← Джавами‘

Джавами‘ · id 433

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (686 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

١٧ - الكون لغة: كَوّنه فتكوّن: أحدثه فحدث، والكون: الحدث، والكائنة: الحادثة، والله مكون الأشياء: يخرجها من العدم إلى الوجود كما فى اللسان (١). واصطلاحا: هو اللفظ المستخدم للدلالة على كل ماحولنا، من النجوم التى نراها ليلا فى السماء، والتى تتجمع فى مجموعات تعرف بالمجرات، إلى الفضاء الواقع بين هذه المجرات، ومايوجد به من غازات وغبار كونى، بالإضافة إلى أى شىء يقدر له الوجود وراء حدود مانراه. ولم يشعر الإنسان شعورا حقيقيا بوجود الكون إلا فى نهاية القرن الثامن عشر، عندما اكتشف أنه يسكن على سطح كوكب صغير، فى مجموعة شمسية تمثل جزءا من مجرة تحتوى على ألوف الملايين من النجوم، وأن هناك مجرات مشابهة تقع فى الفضاء، الذى يمتد وراء هذه المجرة، والتى عرفت فى ذلك الحين باسم "الجزر الكونية". ويعرف علماء الفلك اليوم مايزيد على مائة ألف مليون مجرة، تفصل كل مجرة عن الأخرى مساحة هائلة، وأقرب المجرات إلينا مجرة "المرأة المسلسلة" أو "الأندروميدا" وتفصلنا عنها مسافة تقدر مليونى سنة ضوئية، بمعنى: أن الشعاع الصادر منها والمنطلق بسرعة ٠٠٠، ٣٠٠ كم فى الثانية لا يصل إلينا إلا بعد مليونى سنة، مما يدل على أننا لانعرف شيئا عن هذه المجرة حتى الآن، فنحن نراها كما كانت فى الماضى، وربما تكون قد انفجرت، أو اختفت فى الفضاء. وهذه الحقيقة محيرة إلى حد كبير، فنحن عندما ننظر إلى ماحولنا من نجوم أو مجرات، إنما نراها كما كانت فى الزمن الماضى، كذلك أقرب نجم إلى مجموعتنا الشمسية ويدعى "ألفاسنتورى" تفصلنا عنه نحو ٣، ٤ سنة ضوئية، أى تفصلنا عنه ملايين من الكيلومترات ويذكرنا ذلك بالآية الكريمة ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ الواقعة:٧٥،٧٦. وبتقدم العلم والمعرفة توصل الإنسان بفكره إلى نظرية خاصة بنشأة هذا الكون، وهى تنص على أن كل مايحتويه هذا الكون من مجرات وغازات وسحب الغبار الكونى كانت ملتحمة معا فى زمن مغرق فى القدم على هيئة كتلة مركزية شديدة التماسك والانضغاط، ثم انفجرت هذه الكتلة، وتناترت شظاياها فى جميع الاتجاهات، ثم تحولت بمرور الزمن إلى المجرات الحالية التى يتكون كل منها من ملايين النجوم، وتعرف هذه النظرية باسم "الانفجار العظيم" وهى تتمشى مع المعنى المفهوم من الآية الكريمة ﴿أو لم ير الدين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون﴾ الأنبياء:٣٠. وتدل هذه النظرية على أن هذا الانفجار العظيم قد حدث منذ نحو ١٥.٠٠٠ألف مليون سنه على وجه التقريب، وأن هذه المجرات مازالت تندفع فى الفضاء بسرعات كبيرة جدا، مما يدل على أن الكون يتمدد ويتسع بمرور الزمن، وهذا المعنى نفسه الذى ورد فى الآية الكريمة ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ الذاريات:٤٧، ولكن هل يمتد ويستمرهذا الاتساع الى الأبد، أم هل يتوقف هذا التمدد فى المستقبل عندما تبطىء سرعة المجرات وتبدأ عملية التجاذب بينها، فينكمش الكون مرة أخرى، ويوصف عندئذ بأنه كون مغلق. ويعتقد بعض العلماء أن الكون يحتوى على قدر كبيرمن المادة، سواء منها المادة المضيئة التى توجد على هيئة سحب من الغازات والغبار الكونى، وهو مايكفى لحدوث التجاذب بين مكوناته وانكماشه مرة أخرى، وسيستمر هذا الانكماش مدة طويلة، وتقترب المجرات بعضها من بعض لتندمج معا فى نهاية الأمر فى كتلة مركزية واحدة ثم تعود إلى الانفجار مرة أخرى لتكون كونا جديدا، ويذكرذلك بقوله تعالى: ﴿يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ الأنبياء:١٠٤. وقد وضع عالمان هما: "إدوارد نايرون" و "ألكساندر فيلينكين" نظرية تفترض أن الكون عندما ينكمش سيصل إلى حجم متناه فى الصغر، لايزيد على حجم البرتون، ثم يختفى فجأة فى العدم، وطبقا لنظرية "ميكانيكا الكم" سيظهر الكون من العدم " Out of nothingness" مرة أخرى ليتمدد بشكل نهائى مدة من الزمن، ويصعب تصور هذه النظرية، ولكنها تتمشى مع قوله تعالى ﴿بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ البقرة:١١٧. أ. د/أحمد مدحت إسلام

стр. 562

١٨ - الكونفوشيوسية لغة: نسبة إلى "كونفوشيوس"، وهذ الاسم يتألف من لفظين: كونج، اسم القبيلة التى ينتمى إليها، وفوتس، ومعناها: الرئيس، أو الفيلسوف. فاسم كونفوشيوس يعنى: زئيس كونج، أو فيلسوفها، أو حكيمها. واصطلاحا: تعاليم أخلاقية ودينية ظهرت فى القرن السادس قبل الميلاد على يد رجل يدعى كونفشيوس، صارت فيما بعد مذهبا دينيا، وقد التزمته الصين كدين رسمى للدولة حتى أوائل القرن العشرين. ولد "كونفوشيوس" فى المقاطعة الصينية التى تسمى اليوم "شانتونج" فى عام ٥٥١ ق. م. من أسرة عريقة، إذ كان أبوه ضابطا فى الجيش، إلا أنه كان فقيرا، ومات وابنه "كونفوشيوس" فى الثالثة من عمره، فاضطر الغلام إلى الاشتغال برعى الغنم عند أحد الأمراء. ولما رأى الأمير جدَّه واجتهاده أسند إليه أحدى الوظائف، فكان يقضى أوقات فراغه فى دراسة الآداب القديمة والفلسفة والموسيقى. وفى الثانية والعشرين من عمره أنشأ مدرسة ليتلقى فيها الشبان ذوو المواهب الخاصة أصول الفلسفة الأخلاقية والسياسية، وبجانب عمله هذا كان يقوم بوظيفة المستشار السياسى لبعض الأمراء والولاة الذين كانوا ينتفعون بآرانه فى حل ما يصادفهم من مشكلات. وفى سنة ٤٩٦ق. م عين رئيسا للوزراء فى ولاية "لو" فأعدم المشاغبين من الوزراء ورجال السياسة، وأدب اللصوص وقطاع الطرق، كما وضع مراقبة صارمة على التجار ليمنع الغش والاحتكار، ولكن حساده دسوا بينه وبين أمير "لو" فاضطر "كونفوشيوس" إلى ترك هذه الولاية، وأخذ يتنقل من إقليم إلى إقليم يعلم الشبان وينصح الولاة. ولم يدع "كونفوشيوس"اأنه نبى يوحى اليه، فقد كان مصلحا أكثر منه رجل دين. احترم الآلهة، وحرص على إقامة الشعائر والطقوس، وكانت عنايته متجهة إلى إصلاح النفس الإنسانية، وتكوين مجتمع سليم، قوامه المحبة والإخاء والعدل. ويرتكز القانون الأخلاقى عنده على أربع فضائل رئيسية هى: ١ - وجوب طاعة الوالد والخضوع له. ٢ - وجوب طاعة الحاكم والانقياد له. ٣ - على الأخ الأصغر أن يطيع أخاه الأكبر. ٤ - على الأصدقاء أن يخلصوا فى معاملة بعضهم بعضا. وهذه الفضائل فى نظر "الكونفوشيوسيين" خالدة، ويجب على كل فرد فى المجتمع أن يتحلى بها باستمرار لأن الأستمرار فى التحلى بالفضيلة هو نفسه جزء لا يتجزأ من الفضيلة. التعليم عند "الكونفوشيوسيين" من أهم العوامل التى تجعل الأفراد يفهمون القانون الأخلاقى: ويسيرون عليه. ولذلك يجبط أن يتعلم الأفراد آراء القدماء وحكمهم، وما ورد عنهم من قصص، وعليهم كذلك أن يطلعوا على مؤلفات الكونفوشيوسيين، حتى يلموا إلماما جيدا بآرائهم الفلسفية والدينية والسياسية. عاش "كونفوشيوس" حوالى ثمانين عاما (توفى ٤٩٨ ق. م) قضاها فى نشر الفضائل، ومحاولة إصلاح المجتمع الصينى، ولم يكن له فى حياته تأثير كبير، إذ كان الناس يعتبرونه مصلحا اجتماعيا، لأنه كان ينادى بالتمسك بحكمة القدماء، ويدعو الى إحياء التراث القديم والسير على قواعده ومبادئه وكان يؤلف الكتب فى هذا المجال وينشر تعاليمه متنقلا من ولاية الى آخرى، حتى أطلق عليه معاصروه اسم: "معلم الجنس البشرى". وبعد قرون عدة من وفاته أعلنت الدولة -بناء على أسباب سياسية أن تعاليمه مقدسة يجب الالتزام بها، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى عبادته، فأعلنت الدولة أن "الكونفوشيوسية" هى الدين الرسمى للدولة، فانتشرت دور عبادته فى كل المدن والقرى والنجوع الصينية، وتقدم فيها القرابين له فى صورة أضحية (ثيران، وأغنام، وخنازير)، وفى بعض الأحيان يقدم القربان فى صورة أقمشة حريرية. لم ينفرد "كونفوشيوس" بالعبادة عند العامة، بل يعبدون معه آلهتهم القديمة، فيقدمون القرابين لها ولقديسيهم المنتشرين فى أنحاء الصين. وتنقسم مصادر "الكونفوشيوسية" إلى قسمين: القسم الأول: كتب صينية قديمة قام "كونفوشيوس" بنقلها، ومن أهمها: ١ - كتاب الأغانى: ويحتوى على مئات الأغانى والقصائد الدينية. ٢ - التاريخ: ويشتمل على الوثائق التاريخية لتاريخ الصين القديم. ٣ - كتاب التغيرات: وهو كتاب يعالج موضوع ظهورالأحداث الإنسانية. القسم الثانى: مؤلفات "كونفوشيوس"، ومن أهمها: ١ - الأخلاق السياسية: وهو يتضمن أقوالا مختلفة لـ "كونفوشيوس" وتلاميذه، مع شرح لهذه الأقوال. ٢ - الانسجام المركزى: وهو مأثورات مشروحة. ٣ - المنتخبات: ويطلق العلماء عليه اسم: "إنجيل كونفوشيوس"، لأنه يتضمن تلخيصا وافيا لأقوال "كونفوشيوس" فى مختلف المناسبات على نحو ما سجلها تلاميذه. وإن كان كثير من الحكم والأمثال التى تضمنها قد وضعت بغير ترتيب أو اقتطعت من المناسبة التى قيلت فيها. ورغم أن نفوذ "الكونفوشيوسية" خضعت للتغير حسب الظروف المختلفة، إلا أنها احتفضت بقيمتها دائما، ففى عصورها الأولى أنشئت المعابد باسم "كونفوشيوس" كما أنشئت كليات لتدريس مبادئه، تمنح الدرجات العلمية فيها، واعتبرالحصول على تلك الدرجات شرطا لتولى الوظائف العامة. وبدأ نجمها فى الأفول من الناحية السياسية والدينية فى أوائل القرن العشرين فألغيت دراستها، ولم تعد شرطا للوظائف -وإن بقيت أساسا للحياة الخلقية- ولاسيما بعد سقوط الإمبراطورية وقيام الجمهورية فى عام ١٩١٢م، ومنذ ذلك الحين فإن الشباب التقدمى فى الصين يرى فى ال "كونفوشيوسية" عقبة فى سبيل التقدم، لارتباطها بالملكية، وكذلك لما تدعو إليه من تقديس الآباء والمحافظة على التقاليد. هذا وقد اختفت ال "كونفوشيوسية" فى الصين باستيلاء الشيوعيين على الحكم فى عام ١٩٤٩م، وإن كان بعض الباحثين يعتقدون أن روحها الأصيلة فى الشعب الصينى سوف تنجح فى تلوين شيوعية الصين بلونها الخاص، وتزحزحها عن بعض مبادئها، كما فعلت ذلك فى البوذية. أ. د/محمد شامة

стр. 563

١٩ - الكيمياء لغة: اسم صنعة، مثل السيمياء، قال الجوهرى، هوعربى، وقال ابن سيده: "أحسبها أعجمية"، كما فى اللسان (١). واصطلاحا: علم يختص بدراسة خواص المواد وتفاعلاتها. ويتعذر علينا اليوم أن نسجل البداية الحقيقية لعلم الكيمياء، فقد كانت الكيمياء قديما صنعة يتداولها الناس، وتقوم أساسا على الخبرة والمران، ولم تكن علما قائما بذاته، وقد زاول بعض الناس هذه الصنعة فى بعض الحضارات القديمة مثل حضارة الصين والفرس ومصر القديمة. وكانت أغلب المحاولات التى قام بها أهل هذه البلاد تتصل بالبحث عما سمى "بحجرالفلاسفة" وكان من المعتقد أن هذا الحجر-إن وجد- له القدرة على تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نبيلة، مثل الفضة والذهب، بالإضافة إلى قدرته على شفاء الأمراض والعلل، ولذلك كان يطلق عليه أحيانا اسم "الاكسير". ولقد أدت هذه المحاولات إلى اكتشاف بعض أسرار الكيمياء وأساليبها، خاصة فى مصر القديمة، فعرفت بعض طرق الدباغة، وصناعة الأصباغ ومواد التحنيط وغيرها. وقد كانت أفكار الإغريق فى هذا المجال أفكارا نظرية بحته، ولكنها اندمجت مع معارف المصريين القدماء فى مدينة الإسكندرية، وعندما فتحها العرب عام ٦٤٢ ميلادية أطلق على هذه المعارف اسم "الخيميا" وهى اسم مشتق من "ال" العربية و"خيميا Khemia" هو الاسم الإغريقى لمصر. وقد ساهم علماء العرب والمسلمين مساهمة كبيرة فى علم الكيمياء، وبرز منهم كثيرون مثل: جابربن حيان، وأبى بكر الرازى وغيرهم، وترجمت أعمالهم إلى اللغات الأوروبية فى العصور الوسطى، وسمع منها الأوروبيون لأول مرة عن التجارب المقننة، وعن استخدام الميزان، وعن المنهج العلمى، وعن ابتكار الأنبيق المستخدم فى التقطير والتصعيد. كما وصف العلماء العرب فى كتبهم ورسائلهم أصنافا متعددة من الأدوات المعملية التى ابتكروها، كما وصفوا عشرات من العمليات الكيميائية مثل: التحليل والتركيب والتنقية والتقطير وقاموا بتحضير الأحماض المعدنية الثلاثة، وحمض الطرطير، وحمض الأترج، وغيرها. وقد تقدم علم الكيمياء بعد ذلك تقدما كبيرا، وأسهمت الكيمياء فى كثير من المجالات، فازدهرت صناعة الأدوية والأصباغ، وصناعة الحمضيات الزراعية، ومبيدات الحشرات، وابتكرت الألياف الصناعية، وغيرها من المركبات التى ساعدت البشرية، وأدت إلى الوصول إلى المستوى الحضارى الذى نعرفه اليوم. أ. د/أحمد مدحت إسلام

стр. 564

٢٠ - كيمياء السعادة اصطلاحا: الكيمياء علم يختص ببحث خواص الأجسام، وتغيرات بناها الداخليه بتأثير العوامل الطبيعية. والكيميائى: هو المنسوب إلى الكيمياء. والكيمياء الفيزيائية: علم تطبق فيه قوانين الفيزياء على خواص الأجسام وتغيراتها. والنظرية الكيميائية الفيزيائية فى علم الحياة: هى القول بأن جميع ظواهر الحياة ترجع إلى ظواهر فيزيائية وكيميائية معقدة. وكيمياء العوام: هى استبدال المتاع الأخروى الباقى، بالحطام الدنيوى الفانى. وكيمياء الخواص: تخصيص القلب عن الكون باستئثار المكوّن (١). كيمياء السعادة: تهذيب النفس: باجتتاب الرذائل وتزكيتها عنها، واكتساب الفضائل وتحليتها بها (٢). وسوف نتوسع قليلا فى كيمياء السعادة، من خلال ما كتبه الإمام الغزالى (المتوفى ٥٠٥ هـ) فى رسالته الصغيرة "كيمياء السعادة " (٣). يرى الإمام الغزالى أن الكيمياء الظاهرية لا تكون فى خزائن العوام، وإنما تكون فى خزائن الملوك. أما كيمياء السعادة فإنها لا تكون إلا فى خزائن الله : ففى السماء جواهر الملائكة، وفى الأرض قلوب الأولياء العارفين. فكل من طلب هذه الكيمياء من غير حضرة النبوة، فقد أخطأ الطريق، ويكون عمله شبيها بالدينار البهرج (المزيف)، فيظن فى نفسه أنه غنى وهو مفلس فى القيامة، كما قال الله عزوجل: ﴿لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ (ق ٢٢). ومن رحمه الله تعالى بعباده، أنه أرسل إليهم آلاف الأنبياء والرسل؟ كى يعلموا الناس "نسخة الكيمياء" وكيف يجعلون القلب فى كور المجاهدة؟ ليطهر من الأخلاق المذمومة، ويتوجه إلى طرق الصفاء، كما قال المولى : ﴿هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلى لفى ضلال مبين﴾ (الجمعة ٢). أى يطهرهم من الأخلاقى المذمومة، ومن صفات البهائم، ويجعل صفات الملائكة لباسهم وحليتهم، وهذا هو مفهوم كيمياء السعادة. ومقصود هذه الكيمياء: هو أن كل ما كان من صفات النقص يتعرى العبد منه وكل ما يكون من صفات الكمال يلبسه. وسر هذه الكيمياء: أن يرجع العبد من الدنيا إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ (المزمل ٨). ولا تتحقق هذه الكيمياء إلا بمعرفة الله عزوجل. ومفتاح هذه المعرفة هو معرفة الإنسان نفسه؟ لأن نفسه أقرب شيء إليه؟ فمن عرف نفسه فقد عرف ربه ﷺ قال الله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ (فصلت ٥٣). ومن قال: إنى أعرف نفسى، فإنما يعرف الجسم الظاهر، دون أن يعرف الباطن الذى يجمع صفات متعددة. منها صفات البهائم، وصفات السباع، وصفات الملائكة. فالروح حقيقة جوهر الإنسان، وغيرها غريب منه، وعارية عنده. ولكل واحد مما سبق سعادة خاصة: فسعادة البهائم فى الأكل والشرب والنوم والنكاح، وسعادة السباع فى الضرب والفتك، وسعادة الشياطين فى المكر والشر والحيل. فمن كان من هؤلاء فليشتغل بما اشتغلوا به. أما سعادة الملائكة فإنها فى مشاهدة جمال الحضرة الربوبية، وليس للغضب والشهوة إليهم طريق. فمن كان من جوهر الملائكة، فليجتهد فى معرفة أصله، حتى يعرف الطريق إلى الحضرة الإلهية، ويبلغ إلى مشاهدة الجلال والجمال، ويخلص نفسه من قيد الشهوة والغضب. فمن لم يعرف هذه المعانى فنصيبه من القشور، لأن الحق عنه محجوب. ومما تجب معرفته، أن نفس الإنسان من شيئين: الأول القلب، والثانى النفس أو الروح. والنفس هو القلب الذى يعرفه الإنسان بعين الباطن، وهو حقيقة الإنسان وأصله. ولهذا غلط من ظن أن الروح قديم، أو أنه عرض أو جسم. وتمام السعادة مبنى على ثلاثة أشياء: قوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العلم. فيحتاج أن يكون أمرها متوسطا، لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الحمق فيهلّك. فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العدل ذل على طريق الهداية. وكذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية فى الدين والدنيا. وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة. وكذلك الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، وإذا توسطت كانت العفة والقناعة والرضا. أ. د عبد اللطيف محمد العبد

стр. 565

١ - اللاإدرية لغة: درى الشيء وبه أى علمه (كما فى اللسان) (١) واصطلاحا: مذهب فلسفى تقول به فرقة من الفرق السوفسطائية وقد ظهرت السوفسطائية فى الفكر اليونانى السابق على سقراط وبرع هؤلاء فى الجدل والمغالطة، وعارضوا المذاهب الفلسفية والمبادئ الخلقية، وضربوا بعضها ببعض، وجادلوا فى أن هناك حقا وباطلا، وخيرا وشرا، وصوابا وخطأ، وقالوا: إن الإنسان هو مقياس كل شئ، فهو مقياس النفع والضر، والخير والشر والعدل والظلم. وذهب بعضهم إلى أنه لا يوجد شيء، وأنه إذا وجد شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه. وإذا افترضنا أن إنسانا أدركه فإنه لن يستطيع إبلاغه لغيره من الناس. وهكذا أثار السوفسطائيون الشكوك حول المعرفة وأسسها، وجعلوا الوصول إلى الحقائق واليقين أمرا عسيرا أو متعذرا. (أ) وقد شكك السوفسطائيون فى الحسيات، بسبب أخطاء الحواس فالأحول قد يرى الواحد اثنين، والعين ترى المتحرك- كالظل- ساكنا، وراكب السفينة يراها ساكنه، على حين يرى الشاطئ متحركا. والوجه يُرى فى المرآة طويلا وعريضا ومُعْوجّاً بحسب شكل المرآة. والنائم يرى فى نومه ما يجزم به، مثلما يجزم بما يراه فى يقظته، والمريض لايحس طعم الأشياء فى فمه على حقيقتها، وهكذا. (ب) ثم شككوا فى البديهيات، بسبب اختلاف الآراء، واعتراض العقلاء حولها. وكلهم يجزم بصواب رأيه، وبطلان أقوال مخالفيه فكيف تكون على يقين من صدق بعضها دون بعضها الآخر؟. (ج) وإذا وقع الشك فى الحسيات والبديهيات فإن ما يتركب منهما من المقدمات، وما ينبنى عليهما من الأدلة النظرية يتطرق إليه الشك وحينئذ "لا وثوق بالعيان، ولا رجحان للبيان، فوجب التوقف، (٢). وهذا هو موقف اللاأدرية القائلين بالتوقف فى وجود كل شيء وعلمه، وهم- بموقفهم القائم على الشك- عاجزون عن التوصل إلى علم، أو إعطاء حكم، أو التوصل إلى يقين. وهو موقف هدام، يلغى المعرفة، ويبطل الحقائق، ويناقض الفطرة السليمة ويهدر قيمة العقل، ودوره فى الفهم والاستنباط والكشف عن المجهول، وتصحيح أخطاء الحواس، بل أخطاء العقل نفسه. وقد حاول المفكرون- قديما وحديثا- أن يظهروا خطأ هذا الموقف اللاأدرى، وأن يبطلوا أسسه، واجتهدوا فى أن يلزموا أصحابه بأن الإنسان لا يمكن أن يخلو- تماما- من التسليم بوجود بعض الحقائق، وقد قطعوا هم أنفسهم ببطلان البديهيات والحسيات، ولم يشكوا فى ذلك- وهم- بذاك- يناقضون أنفسهم- وكان مما قيل لإبطال رأيهم "قولكم: إنه لا حقيقة للأشياء: حَقُ هو أم باطل؟ فإن قالوا: هو حق أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا ليس هو حقا أقرُّوا ببطلان قولهم، وكفَوْا خصومهم أمرهم " (٣). وقد خشى المفكرون الإسلاميون من تفشَّى هذا الموقف اللاأدرى الذى انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية. ضمن ما نقل فى حركة الترجمة من ثقافات الأمم الأخرى، ولاسيما الثقافة اليونانية، وقد وقفوا لهذا الاتجاه، وجادلوا أصحابه، بسبب ما يمكن أن يترتب علّيه من آثار ضارة بالعلم والمعرفة والعقيدة الإسلامية، لأن إنكار الحقائق جملة، والتوقف فى قبولها، سوف يكون سبيلا إلى إنكار حقائق الوحى التى جاء بها الأنبياء ﵈. ولذلك جعلوا إثبات الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم من أول الأصول التى يجب الإيمان بها، على عكس ما يقول السوفسطائيون، وقد وصفهم عبد القاهر البغدادى بالكفر، بسبب موقفهم المعاند لموجبات وقد لاحظ (٤).وقد لاحظ بعض المخالفين لهم أن رأيهما فيه مكابرة فيه للحس والعقل (٥). ومن شأن ذلك أن يجعل الجدال معهم ليس مضمون النتائج، ومن ثم فلا جدوى من مناظرتهم. وفى ذلك يقول عضد الدين الإيجى "والمناظرة معهم قد منعها المحققون، لأنها لإفادة المجهول بالمعلوم … والخصم لا يعترف بمعلوم حتى يثبت به مجهول، فالاشتغال به التزام لمذهبهم. بل الطريق معهم أن تُعَدَّ علّيهم أمور، لاُبدَّ لهم من الاعتراف بثبوتها، حتى يظهر عنادهم. مثل: أنَّك هل تميز بين الألم واللذة، أو بين دخول النار والماء، أو بين مذهبك وما ينقضك. فإن أبوا إلا الإصرار أوجِعُوا ضربا، وأُصْلوُ نارا، أو يعترفوا بالألم، وهو من الحسيات. وبالفرق بينه وبين اللّذة، وهو من البديهات " (٦). أ. د/ عبد الحميد مدكور ١ - لسان العرب طبعة دار المعارف مادة (درى). ٣ - كشاف اصطلاحات الفنون ٣،١٧٣ ٠ ١٧٣. ٣ - الفصل لابن حزم ١/ ٨. ٤ - الفرق بين الفرق ص ٣٢٣، ٣٣٤،٣٥٤. ٥ - الفصل ١/ ٨. ٦ - المواقف للإيجى ص ٢١.

