من كافة أطراف الجزيرة العربية، وما يترتب على ذلك من حصول القبيلة على مركز أدبي ممتاز بين القبائل، ومن تجارة داخلية واسعة تدر على سكان البلد الحرام الرزق والثروة، وكان أي تفكك في داخل المدينة يعرض مركز مكة للانهيار، ولذلك كان لا بد أن يضع له أهله من الأنظمة والقوانين ما ينظم حياته، ويقر الأمن فيه ويحفظ الحقوق، ويضمن حماية مَن يفد إليه من الأذى، لدوام مجيء الحجاج إليه. ولقد نجح ملأ قريش في المحافظة على تماسك القبيلة، فاستطاعوا حل الخلافات الداخلية حلًّا سلميًّا، مثال ذلك الخلاف بين المطيبين والأحلاف الذي أوشك أن يثير حربًا داخلية بين عشائر قريش١، كما استطاعوا أن يرضوا شعور العشائر ويحدوا من تنافسها على السلطة بأن توسعوا في قاعدة الحكم، فأنشئوا الوظائف وأسندوا لكل عشيرة وظيفة خاصة تمارسها في نطاق القبيلة، ومع أن بعض هذه الوظائف لم يكن ذا قيمة إلا أنه أرضى شعور العشائر وأشعرها بمشاركتها وحفظ تماسك القبيلة.
ودار الندوة هي الدار التي بناها قصي بن كلاب، وكانت ملاصقة للمسجد الحرام من ناحية الجهة الشامية من الكعبة، وكانت فسيحة وسيعة، وفيها كانت قريش تقضي شئونها العامة وقد سميت الندوة؛ لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر ندوا إليها للتشاور٢. والندوة الجماعة، ودار الندوة دار الجماعة٣. وأهم خصائص دار الندوة أنها كانت دار مشورة قريش، فيها يجتمع ملؤها للتشاور في أمورها، ولم يكن يدخلها للمشورة من غير بني قصي إلا ابن أربعين سنة، في حين كان يدخلها بنو قصي وحلفاؤهم، على أنه كانت تقضى في دار الندوة أمور أخرى غير المشاروة، ففيها كانت قريش تعقد لواءها إذا خرجت للحرب، ومن دار الندوة كانت ترحل قوافلها للتجارة؛ وفي فنائها تحط هذه القوافل حمولتها إذا رجعت، وإذا بلغ غلام لقريش عذر أي ختن فيها. وإذا بلغت جارية لقريش جاء بها أهلها إلى دار الندوة فشق عليها قيم الدار درعها -أي قميصها- ثم درعها إياه، ثم انقلبت إلى أهلها فحجبوها، والظاهر أن
стр. 107
الغرض من الأمرين الأخيرين مجرد تعريف بالبالغين من قريش الذكور والإناث١. ودار الندوة في مكة تشبه الإكليزيا Ekylesia في أثينا، إلا أن الملأ المكي كان أكثر تعقلًا وشعورًا بالمسئولية من الإكليزيا اليونانية، وأقل تأثيرًا بالانفعالات العاطفية، وذلك لأن الملأ كان يتكون من رؤساء العشائر وأولى الرأي والحكمة فيها، وعلى حين كان الأثينيون يقبلون في الإكليزيا كل رجل أمين مستقيم؛ كان أهل مكة حريصين على أن يكون للشخص مهارته العملية وقدرته على القيادة٢. وإنشاء دار الندوة وتخصيصها لهذه الوظيفة يعتبر بداية لمرحلة جديدة تبلورت فيها النظم القبلية القديمة.
أما أهم المناصب الأخرى في مكة بعد دار الندوة، فكانت السدانة، والسقاية، والرفادة، وكلها مناصب متصلة بالكعبة والحج إليها. والسدانة هي رعاية البيت والقيام على إعداده للزائرين، لقد كانت هذه الوظيفة هامة جدًّا نظرًا لمركز الكعبة عند العرب؛ ولأن البيت الحرام هو الذي أعطى مكة قدسيتها ومكانتها وجلب إليها الحجاج من كافة الأنحاء، وعلى الحجاج يقوم جزء كبير من حياة مكة الاقتصادية؛ فإن قريشًا تضرب في مشارق الأرض ومغاربها لتجلب التجارة التي تبيعها للحجاج في مكة وفي الأسواق التي تقوم حولها في موسم الحج وتجني من وراء ذلك ثروة كبيرة. من أجل ذلك اهتمت قريش برعاية البيت الحرام والدعاية له في كافة أنحاء شبه الجزيرة، وجلبت إليه أصنام القبائل فأقامتها حول الكعبة. ولما كانت الكعبة في نظر العرب هي في بيت الله الذي بناه إبراهيم الذي يردون أنسابهم إليه، وهي أول بيت وضع للناس؛ فإن وضع الأصنام به يعتبر تكريمًا للأصنام ومن ثم يعتبر تكريمًا للقبائل التي تتقرب إليها وتعبدها، وفي ذلك إغراء للعرب على الحج إلى الكعبة؛ حيث يطوفون بالبيت ويقربون لأصنامهم في نفس الوقت. ولم يستحدث قصي هذه الوظيفة وإنما هي وظيفة قديمة ترجع إلى بناء الكعبة نفسها، فإنه من الطبيعي أن يكون لكل معبد سادته.
ووظيفة السقاية لا تقل أهمية، وهي مرتبطة بالكعبة والحج إليها؛ وتأتي أهميتها من أن مكة بلد شحيحة المياه، وأن الحاج إليها يلقى عنتًا شديدًا إذا تيسر له المياه
стр. 108
وخصوصًا في موسم الحج، حيث يكثر الوافدون إلى مكة لأداء هذه الفريضة، وقد أصبحت مهمة السقاية بالغة الخطورة خصوصًا بعد أن طمرت بئر زمزم التي يسرت المقام في هذا الوادي القفر. نتيجة لإهمال جرهم لها، أو لأن زعيم جرهم قد طمرها، بعد أن هزم أمام قبيلة خزاعة واضطر للخروج عن مكة١. حتى يضايق خزاعة ويجعل مهمة الحج عسيرة. ومن المؤكد أن الزعماء الخزاعيين اهتموا بتوفير المياه لإرواء الحجاج في موسم الحج، وإن لم يفكروا في إعادة حفر زمزم التي تنوسي أمرها مع الزمن، وجهل الناس موضعها، وإن لم نسمع أنهم جعلوا من هذا الاهتمام وظيفة خاصة. وقد اهتم قصي بهذا الأمر حين ولي مكة اهتمامًا كبيرًا، نتيجة لاهتمامه بتنشيط الحج الذي يبدو أنه فتر في العهد الأخير من حكم خزاعة، وقام بحفر الآبار في وادي مكة، كما حفرت عشائر قريش آبارًا كثيرة بعد قصي٢: وإن لم يفكر أحد في إعادة حفر بئر زمزم. حتى كانت أيام عبد المطلب بن هاشم الذي آلت إليه هذه الوظيفة الهامة. وأصبح يجد مشقة كبيرة في توفير المياه للعدد المتزايد من الحجاج نتيجة للاتجاه العام نحو مكة المستقلة، بعدما أصابت الدويلات العربية في الجنوب والشمال من تدهور سياسي وأدبي، وقد ألهمت الحاجة عبد المطلب التفكير في حفر بئر زمزم، بئر إسماعيل، التي لا بد كانت الأخبار لا تزال تروي عنها، والبحث عن مكانها حتى اهتدى إليها وأعاد حفرها٣، ومن ثم أصبحت عملية إمداد الحجاج بالماء أقل مشقة. وقد عد المكيون وظيفة السدانة من أعظم الوظائف في مكة، وكانت قريش تفاخر بهما٤، وقد تولت هاتين الوظفتين أعظم العشائر القرشية، وحين فتح النبي ﷺ مكة ألغى كل المناصب بها ولم يبق إلا على هاتين الوظفيتين تقديرًا لأهميتهما٥.
والرفادة هي إطعام الحاج في أيام الحج، وقد فرض قصي على قريش خرجًا تخرجه من أموالها وتدفعه إليه؛ فيصنع به طعامًا يقدمه للحجاج في أيام عرفات ومنى،
стр. 109
على اعتبار أن الحجاج هم ضيفان الله وأن أحق الضيف بالكرامة هم ضيف الله، وأن على قريش -وهي تسكن في حمى بيت الله وتقوم عليه- أن تقوم بهذا الواجب السامي١. وكان هذا العمل من قصي ينطوي على حكمة سياسية كبيرة؛ فإن إمداد الحاج بالطعام يدعو إلى الإقبال على القدوم إلى مكة، وخصوصًا إذا قدرنا بعد الشقة وصعوبة حمل المؤن والزاد مع السفر في الصحراء مسافات طويلة٢، كما أن البادية كانت فقيرة وكان إطعام الطعام فضيلة من أكبر الفضائل التي يتمدح بها العرب وينال صاحبها عن طريقها الاحترام العام والمنزلة الرفيعة. كما أن المؤاكلة تعد عقد جوار عند العرب، فإذا أطعمت قريش القبائل القادمة إلى مكة في موسم الحج فإنها تنال بذلك احترامًا عامًّا، ومنزلة سامية في نظر هذه القبائل، كما تعتبر أنها تعاقدت معها برابطة الجوار والأمن نتيجة لهذه المؤاكلة، وبذلك يصبح في إمكان قريش أن تسير آمنة في أراضي هذه القبائل؛ ولذلك كانت الرفادة وظيفة سامية في مكة، وكانت توكل إلى العشائر العريقة من قريش. على أن هذه الوظيفة ليست مستحدثة كلية؛ فإن الأخباريين يروون أن عمرو بن لحي زعيم خزاعة كان يطعم الحاج، وقالوا: إنه ربما ذبح أيام الحج عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة في كل سنة، يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق٣؛ ولكن يبدو أن هذا التقليد لم يصبح وظيفة مقررة إلا في عصر قصي بن كلاب.
هذه الوظائف الثلاث -السدانة والسقاية والرفادة- لم تكن وظائف قبلية؛ وإنما هي وظائف استلزمها وجود الكعبة بمكة وقيام الحج إليها والرغبة في تيسيره؛ حتى تجني مكة من وراء ذلك الفوائد المادية والأدبية التي كانت ضرورية لحياتها كبلد يعتمد على التجارة وعلى الاتصال بالقبائل من حوله. ولم تكن هذه المناصب تشكل إدارة محلية، وإنما كانت مزايا تعطي فرصًا للكسب المادي، والمنزلة الأدبية.
