١٤ - القرض
لغة: ما تعطيه من المال لِتُقْضَاه، واستقرض منه طلب منه القرض فأقرضه واقترض منه القرض. (١)
وهو مصدر: قرض الشىء يقرضه إذا قطعه، وكأنه شىء قد قطعته من مالك.
واصطلاحا: دفع مال إرفاقا لمن ينتفع به ويرد بدله (٢).
ثبتت مشروعية القرض بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فبالآيات الكثيرة التى تحث على الإقراض، كقوله تعالى:﴾ من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ﴿(البقرة ٢٤٥).
وأما السنة: فما رواه أبو رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضى الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (٣).
- وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز القرض (٤).
وقد شرع القرض لمراعاة مصالح الناس والتيسير عليهم فى القيام بصنائع المعروف، ولذا يحرم القرض إن لم يكن القصد منه عمل المعروف كتحقيق منفعة للمقرض مثلا.
ولا خلاف بين الفقهاء فى أن الأصل فى القرض فى حق المقرض أنه قربة من القرب لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وقضاء حاجته وتفريج كربته وأن حكمه من حيث ذاته الندب، لكن قد يعرض له الوجوب أو الكراهة أو الحرمة أو الإباحة بحسب ما يلابسه أو يفضى إليه إذ للوسائل حكم المقاصد.
وبناء على ذلك: فإن كان المقترض مضطرا، والمقرض مليئا كان إقراضه واجبا، وإن علم المقرض أو غلب على ظنه أن المقترض يصرفه فى معصية أو مكروه كان حراما أو مكروها بحسب الحال لأنه إعانة على معصية ولو اقترض تاجر لا لحاجة، بل ليزيد فى تجارته طمعا فى الربح الحاصل منه كان إقراضه مباحا، حيث إنه لا يشتمل على تنفيس كربة، ليكون مطلوبا شرعا (٥).
آما فى حق المقترض فالأصل فيه الإباحة، وذلك لمن علم من نفسه الوفاء بأن كان له مال مرتجى، وعزم على الوفاء منه وإلا لم يجز ما لم يكن مضطرا، فإن كان كذلك وجب فى حقه لدفع الضّر عن نفسه. ولو كان المقرض عالما بعدم قدرته على الوفاء وأعطاه فلا يحرم، لأن المنع كان لحقه وقد أسقط حقه بإعطائه مع علمه بحاله.
أ. د/ فرج السيد عنبر
стр. 527
١٥ - قريش
لغة: قرش الشىء، يقْرِشُه أى قطعه وجَمَعَه من ههنا وههنا، وضم بعضَه إلى بعض.
واصطلاحا: أشهر قبائل العرب العدنانية على الإطلاق وسميت هذه القبيلة العربية قريشاً لتجمعهم إلى الحرم المكى، وثمت روايات أخرى عن سبب هذه التسمية، وكلها تدور حول ذلك المعنى اللغوى. والنسبة إلى قريش: قريشى، وقرشى.
ويعرِّف بهم ابن حزم بقوله (وَلَدُ فهربن مالك هم قريش، لا قريش غيرهم، ولا يكون قريشى إلا منهم، ولا من ولد فهر أحد إلا قريشى). وينتمى فهرُ بنُ مالك إلى جده الأعلى (عدنان) على هذا النسق: فِهْر ابن مالك بن النَّضْر بن كِنانَة بن خُرَيْمة بن مُدْرِكة ابن إلياس بن مُضر بن نزار بن مِعَدّ بن عَدْنان.
ويرتبط ذكر قريش فى التاريخ، ومكانتهم بين العرب جميعا بمكة المكرمة، وبيت الله الحرام الذى يقدسه العرب، ويحجون إليه فى كل عام، غير أن هذا الذكر والمكانة إنما يرجعان إلى عهد قريب من ظهور الإسلام، أما قبل ذلك فلم يكن لقريش شأن يكاد يذكر. وفى هذا الصدد يذكر المؤرخون: أن قُصَىَّ بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَىّ بن غالب بن فهر … بن عدنان، قصى هذا هو الذى يرجع إليه الفضل فى ظهور قبيلة قريش على مسرح الأحداث فى مكة، واتجاه أنظار العرب إليها، وذلك حين تمكن من جمع شمل أبناء قبيلته وتوحيد صفوفهم، ومن ثم استطاع التغلب على قبيلة خزاعة بعد قتال عنيف، كان النصر فيه لقصى وقريش، ثم عُقد صلح بين الفريقين على أن يتولى قصى أمور مكة والبيت الحرام، فأصبح أول رجل من قريش يدين له أهل مكة جميعا بالسمع والطاعة؛ فتولى حجابة البيت، وسقاية الحجاج ورفادتهم، ورئاسة الندوة واللواء والقيادة، وكان ذلك التطور الكبير فى تاريخ مكة وقريش فى النصف الأول من القرن الخامس الميلادى، أى قبل ظهور الدعوة الإسلامية بما يزيد قليلا عن قرن ونصف قرن من الزمان.
لما استقر الأمر لقصى جمع قريشاً وأمرهم أن يبنوا دورهم داخل مكة إلى جوار الكعبة، بعد أن اتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى البيت العتيق. وفى هذه الدار كان كبار رجال قريش يتبادلون الرأى فى أمور السلم والحرب، وفيها تُبرم عقود الزواج، وتُنجز المعاملات، ويرتبط بذلك أنه لا يدخل دار الندوة إلا الرجال الذين بلغوا سِنّ الأربعين، وهم بهذه المثابة يمثلون حكومة مكة، ولذلك التزم الناس بأوامرهم، كما صارت أوامر قصى بن كلاب مطاعة فيما بينهم.
وقبل وفاة زعيم مكة قام بتوزيع وظائف على أبنائه، فأعطى عبد الدار بن قصى حجابة البيت ودار الندوة واللواء، أما عبد مناف بن قصى فأعطاه السقاية والرفادة والقيادة، ونتيجة لذلك ظلت الأوضاع مستقرة بعد وفاة قصى، واستمرت قريش فى إدارة شئون مكة والبيت الحرام والقيام على خدمة الحجيج ورعايتهم.
لقد برز من خلفاء قصى العديد من رجال قريش الذين قاموا بأعمال مهمة أدت إلى ازدهار مكة، ورفعة شأن قبيلتهم بين العرب، ومن أشهرهم: هاشم بن عبد مناف بن قصى، الذى نجح فى عقد الإيلاف لقريش، وتوسيع نطاق التجارة المكية حيث أخرجها من الحدود المحلية إلى دائرة المجال الدولى؛ فأخذ الحلف من قيصر الروم لتجار قريش على أن يدخلوا الشام بتجارتهم ويعودوا منها آمنين، كما أنه هو الذى سَنّ لقريش رحلتى الشتاء إلى اليمن والحبشة، والصيف إلى الشام وغزة وآسيا الصغرى. وتولى بعد أبيه سقاية الحجاج وإطعام فقرائهم، وحفر عدة آبار جديدة ليرتفق بها أهل مكة وحجاج البيت. لقد كان اسمه عمر، ولكن غلب عليه لقب (هاشم)، لأنه هشم الثريد لقومه بمكة فى إحدى المجاعات. ومع هذه الأعمال جميعا فقد توفى شاباً وهو فى رحلة تجارية إلى غزة فى سنة ٥٢٤ ميلادية تقريبا. واشتهر أخوه المطلب بن عبد مناف بن قصى بالنسك والنهى عن الظلم والعدوان، والحث علّى مكارم الأخلاق. وكانت وفاته باليمن.
أما عبد المطلب بن هاشم، فكان أحد وجهاء مكة، وأشهر زعماء قريش فى عصره، وهو الذى لم يرهب لقاء أبرهة الحبشى الذى زحف على رأس جيش قوى من اليمن إلى مكة ليهدم البيت الحرام، وقال له واثقا مطمئنا: إن للبيت ربّا يحميه!! وصدق عبد المطلب " فقد حمى الله بيته، ودمر جيش أبرهة، وسجل القرآن الكريم هذه الحادثة الخطيرة فى تاريخ مكة وقريش فى سورة الفيل، واشتهر عبد المطلب كذلك بالفياض لجوده وسخائه، وإكرامه حجاج بيت الله- على الرغم من أنه لم يكن أغنى رجال مكة، ولُقِّب شيبة الحمد لكثرة حمد الناس له. وهو الذى حفر بئر زمزم التى استغنى بها أهل مكة عن الآبار الأخرى لغزارة مائها ولطف مذاقها. وقد توفى عبد المطلب قبل الهجرة بنحو خمسة وأربعين عاماً (٥٧٩ م).
ومن أبناء عبد المطلب المشهورين بين رجالات قريش: أبو طالب وشقيقه عبد الله (والد النبى محمد ﷺ )، والعباس جد الخلفاء العباسيين، وحمزة أسد الله، الذى استشهد فى غزوة أحد سنة ثلاث هجرية (٦٢٥ م).
أما أهم أسباب شهرة قبيلة قريش ومجدها المؤثل على مر التاريخ، فهو أن الله سبحانه قد شرفها ورفع ذكرها فى العالمين باختيار أحد أبنائها ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو: محمد ﷺ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى، الذى وُلد بمكة المكرمة فى عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة (٥٧٠ م)، وأوحى إليه وكلف بالرسالة حين بلغ الأربعين من عمره المبارك، ومن ثم أخذ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ عبادة الأصنام السائدة بين قريش والعرب جميعا، فمنهم من آمن به وصدقه، ومنهم من كفر بدعوته وصد عنه. ولكن بعد جهاد عظيم وكفاح مرير، ومعاناة شديدة، وهجرة من مكة إلى يثرب (المدينة المنورة) تكللت جهوده وجهاده بانتصار الحق الذى جاء به ودعا إليه وانتشار دعوته (دعوة الإسلام) فى مكة وسائر أنحاء شبه الجزيرة العربية. ولم تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها فى سنة إحدى عشرة للهجرة (٦٣٢ م)، إلا بعد اكتمال الرسالة، وإتمام نعمة الإسلام عليه وعلّى أمته، فأصبح العرب جميعا يدينون بالإسلام، والحمد لله رب العالمين …
أ. د/ محمد جبر أبو سعدة
стр. 528
١٦ - القصد
لغة: استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى:﴾ وعلى الله قصد السبيل ﴿(النحل ٩) أى على الله تبين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة، وسفر قاصد: سهل قريب. والقصد: العدل. والقصد إتيان الشىء، تقول: قصد له وقصد إليه توجه إليه عامداً، وقصد فى النفقة لم يسرف ولم يقتر، وقصد فى الأمر: توسط لم يُفرِط ولم يُفرِّط، وقصد فى مشيه: اعتدل فيه (١)
واصطلاحاً: يطلق ويراد به أولا: توجه النفس إلى الشىء أو انبعاثها نحو ما تراه موافقا، وهو مرادف للنية (٢).
فالقصد مرادف للنية، فالقصد يميز العبادة عن العادة كالجلوس للاعتكاف تارة، وللاستراحة تارة أخرى، أو تمييز رتبتها كالصلاة تكون للفرض تارة أو للنفل تارة أخرى، وشرطها إسلام الناوى وتمييزه وعلمه بالمنوى به. والإمساك عن الأكل قد يكون لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله ، فيحتاج فى الصيام إلى نية يقصد بها تميز ذلك عن ذلك.
مما تدخل النية فيه والقصد مسائل الأيمان فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما يجرى على اللسان من غير قصد بالقلب البتة قال تعالى:﴾ لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ﴿(المائدة ٨٩) (٣).
وأكثر استعمال القصد فى التعبير عن التوجه الإرادى (العملى) والتوجه الذهنى. فأما القصد الدال على التوجه الإرادى: فهو إما مشروع وإما هدف، فإن كان مشروعاً دل على مجرد العزم على الفعل والانبعاث نحوه. وإن كان هدفا دلّ على الغاية التى من أجلها حصل التوجه. فالنجار مثلاً يقصد صنع خزانة جميلة، وهذا مشروع، أو يقصد مع ذلك أن يشتهر ويكتسب ثقة الناس؛ وهذا هدف (٤).
ويطلق اصطلاح اتجاه القصد على العمل الذى له جانبان أحدهما جميل، والآخر قبيح، والمسلم لا يرى أن المعاصى تؤثر فيها النية الحسنة فتنقلب طاعة، فالذى يغتاب شخصا لتطييب خاطر شخص آخر هو عاص لله تعالى آثم لا تنفعه نيته وقصده الحسن فى نظره، وكذلك الذى يبنى مسجدا بمال حرام لا يثاب عليه، بل يعاقب على هذا المال الحرام، فلا يكفى أن يكون القصد حسنآ، بل لابد آن يكون الفعل والعمل صالحا موافقا للشرع. (٥)
فلابد من تقدير قيمة الفعل والعمل مع ملاحظة ناحيتين: إحداهما المبدأ الذى يوجه النفس إلى الشىء، والأخرى: الشروط الواقعية المحيطة بتنفيذ العمل.
وأما القصد الدال على التوجه الذهنى: فهو القصد الذى أشار إليه الفلاسفة المدرسيون فى القرون الوسطى، والفلاسفة الظواهريون والوجوديون فى العصور الحديثة.
فالفلاسفة المدرسيون يطلقون لفظ القصد على اتجاه الذهن نحو موضوع معين، ويسمّون إدراكه المباشر لهذا الموضوع بالقصد الأول، وتفكيره فى هذا الإدراك بالقصد الثانى.
والفلاسفة الظواهريون والوجوديون يطلقون لفظ القصد على تركيز الشعور فى بعض الظواهر النفسية، كالإدراك الحسى، والتخيل والذاكرة؛ لتفسيرها وتوضيح أسبابها فمعنى القصد عندهم قريب من معناه عند المدرسيين.
والقصدى هو المنسوب إلى القصد، ومنه الأنواع القصدية، وهى الأنواع المدركة بالحس، وهذا الإدراك عند الظواهرية لا يتم بتأثير العقل وحده، بل يتم بتأثير العاطفة والوجدان.
والانفعالية القصدية هى العواطف التى تتوجه إلى الشىء، وتعين على معرفته كالحب والبغضاء، فهما وسيلتان من وسائل المعرفة، كالإدراك والتذكر (٦).
ثانيا: القصد أخلاقيا: يطلق ويراد به التوسط والاعتدال فى الأمور كلها.
فقد تضمن الإسلام طائفة من الإرشادات المتصلة بحياة المسلمين الخاصة، قصد بها إلى تنظيم شئونهم البدنية والنفسية، ووضعها على أساس كريم وهى آداب تتعلق بمطعم الإنسان وملبسه ومسكنه وسائر آماله التى يسعى إليها فى هذه الحياة، لا يجنح بها إلى الرهبانية المغرقة، ولا إلى المادية الجشعة، فهى تقوم على التوسط والاعتدال، ومن ثم فتنفيذها سهل قريب.
إن الإسلام يقرن بين مطالب الجسم والنفس فى تعاليمه، ويكف طغيان أحدهما على الأخر، ويرى فى تنسيق حاجاتهما عونا للمرء على أداء رسالته فى هذه الحياة وما بعدها.
فالإسلام يقسم آمال المؤمن ورغائبه على معاشه ومعاده، ويطلب الخير لنفسه فى يومه وغده. قال تعالى:﴾ فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدنيا وماله فى الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴿(البقرة ٢٠٠ - ٢٠٢).
وقد جاء فى النصح لقارون ما يؤكد العمل للحياتين معاً، فإن الدنيا وسيلة للآخرة، وصحة الوسيلة ضمان لنجاح المقصد. قال تعالى﴾ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك .. ! ﴿(القصص ٧٧).
إن التوسط لب الفضيلة، والتوسط والقصد أن تملك الحياة لتسخرها فى بلوغ المثل العليا، لا أن تملك الحياة فتسخرها لدنياها، ولا أن تحرم من الحياة أصلاً فتقعد ملوما محسوراً. وقد قال الرسول ﷺ : " السمت الحسن والتؤدة- والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة" (رواه الترمذى). وقال تعالى:﴾ واقصد فى مشيك ﴿(لقمان ١٩) أى توسط واعتدل فى مشيك بين السرعة والبطء. (٧)
ولنأخذ مثالاً من الأمور التى طلب الإسلام فيها القصد، مثال المأكل والمشرب فإن حال الإنسان فى مأكله ومشربه مطلوب منه الاعتدال والقصد والتوسط فلا يُفرط فى تناول الطعام والشراب ولا يُفرِّط، فإن الداعى إلى الطعام والشراب شيئان: حاجة ماسة، وشهوة باعثة، فالحاجة تدعو إلى ما سدَّ الجوع وسكَّن الظمأ، وهذا مندوب إليه عقلاً وشرعاً لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد، ولذلك ورد الشرع بالنهى عن الوصال بين صوم اليومين، لأنه يضعف الجسد، ويمقت النفس، ويعجز عن العبادة. وأما شهوة الزيادة على قدر الحاجة والإكثار على مقدار الكفاية فهو ممنوع منه، فى العقل والشرع؛ لأنه تناول ما زاد على الكفاية فهو شَرَهٌ مضرّ (٨). وقد روى عن النبى ﷺ قال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن، صلبه فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه " (رواه ابن ماجه).
ولقد كان القصد فى الأمور والاعتدال فيها من صفة النبى ﷺ فلم يقبل النبى ﷺ موقف النفر الذى قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أصلى ولا أنام، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء، فبين رسول الله لهم أن ذلك يرفضه الإسلام ويأمر بالاعتدال والقصد فى الأشياء. فقال ﷺ " أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى ".
(هيئة التحرير)
стр. 529
١٧ - القصر
لغة: يدور حول معنيين: الحبس، وألا يبلغ الشىء مداه ونهايته، كما فى اللسان، ومن الأول قوله تعالى ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين﴾ الصافات:٤٨.
ومن الثانى: قوله تعالى ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ النساء:١٠١، ودلالة القصر، والحصر، والاختصاص متقاربة.
واصطلاحا: دلالة: قريبة من معنى الحبس اللغوى، لأنه تخصيص شىء بشىء بطريقة مخصوصة.
فجملة القصر المكونة من موصوف وصفة، تنتظم حكمين، إثبات الحكم للمقصور عليه، ونفيه عن غيره، فهى تنحل إلى جملتين فى المعنى، وتغنى غناءهما، وتداخل النفى والإثبات فى القصر، يجعله مركزا ذا إشعاع
وظلال وقوة حسم لأنه من أقوى طرق التوكيد.
وينقسم القصر إلى:
أولا: القصر الحقيقى، والإضافى: وهذا التقسيم راجع إلى اعتقاد المتكلم، وواقعه النفسى وإلى الواقع الخارجى، فالقصر إثبات شىء لشىء لايتعداه إلى غيره، وهذا الغير المنفى: إذا كان عاما فى الواقع كان القصر حقيقيا وإن كان خاصا معينا كان قصرا إضافيا.
فالحقيقى كقوله تعالى ﴿والهكم إله واحد لا إله إلا هو﴾ البقرة:١٦٣.
بقصر الألوهية على الله تعالى، بمعنى نفى كل فرد من الآلهة ثم حصرذلك المعنى فيه ﵎.
والقصر الإضافى: تخصيص شىء بشىء دون غيره أومكانه.
وينقسم الإضافى إلى قصر قلب، وإفراد وتعيين، حسب حال المخاطب واعتقاده.
فقصر القلب إنما يكون فى المتقابلات فى الصفات، والموصوفات: إذا كان المخاطب يعتقد عكس مايثبته المتكلم. كموقف المشركين من القرآن الكريم كما سجل القرآن على ألسنتهم قال تعالى ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ المدثر:٢٥، وقوله: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ المؤمنون:٨٣، وقوله تعالى ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ ص:٧، دلالة الحيرة والاضطراب والكذب بأنه غير حق.
أما قصر الإفراد، فالمخاطب يعتقد إشتراك الموصوف فى صفتين أو قيام الصفة بموصوفين، فيكون أسلوب القصر إفرادا لأحدهما ونفيا للثانى، كقولة تعالى ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ الغاشية:٢١ - ٢٢، والصفة المنفية الإكراه والإجبار.
وقصر التعيين حين يكون عند المخاطب إيهام وتردد كقولنا: إنما التحلل من القيم داء الأمم، لمن يسوى أو يتردد بين آثار التخلق بالقيم والتحلل منها.
ثانيا: وينقسم باعتبار الطرفين: إلى قصر صفة على موصوف، وقصر موصوف على صفة، والصفة مطلق المعنى القائم بالغير، وليس الصفة النحوية. والموصوف وما قام بنفسه، سواء كان ذاتا أو معنى موصوفا.
فمن قصرالصفة على الموصوف قوله تعالى ﴿ياك نعبد وإياك نستعين﴾ الفاتحة:٥.
وهو قصر حقيقى إخلاصا فى العبادة، وطلب الإعانة.
ومن قصرالموصوف على الصفة قوله تعالى ﴿وماتسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ يوسف:١٠٤.
وهو قصر إضافى، أما قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا، دون غيرها من الصفات، فقالوا إنه لايكاد يوجد لتعذر الإحاطة بالصفات، إلا بضرب من المبالغة.
كقولك: ماشوقى إلا شاعر. فقد بلغ فى الشعر المدى حتى كأنه لاصفة له إلا الشعر، وهذا كثير فى اللغة والاستعمال البليغ وإثبات صفة. دون سواها، أو موصوف دون غيره فى القصر، إنما هو تحييد وتحديد يلتقط ما له خطر، ويدفع المنفى تمييزا وإظهارا للمعنى.
والطرفان من صفة أو موصوف قد يطول أحدهما استيفاء للمعنى وهو كثير فى القرآن الكريم قال تعالى ﴿وماتكون فى شأن، وماتتلوا منه من قرآن ولاتعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾ يونس:٦١.
وهو قصر لهذه الحالات الثلاث على كونها مشهودة مراقبة من الله تعالى غرسا للمراقبة فى أعماق الإنسان.
وطرق القصر كثيرة وهى الوسائل التى تحدث فى الأسلوب هذه الخصوصية، ومنها: ضمير الفصل كقوله تعالى عن المتقين ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ البقرة:٥.
ومنها تعريف الطرفين كقوله تعالى ﴿إننى أنا الله لا إله إلا أنا﴾ طه:١٤.
وأشهر هذه الطرق أربعة:
١ - النفى والاستثناء ويكون غالبا فى المقامات القوية الجهيرة، كقوله تعالى ﴿وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وماننزله إلا بقدر معلوم﴾ الحجر:٢١، والمقصور عليه: المؤخر.
٢ - "إنما" -حملا على النفى والاستثناء- فى المقامات الجلية أو المنزلة منزلتها، وكثيرا ما تفيد التعريض -باقتضاء المقام- كقوله تعالى ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ الأنعام:٣٦ والمقصور عليه المؤخر.
٣ - تقديم ماحقه التأخيركقول تعالى ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ الكافرون:٦.
وقوله تعالى ﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير﴾ الممتحنة:٤.
والمقصورعليه المقدم.
٤ - العطف ب "بل" ولكن و "لا"،ويشترط فى بل ولكن تقدم نفى، ومن شواهد هذا الطريق قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون﴾ البقرة:١٥٤. وقول ﴿وماظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون﴾ آل عمران:١١٧، والواو لثانية لا تمنع القصر عند كثير من العلماء وتقول فى العطف بلا: شوقى شاعر لاخطيب.
