← Сира

Сира · id 4371

مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم

أحمد إبراهيم الشريف

Полный текст (549 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أخرى عن طريق الحلف أو الجوار، ثم لا تلبث أن تندمج فيها وتنتسب إليها، ثم قد يطرأ لها ما يجعلها تخرج عنها إلى أخرى فتعدل نسبها إليها١، كذلك كان يحدث أن تهاجر بعض البطون من قبائل متعددة ثم تلتقي في مكان واحد فيجمعها الجوار وتربط بينها المصلحة المشتركة، وقد يكون بعضها من الشمال وبعضها من الجنوب، ثم يقع بينها الحلف فتصبح قبيلة واحدة، قد تتخذ اسمها من المكان أو الإقامة أو التجمع، كما تكونت قبيلة تنّوخ على أطراف العراق٢. وقد يختلط الأمر على النسابين حين تتشابه أسماء القبائل وتتعدد هجراتها فينسبون إلى الشمال قبائل من الجنوب وينسبون إلى الجنوب قبائل من الشمال، ويقع لذلك بينهم كثير من الخلاف٣. وكما كانت الحركة نشيطة بين القبائل كانت كذلك أشدّ نشاطًا بين الأفراد٤، فلم تكن تبعية الأفراد للقبائل، في مثل الصرامة التي استقرت في الأذهان ولم تكن نسبة الفرد إلى قبيلته هذه النسبة الحادة التي لا تعرف التحول ولا تستطيع الإفلات؛ وإنما يبدو أنه كانت هناك حرية واسعة يستطيع معها الأفراد من قبيلة أن يغادورها إلى قبيلة أخرى، فينزلون عليها وينتمون إليها ويبنون بنساء منها وتكون لهم هذه القبيلة مجتمعًا جديدًا، ويختلط بنوهم بنسبها، وأكبر مَثَلٌ لذلك شأن قبيلة بجيلة حين ولّى عليهم الخليفة عمر "عرفجة بن هرثمة" فسألوه الإعفاء منه، وقالوا: هو فينا لصيق، أي دخيل، وطلبوا أن يولي عليهم جرير بن عبد الله٥، فسأل عمر عن ذلك فقال عرفجة: "صدقوا يا أمير المؤمنين، أنا رجل من الأزد أصبت أدمًا في قومي ولحقت بهم" فانظر كيف اختلط عرفجة ببجيلة ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم حتى رشح للرياسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه، ولو غفلوا عن ذلك وامتد الزمن لتنوسي، وعدّ منهم بكل وجه ومذهب٦، وكذلك الحال في أمر قيس بن مكشوح

стр. 72

المرادي، إنما هو حليف لمراد١ وكان الحطيئة الشاعر إذا غضب على بني عبس يقول: أنا من ذهل، وإذا غضب على ذهل قال: أنا من بني عبس٢. ولقد كانت المرأة تطلَّق من زوجها، وهي حامل، أو يموت عنها فتتزوّج رجلًا آخر فتلد مولودها في بيته فيسمى به، وكثير من قبائل العرب انتسبوا إلى حاضنهم وإلى رابهم "زوج أمهم"٣ وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى جاء الإسلام وأنزل الله تعالى قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب] ٤. وهكذا كان أمر تقرير الأنسباب وبخاصّة الأنساب البعيدة، أمرًا بالغ الصعوبة. على أن سلامة النسب وصراحته إنما تكون في القبائل المتبدية أكثر منها في القبائل التي تعيش في مناطق الحضارة وتجاور الأمم الأخرى، وذلك لبعد القبائل المتبدية عن الاختلاط والتصاهر والانصهار. واعتبر ذلك من مضر في قريش وكنانة وثقيف وأسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة؛ لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع، فكانت أنسابهم صريحة محفوظة ولم يدخلها اختلاط ولا عرف فيهم شوب٥. وهكذا يقرر ابن خلدون. وإن كان الاختلاط موجودًا في مثل هذه الحالات بنسبة ضئيلة. على أنه مهما في الأنساب من الشك - فإنه إذا وجدت ثمرات النسب فكأنه وجد؛ لأنه لا معنى لكون الفرد من هؤلاء أو من هؤلاء؛ إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنه التحم بهم٦. وسواء أصحت الأنساب أم لم تصح فقد اعتنقها العرب، ولا سيما متأخروهم، وبنوا عليها عصبيتهم. وقد جاء الإسلام وكان قد تم اعتقاد العرب أنهم في أنسابهم يرجعون إلى أصول ثلاثة: مضر، وربيعة، واليمن٧.

стр. 73

مهمة الدفاع لدى القبائل ١- نظام الجندية وطبيعة الأعراب: لقد طبعت حياة الصحراء العربي على الحرية المطلقة إلى أقصى حدّ، والنفرة من القيود، وأصبح من طبع البدوي الذي ينتقل مع الكلأ والماء أن ينفر من الحضر؛ لأنه بطبيعته صار يكره الاستقرار في مكان واحد ويمل منه، وبديهي أن يؤثر هذه الطبيعة في نظريته إلى السياسة، وفي طريقة حربه؛ فهو مع كبير مهارته في حروب العصابات المبنية على الكر والفر، والتي مرن عليها في حياة الصحراء التي طبعته بطابع الحذر والاستعداد دائمًا، والتي كانت الغارة والغزو السريع المفاجئ من طبيعة الحياة فيها؛ فإنه لم يكن يستطيع المكوث في الحرب صابرًا حتى تنجلي عن نتيجة، ولا يظهر تعاونه مع بقية المحاربين على ما تقتضيه قوانين الجندية ونظمها، ثم إنه لا يبالي بترك موقعه في المعركة متى شاء ومتى ظن أن النصر قد تحقّق، ولو كان ذلكم مُخالفًا للأوامر الصادرة إليه من القيادة، وما حدث في موقعة أحد خير شاهد على ذلك، فإن الرماة الذين وضعهم النبي ﷺ خلف جيش المسلمين ليحموا ظهره، وأمرهم ألا يبرحوا أماكنهم مهما كانت الظروف إلا بأمره، ما كادوا يرون تقهقر جيش العدو حتى ظنوا أنه النصر وتركوا أماكنهم بالرغم من شدة الأوامر إليهم، وسببوا بذلك هزيمة للجيش. ولما كان النظم العسكري يتطلب تدريبًا خاصًّا ومعيشة في ثكنة أو معسكرات وقتية للتدريب والتعليم أمدًا، والتثقيف في كيفية استعمال الأسلحة، وهي أمور لا يميل الأعرابي إليها، صار الأعرابي أقصر باعًا من الجندي النظاميّ في الحروب الكبيرة المنظمة وأقل حيلةً منه، كما أن عدم احتماله صبرَ الحرب، وعدم تقيّده بأوامر رؤسائه إليه، جعله يخسر بعد نصر ويفرّ بعد هجوم كما لم تدرك القيادات في الجاهلية معنى إحكام الحصار والصبر عليه، ولا معنى احتلال المدن بعد هزيمة الجيش المدافع، فلم يدرك أبو سفيان بن حرب وهو على قيادة جيش قريش يوم أحد قيمةَ نصره، فلم يدخلِ المدينة ويحتلها مع أن الفرصة كانت مواتيةً له بعد هزيمة المسلمين وتفكّك جيشهم، كما لم تستطع قريش وأحلافها الصبرَ على الحصار طويلًا في معركة الخندق، فتراجعت

стр. 74

دون أن تحقّق شيئًا. وكما أن البدوي يعمل فرديًّا، كذلك كانت البطون فرديةعند اشتباك القبائل؛ فقد يرتدّ بطن من المعركة أو قد يتركها قبل أن تتمّ. ولمحاربة هذه العادات عند العرب احتاج تدريبهم في أيام النبي ﷺ إلى استغلال العاطفة الدينية، فزخر القرآن بالآيات المنظمة للقتال، وتفضيل التراص في الحرب على الفردية ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف] . والمحذرة من عدم الصبر والهزيمة عند استمرار القتال، كما توعد المخالفين للأوامر والفارّين عند اللقاء بالعذاب الشديد، كما ندّد بدعاة الهزيمة والمتخاذلين الذين يعتذرون بشتىّ الأعذار عند رؤية العدو١. ولقد كانت الحروب التي وقعت في أيام النبي ﷺ وفي حروب الردّة فرصة طيبة لتعويد العرب التنظيم الحربيّ وخوض المعارك الكبيرة، وتدريب القادة؛ حتى إذا ما اندفع العرب إلى المجال الخارجيّ أيام الفتوح بعد انتهاء حروب الردّة، كان الجنديّ العربي أكثر قدرة على القتال من عدوِّه الفارسيّ أو الروميّ؛ ذلك لأن خشونة البدو وروح المغامرة مع الحذر المتأصِّلة فيهم انضاف إليها التدريب والتنظيم، فكانوا قوةً ساحقةً لم تستطع جيوش فارس والروم الوقوف في وجهها. ٢- الجيش عند القبائل: لم يكن لدى القبائل جنود نظاميون مدرّبون؛ وإنما كان كل فرد من رجال القبيلة متمكنًا وذا قدرة على القتال، جنديًا محاربًا عليه تلبية النداء حين يدعي إلى الدفاع عن قبيلته أو لغزو قبيلة أخرى وكانت العصبية تدعو العربي إلى الوقوف في صفوف عشيرته إذا كانت القبيلة تقاتل قبيلةً أخرى وفي صفوف قبيلته إذا كان هناك قتال تشترك فيه قبائل متعددة. هذا في القبائل المتبدية. أمّا في أماكن الحضارة والاستقرار كما هو الحال في اليمن أو في الحيرة أو عند الغساسنة -فقد كانت المشيخات أو الإمارات تعتمد في الدفاع أو الهجوم على قبائلها، كما كان على القبائل أن تقدّم للملك عددًا معينًا من الرجال للخدمة العسكرية، كما هو الحال في المنطقة الغربية الجنوبية.