стр. 110
والوظيفتان الرئيستان بعد ذلك في عهد قصي هما اللواء والقيادة، والأولى هي الراية تعقد فيجتمع إليها المحاربون، يسلمها قصي لمن يتولى القيادة العامة. والقيادة هي قيادة الجيش عند الحرب وقد يتولاها بنفسه أو ينيب عنه من يتولاها. وهاتان الوظيفتان كانتا موجودتين في تنظيم القبيلة العربية؛ فشيخ القبيلة هو الذي يعلن الحرب على القبائل الأخرى ويدعو المحاربين إلى الاجتماع، كما أنه يقود القبيلة في حروبها أو ينيب عنه من يقودها. وكل ما استحدثته قريش في هذه الناحية أنها وكلت أمر هذه الوظائف إلى عشائر معينة تتوارثها؛ وذلك لأنه لم يصبح لقريش بعد موت قصي زعيم عام ترجع إليه القبيلة؛ وإنما أصبح يحكمها الملأ وهم رؤساء العشائر الذين اعتبروا أنفهسم متساوين من حيث المبدأ، واقتسموا المناصب فيما بينهم.
هذه هي المناصب الرئيسة الستة التي برزت في عهد قصي، والتي اقتسمها بعد ذلك أبناء عبد الدار، وأبناء عبد مناف ابني قصي. ولكن تطلع البطون القرشية إلى التقدم والمشاركة في شئون مكة, وحرص الملأ على وحدة القبيلة وإرضاء العشائر؛ أدى إلى أن يستحدثوا عشر وظائف أخرى هي: العمارة: وهي مراعاة الأدب والوقار في البيت الحرام، فلا يتكلم فيه بهجر ولا رفث ولا ترفع فيه الأصوات. والحجابة: وهي قفل البيت وفتحه للزائرين. والمشورة: وهي أنهم لا يجتمعون على أمر حتى يعرضوه على صاحبها. والأشناق: وهي جمع الأموال الخاصة بالديات والمغارم والقيام على أدائها. والقبة: وهي خيمة تجمع فيها أسلحة الجيش. والأعنة: وهي قيادة الخيل. والسفارة: وهي الاتصال بالقبائل الأخرى في المنافرات والمفاوضات. والأيسار: وهي الأزلام التي يضرب بها عند هبل كبير الأصنام في جوف الكعبة. والحكومة: وهي الفصل في المنافرات والخصومات. والأموال المحجرة: وهي الأموال المسماة للآلهة١.
وحين ظهر الإسلام كان الشرف في قريش قد انتهى إلى عشرة رهط من عشرة أبطن وهم:
١- العباس من بطن هاشم، وإليه كانت السقاية وبقي له ذلك في الإسلام.
٢- أبو سفيان من بطن أمية، وعنده العقاب راية قريش؛ فإذا اجتمعوا على أحد سلمها له وإلا فهو صاحبها، وهذه الوظيفة هي وظيفة القيادة.
стр. 111
٣- الحارث بن عامر من بطن نوفل، وكانت إليه الرفادة.
٤- عثمان بن طلحة من بطن عبد الدار، وكانت إليه اللواء والسدانة مع الحجابة ويقال: إن الندوة أيضًا كانت في بني عبد الدار.
٥- يزيد بن زمعة بن الأسود من بطن أسد، وكانت إليه المشورة.
٦- أبو بكر الصديق من بطن تيم، وإليه كانت الأشناق في الجاهلية.
٧- خالد بن الوليد من بطن مخزوم، وإليه كانت القبة والأعنة.
٨- عمر بن الخطاب من بطن عدي، وإليه كانت السفارة في الجاهلية.
٩- صفوان بن أمية من بطن جمح، وإليه كانت الأيسار.
١٠- الحارث بن قيس من بطن سهم، وإليه كانت الحكومة والأموال المحجرة.
وقد استمرت هذه المناصب حتى فتح مكة حين ألغاها النبي ﷺ جميعًا إلا سدانة البيت والسقاية١: وبعض هذه المناصب تفريع لبعض الوظائف السابقة، وبعضها ليست لها قيمة كبيرة، على أنها جميعًا من صميم التنظيم القبلي إلا ما كان منها متصلًا بالكعبة والبيت الحرام، ولم تكن المناصب توكل إلى الأفراد؛ وإنما كانت توكل إلى البطون، وكل بطن يرشح للوظيفة من تكتمل له صفات الرياسة، على ما كان يجري في النظام القبلي من أن الفضائل الشخصية هي الأساس في تولي مناصب الرياسة.
стр. 112
النزاعات العشائرية ووحدة القبيلة في مكة
...
النزعات العشائرية ووحدة القبيلة في مكة
أنزل قصي بطون قريش بمكة، وقريش على أرجح الروايات هو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من تجمع إلى قصي هو بطون فهر١، وقد تميزت قريش إلى قسمين رئيسين. قسم نزل وادي مكة وهو
стр. 113
الأبطح واستقر به، وعرف بقريش البطاح، وقسم نزل بظهر مكة وعرف بقريش الظواهر. وقد كانت قريش البطاح هي عامة بطون قريش، أما قريش الظواهر فهم أربعة أبطن وهم: بنو بغيض بن عامر بن لؤي، وبنو الأدرم بن غالب، وبنو محارب بن فهر، وجماعة من بني الحارث بن فهر، وقد عاشت قريش الظواهر متبدية أوشبه مستقرة، ويبدو أن حالتها المالية لم تكن حسنة، فكانت لذلك تغير وتغزو. أما قريش البطاح؛ فلزمت الحرم واستقرت به وعرفت لذلك بقريش الضب١، واتخذت من التجارة ورعاية البيت الحرام موردًا تتعيش منه، وحصلت بذلك على مال عظيم. وقد كثرت بطون قريش البطاح وتعددت حتى كان عدد البيوت الظاهرة في نهاية القرن السادس الميلادي أحد عشر بطنًا. خمسة من ولد قصي، هم: هاشم بن عبد مناف ومعهم بنوالمطلب بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ونوفل بن عبد مناف، وعبد الدار بن قصي، وأسد بن عبد العزى بن قصي. والباقون من ولد كعب بن لؤي وهم: عدي بن كعب بن لؤي، وزهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، وتيم بن مرة بن كعب، وسهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وجمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، ومخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب. وتحت لواء هذه البطون الظاهرة انضوت بقية العشائر الأخرى من قريش٢. وبين هذه البطون انقسمت المناصب في مكة، وقد جاء الإسلام والأمر مستقر عليها.
حكم قصي مكة بعد أن أجلى خزاعة عنها، وجمع في يده المناصب الستة التي أشرنا إليها، وأقرت له العرب بذلك، ودانت له قريش وعظمته وأصبح أمره كالدين المتبع فيهم٣. فلما أسن قصي، عهد بالأمر من بعده لابنه الأكبر عبد الدار، وأسند إليه هذه المناصب كلها، ويعلل الأخباريون ذلك بأن عبد الدار كان بكر قصي، وكان أضعف إخوته الذين نبه ذكرهم وشرفوا في عهد أبيهم، فأراد قصي أن يرفع من قدر ابنه الأكبر ويلحقه بشرف إخوته، فعهد إليه هذا العهد، وخضع بنو قصي لهذا الأمر احترامًا لرأي أبيهم٤. لكن هذا الذي يقول به الأخباريون يخالف القواعد التي جرى عليها العرف عند القبائل العربية، فإن الكفاية الشخصية كانت هي الأساس في تولي
стр. 114
الرياسية في القبيلة العربية، ولا بد من وجود علة أخرى غير التي قال بها هؤلاء الأخباريون، وعندي أن قصيًا -الذي اتصف بالحكمة وبعد النظر- قد أراد أن يحتفظ بوحدة القبيلة القرشية ويبعد عنها أسباب التنافس والشقاق الذي أشفق من وقوعه، والقبيلة لا تزال حديثة عهد بحكم مكة، وأعداؤها من خزاعة وبني بكر لا يزالون يعيشون منفيين حول مكة، ومن المحتمل أن يعودوا لمناوأتها إذا دب خلاف بين صفوفها، ولقد قدرت بطون قريش هذه الحكمة من قصي وأدرك بنوه ما يرمي إليه -هذا إذا كان عبد الدار على ما وصفه به أصحاب الأخبار من الضعف، وهو أمر من المحتمل أن يكون هواهم قد مال بهم إليه؛ لتعظيمهم لبني عبد مناف الذين جاء النبي ﷺ منهم؛ فلم ينازعوا عبد الدار طول حياته، ولكن الخلاف ما لبث أن ثار، ورأى بنو عبد مناف أنهم أحق بالأمر من بني عمهم عبد الدار، أو أنهم لا يقلون عنهم نباهة وشرفًا؛ لذلك نازعوهم الأمر، وانقسمت قريش تبعًا لذلك إلى معسكرين متعاديين، انقسمت بينهما بطون قريش؛ فانضم إلى معسكر بني عبد مناف: بنو أسد بن عد العزى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر.. وانضم إلى معسكر بني عبد الدار: بنو مخزوم بن يقظة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص، وبنو جمح بن عمرو، وبنو عدي بن كعب، وخرجت عامر بن لؤي، ومحارب بن فهر من قريش الظواهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.
وعقد كل واحد من المعسكرين حلفًا توكيدًا لترابطهم وتضامنهم. فعقد بنو عبد مناف حلفًا سموه حلف المطيبين؛ لأنهم قدموا طيبًا في جفنة وضعوها في فناء الكعبة وغمسوا أيديهم فيها ومسحوها في جدار الكعبة توكيدًا لحلفهم. كما عقد بنو عبد الدار حلفًا سموه الأحلاف. وتعبت قبائل الحلفين لبعضها، وأوشكت الحرب الأهلية أن تقع في مكة. لكن الملأ من قريش أدركوا ما يتعرض له مركز القبيلة من خطر وما يعود عليها من أضرار لو نشب القتال وسالت الدماء؛ فإن وحدة القبيلة ستتمزق وحرمة مكة التي يحرصون عليها ويسعون لإقرارها في نفوس العرب ستضعف، ومن ثم تتعرض مكة للاعتداء عليها، وتهون قريش في نظر القبائل؛ لذلك سارعوا إلى القضاء على هذا الخطر بفض هذا النزاع، فأعطوا بني عبد مناف الرفادة والسقاية، وأبقوا المناصب الأخرى في يد بني عبد الدار. وبذلك رضي الطرفان وحسم النزاع، لكن الطرفين ثبت كل منهما على حلفه١، ولم تذهب آثار هذا النزاع من النفوس، كما أن هذا الأمر
стр. 115
فتح عيون البطون القرشية كلها على الرغبة في المشاركة في شئون الحكم في القبيلة القرشية داخل مكة، ولما كانت قرييش قد تميزت بوجود رجال أكفاء رأسوا عشائرها ووضعوا نصب أعينهم دائمًا المحافظة على وحدتها وحل مشاكلها؛ فقد اصطنعوا من الوظائف ما أرضوا به شعور البطون القرشية كلها، وبعد أن كانت وظائف مكة ستًّا توزعت بين بني عبد الدار وبني عبد مناف، بلغت في نهاية القرن السادس ست عشرة وظيفة توزعت على بطون قريش البطاح. ومن ثم احتفظت قريش بوحدتها، ونجت من التفكك الذي كان يصيب القبائل العربية، ويخلق منها في كثير من الأحيان بطونًا متعادية متحاربة، وقد دعم هذا الترابط مركز مكة، وضمن لها التفوق على المدن العربية الأخرى التي كانت تقع على طريق القوافل، وكان من شأنها أن تنافس مكة في التجارة.