لغة: الجهة، يقال: ما لكلامة قبلة، جهة.
أ. د/صبّاح عبيد دراز
стр. 530
١٨ - القصيدة
لغة: من القصد .. وهو الاستقامة، والعمد، والتوسط، والاعتدال والإصابة، والتنقيح، والتجويد، والتهذيب. (١)
واصطلاحا: مجموعة أبيات من بحر واحد، مستوية فى عدد الأجزاء وفى الأحكام اللازمة. (٢) وبعبارة أخرى: القصيدة مجموعة من الأبيات الشعرية ترتبط بوزن واحد من الأوزان العربية، وتلتزم قافية واحدة. (٣) وجمع القصيدة من الشعر القصيد، والقصائد .. قال ابن جنى: فإذا رأيت القصيدة الواحدة، قد وقع عليها القصيد بلا هاء .. فإنما ذلك لأنه وضع على الواحد اسم الجنس إتساعأ. (٤)
وقيل: القصيد من الشعر ما تمَّ شطر أبياته، وفى التهذيب شطر أبنيته .. سمى بذلك لكماله، وصحة وزنه، وقال ابن جنى: سمى قصيدا .. لأنه قصد واعتمد، وإن كان ما قصر منه واضطرب بناؤه نحو الرمل والرجز شعرا مرادا مقصودا .. وذلك أن ما تم من الشعر وتوفر آثر عندهم، وأشد تقدما فى أنفسهم مما قصر واختل، فسموا ما طال ووفر قصيدا .. أى مرادا مقصودا. (٥)
وقد اختلف فى عدد أبيات القصيدة .. فالأخنس أجاز تسمية ما كان على ثلاثة أبيات. أو خمسة أو عشرة قطعة .. فأما ما زاد على ذلك .. فإنما تسميه العرب قصيدة (٦) .. وقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهى قصيدة .. ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس … ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة وجاوزها، ولو ببيت واحد .. ويستحسنون أن تكون القصيدة وترا .. وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه .. كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر. (٧)
والقصيدة على أنواع منها:
١ - القصيدة العمودية: وهى التى تعتمد على وحدة الوزن والروى، وقد جاء عليها معظم الشعر العربى .. وثمة خصائص أسلوبية متعددة تميز هذه القصيدة. (٨)
٢ - القصيدة المثناة: وهى التى يجتمع فيها أكثر من ضرب من ضروب القافية. (٩)
٣ - قصيدة النثر: هى الكتابة التى لا تتقيد بوزن أو قافية .. وإنما تعتمد الإيقاع الداخلى .. والكلمة الموحية .. والصورة الشعرية .. وغالبا ما تكون الجمل فيها قصيرة، محكمة البناء، مكثفة الخيال.
وقد كانت بداية ظهور هذا النوع من القصائد فى الربع الأول من القرن العشرين .. عندما اعتمد جيران والريحانى فنَّا أدبيا يجعل النثر الفنى أسلوبا إلا أنه يتميز بعاطفة شعرية .. وخيال مجنح،
وقد كانا متأثرين بقراءتهما عن الأدب الغربى .. وقد سمى هذا النوع من الأدب الشعر المنثور .. وسماه ميخائيل نعيمة "الشعر المنثور " .. ثم جاءت مجلة "شعر" اللبنانية .. وأخذت تروج هذا الشكل الأدبى، وتطوره .. ولعل أول من بدأ بكتابة "قصيدة النثر" بشكل واضح ومميز الشاعر "أنسى الحاج " .. ثم جاء "أدونيس " و"يوسف الخال" و"شوقى أبو شقرا " و"عصام محفوظ " ورسخوا هذا الشكل الأدبى .. وكان "أدونيس " أول من اصطلح على تسمية هذا الشكل "قصيدة النثر" ودافع عنه فى كتابه "الثابت والمتحول " وكثير من الأدباء والنقاد يعتبرون هذا الشكل نثرا أدبيا. (١٠)
أ. د/ صفوت زيد
стр. 531
١٩ - القضاء
لغة: القطع والفصل، يقال: قضى يقضى قضاء، فهو قاض إذا حكم وفصل، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: إلزام من له إلزام بحكم الشرع (٢).
وقد ثبتت مشروعية القضاء بالكتاب والسنة والإجماع:
١ - قال تعالى: ﴿ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولاتتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ ص:٢٦.
٢ - وقد كان النبى ﷺ متوليا بنفسه أمر، القضاء بالوحى الإلهى، لأنه المبلغ عن الله ، فكان ﷺ إذا جلس للقضاء يتمثل العدل فى أسمى وأجمل المظاهر، وكان القضاء منحصرا فيه دون غيره، ولكن عندما انتشر الإسلام كان مضطرا لتعيين القضاة، وقد ثبت أنه بعث سيدنا عليا وسيدنا معاذا إلى اليمن قاضيين (رواه أبوداود والترمذى) (٣).
٣ - ولما تولى سيدنا أبوبكر الخلافة تولى بنفسه السلطة الدينية والسياسية، وكان يرجع فى كل أموره إلى كتاب الله أوسنة رسوله ﷺ ، وكان يأخذ بالقياس، وإذا تعذر عليه الفصل فى المنازعة التى عرضت عليه، يجع إلى الشورى، وأخذ بها بعد عرض الأمر على أهل العقد والحل، كذلك كان يفعل عمر، مع تعيين القضاة فى سائر الأمصار الإسلامية لاتساعها، وكان يختار القضاة من حفظة القرآن الكريم ومن المعروفين بالورع والتقوى، ممن ضربوا أروع الأمثله فى العدل (٤).
وقد شرع القضاء لأجل الفصل فى الخصومات، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل وإقامة العدل بين الناس، وهو ضرورة من الضروريات التى تحتاج الأمة إليها لعدم الاستغناء عنها، لأنه الوسيلة الوحيدة لرد النوائب، وقمع المظالم، ونصر المظلوم، وإنهاء الخصومات، ولذلك قال الفقهاء: يكره نحريما تقلد القضاء لمن يخاف الحيف فيه، بأن يظن أنه قد يجور فى الحكم، أو يرى فى نفسه العجز عن سماع دعاوى كل الخصوم، وهذا إذا لم يتعين عليه، فإن تعين عليه، أو من الخوف فلا يكره، وقالوا كذلك: يحرم على الشخص تولى القضاء إذا كان جاهلا ليس له أهلية القضاء أومن أهل العلم لكنه عاجز عن إقامة وظائفه، أو كان متلبسا بما يوجب فسقه، أو كان قصدء الانتقام من أعدائه، أو أخذ الرشوة أو نحو ذلك (٥).
والقضاء فى الإسلام له أهميته ومكانته، لأنه يقوم على تحقيق العدل بين الناس ورفع الظلم عن المظلومين، وعدم المحاباة أو المجاملة، وكل هذا نراه فى كتاب سيدنا عمر إلى أبى موسى الأشعرى الذى جاء فيه "إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة آس بين الناس فى مجلسك ووجهك
وعدلك حتى لايطمع شريف فى حيفك ولايخاف ضعيف من جورك، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر ولا يمنعك قضاء قضيته
بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل، واجعل للمدعى حقا عائنا أوبينة فاضرب له أمدا ينتهى إليه، فإن أحضر بينته أخدت له بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك اتقى للشك، وأجلى للعمى ثم إياك والقلق والضجر والتأذى بالناس والتنكر بالخصوم فى مواطن الحق التى يوجب بها الأجر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تعالى -ولو على نفسه- يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله خلافه منه، هتك الله ستره، وأبدى فعله، والسلام" (٦).
ولهذا رأينا الفقهاء يوجبون على القاضى:
١ - عدم الحكم لوالديه أو لأحد أولاده لأجل التهمة، ولكنه يجوز له أن يحكم على أحد أبويه، أو أحد أبنائه لانتفاء التهمة.
٢ - عدم الحكم على عدوه، ويجوز له أن يحكم له.
٣ - لا يجوز للقاضى أن يفاضل بين الخصوم فى المجلس، ولا أن يخلو بأحد الخصوم دون الآخر لما فى ترك العدل فى ذلك من كسر قلب الآخر ويؤدى إلى التهمة (٧).
٤ - وعلى القاضى أن ينظم وقته الذى يقضى فيه بين الناس، ليعطى لنفسه وقتا للراحة.
٥ - يستحب له أن يتخذ كاتبا يكتب له، لأن النبى ﷺ فعل ذلك، فقد اتخذ زيد بن ثابت ليكتب له، لأن القاضى فى الغالب يكون مشغولا بسماع دعوى الخصوم ومتابعة أقوالهم، ولهذا فإنه يكون محتاجا لكاتب يكتب له الوقائع حتى لا يقع القاضى فى خطأ بسببه النسيان.
٦ - ينبغى للقاضى أن يتخذ أعوانا يعاونونه فى إحضار الخصوم وتنفيذ أحكامه بشرط أن يكون هؤلاء الأعوان من المعروفين بالتقوى والصلاح والأمانة والبعد عن الطمع (٨).
٧ - ليجوز للقاضى تأخير الحكم فى الخصومة إلا فى ثلاث: الريبة، ولرجاء صلح الأقارب، وإذا طلب أحد الخصوم مهلة لتقديم ما يؤكد قوله أمام القاضى (٩).
٨ - على القاضى ألا يميز بين مسلم أو غير مسلم فى مجلس القضاء لأن الإسلام هو دين العدالة، والتى كانت سببا فى انتشار الإسلام شرقا وغربا، فهذا هو القاضى شريح الذى كان يقضى بالعدل، ولا يفرق بين مسلم وغير مسلم، ولا بين حاكم أو محكوم حينما تخاصم إليه سيدنا على ويهودى فى
رمح، وادعى سيدنا على أن الرمح رمحه، وادعى اليهودى أن الرمح رمحه، عند ذلك
طلب القاضى من سيدنا على -وهو أمير المؤمنين- أن يحضر الشهود على أن الرمح رمحه، فأحضر ابنه الحسن، فلم يقبل القاضى شهادة الحسن لأبيه، وطلب من سيدنا على أن يحضر شاهدا آخر، ولم يجد شاهدا غيره، فحكم القاضى بأن الرمح لليهودى، فلما رأى اليهودى ذلك تعجبه مما رأى، وأعاد لسيدنا على رمحه، وأعلن إسلامه فى الحال، بسبب ما رآه من عدل القاضى، الذى لم يفرق بين مسلم وغير مسلم، ولو كانت الخصومة بين يهودى وبين أمير المؤمنين.
أ. د/صبرى عبدالرؤوف محمد
стр. 532
٢٠ - القضاء والقدر
لغة: القضاء هو الحكم والفصل بين الناس - يقال قضى يقضى قضاء فهو قاض .. إذا حكم وفصل القاضى
وإصطلاحا: هو ما قدره الله تعالى وقضاه علّى العالمين فى علمه الأزلى مما لا يملّكون صرفه عنهم- وهذه العقيدة جاءت بها جميع الرسالات الإلهية، وليست خاصة بالمسلّمين- يقول ابن حزم: " ذهب بعض الناس- لكثرة استعمال المسلّمين لهاتين اللّفظتين إلى أن ظنوا فيهما معنى الإكراه والإجبار- وليس كما ظنوا- وإنما معنى القضاء- فى لغة العرب التى بها خاطبنا الله ورسوله، وبها نتخاطب ونتفاهم- أنه هو "الحكم" فقط، ولذلك يقولون: "القاضى" بمعنى الحاكم، وقضى الله بكذا" أى- حكم به؛ ويكون أيضا بمعنى "أمر"، قال تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ (الإسراء٢٣)، إنما معناه بلا خلاف أنه تعالى أمر أن لا تعبدوا إلا إياه؛ ويكون أيضا بمعنى "أخبر"- قال تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ (الحجر ٦٦) - بمعنى أخبرناه أن دابرهم مقطوع فى الصباح .. وقال: ويكون أيضا بمعنى "أراد"- وهو قريب من معنى "حكَم " ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ (آل عمران ٤٧) وقضى ذلك: حكم بكَونه فكوَّنَه. . ومعنى "القدر"- فى اللّغة
العربية- الترتيب والحد الذى ينتهى إليه الشيء- قال تعالى: ﴿وقدر فيها أقواتها﴾ (فصلت ١٠) بمعنى: رتب أقواتها وحددها؛ وقال: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (القمر ٤٩) أى: برتبة واحدة .. وعلى هذا- فمعنى: "قضى وقدر": "حكم ورتب "- ومعنى القضاء: حكم الله فى شيء بحمده أو ذمه وبكونه وترتيبه علّى صفة كذا وإلى وقت كذا فقط ".
وقد ذهبت طائفة من الناس إلى أن الإنسان مجبر على أفعاله وأنه لا استطاعة له أصلا، وهو كالريشة، فى مهب الريح، وإنما تنسب الأفعال إليه مجازا، والفاعل فى الحقيقة- هو الله كما تقول: أمطرت السماء، وليست السماء هى الفاعل للّمطر وإنما الفاعل هو الله- وهذا قول "الجبرية"، وعلّى رأسهم "جهم بن صفوان" وطائفة من "الأزارقة"- وقد ذهب "المعتزلة" إلى نقيض ذلك، فالإنسان- عندهم- يملّك حرية الإرادة، وهو مختار فى أفعاله، وهو الخالق لها، ومن ثم كان التكلّيف والثواب والعقاب وإلا فكيف يكلّف الإنسان بفعل لا يفعلّه هو إنما يفعله غيره وكيف يثاب أو يعاقب علّى فعل لا يفعله هو وإنما يفعله غيره - وهو الله، أما " الأشاعرة " فيرون أن الإنسان لا يخلق أفعاله الاختيارية، وإنما الخالق لها هو الله لأنه ﴿خالق كل شيء﴾ (الأنعام ١٠٢) وليس للإنسان فى أفعاله الاختيارية سوى "الكسب" - وهو: "مقارنه قدرة العبد للفعل من غير تأثير لها فيه "- وهذا الكسب هو مناط التكليف والمسئولية والثواب والعقاب. وأما " الماتريدية" فهم كالأشاعرة- إلا أنهم يفسرون "الكسب " بأنه "العزم والتصميم على الفعل "- وهذا هو مناط التكليف والثواب والعقاب- وهو ما يدل عليه حديث رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (رواه البخارى).
والقرآن الكريم يوبخ الذين يتعللون بالقدر فى كفرهم وعصيانهم: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾، (الأنعام ١٤٨)،
] وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء [، (النحل ٣٥) - ذلك لأن القدر من الأسرار التى استأثر الله تعالى بعلمها- وقد حاول أصحاب الديانات السابقة أن يجدوا حلا لهذه المعضلة- وهى التوفيق بين مسئولية الإنسان عن أفعاله والقول بإرادة الله المطلقة وقدرته الشاملة- وكانت نتيجة محاولاتهم الفشل الذريع، وثبت لهم أن هذا بحث لا يؤدى إلى نتيجة محققه يمكن الاتفاق عليها ولهذا أمرنا فى الإسلام أن لا نخوض فى مسألة القدر إذ إن الخوض فيها إضاعة للوقت سدى. والسبب فى عجز الإنسان عن حل هذه المعضلة- أننا لكى نصل إلى حكم صحيح على أصل الخير والشر والحسن والقبيح والعدل والظلم- يجب علينا أن نلم بحقيقة الخليقة، وحكمة الله فى الخلق وتدبير الأمور، وماهية الوجود، والأصول التى بنى عليها نظام هذا الكون، وغرض الخالق من ترتيب الأمور بعضها على بعض، ومعنى الثواب والعقاب، والعوامل المتضادة التى تتنازع الإنسان- إلى غير ذلك مما لا يمكن أن يستقل العقل الإنسانى بإدراكه؛ ومن ثم فنحن نؤمن بأن لا قدرة لمخلوق مع قدرة الخالق، وأن لا عمل إلا بتوفيق الله ومشيئته، ونكل أمر هذه المشكلة. إلى الله- طالبين منه أن يؤتينا فيها علما يثلج صدورنا، ويطمئن نفوسنا ..
أ. د/ صفوت حامد مبارك
стр. 533
٢١ - القضية الفلسطينية
فلسطين التى تنسب لها هذه القضية، هى أرض باركها الله سبحانه، بأن جعل فيها المسجد الأقصى فى بيت المقدس، وأسرى بعبده محمد بن عبدالله ﷺ خاتم النبيين إليه من المسجد الحرام وعرج به منه إلى السماء ليرى من آيات ربه الكبرى، وبارك حوله، وهى الأرض التى بعت الله فيها عيسى ابن مريم وعددا من النبيين، وعاش فيها أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. وفلسطين هذه تشكل الشطر الجنوبى الغربى من بلاد الشام وتجاورجزيرة العرب ومصر.
والقضية الفلسطينية مصطلح برز قانونيا منذ عام ١٣٣٦هـ، عام ١٩١٧ م، حين احتلت بريطانيا فلسطين ودخل الجنرال اللنبى مدينة القدس يوم ١٨/ ١٢ /١٩١٧ قال كلمته "الآن انتهت الحروب الصليبية". ويدل هذا المصطلح على جميع ما يتصل بفلسطين، شعبا وارضا، وحضارة وهى تواجه مع وطنها العربى ودائرة حضارتها الإسلامية تحالف قوى الهيمنة الغربية، القارونيين الجدد، مع الصهيونية العنصرية فى غروة لها بغية اغتصابها وجعلها "وطنا قوميا لليهود" على حد تعبير تصريح بلفور، وقاعدة استعمارية استيطانية عنصرية للتسلط على الوطن العربى بخاصة والعالم الإسلامى بعامة.
كانت بريطانيا قد ركزت أطماعها على فلسطين والأقطار العربية فى الدولة
العثمانية منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجرى مطلع القرن التاسع عشر الميلادى، إثر انتصار بلاد الشام ومصر على الغزوة الفرنسية التى قادها نابليون بونابرت، وعمدت فى نهاية ذلك القرن إلى تشجيع إقامة الحركة الصهيونيهة عام ١٨٩٧م ومساعدتها فى تهجير اليهود إلى فلسطين كما قامت عام ١٩١٦م/١٣٣٥هـ، بإبرام اتفاق سايكس بيكو مع فرنسا لتجزئة بلاد الشام واستعمارها، متنكرة لوعودها للشريف حسين باستقلال بلاد العرب، ولم تلبث حكومة بريطانيا أن أصدرت يوم ٢/ ١١ /١٩١٧ تصريحا بالعمل على جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود. وقامت بريطانيا بعد انهيار الدوله العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى باستعمار فلسطين تحت اسم "الأنتداب" الذى قررته عصبة الأمم فى ٢٤/ ٧ /١٩٢٢م وأقرت له "صكا" لتنفيذ التصريح، وباشرت بريطانيا استعمارا قمعيا ظالما وحشيا غير إنسانى استهدفت به شعب فلسطين العربى بغالبيتة المسلمة والمسيحية.
القضية الفلسطينية إذا فى ضوء ماسبق هى قضية جهاد الشعب العربى الفلسطينى لتحرير وطنه المحتل، فلسطين الذى رسم "الانتداب" حدودا سياسية له تفصله عن بقية أقطار بلاد الشام ومصر، وتبلغ مساحته حوالى سبعة وعشرين ألف كيلو مترا مربعا، وقد برزت فيه عوامل دينية وحضارية وقومية واستراتيجية، وأبعاد محلية واقليمية ودولية.
استمر هذا الجهاد طيلة مرحلة الاستعمار البريطانى الذى انتهى يوم ١٥/ ٥ /١٩٤٨م وواجه فيه الشعب العربى الفلسطينى العدو المزدوج بريطانيا والحركة الصهيونية، مدافعا عن بيت المقدس والوطن والعرض والمال وحضارته العربية الإسلامية والدين. واتبع فيه مختلف الوسائل القانونية والسياسية والانتفاضات والثورات التى منها ثورة البراق عام ١٣٤٨هـ، عام ١٩٢٩م وثوره القسام بعدها بأربع سنين والثورة العربية الكبرى بين عامى ١٣٣٥،١٣٣٧هـ/١٩٣٦،١٩٣٨م وقد حظى هذا الجهاد بمساندة أبناء الأمة العربية والعالم الإسلامى الذين أدركوا أن تحالف قوى
الهيمنة الغربية والصهيونية لم يستهدفوا فلسطين لذاتها فحسب، وإنما للسيطرة على الوطن العربى وديار الإسلام بعامة. وتجلت هذه المساندة فى صور، كان منها إنعقاد المؤتمر الإسلامى فى بيت المقدس عام ١٣٥٠هـ الموافق ١٩٣١م، وكان منها أيضا مشاركة مجاهديه فى الثورة العربية الكبرى.
وكاد هذا الجهاد أن يحقق بعض أهدافه لولا نشوب الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩م، وبروز قوى الهيمنة الأمريكية التى تبنت الحركة الصهيونية. وكان للولايات المتحدة دور خاص فى صدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين يوم ٢٩/ ١١ /١٩٤٧م، ثم فى إقامة "إسرائيل" فى ١٥/ ٥ /١٩٤٨ م، خدمة للمصالح الأمريكية المتنامية فى الوطن العربى والعالم الإسلامى المتعطلة، للسيطرة على النفط بخاصة.
مرت القضية الفلسطينية بمراحل بعد إقامة دولة إسرائيل، امتدت واحدة منها بين عامى ١٩٤٨م و١٩٦٧م، وشهدت تدعيم الكيان الصهيونى بالمهجرين اليهود وبالسلاح، وتوظيف قوى الهيمنة الغربية فى مقاومة ثورة التحرير فى الوطن العربى والعالم الإسلامى، وأحد تجليات ذلك العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦م الذى دبرته بريطانيا وفرنسا وشاركت إسرائيل فى تنفيذه. كما شهدت هذه المرحلة استمرار جهاد شعب فلسطين العربى للتماسك بعد النكبة التى حلت به عام ١٩٤٨ م من جهة ولإبراز كيانه من جهة أخرى. وقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية تجسيدا لهذا الكيان فى ٢٨/ ٥ /١٩٦٤ م بدعم من الدول العربية.
ومرحلة أخرى امتدت منذ نكسة حرب يونيو حزيران عام ١٩٦٧م حتى زلزال الخليج عام ١٩٩١م وبرزت فى هذه المرحلة قضية الأراضى العربية التى احتلتها إسرائيل فى سيناء المصرية والجولان السورية إلى جانب القضية الفلسطينية التى دخل فيها احتلال إسرائيل لبقية فلسطين (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة).
وشهدت هذه المرحلة حرب رمضان لعام ١٤٩٣هـ عام ١٩٧٣م كما شهدت قيام "إسرائيل" باحتلال شريط فى جنوب لبنان عام ١٩٧٨م وبغزو الجنوب اللبنانى عام ١٩٨٢م وبرزت منذ ذلك الحين المقاومة اللبنانية المباركة واستمرت الثورة الفلسطينية فى هذه المرحلة، وحدثت الانتفاضة فى آخر عام ١٩٧٨م وشهدت المرحلة إبرام اتفاق كامب دافيد بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٧٨ م الذى أوصل إلى إبرام معاهده السلام المصرية الإسرائيلية عام ١٩٧٩ م.