стр. 75

"مملكة اليمن" أو في مملكة الحيرة، ومن هؤلاء يتألف الجيش النظامي للدولة وهو جيش دائم يُستخدم في السلم والحرب، أما في أيام الحروب فتشترك القبائل المتحالفة والمؤيدة للدولة كلها في الحرب، وقد حدث في أيام النبي ﷺ كما حدث في حروب الردة، وكذلك في الفتوح الإسلامية، ولقد كانت القبائل تقاتل تحت رايتها متساندةً تحت إمرة رجال منهم يخضعون للقيادة العامة. على أن العرب قد عرفوا علم الحرب كما علمته دول الحضارة في عصور الجاهليةالعربية؛ فقد كانت غسان على مقربة من الروم وكانت تدخل معهم في الفِرق المتطوعة على حالي الدفاع والهجوم، وكذلك كان ملوك الحيرة على مقربة من الفرس يشاركون في تكوين جيوشهم وفي حروبهم، وكان لملك الحيرة فرقتان إحداهما هي الشهباء والأخرى عربية تحمل شعار الدولة الفارسية "الأسدان" وتسمى به "الدوسر"١. والعربيّ لا يحتاج إلى أكثر من هذه المقاربة وهذه القدوة لالتقاط الفنون التي يحتاج إليها في تعبئة الجيوش، وللفطنة إلى المخاوف التي يتقيها في مواجهة التعبئة النظامية من جانب دول الحضارة، وقد تبين هذا فعلًا في موقعة ذي قار التي تغلب العرب على الفرس فيها٢. وقد كان العرب في هذه الموقعة أبرع قيادة وأخبر بفنون الزحف والتبعئة من قادة الجيوش النظامية، فلم يغفلوا قطّ عن حيطة واجبة أو حيلة نافعة قبل اشتباكهم بالجيوش الفارسية؛ بعثوا الطلائع وبثوا العيون وقسموا جموعهم إلى ميمنة يتولاها بنو عجل، وميسرة يتولاها بنو شيبان، وقلب تولته بطون من بكر بن وائل عليهم رئيسهم هانئ بن مسعود. وحاولوا إفساد الموقف على العدو بضمّ بعض القبائل الموالية له، وهي قبيلة إياد التي اتفقوا معها سرًّا على أن تنهزم عند اللقاء. ففرت في الميعاد المتفق عليه. كما كانوا يتشاورون في المواقف، وعرفوا كذلك نظام الكراديس والكمائن، ولم يغفلوا عن حمية الجند والفرسان يلهبونها للمجازفة بالحياة والأنفة من طلب النجاة، وهو ما نسميه بالروح المعنوية.

стр. 76

فالعرب قد برعوا في حرب العصابات بالمرانة الطويلة، ثم اقتبسوا ما لزمهم أن يقتبسوه من فنون الحرب عند الدول الكبرى على أيامهم، فلم يخسروا بذلك إحدى الطريقتين، بل جمعوا بينهما واستفادوا بما تفيده كل منهما في موضعها، فأضافوا سرعة العمل في طريقة العصابات إلى إحكام التنظيم في طريقه الجيوش، وكانوا يقاتلون بفنين متساندين يأخذون منهما ما يأخذون ويدعون ما يدعون. ومن المحقّق أن قبائل العرب التي أقامت في الحواضر كانت على مر الزمن تتلقى النصيب الأوفى من كلتا الطريقتين إما بالقدوة أو التلقين والتعليم المقصود.

стр. 77

الوضع الاقتصادي يتميز المجتمع العربي إلى بدو وحضر. والبدو سكان البادية، وفي البادية يتميز نوعان من الأرض التي وإن كانت صحراوية رملية عديمة المطر في الصيف إلا أنها في الشتاء بعد فصل الأمطار القليلة كانت تغطى -وبخاصة في الوديان- بالأعشاب الخضراء التي تعتبر مجالًا طيبًا لرعي الماشية من الماعز والضأن وبخاصة الجمال التي كان البدو يعتمدون عليها في حياتهم؛ ينتقلون عليها ويشربون ألبانها ويتغذون بلحومها ويتنفعون بأوبارها وجلودها في نسج ملابسهم, وإقامة خيامهم. والأراضي الأكثر خصوبة والتي تتميز بوجود بعض الآبار والعيون بها حيث تنبت أشجار النخيل والشجيرات ذات الروائح العطرية، وكانت هذه الأراضي ملجأ أهل البادية في الصيف؛ حيث تجفّ الأعشاب، فيجدون فيها الماء والغذاء لجمالهم، والثمر لغذائهم. من أجل ذلك اتّسمت حياة البادية بالرحلة والتنقل، وكثر تشاحن القبائل للاستيلاء على قطعان الماشية وممتلكات الغير وأصبح جزءًا من مقومات الحياة البدوية. وأصبح السلب والنهب لا يعد جريمةً في نظر البدوي سواء كان ذلك غارة على واحة أو على قافلة، ومن هنا اتسمت حياة البادية سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية بالتقلقل الشديد، كما اتسمت بالقسوة وموت العاطفة عند الأعراب الفقراء حتى ليقتلون أولادهم خشية الإملاق، كما قلت: قيمة المرأة عن قيمة الرجل، وإن كانت تسهم في الحياة العامة، فتشارك الرجل في حمل أعباء الحياة المدنية من القيام على المنزل وأعمال النسج والحياكة وإعداد الطعام؛ إلا أنها أقل غناء في الحرب، وفي

стр. 78

هذا الجو المتغلغل اعتبرت عالة وتبرم بها الناس وبميلادها ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل] وقد بلغ الأمر ببعضهم فعلًا أن يدسها في التراب؛ فقد كان الجفاة من فقراء الأعراب يئدون بناتهم كراهية أن تشاركهم في طعامهم؛ لشدة الفقر أو كراهية أن تتعرض للسبي والمعرة في حالة الضعف. ثم الجهات الحضرية في الواحات التي تكثر فيها الينابيع والأودية وتنمو فيها أشجار الفاكهة والنخيل والحبوب، وفي المحطات التجارية التي كانت تقوم فيها القرى والمدن، وتستقر الحياة معتمدة على نتاج الأرض أو ما تجلبه التجارة من الرزق. ولفقر البادية وضآلة مواردها اضطر الأعرابي إلى التفتيش عن رزقه بالغزو؛ ولهذا لافت القرى والمواقع الخصبة خاصة عنتًا شديدًا من الأعراب، الذين أصبحوا ذوي بأس شديد لتعودهم على مثل هذه الغارات وتخصصهم في سرعة المباغتة والفرار، ولما لم تكن هناك حكومات كبيرة تدفع الأذى عن المتحضرين وتكبح جماح البدو، فقد اضطر هؤلاء إلى مصانعة القبائل البدوية بدفع الإتاوات لها مقابل عدم التحرش بهم, ولحماية قطعانهم ومساكنهم, ولتمرير قوافلهم آمنة من القبائل الطامعة في الربح السهل عن طريق الغزو. وقد كانت هذه الإتاوات مصدر دخل ثابت لكثير من البدو في كثير من الأحيان، كما كان رؤساء القبائل القوية يفرضون أحيانًا إتاوات على القبائل الصغيرة الخاضعة لهم، وكان هذا مصدرًا من مصادر التذمر والحروب إذا اشتط بعضهم في جمعها، وقد كانت القبائل تدفعها مكرهة, مقهورة حتى إذا وجدت فرصة أو ظروفًا مناسبة تساعدها على التخلص من ذلك انتهزتها ولو عن طريق الاغتيال والقتل، كما حدث لزهير بن جذيمة العبسي، فقد كانت هوازن تدفع له إتاوة، فلما عنف عليها في جمعها ووجدت فرصة مناسبة تمكنت فيها منه قتلته١. والمجتمع القبلي بوجه عام -من وجهة النظر الاقتصادية- مجتمع بسيط التكوين يتألف من طبقتين اقتصاديتين: طبقة أصحاب الأموال من التجار وأصحاب الإبل الذين تتركز في أيديهم الثروة وتتحكم أموالهم في الحياة الاقتصادية. وطبقة

стр. 79

الفقراء الذين لم يستطعيوا المشاركة في النشاط التجاري الجارف في المدن، والذين أوصدت طبيعة الحياة الرعوية في مجتمع البادية أبواب الثراء في وجوههم. وقد كانت الملكية تنقسم إلى قسمين: ملكية ثابتة وهي الأراضي والدور. والأراضي في الواحات الزراعية يملكها الأفراد ملكية خاصة، أما أرض المراعي الصحراوية فملكيتها شائعة للقبيلة كلها، أو هي للأقوى وللأسبق عليها. وأما الدور فهي في المدن ملكية ثابتة تباع وتكرى وتوهب، وعند البدوي لا توجد المباني؛ وإنما تقوم الخيام، وكل يملك خيمته التي ينقلها معه في ترحاله، وملكية سائلة وهي إما حيونية من جمال وماشية وأغنام، أو عروض تجارة، أو رقيق من رجال ونساء. ويوجد في المدن من يتملك الأراضي والدور والماشية ومن له مال للتجارة ورقيق، وهؤلاء الأغنياء على درجات في الثروة، كما يوجد إلى جانبهم فقراء لا يملكون شيئًا. وفي البادية يوجد من يملك ألوف الإبل كما يوجد من لا يملك شيئًا إلا خيمته، وأحيانًا لا يمتلكها. وعلى ذلك وجدت في المجتمع العربي طبقتان اقتصاديتان، غنية وفقيرة، على درجات متفاوته بين أفرادها في كثرة الغنى وشدة الفقر. وكانت الهوة الاقتصادية بين هاتين الطبقتين بعيدة الغور إلى حدّ كبير مما أدّى إلى اختلال التوازن الاقتصادي بينهما اختلالًا شديدًا، وهذا الاختلال الاقتصادي وقف منه القرآن الكريم موقفًا حاسمًا حين حمل شعواء على طبقة المرابين المنشترين في المدينة التجارية الذين زادوا بجشعهم في عمق هذه الهوّة بين الناس، وحين توعد بالويل والعذاب أولئك التجّار الذين كانوا يلجئون إلى الغش في البيع والشراء، وسماهم المطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وحين نعي على الأعراب قسوتهم وتحجر نفوسهم حين ليئدون بناتهم ويقتلون أولادهم خشية الإملاق. كما حاول أن يضع حدًّا لهذا بما فرضه من الزكاة والصدقات والكفارات، وما قرّره من حقوق على الأغنياء للفقراء وبما نظمه من علاقات بين المتداينين. وبقدر ما كان الفرق الاقتصادي بعيدًا بين هاتين الطبقتين، كان الفرق النفسيّ بينهما قريبًا، فقد كانت الطبقات الفقيرة تؤمن في قرارة نفسها بأنّها لا تقل شيئًا عن الطبقات الغنية، وإذا كانت الحياة قد أغدقت على غيرهم وحرمتهم فتلك خطيئة المجتمع الذي يعيشون فيه وليست خطيئتهم، وماذا يمكلون لتغيير حظهم في الحياة