وكما حرص رجال قريش على وحدة القبيلة وتضامنها، كذلك حرصوا على إقرار الأمن في مكة، سواء لأهلها أو للقادمين عليها، ووقفوا في وجه كل من تحدثه نفسه من أهلها أو من غيرهم بالاعتداء على حرية الناس وأمنهم. أو ظلم القادمين إليها للمتجارة والمبادلة؛ وذلك أن مكة كانت تعتمد في حياتها على ما تجلبه إليها التجارة من الرزق سواء منها الخارجية أو الداخلية. وإذا كانت تجارة قريش الخارجية قد اتسعت بحيث ضمنت العشائر الغنية التي تشارك فيها ثروة كبيرة، فإن رجال قريش قد حرصوا على سلامة التجارة الداخلية؛ حتى تضمن العشائر التي لم تشارك بصورة قوية في التجارة الخارجية ما يضمن لها أسباب الرزق في التجارة الداخلية؛ لذلك وقفوا في وجه كل ما من شأنه أن يعطل هذه التجارة أو يحد من نشاطها، ومن أجل هذا قام حلف الفضول. وكان سببه المباشر أن العاص بن وائل السهمي اشترى بضاعة من رجل يمني قدم مكة، وأبى أن يدفع الثمن، ولجأ اليمني إلى بطون الأحلاف فلم تنصفه، فأدى هذا إلى رد فعل قوي بين البطون القرشية الأخرى التي كانت تعتمد على التجارة الداخلية، ورأت فيه محاولة من العشائر الغنية التي تهيمن على التجارة الخارجية نتيجة لثروتها الواسعة للهيمنة على التجارة الداخلية أيضًا بمضايقتها للتجار.
стр. 116
الخارجيين من غير قريش١. لذلك تنادى بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم لعقد حلف للوقوف في وجه هذا الاتجاه، ومنع كل ظلم يقع في مكة سواء على أهلها أو على الغرباء، فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في الأمر، ثم انتقلوا إلى دار عبد الله بن جدعان أحد أثرياء مكة من بني تيم الذي صنع لهم طعامًا، حيث عقدوا حلفًا سموه حلف الفضول، تعاهدوا فيه على أن يكونوا يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم؛ حتى يؤدي إليه حقه وعلى التأسي في المعاش٢. وإن هذه الفقرة الأخيرة لتبين بوضوح أغراض الحلف وهو الوقوف في وجه الظلم الذي قد يجر إلى أن تحرم هذه البطون من أسباب معاشها. وقد حقق هذا الحلف نتيجته المباشرة؛ فقد دفع العاص بن وائل ثمن البضاعة التي أخذها، كما استقرت الحرية العامة في مكة، وقد بقيت آثار هذا الحلف إلى ما بعد الإسلام، وإن كان قد تعطل فترة من الزمن عند بدء ظهور الإسلام في أنثاء الدور المكي من حياة الرسول ﷺ ، كما سنشير إليه فيما بعد- ويذهب بعض المؤرخين إلى أن حلف الفضول إن هو إلا امتداد لحلف المطيبين، على اعتبار أن الذين انضموا للحلف هم نفس البطون التي كانت في حلف المطيبين، باستثناء بعض عشائر عبد مناف وهم بنو نوفل وبنو عبد شمس الذين أصبحوا في ذلك الوقت من العشائر الغنية التي اتخذت جانب الفريق الآخر تحقيقًا لمصالحها٣. ولكن لا يمكن التسليم بهذا الرأي، فإن حلف المطيبين عقد لظروف أخرى وهي التنازع على المناصب في مكة، وكان بنو عبد مناف يملكون ناصية الثروة وناصية التجارة الخارجية؛ فإن على يد هاشم بن عبد مناف وإخوته خرجت قريش إلى نطاق التجارة الخارجية، وإلى تنظيم القوافل لنقل التجارة بين الجنوب والشمال والشرق والغرب. وهم الذين أجروا
стр. 117
الاتصالات الخارجية بالبيزنطيين والأحباش والفرس واليمن١. أما حلف الفضول فتختلف ظروفه ودواعيه كما تختلف ظروف القائمين عليه، وإن كانوا هم بعض نفس البطون التي اشتركت في الحلف الأول, وإذا كان الحلف الأول لتقسيم المناصب؛ فإن الحلف الثاني قام لإقرار العدل والأمن وتدعيم مصالح التجارة الداخلية في مكة ذاتها، وقد قدر الإسلام الأهداف السامية التي عقد من أجلها هذا الحلف وأقره, وقال النبي ﷺ فيه: "لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم؛ ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت" ٢. وقد بقيت آثاره بعد الإسلام، حتى لقد نادى به الحسين بن علي حين وقعت بينه وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والى المدينة منازعة في مال كان بينهما، وقد تداعت أطراف الحلف لنصرة الحسين مما اضطر الوليد إلى إنصافه٣.
وأوشك خلاف آخر أن يدب بين صفوف القبيلة قبيل ظهور الإسلام حين هدمت قريش الكعبة، وتنافست البطون على من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه من البناء، وقد تحزبت لذلك بنو عبد الدار وبنو عدي وعقدوا بينهم حلفًا على ألا يدعوا أحدًا يقوم بهذا غيرهم وقدموا جفنة فيها دم غمسوا أيديهم فيه توكيدًا لحلفهم فسموا لعقة الدم, لكن الخلاف ما لبث أن حسم بالتحكيم على يد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي لم يكن بعث نبيًّا بعد ٤.
وقد ذكر المؤرخون تنازعًا وقع بين عشيرة هاشم وعشيرة أمية بن عبد شمس وهما بيتان من بيوت بطن عبد مناف, وأفاضوا في ذكر هذا التنافس بين البيتين ورتبوا عليه نتائج كبيرة، اعتبروه أساسًا للنزاع بين بني هاشم وبني أمية بعد ظهور الإسلام، وقد احتل ذكر هذا التنازع جانبًا كبيرًا من اهتمام الكتاب والمؤرخين سواء منهم القدماء أو المحدثون وأفرد له بعضهم كتبا خاصة به. وأول ذكر لهذا التنازع ما ذكره ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى عند حديثه عن هاشم بن عبد مناف وابنه عبد المطلب بن هاشم, وعن ابن سعد أخذ من تلاه من المؤرخين القدماء ثم تبعهم المحدثون.
стр. 118
تحدث ابن سعد عن مركز هاشم بن عبد مناف بين قومه وما نالته قريش على يده من خير، ثم قال: أخبرني هشام بن محمد قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: فحسده -يعني هاشمًا- أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكان ذا مال، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية ذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشمًا عليه فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية ١.
ثم تحدث عن منافرة أخرى وقعت بين عبد المطلب بن هشام وحرب بن أمية قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أخبرني رجل من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد وكان عالمًا، قالا: تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى أن ينفر بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فقال لحرب: يا أبا عمرو, أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة, وأقل منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صفدًا، وأطول منك مذودًا. فنفره عليه فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكمًا٢ هذه رواية ابن سعد وتابعه عليها البلاذري٣ والطبري٤ وابن الأثير٥، وكتب المقريزي كتابًا خاصًّا بهذا النزاع سماه النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم رد فيه أصل الخصومة التي قامت بين بني هاشم وبني أمية في عهد علي بن أبي
стр. 119
طالب ومعاوية بن أبي سفيان وما تلاها من صراع بين البيتين إلى هاتين الحادثتين١، ثم سار على ذلك من تناولوا هذا الموضوع من المؤرخين والكتاب المحدثين٢ ونحن لا نستطيع مجاراة هؤلاء المؤرخين ونرفض القصتين من أساسهما. وأول ما يطالعنا في هذا الشأن أن ابن إسحاق -وهو أقدم من تناول السيرة- لم يذكر شيئًا عن هاتين القصتين، بل لم يشر إلى أي نزاع وقع بين بني هاشم وبني أمية قبل الإسلام، وكذلك لم يشر إليهما أحد من كتاب السيرة المحققين، من أمثال ابن كثير وابن سيد الناس؛ بل إن ابن إسحاق يثبت الترابط بين بني عبد مناف في مواضع كثيرة، فهو حين يتحدث عن إعادة حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم يقول: إن بني عبد مناف افتخرت بها على قريش كلها وعلى سائر العرب، ويروي قصيدة لمسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس وهو يفخر على قريش بما ولوا عليهم من السقاية والرفادة وما أقاموا للناس من ذلك, وبزمزم حين ظهرت لهم، وقد كانت هذه المناصب كلها في يد عبد المطلب بن هاشم، ويعلق ابن إسحاق على ذلك بقوله: وإنما كان بنو عبد مناف أهل بيت واحد, شرف بعضهم لبعض شرف، وفضل بعضهم لبعض فضل.٣
وحين خاصمت قريش عبد المطلب على بئر زمزم وخرجوا ليحاكموه لدى كاهن بني سعد هزيم بأشراف الشام ركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف٤ ثم إن عبد شمس بن عبد مناف كان صاحب أمر بني عبد مناف في خصومتهم ضد بني عبد الدار, وقد قبل عبد شمس أن توكل السقاية والرفادة إلى أخيه هاشم؛ لأن عبد شمس كان رجلًا سفارًا قلما يقيم بمكة، وكان مقلًّا ذا ولد٥. ويستمر الترابط بين البيتين وتقوم الصداقات بين أفرادهما؛ فقد كان العباس صديقًا حميمًا لأبي سفيان بن حرب، وقد ظل صديقًا له حتى بعد ظهور الإسلام، بالرغم مما قامت به قريش
стр. 120
جميعًا ضد النبي ﷺ وبني هاشم، والعباس هو الذي أخذ الأمان لأبي سفيان من النبي ﷺ عند فتح مكة، وقد اشتد على عمر حين طلب إلى النبي ﷺ أن يضرب عنق أبي سفيان؛ فقال العباس: مهلًا يا عمر, فوالله أن لو كان من رجال بني عدي ما قلت هذا، ولكن عرفت أنه من رجال عبد مناف١. ولم يبد رجال بني عبد مناف حماسة شديدة للقتال حين خرجت قريش لقتال المسلمين في بدر، بل كانوا يسايرون إجماع القبيلة على الخروج, بل إن بعضهم حاول تخذيل قريش عن لقاء المسلمين، وكان أبرز من قام بهذا الدور عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، حتى اتهمه أبو جهل بالممالأة فقال: إن عتبة يشير عليكم بهذا -يعني الرجوع- لأن ابنه مع محمد، ومحمد ابن عمه، وهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه٢.