стр. 566

٢ - اللامتناهي لغة: النهاية غاية كل شيء وآخره. حيث ينتهى إليه الشيء، وتناهى الشيء: بلغ نهايته، وفى الحديث "ذكر سدرة المنتهى": أى ينتهى ويبلغ بالوصول إليها، وأنهيت إليه الكتاب والرسالة: أوصلته إليه. (١) واصطلاحا: هو ما لا حد ولا نهاية له. والفرق بينه وبين اللامحدود، أن اللامحدود هو الذى لا يمكن أن يرسم له حدود بالفعل، وإن كانت له حدود ممكنة، على حين أن اللامتناهى هو الذى لا حدود له على الإطلاق. واللامتتاهى يكون بحسب الكم أو بحسب الكيف، فاللامتناهى كمَّا: هو ما يدل على عظم أكبرمن كل عظم ممكن، كالعدد اللامتناهى، أما المتناهى كيفًا فهو الذى يدل على الصفات التى يتصف الموجود الكامل بها، كالصفات الإلهية فهى لا متناهية. واللامتناهى إما موجود بالفعل وهو اللامتناهى المطلق أو "اللامتناهى الإيجابى" وهو مرادف للكامل، وإما موجود بالقوة وهو اللامتناهى النسبى أو "اللامتناهى السلبى" وهو مرادف اللامحدود. يقول ابن سينا: "ما لا نهاية له هو كمُّ: أى أجزائه أخذت، وجدت منه شيئا خارجًا عنه غير مكرر (٢) ويقول: "إن العدد لا يتناهى، والحركات لا تتناهى، بل لها ضرب من الوجود، وهو الوجود بالقوة، بمعنى أن الأعداد تتأتى أى تتزايد، فلا تقف عند نهاية أخيرة ليس وراءها مزاد" (٣) والموجود اللامتناهى هو الله، وهو عند "ديكارت" مرادف للموجود الكامل، وإذا كان الإنسان وهو الموجود الناقص لا يستطيع أن يخلق بنفسه فكرة الموجود الكامل، ولا أن يستمدها من العدم، كان لابد من أن يكون هناك موجود لا متناه كامل يطبع هذه الفكرة على نفس كل إنه ان، وهذا الموجود اللامتناهى "هو الله " واللامتناهى فى العظم ما هو أكبر من كل مقدار معلوم، ويستعمل فى المقادير المتغيرة أو فى الأعداد التى لا حد لها ولا نهاية لزيادتها. واللامتناهى فى الصغر ما هو أصغر من كل مقدار معلوم، ويطلق على كل مقدار متغير، حده ونهايته الصفر. وحساب اللامتناهيات الصغرى هو الحساب الذى اخترعه ليبنيزونيوتن، وهو الذى يتضمن جميع العمليات الرياضية المتعلّقة بإيجاد علاقات بين المقادير بوساطة كميات لا متناهيه فى الصغر، وينقسم إلى: (أ) حساب التفاضل. (ب) حساب التكامل. (٤) (هيئة التحرير)

стр. 567

٣ - اللاهوت لغةً: ألة يأله- إلاهة، وألوهة، وألوهية-: عبد، ومنه قرأ ابن عباس رضى الله عنهما:، ﴿ويذرك وءالهتك﴾ (الأعراف ١٢٧). بكسر الهمزة، أى وعبادتك، ومنه قولنا: الله وأصله: إله، فهو فعال، بمعنى مفعول، لأنه مألوه، أى معبود، وكل ما اتخذ من دونه إله عند متخذه، والجمع: آلهه، والآلهه: الأصنام سموا بذلك لاعتقاد العابدين أن العبادة تحق لهم، وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم، لا ما عليه الشيء فى نفسه. واصطلا حا: الألوهية، والإلاهية، والإلهية والألوهية والإلهانية: كون، أو صفة الذات الإلهية، والإلهيات: علم يبحث عن الله وما يتعلق به تعالى، وهى ترجمه لكلمه Theologie، وهى مأخوذة من الكلمة اليونانية القديمة Theologie وهى مركبه من مقطعين Theo ومعناها: الله، logia ومعناها: علم، فكانت الكلمة بمقطعيها تطلق عند قدماء اليونانيين ويراد بها: علم الآلهة، وما يتعلق بالألوهية، وعندما انتقلت إلى اللغات الأوروبية أصبح معناها: تعاليم الله، أو علم العقائد الإلهية، ثم ترجمت إلى العربية بـ "اللاهوت " أو، الإلهيات " على غير قياس. وقد اهتم الإنسان منذ وجوده على سطح الأرض بقضية الألوهية، إذ احتلت المركز الأول فى تفكيره على امتداد التاريخ الإنسانى، فكان الإله شاغله من زوايا متعددة، باعتبار ذاته، أو باعتبار علاقته بالمخلوقات كخالق، وكذا باعتبار علاقته بالإنسان، أو علاقة الإنسان به، فتصوره بصور شتى؟ لأنه لم يره بعينه، وإنما آمن بوجوده وتوجه إليه بالعبادة بأدله متنوعة: بباعث الخوف أو الرجاء، أو بالظواهر الكونية والإنسانية، وآمن بمعتقدات متعددة، وصلت إلى حد الاعتقاد بتعدد الآلهة، وأنهم يتوالدون، ويتناكحون، وأن أشكالهم وهيئاتهم تشبههم، وأنهم يرتدون ملابس مثلهم، ويتحدثون بلغتهم ومن هنا نشأ- فى مجال البحث الفلسفى فى الألوهية- ما أطلق عليه مشكلة تصور الإله فى الدين: غير أن الأديان السماوية- وعلى رأسها الإسلام، وضحت للإنسان مفهوم "الإله " بأنه: الأول، والأخر، والخالق .... وغير ذلك من الصفات التى تصور الله غنيا بنفسه، أبديا واسع القدرة والمعرفة محيطا بكل شيء، وأنه الحق وحده، وهو المحيى والمميت والمبدئ والمعيد .... إلى غير ذلك من النعوت التى تبين أنه الخالق المطلق، المدبر الحكيم، الملّك الذى لا قوة ولا سلطان غير سلطانه فى الوجود، ومع ذلك فهو الرحمن الرحيم، والغافر والغفور والرازق والمعطى … وغير ذلك من الأوصاف التى تدل على أن صلة احتياج تربط العبد بريه ة فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره، ولله هو الرقيب والحسيب عليه، المهيمن على عباده جميعًا، يعينهم ويهديهم، فهو مصدر الرزق بأوسع معانيه. فالله بأوصافه كلها، سواء كانت متعلقة بذاته، أو بصلته بمخلوقاته، أو كانت مبينه لعلاقته بالإنسان، وعلاقة الإنسان به- هو .. موضوع علم "الألوهية، أو علم " اللاهوت" كما جاء فى ترجمه الكلمة اليونانية الأصل Theologie ويطلق على هذا العلم فى مجال الدراسات الإسلامية: علم العقيدة أو الإلهيات، فى مقابل القسمين الآخرين: النبوات والسمعيات التى يتكون منها جميعها- الإلهيات والنبوات والسمعيات- علم التوحيد. أ. د/ محمد شامة

стр. 568

٤ - اللغة لغة: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: اللغة مطلقا: نظام رمزى عرفى من الأصوات الصادرة عن جهاز النطق الطبيعى للإنسان، يعبر إراديا مع ما يصاحبه أو يلابسه عن غرض أو حال. تنسق هذه الأصوات فى سلاسل من المفردات والتراكيب والجمل التى ترتبط ارتباطا وثيقا بمدلولاتها من الأعيان والمعانى والأفكار المجردة والأحداث والأحوال، ويتم هذا وفق ضوابط خاصة تتفاوت من مجتمع لغوى لآخر. ويشمل الحد السابق للغة ما يسمى "لهجة" أيا كان التصنيف الذى ينظم اللهجات، لغويا أو اجتماعيا أو إقليميا، فهذه جميعا واحدة بالحقيقة متعددة بالاعتبار. ولقد استخدم الإنسان- ومازال- وسائل متنوعة للتعبير والتفاهم غير اللغة، وأصبح بعض هذه الوسائل عرفيا مصطلحا عليه كنظم: الإشارة للصم والبكم، والإشارات الصوتية، والضوئية، وإيقاع الطبول، والموسيقا، والصفير، والرقص، وإيقاد النيران والرسم، والرموز العلمية المحددة لعلم ما. وأدرك من قديم أن للكائنات الأخرى وسائلها فى الاتصال وإظهار الرغبات، وإطلاق "اللغة" على بعض هذه الوسائل ضرب من التوسع والمجاز، لا أنه لغة حقيقة. والثابت إلى الآن أن اللغة خاصة إنسانية، لا يشاركه فيها غيره من المخلوقات، والدراسات التى تمت على وسائل الاتصال لدى الحيوان والطير والحشرات، لاسيما الشمبانزى، والدلفين، والنحل، وموازنتها بلغة الطفل، وموازنة مستوى ذكائها بذكائه انتهت إلى النتيجة السابقة. أما لغة المخلوقات غير المنظورة من الملائكة والجن فلا نعلم شيئا عن حقيقتها، والظاهر من أخبار الكتب السماوية أنهم يخاطبون كلا من البشر بما يتكلم به عينه، وأن ذلك منهم يصدر عن قدرة خاصة زودهم بها . وقد شغلت اللغة وقضاياها الإنسان منذ أقدم العهد به إلى الآن، لاسيما أصلها ومصدرها. ويميل الجمهور من أتباع الديانات السماوية ومن يعولون على السماع إلى أن اللغة منحة من الله للإنسان، صاحبت خلقه الأول فى غير هذا الكوكب، واستمرت معه حين هبط إلى هذه الأرض، وأنها كانت واحدة فى الأصل ثم اختلفت وتنوعت كما اختلف بنو الإنسان وانقسموا فى كثير من أمورهم على نحو ما نشهده الآن. ويجنح كل فريق من هؤلاء إلى أن لغته كانت هى الأولى ذات الأصل الإلهى وأن لها من القداسة ما ليس لغيرها تبعا لذلك. ويميل العقليون إلى أن اللغة من صنع الإنسان وابتكاره، وأنها نشأت متأخرة عن وجوده الأول، وأن اللغات التى نعرفها الآن تطورات للغات سابقة تواضعت عليها الجماعات البشرية القديمة، ومن المحتمل أن تكون بدايتها محاكاة وتقليدا، أو مواضعة واصطلاحا، ثم تعددت بعد ذلك. أما الماديون الطبيعيون فقد فسروا نشأة اللغة وتنوعها بما فسروا به نشأة الإنسان وتنوعه، وحاولوا الرجوع باللغات المعروفة الآن إلى الصور الجرثومية الأولى التى ظهرت فيها، والكشف عن الحفريات اللغوية التى تصل مراحل تنوعها ورقيها، وذهبوا فى ذلك مذاهب شتى. ولم يمنع الإخفاق فى الوصول إلى نتيجة مقبولة فى هذه القضية، ولا إعلان كثير إخراجها من نطاق البحث العلمى من معاودة النظر فيها، ومازالت أحدث الاتجاهات والنظريات فى دراسة اللغة تحاول الكشف عن الملكة أو الغريزة التى زود بها الإنسان، وبها كانت اللغة خاصة إنسانية. وتحتفظ اللغة على تتابع العصور وتنوع الحضارات بقيمتها ومكانتها. فهى المظهر المادى للوجود الحقيقى للإنسان، فحين يفنى الأفراد وتتدثر الجماعات لا يبقى منها ذا قيمة إلا ما حفظته اللغة. وهى القوة الخفية التى تحرك الأفراد وتوجه المجتمعات، وتعى الحضارات، وبكلمة يسعد الإنسان أو يشقى، ويؤمن أو يكفر، ويلقى الثواب أو العقاب، وبالكلمات تقوم الأحكام، ويموج العالم أو يطمئن. وقد حظيت اللغة بعناية الأمم والجماعات قديما وحديثا، لاسيما أصحاب الديانات والحضارات. واكتشاف الكتابة لاسيما الصوتية من قبل الأمم القديمة فى مصر والصين والعراق وفينيقية دليل قاطع على إخضاعهم اللغة للدرس، وتمكنهم من تحليلها والوقوف على عناصرها، وإذا كانت معلوماتنا عن دراسات هؤلاء للغة غير كافية لمعرفة جوانبها وطبيعتها فإن ما وصلنا عن الهنود والإغريق والعرب وما أقاموه على اللغة من علوم يمثل أساسا ومعينا تبنى عليه الدراسات المعاصرة، ويتزود منه المحدثون، وثبات هذا الموروث مازال أرسخ من كثير من النظريات الحديثة التى تجاوزها البحث اللغوى سريعا على كثرة ما طرح من هذه النظريات. ومنذ أتيح للغربيين الاطلاع على لغات الأمم والشعوب الأخرى حية وبائدة ازدادت مناهج البحث عمقا وأصالة وتنوعا، وطمحت إلى أن تضع منهجا أو نظرية تحتوى اللغات جميعا لا تقتصر على شعبة أو لغة دون أخرى وتعاقبت تترى مقارنة تاريخية ووصفية وبنائية وتحويلية توليدية، وتعددت أسس هذه المناهج والنظريات ومنطلقاتها. ومنذ أوائل القرن العشرين قوى الاتجاه إلى أن تكون دراسة اللغة علمية بحتة كما هو الشأن فى العلوم المادية التجريبية، وأن يقوم عليها علم مختص بها، قابل للتفرع له ما لأى علم آخر من موضوع ومباحث وأهداف ومناهج. ويطبق ما تتبعه هذه العلوم من خطوات وأدوات: إحصاء وتصنيفا ووصفا وتحليلا وتجربة واستنتاجا واستقامة بما يمكن من الأجهزة والآلات، وتفردا فى المنهج الذى يستنبط من اللغة ذاتها. ويتمتع بالخصائص والسمات التى يتمتع بها أى منهج لعلم مادى تجريبى من موضوعية واقتصاد وشمول وترابط ووضوح إلى ضوابط وقوانين مستنبطة من موضوع الدراسة تلخص نتائجها وتفسر ظواهرها. وقد اتجهت جهود اللغويين حقبة إلى الكشف عن اللغة الإنسانية الأولى، وهدفت- ومازالت- إلى وضع علم عام يصلح لدراسة اللغة أى لغة كما هو الشأن فى علوم الطبيعة. وشغل بعض الفلاسفة وأنصار الأخوة الإنسانية بالدعوة إلى لغة عالمية يتفاهم بها البشر جميعا، تذيب ما بينهم من فوارق وخلافات تسببت فى شقائهم. واصطنعت بعض هذه اللغات. ويتوقع كثيرون أن تؤدى مظاهر التقارب وإلغاء الحواجز بين البشر التى تشهد كثيرا منها الآن إلى ظهور هذه اللغة العالمية يوما ما. وهكذا تبقى اللغة بداية ونهاية وما بينهما تتحدى الفكر الإنسانى، وأساسا راسخا فى شقاء الإنسان وسعادته. وشطرا من وجوده الحسى والمعنوى لا تستقيم دونه الحياة. أ. د/ محمد أحمد خاطر

стр. 569

٥ - لغة القرآن ١ - البرهان الإيمانى على أن لغة القرآن الكريم هى مثل العربية الأعلى بل للغة العربية مطلقا حق صراح مقطوع به، بما أنه ﴿لا ريب فيه من رب العالمين﴾ (السجدة ٢) وهذا من الوجهة الدينية مسلم ثابت لا لبس فيه ولا مراء. وتبقى حجة علماء العربية لإثبات ذلك من طرق علومهم التى أداروها على لغة القرآن الكريم صيانة لها وذبا عنها فى حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة، وإكمال ما مهد له الأوائل، حتى يصل الإقناع اللغوى إلى الاقتناع الدينى أو يقاربه. إن التحدى والإعجاز والعجز عن المعارضة حقائق ثابتة واضحة، وقد أدرك العرب الأقحاح من ذوى اللَّسَن والفصاحة إعجاز القرآن، ثم اختلف علماء العربية وغيرهم بعد فى وجه الإعجاز، وموطنه والمعجز منه، وقام علماء البلاغة فى ذلك بما قعد عنه غيرهم، غير أن جل كلامهم جاء مرسلا يفتقر إلى براهين قاطعة للجدل، كافية للإقناع. والمتفق عليه فى هذا إثبات الإعجاز بعجز الفصحاء عن المعارضة على طول التحدى مع توافر أسبابها، وقوة دواعيها، وماعداه غير متفق عليه ولا مسلم به ممن خاضوا فى قضية الإعجاز جميعا. وهذا يسمح بتقرير أن كل عنصر من عناصر لغة القرآن الكريم مازال فى حاجة إلى بحث علمى دؤوب، يكشف عن أسباب امتيازه، ومظاهر سموه على نظيره فى لغة البشر، وما تم فى هذه قديما وحديثا لا يفى بحق القرآن علينا. ٢ - نص القرآن على أنه بلسان عربى (النحل/ ١٠٣، الشعراء/ ١٩٥، الدخان/ ٥٨، الأحقاف/ ١٢) وأنه ما أرسل من رسول إلا بلسان قومه (إبراهيم/ ٤)، واختلاف الآراء فى اشتمال القرآن على بعض كلمات من غير لغة العرب مشهور متعارف، ولا مانع من ذلك بحال ما، ودعوى أن كل ما نسب إلى غير لغتهم مما فى القرآن أخذه غير العرب عنهم أو أنه من اتفاق اللغات تحتاج إلى إثبات لم يقم دليله. وفى حدود المعروف إلى الآن من أسس الدراسة اللغوية يتعين القول فى طائفة من الكلمات بأن أصولها غير عربية إلى أن يثبت غير ذلك، ولا يعارض هذا أنه بلسان عربى مبين. وقد ذهب بعض العلماء من التابعين ومن بعدهم إلى أن ما جاء فى القرآن من غير لغة العرب لا يخرج عن ألسنة الأقوام الذين أرسل إليهم محمد ﷺ ، وهذا إعراض فى الدعوى يعارضه الواقع، وتفسير لا حاجة إليه، وتوسع لم تحسب نتائجه. على أنه لا يصلح التهافت فى عزو كلمة قرآنية إلى لغة سامية سريانية أو عبرانية أو آرامية أو حبشية أو غيرها لاسيما ما يتصل بالأمور الدينية إلا بعد علم يقطع العذر، وتثبت يبرئ الذمة، فالكلمات السامية تراث مشترك، والعربية أكثر أخواتها اتساعا ونموا واحتفاظا بالعناصر اللغوية القديمة، ولم تكن الرسالات السماوية مقطوعة عن العرب وبلادهم قبل موسى وعيسى ﵉. ٣ - وفى الصحيح المتواتر من السنة أن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، والقائلون بأن المراد بهذه الأحرف لغات سبع اختلفوا فى تعيينها وفى خصوصية العدد، كما اختلف الذين حصروا ما وقع فى القرآن من غير لغة قريش أو الحجاز فى عدد هذه اللغات، وفى عزو بعض هذه الكلمات إلى لغة بعينها. ومن الحق أن يقال: أنزل القرآن فى جملته بلسان قريش ثم الحجاز، ثم شذرات متفرقة، وكلمات متناثرة مفردة من لغات العرب الأخرى، إلى نوادر استعملها العرب وأصلها غير عربى. ولقد ذهب جمهور المتقدمين إلى أن قريشا أفصح العرب لسانا، وأعلاهم بيانا، وأنهم الذين أنزل القرآن- أغلبه- بلغتهم، وقد كانوا فى هذا المذهب على إرث صحيح من العلم، وقرب عهد يسلم لهم صحة الحكم، وهذا ما يشهد له القياس، وتتظاهر على تأييده الأدلة من مختلف الجهات، ولا ينكر منها أنه أتيح للغتهم من أسباب العلو والسيادة والرقى ما لم يتح لغيرها من لغات العرب قبل نزول القرآن وبعده. وقد نازع بعض المحدثين فى أن لغة قريش أفصح لغات الغرب، وبنوا ذلك على فروض لا برهان عليها إلا الحدس والتخمين والظن الواهن، وليس الخبر كالعيان. فكيف بظن أو حدس أو تخمين!! كما نازع فريق من المستشرقين فى أصالة الإعراب فى العربية، وفتن بعض العرب بادعائهم، وهذا نزغ موجه إلى صميم لغة القرآن، ونزاعهم مدخول نقضه العدول من المستشرقين وغيرهم، وتدحض لغة القرآن الكريم وما قدر لها من حياطة وعناية وحفظ كل شبهة أو فرية فى هذا الباب. ٤ - جمهور ما فى القرآن واضح محكم جلىّ، وفيه متشابه حار فيه العلماء، وفيه غريب ومشكل اجتهد العلماء فى الكشف عن المراد، وفيه عام وخاص، ومطلق ومقيد ومجمل ومبين وقد يدخل بعض هذه على بعض. وفيه أبنية وكلمات مفردة لم تتكرر وجمهرته على غير ذلك تتكرر الأبنية والكلمات فى سياقات متعددة مكونة صورة رائعة بديعة، ونسجا محكما قويا من البيان السامى والبلاغة الرفيعة التى لاتجارى. والظن أن ما فيه من غير الشائع بناء أو كلمة، غريبا أو مشكلا يشتمل على مادة لغوية ترجع إلى اللغة الأولى، ربما إلى ما قبل انشعاب الساميات، وربما إلى ما قبل انشعاب اللغات. وما تزال هذه الأمور فى حاجة إلى دراسة أصيلة تتجاوز حكاية الآراء، وتصل ما توقف من جهود السلف فى دراسة لغة القرآن من جوانبها جميعا. إن الاختلاف فى حد الكلمة يجعل من الصعب الإفادة الصحيحة بعدد كلمات القرآن الكريم، أو التعديل على إحصاء بعض المتقدمين على الثقة ببذلهم أقصى الوسع فى الدقة والتحرى، وخلاصة جهودهم فى هذه الناحية يلخصها السخاوى فى قوله: "ثم إنى رأيتهم قد اختلفوا فى عدد الكلمات والحروف، فلم يحصل من ذلك حقيقة يقطع بها" (١). وتبلغ هذه الكلمات حسب ما تضمنه معجمان حديثان (٢) (١٣٧٤٥٨) ثمانيا وخمسين وأربعمائة كلمة وسبعا وثلاثين ومائة ألف، تضمن معجم الألفاظ (٥٢٠١٥) كلمة ومعجم الأدوات والضمائر (٨٥٤٤٣) كلمة وقد فات هذا المعجم مواضع. ٥ - إن الشواهد على دهشة العرب عند سماعهم القرآن أجل من أن تدفع والتسليم بأن القرآن الكريم أضفى على العربية حياة جديدة حقيقة قائمة لكن لم تظاهره دراسات تتقصى مظاهر هذا البعث الجديد، وتوليها من البحث ما هى جديرة به، وما كتب فى ذلك قديما وحديثا خطرات تحتاج إلى تعميق وإكمال. وليست العربية بعد القرآن هى العربية قبله لفظا ولا معنى. والنظر العارض فيما اشتملت عليه مصادر اللغة- معجمات وغيرها- من كلمات هجرت وماتت ورصد لأوزانها ودلالاتها، وفى تسلسل الحروف والحركات فى الكلمات، وتتابع الكلمات فى الجمل، وترابط الجمل فى الخبر والقصة والحكم، والكشف عن تنسيق هذا كله ووقوعه فى مواقعه، وخصائصه فى السياق وأخذ بعضه بحجز بعض وعلاقة ذلك بالمعنى يظهر مدى السمو الذى ارتقت إليه العربية فى القرآن وبه عذوبة فى تآلف الأصوات، وسلاسة فى صياغة الكلمات، وإحكاما فى رصف الجمل وعناصرها واستجماع كل عنصر أبلغ أوضاعه وأنسبها للسياق والمقام. وفى المعنى ما شئت وضوحا وثراء وجمالا وكمالا وجلالا. ونفخ ذلك كله على العربية فى غير القرآن. وجمله الأغراض التى يسفر عنها تتبع العربية قبل القرآن فى المأثور من كلامهم شعرا ونثرا فى الخطب والوصايا والحكمة والوصف والحكاية وما إلى هذا لا تقاس بحال بما آل إليه أمرها فى القرآن الكريم وبه، وأين لغة قوامها ثقافة محدودة لقبائل بدوية متنافرة متناحرة، همها البحث عن الماء والمرعى وما يقيم الأود، وفخرها بالغارة والسلب والأسر، عقائدها وثنية، تئد البنات وتنتهك الحرمات من لغة هى قوام حضارة راقية خالدة لاتسامى، سعدت بها البشرية حقبة من الدهر، وهى مؤهلة للوفاء بحاجاتها وأسباب سعادتها إلى ما شاء الله. ٦ - وبعد فلست واجدا من كلام البشر منظومه ومنثوره ما يسلسل فى طرق الأداء الممكنة تحقيقا وترتيلا وتدويرا وحدرا تؤدة إسراعا، على اختلاف المؤدين والسامعين، ثم تجد له من الخفة على اللسان والعذوبة فى الآذان، مؤانسة النفوس، وطمأنة القلوب، وراحة الأرواح ما أنت واجد للغة القرآن الكريم، فلله هو! ما أكرمه وأحكمه ﴿تنزيل من حكيم حميد﴾ (فصلت ٤٢). أ. د/ محمد أحمد خاطر ١ - جمال القراء وكمال الإقراء- على بن محمد السخاوى (٦٤٣هـ) تحقيق د/ على حسين البواب، ص ٢٣١ ط (١) المدنى- القاهرة ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٧م- نشر: مكتبة التراث- مكة المكرمة. ٢ - الإتقان فى علوم القرآن: ١/ ١٩٧/١٩٨ - للسيوطى عبد الرحمن بن الكمال (٨٤٩ - ٩١١هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم ط (١) المشهد الحسينى ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٧م، ومقدمة كتاب المبانى- لمجهول- فى: مقدمتان فى علوم القرآن ص: ٢٣١، ٢٢٤٦، ٢٤٨، ٢٥٠ - نشر: أرثر جفرى ط (٢) دار الصاوى- القاهرة- مكتبة الخانجى.