المرحلة الراهنة فى القضية الفلسطينية بدأت بعد زلزال الخليج بانعقاد مؤتمر مدريد يوم ٣٠/ ١٠ /١٩٩١م الذى باشر ما أسمته الولايات المتحدة الأمريكية "عملية سلام الشرق الأوسط" وشهدت هذه المرحلة اعتراف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية "بإسرائيل" فى ٩/ ٩ /١٩٩٣ وإبرام اتفاقات
أوسلو بإقامة "حكم ذاتى انتقالى فلسطينى محدود فى الضفة الغربية وقطاع غزة" وإبرام الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل فى ٢٦/ ١٠ /١٩٩٤م.
وباتفاقات أوسلو انحصرت القضية الفلسطينية فى مسائل أربع تتعلق بما أسمته الولايات المتحدة الوضع النهائى، هى القدس والمستعمرات الاستيطانية الصهيونية فى الضفة والقطاع واللاجئون والحدود كما شهدت هذه المرحلة المحاولة الأمريكية لإقامة "نظام الشرق الأوسط" فى دائرة الحضارة الإسلامية بقيادة إسرائيل.
دلائل كثيرة تشير إلى أن "عملية سلام الشرق الأوسط" حتى وإن وصلت إلى إبرام إتفاقات بشأن هذه المسائل الأربع، فإن القضية باقية وتدخل مرحلة جديدة يأخذ فيها الصراع العربى الصهيونى شكلا مختلفا عما كان عليه طوال القرن الأول وذلك لأن "الحل العنصرى" للقضية الذى صممته قوى الهيمنة الأمريكية مع الصهيونية لم يعالج جوانب القضية بل جعلها تتفاقم، وبخاصة فيما يتعلق ببيت المقدس الذى يستهدف هذا "الحل العنصرى" تهويدها وينذر بوقوع جريمة هدم المسجد الأقصى فيها واقامة هيكل فى موضعه. وهكذا فإن من المتوقع أن تستمر القضية الفلسطينية وتدخل مرحلة أخرى فى صراع النفس الطويل التى تخوضها الأمة العربية والشعوب الإسلامية ضد قوى الهيمنة الغربية والصهيونية العنصرية إلى أن
يتم تحرير فلسطين والقدس وينبذ اليهود الصهيونية فيعيشوا مستأمنين فى ظل الحضاره العربية الإسلامية.
أ. د/أحمد صدقى الدجانى
стр. 534
٢٢ - القطب
اصطلاحا: عند الصوفية " الإنسان الكامل " أو " الحقيقة المحمدية"- والإنسان الكامل هو "القطب الحسى" كما أن "الحقيقة المحمدية" هى "القطب المعنوى"، ويرى "محيى الدين بن عربى": أن "الحقيقة المحمدية"- أى روح محمد ﷺ - هى التى تنقل العلم الإلهى لكل الأنبياء والأولياء- وهى تتجلى بأكمل صورة فى "القطب "- وهو معصوم، ولكل زمان قطب، وهو الخليفة الحقيقى لله- ويسمى "قطب الوقت " أو "صاحب الوقت " أو "صاحب الزمان" وهو "الغوث " الذى يوجد بفضل "قطب الأقطاب ". ويرى "الحكيم الترمذى" أن القطب هو شيخ جماعة من الأتقياء لهم نظام متدرج، وكل مرتبة من مراتب هذا النظام يرأسها قطب، والمريدون يتلقون العلم من هؤلاء الأقطاب الذين يتلقون علمهم من "القطب الأكبر"- وهذا المفهوم للقطب أصبح جزءا من التيار الرئيسى للفكر الصوفى.
وللقطب مفهوم آخر نجده عند "عمر بن الفارض "؛ فهو "المبدأ الفعال لكل إلهام "- وهو يشبه ما تعتقده "الشيعة الإسماعيلية" من تجسيد العقل الأول فى "الناطق " (أى الإمام) - وهناك من يقارن بين ما يراه الشيعة فى "الإمام " بوصفه مظهرا للكلمة الإلهية، ومفهوم "القطب " عند الصوفية- كما أن هناك من يقارن بين التدرج الرئاسى للدعاة الإسماعيلية، والتدرج الرئاسى فى التصوف برئاسة القطب؛ حتى ذهب البعض إلى أن التدرج فى نظام القطب عند الصوفية مقتبس من الشيعة الإسماعيلية. ويصرح بعض علماء الشيعة بأن "القطب "والإمام "مصطلحان لهما نفس المعنى، بل ينطبقان على نفس الشخص. وقد ينسب إلى "القطب " ظهور كرامات على يديه تناسب المقام الذى بلغه وقد هاجم "ابن خلدون " هذا النظام كما هاجمه الذين يرون أن التصوف دخيل على الإسلام- ولا يزال هناك من يدعى أو يُدّعَى له أنه قطب من الأقطاب، ويطلق لقب " الأقطاب الأربعة" على: "عبد القادر الجيلانى" وأحمد البدوى" وأحمد الرفاعى" وإبراهيم الدسوقى". وقد يسمى القطب "غوثا" باعتبار التجاء الملهوف إليه، ويرى بعض الصوفية أنه "هو الواحد الذى هو موضع نظر الله فى كل زمان، أعطاه الله الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسرى فى الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح فى الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، وبه يتبع علمه علم الحق، وعلم الحق يتبع الماهيات غير المجعولة؛ فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل- أما " اليقظة الكبرى" فهى مرتبة "قطب الأقطاب "، وهو باطن نبوة محمد ﷺ فلا يكون إلا لورثته؛ فلا يكون خاتم الولاية وقطب الأقطاب إلا على باطن "خاتم النبوة"- ويلاحظ الاتجاه الشيعى فىهذا المفهوم.
أ. د/ صفوت حامد مبارك
стр. 535
٢٣ - قطع الطريق (الحرابة)
يستعمل أكثر الفقهاء مصطلح (قطع الطريق) تحت باب الحرابة.
والحرابة لغة: من الحرب التى هى نقيض السلم، يقال: حاربه محاربة، وحرابا، أو من الحرَب بفتح الراء- وهو السلّب. يقال: حرب فلانا ماله أى: سلبه فهو محروب وحريب. (١)
واصطلاحا: الحرابة: قطع الطريق وهو البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث (٢).
وزاد المالكية: محاولة الاعتداء على العرض مغالبة.
وقيل من كابر رجلا على ماله بسلاح أو غيره فى زقاق أو دخل على حريمه فى المصر حكم عليه بحكم الحرابة.
الحكم التكليفى لقطع الطريق (الحرابة):
الحرابة كبيرة من الكبائر، وهى من الحدود باتفاق الفقهاء وسمى القرآن الكريم مرتكبيها محاربين لله ولرسوله ﷺ قال تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الارض﴾ (المائدة ٣٣).
ونفى عنهم رسول الله ﷺ انتسابهم للإسلام فقال: (من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا) (رواء البخارى ومسلم فى صحيحيهما). وقاطع الطريق (المحارب) عند الفقهاء هو كل ملتزم مكلف أخذ المال بقوة فى البعد عن الغوث. إذاً فلابد من توافر عدة شروط حتى يحدّ حد الحرابة على قاطع الطريق وهى:
(أ) الالتزام: أن يكون قاطع الطريق (المحارب) ملتزما بأحكام الشريعة بأن يكون مسلما أو ذميا أو مرتدا، فلا يحد الحربى، ولا المعاهد ولا المستأمن (٣).
فالذمى التزم أحكام الشريعة فله مالنا وعلّيه ما علينا، أما المستأمن فقد وقع الخلاف. بين الفقهاء فى كونه محاربا أم لا.
(ب) التكليف: يشترط البلوغ والعقل فى قاطع الطريق (المحارب) حتى يقام عليه الحد لأنهما شرطا التكليف الذى هو شرط إقامة الحد.
(جـ) الذكورة: وهذا الشرط قاله الحنفية حيث لم يشترطه المالكية والشافعية والحنابلة فهم يرون أنه لو اجتمع نسوة لهن قوة ومنعة فهن قاطعات طريق، ولا تأثير للأنوثة على الحرابة فيجرى على المرأة ما يجرى على الرجل فى أحكام الحرابة (٤). أما الأحناف فيرون أن الخروج على وجه المحاربة والمغالبة لا يتحقق فى النساء عادة لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن فلا يكن من أهل الحرابة.
(د) السلاح: اختلف الفقهاء فى اشتراط السلاح لقاطع الطريق (المحارب) فقال الحنفية والحنابلة: يشترط أن يكون مع قاطع الطريق سلاح ويعدون الحجارة والعصى سلاحا، فإن تعرض قاطع الطريق للناس بالعصى والحجارة فهو محارب، أما إذا لم يحمل شيئا مما ذكر فليس بمحارب (٥).وْلا يشترط المالكية والشافعية حمل السلاح بل يكفى عندهم القهر والغلبة وأخذ المال ولو باللكز والضرب بجمع الكف. (٦)
(هـ) البعد عن العمران: ذهب المالكية والشافعية وأبو يوسف وكثير من الحنابلة إلى أنه لا يشترط البعد عن العمران فى حد الحرابة، بل يشترط فقد الغوث، ولفقد الغوث أسباب كثيرة، ولا ينحصر فى البعد عن العمران، فقد يكون للبعد عن العمران أوالسلطان أو لضعف أهل العمران أو لضعف السلطان. فلو دخل قوم بيتا وشهروا السلاح ومنعواأهل البيت من الاستغاثة فهم قطاع طرق فى حقهم (٧) (و) المجاهرة: وهى أن يأخذ قطاع الطريق المال جهرا، فإن أخذوه مختفين فهم سرّاق، وإن اختطفوا وهربوا فهم منتهبون ولا قطع عليهم.
عقوبة المحاربين: لا خلاف بين الفقهاء فى أن عقوبة المحارب حد من حدود الله لا يقبل الإسقاط ولا العفو ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم والأصل فى ذلك قوله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ (المائدة ٣٣).
واختلف الفقهاء فى هذه العقوبات الواردة فى الآية هل هى على التخيير أم على التنويع، فذهب الشافعية والحنابلة وبعض الأحناف إلى أن (أو) فى الآية على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها فى الجنايات، فمن قتل وأخذ المال، قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالا نفى من الأرض. (٨) أما عن كيفية تنفيذ عقوبة الحرابة فقد اختلف الفقهاء فى كيفيتها وذلك ما نراه فى كتب الفقه التى أثرت عنهم.
ما تثبت به الحرابة:
لا خلاف بين الفقهاء فى أن جريمة الحرابة تثبت قضاء بالإقرار أو بشهادة عدلين، وتقبل شهادة الرفقة فى الحرابة.
سقوط عقوبة الحرابة:
يسقط حد الحرابة عن المحاربين بالتوبة قبل القدرة عليهم وذلك فى شأن ما وجب عليهم حقا لله، وهو تحتم القتل والصلب والقطع من خلاف والنفى وهذا محل اتفاق بين أصحاب المذاهب الأربعة (٩).
واستدلوا بقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ (المائدة ٣٤) فالله أوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدرة عليهم.
أما حقوق الآدميين فلا تسقط بالتوبة، فيغرمون ما أخذوه من المال عند الجمهور وعند الحنفية إن كان المال قائما ويقتص منهم إذا قتلوا على التفصيل السابق، ولا يسقط إلا بعفو مستحق الحق فى مال أو قصاص.
(هيئة التحرير)
стр. 536
٢٤ - القلب
لغة: قلب الشىء لبه وباطنه، وهو ضد ظاهره.
واصطلاحًا: مضخة قادرة على مد الجسم- بما فيه القلب نفسه- بالدم وبكل ما يحمله الدم.
وعند الفلاسفة فإن القلب مركز القوة الغضبية وفضيلتها الشجاعة. ويطلق على الشعور بالعطف أو الحنان أو الرحمة أو المحبة وغيرها من الأحوال الوجدانية. وإذا أطلق القلب على مجموع الأحاسيس والعواطف دل علّى معنى مقابل لمعنى العقل. وللقلب عند الفلاسفة معان أخرى فهو يُطلق على النفس أو الروح أو تلك اللطيفة الربانية التى لها بالقلب الجسمانى تعلق، وهى حقيقة الإنسان التى يسميها الحكماء بالنفس الناطقة أو العقل.
ومن ثم فإن وظيفة القلب عند الفلاسفة إدراك الحقائق العقلية بطريق الحدس والإلهام لا بطريق القياس والاستدلال، وربما كان الغزالى أبرز الذين قالوا بوظيفة القلب فى الإدراك والمعرفة. فقد سبق باسكال إلى القول بإدراك الحقيقة بالقلب لا بالاستدلال العقلى وحده. والقلب لا يقتصر على إدراك العواطف، بل يتسع لإدراك الحقائق.
ومن الجدير بالذكر أننا على مستوى الحياة العامة نؤمن أن معرفتنا بكثير من مبادئ الحياة ترجع إلى الإدراك القلبى لا العقلى.
أما القلب من حيث هو عضو فيتكون من عضلة واحدة، وهو مخروطى الشكل- يوصف أحيانا بأنه صنوبرى الشكل- ويرقد على جانبه بحيث تتجه قاعدته إلى ثلاث بوصات ونصف بوصة، ويبلغ طوله خمس بوصات من القاعدة إلى قمة المخروط، ويكون سمكه بوصتين ونصف بوصة. يوجد القلب داخل غلاف التامور ويُفصل من نهايته العليا بالشرايين الكبرى.
ويبسط الأطباء وصف مكوناته بالقول بأنه يتكون من حجرتين للاستقبال وحجرتين للدفع، وينقبض البطينان معا. فالدم الذى يدخل من الأذينين إلى البطينين تمنعه الصمامات من العودة، ومن ثم تضطره انقباضات القلب إلى أن يدخل الأورطى وبالتالى إلى مجرى الدم إلى الجسم. ويدخل الدم من الأوردة الكبيرة إلى الأذينين فى أثناء فترة الانبساط حين تستريح العضلات من الانقباض، وعندئذ تنقبض عضلات الأذينين فتقفل الصمامات نتيجة ضغط الدم ويمر الدم من البطينين إلى الشريانين وبعدها يقفل الصمام الهلالى بين البطينين والشريانين ليمنع الدم من الرجوع إلى البطينين، وبعدئذ ترتخى العضلات البطينية إلى أن تنفتح مرة ثانية تحت تأثير ضغط الدم المندفع من الأذينين ليدخل الدم إلى البطينين. وتستغرق كل دورة أربعة أخماس الثانية. ويبلغ حجم قلب أى شخص حجم قبضة يده تقريبا، ويزيد قلب الوليد حوالى ٢٠ جراما بينما يبلغ وزن قلّب البالغ ما بين ٢٥٠ و ٣٠٠ جرام.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 537
٢٥ - القنوت
لغة: هو مصدر من باب قعد، وهو العبادة أو الدعاء مطلقا، ويطلق على القيام فى الصلاة وأقنت: أى دعا على عدوه (١).
وشرعا: هو ما اشتمل على دعاء وثناء ولو آية قصده بها (٢).
واعلم أنه قد وقع الاتفاق على ترك القنوت فى أربع صلوات من غير سبب، وهى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا فى صلاة الصبح من المكتوبات وفى صلاة الوتر من غيرها (٣).
أما عن مشروعية القنوت فى الصبح، فقد ذهب المالكية والشافعية وابن أبى ليلى والحسن بن صالح والأوزاعى والخلفاء الأربعة ومعهم بعض الصحابة والتابعين، إلى أن القنوت مشروع فى الركعة الثانية من صلاة الصبح فى جميع الأزمان، سواء كانت هناك نوازل أم لم تكن، فهو سنة (٤).
بينما ذهب الحنفية والحنابلة والثورى وروى عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود إلى أن القنوت غير مشروع فى صلاة الصبح، إلا إذا أنزل بالمسلمين نازلة، فالإمام له أن يقنت فى صلاة الصبح (٥).
وأما القنوت فى الوتر، فقد ذهب الحنفية، وبعض الشافعية، والمنصوص عن أحمد إلى أن القنوت مسنون فى الوتر فى الركعة الواحدة فى جميع السنة.
بينما ذهب الشافعية فى الراجح عندهم، ورواية عن الإمام أحمد إلى أن القنوت مسنون فى الوتر فى النصف الأخير من شهر رمضان فقط (٦).
وهل يقنت قبل الركوع أو بعده؟ بكلٍّ قيل.
أ. د/على مرعى
стр. 538
٢٦ - قوّة
لغة: القوة الشدة، وهى نقيض الضعف، والجمع القُوَى.
واصطلاحا: امتلاك الأسباب والكيفيات الكفيلة بتحقيق الغاية المشروعة .. يقول الله تعالى] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم [، (الأنفال ٦٠)
وعند الحكماء: هى تمكين الحيوان من الأفعال الشاقة، وتنقسم القوى عندهم إلى: ا- قوى طبيعية، وهى قوى النفس النباتية.
٢ - قوى نفسانية، وهى قوى النفس الحيوانية.
٣ - قوى عقلية (حافظة) وهى قوى النفس الإنسانية، وتنقسم بدورها إلى (القوة النظرية) و (القوة العملية)
وفى الفيزيقا: تعرّف بأنها الجهد اللازم لتغيير حالة من سكون أو حركة منتظمة مقدارا أو اتجاها، وتقاس بوحدات مختلفة منها (الرطل، الجرام، الكيلوجرام … ) وتنشأ فى حالة التوازن لكل قوة قوة أخرى مساوية لها فى المقدار ومختلفة معها فى الاتجاه. والإسلام حث على طلب الغلبة والشوكة وكل أنواع القوى المتاحة امتثالاً لقوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعت من قوة﴾ (الأنفال ٦٠) الأمر الذى دعا الإمام محمد عبده إلى أن يقول: الناظر فى أصول هذه الديانة ومن يقرأ سورة من كتابها المنزل يحكم حكما لا ريب فيه بأن المعتقدين بها لابد أن يكونوا أول ملة حربية فى العالم وأن يسبقوا جميع الملل إلى اختراع الآلات وإتقان العلّوم العسكرية والتبحر فيما يلزمها من الفنون كالطبيعة والكيمياء وجر الأثقال والهندسة، إضافة إلى حب الغلبة وطلب كل وسيلة إلى ما يسهل له سبيلها، والسعى اليها بقدر الطاقة البشرية.
ومن أولى دعامات القوة التى حث الإسلام على اكتسابها الإيمان بالله والالتزام بشريعته التى أنزلها على نبيه محمد ﷺ ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ (محمد ٧) حيث إن أى قوة يكتسبها العبد هى منحة وهبة من الله، لا يعطاها كنصر وفضل إلا من التزم بمنهج الله التزاما تاما، ثم تأتى بعد ذلك سائر أسباب القوة من علم وجد وسياسة … الخ ووظيفة القوة فى الإسلام تتفق ورسالة الإنسان فى الحياة، وهى تمكينه من الاستخلاف فى الأرض وعمارتها ونشر الحق والعدل والخير فى ربوعها.
(هيئة التحرير)
стр. 539
٢٧ - القول بالموجب
لغة: الموجب مأخوذ من: أوجب يوجب، أى: أتى بموجبه من السيئات أو الحسنات، وأوجب الرجل: إذا عمل عملاً يوجب الجنة أو النار (١).
واصطلاحا: تسليم ما جعلّه المستدل موجبا لعلته مع استبقاء الخلاف (٢).
ومعنى ذلك: أن يسلم الخصم الدليل الذى استدل به المستدل، إلا أنه يقول: هذا الدليل ليس فى محل النزاع إنما هو فى غيره، فيبقى الخلاف بينهما كقول الشافعى: المحرم إذا مات لم يُغسّل، ولم يُمَسَّ بطيب؛ لقول رسول الله ﷺ فى رجل مات وهو محرم: لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) (٣).
فيقول المالكى: سلمنا ذلك فى ذلك الرجل، وإنما النزاع فى غيره، لأن اللفظ لم يرد بصيغة العموم (٤).
والقول بالموجب من قوادح العلة، والموجب بفتح الجيم أى: القول بما أوجبه دليل المستدل واقتضاه، أما الموجب بكسرها فهو: الدليل المقتضى للحكم، وهو غير مختص بالقياس، ومنه الآية الكريمة ﴿لئن رَجَعْنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ (المنافقون ٨) فقد ذكرها رأس النفاق ابن سلول وقت أن كان المسلمون فى غزوة بنى المصطلق، فقال: لئن رجعنا إلى المدينة من هذه الغزوة ليخرجن الأعز- يقصد نفسه- منها الأذل يعنى محمدا ﷺ وأصحابه فأجابه الله ﵎ بموجب قوله مع عدم تسليمه له فقال تعالى] ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [. (المنافقون ٨) فإنه لما ذكر صفة، وهى العزة، وأثبت لها حكما، وهو الإخراج من المدينة، رد عليه رب العزة ﵎ بأن هذه الصفة ثابتة لكن لا لمن أراد ثبوتها له، فإنها ثابتة لغيره باقية علّى اقتضائها للّحكم وهو الإخراج، فالعزة موجودة لكن لا له بل لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين (٥). وجمهور الأصوليين على أن القول بالموجب قادح فى العلة مُفْسد لها، ومن صرح بذلك إمام الحرمين، وابن السمعانى، والفخر الرازى، والآمدى، لأن المعترض إذا قال بموجب العلة أصبحت فى موضع- الإجماع، ولا تكون متناولة لوضع الخلاف، ولأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف، علم أن ما ذكره ليس بدليل الحكم الذى أراد إثباته. ونقل الزركشى عن ظاهر كلام الجدليين أنه ليس من قوادح العلة، لأن القول بموجب الدليل تسليم فكيف يكون مفسدا (٦)
أ. د/ على جمعة محمد
١ - لسان العرب، لابن منظور٦/ ٤٧٦٦ - ٤٧٦٧ دار المعارف، المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية ٢/ ١٠١٢،دار المعارف ١٩٧٢ م.
٢ - الإيضاح لقوانين الإصطلاح فى الجدل والمناظرة، الجوزى ص ٣٣٥ - تحقيق محمود الدغيم- مدبولى ١٩٩٥م
٣ - هذا الحديث متفق عليه. أخرجه البخارى فى كتاب الجنائز رقم (٢٦٥ ١) و (٣٦٦ ١) و (٢٦٧ ١) و (٢٦٨ ١)، مسلم فى كتاب الحج رقم (٦ ٠ ٢ ١) من رواية ابن عباس.
٤ - تقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزى الغرناطى- تحقيق محمد المختار الشنقيطى، ص ٣٨٥ مكتبة ابن تيمية، ط ١/ ١٤١٤ هـ.
٥ - تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشى ٤/ ٣٦١ ومابعدها، مؤسسة قرطبة طبعة ١،١٩٩٨م- شرح المحلى على جمع الجوامع٢/ ٣١٦ طبعة مصطفى الحلبى- غاية الوصول شرح لب الأصول، للشيخ زكريا الأنصارى ص ١٣١ طبعة عيسى الحلبى وشركاه.
٦ - البحر المحيط، للزركشى ٥/ ٢٩٧ وما بعدها- طبعة وزارة الأوقاف بالكويت ١٩٩٠م- تقريب الوصول إلى علم الأصول، لابن جزى- هامش ص ٣٨٥، ص ٣٨٦ - مكتبه ابن تيمية١٤١٤هـ
стр. 540
٢٨ - قول الصحابى
لغة: جمعه صحب وأصحاب وصحابة، والأصل فى هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسه (لسان العرب) (١).