стр. 80

في مجتمع صحراوي موارد الرزق فيه محدودة ومجال العمل فيه ضيق. إن تلك القوافل التجارية التي تسيل بها شعاب الصحراء، وهذه القطعان من الماشية التي يضيق بها حمى القبيلة، كان من الممكن أن يكون لهم فيها نصيب لو أن المجتمع سار على قواعد عادلة غير القواعد التي يسير عليها. على هذا النّحو كان بعض الفقراء المتمردين على وضعهم الاقتصادي يتصوّرون مشكلتهم التي لم يجدوا لها حلًّا إلا بالفرار من مجتمعهم القبلي إلى الصحراء، ليشقوا طريقهم في الحياة معتمدين على قوتهم. وفي أعماق الصحراء الغامضة، وعلى مرتفعاتها الواعرة التي تستعصي على المطاردين، على طول الطرق التجارية التي تسير بها القوافل المحمّلة بالأموال والأرزاق. وعلى مقربة من مواطن الخصب والثراء ومراكز النشاط التجاري في الجزيرة العربية، انتشرت عصابات الصعاليك ممن نفتهم ظروف الاقتصاد أو ظروف الاجتماع عن الحياة العامة من مخلوعي القبائل وشذّاذها ومن هجنائها وأغربتها ومن فقرائها المتمردين ليؤلفوا فيما بينهم، بعيدًا عن المتجتمع النظامي، مجتمعًا فوضويًّا متمردًا يتخذ من الغزو والغارة والفتك وسائل للحياة، ومن السلب والنهب وقطع الطريق وسائل للعيش، مؤمنًا بأن الحق للقوة وأن القوة تبرر الوسيلة. ومن الحقّ أن نسجّل أن هذا المجتمع الفوضويّ المتمرّد لم يكن من حيث وسائله إلا صورة من المجتمع القبليّ من حوله والذي كان يؤمن بالغزو وسيلة مشروعة من وسائل الحياة وأسلوبًا معترفًا به من أساليب العيش؛ غاية ما في الأمر أن هذه الحركة المتمردة "حركة الصعاليك" كانت حركة فردية. تتم خارج النطاق الجماعي الذي كانت القبائل تتصرّف في داخله، في حين كانت حركات القبائل حركات جماعية تتم في داخل هذا النطاق. وقد انتشرت هذه العصابات المتمرّدة في أرجائها وقد جمع بينها التشرد والفقر، والتمرد على النظام القبلي وما كان يؤمن به من وحدة الدم ووحدة الجماعة، والكفر بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تسيطر على مجتمعات القبائل من حولهم١، والإيمان بأن الأوضاع في حاجة إلى ثورة تغير منها.

стр. 81

أسواق العرب لكل قبيلة فائض من الثروات تحتاج إلى الاتجار به أو استبداله بما هي في حاجة إليه، ويتم ذلك في الأسواق. وقد كان للعرب أسواق عامة يجتمعون فيها للبيع والشراء وتبادل المنافع، وكانت هذه الأسواق تقوم في أيام معينة من السنة، كما كانت تعقد في أماكن فسيحة يتوافر فيها الماء لسد حاجة المجتمعين، كما كانت تقوم بقرب المراكز الحضرية والتجارية، وكان الأعراب يفدون إلى هذه الأسواق يعرضون سلع البادية، وأحيانًا يعرضون ما وصلت إليه أيديهم عن طريق الغارة على القوافل أو على المسافرين، وليتزودوا من هذه الأسواق بما يلزمهم من مئونة وملابس وغيرها. وكان أهم هذه الأسواق في الحجاز سوق عكاظ، وكانت تقوم في سهل منبسط بين مكة والطائف، وهي أذكر سوق وأعرفها في الجزيرة العربية كلها، وكانت سوقًا عظيمة يغشاها العرب في كافة أنحاء الجزيرة العربية، وإن كانت قبائل مضر أكثر غشيانًا لها من غيرها لوقوعها في منطقتها١، وقد ساعد على نموّ هذه السوق قيامُها في الأشهر الحرم التي كان يحرم فيها القتال، ويأمن الناس فيها على أموالهم وأنفسهم٢، وقد حتّمت الضرورات الاقتصادية أن تحاط الأسواق بما يضمن للناس الأمن فيها. وفي هذه السوق كان تباع مختلف التجارات والسلع الثمينة التي كانت تحملها قوافل التجارة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وكان لتجار قريش فيها أكبر النصب، لقربها من مكة، ولسيطرة مكة وخصوصًا في الخمسين سنة التي سبقت ظهور الإسلام على قوافل التجارة: وحتى البضائع المسروقة كانت تباع في هذه السوق؛ ولذلك وفد إليها من سرق منهم أو انتهبوا للبحث عن بضائعهم المنهوبة أو المفقودة، وقد عثروا فعلًا على ما فقدوه يباع إلى الناس، وكثيرًا ما أدّى عثور أصحاب الأموال على بضائعهم المسروقة إلى نزاع وإلى حروب بسبب الدماء التي سبقت سرقة المال وسلب القتيل٣.

стр. 82

وكذلك كانت توجد في منطقة مكّة سوق مجنة وذي المجاز، ويقضي العرب في هذه الأسواق حوائجهم، ثم يرتحلون إلى مكة لحجهم١، كما كانت توجد أسواق أخرى في أنحاء شبه الجزيرة العربية منها دومة الجندل وصحار والشحر وعدن وصنعاء وعدة أسواق أخرى محلية تأتيها القبائل للامتيار٢. وقد كانت عكاظ، كما قلنا، أعظم هذه الأسواق وأشهرها، وطالمَا خرجت السوق عن وظيفتها الأصلية التي يفهمها الإنسان من السوق، وهي البيع والشراء، إلى أمور أخرى لا علاقة لها بالسوق التجارية، وهي المفاخرات والمباهاة والمسابقات في قول الشعر، وافتداء الأسرى، وكثيرًا ما كانت تعتقد فيها مجالس الصلح والتحكيم بين القبائل فتحلّ المشاكل المعقّدة، والناس مطمئنون إلى حرمة الأشهر الحرم التي تنعقد فيها السوق. فهي مجتمعات سياسية ذات أهمية، ومؤتمرات تقرّر فيها كثير من الأمور التي لها صلة بسياسة القبائل وبصلاتها بعضها ببعض، كما كانت القبائل تعلن فيها تبرأها ممن تخلعهم لجرائم ارتكبوها وأعمال أتوها لم ترضَ عنها، ليعرف الناس ذلك فلا يؤاخذوها على جرائم يقترفها هؤلاء الخلعاء٣. وفي عكاظ كانت تحمّل الديون والإتاوات إلى أصحابها، فيذكرون مثلًا أن هوزان تحمل إتاوتها إلى عكاظ لتدفعها إلى زهير بن جذيمة العبسي٤، وأن حيًّا من الأزد كان يحمل إتاوته إلى عبد الله بن جعد ٥ على أن العرب؛ وبخاصة الخلعاء والصعاليك، من لم يرعَ حرمة الأشهر الحرم، كان يغشى هذه الأسواق يلتمس الرزق السهل، بسلب الناس والاعتداء عليهم عند قدومهم إلى السوق أو ارتحالهم منها؛ ومنهم من كان يجرؤ على السلب والنهب حتى في عكاظ نفسها٦ كما لم ينجُ موقع عكاظ من الحروب، فوقعت فيه عدة أيام أهمها حرب الفجار، ولا يمكن أن ينجو مثل هذا المكان من الفتن والمعارك وهو

стр. 83

محل يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل والعشائر، ومنهم الخصوم والأعداء والقتلة والسفاكون. وكما كانت عكاظ مجالًا للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، كذلك كانت مجالًا لتبادل الأفكار وتصفية اللغة وتوحيدها: فقد كان يأتي إلى هذه السوق الشعراء والخطباء والحكماء، يعرضون شعرهم ويخطبون ويتساجلون. ويلقي الحكماء بحكمهم. وكان كل صاحب رأي وفكرة يجد في مجالها فرصة لعرض رأيه أو الدعاية لفكرته. وكان بعض المبشرين يغشون هذه السوق وغيرها للدعاية لدياناتهم. فكانت في الحقيقة منتدى عامًّا يحوي كل نواحي الناشط الإنساني في الجزيرة العربية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية. وتدلّ كثرة هذه الأسواق، وتدل الحاجة إلى تنظيمها في كل مناطق الجزيرة العربية، ويدل النشاط المتنوّع الذي كانت تقوم به هذه الأسواق -على أن الثروات القبلية كانت قد استطاعت أن تنظم لنفسها نطاقًا أكبر من النطاق القبلي، بل سنرى فيما بعد أنها استطاعت أن تنظم نشاطها على نطاق دولي.

стр. 84

مدينة مكة مدخل: مكة قبل الإسلام مكة قبل الإسلام ... الباب الثاني: مدينة مكة تمهيد الفصل الأول: نشأة مكة الفصل الثاني: حكومة مكة وسياستها الداخلية الفصل الثالث: قوة قريش الحربية وعلاقتها بالقبائل الخارجية الفصل الرابع: علاقات مكة الخارجية الفصل الخامس: الحج وأثره الفصل السادس: الحالة الاقتصادية الفصل السابع: الحالة الاجتماعية الفصل الثامن: استعداد العرب للنقلة