стр. 570

٦ - اللُّقَطة لغة: هى الشىء الذى تجده ملقى فتأخذه (١). وشرعا: أخذ مال محترم من مضيّعه؛ ليحفظه، أو ليتملكه بعد التعريف (٢). حكمها: من ظفر بلقطة فى موات أو طريق، فله أخذها أو تركها، وأخذها أولى إذا كان على ثقة من القيام بها وإذا أخذها وجب عليه أن يعرف ستة أشياء: وعاءها، عفاصها، ووكاءها، وجنسها، وعددها ووزنها، ويحفظها فى حرز مثلها (٣). وللقطة أربعة أضرب: الأول: ما يبقى على الدّوام كالذهب والفضة وحكمه اشتراط التعريف. الثانى: ما لا يبقى كالطعام والرطب، فهو مخير بين أكله وغرمه أو بيعه وحفظ ثمنه. الثالث: ما لا يبقى إلا بعلاج كالرطب، فيفعل ما فيه المصلحة من بيعه، وحفظ ثمنه أو تجفيفه وحفظه. الرابع: ما يحتاج إلى النفقة كالحيوان. وإذا أخذ الملتقط اللقطة فهلكت فى يده، فإن أشهد عليها بأن قال للناس إنى وجدت لقطة، فمن طلبها فدلوه علىّ؛ فإنه لا يضمن، ولو لم يُشهد فعند أبى حنيفة يُضمّن، ويجب عليه إذا أخذ اللقطة؛ ليردها إلى صاحبها وأشهد عليها رفع الأمر إلى القاضى. ومدة بقاء اللقطة فى يد الملتقط بعد التعريف لها إذا كانت من الشىء النفيس فله سنة، أما إذا كانت من الشىء الدنى الذى قيمته فى حدود عشرة دراهم، لا ينقص من شهر، ولو مضى وقت التعريف، ولم يظهر صاحب اللقطة وكان الملتقط موسرا لا يحل له أن ينفقها على نفسه، ولكن يتصدق بها على الفقراء، وإن كان معسرا له أن يتصدق على نفسه، وإن شاء يتصدق بها على الفقراء، فإن ظهر صاحب اللقطة، فإن شاء أمضى الصدقة، وله ثوابها وإن شاء أخذ من المتصدَّق عليه، وإن شاء ضمّن الملتقِط (٤). وتدفع اللقطة إلى من يدعيها إذا أقام البينة، فإن ذكر علامات فيها فإن شاء الملتقط صدّقه، ودفعها إليه وإن شاء امتنع حتى يقيم البينة. (هيئة التحرير) ١ - المعجم الوسيط، ط مجمع اللغة العربية، مادة (لقط)، ٢/ ٨٦٧، ١٩٨٥م. ٢ - كفاية الأخيار فى حل غاية الاختصار: تقى الدين الحصنى، ٢/ ٣ - ط الشئون الدينية، قطر د. ت. ٣ - تحفة الفقهاء؛ علاء الدين السمرقندى ٣/ ٦١٠، تحقيق: د/ محمد زكى عبد البر، ط جامعة دمشق، ط أولى- ١٩٥٩م. ٤ - السابق: ٣/ ٦١٢.

стр. 571

٧ - اللوح لغة: ما يكتب فيه، وهو كل صفحة من خشب أوعظم أو ورق أو نحو ذلك، وجمعه ألواح. شرعا: هو جسم مخلوق نورانى عظيم، فوق السماء السابعة، وقد كتب فيه القلم: ما كان، وما يكون إلى يوم القيامة. وهو اللوح المحفوظ وقد سمى "لوح القدر". وقد وردت كلمة "لوح" فى القرآن الكريم مرة واحدة فى قوله : ﴿بل هو قرآن مجيد. فى لوح محفوظ﴾ البروج:٢١ - ٢٢، ومعنى "قرآن مجيد" أى عظيم كريم، "فى لوح محفوظ": أى هو فى الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. ولا يجوز شرعا أن يسمى اللوح المحفوظ "بالنفس الكلية" ولا "بالعقل الأول" وغير ذلك مما هو تابع لفلسفة الفيض، وهى غير إسلامية، هذا ويجب الإيمان باللوح (المحفوظ) دون الخوض فى تعيين حقيقته دون نص شرعى. كذلك لا يجوزالاعتقاد بأن اللوح خلق لضبط ما يخاف نسيانه فذلك أليق بالبشر وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. أ. د/عبداللطيف محمد العبد

стр. 572

٨ - اللؤلؤ (الجوهر) قال تعالى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ الحج:٢٣. وقد ذكر، أن المراد ترصيع السوار باللولؤ، ولا يستبعد أن يكون فى الجنة سوار من لؤلؤ مصمت، وهو ظاهر القرآن بل نصه. ويطلق البعض على الجوهر اللؤلؤ، وقيل: إن الكبير من اللؤلؤ يسمى درا والصغير لؤلؤا. ويتكون اللؤلؤ داخل الأصداف. وتوجد مصائد اللؤلؤ بمحاذاة شواطى الهند وسيلان والخليج العربى والبحر الأحمر، واليابان واستراليا وأمريكا وبعض جزر المحيط الهادى وغيرها. ويختلف اللؤلؤمن حيث الشكل والتسمية فمنه المدحرج والمستدير والمستطيل والمخروط وغير ذلك. وأجود اللآلئ ذات شكل كروى براقة متلونة بألوان قوس قزح وخالية من العيوب وعلى شىء من الشفافية، وغالبا مايكون اللؤلؤ أبيض أو قليل الصفرة أو الزرقة، وقد يكون أصفر أو أحمر أو أخضر، وقد يكون نصف شفاف أو قاتما، ونظرا لنعومته قد يخدش، وتؤتر الأحماض والعرق على اللؤلؤ، وقد يتلف لطول الزمن. وقد مهر اليابانيون فى صناعة تزريع الؤلؤ فى برنس الصدفة، ويكثر التحلى باللؤلؤ المصطنع الذى يصنع من الزجاج. أ. د/حسن الباشا

стр. 573

١ - الماتريدية اصطلاحا: فرقة من فرق علم الكلام السنى، وتنسب لشيخها "أبى منصور الماتريدى محمد بن محمد بن محمود المولود بماتريد أو ماتريت "- قرية من قرى سمرقند فى بلاد ما وراء نهر جيحون- فى أرجح الأقوال سنة ٢٣٨ هـ، والمتوفى سنة ٣٣٣ هـ (١). تلقى شيخ الماتريدية العلم على أكابر علماء المذهب الحنفى منهم: "أبو نصر العياضى" ونصر بن يحيى البلخى، ومحمد بن مقاتل الرازى. وتتلمذ عليه الكثير من أعلام الفرقة منهم: الحكيم السمرقندى، وأبو الحسن الرستغفنى، وأبو محمد عبد الكريم البزدوى (٢). ألَّف الماتريدى فى علم الكلام كتاب: التوحيد، ويشتمل على معظم الموضوعات الكلامية على مذهب الماتريدية، وكتاب المقالات، والرد على القرامطة، وبيان وَهْم المعتزلة ورد الأصول الخمسة للباهلى. وله فى التفسير: تأويلات أهل السنة، وفى أصول الفقه كتاب: الجدل، ورد مآخذ الشرائع. ومن أشهر أعلام الماتريدية: أبى المعين ميمون بن محمد النسفى المتوفى سنة ٥٠٨ هـ صاحب "تبصرة الأدلة" وهو كتاب ضخم فى علم الكلام الماتريدى (جمع فيه ما جل من الدلائل فى المسائل الاعتقادية، وبين ماكان عليه مشايخ أهل السنة، وأبطل مذاهب خصومهم) (٣). والماتريدية مثل الأشعرية من أنشط الشعب فى مدرسة أهل السنة والجماعة (ظهرت فى الوقت الذى ظهرت فيه الأشعرية أى بداية القرن الرابع الهجرى- وهما معا وليدتا ظروف اجتماعية وفكرية واحدة … وقد فصل بينهما المكان فكانت الأشعرية فى العراق والشام، ثم امتدت إلى مصر. وكانت الماتريدية فى سمرقند وما وراء النهر (٤). قامت الماتريدية بالرد على المخالفين والمغالين وبخاصة المعتزلة والروافض، والجهمية والمشبهة، وأصحاب الديانات الأخرى من سماوية أو وضعية، والتزمت فى ردها وعرضها للقضايا الكلامية بمنهج التوسط بين العقل والنقل. ومع اتفاق الماتريدية مع الأشعرية فى المنهج، اتفقتا أيضا فى أمهات المسائل الكلامية مثل: وجود الله، وصفاته تعالى، وجواز رؤيته فى الدنيا، وتحقق الرؤية للمؤمنين فى الآخرة … إلخ. إلا أنهما فى نفس الوقت اختلفتا فى بعض المسائل: حيث ذهبت الماتريدية إلى أن صفات الأفعال كالتخليق، والترزيق، والإعطاء والمنع، صفات قديمة مثل صفات الذات، وأنها ترجع إلى صفة رئيسية قديمة، وهى صفة التكوين المأخوذة من قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس ٨٢) يقول أبو المعين النسفى: " إن التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، كصفة العلم والقدرة .. فكان التكوين أزليا والمكوَّن حادثا، كالقدرة .. كانت أزلية والمقدور حادثا" (٥). بينما يقول الأشاعرة بحدوث صفات الأفعال، ومنها صفة التكوين، وترتب على القول بقدم صفة التكوين، القول بأن صفة القدرة ليست صفة تأثير، والتأثير الفعلى بمعنى الإيجاد والإعدام مرجعه لصفة التكوين. بينما يقول الأشاعرة إن التكوين حادث، وهو من متعلقات القدرة والتى هى أساس التأثير الفعلى. والإيمان بالله يوجبه العقل قبل ورود الشرع، وبالتالى من لم تبلغه رسالة الرسل لا يعذر، لأنه عطل عقله بينما هو معذور عند الأشاعرة، لأن العقل لا يوجب شيئا قبل ورود الشرع. يقول سبحانه: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (الإسراء ١٥). ويقولون إن وعد الله ووعيده لا يتخلف، بينما يقول الأشاعرة بتخلف الوعيد دون الوعد. وكل أفعاله سبحانه يترتب عليها الحكمة على سبيل اللزوم تفضلا لا وجوبا بينما يقول الأشاعرة إن ترتب الحكمة فى أفعاله يكون على سبيل الجواز. واختلفتا فى قضايا أخرى مثل: تحديد المراد بالقضاء والقدر، والتكليف بما لا يطاق، والحسن والقبح، وهل تستلزم الإرادة الإلهية الرضا والمحبة أم لا … إلخ. أ. د/ محمد الأنور حامد عيسى ١ - الجواهر المضيئة لمحيى الدين القرشى ٢/ ١٣٠ طبعة المعارف النظامية بالهند، والفوائد البهية لمحمد بن عبد الحى اللكنوى ص ١٩٥، الحسينية القاهرة ١٣٢٤هـ. وتاج التراجم لزين الدين ابن قطلوبغا ص ١٧٣ المثنى ببغداد ١٩٦٢ م. ٢ - المصدرين السابقين. ٣ - كشف الظنون ١/ ٣٣٧، تبصرة الأدلة لأبى المعين النسفي تحقيق د/محمد الأنور. ٤ - فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق، د. إبراهيم مدكور. ٥ - تبصرة الأدلة ١/ ٣٣٩.

стр. 574

٢ - المادة لغة: هى كل شىء يكون مددا لغيره، ومادة الشىء أصوله وعناصره التى يتركب منها، وكما تطلق الكلمة على ما هو حسى فإنها تطلق على المعنوى كما فى مادة البحث ومادة الكتاب، ومادة المعرفة هى المعطيات الحسية التى يتألف منها مضمون الفكر، ومادة الفن هى المعطيات التى يستمدها الفنان من تجربته. واصطلاحا: ١ - تطلق فى العلوم الطبيعية على كل ما تتكون منه الأجسام المادية، ويشغل حيزا من الفراغ، وهى تقابل الطاقة، وإن كانتا صورتين لشىء واحد، لكن الطاقة على خلاف المادة لا تتكون من أجسام مادية يمكن الإمساك بها أو تشغل حيزا من الفراغ، وتضيف تعريفات المادة الأكثر دقة أن يكون لها وزن، ومرونة وعزم، وقصور. وتتكون المادة من جسيمات صغيرة تسمى جزئيات تكون فى حركة داخل الجسم. والمادة فى الكيمياء إما عنصر وإما مركب، فالعنصر يتكون من نفس النوع من الذرات، وتتكون الذرات من جسيمات أصغر هى البروتونات الموجودة بالنواة، والنيوترونات الموجودة أيضا بالنواة، والإلكترونات التى تدور حول النواة. وتوجد المادة فى ثلاث حالات أساسية هى: الحالة الغازية، والحالة السائلة، والحالة الصلبة، ويكمن الفرق بين كل حالة وأخرى فى قوة التجاذب بين الجزيئات فالتجاذب أقوى فى الأجسام الصلبة منه فى السوائل، وفى هذه أقوى منه فى الغازات. وفى الحالات الثلاث لا يحدث تغير داخل جزيئات المادة، بل تتغير فى وضعها وفى سرعتها فقط بخلاف التغيرات الكيميائية. وقد كشف العلماء عن حالة رابعة للمادة تسمى البلازما تنشأ عند درجة حرارة مرتفعة للغاية (٦ آلاف درجة مئوية) حيث تفقد النواة ترابطها مع الإلكترونات فتتحول الذرات إلى أيونات. وتتحول المادة إلى طاقة كما فى التفاعلات النووية، ويفترض أنه يمكن للطاقة أيضا أن تتحول مادة إذا وصلت إلى مستويات غاية فى الارتفاع كما فى الأجهزة المسماة بمعجلات الجسيمات فائقة القدرة. وتتغير المادة كيميائيا عند حدوث تغير فى مكونات الجزىء خلال عملية التفاعل الكيميائى. وفى الأزمنة السابقة كان يعتقد أن المادة تتكون من أربعة عناصر فقط هى: النار والماء والتراب والهواء. وتنقسم المواد أيضا إلى كائنات حية وجماد، ويختص علم الحيوان والنبات بدراسة الكائنات الحية كما يختص علم الفيزيقا بدراسة المواد عموما والقوى المؤثرة فيها، والطاقة المتولدة منها. ٢ - ويطلق لفظ المادة فى المنطق على الحدود التى تتألف منها القضية، أو على القضايا التى يتألف منها القياس. مادة القضية فى المنطق هى الموضوع والمحمول اللذان تتألف منهما، أما صورتها فهى النسبة التى بين الموضوع والمحمول .. (ونتقسم بهذا الاعتبار إلى: كلية وجزئية، وموجبة وسالبة). ومادة القياس هى القضايا التى يتألف منها (الكبرى، والصغرى، والنتيجة)، أما صورته فهى شكله، وعلى سبيل المثال فإن قولنا: كل إنسان فان، وجبريل إنسان، فجبريل فان، قياس كاذب من حيث مادته، لأن صغراه (أى قضيته الصغرى) كاذبة، أما من حيث الصورة فهو قياس صحيح من الشكل الأول. كان المناطقة القدامى يطلقون مصطلح المادة على حالة للقضية فى ذاتها غير مصرح بها، وعندهم أن هذه الحالة منحصرة فى ثلاثة احتمالات: الوجوب والامتناع والإمكان. والفرق عندهم بين الجهة والمادة أن الجهة لفظ مصرح به يدل على الوجوب أو الامتناع أو الإمكان، على حين أن المادة حالة للقضية فى ذاتها غير مصرح بها، وربما تخالفها. ٣ - وفى علم الأخلاق فإن المادة هى الفعل الذى يقوم به الفاعل بصرف النظر عن نيته وقصده، كالممرض الذى يعطى السم بدلا من العقار فهو لا يعد قاتلا إلا من حيث مادة الفعل، أما من حيث صورة الفعل فهو برىء من جريمة القتل. ٤ - وفى الفلسفة الأرسطية هى المعنى المقابل للصورة، ولها بهذا الاعتبار وجهان: الأول دلالتها على العناصر غير المعينة التى يمكن أن يتألف منها الشىء .. وهى إمكان محض، أو قوة مطلقة لا تنتقل إلى الفعل إلا بقيام الصورة فيها .. أما الوجه الثانى فدلالتها على المعطيات الطبيعية والعقلية التى يعمل الفكر على إكمالها وإنضاجها فكل موضوع يقبل الكمال بانضمامه إلى غيره فهو مادة، وكل ما يتركب منه الشىء فهو مادة. والمادة عند ديكارت مقابلة للصورة من جهة، وللفكر أيضا من جهة أخرى، فأما التقابل بينها وبين الصورة فيرجع إلى أن الجسم مؤلف من شيئين: أحدهما شكله الهندسى وهو صورته، والآخر جوهره المشخص الفرد الموجود بالفعل وهو مادته. وأما التقابل بينها وبين الفكر فيرجع إلى أن المادة كتلة طبيعية ندركها بالحدس الحسى لوجودها خارج العقل، على حين أن الفكر شىء داخلى مجرد عن المادة وعن لواحقها ولذا قال ديكارت: إن المادة هى الامتداد. ومنذ "كانت" تطلق المادة على معطيات التجربة الحسية من جهة ما هى مستقلة عن قوالب العقل، فمادتها الظاهرة عنصرها الحسى. أما صورتها فهى العلاقات التى تضبطها وتنظم حدوثها. أ. د/ محمد الجوادى