واصطلاحا: عند جمهور الأصوليين (٢): هو من لقى الرسول ﷺ مؤمنا به ولازمه زمنا طويلا، ومات على إسلامه.
وعند جمهور المحدثين: هو من لقى الرسول ﷺ مؤمنا به ومات على إسلامه، سواء طالت صحبته أولم تطل.
وقول الصحابى اصطلاحا: هو مذهبه فى المسألة الفقهية الاجتهادية (٢)،
سواء أكان ما نقل عن الصحابى قولا أم فعلا.
وأعلم أن الصحابه رضى الله عنهم كانوا مرجع الافتاء ومنبع الاجتهاد حينما طرأت حوادث جديدة، ووقعت وقائع لا عهد للمسلمين بها فى حياة الرسول ﷺ وكانوا فى الافتاء متفاوتين بتفاوت نضجهم الفقهى، فأثر عن جملة منهم كثير من الفتاوى بحيث يكون جزءا كبيرا منثورا فى بطون الكتب الفقهية.
وقد اتفقت الأئمة من أصحاب المذاهب الفقهية على أنه لا خلاف فى الأخذ بقول الصحابى فيما لا مجال للرأى والاجتهاد فيه، لأنه من قبيل الخبر التوقيفى عن صاحب الرسالة ﷺ ، ولاخلاف أيضا فيما أجمع عليه الصحابة صراحة أو كان مما لايعرف له مخالف، كما فى توريث الجدات السدس.
ولا خلاف أيضا فى أن قول الصحابى المقول باجتهاد ليس بحجة على صحابى آخر، لأن الصحابة اختلفوا فى كثير من المسائل، ولو كان قول أحدهما حجة على غيره لما وقع منهم هذا الخلاف.
وإنما الخلاف فى فتوى الصحابى بالاجتهاد المحض بالنسبة إلى التابعى ومن بعده، هل يعتبرحجة شرعية أم لا؟
فذهب جمهور العلماء من الحنفيه والمالكية وبعض الشافعية والحنابلة على أنه حجة شرعية مقدمة على القياس، والراجح من الشافعية على أنه ليس بحجة، وهناك أقوال أخري لكنها ترجع إلى هذين القولين.
والراجح أن مذهب الصحابى ليس حجة، ولا يكون دليلا شرعيا مستقلا فيما يكون بالاجتهاد المحض، لان المجتهد يجوز عليه الخطأ، ولم يثبت أن الصحابة ألزموا غيرهم بأقوالهم، فمرتبة الصحبة وإن كانت شرفا عظيما لا تجعل صاحبها معصوما عن الخطأ (٤).
أ. د/على جمعة محمد
стр. 541
٢٩ - القومية
لغة: صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من الاشتراك فى الوطن والجنس واللغة والمنافع وقد تنتهى بالتضامن والتعاون إلى الوحدة، كالقومية العربية (محدثة) (١)
واصطلاحا: لا يختلف المعنى الاصطلاحى عن المعنى اللغوى، فقد قيل هى فكرة سياسية اجتماعية بالمعنى الواسع، ترمى بالدرجة الأولى إلى توحيد كل جماعة متجانسة من البشر، وخضوعها لنظام سياسى واحد. (٢)
والقومية شعور أفراد الشعب بانتمائهم لأمة واحدة، وهو شعور ينبع من الإحساس بالولاء، والاعتزاز بالثقافة والتاريخ القومى، ويمثل ذلك فى الحياة السياسية اقتناع الحكومات بأنها يجب أن تقام على أساس مجموعة من الأفراد يطلق عليهم الشعب، وينادى المؤمنون بالقوميات بأن يكون لكل قومية وطن مستقل بها، كما يكافح زعماء القوميات من أجل أن يكون لشعبهم الحق فى الاستقلال وتقرير المصير.
وتقترن القومية فى أذهان كثير من الناس بالعنصرية، وذلك لأن بعض دعاة فكرة القومية- فى أوروبا خاصة- كانوا يقيمونها على أساس الانتساب إلى عنصر معين، وقامت بحوت ونظريات على أساس تقسيم العالم إلى أجناس وعناصر متباينة، وقد غالى بعضهم فزعم وجود شعوب نقية ذات دماء طاهرة، وشعوب أخرى مختلفة ذات دماء ملوثة، وأدى ذلك إلى الاستعلاء القومى والتعصب العنصرى، وقاد إلى كثير من الهراء الذى يناقض الحقائق العلمية الثابتة فى الاجتماع الإنسانى مما لا يمكن أن يقف أمام النقد العلمى الصحيح.
القومية والقوم:
ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة المزج بين لفظ قوم ومصطلح قومية، أو بعبارة أدق: إن التداعى الذهنى المتحصل من مصطلح قومية يريطه بلفظ قوم، والحقيقة أن لفظ القومية مصطلح حديث نشأ منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وذلك فى أوروبا، أما لفظ "قوم " فهو عريق جدا منذ عصر المصريين القدماء، والآشوريين، والفينيقيين، والإغريق، والرومان، وهؤلاء أقوام أقاموا دولا مختلفة على سطح المعمورة منذ آلاف السنين.
القومية الوطنية:
وهناك خلط آخر بين مصطلحى القومية والوطنية، حيث يلتبس الأمر بين المصطلحين، ويستعملان تجاوزا كمترادفين، رغم أن بينهما اختلافا، فالوطنية تعنى الانتساب إلى وطن معين، وهى قد تعنى الاهتمام بشئون ذلك الوطن والتعلق به بالعواطف والأحاسيس باعتباره أرض الأجداد. أما القومية فهى أوسع من الوطنية ففيها من الشمول والتجريد والعقائدية ما ليس فى الوطنية، ثم إنها قد تكون مجردة عن الوطن كما هو الحال بالنسبة للصهاينة قبل أن يقيموا وطنًا لهم فى إسرائيل، وقد تشمل أوطانا مختلفة. ولقد أذاب الإسلام القوميات، ولم يعد لنعرة القومية مكان فى ظل الانتساب إلى الإسلام، حتى إننا نرى شعوب العالم فتحت أحضانها لحملة التوحيد النقى والأخوة الجامعة تحت مبدأ: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) ولم تفتح أحضانها لنعرة جنسية، أو عزوة أموية، أو عباسية، أو أعراف بدوية وأوهام صحراوية. فالإسلام لم يكن فورة جنسية أو نزعة استقلالية، إنه دين للإنسانية عامة يعلو على الأقوام والأوطان، يربط الناس بربهم ليشهدوا به وحده ويستلهموا منه وحده، وليكونوا فى قارات الدنيا كلّها سواسية فى الكرامة والولاء، فلا سجود إلا لله، ولا حكم إلا لله. وحسبنا قول سلمان الفارسى عندما وجد أناسا يفتخرون بنسبهم إلى قيس أو تميم قال لهم: أبى الإسلام لا أب لى سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم.
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط مادة (قو م) ط مجمع البحوث القاهرة ١٩٨٥ ٢/ ٧٨٩
٢ - من وحى العروبة. عبد الرحمن البزاز ص٧٠
стр. 542
٣٠ - القوىّ
لغة: هو خلاف الضعيف، وقد قَوِى الرجل، والضعيف يقوى قَوّة فهو: قوى، وقوَّيُته أنا تَقوِية وقاويته فقَوَيته أى: غلبته
واصطلاحا: هو اسم من أسماء الله الحسنى، يثبت لله كمال القدرة على الشيء فلا يستولى عليه العجز فى حال من الأحوال، وهو إحدى صفات العظمة والكمال الدالة على القوة والجبروت.
ولقد سمى الحق ﵎ نفسه القوى ﴿وهو القوى العزيز﴾ (الشورى ١٩) فإن حملنا القوة فى حق الله تعالى على كونه كامل التأثير فى الممكنات كان معنى القوة هو القدرة، وإن حملنا القوة فى حق الله تعالى على كونه غير قابل للأثر من غيره كان معنى قوته هو كونه واجب الوجود لذاته، وذلك لأنه كلما كان واجب الوجود لذاته كان واجب الوجود من جميع جهاته، وكل ما كان كذلك لم يقبل الأثر من غيره البته، لا بتحصيل شيء فيه كان معدوما، ولا بإعدام شيء كان موجودا، فكمال حال الشيء فى أن يؤثر يسمى قوة، وكمال حال الشيء أن لا يقبل الأثر من الغير يسمى أيضا قوة فهو اسم يوحى بالغلبة والمنعة والسلطان التام، ونفاذ الأمر فى جميع المخلوقات بلا رد، ولا معارضة، ولا تعقيب.
وقد ورد اسم القوى فى القرآن الكريم مقترنا ومصاحبا لاسمه تعالى المتين .. يقول تعالى ﴿ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ (الذاريات ٥٦ - ٥٨) وهذه المصاحبة تؤدى معنى ثبات هذه القوة ودوامها، فهو يؤثر ولا يتأثر، يغير ولا يتغير، مع الرفعة والتنزه.
وقد ورد مصاحبا لاسمه تعالى العزيز فى عدة مواضع، يقول تعالى ﴿الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز﴾ (الشورى ١٩) .. ويقول تعالى ﴿ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز﴾ (الحج ٧٤) ويقول تعالى ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز﴾ (المجادلة ٢١) ٠٠ إلى غير ذلك من الآيات التى ورد فيها اسم القوى مصاحبا لاسم العزيز، وهى مصاحبة تدل على القوة القاهرة التى لا يعتريها وهن ولا يلحقها فتور، فهو قوى بنعمه، قوى بنصرته لجنده، قوى بعلمه، قوى بنفاذ إرادته .. إلخ ومن اسم الله القوى يعلم العباد ممن يستمدون قوتهم المادية والمعنوية، وممن يبتغون منه العزة ﴿أن القوة لله جميعا﴾ (البقرة ١٦٥).
(هيئة التحرير)
стр. 543
٣١ - القياس
لغة: التقدير والمساواة، ولا يكون ذلك إلا بين شيئين كما فى اللسان (١)
واصطلاحا: عرفه الأصوليون بأنه: (٢) مساواة فرع لأصل فى علة حكمه، أو بأنه: حمل معلوم على معلوم فى إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة. وعرفه المناطقة بأنه (٣) قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر.
مثال القياس الشرعى: قياس النبيذ على الخمر فى الحرمة بجامع وجود الإسكار فى كل منهما. وهذا المثال يظهر منه أركان القياس الشرعى وهى: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة الجامعة بين الفرع والأصل. فالخمر أصل يقاس عليه ورد تحريمه بنص الكتاب الحكيم ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (المائدة ٩٠)،والنبيذ فرع يقاس على الخمر، وحكم الأصل هو الحرمة الثابتة بالنص، والعلة الجامعة بينهما هى الإسكار الموجود فى الفرع كما هو موجود فى الأصل. مثال القياس المنطقى: العنب فاكهة، وكل فاكهة لذيذة الطعم، العنب لذيذ الطعم فهذا المثال يظهر القياس المنطقى وقد ألف من مقدمتين نتج عنهما نتيجة وللقياس الشرعى أقسام عدة من عدة اعتبارات، فمن حيث القوة ينقسم إلى: قياس جلى، وقياس خفى. والجلى كقياس الضرب على التأنيف بالنسبة للوالدين، والخفى كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد فى وجوب القصاص فى كل بجامع القتل العمد العدوان.
وينقسم ثانيا بحسب اقتضاء العلة الجامعة للحكم إلى: قياس أولى، وقياس أدنى، وقياس مساو. فإن كان الفرع أولى بالحكم من الأصل فهو الأول كقياس الضرب على التأفيف فالعلة وهى الإيذاء فى الفرع وهو الضرب أقوى من الأصل وهو التأفيف، وإن كانت العله متساوية فيها فهو القياس المساوى كقياس إحراق مال اليتيم على أكله بجامع التلف فى كل منهما ليثبت التحريم فى الإحراق كما نبت فى الأكل، وان كانت العلة فى الفرع أقل منها فى الأصل فهو قياس الأدنى كقياس النبيذ على الخمر فى الحرمة بجامع الإسكار (٤).
وهناك تقسيمات أخرى للقياس الشرعى ذكرها الأصوليون فى كتبهم فليرجع إليها، واعلم أن القياس هو رابع الأدلة المتفق عليها بين الفقهاء، ولم ينكره إلا من لا يعتد به من أهل الأهواء والبدع، وهو مجال خصب كأحد أهم أصول التشريع الإسلامى، لأنه من المعلوم أن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية فيضطر إلى قياس ما لا أصل له من كتاب أو سنة على ما له أصل إن وجد الجامع بينهما المستمد.
أما القياس المنطقى فإنه ينقسم أولا الى قياس اقترانى، وقياس استثنائى (٥). فالاستثنائى: ما ذكرت فيه النتيجة أو نقيضها بصورتها ومادتها، مثل: كلما كان هذا جسما كان متميزا، لكنه جسم … هو متميز. فالنتيجة: هو متميز، مذكورة فى القياس بصورتها ومادتها، ولكنها خالية من الحكم، وسمى هذا استثنائيا، لذكر أداة الاستثناء فيه، وهى لكن.
والإقترانى: هو الذى لم تذكر فيه النتيجة ولا نقيضها بالفعل، مثل: العدل فضيلة، وكل فضيلة يجب التحلى بها … العدل يجب التحلى به.
فهذه النتيجة: العدل يجب التحلى به، لم تذكر فى القياس بصورتها وهيئتها، وإنما ذكرت فقط بمادتها، وسمى هذا اقترانيا، لاقتران الحدود فيه، أو لذكر أداة الاقتران فيه وهى الوراء. وينقسم الاقترانى بدوره إلى حملى وشرطى، ولكل منها تقسيمات وتركيبات مبسوطة فى كتب المنطق.
واعلم أن القياس المنطقى بقسميه الاقترانى والاستثنائى أحد أنواع الاستدلال عند الأصوليين المتفق عليها، ويعتبرونها من الأدوات المهمة التى تحكم ذهن الفقيه عند البحث فى الأصول الشرعية من نص أو كتاب أو قياس علة، بل إنها تعتبر مجموعة من الضوابط لطلب الدلالة من الدليل الشرعى على الحكم، وقد اعتبره أحد أنواع الاستدلال من الأصوليين الآمدى وابن الحاجب وابن السبكى وغيرهم كثير.
أ. د/ على جمعة محمد
١ - لسان العرب لابن منظور ٥/ ٣٧٩٣ دار المعارف المعجم الوسيط ٢/ ٧٧٠ دار المعارف ١٩٧٢م
٢ - مختصر المنتهى بشرح العضد ٢/ ٢٠٤ وما بعدها الأميرية الكبرى ١٣١٧هـ شرح المحلى على جمع الجوامع ٢/ ١٧٣ دار الفكر ١٩٩٥م- المستصفى للغزالى ومعه فواتح الرحموت ٢/ ٥٤ الأميرية الكبرى بمصر.
٣ - المرشد السليم فى المنطق الحديث والقديم د. عوض الله حجارى ص ١١٩ الطبعة الأولى دار الطباعة المحمدية.
٤ - أصول الفقه الإسلامى د. وهبة الزحيلى ١/ ٧٠٢ وما بعدها، دار الفكر، طبعة أولى ١٩٨٦م.
٥ - المرشد السليم فى المنطق الحديث والقديم مما ١٢ وما بعدها.
стр. 544
٣٢ - القيوم
لغة: قام قوما وقياما، وقومة: انتصب واقفا. وقام الأمر: اعتدل، وقام الحق ظهر واستقر. وقام على الأمر: دام وثبت، وقام على أهله: تولى أمرهم وقام بنفقاتهم. واستقام الشيء: اعتدل واستوى. والقوام: العدل، وفى التنزيل العزيز ﴿وكان بين ذلك قوا ما﴾ (الفرقان ٦٧) والقوَّام: الحسن القيام بالأمور. والمتولى لها وفى التنزيل العزيز ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ (النساء٣٤) والقيوم: القائم الحافظ لكل شيء (١) وقد ورد الاسم فى آيات من القرآن هى:
قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ (البقرة ٢٥٥)، وقوله تعالى ﴿وعنت الوجوه للحى القيوم﴾ (طه ١١١).
واصطلاحا: القيوم: القائم بنفسه والمقيم لغيره فيه قامت السموات والأرض وهو من الأسماء المتعلقة بذاته. (٢)
وقيل: القائم وهو الدائم الذى لا يزول. وقيل: القيم بحفظ كل شيء ورزقه وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص (٣)
وقيل: هو القائم على كل شيء بالرعاية له ولمجال قمت بالشيء إذا وليته بالرعاية والمصلحة. وقيل: هو المدبر والمتولى بجميع ما يجرى فى العالم.
وقيل الحى القيوم: كامل الحياة القائم بنفسه، القيوم لأهل السماوات والأرض، القائم بتدبيرهم وأرزاقهم وجميع أحوالهم، فالحى: الجامع لصفات الذات، والقيوم الجامع لصفات الأفعال.
ومن آثار الإيمان بهذا الاسم:
١ - أن الله لا يحتاج فى قيامه ودوامه إلى أحد، يُطعم ولايُطْعم، وكيف يحتاج إلى غيره أو إلى أحد من خلقه وهم أنفسهم لا قيام لهم إلا بإقامة الحى القيوم لهم.
٢ - وصفه تعالى أنه المدبر لأمر الخلائق فى السماء والأرض ولا شك أن من عرف هذه الصفة فى ربه توكل عليه وانقطع قلبه عن الخلق إليه وذلك أنهم محتاجون مفتقرون مثله إلى خالقهم فى قيامهم وقعودهم وحياتهم. وبعد مماتهم فى دينهم ودنياهم فكيف يرجوهم بعد ذلك؟
٣ - ومن كمال قيوميّته تعالى أنه لا ينام، إذ هو مختص بعدم السنة والنوم دون خلقه فإنهم ينامون.
اقتران هذا الاسم بالحى يستلزم سائر صفات الكمال ويدل على بقائها ودوامها فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها وإليهما يرجع معانيها وكان رسول الله هو مختص بعدم السنة والنوم دون خلقه فإنهم ينامون.
اقتران هذا الاسم بالحى يستلزم سائر صفات الكمال ويدل على بقائها ودوامها فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها وإليهما يرجع معانيهما وكان رسول الله يدعو "ياحى ياقيوم " (٤). وقال رسول الله ﷺ " من قال أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت ذنوبه وإن كان فارا من الزحف " (٥)
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط، مادة "قصد" مجمع اللغة العربية .. ٢/ ٧٩٨
٢ - العقائد الإسلامية للشيخ السيد سابق ص ٣٧ دار الكتب الحديثه، ط٣/، ١٩٧٦ م
٣ - مجاز القرآن، لأبى عبيدة ١/ ٧٨
٤ - سنن النسائى في عمل اليوم والليلة ٦١٢.
٥ - أخرجه الحاكم ١/ ٥١١.
стр. 545
١ - الكِتَاب
اصطلاحا: إذا أريد تعريف الكتاب تعريفا ماديا فهو مجموعة من الصفحات المكتوبة أو المطبوعة (على ورق أو على مادة أخرى مناسبة للكتابة أو الطباعة)، والمثبتة مع بعضها من أيّة ناحية أو أى طرف بحيث يمكن فتح الكتاب على أية صفحة من تلك الصفحات.
ومع انتشار الطباعة وسيادتها أصبح المصطلح ينصرف تلقائيا إلى ما هو مطبوع، على حين يطلق على الكتاب المكتوب بخط اليد مصطلح "المخطوط الأصلى للكتاب "، ومعنى هذا الاقتصار فى استعمال الكتاب على ما طبع منه عدد من النسخ.
ومع تقدم الوسائل الإلكترونية يطلق مصطلح " الكتاب الإلكترونى" أو "النسخة الإلكترونية" التى بدأ إنتاجها من كتب مطبوعة من قبل، ومن الجائز مستقبلا أن يقتصر نشر بعض الكتب على النشر الإلكترونى فلا تتاح فى غيره من وسائل الطباعة.
بدأت الكتابة على ألواح من الطين أو الصلصال أو قطع من الخشب، وعرف السومريون والبابليون الكتاب الفخارى قبل أربعة آلاف سنة، وتوصل القدماء المصريون إلى الكتابة على أوراق مصنوعة من سيقان نبات البردى الذى ينمو فى وادى النيل، وهكذا كانت الكتب المصرية القديمة لفائف طويلة من صفحات البردى. وبدأت صفحات الرَّق تحل محل البردى حوالى ٤٠٠ قبل الميلاد (وفى بعض الأقوال أن هذا لم يحدث إلا فى حدود عام ٢٠٠ ق. م) وقد عثر العلماء فى أحد القبور المصرية على لفافة بلغ طولها ٢١ مترا وعرضها ٣٨ سم تحتوى كتاب الموتى (ويعود تاريخ القبر الذى ضمها إلى ٢٤٠٠ قبل الميلاد) كما عثروا على لفافات أطول من ذلك. وقد صدرت مصر البردى إلى مختلف البلدان التى أقبلت عليه لخفة وزنه وصلاحيته للكتابة.
وقد أخذ الإغريق نظام اللفافات من المصريين، وعنهم أخذه الرومان، ومن لفظة البردى papyrus اشتقت لفظة الورق paper.
أما اسم الكتاب فى اللغة الإغريقية Biblion فقد اشتقه الإغريق من اسم مدينة "جُبَيل Byblos هى الميناء الفينيقى الذى أصبح فيما بعد مركزا لتصدير البردى. ومن هذه الكلمة نشأت Bible للدلالة على الكتاب المقدس.
أما الرق فقد صنع من جلود بعض الحيوانات (الخراف والماعز) بعد معالجتها بطرق خاصة تجعلها صالحة للكتابة عليها. وإلى الرومان يرجع الفضل فى تقنين مقاسات مختلفة لصفحات الكتب وخياطة هذه الصفحات معا. وإلى الرهبان يرجع الفضل فى ابتكار طرق تزيين المخطوطات بالزخارف، ولما اخترع جوتنبرج الطباعة (١٤٣٦) كان هذا إيذانا بنقطة تحول فى تاريخ الكتابة نقلته من طور المخطوطة إلى طور المطبوعة. قد كان الكتاب المقدس أول كتاب طبع فى أوروبا، وقد طبعه جوتنبرج نفسه ما بين ١٤٥٢ و ١٤٥٥.
ومن ثم عُرف الكتاب على النحو الذى نعرفه الآن وأصبح بمثابة أبرز الوسائل المعرفية على الإطلاق وأكثرها تأثيرا ووجودا.
٢ - ويطلق مصطلح الكتاب بصفة خاصة فى الأديان على النص الحاكم لشرائع وطبائع ومقومات الدين، والكتاب عند المسلمين هو القرآن الكريم، ويرد بهذا الاسم فى القرآن الكريم نفسه فى مواضع عديدة، كما يطلق أيضا على اللوح المحفوظ وهو المراد على سبيل المثال فى قوله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين﴾ (الأنعام ٥٩) والكتاب المقدس هو المصطلح الذى يطلق على العهد القديم عند اليهود، وعلى العهد القديم والعهد الجديد معا عند المسيحيين، إذ لا يعترف اليهود بالأناجيل على حين يعتبرها المسيحيون كلمة الله، ويشمل العهد القديم التوراة والأسفار الملحقة بها، وهى كل ما يؤمن به اليهود. وقد بدأ الكتاب المقدس كتراث شفهى بالعبرية، ثم ترجم إلى الآرامية واليونانية، ثم إلى السريانية واللاتينية فى القرن الثانى للميلاد، أما الترجمة الإنجليزية الكاملة فلم تظهر إلا فى نهاية القرن الرابع عشر.