وهكذا يثبت ابن إسحاق والواقدي ومن أخذ عنهما أن الترابط كان موجودًا بين بني عبد مناف جميعًا، وأن قريشًا كانت تعتبر بني عبد مناف عصبية واحدة وحتى ليقول أبو جهل وقد سئل عن رأيه فيما يقول محمد ﷺ : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا٣, وهكذا نجد أنه ليس هناك ذكر لما ذهب إليه ابن سعد. والأمر الثاني الذي يطالعنا أن الرواية في كلتا الحادثتين رواية مفردة مقطوعة السند، وهي عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو غير منزَّه عن الشبهات؛ لأنه لا يحقق ما يصل إلى يده٤. ثم إن من أخذوا بهذه الرواية من أمثال ابن الأثير الذي أخذها عن الطبري الذي أخذها بدوره عن ابن سعد، قد مهدوا لهذه الرواية بقصة أسطورية، فقد ذكر ابن الأثير أن هاشمًا وعبد شمس توأمان وأن أحدهما ولد قبل الآخر، وأصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت، فسال الدم٥، فقيل يكون بينهما دم، وذكر اليعقوبي حادث الولادة فقال: كانا توأمين فخرج هاشم وتلاه عبد
стр. 121
شمس وعقبة ملتصق بعقبه فقطع بينهما بموسى. فقيل ليخرجن بين ولد هذين من التقاطع ما لم يكن بين أحد١، ويزيد ابن الأثير والبلاذري الوضع غرابة؛ فإنهما يذكران أن هاشمًا مات بغزة وله من العمر عشرون سنة أو خمس وعشرون سنة٢ فإذا كان عبد شمس والد أمية توأم هاشم، فكم يكون سن أمية حين نافر عمه؟ وفي تحكيم النجاشي بين عبد المطلب وحرب غرابة شديدة، إذ كيف ينتقل الخصمان إلى الحبشة وما مدى علم النجاشي بمواهب الرجلين ومنزلتهما وهو هنا موضوع المنافرة. على أن هؤلاء المؤرخين يثبتون مع ذلك استمرار الصداقة بين أولاد أمية وأولاد هاشم، فيذكرون صداقة عبد المطلب وحرب بن أمية، وكان حرب بن أمية على قريش وحلفائها في الفجار لمكانه من عبد مناف سنًّا ومنزلةً٣. ويذكرون صداقة العباس بن عبد المطلب وأبي سفيان بن حرب. وإذا كان أبو سفيان قد عادى النبي وقاد قريشًا لحربه بعد معركة بدر سنة ٢هـ إلى فتح مكة سنة ٨هـ؛ فإن القبيلة كلها أجمعت على هذه الحرب إذ إن مكة كانت تقاتل دفاعًا عما تراه مصلحتها، وبنو هاشم أنفسهم خرجوا للقتال يوم بدر وأسر من رجالهم العباس, وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن عبد المطلب٤ وكان أبو لهب بن عبد المطلب٥ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وللإسلام٦، وهما من بني هاشم ومن أمس الناس قرابة بالرسول ﷺ .
من كل ما تقدم يمكن القول بأن هذا التنازع الذي ذكره المؤرخون بين بني هاشم وبني أمية في الجاهلية لم يكن له وجود، وأنه لم يثر بين البيتين خلاف إلا بعد مقتل عثمان، وهذا العداء الذي قام بين علي ومعاوية واستمر بعد ذلك بين البيتين هو الذي سحبه المؤرخون على الماضي فحاولوا الرجوع بأصوله إلى أيام الجاهلية، وإلى أيام ظهور هاشم بن عبد مناف على مسرح الحياة في مكة.
стр. 122
على أنه مهما تكن المنازعات العشائرية قد وجدت في قريش؛ فإن رجال قريش استطاعوا أن يحافظوا على وحدة القبيلة وتماسكها, ولم يقبلوا إطلاقًا أن يحدث تفكك في صفوفها، أو ينشب خلاف يؤدي إلى تعارك العشائر وهذه الرغبة في تماسك القبيلة هي التي جعلت قريشًا تنظر إلى رسالة محمد ﷺ هذه النظرة القاسية، وتعامل المسلمين وبني هاشم تلك المعاملة الشديدة، كما أنها هي نفسها التي منعت وقوع الحوادث الدموية في الدور المكي من حياة الرسول ﷺ وصانت القبيلة من التفكك والحرب الداخلية.
стр. 123
قوة الزعامة في مكة وأثرها
يرجع الفضل الأكبر في تقدم مكة وتفوقها في عهد قريش إلى قوة زعمائها وقدرتهم على حل المنافسات التي تنشأ بين الأفراد والعشائر للمصلحة العامة. وفي بلد تجاري مثل مكة كانت قوة العشيرة ونفوذها مرتبطةً إلى حد كبير بثروتها المادية. كما كانت أهمية الفرد في هذه البيئة تتوقف على ثروته وعلى نفوذ عشيرته وقوتها؛ لكن هذا لم يكن أمرًا مطلقًا، فالثروة والنفوذ العشائري لم يكن إلا بداية لظهور الفرد، فإن الثروة في بلد تجاري كانت عرضًا يمكن أن يزول بين عشية وضحاها في إحدى المضاربات التي كان يزاولها أهل مكة, ومن ثمَّ كان الأفراد -كما كانت العشائر- تتردد ما بين الغنى والفقر. أما العامل الرئيسي الذي يتوقف عليه تفوق الفرد ونفوذه فهو المواهب الشخصية والمزايا الذاتية، فذكاؤه التجاري والمالي ومهارته في معاملة العشائر والقبائل الأخرى، وقدرته على أن يحمل الآخرين في عشيرته وفي خارجها على أن يتقبلوا زعامته، كان المؤهل الحقيقي للزعامة في مكة.
وأول زعيم في قريش هو قصي بن كلاب الذي جمع قريشًا وأقامها في مكة وثبت وظائف مكة في يدها، ولعمله الجليل الذي قام به كان موضع الإجلال والتقدير طوال حياته وبعد مماته, فكان شريف أهل مكة لا ينازع فيها، وكانت داره هي دار الندوة وفيها كان يبرم أمر مكة كله، وكانت قريش تتيمن برأيه وتتبع أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته ولا بعد موته. وفي يده تجمعت كل مناصب مكة وحكمها,
стр. 124
وفي عهده نمت مكة واتسع عمرانها واستقلت بها بطون قريش، فكان يعشر من دخل مكة سوى أهلها١, كما عمل على تنشيط الحج إليها فاتسعت تجارتها الداخلية مع القبائل العربية الوافدة إليها وبدأت تعظم ثروتها.
وحين أسن قصي عهد بالمناصب كلها إلى ابنه عبد الدار ولم تتحدث المصادر عن نشاط عبد الدار ولا عن أثره في مكة، ولا بد أنه سار على نهج أبيه، ولكن يبدو أنه لم يكن على جانب كبير من المقدرة لا هو ولا أحد من بنيه؛ الأمر الذي جعل بني عمهم عبد مناف ينازعونهم زعامة مكة ويرون أنهم أحق بها منهم لشرفهم وفضلهم٢.
وقد أدى هذا التنازع إلى قيام حلفي المطيبين والأحلاف وكادت الحرب تقع بين بطون قريش -كما أشرنا إلى ذلك من قبل- ثم اقتسمت المناصب؛ فآل لبني عبد مناف الرفادة والسقاية، وهما أهم وظيفتين في مكة لارتباطهما بالحج ووفود الحجاج إلى مكة من قبائل العرب المختلفة. الأمر الذي كانت مكة تعتمد عليه في حياتها الاقتصادية. وقد وكل أمر هاتين الوظيفتين إلى هاشم بن عبد مناف الذي يبدو أنه كان واسع الثروة جم النشاط٣؛ فقد نالت مكة على يديه هو وإخوته تقدمًا كبيرًا، وبعد أن كانت تجارتها مقصورة على التجارة الداخلية مرتبطة بالحرم٤؛ فتح لها هاشم وإخوته مجال التجارة الخارجية؛ فقد رحلوا إلى الشام وإلى اليمن وإلى الحبشة وإلى العراق، وقاموا باتصالات قوية مع حكام هذه المناطق أدت إلى عقد معاهدات تجارية، فقد أخذ من الروم عهدًا بالسماح لتجار قريش أن يدخلوا الشام وبلاد الدولة الرومية في سلام، وكذلك أخذ إخوته المطلب وعبد شمس ونوفل عهودًا مماثلة من الأكاسرة والنجاشي والحميريين. وبذلك بدأت قريش تسيطر شيئًا فشيئًا على التبادل التجاري بين الشمال والجنوب. وقد قام هاشم بتنظيم رحلات القوافل إلى الجنوب شتاء وإلى الشمال صيفًا. وقد عرف هذا النظام برحلتي الشتاء والصيف٥, وإلى هاتين الرحلتين وأثرهما يشير القرآن الكريم: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
стр. 125
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش] ، كما وضع هاشم نظامًا لتأمين مرور القوافل بين القبائل العربية، وذلك بإشراك زعماء القبائل في قوافله؛ فيحمل لهم بضائعهم دون أن يتحملوا في نقلها شيئًا١, وبذلك اتسعت تجارة قريش وعظمت ثروتها وأصبح هاشم بن عبد مناف زعيمًا لمكة كلها، وإن لم تجتمع له كل المناصب كما كان الحال عند جده قصي. لكن موته المبكر٢ حرم مكة من جهود هذا الزعيم المفكر النشيط، وقام إخوته من بعده على تدعيم تجارة مكة الخارجية؛ لكنه لم يكن لأحدهم من المكانة ما كان لهاشم.