стр. 85

صفحة فارغة

стр. 86

تمهيد مكة قبل الإسلام في بداية القرن السادس الميلادي، كانت مكة مدينة ذات كيان مالي وتجاري مستقل، ومركز دينيّ مرموق أقيم حول الكعبة التي كانت محط أنظار كثير من الحجاج الذين كانوا يؤمونها لزيارة البيت الحرام والتقرب للأصنام المنصوبة هناك. وكان أهل مكة قد أجروا الترتيبات المفصلة التي كانت تتضمن سلامة طرق الحج المؤدية إلى مدينتهم، وبيع المؤن والتجهيزات للوافدين إليها, وتكفل حفظ النظام ومراعاة الآداب العامة أثناء تأدية الشعائر الدينية عند الكعبة. ولما كانت العناية بالحج وتصريف المعاملات التجارية هما المهنتين الرئيسيتين عند أهل مكة؛ فإن حياة البلد كانت تحت طبقة من المنتفذين الأكفاء، رجال لم يؤمنوا بالعنف، واعتمدوا على حل كل المشاكل بالطرق السلمية. وظلت مكة مدينة ذات كيان مالي وسياسي مستقل؛ لأن شبه الجزيرة العربية لم تقع في يوم ما -بصورة فعالة- تحت حكم سلطة مركزية, فإن تأثير البيئة الجغرافية كان يقف دائمًا في وجه نمو الإشراف المركزي في شبه الجزيرة العربية. وكانت الخصائص الأساسية لتلك البيئة، هي العلاقات المزعزعة بين مجتمع متوطن يسوده الاستقرار وآخر لا يزال بدويًّا رحالًا، والتغلغل المتداخل بين ذينك المجتمعين. فإن الجماعات التي تم استيطانها تتأثر -إلى حد كبير- بما يحدث لجيرانها من البدو الرحل، وقد انحدرت هذه الجماعات المستوطنة -عادة- من تلك القبائل الرحل التي رأت أن تستوطن يومًا ما وكانت بعد أن تستوطن بصفة تجار أو مزارعين تحاول فرض سيطرتها عن جيرانها من القبائل المتبدية- بالقوة أو الاستمالة- محاولة منها اتخاذ بعض الإجراءات لحفظ السلم والأمن, وربما نجحت في ذلك أحيانًا. ومن المهم أن نذكر أن البدو -وهم يستقرون ويستوطنون ويتخذون لهم نمطًا جديدًا من الحياة- كانوا يحتفظون بالكثير من عاداتهم القديمة ويتمسكون بها، ولم يفارقهم حنينهم إلى حياتهم الصحراوية الأولى، فتراهم يميلون إلى الخروج إلى

стр. 87

الصحراء لممارسة الرياضة والترويح عن أنفسهم وأجسامهم، كما يرسلون أبناءهم إلى البادية ليشبوا في أحضانها وبين خيامها، صيانة لهم من أوضار حياة المدن، وكانت أحاديث الصحراء وأساطيرها تشغل أمسياتهم في روايتها والتلذذ بسماعها. ومكة مثل طيب لظاهرة التداخل هذه، ولكي نفهم مركز مكة في القرن السادس وعند ظهور الإسلام، وهو الوقت الذي بلغت فيه مكة ذروة مجدها، علينا ألا نأخذ بعين الاعتبار دور القبائل الرحّل وبطونها فحسب، بل ينبغي أن نلمّ بالعلاقات الخارجية للجزيرة العربية. فإن الجزيرة العربية كانت تزوِّد المناطق المجاورة لها بالمنتجات المرغوب فيها من حاصلات الجزيرة نفسها، كما كانت موانيها حلقات اتصال للتجارة الدولية. والحركة التجارية قائمة على قدم وساق وتروح وتغدو بين مناطق البحر المتوسط والشرق الهندي، وذلك عبر الطرق التجارية التي تتخلّل شبه الجزيرة العربية، والكثير منها يخترق مكة. ومكة نفسها وقعت في دائرة التنازع الدولي الذي كان قائمًا بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية، وقد بذلت محاولات من جانب الأحباش والروم للسيطرة عليها، لكن رجال مكة الحريصين على موقف الحياد، عارضوا كل تدخل في شئونهم، وكانوا يتعاملون مع رجال الدولة من الفرس ومن الروم على السواء، كما كانوا يحذقون التعامل مع الأعراب من أهل البادية. يشير العرف الإسلامي إلى العصر الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه سلم- ويدعوه "الجاهلية". وكلمة "جاهلية" لا تعني "عكس المعرفة"؛ بل إنها تعني بالأحرى "مخالفة القانون والتمرد" أو "الجهل بما هو أفضل" وهي كلمة إسلامية أطلقت على العصر الذي سبق الإسلام مباشرة والذي كانت تسوده حرية العصبية القبلية بما فيها من نزقٍ وطيشٍ وحمقٍ واستجابةٍ لداعي العصبية مهما تكن الأسباب والظروف، فهي كلمة مأخوذة من الحمية العصبية. قال الشاعر: ألا لا يجهلنّ أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا١ وهي لذلك كلمة تعبّر عن روح العصر بما كان فيه من وثنية وأخلاق قوامها الحميّة والأخذ بالثأر. وقد استعملت كثيرًا في القرآن الكريم بهذا المعنى ﴿وَعِبَادُ

стр. 88

الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان] . ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة] ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف] . وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لأبي ذر الغفاري وقد عيّر رجلًا بسواد أمه: "إنك امرؤ فيك جاهلية" والكلمة بهذا المعنى تقابل المثل الإسلامي الذي يتلخّص في كلمة "التقوى". وعلى كلِّ من أراد أن ينظر إلى مهمة الرسول ﷺ من وجهتها الصححية أن يتفهّم بوضوح ما كانت عليه حالة مكة في زمن النبي ﷺ إذ بينما كانت رسالته توكيدًا وتحديدًا لما أمر به من سبقه من الأنبياء ليبلغوه إلى مختلف الأمم، كانت من ناحية أخرى إحياءً لدين إبراهيم ﵇ وكان لب رسالته -فوق كل شيء- خلق مجتمع يعبد الله ويسير في طريق الخير والصلاح. وكان محمد ﷺ يأمل بأن يرى قومه -قبيلة قريش- ينقلبون جماعة تعيد للكعبة طهارتها الأولى وصفاءها الفطريّ. ولكن ذلك لم يحدث إذ لم يتسجب أهل مكة لدعوته. وإنه لدليلٌ على قوّة تضامن ذوي القربى أن وقف الناس مع أقاربهم الذين غيّروا دينَهم وأسلموا، على الرّغم من عدم موافقتهم على ذلك. وأخيرًا لم يتوسم محمد ﷺ أملًا في أن تستجيب قريش لدعوته، فهاجر إلى المدينة١.

стр. 89

صفحة فارغة

стр. 90

الفصل الأول: نشأة مكة قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة في منتصف الطريق المعبّد للقوافل بين اليمن والشام، تقوم مكة: في وادٍ منبسطٍ من أودية جبال السراة، تحيط به الجبال الجرداء من كل جانب١. وتكاد تحجبه إلا من ثلاثة منافذ، يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بطريق قريب من البحر الأحمر عند مرفأ جدّة، ويصله الثالث بالطّريق المؤدِّي إلى فلسطين٢. ومكة مدينة قديمة ورد اسمها في المصادر اليونانية والرومانية القديمة، فذكرها بطليموس الإسكندري باسم "ماكورابا Macoraba ٣" ولكنها لا بد أن تكون أقدم عهدًا من هذا الجغرافيّ الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد٤. فقد أشار المؤرّخون الكلاسيكيون إلى وجود مواضع عدة في القسم الغربيّ من الجزيرة العربية التي كانت ذات حرمة وقداسية في ِأنظار العرب. وكانوا يقصدونها من أماكنَ بعيدةٍ للتبرك بها؛ ومع أن هؤلاء الكتاب لم يذكروا أسماء هذه الأماكن؛ فإنه لا يستبعد أن تكون مكة في جملة هذه الأماكن التي قصدوها. وقد ذهب "أوغست ميلر Auguat Muller " إلى أن المعبد الذي قال عنه ديودور الصقلي إنه معبد مشهور بين العرب، وهو مكة٥. ولما لم يعثر حتى الآن على كتابات جاهلية تفصح عن اسم هذه المدينة القديمة ولا عن تاريخها البعيد

стр. 91

فإنه من العسير معرفةُ تاريخ قيامها وتحديد الزمن الذي أصبح فيه هذا المكان بلدًا، وأكثر الظنّ أنه يرجع إلى ألوف من السنين مضت، وإذا كان بدء سكنى هذا الوادي يرجع إلى أيام إبراهيم وإسماعيل، فإن ذلك يعني القرن التاسع عشر قبل الميلاد١. والثابت أن واديها اتّخذ من قبل أن تبنى موئلًا لراحة رجال القوافل القادمة من الشمال والجنوب، بسبب ما كان به من العيون، فعلى طول الطرق التجارية عبر الصحراء وجدت بضعة أماكن مبعثرة اتخذتها التجار المسافرون موئلًا لراحتهم، وبالتدريج أصبحت منازل الراحة هذه مستودعات للتجارة، وصار بعضها مقامًا للهياكل والمحاريب يتابع التاجر في حمايتها تجارته، ويلجأ الحاج إليها لالتماس العون منها، ووادي مكة إحدى هذه المحطات التي جعل منها رجال القوافل مضارب لخيامهم سواء منهم القادمون من اليمن إلى فلسطين أو القادمون من فلسطين إلى اليمن٢. وإذا كان من الثابت -كما ورد في القرآن الكريم- أن إبراهيم وإسماعيل قد أقاما البيت الحرام في واديها، فإنه من الراجح أن إسماعيل هو أول من اتخذها مقامًا وسكنا، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل وسوقًا لتبادل التجارة بين الآتين من الشمال والآتين من الجنوب. وتجرى رواية الأخباريين إلى أن إبراهيم حمل زوجه هاجر وابنهما إسماعيل نحو الجنوب حتى وصل إلى هذا الوادي الذي كان مضرب خيام القوافل، ثم تركهما فيه وعاد من حيث أتى، بعد أن ترك لهما ما يتبلغان به من التمر والماء، واتخذت هاجر لها عريشا إلى جوار ربوة حمراء بهذا الوادي- لعلها كانت مقدسة يتبرك بها رجال القوافل٣- آوت إليه هي وابنها، فلما نفد الماء وكادا يهلكان عطشًا ذهبت تبحث عنه، وفي خلال هذا البحث انفجرت عين زمزم، فأقامت عليها وابنها. ترد عليهما القوافل في رحلاتها فينالان من العيش ما يكفيهما. على أن زمزم التي تفجر ماؤها قد استهوت بعض القبائل للمقام على مقربة منها. وتجري بعض الروايات بأن قبيلة جرهم