وتعدد وسائل ضم الكتب: الخياطة والتغرية، والأسلاك المعدنية، ويكون للكتاب غلاف: ورقى أو كرتونى أو قد يجلد بالقماش والجلد ونحوهما.
فى القرن الثامن للميلاد بدأ العرب يستخدمون الورق بدلا من الرقوق، وعنهم أخذته البلدان الأوروبية فى القرن الثانى عشر. وقد أنشئ أول مصنع للورق فى بريطانيا فى القرن الخامس الميلادى.
وبعد انتشار الطباعة نشأت دور النشر التى تتولى صناعة إصدار الكتاب وتوزيعه، وهى الآن عملية ذات مراحل متعددة تبدأ بإعداد المخطوطة للطبع. ضبط النص، والتصحيح اللغوى، ورسم ما تحتاجه من إيضاحات أو خرائط أو جداول أو صور، ووضع نموذج لطريقة إخراجها كى يسترشد به الطابع وينفذه، ثم الطبع.
وقد يشترى الناشر المخطوطة لقاء مبلغ معين مقطوع أو مقابل نسبة مئوية من عائدات الكتاب تدفع إليه سنويا. وقد عرف القدماء النشر فى صوره البدائية: فكان هناك مَنْ امتهنوا نسخ المخطوطات وبيعها.
ويشمل النشر اليوم عائلة الكتاب الكبيرة من الصحف، والمجلات، والاسطوانات، والأفلام الثقافية، والخرائط الجغرافية، ووسائل الإيضاح ثم الكتاب الصوتى والإلكترونى.
أ. د/ محمد الجوادى
стр. 546
٢ - الكُتَّاب
لغة: الكتاب بالضم والتشديد، والمكتب واحد والجمع: الكتاتيب والمكاتب (١)
واصطلاحا: استخدمه المسلمون للدلالة على المكان الذى ينال فيه الأطفال المسلمون تعليمهم الأول سواء تم هذا التعليم داخل المسجد أم فى أماكن مستقلة أو ملحقة بالمسجد. وتؤكد الشواهد التاريخية أن المسلمين قد عرفوا الكُتَاب منذ عهد رسول الله ﷺ حيث يذكر ابن حزم أن رسول الله ﷺ لم يمت إلا وقد انتشر الإسلام وظهر فى جميع جزيرة العرب، "كلهم قد أسلم وبنوا المساجد ليس فيها مدينة ولا قرية ولا حلة لأعراب إلا وقد قرئ فيها القرآن فى الصلوات وعلمه الصبيان والرجال والنساء" (٢)
وإذا كان وجود الكتاب لتعليم القرآن قراءة وكتابة فى عهد الرسول ﷺ يحتاج الى مزيد من الأدلة والتدعيم فإن الذى لا شك فيه أن المسلمين قد عرفوا الكتاب فى عهد عمر بن الخطاب يقول ابن حزم "ثم مات أبو بكر ووليه عمر ففتحت بلاد فارس طولاً وعرضا وفتحت الشام والجزيرة ومصر كلها ولم يبق بلد إلا وبنيت فيه المساجد ونسخت فيه المصاحف وقرأ الأئمة القرآن وعلمه الصبيان فى المكاتب شرقا وغربا" (٣).
ولما كان الإسلام يحث على طلب العلم ويجعله فريضة على كل مسلم، فقد اندفع المسلمون لطلب العلم كما أوجب الإسلام على الآباء أن يعلموا أولادهم إذا كانوا قادرين على ذلك (٤) وفى حال عدم القدرة تحفل كتب التراجم بأسماء معلمين علموا الصبيان مجانا، وصبيان تعلموا من الأوقاف التى كان يحبسها المحسنون على طلاب العلم، بجوار ما كان يسود المجتمع الإسلامى من شعور بالتكافل الاجتماعى بين أفراده، مما أتاح لكثير من الصبيان أن يتعلموا على نفقة صديق أو قريب أو جار. كذلك وجدت مكاتب للأيتام والفقراء خاصة لرعاية شئونهم وتقديم "المعاليم" النقدية والعينية لهم ولمؤدبيهم، وأقبل الحكام وغيرهم على إنشاء تلك الكتاتيب للفقراء وغير القادرين (٥).
وطوال العصور الإسلامية وحيثما ذهب الإسلام انتشرت الكتاتيب لتعليم الصبيان أساسيات الإسلام من قرآن وسنة وسيرة وفقه ولغة وحساب، بحيث وحدت تلك الكتاتيب ثقافة الأمة، وحافظت على لغة القرآن، ويكفى أن ننقل هنا ما ذكره أحد الباحثين أنه حتى فى قمة عصور الضعف والركود الثقافى فى القرن الثامن عشر فإن بلدا إسلاميا كمصر لم توجد به قرية واحدة إلا وبها مؤسسة تعليمية على الأقل (كتاب) لتعليم الأطفال (٦). هذا وما تزال بعض الكتاتيب قائمة حتى اليوم فى عالمنا الإسلامى وإن نافستها بشدة مدارس التعليم الابتدائى على النمط الأوروبى، ولو أحسنت دول العالم الإسلامى
صنعا لحافظت على الكتاتيب مع تطويرها وتحديثها كمؤسسة للتعليم الابتدائى فى جميع أنحاء العالم الإسلامى.
أ. د/ عبد الرحمن النقيب
١ - لسان العرب مادة (كتب). المعجم الوسيط والقاموس المحيط والصحاح، والمورد.
٢ - الفصل فى الملل والنحل- ابن حزم ١/ ٦٦.
٣ - المرجع السابق ١/ ٦٧
٤ - التربية فى الإسلام- أحمد فؤاد الأهوانى ص ٦٧
٥ - بحوث فى التربية الإسلامية- عبد الرحمن النقيب ٢/ ٢٣،٣٣
٦ - المرجع السابق ٢/ ٨١.
стр. 547
٣ - الكتابة كصناعة
لغة: كتب الكتاب كتبا وكتابا وكتابة خطه، الكتابة: صناعة الكاتب، كما فى الوسيط (١).
واصطلاحا: الكتابة -كخط- يستخدم فى تسجيل المعلومات قديمة جدا وترجع إلى الألف السادسة قبل الميلاد، وقد بدأت الكتابة بتصويرالأفكار ثم بتصوير الكلمات ثم بترميز الأصوات بالشكل الأبجدى، وإن كانت هناك حتى اليوم كتابات تصويرية بالكلمات.
والكتابة العربية -كخط- اشتقت من الكتابة النبطية فى نحو القرن الثالث الميلادى ودخلت إلى شمالى الجزيرة العربية فى نحو القرن الخامس الميلادى وأوائل السادس الميلادى.
وقد استخدمت الأبجدية العربية كفن زخرفى مع مطلع القرن (الثانى الهجرى، الثامن الميلادى)، وتأنق الخطاطون المسلمون فى ذلك تأنقا شديدا. وتفرع عن الكتابة العربية عشرات من الخطوط والأقلام مع مرورالوقت.
أما الكتابة كصناعة فقد عرفها العرب باسم صناعة الإنشاء. وقد برع العرب
فى تأليف الكتب حول هذه الصناعة وذلك بعد أن انتشر تدوين الكتب فى نهاية القرن الثانى الهجرى. ومن بين الكتب الهامة فى هذا الصدد كتاب ابن جماعة "تذكرة السامع والمتكلم فى أدب العالم والمتعلم" وكتاب القلقشندى "صبح الأعشى فى صناعة الإنشا".
ولقد أجمع العلماء المسلمون على أن صنعة الكتابة فضيلة والاشتغال بها عمل محمود، والنصوص فى هذا الصدد كثيرة.
وقد وضع العلماء المسلمون لصنعة الكتابة ظوابط وقواعد وآداب بعضها قواعد مادية، إبعضها قواعد معنوية. ومن أهم تلك القواعد:
١ - إذا كتب الكاتب شيئا من العلوم الشرعية، يجب أن يكون على طهارة مستقبلا القبلة، طاهر البدن والثياب والحبر والورق ويبتدىء كل كتاب بكتابة البسملة. وإذا فرغ من كتابة الكتاب أوالجزء فليختمه بالحمد له والصلاة على النبى، وكلما كتب اسم لله تعالى أتبعه بالتعظيم مثل: تعالى، سبحانه، ويتلفظ بذلك.
وكلما كتب اسم النبى كتب بعده ﷺ ولا يسأم من تكريرها ولايختصرها، ويجب أن يتلفظ بها وهو يكتبها، وإذا مر بذكر أحد من الصحابة كتب بعده رضى الله عنه أو رضوان الله عليه. أما إذا مر بذكرأحد من الأئمة كتب بعده ﵀ أو رحمة الله عليه أو تغمده الله برحمته.
٢ - لايهتم الكاتب بالمبالغة فى حسن الخط وإنما يهتم بصحته وتصحيحه ويتجنب التعليق وهو خلط الحروف التى ينبغى تفرقها والمشق وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه:
شر الكتابة المشق وشر القراءة الهدرمة (التصفح السريع دون تدبر المعنى) وأجود الخط أبينه.
٣ - يكره فى الكتابة فصل مضاف اسم الله تعالى منه: عبدالله، عبدالرحمن، رسول الله، فلا يكتب عبد أو رسول فى نهاية السطر والله أو الرحمن فى بداية السطر التالى لقبح صورة الكتابة.
٤ - وإذا كان الكاتب ينسخ كتابا فعليه مقابلة النسخة على أصل موثوق صحيح فالمقابلة متعينة للكتاب الذى يرام به النفع. قال عروة بن الزبير لابنه هشام رضى الله عنهما: كتبت؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ (أى على أصل صحيح) قال: لا، قال: لم تكتب.
وإذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصل صحيح أو على شيخ فينبغى أن يعجم المعجم، ويشكل المشكل، ويضبط الملتبس، ويتفقد مواضع التصحيف.
٥ - على الكاتب أن يكتب على ماصححه وضبطه فى الكتاب (صح) صغيرة. ويكتب فوق ماوقع فى التصنيف وهو خطأ (كذا) صغيرة أى هكذا رأيته، ويكتب فى الحاشية (صوابه كذا) إن كان يتحققه أو (لعله كذا) إن غلب على ظنه، ويكتب على ما أشكل عليه ولم يتبين صحته (ضبة) وهى صورة رأس صاد مهملة مختصرة (ص).
٦ - لايكتب الكاتب الكتابة الدقيقة لأنه ربما لم ينتفع بها وقت الحاجة من كبر وضعف بصر، ثم محله فيمن عجزعن ثمن ورق أو حمله فى سفر فيكون معه خفيف المحمل فلا كراهة فى ذلك ولا منع للعذر، والكتابة بالحبر أولى من المداد.
٧ - ينبغى ألا يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجرى، ولا رخوا فيسرع إليه الحض، وقال البعض إذا أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمتها، وحرف قطتك وأيمنها، ولتكن الساكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق
ولا تستعمل فى غير ذلك. وليكن مايسقط عليه القلم صلبا وهم يحمدون القصب الفارسى جدا والأبنوس الصلب الثقيل.
٨ - ينصح الكاتب عادة بكتابة الأبواب بالحمرة فإنه أظهر فى البيان وفى فواصل الكلام، وكذلك لابأس به على أسماء أو مذهب أو أقوال أو طرف أو أنواع أو لغات أو أعداد أو نحو ذلك.
ومن أدوات الكتابة عند المسلمين: القلم - المداد - الدواة - المدية - المقط - المفرشة - الممسحة - المقلمة.
وقد تطورت مواد الكتابة عند المسلمين مع مرور الزمن: من مواد طبيعية مثل العسب والكرانيف، والعظام، واللخاف، وقطع الفخار، إلى مواد مصنعة كالمهارق، والبردى، والرق، ثم الورق.
أ. د/شعبان عبدالعزيز خليفه
стр. 548
٤ - كُتَّاب الوحى
كتاب: جمع كاتب والكاتب عند العرب العالم، ومنه قوله تعالى: ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ الطور:٤١ (١).
والوحى فى اللغة: إعلام الغير بشىء فى خفاء.
واصطلاحا: إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه، وهو من خصائص الأنبياء والرسل، ويكون مباشرة كما فى تكليم الله موسى على الجبل، أو بواسطة الملائكة الذين يحملون التعاليم الإلهية إلى من اصطفاهم الله من خلقه وهم الرسل، وقد جاء ذكر الوحى فى الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، ويعتبر القرآن الكريم هو الوحى المنزل على النبى ﷺ باللفظ المنقول عنه بالتواتر حفظا وكتابة، ويعتبر إعجاز القرآن اثباتا لنبوته ﵇ (٢).
وقد اتخذ الرسول ﷺ كتابا للوحى، منهم من كان يكتب فى بعض الأحيان ومنهم من كان منقطعا للكتابة ومتخصصا لها، وكلما نزل شىء من القرآن الكريم أمرهم ﵇ بكتابته مبالغة فى تسجيله وزيادة فى التوثيق والضبط والاحتياط لكتاب الله تعالى، حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ وكان هؤلاء الكتّاب من خيرة الصحابة.
وكان ﵇ يدلهم على موضع المكتوب من سورته فيكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب (جريد النخل) واللخاف (الحجارة الرقيقة) وقطع الأديم (الجلد) والرقاع (من الورق والكاغد) ثم يوضع المكتوب فى بيت رسول الله ﷺ ، ولم ينقض العهد النبوى إلا والقرآن مجموع على هذا النمط (٣).
وكتب لرسول الله ﷺ عددا من الكتّاب وصل بهم بعض المؤرخين إلى ستة وعشرون كاتبا، ووصل بهم البعض الآخر إلى اثنين وأربعين كاتبا منهم فى مكة:
"على بن أبى طالب وعثمان بن غفان. وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وخالد بن سعيد بن العاص، وعامر بن فهيرة. والأرقم بن أبى الأرقم، وأبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد المخزومى، وجعفر بن أبى طالب. وحاطب بن عمرو، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبدالله بن أبى بكر".
وأضيف إليهم فى المدينة:
"أبو أيوب الأنصارى، وخالد بن زيد. وأُبىُّ ابن كعب، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن رواحة، ومعاذ بن جبل، ومعيقب بن أبى فاطمة الدوسى، وعبدالله بن عبدالله بن أُبّى بن سلول، وعبدالله بن زيد، ومحمد بن مسلمة،
وبريدة بن الحصيب، وثابت بن قيس بن شماس، وحذيفة بن اليمان، وحنظلة بن الربيع، وعبدالله بن سعد بن أبى سرج".
وزاد بعد الحديبية:
"أبو سفيان صخر بن حرب، ويزيد بن أبى سفيان، ومعاوية بن أبى سفيان، وخالد بن الوليد، وجهم بن سعد وجهم بن الصلت بن مخرمة، والحصين بن النمير، وحويطب بن عبد العزى، وعبدالله بن الأرقم، والعباس بن عبدالمطلب، وأبان بن سعيد بن العاص، وسعيد بن سعيد بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، والعلاء الحضرمى".
هذا وقد أضحى فى المدينة لكل كاتب اختصاص تقريبا، فكان يكتب الوحى على بن أبى طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبىّ بن كعب ويكتب للملوك والأمراء زيد بن ثابت ويكتب للمعاهدات على بن أبى طالب ويكتب لحوائج الناس المغيرة بن شعبة ويكتب المدانيات فى المجتمع عبدالله بن الأرقم ويكتب الغنائم معيقب بن أبى فاطمة الدوسى، وعندما كان يغيب أى
كاتبا من هؤلاء، كان يكتب حنظلة بن الربيع، لذا عرف بالكاتب (٤).
أ. د/عبدالله جمال الدين
стр. 549
٥ - الكثرة
لغة: هى ضد الوحدة.
واصطلاحا: الشيء الذى يقبل الانقسام إلى وحدات مختلفة والكثرة والوحدة لفظان. متقابلان متضايفان، فلا نفهم أحدهما دون نسبته إلى الآخر، لأننا نعرف الواحد فنقول:
إنه الشيء الذى لا ينقسم من الجهة التى قيل له إنه واحد.
والواحد بالعدد، إما أن يكون فيه بوجه من الوجوه كثرة بالفعل، فيكون واحدا بالتركيب والاجتماع، وإما أن لا يكون … والكثير يكون كثيرا على الإطلاق، وهو العدد المقابل للواحد … وقد يكون الكثير كثيرا بالإضافة، وهو الذى يترتب بإزائه القليل والكثرة تتطرق إلى الذوات من خمسة أوجه:
الاول: بقبول الانقسام فعلا أو وهما، فلذلك لم يكن الجسم الواحد واحدا مطلقا،
فإنه واحد د بالاتصال القائم القابل للزوال فهو منقسم فى الوهم بالكمية.
الثانى: أن ينقسم الشيء فى العقل إلى معنيين مختلفين لا بطريق الكمية، كانقسام الجسم إلى الهيولى والصورة.
الثالث: الكثرة بالصفات، بتقدير العلم والقدرة والإرادة.
الرابع: كثرة عقلية تحصل بتركيب الجنس والفصل: فالحيوانية غير الإنسانية فى العقل، إذ الحيوان جنس والناطق فصل.
الخامس: كثرة تلزم من جهة تقدير ماهية، وتقدير وجود لتلك الماهية، ولذلك يجوز أن يدرك العاقل ماهية الإنسان وماهية المثلث وليس يدرى أن لهما وجودا فى الأعيان أم لا.
فالكثرة صفة الشيء المركب من وحدات مختلفة، فإذا كانت هذه الوحدات قابلة للإحصاء كانت الكثرة متناهية، وإذا كانت غير قابلة للإحصاء كانت الكثرة غير متناهية.
ومذهب الكثرة هو المذهب القائل إن موجودات العالم ليست مجرد أعراض أو ظواهر لحقيقة واحدة مطلقة، وإنما هى مجرد جواهر شخصية كثيرة مستقلة بعضها عن بعض، ولكل منها صفات تخصّه، بخلاف مذهب الواحدية الذى يقرر أن جميع أشياء هذا العالم ترجع إلى حقيقة واحدة، ولا يجوز التعدد.
ومن المسائل الشائكة التى شغلت أذهان الفلاسفة مسألة صدور الكثرة عن الوحدة، فالقائلون بوحدة الوجود يقررون أن موجودات العالم ليست سوى أحوال أو أعراض لجوهر واحد عميق، والقائلون بإله واحد خلق العالم من لا شيء، يرجعون الكثرة التى فى الأشياء إلى فعل إرادة مطلقة تخلق الأشياء كما تريد،
وفى الوقت الذى تريد، وهذه الإرادة هى إرادة الله تعالى.
أ. د/ محفوظ عزام
стр. 550
٦ - الكذب
الكذب: نقيض الصدق، والصدق مطابقة الخبر للواقع ولو بحسب اعتقاد
المتكلم فى لسان العرب: كذب يكذب كذبا، تقول: رجل كاذب، وكذاب، وفى قوله تعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ الواقعة:٢.
وجاء فى لغة العرب تَكَذّبوا عليه: زعموا أنه كاذب وتُكذّب فلان: إذا تكلف الكذب، والكذابة: ثوب يصبغ بألوان ينقش كأنه موشى.
والكذابان: مسيلمة الحنفى، والأسود العنسى (١).
وللكذب دوافع منها:
١ - الاعتزاز بخداع النفس، ومحاولة اجتلاب النفع مع أن فيه الهلكة، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لأن يضعنى الصدق، وقلما يضع، أحب إلى من أن يرفعنى الكذب وقلما يفعل.
٢ - أن يؤثر فيكون حديثه مستغربا وكلامه مستطرفا.
٣ - أن يقصد بالكذب التشفى من عدوه، فيسمه بقبائح يخترعها عليه.
٤ - أن يتعود الكذب، حتى يصير الكذب سجية له.
ولقد حرم الإسلام الكذب لكن السنة المطهرة وردت بإرخاصه فى الحرب
وإصلاح ذات البين على وجه التورية، والتأويل دون التصريح به، فإن السنة لم ترد بإباحة الكذب على وجه التصريح قط، كما أن من الصدق ما يقوم مقام الكذب فى القبح والمعرة، كالغيبة والنميمة.
أما الآثار السلبية للكذب على الفرد وعلى الأمة:
١ - تضيع به الحقوق، فمنه شهادة الزور.
٢ - تفقد به الثقة، فتفقد الطمأنينة إلى الكاذب فيحجم الناس عن التعامل معه.
٣ - الكذب عنصر إفساد كبير للمجتمعات الإنسانية وسبب هدم لأبنيتها الحضارية، وتقطيع لروابطها وصلاتها، ورذيلة من رذائل السلوك ذات الضرر البالغ.
٤ - إن الكذب طريق إلى النار فيه يخسر الإنسان آخرته بعد خسارة دنياه قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجوز وإن الفجور يهدى إلى النار ومايزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
ولهذا استحالت صفة الكذب على الرسل، ووجبت لهم صفة الصدق، فلو جازت عليهم صفة الكذب، لما وثق الناس فى أخبارهم فتضيع الفائدة من الرسالة، فكان رسولنا محمد ﷺ منذ نعومة أظفاره موصوفا بالصادق الأمين، بقدر ما أتخذ من الصدق صفة له دليلا لايقبل الجدل لإثبات كونه رسول الله تعالى.
أ. د/عبدالسلام محمد عبده
стр. 551
٧ - الكرامة
لغة: تعنى العزازة حيث تقول: فلان كريم على، بمعنى عزيز لدى والمكرمة: فعل الكرم، والمكرم: الرجل الكريم على كل أحد.
واستكرم الشىء: أى طلبه كريما، وكريم: ورد فى التنزيل ﴿إنى ألقى إلى كتاب كريم﴾ النمل:٢٩، أى حسن معناه، محمود ما فيه (١).
واصطلاحا: فى منظور رجال التوحيد هى أمر خارق للعادة يظهره الله على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم بمتابعة نبى، كلف بشريعة، مصحوبا بصحيح الاعتقاد، والعمل الصالح عمل بها أم لم يعمل. والمكرمة سواء
أعلم بها أم لم يعلم لايتحدى بها كالمعجزة.
وفى مسألة وقوع الكرامة من ولى أو عدم ظهورها على يديه مذهبان: المذهب الأول وهو لأهل السنة:
فهم يرون الكرامة جائزة عقلا، وواقعة فعلا فى الحياة، وبعد الممات، بل إن بعضهم يذهب إلى أن حدوثها بعد الموت أولى لصفاء النفس حينذاك من الأكدار، ويستندون فيما ذهبوا إليه من جواز وقوعها على أنه لا يلزم من فرض وقوعها محال، وكل ما كان كذلك يكون جائزا.
ويستدلون على ذلك بما ورد فى القرآن الكريم من قصة مريم حيث أنبتها الله تعالى نباتا حسنا، وكان زكريا ﵇ كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا كثيرا.
وقصة أهل الكهف الذين لبثوا فى الغار ثلاثمائة سنين وإزدادوا تسعا دون طعام أو شراب فضرب الله على آذانهم لأن الأذن موطن الإيقاظ فى الإنسان، والشمس تطهر كهفهم من الأمراض فإذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين.