стр. 575

٣ - الماسونية تعددت الآراء حول معنى الماسونية، فبعضهم رأى أنها اصطلاح يعنى شعار الماسونية: (حرية- مساواة- إخاء- تعاون)، وبعضهم يرى أنها تعنى (القوة الخفية)، وآخرون يرون بهذا الاسم رمزا لأسماء مؤسسيها (١). ويكاد الباحثون يجمعون على أنها هى جمعية البنائين الأحرار، التى وجدت منذ أقدم العصور فى مصر واليونان وفلسطين (٢)، وذلك لأن كلمة (ماسونية) من الكلمة الإنجليزية Mason التى تكتب فى العربية خطأ (ماسون) لكن الخطأ شاع، وتعنى"البنَّاء" ثم تضاف كلمة Free بمعنى حر، وتعنى: البناء الحر. وهناك بعض التفسيرات تذهب إلى أن كلمة (حر) تجىء لتمييز الـ "فرى ميسون" أى "البناء الماهر" فى مقابل "البناء غير المدرب" (٣). واصطلاحا: تعرف الماسونية بأنها مجموعة من التعاليم الأخلاقية والمنظمات الأخوية السرية التى تمارس هذه التعاليم، والتى تضم البنائين الأحرار والبنائين المقبولين أو المنتسبين، أى الأعضاء الذين لا يمارسون حرفة البناء. رموز الماسونية هى: (المثلث، والفرجار، والمسطرة، والمقص، والرافعة، والنجمة الخماسية، والأرقام ٣، ٥، ٧) وهى رموز وطقوس تساعد على اكتشاف النور. والوحدة الأساسية فى التنظيمات الماسونية هى المحفل أو الورشة. ويحق لكل سبعة ماسونيين أن يشكلوا محفلا، والمحفل يمكن أن يضم خمسين عضوا. وتعقد المحافل اجتماعا دوريا كل خمسة عشر يوما، يحضره المتدربون والعرفاء والمعلمون. أما ذوو الرتب الأعلى فيجتمعون على حدة، فى ورشات التجويد. ويفترض فى المشاركين فى الاجتماع أن يقبلوا بلباس معين فهم يضعون فى أيديهم قفازات بيضاء، ويزينون صدورهم بشريط عريض، ويربطون على خصورهم مآزر صغيرة، وقد يرتدون ثوبا أسود طويلا، أو بزة قاتمة اللون، أو سموكينج بحسب تقاليد محافلهم، وهى تقاليد فى غاية التعقيد والتنوع. وتشكل المحافل اتحادات تدين بالولاء والطاعة لأحد المحافل الكبرى، ففى فرنسا، على سبيل المثال، خمسة محافل رئيسية كبرى، وهى: محفل الشرق الكبير، ومحفل فرنسا الكبير، والمحفل الوطنى الفرنسى الكبير، والاتحاد الفرنسى للحقوق الإنسانية، ومحفل فرنسا الكبير للنساء. قسم الجمعية: عندما يتقرر قبول طالب للعضوية، يتقدم ليقسم قسم الجمعية الذى يصبح بمقتضاه عضوا عاملا يؤدى واجبه ويتحمل مسئولياته. ونص القسم كالآتى: أقسم بمهندس الكون الأعظم أننى لا أفشى أسرار الماسونية ولا علاماتها وأقوالها، ولا تعاليمها وعاداتها وأن أصونها مكتومة فى صدرى إلى الأبد. أقسم بمهندس الكون العظيم ألا أخون عهد الجمعية وأسرارها لا بالإشارة ولا بالكلام ولا بالحروف، وألا أكتب شيئا منها ولا أنشره بالطبع أو بالحفر أو بالتصوير، وأرضى إن حنثت فى قسمى أن تحرق شفتاى بحديد ملتهب، وأن تقطع يداى ويُجزَّ عنقى، وتُعلق جثتى فى محفل ماسونى ليراها طالب آخر ليتعظ بها، ثم تحرق جثتى ويذر رمادها فى الهواء، لئلا يبقى أثر من جنايتى (٤). فالماسونية جمعية سرية يهودية مرت بمراحل عديدة تهمنا منها مرحلة القرن الثامن عشر الذى شهد أول تأسيس منظم على يد اليهودى (أحيرام أبيود) وضمت إليها (هيردوس الثانى) عدو المسيحية فى ذلك الوقت، وعقدت أول اجتماع لها عام ١٧٤٣م وحضر هذا الاجتماع الملك (هيردوس) ومستشاراه اليهوديان (أحيرام أبيود، وموآب لافى) ثم تلا هذا الاجتماع اجتماعات أخرى، وتعددت أوكار الماسونية فى كل مكان من أوروبا باسم (الماسونية الزرقاء). وفى عام ١٧٧٠م اتصل عدد من اليهود المرابين (بآدم وايزهاوبت) وكلفوه بمراجعة بروتوكلات حكماء صهيون القديمة، وإعادة تنظيمها على أسس حديثة لتخدم عقيدة الإلحاد. ثم قام وايزهاوبت بدعم من حكماء صهيون بتنظيم المحفل المكلف بقيادتها الذى كانت الخطوة التالية له تأسيس المحفل الماسونى، والذى عرف باسم محفل الشرق الأكبر، وأصبح يستقطب كل الجمعيات الماسونية القديمة، فى العالم ويسيرها إلى وجهة جديدة تخدم اليهود وأغراضهم وأحلامهم بتحقيق وطن قومى لهم، ثم صيانة هذا الوطن. وفى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الذى حدث فيه تطور للنفوذ اليهودى وتغلغل لسلطان اليهود عن طريق الماسونية فى جميع الحكومات الأوروبية والأمريكية، فالماسونية تجد مكانا خصبا لدى الطائفة الإنجيلية، ويقول (ألفريد ليلينتال) فى كتابه (ثمن إسرائيل): لقد لعب العامل الدينى دورا هاما فى إقرار التقسيم وخاصة لدى الطائفة الإنجيلية المستمدة تعليمها عن التوراة، وكان هذا العامل من جملة العوامل التى حملت إيرل بلفور، والجنرال سمطس على تأييد إقامة وطن قومى يهودى فى الأراضى المقدسة (٥). وفى سنة ١٧٧١م أعاد اليهود النظر فى تعاليم الماسونية ورموزها وغيروا فيها لتناسب الجو البروتستانتى فى بريطانيا والولايات المتحدة. وقد كشف المحفل الماسونى الأعظم فى بريطانيا عن بعض نواياه حين جعل من أهداف الماسونية: ١ - المحافظة على اليهودية. ٢ - محاربة الأديان بصورة عامة والكثلكة بصورة خاصة. ٣ - بث روح الإلحاد والإباحية بين الشعوب. ثم بدأت اليهودية العالمية بمد الجمعيات الماسونية برجال الفكر والدهاء والمكر، فيلبسون لكل عصر لبوسه الملائم. بل لهم طرق فى خداع الشعوب، إذا لمسوا فيهم الإحساس بخطر الماسونية، لأن غاية الماسونية تأسيس جمهوريات علمانية، تتخذ الوصولية والنفعية أساسا لاتحادها. كما جاء فى قرار المؤتمر الماسونى المنعقد فى باريس عام ١٩٠٠م. وجاء فى قرار مؤتمر محافل الماسونية عام ١٨٨٤م: (يجب على الماسونيين الذين بيدهم زمام الأمور أن يأتوا بالماسونيين إلى سدّة الحكم، وأن يقربوهم من كراسيه، وأن يكثروا من عددهم فيه، وفى وسع الماسونى أن يكون مواطنا أو نائبا أو رئيسا بشرط أن يكون ماسونيا، وعليه أن يستلهم الأفكار الماسونية، ومهما علت مكانته الاجتماعية، فإنه يستوحى مذهبه من المحفل الماسونى لا من مكانته. والماسونيون ليسوا كلهم على درجة واحدة ولكنهم على ثلاث درجات: الأولى: التلميذ أو الصبى (الملتحق أو المتدرب). الثانية: زميل المهنة أو الصنعة (الرفيق). الثالثة: البناء الأعظم أو الأستاذ (بمعنى أستاذ فى الصنعة). وأضيف إلى الدرجات الثلاث درجة أخرى أساسية هى "القوس المقدس الأعظم " وهناك فى بعض المحافل تصل إلى ثلاث وثلاثين درجة كما هو الحال فى الطقس الإسكتلندى القديم. وتصل أحيانا عدد الدرجات إلى بضعة آلاف (٦). الماسونية النسائية: يقول الدكتور "جان مينو": وقد أنشئ للروتارى فرع نسائى عام ١٩٢٨م يسمى الجمعية الدولية للمتفائلات، Soroptimiste، سوروبتمست. ولاشك أن هذا النادى هو فرع ماسونى ثانى للحركة النسائية الروتارية غير فرع سيدات الروتارى باسم Inner Wheel " إينرويل " لم تورد كل الوثائق التى لدىَّ شيئا عن تاريخه يمكن أن ننتفع به. وفى إنجلترا: تأسست أول مدرسة ماسونية للنساء، عرفت باسم "مدرسة بنات الإخوة الماسونيين" برعاية "راسبينى" ومساعدة العائلة الملوكية وخاصة "دوتش أوف كيرلند " الذى دعيت باسمهم المدرسة فيما بعد "مدرسة كيرلند الملوكية" ومازالت باقية تمارس نشاطها تحت رعاية ملكة إنجلترا، وقد عاد اسمها الأول "مدرسة البنات الماسونية" (٧). وتعرف أندية الروتارى النسائية باسم "الإنرويل" وهى خاصة بالنساء فوق ٢٨ سنة، أما اللاتى لم يبلغن هذا السن فيضمهن تنظيم مختلط يعرف باسم "الروترآكت " أما الشباب من الجنسين فى عمر المراهقة من ١٤ - ١٨ سنة فيضمهم تنظيم يسمى "الانترآكت"، وقد سمح مؤخرا بأن يضم هذا التنظيم كافة الطلائع الصغيرة التى تبدأ بعمر الحضانة أو المدرسة الابتدائية. وأهم النوادى الماسونية (الروتارى- والليونز- والكوائى- والإكستثتنج) وغيرها. (هيئة التحرير) ١ - اليهودية والماسونية، للشيخ/ عبد الرحمن الدوسرى، ط دار السنة للنشر والتوزيع، ١٩٩٤م. ٢ - مقارنة الأديان (اليهودية)، د. أحمد شلبى- طبعة مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط ٣، ١٩٧٣م. ٣ - الأيدى الخفية- عبد الوهاب المسيرى- طبعة الهيئة، مهرجان القراعة للجميع، سنة ٢٠٠١ م. ٤ - الماسونية منشأة ملك إسرائيل، محمد على الزغبى، مكتبة العرفان، بيروت، ١٩٥٦م. ٥ - الخطر الصهيونى، للأستاذ/ محمد خليفة التونى. ٦ - الأيدى الخفية. ٧ - شرخ فى جدار الروتارى- أبو إسلام أحمد- طبعة دار الاعتصام، القاهرة.

стр. 576

٤ - المانع اصطلاحا: هو وصف ظاهر منضبط، يستلزم وجوده حكمة، تستلزم عدم الحكم، أو عدم السبب، كوجود الأبوة، فإنه يستلزم عدم ثبوت الاقتصاص للابن من الأب، لأن كون الأب سببا لوجود الابن، يقتضى أن لا يصير الابن سببا لعدمه. وفى هذا المثال الذى أطبق عليه جمهور أهل الأصول نظر لأن السبب المقتضى للقصاص هو فعله، لا وجود الابن ولا عدمه، ولا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة للقصاص ولكنه ورد الشرع بعدم ثبوت القصاص لفرع من أصل. والأولى أن يمثل لذلك بوجود النجاسة المجمع عليها فى بدن المصلى، أو ثوبه، فإنه سبب لعدم صحة الصلاة عند من يجعل الطهارة شرطا، فها هنا قد عدم شرط وهو الطهارة ووجد مانع وهو النجاسة لا عند من يجعلها واجبة فقط. وأما المانع الذى يقتضى وجوده حكمة تخل بحكمة السبب، فكالدين فى الزكاة، فإن حكمة السبب وهو الغنى مواساة الفقراء من فضل ماله، ولم يدع الدين فى المال فضلا يواسى به، هذا على قول من قال: إن الدين مانع. فإنه إذا كان المالك مدينا بدين يستغرق نصاب الزكاة أو ينقصه، فإن الزكاة لا تجب عليه (١). أ. د/ فرج السيد عنبر ١ - إرشاد الفحول للشوكانى ١/ ٦٠ وما بعدها.

стр. 577

٥ - المتشابه لغة: أشبه الشىء الشىء: ماثله، وشابهه: أشبه، تشابه الشيئان: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا، والمتشابه: النص القرآنى يحتمل عدة معانى كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: يطلق المتشابه، ويراد به عدة إطلاقات: أحدها: وهو ما لم يأت فى القرآن بلفظه البتة ما يقصده علماء القرآن من وقوع النظم الواحد على صور شتى، وتتشابه فى أمور، وتختلف فى أخرى، ومن ثم يطلقون عليه متشابه النظم، أو متشابه اللفظ، قال الزركشى: "ويكثر فى إيراد القصص والأنباء، وحكمته التصرف فى الكلام، وإتيانه على ضروب، ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكرر (٣). ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل﴾ البقرة:٤٨، مع قوله ﴿واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ البقرة:١٢٣، وقد عنى بتوجيه هذا اللون من نظم القرآن قلة من المفسرين فى تفاسيرهم، ومنهم: شهاب الدين محمود الألوسى فى تفسيره المعروف بروح المعانى، وعلامة المغرب الطاهر بن عاشور فى تفسيره الموسوم بالتحرير والتنوير. كما أفرده بعض العلماء بالتصنيف، يقول السيوطى "﵀" أفرده بالتصنيف، خلق: أولهم -فيما أحسب-: الكسائى، ونظمه على بن عبد الصمد السخاوى المتوفى سنة ٦٤٣هـ فى كتابه "هداية المرتاب فى المتشابه من الكتاب": وهى منظومة تعرف "بالسخاوية"، وألف فى توجيهه الكرمانى فى كتابه "البرهان فى متشابه القرآن" وأحسن منه "درة التنزيل وغرة التأويل" لأبى عبد الله الرازى … وفى كتاب أسرار التنزيل المسمى."قطف الأزهار فى كشف الأسرار" الجم الغفير (٣). ثانيهما: أن يطلق المتشابه صفة مدح لجميع القرآن، ولفظ المتشابه بهذا المعنى هو الوارد فى قوله تعالى ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾ الزمر:٢٣. أما تبيان كيف أن المتشابه بهذا الإطلاق نعت كمال لجميع القرآن، فإنه من الجلى أن صوغ مادة التشابه فى هذه الآية على صورة التفاعل يقضى بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء كلها يشبه بعضه بعضا على ماهو الكثير الغالب فى صورة التفاعل. وقد بين المفسرون الكمالات التى تتشابه فيها أبعاض الكتاب العزيز، ومن خير وأسد ما فى المقام من عبارات عبارة الزمخشرى، فقد قال فى تفسيرالآية (ومتشابها) مطلق فى مشابهة بعضه بعضا، فكان متناولا لتشابه معانيه فى الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعته الخلق، وتناسب ألفاظه وتناسقهما فى التخير والإصابة، وتجاوب نظمه، وتأليفه فى الإعجازوالتبكيت (٤). والتشابه بهذا المعنى الذى يعم جميع القرآن على نحو ما رأينا لا يتنافى بحال مع وصف الإحكام المذكور فى قوله تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته … ﴾ هود:١، والذى يعم هو الآخر القرآن الكريم بأسره، بل يجب الأخد بكلا الوصفين جميعا فى كتاب الله دون أن يأتى كلام الحق فى ذلك باطل من بين يديه أو من خلفه؟ ذلك بأن التناقض إنما يلزم إذا كان بين المادتين فى هاتين الآيتين تقابل التضاد، وكيف وكل منهم صفة مدح لا يمكن أن تدل على ما يضاد الأخرى، وإنما على ما يؤاتيهما ويشد من أزرهما وبانطوائهما معا فى صفته شاهد صدقه وآية تنزيل رب العالمين. وأما الإحكام فمعناه أن آى القرآن كلها قد نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ، ولا من جهة المعنى، ولا من جهة الهدف والغاية، أو أنها أحكمت بالحجج والدلائل، أو جعلت حكمة فنقول حكم إذا صار حكما، لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية (٥) وإذن فالقرآن بهذا المعنى محكم فى تشابهه، متشابه فى إحكامه على نحو ما ألمحت إليه عبارة الزمخشرى السابقة. ثالثهما: أن يرد لفظ المتشابه فى القرآن مقولا على بعض منه مخصوص، مقابلا وقسيما للبعض الآخر الذى يقال عليه وصف المحكم، وبحيث لا يجتمع هذان الوصفان المتقابلان فى شىء واحد ألبتة، وذلك هو ما جاء فى قوله تعالى ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ آل عمران:٧، وهذا المعنى هو الذى ينصرف إليه لفظ المتشابه عند الإطلاق والتجرد من القرينة. وإن الناظر فى هذين الوصفين المتقابلين واللذين لا يصدق واحد منهما على ما يصدق عليه الآخرمن الكتاب المجيد، ليرى اختلافا عظيما بين العلماء فى تبيان هذا المعنى. وأمثل ما اختاره المحققون فى شرح حقيقة القسمين الكريمين ما أفصحت عنه عبارة الفخر الرازى، إذ يقول: "اللفظ الذى جعل موضوعا لمعنى: إما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى، وإما أن لا يكون. فإذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص. وأما إن كان محتملا لغيره فلا يخلو: إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء، فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمى ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا، وبالنسبة لكل واحد منهما على التعيين مجملا. فقد خرج من التقسيم الذى ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصا أو ظاهرا أو مؤولا أو مشتركا أو مجملا، أما النص والظاهر فيشتركان فى حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم. وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان فى أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة، فالمجمل إن لم يكن راجحا لكنه غيرمرجوح، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه؟ إما لأن الذى لا يعلم يكون النفى فيه مشابها للإثبات فى الذهن، وإما لأجل أن الذى يحصل فيه التشابه يصير غيرمعلوم، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقا لاسم السبب على المسبب، فهذا هو الكلام المحصل فى المحكم والمتشابه" (٦). وخلاصة هذا القول أن المحكم ما كان راجح الدلالة على معناه بنفسه (٧)، احتمل مرجوحا كالظاهر أو لم يحتمل كالنص، المتشابه ما ليس كذلك -أى ما كان غير راجح الدلالة بنفسه مرجوحا كان كالمؤول، أو مستوى الدلالة كالمجمل- وهو كلام سديد، لأن مدار الإحكام على ما تفهمه الآية الكريمة نفسها (٨). إنما هو على الوضوح والتعاصى على الزائغ، وكذلك شأن النص والظاهر اللذين جعل المحكم هو القدر المشترك بينهما، وأن مدار التشابه حسبما صرحته على عون الكلام خفيا ومتبعا للزائغ يبتغى به الفتنة، وإنما يظفر الزائغ بهذه الطلبة فى المجمل والمؤول اللذين جعل المتشابه هو القدر المشترك بينهما كذلك، ثم إن الناس اختلفت اختلافا عظيما كذلك فى قضية العلم بتأويل المتشابه بهذا الإطلاق هل مقصور على الله تعالى، أو هو بحيث يتأتى للراسخين فى العلم أيضا، والصواب الثانى ومن أبرز المتشابه بهذا الإطلاق فى القرآن ما يعرف لدى العلماء بآيات الصفات الخبرية، أو متشابه الصفات كالآيات التى جاء فيها ذكر الوجه واليد والجنب والروح والنفس والاستواء والفوقية والرضا والغضب وما إلى ذلك من كل ما فيه نسبة البعض أو العرض إليه تعالى جسمانيا كان ذلك أو نفسانيا. ومن حكمة ورود المتشابه بهذا الإطلاق فى القرآن والسنة ما ذكره صاحب الكشاف فقال: لو كان كله (يعنى القرآن) محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ولا عرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذى لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما فى المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والممتزلزل فيه، ولما فى تقادح العلماء، وإتعابهم القرائح فى استخراج معاينة، ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة فى كلام الله ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض فى ظاهره وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة فى إيقانه (٨). أ. د/إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة

стр. 578

٦ - المتعة لغة: المتعة بضم وكسر الميم- اسم للتمتيع، كالمتاع، وأن تتزوج امرأة تتمتع بها أياما ثم تخلِّى سبيلها، وأن تضم عمرة إلى حجك وقد تمتعت واستمتعت، وما يتبلغ به من الزاد" (١). واصطلاحا: يختلف معنى لفظ المتعة باختلاف ما يضاف إليه: ١ - فمتعة العمرة: أن يحرم من الميقات بالعمرة فى أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم ينشئ حجا من مكة، أو من الميقات الذى أحرم منه بالعمرة، وسميت متعة لتمتع صاحبها بمحظورات الإحرام بين النسكين، أو لتمتعه بسقوط العودة إلى الميقات للحج. وأنه لا خلاف بين الفقهاء فى مشروعية التمتع بالعمرة إلى الحج لقول الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ (البقرة ١٩٦). ٢ - وأما متعة النكاح: فهى أن يقول الرجل لامرأة خالية من الموانع: أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال (٢). ويطلق عليها الفقهاء نكاح المتعة، وقد ذهب إلى حرمة هذا النكاح جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). قال سبرة: أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها (رواه مسلم) (٤). ٣ - وأما متعة الطلاق: فهى كما عرفها الشربينى الخطيب: مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة فى الحياة بطلاق وما فى معناه بشروط (٥). وقد ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن المتعة تجب لمطلقة قبل الدخول إن لم يجب لها شطر المهر بأن كانت مفوضة، ولم يفرض لها شىء لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ (البقرة ٢٣٦). والأمر يقتضى الوجوب، ولا يعارضه قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾ لأن أداء الواجب من الإحسان. ولأن المفوضة لم يحصل لها شىء من المهر فتجب لها متعة للإيحاش والابتذال. وقال الحنابلة: تستحب المتعة لكل مطلقة غير المفوضة التى لم يفرض لها، لقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾ (البقرة ٢٤١). وقال المالكية: تندب المتعة لكل مطلقة طلاقا بائنا فى نكاح لازم، إلا المختلعة، والمفروض لها صداق، وطلقت قبل البناء ومختارة لعيب الزوج ومخيرة ومملكة فى الطلاق وطلقت نفسها (٦). لأن الله تعالى جعل المتعة حقا على المتقين والمحسنين لا على غيرهما (٧). ولم يرد نص فى تحديد مقدار المتعة ولا نوعها، والوارد إنما هو اعتبار حال الزوج من الإعسار واليسار، والأخذ بالمعروف. وذهب الحنفية فى المفتى به عندهم والشافعية إلى أنه يعتبر فى تقدير القاضى للمتعة حال الزوجين كليهما. وقال الحنفية: المتعة درع وخمار وملحفة لا تزيد على نصف مهر المثل (٨). وقال الشافعية: يستحب أن لا تنقص المتعة عن ثلاثين درهما، ويسن أن لا تبلغ نصف مهر المثل، ومحل ذلك إذا فرض الحاكم المتعة، أما إذا اتفق عليها الزوجان فلا يشترط عدم مجاوزتها مهر المثل (٩). وقال المالكية (١٠) والحنابلة (١١): المتعة معتبرة بحال الزوج المطلق فى يساره وإعساره للآية، ونص الحنابلة: على أن أعلى المتعة خادم إذا كان الزوج موسرا، وأدناها إذا كان فقيرا كسوة تجزئها فى صلاتها وهى (درع وخمار) أو نحو ذلك لقول ابن عباس. أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 579

٧ - المتن لغة: متن كل شىء، غايته، وجلد له متن: صلابة وقوة، ومتنت الكبش: إذا شققت جلدة بيضته واستخرجتها، والمتن: ماصلب وارتفع عن الأرض (١). واصطلاحا: مرَّ بمرحلتين: ١ - الأولى فى بداية القرن الثانى الهجرى، ظهر مصطلح المتن كقسيم للسند فى الصناعة الحديثة، وذلك ضمن كلام لمحمد ابن سيرين المتوفى سنة (١١٠هـ/٧٢٨م) حين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظرإلى أهل البدع فلا يؤخد حديثهم (٣) وكانوا أحيانا فى تلك الفترة يطلقون على المتن لفظ الخبز والمروى والمتن. ٢ - وفى القرون المتأخرة فى القرن السابع الهجرى وما بعده، حاول العلماء أن يضعوا تعريفا محددا للمتن، ويربطوا بينه وبين المعنى اللغوى، فقال الطيبى المتوفى (٧٤٣هـ/١٣٤٣م): المتن: ألفاظ الحديث التى تقوم بها المعانى (٣). وقال ابن جماعة المتوفى سنة (٧٦٧هـ/١٣٦٧م): ما ينتهى إليه غاية السند من الكلام (٤). ووجه الترابط بين المعنى الاصطلاحى والمعنى اللغوى السابق، أنه إما مأخوذ من المماتنة أى المباعدة فى الغاية، لأنه غاية السند، أو من المتن وهو: ما صلب وارتفع من الأرض، لأن المسند يقويه بالسند ويرفعه إلى قائله، أو من متنت الكبش إذا شققت جلدة بيضته واستخراجتها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده. ولقد قسم العلماء المتن إلى ثلاثة أقسام: ١ - مرفوع: وهو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة من قول أو فعل .. مثل: (إنما الأعمال بالنيات) (٥)، ويدخل فى المرفوع: المتصل والمنقطع، والمرسل والمعضل والمعلق. ٢ - موقوف وهو ما يروى عن الصحابى من أقوال وأفعال وتقريرات، ونحو ذلك، فيوقف عليهم لا يتجاوز به إلى الرسول ﵇ مثل قولى أبى بكر رضى الله عنه عنه (والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه) (٦). ٣ - مقطوع وهو ما جاء عن التابعين فمن دونهم، موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم مثل قول الحسن البصرى: (رحم الله رجلا لم يغره ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم، إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك. ٠٠) (٧). والفرق بين المقطوع والمنقطع أن المقطوع من أقسام المتن، والمنقطع من أقسام السند. أ. د/مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 580