стр. 92

اليمنة هي أولى القبائل التي أقامت، وأنها أقامت بعد أن تفجرت زمزم١. بينما تجري رواية أخرى بأنها كانت موجودة قبل ذلك وكان معها حول مكة قوم من العماليق٢. ثم شبّ إسماعيل وتزوّج فتاةً جرهمية ولدت له أولاده. وفي هذا المكان أقام إبراهيم وابنه إسماعيل القواعدَ من البيت الحرام وجعله محجًّا للناس. وفي هذا المكان قامت مكة حول البيت ومنه أخذت اسمها. وقد فسّر المؤرخون واللغويون العربُ اسم مكة تفسيراتٍ كثيرةً لغويةً وغيرَ لغويةٍ استنبطوها من مكانة الكعبة وقدسيتها في نفوس العرب٣ وهذه التفسيرات متأخرة بطبيعة الحال؛ واسم مكة سابق على هذه المفهومات. ولما كان قبائل الجنوب هي أول من استعمر هذا الوادي فالأرجح أن اسمها أخذ من لغة الجنوب٤ مستندًا إلى البيت الحرام، فمكّة أو "مكرب" كما ذكرها بطليموس كلمة يمنية مكوّنة من مك ورب، ومك بمعنى بيت فتكون مكرب بمعنى "بيت الرب" أو بيت الإله، ومن هذه الكلمات أخذت مكة أو بكة بقلب الميم باء على عادة أهل الجنوب. ويقول المؤرخ بروكلمان: إنها مأخوذة من كلمة مقرب العربية الجنوبية ومعناها الهيكل، وفي التعليق على هذا الكلمة يقول صاحب الحاشية: "لقد سمّى القرآن مكة وبكة، وبكة هي الوادي ومكة لغة أخرى، ومنة "بعلبك" بمعنى وادي البعل، وهذا أدل على مركز مكة؛ لأن مكة في وادٍ غير ذي زرع. ثم إن "ما كورابا" -أو على الأصح "ماكارابا"- حسب اللهجة الآرامية الشرقية لا السريانية الغربية. يصحّ أن تعني الوادي العظيم أو وادي الربّ، ولعل بطليموس أخذ الاسم من طريق "الآراميين"٥ ويرتاب سير وليم موير Sir W. muir في قصة ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز ويرى أنها من صنع اليهود ابتدعوها قبل الإسلام بأجيال ليربطوا بينهم وبين العرب برابطة قرابة، توجب على العرب حسن معاملة اليهود النازلين بينهم، وتيسر

стр. 93

لتجّار اليهود في شبه الجزيرة١ ويستند إلى أنّه لا صلةَ بين أوضاع العبادة في العرب وبين دين إبراهيم؛ لأنها وثنيةٌ مغرقةٌ في الوثنية وقد كان إبراهيمُ حنيفًا مسلمًا. وهو إذا ينفي قصّة ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز يقول بإمكان انتقال جماعة من أبنائهما بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب واتصالهم وإياهم بصلة النسب٢. ويردّ الدكتور محمد حسين هيكل ﵀ على رأي موير بأن ما يسوقه من دليلٍ لا يكفي لنفي واقعة تاريخية، وأن وثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرونٍ كثيرةٍ لا تدل على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز حين اشتراكا في بناء الكعبة؛ على أنه لو وجدت وثنية يومئذٍ لما أيد ذلك رأي سير وليم موير، فقد كان قوم إبراهيم وثنيين ولم ينجح في تحويلهم، فإذا لم ينجحْ في تحويل العرب فلا بدع ولا عجب. ويرى هيكل: أن المنطق يؤيد رواية التاريخ، فإبراهيم الذي خرج من العراق فارًّا بأهله إلى فلسطين ومصر، رجل قد ألف الارتحال واجتياز الصحاري، والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقًا من القوافل منذ أقدم العصور، فلا محلّ إذن للريبة في واقعة انعقد الإجماع على جملتها. وإذا جاز انتقال بعض أبناء إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز؛ فكيف لا يكون جائزًا في شأن الرجلين بالذات، بل كيف لا يكون ثابتًا جازمًا ورواية التاريخ تؤكِّده، وقد ذكر ذلك القرآن الكريم وتحدّثت به بعض الكتب السماوية٣. على أن إبراهيم الذي خرج من العراق فارًّا بدينه ضاربًا في الأرض إلى فلسطين ومصر، ولم يجد استجابةً بين كل الأقوام الذين ارتحل إلى أرضهم- لا بد أنّه كان يعلم أمر هذا الطريق التجاري المطروق وأمر المحطّات التي تقوم عليه، ولا بد أن راودته فكرة التبشير بدينه بين القبائل الضاربة على جنبات هذا الطريق، بعيدًا عن مجال الحكومات القائمة وديانات شعوبها ومعابدها الوثنية العريقة، ولا بد أنه علم بأمر هذه المحطة التجارية المتوسطة والتي تلتقي عندها الطرق وتغشاها القوافل، ولا شك أن الآية القرآنية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج] تشير في ثناياها إلى

стр. 94

هذا التفكير من إبراهيم، وإلى إلهامه فكرة بناء البيت في هذا المكان الذي من المحتمل أن يلقى فيه استجابة من المقيمين والغادين الرائحين. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج] . على أن إبراهيم لم يكن ليحمل زوجه وابنه إلى مكان قفر لا زرع فيه إلا لسبب واضح لديه محدد عنده، وهو القيام بأمر العبادة عند هذا البيت الذي ينوي أن يقيمه لله، والتبشير بهذا الدين الذي بعث به. وتشير الآية القرآنية: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم] إلى ذلك في صراحة واضحة، كما تشير إلى ما يرتجيه إبراهيم لهذه المحلة التجارية من نمو وازدهار على مرِّ الأيام؛ نظرًا لموقعها المتوسط ولحصانتها بالنسبة للنازل والمقيم وإبراهيم الرّحّالة الخبير. لا شكّ كان عالمًا بقيمة المواقع وأهميتها لطول ما تمرّس به من الرحلات والأسفار. ولقد كرّر زيارته -كما تجري الروايات- إلى زوجة وولده في المكان، للاطمئنان على سلامة تقديره، وليرقب نموّ هذه النواة التي وضعها للإقامة في هذا الوادي الحصين، فلما اطمأنّ إلى أنها نبتت وامتدّت جذورها، تعاون هو وابنه على بناء البيت الحرام ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة] . ولما شهد إبراهيم قيام البلد الذي كان يرجو قيامَه حول البيت، واطمأنّ إلى أن عمله قد آتى ثماره، دعا ربه ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم] وهكذا يمكن أن نتصوّر قيام مكةَ في هذه البقعة على ما يمكن أن نستنتج من آيات القرآن وكما تجري به الروايات.

стр. 95

استمرت جرهم تلي أمر البيت فترة من الزمن، وأبناء إسماعيل مع أخوالهم لا يرون أن ينازعوهم أمر البيت لخئولتهم وقرابتهم١، إلى أن قدمت قبيلة يمنية أخرى هاجرت من الجنوب في الهجرة التي تفرقت بها قبائل الأزد مهاجرة نحو الشمال، بعد اضمحلال حالة اليمن وتهدّم سد مآرب٢، واستقرّ بطن من بطون الأزد حول مكّة وعرف بقبيلة خزاعة، واحتكت خزاعة بجرهم فتقاتلت القبيلتان وانتصرت خزاعة ووليت أمر البيت، وخرجت عن هذا الوادي جرهم، كما خرج أبناء إسماعيل حيث تفرقوا حول مكّة وفي تهامة٣. وقد بدأت مكة تتطوّر أيام خزاعة، فقد عمل زعيم خزاعة "عمرو بن لحي" على تنشيط الحجّ إلى الكعبة، بعد أن كان أمر مكة قد تدهور، والحجّ إليها قد قلّ؛ بسبب بغي جرهم واعتدائها على القوافل والتجار والحجاج الذين يمرون بمكة أو يفدون إليها للمتاجرة والحج٤، وبعد إهمال بئر زمزم التي يسرت المقام في هذا الوادي القفر، فأخذ عمرو بن لحي يقيم موائد الطعام في موسم الحج وييسر جلب الماء من الآبار المنبثّة حول مكة، ونال بذلك منزلةً كبيرةً بين قومهه وبين القبائل الضاربة حول مكة٥. ولما كانت قبائل العرب البعيدة لا تعرف شيئًا عن الحنفية دين إبراهيم؛ فقد عمل عمرو بن لحيّ عن جلب الأصنام من الجهات الأخرى وإقامتها حول الكعبة؛ حتى يرغّب القبائل العربية، وبخاصة قبائل الشمال، في الحج إلى بيت مكة للتقرب لأصنامها، وقد طوّع لعمرو بن لحيّ أن يدخل على البيت هذه العبادة، ذلك المركز الذي أشرنا إليه، ويبدو أن الحنفية كان قد ضعف أمرها حتى بين أبناء إسماعيل

стр. 96

قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة: وتجري الرواية بأن أم قصي تزوجت برجل من بني عذرة، بعد وفاة كلاب بن مرة والد قصي، وحملها العذري إلى قبيلته في بادية الشام، وأخذت معها ابنها الطفل زيد، الذي لقب: قصي؛ لبعده عن دار قومه، حيث تربى في حجر رابه حتى صار

стр. 97

قصي بن كلاب وعودة قريش إلى مكة: وتجري الرواية بأن أم قصي تزوجت برجل من بني عذرة، بعد وفاة كلاب بن مرة والد قصي، وحملها العذري إلى قبيلته في بادية الشام، وأخذت معها ابنها الطفل زيد، الذي لقب: قصي؛ لبعده عن دار قومه، حيث تربى في حجر رابه حتى صار