كذلك ماذكره القرآن عن الذى عنده علم الكتاب الذى أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى بلاد الشام فى طرفة عين وغير ذلك.
أما المذهب الثانى للمعتزلة:
وهم يرون عدم جواز الكرامة ولهم على مذهبهم أدلة لديهم فيها:
١ - لو ظهرت الكرامة على يد الولى لالتبس بالنبى ويرد هذا بمنع الالتباس ذلك لأن المعجزة مقرونة بدعوى النبوة بخلاف الكرامة.
٢ - لو ظهرت الكرامة على يد الولى كثرت بكثرتهم فلا تكون خارقة ويرد من لدليل بأن الكثرة لاتؤدى إلى تحويل خارق العادة إلى معتاد، ويظل الخارق للعادة رغم كثرته خارقا للعادة.
وبناء عليه فيسلم قول جواز وقوع الكرامة للولى تكريما على طاعة الله تعالى.
أ. د/عبدالسلام محمد عبده
стр. 552
٨ - الكراهية
الكراهية نقيض الحب فهى شعور الإنسان ببغضه للآخرين، وحبه لنفسه فقط، وهى داء وبيل ينجب الكثير من الأمراض الخلقية الخطيرة مثل: الحسد، والبغضاء، والشحناء، والغيبة، والنميمة، وقد لا يكبح جماحها فيكون الظلم والعدوان، وغيرها من الرذائل.
وقد ذكر الله تعالى الكرة بالفتح والكرة بالضم فى غير موضع من كتابه العزيز ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم .. ﴾ البقرة:٢١٦. ويقول نافع: إن كره فى القرآن الكريم لم ترد مضمومة الكاف إلا فى هذه الآية.
والكَره، والكُره لغتان، فبأى لغة وقع فهو جائز ومعناهما واحد، وهو إجبار النفس على ما لا تهوى، إلا الفراء: فإنه زعم أن الكره بالضم ما أكرهت نفسك عليه، والكره بالفتح ما أكرهك غيرك عليه.
ويقول ابن سيده: الكرة بالفتح الإباء والمشقة تكلفها فتحتملها، والكرة بالضم
المشقة تحتملها من غير أن تكلفها (١).
ومن ثم كانت للكراهية هذه الآثار السلبية:
١ - أنها تشقى صاحبها قبل أن تنال من الآخرين.
٢ - أنها تجلب القلق والاضطراب إلى قلب صاحبها فتورثه العديد من الأمراض النفسية والجسدية.
٣ - أنها تبعد بصاحبها عن الإيمان الصحيح، قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخية مايحب لنفسه). وقال ﷺ : والذى نفسى بيده لاتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم".
٤ - الكراهية تهوى بصاحبها إلى أدنى درجات البشر فتثير كراهية الناس له
والكراهية ليست من أخلاق المسلمين الذين يحبون الله وملائكته ثم يوضع لهم القبول فى الأرض، لكنها قد تكون مطلوبة أحيانا وذلك فيما يلى:
(أ) كره أعداء الله تعالى وأعداء دينه، وعدم مودتهم.
(ب) كره الشر والرذيلة والفساد والباطل.
(ج) كره النفس الأمارة بالسوء الداعية إلى الفجور فكراهية القبائح والمعاصى والشرور، وأعداء الله تعالى كراهية حكيمة عاقلة.
وأشد أنواع الكراهية جرما كره الله ورسوله ثم كره المسلمين.
أ. د/عبدالسلام محمد عبده
стр. 553
٩ - الكرسي
إصطلاحا: العرش والكرسى لفظان مترادفان ويقصد بهما الجسم المحيط بجميع الأجسام سمى به لإرتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فى تمكنه عليه عند الحكم لنزول أحكام قضائه وقدوه منه ولا صورة ولا جسم ثمة (١). قال الحسن: إنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسى وكل واحد منهما يصح التمكن عليه.
وقال بعض العلماء هذا هو الكرسى المذكور فى قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ (البقرة ٢٥٥) وقد اشتهرت الآية بآية الكرسى.
وقيل: كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره، وقيل: قدرة الله تعالى، وقيل: تدبيره، وقيل: مجاز سكن العلم من تسمية الشيء بمكانه لأن الكرسى مكان العلم الذى فيه العلم، فيكون مكانا للعلم بتبعيته لأن العرض يتبع المحل فى التحيز.
وقيل: المراد من الكرسى أن يكون السلطان والقدرة والملك لله تعالى، لأن الألوهية لا تحصل إلا بهذه الصفات. والعرب تسمى أصل كل شيء الكرسى. أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه فإن الملك مكانه الكرسى.
قال النيسابورى: المراد به العلم لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه، ومنه يقال للعلماء كراسى الأرض، كما يقال: هم أوتاد الأرض وقيل: ففى الكلام استعارة تمثيلية وليس ثمة كرسى وهذا رأى معظم الخلف (٢).
وقيل إن المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه، وتقدير ذلك أنه يخاطب الخلق فى تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا من ملوكهم.
وقد قالت المشّبهة لو كان الله على العرش، لم يكن لحمله فائدة، وأكدوا شبهتهم بقولهم: يومئذ تعرضون للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكون إله حاضراً لم يكن للعرض معنى. وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت، فلا بد من التأويل، وهو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتا تزورونه وليس ليسكن فيه، وجعل فى ذلك البيت حجزا لتقبلونه، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم وجعل على العباد حفظه لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف، كذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه، صور الله تعالى تلك الصور المهيبه لا لأنه يقعد على السرير. ولهذا قال النيسابورى فى تفسير قوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة ١٧): لا أدرى ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.
وجملة ما اتفق عليه جمهور أهل السنة:
أنه تعالى له ما أثبته سبحانه لنفسه أو، اثبته له رسوله وبلا تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ومنه: إثبات استواء الله على عرشه كما يليق بجلاله (٣).
(هيئة التحرير)
стр. 554
١٠ - الكرم
لغة: وردت مادة (كرِم) فى لسان العرب بعدة معان:
(ا) خوف التقدم- تقول كَرِمَ الرجل كرما فهو كريم إذا هاب التقدم.
(ب) على الاكثار من الطعام حتى ما يشتهى أن يعاد إليه، تقول: أكرمت عن الطعام وأقهمت، وأزهمت إذا أكثرت منه حتى لا تشتهى أن تعود إليه.
(ج) القصر فى الأطراف والأعضاء- كقصر فى الأنف قبيح، وقصر فى الأصابع شديد، والكرم فى الأذن والأنف والشفة واللحى واليد والفم والقدم: القصر والتقلص، والعرب تقول للرجل البخيل أكرم اليد.
(د) السكوت عن الكلام تقول: كرم فلان إذ ضم فاه وسكت، فإذا ضم فاه عن الطعام تقول: أزم يأزم، فالكرم يطلق على السكوت عن الكلام خاصه إذا كان الكلام فى الخير (١)
واصطلاحا: سخاء النفس وجودها، وهو كجميع الخلق الإسلامية- وسط بين رذيلتين: البخل والتبذير
والكرم سجيه أصيلة عند العرب جاء الإسلام فنمَّاها وأصلها وزكاها وثّبتها فى نفوس أبناء أمته. والذى مكّن هذه السجية الشاهقة فى نفوس الجاهليين ما يلى:
(أ) قسوة الطبيعة التى عاشها العربى وعايشها.
(ب) عسر وسائل الاتصال بالجزيرة آنذاك (ب) آثار الحروب الدائرة الرحى بين قبائلها المتناثرة.
(د) كرههم الشح، وذمهم البخلاء، يقول قائلهم:
وكل كريم يتقى الذم بالقرى وللحق بين الصالحين طريق لعمرك ما ضاقت بلاد بأرضها ولكن أخلاق الرجال تضيق
(هـ) تلذذهم بعمل الجود ذاته لا للثناء عليه، وذاك هو منطقهم:
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذى أنت سائله
ويتجلى الكرم فى الإسلام فيما يلى:
١ - أن تجود النفس بالثمين المحبب إليها: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ (البقرة ٢٦٧) ويقول تعالى ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.﴾ (آل عمران ٩٢)
٢ - أن الكرم فى الإسلام ليس مقتصرا على حالة اليسر فقط، ولا على الأغنياء وحدهم بل هو سجية المسلمين جميعا، تتضح معالمه وتبدو قيمته فى حاله العسر، وحين تمتد يد الفقراء به قال تعالى ﴿والذين تبوءُ وا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (الحشر ٩).
ويقول قائلنا: ليس العطاء من الفضول سماحه حتى تجود وما لديك قليل
٣ - ألا يمن الغنى على الفقير بما أعطاه فذكر العطاء أو المن به أو تفخمه مبطل له، قال تعالى] يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم والآخر. [.، (البقرة ٢٦٤).
٤ - عدم المباهاة بالعطاء، أو الافتخار به فللعطاء فى الإسلام ثلاث خصال: تعجيله وتيسيره وستره، وقد عدَّ رسولنا محمد ﷺ من السبعة الذين سيكونون فى ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، قوله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
٥ - ألا ينتظر الشكر عليه من المعطى له، فلا يكون الكريم كريما حتى تجود نفسه ابتغاء مرضاة الله وحده.
٦ - أن تجود النفس بالعطاء عن رضا وعن حب فمن حبس عن الضيف عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
أ. د/ عبد السلام محمد عبده
١ - لسان العرب لابن منظور مادة (كرم) ٥/ ٣٨٦٩ - ٣٨٧٠
стр. 555
١١ - الكعبة
الكعبة بناء شبه مريع بنى قبل إبراهيم ﵇ فيما رواه المؤرخون، ثم رفع قواعدها إبراهيم وابنه إسماعيل ﵇، ثم جُدّد بناؤها عبر التاريخ عدة مرات، على يد العمالقة ثم جرهم، ثم قصى بن كلاب (جد النبى ﷺ ) ثم قريش حيث اشترك معهم الرسول ﷺ قبل البعثة ثم بناها عبد الله بن الزبير ثم الحجاج بن يوسف الثقفى فى جزء منها، وأخيرا بناها السلطان مراد الرابع العثمانى (١٠٤٠هـ/١٦٣٠م، وهى آخر بناء للكعبة، حج إليها العرب فى الجاهلية، وكانت معبد قريش الأكبر، ومقراً لأصنامهم، إلى أن طهرها النبى ﷺ عام الفتح وحطم الأصنام، ويحج إليها المسلمون من مختلف الأقطار، وتسمى البيت، والبيت العتيق، والبيت الحرام، وكانت فى البداية مكشوفة، ثم سقفت وكسيت بالديباج.
ليس المقصود بالكسوة تاريخيا كسوة الكعبة فقط، بل تشمل أيضا، كسوة الحُجْرة النبوية، وكسوة حِجْر إسماعيل، ومقام إبراهيم، فضلا عن بعض الستائر لبعض الأضرحة.
وهناك خلاف حول أول عن كسا الكعبة، هل هو إسماعيل جد النبى الأعلى. أم عدنان؟ أم تُبَّع أبو كرب أسعد عيلك حمير ويمكن التوفيق بين الآراء بأن إسماعيل أول من كسأها بعده، وأن عدنان أوله من كسأها بعده، وأن تبع أول من كساها كسوة كاملة كما
نص على ذلك المؤرخون.
وقد كسا العرب فى الجاهلية الكعبة بمختلف أنواع الأكسية (الوبر والشعر والجلود والديباج، والثياب اليمانية).
وفى عصور الدولة الإسلامية (العصر النبوى والراشدى والأموى والعباسى، كسيت الكعبة كسوتين الديباج يوم التروية والقباطى المصرية يوم سبع وعشرين من رمضان، وأحيانا كانت تسمى ثلاث أو أربع مرات فى السنة، وأصبحت كسوة القباطى تصنع فى مصر بعد فتحها بصفة رسمية منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكانت تخرج منها سنويا باستثناء بعض السنوات القليلة إبان ضعف العباسيين. وبعد زوال الدولة العباسية (٦٥٦هـ/١٢٥٨م)، استمرت الكسوة ترد إلى الكعبة مرة واحدة، من مصر أحيانا ومن اليمن أحيانا أخرى إلى عهد الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون المملوكى
(٧٤٣هـ/٧٤٦هـ) ١٣٤٢ - ١٣٤٥ م) حيث اختصت مصر بإرسال كسوة الكعبة كل عام من الوقف الذى وقفه (وهو ثلاث قرى مصرية: بسوس وسندبيس وأبو الغيط) على صناعة الكسوة هـ وقد أشترى السلطان سليمان الأولى العثمانى ٩٢٦ - ٩٧٤ هـ/ ١٥٢٠ - ١٥٦٦م) م، سبع قرى عصرية أخرى وأضافها إلى الوقف السابق فصار عشر قرى سنه (٩٤٧ هـ/١٥٤٠ م) وذلك لصناعة الكسوة الخارجية فى كل عام، والداخلية والكساوى الأخرى كل خمسة عشر عاما مرة واحدة، وقد استمرت صناعة وإرسال الكسوة من مصرمن ريع هذه الأوقاف سنويا طوال العصر العثمانى والعصر الحديث باستثناء بعض السنوات لظروف خاصه حتى توقف إرسالها نهائيا من مصر سنة (١٣٨٢هـ/ ١٩٦٣م).
أما عن أماكن تشغيل الكسوة بمصر عبر التاريخ فهى مدن: تنيس، وتونة، وشطا (بالقرب من دمياط) للشهرة الفائقة فى صناعة النسيج، ثم المشهد الحسينى، ثم القلعة، ثم استقرت صناعتها فى مطلع عشرينات القرن التاسع عشر حتى توقفت نهائيا سنه ١٣٨٢هـ/١٩٦٣م فى دار الكسوة بالخرنفشى بالقاهرة، حيث انتقلت صناعتها إلى مكة المكرمة إلى يومنا هذا.
وتتألف كسوة الكعبة التى كانت ترسلها مصركل عام (فى العصر الحديث) من ثمانية ستائر (أحمال الكسوة) وثمانية أحزمة، وأربع كروشيات، وستارة باب الكعبة المعروفة بالبرقع، وكسوة مقام الخليل إبراهيم ﵇، وستارة باب مقدرة الخليل إبراهيم عام ﵇، وستار باب التوبة، وستار باب المنبر الملكى، وكيس مفتاح الكعبة، وكلها من الحرير الأسود والأحمر والأخضر والأصفر، ومطرزة بأسلاك الذهب والفضة الخالصة والفضة الملبسة بالذهب ومحلاة بالآيات، الكريمة، هذا بالإضافة إلى، لوازم تعليق الكسوة من حبال وغيرها.
والمحمل كان يطلق على الجمل الذى يحمل الهدايا العينية والنقدية إلى الكعبة المشرفة وكان يغطى بقطعة من الجوخ والذى كان يصاحب قافلة الحج ككل عام، وقيل هو الهيكل الخشبى المخروط الشكل الذى يحلى بأجمل زينة، ومن الصعب تحديد بداية ظهور المحمل بصورته المبسطة التى تقتصر على إرسال جمل يحمل الهدايا إلى البيت العتيق، لاحتمال حدوثه قبل الإسلام لأن تقديس العرب للكعبة، وإرسال الهدايا إليها كان أمرا مألوفا لدى العرب منذ الجاهلية، وقد سير النبى ﷺ محملا الى مكة بهدايا إلى البيت المعظم، كما تبارى ملوك المسلمين وأمراؤهم عبر التاريخ فى إرسال المحامل التى تحمل هداياهم إلى الحرمين الشريفين كل عام مثل المحمل العراقى والشامى واليمنى والمغربى والتكرورى والرومى (التركى) ومحمل النظام هلك حيدر آباد بالهند، ومحمل ابن الرشيد وابن سعود وابن دينار بالسودان، فضلا عن المحمل المصرى الذى كان يصاحب الكسوة كل عام، ولم تكن المحامل إلا جمالا تحمل هدايا إلى الحرمين الشريفين مغطاة بقطعة بسيطة من الجوخ، وكانت تعود تلك المحامل إلى ديارها بعد الحج والزيارة حتى بداية العصر الملوكى، أما خروج المحمل فى موكب رسمى تحيط به مظاهر الاحتفال والأبهة والزينة والحرس والجنود، فقد كان عند خروج شجرة الدرمن مصرفى هودجها للحج سنة (٦٤٥ هـ/١٢٤٧م) الأمر الذى جعل بعض المؤرخين يؤرخ بداية ظهور المحمل بتك السنة، وقد صار خروج المحمل على تلك الصورة عادة يقوم بها ملوك مصر كل سنة، ويبالغون فى الاحتفاء به- خاصة الظاهر بيبرس-ويزيدون فى زينته سنة بعد أخرى حتى بلغت زنة كسوة المحمل مع هيكله
الخشبى أربعة عشر قنطارًا، بحيث صارت الهدايا تحمل فى صناديق تحملها جمال أخرى تسيرمع قافلة الحج.
وقد وصفه أحد الرحالة فى القرن ١٢هـ/١٨م بقوله: يبدو عليه حسن الطلعة، وجمال الصنعة، بخرط متقن وشبابيك ملونه بأنواع الأصباغ، وعليها كسوة من الديباج المخوص (المزركش) بالذهب، ورأس الجمل ورقبته وسائر أعضائه محلاة بجواهر منظمه أبلغ نظم، وعليها رش محلى بمثل ذلك، والجمل نفسه خضب جلده بالحناء ويقوده سائسه ويتبعه جمل آخر على مثل هيئته، وثالث يحمل الكسوة المشرفة ملفوفة قطعا قطعا كل قطعة منها على أعواد تشبه السلالم. وكان للمحمل كسوتان: كسوته اليومية وهى من القماش الأخضر، وكسوته المزركشة وهذه لا يلبسها إلا فى المواكب الرسمية، وكان يحتفل بخروج المحمل والكسوة من مصر كل عام منذ العصر المملوكى وإبان العصرين العثمانى والحديث وحتى توقف سفر المحمل وألغى نهائيا عام (١٣٧٢هـ/٩٥٣ ١ م)، واقتصر الاحتفال بالكسوة فى المسجد الحسينى حتى توقف إرسالها من مصر نهائيا سنة (١٣٨٢هـ/١٩٦٣م)، حيث كان يسير الموكب فى شوارع القاهرة، وفيه الجنود الراكبة والبيادة، وحرس المحمل وركبه وخدمته، وأمير الحاج الذى يعين سنويا، وهو من الباشوات العسكريين فى الغالب، كما كان يحضره حاكم مصر أو نائبه، ورجال حكومته من الوزراء والعلماء وكبار الشخصيات. كما كان يحتفل بوصول المحمل والكسوة فى مكة المكرمة إبان تلك العصور، واكتسب الاحتفال الطابح الرسمى منذ إعلان الدستور العثمانى سنة ١٣٢٦هـ/١٩٠٨م حيث كان يصل ركب المحمل والكسوة الى التكية المصرية فى مكة حيث يبقى المحمل ثم يخرج موكب الكسوة فى احتفال مهيب يحضره أمير الحاج المصرى، وأمين الصرة، وحرس المحمل، وبعض القوات العثمانية، والموسيقى العسكرية، حيث تحمل صناديق الكسوة، وتسلم فى نهاية الاحتفال إلى الشيخ الشيبى شيخ السدنة، وحامل مفتاح الكعبة المعظمة ليتم إلباسها للكعبة بعد إنزال الكسوة القديمة فى الموعد المحدد يوم النحر.
وفى العصر السعودى توقفت كل تلك الاحتفالات كل توقف نزول المحمل إلى الأراضى المقدسة منذ سنة ١٣٥٥هـ/١٩٣٦م، ثم ألغى المحملى نهائيا، كما ألغيت كل تلك الاحتفالات فى شوارع القاهرة منذ عام (١٣٧٢هـ/١٩٥٣م)، ثم توقف إرسال الكسوة من مصر نهائيا سنة (١٣٨٢هـ/١٩٦٣م)، وقد بلغت تكاليف المحتمل وتسفيره فى العصر الفاطمى مائة وعشرين ألف دينار، زادت فى بعض السنوات إلى مائتى ألف دينار وفى العصر العثمانى سبعه أكياس مصرية، وقد يزيدها ناظر الكسوة- أحيانا- من أربعه إلى ستة أكياس مصرية، أما فى العصر الحديث (١٣٨٢هـ/١٩٦٣م) فقد وصلت تكاليف المحمل والصرة الى خمسين ألف جنيه مصرى.
أما عن علاقة المحمل بالكسوة الشريفة، فقد كان المحمل يعتبر فى نظرمن اهتموا بخروجه رمزا لأمان الحجاج لما كان يرافقه مع الكسوة من الجند المسلحين لحراسة وتأمين قافلة الحج من أخطار الطريق المختلفة، أبرزها: قطاع الطرق، وهجوم العربان على قوافل الحج، وسلبها ونهبها، وأحيانا قتل الأبرياء، والحيلولة بينهم وبين تحقيق أمنيتهم فى أداء فريضة الحج، أما عن تكاليف صناعة الكسوة، فقد بلغت فى العصر العثمانى (٦١ ٢٧٦٢) درهما فضة أى ٣٢ ألف كيس، وفى العصر الحديث ٤٣ ١ ٤ جنيها مصريا سنة ١٣١٨هـ/١٩٠١م ٥٥٠ جنيهاً مصرياً سنة ١٣١٨هـ/١٩١٠م، ٠٣٢٢ ١جنيها مصريا سنة ١٣٤٠هـ ١٩٢٢م.
أ. د/ السيد محمد الدقن
стр. 556
١٢ - الكَفْارة
لغة: مأخؤذة من الكفر وهو الستر، وسميت الصغار بهذا الاسم لسعترها الذنب تخفيفا من الله تعالى (١).
وفى التهذيب: سميت الكفارات كفارات: لأنها تكفر الذنوب أى تسترها، مثل كفارة الايمان وكفارة القتل، والخطأ.
وقد بينها الله تعالى فى كتابه وأمربها عباده، فإطلاقها على غير ذلك مجاز أو حقيقة عرفية.
والكفارة: كفر بها من صدقة أو صوم أو نحو ذلك من إطعام، وكفر عن يمينه إذا فعل الكَفَّارة.
واصطلاحا فعل ما من شأنه أن يمحو الذنب من عتق وصدقة وصيام بشرائط مخصوصة (٢).
قال النووى: استعملت الكفارة فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهك لان لم يكن فيه إثم كالقتل خطأ وغيره (٣).
والكَفَّارات مشروعة باتفاق الفقهاء، وهى واجبة جبرا لبعض الذنوب والمخالفات الشرعية، ودليل ذلك: الكتاب والسنة والإجماع
اما الكتاب، ففى مشروعية كفارة اليمين قال الله تعالى] لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين (المائد ة ٨٩) وقال تعالى فى شأن الإحصار فى الحج ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ (البقرة ١٩٦)
وفى القتل الخطأ قال الله تعالى أومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة [(النساء٩٢)
وقال تعالى فى الظهار ﴿واللذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ (المجادلة ٣)
أما السنة، ففى مشروعية كفارة اليمين ما ورد عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ وإذا حلفت محلى يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خيروكفرعنك يمينك (٤). وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الكفارة فى اليمين بالله وغيرها (٥).