٨ - المتناهي اصطلاحا: المتناهى مأخوذ من لفظ النهاية، وهو الحد أو الطرف الذى به يصير الشىء ذو الكمية، بحيث لا يكون وراءه مزاد شىء فيه. والنهاية عند الصوفية الرجوع إلى المبدأ الذى هو الله تعالى، أو إلى الصفاء الذى كان فى عالم الأرواح قبل التعلق بالجسد. والمتناهى ما له نهاية ويمكن قياسه، والمتناهى هو المحدود، والرياضيون يسمون النهايات حدودا وأطرافا، فنهاية الخط المتناهى نقطة، ونهاية السطح المتناهى خط، والآن للزمان، ويقابله اللامتناهى. ونشأ على التناهى مذهب يقرر أن العدد اللامتناهى ممتنع، وأن كل مجموع واقعى يجب أن يكون متناهيا، ويرفض نظريات الاتصال التى تضع بين الأشياء فوارق غير متناهية. وهناك مقابلة بين طرفين من المفاهيم النهاية واللانهاية، والصفة منهما على التوالى النهائى واللانهائى. ويدل على نفس المعنى المتناهى واللامتناهى، كما يستخدم أحيانا كثيرة فى نفس المعنى تعبيرات: المحدود واللامحدود، والتناهى يدل على حد الشىء، واللامتناهى على انعدام وجود الحد. والحد هو الطرف الأخير أو الغاية. ويستخدم المفهومان فى الرياضيات استخداما واسعا، أما فى الفلسفة فإن المتناهى واللامتناهى يستخدمان فى ميادين نظرية الوجود ونظرية المعرفة ونظرية الإنسان. فيستخدم المتناهى فى نظرية الوجود عندما نتحدث عن المكان أو الزمان أو الإله. وكانت الفلسفات الدينية تميل إلى نموذج الكون المقفل النهائى، لأن الكون عندهم ذو بداية وذو نهاية. كما إن الإله ذو طبيعة متعينة، منه يبدأ الوجود وإليه ينتهى ﴿هو الأول والآخر﴾ (الحديد ٣). وقد تناول ابن سينا بحث فكرة المتناهى فى عدد من مؤلفاته مثل النجاة والشفاء ورسالة فى الحدود وغيرها. فرأى أن المتناهى هو المحدود، أما السطح فليس داخلا فى حد الجسم من حيث هو جسم بل من حيث هو متناه، وأضاف أن من قال إنه متناه: عنى أنه محدود فى نفسه. والميل إلى مفهوم التناهى أو نقيضه إنما هو تعبير عن مزاج ابتدائى، وليس اختيارا عقليا، أو نتيجة علمية، أو فلسفية، وهذا المزاج وذلك الميل يؤثران على مجمل اتجاهات الحضارة كما أنهما يظهران فى شتى جوانب الفكر الفلسفى. أ. د/ منى أبو زيد

стр. 581

٩ - المجاز لغة: تدور معانيه حول إزالة الموانع، والعبور من مكان إلى مكان، يقولون: جاز الشىء يعنى مضى، وجزت المكان عبرته، ومن معانى المجاز: الطريق. كما فى لسان العرب (١). واصطلاحا: هو نقل المفرد اللغوى، أو التركيب من معناه الوضعى الذى أراده منه واضع اللغة، إلى معنى ثان (مجازى) بينه وبين المعنى الأول (الوضعى) مناسبة، بقصد المبالغة فى بيان المعنى الثانى أو توضيحه. وقيل: هو الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعى (٢). فكلمة "بحر" وضعها واضع اللغة للدلالة على "مجتمع الماء" المعروف، وهذه الدلالة يشترك فى فهمها جميع الناس، وهذه الكلمة "بحر" صالحة للنقل من دلالتها الوضعية إلى دلالة أخرى خاصة (مجازية) كاستعمالات وصف الرجل الكريم فى قول الشاعر المتنبى يمدح سيف الدولة الحمدانى حين أبصره قادما فاستقبله بحفاوة وعانقه: ولم أر مثلى من مشى البحر نحوه ولا رجلا قامت تعانقه الأُسدُ فقد عنى الشاعر من كلمة "بحر" الرجل الكريم، وعنى من كلمة "الأسد" الرجل الشجاع بعد أن نقل الكلمتين من معنييهما اللغوى الوصفى العام، إلى معنى مجازى خاص. وهذا النقل هو المسمى "المجاز" عند علماء البيان، ولابد من وجود علاقة فيه بين معنى الكلمة المنقولة، والكلمة المنقول إليها، مع وجود أمارة (قرينة) تمنع من إرادة المعنى الوصفى. فالعلاقة بين البحر والكلام هى "السخاء" لأن الكريم لا يمنع سائلا، والبحر لا يمنع ماءه عن طالبيه. أما القرينة المانعة، فلأن البحر لا يمشى نحو أحد، والأُسد لا تعانق أحدا، بل تفترسه إذا ظفرت به. والمجاز عندهم قسمان: لغوى وعقلى: فاللغوى يكون التصرف فيه فى مفردات اللغة أو تراكيبها كما تصرف الشاعر فى كلمتى: بحر، وأسد. والمجاز اللغوى نوعان: مجاز استعارى (استعارات) إذا كانت علاقته "المشابهة" أى مشابهة المنقول إليه للمنقول منه، كما فى البيت السابق. ومجاز مرسل إذا كانت العلاقة غير المشابهة، مثل الجزئية فى قوله تعالى ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (النساء٩٢) والمراد ذات العبد لا رقبته. والكلية مثل قوله تعالى ﴿يجعلون أصابعهم فى آذانهم﴾ (البقرة ١٩) المراد أطراف الأصابع. أما المجاز العقلى فهو إسناد الفعل أو ما فى معناه إلى غير فاعله الحقيقى، مثل قوله تعالى ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ (الزلزلة ٢) لأن فاعل الإخراج هو الله، وقد أسند إلى مكانه وهو الأرض، لأن الأرض مكان الإخراج. والمجاز ليس كذبا كما ظن بعض الناس، لأن المتجوز يضع قرينه فى كلامه تمنع من إرادة المعنى الأصلى، أما الكاذب فهو دائما يحاول الخداع ليستمر كذبه. ومن ثمار المجاز التوسع فى طرق التعبير، وإيضاح المعنى المراد وتضخيمه مع الإيجاز والمبالغة (٣). أ. د/ عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 582

١٠ - المجاهدة لغة: جَهَدَ: جَدَّ، وجَهَدَ فى الأمر أى طلبه حتى وصل إلى الغاية وبلغ المشقة، وجهد بفلان: أى امتحنه. وتجاهَدَ العَدوَّ مجاهدة وجهادا: أى قاتله (١). واصطلاحا: يقصد بها مجاهدة النفس، لأن المسلم يعلم أن أعدى أعدائه إليه هى النفس التى بين جنبيه، وأنها بطبيعتها ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، أمارة بالسوء ﴿وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (يوسف ٥٣). والنفس بطبيعتها تحب الدعة، والخلود إلى الراحة، وترغب فى البطالة، وتنجرف مع الهوى، وتستهويها. الشهوات العاجلة، وإن كان فيها حتفها وشقاؤها (٢). فإذا عرف المسلم هذا عبَّأ نفسه فأعلن عليها الحرب، وصمم على مكافحة رعوناتها، ومناجزة شهواتها، فإذا أحبت الراحة أتعبها، وإذا رغبت فى الشهوة حرمها، وإذا قصرت فى طاعة أو خير: عاقبها ولامها، ثم ألزمها بفعل ما قصرت فيه، وبقضاء ما فوتته أو تركته. يأخذها بهذا التأديب حتى تطمئن وتَطهر وتطيب، وتلك غاية المجاهدة للنفس قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ (العنكبوت ٦٩). والمسلم إذ يجاهد نفسه فى ذات الله لتطيب وتطهر وتزكو وتطمئن، وتصبح أهلا لكرامة الله تعالى ورضاه يعلم أن هذا هو درب الصاحين وسبيل المؤمنين الصادقين فيسلكه مقتديا بهم، ويسير معه مقتفيا آثارهم. فرسول الله ﷺ قام الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان، وسئل ﵇ فى ذلك فقال: "أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟ "، وعن على بن أبى طالب كرم الله وجهه قال: (والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ وما أرى شيئا يشبههم كانوا يُصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا سجَّدا وقياما، يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباهم، وكانوا إذا ذكر الله مادوا كما يميد الشجر فى يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم) (٣). ونرى معاتبة النفس وتأنيبها فى موقف عمر بن الخطاب ﵁ على تفويت صلاة عصر فى جماعة، فتصدق بأرض تقدر قيمتها بمائتى ألف درهم (٤). كذلك عبد الله بن عمر ﵁، كان إذا فاتته صلاة فى جماعة أحيا تلك الليلة بأكملها"؛ وفى يوم أخَّر صلاة المغرب فأعتق رقبتين وكان على بن أبى طالب ﵁ يقول: رحم الله أقواما يحسبهم الناس مرضى، وما هم بمرضى، وذلك من آثار مجاهدة النفس (هـ). والرسول ﷺ يقول: "خير الناس من طال عمره، وحسن عمله". (هيئة التحرير)

стр. 583

١١ - المجوسية لغة: تَمَجَّسَ الرجل، وتَمَجَّسُوا صاروا مَجُوسا، ومَجَّسُوا أولادهم صيروهم كذلك، ومجسه غيره (١). ومجوس كصبور: رجل صغير الأذنين كان فى سابق العصور أول من وضع دينا للمجوس ودعا إليه (٢). والمَجُوسية بالفتح نحلة. وفى الحديث: (فأبواه يمجسانه) (٣). ويقول الشهرستانى: (المَجُوسية يقال لها الدين الأكبر، والملة العظمى) (٤). وأطلق العرب اسم المجوس على قرصان النورمان، والسكاندينافيين الذين حاولوا فى القرون الوسطى اقتحام السواحل أو الحدود فى بلاد الغرب الإسلامى (٥). وقد عرفت المجوسية بأنها ديانة الفرس، لأن معظم الفرس كانوا يدينون بها منذ ظهرت فى بلادهم خصوصا (الزرادشتية). التى كانت الدين الرسمى (للدولة الساسانية) التى تأسست عام ٢٢٦ ق. م وإن كانت بدايتها أسبق من نشأة هذه الدولة بكثير، فشأن المجوسية شأن غيرها من أديان قديمة جابت أرجاء المعمورة فى مصر واليونان والصين والهند والعراق وغيرها، لكنها لم تقتصر على بلاد الفرس وحدها، حيث أن بعض العرب دانوا بها فى هجر وحضرموت وعمان، وقيل: إن بعض العرب كان يدين (بالمزدكية) وممن تمجس من العرب (زرارة بن عدس) وابنه (حاجب) و (الأقرع بن حابس) وغيرهم (٦). ولم يرد ذكر المجوس فى القرآن الكريم إلا فى قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شىء شهيد﴾ (الحج ١٧). ويقرر ابن خلدون أنهم- أى المجوس- من أقدم الأمم، فيقول: (هذه الأمة- أى المجوس- من أقدم أمم العالم، وأشدهم قوة وآثارا فى الأرض، وكانت لهم دولتان عظيمتان طويلتان: الأولى- الكينوية، والثانية- الساسانية الكسروية. ثم يحدد ملكهم فيقول (إن مدة ملكهم من "كيومرث" أبيهم إلى الملك "يزدجرد" أيام عثمان ﵁ أربعة آلاف سنة ومائتان وإحدى وثمانون سنة (٧). ولقد مرت المجوسية بمراحل أربعه تمايزت كل منها عن سابقتها: الأولى- من نشأتها حتى ظهور "زرادشت ". الثانية- المجوسية فى عهد "زرادشت ". الثالثة- المجوسية بعد "زرادشت " وحتى ظهور الإسلام. الرابعة- المجوسية بعد ظهور الإسلام (٨). وللمجوسية عقائدها الفاسدة: فهم يعتقدون أن للعالم إلهين اثنين، أو أصلين يقتسمان الخير والشر، ويسمون الأول "النور" والآخر "الظلمة"، وبالفارسية "يزدان" و "أهرمن". ويقول العقاد (٩) عن عقيدة زرادشت" فى الألوهية: (وقد حرم "زرادشت" عبادة الأصنام، وقدس النار على أنها هى أصفى وأطهر العناصر المخلوقة لا على أنها هى الخلاق المعبود). والمجوس يؤمنون بوجود الملائكة، وترى "الكيومرثية" منهم أن الملائكة تقوم بدور الوساطة بين معسكرى النور والظلمة حين تقوم الحرب بينهما فتتم المصالحة. يقول الشهرستانى (١٠) حاكيا عن "الكيومرثية" قولها (إنه جرت محاربة بين معسكر النور ومعسكر الظلمة، ثم إن الملائكة توسطوا فصالحوا بينهما). أما زرادشت فيقول: (إن أول ما خُلِق من الملائكة "بهمن" وعلمَهُ الدين وخصه بموضع النور مكانا وأقنعه بذاته ذاتا ثم "أزديهشت" ثم "شهربور" ثم "أسفندارمز" .. وخلق بعضهم من بعض كما يؤخذ السراج من السراج من غير أن ينقص من الأول شىء، وقال لهم من ربكم وخالقكم؟ فقالوا: أنت ربنا وخالقنا). والمجوس يؤمنون ببعض الرسل وتختلف فرقهم فى التحديد: فالكيومرثية يعتقدون أن أول الرسل "كيومراث"، و"الزرادشتية" تعتقد أن زرادشت نبى مرسل ثم هم يؤمنون به وبكتابه الذى أنزل عليه (١١). ويقول ابن حزم: (والمجوس لا يقرون بنبوة أحد من الأنبياء إلا زرادشت (١٢) ويقول السكسكى (١٣): فى معرض حديثه عن المجوس (إنهم ينكرون نبوة آدم ونوح ﵉. وقالوا: لم يرسل الله إلا رسولا واحدا لا ندرى من هو؟ وللمجوس كتاب مقدس يسمى "الأوفستا" أو "الأبستاق" يزعمون أنه نزل على نبيهم "زرادشت" من الإله وعمل "زرادشت" تفسيرا له سماه "زندا" (١٤) والمجوس تؤمن باليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار والصراط بيد أنه كان إيمانا شائها، وهم يرون أن البعث للأرواح دون الأجساد فهم يعتقدون أن الروح ألبست الجسد من أجل محاربة "أهرمن" وجنوده من الشياطين، فإذا قضى عليهم فإن الروح تخلص من الجسد فيكون البعث بها فقط، ولهم مرائى عجيبة فى مصير الروح بعد مفارقتها الجسد، وبعض فرق المجوس تعتقد فى التناسخ، شأنها فى ذلك شأن معظم الأديان الوضعية القديمة. ومن فرق المجوس فرقة تسمى التناسخية تقول: بتناسخ الأرواح فى الأجساد والانتقال من شخص إلى شخص آخر. والمجوسمية تؤمن بالمهدية فيذكر الشهرستانى عن "زرادشت " قوله فى كتابه "زند أوستا" سيظهر فى أخر الزمان رجل اسمه "أشيزريكا" ومعناه الرجل العالم يزين العالم بالدين والعدل، ثم يظهر فى زمانه (بتياره) فيوقع الآفة فى أمره، وملكه عشرين سنة، ثم يظهر بعد ذلك (أشيزريكا) على أهل العالم ويحيى العدل، ويميت الجور، ويرد السفن المغيرة إلى أوضاعها الأولى وتنقاد له الملوك، وتتيسر له الأمور، وينصر الدين والحق، ويحصل فى زمانه الأمن، وسكون الفتن، وزوال المحن (١٥). وللمجوسية شعائرها الضالة التى فيها: ١ - عبادة النار ٢ - تعظيم الملوك ورفعهم إلى مرتبة الألوهية. ٣ - الصلوات والزمزمة ٤ - شرب الخمر ٥ - الولع بالغناء والمعازف ٦ - استحلال المحارم والمجوسية فرق يحددها الإمام الشهرستانى على النحو والترتيب التاليين: ١ - الكيومرثية ٢ - الزروانية ٣ - الزرادشتية ثم يفرق بينهم وبين الثنوية فيحصر فرق الثنوية فى: ١ - المانوية ٢ - المزدكية ٣ - الديصانية ٤ - المرقيونية ٥ - الكينوية ٦ - والصيامية ٧ - والتناسخية. أ. د. عبد السلام محمد عبده

стр. 584

١٢ - المحاسبة لغة: العد والتقدير، وحسن التدبير، ويعرف من يقوم بهذه الأعمال بالحسيب أو المحاسب (١) وفى القرآن الكريم ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ الإسراء:١٤، أى محاسبا، ﴿والله سريع الحساب﴾ البقرة:٢٠٢، أى لا يشغله حساب أحد عن محاسبة الآخر كما فى اللسان (٢). واصطلاحا: وينصرف معنى المحاسبة فى الفكر الإسلامى إلى مفهومين: ١ - المحاسبة الذاتية المعنوية، وهى: أن يحاسب المرء نفسه، وهو ما أكد عليه عمر بن الخطاب بقوله (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا). ٢ - المحاسبة المادية، وتعنى المحاسبة على العمليات ذات الصفة العينية والمالية، وتختص بكتابة وقياس الأشياء بغرض الاستفادة منها فى مجالات مختلفة من ضمنها حساب زكوات الأموال. وقد كانت للدولة الإسلامية فى عصورها الزاهرة نظم محاسبية تساعد المسئولين على إدارة حركة الأموال العامة النقدية والمالية، بحيث تحفظ الأموال وتضبط الغلال فتتحقق رقابة فعالة عليها، وتتم المحاسبة كتابة امتثالا لقوله تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ البقرة:٢٨٢. أما المحاسبة فى العصر الحديث فتختص بتحديد وقياس الأنشطة المختلفة وتوصيل معلومات عن نتائج تلك الأنشطة إلى من يهمه الأمر بهدف الاستفادة منها فى اتخاذ القرارات. وتتمثل إجراءات المحاسبة فى: ١ - حصر وتجميع البيانات عن الأنشطة المتعددة. ٢ - تسجيل وتصنيف وتحليل تلك البيانات فى ضوء مفاهيم وأسس معينة، ووفقا للأهداف المرجوة. ٣ - توصيل المعلومات الناتجة عن التسجيل والتصنيف والتحليل إلى من يريد معرفتها لاستخدامها فى اتخاذ القرارات (٣). وعن أهمية المحاسبة يقول الحريرى "إن صناعة الحساب موضوعة على التحقيق، وإن قلم المحاسب ضابط، وإن الحسبة هم حفظة الأموال، ولولا قلم الحاسب لاتصل التغابن إلى يوم القيامة، ولكان من نظام المعاملات محلولا، وجرح الظلامات مطلولا، وجيد التناصف مغلولا، وسيف التظالم مسلولا" (٤). مما يعنى أنه لولا المحاسبة على حركة الأموال الواردة والمنصرفة وتسجيلها بواسطة المحاسبين، لما أمكن معرفة نتيجة النشاط من مكسب أو خسارة، ولما وجدنا نظاما سليما للمعاملات أو لإظهار الحقوق، أو لمنع الظلم. أ. د/حمدى عبدالعظيم

стр. 585

١٣ - المحدث لغة: اسم فاعل من التحديث مأخوذ من حدث يحدث فهو محدث، وهو وصف لمن يشتغل بالحديث ويقضى وقته فى دراسته (١). واصطلاحا: فقد مر هذا المصطلح بعدة مراحل: فكان فى بداية أمره، وصفا لمن تصدر لرواية الحديث مطلقا،. وفى القرن الثانى الهجرى، ظهر الكلام على رواة الحديث، وأصبح للحديث الواحد طرق متعددة، واختلفت ألفاظ الحديث الواحد، تبعا لاختلاف الطرق، وظهر بين العلماء من يجيد تمييزالطرق، ونسبة كل لفظ إلى طريقه، فأمثال هؤلاء جديرون بأن يطلق عليهم لقب "محدث" وقد نالوا احترام الناس الذين يشتغلون بالحديث .. قال الإمام البخارى: ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين (٢). وكان بعضهم يطلق لقب "محدث" على الحافظ. ونسب إلى الزركشى القول بأن الفقهاء، كانوا يطلقون لقب "محدث" على من حفظ الحديث وعلم عدالة رجاله أو جرحهم، دون المقتصر على السماع (٣). وفى القرن الثامن الهجرى، حاول العلماء أن يضعوا ضوابط للقب "محدث" فقد سئل الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس المتوفى سنة (٧٣٤هـ/١٣٣٤م) عن المحدث فقال: المحدث فى عصرنا: من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع بين رواته، واطلع على كثير من الرواة والروايات فى عصره، وتميز فى ذلك، عرف فيه حفظه، واشتهر فيه ضبطه (٤). ووصفه بعض العلماء بقوله: إنه الذى قرأ، وكتب، وسمع، ووعى، ورحل إلى المدائن والقرى، وحصل أصولا، وعلق فروعا من كتب المسانيد والعلل والتواريخ التى تقرب من ألف تصنيف (٥). ومن ذلك يتبين لنا أن لقب المحدث هو وصف لمن يشتغل بدراسة السنة دراسة علمية دقيقة، وهو ما يعرف اليوم بلغة العصر الحاضر: التخصص الدقيق. فكل من اهتم بدراسة الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالى والنازل من الأسانيد، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، مع العلم بما يجب كونه عليه من الضبط، أو التيقظ، والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه، والتحرز من أن يدخل عليه ما لم يسمعه، مثل هذا جدير بلقب "محدث" على أن هناك طائفة أخرى توصف بأنها "أهل الحديث" وهم الذين يهتمون بمعرفة دلالات الألفاظ، وكيفية الاستنباط من النصوص مع تقديمها على الرأى، وإن لم تكن لهم إحاطة بالطرق والرجال. أ. د/مصطفى محمد أبو عمارة

стр. 586

١٤ - المحراب لغة: الغرفة، وصدر البيت أو المجلس وأكرم موضع فيه، والموضع الذى ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس. (لسان العرب). وجاءت اللفظة فى القرآن الكريم بصيغة المفرد فى قوله تعالى ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا﴾ آل عمران:٣٧، وكذلك فى (آل عمران:٣٩) (مريم:١١) (ص:٢١) .. ومعنى المحراب هنا: الحجرة التى فى مقدمة المعبد. وجاءت اللفظة بصيغة الجمع (محاريب) فى قوله تعالى ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب﴾ سبأ:١٣. وفسرت المحاريب فى هذه الآية بالقصور، والمساجد يتعبد فيها. واصطلاحا: علامة القبلة فى جدار المسجد، وجرت العادة أن تكون فى وسط جدار القبلة. وكانت القبلة عند بناء مسجد النبى ﷺ فى المدينة أولا فى الجدار الشمالى نحو المسجد الأقصى، ثم أمر النبى ﷺ فى السنة الثامنة من الهجرة أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام، ومن ثم نقلت القبلة من الجدار الشمالى إلى الجدار الجنوبى، وهكذا صارت قبلة جميع المساجد فى الجدار الموجه نحو المسجد الحرام فى مكة المكرمة، يقول الله تعالى ﴿قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ البقرة:١٤٤. ولم ليكن المحراب فى مسجد النبى ﷺ مجوفا بل كان مسطحا تسطح الجدار نفسه، ولكنه كان محددا ومعلما، وظل فى مكانه بعد توسعة المسجد فى حياة النبى ﷺ فى السنة السابعة بعد الهجرة، وكان من جراء ذلك أن صار أقرب إلى الجدار الشرقى منه إلى الجدار الغربى، وذلك لأن توسعة المسجد نحو الغرب كانت أطول من توسعته نحو الشرق. وفى خلافة عمر بن الخطاب نقل جدار القبلة نحو الجنوب بمقدار خمسة أمتار تقريبا، ومن ثم نقل مكان المحراب إلى الجدار الجديد، ولكن على نفس المحور. وحدث الشىء نفسه فى خلافة عثمان بن عفان حين نقل جدار القبلة إلى الجنوب نحو خمسة أمتار أخرى، وبذلك صار فى موضعه الحالى. ومع ذلك فقد ظل مكان محراب النبى ﷺ الأول موضع حفاوة المسلمين الذين يحرصون على الصلاة والدعاء أمامه، وقد أقيم فى المكان نفسه محراب بعيد عن الجدارالحالى على يد السلطان المملوكى قايتباى. وقد ظل المحراب مسطحا إلى أن أجرى الوليد بن عبدالملك عمارته فى مسجدالنبى ﷺ سنة ٨٨هـ، حين أمر بإعادة بنائه، وتجديده تجديدا شاملا، ففى هذه العمارة أدخلت فى مسجد النبى ﷺ وحدة معمارية جديدة هى المحراب المجوف، وكان ذلك إيذانا بانتشاره بعد ذلك فى المساجد. وقيل كثيرمن الآراء بشأن الحكمة من المحراب المجوف، منها: أنه يفيد فى تعيين اتجاه القبلة، وفي تحديد مكان الإمام عند الصلاة، وفى توسيع طاقة المسجد بما يقرب من صف من المصلين فى الصلاة الجامعة، ويساعد على تجميع صوت الإمام وتكبيره، وإيصاله للمصلين الذين يوليهم ظهره أثناء الصلاة، لا سيما قبل اختراع مكبرات الصوت. ونال المحراب عناية مؤسسى المساجد الجامعة من حيث العمارة والزخرفة، وإقامة المنبر إلى يمينه، وتزويده بمقصورة، والحفاوة بالبلاطة التى تليه، التى عرفت ببلاطة المحراب، وبالبلاطة المؤدية إليه من الصحن والتى أطلق عليها أحيانا المجاز القاطع. وكان المحراب فى بعض الأحيان يكتنفه عمودان من الرخام يحملان عقدا ويسقف أعلاه بنصف قبة تعرف بطاقية المحراب كانت تزين بالمقرنصات، وقد يكسى المحراب، بالجص المزخرف بالحفر البارز والغائر، أو بالرخام والمرمر، أو ببلاطات القاشانى، أو بالفسيفساء الرخامية أو الخزفية أو الزجاجية المشكلة بالحليات الهندسية والنباتية المحورة، وكان يكرم بالآيات القرآنية المناسبة لوظيفته. وتتعدد المحاريب فى بعض المساجد، ومن ذلك مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة، إذ يشمل على خمسة محاريب بالإضافة إلى المحراب الرئيسى فى منتصف جدار القبلة، ومن هذه المحاريب أربعة محاريب مسطحة من الجص على بعض دعائم المسجد فى رواق القبلة. هذا .. ولم تقتصر المحاريب على المساجد، بل وجدت أيضا فى الخانقاوات والمدارس والأضرحة وغيرها من الأماكن التى تقام بها الصلاة، أو يحتاج فيها إلى تعيين موضع القبلة. إضافة إلى ذلك عرفت محاريب غير ثابتة يمكن نقلها من مكان إلى آخر عند الضرورة، فمثلا فى فصل الصيف الحار كانت تنقل إلى صحن المسجد، وكانت هذه المحاريب تصنع من الخشب، وكان يعتنى بزخرفتها، ومن أمثلة هذه المحاريب محراب السيدة رقية بمتحف الفن الإسلامى بالقاهرة ٥٣٣هـ. هذا واستخدم شكل المحراب عنصرا زخرفيا فى العمارة الإسلامية ولا سيما فى المقرنصات. وليس من شك فى أن المحاريب تعد من أقيم الآثار الإسلامية سواء من حيث القيمة الروحية، أو من حيث الأهمية المعمارية والزخرفية، ومن المحاريب التى تتمثل فيها أساليب العمارة والزخرفة الإسلامية: - محراب قبة المنصور قلاوون بشارع المعز لدين الله بالقاهرة. - محراب الجامع الأزرق بشارع باب الوزير بالقاهرة. - محراب مسجد ابن طولون بالقاهرة. - محراب مدرسة قجماس الإسحاقى بشارع الدرب الأحمر بالقاهرة. - محراب جامع محمد على بقلعة صلاح الدين بالقاهرة. - محراب مسجد نابين بإيران (من القرن الرابع الهجرى). - محراب مسجد ميدان فى قاشان بإيران. - محراب ضريح بابا قاسم فى أصفهان بإيران. - محراب المسجد الجامع بصنعاء اليمن. - محراب جامع قرطبة من عهد الخليفة الحكم. أ. د/حسن الباشا