стр. 98

شابًّا، ولما علم بحقيقة نسبه عاد إلى قومه، واستقر بمكة، وفيها أظهر من النشاط والتفوق ما جعله يصهر إلى زعيم خزاعة: حليل بن حبشية، فيتزوج ابنته حبى١، ويكثر مال قصي وولده، ويعلو مركزه بمكة، ويقوى تبعًا لذلك طموحه، فيرتب للاستيلاء على الحكم وسدانة البيت في مكة. وقد رتب لخطته ترتيبًا يدل على قوة شخصية ودهاء. فإنه اتصل سرًّا بعشائر قريش وبطونها التي كانت متفرقة في تهامة وحول مكة، فوحد كلمتها وجمعها حوله، كما حالف بطون كنانة، ثم راسل أخاه لأمه رزاح بن ربيعة بن حرام العذري القضاعي؛ ليمده إذا لزم الأمر؛ فلما تم له ذلك انتهز فرصة موت صهره الذي كان بيده سدانة الكعبة، فاستولى على مفتاح البيت الحرام وأعلن أحقيته بولاتيه، وعارضت خزاعة أن يكون لغيرها منصب من المناصب المتصلة بالبيت الحرام، فاستنفر قصي قريشًا وكنانة، واستمد أخاه فقدم فيمن قدر عليه من قضاعة، واستطاع قصي بمن معه أن يهزم خزاعة وحلفاءها من بني بكر، وأن يجليها عن مكة٢، كما استطاع أن يفرض سلطانه على بطون كنانة التي كانت تلي بعض طقوس الحج، وأنزل قريشًا مكة وقسمها بينهم، فأقر له القوم جميعًا بالملك عليهم، واجتمعت مناصب مكة كلها في يده٣. ويذهب بعض الأخباريين إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة، إلى أن تولى قصي أمرها، ويعللون ذلك بأن جُرهم وخزاعة لم يريدوا أن يكون إلى جوار بيت الله غيره، وأنهم لم يكونوا يقيمون ليلهم بالحرم؛ وإنما كانوا يذهبون إلى الحِل٤. فلما تم الأمر لقصي جمع قريشًا واستقر بها في الحرم وأمرها بألا تبرحه ليلًا، وأنه لكي لا يثير شعور القبائل ضده أقام الموائد ومد الطعام على أبواب الطرق الموصلة لمكة في موسم الحج؛ فلما تأكد من عدم الاعتراض على فعله؛ بنى داره بمكة واتخذها مقرًّا لندوة قريش فعرفت بدار الندوة، يجتمع فيها كبراء مكة تحت إمرته للتشاور في أمور بلدهم، وأمر قومه من قريش؛ فبنوا دورهم بعد أن قسم البلد بينهم، فنزلت قريش كلها بالأبطح

стр. 99

وهو وادي مكة، خلا بني محارب والحارث ابني فهر وبني تميم بن غالب وهو الأدرم وبني عامر بن لؤي؛ فإنهم نزلوا الظواهر١، ومنذ ذلك التاريخ أخذت مكة في طور التحضر والاستقرار والتنظيم في شئون الحكم والاقتصاد، حتى أصبحت زعيمة الجزيرة العربية في نهاية القرن السادس. هذا مجمل ما ذكره المؤرخون العرب وأصحاب الروايات عن نشأة مكة وعن قيامها كمدينة على يد قصي بن كلاب القرشي. وكأنما يريد هؤلاء المؤرخون أن يقولوا: إن مكة ظلت على بداوتها إلى أن اجتمع أمرها لقصي في منتصف القرن الخامس الميلادي. على أن بعض المؤرخين الغربيين يتشككون في وجود قصي نفسه٢، ويرون أنه شخصية خيالية ابتدعها خيال الأخباريين الإسلاميين؛ وعلتهم في ذلك أن ما يروون عنه يشبه ما يروى في الأساطير عن الأشخاص الذين ينسب إليهم إنشاء المدن، ويرفض البعض روايات المؤرخين العرب عن تجميع بطون قريش من تهامة وشعاب مكة، ويرون أن قبيلة قريش التي حكمت مكة واستطاعت أن تنقلها من حال البداوة إلى هذه الحال التي تتزعم فيها الجزيرة العربية، وتنشئ لها من التنظيم السياسي والديني والاقتصادي ما يكفل لها هذا التقدم، وما يدل على معرفة كبيرة بشئون الحكم والاستقرار؛ لا يمكن أن تكون إحدى هذه القبائل المتبدية في تهامة أو الحجاز، وأنها لذلك لا بد أن تكون قدمت من الشمال أو من بادية العراق بعد أن عرفت الاستقرار، ونالت قسطًا كبيرًا من التقدم والمعرفة بشئون الحكم، ولا يستبعد أن تكون من بقايا النبطيين الذين حكموا في الشمال، وكان لهم دولة مزدهرة كانت تقوم على التجارة، والذين تراجعوا نحو الجنوب بعد غزو الرومان لبلادهم ٣. وبخاصة أن القرشيين قد برعوا في التجارة إلى حد كبير، كما أن

стр. 100

لغتهم التي سادت وتفوقت على لهجات القبائل الأخرى كانت لهجتها أقرب إلى لهجات الشمال منها إلى لهجات الجنوب. وليس من الممكن الموافقة على ما يقول به المؤرخون العرب، من أن مكة بقيت على بداوتها حتى اجتمع أمرها لقصي بن كلاب، فهذا أمر عسير التصور أن تبقى بلد له ما لمكة وبيتها العتيق من القدسية، في حالة البادية، مع ما يثبته هؤلاء المؤرخون من أن البيت بقي بعد إسماعيل في يد جرهم أخوال بنيه أجيالًا متعاقبة أقاموها حوله، ثم انتقال أمرها بعد ذلك لخزاعة، وهي قبيلة يمنية قدمت من بلاد عرفت الحضارة والاستقرار وشئون الحكم، وهي حين وليت أمر مكة حاولت تنظيم الحج والتوسع فيه وإغراء القبائل العربية بالقدوم إلى مكة، ومع أن مكة كانت ملتقى طرق القوافل إلى اليمن وإلى الحيرة وإلى الشام، وأنها اتصلت بتجارة العالم عن هذا الطريق وعن طريق البحر الأحمر. كما يشير هؤلاء المؤرخون إلى احترام التبابعة لمكة، فيذكرون مثلًا أن التبع أسعد أبا كرب الحميري قدم مكة ووضع الكسوة على البيت الحرم١. عسير أن يتصور بقاء بلد له هذه المكانة من غير أن يدينه اتصاله بالعالم من مراتب الحضارة٢. لذلك كان من الحق أن نقول: إن مكة وقد دعاه إبراهيم بلدًا ودعا الله أن يجعله آمنًا مطمئنًا، قد عرفت حياة الاستقرار أجيالًا طويلة قبل قصي. ولقد أطلق القرآن الكريم على مكة اسم أم القرى٣ ومعنى هذا أنها كانت عاصمة للمنطقة التي كانت فيها. ولا ريب أن هذه التسمية كانت جارية مألوفة قبل نزول القرآن. ومن إطلاق أم القرى على مكة يمكن أن يستدل على أنها كانت مدينة كبيرة كما،أنها كانت تتمتع بمركز محترم وتوجيه عام من سائر الأنحاء حولها، ولا يمكن أن يتم ذلك في مدة وجيزة لا تتجاوز المائة عام. على أن الطبري يشير إلى أن قصي حين قاتل خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم؛ فلما رأت ذلك جلت عن مكة, فمنهم من وهب مسكنه ومنهم من باع ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة،

стр. 101

والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في الشعاب ورءوس الجبال فقسم منازلهم بينهم١. وهذه الرواية التي ذكرها الطبري تقطع مع ما ذكرنا بأن مكة كانت قائمة قبل مجيء قصي. ولعل ما دعا هؤلاء المؤرخين إلى هذا القول هو محاولتهم نسبة شرف إنشاء مدينة مكة إلى قصي القرشي الذي هو الجد الخامس للنبي ﷺ ولما وقر في الأذهان من تعظيم قريش والإشادة بفضلها، وبخاصة أن هؤلاء المؤرخين والأخباريين مسلمون نشئوا في ظل حكم قرشي. وهذا القول نفسه هو الذي حدا بالمؤرخين الغربيين إلى التشكك في روايات الأخباريين العرب وإلى التشكك في وجود قصي نفسه. على أنه ليس من الصواب المغالاة في هذا التشكك، فإن العهد بقصي ليس بعيدًا، وليس من الحق نفي وجود شخصية تاريخية قامت بدور كبير في حياة مكة. ومهما تكن المبالغة في تصوير هذا الدور؛ فإن مائة وخمسين سنة ليست عهدًا طويلًا بحيث تدخل حوادثها وأشخاصها في حيز الأساطير، وبخاصة إذا قدرنا قيمة الذاكرة العربية، ومقدار اهتمام الناس بأنسابهم وأعمال آبائهم في تلك الأيام، على أن معالم الآثار قد بقيت فترة طويلة في العصر الإسلامي؛ فقد بقيت دار الندوة -وهي دار قصي التي جعلها منتدى القبيلة- معروفة باسمها حتى اشتراها معاوية بن أبي سفيان من صاحبها بمائة ألف درهم. وجعلها دار الإمارة بمكة، ثم أمر الخليفة المعتضد بالله العباسي بهدمها وإدخالها في المسجد الحرام٢. أما القول بنسبة قريش إلى الشمال؛ فإنه مهما بدا معقولًا من وجهة التدليل المنطقي، فإنه يفتقر إلى الدليل التاريخي؛ فلا يوجد في المصادر العربية القديمة ولا في غيرها، ما يشير إلى هذه الهجرة الشمالية إلى وادي مكة والإقامة حوله، في الوقت الذي تؤكد فيه هذه المصادر وجود بطون قريش حول مكة٣. ونحن إذا تتبعنا جداول الأنساب؛ وجدنا أن أمهات أجداد قصي من قبائل كانت تعيش في منطقة مكة أو حولها، فأم كنانة من قيس عيلان، وأم مالك بن النضر من

стр. 102

قيس عيلان كذلك، وأم فهر بن مالك -الذي هو قريش- من جرهم، وأبناء فهر أمهم ليلى بنت سعد بن هذيل، وأم لؤى بن غالب بن فهر هي سلمى بنت عمرو الخزاعي، وأم مرة من كنانة، وأم كلاب والد قصي هي بنت سرير بن ثعلبة الكناني الذي كان أول من نسأ الشهر الحرام١، فهذا التزاوج المتصل لا يكون إلا بالمجاورة، والمخالطة، الأمر الذي يقطع بوجود بطون قريش في منطقة مكة ومخالطتهم للقبائل الضاربة حولها قبل قصي بأجيال طويلة؛ على أن قريشًا فرع من كنانة، وقبائل كنانة مقيمة حول مكة لم تفارقها. أما هذا التقدم الذي نالته مكة على يد قبيلة قريش، وأغرى المؤرخين بهذا الفرض؛ فإنه استمرار لحالة قد بدأت من قبل حكم قريش لمكة، فقد بينا أن مكة لا بد أن تكون قد أخذت بأسباب الاستقرار والتحضر قبل حكم قريش في عهد خزاعة على الأقل، وأن قريشًا قد وجدت بداية سارت عليها. على أن ما أقرته قريش من نوع الحكم والتنظيم في مكة إنما هو في جوهره تنظيم قبلي موجود في تشكيل القبيلة العربية٢، ثم تطور تدريجيًا بحسب مقتضيات ظروف الاستقرار في مكة وبحسب اتصالات قريش الواسعة وقيامها على التجارة واحتكاكها بالعالم المتحضر؛ فافتراض أن قبيلة قريش قدمت من الشمال في عهد النبط افتراض لا يقوم على أي دليل تاريخي؛ أما عن الدليل اللغوي وهو أن لغة قريش لغة شمالية فإن الشمال هنا يحدد بالنسبة لكل ما يقع شمال اليمن، ولهجة الحجاز هي في نظرنا اللهجة الشمالية مهما امتدت شمالًا.

