراك الموصوف فى صفتين أو قيام الصفة بموصوفين، فيكون أسلوب القصر إفرادا لأحدهما ونفيا للثانى، كقولة تعالى ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ الغاشية:٢١ - ٢٢، والصفة المنفية الإكراه والإجبار.
وقصر التعيين حين يكون عند المخاطب إيهام وتردد كقولنا: إنما التحلل من القيم داء الأمم، لمن يسوى أو يتردد بين آثار التخلق بالقيم والتحلل منها.
ثانيا: وينقسم باعتبار الطرفين: إلى قصر صفة على موصوف، وقصر موصوف على صفة، والصفة مطلق المعنى القائم بالغير، وليس الصفة النحوية. والموصوف وما قام بنفسه، سواء كان ذاتا أو معنى موصوفا.
فمن قصرالصفة على الموصوف قوله تعالى ﴿ياك نعبد وإياك نستعين﴾ الفاتحة:٥.
وهو قصر حقيقى إخلاصا فى العبادة، وطلب الإعانة.
ومن قصرالموصوف على الصفة قوله تعالى ﴿وماتسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ يوسف:١٠٤.
وهو قصر إضافى، أما قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا، دون غيرها من الصفات، فقالوا إنه لايكاد يوجد لتعذر الإحاطة بالصفات، إلا بضرب من المبالغة.
كقولك: ماشوقى إلا شاعر. فقد بلغ فى الشعر المدى حتى كأنه لاصفة له إلا الشعر، وهذا كثير فى اللغة والاستعمال البليغ وإثبات صفة. دون سواها، أو موصوف دون غيره فى القصر، إنما هو تحييد وتحديد يلتقط ما له خطر، ويدفع المنفى تمييزا وإظهارا للمعنى.
والطرفان من صفة أو موصوف قد يطول أحدهما استيفاء للمعنى وهو كثير فى القرآن الكريم قال تعالى ﴿وماتكون فى شأن، وماتتلوا منه من قرآن ولاتعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾ يونس:٦١.
وهو قصر لهذه الحالات الثلاث على كونها مشهودة مراقبة من الله تعالى غرسا للمراقبة فى أعماق الإنسان.
وطرق القصر كثيرة وهى الوسائل التى تحدث فى الأسلوب هذه الخصوصية، ومنها: ضمير الفصل كقوله تعالى عن المتقين ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ البقرة:٥.
ومنها تعريف الطرفين كقوله تعالى ﴿إننى أنا الله لا إله إلا أنا﴾ طه:١٤.
وأشهر هذه الطرق أربعة:
١ - النفى والاستثناء ويكون غالبا فى المقامات القوية الجهيرة، كقوله تعالى ﴿وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وماننزله إلا بقدر معلوم﴾ الحجر:٢١، والمقصور عليه: المؤخر.
٢ - "إنما" -حملا على النفى والاستثناء- فى المقامات الجلية أو المنزلة منزلتها، وكثيرا ما تفيد التعريض -باقتضاء المقام- كقوله تعالى ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ الأنعام:٣٦ والمقصور عليه المؤخر.
٣ - تقديم ماحقه التأخيركقول تعالى ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ الكافرون:٦.
وقوله تعالى ﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير﴾ الممتحنة:٤.
والمقصورعليه المقدم.
٤ - العطف ب "بل" ولكن و "لا"،ويشترط فى بل ولكن تقدم نفى، ومن شواهد هذا الطريق قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون﴾ البقرة:١٥٤. وقول ﴿وماظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون﴾ آل عمران:١١٧، والواو لثانية لا تمنع القصر عند كثير من العلماء وتقول فى العطف بلا: شوقى شاعر لاخطيب.
لغة: الجهة، يقال: ما لكلامة قبلة، جهة.
أ. د/صبّاح عبيد دراز
стр. 530
١٨ - القصيدة
لغة: من القصد .. وهو الاستقامة، والعمد، والتوسط، والاعتدال والإصابة، والتنقيح، والتجويد، والتهذيب. (١)
واصطلاحا: مجموعة أبيات من بحر واحد، مستوية فى عدد الأجزاء وفى الأحكام اللازمة. (٢) وبعبارة أخرى: القصيدة مجموعة من الأبيات الشعرية ترتبط بوزن واحد من الأوزان العربية، وتلتزم قافية واحدة. (٣) وجمع القصيدة من الشعر القصيد، والقصائد .. قال ابن جنى: فإذا رأيت القصيدة الواحدة، قد وقع عليها القصيد بلا هاء .. فإنما ذلك لأنه وضع على الواحد اسم الجنس إتساعأ. (٤)
وقيل: القصيد من الشعر ما تمَّ شطر أبياته، وفى التهذيب شطر أبنيته .. سمى بذلك لكماله، وصحة وزنه، وقال ابن جنى: سمى قصيدا .. لأنه قصد واعتمد، وإن كان ما قصر منه واضطرب بناؤه نحو الرمل والرجز شعرا مرادا مقصودا .. وذلك أن ما تم من الشعر وتوفر آثر عندهم، وأشد تقدما فى أنفسهم مما قصر واختل، فسموا ما طال ووفر قصيدا .. أى مرادا مقصودا. (٥)
وقد اختلف فى عدد أبيات القصيدة .. فالأخنس أجاز تسمية ما كان على ثلاثة أبيات. أو خمسة أو عشرة قطعة .. فأما ما زاد على ذلك .. فإنما تسميه العرب قصيدة (٦) .. وقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهى قصيدة .. ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس … ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة وجاوزها، ولو ببيت واحد .. ويستحسنون أن تكون القصيدة وترا .. وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه .. كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر. (٧)
والقصيدة على أنواع منها:
١ - القصيدة العمودية: وهى التى تعتمد على وحدة الوزن والروى، وقد جاء عليها معظم الشعر العربى .. وثمة خصائص أسلوبية متعددة تميز هذه القصيدة. (٨)
٢ - القصيدة المثناة: وهى التى يجتمع فيها أكثر من ضرب من ضروب القافية. (٩)
٣ - قصيدة النثر: هى الكتابة التى لا تتقيد بوزن أو قافية .. وإنما تعتمد الإيقاع الداخلى .. والكلمة الموحية .. والصورة الشعرية .. وغالبا ما تكون الجمل فيها قصيرة، محكمة البناء، مكثفة الخيال.
وقد كانت بداية ظهور هذا النوع من القصائد فى الربع الأول من القرن العشرين .. عندما اعتمد جيران والريحانى فنَّا أدبيا يجعل النثر الفنى أسلوبا إلا أنه يتميز بعاطفة شعرية .. وخيال مجنح،
وقد كانا متأثرين بقراءتهما عن الأدب الغربى .. وقد سمى هذا النوع من الأدب الشعر المنثور .. وسماه ميخائيل نعيمة "الشعر المنثور " .. ثم جاءت مجلة "شعر" اللبنانية .. وأخذت تروج هذا الشكل الأدبى، وتطوره .. ولعل أول من بدأ بكتابة "قصيدة النثر" بشكل واضح ومميز الشاعر "أنسى الحاج " .. ثم جاء "أدونيس " و"يوسف الخال" و"شوقى أبو شقرا " و"عصام محفوظ " ورسخوا هذا الشكل الأدبى .. وكان "أدونيس " أول من اصطلح على تسمية هذا الشكل "قصيدة النثر" ودافع عنه فى كتابه "الثابت والمتحول " وكثير من الأدباء والنقاد يعتبرون هذا الشكل نثرا أدبيا. (١٠)
أ. د/ صفوت زيد