وبدأت تظهر شخصيات أخرى في البطون القرشية لم تبلغ منزلة أحدهم مكانة الزعامة المطلقة، وترتب على ذلك أن برزت قوة الملأ في قريش، وهو مجلس القبيلة المكون من زعماء العشائر وأتيحت الفرصة لظهور رجال متعددين كانت تقوم العلاقة بينهم على أساس التكافؤ, وكانوا يشاركون جميعًا في إدارة شئون مكة.
وكان أبرز هؤلاء الزعماء في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي هو عبد المطلب بن هاشم. ولم يكن عبد المطلب في منزلة أبيه؛ وإنما كان أحد هؤلاء الرجال النظراء الأكفاء الذين حفل بهم ملأ مكة في هذه الفترة، وكان أكبر عمل أظهر شخصية عبد المطلب هو إعادته حفر بئر زمزم التي كانت قد غاضت مياهها وطمست في أواخر أيام جرهم٣, وقد يسر حفر زمزم مهمة السقاية التي كان يقوم عليها عبد المطلب, كما رفع من مكانته الأدبية لما يحيط بزمزم من تعظيم على أنها بئر إسماعيل المبارك الذي فجره الله له، وفي أيام عبد المطلب وقع الغزو الحبشي على مكة، وقد حاول عبد المطلب أن يرد الغزاة عن مكة عن طريق المفاوضة ولم يفلح ٤، كما لم يفلح في تعبئة قريش لقتال الأحباش٥؛ لأن قوة جيشهم وما أتوا به من عدة وسلاح وما كان معهم من الفيلة التي لا عهد للعرب بقتالها أفظعتهم فهبطت همتهم وبخاصة بعد ما علموا بما أصاب القبائل التي تصدت لهم من هزيمة٦. وتقول الروايات: إن
стр. 126
عبد المطلب لم يفارق الكعبة حين تفرقت قريش في شعاب مكة وجبالها خوف الغزاة، بل أخذ يستعد لمقاومة الغزو بمن أطاعه من قومه، وهو مع ذلك يدعو ربه ليرد كيد المغير عن بيته الحرام١. ولما تفشى المرض في جيش أبرهة وارتد عن مكة؛ علت مكانة عبد المطلب الأدبية والدينية بين قومه، حتى كانت قريش تقول: عبد المطلب إبراهيم الثاني ٢، كما علت منزلة قريش كلها بين القبائل العربية وقال العرب عنهم: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مئونة عدوهم٣, وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الحادث: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل] .
وكانت لعبد المطلب وفادات على الجنوب، فكان ينزل على عظماء اليمن، وقد وفد على سيف بن ذي يزن مع وفد مكة لتهنئته بعد انتصاره على الأحباش، ففضله على من معه وآثره٤.
وأبرز شخصية من رجال الملأ ظهرت بعد عبد المطلب بن هاشم هو أبو سفيان بن حرب بن أمية, ولم يكن لبني أمية من مناصب مكة إلا منصب واحد هو العقاب وهو راية قريش، ولا يمكن تحديد الوقت والمناسبة التي أسندت إليها فيه هذه الوظيفة ولكن يبدو أنها أسندت إلى بني أمية في فترة متأخرة, ومن الراجح أن يكون ذلك بُعَيد ظهور الإسلام في مكة. ولم يكن أبو سفيان من رجال قريش المشهورين بالجود والكرم، إنما كان يغلب على طبيعته الشح٥، وكل ما اشتهر به أنه كان تاجرًا قاد بعض قوافل قريش التجارية نحو الجنوب والشرق والشمال٦. وقد تعرضت إحدى
стр. 127
القوافل الكبرى التي كان يقودها إلى الشام لتصدي المسلمين لها بعد هجرة النبي ﷺ إلى يثرب بسنتين؛ فاستطاع أبو سفيان بمهارته وحذره أن يتجنب الخطر وأن يعود بالقافلة سليمة إلى مكة، لكن هذا التصدي أدى إلى وقوع معركة بدر التي قتل فيها معظم زعماء قريش البارزين، ولم يبق إلا الزعماء الثانويون، وكان أبرزهم جميعًا أبا سفيان، الذي أبدى كثيرًا من ضروب المهارة في نجاة القافلة، وفي جمع شمل القبيلة بعد هذه المعركة، وتعبئة كل قوتها للأخذ بثأرها من المسلمين، ومن ثم كتبت له الزعامة العامة في قريش وأخذ على عاتقه تنظيم القبيلة، وقيادة جيوش مكة في حروبها ضد يثرب ست سنوات بعد ذلك انتهت بفتح مكة وتغيير الأوضاع كلها.
على أن هؤلاء الرجال الأفذاذ، سواء منهم من نالوا زعامة عامة في القبيلة كلها أو من كانوا زعماء في عشائرهم، قد حرصوا دائمًا على مصلحة القبيلة وحفظوا على مكة وحدتها، وجنبوها ما كان يقع في القبائل والمدن الأخرى من حروب عشائرية؛ ووقفوا ضد كل طيش ونزق، وحرصوا -حتى في أحرج الظروف- على صيانة الدماء؛ فلم تقع أية ثارات بين بيوتاتها المختلفة، وحتى وقت ظهور الإسلام حرصوا طيلة ثلاث عشرة سنة قضاها النبي ﷺ في مكة على ألا تسفك دماء القرشيين وألا تقع حرب بين بطون قريش بسبب دخول من دخلوا في الإسلام بالرغم من الموقف الشديد الذي وقفته القبيلة تجاه الدعوة الإسلامية ومن دخل فيها، ومحاولة فتنة المسلمين من قريش عن دينهم بكافة أنواع المقاومة دون القتل، وحتى حين أجمع الملأ من قريش على التخلص من محمد ﷺ بالقتل، حرصوا على أن يكون تنفيذ القرار جماعيًّا حتى لا تحدث حرب أهلية في مكة. وقد عدوا النبي ﷺ مفرقًا لجماعة قريش مهددًا لمركز الكعبة الذي يتوقف عليه مركز مكة إلى حد كبير, وقد حاولوا إثناءه عن موقفه بكافة أنواع الترغيب والوعيد. كما حاولوا أن يرجعوه عن دعوته باللجوء إلى عشيرته؛ فقد أصر بنو هاشم على الوقوف إلى جانب محمد ﷺ وحمايته، فأوقعوا عليه وعليهم عقوبات اقتصادية شديدة، ولكنها على كل حال دون القتل والقتال. ولم يتورطوا في أحلاف تجر إلى الحرب، كما لم يتورطوا في خوض الحرب إلا مرتين، مرة إلى جانب حلفائهم من بني بكر ضد هوازن وقيس فيما عرف بحرب الفجار. وقد جروا إلى هذه الحرب جرًّا دون أن تكون لهم يد في إشعالها. ومع ذلك فقد كانوا هم الداعون للصلح.
стр. 128
فيها، وقدموا من أجل السلام كافة التسهيلات، حتى قدموا أربعين رجلًا رهنًا لتوفية دية القتلى. والمرة الثانية هي الحرب التي دخلوها ضد المسلمين في يثرب، وقد بدءوها حرصًا على مكانة مكة وصيانة مصالحها.
وكما حفظوا على مكة وحدتها الداخلية؛ كذلك حافظوا على حسن الصلة بينها وبين القبائل الأخرى في أنحاء الجزيرة العربية، وبخاصة القبائل الضاربة حول مكة, وتلك التي تنتشر على جوانب طرق القوافل، الأمر الذي مكَّن قريشًا من القيام على تنظيم القوافل التجارية وتسييرها آمنةً بين هذه القبائل.
كما حافظوا على خطة الحياد التي انتهجوها بالنسبة للصراع الدولي الذي قام بين الفرس والبيزنطيين، ودخل في دائرته أجزاء كثيرة من الجزيرة العربية كاليمن في الجنوب والمناذرة على أطراف العراق، والغساسنة على أطراف الشام. واستطاعوا بمهارة أن يسالموا الدول المتصارعة, وأن يفيدوا من هذا الموقف الحيادي في السيطرة على نقل التجارة بين الشرق والغرب. وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة ومركزًا ممتازًا.
стр. 129
الفصل الثالث: قوة قريش الحربية وعلاقتها بالقبائل الخارجية
لم يكن في مكة جيش نظامي ثابت، فهي مجتمع قبلي تستغني بالتشكيل الحربي القبلي عما تعرفه المجتمعات الكبيرة من الجيوش النظامية. وكان جيشها يتألف من رجال القبيلة أنفسهم ومن ينضم إليهم من رجال القبائل الأخرى التي ترتبط معهم برباط الحلف.