стр. 103

حكومة مكة وسياستها الداخلية مدخل ... الفصل الثاني: حكومة مكة وسياستها الداخلية تولى قصي حكم مكة طول حياته، وجعل مركز هذا الحكم دار الندوة التي أنشأها، واهتم بعمارة البيت الحرام وجعل وظيفة السدانة من أهم الوظائف، كما نظم سقاية الحاج إلى الكعبة في موسم الحج، وجعلها وظيفة ثابتة عرفت باسم السقاية، وقد بقيت هذه الوظيفة من أجلِّ الوظائف في مكة وذلك لطبيعة البلد وشح المياه بها، ولأن كفالة الماء في هذا البلد القفر الحار مما ييسر مهمة الحج ويجعل الإقبال عليه أمرًا ميسورًا. كما فرض على قريش خرجًا تدفعه له يصنع به طعامًا للحجاج في موسم الحج، وجعل هذا الفرض أمرًا مقررًا، وجعل له وظيفة ثابتة عرفت باسم الرفادة، كما كان له الرياسة العامة وله القيادة واللواء١. وقد جمع قصي هذه الوظائف كلها في يده، وظل طول حياته محترمًا مطاعًا يرى الناس أمره فيهم كالدين المتبع: ولما مات خلفه بنوه على هذه المناصب وزادوا فيها إرضاء للبطون القرشية حتى وصلت إلى ست عشرة وظيفة ٢. أفكانت هذه المناصب كلها أو بعضها موجودة قبل قصي، أم هو الذي استحدثها؟ لا نستطيع الجري مع الأخباريين العرب في أن قصي هو الذي أنشأ مكة واستحدث لها هذه المناصب كلها. فالواقع أن القرية المكية انتظمت منذ عهد عمرو بن لحي زعيم خزاعة، وقد دخلت في طور النظام الاجتماعي بعد أن مرت بطور

стр. 104

الاضطراب والحروب والرحلات والغزوات والقتال على السيادة١، وكان أساس الحياة في هذا الودي يقوم على قبول الهجرة من القبائل القادمة من الجنوب. وقد استمر النظام الحكومي قبل قصي عدة قرون. وكانت الوظائف الاجتماعية موجودة، ولكنها كانت لا تزال في حالة أولية، وبقي على قصي أن يكمل التشريع الذي بدأه عمرو بن لحي وبنوه، ويخلق الوظائف الحكومية ويشيد دار الندوة، ويميز الحمس والدخيل والضيف واللاجئ. ومنذ كانت خزاعة حاكمة في مكة، كانت قريش في بني كنانة متفرقة٢. على أن التنظيم الحكومي في مكة سواء في عهد خزاعة أو في عهد قصي إن هو إلا تنظيم قبلي في جوهره، وإن بدا نظامًا جمهوريًّا من حيث إنه لم يكن الزعيم أو المتنفذ يلقب بالملك، وبالرغم من أن الحكم كان شوريًّا يخضع لرأي الجماعة ورقابتها، فلا ينبغي أن نبالغ مبالغة الأب لامانس Lammens فظن أن مكة كانت جمهورية بالمعنى الكامل للجمهورية٣، فالواقع أنه مع نمو العلاقات التجارية والاقتصادية في مكة فإن مجتمعها كان مجتمعًا قبليًّا، فهو لا يعدو أن يكون اتحاد عشائر ارتبط بعضها ببعض لغرض سدانة الكعبة من جهة، والقيام على تجارة القوافل من جهة أخرى، ولا سلطان لعشيرة على أخرى، بل كانت كل عشيرة تتمتع بالحرية التامة ولا طاعة مفروضة عليها لأحد، وكل ما في الأمر أن اشتراكهم جميعًا في مصلحة واحدة خفف غلواء هذه الحرية، ولكنه تخفيف لم يخرج بقريش عن النظام المعروف في الجاهلية، ووجود مجلس الملأ فيها لا ينقض هذه الحقيقة، فإن عمله لم يكن يعدو عمل مجالس القبائل، ولم يكن رأيه ملزمًا إلا حين توافق عليه العشائر كلها، ومع ذلك فإن العشائر كان يمكنها التخلص منه إذا رأت ذلك؛ فمثلًا بنو زهرة تراجعت ولم تشارك في معركة بدر برغم موافقتها وخروجها ٤. وكذلك بنو عدي لم تخرج إلى القتال برغم الإجماع عليه٥. كذلك كان الفرد يستطيع الخروج على هذه القرارات، ولم تكن هناك عقوبة تفرض على

стр. 105

الخارجين عليها. وعلى حين كان التضامن القبلي قائمًا، كانت أحيانًا تبرز النزعات الفردية، فبرغم أن الحياة التجارية في مكة كانت تزيد من الترابط في القبيلة؛ فقد وجد من الأشخاص من يفضل مصلحته الذاتية على مصلحة القبيلة. وبرغم أن الأمن كان يتوقف على نظام العشيرة نجد أشخاصًا يعملون ضد مصلحة العشيرة، فأبو لهب عم النبي ﷺ خرج على إجماع العشيرة وانضم إلى باقي بطون قريش حين أجمعت على مقاطعة بني هشام١، والعباس بن عبد المطلب برغم تضامنه مع عشيرته٢؛ فإنه ظل على علاقته الودية مع باقي البطون القرشية حرصًا على تجارته وأمواله٣ وإلى جانب مجلس الشيوخ -الملأ- كان للعشائر أنديتها التي تجتمع فيها حين تدعو الضرورة لمناقشة الأمور الخاصة بالعشيرة، وكان يمكنها أن تتخذ قرارًا يخالف رأي مجلس القبيلة، ومثال ذلك اجتماع بني هاشم والمطلب للتشاور والاتفاق على حماية محمد ﷺ ومواجهة قريش٤. وبالرغم من أن مجلس الشيوخ -الملأ- كان وسيلة الحكم في مكة، ينظم شئونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فإنه لم يخضع لقانون مكتوب، وإنما كان ينظر في هذه الشئون حسب قوانين العرف والعادة، ولكنه لم يقض على حرية الأفراد، فكل فرد كان متمتعًا بحريته مع شعوره بحقوق الجماعة أو حقوق القبيلة، وهذا هو نفس النظام الذي كان سائدًا في القبيلة العربية في كافة أنحاء شبه الجزيرة. فللفرد حريته وللجماعة حقوقها التي لا تتناقص مع هذه الحرية. وعلى ذلك كانت القرارات الحاسمة -في الملأ- هي القرارات الجماعية، ويرجع الفضل الأول في قوة مكة إلى قوة زعمائها وقدرتهم على تكوين رأي عام، وحل المنافسات الداخلية التي تنشأ بين العشائر على أساس المصلحة العامة والمحافظة على وحدة القبيلة التي كانت تتطلبها ظروفها كقبيلة تجارية مستقرة في بلد يعتمد في حياته على التجارة وما تجلبه لأهله من وسائل الرزق، كما يعتمد على قدسية البيت الحرام الذي يقوم فيه ويجلب إليه الحجاج

стр. 106

من كافة أطراف الجزيرة العربية، وما يترتب على ذلك من حصول القبيلة على مركز أدبي ممتاز بين القبائل، ومن تجارة داخلية واسعة تدر على سكان البلد الحرام الرزق والثروة، وكان أي تفكك في داخل المدينة يعرض مركز مكة للانهيار، ولذلك كان لا بد أن يضع له أهله من الأنظمة والقوانين ما ينظم حياته، ويقر الأمن فيه ويحفظ الحقوق، ويضمن حماية مَن يفد إليه من الأذى، لدوام مجيء الحجاج إليه. ولقد نجح ملأ قريش في المحافظة على تماسك القبيلة، فاستطاعوا حل الخلافات الداخلية حلًّا سلميًّا، مثال ذلك الخلاف بين المطيبين والأحلاف الذي أوشك أن يثير حربًا داخلية بين عشائر قريش١، كما استطاعوا أن يرضوا شعور العشائر ويحدوا من تنافسها على السلطة بأن توسعوا في قاعدة الحكم، فأنشئوا الوظائف وأسندوا لكل عشيرة وظيفة خاصة تمارسها في نطاق القبيلة، ومع أن بعض هذه الوظائف لم يكن ذا قيمة إلا أنه أرضى شعور العشائر وأشعرها بمشاركتها وحفظ تماسك القبيلة. ودار الندوة هي الدار التي بناها قصي بن كلاب، وكانت ملاصقة للمسجد الحرام من ناحية الجهة الشامية من الكعبة، وكانت فسيحة وسيعة، وفيها كانت قريش تقضي شئونها العامة وقد سميت الندوة؛ لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر ندوا إليها للتشاور٢. والندوة الجماعة، ودار الندوة دار الجماعة٣. وأهم خصائص دار الندوة أنها كانت دار مشورة قريش، فيها يجتمع ملؤها للتشاور في أمورها، ولم يكن يدخلها للمشورة من غير بني قصي إلا ابن أربعين سنة، في حين كان يدخلها بنو قصي وحلفاؤهم، على أنه كانت تقضى في دار الندوة أمور أخرى غير المشاروة، ففيها كانت قريش تعقد لواءها إذا خرجت للحرب، ومن دار الندوة كانت ترحل قوافلها للتجارة؛ وفي فنائها تحط هذه القوافل حمولتها إذا رجعت، وإذا بلغ غلام لقريش عذر أي ختن فيها. وإذا بلغت جارية لقريش جاء بها أهلها إلى دار الندوة فشق عليها قيم الدار درعها -أي قميصها- ثم درعها إياه، ثم انقلبت إلى أهلها فحجبوها، والظاهر أن