стр. 587

١٥ - المحسنات البديعية البديع لغة: الجديد والطريف، وقيل: هو الشىء الذى يكون أولا، كما فى لسان العرب (١). واصطلاحا: هو أحد علوم البلاغة الثلاثة: المعانى، البيان، البديع، ومنزلته عند البلاغيين والنقاد فى صناعة العبارة البليغة هى: الثالثة. علم البديع اصطلاحا: "هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة". فرعاية تطبيق الكلام لمقتضى الحال وظيفة علم المعانى، ووضوح الدلالة وظيفة علم البيان، والمطابقة والوضوح عنصران أساسيان فى كل كلام بليغ. أما البديع- عندهم- فمقصور على تحسين الألفاظ (الصورة) والمعانى (المضمون) المقصودة من الكلام. وأول من قصر البديع على هذه الوظيفة هو أبو يعقوب السكاكى (٢) ونهج نهجه البلاغيون من بعده (٣) والبديع جنس ناعم تحته نوعان: (أ) البديع اللفظى، وهو ما كان الحسن فيه راجعا إلى اللفظ أصلا، وإلى المعنى تبعا. (ب) البديع المعنوى، وهو ما كان الحسن فيه راجعا إلى المعنى أصلا وإلى اللفظ تبعا. ولكل من هذين النوعين صور (جزئية) تندرج تحتهما، ومجموعهما هو المسمى: المحسنات البديعية، وهى أكثر من مائة وخمسين محسنا، وقد جمع بعضهم هذه المحسنات فى مؤلفات خاصة مع تفاوت الإحصاء بين القلة والكثرة (٤) وقد ضُخِّم من كثرة صوره الجزئية الخلط بين صوره الخالصة وفنون البلاغة الأخرى، الراجعة إلى علمى المعانى والبيان. ومتأخرو البلاغيين، مثل الخطيب القزوينى، وشُرَّاح تلخيصه أكثر دقة من المتقدمين، كأسامة بن منقذ، الذى أوصل صور المحسنات البديعية إلى خمس وتسعين ومائتى صورة فى كتابه: "البديع فى نقد الشعر"، بينما نجده عند ابن أبى الإصبع فى كتابه "تحرير التجسيد فى صناعة الشعر والنثر" .. خمسا وعشرين ومائة صورة مع عصرى الرجلين (القرنان الخامس والسابع). ومن صور المحسنات البديعية اللفظية من "الجناس" وهو أكثر المحسنات اللفظية تصرفا وتشعبا. وله تعريف عام هو: "تشابه الطرفين فى اللفظ، واختلاف معانيهما" (٥). ولهذا التشابه درجات، أعلاها أن يكون الطرفان لفظا واحدا مكررا. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾ (الروم ٥٥). فالجناس بين: ساعة الأولى وساعة الثانية ولا عبرة ب "الـ" فى ساعة الأولى. فاللفظ هنا له صورة خطية وصوتية واحدة فى كلا الطرفين والمعنى مختلف: لأن معنى الأولى هو "القيامة" من القبور، ومعنى الثانية هو اللحظة القصيرة المبهمة من الزمن. هذا، وقد اتحد الطرفان (ساعة- ساعة) فى عدد الحروف، وترتيبها، ونوعها، وهيئتها (حركات الحروف) وما كان كذلك سمى (جناسا تاما متماثلا). ومثاله من الشعر لك يا منازل فى القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل منازل الأولى: ديار الأحبة بعد أن خلت منهم بموت أو هجرة. منازل الثانية المراد منها الذكريات الحاصلة فى القلوب هنا، وقد ذكر الخطيب القزوينى صورا أكثر من صور المحسنات البديعية اللفظية، ولكنه لم يستوفها كلها (٦). ومنها: رد العجز عن الصدر، السجع، الموازنة، القلب. وضابط المحسنات اللفظية عندهم: أن يكون التحسين راجعا إلى اللفظ أولا بالذات، ثم إلى المعنى ثانيا بالعرض. (ب) أما المحسنات المعنوية، فمن أشهرها: الطباق، وهو: "الجمع بين المعنيين المتضادين (٧)، أو المتقابلين سواء كان تقابل ضدين، أو نقيضين". ومثال تقابل الضدين قوله تعالى: ﴿الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ (البقرة ٢٥٧) فالطباق بين الظلمات والنور، وهما: ضدان، ومثال التقابل بين النقيضين قوله تعالى: ﴿يخرج الحى من الميت﴾ (الأنعام ٩٥) لأن الحياة والموت نقيضان لا يجتمعان فى محل واحد، ولا يرتفعان عنه معا فى وقت واحد. ومثاله من الشعر: إذا أيقظتك حروب العدا فنبه لها عُمَرا ثم نم والطباق بين: نبِّه- نَمْ وللطباق تقسيمات وتنويعات تراجع فى مكانها من كتب البلاغة، كالمفتاح لأبى يعقوب السكاكى، والإيضاح للخطيب القزوينى، والمطول لسعد الدين التفتازانى، والأطول للعصام، ثم شروح التلخيص. أما المحسنات البديعية عموما فممن استوعب جمعها ابن أبى الإصبع العدوانى المصرى فى كتابه "تحرير التحبير" ومن القدماء ابن حجة الحموى فى كتابه: "خزانة الأدب وغاية الأرب" وابن رشيق صاحب كتاب "العمدة فى محاسن الشعر". أ. د/ عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 588

١٦ - المُحَكِّمَةُ يتفق الباحثون على أن بداية ظهور هذه الفرقة كان فى واقعة (صِفِّين) التى كانت بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان- رضى الله عنهما- وقد أجمع الباحثون على أن سبب تسميتهم بالمحكِّمة يرجع إلى شعارهم الذى رفعوه يومذاك: "لا حكم إلا لله". وهناك من يقصر هذه التسمية على أول فرقة من فرق الخوارج ويسمونها "المُحَكِّمة الأولى" (١). والسبب فى خروجهم- على الإمام على ﵁ يرجع إلى رفضهم لما حدث، فعندما أحس معاوية بن أبى سفيان بقرب هزيمة جنده، طلب من جنده رفع المصاحف على أسنة الرماح طالبين تحكيم كتاب الله تعالى. واجتمع على بن أبى طالب مع أصحابه يشاورهم فى هذا التحكيم وبعد الشورى قبل التحكيم. واختار ممثله أبا موسى الأشعرى واختار معاويةُ عمروَ بن العاص. وفور قبول التحكيم تَمرَّد بعض من جنود على بن أبى طالب وكان أكثرهم من قبيلة تميم (٢). ورفضوا التحكيم قائلين: لا ينبغى أن يحكم أحد فى كتاب الله، فالتحكيم خطأ. لأن حكم الله فى الأمر واضح وجلى، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما أحق، وليس يصح هذا الشك، وصاحوا "لا حكم إلا لله " وحينما سمع على بن أبى طالب ذلك قال قوله المشهور: "كلمة حق أريد بها باطل ". وتسميتهم بالمُحَكِّمة سبقت تسميات الخوارج الأخرى، حيث أن الشعار الذى أخذ منه كان الأسبق فى الظهور من الخروج على الإمام علىّ ﵁. وتطورت الأمور عند المُحَكِّمة بسرعة فطالبوا الإمام عليا ﵁ بأن يحكم على نفسه بالخطأ، ثم تمادوا فى الأمر وطالبوه بأن يحكم على نفسه بالكفر، إن لم يرجع عن عهده مع معاوية رضى الله عنهما. وذكر أن أحدهم قابل الإمام عليا فقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (الزمر ٦٥). زعماء المُحَكِّمة: وحينما رجع على بن أبى طالب من صفين فدخل الكوفة، لم تدخل المُحَكِّمة معه فأتوا حروراء ونزلوا بها- وهذا سبب تسميتهم بالخوارج- واعتزلت المُحَكِّمة الإمام عليّا ودخلوا دارا وهم ستة آلاف وأجمعوا على أن لا يخرجوا إلا لقتال على بن أبى طالب ﵁. وكان على رأسهم عبد الله بن الكواء، وعَتَّاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبى، وعروة بن جرير، ويزيد بن أبى عاصم المحاربى، وحرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية. مناظرة ابن عباس لهم: قال ابن عباس: أتيت عليا قبل صلاة الظهر فقلت أبرد بالصلاة لعلّى أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم فقال: إنى أخاف عليك. فقلت: كلا، وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذى أحدا فأذن لى فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن الإبل (٣). وعليهم قمص مرحضة مشمرين مسهمة وجوههم من السهر فسلمت عليهم فقالوا: مرحبا بابن عباس ما جاء بك. فقلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ (الزخرف ٥٨) فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه، فقلت: هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد وهم أعلم بتأويله. قالوا: ثلاثا، قلت: هاتوا، قالوا: أما أحداهن فإنه حكم الرجال فى أمر الله. وقد قال الله : ﴿إن الحكم إلا لله﴾ (يوسف ١٤) فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله . فقلت: هذه واحدة وماذا؟ قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم فإن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم ولم يحل لنا سبيهم، قلت: وما الثالثة؟ قالوا: فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا. قالوا: كفانا هذا. قلت لهم: أما قولكم حكم الرجال فى أمر الله أنا أقرأ عليكم فى كتاب الله ما ينقض هذا. فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال فى ربع درهم ثمن أرنب وتلا هذه الآية ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (المائدة ٩٥) إلى آخر الآية، وفى المرأة وزوجها ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ (النساء ٣٥) إلى آخر الآية فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال فى إصلاح ذات بينهم وفى حقن دمائهم أفضل أم حكمهم فى أرنب وبُضع امرأة فأيهما ترون أفضل- قالوا: بل هذه. قلت: خرجت من هذه. قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم فتسبون أمكم عائشة- رضى الله تعالى عنها- فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام. فأنتم بين ضلالتين لأن الله قال: ﴿النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (الأحزاب ٦) أخرجت من هذه. قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون أن النبى ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو. فقال لعلىّ ﵁: اكتب لهم كتابا فكتب لهم علىّ هذا ما اصطلح عليه رسول الله ﷺ فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: اللهم إنك تعلم أنى رسول الله امح يا على. اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، فوالله لرسول الله ﷺ خير من على وقد محا نفسه، قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا. ألقاب المُحَكِّمة: عرفت المُحَكِّمة بألقاب عديدة قبل أن يعصف بها التفرق والتمزق إلى جماعات تناصب بعضها بعضا العداء والتكفير ولعل أشهر الألقاب التى عرفوا بها هو الخوارج لخروجهم على طاعة الإمام على بن أبى طالب ﵁، كما أن هناك ألقابا أخرى هى: ١ - الحرورية: ويعتبر هذا اللقب من أسبق الأسماء التى عرفت بها الخوارج حين أنكروا على علىّ بن أبى طالب ﵁ قبوله التحكيم فى صفين وانحازوا عنه إلى قرية تدعى حروراء فسموا الحرورية بذلك (٤). ٢ - المارقة: ويعتبر هذا اللقب من أشد الألقاب إيلاما للخوارج، وأبغضه إلى نفوسهم. ٣ - الشراة: وعرفت الخوارج عبر تاريخهم الطويل باسم الشراة لأنهم جعلوا مفهوم الشراية فى سبيل الله غاية يسعى إليها كل فرد. ٤ - الراسبية: وعوفوا بهذا اللقب نسبة إلى (ابن وهب الراسبى). (هيئة التحرير) ١ - الملل والنحل، للشهرستانى ٥١/ ١١٥، وصبح الأعشى، للقلقشندى ٣/ ٢٢٤، والفرق بين الفرق، للبغدادى ص٦٦. ٢ - يكاد يتفق رواة الحديث والأخبار على أن النبى ﷺ قد تنبأ بظهور الخوارج حينما جاءه رجل من تميم، يقال له ذو الخويصرة واعترض على قسمته قائلا: لم أرك عدلت! فغضب النبى ﷺ ، وقال له: "ويحك! إذا لم يكن العدل عندى، فعند من يكون؟ " فهَّم أحد الصحابة بقتله فقال له ﷺ : " دعه" فإنه سيكون له شيعة يتعمقون فى الدين يتبعون أقصاه، حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية" انظر ابن هشام ٢/ ٤٩٦. ٣ - الثفن: جمع ثفنة ركبة البعير وغيرها مما يحصل فيه غلظ من أثر البروك. ٤ - الفرق بين الفرق، للبغدادى ص٦٧، وتاريخ اليعقوبى ٢/ ١٩١.

стр. 589

١٧ - المدائح النبوية اصطلاحا: من فنون الشعر التى أذاعها التصوف .. فهى لون من ألوان التعبير عن العواطف الدينية .. وباب من الأدب الرفيع .. لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص (١). وقد كان العرب متفرقين لا يجمعهم شمل .. ولا يخضعون لأمير واحد .. إلى أن جاء النبى ﷺ بدعوته إلى الإسلام فى قريش .. ودعا إلى وحدة العرب واتحادهم واجتماعهم تحت دين واحد .. وراية واحدة .. لينقذهم مما هم فيه من فوضى التفرق .. ودمار الحروب .. فهزت دعوته ﷺ قلوبهم .. وامتدت إلى الممالك المجاورة .. حتى إذا بلغها ما كان عليه الرسول ﷺ من تعلق بالحق، والوفاء، والقناعة، وعلو المرتبة .. فى البلاغة، والفصاحة، والبيان، والسياسة، ومن مكانة فى الشجاعة، وقيادة الجيوش .. هالها أمره .. وأذهلها خطره .. فانصرف بعضهم إليه .. وبعضهم عنه .. ووقف شعراء يتصدون للهجوم عليه .. كما وقف شعراء آخرون فى الدفاع عنه وامتداحه (٢). وأكثر المدائح قيل بعد وفاة الرسول ﷺ .. إذ إن ما يقال فى حق الرسول بعد وفاته لا يسمى رثاء .. وإنما يسمى "مدحا" كأنهم لحظوا أن رسول الله ﷺ موصول الحياة .. وأنهم يخاطبونه .. كما يخاطبون الأحياء. وقد كان هذا المديح أول الأمر يقتصر على امتداح خصاله وشمائله ﷺ ورسالته وهو حى .. فلما قضى انصرف الشعراء إلى الثناء عليه، وتعداد صفاته، والإشادة بالدين الإسلامى .. وهذا يعد من المدائح .. لأنه يتوجه به إلى النبى ﷺ كأنه موجود حى .. يناديه المادح ويناجيه .. فيسمعه ويلبيه .. ولأنه يحقق مبادئ هذا الفن من تمدح بشجاعته، واستحسان لأخلاقه ومزاياه، وإعجاب بصباحة وجهه .. فالقصائد التى قيلت بعد وفاته هى مديح .. وكان النابغة الجعدى من المادحين .. إذ مدح الرسول ﷺ فى قصيدة طويلة فقال: أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى .. ويتلو كتابا كالمجرة نيرا كما مدحه الأعشى بداليته .. ولكن قريشا صرفته عن لقاء النبى ﷺ فانصرف وبقيت قصيدته .. وجاء كعب بن زهير ومدح النبى ﷺ فى قصيدته المشهورة فقال (٣): أنبئت أن رسول الله أوعدنى .. والعفو عند رسول الله مأمول وكان حسان بن ثابت شاعر النبى ﷺ حقا .. حيث امتدحه لصفاته النبيلة .. وفى ديوانه نماذج كثيرة للمدح النبوى (٤). وسار كثير من الشعراء على نهج حسان مستمرين عليه حتى جاء القرن السابع الهجرى، فوضع محمد بن سعيد البوصيرى عددا من القصائد فى مدح النبى ﷺ وأطال فيها .. وقصيدته "البردة" مشهورة فى جميع الأقطار الإسلامية .. رتلتها فى مناسباتها الدينية، وتولتها المطابع فى الشرق والغرب وشرحها الشارحون شروحا عدة (٥). ولم يقف الأمر عند حد الشرح .. بل تعداه إلى أن شطروها، وخمسوها، وسبعوها، وعارضوها على مر العصور. وفى العصر الحديث كانت قصيدة البارودى "كشف الغمة فى مدح سيد الأمة" بداية لمرحلة جديدة فى فن المدائح .. إذ رسمت الطريق لعدد من الشعراء تابعوا المسيرة المدحية لخير البرية .. وكان أحمد شوقى من أبرزهم فى هذا المجال (٦). وقد نظم الشاعر محمد عبد الغنى حسن ديوانا كاملا فى المديح النبوى سماه "من وحى النبوة" وكذلك فعل "مختار الوكيل" فى ديوانه "على باب طه ". ففن المدائح النبوية لون من الأدب العالى، لم ينقطع فى الشعر العربى منذ حسان بن ثابت ورفاقه- إلى الآن (٧). أ. د/ صفوت زيد

стр. 590

١٨ - المدارس تعتبر المدارس فى الإسلام امتدادا للمساجد، فكان المسلمون فى عصورهم الأولى يتوسعون فى مهمة المسجد، فاتخذوه مكانا للعبادة ومعهدا للتعليم، ودارا للقضاء، وساحة تتجمع فيها الجيوش، ومنزلا لاستقبال السفراء. وقد ميز الجامع عن المسجد بأن الجامع هو الذى يجتمع فيه الناس لصلاة الجمعة أو الجماعة، أما المسجد فهو مكان الصلاة ولو كان حجرة خاصة بالمنزل. وقد اشتهر من بين الجوامع الإسلامية ثلاثة هى: ١ - جامع المنصور ببغداد، وقد كان هذا المسجد قبلة أنظار الأساتذة والطلاب، ومن أشهر العلماء الذين جلسوا للتدريس فيه الخطيب البغدادى والكسائى والفراء (١). ٢ - جامع دمشق، وكان للمالكية به زاوية للتدريس فى الجانب الغربى، وللشافعية مدرسة على يمين الخارج من باب البريد، وهناك كذلك مقصورة برسم الحنفية يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون (٢). ٣ - جامع عمرو بن العاص: وقد بنى هذا الجامع سنة ٢١هـ فهو أقدم جامع فى قارة إفريقية، ومن العلماء الذين جلسوا. للتدريس به سليمان بن عتر التجيبى، وقد سجل المقريزى بعض تفاصيل عن أهم الزوايا العلمية بهذا المسجد، وهى زاوية الإمام الشافعى، والزاوية المجدية والزاوية الصاحبية، ومن أشهر العلماء الذين جلسوا للتدريس فيه الإمام محمد بن جرير الطبرى (٣). أما العلوم التى كانت تدرس فى المسجد فكثيرة أهمها: العلوم الدينية، والعلوم اللغوية، والأدبية، ومبادئ علم الكلام، والعروض، وعلم الطب، والميقات (الفلك). وقد انتقل التعليم من المساجد إلى المدارس بسبب ما يحدثه التدريس من أصوات ومناقشات تحدت قليلا أو كثيرا من الضوضاء التى تؤثرعلى ما يلزم من وقار الصلاة وخشوعها، ثم إن العلوم تطورت بتطور الزمن فأصبح الجدل والمناظرة من العلوم المهمة مع ما يحدثه من أصوات تتناقض مع ما يحتاجه المسجد من هدوء وجلال. وهناك فروق واضحة بين المدرسة والمسجد هى: ١ - فى المدرسة يعين المدرس وذلك بخلاف معلمى المساجد. ٢ - وجود الإيوان بالمدارس وهو الاسم الذى يرادف قاعة المحاضرات ولم يوجد فى المسجد باستثناء المساجد الكبرى التى تهتم بالتعليم. ٣ - كان عدد التلاميذ محددا فى المدرسة بخلاف حلقة المسجد التى كانت مفتوحة لمن يجلس فيها (٤). أما أقدم المدارس الإسلامية فهى مدارس الوزير العظيم نظام الملك الذى وزر لألب أرسلان وملكشاه، وسميت هذه المدارس النظامية نسبة لنظام الملك، وكانت هذه المدارس كثيرة لم تخل منها مدينة أو قرية. واقتفى نور الدين زنكى أثر نظام الملك فأنشأ المدارس فى الشام. وسار صلاح الدين الأيوبى وأفراد أسرته على هذا النهج فأنشأوا المدارس فى مصر. أ. د/أحمد شلبى