ومكة كمدينة تجاريةلم يكن أهلها يميلون إلى استخدام وسائل العنف، وقد حرصوا دائمًا على حل مشاكلهم سلميًّا؛ إذ إن سلامة تجارتها تتوقف إلى حد كبير على حسن صلاتها مع القبائل المجاروة لها أو الضاربة على جانبي طرق التجارة التي كانت تسير فيها قوافلها بين الشمال والجنوب والشرق والغرب, كما كان من مصلحتها أن يسفر السلم في منطقتها حيث تعقد الأسواق التجارية، لتستطيع في جو السلم أن تصرف بضائعها، التي تجلبها من الجهات المختلفة، بين الوافدين إليها من سكان البادية، وللتبادل التجاري مع من يفد من رجال الشمال والجنوب لهذه الغاية. ولكنها في الوقت نفسه كانت محتاجة إلى قوة حربية, تشعر بقدرتها على الضرب إذا هدد أمنها أو حدث اعتداء على قوافلها. وبالرغم من أن رجال قريش -وبخاصة أصحاب الأموال منهم- كانوا دائمًا ضد استعمال القوة المسلحة وتسيير الحملات العسكرية؛ فإن ذلك لا يعني أنهم كانوا جبناء فقد أثبت كثير من رجال قريش شجاعة فائقة، وقاتلوا ببسالة كبيرة حينما اضطرتهم الظروف إلى القتال سواء في الجاهلية أو الإسلام، وقد نالت قريش نفوذًا كبيرًا بين القبائل العربية الغربية والوسطى, ولكن هذا المركز الممتاز الذي بلغ أوج قوته في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع، لم يكن يرجع إلى شجاعة محاربيها في المقام الأول؛ وإنما يرجع سر هذا النفوذ إلى القوة العسكرية التي كانت
стр. 130
تستطيع أن تضرب بها، ونعني بذلك قوة الحلف الذي بنته على أساس ارتباطاتها التجارية، وقيامها في الوقت نفسه بأمر تنظيم الحج وسدانة الوقت، فقد كانت القوافل التي تسير إلى الشمال وإلى الجنوب في حاجة إلى خدمات البدو باعتبارهم أدلاء وحراسًا وحمالين، وكانت القوافل تدفع إتاوة لرؤساء القبائل على أن يدلوها أو يمدوها بالماء وبالتموينات الأخرى، ومن هنا فإن قبائل البدو كانت تشارك في تجارة مكة على نحو ما، وبذلك كانت القبائل الضاربة على جنبات الطرق التجارية ترى مصالحها مرتبطة بمصالح مكة، فرخاء مكة يعني رخاءها وخسارة مكة تعني خسارتها. وكذلك قوي الشعور بالتضامن مع مكة بالمحالفات القائمة على المصاهرة بين أبرز رجال مكة ومختلف القبائل العربية ١، كما أن زعماء القبائل كانوا يشاركون مشاركة مادية في قوافل مكة التجارية, ومن هنا كان في استطاعة أهل مكة أن يستأجروا المحاربين للدفاع عنهم ٢, ولكن ليس معنى ذلك أن هؤلاء كانوا جنودًا مرتزقة بل إنهم كانوا حلفاء، دخلوا في محالفات قريش على أساس التكافؤ، وكان أبرز هؤلاء الحلفاء أولئك الذين عرفوا بالأحابيش. وقد ذهب لامنس٣ Lemmens إلى أنهم كانوا زنوجًا من بلاد الحبشة، وأن رواة السيرة تعمدوا القول بأنهم عرب؛ أنفة من أن يقولوا: إن قريشًا كانت
стр. 131
في الجاهلية تستعين بالسودان في الدفاع عن حريتها. وهو قول مردود؛ فإن الأحابيش كانوا بطونًا من القبائل العربية الضاربة حول مكة من كنانة وخزيمة بن مدركة وخزاعة، تجمعوا وتحالفوا معًا، وأخذوا في الاندماج والتكتل في طريقهم إلى تكوين قبيلة عربية بواسطة الحلف الذي كان سببًا في تكوين كثير من القبائل العربية القديمة، ثم تحالفوا مع قريش في النصف الثاني من القرن السادس١ وقد ظلوا طوال عصر النبوة قوة عربية لها كل خصائص القبيلة؛ من سيد يتزعمها ٢، وأرض تنزلها، وراية تحف بها عند الحرب, وأنها كانت من حيث علاقاتها السياسية مع قريش تنزل منها منزلة الحليف من الحليف والند من الند، وأنها كانت مسموعة الكلمة في الشئون العامة لقريش٣. وقد استخدمت قريش قوة الأحابيش في الحرب التي خاضتها، وكانت قوة الأحابيش ذات أثر كبير في الحروب التي وقعت بين مكة ويثرب في عهد النبي ﷺ حتى إن قريشًا حين خرجت بمفردها في موقعة بدر منيت بهزيمة شديدة. وقد عرف النبي ﷺ كيف يفل قوة الأحابيش التي كانت تعتز بها قريش؛ بأن اجتذب إلى جانبه القبائل التي كانت تنتمي إليها أحياء الأحابيش. كما غزا بعض هذه البطون٤، وبذلك انكسرت شوكة الأحابيش وانتهى حلفهم نهائيًّا بعد فتح مكة٥.
كما كان لقريش عدد كبير من العبدان والموالي الذين يقاتلون في صفوفها٦، ولم تكن قوة قرش الذاتية التي تستطيع أن توجهها إلى ميدان القتال لتزيد على ألف ونصف من المحاربين, ولكنها كانت تستطيع أن توجه إلى القتال أربعة آلاف مقاتل وقوة من الفرسان لا تزيد عن أربعمائة، إذا انضم إليها أحابيشها ومواليها وحلفاؤها من قبائل
стр. 132
كنانة وبعض بطون هذيل وخزاعة من قبائل تهامة. وأكبر قوة استطاعت قريش أن تجمعها في معركة من المعارك منها ومن كل أحلافها هي عشرة آلاف مقاتل، وهي التي حاصرت بها المدينة في غزو الخندق، وجمعت فيها كل حلفائها من القبائل العربية التي ارتبطت مصالحها بمصالح قريش، وهي قوة كبيرة لم تعتد مثلها الجزيرة العربية في العصر الجاهلي.
كذلك كانت قريش حليفة قديمة لبني كنانة وبني بكر، ويرجع حلفها مع كنانة إلى أيام قصي بن كلاب، حينما جمع قريشًا وحالف كنانة لحرب خزاعة، وقد اضطرت قريش إلى القتال إلى جانب كنانة ضد قيس وهوازن في حرب الفجار استجابة لهذا الحلف، وقد أثبتت حرب الفجار مقدار تماسك قريش واتحاد بطونها ورجالها، وأنهم لم يكونوا متهورين تهور غيرهم في الحروب، بل كانوا يميلون إلى التعقل والتدبر قبل الإقدام على الحرب، وبالرغم من رجحان كفتها فإنها دعت إلى الصلح وأفلحت في إعادة حسن العلاقات بين الطرفين؛ لأن مصالحها التجارية كانت تستلزم هذه العلاقات الطيبة. وكذلك ظلت كنانة إلى جانب قريش عند ظهور الإسلام؛ فقد اشتركت مع قريش في الحلف ضد بني هاشم وحصرهم في أحد شعاب مكة١، وكذلك قاتلت إلى جانب قريش في حروبها ضد يثرب. كما كانت قريش على علاقات طيبة ودية مع القبائل الضاربة على جنبات الطريق التجاري مثل جهينة ومزينة وغطفان وأشجع وسليم وبني سعد وبني أسد، وكان لهم من هذه القبائل حلفاء يعيشون في مكة ويعتبرون أنفسهم من القبيلة جريًا على النظام القبلي٢. وكذلك كانت قريش على صلات طيبة ببني عذرة من قضاعة على أطراف بادية الشام من أيام قصي بن كلاب، وقد أعان بنو عذرة القضاعيون: قصي في الوصول إلى حكم مكة، وكانت صلات مكة طيبة كذلك وقوية بالقبائل التي تعيش إلى جنوبها، مثل قبيلة خثعم التي كانت تعيش في الهضبة الممتدة من الطائف إلى نجران عند طريق القوافل الممتدة من اليمن٣، وتتحدث الروايات عن صداقة عبد المطلب بن هاشم مع ذي نفر الحميري الذي تصدى لقتال
стр. 133
أبرهة دفاعًا عن مكة، كما تصدى له نفيل بن حبيب الخثعمي بقبيلتي خثعم: شهران وناهس١.
على أن الاحتفاظ بود القبائل البدوية والحلف معها أمر يحتاج إلى حنكة ومهارة، ودراية بنوازع نفوس البدو الحساسة، وأنفتها الشديدة التي قد تثيرها أمور بسيطة يعدها الحضري تافهة. ولكنها في نظر البدوي عظيمة قد تثير الحروب وتسفك من أجلها الدماء، فكلمة شديدة أو تصرف يبدو فيه بعض الإهانة قد يثير عواطف البدو فتسل السيوف وتسيل الدماء، وعند ذلك تقع الغارات، وتثور الأحقاد، وتتفانى القبائل. فلم يكن المال وحده كافيًا للحفاظ على حسن الصلات بهذه القبائل البدوية؛ وإنما هي السياسة الحكيمة الصبور التي اشتهرت بها قريش وضمنت بها ولاء القبائل لها، بل ضمنت بها تفوقها عليها واعترافها بسيادتها.
وكما حالفت قريش قبائل البادية؛ فإنها كانت على علاقات طيبة مع المدن الأخرى الموجودة في الحجاز، فكانت صلاتها وثيقة بقبيلة ثقيف في الطائف. وقد كانت الطائف مصيف أهل مكة، ولا يوجد غني في مكة إلا وله في الطائف بستان، وكان تجار مكة يجلبون من الطائف الخمور والزبيب والأدم -الجلود المدبوغة- وكان أهل مكة يستهلكون كثيرًا من أعناب الطائف ورمانها، كما أن الثفيين كانوا يشاركون في قوافل مكة التجارية، كما كانت سوق عكاظ -وهي أكبر أسواق العرب- تقوم على مقربة من الطائف بينها وبين مكة. وتشير الآية القرآنية: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ [الزخرف] . إلى خطورة شأن رجال الطائف، وأنهم يماثلون أهل مكة قوة وجاهًا، وفي هذا إشارة لما كان بين مكة والطائف من ترابط، بحيث لو كان -كما زعموا- قد نزل القرآن على عظيم من أيهما لاتبعوه جميعًا. ولقد كان كثير من رجال الطائف حلفاء للقرشيين، وقد بلغ بعضهم مبلغ السيادة في البطون القرشية، كالأخنس بن شريق حليف بني زهرة الذي كان مسموع الكلمة فيهم مطاعًا٢، كما كانت قريش تشرك رجال الطائف فيما يهمها من الأمور الكبيرة، وقد
стр. 134
كان عروة بن مسعود الثقفي أحد الرسل الذين بعثت بهم لمفاوضة النبي ﷺ عند نزوله بالحديبية١.
كذلك كانت صلات قريش طيبة بمدينة يثرب، وقد أصهر هاشم بن عبد مناف إلى بني النجار الخزرجيين من أهل يثرب، وظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة بأخواله هؤلاء. كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات مع زعماء يثرب، فقد كان أمية بن خلف الجمحي صديقًا لسعد بن معاذ الأشهلي زعيم الأوس٢، كما كان العاص بن وائل السهمي وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم على صلات طيبة ووثيقة بأهل يثرب٣. ولكن على الرغم من هذه الصلة الوثيقة فإن قريشًالم تشأ أن تتورط في حلف مع اليثربيين قد يجر إلى أن تتدخل في الحرب الداخلية التي نشبت بين الأوس والخزرج قبيلتي يثرب. وقد ظلت علاقاتها طيبة برغم ما كان يمكن أن يحدث من تنافس بين المدينتين الواقعتين على طريق التجارة. ولم تحدث الجفوة والعداء بينهما إلا بعد هجرة الرسول ﷺ إلى يثرب وتكوين الدولة الإسلامية بها، وشعور قريش بالخطر الداهم على تجارتها. والذي أصبح يكمن في يثرب بهذا الوضع الجديد الذي أحدثته الهجرة، فقد عدَّ المكيون إيواء النبي ﷺ والمهاجرين تحديًّا لهم وتهديدًا لمصاحلهم، ومن أجل ذلك وقع الصدام بين المدينتين٤.