وقد اختلف فى بعض الكفارات، هل هى زواجر، لما فيها من مشاق تحت مل الأموال وغيرها، أو هى جوابر، لأنها عبادات لا تصح الا بالنيات. وليس التقرب إلى الله تعالى زجرا، بخلاف الحدود والتعزيزات فإنها ليست قربات، لأنها ليست فعلا للمزجورين، والظاهر أنها جوابر، لأنها عبادات وقريات لا تصح إلا بالنية (٦).وهكذا نجد الكفارات فيها بعض التعويض عما فات، واحداث ترميم لما قد وقع من المفاسد والخطيئات، وفتح باب القرب إلى الله تعالى ..
أ. د/ فرج السيد عنبر
١ - لسان العرب ابن منظره/٣٩٠٠، مختار الصحاح ص ٥٧٤
٢ - حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٧٨، البحر الرائق ٤/ ١٠٨
٣ - المجموع خط المهذب ٦/ ٣٣٣
٤ - أخرجه البخارى، كتاب كفارات الأيمان، باب "الكفارة قبل الحنث وبعده " فتح البارى بشرح صحيح البخارى ١١/ ٦١٦
٥ - فتح القدير على الهداية ٤/ ١٨.
٦ - حاشية تهذيب الفروق ١/ ٢١١ وما بعدها.
стр. 557
١٣ - الكفالة
لغة: الكافل: العائل والكافل الصائم بأمر اليتيم المربى له، وهو من الكفيل الضمين والكافل والكفيل: الضامن، وجمع الكافل: كفل، وجمع الكفيل: كفلاء وكفل المال وبالمال: ضَمِنَه. (١)
وشرعا: ضم الذمة إلى الذمة فى المطالبة. (٢) والكفاله فى القانون المدنى: "عقد بمقتضاه يكفل شخص تنفيذ التزام بأن يتعهد للدائن بأن يفى بهذا الالتزام إذا لم يف به المدين نفسه (٣) مشروعيتها: الكفالة مشروعة بالكتاب والسنه والإجماع ففى الكتاب يقول الله تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتننى به إلا أن يخاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل﴾
(يوسف ٦٦) وقوله تعالى: ﴿أو لمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (يوسف ٧٢)
وفى السنة النبوية نجد حديث رسول الله ﷺ : (الزعيم غارم) (رواه أبو داود والترمذى وقال: حديث حسن وابن ماجه فى كتاب الصدقات باب الكفالة) وحديث سلمة ابن الأكوع أن رسول الله كل: (أتى برجل ليصلى عليه. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران قال: هل ترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، فتأخر فقيل: لم لا تصلى عليه؟ قال: ما تنفعه صلاتى وذمته مرهونة؟ إلا إن قام أحدكم فضمنه، فقام أبو قتادة فقال: هما على يا رسول الله، فصلى عليه النبى ﷺ (رواه البخارى وأحمد والنسائى).
أما الإجماع: فقد أجمع علماء الأمة على جوازها، ولا يزال المسلمون يكفل بعضهم بعضا من عصر النبوة إلى وقتنا هذا دون نكير من أحد من العلماء (٤).
أنواعها: قسم المالكية الكفالة إلى نوعين: الأول: كفاله الوجه أو كفالة البدن، وعزفوها بقولهم: بالتزام رشيد الإتيان بالغريم عند حلول الأجل" (هـ) ويكون فى الغرامات المالية.
الثانى: كفالة الطلب، وعزفه المالكية بقولهم: "التزام طلب الغريم إحضار المكفول والتفتيش عليه إن تغيب، ثم يدل عليه رب الحق "وهذا النوع يكون فى غير الحقوق المالية أى الحقوق البدنية القصاص والتعازير والحدود بخلاف ضمان الوجه، الذى لا يكون إلا فى الحقوق المالية وعرّفه البهوتى من الحنابلة بأنه (التزام رشيد إحضار من عليه حق مالى لريه) ٠ (٦)
أركان الكفالة:
للكفالة أركان منها:
١ - الصيغة، يشترط أن تكون صيغه الكفالة بما يدل على الالتزام بأن يقول الكفيل: أنا كفيل، أو ضامن، أو زعيم، أو غريم، أو حميل، أو قبيل، واختلف الفقهاء فى تعليق الصيغة بوقت أو غيره.
٢ - الكفيل: ويشترط فى الكفيل أهلية التبرع، لأن الكفالة تبرع محض لا مصلحة فيها للكفيل، حتى إذا كانت عقد معاوضة انتهاء، فهذا يعنى أنها تنتهى بقرض، والقرض عقد إرفاق لا مصلحه فيه للمقرض؟ لذلك لا تصح من الصبى والعبد المحجور علّيه، وكذا لا تصح كفالة المكاتب (٧).
٣ - المكفول له: وهو المستحق للدين واختلف الفقهاء فى رضا المكفول له إلا أنه بالرجوع إلى حديث سلمة بن الأكوع نجد أن رسول الله ﷺ كيف أقرّ كفالة أبى قتادة دون رضا المضمون له.
هل تجوزالكفالة فى الحدود؟
فى ذلك ثلاثة أقوال: الأول: لا يجوز ذلك مطلقا قال به ابن قدامة وهو قول أكثر أهل العلم.
الثانى: قول المالكية يجوز مطلقا ويسمونه كفالة المطالبة قال فى الشرح الصغير: "ولذا
يصح ضمان الطلب فى غير المال من الحقوق البدنية كالقصاص والتعازير والحدود ولكنه إذا لم يحضره يعاقب فقط أو يقدم الديه " (٨) الثالث: قول الشافعية ومحمد بن الحسن لا تصح فى الحدود لما فيه حق الله عزوجل، وتصح فى الحدود لحق الآدمى فالأول كحد الزنى، والسرقة، والثانى: كحد اللعان والقذف (٩)
ما يترتب على الكفالة: إذا تعذر على الكفيل: إحضار المكفول مع حياته، أو امتنع من إحضاره لزم ما عليه عند المالكية والحنابلة فى الدين؟ لأن الكفالة وثيقة بالحق. فإذا تعذر الحق من جهة مَنْ عليه الدين استوفى من الوثيقة، لعموم قوله ﷺ : (الزعيم غارم). وقال الحنفية والشافعية لا يلزم لأنه تكفل ببدنه لا بدينه، فلم يلزمه ما عليه، وفارق الرهن؟ لأنه تعلق بالدين (١٠).ولعل الصواب الأول لما فيه من المحافظة على الحقوق، ولأنه إنما تكفل بإحضاره
لتسديد ما عليه.
(هيئة التحرير)
١ - المعجم الوسيط ط مجمع اللغة العربية مادة (ك ف ل) (٢/ ٨٢٤) القاهرة ١٩٨٥م
٢ - البحر الرائق: ٦/ ٣٢١.
٣ - الوسيط شرح القانون المدنى: د/ عبد الرازق السنهورى (١٠/ ١٨ - ١٩)
٤ - فقه السنة. السيد سابق (١٩٤)
٥ - الشرح الصغير: لأحمد الدرد ير (١/ ١٦٣).
٦ - الروض المريع شرح زاد المستقنع ابن قاسم النجدى (ص٩٦).
٧ - تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندى، تحقيق د/ محمد زكى عبد البرط جامعة دمشق سنة ١٩٥٩ طبعة اولى (٣/ ٣٩٨ وما بعدها).
٨ - الشرح الصغير: (١/ ١٦٤)
٩ - المجموع شرح المهذب: النووى - دار الفكر بيروت (١٣/ ٤٥٨).
١٠ - السابق (١٣/ ٤٨٩).
стр. 558
١٤ - الكلام
اللفظ: هو الصوت الذى يدل على المعنى الذى وضع له فى أية لغة أو لهجه.
والكلام اصطلاحا: هو مجموع الألفاظ التى تفيد فائدة يحسن السكوت عليها.
وهناك فرق بين الكلام والكَلمْ يحدده "الجوهرى" (١) فيقول (الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمه.)
وهناك فرق بين الكلام والقول يحدده "ابن سيده " (٢) فيقول " الكلام: القول المعروف، وقيل الكلام ماكان مكتفيا بنفسه، وهو الجمة، والقول ما لم يكن مكتفيا بنفسه، وهو الجزء من الجملة) والعرب تقول (تكلم الرجل تكَلُّما وتِكلاًمًا، وكلمه كِلاًمًا، جاعوا به على موازنة الأفعال وكالمه ناطقه، وكليمك الذى يكلمك، أو الذى تكلمه ويكلمك، يقال كلمته تكليما، وكلاما مثل كذبه تكذيبا وكذَّابا (٢) والكلمة: هى اللفظة الواحدة، وفيها ثلاث لغات كَلِمة وكلِمه وكَلْمة، وهى تقع على الحرف الواحد من حروف الهجاء، وتقع على لفظه مؤلفة من جماعة من حروف ذات معنى، وتقع على قصيدة بكمالها وخطبه بأسرها ولكن على سبيل المجاز (٣).
وللكلمة فى القرآن موارد كثيرة يدل كل مورد منها على معنى خاص به فى مثل: قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال وهن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين﴾ (البقرة ١٣٤)
قال ثعلب: هى الخصال العشر التى فى البدن والرأس. (٤)
وفى قوله تعالى ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه .. ﴾ (البقرة ٣٧)
قال "أبو اسحق " الكلمات- والله أعلم- اعتراف آدم وحواء بالذنب لأنهما قالا ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (الأعراف ٢٣)
وفى قوله تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾ (آل عمران ٤٥)، فقد سمى الحق ﵎:ابتداء أمره كلمه، لأنه ألقى إليها الكلمة، ثم كون بالكلمة بشرا، ومعنى الكلمة معنى الولد والمعنى يبشرك بولد اسمه المسيح، هذا قول أبى منصور بتصرف، وقال الجوهرى- فيما نحن بصدده: وعيسى "﵇ " كلمة الله، لأنه لما انتفع به فى الدين كما انتفع بكلامه سمى به كما يقال: سيف الله وأسد الله (٥). والقرآن الكريم كَلاًم الله تعالى وكَلِمُ الله تعالى وكلماته وكَلِمَتة وكلام الله تعالى لا يعد ولا يحد.
قال تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبلى أن تنفد كلمات ربى ولو جئننا بمثله مددا﴾ (الكهف ١٥٩) والكلام النفسى القديم صفة لله تعالى وهو من الصفات الثبوتية القائمه بذاته تعالى.
وللفرق الإسلامية فى أن الكلام صفة دله تعالى مذاهب: فالمعتزلة ترى أن الكلام هو الصوت المسموع، والمكون من الحروف الأصوات، والمتكلم عندهم هو من فعل الكلام لا مَنْ قام به الكلام، وأنه- أى كلام الله تعالى- محدث لا قديم، وأنه قائم بمحل لا بالله تعالى لكن المتكلم هو الله تعالى لا المحل الذى قام به الكلام كالشجرة التى حل بها كلام الله تعالى وهو يحدث دائما وقت سماعه، وهو عندهم ما يسمع وليس نفسيا (٦)
ومن هنا فقد ذهبوا إلى أن القرآن الكريم كلام الله تعالى وهو يحدث دائما وقت سماعه وقد أحدث قبل إحداثه على الرسول ﷺ خير وأنه ليس آخر الكلام الإلهى، فهو تكلم حالا فحالا لكن يمكن عَدُّهُ آخر الكلام الإلهى من ناحية أنه آخر رسالة تنزل علّى بنى آدم، وأنه أيضا آخر شريعة مكتوبة.
والأشاعرة تذهب إلى أن كلام الله تعالى نفسى قديم صفة وجودية أزليه قائمة بذاته تعالى ليست بحروف ولا أصوات منزهة عن الترتيب والتقديم والتأخير، تدل على جميع الواجبات والمستحيلات والجائزات منزهة عن السكوت، وعن الآفة الباطنية، وكلام الله تعالى بهذا المعنى يسمى كلاما نفسيا، ويدل عليه الكلام اللفظى دلالة التزامية عرفا، فإن من أضيف له كلام لفظا دل عرفا على أن له
كلاما نفسيا، وقد أضيفا إلى الله تعالى كلام لفظى كالقرآن الكريم فيدل التزاما عرفا على كلام الله تعالى النفسى.
ويعرفه الإمام الجوينى (٧) وهو من مشاهير الأشاعرة فيقول (هو الفكر الذى يدور فى الخلد، وتدل عليه العبارات تارة، ومات يصطلح عليه من الإشارات ونحوها).
والكلام نوعان: نفسى، ولفظى، وهما يفترقان فى النقاط التالية:
أولا- الكلام اللفطى صوت وحرف وجملة وأمر ونهى، أما الكلام النفسى فليس كذلك.
ثانيا- الكلام النفسى بالنسبه للإنسان محله القلب، والكلام اللفظى محله اللسان والشفتان.
ثالثا- الكلام النفسى يكون صفة لله تعالى بقدر ما ينسب إلى الإنسان تقول: حدثتنى نفسى، والكلام اللفظى لا يكون صفة لله تعالى إلا عند وجود المخاطبين فى صورة الأوامر والنواهى، وكالقرآن الكريم، ويكون صفة للإنسان على الإطلاق.
رابعا- الكلام النفسى بالنسبة لله تعالى قديم، وبالنسبة للإنسان أسبق من اللفظى، وإن كان حادثا مثله يقول الشاعر العربى:
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ويقول آخر:
صعدت إلى شفتى خواطر مهجتى ليبين عنها منطقى ولسانى
وأخيرا:
الكلام الإلهى لا يوجد بمحل، كما تقول المعتزلة، وإلا كان المحل هو الموصوف بالكلام.
وإذا ذهبت المعتزلة إلى أن الكلام الإلهى حادث لحدوث متعلقاته، فإن الأشاعرة يذهبون إلى أن الكلام الأزلى لا يتصف بكونه
أمرا أو نهيا، أو خبرا إلا عند وجود المخاطبين، واستجماعهم شرائط المأمورين المنهيين.
أ. د/ عبد السلام محمد عبده
стр. 559
١٥ - الكلمة
اصطلاحا: تطلق الكلمة، فى العربية على قليل الأصوات وكثيرها مما جاء مفردا من حروف الهجاء أو جاء مركبا فى شكل اسم أو فعل أو أداة.
يقول ابن منظور نقلا عن الأزهرى: "الكلمة تقع على الحرف الواحد من حروف الهجاء، وتقع على لفظة مؤلفة من جماعة حروف ذات معنى" (١)
وهو ما أشار إليه سيبوبه فى (باب أقل ما يكون عليه الكلم) فذكر حرف العطف وفاءه، ولام الابتداء، وهمزة الاستفهام، وسمى كل واحدة من ذلك كلمة.
ومعنى ذلك أن (الكلمة) تطلق أصلا على أى منطوق من الأصوات ذوات المعانى اللغوية، لأنها بلا معنى تصبح مجرد ضوضاء، مهما كان مصدرها.
وقد يتوسع فى معنى (الكلمة) فيقصد بها جماعه الكلام، وجاء من ذلك قول الله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال. رب ارجعون. لعلى أعمل صالحا فيما تركت﴾ ويعقب القرآن على هذا القول: ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها﴾ (المؤمنون ٩٩ - ١٠٠)، فقد أطلقت (الكلمة) على مجموعة من سبع كلمات هى مجموع القول. وقد تطلق (الكلمة) على المحاضرة أو الخطبة، وعلى القصيدة، فيقال: قال الشاعر فى كلمته، أى: قصيدته كما يقال: قال المحاضر فى كلمته: أى: فى محاضرته.
وفى حديث النساء: ﴿استحللتم فروجهن بكلمة الله﴾، قيل: هى قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (البقرة ٢٢٩) كما فى لسان العرب (١)
هذه هى الكلمة لدى العلماء العرب القد امى. والأمر لا يختلف عن ذلك لدى المؤلفين الأعاجم، فقد عرف معجم (لاروس) الكلمة: بأنها (صوت أو مجموعة أصوات تتضمن فكرة) أى: تكوين من مقاطع عديدة، وفكرة المقاطع هذه لا تبعد عن التعريف العربى، لأن القراءة تتمثل دائما فى مقاطع، وهى التكوينات التى تقترن فيها الصوامت بالحركات، فواو العطف وفاؤه مقطع مكون من (صامت+ حركة: فتحة)، وهو أصغر وحدة منطوقة تحمل معنى وظيفيا كالربط والتعقيب، ويتدرج حجم الكلمة ابتداء من مقطع واحد إلى عدة مقاطع، هى غالبا ثلاثة فى حالة الوقف. مع تضمنها د! عنى لغويا، مثل: ق- أمرا من وقى وهو مكون من مقطع واحد، واذهب أمرُ من مقطعين، وتقدم، أمر من ثلاثة مقاطع … الخ …
وقد يفرق بين الكلمة الوظيفية والكلمة اللّغوية بما عرفه البحث اللغوى من أن الكلمة ذات المعنى الوظيفى لانبر لها فى الأصل، وأن ذات المعنى اللغوى لابد لها من النبر، وفى ذلك تفاصيل تتحدد بها ملامح الكلمة العربية.
والنبرهو الضغط على أحد مقاطع الكلمة ذات المعنى اللغوى، لإبراز هذا المعنى، وله قواعد منضبطة يعرفها علماء الأصوات فى كل لغة بحسب نظامها النطقى.
أ. د/ عبد الصبور شاهين
١ - لسان العرب مادة (كلم) ط دار المعارف.
стр. 560
١٦ - الكهانة
لغة: كَهَنَ وكَهُنَ يَكهُنُ، يَكُهن كهانة، وتكهن تكهنا له: أى قضى له بالغيب وحدثه به.
وكهن كهانة: صار كاهنا، أو صارت الكهانة له طبيعة وغريزة ورجل كاهن من قوم كهنة وكهان: من يدعى معرفة الأسرار أو أحوال الغيب، وعند اليهود وعبدة الأوثان:
الذى يقدم الذبائح والقرابين، فقد ورد فى التوراة: " … وتلبس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهن لى .... " (خروج ٤٠:١٣).
وعند النصارى: من ارتقى إلى درجة الكهنوت.
ففى الإنجيل: " … فنظر وقال لهم: أذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة .... " (لوقا ١٧:١٤) واللفظ إما من كهن بالعبرانية، أو من كهنا بالسريانية.
والكهانة: حرفة الكاهن، وهو الذى يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل
الزمان، ويدعى معرفة الأسرار.
الكهنوت: طبقة الكاهن أو رتبته. وسر الكهنوت: هو أحد أسرار الكنيسة المقدسة السبع، يتولى به الكاهن أن يقدس جسد المسيح، ودمه فى تلاوة القداس، وأن يحل من الخطايا.
كان فى العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب، يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأل، أو فعله، أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف.
والكاهن فى كلام العرب: هو الذى يقوم بأمر الرجل ويسعى فى حاجته، والقيام بأسبابه وأمر حزتته. والكاهنان: حيان، يقال لقريظة والنضير -وهم أهل كتاب وفهم وعلم- وهما قبيلتان يهوديتان كانتا تسكنان بالمدينة. والعرب تسمى كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا، ومنهم من كان يسمى المنجم والطبيب كاهنا.
ووردت كلمة: الكاهن فى القرآن الكريم مرتين، فى قوله تعالى: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ الطور:٢٩، أى لست بحمد الله بكاهن، كما تقول الجهلة من قريش. والكاهن الذى يأتيه الرئى من الجن بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، كما يعتقد ذلك كثير من الناس. وفى قوله تعالى: ﴿ولابقول كاهن قليلا ما تذكرون﴾ الحاقة:٤٢.
وكانت الكهانة فى العرب على ثلاثة أضرب:
الأول: يكون للإنسان ولى من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث الله محمد ﷺ .
الثانى: أن يخبره بما يطرأ، أو يكون فى أقطار الأرض، وما خفى عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما (أى جعلاهما مستحيلين).
الثالث: المنجمون، وأغلبهم كاذب، ولذا شاع بين الناس هذا المثل: "كذب المنجمون حتى ولو صدقوا" وقد حرم الإسلام إتيان الكاهن لسؤاله عن الغيب لقول رسول الله ﷺ : "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" (١).
أ. د/محمد شامة
стр. 561
١٧ - الكون
لغة: كَوّنه فتكوّن: أحدثه فحدث، والكون: الحدث، والكائنة: الحادثة، والله مكون الأشياء: يخرجها من العدم إلى الوجود كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: هو اللفظ المستخدم للدلالة على كل ماحولنا، من النجوم التى
نراها ليلا فى السماء، والتى تتجمع فى مجموعات تعرف بالمجرات، إلى الفضاء الواقع بين هذه المجرات، ومايوجد به من غازات وغبار كونى، بالإضافة إلى أى شىء يقدر له الوجود وراء حدود مانراه.
ولم يشعر الإنسان شعورا حقيقيا بوجود الكون إلا فى نهاية القرن الثامن عشر، عندما اكتشف أنه يسكن على سطح كوكب صغير، فى مجموعة شمسية تمثل جزءا من مجرة تحتوى على ألوف الملايين من النجوم، وأن
هناك مجرات مشابهة تقع فى الفضاء، الذى يمتد وراء هذه المجرة، والتى عرفت فى ذلك الحين باسم "الجزر الكونية".
ويعرف علماء الفلك اليوم مايزيد على مائة ألف مليون مجرة، تفصل كل مجرة عن الأخرى مساحة هائلة، وأقرب المجرات إلينا مجرة "المرأة المسلسلة" أو "الأندروميدا" وتفصلنا عنها مسافة تقدر مليونى سنة ضوئية، بمعنى: أن الشعاع الصادر منها والمنطلق بسرعة ٠٠٠، ٣٠٠ كم فى الثانية لا يصل إلينا إلا بعد مليونى سنة، مما يدل على أننا لانعرف شيئا عن هذه المجرة حتى الآن، فنحن نراها كما كانت فى الماضى، وربما تكون قد انفجرت، أو اختفت فى الفضاء.
وهذه الحقيقة محيرة إلى حد كبير، فنحن عندما ننظر إلى ماحولنا من نجوم أو مجرات، إنما نراها كما كانت فى الزمن الماضى، كذلك أقرب نجم إلى مجموعتنا الشمسية ويدعى "ألفاسنتورى" تفصلنا عنه نحو ٣، ٤ سنة ضوئية، أى تفصلنا عنه ملايين من الكيلومترات ويذكرنا ذلك بالآية الكريمة ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ الواقعة:٧٥،٧٦.
وبتقدم العلم والمعرفة توصل الإنسان بفكره إلى نظرية خاصة بنشأة هذا الكون، وهى تنص على أن كل مايحتويه هذا الكون من مجرات وغازات وسحب الغبار الكونى كانت ملتحمة معا فى زمن مغرق فى القدم على هيئة كتلة مركزية شديدة التماسك والانضغاط، ثم انفجرت هذه الكتلة، وتناترت
شظاياها فى جميع الاتجاهات، ثم تحولت بمرور الزمن إلى المجرات الحالية التى يتكون كل منها من ملايين النجوم، وتعرف هذه النظرية باسم "الانفجار العظيم" وهى تتمشى مع المعنى المفهوم من الآية الكريمة ﴿أو لم ير الدين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون﴾ الأنبياء:٣٠.