стр. 107

الغرض من الأمرين الأخيرين مجرد تعريف بالبالغين من قريش الذكور والإناث١. ودار الندوة في مكة تشبه الإكليزيا Ekylesia في أثينا، إلا أن الملأ المكي كان أكثر تعقلًا وشعورًا بالمسئولية من الإكليزيا اليونانية، وأقل تأثيرًا بالانفعالات العاطفية، وذلك لأن الملأ كان يتكون من رؤساء العشائر وأولى الرأي والحكمة فيها، وعلى حين كان الأثينيون يقبلون في الإكليزيا كل رجل أمين مستقيم؛ كان أهل مكة حريصين على أن يكون للشخص مهارته العملية وقدرته على القيادة٢. وإنشاء دار الندوة وتخصيصها لهذه الوظيفة يعتبر بداية لمرحلة جديدة تبلورت فيها النظم القبلية القديمة. أما أهم المناصب الأخرى في مكة بعد دار الندوة، فكانت السدانة، والسقاية، والرفادة، وكلها مناصب متصلة بالكعبة والحج إليها. والسدانة هي رعاية البيت والقيام على إعداده للزائرين، لقد كانت هذه الوظيفة هامة جدًّا نظرًا لمركز الكعبة عند العرب؛ ولأن البيت الحرام هو الذي أعطى مكة قدسيتها ومكانتها وجلب إليها الحجاج من كافة الأنحاء، وعلى الحجاج يقوم جزء كبير من حياة مكة الاقتصادية؛ فإن قريشًا تضرب في مشارق الأرض ومغاربها لتجلب التجارة التي تبيعها للحجاج في مكة وفي الأسواق التي تقوم حولها في موسم الحج وتجني من وراء ذلك ثروة كبيرة. من أجل ذلك اهتمت قريش برعاية البيت الحرام والدعاية له في كافة أنحاء شبه الجزيرة، وجلبت إليه أصنام القبائل فأقامتها حول الكعبة. ولما كانت الكعبة في نظر العرب هي في بيت الله الذي بناه إبراهيم الذي يردون أنسابهم إليه، وهي أول بيت وضع للناس؛ فإن وضع الأصنام به يعتبر تكريمًا للأصنام ومن ثم يعتبر تكريمًا للقبائل التي تتقرب إليها وتعبدها، وفي ذلك إغراء للعرب على الحج إلى الكعبة؛ حيث يطوفون بالبيت ويقربون لأصنامهم في نفس الوقت. ولم يستحدث قصي هذه الوظيفة وإنما هي وظيفة قديمة ترجع إلى بناء الكعبة نفسها، فإنه من الطبيعي أن يكون لكل معبد سادته. ووظيفة السقاية لا تقل أهمية، وهي مرتبطة بالكعبة والحج إليها؛ وتأتي أهميتها من أن مكة بلد شحيحة المياه، وأن الحاج إليها يلقى عنتًا شديدًا إذا تيسر له المياه

стр. 108

وخصوصًا في موسم الحج، حيث يكثر الوافدون إلى مكة لأداء هذه الفريضة، وقد أصبحت مهمة السقاية بالغة الخطورة خصوصًا بعد أن طمرت بئر زمزم التي يسرت المقام في هذا الوادي القفر. نتيجة لإهمال جرهم لها، أو لأن زعيم جرهم قد طمرها، بعد أن هزم أمام قبيلة خزاعة واضطر للخروج عن مكة١. حتى يضايق خزاعة ويجعل مهمة الحج عسيرة. ومن المؤكد أن الزعماء الخزاعيين اهتموا بتوفير المياه لإرواء الحجاج في موسم الحج، وإن لم يفكروا في إعادة حفر زمزم التي تنوسي أمرها مع الزمن، وجهل الناس موضعها، وإن لم نسمع أنهم جعلوا من هذا الاهتمام وظيفة خاصة. وقد اهتم قصي بهذا الأمر حين ولي مكة اهتمامًا كبيرًا، نتيجة لاهتمامه بتنشيط الحج الذي يبدو أنه فتر في العهد الأخير من حكم خزاعة، وقام بحفر الآبار في وادي مكة، كما حفرت عشائر قريش آبارًا كثيرة بعد قصي٢: وإن لم يفكر أحد في إعادة حفر بئر زمزم. حتى كانت أيام عبد المطلب بن هاشم الذي آلت إليه هذه الوظيفة الهامة. وأصبح يجد مشقة كبيرة في توفير المياه للعدد المتزايد من الحجاج نتيجة للاتجاه العام نحو مكة المستقلة، بعدما أصابت الدويلات العربية في الجنوب والشمال من تدهور سياسي وأدبي، وقد ألهمت الحاجة عبد المطلب التفكير في حفر بئر زمزم، بئر إسماعيل، التي لا بد كانت الأخبار لا تزال تروي عنها، والبحث عن مكانها حتى اهتدى إليها وأعاد حفرها٣، ومن ثم أصبحت عملية إمداد الحجاج بالماء أقل مشقة. وقد عد المكيون وظيفة السدانة من أعظم الوظائف في مكة، وكانت قريش تفاخر بهما٤، وقد تولت هاتين الوظفتين أعظم العشائر القرشية، وحين فتح النبي ﷺ مكة ألغى كل المناصب بها ولم يبق إلا على هاتين الوظفيتين تقديرًا لأهميتهما٥. والرفادة هي إطعام الحاج في أيام الحج، وقد فرض قصي على قريش خرجًا تخرجه من أموالها وتدفعه إليه؛ فيصنع به طعامًا يقدمه للحجاج في أيام عرفات ومنى،

стр. 109

على اعتبار أن الحجاج هم ضيفان الله وأن أحق الضيف بالكرامة هم ضيف الله، وأن على قريش -وهي تسكن في حمى بيت الله وتقوم عليه- أن تقوم بهذا الواجب السامي١. وكان هذا العمل من قصي ينطوي على حكمة سياسية كبيرة؛ فإن إمداد الحاج بالطعام يدعو إلى الإقبال على القدوم إلى مكة، وخصوصًا إذا قدرنا بعد الشقة وصعوبة حمل المؤن والزاد مع السفر في الصحراء مسافات طويلة٢، كما أن البادية كانت فقيرة وكان إطعام الطعام فضيلة من أكبر الفضائل التي يتمدح بها العرب وينال صاحبها عن طريقها الاحترام العام والمنزلة الرفيعة. كما أن المؤاكلة تعد عقد جوار عند العرب، فإذا أطعمت قريش القبائل القادمة إلى مكة في موسم الحج فإنها تنال بذلك احترامًا عامًّا، ومنزلة سامية في نظر هذه القبائل، كما تعتبر أنها تعاقدت معها برابطة الجوار والأمن نتيجة لهذه المؤاكلة، وبذلك يصبح في إمكان قريش أن تسير آمنة في أراضي هذه القبائل؛ ولذلك كانت الرفادة وظيفة سامية في مكة، وكانت توكل إلى العشائر العريقة من قريش. على أن هذه الوظيفة ليست مستحدثة كلية؛ فإن الأخباريين يروون أن عمرو بن لحي زعيم خزاعة كان يطعم الحاج، وقالوا: إنه ربما ذبح أيام الحج عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة في كل سنة، يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق٣؛ ولكن يبدو أن هذا التقليد لم يصبح وظيفة مقررة إلا في عصر قصي بن كلاب. هذه الوظائف الثلاث -السدانة والسقاية والرفادة- لم تكن وظائف قبلية؛ وإنما هي وظائف استلزمها وجود الكعبة بمكة وقيام الحج إليها والرغبة في تيسيره؛ حتى تجني مكة من وراء ذلك الفوائد المادية والأدبية التي كانت ضرورية لحياتها كبلد يعتمد على التجارة وعلى الاتصال بالقبائل من حوله. ولم تكن هذه المناصب تشكل إدارة محلية، وإنما كانت مزايا تعطي فرصًا للكسب المادي، والمنزلة الأدبية.

стр. 110

والوظيفتان الرئيستان بعد ذلك في عهد قصي هما اللواء والقيادة، والأولى هي الراية تعقد فيجتمع إليها المحاربون، يسلمها قصي لمن يتولى القيادة العامة. والقيادة هي قيادة الجيش عند الحرب وقد يتولاها بنفسه أو ينيب عنه من يتولاها. وهاتان الوظيفتان كانتا موجودتين في تنظيم القبيلة العربية؛ فشيخ القبيلة هو الذي يعلن الحرب على القبائل الأخرى ويدعو المحاربين إلى الاجتماع، كما أنه يقود القبيلة في حروبها أو ينيب عنه من يقودها. وكل ما استحدثته قريش في هذه الناحية أنها وكلت أمر هذه الوظائف إلى عشائر معينة تتوارثها؛ وذلك لأنه لم يصبح لقريش بعد موت قصي زعيم عام ترجع إليه القبيلة؛ وإنما أصبح يحكمها الملأ وهم رؤساء العشائر الذين اعتبروا أنفهسم متساوين من حيث المبدأ، واقتسموا المناصب فيما بينهم. هذه هي المناصب الرئيسة الستة التي برزت في عهد قصي، والتي اقتسمها بعد ذلك أبناء عبد الدار، وأبناء عبد مناف ابني قصي. ولكن تطلع البطون القرشية إلى التقدم والمشاركة في شئون مكة, وحرص الملأ على وحدة القبيلة وإرضاء العشائر؛ أدى إلى أن يستحدثوا عشر وظائف أخرى هي: العمارة: وهي مراعاة الأدب والوقار في البيت الحرام، فلا يتكلم فيه بهجر ولا رفث ولا ترفع فيه الأصوات. والحجابة: وهي قفل البيت وفتحه للزائرين. والمشورة: وهي أنهم لا يجتمعون على أمر حتى يعرضوه على صاحبها. والأشناق: وهي جمع الأموال الخاصة بالديات والمغارم والقيام على أدائها. والقبة: وهي خيمة تجمع فيها أسلحة الجيش. والأعنة: وهي قيادة الخيل. والسفارة: وهي الاتصال بالقبائل الأخرى في المنافرات والمفاوضات. والأيسار: وهي الأزلام التي يضرب بها عند هبل كبير الأصنام في جوف الكعبة. والحكومة: وهي الفصل في المنافرات والخصومات. والأموال المحجرة: وهي الأموال المسماة للآلهة١. وحين ظهر الإسلام كان الشرف في قريش قد انتهى إلى عشرة رهط من عشرة أبطن وهم: ١- العباس من بطن هاشم، وإليه كانت السقاية وبقي له ذلك في الإسلام. ٢- أبو سفيان من بطن أمية، وعنده العقاب راية قريش؛ فإذا اجتمعوا على أحد سلمها له وإلا فهو صاحبها، وهذه الوظيفة هي وظيفة القيادة.
следующие страницы →