стр. 591

١٩ - المديح لغة: مدحه أثنى عليه بما له من الصفات. والمديح: ما يمتدح به، وجمعها: المدائح كما فى الوسيط (١). واصطلاحا: الثناء على ذى شأن بما يستحسن من الأخلاق النفيسة .. كرجاحة العقل، والعفة، والعدل، والشجاعة .. وأن هذه الصفات عريقة فيه وفى قومه (٢). وهو من أغراض الشعر العربى منذ الجاهلية .. إلا أنه فى أواخر العصر الجاهلى إنحط إلى درك المسألة والتكسب على يد "الأعشى"، حيث مدح كل من أعطى، وشكر كل من أكرم .. فذكر فى مدحه الصفات المثلى التى يحبها العربى .. وقبل الأعشى نجد النابغة قد سن للناس سنن المديح الرسمى .. حين يتطلعون إلى الملوك .. وحسان بن ثابت .. حين مدح ملوك الغساسنة وأمراءهم .. ووصف نعيمهم وترفهم .. ورسم ما كانوا يلبسون ويرتدون، وذكر ديارهم العامرة (٣). وفى عصر صدر الإسلام ترخص النبى ﷺ فى استماع المديح .. والإجازة عليه تأييدا للدعوة الإسلامية .. إذ كان جُلّ ما يمدح به خاصا بعمل الرسالة .. ولكنه ﷺ نهى عن سماع المدح لمجرد الإطراء .. والتقريظ .. وفى غير تأييد حق .. وتورع الخلفاء الراشدون عن سماع المدح الباطل .. ففترت صناعة التكسب بالشعر فترة من الزمن (٤). وفى عصر بنى أمية، ترخص معاوية فى سماع المديح تأييدا لدعوته .. ثم توسع فى ذلك بنو مروان .. فاستمعوا له فى حق .. وفى غير حق .. وأجازوا عليه الجوائز السنية .. وتبع الملوك فى ذلك الولاة .. ورؤساء الأحزاب فى زمانهم .. وتسابق الشعراء إلى اختراع المعانى التى تعجب أولياء الأمر .. فكالوا منها لكل ما لا يستحق .. مما كان قدوة لمن جاء بعدهم .. من غلاة المداحين (٥). وفى العصر العباسى .. رأينا الشعراء يمتدحون، ويتكسبون بشعرهم .. يرجون النوال .. ولكنهم زادوا فى معانى هذا المديح وصوره ما يتلاءم مع الحضارة العباسية .. والحياة الاجتماعية الجديدة .. ومواسم الخلافة والملك .. وأعياد البلاط ومناسبات الحرب والسلام .. وأضفوا على المعانى القديمة صورا براقة .. تصف هؤلاء الخلفاء بما يتناسب وحاجة الملك الجديد. ونقلوا مديح الملوك من ميدان الكرم والشجاعة إلى ميادين جديدة فيها حب الرعية، والإخلاص للشعب، والخير للبلاد (٦). وظل المديح المتكسب يتنقل بين العصور الإسلامية حتى فتر وضاقت معانيه وصوره .. إلى أن جاء "محمود سامى البارودى" فى العصر الحديث .. فأعاد للمديح أسلوبه المتين .. ولفظه القديم .. وأضاف إليه صورا استقاها من العصر .. وسار على خطته "حافظ إبراهيم" .. وحمل شوقى لواء المديح فارتفع به إلى مرتبة تجعله شبيها بأبى تمام فى العباسيين، والمتنبى فى الحمدانيين (٧). أ. د/ صفوت زيد

стр. 592

٢٠ - المذاهب (الفقهية) لغة: ذهب مذهب فلان: قصد قصده وطريقته، وذهب فى الدين مذهبا: أى رأى فيه رأيا (١). واصطلاحا: لا يخرج المعنى الاصطلاحى عن ذلك المعنى اللغوى. وحكم الاجتهاد فى الإسلام مشروع، فقد اجتهد صحابة رسول الله ﷺ في كل ما لم يجدوا فيه نصا، وكذلك اجتهد التابعون ومن بعدهم فى الحوادث التى عرضت لهم مما لم يجدوا فيه نصا من الكتاب أو السنة فنشأ عن هذا الاجتهاد اختلاف فى الرأى، ثم زاد هذا الاختلاف بعد الفتنة التى أدت إلى مقتل سيدنا عثمان ثم الإمام على رضى الله عنهما، فكان أن انقسم المسلمون إلى طوائف ثلاثة: شيعة، وخوارج وأهل السنة. وكان السبب الرئيسى لاختلافهم هو الخلافة والأحق بها، وما صاحبها من التحكيم فى النزاع بين الإمام على ومعاوية فكان لكل طائفة رأى يخالف رأى غيرها، وحاولت كل فرقة أن تعمل لنصرة مبادئها، فتولد عن ذلك اختلاف آخر فى بعض الأحكام العملية، مما أدى إلى وجود فقه للخوارج وآخر للشيعة، وثالث لأهل السنة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى وجود اختلاف بين كل طائفة، فتعددت المذاهب الفقهية. والمذاهب الفقهية كثيرة ومتعددة منها ما اشتهر وكتب له البقاء، ومنها ما لم تدون فيه مراجع خاصة به كمذهب الإمام الليث بن سعد، والإمام ابن جرير الطبرى، والإمام الأوزاعى وغيرهم، أما المذاهب المشهورة والتى لها ذيوع وانتشار فهى ثمانية مذاهب وهى: المذهب الإمامى والمذهب الزيدى وهما لطائفة الشيعة، والمذهب الإباضى وهو لطائفة الخوارج، والمذهب الظاهرى، ومذاهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهى لأهل السنة والجماعة. (٣). والمذهب الشيعى الإمامى وهو لبعض الشيعة، وهم الذين يعتقدون أن الرسول أوصى بالخلافة لعلى بالذات ثم من بعده لولده، وأن الأئمة معصمون من الخطأ … الخ، فهم يختلفون مع أهل السنة فى كثير من الفروع والأحكام، فضلا عن إنكارهم القياس وينتشر هذا المذهب فى إيران والعراق، والهند (٤). والمذهب الشيعى الزيدى: فهو لطائفة ينتسبون إلى زيد بن على زين العابدين بن الحسين، ومن مبادئهم أن الإمامة لا تكون بالنص عليها -كما يقول الإمامية- وإنما تكون لكل فاطمى عالم زاهد شجاع فى الحق. والزيدية أعدل فرق الشيعة فى تعاليمها، ومع ذلك فقد خالفوا فقه أهل السنة فى كثيرمن الفروع والأحكام، ولهم كتب كثيرة منها المجموع المنسوب للإمام زيد، وشرحه الروض النضير، وأتباع هذا المذهب موجودون الآن فى بلاد اليمن، وقد تشعب هذا المذهب إلى شعب منها: القاسمية والناصرية والهادويه (٥). والمذهب الإباضى: وهو مذهب طائفة معتدلة فى الخوارج وهو منسوب إلى عبد الله بن إباضى الذى توفى سنة ٨٠هـ، وهم يرون أن الخلافة تكون بالاختيار الحر من المسلمين، وهذا المذهب يتفق فى كثيرمن الفروع مع أهل السنة، وإن خالفوهم فى بعض الأحكام، ومن أهم كتب هذا المذهب كتاب شرح النيل وشفاء العليل لمحمد بن يوسف بن أطفيش، وينتشرهذا المذهب فى بعض بلاد المغرب العربى، وكذلك سلطنة عمان (٦). والمذهب الظاهرى: ومؤسسه أبو سليمان داود بن على الأصفهانى، وهذا المذهب يعتمد على ظواهر النصوص من القرآن والسنة، ويترك كل أنواع الرأى والقياس، ومن علماء هذا المذهب أبو على محمد بن حزم، والذى له كتاب "المحلى" فى الفقه، وكتاب "الإحكام فى أصول الأحكام" فى أصول الفقه. (٧) المذهب الحنفى: هو من مذاهب أهل السنة أسسه الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة ١٥٠هـ، ويعتمد هذا المذهب على الكتاب والسنة والإجماع، وقول الصحابى فيما ليس للاجتهاد فيه مجال ثم القياس والاستحسان، وهذا المذهب له كتب كثيرة مشهورة ومعروفة، وينتشر هذا المذهب فى العراق وسوريا وباكستان وأفغانستان وتركيا ومصر (٨). المذهب المالكى: ومؤسسه إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحى المتوفى سنة ١٧٩هـ، ويعتمد هذا المذهب أيضا على الكتاب والسنة والإجماع، والقياس، وعمل أهل المدينة، والعمل بالمصالح المرسلة. وهذا المذهب أيضا له كتب كثيرة ومشهورة، وينتشر فى صعيد مصر والسودان والكويت وقطر والبحرين وبلاد المغرب العربى كلها (٩). المذهب الشافعى: وهو من مذاهب أهل السنة أيضا، أسسه الإمام محمد بن إدريس الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤هـ، ويعتمد هذا المذهب على الكتاب والسنة والإجماع، فقول الصحابى ثم القياس، وللإمام الشافعى كتاب فى الفقه وهو "الأم" وكتاب آخر فى الأصول وهو "الرسالة" ويعد به الشافعى أول من دون فى علم الأصول وكتب المذهب كثيرة، وينتشر بالوجه البحرى بمصر وفلسطين وحضرموت وأندونيسيا (١٠). المذهب الحنبلى: وهو من مذاهب أهل السنة، أسسه الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى المتوفى سنة ٢٤١هـ، ويعتمد هذا المذهب على الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة المتفق منها والمختلف، فالحديث المرسل، فالقياس، ولهذا المذهب كتب كثيرة مشهورة وينتشر هذا المذهب فى السعودية. أ. د/على مرعى

стр. 593

٢١ - المرابِطُون المرابطون: عَلَم على أصحاب ومؤسسى الدولة الإسلامية التى قامت فى بلاد المغرب والأندلس فى القرنين الخامس والسادس للهجرة (القرنين ١١، ١٢ للميلاد). وأصل هذه الكلمة هو الفعل (رابط) بمعنى لازم، ومنه مرابطة الجيش فى الثغور ومواضع المخافة أمام العدو. وفى القرآن الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ (آل عمران ٢٠٠). لقد كانت بداية المرابطين فى أوائل القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) إلى الجنوب من وادى درعة فى الصحراء الفاصلة بين المغرب الأقصى وحوض نهر السنغال. وأصل المرابطين يرجع إلى قبائل صَنهاجة البربرية المغربية الصحراوية، وكانت مضاربهم ممتدة أول الأمر إلى الشمال فى إقليم تافيللت، وقاعدته مدينة سِجِلماسة، فلما بسطت قبيلة زناتة سلطانها على بلاد المغرب الأوسط، طردوا الصنهاجيين نحو الجنوب، فأصبحوا يومئذ محصورين فى الصحراء الكبرى بين الزناتيين من جهة الشمال، وقبائل السود السنغاليين من الجنوب، وباتوا مهددين بالفناء من جراء ذلك الحصار. وفى ظل هذه الظروف الحرجة اتحدت القبائل الصنهاجية وهى: جُدالة، ولمتونة، ومَسُّوفَة، وتارجا وجَزُولة، وبنو وارث، وبدأوا العمل والتحرك للتخلص من الحصار الذى يهددهم، تحت زعامة جُدالة، وشيخها يحيى بن عمر بن إبراهيم بن ترغوت الجدالى. وفى عام ٤٢٧ هـ/ ١٠٣٦م خرج يحيى بن عمر على رأس جماعة من قومه للحج، وفى طريق عودتهم، توقفوا بمدينة القيروان- فى تونس- لأخذ العلم والرواية من علمائها، والتقوا بشيخ المالكية الفقيه أبى عمران بن عيسى الورفجومى الفاسى (ت ٤٣٠هـ/١٠٣٩م)، وطلبوا منه أن يرسل معهم أحد العلماء من تلاميذه، ليفقههم فى الدين، وليرجعوا إليه فى الأحكام، لأنهم منقطعون فى الصحراء، فانتدب لذلك عبد الله بن ياسين الجزولى، فكان معلمهم وفقيههم، غيرأنه كان يتمتع بذكاء وفطنة ونشاط ظاهر فى الدعوة إلى الله، وإلى وحدة الصنهاجيين وقوتهم سبيلا إلى الفكاك من استبداد الزناتيين بهم. ويبدو أن هذا الفقيه الجزولى كان يتسم بالصرامة والتشدد، فاعتزله كثير من الناس، فانحاز إلى جزيرة فى النهر، وأقام فيها مرابطا، والتف حوله جماعة انقادت له وأخلصت له، وفى طليعتهم الأمير يحيى بن عمر، وأخوه أبو بكر بن عمر الجداليان، وتكاثر مع مرور الوقت الراغبون فى هذا الرباط والمعجبون بالشيخ ابن ياسين، حتى بلغ عددهم نحو ألف رجل من فتيان صنهاجة الذين يتقدون حماسة ورغبة فى الجهاد فى سبيل الله، وحينئذ قال لهم شيخهم وإمامهم ابن ياسين: "إن ألفا لن يغلبوا من قلة، فاخرجوا بنا للجهاد والقيام بالحق والدعوة إليه". فخرجوا مجاهدين تحت إمرة يحيى بن عمر، وانتصروا على الزناتيين، فانكسر الحصار الذى ضُرب على صنهاجة فى الشمال، كما انتصروا على السود فى الجنوب، وانفتح بذلك السبيل أمام المرابطين للّتوسع شمالا. وفى عام ٤٤٥ هـ/١٠٥٣م أغاروا على أطراف درعة، وقتلوا مسعود بن وانودين وهزموا جيشه واستولوا على درعة وسجلماسة. ولما قُتل يحيى بن عمر اللمتونى فى عام ٤٧٧ هـ/١٠٥٥م، خلفه فى قيادة المرابطين أخوه: أبو بكر بن عمر، فمضى مع الشيخ ابن ياسين على المنهج ذاته، ويعينه مخلصا فى هذا الاتجاه ابن عمه يوسف بن تاشُفين اللمتونى. وفى حدود عام ٤٦١هـ/١٠٦٨ - ١٠٦٩م أتم المرابطون الاستيلاء على إقليم تافيللت، ثم استولوا على وادى نهر تانسيفت، ومن ثم شرعوا فى بناء قاعدة للدولة الجديدة، فشيدت مدينة (مَرَاكُش)، بين سنتى ٤٦١ - ٤٦٥ هـ/١٠٦٩ - ١٠٧٤م. وفى هذه الأثناء وقع خلاف بين لمتونة وجدالة فى الصحراء واشتبك الفريقان فى قتال دُعِىَ أبو بكر بن عمر لحسمه، وفض الاشتباك بين الصنهاجيين، فمضى بعد أن أسند إدارة الدولة إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، فاضطلع هذا بقيادة المرابطين على أكمل وجه، وحظى بمكانة رفيعة بينهم، إلى جانب مهارته الحربية التى ظهرت فى ميادين القتال من قبل. فلما رجع أبو بكر من الصحراء، ورأى دولة المرابطين قوية مستقرة، وما يحظى به يوسف من مكانة، وما حازه من توفيق، تنازل- راضيا- عن رياسة الدولة ليوسف، وعاد أبو بكر إلى الصحراء ليواصل الجهاد فيها. حين كانت دولة المرابطين تتقدم بخطى واثقة نحو التوسع والسيطرة والقوة فى بلاد المغرب حتى شمل سلطانهم المغرب الأقصى ومناطق واسعة من المغرب الأوسط، كانت أوضاع بلاد الأندلس- تحت حكم ملوك الطوائف- تمضى من سيئ إلى أسوأ، وكان نصارى أسبانيا لا يكفون عن الإلحاح على استنزاف قواها والاستيلاء علّيها، حتى سقطت طلّيطلة فى أيديهم سنه ٤٧٨ هـ/١٠٨٥م، فاتجهت أنظار أهل الأندلس نحو إخوانهم المرابطين لإنقاذهم ونجدتهم، فلم يتردد يوسف بن تاشفين فى النهوض تلّبية لندائهم، وانتصارا للإسلام وأهله. وعبرت جيوش المرابطين المجاز بين المغرب والأندلس تحت قيادة ابن تاشفين، وكانت معركة الزلاقة الشهيرة فى شهر رجب ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م، حيث انتصر المسلمون (مرابطون وأندلسيون) واندحرت جموع النصارى بقيادة ألفونسو السادس ملك قشتالة، ولُقِّب يوسف بن تاشفين عقب هذا الانتصار الباهر "أمير المسلمين"، ومن ثم عاد إلى المغرب بعد أن ترك فى الأندلس حامية من المرابطين. وفى عبورهم الثانى إلى الأندلس عام ٤٨١ هـ/١٠٨٨م، لم يقع بينهم وبين النصارى قتال. ثم ساءت أحوال بلاد الأندلس، وتجددت الخلافات بين ملوك الطوائف هناك عودا على بدء، وخشى المسلمون عليها من النصارى، فوردت الكتب تترى إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ووصلت إليه الفتاوى من كبار المسلمين، يحثونه على إنقاذ الأندلس من ملوك الطوائف!! وإزاء هذا الوضع الخطير استجاب ابن تاشفين، وعبر إلى الأندلس للمرة الثالثة فى المحرم سنة ٤٨٣ هـ/٠٨٩ ١ م، وقام بعزل ملوك الطوائف واحدا تلو الآخر، وبدأ عصر جديد فى الأندلس، صارت فيه تلك البلاد جزءا من دولة المرابطين، ويدين أهلها بالسمع والطاعة للأمير يوسف بن تاشفين اللمتونى. وفى عبوره الرابع من المغرب إلى الأندلس تمكن ابن تاشفين من هزيمة ألفونسو السادس ملك قشتالة وجيشه، وكبده خسائر جسيمة فى معركة قرب كنشرة سنة ٤٩١هـ/١٠٨٧م. وقبل عودته إلى المغرب كون جيشا مرابطيا فى الأندلس، ووزع كتائبه على قواعدها المتعددة، ثم جاز إلى مراكش حيث وافاه أجله فى المحرم سنة ٥٠٠هـ/١١٠٦م. وتولى بعده ابنه على بن يوسف بن تاشفين، ولم يكن أقل رغبة فى الجهاد من أبيه، حيث كانت له وقائع مشهودة فى الأندلس، تؤكد أنه سائر على نهج أبيه فى جهاد أعداء الإسلام، والحفاظ على ما بقى من الأندلس بأيديهم، ويذكر له وللمرابطين فى هذا الصدد، أنهم تمكنوا من استرداد الجزائر الشرقية فى البحر الأبيض المتوسط (ميورقة ومنورقة ويابسة) سنة ٥٠٩ هـ/١١١٦م، وكانت قوات مشتركة من بيزة وجنوة وبرشلونة قد استولت عليها من أيدى المسلمين .. ومما لا ريب فيه أن المرابطين وأمراءهم، قد أعادوا إلى الإسلام قوته وهيبته فى الأندلس، ويسترد مسلمو الأندلس عزتهم وكرامتهم وأمنهم فى ظل تلّك الدولة المجاهدة الباسلة، التى لم يتردد قادتها وجيوشهم فى تلبية نداء إخوانهم المسلمين، طوال عصرهم الذى امتد حتى سنة ٥٤١هـ/١١٤٧م. حيث انتهت دولتهم، لترثها وتحل محلها فى المغرب والأندلس معا دولة جديدة هى (دولة الموحدين) .. أ. د/ محمد جبر أبو سعدة

стр. 594

٢٢ - المرجئة اصطلاحا: الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير كما فى قوله تعالى: ﴿قالوا أرجه وأخاه﴾ (الأعراف ١١١) أى أمهله وأخره. ثانيهما: إعطاء الرجاء. أما إطلاق اسم المرجئة على الفرقة القائلة بالإرجاء بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن "النية" و "القصد". وأما بالمعنى الثانى فظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقالوا بتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما فى الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار. وينقسم المرجئة إلى: مرجئة الخوارج- مرجئة القدر- مرجئة الجبرية- المرجئة الخالصة. وذكر الإيجى فى المواقف أن المرجئة لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية، أو لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية. وفرق المرجئة خمسة (كما ذكرها الشهرستانى والإيجى) هى: ١ - اليونسية: نسبة إلى يونس النميرى، وقالوا: الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة بالقلب، ولا يضر معها ترك الطاعات، وأن إبليس كان عارفا بالله، وإنما كفر باستكباره. ٢ - العبيدية أصحاب عبيد الكذاب، زادوا أن علم الله لم يزل وأنه تعالى على صورة إنسان. ٣ - الغسانية: أصحاب غسان الكوفى قالوا: الإيمان: المعرفة بالله ورسوله ? وبما جاء من عندهما إجمالا، وهو يزيد ولا ينقص، وذلك مثل أن يقول قد فرض الله الحج ولا أدرى أين الكعبة، ولعلها بغير مكة، وبعث محمدا ولا أدرى أهو الذى بالمدينة، أم غيره؟ وغسان كان يحكيه عن أبى حنيفة وهو افتراء. ٤ - الثوبانية: أصحاب ثوبان المرجئ اتفقوا على أنه تعالى لو عفا عن عاص لعفا عن كل من هو مثله، وكذا لو أخرج واحدا من النار، ولم يجزموا بخروج المؤمنين من النار. ٥ - التومنيَّة: أصحاب أبى معاذ التومنى، قالوا: الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار، وترك كله أو بعضه كفر ومن ترك الصلاة مستحلا: كفر، وبنية القضاء لم يكفر. وزاد الشهر ستانى على الإيجى فرقة سادسة وهى: ٦ - الصالحية: أصحاب صالح بن عمر الصالحى، وذكر أنهم ينفردون عن المرجئة الخالصة بأشياء منها: أنه يصح فى العقل أن يؤمن بالله ولا يؤمن برسوله، غير أن الرسول ? قد قال من لا يؤمن بى فليس بمؤمن. وزعموا أن الصلاة ليست بعبادة لله تعالى، وأنه لا عبادة له إلا الإيمان به، وهو معرفته، وهو- أى الإيمان- خصلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وكذلك الكفر خصلة واحدة، لا تزيد ولا تنقص. وقد تعرض ابن تيمية لمذهب المرجئة وأرجع أصول الخطأ عندهم إلى عاملين: الأول: ظنهم أن الإيمان فى مرتبة واحدة فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، بينما الإيمان الذى أوجبه الله يتباين تباينا عظيما، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر، ويجب على الأنبياء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد هنا أنه يجب عليهم العمل فحسب، بل والتصديق والإقرار أيضا. الثانى: لم يفطن المرجئة إلى تفاصيل الناس فى الإتيان بالأعمال، فليس إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها، وليس إيمان السارق والزانى والشارب كإيمان غيرهم. وقد نسب إلى الإمام أبى حنيفة القول بالإرجاء ولكنه لم يقل بالإرجاء كما قال به المرجئة، وإنما كان يرجئ الحكم، بمعنى تفويض الأمر لله . (هيئة التحرير)

стр. 595

٢٣ - المسانيد لغة: جمع مُسْنَد بفتح النون. واصطلاحا: تطلق على معانٍ متعددة، منها: ١ - الحديث المسند: الذى رواه ناقله بإسناده كاملا، فيقال عنه إنه أسند الحديث، أى رواه بإسناده. ٢ - المسنِد: بكسر النون اسم فاعل، ويطلق على الراوى الذى يروى الحديث بإسناده، فصار مسندا أى نقل الخبر بإسناده كاملا. ٣ - المُسنَد: بفتح النون أيضا، وهو الكتاب الذى يهتم بجمع أحاديث كل صحابى، مجموعة فى مكان واحد، بصرف النظر عن موضوع الحديث، فالوحدة الموضوعية التى تربط بين تلك الأحاديث أنها من رواية ذلك الصحابى. ومن هنا تجد فى المسانيد حديثا فى الصلاة بجوار حديث فى الحج، وتجد حديثا فى الجهاد بجوار حديث فى الأدب مثلا، وهكذا. والرابط بينها أنها من رواية ذلك الصحابى، وهذا المعنى الثالث هو الذى استقر عليه اصطلاح المحدثين عند إطلاق كلمه المسند. وهذه المسانيد لها اعتبارات متعددة فى ترتيب أسماء الصحابة: فمنهم من يرتب ذكر الصحابة على حسب السبق فى الإسلام، فقدم العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنا، ثم النساء. كما فعل الإمام أحمد فى مسنده. ومنهم من رتَّبهم على حروف المعجم، كما فعل الطبرانى فى المعجم الكبير، وهذا الترتيب هو الأسهل عند إرادة البحث فى المسانيد. ومنهم من اقتصر على أحاديث بعض الصحابة، أو واحد منهم فقط، كمسند الأربعة، أو مسند المقلين، أو مسند أبى بكر، ونحو هذا. يقول صاحب الرسالة المستطرفة: "ومنها (أى من كتب السنة) كتب ليست على الأبواب، ولكنها على (المسانيد) جمع مسند، وهى الكتب التى موضعها جعل أحاديث كل صحابى على حدة صحيحا كان أو حسنا أو ضعيفا، مرتبين على حروف الهجاء فى أسماء الصحابة، كما فعله غير واحد، وهو أسهل تناولا، أو على القبائل، أو السابقة فى الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك ". وكتب المسانيد لا تهتم عادة بتميز الحديث الصحيح من غيره، بل إن كل جهدها ينصب على جمع أحاديث كل صحابى، صحيحا كان حسنا أو ضعيفا، اعتمادا على أن مرحلة النقد والتمحيص وتمييز الصحيح من غيره تأتى بعد جمع الأحاديث، مخافة أن يتفلت شىء منها، ولا حرج على المسانيد فى ذلك، فهى تروى الأحاديث بإسنادها ومتنها، والباب مفتوح بعد ذلك لكل من يريد أن يقوم بالدراسة والتمحيص، وتمييز الصحيح من غيره. ومن هذه المسانيد مسند الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- والمتوفى سنه ٢٤١ هـ، وهو أعلى تلك المسانيد شأنا، وأرفعها قدرا، وهو المراد عند الإطلاق، فإذا قيل إن هذا الحديث فى المسند، فإنه ينصرف إلى مسند الإمام أحمد. وإذا أريد غيره، فلابد من التقييد بأن يقال مسند فلان. ومسند الإمام أحمد يعتبر من أعظم دواوين السنة، ففيه ما يزيد على ثلاثين ألف حديث يقينا؛ وقد يقترب من أربعين ألف حديث، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة جدا، تزيد على الثمانين بالمائة، وقد طبع أول مرة فى مصر سنة ١٣١٣ هـ الموافق ١٨٩٦ م، ثم طبع بعد ذلك عدة طبعات فى بيروت. وهناك دراسات كثيرة قامت حول هذا المسند العظيم، فمنهم من رتبه على الكتب والأبواب الفقهية، كما فعل الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا فى كتاب أسماه "الفتح الربانى ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى" وقد طبعته دار الشهاب بالقاهرة فى اثنين وعشرين مجلدا. ومنهم من اهتم بدراسة أحاديثه، وبيان درجتها، كما فعل العلامة الشيخ أحمد شاكر، ولكنه لم يتمه، وهناك مسانيد أخرى كثيرة منها: مسند أبى داود الطيالسى المتوفى سنه ٢٠٤هـ وهو من أقدم المسانيد، ومسند أبى بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق (البزار) المتوفى سنه ٢٩٢هـ. وغير ذلك كثير، وقد أحصى صاحب الرسالة المستطرفة اثنين وثمانين مسندا. أ. د/ مروان محمد مصطفى