وكانت صلات مكة باليهود جميعًا طيبة في يثرب وخيبر وتيماء، ووادي القرى. وكان القرشيون يحترمون اليهود ويرون أنهم أهل العلم والكتاب الأول٥، كما كان اليهود يجلون القرشيين ويعتبرونهم سادة العرب وملوك الناس٦، ولم يكن اليهود في
стр. 135
جزيرة العرب يحفلون كثيرًا بتعاليم التوراة التي تأمرهم بالبعد عن الوثنيين وتلزمهم عداءهم ومحاربتهم، وإنما كان يجرون وراء مصالحهم المادية. وجريًا وراء هذه المصالح تورطوا في الإثم حينما سألهم المكيون أدينهم خير، أم ما يدعو إليه محمد؟ فناصروا الوثنية على التوحيد الذي جاء به الإسلام، والذي حملوا هم لواءه آلاف السنين ولقوا في سبيله كثيرًا من الاضطهاد والعذاب١. ولقد نعى عليهم القرآن هذا التورط في الضلال ولعنهم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء] .
كذلك مالأ اليهود في يثرب القرشيين منذ بدأ الصراع بينهم وبين المسلمين. بالرغم من العهد الذي عقده النبي ﷺ معهم، وانبرى شعراؤهم يمدحون المكيين ويرثون قتلاهم ويؤلبون قريشًا والعرب لحرب المسلمين، وانتهى الأمر بأن عقدوا حلفًا مع القرشيين وجمعوا إليه قبائل العرب لحرب المسلمين في غزوة الخندق.
بهذه الصلات الحسنة أمنت مكة عادية القبائل العربية، كما أمنت خصومات المدن الحجازية، ولما كانت قد استطاعت المحافظة على وحدة القبيلة الداخلية، وتوطيد السلام في مكة فقد نالت تفوقًا كبيرًا وحظيت باحترام عام من كافة أنحاء الجزيرة العربية، وأصبحت تنافس صنعاء في زعامة الجزيرة العربية، بل إنها تفوقت عليها في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، وأصبحت العاصمة العربية التي تتجه إليها نفوس العرب وعواطفهم القومية، وبخاصة بعد أن فقدت اليمن استقلالها، وكذلك تضعضعت مملكة الحيرة ومملكة غسان.
стр. 136
علاقات مكة الخارجية
مدخل
...
الفصل الرابع: علاقات مكة الخارجية
شهد القرن السادس الميلادي ذروة الصراع بين الإمبراطورية البيزنطية ومن لف في فلكها. كدولة الأحباش. وبين الإمبراطورية الفارسية، وكان ميدان هذا الصراع بلاد الشرق الأوسط، وهدفه بسط نفوذ الدولتين على ربوع هذا الشرق؛ بغية السيطرة على طرق التجارة العالمية التي تمر ببلاد هذا الشرق. وقد وصل هذا الصراع ِإلى ذروته العظمى في نهاية هذا القرن، وبلغ غايته بانتهاء الربع الأول من القرن السابع، حيث انتهى نهاية أبدية؛ وذلك لأن دولة جديدة فتية قامت في جزيرة العرب، وهي منطقة لم تشهد قيام دولة موحدة من قبل، ولم يخطر ببال أحد أن تقوم بها مثل هذه الدولة، فوضعت حدًّا أبديًّا لهذا النزاع؛ فإنها لم تلبث بعد أن قامت إلا قليلًًا حتى خرجت إلى المجال الخارجي، واصطدمت بالإمبراطوريتين الكبيرتين اللتين كانتا تتحكمان في مصير العالم وقتذاك؛ فالتهمت إحداهما وهي الإمبراطورية الفارسية، وطردت الأخرى عن هذه المنطقة؛ فلم تعد إليها مرة أخرى، بل ما لبثت أن تعقبتها في عقر دارها حتى سقطت على يد رجال يدينون بدين هذه الدولة الفتية ويخضعون خضوعًا معنويًّا لها، فقد سقطت القسطنطينية عاصمة بيزنطة في يد الترك العثمانيين المسلمين سنة ١٤٥٣م.
والصراع على الاستيلاء على تجارة الشرق بالسيطرة على طرقها صراع قديم سابق على ميلاد المسيح بقرون طويلة، ربما يرجع إلى عهد الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية ١٥٨٠ ق. م التي سيرت أساطيلها في البحر الأحمر إلى أرض البخور على شاطئ البحر الأحمر في الجنوب١، ثم جاء العصر الإغريقي فحاول الإسكندر الأكبر حين فتح
стр. 137
بلاد الشرق أن يمد نفوذه على بلاد الغرب حيث تمر طرق التجارة فلم يتم له ما أراد١.ثم نجح البطالمة خلفاء الإسكندر في مصر، فوصلت أساطليهم إلى الجنوب، واستطاعت أن تحول جانبًا كبيرًا من تجارة الشرق إلى طريق البحر الأحمر ثم مصر. ثم لم تلبث الأساطيل الرومانية -بعد البطالمة- أن مخرت عباب البحر الأحمر لنقل هذه التجارة٢. ولكن الطريق البري ظل مفتوحًا. فأرسل الرومان حملة بقيادة أليوس جالوس سنة ٢٤ ق. م في عهد القيصر أغسطس للاستيلاء على الطريق البري بالاستيلاء على رأسه الجنوبي -اليمن- بعد أن أصبح في أيديهم رأسه الشمالي -الشام- ولكن هذه الحملة باءت بالفشل٣.
ولما حل البيزنطيون محل الرومان، وقامت في المشرق دولة الفرس الساسانية، اشتبكت الدولتان في صراع امتد على الزمن وتعددت وسائله، فقد استخدمت فيه القوة المسلحة، كما استخدمت السياسة والدين٤.
وكانت بلاد الشرق الأوسط محور هذا النزاع وميدان التصارع بين الدولتين. وقد دخلت أطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية في مجال هذا الصراع؛ بل إن الاستيلاء عليها باعتبارها رؤوس طرق التجارة الشرقية كان هو الهدف من وراء هذا التطاحن بين الدولتين الكبيرتين، وشهد القسم الشمالي من الجزيرة العربية أعنف المعارك الحربية بينهما، كما شهد القسم الجنوبي أنواع الصراع السياسي والديني. أما د داخل شبه الجزيرة العربية فلم يدخل في دائرة الصراع إلا في القرن السادس الميلادي، إذ إن التجارة كانت في يد اليمنيين الذين قاموا على نقلها منذ زمن مبكر جداًّ، في عهد الدولة المعينية ١٣٥٠ ق. م، ثم السبئية والحميرية، ولم يكن في فتح داخل شبه الجزيرة الصحراوي مطمع لفاتح، لقلة خيراتها وصعوبة تسيير الجيوش إليها، كما لم تكن مدن الحجاز لتزيد على كونها محطات تجارية تنزلها القوافل للراحة والتزود؛ ولذلك لم نسمع عن غزو وجه إلى داخلية شبه الجزيرة أو إلى مدنها الواقعة على طرق
стр. 138
التجارة، ومع أن حملة أليوس جالوس سنة ٢٤ ق م اخترقت شبه الجزيرة ووصلت إلى منطقة مأرب١ فإنه لم يذكر أنها توقفت عند مكة أو عند يثرب أو الطائف، كذلك لم نسمع عن جيوش رومية أو فارسية قصدت هذه المنطقة؛ لبعد الشقة وصعوبة وصول الجيوش إليها، فظلت بعيدة عن متناول يد الدول الكبرى. وحتى في القرن السادس الميلادي لم تفكر بيزنطة في إرسال جيوشها عبر جزيرة العرب، حين طلب إلى القيصر أحد الفارين المسيحيين من نجران النجدة ضد الملك اليهودي الذي نكل بالمسيحيين فيها، فقد اعتذر له القيصر بأن بلاده بعيدة٢، وظهر أن الروم لم ينسوا الدرس الذي تلقته حملة أليوس جالوس من قبل. كذلك تردد كسرى في إجابة ملتمس سيف بن ذي يزن حين طلب إليه تسيير جيوشه لتخليص اليمن من حكم الأحباش، برغم أن سيف عرض حكم بلاده على كسرى٣. وقد تحالفت بيزنطة مع الحبشة القريبة من بلاد العرب واتخذت منها أداة لبسط نفوذها على بلاد اليمن، كما اتخذت الدولتان من الدين وسيلة لإضعاف هذه البلاد وبسط نفوذهما عليها، فحاولت بيزنطة نشر المسيحية بين أهل اليمن.. وردت فارس على هذا بأن شجعت الديانة اليهودية المعادية للمسيحية. وقد كان من نتيجة ذلك أن قامت الخلافات الداخلية؛ مما أدى إلى إضعاف دولة الحميريين، ثم أدى إلحاح الأحباش عليها بالغزو إلى سقوطها في أيديهم سنة ٥٢٥ م، ثم سقوطها بعد ذلك تحت الحكم الفارسي سنة ٥٧٥م ٤.
وبسقوط اليمن تحت الاحتلال الحبشي ثم الفارسي، وقيام الخلافات الداخلية فيها؛ فقدت قدرتها على النهوض بدورها الذي اضطلعت به قرونًا طويلة في نقل التجارة العالمية. ولما كان النزاع بين الفرس والروم قد أدى إلى قفل طريق التجارة الشرقي المار ببلاد العراق إلى الشام، وكان الطريق البحري عبر البحر الأحمر قد خلا من سفن الروم، ولم تقو البحرية الحبشية على سد الفراغ فيه، وأصبح ميدانًا لسفن القراصنة فوق صعوبة الملاحة نفسها في هذا البحر بسبب الرياح الشمالية التي تعاكس السفن في إبحارها نحو الشمال، ولوجود الشعب المرجانية وخلو شواطئه من المرافئ الصالحة
стр. 139
لرسو السفن وحمايتها وقلة الماء والمؤن على جانبيه؛ فإن الطريق البري عبر تهامة والحجاز أصبح هو الطريق الوحيد المفتوح أمام التجارة، وكان لا بد بعد زوال النشاط اليمني أن يوجد مَن يسد الفراغ ويقوم بدور الوسيط المحادي بين المتنازعين لنقل هذه التجارة١.
وقد وجد هذا الوسيط المحايد ممثلًا في مدينة مكة، التي حظيت بنوع من التنظيم والاستقرار على يد قبيلة قريش منذ منتصف القرن الخامس الميلادي، وقد حظيت بمكانة سامية بين عرب الشمال الذين بدت فيهم نهضة قومية في ذلك الحين، وأخذوا يتطلعون إلى زعامة عربية تتجه إليها عواطفهم، وبخاصة بعد أن وقعت أطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية، ممثلة في اليمن والحيرة والغساسنة تحت النفوذ الأجنبي.