وتدل هذه النظرية على أن هذا الانفجار العظيم قد حدث منذ نحو ١٥.٠٠٠ألف مليون سنه على وجه التقريب، وأن هذه المجرات مازالت تندفع فى الفضاء بسرعات كبيرة جدا، مما يدل على أن الكون يتمدد ويتسع بمرور الزمن، وهذا المعنى نفسه الذى ورد فى الآية الكريمة ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ الذاريات:٤٧، ولكن هل يمتد ويستمرهذا الاتساع الى الأبد، أم هل يتوقف هذا التمدد فى المستقبل عندما تبطىء سرعة المجرات وتبدأ عملية التجاذب بينها، فينكمش الكون مرة أخرى، ويوصف عندئذ بأنه كون مغلق.
ويعتقد بعض العلماء أن الكون يحتوى على قدر كبيرمن المادة، سواء منها المادة المضيئة التى توجد على هيئة سحب من الغازات والغبار الكونى، وهو مايكفى لحدوث التجاذب بين مكوناته وانكماشه مرة أخرى، وسيستمر هذا الانكماش مدة طويلة، وتقترب المجرات بعضها من بعض لتندمج معا فى نهاية الأمر فى كتلة مركزية واحدة ثم تعود إلى الانفجار مرة أخرى لتكون كونا جديدا، ويذكرذلك بقوله تعالى: ﴿يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ الأنبياء:١٠٤.
وقد وضع عالمان هما: "إدوارد نايرون" و "ألكساندر فيلينكين" نظرية تفترض أن الكون عندما ينكمش سيصل إلى حجم متناه فى الصغر، لايزيد على حجم البرتون، ثم يختفى فجأة فى العدم، وطبقا لنظرية "ميكانيكا الكم" سيظهر الكون من العدم " Out of nothingness" مرة أخرى ليتمدد بشكل نهائى مدة من الزمن، ويصعب تصور هذه النظرية، ولكنها تتمشى مع قوله تعالى ﴿بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ البقرة:١١٧.
أ. د/أحمد مدحت إسلام
стр. 562
١٨ - الكونفوشيوسية
لغة: نسبة إلى "كونفوشيوس"، وهذ الاسم يتألف من لفظين: كونج، اسم القبيلة التى ينتمى إليها، وفوتس، ومعناها: الرئيس، أو الفيلسوف. فاسم كونفوشيوس يعنى: زئيس كونج، أو فيلسوفها، أو حكيمها.
واصطلاحا: تعاليم أخلاقية ودينية ظهرت فى القرن السادس قبل الميلاد على يد رجل يدعى كونفشيوس، صارت فيما بعد مذهبا دينيا، وقد التزمته الصين كدين رسمى للدولة حتى أوائل القرن العشرين.
ولد "كونفوشيوس" فى المقاطعة الصينية التى تسمى اليوم "شانتونج" فى عام ٥٥١ ق. م. من أسرة عريقة، إذ كان أبوه ضابطا فى الجيش، إلا أنه كان فقيرا، ومات وابنه "كونفوشيوس" فى الثالثة من عمره، فاضطر الغلام إلى الاشتغال برعى الغنم عند أحد الأمراء. ولما رأى الأمير جدَّه واجتهاده أسند إليه أحدى الوظائف، فكان يقضى أوقات فراغه فى دراسة الآداب القديمة والفلسفة والموسيقى.
وفى الثانية والعشرين من عمره أنشأ مدرسة ليتلقى فيها الشبان ذوو المواهب الخاصة أصول الفلسفة الأخلاقية والسياسية، وبجانب عمله هذا كان يقوم بوظيفة المستشار السياسى لبعض الأمراء والولاة الذين كانوا ينتفعون بآرانه فى حل ما يصادفهم من مشكلات.
وفى سنة ٤٩٦ق. م عين رئيسا للوزراء فى ولاية "لو" فأعدم المشاغبين من الوزراء ورجال السياسة، وأدب اللصوص وقطاع الطرق، كما وضع مراقبة صارمة على التجار ليمنع الغش والاحتكار، ولكن حساده دسوا بينه وبين أمير "لو" فاضطر "كونفوشيوس" إلى ترك هذه الولاية، وأخذ يتنقل من إقليم إلى إقليم يعلم الشبان وينصح الولاة.
ولم يدع "كونفوشيوس"اأنه نبى يوحى اليه، فقد كان مصلحا أكثر منه رجل دين. احترم الآلهة، وحرص على إقامة الشعائر والطقوس، وكانت عنايته متجهة إلى إصلاح النفس الإنسانية، وتكوين مجتمع سليم، قوامه المحبة والإخاء والعدل.
ويرتكز القانون الأخلاقى عنده على أربع فضائل رئيسية هى:
١ - وجوب طاعة الوالد والخضوع له.
٢ - وجوب طاعة الحاكم والانقياد له.
٣ - على الأخ الأصغر أن يطيع أخاه الأكبر.
٤ - على الأصدقاء أن يخلصوا فى معاملة بعضهم بعضا.
وهذه الفضائل فى نظر "الكونفوشيوسيين" خالدة، ويجب على كل فرد فى المجتمع أن يتحلى بها باستمرار لأن الأستمرار فى التحلى بالفضيلة هو نفسه جزء لا يتجزأ من الفضيلة.
التعليم عند "الكونفوشيوسيين" من أهم العوامل التى تجعل الأفراد يفهمون القانون الأخلاقى: ويسيرون عليه. ولذلك يجبط أن يتعلم الأفراد آراء القدماء وحكمهم، وما ورد عنهم من قصص، وعليهم كذلك أن يطلعوا على مؤلفات الكونفوشيوسيين، حتى يلموا إلماما جيدا بآرائهم الفلسفية والدينية والسياسية.
عاش "كونفوشيوس" حوالى ثمانين عاما (توفى ٤٩٨ ق. م) قضاها فى نشر الفضائل، ومحاولة إصلاح المجتمع الصينى، ولم يكن له فى حياته تأثير كبير، إذ كان الناس يعتبرونه مصلحا اجتماعيا، لأنه كان ينادى بالتمسك بحكمة القدماء، ويدعو الى إحياء التراث القديم والسير على قواعده ومبادئه وكان يؤلف الكتب فى هذا المجال وينشر تعاليمه متنقلا من ولاية الى آخرى، حتى أطلق عليه معاصروه اسم: "معلم الجنس البشرى".
وبعد قرون عدة من وفاته أعلنت الدولة -بناء على أسباب سياسية أن تعاليمه مقدسة يجب الالتزام بها، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى عبادته، فأعلنت الدولة أن "الكونفوشيوسية" هى الدين الرسمى للدولة، فانتشرت دور عبادته فى كل المدن والقرى والنجوع الصينية، وتقدم فيها القرابين له فى صورة أضحية (ثيران، وأغنام، وخنازير)، وفى بعض الأحيان يقدم القربان فى صورة أقمشة حريرية.
لم ينفرد "كونفوشيوس" بالعبادة عند العامة، بل يعبدون معه آلهتهم القديمة، فيقدمون القرابين لها ولقديسيهم المنتشرين فى أنحاء الصين.
وتنقسم مصادر "الكونفوشيوسية" إلى قسمين:
القسم الأول: كتب صينية قديمة قام "كونفوشيوس" بنقلها، ومن أهمها:
١ - كتاب الأغانى: ويحتوى على مئات الأغانى والقصائد الدينية.
٢ - التاريخ: ويشتمل على الوثائق التاريخية لتاريخ الصين القديم.
٣ - كتاب التغيرات: وهو كتاب يعالج موضوع ظهورالأحداث الإنسانية.
القسم الثانى: مؤلفات "كونفوشيوس"، ومن أهمها:
١ - الأخلاق السياسية: وهو يتضمن أقوالا مختلفة لـ "كونفوشيوس" وتلاميذه، مع شرح لهذه الأقوال.
٢ - الانسجام المركزى: وهو مأثورات مشروحة.
٣ - المنتخبات: ويطلق العلماء عليه اسم: "إنجيل كونفوشيوس"، لأنه يتضمن تلخيصا وافيا لأقوال "كونفوشيوس" فى مختلف المناسبات على نحو ما سجلها تلاميذه. وإن كان كثير من الحكم والأمثال التى تضمنها قد وضعت بغير ترتيب أو اقتطعت من المناسبة التى قيلت فيها.
ورغم أن نفوذ "الكونفوشيوسية" خضعت للتغير حسب الظروف المختلفة، إلا أنها احتفضت بقيمتها دائما، ففى عصورها الأولى أنشئت المعابد باسم "كونفوشيوس" كما أنشئت كليات لتدريس مبادئه، تمنح الدرجات العلمية فيها، واعتبرالحصول على تلك الدرجات شرطا لتولى الوظائف العامة.
وبدأ نجمها فى الأفول من الناحية السياسية والدينية فى أوائل القرن العشرين فألغيت دراستها، ولم تعد شرطا للوظائف -وإن بقيت أساسا للحياة الخلقية- ولاسيما بعد سقوط الإمبراطورية وقيام الجمهورية فى عام ١٩١٢م، ومنذ ذلك الحين فإن الشباب التقدمى فى الصين يرى فى ال "كونفوشيوسية" عقبة فى سبيل التقدم، لارتباطها بالملكية، وكذلك لما تدعو إليه من تقديس الآباء والمحافظة على التقاليد.
هذا وقد اختفت ال "كونفوشيوسية" فى الصين باستيلاء الشيوعيين على الحكم فى عام ١٩٤٩م، وإن كان بعض الباحثين يعتقدون أن روحها الأصيلة فى الشعب الصينى سوف تنجح فى تلوين شيوعية الصين بلونها الخاص، وتزحزحها عن بعض مبادئها، كما فعلت ذلك فى البوذية.
أ. د/محمد شامة
стр. 563
١٩ - الكيمياء
لغة: اسم صنعة، مثل السيمياء، قال الجوهرى، هوعربى، وقال ابن سيده: "أحسبها أعجمية"، كما فى اللسان (١).
واصطلاحا: علم يختص بدراسة خواص المواد وتفاعلاتها.
ويتعذر علينا اليوم أن نسجل البداية الحقيقية لعلم الكيمياء، فقد كانت الكيمياء قديما صنعة يتداولها الناس، وتقوم أساسا على الخبرة والمران، ولم تكن علما قائما بذاته، وقد زاول بعض الناس هذه الصنعة فى بعض الحضارات القديمة مثل حضارة الصين والفرس ومصر القديمة.
وكانت أغلب المحاولات التى قام بها أهل هذه البلاد تتصل بالبحث عما سمى "بحجرالفلاسفة" وكان من المعتقد أن هذا الحجر-إن وجد- له القدرة على تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نبيلة، مثل الفضة والذهب، بالإضافة إلى قدرته على شفاء الأمراض والعلل، ولذلك كان يطلق عليه أحيانا اسم "الاكسير".
ولقد أدت هذه المحاولات إلى اكتشاف بعض أسرار الكيمياء وأساليبها، خاصة فى مصر القديمة، فعرفت بعض طرق الدباغة، وصناعة الأصباغ ومواد التحنيط وغيرها.
وقد كانت أفكار الإغريق فى هذا المجال أفكارا نظرية بحته، ولكنها اندمجت مع معارف المصريين القدماء فى مدينة الإسكندرية، وعندما فتحها العرب عام ٦٤٢ ميلادية أطلق على هذه المعارف اسم "الخيميا" وهى اسم مشتق من "ال" العربية و"خيميا Khemia" هو الاسم الإغريقى لمصر.
وقد ساهم علماء العرب والمسلمين مساهمة كبيرة فى علم الكيمياء، وبرز منهم كثيرون مثل: جابربن حيان، وأبى بكر الرازى وغيرهم، وترجمت أعمالهم إلى اللغات الأوروبية فى العصور الوسطى، وسمع منها الأوروبيون لأول مرة عن التجارب المقننة، وعن استخدام الميزان، وعن المنهج العلمى، وعن ابتكار الأنبيق المستخدم فى التقطير والتصعيد.
كما وصف العلماء العرب فى كتبهم ورسائلهم أصنافا متعددة من الأدوات المعملية التى ابتكروها، كما وصفوا عشرات من العمليات الكيميائية مثل: التحليل والتركيب والتنقية والتقطير وقاموا بتحضير الأحماض المعدنية الثلاثة، وحمض الطرطير، وحمض الأترج، وغيرها.
وقد تقدم علم الكيمياء بعد ذلك تقدما كبيرا، وأسهمت الكيمياء فى كثير من المجالات، فازدهرت صناعة الأدوية والأصباغ، وصناعة الحمضيات الزراعية، ومبيدات الحشرات، وابتكرت الألياف الصناعية، وغيرها من المركبات التى ساعدت البشرية، وأدت إلى الوصول إلى المستوى الحضارى الذى نعرفه اليوم.
أ. د/أحمد مدحت إسلام
стр. 564
٢٠ - كيمياء السعادة
اصطلاحا: الكيمياء علم يختص ببحث خواص الأجسام، وتغيرات بناها الداخليه بتأثير العوامل الطبيعية.
والكيميائى: هو المنسوب إلى الكيمياء. والكيمياء الفيزيائية: علم تطبق فيه قوانين الفيزياء على خواص الأجسام وتغيراتها. والنظرية الكيميائية الفيزيائية فى علم الحياة: هى القول بأن جميع ظواهر الحياة ترجع إلى ظواهر فيزيائية وكيميائية معقدة. وكيمياء العوام: هى استبدال المتاع الأخروى الباقى، بالحطام الدنيوى الفانى. وكيمياء الخواص: تخصيص القلب عن الكون باستئثار المكوّن (١).
كيمياء السعادة: تهذيب النفس: باجتتاب الرذائل وتزكيتها عنها، واكتساب الفضائل وتحليتها بها (٢).
وسوف نتوسع قليلا فى كيمياء السعادة، من خلال ما كتبه الإمام الغزالى (المتوفى ٥٠٥ هـ) فى رسالته الصغيرة "كيمياء السعادة " (٣).
يرى الإمام الغزالى أن الكيمياء الظاهرية لا تكون فى خزائن العوام، وإنما تكون فى خزائن الملوك.
أما كيمياء السعادة فإنها لا تكون إلا فى خزائن الله : ففى السماء جواهر الملائكة، وفى الأرض قلوب الأولياء العارفين.
فكل من طلب هذه الكيمياء من غير حضرة النبوة، فقد أخطأ الطريق، ويكون عمله شبيها بالدينار البهرج (المزيف)، فيظن فى نفسه أنه غنى وهو مفلس فى القيامة، كما قال الله عزوجل: ﴿لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ (ق ٢٢).
ومن رحمه الله تعالى بعباده، أنه أرسل إليهم آلاف الأنبياء والرسل؟ كى يعلموا الناس "نسخة الكيمياء" وكيف يجعلون القلب فى كور المجاهدة؟ ليطهر من الأخلاق المذمومة، ويتوجه إلى طرق الصفاء، كما قال المولى : ﴿هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلى لفى ضلال مبين﴾ (الجمعة ٢). أى يطهرهم من الأخلاقى المذمومة، ومن صفات البهائم، ويجعل صفات الملائكة لباسهم وحليتهم، وهذا هو مفهوم كيمياء السعادة.
ومقصود هذه الكيمياء: هو أن كل ما كان من صفات النقص يتعرى العبد منه وكل ما يكون من صفات الكمال يلبسه.
وسر هذه الكيمياء: أن يرجع العبد من الدنيا إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ (المزمل ٨). ولا تتحقق هذه الكيمياء إلا بمعرفة الله عزوجل. ومفتاح هذه المعرفة هو معرفة الإنسان نفسه؟ لأن نفسه أقرب شيء إليه؟ فمن عرف نفسه فقد عرف ربه ﷺ
قال الله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ (فصلت ٥٣).
ومن قال: إنى أعرف نفسى، فإنما يعرف الجسم الظاهر، دون أن يعرف الباطن الذى يجمع صفات متعددة. منها صفات البهائم، وصفات السباع، وصفات الملائكة.
فالروح حقيقة جوهر الإنسان، وغيرها غريب منه، وعارية عنده. ولكل واحد مما سبق سعادة خاصة:
فسعادة البهائم فى الأكل والشرب والنوم والنكاح، وسعادة السباع فى الضرب والفتك، وسعادة الشياطين فى المكر والشر والحيل. فمن كان من هؤلاء فليشتغل بما اشتغلوا به. أما سعادة الملائكة فإنها فى مشاهدة جمال الحضرة الربوبية، وليس للغضب والشهوة إليهم طريق. فمن كان من جوهر الملائكة، فليجتهد فى معرفة أصله، حتى يعرف الطريق إلى الحضرة الإلهية، ويبلغ إلى مشاهدة الجلال والجمال، ويخلص نفسه من قيد الشهوة والغضب. فمن لم يعرف هذه المعانى فنصيبه من القشور، لأن الحق عنه محجوب.
ومما تجب معرفته، أن نفس الإنسان من شيئين:
الأول القلب، والثانى النفس أو الروح. والنفس هو القلب الذى يعرفه الإنسان بعين الباطن، وهو حقيقة الإنسان وأصله. ولهذا غلط من ظن أن الروح قديم، أو أنه عرض أو جسم.
وتمام السعادة مبنى على ثلاثة أشياء:
قوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العلم. فيحتاج أن يكون أمرها متوسطا، لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الحمق فيهلّك. فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العدل ذل على طريق الهداية. وكذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية فى الدين والدنيا. وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة. وكذلك الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، وإذا توسطت كانت العفة والقناعة والرضا.
أ. د عبد اللطيف محمد العبد
стр. 565
١ - اللاإدرية
لغة: درى الشيء وبه أى علمه (كما فى اللسان) (١)
واصطلاحا: مذهب فلسفى تقول به فرقة من الفرق السوفسطائية وقد ظهرت السوفسطائية فى الفكر اليونانى السابق على سقراط وبرع هؤلاء فى الجدل والمغالطة، وعارضوا المذاهب الفلسفية والمبادئ الخلقية، وضربوا بعضها ببعض، وجادلوا فى أن هناك حقا وباطلا، وخيرا وشرا، وصوابا وخطأ، وقالوا: إن الإنسان هو مقياس كل شئ، فهو مقياس النفع والضر، والخير والشر والعدل والظلم. وذهب بعضهم إلى أنه لا يوجد شيء، وأنه إذا وجد شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه. وإذا افترضنا أن إنسانا أدركه فإنه لن يستطيع إبلاغه لغيره من الناس.
وهكذا أثار السوفسطائيون الشكوك حول المعرفة وأسسها، وجعلوا الوصول إلى الحقائق واليقين أمرا عسيرا أو متعذرا.
(أ) وقد شكك السوفسطائيون فى الحسيات، بسبب أخطاء الحواس فالأحول قد يرى الواحد اثنين، والعين ترى المتحرك- كالظل- ساكنا، وراكب السفينة يراها ساكنه، على حين يرى الشاطئ متحركا. والوجه يُرى فى المرآة طويلا وعريضا ومُعْوجّاً بحسب شكل المرآة. والنائم يرى فى نومه ما يجزم به، مثلما يجزم بما يراه فى يقظته، والمريض لايحس طعم الأشياء فى فمه على حقيقتها، وهكذا.
(ب) ثم شككوا فى البديهيات، بسبب اختلاف الآراء، واعتراض العقلاء حولها. وكلهم يجزم بصواب رأيه، وبطلان أقوال مخالفيه فكيف تكون على يقين من صدق بعضها دون بعضها الآخر؟.
(ج) وإذا وقع الشك فى الحسيات والبديهيات فإن ما يتركب منهما من المقدمات، وما ينبنى عليهما من الأدلة النظرية يتطرق إليه الشك وحينئذ "لا وثوق بالعيان، ولا رجحان للبيان، فوجب التوقف، (٢).
وهذا هو موقف اللاأدرية القائلين بالتوقف فى وجود كل شيء وعلمه، وهم- بموقفهم القائم على الشك- عاجزون عن التوصل إلى علم، أو إعطاء حكم، أو التوصل إلى يقين. وهو موقف هدام، يلغى المعرفة، ويبطل الحقائق، ويناقض الفطرة السليمة ويهدر قيمة العقل، ودوره فى الفهم والاستنباط والكشف عن المجهول، وتصحيح أخطاء الحواس، بل أخطاء العقل نفسه.
وقد حاول المفكرون- قديما وحديثا- أن يظهروا خطأ هذا الموقف اللاأدرى، وأن يبطلوا أسسه، واجتهدوا فى أن يلزموا أصحابه بأن الإنسان لا يمكن أن يخلو-
تماما- من التسليم بوجود بعض الحقائق، وقد قطعوا هم أنفسهم ببطلان البديهيات والحسيات، ولم يشكوا فى ذلك- وهم- بذاك- يناقضون أنفسهم- وكان مما قيل لإبطال رأيهم "قولكم: إنه لا حقيقة للأشياء: حَقُ هو أم باطل؟ فإن قالوا: هو حق أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا ليس هو حقا أقرُّوا ببطلان قولهم، وكفَوْا خصومهم أمرهم " (٣).
وقد خشى المفكرون الإسلاميون من تفشَّى هذا الموقف اللاأدرى الذى انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية. ضمن ما نقل فى حركة الترجمة من ثقافات الأمم الأخرى، ولاسيما الثقافة اليونانية، وقد وقفوا لهذا الاتجاه، وجادلوا أصحابه، بسبب ما يمكن أن يترتب علّيه من آثار ضارة بالعلم والمعرفة والعقيدة الإسلامية، لأن إنكار الحقائق جملة، والتوقف فى قبولها، سوف يكون سبيلا إلى إنكار حقائق الوحى التى جاء بها الأنبياء ﵈. ولذلك جعلوا إثبات الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم من أول الأصول التى يجب الإيمان بها، على عكس ما يقول السوفسطائيون، وقد وصفهم عبد القاهر البغدادى بالكفر، بسبب موقفهم المعاند لموجبات وقد لاحظ (٤).وقد لاحظ بعض المخالفين لهم أن رأيهما فيه مكابرة فيه للحس والعقل (٥). ومن شأن ذلك أن يجعل الجدال معهم ليس مضمون النتائج، ومن ثم فلا جدوى من مناظرتهم.
وفى ذلك يقول عضد الدين الإيجى "والمناظرة معهم قد منعها المحققون، لأنها لإفادة المجهول بالمعلوم … والخصم لا يعترف بمعلوم حتى يثبت به مجهول، فالاشتغال به التزام لمذهبهم. بل الطريق معهم أن تُعَدَّ علّيهم أمور، لاُبدَّ لهم من الاعتراف بثبوتها، حتى يظهر عنادهم. مثل: أنَّك هل تميز بين الألم واللذة، أو بين دخول النار والماء، أو بين مذهبك وما ينقضك. فإن أبوا إلا الإصرار أوجِعُوا ضربا، وأُصْلوُ نارا، أو يعترفوا بالألم، وهو من الحسيات. وبالفرق بينه وبين اللّذة، وهو من البديهات " (٦).
أ. د/ عبد الحميد مدكور
١ - لسان العرب طبعة دار المعارف مادة (درى).
٣ - كشاف اصطلاحات الفنون ٣،١٧٣ ٠ ١٧٣.
٣ - الفصل لابن حزم ١/ ٨.
٤ - الفرق بين الفرق ص ٣٢٣، ٣٣٤،٣٥٤.
٥ - الفصل ١/ ٨.
٦ - المواقف للإيجى ص ٢١.