стр. 596

٢٤ - المساواة لغة: أن يكون اللفظ المعبِّر عن المعنى المراد مساويا له لا ينقص ولا يزيد. ساواه: ماثله وعادله. و (ساوى) هذا بذاك: رفعه حتى بلغ قدره ومبلغه. و (ساوى) بينهما: جعلهما يتماثلان ويتعادلان. واصطلاحا: أن يتساوى الناس جميعا فى الحقوق والواجبات دون تفرقة أو تمييز بسبب جنس أو طبقه أو مذهب أو عصبية أو حسب أو نسب أو مال … إلخ. إن وجود مبدأ المساواة فى الأنظمة المعاصرة وإقراره كركيزة للمجتمع، هو تعبير عن تطور عميق فى بنية المجتمع الإنسانى، مرَّ فيه المبدأ بسلسلة من النضال عبر تاريخ طويل، حالت دون تحقيقه قوى فكرية، وأخرى سلطوية حماية لمصالح خاصة، وتكريسا للاستعباد والظلم. فالمتتبع لنشأة مبدأ المساواة خلال المراحل المتعاقبة التى مرت بها الإنسانية منذ بداياتها الأولى فى العصور السحيقة، وحتى عهد قريب، يجد أن الظلم والاستعباد والاستعلاء هو السمة السائدة فى مسيرة الجماعة الإنسانية، وما قصة المظالم والمآسى التى سجلها التاريخ الطويل إلا شاهد على هذه الحقيقة .. فصراع الإنسان الأول منذ هبوطه على الأرض. وإيقاعه الظلم بأخيه إلى حد قتله والفوز بمتعة الحياة. كما حدث من قتل قابيل لأخيه هابيل ابنى آدم- ﵇. لقد كانت هذه الجريمة بمثابة انتهاك لقاعدة وضعت لتنظيم العلاقات الاجتماعية والأسرية وفق قاعدة مجردة تطبق على الجميع وتسوى فيما بين الأفراد. واستمرت شريعة الغاب على هذا النهج الذى يقوم على التغالب، وفرض إرادة القوى على الضعيف، واستعباد الحاكم للمحكوم، وتسخير الفقير للغنى. وكان من الطبيعى فى ظل هذا المناخ أن ينزوى مبدأ المساواة. ولقد كان لأرسطو مقولة تشير إلى أن تقسيم المجتمع إلى طبقة سادة وطبقة عبيد، هى قسمة أصلتها الطبيعة البشرية التي تجعل الناس غير متساوين. وأن مصلحة الجماعة تقتضى ذلك، ومن ثم فإن العبودية أمر حتمى لا فكاك منه ولا مهرب!. ولم يكن هذا رأى أرسطو وحده، بل شاركه فى ذلك مفكرون آخرون فى عصور متتابعة، مثل: منتسكيو ولونج الذى وصف الزنوج بقوله: " يمكننا التأكيد بأنهم غير خليقين أساسا بالحضارة، فهم أقل من جميع الأجناس البشرية المكتشفة حتى يومنا هذا قدرة على التفكير والتصرف! " إن هذا المنحى الفكرى لهذه النخبة من رواد الحضارة الحديثة، ينم عن اتجاه خطير لأنه يقوض مبدأ المساواة، ويهدر الكرامة الإنسانية. وفى عام ١٧٨٩م قامت الثورة الفرنسية، وكانت نقطة تحول فى التاريخ الأوروبى، فقد أرست مبادئ الحرية والإخاء والمساواة. ففى الإسلام تعد المساواة إحدى قيم التشريع الرفيعة التى تنطلق من حقيقة هى أن جوهر مادة الخلق للبشر واحدة. ومن ثم فإن الأصل الإنسانى واحد، وهو الأصل الذى يجب كل خلاف ويضبط كل تنظيم للعلاقات بين طبقات المجتمع، وتعد بذلك قيمة دينية وحضارية حيث يجسد الإسلام الفطرة الإنسانية والكرامة البشرية. هذا التكامل بين الإسلام والإنسانية حول معنى المساواة يعبر عنه القرآن الكريم: فى قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ (الروم٣٠) كما ضمن الإسلام للإنسان- باعتبار إنسانيته التى يتساوى بها مع غيره من سائر الخلق- حاجاته الأساسية بغض النظر عن الاختلافات والفروق التى توجد فى دنيا الناس، وذلك بقوله تعالى: ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ (طه ١١٨ - ١١٩). وكان من الطبيعى فى ظل المساواة الإسلامية أن يكون الرباط الجامع بين أفراد المجتمع الإسلامى هو الأخوة الإنسانية وأنهم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة. يقول : ﴿هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب﴾ إبراهيم ٥٢) وها هو الرسول ? فى بيانه الأخير الذى ألقاه فى حجة الوداع " أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى، ولا أحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". وتبلغ المساواة قمتها عندما نسمع قولا للرسول الكريم فى موقف يتعرض فيه لحد من حدود الله؛ بقول المصطفى ? عندما أتى أسامة بن زيد يشفع فى امرأة شريفة من قريش سرقت .. قال- ﵊ فى غضب: " أتشفع يا أسامة فى حد من حدود الله "؟ ثم خطب الناس، فقال " أيها الناس. إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها" وتظل النصوص الإسلامية تواصل خطابها إلى البشرية على أساس من هذه الأخوة الإنسانية التى تجمع ولا تفرق، تصلح ولا تفسد، تتعاون ولا تنعزل، وهو الخطاب الذى جاء به الرسول ? فى قوله: " اللهم أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، وأن العباد كلهم أخوة " (رواه أحمد فى سنده). إن من يتصفح الإسلام عقيدة وشريعة سيجد المصداقية التى تؤصل قناعته فى هذا الصدد: أصل العقيدة الإسلامية هو التوحيد، فوحدانية الله تعالى هى القطب الذى ينبنى عليه أصول الإيمان الأخرى، فهى جوهر الإيمان بالله وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وموقف المسلمين قاطع حوله. قال تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ (آل عمران ١٨)، وهنا يتبين التلازم بين وحدانية الله تعالى التى شهد بها الحق ذاته، والملائكة والعلماء، والعدل الذى يحمل لواءه الله تعالى، فأحرى بخلقه أن يقروا له بالوحدانية، وأن يتناصفوا فيما بينهم، وركيزة التناصف المساواة. والعبادات بأنواعها، من صلاة وزكاة وحج، تعتمد على التسوية بين المكلفين بها، فالمصلون يمتثلون لنداء الله، ويصطفُّون جميعا فى صف واحد بين يدى الله تعالى، فتتوحد نفوسهم وتتحاذى مناكبهم، لا فرق بين غنى وفقير، وقوى وضعيف، وحاكم ومحكوم. وهى اجتماع يومى، يتوحد فيه الصف الإسلامى فى كل مسجد وزاوية أو أى أرض طهور أمام الخالق. وفى الزكاة تتضح الحكمة منها، فهى تزكية للمال، وإحساس بحرمان الفقير والمسكين، ووسيلة عملية لإذابة الفوارق بين الطبقات. وفى الحج، نجد الإحرام تجسيدا حيا لعبودية الخالق، والمساواة فيما بين الخلق، فإن كل إنسان يخلع لباسه الذى يميزه عن غيره، ففى ذلك توحيد للمظهر بين الجميع … العالم والجاهل، والحاكم والسوقة، وصاروا يتزاحمون فيما بينهم بالمناكب. وقد رفض الرسول ?، أن يتبع عادة قريش فى أداء المناسك، حيث كانت تميز نفسها خاصة عن سائر العرب، وكان هذا الرفض امتثالا لقوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (البقرة ١٩٩). فى الجانب الجنائى: والذى يتعلق بتحقيق المساواة فى الواقع، حيث أثمن ما يحرص عليه الشرع والناس، وهو حفظ الحياة. وقد ألزم الشارع القصاص على القاتل والجارح، حماية لحق الحياة، وردعا لمن تسول له نفسه ارتكاب الجريمة. كذلك، فالقصاص يتمثل فى أن النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن. والمساواة فى القصاص تجرى بين الشريف والوضيع والحاكم والرعية، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والمسلم والذمى. والدليل عليه عموم نص القتل من غير تمييز بين شخص وآخر. وفيما يتعلق بالدية، فإن المبلغ أو المال الواجب فيها واحد، فدية الشريف كدية الوضيع ولا عبرة بمراكزهم الاجتماعية. كما أن المساواة تنسحب أيضا أمام القضاء، نذكر قوله فى كتابه ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء ٥٨)، فالعدل- إذن- هو شريعة الحكم بين الناس، وسيفه مسلط على رقاب المعتدين المغتصبين للحقوق. لا فرق فى ذلك بين أن يكون حق الله تعالى أو الفرد أو الجماعة فالكل مشمول بالحماية، واجب الأداء لمستحقه بدون مجاملة أو خوف. (هيئة التحرير)

стр. 597

٢٥ - المستأمن لغة: الأمن ضد الخوف وهو: عدم توقع مكروه فى الزمان الآتى، ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللغوى (١). والأمان ضد الخوف، يقال آمنت الأسير: أعطيته الأمان فأمن، فهو كالآمن. وأما شرعا: فله معنى يختلف عن الأمن إذ هو عندهم: عقد يفيد ترك القتال مع الكفار فردا أو جماعة مؤقتا أو مؤبدا (٢). الأمان قسمان، الأول: أمان يعقده الإمام أو نائبه، وهو نوعان: مؤقت، وهو ما يسمى بالهدنة وبالمعاهدة وبالموادعة، وهو عقد على ترك القتال مدة معلومة. والنوع الثانى: الأمان المؤبد، وهو ما يسمى عقد الذمة، وهو إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام والأصل فيه قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة ٢٩). المراد بالمستأمن عند الفقهاء: من دخل دار الإسلام علّى أمان مؤقت من قبل الإمام أو أحد المسلمين، والفرق بين المستأمنين وبين أهل الذمة، أن الأمان لأهل الذمة مؤبد، وللمستأمنين مؤقت (٣). والأصل أن غير المسلم الذى لم يحصل على الذمة لا يمكن من الإقامة الدائمة فى دار الإسلام، وإنما يمكن من الإقامة اليسيرة بالأمان المؤقت ويسمى صاحب الأمان (المستأمن). وجمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أن مدة الإقامة فى دار الإسلام للمستأمن لا تبلغ سنة، فإذا أقام فيها سنة كاملة أو أكثر تفرض عليه الجزية ويصير بعدها ذميا، فطول إقامة غير المسلمين قرينة على رضاهم بالإقامة الدائمة وقبولهم شروط أهل الذمة. وإذ لم يضرب له مدة قال أكثر الحنفية يصير ذميا بإقامته سنة فإن أقام المستأمن فأطال المقام أمر بالخروج فإن أقام بعد ذلك حولا وضعت عليه الجزية، واعتبار السنة من تاريخ إنذار الإمام له بالخروج فلو أقام سنين من غير أن يتقدم إليه الإمام بالخروج فله الرجوع إلى دار الحرب ولا يصير ذميا (٤). أ. د/ فرج السيد عنبر

стр. 598

٢٦ - المستدركات لغة: الاستدراك والإدراك: بمعنى اللحاق، واستدرك الشىء بالشىء أى حاول إدراكه به، بمعنى أن الذى يستدرك على ما سبق إنما يحاول أن يلحق عمله بالعمل السابق ليتمه، وليكمله. واصطلاحا: هو "جمع الأحاديث التى على شرط أحد المصنفين ولم يخرجها فى كتابه" (١). مما سبق يتضح أن صاحب المستدرك يعمد إلى كتاب من كتب الأحاديث التى جمعت الأحاديث على شروط معينة، فيلحق بالكتاب جملة من الأحاديث رأى أنها تتوافر فيها شروط صاحب الكتاب، لكنه لم يذكرها، فيلحقها المستدرك بالكتاب الأصلى. وذلك كما فعل أبو عبد الله الحاكم المتوفى سنة ٤٠٥ هـ فى كتابه "المستدرك على الصحيحين "حيث جمع فيه جملة من الأحاديث مما لم يذكرها صاحبا الصحيح، ورأى الحاكم أن هذه الأحاديث على شرطهما معا، أو على شرط أحدهما. ومن المعلوم أن ذلك خاضع لاجتهاد صاحب المستدرك فى مدى انطباق الشروط على الأحاديث التى يستدركها على كتاب معين، وقد يصيب فى اجتهاده هذا، وقد يخطئ، وفى النهاية فإنه جهد مشكور يحمد صاحبه عليه. وخير مثال للمستدركات مستدرك الحاكم الذى أشرنا إليه سابقا، وهو كتاب مشهور متداول، حيث يقول صاحبه فى مقدمته: "وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان- رضى الله عنهما- أو أحدهما " مقدمة المستدرك. واستدرك الحافظ الكبير أبو الحسن على بن عمر الدارقطنى المتوفى سنة ٣٨٥ هـ على الصحيحين فى كتابه (الإلزامات) وقد جمع فيه أحاديث وجد أنها على شروطهما، وليست موجودة فى كتابيهما، وقد رتبه على المسانيد، وقد حقق وطبع فى رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهناك مستخرجات أخرى غير ما ذكرنا. ومما ينبغى التنبيه إليه أنه ليس شرطا أن يكون صاحب المستدرك مصيبا فى كل ما ذهب إليه من استدراكات على الكتاب الذى يستدرك عليه، وإنما هذا ما أدى إليه اجتهاده وكل مجتهد يخطئ ويصيب كما هو معلوم. هذا وللمستدركات فوائد كثيرة منها: الإشارة إلى أحاديث صحيحة قد لا تكون موجودة عند صاحبى الصحيتين، أو غيرهما ممن التزموا بالصحة فى إخراج أحاديثهم، غير أنهم لم يقصدوا جمع كل الأحاديث الصحيحة، فتأتى المستدركات لتذكر طائفة كثيرة من الأحاديث الصحيحة، وتلك فائدة عظيمة، لأن هذه الأحاديث تكون مشتملة على عقائد وأحكام شرعية، وأخلاقية وتشريعات، ونحو ذلك بما ينبغى علّى المسلمين العمل به. ومن هذه الفوائد الوقوف على جملة من الأسانيد النظيفة، التى يحتج بمثلها العلماء ويعملون بالأحاديث التى يروونها إذا سلمت مروياتهم مما قد ينقد على المتن. وقد حظيت كتب المستدركات باهتمام العلماء فعملوا على دراستها، وبيان درجة أحاديثها كما فعل الحافظ الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨ هـ فى كتابه " تلخيص المستدرك " حيث درس مستدرك الحاكم مبينا درجة أحاديثه، وهو مطبوع مع المستدرك فى طبعة واحدة. أ. د/ مروان محمد مصطفى ١ - الحديث والمحدثون، الشيخ محمد محمد أبو زهرة ص ٤٠٧.

стр. 599

٢٧ - المستعليَّة هم فرقة من فرق الإسماعيلية أنصار المستعلى أبى القاسم أحمد (٤٨٧هـ) الذى اغتصب الحكم من أخيه نزار بن الحاكم بأمر الله، وقد أكرهه على التخلى عن الإمامة ثم سجنه حتى مات، وقيل إنه قتل غيلة (أى نزار) مع أبيه فى السجن، بناء على أمر المستعلى نفسه. وبعد سقوط الدولة الفاطمية فى مصر على يد صلاح الدين عام ١١٧١م انتقلت فرقة المستعلية إلى اليمن واستمرت طيلة خمسة قرون، ثم لاقت نجاحا فى الهند، فنقلت مركز الدعوة إلى (كوجارت) فى القرن التاسع الميلادى، ثم حصل انشقاق فى الطائفة المستعلية بعد وفاة الداعى السادس والعشرين "قطب شاه " (٩٩٩هـ) فى مدينه أحمد آباد، فتبعت الأكثرية ابنه "داود بن قطب شاه" الذى اعتبر الداعى السابع والعشرين وسموا بالداودية، فى حين تبع الفرع اليمانى الداعى سليمان بن الحسن فعرفوا بالسليمانية، ويعتبر غلام حسن الداعى السادس والأربعين اليوم فى سلسلة السليمانية، فى حين يعتبر محمد طاهر بن محمد داعى الفرع الداودى اليوم، ويعيش فى بومباى بالهند وهو الداعى الحادى والخمسون (١). ومن أتباع المستعلية اليوم ما يسمون بالبهرة، وهم بهرة داودية بالهند، وسليمانية باليمن، ويسمون الطيبية نسبة إلى الطيب ابن الخليفة المستعلى. بعض معتقداتهم: ١ - يحترمون القرآن ظاهرا مع تأويله تأويلا باطنيا ليستخرجوا منه معانى ما أنزل الله بها من سلطان. ٢ - لهم كتاب يقدسونه ويعتبرونه قرآنهم وهو كتاب "النصيحة" لمؤلفة الداعى الحادى والخمسين طاهر سيف الدولة، ويتوجهون فى قبلتهم للصلاة إلى قبره فى مدينة بومباى، ولا يتوجهون إلى الكعبة المشرفة. ٣ - تجب عليهم الصلاة فى العشرة أيام الأولى من شهر المحرم، وفى غيرها لا تجب عليهم الصلاة، ولا يصلون إلا فى أماكن خاصة بهم تسمى الجامع خانة، ويرون أن صلاتهم تلك للإمام الإسماعيلى المستور من نسل الطيب بن الآمر (٢). وإذا لم يذهب الشخص منهم إلى الجامع خانة فى العشرة أيام الأول من المحرم يطرد من الطائفة، ويفرض عليه الحرمان. ٤ ـ يذهبون إلى الحج بمكة كبقية المسلمين ظاهريا، ويقولون إن الكعبة هى رمز على الإمام (٣). (هيئة التحرير) ١ ـ جذور الفكر الإسلامى فى الفرق الإسلامية بين التطرف والإرهاب ـ حسن صادق- الهيئة العامة للكتاب ص ٨٠. ٢ ـ مجلة المجتمع الكويتية، عدد ٤١٧ سنة ١٣٩٨ هـ. ٣ ـ إسلام بلا مذاهب، د / مصطفى الشكعة، ط الدار المصرية اللبنانية، سنة ١٩٩٢م ص ٢٣٩ وما بعدها.

стр. 600

٢٨ - المسجد (الجامع) المسجد مبنى أسس خصيصا لتقام فيه الصلاة، وورد اللفظ بهذه الدلالة فى القرآن الكريم: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ التوبة:١٠٨، ويقال له أيضا الجامع، واختص الأزهر بذلك فقيل: الجامع الأزهر. وعمارة المسجد من أفضل القربات إلى الله، يقول النبى ﷺ : (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا فى الجنة) (١). ولم تقتصر وظيفة المسجد فى أول الأمر على الصلاة بل كان المسجد أيضا مركز الحكم والإدارة والدعوة والتشاور، كما كان محل القضاء والإفتاء والعلم والإعلام، وغير ذلك من أمور الدين والدولة، ومن ثم علت منزلة المسجد عند المسلمين. وظهرت هذه المهام فى المسجد النبوى الشريف فى المدينة المنورة الذى خطط بحيث يناسب تصميمه إقامة شعائر الصلاة بصفة خاصة، ومن ثم صار تصميمه أساسا لتصميم المساجد الجامعة التى كانت تقام فيها صلاة الجمعة بالإضافة إلى الصلوات الخمس ولا سيما فى القرون الأربعة الأولى بعد الهجرة، كما صار أهم الطرز المعمارية لبناء المساجد فى العصور والأقطار الإسلامية المختلفة. ويتألف هذا الطراز بصفة عامة من فناء أو صحن مكشوف ذى تخطيط مربع أو مستطيل تحيط به فى جوانبه الأربعة ظلات اصطلح على تسميتها أحيانا بالأروقة، وأكبرها رواق القبلة، وتقوم الأروقة على أعمدة أو دعائم قد تعلوها عقود، ومن أشهر المساجد التى بنيت حسب هذا الطراز: جامع القيروان، والمسجد الجامع بقرطبة، ومسجد القرويين بفاس والمسجد الجامع بسامراء، ومسجد ابن طولون بالقاهرة. ثم ظهر طراز ثان لبناء المساجد ربما تطور عن تصميم المدرسة، وهو يشتمل على صحن أوفناء مربع قد يكون مكشوفا أومسقوفا تحيط به أربعة إيوانات فى شكل متعامد أكبرها إيوان القبلة، وسقف الإيوان عادة على شكل قبوة ترتكز على جدران الإيوان. ونشأ هدا الطرازفى إيران، ومن المحتمل أنه تطور عن الطراز الأول الذى كانت المساجد المبكرة فى إيران تشيد على نمطه كما يتضح فى مسجد دمغان الذى يرجع إلى القرن الثانى بعد الهجرة (حوالى منتصف القرن الثامن الميلادى) وكذلك فى جامع نايين الذى شيد فى القرن الرابع الهجرى (١٠م) ثم تطور هذا الطراز فى إيران، وذلك بتزويد رواق القبلة بقبة، وظهر ذلك فى جامع أصفهان. ومن أمثلة المساجد ذات الإيوانات الأربعة فى مصر مسجد آل مالك الجوكندار بالقاهرة (٧١٩هـ/١٣١٩م)، ومسجد جانى بك الأشرفى بالمغربلين بالقاهرة (٨٣٠هـ/١٤٢٦م)، ومسجد القاضى يحيى زين العابدين بشارع الأزهر (٨٤٨هـ/١٤٤٤م)، ومسجد قجماس الإسحاقى بالدرب الأحمر بالقاهرة (٨٨٥هـ/١٤٨٠م). وفى العصر العثمانى ظهر طراز جديد لعمارة المساجد مشتق من تصميم أيا صوفيا باستانبول، ومتأثر فى الوقت نفسه بطراز المساجد السلجوقية فى آسيا الصغرى، وفى هذا الطراز كان المسجد يسقف بقبة كبيرة تحف بها قباب صغيرة أو أنصاف قباب، ويقام فى كل ركن من أركانه الأربعة مئذنة ممشوقة عالية مسننة القمة، ويتقدمه صحن فسيح مستطيل ربما تحف به أروقة ذات بلاطة واحدة. وانتشر هذا الطراز فى مختلف أنحاء الدولة العثمانية، ومن نماذجه: جامع بايزيد، وجامع سليمان، والسلطان أحمد فى إستانبول، ومسجد الملكة صفية ومسجد أبى الذهب، ومسجد محمد على بالقاهرة. ويزود المسجد عادة بمئذنة أو أكثر، ومن أهم أثاثاته منبر على يمين المحراب الذى يعين اتجاه القبلة، ودكة المبلغ فى رواق القبلة، وميضأة فى وسط الصحن عادة، وقد يلحق بالمسجد ضريح أو منشآت أخرى، واشتملت بعض المساجد الجامعة التى كان يدرس بها على أروقة لإقامة الطلاب الغرباء مثل الجامع الأزهر. أ. د/حسن الباشا
следующие страницы →