وبقيام مكة على نقل التجارة بدأت تطرق المجال الخارجي، وبدأت تتخذ لها علاقات مع الدول المحيطة بالجزيرة العربية والتي أصبحت هي الوسيط في نقل التجارة منها وإليها. وقد عمل رجال قريش على ألا يزجوا بأنفسهم في مجال هذا الصراع الدولي؛ بل حرصوا على الحيدة التامة بين المتنازعين، وقد أعانهم على اتخاذ موقف الحياد رغبة المعسكرين في وجود مثل هذا الوسيط المحايد من ناحية، وبُعد مكة وصعوبة الوصول إليها من ناحية أخرى، ومع ذلك فلم تسلم مكة من محاولة السيطرة عليها محاولات حربية وسياسة باءت بالفشل؛ بفعل عوامل خارجة عن قدرة المكيين مرة، وبإصرار رجال مكة على حيادهم واطمئنانهم إلى موقفهم مرة أخرى٢.
стр. 140
علاقة مكة بالجنوب:
علاقة الحجاز باليمن قديمة جدًّا ترجع إلى أيام الدولة المعينية، ثم السبئية والحميرية ١٣٥٠ ق م- ٥٢٥م الذين امتد نفوذهم إلى شمال بلاد الحجاز، حيث أسسوا لهم مستعمرات على طول الطريق التجاري في معان والعلا كما تشهد بذلك النقوش التي وجدت في هذه المناقط١. وفي أيام هذه الدول لم تكن مكة أكثر من
стр. 141
محطة تمر بها القوافل ويجد معبدها الاحترام وبخاصة من ملوك التبايعة، حيث تذكر الروايات أن التبع تبان أسعد أبا كرب الحميري كان أول من كسا البيت الحرام وعظمه وأوصى بتعظيمه وكسوته١. وقد كانت القبائل الجنوبية هي أول مَن سكن مكة، وكان لقبيلة خزاعة، التي هي فرع من الأزد دور في عمارة مكة، وتنشيط الحج إلى بيتها الحرام.
وفي عهد قريش اتصل أحد رجال مكة وهو المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن الحميريين وعقد معهم اتفاقًا على أن تقوم قريش بالمتاجرة في أرضهم، وقد اتصلت تجارة قريش باليمن منذ ذلك الوقت -حوالي بداية القرن السادس- وسيطرت قوافلها التجارية تمامًا على نقل هذه التجارة. وقد تضاءل شأن تجار اليمن واكتفوا بالتجارة مع قريش، وكان قصاراهم أن يبيعوا بضائعهم لتجار مكة إذا قدموا إلى الشمال.
وكما حظيت مكة وبيتها الحرام بنفوذ كبير بين عرب الشمال، كذلك أصبح لها مكانة عظيمة في نفوس عرب الجنوب الذين فقدوا استقلالهم، وتطلعوا بدافع القومية إلى هذا البلد العربي المستقل، حتى لقد غضبوا حين جهز أبرهة حاكم اليمن الحبشي حملة لغزو مكة. وتصدت له بعض القبائل اليمنية وقاتلته، وقد قامت علاقات صداقة ومودة بين زعماء مكة ورجالات اليمن؛ فتحدثنا الروايات عن صداقات عبد الملطب بن هاشم وبعض أقيال اليمن ووفاداته عليهم٢. وقد قدم وفد مكة لتهنئة سيف بن ذي يزن بعد انتصاره على الأحباش. وربما كان قدوم هذا الوفد تعبيرًا عن الابتهاج بهزيمة الحبشة التي كانت قد غزت مكة من قبل، ولكنه كان على كل حال تعبيرًا عن الغبطة بانتصار رجل عربي على أعدائه، ودليلًا على حسن الصلة والمودة. وقد أكرم سيف الوفد وحباه، وحظي عبد المطلب زعيمه بعظيم عطفه وكرمه٣.
أما علاقة مكة بالحبشة فإنها بدأت منذ خرجت مكة بتجارتها إلى المجال الخارجي، فإنه في الوقت الذي اتصل فيه المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن، اتصل
стр. 142
أخوه عبد شمس بالنجاشي، وأبرم معه اتفاقًا مماثلًا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحبشة لقريش وجهًا ومتجرًا١.
وكانت الحبشة مصدرًا هامًّا من مصادر التجارة الشرقية، فقد كانت تنتج البخور واللادن والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل. كم كانت منطقتها المصدر الأول لتجارة الرقيق الأسود، وكانت قريش إذ تحصل منها على هذه السلع الهامة تحمل إليها ما تحتاج إليه من حاصلات الشام ومصنوعاته، ومن حاصلات الجزيرة العربية نفسها.
ولما استولت الحبشة على اليمن، لم تستطع أن تقوم بدور كبير في التجارة التي أصبحت نقلها يتم على أيدي التجار المكيين، الذين أصبحوا الوسطاء المسيطرين على قوافل التجارة الخارجية، كما كفل قيام البيت الحرام وإقرار هدنة الأشهر الحرم، وقيام الأسواق في منطقة مكة -السيطرة على تجارة شبه الجزيرة العربية الداخلية. وقد فكر حاكم اليمن الحبشي أبرهة أن ينافس مكة في هذه المكانة؛ لعله ينتزع منها التجارة الداخلية، فأقام كنيسة في صنعاء، حرص على أن تكون غاية في الفخامة والروعة؛ ليجلب إليها العرب للحج والمتاجرة٢، ولكن عمله هذا لم يأت بنتيجة؛ وذلك لأن الكتلة العظمى للقبائل العربية كانت وثنية، وقد كانت مكة مأوى أصنام العرب، ثم إن البيت الحرام كان محل تعظيم العرب جميعًا؛ لأنه البيت الذين بناه إبراهيم وإسماعيل اللذان يرد العرب أنسابهم إليهما، فكان اتجاههم إلى مكة يرضي عاطفتهم الدينية والقومية على السواء. وقد دعا الفشل واحتقار العرب للكنسية التي أقامها أبرهه إلى قيامه بحملة ضد مكة لتدمير بيتها الحرام فتسقط بذلك مكانتها الدينية، ومن ثم تذهب مكانتها بين العرب من ناحية، وليسيطر على هذه المحطة التجارية من ناحية أخرى؛ ليتم اتصال الحبشة عبر الطريق البري بحليفتها بيزنطة التي كانت تسيطر على بلاد الشام، والتي ربما كانت من وراء هذا الغزو الحبشي؛ ليصبح هذا الطريق الهام في يدها ويد حلفائها، وإن كانت لم تظهر على مسرح الحوادث في هذا الموضوع٣. وقد فشلت
стр. 143
حملة أبرهة بظروف بعيدة عن عمل المكيين ١؛ فقد تفشَّى المرض في جيش أبرهة وهو على أبواب مكة بعد أن عجزت القبائل عن التصدي لهذا الجيش، كما عجزت مكة عن تهيئة قوة لحربه والوقوف في وجهه، وقد زاد هذا الحادث من مكانة مكة الأدبية، وأكد زعامتها السياسية والروحية.
وعلى الرغم من هذا العمل العدواني من جانب الحبشة؛ فإن العلاقات ظلت قائمة بين البلدين؛ لحاجة كل منهما إلى الآخر، ولأن الحبشةلم تفكر بعد ذلك في تكرار هذا العمل العدواني، وبخاصة بعد أن تغيرت الظروف بطردها من اليمن؛ ولأن قريشًا اطمأنت لمركزها بعد تراجع الأحباش عنها وبعد خروجهم من الجزيرة العربية كلها بعد هزيمتهم أمام الفرس. ولم يصبح أمام الحبشة إلا هذا الوسيط العربي الذي يقوم على التجارة، فإنه لم يكن من المستطاع أن تخلق تجارة مع الفرس أعدائها وأعداء حلفائها الروم.
وفي أيام البعثة النبوية كانت علاقة مكة مع الحبشة علاقة وطيدة، وكان تجار قريش على صلة دائمة وعلاقات طيبة مع هذه البلاد وعلى معرفة أحوالها؛ الأمر الذي جعل النبي ﷺ يفكر أول ما يفكر في الحبشة حين اضطر إلى أن يشير على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليها ووجدوا فيها ملجأ وحماية، وفي حسن استقبال هؤلاء المهاجرين ورعايتهم، وفي إرسال قريش سفارة قابلت النجاشي وفاوضته في رد هؤلاء المهاجرين ٢ ما يدل على أن العلاقة كانت وطيدة بين البلدين. وقد ظلت العلاقات الطيبة قائمة بينهما بعد ذلك مدة طويلة.
ولا بد أن صلة مكة التجارية بالجنوب قد ازدادت بعد قفل طريقها الشمالي إلى الشام بعد هجرة النبي ﷺ إلى يثرب ودخوله في صراع مع قريش، فإن بلدًا مثل مكة لا يقوى على عدم المتاجرة وإلا أكل رءوس أمواله وهدد بالخراب.
стр. 144
علاقة مكة بالشمال:
علاقة مكة بالشمال قديمة ترجع إلى أيام النبطيين الذين كانوا يقومون على التجارة في شمال بلاد العرب. والذين امتد سلطانهم إلى شمال الحجاز، وقد عمل الحجازيون على تعظيم شأن الحجاز بين النبطيين فوضعوا في الكعبة تماثيل أربابًا كان يعبدها النبطيون، يعد الرواة منها: هبل. كما استقدموا إلى منطقتها آلهة أخرى منها
стр. 145
اللات ومناة والعزى١، ولا شك أن قصة عمرو بن لحي الذي اتفقت الروايات على أنه نقل الأصنام من بلاد النبط إلى الكعبة إنما هي وسيلة من وسائلهم لتعظيم شأن الكعبة عند أهل الشمال، وإيناسهم بها كلما رحلوا إلى الحجاز، وتقريب ما بينهم وبين شعائر البيت الحرام.
ولما قدم قصي إلى مكة وجمع قريشًا ونازع بها خزاعة للاستيلاء على مكة، استعان بقضاعة، وهي إحدى القبائل التي كانت تقيم في بادية الشام، وتخضع للغساسنة الذين كانوا تحت النفوذ البيزنطي.
وحين ورثت بيزنطة سلطان الرومان في المشرق ورث معه البيزنطيون رغبة الرومان في الاستيلاء على طريق التجارة عبر الحجاز، إذ إن الطريق عبر العراق كان في يد خصومهم الفرس. وفي الوقت الذي حصلت فيه مكة على عهود من الحميريين والأحباش على غشيان بلادهم للمتاجرة في أرض الدولة البيزنطية٢، ولكن البيزنطيين عملوا -من ناحية أخرى- على أن يضعوا أيديهم على الرأس الجنوبي لهذا الطريق والاتصال مباشرة بمنابع التجارة الشرقية، ولما لم يكن في الإمكان تسيير